فيجب أن تُفَسَّرَ كلمة التَّنَصُّر بما يَخْتَصُّ به النَّصْرَانيُّ، كقولهم: إن الله ثَالِثُ ثَلاثةٍ.
وحكى القاضي ابن كَجٍّ وجهين: في أنه هَلْ يَجِبُ على الشهود تَفْسيرُ كلمة الإِسْلاَم؛ لأنهم [قد] (1) يَعْتَقِدُونَ ما لَيْسَ بإسلام إِسْلاَماً؟ وجهين في أن على قول القِسْمَةِ، هل يَحْلِفُ كُلُّ واحد من الاثنين (2) للآخر؟ والأَصَحُّ المنع.
ووجهين في كَيْفيَّةِ القِسْمَةِ إذا مات عن ابْنٍ وبِنْتٍ، وتَنَازَعَا في دِينِ الأب، وقلنا بالقِسْمَةِ، عن أبي الطَّيِّبِ بن سلمة: أنه يُقَسَّمُ المَالُ بينهما نصْفَيْنِ.
وعن غيره أنه يُقَسَّمُ أَثْلاَثاً: قِسْمَةَ الميراث.
وليسا ولا واحد منهما بِقَوِيمٍ، بل يجب أن يُقَالَ: هما كَشَخصَيْنِ يَدَّعِي أحدهما جَمِيعَ الدار، والآخر نِصْفَهَا، وأقاما بَيَّنَتَيْنِ.
وقد مَرَّ على أن قول القِسْمَةِ للأول ثَلاثةُ أرباعها، وللثاني رُبْعُهَا.
ولْيُعْرَفْ وراء ما حَكَيْنَا شيئان:
أحدهما: أن المَوْتَ على كلِمَةِ الإِسْلاَمِ يوجب الإِرْثَ للابن المُسْلِم، لكن المَوْتَ على كلمة التَّنَصُّرِ بِمُجَرَّدِهِ ولا يُوجِبُ الإرْثَ للابن النَّصْرَاني؛ لاحتمال أنه أَسْلَمَ، ثم تَنَصَّرَ.
وحينئذ فلا يُورث عنه، وكان الغَرَضُ فيما إذا تَعَرَّضَ الشُّهُودُ لاسْتِمْرَارِهِ على النَّصْرَانِيَّةِ إلى أن جَعَلَهَا آخر كلامه؛ أو اكتفوا باسْتِصْحَابِ ما عرف من دِينِهِ، مَضْمُوماً إلى الحكم عليه، وإن لم يَتَعَرَّض له الشهود.
والثاني: أن تَقْييدَ البَيَّنَتَيْنِ معاً؛ بأن آخر كَلاَمِهِ كان كذا، غير مُحْتَاجٍ إليه؛ لِزَوَالِ التَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ العِلْمِ، بل تَقْيِيدُ بَيَّنةِ النصراني بأنه تَكَلَّمَ آخراً بكلمة التَّنَصُّرِ كافٍ (3) فيه.
وقوله في الكتاب: "ادَّعى المُسْلِمُ أن أَبَاهُ أَسْلَمَ، ثم مات"، تبين أن التَّصْوِيرَ أولاً، فيما إذا كان المَيِّتُ مَعْرُوفاً بالكُفْرِ، فإن كان مَجْهُولَ الدِّينِ، فقد ذكر من بَعْدُ.
وقوله: "فهما مُتَعَارِضَتَانِ"، يجوز إِعْلاَمُهُ بالحاء؛ لأن الحِكَايَةَ عن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يُغَلِّبُ بَيِّنَةَ الإِسلام بكل حال.
وقوله: "يَجْرِي قَوْلُ القِسْمَة" بالواو؛ لوجه أبي إِسْحَاقَ.
وقوله في مجهول الدِّينِ: "فلا تَرْجِيحَ"، بالحاء، والواو؛ للوجه الذي ذكرناه آخراً.
وكذا قوله: "لم يَخْتَصَّ بالتَّصْدِيقِ".
فرع
: مات رَجُلٌ عن زوجة، وأخ، مُسْلِمَينِ، وعن أَوْلاَدٍ كَفَرَةٍ، فقال المسلمان: مات123
مُسْلِمًا، وقال الأَوْلاَدُ: بل كَافِراً.
فإن كان أَصْلُ دِينِهِ الكُفْرَ، فالقول قَوْلُ الأَوْلاَدِ.
وإن أَقَامَ كُلُّ واحد من الطَّائِفَتَيْنِ بَيِّنَةً؛ فإن أطلقنا قدمت 1 بَيِّنَةُ الزَّوْجَةِ والأخ، وإن قيدنا فعلى الخِلاَفِ في التَّعَارُضِ، وإن لم يُعْرَفُ أَصْلُ دِينِهِ، وَقَفَ المَالُ حتى يَنْكَشِفَ الحَالُ، أو يَصْطَلِحُوا.
وإن أقام كل واحد بَيِّنَةً، فعلى الخِلاَفِ في التَّعَارُضِ، ويعود خِلاَفُ أبي إِسْحَاقَ في جَرَيَانِ قول القِسْمَةِ.
وإذا رجحنا طائفة، قُسِّمَ المَالُ بينهم، كما يُقَسَّمُ لو انْفَرَدُوا.
كان جَعَلْنَا المَالَ بين الطَّائِفَتَيْنِ تَفْرِيعًا على القِسْمَةِ مَثَلاً فالنصف للزوجة والأخ، والنِّصْفُ للأولاد، وفيما تَأْخُذُ الزوجة من النصف؟ وجهان:
أحدهما: تأخذ رُبُعَهُ، وكأنه كُلُّ التَّرِكَةِ، وهذا ما أَوْرَدَهُ أَبُو الفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ.
والثاني: تأخذ نِصْفَهُ؛ ليكون لها رُبُعُ التَّرِكَةِ، فإن الأخ معترف به والأولاد لا يُحْجَبُونَ بقولها.
وهذا ما أَوْرَدَهُ الإِمَامُ -رحمه الله- 2.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: مَاتَ نَصْرَانِي فِي رَمَضَانَ فَاَدَّعَى أَحَدُ ابْنَيْهِ أنَّهُ أَسْلَمَ في شَوَّالٍ فَيَرِثُهُ، وَقَالَ الآخَرُ بَلْ في شَعْبَانَ فَلاَ تَرِثُهُ فَبَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ أَوْلَى لأنَّهَا نَاقِلة، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُسْلِمِ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ الكُفْرِ، وَلَوْ أَسْلَمَ الابْنُ فِي رَمَضَانَ لَكِنْ ادَّعَى أَنَّ الأَبَ مَاتَ فِي شَعْبَانَ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ لَكِنَّ القَوْلَ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ لِأَنَّ الأَصْلَ دَوَامُ الحَيَاةِ إِلَى شَوَّالٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ابنا مَيِّتٍ: نَصْرَانِيٌّ ومُسْلِمٌ تَنَازَعَا.
فقال المُسْلِمُ: أَسْلَمْتُ بعد مَوْتِ أبينا، فالمِيرَاثُ بَيْنَنَا.
وقال النَّصْرَانِيُّ: بل قبله، فلا ترثه.
فلهما ثَلاَثُ أحوال:
إحداهما: أن يَقْتَصِرا على هذا القَدْرِ، ولا يَتَعَرَّضَا لتاريخ مَوْتِ الأب، ولا لِتَارِيخِ إِسْلاَمِ المسلم.
والثانية: أن يَتَّفِقَا على تَارِيخ مَوْتِ الأب كَرَمَضَانَ مَثلاً، فقال المسلم: أَسْلَمْتُ في شَوَّالٍ.
وقال النَّصْرَانِيُّ: بل أَسْلَمْتَ في شعبان.
ففي الحَالَتَيْنِ إن لم تكن بَيِّنَةٌ، فالقول قَوْلُ المُسْلِمِ؛ لأن الأَصْلَ اسْتِمْرَارُهُ على دِينِهِ، فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، ويَشْتَرِكَانِ في المَالِ.
وإن أقام أحدهما بَيِّنَةً قُضِيَ بها.
وإن أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بيَّنَةً، فَبَيِّنَةُ النصراني أَوْلَى؛ لأنها تُنْقِلُهُ من النَّصْرَانِيَّةِ إلى الإِسْلاَم في شعبان، والأخرى تستصحب دينه إلى شوال فمع الأُولَى زِيادَةُ عِلْمٍ.
والثالثة: أن يَتَّفِقَا على تَاريخِ إِسْلاَمِ المسلم؛ بأن اتَّفَقا على أنه أَسْلَمَ في رَمَضَانَ، لكن ادَّعَى المُسْلِمُ أن الأَبَ مَاتَ في شعبان، وقال النَّصْرَانِيُّ: بل مات في شَوَّالٍ، فالقول قَوْل النَّصْرَانِيَّ؛ لأن الأصل دَوَامُ الحَيَاةِ.
وإن أقاما بَيِّنَتَيْنِ، فَبَيِّنَة المُسْلِم أَوْلَى؛ لأنها تنْتَقِلُ من الحَيَاةِ إلى المَوْتِ في شعبان، والأخرى تَسْتصْحِبُ الحَيَاةَ إلىَ شوال، فمع الأولى زَيَادَةُ عِلْمٍ.
واعترض الإِمام: بأن بَيِّنَةَ النَّصْرَانِيُّ تُثبِتُ الحَيَاةَ في شعبان؛ لأنها تَشهَدُ على المَوْتِ في شوال، والموت إنما يكون عن حَيَاةٍ، والحَيَاةُ صِفَةٌ ثابتة يُشْهَدُ عليها كالمَوْتِ، فليحكم بتَعَارُضِهِمَا، وجريان أقوال التعارض.
لكن هذا الكَلاَمَ لا اخْتِصَاصَ له بهذه الحَالَةِ، بل يمكن أن يُقَالَ في الحَالَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، وقد قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ النَّصْرَانِيِّ؛ أن بَيِّنَةَ المُسْلِمِ تُثْبِتُ النَّصْرَانِيَّةَ في شعبان؛ لأنها تَشْهَدُ على الإسْلاَمِ فِي شوَّالِ، والإِسْلاَمُ إنما يكون عن كُفْرٍ، فليحكم بالتَّعَارُضِ.
والوَجْهُ؛ أن يُرَاعَى كَيْفِيَّةُ الشهادة، فإن أُطْلِقَتِ البَيِّنَتَانِ، فَتُرَجَّحُ التي تنقل، ويعرض حدوث يُبْنَى على ما سَبَقَ.
وإن شَهِدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ في الحَالَةِ التي نحن فيها؛ بأنهم عَايَنُوهُ حَيّاً في شَوَّالٍ، وشَهِدَتْ بَيِّنَةُ المُسْلِم في الحالتين الأوليين؛ بأنهم كَانُوا يَسْمَعُونَ كلمة التَّنصُّرِ منه إلى انْتِصَافِ شوال مَثَلاً؟ فَتَتَعَارَضُ البَيِّنَتَانِ.
ولو مَاتَ مُسْلِمٌ، وله ابْنَانِ؛ أسلم أَحَدُهُمَا قبل مَوْتِ الأب بالاتِّفَاقِ، وقال الآخَرُ: أَسْلَمْتُ أيضاً قبله.
وقال المُتَّفَق على إسلامه: بل أَسْلَمْتَ بعد مَوْتِهِ، فعلى الأَحْوَال الثلاث؛ إن اقْتَصَرُوا على ذلك، أو اتَّفَقَا على أن الأب مات في رَمَضَانَ، وقال قَدِيمُ الإِسْلاَم: أسلمت في شوال.
فقال: بل أَسْلَمت في شعبان، فَيُصَدَّق قَدِيمُ الإِسلام.
وإن أقاما البَيِّنَةَ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الآخر، وإن اتَّفَقَا على أن الآخر أَسْلَمَ في رمضان؛ فقال قَدِيمُ الإِسْلاَم: إن الأب مَاتَ في شعبان، وقال الآخَرُ: بل في شَوَّال، فالمُصَدَّق الآخَرُ، والمُقدَّمُ بَيِّنةُ قَدِيمِ الإِسلام.
وفي هذه الصورة تَكَلَّمَ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وعَامَّة الأصْحَابِ -رحمهم الله- لا في صورة الكِتَابِ والمقصود واحد.
وعلى هذا يُقَاسُ نَظَائِرُهُمَا، كما لو مات الأبُ حُرّاً.
واحد الابنين حُرٌّ بالاتفاق، واخْتَلَفَا في أن الآخَرَ عُتِقَ قبل موته، أو بعده.
ولو أَنَّهُمَا في صُورَةِ "المختصر" اتَّفَقَا في حَقِّ أحدهما؛ أنه لم يَزَلْ مُسْلِماً.
وقال الآخَرُ: لم أَزَلْ مُسْلِماً أيضاً، ونَازَعَهُ الأَوَّلُ، وقال: كنت نَصْرَانِيّاً، وإنما أَسْلَمْتَ بعد موت الأب، فالقول قوله في: أني لم أَزَلْ مُسْلماً؛ لأن ظَاهِرَ الدَّارِ يَشُهَدُ له، وليس مع صاحبه أَصْلٌ يُسْتصْحَبُ.
ولو قال كُلُّ واحد منهما: لم أَزَلْ مُسْلِمًا، وكان صَاحِبِي نَصْرَانِيّاً أَسْلَمَ بعد مَوْتِ الأب، فعن القَفَّالِ تَخْرِيجُهُ على وجهين:
أحدهما: أنه لا يُصْرَفُ شيء إلى وَاحِدٍ منهما؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الاسْتِحْقَاقِ.
وأصحهما: أنه يَحْلِفُ كُلُّ واحد منهما، ويُجْعَلُ المَالُ بينهما؛ لأن ظَاهِرَ الدَّارِ يَشْهَدُ لكل واحد منهما فيما يَقُولُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ.
ولو مات رَجُلٌ، وخَلَفَ أبوين كَافِرَيْنِ، وابنين مُسْلِمَيْنِ، فقال الأَبُوَانِ: إنه مَاتَ كافراً، وقال الابْنَانِ: بل مسْلِمًا.
قال ابن سُرَيْجٍ: فيه قولان (1):
أَشْبَهُهُمَا بقول العلماء: أن القول قول الأبوين لأن الولد محكوم بكفره في الابتداء تبعاً للأبوين فَيسْتَصْحَبُ إلى أن يعلم خلافة.
والثاني: أنه يُوقَفُ المَالُ إلى أن يَنْكَشِفَ الأَمْرُ، أو يصْطَلِحُوا.
والتبعية تُرْفَعُ بالبُلُوغِ، وحصول الاسْتِقْلاَلِ.
وفيه وجه آخر: أن القَوْلَ قول الابْنَيْنِ؛ لأن ظَاهِرَ الدَّار يَدُلُّ على ما يقولانه (2).
فرع
:
رجل له زَوْجَةٌ، وابن، فماتا، فاختلف الرجل، وأخ الزوجة؛ فقال الرَّجُلُ: مَاتَتِ الزَّوْجةُ أَوَّلاً، فَوَرِثْتُهَا أنا وَابْنِي، ثم مات الابن، فَوِرثْتُهُ.
وقال الأخ: مَاتَ الابْنُ أولاً، فَوَرِثْتُهُ مع أختي، ثم مَاتَتِ الأخت فَوَرِثْنَاهُ.
فإن لم يكن لواحد منهما بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قول الأخ في مَالِ أُخْتِهِ؛ وقول الرجل في مَالِ ابنه.
فإن حَلَفَا، أو نَكَلاَ فهي صورة استبهام المَوْت، فلا يُوَرَّثُ أَحَدُ الميتين من الآخر، بل مال الابن لأبيه، ومال الزَّوْجَةِ للزوج والأخ.12
وإن أقام كل واحد بَيِّنَةً تَعَارَضَتَا، وجاء أقْوَالُ التَّعَارُضِ، هذا إذا لم يَتَّفِقَا على وَقْتِ مَوْتِ أحدهما، فإن اتَّفَقَا عليه، واخْتَلَفَا في أن الآخَرَ مَاتَ قبله، أو بعده، فالمُصَدَّقُ من يَقُولُ: مات بعده؛ لأن الأَصْلَ دَوَامُ الحَيَاةِ.
كان أقام كُلُّ واحد بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ من يقول: مَاتَ قبله؛ لأن معها زِيَادَةُ عِلْمٍ.
ولو مات رجل عن زَوْجَةٍ، وأولاد، فقالوا لها: كُنْت أَمَةً فعتقت بموت أَبِينَا.
أو ذِمِّيَّةً، فَأسْلَمْتِ بعد موته 1 وقالت: بل عتقت، أو أَسْلَمْتُ قبل موته، فهم المُصدَّقُونَ.
وإن قالت: لم أَزَلْ مُسْلِمَةً، أو حُرَّةً، فهي المُصَدَّقَةُ؛ لأن الظَاهِرَ ما تقوله.
وعن رواية الرَّبِيع قول: إنها تُصَدَّقُ في الحُرِّيَّةِ دُونَ الإِسلامِ؛ لأن الأَصْلَ في الناس الحُرِّيَّةُ، فإنهم يُخْلَقُونَ أَحْرَاراً، وفي الذين يُخْلَقُونَ مُنْقَسِمِينَ؛ إلى مُسْلمين، وكفار.
وخرج قول: أنهم المصدقون جميعاً؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ وِرَاثَتِهَا والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ لَوْ قَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَامَتْ بَيِّنَةُ الوَارِثِ أَنَّهُ مَاتَ حتفَ أَنْفِهِ وَبيِّنَةُ العَبْدِ أَنَّهُ قُتِلَ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: التَّسْوِيَةُ، وَالآخَرُ: تَقْدِيمُ بيِّنَةِ القَتْلِ لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سَيِّدٌ قال لِعَبْدِهِ: إن قُتِلْتُ، فأنت حُرٌّ، وتَنَازَعَ بعده العَبْدُ والوَارِثُ، فأقام العَبْدُ بَيِّنَةً؛ أنه قُتِلَ، والوَارِثُ بَيِّنَةً؛ أنه مات حَتْفَ أَنْفِهِ.
فقولان:
أحدهما: أنهما يتعارضان 2، لما بَيْنَهُمَا من المُنَافَاةِ.
والثاني: أن بَيِّنَةَ العَبْدِ أَوْلَى؛ لأن عنده زَيادَةَ عِلْمٍ 3 بالقَتْلِ، فإن قلنا: بالتَّهَاتُرِ فكأنه لا بَيِّنَةَ [فيحلف الوَارِثُ] 4 ويَسْتَمِرُّ الرِّقُّ.
وإن قلنا: بالقِسْمَةِ، عتق نِصفه، وإن قلنا: بالقُرْعَةِ، عتق، إن خرجت له القُرْعَةُ، ورُقَّ إن خَرَجَتْ لِلْوَارِثِ.
والوَقْفُ لا يَخْفَى، والظَّاهِرُ من القولين في المَسْأَلَةِ على مَا ذَكَرَ أبو الحَسَنِ العبادي تَقْدِيمُ بيِّنَةِ العَبْدِ، ونَقْلُ طَرِيقَةٍ قَاطِعَةٍ به، قال: ولا شَكَّ أن القِصَاصَ لا يَجِبُ؛ لأن الوَارِثَ مُنْكِرٌ لِلْقَتْلِ، فإن ادَّعَى الوَارِثُ القَتْلَ، وأقام المُدَّعِي بَيِّنَةً؛ أنه مات حَتْفَ أَنْفِهِ، جرى القَوْلاَنِ.
ولو قَال: إن مت في رمضان، فعبدي حُرٌّ، وأقام العَبْدُ بَيِّنَةً؛ أنه مات في رَمَضَانَ، والوارث بَيِّنَةً؛ أنه مات في شوال.
فَعَلَى القولين:
أحدهما: التَّعَارُضُ.
والثاني: تقديم بَيِّنَةِ العَبْدِ؛ لزيادة العِلْمِ بِحُدُوثِ المَوْتِ في رَمَضَانَ.
وعن المُزَنِيِّ: تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الوَارِثِ؛ لأن معها زَيادَةَ عِلْمٍ؛ وهي اسْتِمْرَارُ الحَيَاةِ إلى شوال.
ومن شرطه 1 أن يطرده في نَظَائِرِ المسألة من قَبْلُ، ومن بَعْدُ.
ولو أقام الوَارِثُ البَيِّنَةَ على أنه مَاتَ في شعبان، فالقِيَاسُ مجيء التَّعَارُضِ، وانْعِكَاسُ القول الثاني والمَحْكِيُّ عن المزني.
ولو حكم القَاضِي بشَهَادَةِ شَاهِدَيْ رمضان، ثم شَهِدَ شُهُودٌ على أنه مات في شوال، فهل يُنْقَضُ الحُكْمُ وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ما لو شَهِدَتِ البَيِّنَتَانِ معاً؟
وعن ابن سُرَيْجٍ تَخْرِيجُ قَوْلَيْنِ فيه كما لو بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ بعد الحكم 2. ولو قال لِسَالِمٍ: إن مِتُّ في رمضان، فأنت حُرٌّ، وقال لِغَانِمٍ: إن مِتُّ في شوال، فأنت حُرٌّ، وأقام كُلُّ واحد بَيِّنَةً على ما يَقْتَضِي حريته، فقولان:
أحدهما: التَّعَارُضُ.
والثاني: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سالم؛ لأن معها زِيَادَةَ عِلْمٍ؛ وهي حُدُوثُ المَوْتِ في رمضان.
وعن المُزَنِيِّ وابن سُرَيْجِ: تقديم بَيِّنَةِ غَانِمٍ.
وإن قلنا بالتَّعَارُضِ، فعلى التَّهَاتُرِ، يُرَقُّ العَبْدَانِ.
وعلى القِسْمَةِ، يُعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ.
ولو قال لِسَالِمٍ: إن مِتُّ من مرضي، فأنت حُرٌّ.
وقال لغانم: إن بَرِئْتُ منه، فأنت حُرٌّ، فأقام سَالِمٌ بَيِّنَةً على المَوْتِ فيه، وغانم بَيِّنَةً على البرء منه، ففي وجه البَيِّنةُ الأُولَى، أَوْلَى؛ لزيادة عِلْمِهَا بالموت.
وفي وجه الثانية، أَوْلَى؛ لعلمها بالبُرْءِ.
ويُحْكَى هذا عن ابن القَطَّانِ، والصحيح التَّعَارُضُ؛ لِتَقَابُلِ الزيادتين 3. وإذا
تَعَارَضَتَا، جاء الخلاَفُ السَّابِقُ.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ عن بعض الأَصْحَابِ: إنه إذا وُجِدَ التَّعَارُضُ في مثل هذا، غلبتِ الحرية 1.
خاتمة لهذا الطرف: من ادَّعَى وِرَاثَةَ إنسان، وطلب تَرِكَتَهُ، أو شَيْئًا منها، فَلْيُبيِّنْ جِهَةَ الوِرَاثَة؛ من بنوة، وأخوة 2، وغيرهما.
وذكر أبو الفرج السَّرَخْسِيُّ: إنه لا يكفي لِطَلَبِ التَّرِكَةِ ذِكْرُ الجِهَةِ على المذهب، بل يَتَعَرَّضُ مع الجهة لِلْوِرَاثَة؛ فيقول: أنا أَخُوه، وَوَارِثُهُ.
وإذا شهد عَدْلاَنِ، وهما من أَهْلِ الخِبْرَةِ بباطن حَالِ المَيِّتِ، أن هذا ابنه، لا نعرف له وَارِثاً سِوَاهُ، دُفِعَتْ إليه التَّرِكَةُ.
وإن شهدا لصاحب فَرْضٍ دُفِعَ إليه فَرْضُهُ، ولا يُطَالَبانِ بضَمِينن؛ فإنَّ طَلَبَ الضَّمِينِ مع قِيَامِ البَيِّنَةِ كالطَّعْنِ في الشُّهُودِ.
وحكى الفوراني: أنه لاَ بُدَّ من ثَلاَثةِ شُهُودٍ هاهنا، كما ذكره في شَهَادَةِ الإِفْلاَسِ.
والمشهور الأَوَّلُ.
وإذا لم يكن الشهود من أَهْلِ الخِبْرَةِ، أو كانوا من أَهْلِ الخِبْرَةِ، ولم يقولوا: لا نَعْلَمُ وَارِثاً سِوَاهُ، فالمَشْهُودُ له؛ إما أن يكون له سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، أوَ لا يَكُون.
فإن لم يكن له سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، فلا يُعْطَى في الحال، بل يَتَفَحَّصُ القَاضِي عن حَالِ المَيِّتِ في البِلاَدِ التي سَكَنَهَا، أو طَرَقَهَا؛ فيكتب إليها للاسْتِكْشَافِ، أو يأمر من يُنَادِي فيها: أَلا إن فلاناً قد مَاتَ، فإن كان له وَارِثٌ، فَلْيَأْتِ القَاضِي، أو ليبعث إليه.
فإذا تفحص [في مدة] 3 يغلب على الظَّنِّ في مِثْلِهَا، أنه لو كان له وَارِثٌ هناك، لظهر، ولم يظهر، فحينئذ يُدْفَعُ المَالُ إليه.
ويكون البَحْثُ والتَّفَحُّصُ قائماً 4. مقام خِبْرَةِ الشهود.
وفي "أَمَالي" أبي الفرج حِكَايَةُ قول: أنه لا يُدْفَعُ المَالُ إليه بعد التَّفَحُّصِ أيضاً، ويُشْتَرَطُ قِيَامُ البَيِّنَةِ على النَّسَقِ الذي سبق.
وفيه وجه: أنه يُفَرَّق بين أن يكون المَشْهُودُ له مِمَّنْ يَحْجُبُهُ غيره؛ كالأخِ، فلا يُدْفَعُ إليه المَالُ بعد التَّفَحُّصِ، وبين أن يكون مِمَّنْ لا يَحْجُبُهُ غيره؛ كالابن.
فَيُدْفَعُ.
والظاهر عند الأكثرين الأَوَّلُ.
وإذا دُفِعَ المَالُ إليه.
فهل يُؤْخَذُ منه ضَمِينٌ؟ ظاهر لفظه -رضي الله عنه- في "المختصر"، أنه يُؤْخَذُ، ولاَ بُدَّ منه.
وقال -رضي الله عنه- في "الأم": وأُحِبُّ أن يُؤْخَذَ منه ضَمِينٌ، فاختلف الأَصْحَابُ على طريقين:
أشهرهما: أن المَسْأَلَةَ على قولين:
أحدهما: أنه لاَ بُدَّ من أَخْذِ الضَّمِينِ، احْتيَاطاً واسْتِكْشَافاً.
وأظهرهما: أنه لا حَاجَةَ إليه، اكْتِفَاء بأن الظَّاهِرَ أنه لا وَارِثَ سواه.
نعم، هو مُسْتحب.
والثاني: نَفْيُ الخِلاَفِ، واختلف هَؤُلاَءِ؛ فقطع قَاطِعُونَ بِنَفْي الوجوب، وحملوا ما في "المختصر" على الاسْتِحْبَاب، وحملهما آخرون على مَحْمَلَيْنِ؛ فمنهم من قال: حيث ذكر: أنه لاَ بُدَّ منه.
أَرَادَ الأَخ، ومن يجوز 1 أن يحجب وحيث ذكر الاسْتِحْبَاب أراد الابن ومن لا يُحْجَبُ.
ومنهم من حَمَلَ الأَوَّلَ على ما إذا لم يكن [ثِقَةً] 2 مُوسِراً.
والثاني: على [الثِّقَةِ] 3 المُوسِرِ، وإن كان ممن لهم سَهْمٌ مُقَدَّرٌ فإن كان ممن لا يُحْجَبُ دُفِعَ إليه أَقَلُّ فَرْضِهِ، عَائِلاً قبل البَحْثِ والتَّفَحُّصِ.
فإنه مستيقن، فالزَّوْجَةُ يُدْفَعَ إليها رُبُعُ الثمن، عَائِلاً على تَقْدِيرِ أنه تَرَكَ أبوين، وبِنْتَيْنِ، وأربع زَوْجَات.
والزوج يُدْفَعُ إليه الرُّبُعُ، عَائلاً على تقدير أنها تَرَكَتْ أبوين، وبنتين، وزَوْجاً.
والأبوان يُعْطَيَانِ السُّدُسَ، عَائِلاً:
أما الأب، فعلى تقدير أن الوَرَثَةَ أبوان، وبنتان، وزوج، أو زوجة.
وأما الأم، فعلى تَقْدِيرِ أن الوَرَثَةَ أختان لأب وأختان لأم وزوج، أو زوجة.
بل لو حضر مع الزوجة ابن، دُفِعَ إليها رُبُعُ الثَّمَن، غير عائل؛ لأَنَّ المَسْألَةَ لا تَعُولُ إذا كان فيها ابن.
ثم إذا تَفَحَّصَ، ولم يَظْهَرْ غيره، أُعْطِيَ تَمَامَ حَقِّهِ.
وفيه وجه: [أنه لا يُعْطَى تَمَامَ حَقِّهِ] 4 إلا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ.
بخلاف الأَخ؛ فإنه لم يَأْخُذْ شيئاً.
فلو لم يُعْطَ بعد التَّفَحُّصِ، كان مَحْرُوماً بالكلية.
والصحيح، الأول.
ولا يؤخذ لِلْمُسْتَيْقِنِ ضَمِينٌ، وفي أَخْذِهِ للزيادة الخِلاَفُ.
وإن كان ممن يُحْجَبُ، لم يدْفَعْ إليه قَبْلَ التفحص شَيْءٌ، وبعد التفحص يُدْفَعُ.
وفيه الوجه 5 المذكور فيمن ليس له سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، وهو ممن يَحْجُبُهُ غيره.
ولو قَطَعَ الشهود بأنه لا وَارِثَ سِوَاهُ، فقد أخطئوا بالقطع في غير مَوْضِعِ القَطْعِ، ولا تبطل به شَهَادَتُهُمْ.
ولو قال الشُّهُودُ: هذا ابنه، ولم يذكروا كَوْنَهُ وَارِثاً، فقد أَطْلَقَ في "التهذيب": أنه لا يُحْكَمُ بشهادتهم، حتى يذكروا: أنه وَارِثٌ؛ لأنه قد يكون ابْناً، ولا يكون وَارِثاً.
والعراقيون جَعَلُوا هذه الصُّورة كما لو لم يَكُنِ الشهود من أَهْلِ الخِبْرَةِ البَاطِنَةِ، أو كانوا من أَهْلِ الخِبْرَةِ، ولم يذكروا: أنه لا وَارِثَ سِوَاهُ.
وقالوا: يُنْتَزَعُ المَالُ من يده بهذه الشَّهَادَاتِ، ويُدْفَعُ المَالُ إليه بعد التّفَحُّصِ المذكور.
ونقلوا عن ابن سُرَيْجٍ فيما إذا شَهِدُوا أنه أَخُوهُ.
ولم يَتَعَرَّضُوا لِلْوَرَثَةِ: أنه لا يُصْرَفُ إليه شَيْءٌ بعد التَّفحُّصِ؛ لأن الابن لا يحجبه غيره، فَقَرَابَتُهُ مورثه.
والأخ يَحْجُبُهُ غيره، فَقَرَابَتُهُ غير مَوْرُوثَةٍ على تَجُّرُدِهَا وأجاب (1) الإِمام في الابن بما ذَكَرَهُ العراقيون.
وحكى في الأَخِ وجهين فَحَصَلَ فيهما وجهان.
فرع
: قال القاضي الروياني: القِيَاسُ، أنه لا يَصِحُّ الضَّمَانُ ما لم يدفع المال، وهكذا هو في ضَمَانِ العُهْدَةِ.
فرع:
لو قال الشُّهُودُ: لا نعرف له في البلد وَارِثاً سِوَاهُ، لم يُدْفَعْ إليه شَيْءٌ، خِلاَفاً لأبي
حَييفَةَ، وأحمد فيما رَوَاهُ ابن الصَّبَّاغِ -رحمهم الله [وإيانا] 2 -.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابعُ فِي العِتْقِ وَالوَصِيَّةِ وَفِيهِ ثَلاَثُ مَسَائِلَ: الأُولَى إِذَا ثَبَتَ عِتْقُ عَبْدَيْنِ بَيِّنَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِ المَرِيضِ المُعْتَقِ عُتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ إِذِ الغَالِبُ أنَّهُمَا مُتَعَاقِبَانِ فَيُعْتَقُ السَّابِقُ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآخَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا أَشْكَلَ السَّابِقُ فَهُوَ كَمَا لَوِ اجْتَمَعَا عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ كَمَا فِي الجُمْعَتَيْنِ وَالنِّكَاحَيْنِ، فَإِنْ جُعِلَ كَالإِجْتِمَاعِ فَيُقْرَعُ لَكِنْ لَوْ كَانَ أَحَدُ العَبْدَيْنِ سُدُسَ المَالِ وَخَرَجَتْ لَهُ القُرْعَةُ عُتِقَ وعُتِقَ مِنَ الآخَرِ نِصْفُهُ لِتكْمِلَةِ الثُّلُثِ، وَإِنْ رَأَيْنَا القِسْمَةَ فَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَاهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يُعْتَقُ مِنَ النَّفِيسِ ثَلاَثةُ أَرْبَاعِهِ وَمِنَ الخَسِيسِ نِصْفُهُ لِأنَّ نِصْفَ النَّفِيسِ حُرٌّ بِكُلِّ حَالٍ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَإِنَّمَا الزَّحْمَةُ في النِّصْفِ الثَّانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الأصول المُمَهّدةِ، أن المَرِيضَ مَرَضَ الموت، إذا أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ، كل واحد منهما ثُلُثُ مَالِهِ على الترتيب.
ولم يُجز الوَرَثَةُ يَنْحَصِرُ العِتْقُ في الأول، وإذا أعْتَقَهُمَا معاً يُقْرَعُ بينهما أيضاً، ولو عُرِفَ سبق أحدهما، ولم يُعْلَمْ عَيْنُ السابق، فقولان:1
أحدهما: أنه يُقْرَعُ كما لو أَعْتَقَهُمَا معاً، وهذا لأن مَعْرِفَةَ السَّبْقِ من غير أن يُعْرَفَ السَّابق، لا تَنْفَعُ شيئاً.
والثاني: أنه يُعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ؛ لأنا لو أقرعنا 1، لم نَأْمَنْ خروج الرِّقِّ على السابق، فللسابق حَقُّ الحُرِّيَّةِ، فيلزم منه إِرْقَاقُ حُرٍّ، وتَحْرِيرُ رَقِيقٍ، وأيضاً فلو أَوْصَى لهذا بثلث مَالِهِ، ولهذا بِثُلُثِهِ، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ، يُجْعَلُ بينهما نِصْفَيْنِ.
فكذلك هاهنا.
والقَوْلاَنِ على ما ذكر جماعة من الأَئِمَّةِ كالقولين في الجمعتين، والنكاحين مثل هذه الحالة، فإن قلنا بِبُطْلاَنِ الجمعتين 2، والنكاحين، أَقْرَعْنَا بينهما، كما لو وَقَعَا معاً.
وإن تَوَقَّفْنَا في النكاحين، وأَمَرْنَا الجميع بالظهر، أَعْتَقْنَا من كل واحد نِصْفَهُ.
ولو عُرِفَ من سبق إِعْتَاقُهُ بعينه، ثم اشْتَبَهَ -فطريقان:
أحدهما: طَرْدُ القولين.
والثاني: وهو الذي أَوْرَدَهُ أبو الفَرَج السَّرَخْسِيُّ، وغيره: أنه يُعْتَقُ من كل [واحد] 3 نصفه، وهو المُوَافِقُ لما هو الظَّاهِرُ في مِثْلِ هذه الحالة من الجمعتين، والنِّكَاحَيْنِ.
ولو علَّقَ عَبْدَيْن بالموت، أو أَوْصَى بِعِتْقِهَا، ومات، وكل واحد [ثُلُثُ] 4 مَالِهِ، فَيُقْرَعُ، سَوَاءً وَقَعَ التَّعْلِيقَانِ، أو الوَصِيَّتَانِ معاً، أو فرض بينهما ترتب 5، إذا تَقَرَّرَ ذلك.
فلو قامت بَيِّنَةً على أن المَرِيضَ أَعْتَقَ سَالِماً، وأُخْرَى على أنه أَعْتَقَ غَانِماً، وكل وَاحِدٍ منهما ثلث ماله، فإن أرَّخَتَا بِتَارِيخَيْنِ مختلفين، عتق من أعتقه أولاً، وإن أُرَّخَتَا بِتَاريخٍ وَاحِدٍ، أُقْرِعَ بينهما.
وإن [أُطلِقَتا، أو] 6 وأُطْلِقتْ إحداهما، ففي "التهذيب": أنه يُقْرَعُ [بينهما] 7 أيضاً؛ لاحتمال التَّرْتِيبِ، والمَعيَّةِ.
وقال جماعة -منهم صاحب الكتاب والإمام -رحمهم الله-: احتمال التَّرْتِيبِ أَقْرَبُ، وأغلب 8 من احتمال المَعِيَّةِ.
والسابق منهما غير مَعْلُومٍ، وإذا كان كذلك، وتَعَارَضَتِ البينتان 9، وأطلقتا، عرفنا أن أحد المُعْتَقَيْنِ سَابِقٌ، ولم نعرفه بِعَيْنِهِ، فَيَجِيءُ فيه القولان في أنه يُقْرَعُ بينهما، أو يُعَتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ.
ثم في لفظ الكتاب شَيْئَانِ؛ أحدهما: أن نَظْمَهُ يُشْعِرُ بِتَرْجِيح قول القِسْمَةِ، وقد رَجَّحَهُ القاضي الروياني وغيره، وهو يُوَافِقُ قَوْلَ الذاهب في الجُمْعَتَيْنِ إذا علمت السَّابِقَةُ، ولم يَتَعَيَّنْ إلى أنهم يُصَلُّونَ الظُهْرَ جميعاً؛ لِصِحَّةِ الجمعة السابقة.
وقد بَيَّنَّا في الجُمُعَةِ مَيْلَ الأصحاب [إليه] 1 وقولهم: إنه القياس.
وَرَجَّحَ آخرون قول القُرْعَةِ، وهو يُوَافِقُ ما ذكرنا في النكاحين؛ أن ظَاِهرَ المَذْهَب والصورة مثل هذه؛ أن الحُكْمَ فيما إذا لم يُعْرَفِ السَّبْقُ، ولا المَعيَّةُ.
والثاني: سياق الكتاب يَقْتَضِي إِثْبَاتَ طريقتين:
إحداهما: القَطْعُ بالقِسْمَةِ.
والثانية: إِثْبَاتُ قولين:
أحدهما: القِسْمَةُ.
والثاني: القُرِعَةُ.
لكنه لم يَرِدْ ذلك، وإنما حكى قَوْلَ القسمة المَنْصُوصِ عليها، ثم بَيَّنَ أنهم كيف خَرَّجُوهُ، وذكر المأخذ 2 الذي ينزل عليه هذا القول مع قول القُرْعَةِ.
ويعرف ذلك عند التَّأَمُّلِ في لفظ "الوسيط".
وفرع على القولين ما لو قَامَتِ البيِّنَتَانِ كذلك، لكن أحد العَبْدَيْنِ سدس المال، فإن قلنا بالقُرْعَةِ، فإن خرَجَتِ القُرْعَةُ للعبد الخسيس عتق، وعتق نصف الآخر؛ ليكمل الثلث.
وإن خرجت لِلنَّفِيسِ، انحصر العِتْقُ فيه.
وإن قلنا هناك: يعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ، فهاهنا وجهان:
الذي أَوْرَدَهُ أكثرهم: أنه يُعْتَقُ من كل واحد ثُلثَاهُ؛ لأن مَا زَادَ على الثلث من التَّبَرُّعِ يُنْسَبُ إلى جميع التَّبَرُّعِ، وينقص بتلك النسبة 3 من كل واحد منهم.
وإذا نَسَبْنَا الزَّائِدَ على الثلث؛ وهو السُّدُسُ هاهنا إلى جميع التَّبَرُّع؛ وهو النِّصْف، كان ثلثه.
فَيُردُّ العِتْقُ في ثلث كل واحد منهما، ويُنَفَّذُ [في ثلثيه] 4، وصار كما لو أَوْصَى لواحد بِثُلُثِ مَالِهِ، ولآخر بسدسه [يكون] 5 لكل واحد منهما ثُلُثَا ما أوصى له.
والثاني، ويحْكَى عن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يُعْتَق من النَّفِيسِ ثلاثة أرباعه، ومن الخَسِيسِ نِصْفُهُ؛ لأنه إن سَبَقَ إِعْتَاقُ النَّفِيسِ، فجميعه حر، وإن سَبَق إِعْتَاقُ الآخر، فنصفه حُرٌّ.
فَأَحَد نصفيه على التَّقْدِيرَيْنِ حر.
وإنما الزَّحْمَةُ في النصف الثاني، وهو قَدْرُ سدس
المال، فَيُقَسَّمُ بينهما، فَيُعْتَقُ من النفيس رُبُعُهُ، ومن الخَسِيسِ نِصْفُهُ.
ولو قامت البَيِّنَتَانِ على تَعْلِيقِ عِتْقِ عبدين بالمَوْتِ، أو الوصية بِعِتْقِهِمَا، وكل وإحد منهما ثلث المال، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ، فَيُقْرَعُ بينهما، سَوَاءٌ أُرِّخَتِ البَيِّنَتَانِ، أو أُطْلِقَتَا؛ لأن العِتْقَيْنِ المُعَلَّقَينِ بالموت كالواقعين [معاً] 1 في المَرَضِ.
هذا هو الظاهر، وفيه خلاف نذكره على الأثَرِ.
واعلم أن المُزَنِيَّ روى في "المختصر": أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: ولو شَهِدَ أجْنَبيَّانِ بأن فُلاَناً المُتَوَفَّى أَعْتَقَهُ، وهو الثلث في وَصِيَّتِهِ، وشهد وَارِثَانِ لعبد غيره، بأنه أَعْتَقَهُ وهو الثلث في وَصِيَّتِهِ، فَسَوَاءٌ، ويُعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ.
ثم قال المُزَنِيُّ: قِيَاسُ قوله: أن يُقْرَعَ بينهما.
وأطال الأصحاب نَفَسَهُمْ في شَرْحِ المَسْأَلَةِ، ونحن نُورِدُ منه ما يتهذب 2 به المَقْصُودُ:
أما الفرض، فيما إذا كان شَاهِدَا أَحَدِ العَبْدَيْنِ أَجْنَبِيَّيْنِ، وشاهدا الآخر وارثين، فسيأتي في الفَصْلِ التالي لهذا الفصل بَيَانُ ما يفترق 3 فيه شَهَادَةَ الأَجَانِبَ والوَرَثَةِ، وما لا يفترق 4. ثم تَحَزَّبَ الأَصْحَابُ فيما هو المُرَادُ من صورة المسألة.
فقال حِزْبٌ منهم: المراد العِتْقُ [في المرض] 5 المنجز: لأنه قال: أَعْتَقَهُ.
وقوله: "في وَصِيَّتِهِ"؛ أي: في مَرَضِهِ الذي هو وَقْتُ الوصية، وأثبت هؤلاء قوْلَيْنِ -ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه-، وما خَرَّجَهُ المزني، وهذا ما اختاره 6 أَصْحَابُنَا العِرَاقيُّونَ.
وقال الحِزْبُ الثَّاني -ومِنهُمْ أبو إسْحَاقَ: المُرَادُ، العِتْقُ المُضَافُ إلى ما بعد الموتِ لقوله 7: أَعْتَقَ في وَصِيَّتِهِ؛ أي أمضى 8 بِعِتْقِهِ، ثم اخْتَلَفُوا؛ فقال قائلون: الجَوَابُ، ما قاله المُزَنِيُّ، وحُكِيَ عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم"، ثم مِنْ هؤلاء مَنْ يُحَاوِلُ تَأْوِيلَ المنقول [عن الشَّافِعِيِّ] 9 -رضي الله عنه-.
ومنهم من يقول: إنه غَلِطَ من ناقل.
وذهب بعضهم إلى إِثْبَاتِ القَوْلَيْنِ مع
التَّصْوير في الوَصِيَّةِ بالعتق، وأشَارَ القاضي ابْنُ كَجٍّ إلى طريقة أُخْرَى قَاطِعَةٍ بالقِسْمَةِ تشبهاً 1 بالوَصِيَّةِ لشخصين.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: شَهِدَ أجْنَبِيَّانِ أنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمَاً وَهُوَ ثُلُثٌ وشَهِدَ وَارِثَانِ بِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَأعْتَقَ سَالِمَاَ وَهُوَ ثُلُثٌ رُقَّ غَانِمٌ وَعُتِقَ سَالِمٌ إِذْ لاَ تُهْمَة عَلَى الوَارِث لِمَا ذُكرَ لِلرُّجُعِ بَدَلاً، فَإِنْ كَانَ سَالِمٌ سُدُسَ المَالِ صَارَ مُتَّهَمَاً فَيُعْتَقُ غَانِمٌ بِالشَّهَادَةِ ويُعْتَقُ سَالِمٌ بِالإِقْرَارِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُقْرَعُ أَيْضاً وَيْلْغُو شَهَادَةُ الرُّجُوعِ وَتَبْقَى شَهَادَةُ العتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لاَ فَرْقَ في شُهُودِ العِتْقِ والوصية بين أن يَكُونُوا أَجَانِبَ، أو وَارِثِينَ؛ إلا أن الوَارِثَ قد يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ نَفْعاً إلى نَفْسِهِ فلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وإلا أن شَهَادَةَ الوَارِثِ قد تَتَضَمَّنُ إِقْرَاراً للمشهود به، فيؤاخذ بها فلو 2 شَهِدَ أَجْنَبيَّانِ، أنه أَوْصَى بعِتْقِ غَانِمٍ، وهو ثُلُثُ مَالِهِ، وشهد وَارِثَانِ، أنه رَجَعَ عن تلك الوَصِيَّةِ، وأوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وهو ثلَث مَالِهِ أيضاً، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا على الرُّجُوعِ عن الوصية الأُولَى، وتثبت 3 بها الوَصِيَّة الثانية؛ لأنهما أَثْبَتَا للرجوع 4 عنه بَدَلاً يُسَاوِيهِ فارتفعت التُّهْمَةُ، ولا نَظَرَ إلى تَبْدِيلِ الوَلاَءِ.
وقد يكون الثاني أَهْدَى إلى الكَسْبِ وجَمْعِ المال [، فإنه] 5 قد لا يُتَّفقُ أَخْذُ شيء بالوَلاَءِ، ومُجَرَّدُ هذا الاحتمال لو أَوْجَبَ رَدّ الشهادة، لما قُبِلَتْ شَهَادَةُ قَرِيبٍ لِقَرِيبٍ يَرِثُهُ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ ومَالِكٍ: أنه لا تُقْبَلُ شهادتهما على الرُّجُوعِ، ويُعْتَقُ العَبْدَانِ معاً.
هذا إذا كان الوَارِثَانِ عَدْلَيْن.
فإن كانا فَاسِقَيْنِ، لم يثبت الرُّجُوعُ بقولهما، ويُحْكَمُ بعِتْقِ غَانِم بشهادة الأَجْنَبِيَّيْنِ؛ لأَن الثلث يَحْتَمِلُهُ، ويُعْتَقُ من سَالِمٍ قَدْر ما يحتمله ثُلُثُ الباقي من المَالِ بعد غَانِمٍ، وهو ثلثاه.
وكأنّ غَانِماً [هَلَكَ، أو] 6 غَصِبَ من التَّرِكَةِ، فإن قال الوَارِثَانِ: أوصى بِعِتْقِ سالم، ولمِ يَتَعرَّضَا لِلرُّجُوعِ عن وصية غَانِمٍ، فالحكم كما ذكرنا فيما إذا كَانَ رِجَالُ البيِّنَتَيْنِ كلهم أجَانِبَ، فالظاهر القُرْعَةُ، ويجيء فيه الخِلاَفُ المذكور في الفَصْلِ السابق.
ولو كانت المسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ولكن سَالِماً سُدُسُ المَالِ، فالوَارِثَانِ مُتَّهَمَانِ بِردَّ العِتْقِ من الثلث إلى السدس، فلا تُقْبَلُ شهادتهما على الرُّجُوعِ في النصف الذي لم يثبتا له بَدَلاً.
وفي الباقي الخِلاَفُ في تبعيض 7 الشهادة؛ فإن قلنا: إنها لا تُبعَّضُ، وبه أجاب
الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في هذه الصورة، فَتُرَدُّ شهادتهما فيه أيضاً، ويُعْتَقُ الأوَّلُ بشهادة الأجنبيين، ويُعْتَقُ الثاني بِإِقْرَارِ الوارثين؛ لأن شَهَادَتَهُمَا تَتَضَمَّنُ الإِقْرَارَ بأنه مُسْتَحِقُّ العِتْقِ.
فإن لم يَكُونا جائزين عتق منه قَدْرُ ما يَسْتَحِقَّانِهِ ومنهم من يَقُولُ: يُعْتَقُ من الثاني بِقَدْرِ ما يَحْتَمِلُهُ ثُلُثُ الباقي من المال.
وليس هذا خِلاَفاً في المعنى؛ فإن كل 1 الثاني وهو سُدُسُ المَالِ، يحتمله 2 ثلث الباقي بعد الأوَّلِ.
وإن قلنا: إنها تبُعَّضُ، فَيُعْتَقُ نِصْفُ الأول، وجميع الباقي؛ وهو قَدْرُ الثلث.
وفيه وجه آخر: أن الرُّجُوعَ المَشْهُودَ به لا يَتَبَعَّضُ.
فهذا لم يَثْبُتْ في البعض، لا يَثْبُتْ في الباقي، وتَبْقَى الشَّهَادَةُ على الوَصيَّةِ بِعتق الباقي 3، فَيُقْرَعُ بينهما على مَا مَرَّ.
وهذا الخلاف فيما إذا لم يكن في التَّرِكَةِ وَصيَّةٌ أخرى.
فإن كان قَدْ أوْصَى بثلث ماله لإِنْسَانٍ، وقامت البَيِّنَتَانِ لغَانِمٍ وسَالِم هكذا، تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَارِثِينَ على الرُّجُوع عن الوصية بِإِعْتَاقِ غَانِم؛ لأن للورثة 4 رَدَّ الزِيَادَةِ على الثلث، فَلَيْسَ في الشهادة على الرُّجُوع تُهمَةٌ عليهم.
وإذا ثبت الرجُوعُ بِشَهَادَتِهِمْ، جُعِلَ الثُّلُثُ أَثْلاَثاً بين الموصى له بالثلث، وبين عِتْقِ سَالِمٍ؛ فَيُعْطَى الموصى له ثُلُثَا الثلث، ويُعْتَقُ منه ثلثاه، وهو ثُلُثُ الثلث.
هكذا ذكروه.
لكن رَدَّ الزَّائِدِ على الثلث لا يُوجِبُ جَرَيَانَ بَعْضِ أرباب الوَصَايَا، بل يُوزَّع عليهم الثُّلُثُ.
وقبول الشهادة الرجوع يوجب إِرْقَاقَ غَانِمٍ وحِرْمَانَهُ عن التَّبَرُّعِ، وهو مَحَلُّ التُّهمَةِ؛ لِتَعَلُّق الأغْرَاضِ بأعيان العَبِيدِ والأمْوَالِ، بل قَبُولُ شهَادَةِ الرُّجُوع من الوَرَثَةِ، وإن أَثْبَتُوا بَدَلاً مُسَاوِياً لا يصفو عن الإِشْكَالِ؛ لأنه قد يَتَعَلَّقُ الغرض باستبقاء 5 غَانِمٍ، وإن كان سَالِماً مِثْلَهُ في القيمة.
وإن كان الوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ عتق غَانِمٌ بشهادة الأجْنَبيَّيْنِ، وعتق سَالِمٌ بِإِقْرَارِهِمَا؛ وهو دون ثلث الباقي من المال بعد غَانِمٍ، ولو كانت قِيمَةُ من شَهِدَ له [الأجنبيان سدس المال، وقِيمَةُ من شهد له] 6 الوَارِثَانِ ثلث المال، قُبِلَتْ شهادتهما على الرُّجوعِ.
وعتق الثاني.
فإن كانا فَاسِقَيْنِ عتق الأول، وعتق ثلث الباقي من المال بعد الأَوَّلِ؛ وهو خمسة أسداس الثاني 7 وكأنه غصب 8 الأَوَّل.
ولو شَهِدَ أَجْنَبيَّانِ أنه نَجَّزَ عِتْقَ غَانِمٍ في المَرَضِ، ووارثان أنه نَجَّزَ عِتْقَ سالمٍ، وكل واحد مهما ثُلُث المال فَيُنْظَرْ إن كذب الوَارِثَانِ الأجْنَبيَّيْنِ وقالا: لم يعتق غَانِماً، وإنما أَعْتَقَ سالماً، فَيُعْتَقُ العبْدَانِ جميعاً.
أما غَانِمٌ فَبِشَهَادَةِ الأجنبيين، وأما سالم فبشهادة 1 الوارثين أن العَتِيقَ سَالِمٌ دون غَانِمٍ.
فإن لم يكونا جائزين عتق منه حِصَّتُهُمَا، واستدرك بعض المتأخرين فقال: قياس ما سَبَقَ ألا يُعْتَقَ من سَالِمٍ إلا قَدْرُ ما يحتمله ثُلُثُ الباقي من المَالِ بعد غَانِمٍ 2، وكأن غَانِماً غُصِبَ من التركة.
وهذا جيد.
وإن لم يكذباهما، بل قالا: أَعْتَقَ سَالِماً، ولا ندري هل أَعْتَقَ غَانِماً أم لا؟ فإن كان الوَارِثَانِ عَدْلَيْنِ، فالحكم كما ذَكَرْنَا فيما إذا كان شُهُودُ العَبْدَيْنِ معاً أَجَانِبَ.
وإن كانا فَاسِقَيْن، فَيُعْتَقُ غَانِمٌ بشهادة الشهود، وأما سَالِمٌ، فقد ذكر الشيخ أبو حَامِدٍ، وتابعه كَثِيرٌ من الأَصحاب -رحمهم الله-: أنه يُعْتَقُ منه نِصْفُهُ إذا فَرَّعْنَا أنه يُعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ لو كانا عَدْلَيْنِ؛ لأن الوارثين معترفان في ضمن الشهادة باسْتِحْقَاقِهِ عتق النصف، فَلَزِمَهُمَا ما اعْتَرَفَا به.
وقال ابن الصَّبَّاغ: هذا سَهْوٌ؛ لأن غَانِماً أيضاً لا يَسْتَحِقُّ بقَوْلِ الوَارِثينَ إلا عِتْقَ النصف.
وقد حكمنا 3 بِعِتْقِ جميعه فنصفه كالمَغْصُوبِ، أو الهَالِكِ في حَقِّ الوَرَثَةِ، ونِصْفُهُ سدس التركة فينبغي أن يُعْتَقَ عَبْدٌ إلا سُدُسَ عَبْدٍ.
وقد أَعْتَقْنَا نِصْفَ عَبْدٍ، فيبقى ثلث عبد بلا مَزِيدٍ.
لكن العبدين سَوَاءٌ في اسْتِحْقَاقِ العتق، فلا يَجُوزُ أن يُعْتَقَ من أحدهما أَكْثَرُ مما يُعْتَقُ من الآخر.
ويَلْزَمُ من ذلك أن ينقص ما عتق من الأول عن النِّصْفِ، وأن يزيد ما يعتق من الثَّانِي على الثُّلُثِ.
وسنبين 4 ذلك بأن يُقَالَ: عتق من الأول شَيْءٌ، والباقي مَغْصُوبٌ.
وعُتِقَ من الثاني شَيْءٌ، والباقي لِلْوَرَثَةِ مع الثلث الكَامِلِ من التَّرِكَةِ.
فمعهم إذن ثُلُثَانِ سِوَى شَيْءٍ.
وذلك يَعْدِلُ ضِعْفَ ما عتق؛ وهو أربعة أَشْيَاءَ فيجبر.
ويقابل فثلثا التركة تَعْدِلُ خمسة أشياء، فالشَّيْءُ خمس ثلثي التَّرِكَةِ، وخمس الثلثين خُمُسَا الثلث، وكل عَبْدٍ ثلث، فَيُعْتَقُ من الأول خُمُسَاهُ، والباقي مَغْصُوبٌ، ومن الثاني خُمُسَاة، يبقى ثَلاثةُ أخماسه لِلْوَرَثَةِ مع الثلث الكَامِلِ، وهي ثمانية أَخْمَاسٍ، ضعف ما عتق.
ولو شهد أَجْنَبِيَّانِ لِغَانِمٍ وَوَارِثَانِ لِسَالِمٍ كما ذكرنا، إلا أن سَالِماً سدس المال، فإن كَذَّبَ الوَارِثَانِ الأجنبيين 1 عتِقا جميعاً، وإن لم يُكَذِّبَاهُمَا، فإن كانا عَدْلَيْنِ، وكما إذا كان شهود العَبْدَيْنِ أَجَانِبَ.
والأول ثُلُثُ المال والباقي سدسه، وقد مَرَّ حُكْمُهُ في الفصل السَّابِقِ.
وإن كانا فَاسِقَيْنِ، نقل صاحب "التهذيب": أن الأَوَّلَ حُرٌّ بشهادة الأَجْنَبيَّيْنِ، ويُقْرَعُ بينهما، فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ له، انْحَصَرَ العِتْقُ فيه.
وإن خَرَجَتْ للثاني، عُتِقَ الأول بالشَّهَادَةِ، وعُتِقَ من الثَّانِي ثُلُثُ ما بَقِيَ من المال؛ بإِقْرَارِ الوارثين.
قال في "التهذيب": وقياس هذا أن يُقْرَعَ أيضاً إذا كان كُلُّ واحد من العَبْدَيْن ثُلُثَ المال، وكان الوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ، وكان هذا جَوَابَاً على قول القُرْعَةِ، فيما إذا كان الشُّهُودُ كلهم أَجَانِبَ.
وما نَقلْنَا عن الشيخ أبي حَامِدٍ وغيره على قَوْلِ القِسْمَةِ -والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأنَّهُ أَوْصَى لِزَيْدٍ بالسُّدُسِ وَشَهِدَتْ أُخْرَى بِأنَّهُ أَوْصَى لِبكْرٍ بِالسُّدُسِ وَشَهِدَتْ أُخْرَى بِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِحْدَى الوَصِيَّتَيْنِ، فَعَلَى وَجْهٍ تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ بِالرُّجُوعِ المُبْهَمِ وَيُسْلَّمُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدُسٌ، وَعَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ لِتَعَيُّنِ المَشْهُودِ لَهُ وَالمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِمَا سُدُسٌ وَاحِدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شَهِدَ اثنان بأن فُلاَناً المَيِّتَ أوصى لِزَيْدٍ بالثُّلُثِ وآخران 2 بأنه أَوْصَى لِبَكْرٍ بالثلث، فلا يَخْفَى أنه يُجْعَلُ الثُّلُثُ بينهما بالسوية؛ فإن ذكر الآخران: أنه رَجَعَ عن الأَوَّلِ، وأَوْصَى لِبَكْرٍ بالثلث، سُلِّمَ له الثلث، ويَسْتَوي في الرجوع شَهَادَةُ الوَارِثِ، والأجنبي، إذا جَرَى ذِكْرُ البَدَلِ.
ولو شهد اثْنَانِ: أنه رَجَعَ عن وَصِيَّةِ بَكْرٍ أيضاً، وأَوْصَى بالثلث لِعَمْرِو سُلِّمَ الثُّلُثُ لعمرو ولو شهد اثنان أنه أوصى بالثلث لزيد أو اثنان أنه أَوْصَى به لِبَكْرٍ، ثم شَهِدَ اثنان أنه رَجَعَ عن إحدى الوَصِيَّتَيْنِ، فإن عينا الرُّجُوعَ عنها، ثَبَتَ الرُّجُوعُ وكان الثُّلُثُ كُلُّهُ للآخر.
وفي كتاب القَاضِي ابْنِ كَجٍّ: أن أبا الحُسَيْنِ قال: لا يكون للثَّانِي إلا السُّدُسُ؛ لأنه إذا أوْصَى بالثلث لهذا، وبالثلث لهذا، فَكَأَنَّهُ أوصى بالسُّدُسِ لكل واحد منهما.
وإنما يُسَلَّمُ الثلُثُ للآخر، إذا ثَبَتَ أن وَصِيَّتَهُ وَقَعَتْ بعد الرُّجُوع عن الوَصِيَّةِ الأخرى.
وإن لم يُعَيِّنْ شَاهِد الرجوع الوصية المَرْجُوع عنها، نصَّ في "المختصر" -رضي الله عنه-: أن الثُّلُثَ يكون بينهما.
ولِمَ ذلك؟
قال أكثر الأصحاب: لأنهما أَبْهَمَا الرُّجُوعَ، والإِبْهَام يمنع قَبُولَ الشهادة؛ كما لو شهدا: أنه أَوْصَى لأحد هذين، أو لفلان كذا على أَحَدِ هذين.
وإذا لم تُقْبَلْ شَهَادَةُ الرجوع والوَرَثَةُ لا تجيز أكْثَرَ من الثلث، يكون الثُّلُثُ بينهما.
وقال بعضهم، واخْتَارَهُ القَفَّالُ: هذه الشهادة مَقْبُولَةٌ؛ لتعيين الوارث المشهود له، وعين المشهود عليهما.
وإن وَقَعَ الإِبْهَامُ، فالوَصِيَّةُ تحتمل الرُّجُوعَ، والإِبْهَامَ، ويَنْقَسِمُ الرجوع 1 بينهما، ويُجْعَلُ كأنه رَدّ وصية كل واحد منهما إلى السُّدُسِ.
وتظهر فَائِدَةُ الخِلاَفِ فيما إذا شَهِدَتْ بَيَّنَةٌ: أنه أَوْصَى لِزَيْدٍ بالسدس، وأخرى أنه أَوْصَى لِبَكْرٍ بالسدس، وأُخْرَى أنه رَجَعَ عن إِحْدَى الوصيتين، وهي الصُّورَةُ المَذْكُورَةُ في الكتاب، فعلى ما ذَكَرَهُ أكثرهم، لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرُّجُوع المبهم.
ويُدْفَعُ إلى كُلِّ واحد منهما السدس.
وعلى ما اخْتَارَهُ القَفَّالُ، تُقْبَلُ، ويُجْعَل كأنه رَجَعَ عن نِصْفِ كل وصية.
فَيُدْفَعُ إلى وَاحِدٍ منهما [نِصْفُ] 2 سدس.
واعْلَمْ أنَّ هذه الكُتُبَ الثلاثة أدب القَضَاء، والشَّهَادَات، والدَّعَاوَى والبَيِّنَات، يَتَعَلَّقُ بعضها بِبَعْضٍ.
وقد يَتَّفِقُ ذلك 3 المداخلة في مَسَائلها.
وإذ يَسَّرَ الله -تعالى- الفَرَاغَ من شرح ما في الكتاب [من ثلاثتها] 4 فإنا نرى خَتْمَهَا بِبَابَيْنِ:
أحدها: في مسائل وَصُوَرِ تَدْخُلُ في هذه الكُتُب؛ منها ما هي كالشَّهَادَةِ عن الأصُولِ المذكورة [فيها] 5 ومنها ما هي مُسْتَخْرَجَةٌ عليها.
لكن التَّنْصِيصَ عليها يفيد الدُّرْبَةَ ويهذب الأُصُولَ.
والباب الثاني في دعوى 6 النَّسَب؛ وقد أَوْرَدَهُ في الكتاب، وله ارْتِبَاطٌ بهذه الكتب من حيث إنه نوع ادِّعَاء.
لكنه لا يحتاَج إلى البَيِّنَةِ 7 من حيث إن القَائِفَ شَبِيهٌ بالحاكم.
أمَّا البَابُ الأَوَّلُ: فيأتي بالمسائل مَنْثُورَةً؛ ونقول مُسْتَوْفِقِينَ بالله تَعَالى جَدُّهُ.
يوم الجمعة كَسَائِرِ الأيَّامِ في إِحْضَارِ من يُطْلَبُ إِحْضَارُهُ مَجْلِسَ الحكم.
نعم، إذا صَعَدَ الخطيب المِنْبَر، فلا يحضر أَحدٌ إلى الفَرَاغِ من الصَّلاةِ، واليهودي يحضر يوم
السَّبْتِ ويكسر عليه سبته.
شَهِدَ اثْنَانَ: أنه غَصَبَ كذا، أو سَرَقَهُ غُدْوَةً، وآخران: أنه سَرَقَهُ، أو غصبه عَشِيَّةً، فَتَتَعَارَضُ البَيِّنَتَانِ، ولا يُحْكَمُ بواحدة منهما، بِخِلاَفِ ما لو شَهِدَ شَاهِدٌ هكذا، وآخر هكذا، حيث يَحْلِفُ المُدَّعِي مع أحدهما، ويأخذ الغَرِيمُ؛ لأن الشَّاهِدَ ليس بِحُجَّةٍ حتى يفرض تَعَارُضٌ 1.
شَهِدَ شَاهِدٌ على إِتْلاَفِ ثَوْبٍ قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وآخر على إِتْلاَفِ ذلك الثوب بعينه، وقال: قِيمَتُهُ ثَمَنُ دِينَارٍ يثبت للأقَلُّ، وللمدعي أَن يَحْلِفَ مع الآخر.
ولو شَهِدَ اثْنَانِ على إِتْلاَفِ ثَوْب قِيمَتُهُ رُبُعٌ، وشَهِدَ آخران على أنه أَتْلَفَ ذلك الثَّوْبَ وقيمته ثمن يثبت الأَقَلُّ أيضاً؛ لأنه المُتَّفَقُ عليه.
وأما الزِّيَادَةُ، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ فيها.
وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حَييفَةَ: الأكْثَرُ عليهما.
ولو شَهِدَ اثْنَانِ على أن وَزْنَ الذهب الذي أَتْلَفَهُ دِينَارٌ، وآخَرَانِ على أن وَزْنَهُ نِصْفُ دِينَارٍ، يثبت الدِّينَارُ؛ لأن مع الشَّاهِدَيْنِ به زِيادَةَ عِلْمٍ، بخلاف الشَّهَادَةِ على القِيمَةِ، فإن مدركَهَا الاجْتِهَادُ، وقد يَقِفُ شَاهِدُ القليل على عَيْبٍ به.
ادَّعى عَبْداً في يَدِ رَجُلٍ، وأقام بَيِّنَةً: أنه وَلَدُ أَمَتِهِ، لم يُقْضَ له بهذه البَيِّنَةِ.
فربما وَلَدَتْهُ قبل أن مَلَكَهَا.
وإن قال: إنه وَلَدُ أَمَتِهِ، وَلَدَتْهُ في مِلْكِهِ، نص -رضي الله عنه-: أنه يُقْضَى له بهذه البَيِّنَةِ، لكنها شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ سَابِقٍ، وهو المِلْكُ يوم الوِلاَدَةِ.
وقد سبق أن البَيِّنَةَ على أنه مِلْكُهُ لا يُقْضَى بها في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ.
فَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلاً هاهنا أيضاً، وامْتَنِعَ سائر الأَصْحَاب عنه، وفَرَّقُوا بأن النَّمَاءَ تَابعٌ للأصل.
فإذا تَعَرَّضَتِ البَيِّنَةُ لِمِلْكِ الأَصْلِ، تبعه النَّمَاءُ في المِلْكِ.
ألا ترى أنه إذا قامت البَيِّنَةُ على مِلْكِ الشيء منذ سَنَةٍ يَأْخُذُهُ المُدَّعِي مع زِيَادَةٍ في البَينة 2؟ وهناك الشَّهَادَةُ على الأَصْلِ، فاعتبر التَّعَرُّضُ لِلْمِلْكِ في الحال، [لكن صورة الاسْتِشْهَادِ قامت الشَّهَادَةُ على مِلْكِ الأَصْلِ في الحال] 3، وأرخت الملك وليس قولهم: وَلَدَتْهُ في مِلْكِهِ، إِثْبَاتَ مِلْكِ الأَصْلِ في الحال.
ولو شَهِدُوا: أن هذه الشَّاةَ نَتَجَتْ في مِلْكِهِ، وهذه الثَّمَرَةُ حَصَلَتْ من شجرته، في مِلْكِهِ، فهو كقولهم: وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ في مِلْكِهِ، ولا تكْفِي أن يَقُولُوا: هذه نِتَاجُ شَاتِهِ، وثَمَرَةُ
شَجَرَتِهِ.
ولو شَهِدُوا: أن هذا الغَزْلَ من قُطْنِهِ، والفَرْخَ من بَيْضِهِ، أو الدَّقِيقَ من حِنْطَتِهِ، أو الخُبْزَ من دَقِيقِهِ، كفى؛ لأن ذلك عَيْنُ مِلْكِهِ.
تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، بخلاف وَلَدِ الجَارِيةِ، وثَمَرَةِ الشجرة.
أقام بَيِّنَةً على رِقِّ شخص، وأقام المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً على أنه حُرُّ الأَصْلِ فَبَيِّنَةُ المُدَّعِي أَوْلَى؛ لأن معها زِيادَةَ عِلْمٍ؛ وهي إِثْبَاتُ الرِّقِّ 1.
ادَّعَى دَيْناً على إِنْسَانٍ، وشَهِدَ شَاهِدَانِ، لكن ذكر أحدهما موصولاً بشهادته: أنه قَضَاهُ، أو أن المُسْتَحِقَّ أَبْرَأَهُ، فشهادته باطلة لِلتَّضَادِّ.
وإن ذِكْرَهُ مَفْصُولاً عن الشهادة.
فإن كان بَعْدَ الحُكْمِ، لم يُؤَثِّرْ للمدعى عليه أن يَحْلِفَ معه على القَضَاءِ، أو الإبْرَاءِ.
وإن كان قبل الحكم سُئِلَ: متى قَضَاهُ؟ فإن قال: قبل أن شَهِدت، فكذلك الجَوَابُ عند صاحب "التلخيص".
وذكر فيما إذا شَهِدَ على إِقْرَارِهِ بالدَّيْنِ شَاهِدَانِ، ثم عاد أَحَدُهُمَا، وقال: إنه قَضَاهُ، أو أَبْرَأَهُ المستحق، بعد أن شهدت: أن شَهَادَتَهُ لا تَبْطُلُ.
بل يُقْضَى بالدَّيْنِ، ويُؤْخَذُ، إلا أن يَحْلِفَ المدعى عليه مع شَاهِدِ القَضَاءِ، والإِبراء.
والفَرْقُ: أن هناك شَهِدَ على نفس الحَقِّ، والقَضَاءِ، والإِبْرَاءِ، يُنَافِيَانِهِ، فَبَطَلَتِ الشَّهَادَةُ.
وهاهنا شهد على الإِقْرَارِ، والقَضَاءِ، والإِبْرَاءِ، لا يُنَافِيَانِهِ، فلا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ.
وعن أبي زيد وَجهٌ: أن شَهَادَتَهُ على نفس الحَقِّ، لا تبطل أيضاً.
والظاهر، الفرقُ وَيَقْرُبُ من هذا الخِلاَفِ فيما إذا ادعى أَلْفاً، وشَهِدَ له شَاهِدَانِ بألف مُؤَجَّلٍ، ولكن قال أحدهما قُضَيَ منه خمسمائة.
ففي وَجْهٍ: لا تَصِحُّ شهادتهما إلا في خمسمائة، نعم لِلْمُدَّعِي أن يَحْلِفَ للخمسمائة الأخرى مع الشَّاهِدِ الآخر.
وفي وجه: تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا على الأَلْفِ، وللمدعى عليه أن يَحْلِفَ مع شاهد القَضَاءِ.
وذكر الفوراني وَجْهاً آخر: أنه لا يثبت بشهادتهما شَيْءٌ؛ لأنهما لم يَتَّفِقَا على ما ادَّعَاهُ.
ويقرب من الخِلاَفِ قولان لابن سُرَيْجٍ، فيما إذا شَهِدَ اثْنَانِ: أن فلاناً وَكَّلَ فُلاَناً، ثم عَادَ أحدهما، وقال: إنه عَزَلَهُ بعد أن شَهِدت 1.
ففي قول: تَبْطُلُ شهادته.
وفي قول: قد تَمَّتْ شَهَادَةُ الوِكَالَةِ، فَيُعْمَلُ بها، والعَزْلُ لا يثبت بواحد.
ادَّعَى شريكان فَصَاعِداً حَقّاً على إنسان، فَأَنْكَرَهُ، يحلف لكل 2 واحد يَمِيناً، فإن رَضِيَ الكُلُّ بيمين وَاحِدَةٍ، فوجهان:
في أحدهما: يجوز؛ لأن الحَقَّ لهم.
وفي الثاني: لا يجوز [كما لا يجوز] 3 الحكم بشاهد وَاحِدٍ، كان رضي الخَصْمُ 4. شهد اثْنَانِ على أن المَيِّتَ أَوْصَى بعِتْقِ غَانِمٍ، وهو ثُلُثُ مَالِهِ، فحكم الحاكم بِعِتْقِهِ، ثم رَجَعَا عن الشَّهَادَةِ، وشَهِدَ آخَرَانِ: أَنه أوصى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وهو ثلث [ماله] 5
أيضاً، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ إلا الثُّلُثُ.
حُكِيَ في "التهذيب": أنه يُقْرَعُ بينهما؛ فان خَرَجَتْ للأول، رُقَّ الثَّانِي، والراجعان يُغرَّمَانِ قِيمَةَ الأَوَّلِ لِلْوَرَثَة؛ لإقرارهما بأنهما أتْلَفَاهُ عليهم.
وإن خرجت للثاني، عُتِقَ، وَرُقَّ الأَوَّلُ، ولا غُرْمَ على الرَّاجعين؛ لأنهما لم يتلقياهُ 1، إذ أرفقناه.
قال: وعندي يُعْتَقَ الثَّانِي بلا قُرْعَةٍ وعلى الراجعين قِيمَةُ الأَوَّلِ لِلْوَرَثَةِ؛ لأنا لو أَقْرَعْنَا فخرجت القُرْعَةُ للأول، وأرفقنا 2 الثاني، لم يذهب من التَّرِكَةِ شَيْءٌ في الوصية.
شهد أَحَدُ الشاهدين: أنه وَكَّلَهُ بكذا، والآخر أنه 3 فَوَّضَهُ إليه، أو سَلَّطَهُ عليه، تَثْبُتُ الوِكَالَةُ.
ولو شهد أحدهما: أنه قال: وَكَّلْتُكَ بكذا، والآخر أنه أقر بوكالته لم يثبت.
ولو شهد أحدهما: أنه وَكَّلَهُ بالبيع والآخر أنه وَكَّلَهُ بالبيع، وقَبْض الثَّمَن، يثبت البَيْعُ.
ادَّعى رَجُلٌ على رَجُلٍ: أنه اشْتَرَى منه هذا العَبْدَ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ، وأَعْتَقَهُ، وأقام عليه بَيِّنَةً.
وادعى آخَرُ: أنه اشْتَرَاهُ، ونَقَدَ الثَّمَنَ، وأقام عليه بينة؛ فهما مُتَعَارِضَتَانِ.
وذِكْرُ العِتْقِ لا يقتضي تَرْجِيحاً.
وفيه وجه [آخر] 4: لأن العِتْقَ كالقَبْضِ.
وعن نَصِّهِ في "الأم": أنه لو ادَّعى دَابَّةً في يَدِ غيره، وأقام بَيِّنَةً أنها له منذ عَشْرِ سنين، فنظر الحَاكِمُ في سِنِّ الدَّابَةِ، فإذا لها ثَلاَثُ سنين، لم تُقْبَلْ هذه البَيِّنَةُ؛ للعلم بأنها كاذبة 5.
وإن المسنّاة الحَائِلَةَ بين نَهْرِ شَخْصٍ، وأرض آخر في يَدِهِمَا كالجِدَارِ الحَائِلِ؛ لأن الأَوَّلَ يجمع بها المَاءَ في نَهْرِهِ، والثاني يمنع بها المَاءَ عن أَرْضِهِ.
ادَّعَى مِائَةً دِرْهَمٍ على إِنْسَانٍ فقال: قضيت خمسين [لم يكن مُقِرّاً بالمائة.
وكذا لو قال: قَضَيْتُ منها خمسين] 6؛ لجواز 7 أن يَزِيدَ من المائة التي يَدَّعِيَها، وليس على غَيْرِ الخمسين.
اختلف الزَّوجَانِ في مَتَاعِ البيت، إن كان لأحدهما بَيِّنَةٌ قُضِيَ بها، وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فما اخْتَصَّ أحدهما باليدَ عليه حسّاً 8، أو حُكْماً؛ بأن كان في مِلْكِهِ، فالقول قَوْلُهُ، مع يَمِينِهِ.
وما كان في يَدِهِما حِسّاً، أو كان في البَيْتِ الذي يَسْكُنَانِهِ، فَلِكُلِّ واحد منهما تَحْلِيفُ الآخَرِ فيه، فإن حَلَفَا، جُعِلَ بينهما.
وإن حَلَفَ أحدهما دون الآخَرِ،
قُضِيَ لِلْحَالِفِ، ولا فَرْقَ بين أن يَكُونَ الاخْتِلاَفُ في دَوَامِ الزَّوْجِيَّةِ، أو بعد الفِرَاقِ، ولا بَيْنَ أن يختلفا هما، أو ورثتهما، أو أحدهما، وَوَرَثَةُ الآخر، ولا بين ما يصلح للزوج كالسَّيْفِ، والمِنْطَقَةِ، أو للزوجة كالحُلِيِّ، والغَزْلِ، أو لهما.
وساعدنا أبو حَنِيْفَةَ فيما في يدهما [حِسّاً] 1، وقال في في يدهما حُكْماً: إِن ما يصلح للرَّجُلِ، يُجْعَلُ في يَدِ الرجل، وما يَصْلُحُ للمرأة، يُجْعَلُ في يَدِ المرأة، وما يصلح لهما، فَيُرْوَى أنه يُجْعَلُ في يدهما، ويُرْوَى أنه يُجْعَلُ في يَدِ الزَّوْجِ.
هذا في حال بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، وبعد الفِرَاقِ يُجْعَل للزوج، وإذا مات أَحَدُهُمَا يُجْعَلُ لِلْحَيِّ.
مَالِكُ الدار وسَاكِنُهَا بالإجارة اخْتَلَفا في مَتَاع الدَّارِ، القول فيه قول السَّاكِنِ، فإن تَنَازَعَا في رفّ فيها، نُظِرَ؛ إن كان مُسَمَّراً، مُثبتاً 2. فالقول، قَوْلُ المالك؛ لأنه من أَجْزَاءِ الدَّارِ، وإن لم يكن مثبتاً، نصَّ -رضي الله عنه- أنه يُجْعَلُ بينهما، بخلاف الأَمْتِعَةِ؛ لأن مَالِكَ الدار إذا أَكْرأ الدَّار، تُنْقَلُ الأمتعة ظَاهِراً، والرَّفُّ تَارَةً يُنْقَلُ، وتَارَةً يُتْرَكُ، وكلٌّ محتمل 3.
تَنَازَعَا أرْضاً، ولأحدهما فيها زَرْعٌ، أو بِنَاءٌ، أو غِرَاسٌ، فهي في يَدِهِ، أو دَابَّةً، أو جَارَيةً حَامِلاً، والحَمْلُ لأحدهما بالاتِّفَاقِ، فهي في يَدِهِ، أو داراً ولأحدهما فيها مَتَاعٌ، فهي في يَدِهِ.
فإن لم يكن المَتَاعُ إلا في بَيْتٍ، لم يُجْعَلْ في يَدِهِ، إلا ذلك البَيْتُ.
هكذا ذكروه.
ولو تَنَازَعَا عَبْداً، ولأحدهما عليه ثِيَابٌ، لا يُجْعَلُ صَاحِبَ يد في العَبْدِ؛ لأن مَنْفَعَةَ الثَّوْبِ المَلْبُوسِ تَعُودُ إلى العَبْدِ، لا إلى المُدَّعِي.
مدعيان، قال أحدهما: اسْتَأْجَرْتُ هذه الدَّارَ من زيد سَنَةً في أول رَمَضَانَ، وقال الثَّانِي: اسْتَأجَرْتُهَا منه سَنَةً من 4 أول شوال، وأقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً.
قال في "الإبانة": فيه قولان: أظهرهما -وهو المذكور في "التهذيب"، وغيره: أن بَيِّنَةَ رمضان أَوْلَى؛ لأنها أَسْبَقُ تاريخاً.
والثاني: بَيِّنَةُ شوال أَوْلَى؛ لأنها نَاسِخَةٌ للأول.
ويُحْتَملُ أنهما تَقَابَلاَ، واسْتَأْجَرَ الثاني في شوال، وليجيء هذا في بينتي 5 البَيْعِ على ضعفه.
قامت بَيِّنَةٌ على أن هذا ابْنُهُ، لا يعرف له وَارِثاً سواه، وبَيِّنَةُ الآخر على أن هذا ابْنُهُ، لا يعرف له وَارِثاً سواه، يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا؛ فلعل كل واحدة اطَّلَعَتْ على ما لا تَطَّلِعُ عليه الأُخْرَى.
وفيما جمِعَ في فَتَاوَى القَفَّالِ، وغيره: أن الضَّيْعَةَ إذا كانت مَعْلُومَةً بثلاثة حُدُودٍ، جاز الاقْتِصَارُ على ذكرها، وهذا خِلاَفُ ما نَقَلْنَاهُ في "باب القَضَاءِ على الغائب" عن إطلاق ابْنِ القَاصِّ.
[قال]: لكن لو ذكر الشُّهُودُ الحُدُودَ الأَرْبَعَةَ، وأَخْطَئُوا في واحد، لا تَصِحُّ شهادتهم.
وترك الذِّكْرِ، خير من الخَطَإِ؛ لأنهم إذا أخطئوا لم تكن بتلك 1 الحدود ضَيْعَةٌ في يد المدعى عليه.
وإذا غَلِطَ المدعي، فقال المُدَّعَى عليه: لا يلزمني تَسْلِيمُ دار بهذه الصِّفَةِ، كان صَادِقاً، ولو حلف كان بَارّاً، كان لم يُنْكِرْ، وقال [لا] 2 أمنعه الدار التي يَدَّعِيَها، سَقَطَ دَعْوَى المدعي، وإن ذَهَبَ إلى الدَّارِ التي في يده ليدخلها، فله أن يَمْنَعَهُ، ويقول: [هي] 3 غير ما ادَّعيت.
فأما عند الإِصَابَةِ في الحُدُودِ، إذا قال: لا أَمْنَعُكَ منها، لم يكن له المَنْعُ إذا ذهب لِيَدْخُلَهَا.
فإن قال: ظَنَنْتُ أنه غَلِطَ في الحدود، لم يُقْبَلْ.
وإن قال: إنما قلت: لا أَمْنَعُكَ؛ لأن الدَّار لم تكن في يَدِي يومئذ، ثم صَارَتْ في يدي، وملكي، قُبِلَتْ منه، وكان له المَنْعُ إذا حَلَفَ عليه.
وفيه أن دعوى العبد على سَيِّدِهِ: أنه أَذِنَ له في التِّجَارَةِ، لا تُسْمَعُ إن لم يَشْتَرِ، ولم يَبعْ شيئاً.
وإن اشترى ثَوْباً، وجاء البائع يَطْلُبُ الثَّمَنَ من كَسْبِهِ، فأنكر السَّيِّدُ الآذِنُ، فللبائع أن يُحَلِّفَهُ على نَفْي الإِذْنِ، فإن حلف، فَلِلْعَبْدِ أن يُحَلِّفَهُ مَرَّةً أخرى؛ ليسقط الثَّمَن عن ذِمَّتِهِ.
وإن باع العَبد عَيْناً [لِلسَّيِّدِ،] 4 وقبض الثمن، وهَلَكَ في يَدِهِ، وجاء المُشْتَرِي يَطْلُبُ تلك العَيْنَ، فقال السَّيِّدُ: لم آذَنْ له في البيع، حُلِّفَ، فإن حَلَفَ، حُكِمَ بِبُطْلاَنِ البيع، وللعبد تَحْلِيفُهُ؛ لإسقاط الثَّمَنِ عن ذمَّتِهِ.
وإنه لو ادَّعَى أَلْفاً [على] 5 غيره، وأقام شَاهِداً، وأَرَادَ أن يَحلِفَ معه، وأقام المدعى عليه شَاهِداً بأن المُدَّعِي أَقَرَّ أنه لاَ حَقَّ له عليه، له أن يحلف مع شَاهِدِهِ، وإذا حلف، سَقَطَ دعْوَى المدعي.
وإنه يجوز لِلْمَالِكِ أن يدعي على الغائب 6، وعلى الغاصب من الغَاصِبِ، فإن ادعى على الأَوَّل؛ أنه يلزمه رَدُّ الثَوْبِ بِصِفَةِ كذا، أو قيمته 7 كذا، فليس لِلْغَاصِبِ أن
يحلف على أنه لا يلْزَمُهُ؛ لأنه إن قدر على الانتزاع، [لزمه] 1 الانْتِزَاعُ، والرد، وإلا فعليه القِيمَةُ.
وإنهم لو شَهِدُوا على أن هَذِهِ الدَّارِ اشْتَرَاهَا المدعي من فلان، وهو يَمْلِكُهَا، ولم يقولوا: إنها الآن مِلْكُ المدعي، ففي قَبُولِ هذه الشَّهَادَةِ قَوْلاَنِ؛ كما لو شهدوا: أنها كانت مِلْكَهُ بالأمْسِ، والمفهوم من كلام الأكثرين أنها مَقْبُولَةٌ كَافِيَةٌ.
وأنه إذا ادَّعَى على إنسان حَقَّ القِصَاصِ لِقَتْلِ نَسَبَهُ إليه، وكان عند الحاكم أن لا قِصَاصَ بذلك، فجاء رَجُلٌ، ورَوى خَبَراً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه يوجب القِصَاصَ، فاقتص الحَاكِمٌ منه، ثم رجع الرَّاوِي وقال: كذبتُ، وتَعَمَّدْتُ، لم يجِبِ القِصَاصُ عليه، بخلاف الشَّهَادَةِ؛ لأن الرِّوَايَةَ لا تَخْتَصُّ بالواقعة.
وأنه إذا غُصِبَ المَرهُونُ من المُرْتَهِنِ، كان لكل واحد من الرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ أن يَدَّعِيَهُ على الغَاصِبِ، والراهن يقول في دَعْوَاهُ: إن لي ثَوْباً كنت رَهَنْتُهُ من فلان، وإنه غُصِبَ منه، ويلزَمُهُ الرَّدُّ إلَيَّ.
ولو اقتصر على قوله: إن لي عنده ثَوْباً صِفَتُهُ كذا، ويَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِلىَّ، جاز.
ولا بُعْدَ في أن يقول: ويَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِليَّ.
فإن يَدَ المُرْتَهِنِ يَدُ الرَّاهِنِ، ولهذا لو نَازَعَهُ مُنَازعٌ في المَرْهُونِ، كان القَوْلُ قَوْلَ الراهن.
وإن كان المَرْهُونُ في يد المُرْتَهِنِ؛ لأن يَدَهُ يَدُهُ.
وإن الغريب الذي دَخَلَ البلد لا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ على أنه حُرُّ الأَصْلِ، إنما تَجُوزُ الشَّهَادَةُ على أن فلاناً حُرُّ الأصل، إذا عُرِفَ حَالُ أبيه وأمه، وعرف النِّكَاحُ، وحُدُوثُهُ بينهما.
وتَجُوزُ الشَّهَادَةُ وإن لم يشاهد الوِلاَدَةَ، كما تجوز الشَّهَادَةُ على أنه ابْنُ فُلاَنٍ.
وأنه إذا ادَّعى دَاراً في يدي رجل، وأقام بَيِّنَةً؛ أنه اشْتَرَاهَا منه، وأقام صَاحِبُ اليد بَيِّنَةً أنه وَهَبَهَا منه، ولم تَتَعَرَّضِ البَيِّنَتَانِ لِتَأْرِيخٍ، فَيَتَعَارَضَانِ.
ولهذا الاختلاف أَثَرٌ عند ظُهُورِ الاسْتِحْقَاقِ، وإذا وجدَ عَيْباً، وأراد رَدَّهُ، واسْتِرْدَادَ الثمن
وأنه إذا ادعى دَاراً في يَدِ إنسان، وأقام بَيِّنَةً؛ أنها مِلْكُهُ، فادعاها آخر 2، وأقام بَيِّنَةً على أنه اشْتَرَاهَا من فلان؛ رجل آخر يوم كذا، ولم يَقُولُوا: إنه كان يَمْلِكُهَا يومئذ، ولكن أَقَامَ بَيِّنَةً أخرى؛ أنه كان يَمْلِكُهَا.
يومئذ سُمِعَتْ هاتان البَيِّنَتَانِ، وصارتا كَبَيِّنَةٍ واحدة، فيحصل التَّعَارُضُ بينها وبين بَيِّنَةِ المُدَّعِي الأول.
وأنه إذا ادعى دَاراً، وأقام بَيِّنَةً [على] 3 أنها مِلْكُهُ، وانْتَزَعَهَا من يدي المدعى
عليه، وجاء آخَر بعد مُدَّةٍ طويلة، أو يَسِيرةٍ [و] 1 يدعيها، وأقام بَيِّنَةً على أنه اشتراها من المُدَّعَى عليه، الذي كانت الدَّارُ في يده، وكان يَمْلِكُهَا يومئذ، يُقْضَى بالدار للمدعي، وكان كما لو أَقَامَ صاحب اليد البَيِّنَةَ قبل الانْتِزَاعِ منه.
وأنه إذا ادَّعَى اثْنَانِ دَاراً في يد ثَالِثٍ، وأقام أحدهما بَيِّنَةً أنها مِلْكُهُ، ثم أقام الثاني بَيِّنَةً على أنه اشْتَرَاهَا من المُدَّعي الأول؛ فإن قامت بَيِّنَةُ الثاني بعد القَضَاء للمدعي الأَوَّل بِبَيِّنَةٍ، فيُقْضَى 2 للثاني على الأَوَّلِ، ولا نشترط أن يقول شُهُودُهُ: اشْتَرَاهَا من الأول، وهي مِلْكُهُ، فإن قامت قبل القَضَاءِ للأول، فإن قالوا: اشْتَرَاهَا منه وهو يَمْلِكُهَا، انْتُزِعَتِ الدَّارُ من صاحب اليَدِ، وقُضِيَ بِهَا للثَّاني [وإن لم يَتَعَرَّضُوا للْمِلْكِ، فلا يُقْضَى بها للثاني] 3 ما لم يُقْضَ للأول بالمِلْكِ ولكن تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الثاني على الأَوَّلِ.
وإن لم يُقْضَ له بعدُ.
وهذه المَسْأَلَةُ قد حَكَيْنَاهَا من قَبْلُ، وهذا التَّفْصِيل كالشرح، والإيضاح [لما مرَّ] 4. وأنه لو كانت في يد رَجُلٍ دَارٌ، فَادَّعَى إِنْسانٌ أنه اشْتَرَاهَا من ثالث بعدما اشْتَرَاهَا الثالث من صاحب اليَدِ، وأنكر صَاحِبُ اليد، فله أن يُقِيمَ بَيِّنَةً على البَيْعَيْنِ، وله أن يُقِيمَ على هذا بَيِّنَةً، وعلى هذا بَيِّنةً، ولا بَأْسَ بما يَتَّفِقُ من التقديم، والتأخير.
وأنه إذا أَرَادَ الشُّهُودُ إِقَامَةَ الشهادة على شراء دَارٍ قد تَبَدَّلَتْ حُدُودُهَا في يوم الشراء، فَيَشْهَدُونَ: أنه اشترى دَاراً منذ عشر سنوات 5 مثلاً من فُلانٍ، وهو يَمْلِكُهَا، وكان يومئذ ينتهي أحد حُدُودِهَا إلى كذا، والثاني إلى كذا، ثم على المُدَّعِي أن يقيم بَيِّنَةً على كيفية تَبَدُّلِ تلك الحُدُودِ، فيشهد الشهود؛ بأن الدَّارَ التي كانت في يد فلان قد انْتَقَلَتْ إلى فُلاَنٍ، والتي كانت في يَدِ فلان [قد] انْتَقَلَتْ إلى فلان، حتى يُقْضَى له.
وأنه إذا ادَّعَى دَاراً في يَدِ غيره، وأقام بَيِّنَةً على أنها مِلْكُهُ، وقال القاضي: عُرِفَتْ هذه الدَّارُ مِلْكاً لفلان، وقد مات، وانْتَقَلَ إلى [فلانٍ] 6 وارثه فأقيم 7 بينة على تَمَلُّكِهِ [فيه] 8 فله ذلك، وتَنْدَفِعُ بَيِّنَتُهُ.
وليكن هذا جَوَاباً على أنه يُقْضَى بعلمه.
وأنه لو ادَّعى دَاراً في يد غيره، فقال المُدَّعَى عليه: ليست الدَّارُ في يدي، ولا أَحُولُ بَيْنَكَ وبينها.
فقد أَسْقَطَ الدَّعْوَى عن نفسه، فيذهب المُدَّعِي إلى الدار.
فإن لم يَدْفَعهُ أحد، فذاك، وإن دَفَعَهُ ادعى على الدَّافع، فإن قال المدعي: إنه يَكْذِبُ في قوله:
إن الدَّار ليست في يدي، وإني غير حَائِلٍ، لم يلْتَفَتْ إليه.
وأنه لو بَاعَ دَاراً، ثم قَامَتْ بَيِّنَةُ 1 الحسبة، أن أبا البائع قد وَقَفَهَا، وهو يَمْلِكُهَا على ابنه البَائِع، وبعده على أَوْلاَدِهِ، ثم على المسَاكِين، انْتُزِعَتِ الدار من المشتري 2، وُيرْجَعُ بالثمن على البائع.
والغَلَّةُ الحاصلة في حَيَاةِ البائع تُصْرَفُ إلى البائع إن كَذَّبَ نَفْسَهُ، وصدق الشهود.
وإن أَصَرَّ على الإنكار 3، الوَقْف لم يُصْرَفْ إليه، بل يُوقَفُ، فإذا مات صُرِفَ إلى أَقْرَبِ الناس إلى الوَاقِفِ.
ولو ادعى البَائِعُ: أنه وقف، لم تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ.
والتقييد 4 بالبينة يُشعِرُ بأنه تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وله أن يُحَلِّفَ الخَصْمَ 5. وذكر العراقيون: أنه تُسْمَعُ بَيِّنتُهُ أيضاً، إذا لم يُصَرِّح بأنه ملكه، بل اقْتَصَرَ على البيع.
وفي "التجربة" للروياني: أنه لو بَاعَ شَيْئاً، ثم قال: بعته، وأنا لا أَمْلِكُهُ، ثم ملكته بالإرث 6 من فلان.
فإن قال حين باع: أنه ملكه [أي قال: إنه ملكي] 7 لم تسمع دعواه، ولا بَيِّنَتُهُ.
وإن لم يقل 8 ذلك، بل اقْتَصَرَ على قوله: بِعْتُكَ، سُمِعَتْ دعواه.
وإن لم تكن بَيِّنَتُهُ، حلف المُشْتَرِي: أنه باعه وهو يَمْلِكُهُ، قال: وقد نص -رضي الله عنه- في "الأم"، وغَلَّطَ من قال غيره، وكدا لو ادعى: أن المَبِيعَ وقف عليه.
سُئِلَ القاضي الحسين عن كَيْفِيَّةِ الشهادة على التَّحدِيدِ، فقال بالفَارِسيَّةِ: (نهفته دانم ادرا بكرمارت وقصها ونظارة ويناز أو يرون) 9 إلا عند الحاجة والضَّرُورَةِ.
وفي "فتاويه": أنه لو ادَّعَى عليه عشرة، فقال: لا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ هذا المَالِ اليوم، لا يُجْعَلْ مُقِرّاً به؛ لأن الأَقَارِيرَ لا تَثْبُتُ بالمفهوم.
وإن بَيِّنَتَي المِلْكِ والوَقْفِ تَتَعَارَضَانِ كبينتي الملك.
وأنه إذا ماتت امْرَأَةٌ، وخلفت زَوْجاً [وأخاً] 1، وأختاً، فَادَّعى الزوج: أن التَّرِكَةَ كُلَّهَا له، يُجْعَلُ المَالُ نِصْفَينِ: أحدهما: للزوج بحكم اليد، والثاني: للميتة، إلا أن النِّصْفَ الذي يُجْعَلُ في يد الزَّوجِ، إنما يُجْعَلُ بعد اليمين لاحتمال أنها لو كانت حَيَّةً، لادعت الكُلَّ، وحَلَفَ الزَّوْجُ.
فإن كان الأخ غَائِباً، والأُخْتُ حَاضِرَةٌ، يحلف في حَقِّ الأخت، فهذا رجع الأَخُ، حلف أيضاً، فإن أقَامَتِ الأخت بَيِّنَةً على أن الكُلَّ لها، ولأخيها، سُمِعَتْ بينتها، وثَبَتَ حَقُّ الأخ.
وإن من حبسه القاضي لم يَجُزْ إطْلاقُهُ إلا بِرِضَاءِ خَصْمِهِ، أو ثبوت إِعْدَامِهِ وإذا ثبت، أَطْلَقَهُ وإن لم يَرْضَ الخَصْمُ، وإن أطلقه بِرِضَا الخَصْم، فأراد إقامة البَيِّنَةِ على إِعْدَامِهِ، لم تُسْمَعْ؛ لأنه لا حَبْسَ عليه، والحالة هذه، بخَلاف ما إذا كان الحَبْسُ مستحقاً عليه.
وإن حَقَّ إِجْرَاءٍ المَاءِ في أَرْضِ الغير، أو على سَطْحِهِ، أو طَرْح الثَّلْجِ في ملكه، تَجُوزُ الشهادة عليه، إذا رآه مُدَّة مَدِيدَةً من غير مَانِع 2، ولا يكفي أن يقول الشهود: رَأَيْنَا ذلك سِنِين وإن 3 كان ذلك [مستند شهادتهم] 4.
سُئِل الشيخ أبو إِسُحَاقَ الشّيرازيُّ عن رجلين تَنَازَعَا في حِصَّةٍ، ادعى أحدهما: أنها مِلْكٌ له، وأقام بَيِّنَةً عليه، وادعى الآخر 5 أنها وَقْفٌ [عليه] 6 ولم يقيم [عليه] 7 بينة، فحكم الحاكم لمدعي المِلْكِ، ثم تَنَازَعَ فيها مُدَّعِي المِلْكِ، وآخر يدعي وَقْفَهَا، فأقام مُدَّعِي المِلْكِ البَيَّنَةَ على حُكْمِ الحاكم له [بالملك فيها] 8.
وأقام مُدَّعِي الوَقْفِ البَيِّنَةَ على الوَقْفِيَّةِ، فَرَجَّحَ الحَاكِمُ بَيِّنَةَ المِلْكِ، ذَهَاباً إلى أن المِلْك الذي حكم به، يَتَقَدَّمُ على الوَقْفِ الذي لم يحكم به، ثم تَنَازَعَ مُدَّعي المِلْك فيها مع آخر؛ يدعي وَقْفَهَا، وأقام مُدَّعِي الملك البَيِّنَةَ على حُكْمِ الحاكم له بالمِلْكِ، وتقديم جَانِبِهِ، وأقام الآخَرُ البَيِّنَةَ على أن الوَقْفَ الذي يدَّعِيهِ، قد قُضِيَ بِصحَّتِهِ قَبْلَ الحُكْمِ
بالملْكِ، وترجيحه على الوَقْفِ، هل يرتد حُكمُ الحاكم بذلك؟ فقال: نعم، يُقَدَّمُ الحُكْمُ بالوَقْفِ على الحكم بالمِلْكِ 1، [ويُنْقَضُ الحكم بالوَقْفِ للحكم بالملك] 2.
وسُئِلَ عمن اشْتَرَى ضَيْعَةً، وبَقِيَتْ في يده مُدَّةً، فخرجت الضَّيْعَةُ وَقْفاً، وانْتُزِعَتْ، هل عليه أُجْرَةُ المِثْلِ للمدة التي كانت في يده؟ فقال: نعم.
وسُئِلَ عن رجل وَقَفَ مِلْكاً، وأَقَرَّ أن حاكِماً حكم بِصحَّتِهِ، ولم يُسَمّ الحاكم، ولا عينه، ثم رجع عنه، ورَفَعَ الأَمْرَ إلى حَاكِمٍ يرى جَوَازَ الرُّجُوعِ.
هل له الحكم بِنُفُوذِ الرُّجُوعِ؟ فقال: لا.
وفي فَتَاوَى صاحب الكتاب: أنه إذا ادَّعى دَاراً في يَدِ غَيْرِهِ؛ فقال المدعى عليه: اشْتَرَيْتُهَا من زيد، فَأقَامَ المُدَّعِي بَيِّنَةً على إِقْرَارِ زيد له بالدار قبل البَيعِ، وأقام المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً على إقْرَارِ المدعي لزيد بها قبل البَيْعِ، وجُهِلَ التَّارِيخُ قررت الدَّارُ في يد المُدَّعَى عليه.
وأنه إذا خَرَجَ المَبِيعُ مُسْتحقّاً، فادعى المُشْتَرِي على البَائِع، وقال: سلمته إليه في مجلس العَقْدِ، فأنكر، وأراد إِقَامَةَ البَيِّنَةِ بأنه لم يقبض منه شَيْئاً في مَجْلِسِ العَقْدِ، لم تُسْمَعْ هذه البَيِّنَةُ؛ لأنها على النَّفْي، وإنما تُسْمَعُ البَيِّنَةُ على النَّفْي في مواضع الحَاجَةِ؛ كالإِعْسَارِ، وقد يقع التَّسْلِيمُ على غَفْلَةٍ منه في لَحْظَةٍ يَسِيرةٍ.
وأنه إذا ادعت المَرْأَةُ أنه نَكَحَهَا، ثم طَلَّقَهَا، وطلبت شَطْرَ الصَّدَاقِ، أو أنها زَوْجَةُ فلان المَيِّتِ [وطلبت المِيرَاثَ] 3 فَمقْصُودُهَا المال؛ فَيَثْبُتُ بشاهد ويمين، وبِشَاهِدٍ وامرأتين.
في فَتَاوَى الشيخ الحُسَيْنِ الفَرَّاءِ: أنه إذا ادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَ امرأة، فأقرت 4 بأنها زَوْجَتُهُ منذ سَنَةٍ، ثم جاء آخر، وأقام بَيِّنَةً: أنها زَوْجَتُهُ؛ نَكَحَهَا منذ شهر.
يُحْكَمُ لِلْمُقرِّ له؛ لأنه قد يَثْبُتُ بإقرارها النِّكَاحُ للأول.
فما لم يثبت الطَّلاَقُ لا حُكْمَ للنكاح الثاني، وأنه إذا تَحَاكَمَ رجل وامرأة بِكْرٌ إلى فَقِيهٍ لِيُزَوِّجَهَا منه، وجَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ فيه، فقال المُحَكَّمُ: حكمتني 5 لِأزَوِّجَكَ من هذا؟ فَسَكَتَتْ، كان سُكُوتُهَا إِذْناً.
كما لو اسْتَأْذَنَهَا الوَلِيُّ فَسَكَتَتْ.
وأنه إذا حَضَرَ عند القَاضِي رَجُلٌ وامْرَأَةٌ، واسْتَدْعَتْ تَزْوِيجَهَا من الرجل، وذكرت: أنها زَوْجَةُ فلان، وطَلَّقَهَا، أو مات عنها، فلا يُزَوِّجُهَا القاضي ما لم تَقُمْ حُجَّةٌ على الطَّلاَقِ، أو الموت؛ لأنها أَقَرَّتْ بالنكاح لفلان.
وعن ابن القَاصِّ: أن من أَنْكَرَ الحَلِفَ بالطَّلقات الثَّلاَث، يحلف أنه ما قَالَ لها: إن دَخَلْتِ الدَّارَ، فأَنْتِ طَالِقٌ ثلاثاً.
ولا هي بَائِنٌ منه بثلاث.
[وعن الشيخ أبي زَيْدٍ: أنه يكفيه الاقْتِصَارُ على أنها لم تَبِنْ بثلاث].
ووجه الأول؛ بأنه قد يَحْلِفُ متأوّلاً على قول حَجَّاحِ بن أَرْطَأَةَ، ومن تَابَعَهُ -رحمهم الله-: أن الطلقات الثلاث لا تَقَعُ مَجْمُوعَةً، أو على قول من يُصَحِّحُ اليَمِينَ الدائرة.
فتسدد عليه ليعرض للحادثة.
ويجوز أن يُقَالَ: يُنْظَرُ إلى جَوَابهِ إذا ادعت الطَّلاَقَ؛ فإن قال: لم تَبِنْ مني، كَفَاهُ اليَمِينُ عليه.
لكان قال: لم أَحْلِفْ بِطَلاَقِهَا، حلف عليه.
حكى القاضي أبو سَعْدٍ عن العبادي: أن من ادّعى عليه وديعة فقال: لا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إليه، لم يكن هذا جَوَاباً؛ لأن المُودِعَ لا يلزمه الدَّفْعُ، وإنما عليه التَّخْلِيَةُ.
والجواب الصَّحِيحُ؛ أن ينكر أَصْلَ الإِيدَاع، أو يقول: هَلَكَتْ في يدي، أو رَدَدْتُهَا.
وهذا يُخَالِفُ ظاهر كَلاَمِ الأئمة -رحمهم الله-؛ أَلاَ تَرَى أنا نقول: فيمن جَحَدَ الوَدِيعَةَ، فقامت بَيِّنَةٌ على الإِيدَاعِ، فادعى تَلَفاً، أو رَدّاً قبل الحجود، يُنْظَرُ؟ إن كانت صِيغَةُ جُحُودِهِ، إِنْكَارَ أَصْلِ الوَدِيعَةِ، فالحكم كذا، وإن كانت صِيغَةُ جُحُودِهِ: لا يلزمني تَسْلِيمُ شَيْءٍ إليك، فالحكم كذا؟
فأما أن يُقَدَّرَ خلاف، أو يؤوَلُ ما أَطْلَقُوهُ 1 وأنه لو أقام بَيِّنَةً أنه أَجيرُ فلان لِحِفْظِ سَفِينَتِهِ هذه بعشرة دَرَاهِمَ، وأقام صاحب السَّفِينَةِ بَيِّنَةً: أنه أَجَّرَهَا إياها 2 بعشرة دَرَاهِمَ، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ أن بَيِّنَةَ الأَجِير أَوْلَى أنه لو 3 شهد شَاهِدَان بأن الكَلْبَ وَلَغَ في هذا الإِنَاءِ، ولم يَلْغُ في هذا [الإناء] 4 وآخران على ضد ذلك، تَتَعَارَضُ البَيِّنَتَانِ، ولو لم يقولوا: لم يَلْغُ في هذا، فالإِنَاءَانِ نَجِسَانِ.
وهذه شَهَادَةٌ على إثبات، ونفي.
ويمكن
أن يُصَوَّرَ التَّعَارُضُ من غير التَّعَارُضِ.
للنفي؛ بأن عَيَّنَا وَقْتاً لا يمكن فيه إلا وُلُوغٌ وَاحِدٌ (1). وإنه لو شهد شَاهِدَانِ بِالقَتْلِ على رَجُلٍ في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وآخران بأنه لم يَقْتُلُ في ذلك الوَقْتِ؛ لأنه كان مَعَنَا، ولم يَغِبْ عنا تَتَعَارَضُ البَيِّنَتَّانِ.
وقد سبق من نَظَائِرِ هذا ما يُخَالِفُهُ (2).وإن من أَرَادَ أن يَدَّعِي ويُقِيمَ البَيَّنَةَ من غَيْرِ أن يَعْتَرِفَ للمدعى عليه باليد، فطريقه (3) أن يقول: المَوْضِعُ الفُلاَنِيُّ مِلْكِي، وهذا يَمْنَعُنِي منه تَعَدّياً، فَمُرْهُ يُمَكِّنِّي منه.
بَابُ دَعْوَى النَّسَبِ وَإلْحَاقِ القَائِفِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَهُ أرْكَانٌ: (الأَوَّلُ: المُسْتَلْحَقُ) وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الحُرِّ وَالعَبْدِ وَالمُعْتَقِ، وَفِي العَبْدِ وَالمُعْتَقِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يَثْبِتُ نسَبُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الوَلاَءِ، وَيَصِحُّ اسْتلْحَاقُ المَرْأَةِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَفيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ إلاَّ إِذَا كَانَتْ خَلِيَّةً مِنَ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مُعْظَمُ مَقْصُودِ الباب، الكلام في القَائِف، وشرطه.
فأما الاسْتِلْحَاقُ، وما يُعْتَبَرُ فيه في المُسْتَلْحِقِ، [والمُسْتَلْحَقِ] 4 فالقول فيها، قد مَرَّ بَعْضُهُ في كتاب اللَّقِيطِ، وأكثره في باب الإِقْرَارِ بالنَّسَبِ.
وصَدَّرَ الشَّافعي -رضي الله عنه- الكَلاَمَ في القِيَافَةِ بما رُوِيَ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعرف السُّرُورَ في وجْهِهِ.
فقال: "أَلَمْ تَرَيْ [أَنَّ] 5 مُجَزِّزَا المُدْلِجِيَّ نَظَرَ إِلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ عَلَيْهمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤوسَهُمَا وبَدَتْ أقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقدَامَ بعْضُهَا مِنْ بَعْض" 6.123
ثم احتج بعض الرواة 1 فقال: لو لم تَكُنِ القِيَافَةُ عِلْماً، لم يكن لها اعْتِبَارٌ، ولا عليها اعْتِمَاد، لمنعه من المُجَازَفَةِ.
وقال له: لا تَقُلْ مِثلَ هذا؛ فإنك إن أَصَبْتَ في شيء، أَخْطَأتَ في غيره، وكان في خِطَابِكَ قَذْفُ مُحْصَنَةٍ، وَنَفْيُ نَسَبٍ.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُقِرُّ إلا على الحَقِّ، ولا يُسَرُّ إلا بالحَقِّ.
قال الأَئمَّةُ -رحمهم الله-: وسَبَبُ سُرُورِهِ بما قال مجزز؛ أن المشركين كانوا يَطْعَنُونَ في نَسَبِ أُسَامَةَ؛ لأنه كان طَوِيلاً، أَفْتَى الأَنْفِ، أَسْوَدَ، وكان زيد قَصِيراً، أَخْنَسَ الأَنْفِ، بين السَّوَادِ والبياض، وقصد بعض المُنَافِقِينَ بالطَّعْنِ، مغايظة 2 رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهما كانا حِبَّيْهِ.
فلمّا قَالَ المُدْلَجِيَّ ذلك، وهو لا يرَى إلا أَقْدَامَهُمَا، سُرَّ به.
ورُوِيَ أن عمر -رَضِيَ الله عنه- دعا قَائفَاً في رَجُلَيْنِ، ادعيا مَوْلُودًا 3، [وشَكَّ أَنسُ بْنُ مالك -رضي الله عنه-[في ابن له] 4، فدُعِيَ له القَائِفُ 5. وساعدنا مالك، وأحمد -رحمهم الله- فيما رَوَى الشيخ أبو حَامِدٍ وغيره على اعْتِبَارِ قول القَائِفِ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: لا اعْتِبَارَ به، ومما يُتَعَجَّبُ منه في شَأْنِ القِيَافَةِ، ما حكى الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره عن القَفَّالِ عن الشيخ أبي زَيْدٍ عن أبي إِسْحَاقَ قال: كان لي جَارٌ بـ"بغداد"، له مَالٌ ويَسَارٌ، وكان له ابن يَضْرِبُ إلى السَّوَادِ، ولون الرجل لا يُشْبِهُهُ، فكان يُعَرَّضُ بأنه لَيْسَ منه.
قال: فَأَتَاني، وقال: عَزَمْتُ على الحَجِّ، وأكثر قَصْدِي أن أَسْتَصْحِبَ ابني، وأُرِيَهُ [بعض] 6 القَافَةِ، فَنَهَيْتُهُ، وقلت: لَعَلَّ القَائِفَ يقول بَعْضَ مَا تَكْرَهُ، وليس لك ابْنٌ غيره.
فلم يَنْتِهِ، وخرج.
فلما رجع قال لي: اسْتَحْضَرْتُ مدلجياً، وأَمَرْتُ بِعَرْضِهِ عليه في عدة 7 رجال، كان فيهم الذي يُرمى 8 بأنه منه، وكان معنا في الرُّفْقَةِ، وغِبْتُ عن المَجْلِسِ، فنظر القَائِفُ فيهم، فلم يُلْحِقْهُ بأحدهم، فَأُخْبِرْتُ بذلك، = أبيض، وكان أسامة أسود، ونقل عبد الحق عن أبي داود أنه قال: كان زيد شديد البياض، وقال إبراهيم بن سعد كان زيد أشقر، وكان أسامة أسود كالليل، وأما كونهما كانا حبه، ففي صحيح مسلم [2426] من حديث ابن عمر في بعث أسامة وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال في خطبته: وإن كان أبوه لمن أحب الناس إلي، وان هذا لمن أحب الناس الي بعده، ونقل عياض: أن زيداً كان أزهر اللون، وكان ابنه أسامة أسود.
قاله الحافظ في التلخيص.
وقيل لي: احْضِرْ، فلعله يُلْحِقُهُ بك، فأقبلت على نَاقَةٍ يَقُودُهَا عَبْدٌ لنا أَسْوَدُ كبير، فلما وقع بَصَرُهُ علينا قال: اللهُ أكبر، ذاك الرَّاكبُ، أبو الغُلاَم.
والقائد الأَسْوَدُ أبو الرَّاكِبِ، فَغُشِيَ عَلَيَّ من صُعُوبَةِ ما سَمِعتُ، ولما رجعت، ألْحَحَتُ على والدتي لِتُخْبِرَنِي، فأخبرتني: أن أبي طَلَّقَها ثلاثاً، ثم نَدِمَ.
فأمر هذا العَبْدَ بنكاحها؛ للتحليل، ففعل، فَعَلِقْتُ منه، وكان ذَا مَالٍ كَثِيرٍ، قد بلغ الكبر 1، وليس له وَلَدٌ فاستلحقك، ونكحني ثانية.
وقوله في الكتاب: "وله ثلاثة أركان"؛ أي الباب بترجمته، ولا يحسن رَدُّ الكتابة إلى إِلْحَاقِ القَائِفِ؛ لأنه جعل أَحَدَ الأركان المستلحق، والاسْتِلْحَاق.
ولا يُشْتَرَطُ في إِلْحَاقِ القَائِفِ، بل الولد قد يُعْرَضُ على القَائِفِ، ويلحقه القَائِفُ من غير اسْتِلْحَاقٍ، على ما سَيَأْتي.
والاسْتِلْحَاقُ لا يحوج إلى إِلْحَاقِ القَائِفِ في الأَغْلَبِ.
وهل يُعْتَبَرُ في المستلحق الحرية؟ فيه خلاف قد ذكرناه في باب اللَّقِيطِ.
والأصح، أنه لا يُعْتَبَرُ، بل يَصِحُّ اسْتِلْحَاقِ العَبْدِ كاسْتِلْحَاقِ الحُرِّ.
ويجري الخِلاَفُ في المعتق 2 بالترتيب.
وكيف الترتيب؟ ذكرنا في [باب] 3 اللَّقِيطِ أن المُعْتَقَ أَوْلَى.
بأن يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُهُ؛ لأنه قَادِرٌ على النكاح والتَّسَرِّي اسْتِقْلالاً.
ومنهم من عَكَسَ، وقال: اسْتِلْحَاقُهُ أَوْلَى بالمنع؛ لأن الوَلاَءَ حَاصِلٌ عليه في الحال، وهو بالاسْتِلْحَاقِ يقطعه، والعَبْدُ لاَ وَلاَءَ عليه في الحال.
وقوله: "وفي العَبْدِ والمُعْتَقِ وجه".
المشهور في المَسْأَلَةِ اختلاف القول، لا اخْتِلاَفُ الوجه.
ويمكن أن يُعْلَمَ بالواو؛ لطريقتين ذكرناهما في باب اللَّقِيطِ.
وقوله: "لا يثبت نسبه بِمُجَرَّدِ الدعوى"، يعني أنه لا يَكْفِي لِلإِسْتِلْحَاقِ وحده، بل لا بد من ظُهُورِ نِكَاحِ أو وَطْءِ شُبْهَةٍ؛ ليثبت النَّسَبُ.
وهل يُشْتَرَطُ الذكورة في المستلحق أم يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ المَرْأَةِ؟ فيه ثلاثة أوجه قد ذكرها، وذكرناها في اللَّقِيطِ، وهي مُكَرَّرَةٌ هاهنا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: المُلْحِقُ:) وَهُوَ كُلُّ مُدْلِجيَّ مُجَرِّبٍ أَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ، وَفِي غَيْرِ المُدلِجِيِّ إِذَا تَعَلَّمَ القِيَافَةَ وَجْهَانِ، وَتَجْرِبَتُهُ بِأَنْ يُعْرَضَ وَلَدٌ بَيْنَ ثَلاثةِ أَصْنَافٍ مِنَ النِّسْوَةِ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثُمَّ فِي صِنْفٍ رَابعٍ فِيهِنَّ أُمُّهُ، فَإِنْ أَصَابَ فِي الكُلِّ قُبِلَ قَوْلهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ أنَّهُ يُشْتَرَط فِي القَائِفِ الذُّكورَةُ وَالحُرِّيَّةُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ العَدَدُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: [المُلْحِقُ: هو القَائِفُ،] 1 وليكن فيه صِفَاتٌ؛ منها ما اتَّفَقُوا على اعْتِبَارِهَا، ومنها ما اخْتَلَفُوا فيه، فمنها كونه مُدْلجيّاً؛ وفيه وجهان: أحدهما: أنه شَرْطٌ؛ لأن الصَّحَابةَ -رضي الله عنهم- رَجَعُوا إلى بني مُدْلج دون سَائِرِ الناس 2. وقد يَخُصُّ الله -تعالى جَدَّه- جَمَاعَةً بنوع من المَنَاصِبِ، والفَضَائل، كما خَصَّ قُرَيْشاً بالإمامة.
والثاني: أنه ليس بشَرْطٍ، وسَائِرُ الناس من العَرَبِ، والعَجَمِ، يشاركونهم فيه، لأن القِيَافَةَ نَوْعٌ من العِلْمِ، فمن تَعَلَّمَهُ، عَمِلَ بِعِلْمِهِ.
والأول، أصحُّ عند الإِمام، وصاحِبِ الكتاب.
والثاني أَصح، عند العراقيين، وأكثر الأصْحَابِ -رحمهم الله-.
إن بني 3 مدلج على ما ذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ بَطْنٌ من خُزَاعَةَ، ويُقَالُ: من أَسدٍ.
ومنها كونه مُجَرِّباً، فمن لم يُعْرَفْ علمه في هذا النوع، لا يُعْتَمَدُ قوله، كما أن من لم يُعرَفْ عِلْمُهُ بالأحكام، لا يُجْعَلُ قَاضِياً.
وكيفية تجربته 4؛ التي أَوْرَدَهَا في الكتاب: أن يُعْرَضَ عليه وَلَدٌ في نِسْوَةٍ، ليست فيهن أُمُّهُ، ثم في نِسْوَةٍ ليست فيهن أُمُّهُ، ثم في نسوة ليست فيهن أُمُّهُ، ثم في صِنْفٍ رابع فيهن أُمُّهُ، فإذا أصاب في الكل، قُبِلَ قوله بعد ذلك.
وفي هذه الكيفية شَيْئَانِ:
أحدهما: عَرْضُ الأَمْرِ، هل يَخْتَصُّ التجربة؟ أم يجوز أن يُعْرَضَ عليه المَوْلُودُ مع أبيه؟ فيه وجهان:
الذي ذكره القَفَّالُ، وأَوْرَدَهُ صاحب "التهذيب"؛ الاختصاص، وامْتِنَاعُ التجربة بالأب؛ لأن لُحُوقَ الوَلَدِ بالأب، لا يُعْلَمُ يَقِيناً.
وهذا يوافق سِيَاقَ الكتاب.
وأشبههما: وبه أجاب العِرَاقيُّونَ، وغيرهم: أنه يجوز التَّجْرِبَةُ، بعرض الوَلَدِ عليه مع أبيه، إلا أن العَرْضَ مع الأُمِّ أَوْلَى.
وحكوا هذا عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم".
والثاني: تَكْرِيرُ العَرْضِ ثلاثاً.
واختلف النَّاقِلُونَ فيه؛ فمنهم من قال: يُعْرَضُ عليه مَوْلُودٌ مع أبيه في رجال، أو مع أُمِّهِ في نِسْوَةٍ؛ فيقال: ألحقه بأمه.
أو يُعْرَضُ عليه أولاد 5 نسوة وامرأة منهن؛ فيقال: ألْحِقْ ولدها به ولم يَشْتَرِطُوا
التكرير.
ومنهم من قال: لا يكفي العَرْضُ مَرَّةً واحدة؛ فإنه قد يُصِيبُ فيها اتِّفَاقاً؛ ولكن يُعْرَضُ عليه ثَلاَثَ مرات.
وإليه ذَهَبَ الشيخ أبو حَامِدٍ وأصحابه.
وذكر الإمَامُ: أنه لا مَعْنَى لاعتبار التَّكْرَارِ ثَلاَثاً؛ بل المُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ، بأن ما يقوله، [يقوله] 1 عن خِبْرَةٍ، وبَصِيرَةٍ، لا عن وِفَاقٍ، والظَّنُّ قد يَحْصُلُ بما دون الثلاث.
وهذا كالتَّوَسُّطِ بين الوَجْهَيْنِ الأولين.
وإذا حصلت التَّجْرِبَةُ اعْتُمِدَ على إِلْحَاقَاتِهِ، ولا تُجدَّدِ التجربة لكل إِلْحَاقٍ.
ومنها أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ، فيجب أن يكون القَائِفُ مُسْلِماً، عَاقِلاً، بَالِغاً، عَدْلاً.
وفي اشتراط الحُرِّيَّةِ والذُّكُورَةِ وجهان:
أصحهما: الاشْتِرَاطُ كما في القاضي.
والثاني: يجوز الرُّجُوع إلى العَبْدِ والمرأة، كما في الفَتْوَى، وبناهما 2 في "الإبانة"، على أن القِيَافَةَ كالحُكْم، أو كالقِسْمَة.
ووجه مشابهتها القِسْمَةَ، اشْتِمَالُهَا على التمييز بالنَّفْي، والإِثْبَاتِ.
وإنما يُتَصَوَّرُ فرْضُ الرِّقِّ في القَائِفِ على تَقْدِيرِ اخْتِصَاصِ القِيَافَةِ ببني مدلج، إذاً لجوزنا 3 اسْتِرْقَاقَ العرب، وإلا فالمُدْلِجيُّ لا يكون إلا حُرّاً.
وذكر القاضي ابْنُ كجٍّ بِنَاءً على اعتبار أَهْلِيَّةِ الشهادة؛ أن قِيَافَةَ الأَعْمَى، والأَخْرَسِ، لا تجوز، وأنه إذا كان القَائفُ من أَحَدِ المتداعيين:
فإن أُلْحِقَ الولد بغير أبيه، قُبِلَ، وإن ألحقه 4 بأبيه لم يُقْبَلْ.
وإذا كان بين القَائِفِ وأحدهما عَدَاوَةٌ، فإن أَلْحقَهُ بالعَدُوِّ، قُبِلَ.
وإن ألحقه بغير العَدُوِّ لم تقبل؛ لأنها كالشَّهَادَةِ على العدُوِّ.
وفي اشتراط العَدَو وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه لاَ بُدَّ من قَائِفَيْنِ، كما في التَّزْكِيَةِ والتقويم.
وأصحهما: الاكْتِفَاءُ بِقَوْلِ الوَاحِدِ، كما في القَضَاءِ، والفَتْوَى.
ويُحْكَى هذا عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم".
وربما احْتُجَّ له بحديث المدلجي.
ولو كان القاضي قَائِفاً، فهل يَقْضِي بِعلْمِهِ؟ فيه الخِلاَفُ في القضاء بالعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: مَحَلُّ العَرْضِ عَلَى القَائِفِ) فَالمَوْلُودُ إِذَا تَدَاعَاهُ اثْنَانِ لَمْ يَلْحَقْهُمَا بَلْ يُعْرَضُ عَلَى القَائِفِ إِذَا كَانَ كَوْنُهُ مِنْهُمَا مُمْكِناً شَرْعاً، وَذَلِكَ بِأنْ يطَأَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ وَطِئَ الثَّانِي بَعْدَ تَخَلُّلِ حَيْضَةٍ انْقَطَعَ الإمْكَانُ عَنِ الأَوَّلِ إلاَّ أَنْ يَكُونَ
الأوَّلُ زَوْجاً فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدِ فَفِي انْقِطَاعِ إِمْكَانِهِ قَوْلاَنِ، وَمَنِ انْفَرَدَ بِدَعْوَةِ مَوْلُودٍ صَغِيرٍ فِي يَدِهِ لَحِقَهُ، فَإِنْ بَلَغَ فَانْتَفَى عَنْهُ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المَقْصُودُ الآن بَيَانُ أن الوَلَدَ متى يُعْرَضُ على القائف؟ وله موضعان:
أحدهما: أن يَتَدَاعَى اثنان مَوْلُوداً مَجْهُولاً من لَقِيطٍ وغيره، فيُعرَض على القَائِفِ [على ما سبق شرحه في اللَّقِيطِ.
والثاني: أن يَشْتَرِكَ اثنان، فَصَاعداً في وطءِ امْرَأَةٍ، فَأتَتْ بولد، لَزِمَ أن يُمْكِنَ أن يكون منهما، وادَّعَاهُ كل واحد منهما، فَيُعْرَضُ على القَائِفِ] 1. وعند أبي حَنِيْفَةَ في أحد المَوْضِعَيْنِ يُلْحَقُ الوَلَدُ بهما، أو بهم.
ولا اعْتِبَارَ بقول القَائِفِ.
[واحتج الأَصْحَابُ -رحمهم الله- لاعتبار قول القَائِف] 2 بما سَبَقَ، ولامْتِنَاع الإلْحَاقِ باثنين فَصَاعِداً، بأن الولد لا يَنْعَقِدُ من [مَاءِ] 3 شَخْصَيْنِ؛ لأن الوَطْءَ لا بد وأن يَكُونَ على التَّعَاقُب، وإذا اجتمع مَاءُ الأول، مع مَاءِ المَرْأَةِ، وانْعَقَدَ الوَلَدُ منه، حَصَلَتْ عليه غِشَاوَةٌ تمنع من اخْتِلاَطِ مَاءِ الثاني بِمَاءِ الأول وَمَائِهَا.
وأيضاً فإنه لو تداعى الوَلَدَ، مُسْلِمٌ، وكافر، لا يُلْحَقُ بهما بالاتِّفَاقِ.
فكذلك إذا تَدَاعَاهُ مسلمان، ثم الاشْتِرَاكُ في الوطء على الوجه المذكور يُفْرَضُ من وجوه:
منها أن يَطَأَ كل واحد منهما بالشُّبْهَةِ؛ بأن يَجِدَهَا على فِرَاشِهِ فَيَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ، أو أَمَتَهُ.
ولو كانت في نِكَاحٍ صحيح، فَوُطِئَتْ بالشُّبْهَةِ؛ فعن القاضي أبي الطَّيِّب -وهو الذي أَوْرَدَهُ [صاحب] 4 "الشامل": أن الولد يُلْحَقُ بالزوج؛ لأنها فِرَاشُهُ، وَالفِرَاشُ أقوى من الشُّبْهَةِ، كما إنه إذا طلقها زَوْجُهَا، وانقضت عِدَّتُهَا، ونَكَحَهَا زوج آخر، فأتت بِوَلَدٍ، يُلْحَقُ بالثاني.
وإن أَمْكَنَ أن يكون من الأَوَّلِ؛ لأنها فِرَاشُ الثاني.
والأظهر، على ما ذكره القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره، وهو الذي أَوْرَدَهُ الإِمام: أنه لا يَتَعَيَّنُ الزَّوْجُ لِلإِلْحَاقِ، بل الموضع مَوْضِعُ الاشْتِبَاهِ، والعَرْضُ على القَائِفِ.
وليس كالصورة المُسْتَشْهَدِ بها؛ لأن العِدَّةَ أمَارَةٌ ظاهرة في حُصُولِ البَرَاءَةِ عن الأول، وهاهنا بخلافه.
ومنها أن يَطَأَ الرجل زَوْجَتَهُ في النكاح [الصحيح، ثم يُطَلِّقُهَا فَيَطَؤُهَا غيره بالشُّبْهَةِ، أو في النكاح 5 الفَاسِدِ] بأن ينكحها في العِدَّةِ، وهو جاهل بكونها في
العِدَّةِ.
وعن مالك: أن الوَلَدَ يُلْحَقُ بالزوج؛ لأنه وَطِئَ في نكاح صَحِيحٍ، فهو أَقْوَى جانباً.
حكاه ابن الصَّبَّاغِ عنه.
ومن قال بهذا، وقد طَلَّقَهَا الزَّوْجُ، فَأوْلَى أن يقول به، والنِّكَاحُ مُسْتَمِرٌّ بينهما.
ومنها: أن يَطَأَ كل واحد منهما في نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
ومنها: أن يَطَأَ الشريكان الجَارِيَةَ المُشْتَركَةَ بينهما.
ومنها: أن يَطَأَ أَمَتَهُ، ويَبِيعَهَا فَيَطَؤُهَا المشتري.
ولم يَسْتَبْرِء واحد منهما.
فإذا وَطئ اثنان على بَعْض هذه التصويرات في طُهْرٍ واحد، وأتت المرأة بِوَلَدٍ لأقل من أربع سنين، و [أكثر من] 1 سِتَّةِ أشهر من الوطئين، وَادَّعَيَاهُ جميعاً، رُوجِعَ القَائِفُ.
وإن تَخَلَّلَ بين الوَطْئَيْنِ حَيْضَةٌ، فهي أَمَارَةٌ ظاهرة في حُصُولِ البَرَاءَةِ عن الأول.
فَيُقْطَعُ تَعَلُّقُهُ، إلا أن يكون الأَوَّلُ زَوْجاً في نِكَاحٍ صحيح، والثاني وَاطِئاً بالشُّبْهَةِ، أو في نِكَاحٍ فَاسِدٍ؛ فلا يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ الأول؛ لأن إِمْكَان الوطء مع فراش النكاح قائم مَقَامَ نفس الوطء، والإمْكَانُ حَاصِلٌ بعد الحَيْضَةِ.
وإن كان الأول زَوْجاً في نكاح [فاسد] 2، ففي انْقِطَاعِ تَعَلُّقِهِ بِتَخلُّلِ الحَيْضَةِ قولان:
أحدهما: أنه كالنِّكَاحِ الصحيح.
وأظهرهما: خلافه؛ لأن المَرْأَةَ في النِّكَاحِ الفاسد لا تَصِيرُ فِرَاشاً، ما لم توجد حَقِيقَةُ الوطء.
هكذا نقل الصُّورَتَيْنِ الإِمام وصاحب الكتاب.
ولا فَرْقَ بين أن يكون المُتَدَاعِيَانِ مُسْلِمَيْنِ، أو أحدهما مسلماً والآخر ذِمِّيّاً.
ولا بين أن يكونا حُرَّيْنِ، أو أحدهما حُرّاً، والآخر عَبْداً.
على ما سبق في اللَّقِيطِ.
وكذلك لا فَرْقَ بين أن يكون الوَاطِئَانِ مُسْلِمَيْنِ، وحُرَّيْنِ، أو مختلفي الحال.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ ادَّعَى نَسَبَ بَالِغٍ فَأَنْكَرَ لَمْ يَلْحَقْهُ وَإِنْ أَلْحَقَهُ القَائِفُ، وَإِنْ سَكَتَ أَلْحَقَهُ القَائِفُ، وَإِنْ أَقَرَّ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى القَائِفِ، وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَ مَوْلُودٍ عَلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِأَنِ ادَّعَى وَطْئاً بِالشُّبْهَةِ لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ وَافَقَهُ الزَّوْجَانِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى الوَطْءِ لحَقِّ المَوْلُودِ، وَإِنْ تَدَاعيَا صَبِيّاً وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدُهُمَا لَحِقَ بِصَاحِبِ اليَدِ خَاصَّةً، وَمَنِ اسْتَلْحَقَ وَأَنْكَرَتْ زَوجَتُهُ وِلاَدَتَهُ فَهَلْ يَلْحَقُهَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الأَبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفَصْلِ صُوَرٌ مُكَرَّرَةٌ، وغير مكررة.
فمن المكررة: اسْتَلْحَقَ صَبِيّاً مَجْهُولاً في يَدِهِ، أو لا في يَده، وأَلْحَقْنَاهُ به ثم بلغ
وانْتَفَى عنه، هل يَنْدَفِعُ نَسَبُهُ؟.
قال: فيه قولان: والمسألة مشهورة بالوَجْهَيْنِ.
وقد ذكرها مَرَّةً في الإِقْرَارِ، وأخرى في اللَّقِيطِ.
ومنها: اسْتَلْحَقَ بَالِغاً، فَأْنْكَرَ، لا يلحقه.
وقد أَوْرَدَهَا في البابين المذكورين أيضاً.
وإلْحَاقُ القَائِفِ والحالة هذه، ليس بحُجَّةٍ عليه، وإن سَكَتَ البَالِغُ، فقد ذكر صاحب الكِتَابِ: أنه يُلْحِقُهُ القَائِفُ.
وهذا لمَ أَجِدهُ لغيره: وليس هناك إلا وَاحِدٌ يدعيه.
نعم، لو ادعاه اثنان في مَوَاضِعِ الاشْتِبَاهِ، وهو سَاكِتٌ، يُعْرَضُ على القَائِفِ.
وكذلك ذكره في "الوسيط".
قال: فإن وافق أحدهما، لَحِقَهُ، ولم يُقْبَلْ قَوْلُ القَائِفِ؛ على خلافه.
ومنها: لو تَدَاعَى اثنان صَبيّاً مَجْهُولاً، فقد أُطْلِقَ هاهنا؛ أنه يُلْحَقُ بصاحب اليد.
كذلك نَقَلَهُ القاضي الروياني عن القَفَّالِ، والأَشْبَهُ بالمذهب، تفصيل ذكره في اللَّقِيطِ؛ وهو أنه إن كان يده عن الْتِقَاطٍ، لم يُؤَثِّرْ، وإن لم يكن عن الْتِقَاطٍ، فَيُقَدَّمُ صَاحِبُ اليد، إن تقدم اسْتِلْحَاقُهُ على اسْتِلْحَاقِ الآخر، وإلا فوجهان.
وأما غير المُكَرَّرِ فصورتان:
إحداهما: إذا ادَّعَى نَسَبَ مَوْلُودٍ على فِرَاشِ غيره بسبب وطء شُبْهَةٍ اتفق، فإن قلنا: إن وَطْءَ الشُّبْهَةِ، إذا كانت المَرْأَةُ فِرَاشاً للزَّوْج، لا أَثَرَ له، والولد يُلْحَقُ بالزَّوْج، فلا اعْتِبَارَ بقوله.
وإن جعلناه مُؤَثِّرَاً، فلا يكفي اتِّفَاقُ الزوجين عليه، بل لاَ بُدَّ من البَيِّنَةِ على الوطء؛ لأن لِلْمَوْلُودِ حَقّاً في النَّسَبِ واتفاقهما ليس بِحُجَّةٍ عليه.
فإذا قامت البَيِّنَةُ، عُرِضَ على القَائِفِ.
فإن كان المُدّعي نَسَبُهُ بَالِغَاً، واعْتُرِفَ بِجَرَيَانِ وطء الشبهة، وجب أن يكفي.
الثانية: إذا استلحق مَجْهُولاً، وله زوْجَةٌ، فأنكرت وِلاَدَتُهُ، فهل يلحقها باسْتِلْحَاقِهِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن وَلَدَهُ منها ظاهراً.
وأصحهما: المنع؛ لِجَوَازِ أنه من وطء الشبهة 1، أو زوجة أخرى.
وهما كوجهين ذَكَرْنَاهُمَا في اللَّقِيطِ، في أَنَّ المَرْأَةَ إذا اسْتُلْحِقَتْ، وقبلنا 2 استلحاقها، هل يلْحَقُ الوَلَدُ زوجها؟ ولو استلحق مَجْهُولاً، وله زَوْجَةٌ، فأنكرت وِلاَدَتَهُ، واستلحقته امرأة لها زَوْجٌ، فَأَنْكَرَهُ، حكى في "الوسيط": فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أُمَّهُ التي استلحقها دون المنكرة، وربما اتَّفَقَ بينها وبين صاحب اليد وطء شُبْهَةٍ.
والثاني: أن أُمَّهُ زَوْجَةُ صاحب اليَدِ، فإنها فِرَاشُ زَوْجِهَا.
والثالث: يُعْرَضُ على القَائِفِ، فأيتهما ألحقه [بها] 1، فهي أُمُّهُ.
ولو كانت الصورة بِحَالِهَا، وأقام كُلُّ واحد البَيِّنَةَ.
فعن ابْنِ سُرَيْجٍ أربعة أوجه:
أحدها: أن بَيِّنَةَ الداخل أَوْلَى؛ لأنا لو أَلْحَقْنَاهُ بالمرأة، لالْتَحَقَ بالزَّوْجِ مع إِنْكَارِهِ، فيصير الرَّجُلُ تَبَعأ لِلْمَرْأَةِ.
ثم إذا لحقه، لحق امْرَأَتَهُ.
والثاني: بَيِّنَةُ المرأة أَوْلَى؛ لأن وِلاَدَتَهَا مَحْسُوسَةٌ، ثم لا يلزم من أن يلحقها أن يَلْحَقَ زَوْجَهَا.
والثالث: أنهما يَتَعَارَضَانِ.
والرابع: أنه يُعْرَضُ على القَائِفِ، فإن لحق الوَلَدُ بالرجل، لَحِقَ، ولحق زوجته.
وإن أَلْحَقَهُ بالمرأة، لَحِقَهَا دون زَوْجِهَا.
حكى الأَوْجُهَ هكذا، القاضي الروياني عن رواية الصيدلاني.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإذَا لَمْ يَجِدْ قَائِفَاً أَوْ تَحَيَّر، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبيُّ حَبَسْنَاهُ حَتَّى يَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدهِمَا، وَيَكُونَ اخْتِيَارَهُ كَإِلْحَاقِ القَائِفِ حَتَّى لاَ يُقْبَلَ رُجُوعُهُ كَمَا لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُ القَائِفِ، وَلاَ يُلْتَفَت إِلَى انْتِسَابِ الصَّغِيرِ المُمَيِّزِ، وَإِنْ وَطِئَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَحَبَلَتْ لَكِن ادَّعَى أَحَدُهُمَا الوَلَدَ، وَسَكَتَ الآخَرُ، فَفِي قَوْلٍ يُعْرَضُ عَلَى القَائِفِ، وَفِي قَوْلٍ: يَخْتَصُّ بِالمُدَّعِي، وَنَفَقَةُ الوَلَدِ قَبْلَ إلْحَاقِ القَائِفِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَرْجِعُ مَنْ قَطَعَ القَائِفُ نَسَبَهُ، وَإِنْ مَاتَ الوَلَدُ عُرِضَ عَلَى القَائِفِ قَبْلَ أن يَتَغَيَّرَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البَقِيَّةِ مَسَائِلُ:
احداها: إذا لم [يجدِ] 2 قائِفاً، أو تَحَيَّرَ ولم يَجِدْ جَوَاباً، أَوْ ألحق الوَلَدُ بهما، أو نَفَاهُ عنهما، وَقَفْنَا إلى أن يَبْلُغَ، فإذا بلغ، أَمَرْنَاهُ بالانْتِسَاب إلى أحدهما بحسب المَيْلِ الذي يَجِدُهُ، فإن امْتَنَعَ، حُبِسَ لِيخَتْارَ، وإذا اختار، كان اخْتِيَارُهُ كإلحاق القَائِفِ.
وإن قال: لا أَجِدُ مَيْلاً إلى أحدهما، بَقِيَ الأَمْرُ مَوْقُوفاً، ولا عِبْرَةَ بإخباره قبل البُلُوغِ.
وإن كان مُمَيِّزاً، وفيه وجه؛ أنه يُخَيَّرُ إذا صار مُمَيِّزاً، كما يُخَيَّرُ بين الأبوبن في الحَضَانَةِ.
وكل هذا مذكور بالشرح في اللقيط.
وعن أحمد: أنه إذا ألحقه 3 القَائِفُ بهما جَمِيعاً، أُلْحِقَ بهما.
الثانية: إذا أَلْحَقَهُ القَائِفُ بأحدهما، ثم رجع، وأَلْحَقَهُ بالآخر، لم يُقْبَلْ على ما مَرَّ في اللَّقِيطِ.
وكذا لو أَلحَقَهُ قَائِفٌ بِأَحَدِهِمَا، فجاء بِقَائِفٍ آخر، فألحقه به؛ لأن الاجْتِهَادَ
لا يُنْقَضُ بالاجتِهَادِ.
وهذا هو المَشْهُورُ في الصورتين.
وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ: أنه إذا ألْحَقَهُ قَائِفٌ بهذا، وقَائِفٌ بهذا، تَعَارَضَا، وصار كأن لا قَائِفَ.
وأنه إن رَجَعَ القَائِفُ بعد تَنْفِيذِ الحكم بقوله، لم يُلْتَفَتْ إلى رُجُوعِهِ.
وإن رجع قبل أن يُنَفِّذَ الحاكِمُ الحُكْمَ، قيل: رُجُوعُهُ كرجوع الشُّهُودِ، لكن لا يُقْبَلُ قوله في حَقِّ الآخر؛ لسقوط الثِّقَةِ بقوله، ومعرفته.
وإذا أَلْحَقَهُ القَائِفُ بهما؛ فعن القَفَّالِ، وغيره: أنه يُسْتَدَلُّ بذلك على أنه لا يَعْرِفُ الصّنْعَةَ، فلا يُعْتَدُّ بقوله من بَعْدُ, إلا أن يَمْضِيَ زَمَانٌ، يمكن العِلْمُ فيه، فَيُمْتَحَنُ حينئذ، ثم يُعْتَمَدُ.
وكذا لو كانا توأمين، فالحق القائِفُ [أحدهما] 1 بأحدهما، والآخَرَ بالآخر فهو كما لو ألحق الواحد بهما فإذا انْتَسَبَ المَوْلُودُ إلى أحدهما، يَثْبُتُ نَسَبُهُ منه، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عنه.
وإن انْتَسَبَ إليهما، لغى، وأُمِرَ بالانْتِسَابِ إلى أحدهما.
ولو اختلف التوأمان في الانْتِسَاب، لم يُعْتَبَرْ قولهما، فإن رجع أحَدُهُمَا إلى قول الآخر، قُبِلَ.
الثالثة: إذا وَطِئَا في طُهْرٍ واحد، وأَتَتْ بولد، يمكن [أن يكون] 2 منهما.
كما سبق تَصْوِيرُهُ، فادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا، وسَكَتَ عنه الآخَرُ، أو أنكره، فقولان:
أحدهما: أنه يَخْتَصُّ بالمدعى كما لو كان في يد اثنين ادَّعَاهُ أحدهما دون الآخر، يُجْعَلُ له.
وأظهرهما: وهو الذي أَوْرَدَهُ القاضي ابْنُ كَجٍّ: أنه يُعْرَضُ على القَائِفِ؛ أن الوَلَدَ صَاحِبُ حَقٍّ في النَّسَبِ، فلا يَسْقُطُ حَقُّهُ بالإِنْكَارِ، وترك الدعوى.
وإن أَنْكَرَاهُ معاً، يُعْرَضُ على القَائِفِ، ولا يُعَطَّلُ نَسَبُهُ 3.
الرابعة: نَفَقَةُ الوَلَدِ إلى أن يُعْرَضَ على القَائِفِ، وفي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ إلى الانْتِسَاب عليهما، فإذا الْتَحَقَ بأحدهما، رَجَعَ الآخَرُ عليه بما أَنْفَقَ.
وهل تجب النَّفَقَةُ في حَالِ الاجْتِنَانِ؟ بُنِيَ ذلك على أن الحَمْلَ؛ هل يُعْلَمُ إن قلنا: نعم فنعم، وإلا فلا إن أوجبناها فكان أحد المدعيين زَوْجاً قدْ طَلَّقَهَا، والآخر وَاطِئاً بالشُّبْهَةِ؟
فإن قلنا: إن النَّفَقةَ للحامل 4، فهي على المُطَلِّقِ.
وإن قلنا: للحمل، أُخِذَا بها إلى أن يَظْهَرَ الأَمْرُ.
وإن أوصى للطفل في وقت التوقف، فليقبلا الوَصِيَّةَ جميعاً.
الخامسة: إذا مات المَوْلُودُ قبل العَرْضِ على القَائِفِ، فإن تَغَيَّرَ، فقد تَعَذَّرَ العَرْضُ.
وإن لم يَتَغَيَّرُ، فَيُنْظَرُ، إن دُفِنَ، لم يُنْبشْ، وإن لم يُدْفَنْ، فوجهان:
أظهرهما: ويُحْكَى عن أبي إِسحَاقَ: أنه يُعْرَضُ؛ لأن الشبه لا يَبْطُلُ بِالمَوْتِ.
والثاني: المنع؛ لأن القَائِفَ قد يَبْنِي على الحَرَكَةِ، والكلام.
وما يبطل بالموت.
وإذا مَاتَ أحد المتداعيين، عُرِضَ أبوه، أو أخوه، أو عمه مع المولود؛ قاله في "التهذيب" (1).
فروع
:
في الرُّعَاةِ مَنْ يَلْتَقِطُ السَّخَالَ في ظُلْمَةِ الليل، ويُلْقِيهَا في وِعَاءٍ معه، فإذا أَصْبَحَ، أَلْقَى كل سَخْلَةٍ بين يدي أُمِّهَا.
ولا يُخْطِئُ؛ لمعرفته بها وبأمها.
فعن الإصْطَخْرِيِّ: أنه يُعْمَلُ بقول مِثْلِ هذا الرَّاعِي، إذا تَنَازَعَ اثنان في سَخْلَةٍ، والظاهر خِلاَفهُ.
وإنما عُمِلَ بقول القَائِفِ، لِشَرَفِ الآدَمِيِّ كيلا يَضِيعَ نَسَبُهُ.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ الدَّيْنَوَرِيُّ عن تخريج أبي الحَسَيْنِ وجهين في أن القِيَافَةَ أَوْلَى بالرِّعَايَةِ بعد بُلُوغ المَوْلُودِ؛ أو الانْتِسَابِ.
وادعى أن الظَّاهِرَ [الثاني، وأنه لا رُجُوعَ إلى القَائِفِ بعد بُلُوغِ المولود، والظاهر] 2 خَلاَفهُ، على ما سَبَقَ في اللَّقِيطِ.
وأنه لو أَلْحَقَ المَوْلُودَ قَائِفٌ بأحد المتداعيين بالأَشْبَاهِ الظَّاهِرَةِ، وآخر بالثاني بالأَشْبَاهِ الخَفِيَّةِ؛ كالخلق وتَشَاكُلِ الأَعْضَاءِ، فأيهما أَوْلَى؟
فيه وجهان: أظهرهما: الثاني؛ لأن فيهما زِيَادَةَ حَذَقٍ وبَصِيرَةٍ.
وإذا تَدَاعَاهُ مسلم، وذِمِّيٌّ، وأقام أحدهما بَيِّنَةً، تَبِعَهُ نَسَباً ودِيناً.
وإن ألحقه القَائِفُ بالذِّمِّيِّ، تَبِعَهُ نَسَباً، لا دِيناً.
ولا تُجْعَلُ حَضَانَتُهُ للذِّمِّيِّ.
وإذا تَدَاعَاهُ حُرٌّ وَعَبْدٌ، وألحقه القَائِفُ بالعبد، يثبت النَّسَبُ، وكان حُرّاً؛ لاحْتِمَالِ أنه وُلدَ من حُرَّةٍ.
هذا تَمَامُ الكَلاَمِ في هذه الأَبْوَابِ.1