بدله وعن أبي حنيفة أن العتْقَ يقطع السراية حتَّى لو قطع يدَ عَبْدٍ فعَتَق، ثم سرى القَطْع لم تجِبْ إلا ديةُ اليدِ، واحتج الأصحاب بأنها جنايةٌ مضمونةٌ فتكون سرايتها مضمونةً، كما إذا جَنَى على ذميٍّ فأسْلَم، ثم مات، ولا فَرْق بين أن تكون القيمة أقلَّ من الدية أو أكثرَ حتى لو فقأ عيْنَ عبد تساوي قيمتُه مائتَيْن من الإبل أو قَطَعَ يدَيْه، لم يجب إلا قدْر مائة، ثم إن كانت الديَةُ مثل القيمة، أو أقَلَّ فالكُلُّ للسيد؛ لأنه قد استحَقَّ هذَا القَدْرَ بالجناية الواقعةِ في مِلْكه، وإن كانَتْ أكثر فالزيادةُ على القيمة للورثة؛ لأنها وجَبَتْ بسبب الحرية، وذهب المزنيُّ إلى أنه إذا كانَتِ القيمةُ أكثَرَ وجبَتْ بكمالها، وصُرِفَتْ إلى السَّيِّد؛ قال الإِمام كأنه يقول: لا سبيل إلى صرْف دية الحُرِّ إلى السيِّد، ولا سبيل إلى حرمانه، فالوجه أن يقطع أثر الحرية، ويصرف إليه أرْشُ ما جَرَى في الرق، وهذا كالوجْه الذي ذكرَه الإصطخريُّ فيما إذا قَطَع يديْ مسلمٍ ورجلَيْه، فارتدَّ وماتَ بالسراية أنَّه تجب ديتان، ولا يُنْظَر إلى السراية بعد الردَّة، وعن الشيخ أبي محمَّد أنَّ مَنْ سلك مسْلَك الإصطخريِّ هنالك، لا يبعد أن يوافق المزنيَّ هاهنا، وإذا قطَع إحدَى يدَيْ عبْدٍ أو فقأ إحْدَى عينيه، فعَتَق، ومات بالسراية، وأوجبْنَا كمال الدية ففيما للسَّيِّد قولان:
أحدهما: أنه يُصْرَف إلَيْه أقلُّ الأمرين مِنْ كل الدية، أو كلُّ القيمة؛ لأن السراية حصَلَتْ بجناية مضمونة للسيد، وقد اعتبرنا السراية حَيْث أوجَبْنا ديةَ النَّفْس، فلا بُدَّ من النظر إلَيْها في حقِّ السيد، فيقدَّر موته رقيقاً أو موته حرّاً، ويوجب للسيد أقلّ العِوَضَيْن، فإن كانتِ الديةُ أقلَّ، فليس على الجانِي غيرها، ومِنْ إعتاقِ السيِّد جاء النقصان؛ فإن كانت القيمة أقلَّ، فالزيادة وجبَتْ بسبب الحُرِّيَّة، فليس للسيِّد إلا قدْر القيمة الَّذي كانَ يأْخُذُه لو ماتَ رقيقاً.
وأصحُّهما: أن المصروف إليه أقلُّ الأمرين من كل الدية، ونصْف القيمة، وهوٍ أرْشُ الطَّرَف المقطوع في ملْكه لو انْدَمَلَتِ الجراحةُ؛ لأن السرايةَ لَمْ تحصل في الرِّقِّ حتى تُعْتبر في حقِّ السيد، فإنْ كان كلُّ الدية أقلَّ، فلا واجب غيره، وإن كانَتْ نصْف القيمة أقلَّ، فهو أرش الجناية الواقعة في ملكه، وهذا القول الثاني هو المنصوصُ في المسألة، وعن صاحب التقريب، وأبي يعقوب الأبيوردي والقفَّال: أن الأول مخرَّج من صورة نوردها في الفصْل الثاني لهذا الفصل قد نص فيها على القولَيْن وفي تعليق بعْض المرورذيين نسبة القول الأول إلى القديم، والثاني: الأصحُّ إلى الجديد وعبروا عن القولَيْنِ بعبارتين تُخَرَّج عليهما الصورة المذكورةِ مِن بعْد، فقالوا: للسيد على القوْلِ الأول الأَقلُّ ممَّا يلزم الجانِي آخِراً بالجناية على المِلْك أولاً، ومن مثل نسبته من القيمة، وعلى الثاني الأصحُّ الأقلُّ مما يلزم الجانِيَ آخر بالجناية على الملْك أولاً، ومِنْ أرْش الجناية، لو وقعت، فلو قطَع أُصْبُع عَبْدٍ، فعتقه، ثم سرى فعلى الأوَّلِ: للسَّيِّد الأقلُّ من كمال الدية الذي يلزم آخراً، ومن كمال القيمة، وهو مثل نسبته من الدية، وعلى الأصحِّ
الأقلُّ مِنْ كمالِ الدية، وعشر القيمة وهو أرْش الجنَايَة.
وقوله في الكتاب: "والنظر في القدْر 1 إلى حالة الموت" ليعلم بالحاء؛ لما ذكرنا أن عبْده لا ينظر إذا عَتَق إلى حالة الموت، وإنَّما الواجبُ أرْشُ الجناية.
وقوله: "ولو فقأ عينيْ عبد قيمته مائتان من الإبل" هذا لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه-، وتصويره ولا يخفى أن عين الإبل لا تقويم بها وإنما التقويم بالنقد، وإنما المراد أن قيمته قدر ما يساوي مائتين من الإبل، وكذا قوله: "فعليه مائةً من الإبل" أي قدْرُها، وأما أن المأخوذ منه عين الإبل أو تؤخذ الدراهم، فسيأتي، وليُعْلَمْ بالزاي؛ لما بينا.
وقوله: "أقل الأمرين" في القولين يمكن أن يُعْلَمَا بالحاء؛ لأن عنْد أبي حنيفة المَصْروف إلى السَّيِّد أرْشُ الجناية في ملْكه لا الأقل من هذَيْن، ولا من هذين.
وقوله: "من كل الدية أو كل القيمة" الأغلب في لسان أهل الفقه في مثل هذا الموضع كلمة " [أو] ولو قلْتَ: مِنْ كل الدية، وكل القيمة بالواو: صَحَّ وكان أوضح، وكذا الخلاف الحال في قوله: "أن نصف القيمة، وكذا قوله في العبارتين المترجمتين حيث قال أو "مثل نسبه من القيمة أو مجرَّد أرش الجناية".
وقوله في العبارة الأولى "الواجب أقل الأمرين" أي للسيد، وهو مَعْنَى قوله في الأخرى "المصروف إلى السيد" فقد يُخْتَصَر، فيقال "المصروف إلى السيد في القول الأول الأقل من الواجب على الجاني، وما يناسبه من القيمة، وفي الثاني الأقلُّ من الواجب وأرش الجناية".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ عَبْدٍ فَعَتَقَ ثُمَّ جرَحَهُ وَجُلاَنِ آخَران فَعَلَى جَميعِهِمْ دِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَعَلَى الجَانِي فِي الرَّقِّ الثُّلُثُ، وَلِلْسَّيِّدِ فِي قَوْلٍ أَقَلُّ (ح) الأمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أوْ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ القِيمَةِ وَهُوَ ثُلُثُ القيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفُ القيِمَةِ وَهُوَ أَرْشُ جِنَايَةِ المِلْكِ، المَسْأَلَةُ بِحَالِهَا عَادَ وَهُوَ فِي العِتْقِ وَجَرَحَ جُرْحاً ثَانِياً فَالوَاجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَلَكِنْ بجِرَاحَتَيْنِ حِصَّةُ جِنَايَةِ الرِّقِّ نِصْفُهُ وَهُوَ السُّدُسُ فَالمَصْرُوفُ إِلَى السَّيِّدِ الأَقَلُّ مِنْ سُدُسِ الدِّيَةِ أَوْ سُدُسُ القِيمَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ هُوَ الأَقَلُّ مِنْ سُدُسِ الدِّيَةِ أَوْ نصْفُ القِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان تُقدَّم علَيْهِما أنه لو قطع يد عبد، فحتق، [ثم] جاء
آخر، وقطع يده الأخْرَى أو رجْلَه، فيُنْظَر؛ إن اندملتِ الجراحتانِ، فلا قصاص على الأول، إن كان حُرّاً، وعليه نصْفُ القيمة للسيِّد، وعلى الثانِي القصاصُ أو نصْفُ الديةِ للمقطُوع، وإن مات منهما، فلا قصاص على الأول، لا في النفس، ولا في الطَّرَف إذا كان حرّاً وأما الثاني، فللوارث أن يقتص في الطرف النفْسُ؛ لأن سقوطه عن الأوَّل كان لِمَعْنى يختصُّ به، وهو عَدَم الكفاءة.
والثاني: كُفْءٌ هو أشبه شريك الأبِ، وفيه طريقان آخران:
أحدهما: أنه على القولَيْن في شريك السَّبُع.
والثاني: أنَّه لا قصاص عليه؛ لأنه مات مِنْ جُرْح صادَفَ رقاً وحرية، فأشْبَه ما إذا جرح مَنْ نصْفُه حرٌّ ونصْفُه رقيقٌ، ونسب القاضي ابن كج إلى أبي الطيِّب بن سَلمَةَ طريقة القولَيْن، والأكثرون نسَبُوا إليه الثاني، لماذا أوجبْنا القصاصَ، فلو عفا المستحقُّ، فعليه كمال الدية، وللسيِّد الأقلُّ من نِصْف الدية، ونصف القيمة على القولَيْن جميعًا؛ لأنه مات بجنايَتَيْن حصةُ كلِّ واحدةٍ مع سرايتها نصْفُ الدية، فيكون حقه فيما وجب عَلَى الأول، ولا حَقَّ له فيما يجب على الثانِي؛ لأن جنايته لم تكُنْ في ملكه، وإن اقتص الوارث مِنَ الثاني، بقي على الأول نصْفُ الدية، فإنْ كانَ قَدْرَ نصْفِ القيمةِ أو أقلَّ، أخَذَه السيد، وإن كان أكْثَر، فالزيادة للوارث، ولو قطع حُرٌّ يدَ عَبْدٍ، فعَتَقَ، ثم عاد، وقطع يده الأخْرَى، فمات منهما، فللوارث القصاص في الطرف الثاني دون الأول، ولا يجب عليه قصاص النفس؛ لأنه مات بجراحتين إحداهما موجِبَةٌ للقصاص، والأخرَى غير موجبة، وقد ذكرنا أنه لا قصاص في مثْل ذلك، وحكى القاضِي ابن كج وجهاً ضعيفاً: أنه يجب، إذا عفا المستحقُّ عن قصاص الطَّرَف، فعليهما الدية، وإن استوفاه، بقي على الجاني نصْفُ الدية، وحُكْمُ ما للسيد في الحالتين على ما ذكَرْنا فيما إذا كان القَاطِعُ غيره، ولو قطع أصبع عبْدٍ فعَتَق، ثم جاء آخر فقَطَع يده، ومات منهما، فعليهما الدية للسيد على أحد القولَيْن؛ الأقل من نصْفِ الدية، ونصْفِ القيمة، وعلى الأصحِّ الأقلُّ من نصْف الدية وعُشْر القيمة، فهذا ما نُقدِّمُه.
أما صورتا الكتاب، فإحداهما.
قَطَع إحدى يدَيْ عبْدٍ فعَتَقَ، ثم جرحه رجلانِ آخران بأن قطع أحدهما يده الأخرى، والآخر رجلَهُ، ومات منهما، فلا قصاص على الأوَّل لا في النفس ولا في الطَّرَف، إذا كان حرّاً، وعلى الآخرين القصاصُ في الطَّرَف، وكذلك في النفس، وفيه خلاف ابن سلمة.
وأما الديةُ، فيجب موزَّعةً على الجُنَاة الثلاثة على كل واحدٍ ثلثها، ولا حقَّ للسيد فيما يجب على الآخرين، وإنما يتعلَّق حقُّه بما يجب على الجاني في الرِّقِّ، وفيما
يستحقه القولان، وهما منصوصٌ عليهما في هذه الصورة في "المختصر" فعلى القول الأول: للسيد أقلُّ الأمرين من ثُلُثِ الدية، وثُلُث القيمة، وهو مثل نسبته من القيمة، وعلى الثاني الأقلُّ من ثلث الدية، وأرْش الجناية في مِلْكِه وهو نصْف القيمة.
والثانية: الصورةُ بحالها، وعاد الجانِي في الرِّقِّ، وجرح بعد العتق جراحةً أخرَى، ومات بسراية الكل، فالدية موزَّعة عليهم [أثْلاثاً لما مَرَّ أَنا ننْظُر إلى عدَدِ الجارِحِينَ دون الجِرَاحَاتِ، والثلث الواجبُ على الذي جَنَى في الرِّقِّ واجبٌ بجنايتين؛ إحداهما: في الرق، والأخرى: في العتق، فتقابل الجناية الواقعةَ في الرقِّ سُدُس الدية، فللسيِّد على القوْل الأول الأقلُّ من سدُس الدية الواجب بالجناية في ملْكه ومثْل نسبته مِنَ القيمة، وهو سدُسُها، وعلى الثاني: الأقل من سُدُس الدية ونصْفُ القيمة، وهو أرْشُ الجناية الواقعة في المِلْك، ولو قَطَع يد عبد فعَتَق، فجرحه آخر جراحةً، وعاد الأوَّل وجرَحَه جراحةً أخْرَى، فعليهما الديةُ بالسوية، والنصْف الواجبُ عَلَى الأول وجَبَ بجنايتي [الرق] 1 والحرية، فحصة الجناية الأولَى رُبْع الدية، فللسيد في القول الأوَّل الأقلُّ منْ ربع الدية، وربع القيمة وعلى الثاني: الأقل من رُبْع الدية [ونصف القيمة] 2 وبه أجاب ابن الحدَّاد في هذه الصورة، وذكر القاضي أبو الطيِّب: أنه الصحيح، ولو جنى اثنان على عبْدٍ، فعَتَق، ثم جَنَى عليه ثالثٌ، ومات بالسراية، فعليهم الدية أثلاثاً، وللسيِّد في القول الأول الأقلُّ من ثلُثَي الدية، وثُلُثَي القيمة، وفي الثاني: الأقلُّ من ثُلثَي الدية، وأرْشٍ جنايتي الرقِّ، ولو جنى ثلاثَةٌ في الرَّقَّ، وعتَقَ فجَنَى رابعٌ وماتَ منْهما، فعلَيْهم الدية أرباعاً وللسيِّد في القوْلِ الأوَّل الأقلُّ من ثلاثة أرباع الدية، وثلاثة أرباع القيمة، وفي الثَّانِي الأقلُّ مِنْ ثلاثةِ أرباع الدِّية، وأرْش الجنايات، ولو جَنَى اثنانِ في الرِّقِّ، وثلاثةٌ بعد ما عَتَقَ، فالديةُ عليهمَ أخماساً، وللسيِّد في القول الأول الأقل من خمسي الدية وخُمْسَي القيمة.
وفي الثَّانِي: الأقلُّ من خُمْسَي الدية، وأرش جنايتي الرق، ولو أوضَحَ عبْداً، فعَتَق، ثم قَطَع قاطعٌ يده، ومات منهما، فعليهما الدية، وللسيد على الأول أقلُّ الأمرين من نصْف الدية، ونصف القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من نصْفِ الدية، ونصف عشر القيمة، وهو أرش جناية الملْك، ولو أوضحَهُ فَعَتَق فجاء تسعة، فجرحوه، ومات من الجراحات كلِّها، فتوزَّع الدية عليهم أعشاراً، وللسيد على القوْل الأولِ: الأقلُّ من عشر الدية وعشر القيمة، وعلى الثاني، الأقلُّ من عشر الدية ونصْف عشر القيمة، وهو أرش المُوَضِّحَة، ولو جرحه الأول جرْحاً ثانياً مع التسعة، فالدِّية موزَّعةٌ عليهم كذلك، وللسيِّد الأقل من نصْف عُشر الدية، ونصف عشر القيمة على القولَيْن؛ لأنه لم يجب
بالجناية واقفة وسارية إلا نصْف عشر الضَّمان، وهكذا يتفق القولاَنِ إذا اتفَقَ قدْر الضمان على التقديرَيْن كما إذا جنَى خمسةٌ في الرِّقِّ وأرش جناياتهم نصْف القيمة، وخمسة بعد العتْق، فللسيِّد على القولَيْن، الأقلُّ من نصْف الدية ونصْف القيمة.
ولو جَنَى تسعة في الرقِّ وواحدٌ بعد العتق، ومات منهما، فللسيد على القوْل الأول: الأقلُّ من تسعة أعشار الدية، وتسعة أعشار القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من تسعةِ أعشار الديةِ، وأرش الجنايات، وإنْ كان أرشُ الجناياتِ تسعة أعشار القيمة اتَّفَقَ القوْلاَن، ولو قطع يدَيْ عبْدٍ، فعَتَق، وجرَحَه رجلانِ آخرانِ، ومات مِنَ الجراحات، فعليه الدية أثلاثاً وللسيِّد على القول الأول الأقلُّ من ثلث الدية، وثلث القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من ثلثِ الدية وكل القيمة، وهو أرش الجناية في المِلْك، ولو كان قد قطع يدَيْه ورجلَيْه، فكذلك الجواب في "التهذيب"، ووَجْهُه أن الأطراف إذا صارَتْ نفْساً، لا تُضْمَن بأكثر من القيمة ولك أن تقول: كما أن الأطْراف لا تُضْمَن بأكثر من القيمة إذا صارت نفساً، فاليد الواحدة لا تُضْمَن بنصف القيمة، إذا صارتْ نفساً فكما أن نصْفَ القيمة يجعل أرْش اليد الواحدة يجوز أن يُجْعَل أرش اليدَيْنِ والرجلَيْنِ قيمتَيْنِ أَخذاً بتقديم عَدَم السِّرَاية.
ولو قطع حرٌّ يَدَ عبدٍ فعَتَقَ، فجاء آخر وحز رقبته، فقد أبطل الحَزَّ السراية، وعلى الأولِ نصْف القيمة للسيِّد، وعلى الثاني القصاصُ أو كمالُ الديةِ للوارث، ولو قطَع حرٌّ يَدَ عبْدٍ فعَتَق، فقطع آخر يده الأخرَى، ثم قُتل حزّاً فإما أن يقتله؛ ثالثٌ أو الأول أو الثاني، فإن قتله ثالثٌ، فقد بطَلت سراية القطعَيْن، وكأنَّهما اندملاَ، فعلى الأَوَّلِ نصْف القيمة للسيد، وعلى الثاني القصاص في الطرف أو نصْف الدية للوارث، وعلى الثالث القصاص في النفس أو كمال الدية، كان قتله الأوَّل، نُظِر؛ إن قتله بعد اندمال قطْعه، فعليه نصف القيمة للسيد، والقصاص في النَّفْس أو كمال الدية للوارث، وعلى الثاني: نصف الدية، وإن قتله قبل الاندمال، فعليه القصاص في النفْس، ثم إن قلْنا بظاهر المَذْهب، وهو أن بَدَلَ الطَّرَفِ يدْخُل في النفْس، فإن اقتص الوارثُ، سقَطَ حقُّ السيد، وان عفا، وجَبَ كمال الدية، وللسيِّد منْها أقلُّ الأمرين من نصْف الدية ونصف القيمة، على أحد القولَيْن، كما سبق، هذا هو الظَّاهر.
وقال القاضي الطبَرِيُّ: عندي يَسْقُط حقُّ السيِّد، كان عما مستحِقُّ القصاص؛ لأنه إذا سَقَط حكْم الطَّرَف، وصار الحُكْم للنفْس، كان المأخوذ بَدَل النفس المفوتة بعد زوال مِلْك السيد، وعلى قول ابن سُرَيْج والإصطخريِّ: أن بَدَل الطَّرَف لا يدْخل في النفس، ويكون للسيد عليه نصف القيمة، وللوارث القصاصُ في النفْس أو كمالُ الدية، كما لو قُتل بعْد الاندمال، كان قتله الثاني، بَطَلت سرايةُ الأول، فعلَى الأول نصْف القيمة للسيد.
والثاني: قَطَع طَرَف حُرٍّ ثم قتَلَه، فإن قتله بعْد الاندمال، فللوارث أن يقتص منه في الطرف والنفس، وله نصْف الدية لليد، وكمالُ الدية للنفس، فإن شاء استوفَى القصاص فيهما وإن شاء أخذ بدلهما، وإن شاء استوفَى في أحدهما وبدل الثاني، وإنْ قتله قبل الاندمال، فللوارث القصاص في النفس، بقطع اليد، وله دية النفس فَقَطْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ حَقُّ السَّيِّدِ فِي الدَّرَاهِم، وَالوَاجِبُ عَلَى الجَانِي الإِبِلُ وَالخيَرَةُ إِلَى الجَانِي، فَإنْ سَلَّمَ الإِبِلَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإنْ سَلَّمَ الدَّرَاهِمَ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ الامْتِنَاعُ لأنَّهُ حَقُّهُ، وَقِيلَ: الإِبِلُ هُوَ الوَاجِبُ لأَنَّهُ المُتَعَيِّنُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرَفْت أن الواجبَ فيما إذا جنَى على عبد فعَتَق، وسَرَت الجناية إلى نفسه، إنما هو الدية، والدية الإبِلُ، فقال الأصحاب: تُؤْخَذُ الإبل، وتصرف إلى السيد حِصَّته على التفصيل الذي سَبَق من الإبل، وليس للوارث أن يقول: أسْتَوْفِي الإبل، وأدفع إليه ما يستحِقُّه من الدراهم أو الدنانير، فإنه إنما يستحِقُّ القيمة بحقِّ المِلْكِ، والقيمة الدراهم أو الدنانير؛ لأن ما يستحقه يستحقه من عين الدية التي هي الواجبة في الواقعة، وليست هي مرهونةً بحقه بخلاف الدَّيْن مع التركة، حيث يتمكَّن الوارث من إمساك التركة؛ لأن صاحب الدَّيْن لا يستحِقٌّ عينها، وليس للسيد أن يكلِّف الجاني تسليم الدراهم، ولو أتى الجاني بالدراهم، ففي إجبار السيد على القَبُول وجهان، ذكرهما الإِمام:
أحدهما: المَنْع؛ لأن الواجب المتعيِّن الإبل، فله أن يقول [له]: سلم حقِّي إلَيَّ.
والثاني: يُجْبَر؛ لأن ما يجب له يَجِب بحَقِّ المِلْك، والواجب بحقِّ الملْك النقْدُ، فإذا أتى به، فقد أتَى بأصْل حقِّه وحاصلُ هَذا الوجّه تخيير الجاني بيْن تسليم الإبل وتسليم الدراهم، وهو أفقه وأغوص عنْد الإِمام، وإيراد الكتاب يُشْعِر بترجيحه أيضاً، ولو أَبرأ السيّد الجاني عمَّا يستحقه من الدية برئ، وليس للورثة المطالبة به.
فرع: رمَى إلى ذميِّ، فأسلم أو عبْد، فعَتَق قَبْلَ الإصابة فيجب دية حرٍّ مسلمٍ، ولا قصاص إذا كان الرامي حرّاً مسلماً، وكذا لو رمى ذميٌّ إلى ذميٍّ أو عبدٌ إلى عبدٍ، ثم أسلَمَ الذميُّ أو عَتَقَ قبل الإصابة، لا يجب القصاص؛ لأنه لا كفاءة عند الإصابة.
وقد يقال، على سبيل الترجمة عن مسائل الفصْل المذكور في تغير الحال بيْن الجرح والمَوْت وبين الرمي والاصابة: كلُّ جُرْحٍ ابتداؤه غيْرُ مضمون، لا ينقلب مضموناً بتغيُّر الحال في الانتهاء، وذلك كما إذا جرح مرتدّاً، فأسْلَم، وكلُّ جرح ابتداؤه مضمونٌ، وانتقل المجروحُ إلى حالة الإهْدار، لم يتعلَّق به إلا ضمان ذلك الجُرْحِ، وذلك كما إذا جرح مسلماً، فارتدَّ، وإن كان مضموناً في الحالتين، اعتبر في قَدْر
الضمان الانتهاءُ، وفي القصاص تعتبر الكفاءة في الطرفَيْن والواسطة، وكذلك إذا تبدَّل الحال بين الرمْي والإصابة، اعتبر في القصاص الكفاءة في الطرفَيْن والواسطة، وكذلك يعتبر الطرفان والواسطة في تحمُّل العَقْل، على ما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّانِي: القِصَاصُ فِي الطَّرَفِ وَهُوَ فِي شَرْطِ القَطْع والقَاطِعِ وَالمَقْطُوعِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي شَرْطِ القَطْعِ وَالقَاتِلِ وَالمَقْتُولِ لاَ يُفَارِقُهُ (ح) فِي التَّفَاوُتِ فِي البَدَلِ، وَتُقْطَعُ (ح) يَدُ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ وَالعَبْدِ بِالحُرِّ، وَلاَ تُقْطَعُ السَّلِيمَةُ بِالشَّلاَّءِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نِصْفاً مِنْ صَاحِبِهَا، وَالأَيْدي تُقْطَعُ (ح) بِاليَدِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ الاِشْتِرَاكِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ القَطْعِ، وَإِنَّمَا تُفَارِقُ النَّفْسَ في أَمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا): أَنَّ الأَجْسَام لاَ تُضْمَنُ بِالسِّرَايَةِ نَصّاً بِخِلاَفِ الرُّوحِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ أَنَّهُ كَالرَّوحِ.
(الثَّانِي): أَنَّ الجِنَايَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ قَابِلَةً لِلضَّبْطِ حَتَّى يُسْتَوْفَى مِثْلُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد تبيَّن في أوَّل الكتاب أن القوْل في القِصاص يتعلَّق بطرَفَيْن؛ الوجوب والاستيفاء، وأن القَوْل في الوجُوب في قِصَاص النفْس وقصاص الطَّرف، وقدْ حَصَل الفراغُ من النَّوْع الأوَّل، وأما النوعُ الثانِي، وهو قصاص الطَّرَف، فالوجوب فيه يتعلَّق أيضاً بثلاثة أركانٍ، كما في الأول، وهي القطعُ والقاطعُ والمقطُوعُ، وكما يعتبر في القتل أن يكون عمداً محضاً عدواناً، يعتبر في الطرف حتى لا يتعلَّق القصاص بالجراحات، وإبانةُ الأطراف، إذا وقَعَت خطأً أو على سبيل شِبْه العمْد، ومِنْ صور الخطأ أنْ يَقْصِد بالحَجَر جداراً، فيصيب رأْسَ إنسان، فيوضحه ومن صور شبْه العمد: أن يضرب رأْسَه بلطمة أو بحَجَر لايشج غالباً لغاية صِغَره، فيتورم الموضع ويتضح العَظْم، وقد يكون الضرب بالعَصَا الخفيفة، والحجر المحدَّد عمْداً في الشِّجَاج؛ لأنَّه يوضح غالباً، ويكون شبْه عَمْدٍ في النفس؛ لأنه لا يَقْتُل 1 غالباً ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ولو أوضحه بما يوضح غالباً، ولا يقتل غالباً، فمات من تلْك الموضحة، فعن الشيخ أبي حامد: أنه يجب القصاصُ في الموضِّحة، ولو مات منها، لم يجب القصاص، واستبعده ابن الصبَّاغ وغيره؛ لأنه إذا كانت هذه الآلة، توضح في الغالب كانت كالحديدة 2، وفقأ العين بالأصبع عَمْدٌ؛ لأنها في العين تَعْمَلُ عَمَل السَّلاح.
وُيعْتَبَر في القاطِع أن يكون مكلَّفاً ملتزماً للأحكام، وفي المقْطُوع أن يكون معصوماً، كما ذكرنا في النفْس، ومن لا يقتل به الشَّخْص، لا يَقْطع طرفه بطرقه، ومن يقتل به الشخْص يقطع طرفه بطرقه، ولا يُشتَرطُ في قصاص الطَّرَف التساوِي في البَدَل، كما لا يشترط في قصاص النفس حتَّى تُقْطَع يدُ العبد بالعَبْد، والرَّجُل بالمرأة، وبالعكْس ويدُ الذميِّ بالمسلم دون العكس، والعبد بالحرِّ دون العكس.
وقال أبو حنيفة: إنما يجري قصاصُ الطَّرَف بين حُرَّيْن أو حُرَّتَيْنِ، ولا يَجْرِي بيْن العبْدِ والحُرِّ ولا بيْن العبْدَيْن، ولا بين الذكَر والأنثَى.
لنا: أن من قُتل بغيره، وجب أن يقطع طرفه بطرقه عند السلامة، كالحرين، ولا يرد على اللَّفْظ ما إذا قطَع صاحبُ اليد السليمة يداً شلاَّء أو ناقصةً بأصبع، حيث لا تقطع به، وإن كان لو قتله يُقْتَل به، والمعْنَى فيه أنَّ قِصَاص النَّفْس لصيانة الروح، وقد استويا في الروح، والشَّلل والنقصان لا يخلاَّن فيها، وقصاص الطرف لصيانة الأطراف، وقد تفاوتا في الطرف، وفرق فارقون بأن اليَد الشَّلاَّء ميتة، والحيُّ لا يُؤْخَذ بالميت، كما لا يُقْتَل الحيُّ بحَزِّ رقبة الميت، وذُكِرَ على هذا وجهان في أن اليد الشلاء من المذَكَّاة، هل تُؤْكَل، وضعَّف القاضي أبو الطيب وجماعةٌ هذا الفرْق، ومنَعُوا كوْنَ اليد الشلاء ميتة، وقالوا لو كان كذلك، لَتَغَيَّرت، ولكانت نجسة.
وكما يقتل الجماعة بالواحد، تقطع الأيدي باليد الواحدة، إذا اشتركوا في القطْع؛ بأن وضعوا السكِّين على اليد، وتحامَلُوا عليها دفعةً واحدةً حتى أبانوها، أو أبانوا بضربة واحدةٍ، اجتمعوا عليها، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تُقْطَع الأطرافُ بطَرَف واحد.
لنا: القياس على النفْس، ويخالف ما لو سرَق رجلانِ نصاباً واحداً، لا يجب القَطْع؛ لأن القطْع في السرقة حق الله تعالى، والحدود مجالُ المساهلات بخلاَف القصاصِ الذي هو حقُّ الآدميِّ ولذلك لو سرَقَ نصْفَ نصاب، ثم عاد، فكمل لا يُقْطَع، وهاهنا لو أبان اليد بدَفْعَتَيْن، يقطع.
ولو تميَّز فعْل الشركاء؛ بأن كان يقطع هذا من جانب، وهذا من جانبٍ، حتى التقت الحديدتان، أو قطع أحدهما بعْض اليد، وجاء الآخر فقطع الباقي وأبان، فَلاَ = أبي حامد في أول باب الجنايات يقتضي موافقة بحث ابن الصباح لا نقله عنه، وذكر بعض المتأخرين أنه ليس في كلام أبي حامد ما نقله عنه وأن الماوردي صرح بخلافه وقال هذا إذا مات في الحال من غير سراية كما في غرز الإبرة فإن مات بالسراية وجب القود وقد وضح أن الفتوى على وفق بحث ابن الصباغ.
قصاص على واحِدٍ منهما، ويجب على كلِّ واحدٍ منْهما الحكومةُ على ما يليقُ بجنايته، وينبغي أن يبْلُغ مجموع الحكومتين ديةَ اليد، وعن صاحب "التقريب" حكايةُ قول إنه يقطع من كل واحد منهما بقَدْر ما قَطَعَ إن أمكن 1 ضبْطُه، وذكر الإِمام: أن هذا مأخوذٌ من اختلاف يأتي -إن شاء الله تعالى- في أن القصاص هل يجري في المتلاحمة، وجْه الشَّبَه أن الموضحة يَجْري القصاص فيها كالإبانة، وقطْع بعْضِ اليدِ بعْض الإبانة كما أن المتلاحمة بعْض الموضحة، فليكُنْ حُكْمُه حكْم المتلاحمة، ثم فرق بينهما بأنَّ جلْدة الرأْس وما عليه من اللَّحْم، لا اختلاف في أجزائها، وليس فيها أعصابٌ وعروقٌ، فهي جداولُ الدم والعروقُ الرقيقة لا اعتباريها، فيتأتى رعايةُ القصاص ومعظم اليد تشمل على أعصاب ملْتَفَّة وعروق ساكنة وضارية، ويختلف وضعها في الأيدي، فلا يتأتى رعاية التماثل ولو جرا طرفي الحديدة جر المنشاد، فهذا عدَّهُ أكثرُهم منْ صور تمييز الفعْلَيْن، ومَثَّل به القاضي ابن كج صورةَ الاشْتراك المُوجِب للقصاص، ومحلُّ الإشكال ما ذكَر الإِمام أن الإمْرَار هكذا يُصَوَّر على وجهين.
أحدهما: أن يتعاونا في كل جَذْبَةٍ وإرْسَالَةٍ، فتكون من صور الاشتراك.
والثاني: أن يجذب كل واحد إلى جهة نفْسِهِ، ويفتر عن الإرسال في جهة صاحبه، فيكون البعضُ مقطوعَ هذا، والبعضُ مقطوعَ ذاك، ويكون الجواب على ما قاله الأكثرون، ولا يكاد يجيء فيه ما حكاه صاحب "التقريب" لتعذُّر الضَّبْط.
وقوله في الكتاب: "لا يفارقه في التفاوت في البدل" وقوله: "إذ يقطع" مُعْلَمان بالحاء؛ لما بيَّنَّا، وقوله: "ولا تُقْطَع السليمة بالشَّلاء" المقصد بذكر المسألة في هذا الموْضِعَ ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وإنما جَرَى ذكْره هنا؛ لأنها قد تَوَردُ على قوْلنا: إن مَنْ يقتل به الشَّخص يقطع طرفه على ما بين، وأراد بقوله: "لأنها ليست نصفاً من صاحبها" أنا وإن لم نراع التساوِيَ في البَدَل قدراً ولكن نراعي نسبة تساوي الطرفين إلى الجملَتَيْن، ويعتبر أن يكون طَرَفُ المقْطُوع نصْف جملته، إذا كان طَرَفُ القاطع نصْفَ
جملته، واليد الشلاء ليست نصفاً من صاحبها بخلاف اليد السليمة، فلِذَلك لم نقطع السليمةَ بها.
وقوله: "وإنما تفارق النفس في أمرين" لمّا تبين أن قصاص النفْس والطرَفِ لا يفترقان في اشتراط التَّسَاوِي في البَدَل، ولا في استيفاء العَدَد بالواحِد، أراد أن يبِّين ما يفترقان فيه، فذكر أنهما يفترقان في أمرَيْن.
أحدهما: أن قصاص النفْس يجبُ بسراية الجراحات، وفي الأجسام خلافٌ، وهذا معادٌ على القُرْب، ونشرحُه هناك، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "وفيه تخريج" بالواو؛ لما سيأتي وقوله: "كالروح" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة: لا يجب القصاص بالسِّرَاية في الأجسام، كما هو النص.
والثاني: أن الجنايَة على ما دُونَ النَّفْس ينبغي أن تكون قابيلة للضَّبْط؛ ليمكن استيفاء مثله بلا زيادة ولا نقصان، فإن الروح مستبقاة، فلا بُدَّ من الاحتياط، ولك أن تقول قصاص النفْس والطَّرَف لا يفترقان في اشتراط ضبْط الجناية، لكن الجناية على النفْس مضبوطةٌ في نفْسها، والجناية على الأعضاء والأطْراف قدْ ينضبط، وقد [لا تنضبط و] 1 ذَكَر في "التهذيب" بدل الأمر الثاني شيئاً آخر؛ وهو أن محل الجناية لا يُراعَى في النفْس حتى لو قطع طَرَفَ إنسان، فمات، كان للوليِّ أن يحز رقبته، وفي الطرف يراعَى المَحَلُّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالجِنَايَاتُ ثلاَثٌ: جُرْحٌ وَإبَانَةُ طَرَفٍ وَإزَالَةُ مَنْفَعَةٍ أَمَّا الجُرْحُ فَفِي المُوضِّحَةِ الَّتي تُوَضِّحُ العَظْمَ مِنَ الرَّأْسِ أَوِ الجَبْهَةِ أَوِ الخَدِّ أَوْ قَصَبَةِ الأَنْفِ القِصَاصُ، وَلاَ قِصَاصَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الهَاشِمَةِ لِلعَظْمِ، أَوِ المُنَقِّلَةِ لَهُ، أَوِ الآمَّةِ البَالِغَةِ إِلَى أُمِّ الرَّأْسِ، أَوِ الدَّامِغَةِ الخَارِقَةِ لِخَرِيطَةِ الدِّمَاغِ، وَلاَ فِيمَا قَبْلَ المُوَضِّحَةِ مِنَ الحَارِصَةِ الَّتِي تَشُقُّ الجِلْدَ، أَوِ الدَّامِيَةِ الَّتِي تُسِيلُ الدَّمَ، وَأمَّا البَاضِعَةُ الَّتِي بِخَرْقٍ يَبْضَعُ اللَّحْمَ أَوِ المُتَلاَحِمَةُ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ عُرْضاً بَالِغاً فَقَوْلاَنِ لِأَنَّ الضَّبْطَ مُمْكِنٌ عَلَى عُسْرٍ وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةَ، فَإذَا قَطَعَ نِصْفَ لَحْمِهِ إِلَى العَظْمِ قَطَعْنَا نِصْفَ اللَّحْمِ إِلَى العَظْمِ، فَإِنْ شَقَّ مَارِنَهُ أَوْ أُذُنَهُ فَقُوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ لِأَنَّ ضَبْطَهُ أَيْسَرُ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ كُوعِهِ فَقوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يَجِبَ لِأنًّ العُرُوقَ وَالأعْصَابَ مُخْتَلِفَةُ الوَضْعِ فِيهِ، وَأمَّا المُوَضِّحَةُ عَلَى الصَّدْرِ وَسَائِرِ البَدَنِ فَلاَ تَتَقَدَّرُ دِيَتُهَا وَلَكِنْ يَجْرِي القِصَاصُ فِيهَا عَلَى أَقْيَس الوَجْهَيْنِ لإمْكانِ الضَّبْطِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجناياتُ فيما دون النفْسِ ثلاثةُ أنواعٍ، جَرْحٌ يَشُقُّ، وقَطعٌ يُبين وإزَالَةُ مَنْفَعَةٍ بِلاَ شَقٍّ ولا إبَانَةٍ.
النوع الأوَّل: الجراحاتُ ويتعلَّق بها القصاص في الجمْلة قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ثم هي تنْقَسِم إلى واقعَةٍ في الرأْس والوجه وإلى غيرها، والتي تقَعُ في الرَّأْس والوَجْه تسمى الشِّجَاج، والمشْهُور منْها عَشَرَة.
أحدها: الحَارِصَة، فهي الَّتِي تشق الجلْدَ قليلاً نحْو الخَدْش، وتسمى الحَرْصَة أيضاً، يقال حَرَصَ القصَّاص الثوْبَ، إذا خدَشَه، وشَقَّه بالمُدُق وعن الأزهري: إذا قصره، ونحى عنه الدَرَنْ، كأنه قشره عنه، وقد يوجد في تفسير الحارصة أن لا يدمي المَوْضع، والثانية: الدامية، وهي التي تدمي موضِعَها مِنَ الشقِّ والخدْشِ، وذكر الإِمام وصاحب الكتاب في تفسيرها سَيلاَنَ الدَّمِ، وهو خلاف ما حُكِيَ عن لفْظِ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- واشْتَهَرَ في اللغة، أما لفْظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- فقد حكَى القاضي الرويانيُّ أنَّه قال: الدامية هي التي تدمى، ولا يقطر منْها شيْءٌ، وأما أهلْ اللغة، فقد ذكروا أن الدامية الَّتي يظهر دمها ولا يسيل، فإن سَالَ، فهي الدامعة بالعين المهملة من قولهم دمعت العين تدمع دمعاً.
والثالثة: الباضِعَة، وهي التي تبضع اللحْمَ بعْدَ الجلْد، أي تَقْطَعه، يقال: بَضَعَ اللَّحْمَ وَبَضَعَه ومنه البضع والبضعة القِطْعَة.
والرابعة: المُتَلاَحِمَة، وهي التي تغوص في اللحْم وتغور، ولا تبلغ الجلْدة بين اللحم والعظم، وقد تُسمَّى اللاَّحِمَة.
الخامسة: السِّمْحَاقُ، وهي التي تبْلُغ تلك الجلْدةَ، ويقال لتلك الجلدة السِّمْحَاق، وكل جلدةٍ رقيقةِ فهِيَ سِمْحَاقٌ، وقد تسمَّى هذه الشَّجَّة ثم الملطي والملطاة واللاطئة.
السادسة: المُوَضِّحَةُ، وهي التي تخرق السِّمْحَاق وتوضِّح العظْمَ وتُبْدِي وضحة، والوَضَح الضوء والبياض.
السابعة: الهاشمةُ، وهي التي تهشم العظْم، أي تكسره، ويقال للنبات المتكسر: هَشِيم.
الثامنة: المُنَقِّلَة، وهي التي تُنَقِّل العظْمَ مِنْ موضع إلى موضع، ويقال: هي التي تكَسِّرُ وتُنَقِّل، ويقال: هى التي تكسر العظم، حتى يَخْرج منها فراش العظم، والفراشة كل عظْمٍ رقيق وفراش الرأس عظامٌ رقاقٌ تَلي القحف.
التاسعة: المأْمُومَةُ، وهي التي تبلغ أُمَّ الرأس، وهي خريطةُ الدماغ المحيطة به،
ويقال لها: الآمَّة أيضاً 1.
العاشرة: الدَّامِغَة، وهي التي تخرق الخريطة، وتصل إلى الدِّمَاغ، وهي مذفَّفة، فهذه العشرة هي المشْهُورة.
وفي الكتاب ذِكْرُ جميعها سوى السِّمْحَاق، وتترتَّب هي على الترتيب المذكور، وعن "الأُمِّ" تقديمُ المتلاحمة على البَاضِعَة، وتفسير كلِّ ولدٍ بما سبق في تفسير الآخر، والمعنى لا يختلف، ويذكر في الشِّجَاج الجالفة، وعن إبراهيم الحربيِّ: أنها الأَوْلَى من الشِّجَاج، والحارصة تَليها، والأكثرون عكَسُوا، وقالوا: إنها تلي الحارصة، وهي التي تقشر الجلْد مع اللحم من قولهم: "جلفه الدهر" أي أتى على ماله واستأصله، وعلى هذا، فلا تخرج هي عن الشِّجَاج المذكورة؛ لأنها إن قطعت قليلاً من اللحْم، كانَتْ باضعةً وإن غاصت، كانت متلاحمةً، وإن استوعَبَتْه قطْعاً، فهي السِّمْحاق، أو ما بعدها، ويُذْكَر فيه الشجاج المفرشة هي التي تصاع العظم، أي تشقه ولا تكسره، وقد يقال: المقرشة بالقاف، والقاشرة، وهي الحارصة بعَيْنها، والدامعة على ما قدَّمناه، ويجوز أن يُضَاف إلى العشر الجالفة وتجعل بين الحارصة والدَّامية؛ لأنها أخْفَى من الحارصة، ولكن لا تدْمَى الموضِعُ منها، والدامعةُ، وهي بين الدامية والباضعة، والمفرشة وهي بيْن الموضِّحة والهاشمة ولذلك فعل صاحِبُ "المجمل" في جزء صنفه في الشجاج، وجميع هذه الشِّجَاج تُفْرَضُ في الجبهة، كما تفرض في الرأس، وكذلك يُتصوَّر ما سوى المأمومة والدامعة في الخدِّ وقصبة الأنف، واللحْي، الأَسْفل، إذا عرفْتَ ذلك، فيجب القصاصُ منْها في الموضِّحة لتيسير ضبطها واستيفاء مثلها، ولا قصاصَ فيما بعد الموضِّحة: من الهاشمة والمنقلة والمأمومة؛ لأنه لا يُؤْمَنُ الزيادة والنُّقْصَان في طُول الجراحة وعَرْضِها، ولا يوثق باستيفاء المثل؛ ولذلك لا نُوجِب القصاصَ في كسْر العظامِ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وأمَّا ما قبلها، فظاهِرُ لفْظِ "المختصر" وجوبُ القصاصِ في الباضِعة والمتلاحمة، والنَّصُّ في رواية الربيع وحَرْمَلة منْعُه، واختلف الأصحابُ فيهما على طريقين أقربهما إثبات قولَيْنِ في المسألة.
وجه المنع: أنه لا يُمْكِن رعايةُ المماثلة، فإنَّا لو ذهبْنا نَقْطَع من الشاجِّ بقدر ما قطع من المشجوج لم تأَمَنْ أن نوضِّح من مقابلة المتلاحِمَة؛ لغلظ جلْد المَشْجُوج، وكثرة لحمه، ورقة جلد الشاجِّ وقلة لحمه، ولو راعَيْنا نسبة المقْطُوع إلى جملة سُمْك الجلد واللَّحْم حاولنا أن نعرف أنه النصْف أو الثلث، ولم نتمكِّن من معرفته، واللَّحْم باقٍ بعضه والعظم مستترٌ به.
ووجه الوجوبِ: إمكان الوقوفِ على نسبه المقْطُوع إلى الجُمْلةِ، وصَوَّر الشَّيْخ أبو حامِدٍ ذلك فيما إذا كاَن عَلَى رأسِ كلِّ واحدٍ من الشاجِّ والمشجوج موضِّحَةٌ قريبةٌ من موضع الشجة، فيُنْظر في موضِّحة المشجوج ونقيس بها الشجة التي نريد القصاصَ فيها، أهِيَ نصفها أو ثلثها، فإذا عَرَفْنا ذلك نَظَرْنا في موضِّحَةِ الشاجِّ، واستوفَيْنا مثْل نصْفها أو ثلثها.
قال الإِمام: ويمكِنْ ذلك إذا كانت الموضِّحتان طريَّتَيْنِ أما إذا عتقتا وأخذنا في الالتأم، لم يتأتَّ الضبط، ثم اختلف المثبتون للقولَيْن؛ فخصَّص أكثرهم قول الوجوب بالتصوير الذي صوَّره أبو حامد، ولم يذكروا فيما إذا لم يُمْكِن الضبط؛ أنه يقتص في القَدْر المستيقَنِ، كما قالوا: إنه يعتبر أَرْش ما دون الموضِّحة من الشجاج بالموضِّحة، ويُقدَّر بها إذا كانت هناك موضِّحة، وعند الشكِّ، يجب القدْر المستيقَنُ وذكر الإِمام في القصاص مثل ذلك، فقال: إذا لم يُمْكِن معرفة النسبة أجرَيْنا القصاصَ في القدْر المستيقَنِ، وكفَفْنا عن محلِّ الإشكال، وهذا ذَهَاب إلى تعميم القولَيْن، وقد حكاه أبو بكر الطوسيُّ عن بعض الأصحاب، ثم الأظْهَر من القولَيْن عند الأكثرين أنَّه لا قصاص، وعن اختيار القفَّال والشيخ أبي محمَّد وجوبُه عند الإمكان.
والطريق الثاني: امتنع كثير من الأصحاب من إثبات القولَيْن ثم تحزَّبوا، فقطعَ قاطِعُونَ بأنَّه لا يجبُ القصاص ونَسَبُوا المزنيَّ إلى السَّهْو، وعن الماسرجسي أنه كان الشافعيَّ -رضي الله عنه- يُعَلِّق القول في المسألة، ويقول بوجوب القصاص، إن أمكن، ثم بأن له أنه لا إمكانَ، فقَطَع القول بالمنع، وفيما علِّق عن أبي بكر الطوسيِّ أن بعض الأصحاب ترك النصَّيْن على حالَتَي الإمكان وعدمه والخلافُ المذكورُ في الباضعة والمتلاحمة جَارٍ في السِّمْحَاق، وكذلك ذكره الإِمام والقاضي الرويانيُّ وغيرهما، ولِجَازِم أن يجزمَ بالوجُوب، إن كانَتِ الجلدة بين اللحم والعَظْم المسمَّاة بالسِّمْحَاق متميزةّ، يَقِفُ أهل الخبرة عليها، ويمكن إنهاء القطع إليها بلا مجاوزةٍ كما في الموضِّحة، وحكى الإِمام في الحَارِصَةِ القَطْع 1 بأنه لا قصاص؛ لأنه لا وقع لها، ولا يفُوتُ بها شيْء، وأن الشيخ أبا محمَّد تردَّد في الدامية، وأن مَيْل القفَّال إلى تنزيلها منزِلةَ الحارصة، وفي وجوب القصاص يُقْطَعُ بعض المارن والأذن من غير إبانة، اختلافُه قول رُتِّب على الخلاف في الباضعة والمتلاحمة، والظاهرُ الوجوبُ، لإحاطة الهواء بهما وإمكان الاطلاع عليهما من الجانبيْن، ويُقدَّر المقطوعُ بالجزئية كالثلُث والنصْف، ويستوفَى من الجاني مثلُه، ولا يُنْظر إلى مساحة المقطوع، وقد تختلِف الأذنان صغراً وكبراً، ولو قطع بعْضَ الكُوع أو مفْصَل الساق والقَدَم، ولم يبين، فقد حُكِيَ فيه قولان
مرتَّبان، وهو أولَى بعدم وجوب القصاص، وهو الظاهر؛ لأنَّها مجمع العروق ؤالأعصاب وهي مختلفة الوضع، تسَفُّلاً وتصعُّداً، وقد يؤثر في أوضاعها العبالة والنحافة، فلا يوثق باستيفاء المِثْل بخلاف المارن والأذن، فإنَّهما من جنْسٍ واحدٍ.
هذا حكم القصاص في الشِّجَاج.
والقول فيما يجب فيها مِنْ أرْشٍ أو حكومةٍ سيأتي- إن شاء الله تعالى- فى "الديات"، وأما الجراحات على سائر البدن، فما لا قصاص فيه، إذا كان على الرأْس والوجْه، لا قصاصَ فيه إذا كان علَى غيرهما، وأما الموضِّحة التي فيها القصاص، إذا وقَع مثلُها في سائر البدن، كما إذا أوضحت الجراحةُ عظْمَ الصدر أو العنق أو الساعد أو الأصابع، ففي وجوب القصاص وجهان:
أحدهما: لا يجب، كما لا يجب فيه أرْشٌ مقدَّر وهذا؛ لأن الخَطَر في الجراحة على الرأْس والوجْه أعظمُ والشِّيْن الحاصل بهما أقبح.
وأصحُّهما: الوجوب لتيسر استيفاء المثل، وهذا ظاهر النصِّ، ولا يعتبر القصاص بالأَرْش؛ ألا ترى أن الإِصبع الزائدة تقتص بمثْلِها، وليس لها أرْشٌ مُقدَّرٌ، وكذلك الساعدُ بلا كفٍّ وعلى عكسه الجائفة لها أرش مقدَّر، ولا قصاص فيها، وإذا اختصرت، وأجيبت في الجراحات بما هُوَ الظَّاهر، قُلْت: يجب القصاصُ في الجراحة عَلَى أيِّ موْضِعٍ كانَتْ بشرط أن تنتهي إلى العَظْم ولا تكسره، وأما لفظ الكتاب، فقوله: "ففي الموضِّحة التي توضِّح العظْمَ إلى آخره ليس الغرض من قوله: "التي توضِّح العَظْمَ تقييد الموضحة أو وصفها وهي التي كذا وكذا وكذا، الحال فيما ذكر في الآمة" والدامعة وفي الحارصة والدَّامية.
وقوله: "مِنَ الهاشِمة للعَظْم أو المنقِّلة أو الآمَّة" لو أدخل فيها "الواو" بدل "أو" لحصل الغَرَض.
وقوله: "أو الدَّامغَةُ الخَارِقَةُ لِخَرِيطَةِ الدِّمَاغ" يعني لا قصاص في عينها، ويتعلَّق بها قصاص النفْس أو كمال الدية؛ لما ذكرنا أنها منفعة ويجوز أن يُعْلَم قوله: "أو الدامية" بالواو لما حكينا من تردُّد الشيخ أبي محمَّد.
وقوله: "التي تسيل الدم" أيضاً لما مر أنَّهم شرَطُوا في الدامية أَلاَّ يسيلَ الدمُ، وقوله في الباضعة والمتلاحمة "فقولان"، يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للطريقة القاطعة بالمَنْع، والمنزلة للنص على الحَالَتَيْنِ.
وقوله: "فإذَا قطَع نصْفَ لحمه إلى العَظْم، قطَعْنا نصف اللحم إلى العظم" يعني إذا كان [على رأس] 1 كل واحد من الشَّاجِّ والمشجوج موضِّحة يتيسَّر معْرفة النسبة
بهما، إن خصَّصنا القولين بتلْك الصورة، وإن عمَّمنا هنا، وهو قضية لفْظ الكتاب، فيمكن أن يقال: يُرَاجَع أهل الخبرة، لِيَنْظُروا في المقْطُوع، والباقي ويَحْكُموا بأنه نصْف أو ثلث بالاجتهاد بعْد غمر رأس الشاج والمشجوج، ويحكمون عند القصاص أيضاً، ويُعْمَلُ بموجبِ اجتهادِهم، فإن شكُّوا في أن المقْطُوع نصْفٌ أو ثلثٌ أخذْنا باليقين، وهذا شيْء كان يعرض.
في الخاطر مدَّةً ثم رأيته مسْطُوراً في "أمالي" الشيخ أبي الفرج الزاز.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الأَطْرَافُ فَيَجِبُ القِصَاصُ فِي جَمِيعِ المَفَاصِلِّ إِلاَّ في أَصْلِ الْمَنْكِبِ وَالفَخِذِ إِذَا لَمْ يُمَكِنْ اِلاَّ بإجَافَةٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يَجِبُ لِأَنَّ أَصْلَ الإِجَافَةِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَفِي مَعْنَى المَفَاصِلِ أَبْعَاضُ المَارِنِ وَالأُذُنِ وَالأُنَثَيَيْنِ وَالذَّكَرِ والأَجْفَانِ وَالشَّفَتَيْنِ وَالشَّفْرَيْنِ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّقْدِيرَ، وَلاَ قِصَاصَ فِي فَلْقَةِ مِنَ الفَخِذِ لِأَنَّ سُمْكَهُ لاَ يَنْضَبِط، وَالعَجْزُ بَيْنَ انْبِسَاطِ الفَخِذِ وَنُتُوءِ الذَّكَرِ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وأما الأطْرَافُ فيجَب القصاصُ في الأطْراف على ما قَالَ الله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: 45] وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خبر الربيع بنتَ النَّضِر المذكورة في أوَّل الكتاب: "كِتَابُ اللهِ القَصَاصُ" والشرط أن يمكن رعاية المماثلة، ويُؤْمَن استيفاء الزيادة، وذلك بطريقين.
أحدهما: أن يكون للعضْو مفصلٌ توضَع الحديدة علَيْه، ويُبَان والمفصل موْضِع اتصال عُضْو بعضو 1 على منْقَطع عظمين برباطَاتٍ واصلة، وقد يكون ذلك على سبيل المُجَاورة المحْضَة، وقد يكون مِعَ دَخُول عضْوٍ في عضوٍ كما في المَرْفِق والرُّكْبَة، فمن المفاصل الأنامل والكُوع والمِرْفَق ومَفْصل القَدَم والركبة، وإذا وقع القطْع على بعضها اقتصَّ من الجاني.
قال الإِمام: وفي بعض التعاليق عن شيْخِي وجْهٌ بعيدٌ في المرفق والرُّكْبة، وكان سببه أنَّه لا يؤمن من الزيادة؛ لدُخول عَظْم في عَظْم، قال: وهذا أحسبه غلطاً من المُعلِّق، ومن المفاصل أصْل الفخذ والمَنْكِب، فإذا لم يجف الجاني، وأمكن القصاص من غَيْر إجافة اقتص، وإذا لم يمكن القصاص إلا بالإجافة، لم يقتص؛ لأن الجوائف لا تنضبط 2 ضيقاً وسعةً وتأثيراً ونكايةً؛ ولذلك لم يَجْرِ القصاصُ فيها هذا هو المشهور،
ولم يُفرِّقوا فيما إذا لم يُمْكِنِ القصاصُ إلا بالإجافة، بين أن يكون الجاني قد أجاف أو لم يُجِفْ.
وحكى الإمام وجْهاً أنه يجري القصاصُ إذا كان الجاني قد أجاف، وقال أهل البصر: يمكن أن يقطع العُضُو، ويجاف مثل تلْك الجائفة، ووجهه بأن الجائفة هاهنا تابعةٌ غير مقصودةٍ، وبأنه إذا كان المقْصُود إبانةَ اليد، لم يكن للحديدة عوَضٌ في الباطن، ولا يختلف التأثير والنكاية ونسب هذا الوجه إلى رواية الصيدلاني وغيره، والمشْهُور إلى الشيخ أبي محمَّد والتفصيل بين أن يمكن القصاص من غير إجافَةٍ، وبين أن لا يمكن بالإجافة منْهُم مَنْ أطلقه في القطع منْ أصْل المنكب أو الفخذ ومنهم من أطلق جَرَيَانَ القِصَاصِ، فيما إذا قطَعَ مِنْ أصْل الفخذ أو المنكب، وخصَّص التفصيل بما إذا قلع مع قطع اليد عَظْمَ المنكب الذي يقال لها "المشط" وهكذا فعل ابن الصَّبَّاغ.
والثاني: أن يكون للعضْو حدٌّ مضبوطٌ ينقاد لآلة القطع والأبانة كالعين يَجِب في فَقْئها القصاص، ويجري القِصَاص في الأذن والجَفْن والمارن والشَّفَة واللسان والذَّكَر والأنثَيَيْنِ؛ لأن لها نهاياتٍ مضبوطةً، وإن لم يكنْ مفصلٌ منقطع عظم وفي اللسان وجه عن أبي إسحاق أنَّه لا قصاصَ، ونقل مثله عن أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بقَطْع غيره، وفي الشَّفَةِ وجه عن الشيخ أبي حَامِدٍ، وفي الشَّفْرَيْن والألْيَتَيْنِ وجْهَان من الخلاف المذكور في الشَّفَة واللسان، لكن الخلاف فيهما أشهر وأظهر، والعراقيون كالشيخ أبي حامد ومن تابعه جَزَموا بأنَّه لا قصاص في الشُّفْرَيْنِ، وعن المزنيِّ المَنْع في الأليتين وادعى الأمام اتفاق الأصحابِ عَلَيْه في الدِّيَات، لكن الظاهر فيهما جميعاً على ما ذكره صاحب "التهذيب" والأئمة وجوب القصاص، وحكَى ذلك عن نصِّه في "الأم" في الشفتين والشُّفْرَيْنِ وبه قال القفَّال، ولا يجب القِصَاص في إطار الشفة [وهو المحيط بها] لأنه لشى له حَدٌّ مقدَّرٌ 1 والكلام في قدْر الشفتَيْن والشَّفْرَيْن والأليتين سيأتي في الديات -إن شاء الله تعالى-.
ولو قطع فلقةً من الأذن أو المارن أو الشفة واللسان أو الحَشَفة، [وأبانها] وجَبَ القصاص، ويكون الضبط بالجزئية، لا بالمساحة والمقدار، وعن أبي إسحاق المروزيِّ فيما حكاه صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لا يجبُ؛ لأنه لا تؤْمَنُ الزيادة والنقصان، ولا يتحقَّق النسبة بخلاف ما إذا استوعَبَ العضْو وهذا قريب من الخلاف فيما إذا قَطَع بعْض الأذن أو المارن ولم يبنه ولو قطع فلقة من الفخذ، فالجواب في الكتاب: أنه لا يجب
القصاصُ؛ لأن سُمْكَه لا ينضبط ويشبه أن يجْيءَ فيه الخلافُ المذكورُ في الباضعة والمتلاحمة، إذا أوجبْنا القصاصَ في إيضاح العَظْم على سائر البَدَن.
وقوله في الكتاب: "إلا في أصْل المَنْكِب والفَخِذ؛ إذ لا يُمْكِنُ إلا بإجافة" كذلك هو في بعض النسخ، وفي بعْضها "إذ لم يمكن إلا بإجافة"، وهو أحسن وأوفق؛ لما قدَّمناه.
وقوله: "وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذن [إلى آخرها يجوز أن يكون معناه الأبعاض والأجزاء التي هي المَارِنُ والأُذُن، وكذا] 1 يجوز أن يُريدَ ما إذا قطع البعض من عُضْو من هذه الأعضاء وترتبط كل واحدة من الصورتين بالأخرى، فإنَّ ما يجري القصاصُ فيه من هذه الأعضاء يَجْرِي في بعْضه على الظاهر؛ لإمكان تقديره بالكُلِّ والمحمل الأول أوْلَى وألْيَق بسياق الكلام، والثاني أقْرَبُ إلَى لفظه في "الوسيط" فإنه قال على الأثر: ولا قصاص في فَلْقة من الفَخِذ، وإذا حمل على الثاني، فيجوز أن يُعْلَم قوله: "وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذن" للخلاف المنقول المذْكُور عن أبي إسحاق، وإن حُمِلَ على الأوَّل فيُعْلَم "الشفتان والشُّفْرَان" لا غير.
وقوله: "والعَجُزُ بين انبساط الفَخِذ ونُتُوِّ الذَّكَرِ" يعني أن العَجُز مِنْ حيث إنَّه منبسطٌ يشبه الفخِذَ، فلا يكون فيه قصاص، ومن حيث إنَّه ناتٍ بعض النتو يشبه الذَّكَر، فيجري فيه القصاص، فكان على وجهَيْن، وهذا حكاية الخلافِ الذي سَبَق في الألْيَة، ويُمْكن أن يريدَ ما إذا قَطَع فلقةٌ من العجز، وعلى التقديرين فتخصيصه بذِكْرِ الخلاف فيه كان سبَبُه ما قدَّمناه أن الخلاف في الألْيَة أظْهَرُ؛ ولذلك ذكر الإِمام الخلافَ في الألْيَة، ولم يَذْكُرْ في المارن وغيره.
فَرْعٌ: إذا قطع يد إنسان أو عضوا آخر، وبقي المقطوع متعلقاً بجلدة، وجب القصاص أو كمال الدية؛ لأنه قد بَطَل العضْو وفائدته، وأمكَنَ استيفاءُ مثل الجناية مِنَ الجانِي، ولا يَجِيْءُ فيه الخلافُ الذي سبَقَ فيما إذا قَطَع بعْض الكوع دون بعض، ثم إذا قطَعْنا يد الجاني حتى انتهى القَطْع إلى تلْك الجلدة فقد حصل الاقتصاص ويُراجَعَ [الجاني] أهلُ الخبرة في تلْك الجلدة، ويفعل ما فيه النَّظَر له من القَطْع والتَّرْك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ قِصَاصَ فِي كَسْرِ العِظَامِ لَكِنْ يُقْطَعُ (ح) أَقْرَبُ المَفْصَلِ إِلَيْهِ مَعَ حُكُومَةِ البَقِيَّةِ، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ مَعَ الهَشْمِ فَالقِصَاصُ (ح) في الْمُوَضِّحَةِ، وَالأَرْشُ فِي الهَشْمِ، وَلَوْ قَطَعَ مِنَ المِرْفَق لَمْ يَجُز لَهُ (و) القَطْعُ مِنَ الكُوعِ، وَلَوْ كَسرَ عَظْمَ العَضُدِ فَفِي القَطْعِ مِنَ الكُوعِ مَعَ تَرْكِ أَرْشِ السَّاعِدِ وَجْهَانِ، وَإذَا سَقَطَ أَرْشُ السَّاعِدِ فَفِي أَرْشِ
بَقِيَّةِ العَضُدِ عِنْد عُدُولِهِ إلى الكُوعِ عُدْوَاناً وَجْهَانِ، وَلَوْ عَدَلَ إلى لَقْطِ الأَصَابعِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الكُوعِ لَمْ يَجُزْ لِتَعَدُّدِ الجِرَاحَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يجري القصاصُ في كسْر العظَام؛ لأنه لا وثُوقَ فيه باستيفاء 1 المِثْل، ولكن للمجنيِّ عليه أن يقطع أقرب مَفْصِل إلى مَوْضِع الكسْر، ويأخذ الحكومةَ للباقي، وله أن يعفو ويعْدِل إلى المال، وعند أبي حنيفة لا يُجْمَع بين القطع والمال، فيسقط القصاص ويجب المال.
ولو أوضَحَ رأسَهُ مع الهشم، فله أن يقتص في الموضِّحة، ويأخذ للهَشْم ما بين أرْشِ الموضِّحة والهاشمة، وهو خَمْسٌ من الإبل ولو أَوْضَح ونقل فللمَجْنِيِّ عليه أن يقتصَّ في الموضِّحة، ويأخُذَ ما بين أرْش الموضِّحة والمُنَقِّلَة، وهو عَشْرٌ من الإبل، ولو أوضَحَ وأَمَّ، فله أن يُوضِّح، ويأخذَ ما بين أرشِ الموضِّحة والمأمومة، وهو ثمانية وعشرون [بعيراً] وثلُثٌ [بعير]، فإن في المأمون ثلُثَ الدية، وخلاف أبي حنيفة عائد في هذه الصور، ثم في الفصل صور:
إحْدَاها: لو قطع يده من الكوع، فأراد المجنيُّ عليه أن يلقط أصابعه، لم يمكن؛ لأنَّه قَدَر على وضْع الحديدة على محَلِّ الجناية، ومهْما أمكَنَ رعايةُ المماثلة، لا يعدل عنها، فلو بادَرَ إليه، عزر ولا غُرْم عليه، [لأنه يستحق] 2 إتلاف الجملة، فلا يلزمه بإتلاف البَعْض غُرْمٌ، كما أن مستحِقَّ القصاص في النفس، لو قطعَ طرفاً من الجاني لا يلزمه غُرْمٌ، قال صاحبُ "التهذيب": وهل له أن يَعُودَ، ويقطع الكفَّ؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: نعم، كما أن مستحِقَّ النفس لو قطع يد الجانِي له أن يعُود ويحزَّ رقبته، ولو ترَكَ قطْع الكف، وطلَب حكومتها لم يجب؛ لأن حكومة الكفِّ تدخل في دية الأصَابع، وقد استوفى الأصابعَ المقابلةَ للدية، فأشبه ما إذا قطَع مستحقُّ القصاص في النفس يَدَي الجانِي له أن يعود فيحز رقبته، ولو عفا، وطلب الديةَ لا يُجَابُ؛ لأنه قد استوفى [ها] هنا ما يقابِلُ الدية، وهذه قواعدُ سَنتكلِّم فيها فيما بعد، ولو قطَع يده من المرفق، فأراد أن يَقْطَع من الكوع، ويأخذ أرْشَ الساعد، أَوْ لا يأخذ، لم يُمْكِنْ لمَا فيه من العدول عن محَلِّ الجناية، مع القدرة عليه، بل لو أراد أن يقْطَع منه أصبعاً واحدةً، وقنع بها قصاصاً ومالاً لا يُمَكنُ منه، وفي "أمالي" أبي الفرج الزاز: أن له أن ينزل من مَفْصِلٍ إلى مَفْصِلٍ دونه، فإنه كالمسامَحَة وترك بعض الحق، والظاهِرُ الأول،
ولو خالَفَنَا، وقطَعَ من الكوع فيعزر، ولا غُرْم عليه؛ لما تَقدَّم، ولو أراد بعْد ذلك أن يقْطَع من المرفق، وقال: كنتُ أستحق ذلك، فمكِّنُوني منْه، قال الإِمام: لا نسعِفُه بذلك أصلاً، وجعله صاحب "التهذيب" على وجهَيْنِ، ولا بد من التسوبة بين الصورتَيْنِ، ولو طلب حكومَةِ الساعِدِ، فالذي نقله الإِمام عن الأصحاب: أنا لا نثبتها له ونقول: إنك بقطعك من الكُوع، تَرَكْتَ بعْض حقك، وقنعْتَ ببعضه، وكذلك نقل صاحب "التهذيب" ثم قال: وعندي له حكومةُ الساعِد؛ لأن الساعد تُفْرَدُ بالحكومة، بخلاف الكفِّ تدخل حكومتها في الأصابع.
الثانية: لو كسر عظْم العضُدِ، وأبان اليد منه، فللمجنيِّ عليه أن يقطع من المِرْفَق، ويأخذ حكومةً لما بَقِيَ من العضُدِ، وإن عفا فَلَهُ الديةُ للكف وحكومةُ الساعد، وأخرى لما بقي من العضُدِ، ولو أراد أن يترك المرفق، ويقطع من الكوع، فهل يُمَكَّن؟ حَكَى الإِمام وصاحب "التهذيب" فيه وجهين:
أحدهما: لا؛ لأنه أمكنه وضْعُ الحديدة على الموضع الذي هو أقرب إلى محلِّ الجناية، فلا ينزل عنه، كما لو أمْكَنَ وضْع الحديدة على محلِّ الجناية لا ينزل عنه.
والثاني: يجوز؛ لأنه عاجزٌ عن القطْع في محلِّ الجناية، وهو بالعدول إلى الكوع تاركٌ بعْضَ حقِّه، فلا يمنع منه وفي "التهذيب" ترجيح هذا الوجه، وإيراد الرويانيِّ وغيره يُشْعر بترجيح 1 الأول، ولو أراد لفظ الأصابع، لم يمكن، وَوَجَّهَهُ بأن فيه تعديد الجراحة، وذلك عظيمُ الموقِعِ فإن اقتصر على أصبعٍ واحدةٍ، فالقياس أنه على الوَجهَيْنِ في قطع الكُوع، فإذا قلْنا: إنه ليس له أن يقْطَع من الكوع، فلو قطع، ثم أراد القطع من الِمرْفَق، لم يمكن، ولم يحئْ فيه الوجهان المذكوران فيما إذا كان الجانِي قد قَطَع من المِرْفَق، واستوفى المجنيُّ عليه من الكوع، وفرق بأن هناك أمكَنَهُ وضْع السِّكِّين على محَلِّ الجناية، وهاهنا لا يُمكن وجوزِّنا قطْع ما دونه للضرورة، فإذا قطَعْنا مرَّةً، لم نكرِّرْه، وليس له حكومةُ الساعد أيضاً؛ لأنه كان يمكنه استيفاؤه، وقد منَعْناه ممِّا فعَل فخالَفَنا، وإن جوَّزنا له القطْع من الكُوع، فقَطَع، هل له حكومة الساعِدِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن القطْع من الكوع مع القدرة على القطْع من المرفق اكتفاءٌ به وإقامةٌ له مُقَامَ القطع من المرفق، وعن القفَّال: أنه استشهد لذلك بما إذا التمست الثيِّبُ الجديدةُ أن يقيم عندها سبْعاً، فأجابها، فإنَّه يقضي جميع السَّبْع للباقيات، ووَجْه الشبه أن البُعْد عن الحدِّ المستَحقِّ، وهو الثلاث أوجب بطلان الحق هناك، فكذلك هاهنا
وأشْبَهَهُما أنَّ له حكومةَ الساعد؛ لأنه ترك حقَّه في الساعد بلا تَعدٍّ، فكان كما لو عَفَا عن القصاص يثبت له المطالبة بالمَالِ، ولأنَّ حكومة الساعِدِ لا تدخل في دية اليَدِ مع الكوع، فأوْلَى أن لا يدْخُل في قطْعِها من الكوع، وأما حكومة بقية العَضد، فقد ذكرها هاهنا، وفي "الوسيط" في سقوطها وجهَيْنِ، إذا قلْنا بسقوط حكومة الساعد، وقد يُستشهدُ للسُّقوط بمسألة القسم، فيقال: البعد عن القَدْر المستحَقِّ أسقط المستحَقِّ هناك، فكذلك هاهنا، ولم أجدْ لغيره حكايةَ الوجهَيْن في حكومة بقية العضُد، وإنما الذي يوجَدُ أنَّها تجبُ؛ لأن استيفاء تلْك البقية متعذَّر شرعاً، ولم يوجَد، فيها من المجنيِّ عليه تقصيرٌ وعدولٌ.
الثالثة: لو قطع من نصْف الساعد، قطع من الكوع، وأخذت حكومة نصْف الساعد، ولو عفا، فلَهُ ديةُ الكف وحكومةٌ لنصف الساعد، ولو أراد أن يلقط أصابعه، قال الإِمام: لا يمكن؛ لِمَا سبق من تعدد الجراحة، ولو فعل، ثم أراد القطْع من الكوع، لم يمكن، قال في "التهذيب": وليس له حكومة الكَفِّ، وله حكومة نصْفِ الساعد، ويجيْءُ في حكومة نصف الساعد الخلافُ.
ولو قطع يده من نصْف الكف، لم يقتص منه، وله التقاط الأصابع، وإن تعدَّدت الجراحة؛ لأنه لا سبيلَ إلى الإهْمال، وليس بعْد موضع الجراحةِ إلاَّ مفاصِلُ متعدِّدة، وهل يجبُ مع قطْعها حكومةُ نصفِ الكفِّ، أم تدْخُل الحكومة في قطْعها دخولها في استيفاء الدية؟ فيه وجهان يعودان من بَعْدُ، والأصحُّ: الوجوب؛ فليُعْلَمْ لما بيَّنا قوله في الكتاب: "ولكن يُقْطَعُ أَقرَبُ مَفْصِلٍ" بالحاء، وكذا قوله: "والقصاص في المُوضِّحَة".
وقوله: "لم يجز له القطع من الكوع" بالواو، وقوله: " ففي القَطْع من الكُوع مَعَ ترْك أَرشِ السَّاعد وجهان" لا يخفى أن المراد مِنْ "أَرش الساعد" حكومتُها، وكذا قوله: "ففي أرش بقيَّة العضد" وظاهر اللفظ يقْتضي تقييدَ الوجْهَيْن بما إذا قطَع من الكوع تاركاً حكومة الساعد ولم يتعرَّض لذلك الإمامُ ولا غيره، ولكن أطلقوا الوجهَيْنِ، ثم فرَّعوا عليهما حكومة السَّاعد، كما ذكرنا، ويجُوز أن يقال: المراد نفي القطع من الكُوع، وإن ترك أرْش السَّاعد وجهان.
وقوله: "وإذا سقط أرش الساعد" إلى آخره، فيه تقديم وتأخير المعنى، وإذا أسقط أرْش الساعد عنْد عدوله إلى الكُوع عدواناً، ففي أرش بقية العَضُد وجهان أي إذا لم نُجوِّز القطْع من الكوع فقَطَع، وسقَطَت حكومة الساعد، كما مرَّ، ففي حكومة الباقي من العَضَد وجهان، وفي اللفظ إشارةٌ إلى تخصيص الوجهَيْن بما إذا لم نُجَوَّز القطْعَ مِنَ الكُوعِ، ولفظ "الوسيط" يقتضي طردهما فيما إذا جوَّزنا القَطْع، وقلْنا بسقوط حكومة الساعِدِ على أحَدِ الوجهَيْن.
فَرْعٌ عن: "الأم": أنه لو شَقَّ كفَّه حتى انْتَهَى إلى المَفْصِل، ثم قطع من المَفْصِل أو لم يَقْطع اقتص منه، إن قال أهل الخبرة يُمْكِنُ أن يَفْعَلَ به مثْلَه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأمَّا المَعَانِي فَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ يَجِبُ القِصَاصُ فِيهِمَا بالسِّرَايَةِ عِنْدَ إيضَاحِ الرَّأْسِ، وَلَوْ قَطَعَ بعْضَ الأَصَابعِ فَتَأَكَّلَ البَاقِي بِالسِّرَايَةِ لَمْ يَضْمَنِ الأَجْسَامَ بِالسِّرَايَةِ لِأَنَّهَا لاَ تقْصَدُ، هَذَا نَصُّهُ، وَقِيلَ في المَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَفِي إِلْحَاقِ العقْلِ وَالبَطْشِ بِالبَصَر تَرَدُّدٌ لِبُعْدِهِمَا عَنِ التَّنَاوُلِ بِالسِّرَايَةِ، وَلَوْ قَطَعَ مُسْتَحقُّ اليَدِ بعْضَ الأَصَابعِ فَتأَكَّلَ البَاقِي فَفِي تَأْدِّي القِصَاصِ بِهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ خَطَأٌ أوْ كَانَ المُسْتَحِقُّ مَجْنُونَاً، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ فَتَمعَّطَ شَعْرُهُ فأَوْضَحْنَا رَأْسَهُ فَتَمعَّطَ شَعْرُهُ فِفِي وُقُوعِ الشَّعْرِ قِصَاصاً خِلاَفٌ وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يَقَعَ لِأَنَّ نَفْسَ الشَّعْرِ لاَ قِصَاصَ فيه، وَوَجْهُ وُقُوعه أنَّهُ تَابعٌ لِلإِيضَاحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يضمن أجرام الأطْراف والأعضاء بالقصاص يضمن قيمة منافِعِها في الجملة، وكيف لا وهي المقصودةُ، وفيها الفائِدَةُ، وقد يكون الجُرْم المعطِّل كَلاًّ على صاحبه، ثم المعاني لا تباشر بالتفويت، وإنما تفوت تبعاً لِمَحَالِّهَا، وقد تَرِدُ الجناية على غير محلِّها، وتفوت هي بالسراية لارْتِبَاطِ بينهما، وبين مورد الجناية، ونَتَدرَّج بهذه المقدِّمة إلى الكلام في مسألتين.
إحداهما: لو أوضَحَ رأسَه، فذهب ضوء عينَيْه فالنصُّ أنه يجب القصاص في الضَّوْء، كما يجب في الموضِّحة، ونَصَّ فيما إذا قطَع أصبعه، فسَرَى إلى الكفِّ إلى إلى أصبع أخرَى بتآكُلِ، أو بشلل؛ أنه لا يجب القصاص في محلِّ السراية، والفرق أن الأجسام تُنَالُ بالجناية، والجناية على غيرها لا تُعَدُّ قصداً إلى تفويتها وضوء البَصَر ونحوه من اللطائف لا يباشر بالجناية، فطريق تفويته بالجناية على محلِّه أو على ما يجاوره، ويتعلَّق به، ويضمن القصاص، كالنفْسِ، فهذه الطريقةُ هي ظاهِرُ المذهب، ووراءها طريقتان:
إحداهما: عَن رِوَايَةِ الشيخ أبي عليٍّ وغيره: أن فيهما قولَيْن بالنَّقْل والتخريج.
أحدهما: أنه لا قِصَاص فيهما بالسراية؛ لأنه لا يَقْصِد تفويت جسم بالجناية على غيره، ولا تفويت الضوء بالجناية على غير الحَدَقة، فإذا حصَل بفعْله، كان الشخص كالمُخْطِئ فيه.
والثاني: يجب لتولُّد الفوات من جناية تعمُّدها، ولذلك لو تولَّد الزهوق من قطْع الأنملة، وجب القصاص، كان كان لا يَقْصِد به الزهوق غالباً؛ لأنه لا يُفْضِي إليه غالباً،
ويقال: إن المزنيَّ قال بطريقة القولَيْن، وأن اختياره القولُ الثاني.
والثانية: حكَى أصحابُنا العراقيُّون عن أبي إسحاق تخريجَ قَوْلٍ من نصِّه على أن سراية الأجسام لا تُضْمَن بالقصاص في الضوء، والامتناع من التخريج في الأجسام من الضَّوْء، وإذا أوجبْنا القصاصَ في ضَوْء البصَرِ بالسراية، فالذي صحَّحه الإمامُ روايةً ونقلاً؛ أن السمع كالبصر 1، وحكى فيما إذا بطَل بطْشُ عضو بالسراية تردُّداً عن الأصحاب، منْهم مَنْ ألحقه بلطيفتي السمْع والبصَرِ، وبه قال صاحب "التقريب" ومنْهم مَنْ رأَى البطْش عسر الإزالة كالأجسام، وإلَيه ميل الشيخ أَبي محمَّد، وفي العقل أيضاً؛ لبُعْده عن التناوُلِ بالسراية، وإن كان من اللَّطَائف.
[قال:] ولا يَبْعُد أن يلحق الكلام بالبَصَر ورتبها فجعل البصر والسمع في درجةٍ، ويليهما الكلامُ، ويليه البطشُ، وتليه العقْل، وذكر صاحب "المهذب" في أنه لو جَنَى عَلَى رأسِه، فذهب عقْله، أو على أنْفِهِ، فذهب شمُّه أو على أُذُنِهِ، فذهب سمعه، لم يجب القصاص في العقْل والسمْع والشمِّ؛ لأن هذه المعاني في غير محَلِّ الجناية، فلا يمكن القصاص فيها، وهذا القَدْر من التوجيه يُشْكل بمسالة الضْوء على أن الأقْرَبَ في العقْل منع القصاص؛ لأنَّه لا يوثَقُ بالمعالجة بما يزيله، ويشبه أن يُرَجّح في البطش والشم الوجوب، وفي معناها الذَّوْق 2؛ لأن لها محالَّ مضبوطةً وعنْد أهل الخِبْرة طرق في إبطالها، فإذا ذهب ضَوْءُ العَيْنِ بالموضَّحة، واقتصَصْنا في الموضحة، فلمَ يَذْهَب ضوء عين الجاني، أذهب بأخف ما يمكن من تقريب حديدة محمَّاةٍ من حدَقَتِهِ أو طرْح كافورٍ ونحْوه فيها، وإن ذهَب ضوْء الجاني، حصَل القصاص، وفيه شيءٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى- في المسألة الثانية الآتي ذكرها، ولو هَشَم رأْسَهُ، فذهب ضوء عينه، عولج بما يُزِيل الضوْءَ، ولا يقابل الهشْم بالهشْم، كما تقدَّم، ولو لطمه، فذهب ضوء عيْنَيِه، واللطمةُ بحيث تذهب الضوء غالباً فالحكاية عن نصِّه في "الأم" أنه يُلْطَم مثل
تلْك اللطمة، فإن ذهَب الضوء فعَلَى ما ذكرنا في الموضِّحة وإلا أزيل بالمعالجة وإن ابيضت الحَدَقَةُ، أو شخصت، فعل به ما يقضي إلَيْه إن أمكن، ونسب الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ هذا المنقولَ عن النصِّ إلى بعْض الأصحاب، قال: ويَحْتَمِلُ عنْدِي أن لا يقتص باللطمة، كما لا يقتص بالهاشمة؛ لأنه لا قصاص في اللطمة، لو انفردت كالهاشمة، واحتج له بأثرٍ عن عليٍّ -كرم الله وجهه- أيضاً، وهذا حَسَنٌ وقد أقامه صاحب "التهذيب" وجهاً وحكم بأنه الأصحُّ.
المسألة الثانية: إذا قلنا: لا يجبُ القصاص في الأجسام بالسراية، فلو قطع أصبعه، فسرى القطْع إلى الكف وسقطت، ولم تَجِبِ القصاص إلا في تلْك الأصبع، وعن أبي حنيفة أنه يسقط قصاصُ الأصبع بالسراية إلى الكف، واحتج الأصحاب بأنها جنايةٌ مضمونة بالقصاص [لو لم تَسِرْ، فلا يسقط القصاص] 1 فيها بالسراية، كما لو قطع حامل، فسرى إلى جَنِينها، فسقط ميِّتاً، وإذا اقتصّ في الأصبع، فسرى إلى الكف، فالنص أن السراية لا تقع قصاصاً، حتى يجب على المقتصِّ منه ديةُ باقي اليد، والنصُّ في "المختصر" فيما إذا أوضَحَه، فذهب ضوء عينه، وشَعْرُ رأسِهِ، فاقتص المجنيُّ عليه في الموضِّحة، فذهب ضوء الجاني، وشَعْرُ رأْسهِ أيضاً؛ أنه يكون مستوفياً حقَّه، ولو لم يذهبْ ضوء الجاني، وثبت شعره، فعليه ديةُ البَصَرِ، وحكومةُ الشَّعْر، وفي هذا النصِّ إيقاعُ الشعْر في مقابلة الشعْر، وهو من الأجسام فأشْعَر بأن السراية إلى الجِسْم تقع قصاصاً، واختلف الأصحاب على طريقَيْنِ، فمنهم من قال: هذان قولان في أن السراية إلى الكفِّ هل تقع قصاصاً؟
أحدهما: يقع لتشابه الفعلَيحٌّ، وتولُّد السرايتَيْن من الفعلَيْن، وهذا كما أن السراية إلى النَّفْس تقع قصاصاً بالسراية.
والثاني: المنع؛ لأنا نفرِّع على أن السراية إلى الجِسْم لا تُضْمَن بالقصاص، وإذا لم يكن في السراية إلَيْه قصاصٌ، لم تكن سرايته قصاصاً بخلاف النفْس.
ومنهم مَن قطَع بالقوْل الثاني، ثم هؤلاء القاطِعُون قالُوا في النصِّ الثاني: إن السرايةَ إلى الضَّوْء تقع قصاصاً بناءً على أن السرايَةَ إلَيْه توجِبُ القصاص على الظاهِر، كما سَبَقَ وحكَى القاضي ابن كج التصرُّف في النَّصَّين وإثْبَات قولَيْن في أنَّ السراية إلى الضوء هل يقع قصاصاً أيْضاً حتى يجبَ على الجاني في قوْلٍ ديةُ البصر، إن سَرَتِ الموضِّحة إلى بصَره.
وأما الشَّعْر، فمنهم مَنْ قال: لم يتكلمِ الشافعيُّ -رضي الله عنه- فيه، وإنما هو
من زيادة المزنيِّ ومنْهم مَنْ قال: المراد شَعْر موضِّح الموضِّحة، فإنه يتبع الموضِّحة، كالشعر على اليد والرجْل يتبعها قصاصاً ومالاً، وأماَ إذا تَمَعَّط الشعْر حول الموضِّحة، فتجب فيه الحكومة، كان تَمَعَّط من الجاني أيضاً، لا تقع السراية قصاصاً، وأما المثبتون للقولَيْن في سراية الكفِّ، فقد تحَّزبوا في الشعْر، منهمَ مَنْ قطع بأن السراية فيه لا تقع قصاصاً؛ لأنه لا قصاص في نفْس الشعْر، ففي السراية أولَى ومنهم من أجرى الخلافَ، وقال: تقع سرايته قِصاصاً على رأْي بتبعية الإيضاح الَّذي فيه القصاص، وعلى.
هذا، فلا يُنْظَر إلى مقْدَار الحكومَتَيْن، بل يحصل القصاصُ مع تفاوتهما، كما يجري القِصَاصُ في الأطرافِ مع تفاوُتِ البدل، وسواء ثبت الخلاَفُ أم لم يَثْبُتْ، فالظاهر على ما ذكَره العراقيُّون وصاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهم: أن السرايةَ لا تقَع قصاصاً لا في الكفِّ، ولا في الشَّعْر، ولو عفا المجنيُّ عليه عن قصاص الأصبع، فله أخْذ دية اليد، وإن اقتص، فلم يَسْرِ القطْع إلى غير تلْك الأصبع أو سَرَى، وقلْنا: إنه لا يقع قصاصاً؛ فله أربعةَ أخماسِ الدَّيَة للأصَابع الأربع الذاهبة بالسراية، ولا يجب لمنابتها من الكفِّ حكومةٌ، بل تدخل في ديتها، وفي دخول حكومة خُمْس الكف في قصاص الأصابع وجهان، يعود ذكرهما، وما يجب من الدية، يجب مغلَّظاً في مال الجاني؛ لأنَّه وجَب بجناية عمْد موجبةٍ للقَوَدِ وفي "العدَّة" ذكر وجْه أنَّه على العاقلة؛ لأنه لا يقصد تفويت الجسْم بالجناية عَلَى غيره كما ذكَرْنا من قَبْلُ، فهو كالخطأ، والمشهورُ الأولُ، وله المطالبة به عَقِيبَ قَطْع الأصبَعِ تفريعاً على الظاهر؛ لأنه كان سرَى القطْع إلى الكفِّ، لم يسقط باقي الدية، فلا معنى لانتظار السراية، وفي صورة الموضِّحة المذهِبَة للبَصَر، لو أوضَحَه، فلم يذهب ضوءه في الحَال، لا يطالب بالدية، بل ينتظر فلَعلَّه يَسرِي إلى البَصر، فَيَحْصُلُ الاقتصاصُ وكذا في النَّفْس، لو قطَع أصبعه، فسَرَى إلى نفْسه، فقطع الوليُّ أُصْبَعَ الجاني، ينتظر السراية، ولا يطالب بالدية في الحال.
وقوله في الكتاب: "وأما المعاني فالسمع والبصر" إلى قوله: "هذا نصه" يُشْعِر سياقه بأن النصَّ في السمع والبصر وجوبُ القصاصِ بالسراية، وفي الأجسام المَنْعُ، وليس في السمْعِ نقْلٌ وحكاية نصٌّ، وإنما النصُّ في البصر على ما ذَكرْنا، والسمع مُلْحَقٌ به على ما فيه من الخلاف.
وقوله: "ولو قطع مستحِقُّ اليد بعْض الأصابع" هذا اللفظ لا ينطبق على الصورة الَّتي ذكرناها، وحكَيْنا فيها اختلافَ الطُّرُق، وهي ما إذا قطع أصبعاً فتآكل، فاقتص المجنيُّ علَيْه من الأصبُعُ، فتآكل الباقي، فإنَّ اليد ليست مستحِقَّةُ الاستيفاء في هذه الصُّورة؛ إنما الأصْبُعُ هي المستحقة، والَّذي عليه ينطبق اللفْظ ما إذا استَحَقَّ القِصَاصَ في اليد بالقَطْع من الكوع، فقطع أصبعاً من أصابعه، فتآكل الباقي، ويشبه أن يكون القولان في هذه الصورة مبنيَّيْنِ عَلَى أنَّ السرايةَ هَل توجِبُ القصاص، ورجَّح الإِمام
المصيرَ إلى وقُوعه قصاصاً؛ لأن السراية منسوبةٌ إلى فعْل الجارح، فكانت الجراحة كالسراية، وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخلافُ فيما لو قَتَلَ مستحِقٌّ القصاص الجانِيَ خطأً أو ضربه بسَوْطٍ خفيفِ، فمات؛ لأنه لم يقصد قَتْلَه، لكن الحقّ متعيِّن، وقد استوفاه؛ ولذلك لو وثب الصبيُّ أو المجنونُ على مَنْ قتل مورثه فقتله، هل يكون مستوفياً لحَقِّه؟ فيه وجهان.
أَحَدُهُمَا: نعَمْ، كما لو كانَتْ له وديعة عنْد غيره، فأَتْلَفَها.
وأَصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: لا؛ لأنه ليْسَ من أهل استيفاء الحقُوق، ويخالف الوديعةَ، فإنَّها لو تلِفَتْ من غير فعْل أحدٍ يبرأ المودع، وها هنا لو مات الجانِي لا يبرأ، فعَلَى هذا ينتقل حقُّه إلى الدية، ووجبت الدِّيَةُ بقَتْل الجانِي، وتَكُون عليه أو على العاقلة، ينبني على الخلاف في أن عمْدَهما عمْدٌ وخطأٌ، ويجري الخلاف فيما إذا ثَبَتَ قصاصُ الطرَفِ لصبيٍّ أو مجنونٍ، فوثبت على القاطِع، فقَطَع طرفه، هل يكون مستوفياً لحقِّه؟ وموضع الخلاف ما إذا لم يوجَدْ منه تمكين، فأما إذا أخرج يدَهُ إلى الصبيِّ أو المجنونِ، حتى قطَعَه، لم يكن مستوفياً لحَقِّه بلا خلاف ويكون قطْعُه هدراً.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في المُمَاثَلَةِ،
وَالتَّفَاوُتُ فِي ثَلاثَةٍ التَّفَاوُتُ الأوَّلُ تَفَاوُتُ المَحَلِّ وَالقدْرِ فَلاَ تُقْطَعُ اليُمْنَى بِاليُسْرَى، وَلاَ السَّبَّابَةُ بِالوُسْطَى، وَلاَ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ بِأخْرَى عِنْدَ تَفَاوُتِ الْمَحَلِّ، وإنْ تَسَاوَتِ الزَّائِدَتَانِ فِي الحُكُومَةِ وَاخْتَلَفَتَا فِي الحَجْمِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، إِذْ لَيْسَ لَهُمَا اسْمٌ أَصْلِيٌّ بِخِلافِ يَدِ الصَّغِيرِ مَعَ الكَبِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هجم هاهنا وفي "الوسيط" على ذكْر الفصْل الثاني من غَيْر أن يذكر فصلاً أولاً، وكأنه قصَدَ ترتيبَ مسائِل قصاصِ الطَّرَف بإيداعها في فصْلَيْن.
أحدُهما: فيما يوجب القصاص من الجنايات عَلَى ما دون النَّفْس.
والثاني: في المماثَلَةِ المعتَبَرة فيه، ثم غَفَلَ عن التنْصيص على الأَوَّل، وإن أتى بمقصُوده، والوجه أن يزاد قَبْل قوله: "والجنايات ثلاثة" وفيه فصلان:
أحدهما: فيما يُوجِبُ قصاص الطَّرَف أو لا يزادُ هناك شيء ويُجْعَل مكان الفَصْل الثاني: "فصْل في المُمَاثَلَةِ" وقد يقال: قد عقد في فنِّ الاستيفاء مِنْ بعْدُ فصلاً في المماثلة، وهذا الفصْل مترجَمٌ بالمماثلة أيضاً، فهلا جمَعَ بين مسائل الفصْلَيْن، فاعْلَمْ أن غرَضَ الفصلَيْن مختلفٌ؛ فالغرض هناك بيانُ أن المماثلةَ في طرِيقِ الإزْهاق مرعيَّةٌ في الاستيفاء والغرَضُ هاهنا الكلامُ في المماثلة التي هي معتبرةٌ في وجُوب القصاصِ وهي في الطَّرَفِ بمثابة الكفاءة التي تُطلَق في قصاصِ النَّفْس، إذا تقرَّر ذلكَ، فالذي نُقدِّمه
على وضوحه أنَّه لا يُقَابَلَ طَرَفٌ بطَرَفٍ من غَيْر جنسه، كاليد والرِّجْل والعين والأنف، فإذا اتحد الجنْسُ، لم يؤَثِّر التفاوت في الصَّغَر والكبر والطول والقِصَر والقوَّة والضعف والضخامة والنَّحافة، كما لا تعتبر مماثلةُ النفسين في هذه 1 الأمور، والسبب فيه أن مماثلة النفُوس والأطْرَاف فيها وفي نحوها، يكاد تَتَّفِقُ، وفي اشتراطِها إبطالُ مقصودِ القِصاصِ، ولذلك تُقطَع يد الصانع بيد الأَخْرَق، كما يقتل العالِمَ بالجَاهِل، وإنما يُؤثِّر التفاوت في أمور.
أحدها: تفاوتُ المَحلِّ والقدر.
أما المحلُّ، فلا تقطع اليد اليُمْنَى باليُسْرَى، وبالعكس، وكذلك في الرِّجْل والعين والأذن، ولا يقطع الجفن الأعلَى بالأسْفَل، وبالعكس، وكذلك في الشَّفَة، وذلك لاختلافِ المنافع، واختلاف تأثير المحالِّ بالجراحات، وكذلك لا تُقطَع أصبعٌ بأصبعٍ، كالسبابة والوسْطَى، ولا أنملةُ أصبعٍ بأنملةٍ أخْرَى من تلك الأصبع ولا أصبع زائدةٌ بزائدة أخرى، إذا اختلف محلُّهما بأن كانت زائدةُ الجانِي أو المجنيِّ عليه في جانِب الخِنْصِرِ، وزائدةُ الآخر بجنب الإبهام، بل تؤْخَذ الحكومةُ، وأما القدْر فالتفاوت في الحَجْم صغراً وكبراً وطولاً وقصراً لا يُؤَثِّر في الأعضاء الأصليَّة وأما في الأعضاءِ الزائدةِ، كالأصبع والسِّنِّ الزائدتين، فقد أطلق مُطْلِقُون، منهم صاحب "التهذيب" فيه وجهَيْنِ.
أحدهما: وبه قال صاحب "التقريب": أنه لا يؤثر أيضاً كما في الأصلية.
والثاني: يؤثر؛ لأنه ليس لها اسمٌ مخصوصٌ حتى يُكْتَفَى بالاتفاق في الاسم، كما يكتفى في اليمين واليسار وفي السَّبَّابة والوسْطَى، فيُنْظَر إلى القَدْر، وتراعى الصورة، وهذا ما حكاه القاضي ابن كج عن أبي الطيِّب بن سلمة في السِّنِّ، ونسب الأوَّلَ إلى أبي إسحاق، وغيره ينسب إليه الثاني فإذا جعل التفاوت في الحَجْم مؤثراً فإن كانَتْ زائدةُ الجاني أكْبَرَ؛ لم يقتص منْه، وإن كانت زائدةُ المجنيِّ عليه أكبر اقتص، وأُخِذَتْ حكومةٌ تقدر النقصان، ومنْهم مَنْ خصَّص ذكْرَ الخلاف بالسِّنِّ وسكَتَ عنه في الأصبعِ، ثم الوجهان فيما رأى الإِمام مخصوصانِ بما إذا لم يؤثِّر تفاوتُ الحجْم في الحكومة، فإن أَثر، اختلفت نسبتُهما إلى الجُمْلة، وذلك ممَّا يمنع القِصَاص، ولذلك لم تُقْطَعِ الصحيحةُ بالشَّلاَّء؛ لأن الصحيحةَ نصْفُ الجملة، والشلاء ليستْ نصفاً على ما سبق، قال: والاختلاف في اللوْن وسائر الصفات، لا يُؤثِّر بعد التساوي في الحُكُومة، بخلاف التفاوُتِ في الحجْم، وتقطع الزائدةُ بالأصليَّةِ، إذا لم يختلِفِ المحلُّ ولا شيء له
لنقصانِ الزائِدَةِ، كما إذا رَضِيَ بالشلاء عن الصحيحة.
قوله في الكتاب: "وَإنْ تساوت الزائدتانِ في الحُكُومة واختلفتا في الحَجْم، ففيه وجهان إشارةٌ إلى ما ذكَرَه الإمامُ، والمعْنَى ولا أصبع زائدة بأخْرَى عند تفاوت المَحَلِّ أو تفاوت الحكومة وإن تساوَيَا فيهما جميعاً واختلفا في الحجْم، فوجهان، وحَيْثُ جرى الوجْهَان، فالأظهر أنَّه لا أثَرَ للتفاوت وفي الحجم؛ كذلك ذكره القاضي الرويانيُّ وصاحب "العدة" وغيرهما، ونقلوا عن النصِّ، أنه لو كانَتْ زائدةُ الجانِي أتَمَّ بأن كانَت لأصبعه الزائدةِ ثلاثُ مفاصِلَ، ولزائدة المجنيِّ عليه مَفْصِلٌ واحدةٌ أو مَفْصِلان، لا يُقْطَع بها؛ فإنَّ هذا التفاوتَ أعْظَمُ من تفاوُتِ المحلِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالتَّفَاوُتُ فِي المُوَضِّحَةِ يُؤَثِّرُ أَعْنِي فِي بَيْعَتِهَا لاَ فِي عِوَضِهَا، وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ اسْتَوْعَبْنَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَكمَّلْ بِالقَفَا بَلْ ضَمَمْنَا إلَيْهِ الأَرْشَ، وَلَوْ كَانَتْ نَاصِيَةُ الجَانِي أَصْغَرَ وَقَدْ أَوْضَحَ نَاصِيَةَ غَيْرِهِ كَمَّلْنَا بِمَا حَوَالَيْهِ لِشُمُولِ اسْمِ المُوَضِّحَةِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى ما اسْتَحَقَّهُ قِصَاصَاً فَعَلَيْهِ أَرْشٌ كَامِلٌ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ؛ لأنَّهُ فَارَقَ البَقِيَّةَ في الحُكْمِ فَأُفْرِدَ بِحُكْم، وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِسْطُ لِأَنَّ الكُلَّ مُوَضِّحَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوِ اشْتَرَكُوا فِي إيْضَاحٍ احْتُمِلَ (و) أَنْ يُوَزَّعَ المِقْدَارُ عَلَيْهِمْ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُوضَحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في قصاص الموضِّحة في المساحَة والمَحَلِّ؛ أما المساحة، فمرعيَّةٌ في قصاص الموضِّحة طولاً وعرَضاً، فلا تقابل ضيِّقةٌ بواسعةٍ، ولا يقنع بضيقة عن واسعة، وتذرع موضِّحة المشجوح بخشَبَةٍ أو خيطٍ، ويُحلَق ذلك الموضِعُ من رأس الشاجِّ، إن كان عليه شعْر، وخِيطَ عليه سوادٌ، أو حمرةٌ، ويضبط الشاج حتَّى لا يضطرب 1، ويُوضَح بحديدة حادَّة كالمُوسَى، ولا يوضَحُ بالسيف، وإن كان قد أوضَحَ به؛ لأنه لا تُؤْمَنُ الزيادة، وكذلك لو أوْضَحَ بحَجَرٍ أو خشَب يوضحُ بالحديدة، ذكره القفَّال وغيره وتردَّد فيه القاضي 2 الرويانيُّ، ثم يفعل ما هو أسهل عليه من الشق دفْعةً
واحدةً، والشق شيئاً فشَيْئاً، ويرفق في موْضِع العلامة، ولا عبرة بتفاوتِ الشاجِّ والمشجوج مِنء غلظ الجلد واللَّحْم؛ لأن اسم الموضِّحة يتعلَّق بإنهاء الجراحة إلى العَظْم والتساوي في قَدْر الغوص قليلاً مَا يتَّفِق، فينقطع النَّظَر عنْه، كما ينقطع النَّظَر عن الصِّغَر والكبر في الأطْراف، وعن أبي إسحاق أنَّه يعتبر التساوِي في العُمْق، ولا يغوص شعيرتين في مقابلة شعيرة، وهذا حمله الأئمة على السهْو منْه أو مِمَّنْ رواه عنه.
وأما محلُّ الموضِّحة، فإن أوْضَحَ مِن إنسان جميع رأْسِه، ورأسُ الشاجِّ والمشجوج متساويانِ في المساحَةِ، أوْضَحَ جميعَ رأْسِه، فإن كان رأْسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، استوعبْنا رأْسَهُ إيضاحاً ولا نكتفي به، بخلاف اليد الصغيرة، فإنه يكتفى بها في مقابَلَة الكبيرة، وفرق بأن ما به التفاوُتَ بين اليدَيْن على تجرُّده ليْس بِيَدٍ، وما به التفاوت بين الموضِّحتين على تجرُّده موضِّحة، فلا يجعل تابعاً وأيضاً، فالمرعيُّ هناك اسم اليد، وهاهنا المعتبر المساحة؛ ألا ترى أن يد القاطع، لو كانت أكبر قُطِعت، ورأس الشاجِّ لو كان أكبَرَ، لا يستوعب وَلاَ ينزل الإتمام المساحة إلى الوجّه، ولا إلى القَفَا، فإنهما عضوان وراء الرأْس، فلا تقابل موضِّحة عضْوٍ بموضِّحة عضْوٍ، كما لا يقابل عضْوٌ بعضْوٍ، ولكن يُؤْخَذ قسْطُ ما بَقِيَ منَ الأرش، إذا وُزِّع على جميع الموضِّحة فلو كان المستوفَى في إيضاح جميع رأسِهِ قَدْر الثلثينُ، أُخِذَ ثلثُ الأرش، وشبه ذلك بما إذا قطع ناقصُ الأصابعِ يدًا كاملةَ الأصابع، فإنه تقطع يده الناقصةَ، وتؤخذ أرْشُ الأصبع الناقصة، وعند أبي حنيفة: لا يَأْخُذ شيئاً من الأرْش مع القصاص، ويتخيَّر في الابتداء بين أن يقنع بإيضَاحِ رأْسِه، وبين أن يَدَع القصاص، ويأخذ أرشَ الموضِّحة.
وإن كان رأسُ الشاجِّ أكَبَر، لم يُوضَحْ جميع رأسه، بل يُقدَّر ما أوْضَح بالمساحة، والظاهر الذي أورده أكثرهم أن الاختيار في موْضِعِهِ إليه؛ لأن جميع رأسِه محَلُّ الجناية، ووراءه وجهان:
أحدهما: أنه يبتدئُ من حيْث ابتدأ الجاني، وَيذْهَب في الصوب الذي ذَهَب إليه إلى أن يتم القدْر، ويقال: إن هذا اختيار القاضِي حُسَيْنَ -رحمه الله-.
والثاني: أن الاختيار إلى المجنيِّ عليه، فإن كان في رأْس الشاجِّ موضِّحة، والباقي يُقدِّر ما نريد القصاص فيه تعيَّن وصار كأنه كلُّ الرأس، ولو أراد أن يستوفِي في بعْض حقِّه من مُقدِّم الرأس، والبعْضَ من مؤخره، فقد حكى صاحب "التهذيب" في تمكينه منه وجهَيْن:
أحدهما: يُمَكَّن؛ لأن الموضعَيْن محلُّ الجناية مِنْ رأسه.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه مقابلةُ موضِّحتين بموضِّحة، ومَنِ استحق القصاصَ في موضحة وَتمكَّنَ من استيفائها، فأراد أن يستوفي البعْضَ ويأخُذَ للباقي قَسْطَه من الأرش، هل له ذلك؟ فيه وجهان في "النهاية":
أحدهما: نعم؛ لأن الذي أفرده بالقصاص قائلٌ للقصاص، فأشبه ما إذا قطَع أصبعَيْنِ، فإن للمجني عليه أن يَقْتصَّ في إحداهما، ويأخذ أرش الأخْرَى.
وأصحُّهما: وهو الجواب في "التهذيب": المنع؛ لأنه متمكِّن من استيفاء الكلِّ، والبعض الذي يستوفيه يقابل الأرش التامَّ فليس له أن يأخذ شيئاً آخر، بخلاف ما لو أوضَحَ في موضعين له القِصَاص في أحدهما، وأخذ الأرش من الآخر؛ لأنهما جنايتان منفصلتانِ.
ولو أن الجانِيَ لم يُوضِعْ جميع الرأس، ولكن أوضح طرفاً منْه، كالقَذَال والناصية، فيُوضَح في ذلك المَوْضِع، فإن أوضح ناصيةً فأوضحنا ناصية فلم يبلغ مساحة الموضِّحة التي جنى بها؛ لصغر ناصيته فيكمَّل من باقي الرأْس؛ لأن الرأس كلَّه عضْوٌ واحدٌ، فلا فرق بين مقدَّمة ومؤخَّرة، وعن صاحب "الإفصاح" واختاره القاضي الحُسَيْن: أنه لا يجوز مجاوزةُ ذلك الموضِع، كما لا يجوز النُّزول إلى الوجّه والقفا؛ لتكميل موضِّحة الرأس، والمشهور الأوَّل، وهو المحكيُّ عن نصه في "الأم" ولو أوضَحَ جبهته، وجَبْهَةُ الجانِي أضيقُ، فلا يرتقي إلى الرأْس، وليجيء في مجاوزة موضِعٍ من الوجْه إلى موضِعٍ يلاصقه الخلافُ.
وإذا أوجبنا القصاصَ في الموضِّحة على سائر البَدَن فلو أوْضَح ساعِدَه، وساعدُ الجانِي أصغَرُ، لا يسع لموضحه الجناية، لم يجْرِ النزولُ إلى الكفِّ، ولا الصعود إلى العَضُد كما في الوجْه والرأس، ثم في الفصْل مسألتان: إحداهما: لو زاد المقتص على القدر المستحَقِّ، نُظِر؛ إن زاد باضطراب الجانِي، فلا غُرْم، وإن زاد عمْدًا اقتص منه في الزيادة، ولكن بعد إندمال الموضِّحة التي جَنَى علينا الجانِي بها، وإن آل الأمر إلى المال أو أخطأ باضطراب يَدِهِ، وجب الضمان وفي قَدْره وجهان:
أحدهما: وينسب إلى القفَّال: أنه يوزَّع الأرشُ عليهما، فيجبُ قسْط الزيادة؛ لأن الجراحة والجارحَ متحدانِ، وهذا كما ذكَرْنا أنه يجب القسْط فيما إذا كان رأْسُ الشاجِّ أصغَرَ.
وأصحُّهما: أنه يجب أرشُ كاملٌ؛ لأن حكْمَ الزيادة يخالفُ حكْم الأصل، فالأصل عمْدٌ مستحق والزيادةُ خطأ وغير مُسْتَحَقِّه وتغايَرَ الحكْم لتعدّد الجاني على ما سيأتي، ولو قال المقتص: أخطاتُ بالزيادة، وقال المقتص منه بل تعمَّدتَّ، فالمصدَّق المقتص بيمينه، ولو قال: تَوَلَّدَتِ الزيادةُ باضطرابه فأنكر، ففي المصدَّق منهما وجهان؛ لأن الأصل براءة الذَّمة، والأصل عدم الاضْطراب 1.
الثانية: إذا اشترك جماعةٌ في موَضِّحَة؛ بأن تحاملوا على الآلة وأجْرَوْها معاً، ففيه احتمالان للإمام:
أحدهما: أنه يوزَّع عليهم القصاص، ويُوضَحُ كلُّ منهم قدْرَ حصته؛ لأن الموضِّحة قابلةٌ للتجزئة، والقصاص جازٍ في أجزائها فصار كما لو أتلفوا مالاً، يوزَّع عليهم الغرم، وعلى هذا، فتعيين الموضح إلى اختيار المقتصِّ أو المقتص منه وجهان:
والثاني: أنه يُوضَح من كل واحدٍ منهم مثْلُ تلْكَ الموضِّحة؛ لأنه لا جزء إلاَّ وكُلُّ واحدٍ منْهم جانٍ عليه، فأشبه ما إذا اشتركوا في قَطْع يدٍ، وهذا ما أجاب به صاحب 1 "التهذيب" ويجري الاحتمالان فيما إذا آل الأمرُ إلى المال؛ أنه يجبُ الأرْشُ مَوَزَّعاً عليهم أو يجِبُ على كلِّ واحدٍ منهم أرْش كاملٌ، قال الإِمام: والثاَني أقربُ، والأول هو المذكور في "التهذيب" وقوله في الكتاب: "لا في عِوَضِها" مُعْلَم بالواو وقوله "بل ضممنا إليه الأرش" بالحاء.
وقوله: " كمَّلْنا بما حَوَالَيْه" بالواو، لما بيَّنا، وليس المراد من قوله: "ضممنا إليه الأرشَ" الكاملَ بل قسْطاً من الأرش على ما قدَّمنا، وقد يُفْهَم ظاهر اللفظ خلافُه.
وقوله: "لشمول اسم الرأس" يعني أن اسم الرأْس يقع على الناصية وغيرها، فالكل عضوٌ واحدٌ، وفي بعض النسخ "لشمولِ اسْم الموضِّحةَ في الرأس" وقد يوجد في النسخ اسم الموضحة ولا وجه له.
واعلم أن ما ذكرنا أنه يُخْلَقُ شعْر رأْس الشاجِّ، إذا أُريدَ الاقتصاصُ مفروضٌ فيما إذا كان على رأْس كلِّ واحدٍ منهما شَعَر، أمَّا إذا لم يَكُنْ على رأس الشاجِّ شَعْر فلا حلْقَ، وإن لم يكنْ على رأْسِ المشْجُوج شعْر، فلا يُمْكُنُ القصاص؛ لما فيه من إتْلاف الشعْر الذي لم يتلفه، وحكي ذلك عن نصه -رضي الله عنه- في "الأمِّ" ولا يؤثِّر التفاوُت في خِفَّة الشعْر وكثافته.
وأنه إذا شكَّ في أنه هل أوضَح بالشَّجَّة أم لا، لم يقتصَّ بالشك، ويتفحص عن الحال بالمسمار حتى يعرف، فيَشْهَدَ به شاهدان أو يعترف به الجاني، فإنَّ حكم الإيضاح يتعلَّق بالإنهاء إلى العظْم حتى لو غرز إبرةً حتى انتهتْ إلى العَظْم، كان ما أتى به موضِّحةً، وإن كان لا يظهر العَظْمُ للنَّاظِرِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: التَّفَاوْتُ الثَّانِي فِي الصِّفَاتِ وَلاَ تُقْطَعُ اليَدُ الصَّحِيحَة بِالشَّلاَّءِ، وَتُقْطَعُ
(و) الشَّلاَّءُ بِالصَّحِيحَةِ إنْ قَنِعَ بِهَا وَلاَ يُضَمُّ إِلَيْهَا أَرْشٌ، وَكَذَا ذَكَرُ الأَشَلِّ، وَشَلَلُ الذَّكَرِ أَلاَّ يَتَقَلَّصَ في بَرْدٍ وَلاَ يَسْتَرْسِلَ فِي حَرٍّ، وَيقْطَعُ ذَكَرُ (ح م) الصَّحِيحِ بِذَكَرِ العِنِّينِ وَالخَصِيِّ وَالصَّبِيِّ إذْ لاَ خَلَلَ فِي نَفْسِ الْعُضْوِ، كمَا تُقْطَعُ أُذُنُ السَّميعِ بِالأَصَمِّ، وَأَنْفُ السَّلِيمِ بِالأَخْشَم وَأَنْفُ الصَّحيحِ بِالمَجْذُومِ إِلاَّ إِذَا أَخَذَ الْجُذَامُ فِي الَّتَفَتُّتِ، وَحَدَقَةُ العَمْيَاءِ وَلِسَانُ الأَبْكَم كَالشَّلاَّءِ، وَتُقْطَعُ الأُذُنُ الصَّحِيحَةُ بِالمَثْقُوبَةِ مِنْ أُذُنِ النِّسَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْنٌ، وَلاَ تُستَوْفَى كَامِلَةٌ بِأُذُنِ مَجْذُومَةِ قُطِعَ بَعْضُهَا، وَلَوْ كَانَ أَظْفَارُ المَجْنيِّ مُتَقَرِّعَةَ أَوْ مُحْصَرَةً أَوْ مَقْلُوعَةً قُطِعَ بِهَا الصَّحِيحَة نَظَراً إِلَى كَمَالِ أَرْشِ الأُنْمَلَةِ مِنْ غَيْرِ ظُفُرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يَخْفَى أن مُطلَق تفاوُتِ الطَّرَفَيْنِ في الصفات لا يؤثِّر، بل تقطع اليد البيضاءُ بالسوداءِ أو السليمةُ بالبرصاءِ، ويد الصانع بيد الأخرق، وإن أطلق الترجمة إطلاقًا، فالمراد الصفات التي يؤثر التفاوت فيها أو يتخيَّل تأثيره، وفيه صور:
إحداها: اليَدُ والرِّجْل الصحيحتان لا تُقْطَعان بالشلاوَيْنِ، وإن رضي به 1 الجاني، وإنما الواجبُ في الطَّرَفِ الأشلِّ الحكومةُ، وهذا كما أنَّه لا يقْتَلُ الحرُّبالعبد، والمسلمُ بالذمِّيِّ وإن رضيَ الحرُّ والمسلمُ، ولو خالف المجنيُّ عليه، وقطع اليد الصحيحة، لم يقعْ قصاصاً، بل عليه نصْفُ الدية، فلو سَرى، فعليه قصاص النفس، فإن قَطَع برضا الجانِي، فلا قصاص عنْد السراية؛ لأنه قطعٌ بالإذْن، ثم يُنْظر، إن كان الجاني قال: اقطع يَدِي، وأطْلَق، جعل المجنيُّ عليه مستوفيًا لحَقِّه ولم يلزمه شيءٌ وإن قال: اقطعها؛ عِوَضاً عن يدك أو قصاصاً، ففيه وجهان:
أحدهما: إن على المجنيِّ عليه نصفُ الدية، وعلى الجانِي الحكومةُ؛ لأنَّه لم يبذل يده مجاناً، وهذا ما أجاب به في "التهذيب".
والثاني: أنه لا شيْءَ على المجنيِّ علَيْه وكأن الجاني أدى الجيد عن الرديء، وأخذه المستحِقُّ، وقد يتوقف في كونه مستوفياً لِحَقِّهِ عند الإطلاق فلا يبعد تنزيل الإذن المطلق على الإذن عن جهة القصاص.
وأما اليدُ الشلاَّء والرِّجلْ الشلاء، فهل يُقْطَعان بالصحيحتين، في شرح "المختصر"
للجويني: نقلُ وجهٍ عن أبي إسحاق أن الشَّلاء لا تُقْطع بالصحيحة مطلقاً؛ لأن الشرْع لم يَرِدْ بالقصاص فيها، والمشْهُور أنه يراجع أهل البصر، فإن قالوا: إنَّها لو قُطِعت، لم ينسد فمُ العروق بالحَسْم، ولم يَنْقَطِع الدمُ، فلا يُقْطَع بها؛ لِمَا فيه من استيفاء النفْس بالطَّرَف، وللمجنىِّ عليه الديةُ وإن قالوا: ينقطع، فله قطْعها، ويقع قصاصاً، كقتل الذمىِّ بالمسلم، والعبْدِ بالحر، وليس له أن يَطْلُبَ بسبب الشَّلَل أرْشاً، وَوُجِّهَ ذلك بأن الصحيحة والشَّلَاء متساويتان في الحرمة، والاختلاف بينهما في الصفة والصفة المجرَّدة لا تقابل بالمال، ولذلك إذا قُتِل الذميُّ بالمسلمِ، والعبدُ بالحرِّ، لم يجب لفضيلة الإِسلام والحرية شيْءٌ، وشبه أيضاً بما إذا تعيب العبد في يد البائع، فإن للمشتري إما أن يردَّه ويستردَّ الثمن، أو يرضى به بجميع الثمن، وليس له أن يُمْسِكَ، ويستردَّ بعض الثمن.
وهل تُقْطع الشلاءُ بالشَّلاء في "المهذب" وجّةٌ عن أبي إسحاق أنَّها لا تُقْطع بها لأن الشَّلَلَ علةٌ والعِلَل تختلِفُ مقاديرُها وتأثيرُها في البدن، فلا تتحقَّق المماثلة ويحكى مثْلُه عن أبي حنيفة، والمشْهور أنَّهما إن استويا في الشَّلَل، أو كان الشَّلَل في يدِ المقطوع أكثرَ، فتقطع بها، والشرط أن لا يخاف نزْفُ الدم، على ما ذكَرْنا وإنْ كان الشَّلل في يد المقطوع أكثرَ، فلا يُقْطَع بها، قال الإِمام: لأن تفاوتهما في الشلل يوجب التفاوُتَ في البدل، فلا تتحقق المقابلة، ويحكى مثله عن أبي حنيفة، والمشْهُور أنه إذا اختلفت نسبةُ الطرفَين إلى الجُمْلَتَيْنِ، لم يجب القصاص، وما المراد من الشلل في اليد والرجل؟ عن الشيخ أبي محمد: أن الشلَل زوالُ الحسِّ والحركةِ، ولذلك تُسمَّى اليدُ الشلاءُ ميِّتةً، وقال الإِمام: لا يُشْترط زوال الحسِّ بالكلية، وليست الشلاءُ ميتةً؛ ألا ترى أنَّها لا تنتن، وإنما الشلَلُ بطلانُ العمَلِ حتى تصير اليدُ بحيث لو أعمَلَها صاحبُها كان كإعمال ألةٌ من الآلات.
ولا أثر للتفاوت في البطش بل تُقْطَع يد الأيْد بيد الشيخ الذي ضَعُفَ بطشُه، لكن لو كان النقصانُ بجناية؛ بأن ضرب إنسان على يده، فنقص بطشه، وألزمناه الحكومة، ثم قَطَع تلْكَ اليَدَ رَجُلٌ كاملُ البطش، فقد حكى الإِمام أنه لا يُقْطَع يده بها؛ وأنه لا تجب عليه ديةٌ كاملةٌ على الأصح، وهذا كما مرَّ أن من صار إلى حالة المحتضرين وحَزَّ حازٌّ رقبته، يلزمه القصاص، بخلاف ما لو انتهَى إلى تلْك الحالةِ بجنايةِ جان [فلا قصاص على حازه].
وتقطع يد السليمِ ورِجْلُه بيد الأعسم، ورِجْل الأعرج؛ لأنه لا خَلَل في اليد والرِّجل، والعسم تشنج في المرْفق، أو قِصَر في الساعد أو العَضُد، وقيس به العَرَجَ.
ولا اعتبار باخضرار الأظفار، واسودادها، وزوال نضاَرَيها، فإن هذه الأحوال علَّةٌ ومرضٌ في الظفر، والطرف السليمُ يستوفى بالعليل، وأما التي لا أظفارَ لها، فالَّذي ذكره أصحابنا العراقيُّون وغيرهم: أنه لا تُقْطع بها السليمةُ الأظفار وأنَّها تُقْطَع بالسليمةِ،
وكذلك حكاه الإِمام عنهم منسوبًا إلى النص، وهو موافق للنصِّ الذي حكيناه فيما إذا اختص رأْس الشاج بالشعر على موضع الموضحة، لكن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه يكمل فيها الدية، فقال الإِمام، على سبيل الاحتمال: القياس جريانُ القصاصِ، وإن عدمت الأظفار؛ لأنها زوائدُ ولو لم يَجُزْ القصاصُ، لَمَا تمتْ دية اليد، ولا الأصبع الساقطة الظُّفُر، وجرى صاحب الكتاب على ما أبْدَاه الإِمام احتمالاً وترك المنقول الظاهر، ووَفَّى صاحب "التهذيب" بقياس المنقول عن القصاص، فقال: ينقص عن الدية شيْءٌ وكما لا تُقْطَع اليد الصحيحة بالشلاء، لا تقْطَع بالتي فيها أصبع شلاء، ولا يجير الشَّلَلُ في أصبع بالصحة في أخرى، فلا يجري القصاص في الكُوع بين اليد التي مَسَبِّحَتُها شلاء، والتي وسطاها شلاء، فإن استويا في الشلل، فهما كالشلاوين.
فرْعٌ: سليم اليد إذا قَطَعَ يداً شلاء، ثم شَلَّتْ يَدُهُ، ذكر الإِمام أن شيْخَه قال: خرَّج القفَّال قولَيْن في الاقتصاص منه، ثم رجَعَ، وقطع بالمنع وهو الذي رآه الإمامُ مَذْهَباً والجواب في "التهذيب": أنه يقتص منه، وكذا لو قطع يدا ناقصةٌ بأصبع، ثم سقَطَتْ تلك الأصبع من القاطع، بخلاف ما لو قَطَع ذميٌّ حرٌّ يدَ عَبْدٍ، ثم نقض العهد فسبى، واسترق، لا تقطع، ولو قتله، لا يقتل، وفرق بأن القصاصَ هناك امتنع لَعَدَمِ الكفاءة، والكفاءة تراعي حال الجناية؛ ألاَ تَرَى أنه لوْ قتل ذميٌّ ذميّاً أو عبدٌ عبداً، ثم أسلم القاتل، أو عتق، يقتص منه، والامتناع هاهنا لزيادةٍ محسوسةٍ في يد القاطع والاعتبار فيها بحالة الاستيفاء، فإذا زالَتْ، قطع ولذلك لو قَطَع الأشلُّ يدًا شلاَّء، ثم صحَّت يد القاطع، لا يقتص منه؛ لوجود الزيادة عند الاستيفاء، قال: وكذلك اليدُ بأظفارها لا تُقْطع بالتي لا أظفار لها، فلو سقَطَتْ الأظفار القاطع، قُطِعَتْ بها، واليد التي لا أظْفار لها تُقْطَع بمثلها، فلو نبتَتْ أظفارُ القاطِعِ لم تقطع لحدُوث الزيادة.
الثانية: يجب في قطع الذَّكَر، وفي قطع الأنثيين أو في شَلِّهما القصاصُ، ولو دق خصيتيه، ففي "التهذيب" أنه يقتص بمثله، إن أمكن، وإلا وجَبَتِ الديةُ ويشبه أن يكون الرِّقُّ ككسر العظام، ولو قطع أو أشل إحْدَى الأنثيين 1، وقال أهل البصر: يمكن القصاص من غير إتلاف الأخْرَى اقتص، وذكر القاضي الرويانيُّ: أن الماسرجسيَّ قال: إنه ممكن، وأنه وقع في عهْدِه لرجُلٍ من أهل فراوه وفي قطْع الذكر والأنثيين جميعاً القصاصُ سواء قطْع العضوَيْنِ معاً أو على الترتيب.
وعند أبي حنيفة إِنْ قطعهما معاً أو الذَّكَرَ أولاً، ففيهما القصاص، وإن قطع
الأنثيين أوَّلاً، فلا قصاص في الذَّكَر بناءً عَلَى أن عنْده لا تُقْطع ذكَرُ الفحْل بذَكَر الخصيِّ.
والقول في قطْع ذكَرِ الصحيح بالأشلِّ وبالعكس، والأشل بالأشل على ما ذكَرْنا في اليدِ والرِّجل، وشلَلُ الذكَر بأن يكون منقبضاً لا ينبسط، أو منبسطاً لا ينقبضُ، هذه العبارة هي المتدَاوَلَة في أكثر، ويقالل: الذكَرُ الأشلُّ الذي لا يتقلَّص في البردْ، ولا يسترسلُ في الحَرِّ، وهما راجعانِ إلى المَعْنَى الأول، أي لا يتَأَثر بالبَرْد والحرِّ تقلُّصاً واسترسالاً، بل [يبقى] 1 على هيئة واحدةٍ ولا اعتبار بالانتشار وعدمه، ولا بالتفاوت [في] القوة والضعف، بل يقطع ذكَر الفحْل الشابِّ بذكر الخصيِّ والعِنِّين والشيخ؛ لأنه لا خلَل في نفْس العضْو، وتعذر الانتشار لضَعْف في القلْب أو الدِّمَاغ.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يُقْطَع ذكر الفحل بذَكَر الخصيِّ والعنين، ولا فرق بين الأقْلَفِ والمَخْتُون، والجلْدة الزائدةُ حقُّها أن تكون زائدة زائلَةً.
الثالثة: تقطع أذن السميع بأذن الأصمِّ، وبالعكس؛ لأن السمع لا يحل حرم الأذن، وإنما هو سبيل السمع وآلته، وفي "جمع الجوامع" للرويانىِّ: أن مالكاً ذهب إلى أنه لا تقطع أذن السميع بأذن الأصم، وفي قطْع الأذنِ الصحيحةِ بالمستَحْشَفَة قولان:
أحدهما: لا تقطع، كما لا تقطع اليدُ الصحيحةُ بالشلاء.
والثاني: تُقْطَع، البقاء الجمال فيها وبقاء المنفعمة من جمع الصوت، وردِّ الهوامِّ، بخلاف إليه الشلاء 2، قال في "العدة": وهذا أصحُّ، والقول في الاستحسان يعود في الديات، ولا فرق بين المثقوبة وغيرها، إذا كان الثُّقْب للزينة، ولم يورث شيئاً ونقصاناً، فإن أورث نقصاناً، فلتكن المنقولةُ كالمخرومة، فلا تُقْطع الصحيحةُ بالمخرومة، وهي التي قطع بعضها، ولكن يُقْطَع منها بقَدْر ما كان قد بَقِيَ من المخرومة وهذا إذا قلْنا: يجب القصاصُ في بعْضِ الأذنِ، على ما سبق، وإن شُقَّت مِنْ غَيْر أن يبان منها شيْءٌ، فقد نقل الإِمام عن العراقيِّين؛ أنه لا تُقْطَع الصحيحةُ بها أيضاً، لفوات الجمال فيها،
قال: ولست أرى الأمْرَ كذلك؛ لبقاء الجرم بصفة 1 الصحة، وتقطع المخرومة بالصحيحة، ويؤخذ من الدِّية بقدر ما كان قد ذهب من المخرومة.
الرابعة: تُقْطَع أنف الصحيح بانف الأخشم؛ لأن الشم ليس في جرم الأنْفِ وهل يقطع أنفُ السليم بأنف المجذوم قال في "التهذيب": إن كان في حال الاحمرار قُطِع به، وإن اسودَّ، فلا قصاص لأنه دخل في حد البلى وإنما الواجب فيه الحكومة، ولم يفرق وقالوا: عامة الأصحاب بين الاحمرار والاسوداد وقالوا: يجب القصاص مَا لَمْ يسقطْ منه شيْءٌ، ولا يجعل استحكام العلَّة واليأس من زوالها منزلةَ الشَّلَلِ في اليدِ؛ لأن منفعة اليدِ تبطل بالشَّلَل، وأصل الجمال والمنفعة في الأنف باقٍ ما بقيَ جرمه، أما إذا سقط منْه شيْءٌ، فلا يقطع به الصحيح، ولكن يقطع منه بقَدْر ما كان قد بَقِيَ من المجنيِّ عليه إن أمكن، وإن كان بأنف القاطِع نقصانٌ مثْل نقصان أنف المجذوم جَرَى القصاص.
قال الإِمام: وظن بعض الأصحاب أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- أسقَطَ القصاصَ فيه، إذا سقط منه شيءٌ بالجذام، وإن كان نقصان أنْفِ القاطعِ مثْلَ نقصانه وهو غلَطٌ.
الخامسة: لا تؤخذ العيْنُ الصحيحةُ بالحدقة العمياء، والصورة القائمة من الحدقة كاليد الشلاء وتؤخذ القائمة بالصحيحة، إذا رضي المجنىٌّ عليه به، ويقطع جفْن البصير بجفن الأعمى؛ لتساوى العضْوَيْن في الجرم والصحة، وفقد البصر ليس في الجَفْن.
السادسة: لسان الناطِقِ لا يُقْطَع بلسان الأخرس؛ لأن النطق في جرم اللسان، واللسان العاطلُ كاليد الشلاء، والحدقة القائمة كأذن الأصم، وأنف الأخشم، ويقطع لسان الأخرس بلسان الناطق، إذا رضي به المجنيُّ عليه ويقطع لسان المتكلِّم بلسان الرضيع، إن ظهر فيه أثر النُّطْق بالتحريك عند البكاء وغيره، وإلا لم يُقْطَع.
وعند أبي حنيفة: أنه لا يُقْطَع به حالٍ، وإن بَلَغ، أو آن المتكلم ولم يتكلَّم، لم يقطع به لسان المتكلم، وقد وقع في ترتيب صور الكتاب بعض التقديم والتأخير للحاجَةِ، وليعلم قولُه: "وتُقطع الشَّلاءُ بالصحيحة" للوجه المُعْزَى إلى أبي إسْحَاق.
وقوله: "ولا يضم إليها أرشٌ" مغنٍ عن قوله: "إن قنع بها"، والشرط أن لا يخاف نزْف الدم، كما بيَّنَّا، ولم يتعرض له.
وقوله: "ويقطع ذكر الصحيح" مُعْلَم بالحاء والميم والألف.
وقوله: "كما تقطع أذُنُ السميع" بالميم.
وقوله: "إلا إذا أخذ الجذام في التَّفتُّت" أي فلا يقطع به الصحيح كلُّه، وإنما
يقطع قِسْطُ الصحيح بما بقي من المجذوم عند الإمكان، وقوله: "وحدقة العمياء" الأقوم بهذه اللفظة "والحدقة العمياء" لا حدقة العمياء وكلٌّ يوجد في النسخ.
وقوله: "كالشلاء" يعني اليد الشلاء.
قوله: "من أُذُنِ النساء" لا اختصاص لمسألة الأُذُن المثقوبة بالنساء، لكنه فيهن أغلَبُ، فلذلك ذكر "أن النساء".
وقوله: "إذا لم يكن شيْنٌ" أي لم يحْدُث به شين ولفظ "الوسيط" وإذا لم يُرِث الثُّقْب شيئاً، كأذن النساء.
وقوله: "قُطِعَ بعضُها" كالتفسير للمجذومة.
وقوله: "ولو كانت أظفار المجني عليه متَقَرَّعَة" قد تقرأ الزاي، يقال: تَقَزَّع القوم أي تفرَّقوا، وهي التي لم تبْقَ ملاستها واستواؤها، وصارت كالقِطَع المتفرِّقة، وقد تُقْرأ بالراء ويجعل "مُتَفَعِّلاً" من القَرْع، وهو الإصابة، كأنه أصَابها شيْءٌ بعْد شيءٍ في الأعمال الشاقَّة، حتى تقرَّعت وتفرجت، والجواب المذكور في المقلوعة خلافُ ظاهرِ المذْهَبِ، كما عرفْتَ، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الكمال" من قوله: "إلى كمال أرش الأنملة من غير ظفر" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قُطِعَ أُذُنُهُ ثُمَّ الْتَصَقَ فِي حَرَارَةِ الدَّمِ لَمْ يَسْقُطِ القِصَاصُ، وَوَجَبَ قَطْعُهُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَلاَ يُقْلَعُ سِنُّ البَالِغِ بِسِنِّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ، وَكَذَا إِذَا فَسَدَ مَنْبِتُ الصَّبِيِّ لَكِنْ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، لِأَنَّ سِنَّ الصَّبِيِّ فَضْلَةٌ فِي الأَصْلِ وَسِنُّ البَالِغِ أَصْلِيُّ، وَإنْ أَعَادَ سِنُّ البَالِغِ فَفِي سُقُوطِ القِصَاصِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ عَادَتِ المُوَضِحَةُ مُلْتَئمَةً لَمْ يَسْقُطِ القَصَاصُ، وَلَوْ قَطَعَ فلْقَةً مِنْ طُولِ لِسَانِهِ فَعَادَ فَهُوَ مُتَردِّدٌ بَيْنَ المُوَضِّحَةِ وَالسِّنِّ، فَإن حَكَمْنَا بِسُقُوطِ القِصَاصِ وَكَانَ قَدِ استَوْفَاهُ لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَإنْ كَانَ العَائِدُ سِنَّ الجانِي فَهَلْ يَقْلَعُهُ عَلَى هَذَا القَوْلِ ثَانِياً وَثَالِثَاً إلى إفْسَادِ المَنْبَتِ فِيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْألتان:
احداهما: إذا قطع أذُن إنسانٍ، فألصقها المجنيُّ عليه في حرارة الدَّمِ، فالتصقت، لم يسقط القصاصُ، ولا الدية عن الجانِي؛ لأن الحُكْم يتعلَّق بالإبانة، وقد وجدتُّ ثَمَّ ذكْرَ الشافعيِّ -رضي الله عنه- والأصحاب: أنه لا بدَّ من قطع المُلْصَق؛ لتصح صلاته، وسببه نجاسة الأذن المبانة في نفسها، إَن قلْنا: إنَّ ما يبان من الآدميِّ نجسٌ، وان لم نقل به، فالسبَبُ أن الدمَ قد ظهر في محلِّ القطع، وثبت له حكْم النَّجاسة، فلا يزول بالاستبطان، ويجيء فيه ما مرَّ في "كتاب الصلاة" في وصْل العَظم النَّجِس بالعَظْم، والتفصيل بين أن ينبت اللحم على موضِعْ النجاسة أَوْ لا ينبت، وبين أن يخاف المُتْلف من القَطْع أو لا يخَاف، ولو قطَعها قاطعٌ، فلا قصاص عليه، إذا كانتْ مستحقة الإزالةِ، وان لم نوجب إزالتها لخوف التلف مثلاً، فسرى قطْع القاطع إلى النفْس، فقد حكى
الإِمام عن المحقِّقين أن علَيْه قِصاصَ النفْسِ، ولم يستبعد خلافه؛ لأن اختلاف العلماءِ في وجُوب القصاص يجوز أن يصير شبهة دارئة للقصاص، ثم هي، وان كانت مستحقَّة القطع، فليس للجاني أن يَقُول: أبينوا أذنه ثم أبينوا أُذُنِي، فإن مِنْ قِبَلِ الأمر بالمعروف، لا اختصاص له به، والنظر.
في مثله إلى الأمام، ولو اقتص المجنيُّ عليه، فألصق الجاني أذُنَه، فالقصاص حاصلٌ بالأبانة، وقَطْع ما أُلْصِقَ بعد الإبانة، لا يختص به المجنيُّ عليه، ولو قطع بعْض إذنه، ولم يُبِنْ، ففي القصاص في ذلك القَدْر خلافٌ سبق، وذلك إذا بقي غيْر ملتصق، أما لو ألصقه المجنيُّ عليه، فالتصق، سقَطَ القصاصُ والديةُ عن الجاني، ورجع الأمر إلى الحكومة كالإفضاء، إذا اندمل، تسقُطُ الدية، ولذلك نقول: لو جاء آخر، وقَطَع الأذن بَعْد الالتصاق، يلزمه القصاصُ أو الديةُ الكاملةُ، هذا أصحُّ الوجهين والمحكيُّ عن النص.
والثاني: عن صاحب "التقريب" أنه لا يسقط القصاص في القَدْر المقطوع، كما لا يَسْقُط قصاص الموضِّحة بالاندمال، ولو وان كان قد أوضَحَ آخَرُ، يلزمه القصاص، ولا يجب قَطْع الملصق قبل تمام الإبانة، هكذا أطلقوه، وهو ظاهِرٌ إن بنينا وجوبَ القطْع على نجاسة المبان بالإبانة، وغير ظاهر، إن بنيناه على ظهور المَوْضِع والدم النجس علَيْه ولو استأصل أذنه، وبقيت متعلِّقة بجلْدة، فلا خلاف في وجوب القَصاص؛ لإمكان رعاية المماثلة، وقد ذكْرنا نحواً مته، لكن لو ألصقَهَا المجنيُّ عليه، فالتصقت، لم يجب قطْعُها، وفي سقوط القصاص عن الجانِي هذا الخلاف، ولو أبان أذنه، فقطع المجنيُّ عليه بعْضَ أذنِه مقتصّاً، فألصقه الجاني، فللمجنيِّ عليه أن يعودَ، فيقْطع؛ لاستحقاقه الإبانَة.
وربط السنِّ المقلوعة في مكانِها وثبوتها كإلصاقِ الأذُن المقطوعة والتصاقها.
المسألة الثانية: في السنِّ القصاصُ، وإنما يجب عند القلْع، فأما إذا كسر سن غيره، فلا قصاص؛ بناءً على الأصْل الذي تقدَّم: أنه لا قصاصَ في كسْر العظام؛ لأنه لا يمكن حفْظ المماثلة فيه؛ ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، وحكى القاضِي ابن كج عن نصه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه إذا كَسَر بعض سنه، يراجع أهل الخبرة، فإن قالوا: يمكن استيفاء مثله بلا زيادة، ولا صدع في الباقي، اقتص منه، وهذا ما أورده الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" 1 وقد يوجه ذلك بأن السِّنَّ عَظْم مشاهدٌ من أكثر
الجوانب، ولأهل الصنعة آلات قطَّاعة يُعْتَمَدَ عليها في الضَّبْط، فلم تكن كسائر العظام، ولا تُؤْخَذ السنُّ الصحيحةُ بالمكسورةِ، وتُؤْخذ المكسورةُ بالصحيحة" مع قِسْط الذاهب من الأرْش، وتُؤْخَذ الزائدةُ بالزائدةِ بالشرط الذي سبَق، ولو قَلَع سنَّ رجُلٍ، وليس للجاني تلك السنُّ، فلا قصاص، وتُؤْخَذ الديةُ، فلو نبتت بعد ذلك، فلا قصاص أيضاً؛ لأنها لم تكنْ موجودةً يوم الجناية، ونظيرُهُ مَن أوضَحَ، واقتص، واندملت جراحته، ولم تنْدَمِلْ جراحَةُ الشاجِّ، وأوضح في ذلك الموضع ثانياً، ثم اندملت جراحةُ الشاجِّ، قال الرويانيُّ في "التجربة": والذي يجيْء على المذْهَب؛ أنَّه لا يقتض منه؛ لأن مَحَلَّ القصاصِ لم يكُنْ موجودًا يومئذ، ثم إذا قلع سن غيره، فذلك يفرض على وجوه:
أحدها: إذا قلَع مثغورٌ سنَّ صبيٍّ، لم يثغر، فلا يوجد في الحال قصاصٌ ولا دية لأنها تنبت وتعود غالباً، فإن نبتتت، فلا قصاص ولا دية، ولكن عليه الحكومة إن نبتت سوداءَ أو معوجةَ أو خارجة عن سمت الأسنان، أو بقي شَيْنٌ آخَرُ بعد النبات، وإن نبتت أطولَ ممَّا كانَتْ أو نبَتَ مَعها ساغية 1، فكذلك في أشبه الوجهَيْن، وإن نبتت أقصر ممَّا كانتْ، وجَب بِقَدْرِ النقصان من الأرْش، فإن جاء وقتُ نباتها بأن سقطت سائر الأسنان، وعادت، ولم تنبت المقلوعة، أُرِيَ لأهلْ البصير، فإن قالوا: يتوقع نباتها إلى وقت كذا، توقفنا تلْك المدة، فإن مضت، ولم تنبت، أو قالوا: قد فسد المنبت، ولا يتوقع النبات، فقد حكى صاحب الكتاب فيه قولَيْن.
أحدهما: لا يجبُ القصاصُ؛ لأن سِنَّ الصبيِّ فضلةٌ في الأصل نازلةٌ منزلةَ الشعْر الذي ينبت مرَّة بعد أخرى، وسن البالغ أصلية.
والثاني: يجب؛ لأنه قَلَع السِّنَّ الحاصلة في الحَالِ، وأفْسَد المنبت، فيقابل بمِثْلِه، وهذا الثاني هو الذي أوردَهُ الجُمْهور مقتصرين علَيْه، وليس لهم ذكْر القولَيْن، حتى لَمْ أره في كتاب الإِمام، إلا أنه يُعَدُّ ما نقل إطلاق الأصحاب من القول بوُجُوبِ القصاص.
قال: وفي القلب منه شيْءٌ، لأن غير السِّنِّ من المثغور عُضْوُ قصاصٍ، ومن غير المثْغُور ليس عُضْوَ قَصاصٍ، فلا يتَّجه فيهما المقابَلَة، ثم إذا أوجبْنا القصاص، فالاستيفاء إنَّما يكون بعْد البلوغ، فإنْ ماتَ الصبيُّ قبل البلوغ، اقتص وارئه أو أخَذ الأرْشَ، وإنْ مات قبل حصول البأس وتبين الحال، فلا قصاص، وفي الأرْشِ وجهان، وهذه الصورة مذكورةٌ في الكتاب في "الديات".
والثاني: إذا قلع مثْغُورٌ سنَّ مثغورٍ، فلا كلام في تعلُّق القصاص به، لَكِنْ لو نبتَت
سنُّ المجنيِّ عليه، ففي سقُوطِ القصاص قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه يسقط القصاص؛ لأن ما عاد قائم مُقَامَ الأوَّل، فكأنه لم يَفُتْ، فصار كما لو عَادَ سن غير المثغور.
والثاني: لا يسقط، وهو اختيار المزني؛ لأنه لم تجر العادةُ بنبات سنٍّ من المثغور، وما اتفق نعمةً وهبةً جديدةً من الله تعالى، فلا يسقط به حقُّه على الجاني، وكلامُ الأئمَّةِ إلى ترْجيح هذَا القوْل أمْيَلُ، وقد صرَّح به صاحب "العُدَّة" وسواء قلْنا: يسقط أوْ لا يسْقُط فلا ينتظر العود بل للمجنىِّ عليه أن يَقْتصَّ أو يأخذ الدية في الحال؛ لأن انتظار ما هو في غاية الندرة مستبعدٌ، ومنهم مَنْ يقول: إن قلْنا بالسقوط، فيراجع أهْل الخبرة، [فإن] قالوا: قد تَعُود إلى مُدَّة كذا ينتظر تلْك المدة، ويكون الحُكْم كما ذكرنا في غير المثْغُور، ولو التأمت الموضِّحة، والتحمَتْ، لم يسقط القصاص ولا الدية؛ لأن العادة المستمرَّة فيها الالتحامُ والغذاء يستحيل لحماً، فلو جعلْنا الالتحام مغيراً لموجبها قَصاصاً ودية؛ لاخْتصَّتِ المؤاخذةُ بما إذا بقي العظْم بارزًا، وصارت مُعْظم المواضِحِ هَدَراً، وكذلك الحُكْم في الجائفة.
وعن صاحب "التقريب" وجْه أنَّها إذا التحمتْ، زالَ حُكْمها، ورأى الإِمام تخصيصَ هذا الوجه على ضعْفه بما إذا نفذَتِ الحديدة في الجَوْف، وحصل الخَرْق من غَير زوالِ لَحْم من البدن دون ما إذا زال شيْءٌ، ونبت لحْمٌ جديدٌ، ورأى طَرْدَه في مثْلِها في الموضِّحةَ أيضاً، ولو قَطَع لسانَ إنسانٍ، فنبت، ففي سُقُوط القِصَاص طريقان.
أحدهما: أنَّه على القولَيْن في عوْد السِّنِّ.
وأصحُّهما: القطع بالمنع؛ لأن عوْده بعيدٌ بمرةِ، فإن اتفق، فهُو محضُ نعمةِ من الله جديدةٍ، وجنسُ السنِّ يعتاد فيه العَوْد، فلا يبعد أن يُلْحَقَ نوع منه بنوع.
التفريع على القولَيْن في عود السن.
إذا اقتصَّ المجنىُّ عليه أو أخذ الأرْشَ، ثم نبت سنَّه، فليس للجاني قلْعُها، وهل يُسترَدُّ الأرْشِ، إن أخذ المجنىُّ عليه الأرش؟ فيه وجهان أو قولان، إن أقمنا العائدَ مُقَامَ الأوَّل، فنعم، وإن جعلْناه هبةً محددةً فلا، وهذه الصورةُ مذكورةٌ في الكتاب في "الديات" كان كان المجنيُّ عليه قد اقتصّ، فهل يطالبه الجانِي بأرْش السنِّ يبنى على هذا الخلاف، وعن رواية صاحب "التقريب" عن أبي الطيِّب بن سلمة: أنه لا يُطالب في صورة الاقتصاص بشَيْء؛ لأن استرداد الأرْش المدْفُوع ممكنٌ بخلاف القصاص المستوفَى، وهو ضعيفٌ، ولو تعدَّى الجاني، فقَلع السنَّ العائدةَ، وقد اقتص منه، فإن أقمْنا العائدَ مُقامَ الأول، فعليه الأرْش بهذا القَلْع؛ لتعذُّر القصاص، وقد وَجَبَ له على
المجنيِّ عليه الأرْشُ بالعود، ففيه الكلام في التقاصِّ، وإن جعلناه هبةٌ مجددةً، فعليه الأرش للقلع في الثاني، وقد استوفى موجِب الأول بالقِصاص، وعلى هذا القَوْلِ؛ لو لم يقتصَّ منه أَوَّلاً أو أخذ الأرش، فللمجني عليه أن يقتص، للقلع الثاني، ولو لم يقتصَّ، ولا أخَذَ الأرش، فعليه قصاصٌ وأرش أو أرشان، وإذا اقتصصنا من الجانِي، فعاد سنُّه دون سنِّ المجنيِّ عليه، فإن أقمْنا العائدَ مُقام الأوَّل، فهل للمجنىِّ عليه القلْع ثانياً؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه قابل قلعاٌ بقلع، فلا تُثَنِّى عليه العقوبة، لكن له الأرش، لخُروجِ القلع الأول عن أن يقع قصاصاٌ، وكأنه تعدَّر القصاص بسبب من الأسباب.
والثاني: نعم؛ لأن الجاني أَفْسَدَ منبته فيُكرِّر عليه القلْع إلى أن يفسد منبته، وإن جعلْناه هبة مجددة، فلا شيء للمجنيِّ عليه، وقد استوفَى حقه بما سبق، وهذا هو الأظهر، ولو اقتصَصْنا، وعاد سن الجانِي والمجني عليه معاً، فلا شيء لواحد منْهما على الآخر باتفاق القولَيْن، أما إذا أقمنا العائدَ مُقامَ الأول، فكأنه لا جناية ولا قصاص، وأما إذا جعلْناه هبةً مجددةً، فقد وفَّينا بموجب الجناية بالاقتصاص، ثم إنَّ اللهَ تعالى أنعم عليهم بنعمتَيْنِ جديدَتَيْن.
قال الإِمام: ومَنْ بَدِيعِ التفريع إفضاء قولَيْن مختلفَيْنِ إلى مقْصُودٍ واحدٍ.
والثالث: إذا قلَع غيرُ مثغور سنَّ مثغورٍ، ذكر القاضي ابن كج؛ أن المجني عليه يأخُذ الأرشَ، إن شاء، ويقتص [إن شاء، وليس له مع القصاص شيْءٌ آخر، كما في أخذ الشَّلاَّء بالصحيحة] 1 وهذا، إذا كان غير المثْغُور قدْ بَلَغ، هالا فلا قصاص وفي "أمالي" أبي الفرج: أنَّه يقال له: إن قلعْتَ سنَّه الآن، فالظاهر منها العَوْد، فاصْبِرْ إلى أن يصير مثغوراً، فإن استعجل، أجيب، وشرط عليه أنه لا حَقَّ له [عليه] فيما يعود.
والرابع: إذا قلَع غيرُ مثغورٍ سنَّ من غيرِ مثغورٍ، فلا قصاص في الحال؛ لأن الغالب في السن المقلوعة النبات، فإن نَبَتَتْ، فلا قصاص ولا دَية، على ما ذكرنا في قلْع المثغور سنَّ غير المثغور، وإن لم تَنبت، وقد دخل وقته، فللمجنيِّ عليه أن يأخذ الأرْش، ويقتص، فإن اقتص، ولم يعُدْ من الجانِي، فذاك، وإن عادَتْ، فهل يقلع ثانياً؟ فيه وجهان:
أظهرهما: على ما ذكر الإِمام: نعم.
وقوله في الكتاب: "ولا يقلع سن البالغ بسن الصبي الذي لم يَثْغر" ولا يخفى أن