ولو قال قائلٌ مشيراً إليها، هذه زوجتُكَ فقال: لا، فهذا أظهر في كونه إقْراراً بالطلاق، ولو قال (مر اطلاق ده) 1 فقال الزوج: (دا دم) 2 فهو صريح في إيقاع الطلاق أو كناية؟ فيه مثل هذَيْن الوجهين، قال القاضي: هو صريحٌ يعود الخطاب في الجواب، ونَظْم الكتاب يقتضي ترجيحه.
وقال غيره: هو كناية، وهو الأشبه وعن طريقة القاضي أنَّه لو قيل له: (طلاق زن داده اى) 3 فقال: (دادم) 4، فهُوَ إقرار بالطلاق، ولو قال: (دادم) 5، لم يقع به الطلاق، وفي "فتاوى القَفَّال": أنَّه لو قيل له (زن طلاق دادى) 6 فقال: (داده) 7 فهو إقرارٌ بالطلاق، وليكن هذا فيما إذا كان القائل مستخبراً، فإن قول القائل بالعجمية (زن إطلاق دادى) 8، يصلح للاستخبار ولالتماس الإِنشاء، فأما قوله (زن طلاق داده اى) 9 فهو صريح في الاستخبار.
ولو قيل له: (زن طلاق) 10 فقال: نَعَمْ أو قيل: (زن دادى) 11 فقال: (دادم) 12 لم يكن ذلك إيقاعاً، قاله القفَّال، وأورد صاحب الكتاب في خلاَل هذه الصورة صورةً هي من جنْسها، وإن لم تتعلَّق بالطلاق؛ اقتداءً بالإِمام، والصورة ما إذا قال الدلال لبائع المتاع: بعْت هذا من فلان بكذا؟ فقال: نعم، قال الإِمام وصاحب الكتاب: إنه جواب للدَّلاَّل، وليس هذا خطاباً مع المشتري، ويمثله أجابا فيما إذا قال: بعْت، ولم يذكر الثمن، ولم يأتِ بما يصلُح أن يجعل ابتداءَ خطاب مع المشتري، والحاصل بأنهما قالا إنه لا ينقعد البَيْعُ بذَلِك، وإن قَبِلَ المشتري، ونحن قد حَكَيْنا في صيغ البَيْع وجهَيْن في انعقاد البيع، سواءٌ قال: نعم أو قال: بعْت، وقبل المشتري، وحكينا في مثل ذلك وجهَيْن في النكاح، وبيَّنَّا أن الأظهر عند الأئمة فيهما الانعقاد، ولو فرق بين البيع و [بين] النكاح، فجعل الأظهر في النكاح المنْعَ؛ لأنَّه لم يُصرِّح بأنَّه زوج منها كان ذلك مناسباً، لما قيل فيما إذا قال: زُوِّجْتُها منك، فقال: قَبِلْتُ، ولم يقل نكاحَها، ويجوز أن يعلَّم؛ لما ذكرنا قولُه "لم يكن هذا خطاباً مع المشتري" بالواو.
فَرْعٌ: إذا قيل له أطلقق زوجْتَك؟ فقال: قد كان بَعْض ذلك، لم يجعل ذلك إقراراً بالطلاق، لأنَّه ربما جرت بينهما مخاصَمَةٌ، وملاحَّة، وسؤال طلاق من جهتها، أو
وعده بالطلاق من جهته، أو تعليق طلاق، ومثل ذلك يصحّح مثل هذا اللفظ، فإن فسّر بشيْء من ذلك، قبل وأن كان السُّؤَال [كان] 1 عن ثلاث، ففسر بواحده وإن كان عن أو اثنتين، قُبِل، وإن لم يُفَسر بشيْء قال في "التتمة": إن السؤال عن ثلاث لزمه الطلاق [وإن كان عن واحدة] واحدة لم يلزمه شيء؛ لأن الطلقة الواحدة، لا بَعْض لها، والأصل أنْ لا طلاقَ فِي وَاحِدٍ من الطرفين نظر 2 لا يخفى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ عَلَّقَ طَلاَقهَا بِتَمْييزِ النَّوَاةِ الَّتِي أَكَلَتْهَا عَمَّا أَكَلَهُ فَبَدَّدَتْ برَّتْ إِذَا لَمْ يَكُنْ نِيَّتُهُ التَّفْرِيقَ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلاقَهَا عَلَى ابْتِلاَعِ تَمْرَةٍ فِيهَا وَعَلَى القَذْفِ وَالإمْسَاكِ بَرَّتْ بِأَكْلِ النِّصْفِ، وَلَوْ عَلَّقَ بِالنُّزُولِ مِنَ السُّلَّمِ وَبِالصُّعُودِ وَالوْقُوفِ تَخَلَّصَتْ بِالطَّفْرَةِ وَبِالحَمْلِ وَالانْتِقَالِ إِلَى سُلَّمٍ آخَرَ، وَلَوْ عَلَّقَ بِأَكْلِ رُمَّانَةٍ أَوْ رَغِيفٍ تَخَلَّصَتْ بِتَرْكِ حَبَّةِ مِنَ الرُّمَانَةِ وَفُتَاتٍ مِنَ الرَّغِيفِ، وَمَهْمَا كَانَ لِلَفْظِهِ مَفْهُومٌ في العُرْفِ وَوَضْعٌ في اللِّسَانِ فَعَلَى أَيُّهِمَا يُحْمَلُ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يُضْبَطُ بَلْ تَارَةً يُرَجَّحُ العُرْفُ وَتَارَةً اللُّغَةُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ دَرَجَاتِ العُرْفِ وَظُهُورِ اللَّفْظِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه صورة يتلطف فيها للتحرز من الحَنِث بضرب من الحيلة، وهي أربع إحداها إذا أكَل الزوجان تَمْراً أو مشمشاً وخَلَطا النَّوَى، ثم قال إن لم تميزي نوى ما أكَلْتِ عنْ نَوَى ما أكلْتُ، فأنْتِ طالقٌ، أو خلَطَتْ دراهمها بدراهمه، فقال: إن لم تتميزي دراهمَك عن دراهمي، فأنتِ طالقٌ قال الأصحاب: يَحْصُل الخَلاَصُ عن الحَنِث بأن تبددها؛ بحَيْث لا يلتقي منْها اثنان؛ فإنها إذا فعَلَتْ ذلك، فقد ميَّزت، نعم، لو أراد التمييز الَّذي يحْصل به التنصيص والتعيين لم يَحْصُل الخلاص بذلك، قال الإِمام: هذا اللَّفظ عنْد الإطْلاق يتبادر إلى الفَهْم منْه التعريف والتعيين، فكان ينبغي أن يُحْمَل اللفظ عليه، فإن أرَاد مُقْتَضَى الوَضْع في اللغة، فيبقى تردُّدٌ في أنَّه هل، يزال الظاهر للإطلاق والأشبه أنَّه يزال، فيمكن أن يعلَّم لهذا قوله في الكتاب "وإذا لَمْ يكن نيته التفريق"؛ لأنَّ على ما ذَكَره الإمَام لا يَحْصُل البرُّ بذلك، إذا لم ينوِ التعريف، وإنما تحصل البينونة إذا نَوَى معْنى اللفظَ بالوَضْع، وهو الفَصْل والتفريق.
قال في "الوسيط" كأن الأصحاب اكْتَفَوْا بوضْع اللغة، إذا لم تكن نية، وقوله في الكتاب "ولو عَلَّق طلاقَها بتمييز النواة التي أكلتها" أي نواة التمر أو التمرة الَّتي أكلتها،
ثم المراد بعد من التمييز، فإن التصوير فيما إذا قال: لم تُمَيِّزِي، على ما بيَّنَّاه.
الثانية: في فمها تمرةٌ، فقال لها الزوج: إن ابتلعتهَا، فأنتِ طالقٌ، وإن قَذَفْتِها، فأنتِ طالقٌ، وإن أمسكْتِها، فأنْتِ طالقٌ، فيحصل الخلاص عن الحنث فيها جميعاً؛ بأن تأكل نصْفها، وتقذِف النصْف، وهذا إذا وقع التعليق بالإمْساك آخرًا، وكما تَمَّت التعاليق، يحْصُل أكْل النصف، فأما إذا وقَع مُكْث، فقد حصَل الإمساك، ولو علَّق بالإمساك أولاً، وأكلت النصْف بعد تمام الأيمان، كان حانثًا في يمين الإمساك، ولو قَالَ: إن أكلْتها، فانتِ طالقٌ، وإن لم تأكليها، فأنْتِ طالقٌ، فلا تتخلَّص بَأكْل النصْف بل يَقَع الطَّلاق المعلَّق على عَدَم الأكل، وإذا علَّق الطَّلاَق بالأكْل، ففي الحَنِث بالابتلاع وَجْهان أوردهما: صاحب "التتمة".
والأظهر المنع؛ لأنه يصحُّ أن يقال ابتلع وما أكل.
الثالثة: كانَتْ تصْعَد سُلَّمًا فقال لها: إن نزلْتِ، فانتِ طالقٌ، وإن صعدتِّ، فانتِ طالقٌ، وإن وقفْتِ فأنتِ طالقٌ، فيحصل الخلاص بالطفرة إن أمكنتها، وبأن تحمل، فيصعد بها، أو ينزل، وينبغي أن يكون الحَمْل بغير أمْرها وبأن تضجع السُّلَّم على الأرض، وهي علَيْه، فتقوم من موضعها، وبأن يكون تحْتَهُ سُلَّم آخَرُ، فينتقل إلَيْه، وإن مَضَى في نَصْب سُلَّم آخر زمان، فيحنث في يمين الوقوف.
الرابعة: قال: إنْ أكلْتِ هذه الرمَّانة وإن أكلْتِ رمَّانة، فانتِ طالقٌ، فأكلَتْها إلا حبَّةً، لم يحنث.
قال الإِمام: وقد يقول القائل في العُرْف: أكلت رمَّانةً، وإن فاتَتْه حبَّة، لكنْ من قال: إنَّه لم يأكل الرمانة لا يُعَدُّ حائرًا على ظاهر الكلام، فإذن العُرْف متردد، والوضع يقتضي ألا تطلَّق، فلا وجْه للحُكْم بوقُوع الطَّلاق.
ولو قال: إنْ أكلْتِ هذا الرغيف، فأكَلَتْه إلا فُتَاتًا، فعَن القاضي: أنَّها لا تُطلَّق كما في حبة الرمان، وفصَّل الإِمام؛ فقال: إن بقيت قطعة تُحَسُّ، ويحصل لها مَوْقِع، فهي كالحَبَّة من الرمان، وربَّما ضُبِطَ ذلك بأن يسمى قطعة خبز وأما ما يَدِقُّ مُدْرَكُهُ، فلا يَظْهَر به أثر في بِرٍّ ولا حنث.
قال: وهذا مقْطُوع به عنْدي في حُكْم العُرْف، والوجه تنزيل المُطْلَق على هذا التفصيل، والله أعلم.
وهذه صورة أخرى من هذا الطور 1: لو قال: إنْ لَمْ تخبريني بعَدَد حبَّات هذه
الرمانة قبْل كَسْرها، فانتِ طالقٌ أو قال: إنْ لم تخبريني بعَدَد ما في هذه البيْت من الجوز اليَوْم، فأنْتِ طالقٌ، أو قال: إن لم تذكري لِي ذَلِكَ، وقد يضيق الوقْتُ، ولا يتأتى الوقُوف علَيْه، قال الأصحاب: يَحْصُل الخَلاَص بأن تبتدئ من عددٍ تستيقن أن الحَبَّات أو الجوز في البيت، لا ينقص عنه، وتذكر الأعداد بعدها على الولاء؛ بأن تقول: مائة مائة وواحد مائة واثنان، وهكذا إلى أن تنتهي إلى العدد الَّذي تستيقن أنَّه لا يزيد علَيْه، فتكون مخبرة عن ذلك العدد وذاكرةً له، وهذا إذا لم يَقْصِد التعيين والتعريف، وإلا فلا يحصل البِرُّ، كما ذَكْرنا في الصورة الأولى، [وتكلم الإِمام] 1 ها هنا بِمِثْل كلامه هناك؛ لأن المتبادر إلى الفَهْم مِنْ مثله التعريف والتعيين، وفي مَعْنَى هذه الصورة ما إذا أَكَل تَمْرًا، ثم قال: إنْ لم تخبريني بعَدَد ما أكلْتِ فانْتِ طالق، وكما إذا اتَّهَمَها بِسَرِقة، فقال: إن لم تَصْدُقِيني في حال هذه السرقة، فأنتِ طالقٌ، فقالت: سرقْتُ وما سَرَقَتْ قالوا: إنه لا يحنث؛ لأنَّها صادقة في أحد الخَبَريْن.
ولو كان الزوجان جالسَيْن، فوقع حَجَرٌ من السطح فقال: إن لم تخبريني بأن هذا الحَجَر مَنْ رماه، فأنْتِ طالقٌ، ففي "فتاوى القاضي الحُسَيْن": أنَّها إن قالت: رماه مخلوقٌ، لم يقع الطلاق، ويجيْء، فيه كلام الإِمام للعرف، وإن قالتْ: رماه آدميٌّ، وقع لجَوَاز أنه رمَاه كَلْب أو الرِّيح، فقَدْ وجد سببَ الحَنِث، وشككنا في المانع، وشبهه بما إذا قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء زَيْد اليوم 2 فمضى اليوم، ولم يَعْلَم مشيئته، فإنا نَحْكُم بوقوع الطلاق على اختلاف فيه.
ولو قال: من لم تُخْبِرْني بعدد ركعات الصلوات المفروضة في اليوم والليلة منْكن، فهي طالق، قال لثلاث نسوة، فقالت واحدةٌ سَبْعَ عَشْرَةَ، وثانية: خمْسَ عَشْرَةَ، وثالثة: إِحْدَى عَشْرَةً، لم تُطلَّقْ واحدةٌ منهن؛ الأول في غالب الأحوال، والثاني يوم الجمعة، والثالث في حقِّ المسافر، كذلك أورده صاحب "التتمة" ونقله القاضي الحُسَيْن أيضاً، ونقل أنه لو قال لزوجته [أكرمن فرد اهمه ديناراد ركار توبهم توهسته اى) 3 فالطريق أن يضع المُصْحَف في حجرها؛ لأن ما في الدنيا موجود فيه على ما قال تعالى جدُّهُ: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] وفيه توقُّفٌ.
وأنَّه لو قال: كلُّ كلمة كلَّمْتِنِي بها إن لم أقل مثلها، فأنْتِ طالقٌ، فقالت المرأة أنتَ طالقٌ ثلاثاً، فينبغي أن يقول: أنتِ تقولين أنْتَ طالقٌ ثلاثاً أو يقول: أنتِ طالقٌ ثلاثاً عن وثاق، وإذا قالت الزوجة: إذا قُلْت لك: طَلِّقْني ما تقول؟ فقال: أقول: طلَّقْتُكِ، لا
يقع الطلاق؛ لأنَّه يُخْبِر عما يَفْعَل في المستقبل.
ولو كان في يدها كوز مَاءٍ، فقال: إن قلبت هذا الماء، فأنتِ طالقٌ، وإن تركتيه فانتِ طالقٌ، وإن شربتيه أو غيرك، فأنتِ طالقٌ، فيَحْصُل الخلاص؛ بأن تضع فيه خرقة فتبلها به.
ولو كانت في ماء جار، فقال لها: إن مَكَثت فيه، فأنتِ طالقٌ وإن خرجت منْه، فأنتِ طالقٌ، قال الأصحاب لا تُطْلَق مكثت أو خرجت؛ لأن ذلك الماء قد فارقها، بجريانه ويجيء فيه ما ذكره الإِمام للعُرف، وإن كان الماء راكداً، فالطريق أن يحملها إنسانٌ في الحال، ولو قال إن لَم تَعُدِّي الجوز الَّذي في هذا البَيْت اليوم، فأنْتِ طالقٌ، فقد حَكَى الإِمام في طريق البِرِّ وجهَيْن:
أحدهما: أنها تأخذ من عدد تستيقنه وتزيد علَيْه واحداً بعْد واحد، حتى تنتهي إلى العدد الذي تستيقن أنه لا يزيد عليه، كما ذكرنا فيما إذا قال: إن لم تخبريني عن عدده.
والثاني: يلزم أن تبتدئ من الواحد وتزيد حتَّى تنتهي إلى الاستيقان، قال: واكتفوا على الوجهَيْن بذكْر اللسان، ولم يعتبروا تولي العد، ولست أرى الأمر كذلك، فإنَّ من جَلَس بعيدًا عن البيت الذي فيه، الجوز، وأخذ يذكر الأعْداد، لا يُسَمَّى عادًّا، نعم، لو كان يرمق الواحد بعد الواحد، ويضبط، فهذا يُقَام مقام الفعل باليد ويعد عدًّا، وأما قوله في الكتاب "ومهْمَا كان لفظه مفْهُوم في العرف، ووضع في اللسان فعلى أيِّهما يُحْمَل؟ [فيه تردد] " 1 فهو إشارة إلى أصل، نبني هذه الصور وأجناسه عليه، والمقصودُ أنَّه لا بُدَّ من النظر في مثْل هذه التعليقات في وضع اللسان، وفيما يَتَبَادَرُ إلى الفهْم معَها في العُرْف الغالب، فإن تطابَقَ الوَضْع والعرف، فذاك، وإن اختلَفَا، وكان المَفْهُوم في العُرْف منْه شيئاً، وحقيقة الوضع شيئاً آخر، فالاعتبار للوضع أو العرف؟ فيه طريقان، كلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع، واستحب الإِمام اتباع العُرْف، وساعده صاحب الكتاب، وذكَرَ كما ذكَرْنا في قوله إن لم تميزي نوى ما أكلتُ عن نوى ما أكلْتِ فإن حقيقته بالوَضْع الفعْلُ وَالتَّفريق، والمفهومُ منْه في العرفِ الغالبِ التعيينُ، وردَّد مثْل ذلك في صُوَر أخرى، ثم بَيِّن بقوله: "والتحقيق أن ذلك لا يضبط" أنه لا يمكن ترجيح أحَدِ الجانبين، وإدارة الحُكْم عليه على الاطراد والإطلاق، ولكن تختلف الحال فيه باختلاف العُرْف اطرادًا أو اضطراباً، ويكفيه دلالةُ اللَّفْظ على المَعْنَى قوةً وضعفًا؛ فقد يقوى العرف، ويترجَّح، فيقتضي هجران الوَضْع، وقد يضطرب، فيُؤْخَذ بمقتضى الوضع، وعلى الناظر التأمل والاجتهاد فيما يستقبله، والله 2 الموفق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَتْ: يا خَسِيسُ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ قَصَدَ
المُكَافَأَةَ طُلِّقَتْ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَلاَ تُطَلَّقُ إِلاَّ بِوُجُودِ الخِسَّةِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالعُرْفُ يَقْضِي بِأَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى المُكَافَاَةِ فَقَدْ تَرَدَّدَ اللَّفْظُ وَالصِّيغَةُ للِتَّعْلِيقِ وَهُوَ أَوْلَى هَهُنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه الصورة مثَالٌ لتعلُّقات 1 تجري في المخاصمة والمشاتمة بَيْن الزوجين، وموضعهما في الأغلب إذا واجَهَتِ المرأة زَوْجَها بمكروه، وأسمعته قبيحاً فيقول الزوج على سبيل المكافأة: إن كُنْتُ كذلك، فأنتِ طالقٌ، يريد أن يَغِيظَها بالطلاق، كما غاظَتْه بالشَّتْم وإسماع المكروه، وكأنَّه يقول: تزعمين أنِّي كذا، فأنتِ طالقٌ إذنْ فإذا قالت له: يا خسيسُ، فقال: إن كنْتُ كذلك، فأنتِ طالقٌ، نُظِرَ، إن أراد المكافأة، كما أوضحناها، طُلِّقَت، سواء كان خسيسًا أو لم يكْن، وإن قصد التعليق، لم تُطلَّق إلا بوجود الخسَّة كما هو سبيل التعليقات قال أبو الحسن العبَّادي: الخسيسُ مَنْ بَاع دينه بدُنْياه وأخس الأخساء من باع دينه بدنيا غيْره، ويشبه أن يقال: الخسيس في العرف، من يتعاطى ما لا يليق بحاله؛ لشدة البُخْل، فإن وقَعَت الصفة المذكورة في مَحَلِّ الإِشكال، وكثيراً ما يَتَّفِق ذلك في أنواع الشتم والإيذاء، فالأصل أن لا طَلاَق، وإن أطلق اللَّفْظ، ولم يَقْصِدْ المكافأة، ولا حقيقة التعليق، جريْنا عَلَى حقيقة اللفْظ، وهي التعليق، فإن عم العرف بالمكافأة كان على الخلاف الَّذي سبَق في أنه يراعي وضع اللَّفْظ أو العرف، والأصح، وهو المذكور في "التتمة" أنَّه يراعي اللَّفْظ ولا يكاد يطّرد عرف في مثْل ذلك، وجواب القاضي الحُسين يوافِقُ الوجْه الآخر، فإنه قال في فتاويه: لو قالت المرأة لزوجها (مراز تويسك دارد) 2 فهي طالق، فظاهره المكافأة، فيقع الطلاق، فإن ادَّعَى أنه أراد التعليق، صُدِّق بيمينه، فإذا حلف، فقالت المرأة بعد ذلك (ازتويسك مى دارم) 3 صُدِّقت، ووقع الطلاق، قال: ولو سكتَتْ، واختلعت، ثم قالت: كُنْتُ مستنكفة منْك، فالطلاق واقع، والخُلْع باطل، لم يُقْبل قولها؛ لأنَّها تسقط بدْل الخُلْع عن نفسها, ولو قالت يا سفيهُ، فقال إن كنُتُ كذلك، فأنتِ طالقٌ فإن قَصَد المكافأة، طُلِّقت في الحال، وإن قَصَد التعليق، طُلِّقت، إن كان سفيهًا، وإن أطْلَق، فعلى الخلاف، ويمكن أن يُحْمَل السفه، على ما يوجب الحَجْر، وعلى هذا نظائرُ ما يقع به الشتْم والإِيذاء وتكلموا في كلمات يدخل بعضها في حد الإِفحْاش ففي "التتمة" أن القوَّاد مَنْ يحمل الرجال إلى أهِلْه، ويخلى بينهم وبيْن الأهل، وُيشْبه أن لا يختص هذا الاسْم بالأهل بل هو الذي يجمع بين الرجال والنساء بالحرام 4، وأن القرطبان
الذي يعرف من يَزْنِي بزوجته، ويسكت عليه 1، وأن القليل الحمية الذي لا يَغَار على أهله، 2 ومحارمه، وأن القلاش الذواق الذي يُرى أنه يشتري الطعام ليتذوق منه، وهو لا يريد الشِّرَاء وأن الديوث من لا يمانع الناس من الدخول على زوجته، وفي "الرقم" للعبَّادي أنَّه الذي يشتري جاريةً تغني للنَّاس، وأن البخيل هو الذي لا يُؤَدِّي الزكاة، ولا يقري الضيف فيما قيل، وأنه لو قيل له: يا زوج القُحْبَة، فقال: إن كانَتِ امرأتي بهذه الصفة، فهي طالقٌ، فإن قَصَد التخليص من عارها، وقَع الطلاق، كما لو قَصَد المكافأة، وإلا فهُو تعليق، فيُنْظَر، هل هي بالصفة المذكورة 3، وأنه لو قال لها في الخصومة أيْش تكونين أنْتِ؟ فقالت: وأَيْشٍ تكون أَنْتَ؟ فقال: إن لم أكنْ أنا منْك بسبيل، فأنْتِ طالقٌ، ذكر القاضي الحُسَيْن أنه إنْ قَصَد به التعليق، لا يقَع الطلاق؛ لأنها زوجته، فهو منْها بسبيل، وإن قَصَد المغايظة والمكافأة يقع، والمقصود إيقاع الفرقة وقطْع ما بينهما من السَّبَب، وأنَّها لو قالت لزوجها: أنْتَ من أهل النَّار، فقال: إن كُنْتُ من أهل النار، فأنْتِ طالقٌ، فلا يحكم بوقوع الطلاق، إن كان الزوْج مسلماً؛ لأنه من أهل الجنَّة في الظاهر، وإن كان كافراً، حكم بوقوع الطلاق، فإن أسلم بعد ذلك بان أنه لم يَقَع، ولو قالَتْ: يا سَفِلَة، فقال: إن كنْتُ كذلك، فأنتِ طالقٌ، فلأصحاب أبي حنيفة اختلافٌ شديدٌ في تفسيرِ هذه اللفظة.
قال إسماعيل البوشنجي: والأولى أن يُقَال: هو الَّذي يتعاطى الأفعال الدنيئة، ويتعودها, ولا يقع هذا الاسم على الإِنسان بأن يَتَّفِق منه نادرًا؛ كاسم الكريم السيد في نقيضه، ولا يخفى أن النَّظَر في تحقيق هذه الأوصاف إنَّما يُحْتَاج إليه عند حمْل اللَّفْظ على التعليق، فأما إذا كان محمولاً على المكافأة، فيقع الطلاق في الحَال، ولا يحتاج إلى هذا النَّظَر، والكَوْسَج من قل شَعْر وجْهه مع انحساره عن عارضيه.
وعن أبي حنيفة أنَّه الذي عدد أسنانه ثمانية وعشْرون.
وذكر أبو العباس الرُّوياني أن الأحمْقَ من نقَصَتْ مرتبة أموره وأحواله عن مراتب
أمثاله نقصانًا متباينًا بلا مرض ولا سبب 1، وأن الغوغاء: الذي يخالط المفسرين والمنحرفين يخاصم الناس ولا تقية فيه.
ولو قال: إن خرجتِ إِلاَّ بإِذني، فانتِ طالق، فقالت: أَنتَ أعظم سجن، فقال إن لم أكن عظيمًا، فأنتِ طالقٌ.
قال إسماعيل البوشنجي: لا يجُوزُ فيه على قياس المَذْهب إلاَّ أحد قولين، إما أن يراعي الصفة، وإما أن يقْضِيَ بوقوع الطلاق في الحال، حمْلاً على طريقة المكافأة، ولو قالَتْ: يا جهودروي فقال: إن كنت كذلك، فأنْتِ طالقٌ، وقصد التعليق، قال الإِمام: وقع ذلك في الفتاوى، وأكثروا في التعبير، عن هذه الصفة، فقيل هي صُفْرة الوجه، وقبل الذلةُ والخساسة، وكان جوابنا فيه أن المُسْلِم لا يكون على هذا النعت، فلا يَقَع الطلاق، قال في "الوسيط": وفيه نظر؛ لأن الحال يتصور وصفًا في المُسْلِم حتَّى يُصَدَّق في تارةُ، ويكذَّب أخرى، وذكر أنه وقع في الفتاوى أن رجلاً قال لزوج ابنته في مخاصمتها: لم تحرك لحيتك، فقد رأيت مثل هذه اللِّحْية كثيراً؟ فقال: إن كنت رأيت مثل هذه اللحية كثيراً، فابنتك طالقٌ، قال وليس المراد المماثلة في الشَّكْل، والصورة وعدد الشعرات، وإنما يُكْنَى باللحية في مثل هذا الموضع عن الرجولية والفتوة ونحوهما، فإن حُمِلَ اللفظ على المكافأة، وقَع الطلاق، وإلا فلا يقع؛ لكثرة الأمثال، وفي "التَّتِمة" أنَّه إذا نُسب إلى فعْل سيئ كالزنا، واللواط، فقال: مَنْ فعْلُه مثْلُ هذا فامرأته طالق، وكان ذلك فعْلَه لم يُحْكَمْ بوقوع الطلاق؛ لأنه لم يوقع الطلاق، إنما غرضه ذَمُّ من يفعل ذلك، وكأنَّه يقول: لا يستحسن إمساك امرأة مجرمة في بيته لا يفعل مثل هذا الفِعْل.
ولو قال لامرأته زنيت أَوَ سَرَقْتِ كذا؟ فقالت: لم أفعْلْ، فقال: إنْ كنت زنيت أو سرقت فأنتِ طالقٌ، يحكم بوقوع الطلاق في الحال، لإقراره السابق والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ عَلَّقَ عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِلأَمْرِ ثُمَّ قَالَ: لاَ تُكَلِّمِي زَيْداً فَكَلَّمَتْ لَمْ تُطَلَّقْ لأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ لِلَنَّهْيِ، وَهَذَا يُنَازعُ فِيهِ العُرْفُ، وَلَوْ عَلَّقَ عَلَى النَّهْي فَقَالَ: قُوْمِي فَقَعَدَتْ قِيلَ: إِنَّهَا طُلِّقَتْ لأَنَّ الأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى حِينٍ أَوْ زَمَانٍ طُلِّقَتْ بَعْدَ لَحْظَةٍ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي العَصْرِ وَالحُقُبِ وَهوَ بَعِيدُ،
وَلَوْ عَلَّقَ عَلَى الضَّرْبِ لَمْ يَحْنَثْ بِالضَّرْبِ مَيِّتًا، وَالمَسُّ بَعْدَ المَوْتِ مَسٌّ، وَلَمْسُ الشَّعَرِ وَالظُّفُرِ لاَ يُحْنِثُ، وَالقُدُومُ بِالمَيِّتِ لَيْسَ بِقُدُومٍ، وَقَذْفُ المَيِّتِ قَذْفٌ، وَرُؤْيَةِ المَيِّتِ رُؤْيَةٌ، وَالرُّؤْيَةُ فِي المَاءِ الصَّافِي رُؤْيَةٌ، وَفِي المِرْآةِ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَرُؤْيَةُ غَيْرِهَا الهِلاَلِ كَرُؤْيَتِهَا، وَالهَمْسُ بِالكَلاَمِ بِحَيْثُ لاَ يُسْمَعُ لَيْسَ بِكَلاَمٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى مَسَافةٍ لاَ تُسْمَعُ، فَإنْ حَمَلَ الرِّيحُ الصَّوْتَ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ مَنَعَ الذُّهُولُ أَوِ اللَّغَطُ السَّمَاعَ فَهُوَ كَلاَمٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا علق الطلاق على مخالفة الأمر والنهي [فلو قال: إن خالفت نهيي فأنتِ طالقٌ، ثم قال: قومي، فقعدت، وقع؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، وهذا فاسد؛ إذ ليس الأمر نهياً عن ضده فيما يختاره، وإن كان، فاليمين لا ينبي عليه، بل على اللغة أو العرف، لكن في المسألة الأولى نظر بسبب العرف 1 ولو قال: أنتِ
طالقٌ إلى حين أو زمان، أو بعد حين طلقت بمعنى لحظة، ولو قال: إذا مضى حقب أو عصر فأنتِ طالقٌ، قال الأصحاب: يقع بمعنى لحظة، وقال الإِمام وصاحب الكتاب هذا مشكل؛ لأن اسم الدهر والعصر والحقب لا يقع إلاَّ على الزمان الطويل، قال الإِمام والعصر هو الذي يحوي أممًا، فإذا انقرضوا انقرض العصر ومن قول الناس انقرض عصر الصحابة، ومن قول الأصوليين هل يشترط في انعقاد الإجماع انقراض العصر، وهذا بين في معنى العصر، وليس ينقدح في الذهن يعني إذا أطلق وقرن بالمعنى إلاَّ العمل على العصر، ولست واثقًا بهذا لكن استبعاد وقوع الطلاق بمعنى الزمان اللطيف والتعليق بالعصر والدهر والحقب حق، ويؤيده أن أهل اللغة أوردوا أن الحقب بسكون القاف ثمانون سنة، وربما زادوا على الثمانين، والحقب بضمتين: الدهر، والحقبة بكسر الحاء واحدة الحقب وفسر أهل اللغة الحقب بسكون القاف بثمانين سنة، وليس في كتب الفقه ما يخالفه وإذا علَّق الطلاق بالضرب، طُلِّقت إذا حصل الضرب بالسوط أو الوكز أو اللكز، ولا يشترط إلاَّ تكون حائل، والأشْهَر أنَّه يعبر أن يكون فيه إيلام، ومنهم من لم يشترط الإيلام، واكتفى بالصَّدْمة لأنَّه قد يضرب مجتمع اللَّحْم من الإِنسان بجميع الكَفِّ فيلتذ به التذاذ المَغْمور، وهو ضَرْب، وليس بإيلام وإلى هذا قال الإِمام أنَّ الإِيلاَم وحْده لا يكْفِي؛ فإنه لو وضع حَجَرًا ثقيلاً عليه انصدم حتى تحْته، لم يكن ذلك ضربًا، وإن حصل الإِيلام، وإن الصدمة المجردة لا تكفي فإنَّه لو ضَرَب أنملة على إنْسَان، لا يقال: إنه ضربه، وكان المعتبر في إطلاق اسْم الضَّرب الصدم بما يُؤْلم أو يتوقع منه إيلام، ويدل عليه اتفاق الأصحاب على أنَّه لا يقع الطلاق، إذا كان المَضْروب مَيِّتًا؛ لأنه ليس في مظنة الإيلام، وأثبت القاضي الرُّوياني فيه خلافاً، فقال بعد ذكر المسألة وحُكْمها وَغَلَطِ من قال غيره، والعض، وقطْع الشّعر، لا يسمى ضربًا، فلا يقع به الطلاق المعلَّق بالضرب، قاله ابن سُرَيْج، وعن المُزَنِّي توقُّفٌ في العض؛ لحصول الصدمة والإِيلام، فكأنه ضَرْبٌ بالسن.
الثانية: لو علق بالمس، وقع الطلاق إذا مسَّت شيئاً من بدنه حيًّا، كان أو ميتاً، ولا يُشْتَرَط ألاَّ يكون وراءه حائلٌ ولا يقع بمَسِّ الشعر والظُّفُر، قال الإِمام: الوجْه القطع وإن ذكرنا تردُّداً في أن الطهارة هل تنتقض بمسها من إنسان إن لمسه؟ وليس هذا بالبين، والأشبه مَجِيْء التردُّد فيه.
الثالثة: إذا علَّق بقدوم زيد، طلِّقَتْ إذا قَدِم راكبًا أو ماشياً، وإن قدِم به ميتاً لم يقع فإنه لم يَقْدَم، وإن حُمِل وقَدِم به، نُظِرَ؛ إن كان بأمره واختياره، فهو كما لو قَدِم راكبًا، وإن لم يكن بأمره، لم يقَعْ، سواءٌ كان زَمِنًا أو صحيح البدن، هذا هو الظاهر، ويأتي فيه خلاَفٌ لأن صاحب "المهذب" وغيره نقلوا طريقاً فيما إذا حلف أن يدخل الدار، فحمل بغَيْر إذنه واختياره وأُدْخِل؛ أنه على القولَيْن فيما إذا أُكْرِه حتَّى دَخَل
بنفسه، ووجهوه 1 بأنا سوَّينا في حال الاختيار بيْن دخوله بنَفْسه، ودخوله محمولاً، فكذلك يستوي في حال عدم الاختيار بيْن دخوله بنفسه ودخوله محمولاً.
الرابعة: إذا علَّق الطلاق بقذف زيْد، وقع الطلاق بقذفه حيًّا كان أو ميتاً؛ لأن قذف الميت كقذف الحيِّ في الحكم، ووقوع اللفظ عليه ولو قال: إن قذفت فلانًا في المسجد فأنتِ طالقٌ، فالمعتبر كون القاذف بالمسجد، بخلاف ما لو قال: إن قتلت فلانًا من المسجد فأنتِ طالقٌ، كان يعتبر المقتول في المسجد.
والفرق أن قرينة الحال تشعر بأن المقصود الامتناع مما يهتك حرمة المسجد، وهتك الحرمة يكون القذف والقتل في المسجد يحصل إذا كان القاذف فيه، والقتل من المسجد إنما يحصل إذا كان المقتول فيه، فلو قال المعلِّق: أردت في القَذْف كَوْن المقذوف في المسجد، وفي القَتْل كَوْنَ القاتل في المسجد، فهل يُقْبل ظاهراً.
وحكى الإِمام فيه تردُّدًا، والظاهر القبول، لصلاحية اللفظ للمعنيين، وإذا كان الفَرْق عنْد ذكْر المسجد مأخوذًا من قرينة الحال، فلو قال: إن قَذَفْت في الدار، وقتلت وجب الحال وُيرَاجَع المعلِّق.
الخامسة: إذا قال: إن رأَيت فلانًا، فأنْتِ طالقٌ، فرأتْه حيًّا أو ميتاً، مستيقظًا أو نائمًا، وقع الطلاق، ولا بأْس يكون المرئي أو الرائي مجنونًا أو سكرانًا ويكْفِي رؤية شيْء من بدنه، وإن قلَّ.
وفي وجْه المعتبر رؤية الوجْه، وإن كان كله ملفوفًا في الثوب، لم تُطلَّق، ولو رأتْه في المنام، لا تُطلَّق؛ فإنَّه لا يقع اسم الرؤية المُطلقَة، عليْه، وإن كان في ماءٍ صافٍ لا يمنع الرؤية، فَرَأَتْهُ فيه، فعن القاضي الحُسَيْن: أنه لا يقع الطلاق، والصحيح الوقوع، والماء اللطيف بَيْن الرائي والمرئي كأجزاء الهواء بينهما, ولهذا لا تصحُّ صلاة الواقف في هذا الماء ويكونُ حكمه حُكْمَ العارين، ولو رأَتْه من وراء زُجَاج شفَّافٍ، فهو كما لو كان في الماء، فرأته ولو نظرت في المرآة أو في الماء فرأتْه؟ قال الإِمام هذا فيه احتمال؛ لأنه، إن حصَلَت الرؤية في الحقيقة، لكنه يصحُّ في العرف أن يقال: ما رآه، وإنما رأى مثاله أو خياله، والظاهر أنَّه لا يقَعُ الطلاق، وبه أجاب صاحب "التهذيب" في المرآة والمتولِّي في المرآة والماء جميعاً، ولو كانت المرأة عمياء، فقال: إن رأيت فلاناً، فأنتِ طالقٌ، ففي "النهاية" أن المذهب أن الطلاق معلَّق بمستحيلٍ، فلا يقع، وفيه وجْه أنَّه يحمل 2 على حضورها عنْده، واجتماعهما في مجْلس واحد؛ لأن الأعمى يقول رأيتُ اليَوْم فلانًا، ويريد الحضور عنْده.
وقوله في الكتاب "والرؤية في المَاءِ الصَّافِي رؤيةٌ" يريد به ما إذا كان المرئيُّ في الماء الصافي، فأما النَّظَر في الماء، ورؤية الشخْص فيه كالنظر في المرآة، ولا فَرْق بينهما, وليعلَّم قوله: "في الماء الصافي رؤية" بالواو لما حكينا عن القاضي، لو علَّق الطلاق برؤيتها الهلال أو برؤية نفْسِه فهو محمول على العِلْم، فرؤية غيْر المعلَّق برؤيته كرؤيته، وعلى ذلك حُمِلَ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ" ويقال: رأينا 1 الهلال ببلد كذا، ويراد رؤية بعْض أهل البلد، وتمام العدد كرؤية الهلال، حتى يقع به الطلاق، وإن لم ير الهلال لحائل، حُكِيَ ذلك عن أبي إسحاق، ولو قال المعلِّق أردتُّ بقولي: "إن رأيْتِ أو رأيْتِ" المعاينة قُبلَ قوله في الباطن، وفي الظاهر وجْهان: أشبههما القَبُول أيضاً، والمذكور في "التهذيب" أنه لو كان المعلّق برؤيته أعمى، لمْ يُقْبل التفسير بالمعاينة في الظاهر، ويجيْء على قياس ما ذكرنا فيما إذا قال للعمياء، إنْ رأيْتِ، فلاناً فأنتِ طالقٌ، أن يسوي بين الأعمى والبصير، في قَبُول التفسير بالمعاينة، وبالقبول أجاب الحَنَّاطِيُّ، وحَكَى فيما إذا أطلقَ فلم يُرِدْ شيئاً قوليْن في أنَّه هلْ يَقَعُ الطلاق برؤية الغَيْر وجميع ما ذكَرْنا فيما إذا جرى التعليق برؤية الهلال بالعربية، أمَّا إذا جَرَى بالعجمية، فعن القفَّال: أنَّه يُحْمَل على المعاينة دون العلْم، سواءٌ فيه البصير والأعمَى، وادعى أن العُرْف المذكور لم يُثْبت إلا في العربية، ومَنَع الإِمامُ الفَرْق فيه بين اللغتين.
وفي "التهذيب" وَجْهٌ أنه يحمل في حق الأعمَى على العلم، وإذا أطْلَق التعليق برؤية الهلال، حُمِلَ على أوَّل شَهْر تستقبله حتَّى إذا لم تر في الشهر الأول، ترتفع اليمين، قاله في "التهذيب"، وهذا يخالف القَوْلَ بوقوع الطَّلاَقِ بتمام العدد على ما مَرَّ، ويمكن أن يُحْمَل ذلك على ما إذا صَرَّح بالمعاينة، أو فسر بها، وقبلناه.
قال: والرؤية في اللَّيْلة الثانية والثالثة كهي في الأولى، ولا أثَرَ للرؤْية في الليلة الرابعة، فإنه لا يُسَمَّى هلالاً ثلاث وفي "المُهَذَّب" أنَّه لو لَمْ يرَ حتَّى صار قَمَرًا، لمْ تُطَلَّق بالرؤية بعْده، وحكى وجهين في أنه بم يصير قَمَرًا.
أحدهما: باستدارته.
والثاني: بأن يُبهر ضوءه 2.
ويعتبر أن تكون الرؤية بعد غُرُوب الشمس، ولا أثر للرؤية، قبله، وقوله في الكتاب "ورؤية غيرها الهلال كرؤيتها" يعني إذا كان التعليق برؤيتها، ويجوز أن يعلَّم
بالحاء؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة أنَّه يُعْتَبَر رؤية المعلق برؤيته خاصَّة.
السَّادِسَة: قال: إن كَلَّمْتِ فلانًا، فأنْتِ طالقٌ، فكلمته، وهو سكران أو 1 مجنونٌ، يقع الطلاق، والشَّرط؛ على ما بيناه وفي "الشامل" يشترط أن يكون السكران؛ بحيث يَسْمَع ويكلم، وإلا فهُو كالنائم، ولو كلَّمتْه، وهو نائم، أو مغمى عليه، لم يقَع الطَّلاق، وكذا لو هذت في نومها، أو إغمائها, ولو كلَّمَتْه، وَهي مجنونة، أطْلَق ابن الصَّبَّاغ القول أنه لا يقَع الطَّلاق، وعن القاضي الحُسَيْن: أنَّه يقع، والظاهر تخريجه على الخلاف في حنث الناسي، والمكره، فإن قصد الجنون أضعف من قصد المكره، وسكرها حتى تكلمه لا يؤثر على الأصح إلاَّ إذا انتهت إلى السُّكْر الطافح، ولو خفَضَتْ صوتها بحيث لا يُسْمَع، وهو الهمس بالكلام، لم يقع الطلاق، وإن وقَع في سمْعِه شيْء اتفاقاً، وفهم 2 المقصود لأنه لا يقال: إنها كلَّمَتْه، وكذا الحكم لو كلَّمَتْه من مسافة بعيدة لا يُسْمَع الصوت منها, ولو اختطف الريح كلامها، وحمَلَه، وأوقعه في السَّمْع، فقد أشار الإِمام إلى تردُّد فيه، ولا ظاهر أنَّه لا يقع الطلاق، وإن كانت المسافة بحيْث يسمع منها الصوت، وقع الطلاق، إن لم يَسْمَع المكلم؛ لذهول أو شغل، فإن لم يسمع لعارض أو لغط أو ريح أو لما به من الصَّمم، فوجهان:
أحدهما: وهو الَّذي أورده الإِمام، وصاحب الكتاب في اللغط، وبه أجاب القاضي الروياني أنه يقع الطلاق؛ لأنها كلَّمَتْه وعَدَم السماع إنما كان لعارض، فأشبه ما إذا كان للذُّهُول.
وأصحهما: عند صاحب "التهذيب" أنَّه لا يقع الطلاق حتَّى يرتفع الصوت بقَدْر ما يسمع في مثل تلْك المسافة مع ذلك العَارِض، فحينئذٍ يَقَع، وإن لم يسمع وذلك؛ لأن الاعتبار بما يَكُون تكليمًا مع مَثْله، ولهذا يختلف حُكْم القريب والبعيد، ورأى الإِمام القَطْع بالوُقُوع إذا كان اللغط بحَيْث لو فُرضَ معه الإِصْغَاء، لأَمْكن السماع، وكذا في تَكلُّم الأصم إذا كان وجهه إليه، وعَلِمَ أنَّه يكلمه 3، وقطع الحنَاطي بعَدَم الوقوع إذا كان الصَّمَم بحيث يَمْنَع السماع أصلاً، ويحكى قولين فيما إذا قال: إن كلَّمْتِ نائماً أو غائبًا عن البلد، هل يقع الطلاق في الحال بناء على الخلاف في التعليق بالمستحيلات، يحتمل أن يقال: لا يقع الطلاق حتى تخاطبه مخاطبة المكلّمين وبنحو منه، أجاب القاضي أبو الطيِّب فيما إذا قال: إن كلَّمْتِ ميتاً أو جمادًا، فأنتِ طالقٌ والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَكُلُّ فِعْلٍ عُلِّقَ بِهِ فَإِذَا حَصَلَ مِنَ المُكْرَهِ أَوِ النَّاسِي فَفِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قَصَدَ مَنْعَهَا عَنِ المُخَالَفَةِ فَنَسِيَتْ لَمْ تُطَلَّقْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا علَّق الطلاق بفِعْل إنسان، فوجد ذلك الفعْل منْه، وهو مُكْرَةٌ أو ناسٍ للتعليق أو جاهِلٌ به، فعن القفَّال أنه لا أثَر لوُقُوع الفعْل في هذه الأحوال، ولا يخْرج وقُوع الطَّلاق على الخلاف في حصول الحنث إذا حلَف أن لا يدخل الدار، فدَخَل مكرهًا أو ناسيًا، وفَرقَ بأن التعويل في اليمين على تعْظيم اسم الله 1 تعالى، والحنث في هتْك حُرْمَته، وهذه الأحوال تَمْنَع حصول الهتْك، والتعويل في تعليق الطلاق على حُصُول الصفات المعلَّق عليها، وهي حاصلةٌ، وإن فُرِضَتْ هذه الأحوال فظاهرُ المَذْهب أنَّ لذلك الخلافِ مجالاً هاهنا أيضاً، فقد يقصَد بتعليق الطَّلاق الحنث، والمَنْع كما في اليمين، وعلى هذا؛ فيُنْظَرُ؛ إن علَّق الطلاق بفِعْل نفْسِه ففعله مكرهاً أو ناسيًا، ففي وقوع الطلاق قولان؛ وجه الوقوع: وجودُ الفعْل المعلَّق به، ووجه المنْع: أن الإِكراه والنسيان مرفوعان عن الأمة، فكأنه لم يوجَدِ الفعل؛ ولهذا قلنا: إنَّه لا يقع طلاق المكْرَه، وقد ذكَر صاحب "المهذب" والقاضي الرُّويانيُّ وغيرهما: أن الأظهر في الأيمان أنَّه لا يَحْصُل الحنث بفعل الناسي والمكره، ويشبه أن يكون الحال 2 في الطَّلاق 3 مثْله، وإن علَّق الطلاق بفعْل المرأة أو بفعْل أجنبي، فإنْ لم يكن المتعلَّق بفعله شعورٌ بالتعليق، ولم يقْصِد الزوج إعلامه أو كان المعلَّق بفعله ممَّن لا يبالي بتعليقه، كما لو علَّق بقدوم الحجج أو السلطان، وقَع الطلاق، إذا وُجِدَ ذلك لفعل، وإن كان مع الإكراه والنِّسْيان، لأنَّه ليس في التعليق، والحالَةُ هذه، غرَضُ حَثٍّ ومنع، وإنما الطَّلاق مَعلَّق بصورة ذلك الفِعْل، ومنْهم من أَجْرَى القولَيْن في صورة الإِكراه؛ لأن الإِكراه يُضْعِف الاختيار، وكأن الموجود فعْل المكره، وإن كان المعلَّق بفعله شاعراً بالتَعليق وكان 4 مِمَّن لا يبالي بتعليقه، فيَجْري في صورتي النسيان والإِكراه الخلافُ، ولْيُعْتَبَر معَ ذلك قَصْده الحث والمَنْع، وكذلك فَعَل ابن الصبَّاغ والإِمام؛ فإنَّه قد يَقْصِد التعليق بصورة الفِعْل، وإن كان الشخص ممَّن يبالي بتعليقه، ويلائمه ما ذَكَر صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" أنه لو قَصَد منْعَها من المخالفة، فنَسِيَتْ لم تُطلَّق؛ لأنَّه لم تتحقَّق مخالفة لكنَّه نفى في "الوسيط" الخلاف، وُيشبه أن يُرَاعَى معْنى
التعليق، ويُطْرَد الخلاف 1 ولو علَّق الطلاق بدخول الطفل والبهيمة والسّنّوْر، ووُجِد الدخول، حَصَل الحنث، قال الحناطي: ويُحْتمل أن لا يحْصُل إن حَصَل الدخول كرهًا، فلا حَنِث، قال: ويُحْتمل أن يحْصُل الحنث؛ لأنَّه ليْس لهُمْ قصد واختيار صحيح [فلا أثر لإِكراههم] 2 قوله في الكتاب: ففيه قولان يجوز إعلامه بالواو لِمَا حكينا عن القَفَّال، وأيضاً فإنَّه مطْلَقٌ، وذكرنا أنه لو كان المعلَّق بفعله ممن لا يبالي بالتعليق، لم يُؤثِّر الإِكراه في أحد الطريقين، وهو الأظهر ولا أثر للنسيان في هذه الصورة، بلا خلاف والله أعلم.
وإذْ وفق الله تعالى لشرح [هذا] 3 فنعقبه بمسائل وصُوَر مبددة:
إذا قال لأربع نسوةٍ تحته: إن لم أطأْ واحدةً منْكُنَّ اليوم، فصواحبها طوالقٌ، فإن وطئَ واحدةً منْهُنَّ في ذلك اليوم، انحلَّت اليمين، وإن لم يطأْ واحدةً، وقعَتْ على كلِّ واحدةٍ منهن طلقةٌ، ولو قال: أيَّتُكُنَّ لم أطأها اليوم، فالأُخرياتُ طوالقُ، ومضى اليوم، ولم يطأْ واحدةً، طُلِّقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأن لها ثلاث صواحِبَ لَمْ يطأْها, ولو وَطِئَ واحدةً، طُلِّقت هي ثلاثاً، [لأن لها ثلاث صواحب لم يطأهن] وكل واحدة من الأخريات طُلْقْنَ؛ لأن لكل واحدة منهن صاحبتَيْن لم يطأْهُمَا, ولو وطئ اثنتين طُلِّقَت كلُّ واحدة منْهما طلقتين، وكل واحدة من الأخريين طلقةً، ولو وطئ ثلاثاً، طُلِّقت كل واحدة منْهن طلقةً، ولم تُطلَّق الرابعة؛ لأنَّه لَيْس لها صاحبة غيْر موطوءه، ولو قال: أيتكن لم أطأها، فالأخريات طوالق، ولم يقيِّد بِوَقْت، فجميع العمر وقْتٌ له، فإن مات أو مُتْن قبل الوطء، طُلِّقت كل واحدة ثلاثًا قبيل الموت، وإن ماتَتْ واحدة قبل الوطء، والزوج حيٌّ، لم يُحْكَم بوقوع الطلاق على الميتة؛ لأنه قد يطأ الباقيات، ويقع كل واحدة من الباقيات طلقة، ولو ماتت ثانية قبل الوطء: تبيَّن وقوع طلقة على الأولى قبل موتها، وطُلِّقت كل واحدة من الباقيتين طلقةً أخرى، وإن بقيتا في العدة، فإن ماتَتْ ثالثة قبْل الوطء، تبيَّن وقوع طلقتين على الأوليين قبل موتهما، وطُلِّقَت الباقية طلقةً ثالثة، فإن ماتَت الرابعة قبيل الوطء تبينَّ وقوع الثلاث على الجميع.
ولو قال: أنتِ طالقٌ عشْرًا، فقالت تكفيني ثلاث، فقال: الباقِي لضرَّتِكِ، لا يقَعَ على الضَّرَّة شيءٌ؛ لأن الزيادة على الثلاث لغْوٌ، ولو قالت تكفيني واحدةٌ فقال: الباقي
لِضَرَّتِك، يقع عليها ثَلاَثٌ، وعلى الضَّرَّة طلقتان، إذا نوى، قاله في "التهذيب".
قال: إن سرقْتِ منِّي شيئاً فأنتِ طالقٌ، فدفع إليها كيسًا فأخذت منْه شيئاً، لا تطلَّق؛ لأنه يُسمَّى خيانةً: لا سرقةً، والعُرْف قد تنازع في ذلك.
قال لامرأته: إن كلَّمْتُك، فأنتِ طالقٌ، ثم أعاد مرَّة أخرى، طُلِّقَت؛ لأنَّه قد كلَّمها وبالإِعادة، ولو قال: إن كلَّمْتُك، فأنتِ طالقٌ، فأعلمي ذلك، طُلِّقَتْ بقوله فاعلمي ذلك وقيل: إنَّه إذا كان موصولاً بالكلام الأول، لم يُؤَثِّر؛ فإنه من تتمته، ولو قال: إن كلَّمْتُك، فأنتِ طالقٌ، إن دخلْتِ الدارَ، فأنتِ طالقٌ، فالتعليق الثاني كلامٌ معها، فتطلَّق، وإن قال: إن برأتُكِ بالكلام، فأنتِ طالقٌ، وقالت: إن برأتُكَ بالكلامِ فعَبْدي حرٌّ، ثم كلمها ثم كلمته، لم تُطَلَّق هي، ولم يُعْتَق العبد؛ لأن يمينه انحلَّت بتعليقها، ويمينها انحلت بكلامه أوَّلاً، ولو قال لغيره إن برأتك بالسَّلام، فعَبْدي حرٌّ، وقال ذلك الغير: إن برأتك بالسَّلام، فعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ سَلَّمَ كُلُّ واحد منهما على الآخر دفعة واحدةً قال في "النهاية: لا يُعْتَقُ عبْدُ واحد منْهما؛ لأنَّه لم توجَد البداية بالسلام منْ واحد منهما وتنحل اليمين فإذا سلَّم بعد ذلك أحدهما على الآخر لم يعتق واحد من عبديهما لأنه ليس مبتدئًا.
قال المَدْيون لرب الدين: إن أَخَذْتَ ما لك عليَّ، فامرأتي طالقٌ، فأخذه مختارًا، طُلِّقت امرأة المديون، سواءٌ كان مختارًا في الإعطاء أو مكرهًا، وسواء أعْطَى بنفسه أو بوكيله، أو استلبه ربُّ الدَّيْن.
وَبِمِثْلِهِ أجاب صاحب "التهذيب" فيما إذا أخذه السلطان، فدفعه إلَيْه، وفي كتب العراقيين أنَّه لا يقع الطَّلاق إذا أخذه السلطان، ودَفَعه إليه؛ لأنه تبرأ ذمَّة المديون إذا أخَذَه السُّلْطَان، ويصير المأخوذ مِلْكًا له، وإذا كان كذلك، فلا يَبْقَى له حقٌّ عليه، حتى يقال: أخَذَ حقَّه عليه، ولو قضَى عَنْه أجنبيٌّ قال الداركي: لا يقع الطلاق؛ لأنَّه بدل حقّ المستحقِّ، لا حقّه، ولو قال: إن أخذْتَ حقَّكَ منِّي، فهي طالقٌ، لم تطلَّق بإعطاء وكيله ولا بإعطاء السلطان من ماله، فإن أكرهه السُّلْطَان، حتى أعْطَى بنفسه، فعلى القولين في فِعْل المكره، ولو قال: إن أعْطَيْتُكَ حقَّكَ، فأعطاه باختياره، حنث، سواءٌ كان الآخَرُ مختارًا في الأخذ أو لم يكن، ولا يحنث بإعطاء الوكيل والسلطان.
قال: أنتِ طالقٌ مريضة بالنصب لا يقع الطلاق إلا إذا مَرِضَتْ؛ لأن الحال كالظَّرْف للفعل ولو قال: أنتِ طالقٌ مريضة بالرفع فقد قِيلَ، يقع الطلاق في الحال، وقوله: "مريضةٌ" وصف لها واختار ابن الصَّبَّاغ الحمل على الحال أيضاً؛ لأنه لَحْنٌ في الإِعراب 1.
قال لامرأتيه إن دخلتما هاتَيْن الدارين، فانتما طالقتان، فدخلَت كل واحدة منهما إحْدى الدارين، فوجهان:
أحدهما: يُطَلَّقان، لدخولهما الدارين.
والثاني: لا؛ لأن قضيَّته دخول كل واحدة منهما الدارين، ألاَ ترى أنه لو قال لواحدة إن دخلْتِ الدارَيْن اعتبر أن تدخلهما.
ولو قال: إنْ أكلتُما هذين الرغيفين، فأكَلَتْ كلُّ واحدة رغيفًا وقالوا: يقع الطلاق؛ لأنَّه للمساغ فيه للاحتمال 1 الثاني.
ولو قالت أنت تملك أكثر من مائة قال: إن 2 ملكْتُ أكْثَرَ منْ مائةٍ، فأنتِ طالقٌ، وكان يملك خمسين، روجعَ، فإن قال: أردتُّ أني لا أملك الزيادة على مائة، لم يَقَع الطلاق، وإن قال: أردتُّ أَنِّي أملكُ مائةً بلا زيادة، وقَع، وإن أطلق فعلى يُحْمَلُ؟ فيه وجهان 3. = الإعراب، ثم قال: إذا قلنا بالفرق بين الرفع والنصب.
فقال الماوردي: هذا فيمن يعرف العربية، فأما من لا يعرفها ولا يفرق بين الرفع والنصب ففيه وجهان: أحدهما: أن الحكم كذلك لأن الحكم معلق باللفظ فلا فرق بين أن يعرفه أو يجهله كصريح الطلاق وكنايته.
والثاني: أن الرفع والنصب متساويان في وقوع الطلاق لأن الأعراب دليل على المقاصد والأغراض، فإذا جهلت عدمت وبقي منفردًا، قال: وسكت عن حالة ثالثة وهي إن توقف بالسكون فلا يرفع ولا ينصب، وقد تعرض له الماوردي فقال: يسأل عن مراده، فإن أراد أحدهما حمل عليه، وإلا حمل على الخبر دون الشرط ويقع الطلاق لأن الشرط لا يثبت إلا بالقصد، وذكر الرافعي قبيل الطرف الثالث في التعليق بالحمل أنه إذا قال إن دخلت الدار فطالقًا واقتصر عليه.
قال البغوي إن قال نصبته على الحال ولم أتم الكلام قبل سنة ولم يقع شيء، وإن أراد ما يراد عند الرفع ولحن وقع الطلاق إذا دخلت.
ولو قال: إن كنْتُ أملك إلا مائةٌ، وكان يملك خمسين، فمِنْهم مَنْ طَرَد الوجهين 1، ومنهم من قطع بالوقوع.
إذا قال: إن خرجْتِ إلا بإذني، فأنتِ طالقٌ، فالصورة بفروعها تأتي في الأيمان إن يسر الله -تعالى-؛ لأن لها ذكراً في الكتاب هناك، ولو قال: إن خرجْتِ إلى غيْر الحَمَّام بغير إذني، فأنتِ طالقٌ، فخرجَتْ إلى الحمام، ثم قَضَتْ حاجةً أخرى، لم تُطلَّق، وإن خرجَتْ لحاجة أخْرَى، ثم عدَلَتْ إلى الحمام، طُلِّقَت، وإن خَرَجَتْ للحمام وغَيْره؛ ففَي وجْهٍ تُطَلِّق، كما لو قال: إنْ كلمْتِ زيْدًا وعمرًا، وفي وجْه لا تُطَلَّق؛ لأن المفهوم من قوله: "إن خرجت إلى غير الحمام" المقصود أجنبيٌّ عن الحمام، وهاهنا الحمَّام مقصُودٌ بالخروج 2.
ولا يقع الطلاق في النكاح الفاسد، وعن مالك وأحمد: أنَّه يقع في النكاح المُخْتَلَف [منه] 3.
وفي فتاوى القَفَّال: أنه لو قال: وَقَدْ خرجَتْ زوجته إلى دار أبيها: إن ردَدتُّها إلى دَارِي [أو رَدَّها] 4 أحدٌ، فهي طالقٌ، فاكترت بهيمة وعادت إلى داره مع المكاري، لم يَقَع الطلاق؛ لأن المكاري ما رَدَّها، وإنما صَحِبَها في الطريق، ولو عادَتْ ثُمَّ خرجَتْ، فردَّها الزوج، لم تُطَلَّق؛ لأنه ليس في اللفظ ما يقتضي التَّكرار، وأنه لو قال: (حلال =ولم أرَ من تكلم على توجيه هذا الفرع غير القرافي من المالكية في كتابه الاستغناء وقال إنه في غاية الغموض والمدرك فيه أن مقتضى لفظ الحالف إن كان في يدي دراهم أكثر من ثلاثة دراهم مضافة للدراهم التي في يدي والأكثر من ثلاثة دراهم هي أربعة فأكثر، فإذا أضيف أربعة لثلاثة في يده وكانت سبعة فلا يحنث بأقل من سبعة أما الستة فلا يحنث بها لأنه حينئذٍ يكون في كفه دراهم ليست أكثر من ثلاثة أخرى في يده بل مثلها لأن ثلاثة مثل ثلاثة فجعل وصف الكثرة صفة لما راد على الدراهم التي في يده متى لم توجد هذه الصفة لا يحنث بالأربعة ولا بالخمسة ولا بالستة بل بالسبعة فأكثر، وفي كلامه حذف أي إن كان في يدي دراهم أكثر من ثلاثة دراهم في يدي فعبدي حر فقولنا في يدي في آخر الكلام لا بدّ منه في تقدير هذه المسألة، ثم قال وهو مشكل لأن الأصل عدم الحذف وهو قولنا في يدي وأيضاً فجعله الكثرة صفة لما زاد على دراهم آخر خلاف الظاهر إذ الكثرة صفة لجميع ما في يده وأن معنى الكلام وإن كان جميع ما في يدي أكثر من ثلاثة دراهم فعبدي حر، فهذا وجد في يده أربعة، حنث.
غير أنه قد فهم من المسائل قرينة دلت على ما أفتاه به ولم يصل إلينا ففي ظاهر اللفظ مشكلاً.
انتهى.
خد اى من حرام) 1 بمعنى طلاق (اكَرآن جامه كه توكنى دربو شم) 2 فلبس ثوباً غزلَتْه في السَّنة الماضية، لم تطلَّق؛ لأن اللفظ للمستقبل، ولا يختص الحنث بما غزلته وخاطته لأنَّه يقال (فلانرن بنو هزار جامه كرد) 3 وإن كانتْ قد اشترته، ويقول الرجل (من فلان را جامه كردم) 4 وإن لم يكُنْ منْه غَزْلٌ.
وأنه لو قال: المرأة التي تدْخُل الدار من نسائي طالقٌ، فما لم تدخل واحدةٌ [الدار]، لا يقع الطلاق، ولو أشار إلى واحِدَة بعَيْنها، وقال: هذه الَّتي تدخل الدار طالقٌ، طُلِّقت في الحال، دخلت أو لم تدخُلْ، وأنَّه لو قال: (حلال برمن حرام اكَراز خانه بيرون سوى) 5 (واكَراز مال من كسى واجيزى وهي) 6 (واكَر يخانه ماذن ئو) 7 طُلِّقَتْ بأية صفة من هذه الصفات، وجدت.
ولو قال: (اكَراز خانه بيرون شوى وكسى جيزى وهى) 8 لَمْ تُطَلَّق إلاَّ بهما، وأنَّه لو قال (حلال برمن حرام واكَر خواهر توفردادر خانه من بأشد) 9 فلَمَّا أصبحت الأخْتُ، جَمَعَتْ أمْتِعَتَها وخَرَجَتْ، إنْ خرجَتْ قبْل الفجْر، لم تطلَّق، وإن خرجَتْ بعْده، فالظاهر وقُوعه؛ لأنَّه يقتضي جميعَ نَهَار الغد 10 هذا لفظه، وهو بعَدَمِ الوقوع أشدُّ إشعاراً، وأنه إذا كان يَخْرُج من بيته، فقالت المرأة: ألا 11 تريد الخروج إلى السُّوق اليوم، فقال: أريده، فكذَّبته، فقال (حلال خداى يرمن حرام اكَرمن من بيازا رشوم امروز) 12 فإن راعَيْنا المعنى، فالتقديرُ: حلال اللهِ عليَّ حرامٌ، إن لم أخرجْ إلى السُّوق اليَوْم، وإن راعَيْنَا اللفْظَ، وإن قدمنا المُؤَخَّر، فكأنه قال (كه من بازار شوم حلال خداى برمن حرام) 13 أي إذا خرجْتُ إلى السوق، فحلال الله عليَّ حرامٌ، وإن لم يقدَّم المؤخر، فقضيته أن يقع في الحال، ويلغو قوله (كه من بازا
رشوم) 1 فقال الشَّيْخ القفَّال في هذا كالمتحيِّر، وأن الأقرب الاعتماد على المَعْنَى، وأنه لو قال (اكَرمن ارزشت ازبافت شود رتوشمر توبه طلاق هشته) 2 حنث إذا لبس من غزلها، وإن لم تَنسُجْه، ومن نسجها [فلبس ثوباً]، وإن لم تَغْزله، فلو قال (اكَرمن ارزشت وبافت تودر بوشم) 3 فلو لَبِسَ ثوباً نسجًا من غزلها, ولم تنسجه، لم يحنث، ولأنَّ الطلاق معلَّق بالصفتين؛ الغزل والنسج، ولو لبس ثوباً نُسِجَ من غزلها، وآخر نسجته هي حَنَث، لاجتماع الصفتين في الثوبين.
ولو ادَّعَت امرأة على رجُل أنَّه نكَحَها، وأنكر فَمنَ الأصحاب مَنْ قال: لا يَحِلُّ لها أن تنكح غيْره وهو الظاهر، ولا يجعل إنكاره إطلاقًا، بخلاف ما إذا قال: نكَحْتُها، وأنَا واجد للطَّوْل، فيجعل ذلك فرقةً بطلقة؛ لأن هناك أقر بالنكاح وادعى ما يُمْنَع صحته، وهاهنا لم يَقر أصلاً وقِيل: يتلطَّف الحاكم به حتَّى يقُول: إن كنت نكحتَها، فقد طلَّقْتَها، وأنَّه لو قال: حلالُ اللهِ عليَّ حرامٌ، لا أدخل هذه الدار كان ذلك تعليقاً، وإن لم [يكن] فيه أداة تعليق، وأنَّه لو قال: حلفْتُ بطلاقك إلاَّ تَخْرُجِي من الدَّار، ثم قال: ما حَلَفْتُ، وإنما قَصَدتُ تفريغها, لا يُقْبَل في الحكْم ويدين، أنها لو قالت لزوجها: اجعل أمر طلاقي بيَدي، فقال: إن خرجْتِ من هذه القرية، أجْعَلْ أمْر طلاقك إلَيْك، فقالت: أخْرُجُ، فقال: جعلْتُ أمرك بيدك، فقالت: طَلَّقْت نفسي، فإن ادعى الزوج أنه أراد بعْد خروجها من القرية، صُدِّقَ، وإلا وقَع الطلاق في الحال، وأنَّه لو قال: إن أبرأْتِنِي عن الدَّيْن الذي لك عليَّ، فأنْتِ طالقٌ، فابرأَتْه، يقَع الطلاق بائنًا، ولو قال: إن أبرأت فلانًا، فابرأتهُ، يقع الطَّلاقُ رجعيّاً، [و] أنَّه لو قال لأم امرأته: بنتُك طالقٌ، ثم قال: أردتُّ البنت الَّتِي ليست بزوجة لي صدق وأنه لو قال إذا فعلت ما ليس لله فيه رضا، فأنتِ طالقٌ، فتركت صومًا أو صلاة فينبغي ألاَّ يقع الطلاق؛ لأنَّه تَرْك، ولَيْس بفِعْلٍ، ولو سرقت أو زَنَتْ يقَعَ 4.
عن الشيخ أبي العاصِم العَبَّادِيِّ أنه لو قال: أنْتِ طالقٌ يا طالق لا طلقتك تقع طلقتان وأنه لو قال لزوجته: إن وَطِئْتُ أمتي بغَيْر إذْنِك، فأنتِ طالقٌ، ثم استأذنها،
فقالت: طَأْهَا في عينها لا يكون هَذَا إذنًا، وسئل عمَّن له أمة، وتحته امرأة، فدعا الأمة إلى فِرَاشِه، فحضرت الحرَّةُ فوطِئَها، ثم قال: وهو يظنُّ أنها الأمة: إن لم تَكُونِي أحْلَى من الحرَّة، فهِيَ طالقٌ، فقال: أفتى أبو حامد المروزي تطلق لأنَّها هي الحرَّة: فلا تكون أحْلَى من الحرة، وحكى أبو العبَّاس الرُّوياني وجْهًا أنَّها لا تُطلَّق؛ لأن عنده أنه يخاطب غيْرها قال: وهو الأظهر، وبه أفتى أبو عبد الله الحنّاطي.
وسئل القاضي الحسين، عمن حلف بالطلاق أنه يقرأ عشْرًا من أول سورة البقرة بلا زيادة وأن يقف، وللقراء اختلافٌ في رأس العشْرة، فقال تدور المسألة على اعتقاد المفتي، فما أدى إليه اجتهاده أَخَذَ المستفتي به، وعن امرأة صعِدَتْ بالمفتاح فقال الزوج: إن لم تُلْقِي المفتَاحَ من السطح، فأنتِ طالقٌ، فلم تلقه، ونَزَلَت فقال: لا يقع الطلاقُ، ويُحْمَل قوله: "إن لم تُلْقهِ" على التأبيد، كما قال أصحابنا: فيمن دخل عليه صديقه، فقال تغد معي، فامتنع، فقال: إن لم تَتَغَدَّ معي، فامرأتي طالقٌ، فلم يفْعَل، لا يقع الطلاق، ولو تغَدَّى بعْد ذلك يوماً من الدهر انحلت اليمين، نعم لو نوى الحال فامتنع، وقع الطلاق، ورأى صاحب "التهذيب" حمْل المُطْلَق على الحال، [للعادة] 1، وهو المَحْكِي عن أبي حنيفة -رحمه الله- وفي فتاوى القاضي الحسين: أنه لو كانت له دجاجات تُفْسِد الثياب، فقال: إن لم تبيعي هذه الدجاجات، فأنتِ طالقٌ، فرمت واحدةً منْها، وقتلتها، وقع الطلاق؛ لتعذر البيع، وإن جرحتها ثم باعتها، فإن كانت، بحيث لو ذُبِحَتْ لم تَحِلَّ، لم يصح البيع، ووقع الطلاق، وإن كان بحيث لو ذبحت حلَّت، أصح، 2 البيْع، وانحلت اليمين، وأنَّه لو قال: إن قرأْتُ سورةَ البَقَرة في صلاة الصبح، فأنتِ طالقٌ، فقرأها، ثم فسدتْ صلاتُه في الركعة الثانية، لم يقع الطَّلاق على ظاهر المذهب؛ لأن الصلاة عبادةٌ واحدةٌ، ففساد آخرها فسادُ أولها، وأنَّه لو قال لامرأته: مهما قَبَّلْتُكِ فضَرَّتك طالقٌ فقَبَّلَها بعْد موتها لم تطلَّق الضرة، ولو قال لأمّه: مهما قَبَّلْتُكِ، فامرأتي طالقٌ، فقَبَّلَها بعْد موتها، طُلِّقت امرأته، والفرق أن قُبْلةَ المرأة قبلةُ شَهْوة، ولا شهوة بعْد الموت، وقُبْلَة الأم قبلة كرامة، فتستوي فيْه حالة الحياة والموت، وأنَّه لو قال: (اكَرابن دستار كه توكرده اى در سر يندم يادركه خداى من آيز تو هشته، اى) 3 فباعته، ودفعت الثمن إليه، فصَرَّفه في حوائجه، لم يقع الطلاق لأن عيْن المنديل لم تدخله في (كد خدا يته) 4 ولو ابتزرنه أو تفحص لحنث وأنه لو قال: (حلال
خداى بر مني حرام كه درنكاح من نباش) 1 يقع في الحال؛ لأنها في نكاحه، ولو قال: (اكَرتودا دارم توهشته اى) 2 فعن القفَّال: أنَّه كنايةٌ، فإن أراد الإِمساكَ في الزوجية، فإذا مَضَى عقيب اللفظ زمانٌ يمكن أن يُطَلِّقَ فيه، فلم يُطَلِّق، وقَع الطلاق، فإن طلَّق وثم راجع، كان ممْسكاً بالرجعة 3، وإن نوى الإِمساك باليد، أو في الدار، قُبِلَ منها، فإن أخرجها من الدار، ثم ردَّها، وقع الطلاق بالرد، وإن فسرناها بالاتفاق عليها، ففي القَبُول وجهان، عن أبي العبَّاس الروياني وأنه لو قال: إن غَسَلْتِ ثوبي فأنتِ طالقٌ، فغسلته أجنبية ثم غَمَسَتْه المحلوف بطلاقها في الماء تنظيفًا له، لا يَحْنَث، لأن العُرْف في مثْل ذلك يغلب، والمراد في العرف الغسل بالصابون والأشنان، وإزالة الدَّرَن، وسئل عنْه غيْرُه فقال: إن أراد الغسل من الدَّرَن، لم يحْنَث، وإن أراد التنظيف، حَنَث، قيل: فإن أطلق قال: لا أجيب فيه 4 وفي فتاوى الشَّيْخ الفَرَّاء أنَّه لو طلَّق امرأته ثلاثاً ثم قال كنْتُ حرَّمتها على نفْسي قبل هذا، فلم يقع الثلاث، لم يُقْبَل قولُه، وأنه لو قال: إن ابتلعت شيئاً، فأنْتِ طالقٌ، فابتلعت ريقَها، حنث، فإن قال، عنيْتُ غير الريق صُدِّقَ في الحكم، ولو قال إن ابتلعت الريق، فأنتِ طالقٌ، حَنَث، إذا ابتلعَتْ ريقَ نَفْسها أو ريق غيرها فإن قال: عنَيْتُ ريقك خاصَّة، قبل في الحُكْم: وإن قال: عنيْتُ ريق غيرك خاصَّةً، لم تقبل في الحُكْم، ودين، وأنَّه لو قال: إن ضربتُكِ، فأنتِ طالقٌ، فقصَّد، ضرب غيرها، فأصابها, لم يُقْبَل؛ لأن الضَّرْب يقينٌ، يُحْتَمَل أن يقبل؛ لأنَّ الأصْل بقاءُ النِّكاح، وأنَّه لو نادى أُمَّه، فأجابتْه، فلم يسمع فقال: إن لم تُجِبْني أمي، فامرأتي طالقٌ، فإن رفعَتِ الأم صوْتَها في الجواب؛ بحيث يسمع في تلْك المسافة، لم
يحْنَثْ، وإلا حنث، وأنه لو قال: إن دخلْت على فلان داره، فامرأتي طالقٌ، فجاء فلانٌ وأخذه بيده، فأدخله الدار، فإن دخلا الدار معاً، لم يحْنَث، وإن دخل فلان أوَّلاً، حنَث، وأنَّه لو حلف لا يخرج عن البلد حتَّى يقْضِيَ دين فلانٌ بالعمل، فعَمِل له ببعض دَيْنِه، وقضى الباقي من موضع آخر، ثم خَرَج، حَنَث، فإن قال: أردتُّ أني لا أخْرُج حتى أَخْرُج من دينه، وأقضي حقَّه قُبِلَ قوْله في الحُكْم 1.
وعن أبي العبَّاس الرُّويانيِّ أنَّه إذا طلَّق امرأته، فقيل له (طلَّقتها ثَمَّ) قال: طلقة واحدةً، قُبِلَ قولهُ؛ لأن قوله طلقتها صالح للابتداء غيْر متعين الجواب، وأنه إذا قال: إن سرقْتِ ذهباً، فأنتِ طالقٌ فسرقت ذهباً مغشوشًا، فالمذْهَب وقوعُ الطَّلاق 2، وفيه وجْه.
وأنَّه لو قال: إن أجبتني عن خِطَابِي، فأنْتِ طالقٌ، ثم خاطبها فقرأت آية تتضمن جوابه، فإن قالت: قصدت بقراءتها جوابه طلقت، وإن قالت قصدت قراءة القرآن دون الجواب، لم يقع، أو إن لم تبيَّن الحال، فالأصْل أن 3 لا طلاق، وأنَّه لو قال: إن لم تستوفي حقَّك من تركة أبيك تامًّا، فأنتِ طالقٌ، وكان إخوتها قد أتلفوا بعض التركة، فلا بدّ وأن تستوفي حِصَّتها من الباقي وضمان حصتها من التالف ولا يكفي الإبراء لأن الطَّلاقَ معلَّق بالاستيفاء إلا أن الطَّلاق إنَّمَا يقع عنْد اليأس، من الاستفتاء، وأنَّه لو قال (حلال خدائى برمن حرام معْنى طلاق اكَر من ريس تودر بوشم) 4 والتحف بملاءة من غَزْلها، فعن القفَّال: أنه لا يحْنَث؛ لأنه لا يُسمَّى ذلك بالفارسية (دربو شيدون) 5.
ولو جرى التعليق بالعربية: يحنث لأنَّه لا يسمى لُبْسًا، قال: وعنْدي أنه لا فَرْق بين اللغتين، ولكن يُنْظَر إن اضطجع، فأُلْقَتِ الملاءة علَيْه، فهذا ليس بلُبْس، وإن كان بعْضُه تحته، وبعضه فوقه، فهذا يُحْتَمَل أن يُجْعَل لبسًا لارتداء، وعن القفَّال: أن قوله (ازرشته تودر نبوشم) 6، تناول المغزول، وقُبِلَ اليمين، وقولُه (انج توديسي) 7 يتناوَل
المغزول بعدها، وقول (ازريس تو) 1 يتناولهما جميعاً.
وأنه لو أشار إلى ذَهَب، وحَلَف بالطلاق أَنه الَّذي أخذه من فلان، وشَهِد شاهدان أنّه ليْس ذلك الذهب، وأنه حانِثٌ، فظاهر المَذْهَب وقوعُ الطَّلاق، وإن كانت هذه شهادةً على النفي؛ لأنه نَفْيٌ يحيط العِلْم 2 به وأن الشاهد رُبَّما رأى ذلك المذهب، وعلم أنه غير المحلوف علَيْه.
وفيه وجْه: أنه لا تُقْبَل هذه الشهادة، ولا يقع الطلاق، وأنه لو حَلَف بالطلاق أنه لا يَفْعَل كذا، فشَهِد شاهدانِ عنْده إنه فعَلَه، وتُيُقِّنَ صدقهما، أو غلب على ظنه صدْقهما، لَزِمَه أن يأخُذ بالطَّلاق 3، وأنه لو غَلَّق الباب على أرْبعَ نِسوة له فتحت إحداهن الباب، فقال: من فتحَت الباب منْكُنَّ، فهي طالق، فقالت كلُّ واحدة: أنا فتحْتُ لم يُقْبَلْ قولهن؛ لإمَكان إقامة البيِّنة عليْه، قال: فإن اعترف الزوْج أنَّه لا يَعْرِف أيتهن فتحَتْ، لم يكن له التعيين في كلِّ واحدة منْهُنَّ، وإنما يُرْجَع إلى تعينه، إذا كان الطَّلاق مبهماً 4 ولو حلف بالطَّلاق أنَّه أنفذ فلاناً إلى بَيْت فلان، وعلم أن المبْعوث، لم يَمْض إليه، ففي وجهٍ: يقع الطلاق؛ لأن اللفْظ يقتضي حصولَه هُنَاك، والصحيح المَنْع؛ لأنه يصْدُق أن يقال: أنفذه، فلم يمتثل، وأنَّه لو قال لها: إن لم تطيعيني 5، فأنتِ طالقٌ، فقالت: لا أطيعُكَ، ففي وجه: يقَعُ الطلاف بقولها "لاَ أُطِيعُكَ"، والأصحُّ؛ أنه لا يقَع حتَّى يأمرها بشيْءٍ، فتمتنع أو ينهاها عن شيْء فتفعله، وأنه لو قال: امرأتي طالقٌ إن دخلت دارها, ولا دار لها وقْت اليمين، ثم مَلَكَت دارًا، فدخلَها، حصَل الحنث، وأنَّه لو قال إن لم تَكُوني الليلة في داري، فأنتِ طالقٌ، ولا دار له، ففي وقوع
الطلاق وْجهان مبنيان تارة على التعليق بالمستحيل، وأُخرى على الحنث، هل يحْصُل بفْعِل المكره.
وأنه لو قال: امرأتِي هذه تَحْرُم عليّ لا تَحِلُّ لي أبداً، فلا طلاق؛ لأنه قد يظن أنها تحرم عليْه باليمين على أن لا يُجَامِعَها، واللفظ ليْس صريحاً في الطلاق، وقيل: يُحْكم بالبينونة بهذا اللفظ، وأنه لو قال: لِمن يُسمَّى زيْداً: يا زيدُ، فقال: امرأةُ زيْدٍ طالقٌ، طُلِّقَت امرأته، وقيل: لا تُطلَّق إلا أن يريد نفسه، وأنه لو قال: إن أجبتِ كلامي، فأنْتِ طالقٌ، ثم خاطب الزوج غيْرَها، فأَجَابَتْ هي، فظاهر المذهب أنها لا تُطلَّق؛ لأنَّه إنما يُسمَّى جواباً إذا كانَتْ هي المخاطبة، وأنه لو حلَف أن لا تَخْرُج من الدار إلا بإذنه، فأخرجها هو، هل يكون الإخراجُ إذْناً؟ فيه وجهان، القياس المَنْع، وأنه لو عُزل القاضِي فقال: امرأة القاضي طالقٌ [هل] 1، يَقَع طلاقه، فيه وجْهَان، وأنه لو قيل لَهُ: طَلَّقْت امرأتك، فقال: أَعْلَمُ أَن الأمْرَ على ما تقول، هل يكون هذا إقرارًا بالطَّلاق؟ فيه وجْهَان؛ الأصح المنع، وأنه لو دَخَل موضعًا فيه جماعةٌ، فخرج، وقد لَبس خُفَّ غيره غلطاً، فقالت له زوجته: قد استبدلْتَ خُفَّكَ، ولبستَ خفَّ غيرك؛ فأنكر، وحَلَف بالطلاق أنَّه لم يفْعَل ذلك، فإن كان خَرَج بعْدما خرج القَوْم، ولم يبق هناك إلا ما لبسه لم يقع طلاقُه؛ لأنه لم يستبْدِلْ إنما استبدل الَّذين خرجوا قبْلَه، وإن بقي هناك غيره، وقع الطلاق 2.
وأنه لو رأى امرأته تنحت خشبة، فقال: إن عُدتِّ إلى مثْل هذا الفِعْل، فأنتِ طالقٌ، فنحتت خشبةً من شجرة أخْرَى ففي وقوع الطلاق وجهان؛ لأن النحت مثْل النَّحْت، لكن المنحوت ليس مثل المنحوت 3، وأنه لو قال: إن لم تخْرجي الليلة من هذه الدَّار، فأنتِ طالقٌ، فخالَعَ مع أجنبي من الليل وجدَّد النكاح، ولم تخرج، لا يقع الطلاق؛ لأن الليل كلَّه محلُّ اليمين، ولم يمضِ كل الليلة، وهي زوجة له حَتَّى يقع الطلاق، وأنَّه لو حَلَف أن لا يخرج من البلد إلاَّ مَعَ امرأته، فخرجا لكنه تقدَّم عليها بخطوات، ففي وجْه: لا يحنث للعُرْف، وفي آخر يحنث.
وإنَّما يحْصُل البرُّ أن يخرجا
معاً من غيْر تقدُّم، وأنه لو قال: إن خرجْتِ من هذه الكُوَّة، فأنتِ طالقٌ، فوسع موضع الكُوَّة حتَّى صار باباً فخرج منْه، يُحْتمل أن يقال: إن خرجَتْ من موضع الكُوَّة، حنَث، وإلاَّ فلا، ويُحْتَمَل أن يُقَال: إن كان بحيث يسمَّى كوة، يقع الطلاق، وإلاَّ فلا، وأنه لو حَلَف إلاَّ يضربها إلا بالواجب فشتمته فضربها بالخشب، يحنث؛ لأن الشَّتْم لا يوجب الضَّرب بالخشب، وإنما المستحق به مطلق التعزير، وقيل بخلافه 1، وأنه لو قال لزوجته إن علمتي من أختي شيئاً، فلم تقوليه لي فأنتِ طالقٌ، فينصرف ذلك إلى ما يوجب ريبة ويوهم فاحشة دون ما لا يقُصْدَ العِلْم به؛ كالأكل والشرب ثم لا يَخْفَى أَنَّه لا يعتبر أن تقوله على الفَوْر، وأنها لو سَرَقت من زوْجها دِينارًا، فحلف بالطلاق أن تردَّه عليْه، وهي قد أنفقته لا يقَع الطلاق، حتَّى يحْصُل اليأس عن الرد بالمَوْت، فإن تَلَف الدينار، وهما حيَّان، فوقوع الطلاق على الخلاف في الحنث بفعل المُكْرُه 2، وأنه لو سمع لفْظ الطلاق من رجل وتحقَّق أنَّه سَبَق لسانه إليْه، لم يكن له أن يَشْهَد على مُطْلَق الطلاق، وأنَّه لو قال: إن رأيت الدَّم، فأنتِ طالقٌ، فالظاهر حمْلُه على دم الحيض.
وقيل: يحمل على كلِّ دم؟ وأنَّه لو قال: إن دخلْتِ هذه الدَّار، فأنتِ طالقٌ وأشار إلى بُقْعة من الدار فدخلَتْ غيْر تلك البقعة من الدار، ففي وقوع الطلاق وجهان 3.
وأنه لو قال: إن كانَتِ أَمَتِي في الحمام، فامرأتي طالقٌ وكانتا عنْد التعليقَيْن كما ذكر، عتقت الأمة، ولم تُطلَّق المرأة؛ لأنَّ الأمة عتقت، عنْد تمام التعليق الأول، وخرجَتْ عن أن تكون أمته، فلم يَحْصُل شَرْط الطلاق، ولو قَدَّم ذكْر الأمة، فقال: إن كانَتْ أمتي في المأتم، فامرأتي طالق، وان كانت امرأتي في الحَمَّام، فامتي حُرَّة وكانَتَا كما ذَكَر، طُلِّقَت المرأة، ثم إن كانت رجعيَّة، عتقت الأمة أيضاً، وإلا فلا, ولو قال: إنْ كانَتْ هذه في المأتم، وهذه في الحمَّام، فهذه حُرَّة، وهذه طالقٌ، فكانتا كما ذَكَر، حَصَل العتق والطلاق، وأنه لو قيل له: طَلَّقت زوجتك، فقال: طلَّقتُ، فقد قيل: هو كما لو قَال: نَعَمْ، وفي كونه صريحاً في الإِقرار أو كنايةً خلافٌ قدَّمْناه.
وقيل: إنه ليْس بصريح لا محالةَ لأن:"نَعَمْ" متعين للجواب.
وقوله "طلَّقْتُ" مستقلٌّ بنفسه، فكأنه قال، ابتداءً.
طلَّقْتُ، واقتصر علَيْه، [وقد سبق أنه لو اقتصر عليه فلا طلاق] وأنه لو طَرَح العصير في الدَّنّ، وأحكم رأسه، ثم حَلَف بالطَّلاق أنه استحال خَمْرًا، ولم يفتح رأسه إلى مُدَّة، ولما فَتَح، قد صار خَلاًّ،
ففيه وجهان: أحدهما: أنه إن كان ظاهر الحالِ صيرورته خمْرًا، وقْت ما حَلَف، يُحْكَمْ بوقوع الطلاق، وإلاَّ فلا.
والثاني: لا يُحْكَم بالوقوع؛ لأنَّ الأصْل عَدَم الاستحالة والطلاق، وأنَّه لو قال: إن كان هذا مِلْكي، فأنْتِ طالقٌ، ثم وكَّل إنساناً، ببيعه هل يكُون ذلك إقْرارًا بأنه مِلْكُه، فيه وجهان، وكذا لو تقدَّم التوكيل على التعليق 1، وأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً قبْل أن أُطَلِّقك فعلى وجْه: يقع الطلاق في الحال، كما لو قال: قبْل موتي، على آخر: لا يقع؛ لأنَّه لا حالَةَ بعْد هذا الحَلِف تكون هي قبْل الطلاق، وأنه لو كانَتْ بين يدَيْه تُفَّاحَتَان، فقال لزوجته: إن لم تأكُلي هذه التفاحة اليوم، فأنتِ طالقٌ، ولأمته إن لم تأكلي الأخرى اليوم، فأنتِ حرة واشتبهت تفاحة الطلاق بتفاحة العتق، فعن بَعْض الأصحاب أن الوَجْه أن تأكل كُلُّ واحدة منهما تفَّاحَةً، فلا يقع الطلاق ولا العتق؛ لأن الأصْل بقاء النِّكاح والملك، والزوال غير 2 معلوم وعن آخرين أن الوجْه أن تأكل كلُّ واحدة منهما ما يَغْلِب على ظنها أن يمينه معقود علَيْه، ويجتهد الزَّوْج معهما, ولو خَالَع زوجَتَه ذلك اليوم، وباع الأمة ثم جدَّد النكاح والشراء، تخلص، وقيل يبيع الأمة من المرأة في ذلك اليوم، وتأْكل المَرْأة التفاحتَيْن، وأنَّه لو قال لامرأتيه كما كلَّمْتُ رجلاً، فأنتما طالقان، ثم قال للرجلين أخرجا إلى السُّوق، طُلِّقت المرأتان، ولو قال لامرأته: كلَّما كَلَّمْتُ رجلاً، فأنتِ طالقٌ، فكلَّمَتْ رجلين بكلمة، وقَعَتْ طلقتان على المذهب، وقيل واحدة.
وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ، إن تزوجْت النساء أو اشتريت العبيد، لم يحْنَث إلا إذا تزوَّج ثلاث نسوة، أو اشترى ثلاثة عبيد، وأنَّه لو حَلَف لا يخرج من الدَّار فرقي غصْناً من شجرة في الدار، والغُصْن خارج هل يحنث؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، أنه ولو قال: إنْ لم تصومي غدًا، فأنتِ طالقٌ فحاضت، فوقوع الطلاق على الخلاَف في حنث المكروه، وأنَّه لو قال لنسائِه الأربع: منْ حَمَلَتْ مِنْكُنَّ هذه الخشبة، فهي طالقٌ، فحَمَلها ثلاثٌ منْهنَّ، فإنْ كانَتِ الخشبة ثقيلةً لا تستقلّ بحملها واحدةٌ طُلِّقْن، وإن استقلَّتْ بها الواحدة، لم تُطلَّق واحدة منْهن، وقيل: يُطلَّقن، وأنه لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً، إن لم أطأْكِ الليلة فوجدها حائضاً أو مُحْرِمَة، فعن المزنيِّ أنه
حَكى في العقارب عن مالك أنَّه لا حَنثَ علَيْه، وأن الشافعيَّ والنعمان ساعَدَاه، واعترض بأنَّه ليْس التحليل والتحريم من الأيمان في شَيْء، ومن حلف أن يعصي الله، فلم يعصه، حَنَث، وإن عَصَى بر، وقد قيل: إن المذهب ما قاله المزنيُّ، وهو اختيار القَفَّال.
وقيل: هو على الخلاف من فَوَات البِرِّ بالإِكراه، وأنَّه لو قال: إن لم أُشْبِعْك من الجِمَاع الليلةَ، فأنتِ طالقٌ، فقد قيل: يبر إذا جامعها 1، وأقرت بأنها أنْزَلَتْ.
وقيل: ويعتبر مع ذلك أن تقول: لا أريدُ الجَمَاع ثانياً، فإن كانت لا تُنْزِل، فيجامعها إلى أن تَسْكُنَ لذَّتُها، فإن لم تَشْتِه الجماع، فيُحْتَمَل أن يبنى على تعليق الطلاق بصفة مستحيلة، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ الطلقة الرابعة، هل تُطلَّق، فيه وجهان يقربان من الخِلاَف في التعليق بالمحال وأن الوكيل بالطلاق إذا طَلَّق زوجة موكِّله، هل يحتاج إلى أن يَنْوِي إيقاع الطلاق عَنه فيه وجهان الأقرب، أنَّه لا يحتاج.
وأنه لو قال: إن بتّ عنْدك الليلة، فأنتِ طالقٌ، فبات في مسكنها، وهي غائبةٌ، لم تُطَلَّق؛ لأن البيت عنْدها يفتقد إلى حُضُورها، وأنَّه لو طار طائرٌ، فقال: إن لم أصْطَدْ هذا الطائر اليوم، فأنتِ طالقٌ ثم اصطاد طائرًا، وادَّعَى أنَّه ذلك الطائرُ يُقْبَل قولُه؛ لأنَّه محتمل، والأصْل بقاء النِّكَاح، ولا ظاهر يخالفه، فإن قال الخالف: لا أعرِفُ الحال واحتمل الأمرين، فيجوز أن يقال بوقوع الطلاق؛ لأنَّ الأصْل أنَّه لم يَصْطَد ذلك الطير، ويجوز أن يُقَال بخلافه 2؛ لأن الأصْل بَقَاء النِّكَاح.
في المسائل المشتركة من تخريج إسماعيل البوشنجي؛ أن أبا حنيفة سُئِل عن رجُل قال: إذا بلَغ ولَدي الختان، فلم أخْتِنْه، فامرأتي طالقٌ، قال والَّذي أراه أنَّه إذا بلغ حدًا يحتمل الختان، فلم يختنه، يحنث، لأنَّه لم يُرِدْ توقيته في وقته، فيتقيد بوقْت الإِمكان، كما لو قال: إذا بَلَغ ولدي التعلم 3، فلم أعلمه، يتقيد بوقت إمكان التعلم 4، وأنه لو قال إن ساكَنتْ فُلانًا شهر رمضان، فالحنث يتعلق بالمساكنة معه في جميع الشَّهْر، ولا يحنث بالمساكنة ساعةً، وبه أجاب إمام العراقيين لمَّا راجَعْتُه يعني أبا بكر الشاشيَّ، وعن محمد بن يحيى أنَّه يحنث بالمساكنة ساعةً من الشهر، كما لو حلَف لا يكلِّمُه شهْر رمضان، يحْنَث بالتكليم مرَّة، وأنه لو قال امرأته طالقٌ إن أفطر بالكُوفة، وكان يوْم الفِطْر بالكوفة، لكنه لم يأْكُل في يومه، ولم يشرْب، فقياس قوْلِنا أنَّه لا
يحنث؛ لأن الإِفْطَار عبَارَةٌ عن تناول المأكول والمشروب، وأنَّه مُمْسِك عنْه، ولو حَلَف لا يعيد بالكوفة، فأقام بها يوم العيد، ولم يخْرج إلى العيد، يحنث، ويحتمل ألاَّ يحنث أيضاً، وأنه لو قال: إن أكلْتُ اليوم إلاَّ رغيفًا، فهي طالقٌ، فأكل رغيفاً، ثم فاكهةً حنث، وإن قال إن أكلْتُ أكثر من رغيف، فأكل خُبْزًا بأدم، فكذلك الجواب، وأنه لو قال: إن أدركتُ 1 الظهر مع الإِمام، فهي طالقٌ فأدركه فيما بَعْد الركعة الأولى، لم يَقَع الطلاق في قياس مذْهَبِنا؛ لأن الظهر عبارةٌ عن الركعات الأربَع، وهو لم يُدْرِكْها 2، إنَّما أدرك بعضها، وأنَّه لو قال لعبدَيْه إن ضربتُكُما إلاَّ يوماً، فامرأتي طالقٌ، هذا الكلام يحتمل معنيين:
أحدهما: اعتبار الضربين في يوْم واحد، فكأنه قال: إن ضربْت كلَّ واحد منْكما إلا في يوم أضرب الآخر فيه، فعلى هذا يحنث بضرب أحدهما في يوم، وضرب الآخَر في يوم آخر.
والثاني: أن يريد الامتناع عن ضَرْب كلِّ واحد منْهما إلاَّ في يَوْم واحد من غيْر أن يعتبر اجتماع الضربين في يوم، وعلى هذا لو ضَرَب أحدهما في يوم الآخر، والآخر في يوم آخر، لا يحنث، وإذا أطلق الكَلام إطلاقًا، فالمَحْمَل الثاني أَوْلَى أن يُجْعل محملاً، وأنه لو طَلَّق نسوته طلقة رجعية ثم قال كل امرأة أراجعها فهي طالق كلَّما كلمتُ فلاناً، فراجع امرأة، ثم كلَّم فلاناً، ثم راجع أخْرَى طلقت الأولَى دون الثانية؛ لأنَّ شَرْط الحَنِث المراجعة قبْل الكلام، ولم توجد، فإن كلَّمه مرَّةً أخرى، طُلِّقَتِ الثانية أيضاً، وأنه لو قال: آخر امرأة أراجعها، فهِيَ طالقٌ، ثم راجع نسوة، ومات، يقع الطلاق على آخِرِ امرأة راجَعَها بطريق التبين، حتى لو انقضت العدة من ذلك الوَقْت، لم تورث، ولو دَخَل بها، فعلَيْه مَهْر مثلها، وأنه لو علَّق الطلاق بنكاح امرأة، فهو محمُولٌ على العَقْد
دون الوطء إلا إذا نوى، وأنَّه إذا تخاصَمَ الزَّوْجَان في المراودة، فقال: إن لم تجيء السَّاعَة إلى الفراش، فأنْتِ طالقٌ ثم طالب الخصومة، حتى مضَتِ السَّاعة ثم ذهبت إلى الفراش، فالقياس أنَّها تُطلَّق وأنَّه لو قال: إن كلَّمت بني آدم، فالقياس أنه لا يَحْنث بكلام الواحد والاثنين، إلاَّ إذا أعطيناهما حكْم الجَمْع، وأنَّه لو قال: إن دخلْتُ الدارَ، فعبدي حرٌّ أو كلمتُ فلانًا، فامرأتي طالق، فيراجع؛ ليتبين أي اليمين، فما أراده منها تَقرَّر، وأنه لو قال لامرأته: أنْتِ طالق في الدار، فمُطلَق هذا يقتضي وقوع الطلاق، إذا دخَلَتْ هي الدار، وأنَّه لو قال: إن ملكتما عبداً، فامرأته طالقٌ فشرط الحَنث على ما يَقْتَضِيه القياس إن تملَّكاه معاً حتى 1 لو مَلَك أحدهما عبْداً ثم باعه من صاحبه، لا يَحْنَث، ولو قال: إذا لبْستُ قميصين، فأنتِ طالقٌ، فاغتسل فلبسهما على التوالي، حنث على قياس المَذْهب، وأنَّه لو قال: إن اغتسلْتُ في هذه الليلة، وامرأته طالقٌ، فاغتسل من غيْر جنابة، وقال: قصدتُّ به الاغتسال من الجنابة، فالقياس أنَّه يُدين، ولا يُقْبَل في الظاهر، أنَّه لو حَلَف في جَنح اللَّيْل بالطلاق إن لم يكلم فلانًا يوماً، ولا نية له، فعليه أن يمتنع من الكَلاَم في اليوم الَّذي يليه؛ ولا بأس أن يُكَلِّمه في بقيَّة الليل، وأنه لو قال لزوجته: (اكَر توبا كسى حرام كنى) 2 فأنْتِ طالقٌ، فطلقها طلْقَةً [رجعيَّةً] 3 وجامعها في عدَّتها، يُمْكن أن يتبين وقوع الطَّلاق على أن المُخَاطب هل ينْدَرج تحت الخطاب ويُحْتَمَل أن يقال؛ لا يَقَع؛ لأن غَرَض المعلِّق منعها عن الغير؛ لما يلْحَقُه بذلك من الغضاضة والمعرَّة، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ إن دخَلْت الدار ثنتين أو ثلاثاً أو عشْرًا، فهو مُجْمَل، وإن قال: أردتُّ أنَّها تُطلَّق واحدةً إن دخلتِ الدار مرتَيْن أو ثلاثاً، يُصدَّق، فإذا اتُّهَم، حَلَف، وإن أراد وقوع الطلاق بالعَدَد المذكور، تقع الثلاث وتلغو الزيادة، وأنه لو قال: إن خرجْتِ من الدار، فأنتِ طالقٌ، وللدار بستان بابه مفتوح إليها فيها، ثم خرجت إلى البستان، فالذي يقتضيه قياس المَذْهب أنَّه إن كان بحيث يُعَدُّ من جملة الدَّار ومرافقها, لا 4 يحنث، وإلا فيحنث، وأنَّه لو قال لأبوَيْهِ: إن تزوجْتُ ما دمتما حيين، فامرأتي هذه طالقٌ، فمات أحدهما، فتَزَوَّج، لا ينبغي أن تُطلَّق امرأته، وإن المنويَّ إذا لم يكُنْ له لفْظ مُشْعِرٌ به، لا يعمل، كما لو حَلَف ألاَّ يَشْرب لفلان ماءً، فأكل مِنْ ماله، لا يحنث وإن نوى، وأنه لو حَلَف لا يطعنه بنصل هذا الرمح، أو نصْل هذا السَّهم، فنَزَع الزُّج، وأدخل فيه زُجًّا آخر، فطعنه به، يحْنَث، وأنَّه لو قال: إن
شَتَمْتِنِي، ولعَنْتِنِي، فأنتِ طالقٌ، فلعنَتْه، لا يقع الطلاق؛ لتعلُّقه بهما، وأنها إذا خرجَتْ للضيافة إلى قرية، فقال: إن مَكَثْتِ هناك أكْثَرَ من ثلاثة أيام، فأنتِ طالقٌ، فخرجَتْ من تلك القرية؛ لثلاثة أيَّام أو أقلَّ ثم رجَعَتْ إليها، فلا ينبغي أن يحنث، وأنه لو قال في نصف الليل: إن بتُّ مع فلان، فأنتِ طالقٌ، فباتَ معه بقيَّة الليل، حنث على ما يقتضيه القياس، ولا يشترط أن يبيت في جميع الليل، ولا أكثره، [وأنه] 1 لو حَلَف أنه لا يَعْرف فلاناً، وقد عرفه بوجهه، فطالَتْ صحبته، معه إلاَّ أنه لم يعلَمِ اسمه، يحنَثُ في قياس المذهب، وبه قال سعد الأَسْترَاباذِيُّ، وأنه إذا قال: آخرُ امرأة أراجعها، فهي طالقٌ، فراجع حفْصة، ثم عمرة، ثم طلق حفصة، ثم راجعها، فالَّذِي أراه أنَّها تُطلَّق، لأنها صارت بالآخرة آخرًا، بعْد ما كانَت أوَّلاً، وأنه لو قال: إن نِمْتُ على ثوبك، فأنْتِ طالقٌ، فوضع رأْسَه على مرقعة لها, لا تُطلَّق، كما لو وَضَع عليها يَدَه أو رجْلَه، وأنَّه لو حلف أن لا يَأْكُل مِنْ مال فُلاَنٍ، فنثر مأكولاً فالتقطه، وأكَلَه، حَنَث، وكذا لو تناهد فأكل، من طعامه 2، وأنَّه لو قال: (اكَربخانه درشوى هشته اى) 3 فإطلاقه محمول على دخول البيت دون مُجَرَّد الذهاب إلى البَلَد، وأنَّه لو حَلَف بالطَّلاق ألاَّ يكلم أحداً أبداً إلاَّ فلانًا وفلانًا، إلاَّ هذا وهذا، فكلمهما جميعاً، ولو قال: إن دخلْت دار فُلان، ما دام فيها، فأنتِ طالقٌ، فتحوَّل فلانٌ عنْها ثُمَّ عاد إلَيْها فدخلتها لا يقضي بوقوع الطَّلاق؛ لأن إدامة المقام الذي انعقد عليها اليمينُ قد انقطعَتْ، وهذا عَوْد جديد وإدامة إقامة مستأنفة، وأنه لو قَال: إن قتلته يوْم الجمعة، فهي طالقٌ، فضربه يوم الخميس، ومات يوم الجمعة، بسبب ذلك الضرب لم يَقَع الطلاق؛ لأنَّ القتْل عبارة عن الفعل المفوِّت للروح، وأنه لم يُوجَد يوم الجمعة، وأنَّه لو قال: إن أغضبتك، فأنتِ طالقٌ، فضرب صبيانها، فغضبت، يقَع الطلاق، وإن ضربَه لسوء أدب، وأنَّه لو حَلَف ألاّ يصوم زمانًا، فالقياس أنه يحنث بصوم ساعة من يَوْم، إذا قُلْنا فيمن حلف ألاَّ يصوم، أنه يحنث بالشروع فيه، ولو حَلَف أن يصوم الأيام، فإما أن يُحْمَل على أيام العمر، أو على صَوْم ثلاثة أيَّام، وهو الأَوْلَى، ولو حَلَف أن يصوم أزمنة، بر بصوم يوم؛ لاشتماله على أزمنة، وأنه لو قال: إن كان الله يُعَذِّب الموحِّدين، فهي طالقٌ، يقَع
الطلاق؛ لأنه صَحَّ في الأخبار تعذيبُ بَعْض المسلمين على جرائمهم، 1 وأنه لو قال (اكَرر شته توبرتن من ايز) 2 فأنتِ طالقٌ، فظاهر اللفظ يقتضي وقُوع الطلاق، إذا لبسه أو ألقاه على نَفْسه، وأنه لو اتهمْته امرأته بالغلمان، فحَلَف ألا يأتي حرامًا، ثم قَبَّلَ غلامًا أو لَمَسه، يحنث؛ لعموم اللفظ، بخلاف ما لو قالت: فعلْتَ كذا حرامًا، فقال: إن فعلْتُ حرامًا، فأنتِ طلقٌ؛ لأن هاهنا ترتب كلامه على كلامها، وهناك اختلف اللفظ، فحمل كلامه على الابتداء، فكأنها اتهمته بنَوْع من الحرام، فنفي عن نَفْسه جنْسَ الحرام، وأنه لو قال: لامرأته: أنتِ طالقٌ إن خرجْتِ من الدار، ثم قال: ولا تخرجين من الصفة أيضاً، فخرجت من الصف، لم يقع الطلاق؛ لأن قوله: "ولا تخرجين من الصفة" كلام مبتدأ ليس فيه صيغة تعليق، ولا هو متطرِّف على ما سَبَق، وعن البُوَيْطِيِّ: أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ في مكة أو بمكة أو في البَحر، طُلِّقت في الحال 3، إلاَّ أن يريد إذا حَصَلَتْ هناك، وكذا لو قال: في الظل، وهما في الشمس، بخلاف ما إذا كان الشيء منتظرًا غيْر حاصل، كما إذا قال في الشتاء، وهما في الصيف، لا يَقَع حتَّى يجيْء الشتاء.
في الزيادات لأبي العاصم العبَّادي: أنه لو قال: إن أكلْتُ من القِدْر الَّذي تطبخه، فهي طالق، فوضعت القدر على الكانون،، وأوقد غيرُها, لم يحنث، وكذا لو سجر التنور غيرُها، ووضعَتِ القدر فيه، وأنه لو قال: إن كان في بيتي نارٌ، فأنتِ طالقٌ، وفيه سراجٌ، حنث، وأنه إذا قال (اكَريخانه من يناي بشام) 4 فهي طالقٌ، فالبر بأن يحضرْ 5 هناك، ويأكل، وأنه لو حَلَف ألا يأكل من مال ختنه، فدفع إلَيْه الدقيق ليخبزه له فخبزه، بخمير من عنْده، لم يحنث؛ لأنه مستهلِكٌ، وأنَّه إذا قالت امرأة لزوجها: لا طاقة لي
معَك على الجُوع، فقال الزوج: إنْ كنتِ جائعةً يوماً في بيتي، فأنتِ طالقٌ، ما نوى المجازاة يُعْتَبر حقيقةُ الصفة، ولا تُطلَّق بالجوع في أيام الصوم، وأنه لو قال: إن دخلْت دارَكِ، فأنتِ طالقٌ، فباعت دارَها، ودخلتها، ففيه وجهان:
اظهرهما: أنه لا يقع الطَّلاق.
قال إن لم تكوني أحْسَن من القمر أو إن لم يَكُن وجْهُك أحْسَنَ من القمر، فأنتِ طالقٌ، فعن القاضي أبي عليٍّ الزجَّاجِيِّ، والقفَّال، وغيرهما: أنه لا يقع الطلاق، واستشهدوا علَيْه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] 1 ولو قال: أضوء من القمر، فلا أعلم كلامه.
في فتاوى أبي عبد الله الحناطي: أنه لو قال لامرأته: إن قصدتك بالجِمَاع، فأنتِ طالقٌ، فقصدته المرأة، فجامعها, لا يقع الطلاق، ولو كان قَدْ قال: قصدتُّ جماعك في الصورة هذه، يقع الطلاق.
نقل أبو العباس الرُّويانيُّ أن رجلا ببلخ قالت لَهُ امرأته: [اصنع] 2 لي ثيابًا ليكن لك فيه أجرٌ، فقال الرجل: إن كان لي فيه أجْرٌ فأنْتِ طالقٌ، فقالت المرأة: قد استفتيت في ذلك إبراهيم بن يوسف العَالِمَ 3، فقال: إن كان إبراهيم بن يوسف عالماً، فأنتِ طالقٌ، فاستفتي إبراهيم بن يوسف، فقال: لا يحنث في اليمين الأُولَى, لأنه مباحٌ، والمباح لا أجْرَ فيه، ويحنث في الثانية لأن الناس يسمونني عالماً.
وقيل: يحنث في الأولى أيضاً لأن الإنسان يؤجر في مثل ذلك إذا قصد البر وإدخال السرور على الغير، وقد حكى الوجهَيْن القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة" وقال: الصحيح الثاني 4.
قال شافعيٌّ: إن لم يكن الشَّافعيُّ أفْضَلَ من أبي حنيفة، فامرأتي طالقٌ، وقال حنفيٌّ: إن لم يكن أبو حنيفةَ أفْضَلَ، فامرأتي طالقٌ، لا يقع طلاق على واحدٍ منهما، وشبهوه بمسألة الغُرَاب.
وعن القفَّال: لا يجيب عن هذه المسألة، وفي مجموع الشيخ إبراهيم المروزي أنه
لو قال السُّنِّيُّ: إن لم يكن الخَيُر والشَّرُّ من الله تعالى، فامرأتي طالق، وقال المعتزليُّ: إن كان من الله، فامرأتي طالقٌ، أو قال السُّنِّيُّ: إن لم يكُنْ أبو بكر أفْضَل من عليٍّ -رضي الله عنهما- فامرأتي طالقٌ، وقال رافضي: إن لم يكُنْ عليٌّ أفْضَلَ من أبي بكر، فامرأتي طالقٌ يقع طلاق المعتزليِّ والرافضيِّ، وأنه لو قال: أفرغي عن هذا البيت من قماشك، فإن دخلتُ وجدت فيها شيئاً من قماشك، ولم أكسره على رأْسِك، فأنتِ طالقٌ، فدخل البيت [و] 1 وجد فيه هاوُنًا لها فَمِنَ الأصحاب من قال: لا يقَع الطَّلاقِ، للاستحالة، ومنْهم من قال: يقع عند اليأس قبيل موتها أو موته، وأنه لو تَخَاصَم الزوجان، فخرجت الزوجة مكشوفة الوجه، فعدا خلْفَها، وقال: كل امرأة: لي خرجَتْ من الدار مكشوفةً؛ ليقع بصر الأجانب علَيْها، فهي طالقٌ، فسمعت قوله، فرجعَتْ ولم يبصرها أجنبي، يقع الطلاق.
ولو قال: كلُّ امرأة لي خرجت مكشوفة، ويقع بصر الأجانب علَيْها، فهي طالقٌ، فخرجت ولم يقَعْ بَصَر الغَيْر عليْها, لا يقع الطلاق، والفرق أن الطَّلاق في الصُّورة الثانية: مُعلَّق على صفتين، ولم توجد إحداهما، وفي الأولى على صفة واحدة، وقد وجدت 2.
وسئل بعْضُهم عن الحَنْبلي يقول: إن لم يَكُن الله على العرش، فامرأتي طالقٌ، والأشعريُّ يقول: إن كان على العَرْش فامرأتي طالقٌ فقال: إن أرادَ الحنبليُّ المعنى الَّذي ورد به والقرآن لم تُطلَّق امرأته، وهذا بابُ متَّسع وفيما أوردناه مَقْنَع، وفوق المقنع.
وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
(كِتَابُ الرَّجْعَةِ 1 وَفِيهِ فصْلاَن)
(الأَوَّلُ في أَرْكَانِهَا) وهي أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ: المُوجبُ لَهَا وَهُوَ كُلُّ طَلاَقٍ يَسْتَعْقِبُ عِدَّةً
وَلاَ عِوَضَ فِيهِ وَلَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ الطَّلاَقِ.
قال الرَّافِعِيُّ: قال أهل اللغة يقال: لفلان على امرأته رَجْعَةٌ ورُجْعَة، أفصحُ، وهي المرَّة من المرجع والرجوع 1، وفلان يقول بالرَّجْعَةِ: أي بالرُّجوعِ إلى الدُّنْيا، وهل جاء رجعة كتابِكَ؟ أي جوابه، والراجعة: الناقة الَّتي يشتريها الرجُل 2 بثمن ناقة كانت له فباعها، ويقال: باعَ إِبِلَهُ، فارْتَجَع منها رِجْعةً صالحةً، -بالكسر- ويقال: رَجَعَهُ يَرْجعه رجعًا ورَجَع رجوعًا، وهذا لازمٌ، وذلك متعدٍّ.
والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] وقولُه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وقوْلُه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] والرد والإمساك مفسَّران بالرَّجعة، وقوله ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي قاربن انقضاء = ما لم تعلم علَّته كانت الدّاعية إلى الكلام عن حكمة التشريع ألزم والبسط فيها أحكم؛ لتكون الحُجَّةُ واضحة والحجة ناصحة.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.
وأما حكمة التشريع التي يمكن أن تتعرف العقول، وتصل إليها المدارك في شرع الله الرجعة بعد وقوع الطّلاق هي أن الزَّوْجَ الذي أقدم على ذلك الحلال المبغوض، ربَّما يكون قد استوثقت بينه وبين مطلَّقته آصرة من المودة والإيلاف، فقد أَفْضَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وكانت لباسًا له، كما كان لباسًا لها، وربَّما احتمل العلوق، أو يكون قد خرج من بينهم ذرية ضعاف يخاف عليهم الضياع والشتات.
ولا يغيب عن البال أن الأبناء والذرية الذين يتربوا في غير أحضان الآباء والأمهات معاً تكلألهم أعينهم، ويحوطهم الحفظ من السقوط في حماءة التّشرد، لا شك يكونون شَرًّا مُسْتَطِيرًا ونواة سيئة في المجتمع الذي يعيشون فيه، وإننا لا ننكر أن الأم من الضّعف، وعدم القدرة على صِيَانَةِ الولد خارج المنزل، فالله عالم به، وربما دفعها فرط الشّفقة عليه، وشدة الحنان والحدب عليه إلى التغاضي عن سيئة، وقد لا تدري ما العاقبة الوخيمة، وما نتيجة هذا التَّفريط.
وكثيرًا مِنْهُنَّ جاهلات لا يعرف من أمور الحياة وشؤون تربية الأبناء إلاّ كونهن آلة تقوم بتنظيف المسكن، وإنضاج الطعام، وغسل الملابس، ولا تعرف لابنها إلا أن تلقمه ثديها رضيعاً، وتقدم إليه كسر الخبز والطّعام بعد فطامه وفي يفاعه.
وأيضاً قد يتزوج كل من الأبوين بعد انفصام عقدة النكاح، وهنا الطّامة تَطُمُّ على الأبناء.
فالأم منصرفة عن ابنها إلى الزوج الجديد، والأب لاهي بزوجته، وربما كانت الزوجة عامل إفساد تربية هؤلاء الصغار، من أجل ذلك كلّه شَاءَ رَبّكَ الحَكِيمُ أن لا يهمل أمر هؤلاء الصغار، وأن لا تندثر آصرة المحبة والايلاف بين الزوجين، وشاء ألا يندم الزّوج على ما فرْط منه، فشرع الرجعة وملكها الزوج؛ حتى لا يطول ندمه، ولا تطول محنة الأبناء.
وأيضًا قد تكون الزوجة لا عائل لها, وليس ثمة من يرغب في نكاحها، فكان بالرجعة مجال؛ لدرء ما عساه أن يقع؛ ولدفع الفاقة عن البائسات.
العدَّة، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في قصة طلاق ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- "مُره فَليُرَاجِعْهَا".
ومقصود الكتاب مرتَّب في فصْلَيْن: أحدهما: في أركان الرَّجعة.
والثاني: في أحكام الرجعة والرجعية.
أما الأول، فقد جَمَع فيه بين ما يلتئم منْه نفْس الرجعة، وبين ما يثبت ولاية الرَّجعة، فقال الأول: الموجب لها، يعني الحالة المثبتة لولاية الرجعة، والمطلقات قسمان:
أحددهما: المطلَّقة الَّتي لم يستوف زوْجُها العدد المملوك من طلاقها، وهي نوعانِ: بائنةٌ، ورجعيَّةٌ، فالبائنة: المطلَّقة قبل الدخول، والمطلَّقة على عوض، فلا تحل للزوج إلاَّ بنكاحٍ جديدٍ، والرجعيَّة، المطلَّقة بعد الدخول بلا عِوَض.
والثاني: مطلَّقة اسْتُوفِيَ عدد طلاقها، فلا سبيل إلى رجعتها، وَيفْتَقر تجديد نكاحها إلى المحلِّل، وإذا اقتصرْتَ، قلْتَ الرجعيةُ: هي المطلَّقة بعد الدخول بلا عوض ولا استيفاء عدد، وقد تبيَّن في الكتاب اعتبارُ الأمور الثلاثة، وعبر عن كون الطلاق بعد الدخول بقوله: "يستعقب عدة".
وإذ عرفت ما ذكرناه وتذكَّرْت ما مر أنَّ الحُرَّ يملك ثلاث طَلَقات، وأن العبد لا يملك إلاَّ طلقتين، عَرَفْت أن الحرَّ يملك رجعتين، سواءٌ كانت الزوجة حُرةً أو أمة، وأن العَبْد لا يَمْلِك إلاَّ رجعةً واحدةً، سواء كانت الزوجة حرةً أو أمةً.
وعند أبي حنيفة؛ الاعتبار بالمرأة كما قال في الطلاق، فتراجع الحرَّةُ مرتين، والأمة مرةً.
ولا فرق في ثبوت الرجعة بيْن أن يكون الطلاق بالصرائح أو الكنايات.
وعند أبي حنيفة؛ الصرائح تُعْقب الرجعة، والكنايات بوائن إلاَّ قوله " [اعتدي] 1 واستبرئي رَحِمَكِ، وأنت واحدةٌ" وقاس الأصحابُ ما خالف فيه على ما وافَقَ عَلَيْه.
ولو طَلَّق امرأته باللفظ الصريح، ثم قال: أسقطْتُ حقَّ الرجعة، أو 2 طلقتها بشَرْط أن لا رجعة علَيْها, لم تَسْقُط الرجعة [كما لا يسقط الولاء بالعتق بالشرط، وقال أبو حنيفة: تسقط الرجعة] 3، ولا مدْخَل للرجعة في الفُسُوخ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): المُرْتَجِعُ وهو كل من له أهلية النكاح (الثالث: الصيغة)
وصريحها قوله: رجعت وَرَاجَعْتُ وَارْتَجَعتُ وَقَوْلُهُ: رَدَدتُّهَا إِلَى النِّكَاحَ فِيهِ خِلاَفٌ وَكَذَلِكَ لَفْظُ الإِمْسَاكِ وَالتَّزْوِيجُ صَرِيحٌ عَلَى وَجْهٍ وَكِنَايَةٌ عَلَى وَجْهٍ وَلَغْوٌ عَلَى وَجْهٍ وَالأَظْهَرُ أَنَّ صرَائِحَهُ مَحْصُورَةٌ وَقَوْلُهُ: أَعَدتُّ الحِلَّ وَرَفعْتُ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَالأَصَحُّ أَنَّ الكِنَايَةَ تَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا لأَنَّ الصَّحِيحَ الجَدِيدَ أَنَّ الإِشْهَادَ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا وَالتَّعْلِيقُ لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ وَلاَ تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِالوَطْءِ (ح) وَسائِرِ الأَفْعَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرُّكْن الثاني: الزَّوْج المرتَجِع، ويُعْتبر فيه أهلية النكاح، والاستحلال، فلا بدَّ فيه من العَقْل والبلوغ، وليس للمرتد الرجْعة، كما ليس له ابتداء النِّكاح [وسيأتي ذلك، وينبغي أن يجوز للولي الرَّجْعة؛ حيث يجوز له ابتداء النكاح] 1 لكن إذا جوَّزْنا التوكيل بالرَّجْعة، وهو الأظهر، والخِلاَف فيه مذْكورٌ في "الوكالة" وإنما يُفْرَض ذلك في المجنون، بأن يُطَلِّق زوجته، ثم يُجَنّ ولا يتصور في حق الصبيِّ.
الثالث: الصيغة، وفيها مسائل: [إحداها]: تحصل الرجعة بقوله: رَجَعْتُكِ، وراجَعْتك، وارتَجَعْتُك، وهذه الألفاظ صريحةٌ 2؛ لشرعها، وورودِ الأخبارِ والآثارِ بها،
ويُستحبُّ أن يضيف إلى النكاح أو الزوجية أو إلى نفسه فيقول: راجعتُك إلى نكاحي أو
زوجينني أو إليَّ، ولا يُشترط [ذلك ولا بد من إضافة هذه الألفاظ إلى مظهر أو = فلو قال: أنت مراجِعة بكسر الجيم، أو أنا مراجع بفتح الجيم، كان لغوًا.
قال "الشهاب عميرة": وينبغي أن تكون المصادر كلُّها كفايات، كنظيره في الطلاق.
اهـ.
وقال "ابن حجر": إن من الكنايات: أنت رجعة، كأنت طلاق اهـ.
ولا يخفى على المُتأمِّل أن قول عميرة إذا أضيف وانضم إلى كلام "ابن حجر"، كان معنى قوله: كلها كنايات أي: إذا وقعت أخبارًا، وتكون الكلمة فيها بالنسبة إلى مصادر جميع الصيغ، لا إلى مواقع استعمالها؛ لأنها إن لم تقع أخبارًا كانت صريحة، كما هو مدون ومعروف في كتب الفقه، والله أعلم.
ويسنُّ للمراجع أن يزيد لفظ إِليَّ أو إلَى نِكَاحِي في غير صيغة الرد؛ لأنها كما سبق يجب فيها ذلك، فإن أسقطها مع الردّ؛ كانت كناية إن صحبتها النية حصلت الرجعة وإلا فهي لغو وإنما كانت الزِّيادة المذكورة شرطاً في صراحة لفظ الرد؛ لإبهام اللَّفظ الخالي عن هذه الزيادة لمعنى المقابل للقبرل، أو الرد إلى الأبوين، بسبب الفراق، ومن هذا البيان المذكور في صراحة لفظ الردّ، ظهر أن اشتراط الإضافة فيه محله، مما لم يكن كفاية، فإن كان كفاية كانت بردّ قامت النية مقام الإضافة.
فرع قال في الروض وشرح: لو قال راجعتها؛ للضرب؛ أو للإكرام لا يضر في صحة الرجحة إلا أن قصد الضرب والإكرام باللفظ دون الرجعة، فإنه حينئذ يضرّ وتحصل الرَّجعة، إذا قصدهما معاً أو أطلق، وإذا راجعت زوجتي؛ للضرب مثلاً يسأل احتياطًا؛ لأنه قد يبين ما لا تحصل به الرجعة، فإن مات قبل السؤال حصلت الرجعة؛ لأن اللفظ صريح.
وألفاظ الرجعة الكناية هي: مشتق تَزْويج ونكاح؛ والتزويج والإنكاح، ونحو ذلك، كاخترتك ورفعت تحريمك، وأعدت حلك؛ لاحتماله الرجعة وغيرها؛ وإن تزوجتك ونكحتك صريحان في ابتداء النكاح، فلا يكونان صريحين في الرَّجْعَةِ؛ لأن اللفظ الصريح في بابه لا يكون صريحًا في غيره بل كِنَايةً إذا لم يجد نفاذًا في موضوعه، فرح من الكناية ما لو جرى عقد بإيجاب وقبول بدل الرجحة، ثم إننا نعود بك إلى شرح وإيضاح مما بقي من شروط الصيغة، فنذكر أنها يشترط لها التنجيز، فلو علق بالمشيئة منها فشاءت فورًا لم تحصل الرجعة، وبالأولى مشيئة غيرها.
وقد قلنا: يشترط فيها عدم التأقيت: قال العلامة "الشبراملسي": وهذا يشتمل ما لو قال: راجعتك بقية عمرك.
أي: لا تصح الرجعة، وقد يقال بصحتها؛ لأن ذلك معاه: أنه راجعها بقية حياتها.
وتصح الرّجحة بغير العربية، ولدفع القدرة عليها، وتكون ترجمة الصريح صريحة وترجمة الكناية كناية، وقيل: لا تصح الترجمة مطلقاً، وهاهنا قول وسط بين المنع والإجازة، وهو أنه إن كان قادراً على العربية لم تصح منه الرجعة بغيرها، وإن لم يكن قادراً على العربية صحَّت منه الرجحة بالترجمة؛ لأنها المُمْكِنة في حقِّه.
وقلنا: إن الرجعة لا تحصل بغير اللَّفظ صريحًا أو كنايةً، وعلى ذلك لا تصح بفعل غير كناية مع نية، ولو من قادر على النُّطق أو إشارة من أخرس مفهمة.
فلا تحصل بوطء، ولا بمقدماته، وإن نوى بذلك الرجحة؛ لعدم دلالة ذلك الفعل عليها، كما لا يحصل النّكاحُ بشئ منها، وأيضاً الوطء قد حرم بالطلاق، ويوجب العدة، فكيف يقطعها؟ ومقصود الرجعة حل الوطء.
فكيف يعقل إباحة نفسه بنفسه؟!
مضمر، كقوله: راجعت فلانة، أو راجعتك، فأما مجرد راجعت وارتجعتُ, فلا ينفع] ولو قال: راجعْتُك للمحبة أو الإهانة أو الأَذَى وقال: أردتُّ أنِّي راجعْتُكِ؛ لمحبتي إياك، أو لأهينك، أو أوذيك، قُبِلَ، وحصلت الرجعة، وإن قال: رجَعْتك إلى المحبَّة أو الإهانة أو الإيذاء أو إني كُنْت أحبك أو أهينك قبلَ النكاح، فرددتُّكِ إلى تلك الحالة، قُبِلَ، ولم تحصل الرجعة، وإن تَعذَّر الرجوع إليه؛ بأن مات أو كان قَدْ أطلق 1 فالرجعة حاصلةٌ؛ لأن اللفظ صريحٌ، وقوله للمحبة أو الإهانة الظاهرُ منْه المعنى الأوَّلُ وأشيرَ فيه إلى احتمالٍ آخَرَ، ومنع كونُه صريحاً مع هذه الزيادات، وفي لفْظ الرد وْجهان:
أصحُّهما: أنه صريح، لورود القرآن والسُّنَّة به قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] ورُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "رَكَانَةُ، ارْدُدْهَا" 2.
والثاني: المنع؛ لأنه لم يشتهر، ولم يتكرَّر؛ بخلاف لفظ الرَّجعة، وإذا جعلْناه صريحاً، فهل يُشْتَرط أن يقول: رددتها إليَّ أو إلى نكاحِي؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما في لفظ الرجعة.
وأظهرهما: الاشتراط؛ لأن الرجعة مشهورةٌ في معناها، والرد المطلق بالمعنى المقابل للقبول 3 أشدُّ إشعارًا وقد يُفْهَم منه الرَّدُّ إلى الأبوين بسَبَب الفِرَاق.
ولو قال: أمسكْتُكِ، ففيه وجهان، كما ذكرنا في الرَّدِّ.
وقال القفَّال: وآخرون: قولان.
أحدهما: أنه ليس بصريحٍ؛ لأنه يحتمل الإمساك في البيت وباليد، وإلى ترجيحه، ذَهَب الشيخ أبو حامد، والقاضيان أبو الطيِّب والرُّويانيُّ وغيرهم.
والثاني: أنه صريح؛ لورود القرآن به غَيْرَ مرة، ويُحْكَى هذا عن أبي الطيِّب بن سلمة والأصطخري 4 وابن القاصِّ.
وفي؛ "التهذيب": أنه الأصح، وإذا قلّنا: إنه صريحٌ فيشبه أن يجيْء في اشتراط الإضافة الخلافُ المذكورُ في لفظ الرَّدِّ، والذي أورده في "التهذيب" أنه يُسْتَحَبَّ أن يقول: أمسكتك على زوجتي، مع حكايته الخلاف في الاشتراط هناك، وإن قلنا: إنَّه ليس بصريح، فهل هو كنايةٌ فيه وجهان، نقلهما الإِمام:
أظهرهما: نعم، وبه قال الشيخ أبو عليّ والقاضي الحُسَيْن 5.