العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 502-541

فالحُكْم كما ذكرنا فيما لو أذن في الانتقال من مَسْكن إلى مَسْكن، فإن وُجِدَ سببُ الفراق بغد الانتقال إلى البلد الآخر، اعتدَّتْ في المنتقل إلَيْه، وإن وُجِدَ قبْل مفارقة عمْران البلد المنتقل عنه، لم تخرج بل تَعُود إلى المَسْكن، وتعتد فيه وإن كان في الطريق، فعَلَى الخلاف، وإن أذن في غير سفر النَّقْلة، نُظِر؛ إن تعلَّق بغرض مهمٍّ، كالتجازة أو حج وعمرة والاستحلال عن مظلمة ونحوها، ثم وُجِدَ سببُ الفراق، فيُنظر؛ إن حدث قبل أن تخرج من المسكن، فلا خلاف أنها لا تخرج بل تعْتد هناك، وإن خرجت منْه على قصْد السَّفَر ولم تفارق بعد عمران البلد، فوجهان: أحدهما: وهو ظاهرُ النَّصِّ، واختيار الاصطخريِّ عن ابن أبي هريرة: أنه يلزمها الانصراف والاعتداد في المسكن؛ لأنَّها لم تشْرَع في السفر بعْد، فأشبه ما إذا لم تخرج من المنزل.
[والثاني: تتخير بين العود والمضى في السفر لأن عليها ضرر في إبطال سفرها وفوات غرضها] وحكي وجهٌ غريبٌ فارقٌ بين أن يكُون السفر سَفَر الحج، فلا يلزمها الانصراف وبين أن يكون غيره، فيلزم، وإنْ وُجِد سبَبُ الفراق في الطَّريق، فلا يجب الانصراف بل تتخير بين أن تمضِيَ، وهي معتدة في سيرها [وبين أن تعود] وذلك؛ لأن قطْع السفر مشقَّة ظاهرة بلحوق التعب من غير الوصول إلى المقصد وبالانقطاع عن الرُّفْقَة وغيرهما، وعن رواية ابن أبي هريرة وجهٌ ضعيف: أنه إن حدث قبل أن تقطع مسافة يوم وليلة، يلزمُها الانصراف، وإن استقر السفر، بقطع هذه المسافة لم يلزم وتخيرت، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه إذا طلَّقها أو مات عنْها وبيْنها وبيْن المسْكن ثلاثة أيام، لزمها المضيُّ إليه والاعتداد فيه، وإن كان بيْنهما مسيرة ثلاثة أيام، فإن كان ذلك الموضع موضِعَ إقامة، فتقيم فيه، وتعتدُّ [و] 1 إلا فلها المضيُّ إلى المقصد، ويجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قوله في الكتاب: "وإن كان في الطريق، لم يلزمْها الانصراف" بالحاء والواو، وإذا خيَّرناها، فإن اختارت العَوْد إلى المسكن والاعتداد به، فذاك، وفي تعليق الشيخ أبي حامد أنه الأوْلَى، وإن اختارت المضيَّ إلى المقصد، فمضت إليه أو حدث سبَبُ الفراق بعْدما دخَلَتِ المقصد، فلها أن تقيم إلى قضَاء حاجتها، فإن زادَتْ إقامتها على مدة إقامة المسافرين، فإن قضَت الحاجة قبْل تمام هذه المدة المذكورة، ففي "التهذيب" و"الوسيط" وغيرهما: أن لَهَا أن تقيم إلى تَمَام مُدَّة المسافرين 2، وهذا

حكاه 1 القاضي الرويانيُّ عن بعضهم، وغلط قائله، وقال: نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غَيْر، وإن كان الزوج أَذِنَ لها في سفر النزهة، وبلغت المقصد، ثم حدث ما يوجب العدة، فإن لم يقدر مدة، لم تقم أكثر من مدة المسافرين، وإن قدر لها مدة، فهل الحُكْم كذلك أم لها استيفاء تلْك المدَّة؟ فيه قولان: أحدهما: أن الحُكْم كذلك؛ لأنَّها ليْسَتْ منتقلة إلَيْه، وقد بَطَل حكْم إذنه بزوال ملكه عنها.
وأصحُّهما، وهو اختيار المزنيُّ: أن لها استيفاءَ تلْك المدَّة [منه،] 2 كما يجوز في سفر الحاجة الإقامةُ إلى قضاء الحاجَة؛ للإذن فيه، وكما أنَّه إذا أذِنَ في سفَر النقلة تقيم وتعتد هناك، ولا يقال: زال 3 الإذن بزوال الملك، وأجْرى القولان فيما إذا قَدَّر مدة في سفر الحاجة زائدةً على قدْر الحاجة، فإن المكْث الزائد على قَدْر الحاجة كسفر النزهة، فعلى قول: يجب الانصرافُ إذا قضَتِ الحاجة، وعلى قول: تجوز الإقامة إلى تمام المدة المقدَّرة، ويجريان فيما إذا أمَرَها بالانتقال إلى مسكن آخر في البلدة مدة قدَّرها، ثم طلقها، أو مات.
كذلك حكاه الرويانيُّ عن نصه في "الأم"، وفي "البسيط" و"الوسيط": أن الطلاق يُبْطِل تلك المدَّة، ولم يجعله على الخلاف، وقد يفرق بينهما بأن الضرر فيه لا يُضَاهي ضَرَر قطْع السفر، ويجريان فيما إذا أذن لامرأته في الاعتكاف = تقيم إلا بعد قضاء الحاجة والظاهر أن مراده ما إذا قضتها بعد الثلاث وصرح العراقي في شرحه وصاحب الاستقصاء بان لها استيفاء الثلاث ولم يقولا إن كلامه يقتضي خلاف ذلك وهو الذي فهمه صاحب البيان أيضاً فقال وإن كان سفرها الزيارة أو النزهة ولم يقدر لها مدة فلها أن تقيم ثلاثة أيام لا غير لأنه إنما أذن في السفر دون الإقامة وإن كان سفرها لحاجة أو تجارة، فقال الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ لها أن تقيم حتى تقضي حاجتها، وقال الشيخ أبو حامد: لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام.
انتهى.
وهو صريح في أن مراد صاحب المهذب ما فوق الثلاث.
وأما الجرجاني فعبارة النسك ولم تعم بعد قضاء شافية وتحذيره، فإن مضت في سفرها لم تقم بعد قضاء الوطء من التجارة ولم يقم في النزهة أكثر من ثلاثة أيام.
انتهى، وهو موافق للجمهور أن النسك والتجارة لا تقضيان غالباً من دون الثلاث، والنزهة قد تحصل في يوم أو بعضه.
وأما الرافعي في المحرر فإن عبارته توهم ذلك فإنه عبر بأنها تقيم لقضاء حاجتها لكن كلامه في الشرح الصغير يقتضي أن المذهب المنقول الجواز فإنه قال: فإذا قضت الحاجة فهل لها أن تقيم مدة مقام المسافرين ففي التهذيب وغيره أن لها إتمام هذه المدة، ونهم من نازع فيه فقال نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غير.
انتهى.
وقال في الخادم: إن هذا ظاهر نص الأم والمختصر وأطال النقل بذلك عن جماعة.

مدَّة، ولزمتها العدَّة قبل تمام المدة، هل لها إدامة الاعتكاف إلى تَمَام المدَّة، أو يلزمها الخروج، لتعتد في المَسْكن؟ فإن لم يلزمْها الخُرُوج، فخرَجَت، بَطَل اعتكافها، ولم يكن لها البناء عليْه، إذا كان منذوراً، وإن ألزمناها، فيبطل بالخروج أو يجوز البناء عليه؟ فيه خلاف مذكور في الاعتكاف، والظاهر جواز البناء، ومنْهم مَنْ يبنى الخلاَف على جواز البناء، إن جاز، فعليها الخروج، وإلا، فإبطال العبادة علَيْها كإبطال أهبة السفر، وإن حدَثَ سببُ وجوب العدَّة في سفر النزهةِ قبْل البلوغ إلى المقصد، فحيث قلْنا في سفر الحاجة: يجب الانصراف، فهاهنا أوْلَى، وإذا قلنا: لا يجب، فهاهنا وجْهان وعن القَفَّال؛ بناؤهما على القولَيْن في أنه هل يجوز استيفاء المدَّة المقدَّرة؟ إن جوَّزناه، لم يجب الانصراف من الطريق، وإلاَّ، وجب، [و] هذه الطريقة هي التي أوردها في الكتاب، ويجوز أن يُعْلَم قوله "وكذلك في وجوب الانصراف عن الطريق" بالواو؛ لأن منهم مَنْ يقطع بأنه لا يجب كما في سَفَر الحاجة، وكذلك أورده صاحب "الشامل" ثم سفر الزيارة كسفر النزهة في ظاهر النَّصِّ، ومنْهم مَنْ يُلْحقه بسفر الحاجة، ثم إذا انتهت مدة جواز الإقامة، فعليها الانصراف في الحال، إن لم تنْقَض مدة العدَّة، بتمامها؛ لتعتد بقيَّة العدَّة في المسكن، فإن كان الطريق مخوفاً أو لم تجدْ رفقة، فتعذر في التأخر، وإذا علمت أن البقيَّة تنْقَضِي في الطريق، ففي لزوم العَوْد وجهان: أحدهما، ويُحْكى عن أبي إسحاق، واختيار القَفَّال: [المنع؛] 1 لأنَّها لا تَقْدِر على العدَّة في المسكن، والاعتدادُ وهي مقيمة، أوْلَى من الاعتداد، وهي سائرة.
وأظهرهما، وهو نصه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه يلزمها العَوْد؛ لتكون أقرب إلى المسكن، وأيضاً، فتلك الإقامة غير مأذونٍ فيها، والعَوْدُ مأذونٌ فيه، وهذا كلُّه فيما إذا أذِنَ لها في السفر، فأما إذا خرَجَت مع الزوج، ثم طلَّقها أو مات، فعَلَيها الانصراف، ولا تقيم أكثر من مدة المسافرين 2، إلا إذا كان الطريق مخوفاً أو لم تَجِدْ رُفْقة، وعلَّله في الكتاب بأنَّها إذا خرَجَتْ مع الزوج، خَرَجَت بأهبته، فلا يبطل عليها أهبة السفَرِ، وآخرون منْهم صاحب "التتمة": بأن سفرها كان بسفره، وقد انقطع سفَرُها بانقطاع سفَرِه أو زال سلطانه عنها، فيلزمها العَوْد إلى المسكن.
هذا إذا كان سفره لغرض نفسه واستصحبها ليستمتع بها فأما إذا كان السفر لغرضها وخرج الزوج بها، فليكن الحُكْم كما ذكرنا فيما إذا أذِنَ لها، فخرجَتْ، وفي نَظْم "المختصر" ما يشعر بذلك والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الإِحْرَامِ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ لَمْ تُحْرِمْ وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحِجٍّ وَهِيَ فِي البَلَدِ وَقَبْلَ تَأْخِيرِ الْحَجِّ فَفِي وُجُوبِ التَّأْخِيرِ تَرَدُّدٌ لِمَا في مُصَابَرَةِ الإِحْرَامِ مِنَ العُسْرِ وَمَنْزِلُ البَدَوِيَّةِ مَسْكَنُهَا فَلاَ تُفَارِقُ إلاَّ إِذَا رَحَلُوا فَإِنْ رَحَلَ أَهْلُهَا وَهِيَ فِي أَمْنٍ لَوْ أَقَامَتْ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ إِذ مُفَارَقَةُ الأَهْل تَعْسُرُ وَلَوْ رَحَلَتْ مَعَهُمْ وَأَرَادَتِ المُقَامَ بِقَرْيَةٍ جَازَ بِخِلاَفِ البَلَدِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السفر فيه مسألتان: إحداهما: لو أذِنَ لامرأته في الإحرام بحَجِّ أو عمرة، ثم طلَّقها قبْل الإحرام، فلا تُحْرِم، ولا تنشئ السفر بعْد لزوم العدَّة، ولو أحرمتْ، فهو كما لو أحرمَتْ بعْد الطلاق من غير تقدُّم الإذن، وحكمه: أن لا يجوز لها الخُرُوج في الحال، وإن كان الحجُّ فرضاً بل تقيم وتعتدُّ؛ لأن لزوم العدة سبق الإحرام، فإذا انقضت العدَّة، أتمت عمرتها، إن كان الإحرام بعمرة، وكذا حكْم الحج، لو بقي وقته، وإن فات، تحلَّلت بعمل عمرة، وأراقت دماً، وقفت ولو أحرمت أوَّلاً، إما بإذن الزوج أو غير إذنه، ثم طلَّقها، فإن كانت لا تخْشَى فوات الحج، لو أقامت، اعتدت أولاً أو كان الإحرام بعمرة، فوجهان، وهو المذكور في "المهذب" أنه يلزمها أن تعتدَّ هناك أوَّلًا [و] 1 تؤخِّر الخروج لأداء النسك؛ لأنه أمكن رعايةُ الحَقَّيْن، فلا يجوز إسقاط أحدهما.
وأظهرهما، وهو الذي أورده الشيخ أبو حامد والأكثرون: تتخير بين أن تعتد أولاً وبين أن تخْرُج في الحال؛ لأداء النسك؛ لأن مصابرة الإحرام عَسِرَةٌ، وقد تزداد مشقة الانصراف من الطريق، وإن كانت 2 تخشى فوات الحج؛ لضيق الوقْت فتخرج إلى الحج معتدةً؛ لأن الإحرام سَبَقَ وجُوب العدة؛ ولأنها إذا خرجَتْ، حَصَل الحج، وانقضت العدة، وإن أخلت صفة الوقوع في المسكن، ولو اشتغلت بالاعتداد هناك فات، أصل الحج.
وعن أبي حنيفة: أنَّها تقيم وتعتدُّ ولا تخرج للنسك بحال.
الثانية: منزل البدوِيَّة وبيتها من صوف أو شعر كمنزل الحضرية من طين وحجر، فإذا لزمتها العدَّة فيه فعليها ملازمته ثم إن كانت البدويَّة مِنْ حيٍّ نازلين على ما لا ينتقلون عنه، ولا يظعنون إِلاَّ لحاجة، فهي كالحضرية منْ كلِّ وجه، وإن كانَتْ من حيّ ينتقلون عنْه شتاءً أو صيفاً، فإن ارتحلوا جميعاً، ارتحلت معهم؛ للضرورة وإنِ ارتحل بعْضُهم، نُظِر؛ إن كان أهلها ممن لم يرتحل، وفي الذين لم يرتحلوا قوةٌ وعددٌ، فليس

لها الارتحال، وإن كان أهْلُها ممن يرتحل، وفي الباقين قوةٌ وعددٌ، فوجهان: أحدهما: أنه ليس لها الارتحال، وتعتد هناك لتيسره 1. وأصحهما: أنها تخيَّر بيْن أن تقيم وبيْن أن ترتحل؛ لأن مفارقة الأهل عَسِرة موحِشَةٌ، ولو هرب أهْلُها، خوفاً من عدوٍّ ولم ينتقلوا، ولم يكُنْ لها خوفٌ، لم يجز لها الارتحال، وسيعود المرتحلون عن قريب إذا أمنوا، ولو ارتحلتْ حيث يجُوز بها الارتحال، ثم أرادت المقام بقَرْية في الطريق والاعتداد فيها، جاز؛ فإنه أحسن من السَّيْر والانتقال، وأليق بحال المعتدة، وتخالِفُ البلديةُ المأذونةَ في السفر لا يجوز لها الإقامة ببعض القرى في الطريق؛ لأنَّها ساكنة متوطِّنة، والسفر طارئٌ عليها، فتعتد في الوطَن أو المقصد، وليس لأهل البادية مقْصد، ولا إقامة محقَّقة؛ [و]، 2 لذلك لم تُوظَّفْ عليهم الجمعة.
فرْع: لو طلَّق زوجته أو مات عنها، وهْي في سفينة، فإن ركبتها مسافرةً، فحُكْم السفر ما مرَّ؛ وإن كان الرجل ملًاحاً، ولا منزل له سوى السفينة، فإن كانت السفينة كبيرةً فيها بيوتٌ متميزةُ المرافق، اعتدَّت في بيْت منها معتزلةً عن الزوج، ويسكن الزوج بيتاً آخَرَ، وكانَتْ هذه السفينةُ كدارٍ فيها حُجَرٌ مفردةُ المرافق، وإن كانت صغيرةً، نُظِر؛ إن كان معها مَحْرَمٌ لها يمكنه أن يعالج السفينة، خرج الزوج واعتدت هي فيها، وإلا، فتخرج وتعتد في أقرب المواضع إلى الشَّطِّ، فإذا 3 تعذَّر خروجها أو خروجه، فعليها أن تتستر، وتبعد عنه بحسب الإمكان، هذا ما أورده صاحب "التهذيب" و"الشامل" وغيرهما -رحمه الله-، وفيه إشْعَار بأنه لا يجوز لها ابخروج من السفينة، إذا أمكن الاعتِدَاد فيها، وقد نصَّ عليه ناصُّون، ونقل القاضي الرُّويانيُّ: أنها تتخيَّر بين أن تعتدَّ في السفينة وبين أن تخْرُج، فتعتد خارِجَها، فإن اختارت الاعتداد في السفينة، فحينئذ يُنْظَر في السفينة، أهِيَ كبيرةٌ أم صغيرةٌ؟ ويراعى التفصيل 4 المذكور، وذكر فيما إذا اختارت الخروج وجهَيْن، في أنها أين تعتد؟ وأظهرهما، وبه قال الماسرجسي: أنَّها تعْتدُّ في اْقرب القُرَى إلى الشطِّ.
والثاني عن أبي إسحاق: أنها تعتدُّ في أي موضع شاءت، والله أعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ فِي دَارٍ أُخْرَى فَقَالَتْ: لاَ أَنْتَقِلُ فإِنِّي انْتَقَلْتُ بالإِذْنِ فَأَنْكَرَ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ جَرَى الخِلاَفُ مَعَ الوَرَثَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا إِذْ وُجُود الانْتِقَالِ يُقَوِّي جَانِبَهَا

وَقِيلَ فِي المَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا خرجت الزوجة إلى غَيْر الدار المألوفة أو غير البلد المألوف، ثم طلَّقها زوْجُها، واختلفا، فقال الزوج: أذِنْتُ لك في الخروح؛ للنزعة أو بغرض كذا، فعودي إلى المنزل الأوَّل، واعتدي فيه، فقالت الزوجة: بَلْ، أذنْتَ للنقلة، وإنما أعتد في المنزل الثانيِ، فَفِي مَنْ يُصدق منْهما اختلافُ نصِّ وفي كيفيَّة النصيْن طريقان للأصحاب: أحدهما، وهو الذي أورده الشيخان صاحب "التهذيب" وإبراهيم المروروذي، وحكاه الصيدلانيُّ عن القَفَّال: أن النَّصِّ في صورة اختلاف الزوجين أن القول قوْلُها، وهو ظاهر كلامه في "المختصر" ونصَّ فيما إذا خرجَتْ بالإذن، ومات الزوج، وجرى هذا الخلاف بيْن وارثه وبينها: أن القول قول الوارث، وربَّما نسب ذلك إلى رواية المزنيِّ، في "الجامع الكبير"، واختلفوا فيهما على طريقَيْن: أحدهما: أن في الصورتَيْن قولَيْن، بالنقل والتخريج.
وجهُ تصديقِ الزوجِ والوارثِ: أنَّ الأصل عدم الإذْن في النقلة، وأيضاً، لو جرى الخلاف في أصْل الإذْنَ في الخروج كان القوْل قوْلَ الزوجِ أو وارثِهِ، فكذلك، إذا اختلفا في كيفية الإذْن، ووجْه تصديق الزوجة أنها في الحال في المنْزِل الثاني، فالظاهر يشهد لها، وهي كشَيْء في يد إنسان يدَّعيه غيره، وخرَّج مُخَرِّجون على تقابُل الأصل، والظاهر، وقالوا: الأصْل مع الزوْج، والظاهر معها.
والثاني: تنزيلهما على حالَيْن، وهؤلاء اختلفوا على طريقَيْن: أحدهما: أن موضع تصديقها ما إذا اتفقا على أنَّه أذِنَ في الخروج مطلقاً، وقال الزوج: أردتُّ النزهة، فقالت: بل النقلة، فيكون القول قولها؛ لأن الإذْن في الخروج إلى موضع آخر في الانتقال، وفي هذه الحالة، لو كان الاختلافُ مع الوارث، فهِيَ المصدَّقة أيضًا، وموضع تصديق الزوج أو الوارث ما إذا كان الاخْتِلافُ في اللَّفْظ، فقال الزوج قلْتُ: اخرجي للنزعة، أو قال وارثه ذلك، وقالت المرأة: بل قال: اخرجي للنقلة؛ لأن الأصل أنَّه لم يقل ذلك.
والثاني: أنه، إنّ تحوَّل الزوج معها إلى المنزل الثاني، فهي المُصدَّقة، سواءٌ جرى الخلاف مع الزوج أو وارثه، وإن انفردتْ بالتحوُّل، فالمُصدَّق الزوج أو وارثه؛ للقرينة.
والطريق الثاني في الأصل، وهو الذي أورده صاحب الكتاب، وأبو الفرج السرخسيُّ: أن النص فيما إذا كان الاختلافُ بيْن الزوجين أن القول قول الزوج، وفيما إذا كان الاختلاف بينها وبين الوارث: أن القول قولُها، واختلف ناقلو النَّصَّيْن هكذا على ثلاثة طرق:

أحدها: الأخْذ بهما، والفرق أن كونها في المنزل الثاني يشهد بصِدْقها، ويرجِّح جانبها على جانِب الورثة، وإن لم يترجَّح على جانِبِ الزَّوْج؛ لأن الواقعة تتعلَّق بهما، والوارث أجنبيٌّ عنها، فتكون الزوجة أعرف بما جرى.
والثاني: جعْلهما على قولَيْن نقلاً وتخريجاً.
والثالث: تنزيلهما على حالين، كما ذكرنا في الطريقة الأولى، والأولان من الطرق الثلاثة مذكوران في الكتاب، فهذان الطريقان في كيفية اختلاف النَّصِّ في المسألة، وفيها طريقة ثالثةٌ؛ وهي أنهما، إن اتفقا على جريان لفظ الانْتِقَال لغير الإقامة بأن قال: انتقلي إلى موضع كذا، أو قال اخرجي إلَيْه، وأقيمي به، وقال الزوج: ضمَمْت إليه للنُّزْهة أو شهراً أو نحوهما، فأنكرت الزوجة هذه الضميمة، فالقول قولها؛ لأن الأصل في هذه الضميمة العَدَمُ، وإن كان المتفق عليه الإذن في الخروج لا غير، وقال الزوج: أردتُّ النزهة، وقالت: بل أردتَّ النقلة؛ فالظاهر أن القول قولُه؛ لأنه أعْرَفُ بقصْده ونيته، وفيه وجْه أو قولٌ: أن القول قولها، والإذن في الخروج مطلقاً محمولٌ على الانتقال، وإن كان الاختِلافُ مع الوارث، فإن اتفقا على جريان لفْظِ الانتقال والإقامة، فهي المصدَّقة بطريق الأوْلَى وإن لم يتفقا إلا على الإذْن في الخروج، فكذلك تُصدَّق المرأة؛ لأنهما مختلفان في إرادة الزوْج وقصْدِه، وكل منهما أجنبيّ عن ضميره ويرجح 1 جانبها بأنها شاهدت الحال؛ فكان الخطاب مهماً، وكان أوْلَى بالتصديق، ومن قال بهذه 2 الطريقة، حمل نص "المختصر" على ما إذا كان الخلاف بينها وبين الورثة، أو على ما إذا كان بيْن الزوجين واتَّفقَا على جرَيَان لفْظ الانتقال، وادَّعَى الزوج زيادة 3 قيد.
ومنْهم مَنْ نسب المزنيَّ إلى السهو، والذي يميل الأصحاب على طبقاتهم إلى ترجيحه: تصْدِيقُ الزَّوْج، إذا كان الاختلاف بين الزوجين، وتصديقُها، إذا كان الاختلافُ بينها وبيْن وارثه، ويُحكَى ذلك عن أبي حنيفة، وابن سُرَيْج -رحمهما الله-، والحكم فيما إذا اتفقا على تلفظه بالانتقال كما بيَّنَّا في الطريقة الثالثة، ولم يذكر فيه خلافاً، لكن لفظ الانتقال ليس صريحاً في المعْنَى الذي يريده كسفر النقلة بل يقع موقع الذَّهَاب والسفر والخروج، فقضيَّته أن يقال: إذا ادَّعى أنه أراد به النزهة ونحوها، جاز، كما إذا ادعاها في لفظ الخُرُوج، وإن صدَّقناها في أنه لم يتلفَّظ بالزيادة التي يدعيها.
وقوله في الكتاب "ولو كانت في دار أخرى، فقالت: لا أنتقل؛ فإني انتقلْتُ

بالإذن" المراد منه الصورة التي شرحناها، والمعنى: طلَّقها وهي في دار غير الدار المعهودة، فقال لها ارجعي إلَيْها، فقالت: لا أرجع، فإني انتقلت إلى هذه الدار، [بإذنك؛ ليكون المسكن هذه] وليس المراد ما يسبق إلى الفَهْم من ظاهره القول [قول] 1 الزوج بلا خلاف على أن الإِمام قال: يحتمل أن يجعل القولُ قوْلَها، كوجه ذُكِرَ فيما لو قال صاحب اليد: أعَرْتَني هذه الدار، وقال المالك: ما أَعَرْتُكَ، أنه يجعل القول قول صاحب اليد، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيجُوزُ لَهَا مُفَارَقَةُ المَسْكَنِ بِعُذْرٍ ظَاهِرٍ لِحَاجَةِ الطَّعَامِ أَوْ خَوْفِ المَالِ وَالنَّفْسِ وَالهِجْرَةِ وَإِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهَا وَلاَ يَجُوزُ في طَلَب زِيَادَةٍ كَتِجَارَةٍ وَكَتَعْجيلِ حَجَّةِ الإسْلاَمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هي يجب على المرأة ملازمة السكن الذي تعتد فيه؛ فلا تَخْرج إلا لضرورة أو عذر، إن خرجت غصباً، وقد روي عن ابن عمر 2 -رضي الله عنهما- قال: "لاَ يَصْلْحُ لِلْمَرْأَةِ أنْ تَبِيتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً إِذَا كَانَتْ فِي عِدَّةِ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ إِلاَّ في بَيْتِهَا، وَللزَّوْج أنْ يمنَعَها من الخروج؛ حفظاً لمائه، ولورثته المنعُ أيضاً عند موته، وتُعْذر في الخروج في مواضع: منها: إذا خافَتْ على نفسها أو مالها من هدم أو حربق أو غَرَق، فلها الخُرُوج، وشحتوي فيه عدة الطلاق 3 والوفاة، وكذا لو لم تكن الدار حصينة، وكانت تخاف اللصوص، أو كانت بين قوم فسقة تخاف منْهم على نفسها، أو كانت تَتأذى من الجيران أو من الأحماءَ تَأَذِّياً شديداً، وكذا لو كانت تبْذُو وتستطيل بلسانها على أحمائها، يجوز إخراجها من المسكن، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] الفاحشة مفسَّرة بذلك فيما روي عن ابن عباس وغيره -رضي الله عنهم- وإضافة البيوت إليْهنَّ من جهة أنَّها سكناهن، وليس المراد به ملكهن، فإن البذاءة لا تسلط على إخراج المالك من ملكه، ويروى 4 أن فاطمة بنت أبي حُبَيْش بَتَّ زوجها طلاقَها، فأمرها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن تَعْتَدَّ في بَيْت ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ،

قال سعيد بن المسيِّب: في لسانها ذراية، فاستطالت على أحمائها، ثم في "التهذيب" أنها إذا بذت على أحمائها، سقط سُكْناها، وعليها أن 1 تعتد في بيت أهلها، والذي ذكره العراقيون والقاضي الرُّويانيُّ والجمهور: أنه ينقلها الزوْج إلى مسكن آخر، ويتحرى القرب من مسكن العدَّة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في نظائره، وموضع النقل بالبذاءة ما إذا كانت الأحْماء معَها في دار واحدة تتسع لجميعهم 2 وإن كان ضيِّقة لا تسع جميعهم، فينقل الزوج الأحماء، ويترك الدار لها، وإن كانت الأحْماء في دارٍ أخْرَى، لم تنقل المعتدة عن دارها بالبذاءة، [ونقل المتولي أنها تنقل لإيذاء الجيران كما تنقل لإيذاء الأحماء هذا إذا كانت في دار والأحماء في القرى فإنها لا تنقل للإيذاء] إذا لم تكن الداران متجاورَيْن، ولو كانت البذاءة من الأحْماء دُونَها، فينقل الأحماء دونها، ولو كانت في دار أبَوَيْها؛ لأن الزوج كان يسكن دارهما، فبذت على الأبوين أو بد الأبوان عليها، لم ينقل واحد منهم؛ لأن الشر والوحشة لا تطول بينهم، كما يكون بينها وبين الأحماء 3، فلو كانت أحماؤها في دار أبوَيْها أيضاً، وبذت عليهنَّ، فينقلْن دونها؛ لأنها أحقُّ بدار الأبوين.
ومنها: إذا احتاجت إلى شراء الطعام أو 4 القُطْن أو بيع الغزل أو ما أشبه ذلك، فيُنْظَر؛ وإن كانت رجعيَّةً، فهي كالزوجات، وعليه القيام بكفياتها، ولا تخْرُج إلا بإذنه، قال في "التتمة"، وكذلك الحكم في الجارية المشتراة أو المسبية في زمان الاستبراء، وأما سائر المعتدات، فيجوز 5 للمعتدَّة عن الوفاة أن تخرج لهذه الحاجات نَهاراً، وكذلك لها أن تخرج بالليل إلى دار بعْض الجيران؛ للغزل والحديث، لكن لا تبيتُ معهم، وتعود للنوم إلى مسكنها، روي عن 6 مجاهد أن رجالاً استشهدوا بأُحُدٍ، فقال نساؤهم: يا رسول الله، إنا نستوحش في بيوتنا، أقبيت عند إحدانا، فأذن لهن رسول

الله -صلى الله عليه وسلم- "أن يتحدَّثْن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم، تأوي كل امرأة إلى بيتها"، وحكم الموطوءة بالشبهة وفي النكاح الفاسد في عدتهما حكم المتوفَّى عنها زوجُها، قال في "التتمة": إلا أن تكون حاملاً، وقلْنا: إنها تستحق النفقة، فلا يباح لها الخروج، وفي المعتدَّة عن الطلاق البائن، وفي معناها المفسوخ نكاحُها قولان: القديم: أنه ليس لها الخروج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وهذا قول أبي حنيفة -رحمه الله-.
والجديد: أنها كالمعتدة عن الوفاة؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه 1 - قال: طُلَّقَت خَالَتِي ثلاثاً، فخرجَتْ تجذ نخلًا فنهاها رجُلٌ، فأتتْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكَرَتْ له، فقال: "اخرجي فجُذِّي نخلَك، لعلك أن تصدقي منْه أو تفعلي خيراً"، قال في "التتمة": وهذا في الحائل أما الحامل، إذا قلْنا: تُعَجَّل نفقتها، فهي مكفية بها، فلا تخرج إلا لضَرُورة 2. ومنها: لو لزمتها العدَّة، وهي في دار الحرب فعليها أن تهاجر وتخرج إلى دار الإِسلام، ولا تقيم هنا لتعتد، قال المتولِّي: إلا أن تكون في موْضع لا تخاف على دِينها، ولا على نَفْسها، فلا تخرج حتى تعتدَّ.
ومنها: إذا وجب عليها حقٌّ احتيج إلى استيفائه، فإن أمكن استيفاؤه في مسْكنها كالدَّيْن والوديعة، فَعَل، وإن لم يمكن، واحتيج.
فيه إلى الحاكم كما إذا وجب عليها الحد، أو توجه يمين في دعوى، فإن كانت برزة، أخرجت، واْقيم عليها الحد أو حلفت ثم تعود إلى المسكن، وإن كانت مخدرةً، بعث الحاكم إليها نائباً أو يحضر بنفسه، واحتج للفَرْق بين البرزة والمخدرة بأن الغامدية 3 لما أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- واعترفت بالزنا، رحَمَها بعد وضْع الحمل، وقال في قصية العسيف 4: "وَاَغْدُ، يَا أَنيسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِن اَعْتَرَفَتْ، فَارْجُمْهَا" ولم يأمر بإحضارها، وتمام الكلام في التحذير يأتي في موضعه -إن

شاء الله تعالى-.
ومنها: إذا كان المسكن مستعاراً، فرجع المُعْير أو مستأجراً، ومضت المدة، وطلبه المالك، فلابد من الخُرُوج، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: البدوية تفارق المنزل، وترْتَحل مع الحيِّ إذا ارتحلوا، وقد سَبَق ذلك، ولا تُعذَر في الخروج؛ لأغراض تُعدُّ من الزيادات دون المهمات؛ كالزيارة والعمارة واستنماء المال بالتجارة، وتعجيل حَجَّة الإسلام وأمثالها.
والله أعلم.
فرْعٌ عن أبي إسحاق: زنَتِ المعتدَّة عن الوفاة، وهي بكر في عدَّتها، فعلى السلطان تقريبها، ولا تُؤَخَّر إلى انقضاء العِدَّة لا كتأخير الحد؛ لشدة الحر والبرد؛ لأنهما، يؤثِّران في الحد، ويعينان على الهلاك، والعِدَّة لا تُؤَثِّر في الحد، وعن "الحاوي" وجْه أنها لا تَغْرِب لحقِّ الزوج 1. قَالَ الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ) وَعَلَيْهِ أَلاَّ يُخْرِجَهَا من مِلْكِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ نَفِيساً لاَ يَلِيقُ بِحَالِهَا فَلَهُ أنْ يَنْقُلَهَا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَلْيَطلُبْ مَوْضِعاً قَرِيباً حَتَّى لاَ يَبْعُدَ اَلاِنَتِقَالُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ رَضِيَتْ بِدَارٍ خَسِيسَةٍ فَلَهَا الانْتِقَالُ إِلَى أُخْرَى وَعَلَيْهِ الإِبْدَالُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت أن مستحِقَّة السكنى من المعتدَّات لا تخرج من المسكن إلا لعُذْر، وعلى الزَّوْج أن يسكنها مسكناً يليق بحالها، ويصلح لمثلها عنْد حصول الفراق، فإن كان مسكن النكاح كذلك، فلا تعدل عنه، وحيث قلنا بأنه تجب ملازمة مسْكن النكاح، فهو المراد، وإن أطلق الكلام إطلاقاً، فإن كان قد أسكنها في النكاح داراً نفيسةً، هي فوق سُكْنَى مثلها، وطلَّقها، وهي فيها، فله أن لا يرضى الآن، وينقلها إلى دار كما تستحقه، ولو كانت قد رضِيَتْ بدار خسيسة، فطلقها، وهي فيها، فلها أن لا ترضى الآن، وتطلب النقل إلى ما يليق بها، وعليه الإبدال، وفي الصورتين احتمال 2 محكيٌّ في "البسيط" عن إشارة المراوزة؛ [والمعروف للأصحاب ما سبق] وينبغي أن تطلب مسكناً قريباً، ولا ينقلها إلى الأبعد مع وجود الأقرب كيلا يطول ترددها، حتى لو أمكنه أن يضم حجرةً إلى الدار الخسيسة، لتصير الجملة سكْنَى مثلها، فيضم ولا يخرجها، ويشبه ذلك أن مستحِقَّ الزَّكَاة، إذا لم يوجد في بلد الوجوب، تنقل الزكاةُ إلى أقرب البلاد إليه، ثم ظاهِرُ كلام الأصحاب -رحمهم الله- أن رعاية القُرْب هكذا

واجبةٌ، واستبعد صاحبُ الكتاب الوجوب، وتردَّد في الاستحباب، والصورتان ملحقتان بما تقدَّم من أعذار الخروج.
وقولُهُ في الكتاب "وعليه ألا يخرجها من مِلْكه" أشار بقوله: "مِنْ مِلْكِهِ إلى أن المنزل قد يَكُون ملكاً للزوج، وقد يكون مستعاراً أو مستأجراً، وقد تكلم فيها من بعد، لكن الحُكم المذكور، وهو أن عليه أن لا يخرجها، لا تَخْتص بالمِلْك، بل لو كان مستأجراً، ولم تنقص مدة الإجارة، فكذلك لا يخرجها.
وقوله "إلا إذا كان نفيساً" يقتضي حصر الإخراج فيه، ومعلوم أن له أن يخرجها بسائر الأعذار، كما سبق، وَيحْسُن أن تحمل "إلا" على "لكن".
ويجعلى هذا استثناء منقطعاً، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ مُدَاخَلَةُ الدَّارُ لِأَجْلِ الخَلْوَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ أَوِ امْرَأَةٌ يُحْتَشَمُ جَانِبُهَا أَوْ مَعَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى أَوْ جَارَيةٌ أَوْ مَحْرَمٌ لَهُ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ رَجُلاَنِ بِامْرَأَةٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ رَجُلٌ بِنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ وَلَهُ الدُّخُولُ إِنْ كَانَتْ في حُجْرَةٍ مُنْفَرِدَةِ المَرَافِقِ وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ مَعَ مَحْرَمٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يجوز مساكنة المعتدَّة في الدَّار التي تعتدُّ فيها، ولا المداخلة لما يَقَع فيهما من الخَلْوةِ، والخَلوةُ بالمعتدة كهي بالأجنبية، فقد اشتهر عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" ويستثنى موضعان؛ لفقدان المحرم فيهما: أحدهما: أن يكون في الدار مَحْرَمٌ لها من الرجال، أو مَحْرَمٌ له من النساء 1، أو زوجةٌ أخْرَى أو جاريةٌ، ولا بد من المَحْرَم، ومَنْ في معناه من التمييز، ولا عبرة بالمجنون والصغير الذي لا يميز، واشترط الشافعيُّ -رضي الله عنه- البلوغَ، قال القاضي أبو الطيِّب: لأنَّ مَنْ لم يبْلُغ لا تكليف عليه، فلا يلزمه إنكار الفاحشة، وقال الشيخ أبو حامد: يكْفِي عنْدي حضُور المُرَاهِق والنِّسْوة الثقات، كالمحرم، وفيه وجْه آخر؛ وهو كالخلاف في أن المرأة إذا وجدت نسوةً ثقاتٍ يخْرجْن للحج، هل عليها أن تخرج مَعَهُنَّ؟ والظاهر وجوبه، وفي "البسيط" وغيره ذُكِر تردَّدٌ في أنه إذا كان في الدار أجنبيةٌ أو معتدَّة أخْرَى، هل يمنع حضورها الخَلْوة، وهو كخلاف سبَقَ في أن المرأة هل

يلزمها الخُروجُ للحج مع المرأة الواحدة، والظاهر هناك أنه لا يلزم، والجواب في "الشامل" وغيره هاهنا: أنه يكفي حضُور المرأة الواحدة، إذا كانت ثقةً، ويجوز أن يُفَرَّق بينهما بالسفر وما فيه من الأخطار، والحكاية عن الأصحاب: أنَّه لا يجوز أن يخلو رجلان بامرأة واحدة، ويجوز أن يخلُوَ رجل بامرأتين أو نسوة، إذا كنَّ ثقاتٍ، وقد يفرق في الاكتفاء بالمرأة الأجنبية دون الرجل الأجنبي بان استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجُل من الرجل 1 وضبطت هذه الصورة بأنه إذا كان هناك من يُحْتَشَم جانبُه أو يُخَاف بأن يَمْنَع فيما يكاد يَجُرِي، إما بنفسه وإما بالاستعانة بغيره، فيؤمن محذور الخلوة ظاهراً، فلا يحرم؛ وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب "أو امرأة يحتشم جانبها"، وهو جواب على الاكتفاء بالمرأة الواحدة، ثم لا يخفى أن مساكنة الزوْج والمَحْرَمِ وَمنْ في معناهُ إنَّما يُفْرض فيما إذا كان في الدار ما يَفْصُل عن سكنى مثلها، فإن لمَ يكن كذلك، فعلى الزوج تخليتها للمعتدة، والانتقال عنها إلى أن تفرغ من العدة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] ثم المساكنة، وإن جازت بسبب المَحْرم، فتبقى الكراهية؛ لأنه لا يُؤمَن النَّظَر.
والموضع الثاني: إذا كان في الدار حُجْرة، وقد أراد أن يَسْكُن في إحداهما، ويُسْكِنها الأخرى، فإن كانَتْ مرافق الحجْرة كالمطبخ المستراح، والبئر 2 والمرقى إلى السطح في الدار، لم يجُزْ إلا بشرط المَحْرَم؛ لأنَّ التوارد على المرافق يُفْضِي إلى الخَلْوة، وإن كانت المرافق في الحُجْرة، جاز كالحجرتَيْن والدارَيْن المتجاورَتَيْن 3، وحكم السفل والعلو حُكم الدار والحجرة، ثم ذكر صاحب "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما: أنه يُشْترط أن لا يكون ممر إحداهما على الأخرى، ويغلق ما بينهما من الباب أو يسده، وهو أحسن، ويشهد له ما ذكر الأئمة أنه لو كانت الدارُ واسعةً، ولكن لم يكن فيها إلا بيت واحدٌ، وكان الباقي صفف لم يجز أن يساكنها، وإن كان معها مَحْرمٌ؛ لأنَّها لا تتميز من السُّكُنَى بموضع، فلو قال: أبني بيني وبينها حائلاً، وكان ما يبقى لها سكنى، فله ذلك، ثم إن جَعَل باب ما يسكنه خارجاً عن مسكنها، فلا حاجة إلى المَحْرَم، وإن جعله في مسكنهلالم يجز أن يسكنه إلا بشرط المَحْرَم، أو مَنْ في معناه، ومنهم مَنْ لم يشترط ألا أن تكون ممر إحداهما في الأخرى، واكتفى بأن يكون

على الحجرة بابٌ يُغْلَق، ويشهد له ما ذكر أن البيتين من الدار الكبيرة، إذا انفرد كل واحد منهما بباب 1 يُغْلَق، يجوز أن يسكُنَ الزوجُ إحداهما، ويُسْكِنَها الآخر، كالبيتين من الخان، ووفى القاضي الرويانيّ بالقضية الأولى، فقال: لا يجوز ذلك في البيتين من الدار؛ لأنه تحْصُل الخَلْوة في المدخل والمخرج من باب الدار، وفي الخان لا تحْصُل الخَلْوة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الدَّارِ إِلاَّ أن تَكُونَ عِدَّتُهَا بِالأَشْهُرِ فَيُخَرَّجُ عَلَى بَيْعِ الدَّارِ المُكْرَاةِ لِأَنَّ آخِرَ الأَقْرَاءِ وَالْحَمْلِ مَجْهُولٌ وَذَاتُ الأَشْهُرِ إِذَا تُوُقِّعَ طَرَيَانُ حَيْضِهَا فَفِي البَيْعِ خِلاَفٌ فَإنْ صَحَّحْنَا فَحَاضَتْ خُرَّجَ عَلَى اخْتِلاَطِ الثَّمَارِ بِالمَبِيْعِ وَإِنْ كَانَ المَنْزِلُ مُسْتَعَاراً أَوْ مُسْتَأْجَرَاً فعَلَى الزَّوْجِ الاِبْدَالُ عِنْدَ رُجُوعِ الْمُعِيرِ وَانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَإنِ احْتَاجَ إِلَى الأُجْرَةِ وَأَفْلَسَ ضَارَبَتْ بِاُجْرَةِ مُدَّةِ الأَقْراء إنْ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةَ العَادَةِ أَوُ الأَقَلِّ إن لَمْ تَسْتَقِمْ وَلِلْحَمْلِ إِتْمَامُ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى الزِّيَادَةِ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِباً اسْتَقْرَضَ القَاضِيَ عَلَيْهِ فَإِنِ اسْتَقَلَّتْ بِذَلِكَ فَفِي رُجُوعِهَا خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: إحداها: إذا كانت تعتدُّ بالأقراء أو وضع الحمل، لم يَصِحَّ بيع الدار التي تستحق سكناها، ما لم تنْقَض العدة؛ لأن مدَّة الأقراء والحَمْل مجهولةٌ، ولو كانَتْ لها عادة مستقيمة في الأقراء 2 والحمل، فلا يبْعُد تغيُّر العادة، فهو كما لو باع داراً، واستثنى منفعتها مدَّة مجهولة، وإن كانَتْ تعتدُّ بالأشهر، ففي البيع طريقان: أشهرهما، وهو المذكور في الكتاب وفي "التهذيب" واختاره السرخسيُّ: أنه على القولَيْن في بيع الدار المكراة؛ لتعلُّق حق الغير بالمنفعة مدةً معلومةً.
والثاني: القطْع بالمنع، وبه قال صاحب "الإفصاح" والفرق أن منفعة الدار المكراة للمستأجر؛ ألا ترى أنه لو مَاتَ، كانت لورثته، والمعتدَّة لا تملك منفعة الدار؛ ألا ترى أنه لو ماتَتْ كانت الدار بمنافعها للزوج، فإذا بَاعَها، كان كمن باع داراً، واستثنى منفعتها لنفسه مدةً معلومةً، والظاهر فيه البطلان، هذا إذا لم يتوقع أن يطرأ الحيض في الأشهر؛ بأن كانت المرأة آيسةً أو صغيرةً، لم تبْلُغ سنَّ احتمال الحيض، أما إذا توقع بأن كانت بنْت تسع فصاعداً، فإن قلنا: لا يجوز البيعُ هناك، فهاهنا أوْلَى، وإن جوَّزنا هناك، فهاهنا وجهان:

أحدهما: لا يجوز، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأنَّها قد تَحِيضُ فتصير مدة الاستحقاق مجهولةً، والظاهر التسويةُ؛ نَظراً إلى الحال، ولو نَظَر إلى ما يحتمل في المستقبل، لزم أن يقول إذا كانت رجعيَّة، وهي آيسة أو صغيرةٌ لا تحيض، لا يجوز بَيْع الدارِ في عدَّتها؛ لاحتمال أن يموت الزَّوْج، وتنتقل إلى عدة الوفاة، وتزيد المدة، وإذا جوَّزْنا البيع، فلو 1 طرأ الحيض، وانتقلت إلى الأقراء، فيخرَّج ذلك على اختلاف الثمار المبيعة بالثمار الجارية بعْد البيع فيما لا تَغْلِب فيه التَّلاحُق، وفيه قولان مذكوران في موضِعِهما.
والظاهر: أنه لا يَنْفَسِخ البيع، ولكن يثبت الخيار للمشتري 2. وقوله في الكتاب "ففي البيع خلاف" فإن قلْنا بالصحة فيما إذا لم يتوقع أن تحيض 3، وإلاَّ، فأصْل الخلاف لا يختص بما إذا توقع.
الثانية: إذا كان المنزل مستعاراً لزمَتْه ما لم يَرْجِع المُعير، وليس للزوج نقْلُها إلى منزل آخر، وحكي وجه أن له نقْلَها في البلد الَّذي لا يعتاد أهْلُه إعارة 4 المنازل؛ كيلا تحتاج إلى تحمل منه، وإذا رجع فيه، قال صاحب "التتمة" وغيره: على الزوج أن يطلبه منه بأجرة، فإن امتنع أو طلب أكثر من أجرة المِثْل، فحينئذ ينقلها إلى مسْكَن آخر، وإذا نقَلَها، ثم بذل المنزل الأول مالكه 5 ففي البذل للقاضي الرُّويانيُّ: أنه إن بذل 6 بالإعارة، لم يلزمْ ردُّها إليه، وإن بذل بالإجارة؛ فإن كان المنقول إليه مستعاراً، وجب ردُّها إلى الأول، وإن كان مستأجراً، فوجهان، وإن كان المنزل الذي تعتد فيه مستأجراً، فانقضت مدة الإجارة، ولم يجدِّد المالك إجارةً، فلا بُدَّ من نقلها، وإذا احتاج إلى النقل، فالقول في تَحرِّي 7 أقرب المواضع على ما سَبَق، وإذا كانت المرأة تسكني منزل نفْسها، ففي "المهذب" و"التهذيب": أنه يلزمها أن تعتدَّ فيه، لكن لها أن تطالِبَه بأُجْرة المسكن؛ لأن

السُّكْنَى عليه، والأوْلَى ما ذكره صاحب "الشامل" وغيره، وهو أنها إن رَضِيَتْ بالإقامة فيه بإجَارة أو إعارة، جاز، وهو الأوْلَى، وإن طلبت أن ينقلها، فلها ذلك وليس عليها بذل مسكنها بالإعارة ولا بالإجارة.
الثالثة: إذا طلَّق امرأته، وهي في منْزِلٍ مملوكٍ للزوج، ثم أفلس وحُجِر عليه، فيبقى لها حقُّ السكنى، وتتقدم به على الغرماء، وكذا لو مات، وعليه ديون، تتقدم به على الورثة؛ لأن حقَّها متعلِّق بعَيْن المسكن 1 كحق المكتري والمرتهن، وهل يجوز للحاكم أن يبيع رقبته فيه الخلاف الذي تقدَّم، ولو أفلس وحُجِر عليه أولاً ثم طلَّقها، فتضارب الغرماء بالسُّكْنى، وليس ذلك كدَيْن يَحْدُث 2 بعد الحَجْر لا يُزَاحِمُ صاحبُهُ الغرماء؛ لأن حقَّها، وإن كان حارثاً، فهُو مستندٌ إلى سبب متقدِّم، وهو النكاح والوطء فيه، وأيضاً؛ فإنه حق ثبت لها بالطَّلاق من غير اختيارها، فأشبه ما إذا أتْلَف المُفْلِس مالاً على إنسان، فإنَّه يزاحم الغرماء، ولو طلَّقها، وليسَتْ هي في مسكن الزوج، فتضاربهم بالأجرة، سواء كان الطَّلاق قبل الحَجْر أو بعده؛ لأن حقَّها هاهنا مرسَلٌ غير متعلِّق بعين، ومتى وقَعَت الحاجة إلى المضاربة بالحِصَّة، فإن كانت ممَّن تعتد بالأشْهُر، فتضارب بأجْرة المثل لمدة ثلاثة أشهر، وإن كانت ممَّن تعتد بالأقراء أو وضع الحمل، نُظِرَ؛ إن لم تكُن لها عادةٌ في الأقراء، وفي مدَّة الحمل، فوجهان: أشهرهما: أنه يُؤْخَذ باليقين، فتضارب بأجرة أقل مدَّة يمكن انقضاء الأقراء فيها، والحامل تُضَارب بأجرة ما بَقِيَ من أقل مدة الحَمْل، وهي ستة أشْهُر من يوم العلوق؛ لأنَّ استحقاقَ الزِّيادة مشكُوكٌ فيه.
والثاني: أنه توجد بالعادة الغالبة؛ لأن الظَّاهر كوْنُها من جُمْلة الغَالِب، فتضارب ذات الأقراء بالغالب من مدَّة الأقراء، وهي ثلاثة أشْهُر، وفي الحامل بما بقي من مدة عادَةِ الحَمْل، وهي تسعة أشهر، وهذا ما اختاره صاحب "الحاوي"، والوجهان كالقولَيْن في أن المبتدأة الَّتي لا تتميز لها ترد إلى اليقين أو [إلى] 3 الغَالِب، وإن كانَت لها عادةٌ سابقةٌ في الأقراء أو مدَّة الحمل، فتضارب بالأُجْرة لعادتها المعْهُودة، إن كانت مستقيمةً مطَّرِدةً، وفيه وجْه: أنها لا تضارب إلا بالأَقلِّ، والظاهر الأوَّل؛ لأن الأصْل والظاهر استمرارُ عادَتِها [و] 4 إن كانت لها عاداتٌ مختلفةٌ، فإن راعينا العادَةَ المستقيمةَ، فالنَّظَر في المُضَاربة إلى الأقلِّ من عادتها، وإلاَّ، فالنظر إلى أقل مدة الإمكان، وفرَّق الشيخ أبو حامد وغيره بيْن ما نَحْن فيه؛ حيث بنينا المفماربة على الأخْذ بالأقل أو بعَادَتِها أو

بغالب عادَاتِ النِّساء، ولم نَبْنِ الأمر في بيْع المَسْكن على ذلك، بل قطَعْنا بالبطلان، إذا كانَتْ تعْتدُّ بالأقراء أو بِوَضْع الحمل، بأنا وإن أخَذْنا بالظاهر، فاحتمال الزيادة والنُّقْصان قائمٌ، وذلك يطرق الجهل إلى المبيع؛ إذْ 1 لا يَدْرِي.
المشتري متى يستحق المنفعة، والجهالةُ تمنع صحَّة البيع، وهاهنا الجهالةُ تقع في [صحة] 2 القسمة، فلا تدري أن ما أخَذَه، كلُّ واحد هو قَدْرُ حِصَّته أم لا، وأنها لا تمنع صحة القسمة؛ ولذلك لو قُسِّم مال المُفْلِس بيْن غرمائه، فظَهَر غريمٌ آخرٌ، تستأنف القسمة بَلْ يرجع على كلِّ بالحصة، وإذا تضارَبَتْ بأجرةٍ مدَّة، وانقضَتِ العدَّة على وفْق تلْك المضاربة، فهَلْ يُرْجَع على المُفْلِس بالباقي 3 من الأجرة عنْد يَسَاره؟ حكى الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله- فيه طريقَيْنِ: أحدهما: أنه علَى وجهين؛ بناء على أنَّ المرأة إذا لم تطالِبْ بالسكنى مدَّة، إما في النكاح أو فِي العِدَّة، هل تصير سكْنَى المدة الماضية دَيْناً في ذمته؟ وهل لها مطالَبَتُه بذلك فيه خلاف نذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
وأصحُّهما: القطْع بالرجوع، كلما في الباقي من ديون الغرماء بعْد المضاربة، وليس كصورة الوجهَيْن، فإنها طلبت الكلَّ إلا أن زحْمة الدُّيون، مُنِعَت من التوفية، ولو انقضت العدَّة قَبْل تمام المُدَّة التي بُنيت عليْها المُضَاربة، رَدَّت الفضْل على الغرماء، وفي رجُوعها على الزَّوْج المفْلِس بما تقتضيه المحاصَّة للمدة التي انقضت العدَّة فيها -الطريقان، ولو امتدَّتِ العدَّة، وزادَتْ على مدة المضاربة، ففي رجوعها بحِصَّة المدةِ الزائدةِ وجْهان: أصحُّهما: أن لها أن ترجِع بها علَى الغرماء؛ لأنَّه يتبين استحقاقُها الزيادة، فأشْبه ما إذا ظَهَر غريم آخَرُ، ولها أن تَرْجع به عَلَى المُفْلِس إذا أيسر.
والثاني: لا ترجع على الغرماء؛ لأنا قدَّزنا حقَّها بما أعطيناها مع تجويز استحقاق الزيادة، فلا 4 يغير الحكم، وتخالف الغريم الذي ظَهَر، فإنَّا لم نشعر بحاله أصلاً، ويُنْسب هذا إلى النص وهو الذي صحَّحه القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة".
والثالث: يُفَرِّق بين الحامل والتي تعْتدُّ بالأقراء، فالحامل تَرْجِع علَيْهم بالزيادة، ولا ترجع ذات الأقراء، والفَرْق أن الحمل محسوسٌ تقُوم البينة علَيْه، والأقراء لا تُعْرف إلا مِنْ قولها، فلو مكَّنَّاها من الرجوع، لم يأمن أن تدَّعِي تباعد الحيْض؛ طلباً للزيادة، وإن قلنا: لا ترجع على الغرماء، فهل ترجع على الزوْج المُفْلِس إذا أيسر؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم.

والثاني: لا، وقد انفصل الأمْر بما جرى، قال الإِمام: والخِلاَفُ في أنها هل تَرْجِع على الغرماء فيما لم يصدِّقُوها أمَّا إذا صدقوها، فترجع عليهم لا مَحَالَة، قال: وفي غير صورة الإفْلاس إذا مَضَى زمان العادة، فادَّعت مزيداً وتغيُّراً في العَادة، فالذي يَدُلُّ عليه كلامُ الأصْحاب أنها تُصدَّق، وجهاً واحداً، وعلى الزوج الإسكان، والفرق أنَّا، إذا قَسَّمنا المال، وبنينا المضاربة على اْقدار معْلُومة، جرى ذلك مناقصة يعسر نقضها، وهذا المعنى لاَ يتحقَّق في حقِّ الزوج، ثم أبدى فيه احتمالاً أيضاً؛ لأنَّا، لو صدَّقناها، فربما تتمادى في دعْواها إلى سن اليأس، وفيه إجْحَاف بالزوج.
وإذا ضارَبَتْ بالأُجْرة، فتستأجر بحِصَّتها المَنْزل الذي وجبت فيه العِدَّة، فإن تَعذَّر، فيجري القُرْب على ما تقدَّم، فقال ابن الصَّبَّاغ: وتسكن حيث شاءت فيما جاوز ما أَخَذَتْ أجرته.
وقوله في الكتاب "فإن احتاج إلى الأُجْرة" لو كان بدله، فإن احتيج، كان أحسن أي مَسَّت الحاجة في الواقعة إلى طَلَب الأجرة، ويدخل فيها ما إذا طلَّقها، وهو محجور علَيْه، وما إذا طلَّق المحجور أو غير المحجور زوجته، وليست هي في مسْكنه، [على ما بيَّناه، وكذلك إذا ماتَ، وليست في مسْكنه]، وعليه ديْون لا تَفِي التركةُ بها، فيضارب أيضاً بالأجرة، وقوله "بأُجْرَةِ مدَّة الأقراء، إن كانت مستقيمة العادة" يعني مدة أقرائها، ويجوز إعلامه بالواو؛ للوجه الذاهب إلى أنه تُبْنَى المضارَبَةُ على أقلِّ مدة الإمكان.
وقوله "أو الأقلِّ، إنْ لم تَسْتقم" يعني الأقلَّ من عادتها، إن كانَتْ عادتها مختلفةً، ويجوز إعلامه أيضاً، وكذا إعلام قوله "تسعة أشهر".
فرْعٌ: ولو كانَتِ المطلَّقة رجعيةً أو حاملاً، فتستحق النَّفَقة مع السُّكْنَى، وتضارب الغرماء عندي إفلاس الزَّوْج بالنفقة والسُّكْنَى جميعاً، والقول في كيفية المضاربة والرجوع 1 على ما مضَى، [و] 2 يزيد هاهنا النَّظَر إلى أن نفَقَة الحَامِل هلْ تُعَجَّل قبل الوضع، فإن قلنا: لا تُعَجَّل، فلا يدفع إليها حصة النفقة في الحال.
الرابعة: إذا كان الزوْجُ غائباً، فطلَّقها، وهي في دار بِمِلْك أو إجَارَة، اعتدَّت فيه، فإنْ لم يكن له مسْكَن، وكان له مالٌ، فيكتري الحاكم من ماله مسكناً، تعتدُّ فيه إن لم يجد من يتَطَوَّع به، وإن لم يكن له مالٌ، فيستقرض عليه، ويكتري به، فإذا رجع قضاه، فإن أذن لها، أن تستقرض علَيْه، أو تكتري المسكن من مالها، ففعلَتْ، جاز، وترجع وإن اكْتَرَتْ من مالها أو استقرضَتْ على قصْد الرجوع، ولم تستأذن الحاكم، نُظِر، إن قَدَرَت على الاستئذان، لم ترجع، وإن لم تَقْدِر، ولم تُشْهد، فكذلك، وإن أشْهَدت، فاصحُّ الوجْهَيْن الرُّجوع، وكلُّ ذلك على ما مَرَّ في مسألة "هرب الجمال" ونظائرها.

وإذا مضَتْ مدة العدَّة أو بعضها، ولم تَطْلُب حقَّ السكنَى، سقط، ولم يصر ديناً في الذمة، نص عليه، ونص في نفقة الزوجة: أنها لا تَسْقُط بمضي الزمان وتصير دَيْناً، وللأصحاب فيهما طريقان: أحدُهما: أنَّ فيهما قولين نقلاً وتخريجاً [لترددهما بين الديون ونفقة] القريب.
والثاني: المَنْع، كنفقة الأقارب.
وأظهرهما تقرير النَّصَّيْن، وفرقوا بان النفقة في مقابلة التمكين، وقد وُجِد، فلا يسقط بتَرْك الطلب والسكنى؛ لتحصين مائه على موجب نظره واحتياطه، ولم يتحقَّق، وعن القفَّال الفَرْق بأن السكْنَى؛ لكفاية الوقت، وقد مضي الوقْت، والمرأة لا تَمْلِك المسكن، وإنما تَمْلك الانتفاع به والنفقة عين تملك، وتثبت في الذمة، وذكر أن حكْم الكسوة حكم السكنى، فإن الزوج لا يملكها الثوب، وإنما يمنعها به [وفي] هذا خلاف يأْتي في النفقات -إن شاء الله تعالى-، وحكم السكنى في صلب النكاح على ما ذكرنا في العدَّة، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ أَلْزَمْنَا السُّكْنَى فِي عدَّةِ الوَفَاةِ فَهُوَ مِنَ التّرِكَةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِركَةٌ وَرَضِيَ الوَارِثُ بِمُقَامِهَا لَزِمَهَا المُلاَزَمَةُ وَقِيلَ: إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا كَانَ الشُّغْلُ مَوْهُوماً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ تَعْيِينُ المَسْكَنِ عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا مات الزوج في خِلاَل العِدَّة، لم يَسْقط ما استحقته المبتوتة من السُّكْنَى، وفي كلام ابن الحدَّاد ما يُوهِم جعْلَه على الخلاف في أن المتوفَّى عنها زوجُها، هل تستحق السكنى؟ ولم يصحِّحه الأئمة -رحمهم الله- وإذا لم يَسْقُط، أو قلنا بوجوب السكنى في عدة الوفاة، فإن كانت في مسكن مملوكٍ للزوج، لم يقتسمه الورثة، حتى تنقضي العدَّة، كالدار الَّتِي أجرها جماعته من إنْسان، ولو أرادوا التمييز بخطوط ترسم من غير نقض وبناء، جاز، إن جعلنا القسمة إفراز حق، وإن جعلناه بيعاً، فالحكم في بيع مسكن العدَّة على ما مَرَّ، وذكر وجه أنا: إذا قلْنا القسمة إفراز حق، فلهم أن يَقْتسموا كيف شاؤوا، وإن كانت في مسكن مستأجر أو مستعار ومست الحاجة إلى الانتقال، فعلى الوارث أن يستأجر لها من التَّرِكة؛ فإن [لم] ينقل [أو] لم يكن وارث، فعلى السلطان أن يستأجر من التَّرِكة، فإن لم تَكُنْ تركه، فليس على الوارث إسكانُها، لكن لو تبرَّع به، فعليها الإجابة، وإذا لم يتبرَّع ففي "التهذيب": أنه يُستحبُّ للسلطان أن يهيئ 1 لها مسكناً من بيت المال [لا سيَّما]، إذا كانت تُزَنُّ بربيَةٍ، ولفظ

الرويانيِّ في "البحر": أن السلطان لا يلزمه أن يَكْترِيَ لها إلا عنْد الريبة، فيلزم، وإن قلْنا: لا تجب السكنى في عدة الوفاة، فالمشهور أن للورثة أن يسكنوها حيْث شاؤوا، وليس لها الامتناع، وحكى صاحب الكتاب في "الوسيط" وغيره وجهَيْن فيما إذا رضي الوارث بأن تلازم مسكن النكاح: أظهرهما: أنه تلزمها الإجابة مُطْلقاً.
والثاني: أنَّ ذلك إنَّما يلزم إذا توقع شغْل الماء بالرحم، أما إذا لم يتوقَّع، فإن لم يَكُنْ مدخولاً بها، فليس للوارث تعيين المسكن علَيْها.
وقوله في الكتاب "فإن لم تَكُنْ تركة، ورضي الوارث بمقامها، لَزِمها الملازمة" إلى آخره، ذكره تفريعاً على وجوب السُّكُنَى [في عدة الوفاة، ونقل الوجهين على القول بوجوب السكنى] 1 يكاد يكونُ مِنْ تفرُّدات الكتاب إن لم تكن سهْو؛ وذلك لأن إلاكثرين سكَتُوا عن الخلاف فيما إذا تبرع الوارث بإسْكانها، وأطْلَقوا القول بأنَّ عليها الإجابَةَ على القَوْلين، وصاحب الكتاب إنما حَكَى الوجهين في "البسيط" و"الوسيط" تفريعاً على قول عدم الوجوب، ولم يذكر خلافاً في أن للوارث أن يُسْكنها على قوْل وجوب السكنى، ولو لم يتبرَّع الوارثُ بإسكانها، ملك السلطان أن يحصنها 2 بالإسكان احتياطاً لمن تعتد منه، وفي "البسيط" و"الوسيط": أنه ليس للسلطان أن يعين 3 المسكن بخلاف الوارث؛ فإنه ذو حظ في صون الماء، [و] 4 هذا خلافُ المنْصُوص والمشهور، وإذا لم يُسْكِنْها الوارث والسلطان، سكَنَتْ حيث شارت، ولو أسكنها أجنبيٌّ متبرعاً، ففي "البحر" للقاضي الرُّويانيِّ: أنه إذا لم تكن [المتبرع] ذا ريبة، كان تبرعه كتبرُّع الوارث، فعليها أن تَسْكُن حيث 5 يسكنها، وللزوج في النكاحِ الفاسِدِ وللواطئ بالشبهة إسكانُ المعتدَّة والله أعلم.
فَرْعٌ ومسائل من باب العدَّة: إذا طَلَّق الزوْجُ الغائبُ أو مات، فالعدة من وقْت

الطلاق أو الموت، لا من وقْت بلوغ الخبر، وعن بعْض الصحابة خلافُهُ.
وفي فتاوى القفَّال: أن المعتدة بِعِدَّة الطلاق لو نكحت بعد مضيِّ قرءٍ من عدتها، ووطئها الزوج الثاني، ثم جاء الأول ووطئها بشبهة، وفرق بينها وبين الثاني، فكما فرق يشتغل بالباقي من عدة الطلاق، وهي قرءان، ويدخل فيه قرءان من عدة وطء الشبهة، ثم تعتد عن الثاني بثلاثة أقراء، ثم بقرء لما بقي من عدة الوطء بالشبهة.
وأنَّه لو مات زوج المعتدة، فقالت: قد انقضتْ عدتي قبل موته، لم يقبل قولها في: أنه لا تلزمها عدَّة الوفاة، ولا ترث بإقرارها.
وأن المعتدَّة، لو أسقطت مؤنة السُّكْنى عن الزَّوْج، لم يصحَّ الإسقاط؛ لأن السُّكْنى تجب يوماً يوماً، ولا يصح إسقاط ما لم يَجِبْ بعد.
وأن المنكوحة، إذا وطئت بالشُّبْهة، وصارت في العدَّة، فوطئها الزوج، لم يقطع وطؤه عدة الشبهة؛ لأن وطء الزوج لا يوجب العدَّة، فلا يقْطع العدَّة، كما لو وزنت المعتدَّة.
وذكر صاحب "التهذيب" في فتاويه أن التي لم تحض قط، إذا ولدت، تعتد بالأشهر، ولا يجعلُها النفاس من ذوات الأقراء بخلاف ما لو حاضت.

القِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الكِتَابِ فِي الاسْتِبْرَاءِ

وَفِيهِ فُصُولُ قَالَ الغَزَالِيُّ: (الأوَّلُ) فِي قَدْرِهِ وَحُكْمِهِ وَشَرْطِهِ (أَمَّا القَدْرُ) فَقُرْءٌ وَاحِدٌ وَهِيَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ وَلاَ يَكْفِي بَقِيَّةُ حَيْضَةٍ وَقِيلَ: إِنَّهُ طُهْرَ ثُمَّ في الاكْتِفَاءِ بِبَقِيَّةِ طُهْرِ خِلاَفٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَشْهُرِ فَشَهْرٌ واحِدٌ عَلَى قَوْلٍ وَثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ عَلَى قَوْلٍ وَالمُسْتَوْلَدَةُ إِذَا عَتَقَتِ اسْتَبرَأَتْ بِقَرْءٍ (ح) وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَاسْتَبْرَاؤُهَا بِالوَضْعِ وَإِنْ كَانَ مِنَ الزِّنَا كَانَ انْفِصَالَهُ كَانْفِصَالِ الحَيْضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الاستبراء 1 عبارةٌ عن التربُّص الواجب، بسبب مِلْك اليمين حدوثاً وزوالاً؛ خُصَّ بهذا الاسم؛ لأن هذا التربُّص مقدَّر بأقل ما يدل على البراءة من غير تَكرُّر وتعدُّد فيه، وخص التربُّص الواجب بسَبَب النكاح باسْم العدَّة اشتقاقاً من العدد؛ لما يقع فيه من التعدُّد، قاله في "التتمة"، ورتب صاحب الكتاب فقه الفصّل على ثلاثة فصول: فصل: فيما يتعلَّق بنفس الاستبراء.
وفصل: في سببه.
وفصل: فيما تصير به الأمة فراشاً.
وهذا الفصْل الثالث احتيج إليه، من جِهَة أن أحد سَبَبَيِ وجوب الاستبراء زوالُ الفراش عن الأمة، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، وذلك يحوج 2 إلى معرفة أنَّها بِمَ تصير فراشاً.

أما الأول، فالمستبرأة، إن كانتْ من ذوات الأقراء، تُسْتَبْرأ بقرءٍ واحدٍ وأما القُرْء المعتَبَر في الاستبراء، ففيه قولان: أحدهما، وُينْسب إلى القديم و"الإملاء": أنه الطُّهر كما في العدَّة.
وأظهرهما، وينسب إلى الجديد: أن الاعتبار فيه بالحَيْض؛ لِمَا رُوِيَ أنه صلَّى 1 الله وسلم قال في سَبَايا أوْطَاس: "لا توطأ حامِلٌ حَتَّى تَضَعَ؛ وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" وتخالف العدَّة، فإن الأقراء يتكرَّر هناك، فيعرف بتخلُّل الحَيْض براءةُ الرَّحم، وهاهنا لا يتكرَّر، فيعتمد الحيض الدال على البراءة، ومنْهم مَنْ يذكر في المسألة وجهَيْن، بدلاً عن القولين، وفي "التَّتمة" وجْه مُفَصَّل، وهو أن الاستبراء، في أمِّ الولد، إذا مات سيِّدها أو أعتقها بالطُّهْر، وفي الأَمَةُ تمْلك، بالحَيْض، والفَرْق أن استبراء أمَّ الولد قضاءُ حقِّ السيِّد، فيشبه 2 العدَّة التي هي قضَاء حقِّ الزوج، والاستبراء عند حدوث المِلْك؛ لمعرفة فراغ الرحم، فيعتبر ما يدل على الفراغ؛ وأيضاً، فإن الاستبراء هناك لاستباحة النكاح، كما أن عدة الحرائر لاستباحة النكاح، والاستبراء عنْد حدوث المِلْك، ليحل الوطء، فيعتبر به ما يستعقب الوطء، وهو الحَيْض، وأما الطُّهر، فإنه يستعقب الحيض، فزمان الحَيْض كزمان الاستبراء في تحريم الوطء، وغَيَّر صاحب "الحاوي" عن الخلاف في المسألة بعبارة أُخْرى، فقال: المقصود في الاستبراء الحيض، والطُّهْرُ تَبَعٌ، أو الطُّهْرُ والحيضُ تَبَعٌ أو هما جميعاً مقصودان؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن المقْصُود الطُّهْر، والحَيْض تَبَعٌ، كما في العدَّة.
والثاني: أن المقصُود الحيضُ، والطُّهْر تبع، بخلاف العدَّةِ؛ لمَا مَرَّ.
والثالث: أنهما جميعاً مقصودان، فإذا قلنا: إن القرء الطُّهْر، فلو صادف سبب وجوب الاستبراء آخِرَ الحيض، كان الطُّهر الكامل بعْده استبراءً، لكن يكفي ظُهُور الدم، أو يُعْتبر مُضِىُّ يوم وليلة؟ فيه مَثَلٌ الخلاف السابق في العدَّة.
وحكي وجْه: أنه لا بُدَّ من مضيَّ حيضةٍ كاملةٍ بعْد ذلك الطُّهْر، وهذا بعيدٌ فيما ذكر صاحب الكتاب وغيْره -رحمهم الله-، وذكر القاضي الرُّويانيُّ: أنه الأظهر، [وأنه] الأقْيَس، واختيار القفَّال خلافُه.
ولو وُجِدَ سبَبُ الاستبراء، وهي طاهرٌ، فهل يكتفي ببقيَّة الطُّهر؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَم، وتعتد به طهراً، كما تعتد به في العدَّة، وهذا ما رجَّحه في "البسيط"، وحكاه أقضى القضاة الماوردِيُّ -رحمه الله- عن 3 البغداديين من 4

الأصحاب -رحمهم الله- والعماني، وهو المذكور في "التهذيب"، ونسبه الماوردي إلى البصريين 1 أنه لا يكتفي به، ولا ينقضي الاستبراء حتى تحيض ثم تطْهُر، ويخالف العدَّة، فإن فيها عدداً، فجاز أن يعبر بلَفْظ الجمع عن اثنين وَبَعْضِ الثالث، ولا يَجِيْء الوجْه الَّذي ذُكِر في اشتراط حيْضةٍ كاملةٍ بَعْد الطُّهر هاهنا؛ لأنَّ [فى] الحَيْضة السابِقَة عليها ما يكتفي به دلالة.
وإن قلْنَا: إنَّ الاعتبار بالحَيْض، فلا يَكْفي بعْض الحيض، بل يعتبر حيْضةً كاملةً حتى لو كانَتْ حائضاً عند وجُوب الاستبراء، لم يَنْقَض الاستبراء، حتى تَطْهر وتَحِيض حَيْضةً أخْرَى؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم 2 - قال في سَبَايَا أَوْطَاس؛ "وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" ويخالف بقية الطهر، حيث يعتد بها طُهراً في العدَّة، وفي الاستبراء عَلَى رأْي؛ لأن بقيَّة الحيض [حتمٌ] 3 يستعقب الطَّهر الَّذي لا دَلاَلة فيه على البراءة، وعن مالك: أنَّه إن وجب الاستِبْراء في أوَّل الدَّمِ، حُسِب الباقي، [قُرْءاً]، وإن وَجَب في آخره، لم يُحْسَب، وذات الأقراء إذا تباعدت حِيضَتُها، فحُكْمها حُكْم المعتدة، وإن كانت المستبرأة من ذوات الأشْهُر، فقولان: أحدهما: أنها تُسْتَبْرأُ بشهرٍ واحدٍ، بدلاً عن قُرْء.
والثاني: بثلاثة أشْهُر؛ لأنَّ الماء لا يَظْهر أثره في الرَّحِم قبل مضى ثلاثة أشهر، فهي أقل مدَّة تدُلُّ على براءة الرحم، وهذا أرْجَح عنْد جماعة؛ منْهم صاحب "المهذب"، والأصح عند المُعْظم [الأوَّل]، وإن كانت حاملاً، فإذا زال الفراش عن أَمَت أو مستولدَتَه، وهي حاملٌ، فاستبراؤها بالوَضْع، وإذا مَلَك جارية، فقد أطْلَق صاحب "التتمة" أنَّ الحكم كذلك، إن كان الحَمْل ثابتَ النَّسب مِنْ زوج أو وطء شبهة، والأقْوَم أن يُفَصَّل، ويقال: إن مَلَكَ الأمةَ بالسَّبْي 4، حَصَل استبراؤها بالوَضْع، وإن مَلَك بالشراء، فهي كالحرة، فإن كانت حاملاً من زوج، وهي في نكاحه أو عدته أو من وطء شبهة، معتدَّةٌ هي ذلك الوطء فالمَشْهور على ما سيأتِي أنَّه لا استبراءَ في الْحَال، وفي وجُوبه بعد انقضاء العدَّة خلافٌ، وإذا كان كذَلِك، لم يكنْ الاستبْرَاء حاصلاً بالوَضْع؛ لأنَّه إما غَيْر واجبٍ أو مؤخر عن الوضع، وقال في "التهذيب": هل يخرج عن

الاستبراء، إذا وضعت الحمل؟ فيه قولان: أحدهما: نَعَمْ، كالمملوكة بالسبْيِ.
والثاني: لا، كما أن العدَّة لا تنقضي بالوَضْع، إذا كان الحمل من غير صاحب العدَّة، بخلاف المَمْلوكة بالسبْيِ، فإن حَمْلَها من كافر، فلا يكون له من الحرمة ما يمنع انقضاء الاستبراء، هذا لفْظُه في المسألة.
وإن كان الحَمْلِ مِن زِناً، ففي حُصُول الاستبراء بوَضْعه، حيث يحْصُل بوضعٍ ثابتِ النَّسَبِ وجهان: أحدهما، وهو الذي أورده أبو الفرج السرخسيُّ: أنه لا يَحْصُل كما لا تنقضي العدَّة بوضع الحمل مِنَ الزنا، وأيضاً، فاشتغال الرَّحِم بماء الزنا لا يوجب منْعاً، فالفراغ منْه لا يُفيد حِلاًّ.
وأصحُّهما، على ما ذكر أبو سعد المتولي، وهو الذي أورده في الكتاب: أنه يَحْصُل 1 لإطلاق [الخبر] 2 حيث قال: "لاَ تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ"، ولأن المقْصُود براءةُ الرَّحِم، وانفصال الولد أدلُّ على البراءة من انفصال دَمِ الحيْض، وليس الاستبراء كالعدَّة، فإنها مخصوصة بالتأكيد؛ ألا تَرَى أنه يُشْترط فيها العَدَد، ولا يشترط في الاستبراء، وعن القاضي الحُسَيْن تقريبُ هذا الخلافِ من الخِلاَف في أن استبراء ذات الأقراء بالحيض أو الطُّهر؟ إن اعتبرنا الطُّهْر لم يحْصُل الاستبراء، وإن اعتبرنا الحيْض.
فالنَّظر إلى ما تُعْرف به البراءة، والحمل من الزنا يُعْرف، بوضْعِه البراءةُ، وإذا قلنا: لا تحْصُل البراءة، فلو كانث ترى الدَّم على الحبل، وجعلْناه حيضاً، فيحصل الاستبراء بحيضة على الحبل في أصحِّ الوجهين، وإن لم نجعلْه حيضاً أو كانت لا تَرَى الدم، فاستبراؤها بحيضة بَعْد الوضع، ولو ارتابت بالحَمْل إما في مدَّة الاستبراء أو بعدها، فعلى ما ذكَرْنا في العِدَّة.
وقوله في الكتاب "أما القَدْرُ فقرْءٌ واحدٌ" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ ولأنه قدر مُطْلَقِ الاستبراء به، وعند أبي حنيفة: المستولدة تسْتبرأ بثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر،

ويجوز أن يُعْلَم قوله "فَشَهْرٌ واحد" على ذلك القول أيضاً.
وقوله "والمستولدة إذا عَتَقَتِ استبرأت أنْ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ" أحق بهذه العلامة، وليس إلى ذكر المستولدة كبيرُ حاجَةٍ في هذا المَوْضِع، والمسألةُ معادَةٌ مِنْ بعد، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا حُكْمُهُ) فَهُوَ تَحْرِيمُ الاسْتِمْتَاعِ إلاَّ في المَسْبِيَّةِ فَإنَّهُ لاَ يَحْرُمُ إلاَّ وَطْؤُهَا وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّه يَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليْس الَّذي ذكَرَه مِن حُكْم الاستبراء، ومِنَ الشَّرْط بعْده، حُكْماً، وشرطاً المُطلَق الاستبراءُ، بل هما مخصوصان بأحَد نَوْعَيْ الاستبراء، وهو الاستبراء بِحُذوث المِلْك، فكان الأحسن في الترتيب بعْد ذِكر قَدْرِ الاستبراء: أن يَذْكُر سَبَبَيْ الاستبراء، وُيودِعَ هذا الحُكْمَ والشَّرْطَ في النَّوْع الذي يَخْتَصَّان به الفقه مَنْ مَلَك أمةً، لم يَجُزْ له أن يطأها، حتى ينقضي زمان الاستبراء؛ للحديث الذي سبق، وكما لا يجوز الوطء، لا يجوز سائر الاستمتاعات، كاللمس والقُبْلة والنَّظَر بالشهوة 1، إن مَلَكَها بغَيْر السبْيِ؛ لأنَّها قد تكون حاملاً من سيِّدها أو من وطء شبهة، فتكُونُ أمَّ ولدٍ لغيْره، ويتبيَّن أنه لم يَمْلِكْها، وإن مَلَكَها بالسبْيِ، فوجهان: أحدهما: أنه يَحْرُم كما في غير المَسْبِيَّة، وأيضاً، فإن هذه الاستمتاعات تدعو إلى الوطء المحرَّم.
وأظهرهما: الحِلُّ؛ لما رُوِيَ عن ابن عمر أنه قال: "وَقَعَتْ فِي سَهمِي جَارِيةٌ مِنْ سَبْي جَلُولاَءَ، فنَظَرْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا عُنُقُهَا مِثْلُ إبْرِيقِ الفِضَّةِ، فَلَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ وَثَبْتُ عَلَيْهَا فَقَبِّلْتُهَا، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ" وتفارق المَسْبِيَّةُ غيْرَهَا؛ لأن غايتها أن تكون مستولَدَة حَرْبيِّ، وذلك لا يمنع المِلْك، بل هي والولدَ يُمْلَكَان بالسبْيِ، وإنما حَرُم الوطء صيانة لمائه لئلاَّ يخْتَلِط بماء حربيِّ، لا لحُرْمة مالء الحرْبي، وإذا قلْنَا بتحريم سائر الاستمتاعات، فإذا طَهُرَت من الحيض، حل سائر الاستمتاعات، ويبقى تحريم الوطء إلى أن تَغْتَسِل، وفيه وجْه يمتد تحْريمها إلى أن يحل الوطْء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا شَرْطُهُ) فَأَنْ يَقَعَ بَعْدَ حُصُولِ مِلْكٍ لاَزِمٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ قَبْلَ قَبْضِ المُشْتَرَاةِ وَلاَ يَجُوزُ فِي الهِبَةِ قَبْلَ القَبْضِ وَيجُوزُ فِي الوَصِيَّةِ وَلَكِنْ بَعدَ القَبُولِ وَمَوْتِ المُوصِي وَلاَ يَجُوزُ في مُدَّةِ الخِيَارِ إن قُلْنَا: المِلْكُ لِلبَائِع وَإِنْ قُلْنَا:

إِنَّهُ لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ كَمَا قَبْلَ القَبْضِ وَأَضْعَفُ وَلَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةَ أَوْ مُرْتَدَّة فَأَسْلَمَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ حَيْضَةٍ بَعْدَ المِلْكِ فَفِيهِ خِلاَفٌ لِعَدَمِ مَظَنَّةِ الاسْتِحْلاَلِ وَلَوْ تَعَدَّى بِوَطْئِهَا قَبْلَ الاسْتِبْراءِ لَمْ يَنْقَطِعِ الاسْتِبْراءُ فَإن أَحْبَلَهَا وَهِيَ حَائِضٌ حَلَّتْ لِتَمَامِ الحَيْضِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِهِ بِالْحَمْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وجوب الاستبراء لا يمنع المِلْك عن إثبات اليد على الجارِيَة، بل هو مُؤتَمَنٌ فيه منْ جهة الشَّرع، ويدل عليه أنه لم يَمْنع سبايا أَوْطَاس منَ الَّذين وقعْن في سهامِهِمْ، وعن مالك أنَّ الجارية المشتراة 1 إن كانت حسناء، فتوضع مدة الاستبراء في يدِ عَدْلٍ، وإن كانت قبيحةً، فيستبرئها المشتري عنْده، ويُرْوَى أن البائع يُمْسكها، ثم في الفصل مسائل: إحداها؛ ما يحْصُل به الاستبراء، لو وقع بعْد المِلْك، وقبل القبض، هل يعتد به؟ يُنْظر؛ إن ملك الجارية بالإرْث، فيعتد به؛ لأن المِلْك بالإرث متأكِّدٌ نازلٌ منزلةَ المقْبُوض، وإن لم يحصُل القبض حسًّا؛ ألا ترى أنه يصِحُّ بيعه، وإن ملكها بالشراء فوجهان: أحدهما: لا يعتد به، لعدم استقرار المِلْك.
وأصحُّهما: وهو اختيار القاضي أبي الطيِّب والرويانيِّ: الاعتداد؛ لأن المِلْك تام لازم، فأشبه ما بعد القبض قال في "التتمة": وأصل المسألة أن المَبِيع إذا هلكَ قبل القَبْض، يرتفع العقد من أصْله أم لا؟ وفيه خلاف ذُكِرَ في موضعه، وإن ملكه بالهِبَة، لم يعتد؛ لِمَا يقع قبل القبْض؛ لتوقف المِلْك على القبْض، وفي الوصية: لا اعتداد بما يقع قبل القبول، وبعتد بما يقع بعده 2 وقبل القبض لتمام الملْك واستقراره، وأشار إلى القَطْع به مسْيرُونَ وقالوا: لا أثر للقبْض في الوصيَّة، وأَجْرَى صاحب "التهذيب" -رحمه الله- فيها الخِلاَفَ المَذْكُورَ في الشراء، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب "ويجوز في الوصية".

وقوله "ولكن بَعْد القَبُول، وموت الموصِي" لو لم يَتعرَّض لموت الموصي؛ لحَصَل الغرض، فإن القبول المعتد به ما يَقَع بعْد الموت.
الثانية: إذا وقَع الحيْض أو وضع الحمل في زَمَان الخيار المَشْروط في الشرى، ففي حصول الاستبراء به على الخلاف في المِلْك، إن قلنا: إن المِلْك للبائع لم يَحْصُل، فإذا طَهُرت من النفاس، وطَعَنت في الحيض، انقضى الاستبراء، إن قلنا: إنَّ الاستبراء بالطُّهْر، وإن قلْنا: إنه بالحَيْض، فإنما ينقضي إذا تمَّت الحيضة، وإن قلنا: إنَّ المِلْك للمشتري أو قلْنا بالوقف، فوجهان عن أبي إسحاق: أحدهما: يحصل الاستبراء؛ لوُقُوعه في المِلْك، وإمكانُ الفَسْخ لا يمنع الاعتداد به، كما لو كان بها عيْبٌ.
أظهرهما: المنع؛ لأن الملُك في زمان الخيار غيْرُ لازم، بخلاف ما قبل القبض، وعن صاحب الكتاب: تخصيص الوجهَيْن بما إذا حاضَت في زمان الخيار، والقطْعُ بحصول الاستبراء إذا وضعت الحمل؛ لأن الاستبراء بالوضْع أقوى من الاستبراء بالأقراء.
الثالثة: لو اشترى مجوسيِّة أو مرتدَّةَ فمَرَّتْ بها حيْضة أو وضعت الحَمْل، ثم أسْلَمَت، فوجهان: أحدهما: أنه يعتد بما جرى في الكفر؛ لوقوعه في المِلْك المستقر.
وأظهرهما: المنع، ووجوب الاستبراء بعْد الإسلام؛ لأن الاستبراء استباحةُ الاستمتاع، وإنما يُعْتَدُّ بما يستعقب حل الاستمتاع، وربما بُنِيَ الوجهان على أن المُوجِب للاستبراء حدوثُ المِلْك أو حدوثُ حِلَّ الاستمتاع، وهذا أصْلٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وإذا اشترى العبدُ المأذونُ جاريةً، فللسيد وطؤها بعد الاستبراء، إن لم يكن هناك دَيْن، فإن كان هناك دَيْنٌ للغرماء، لم يكن له وطؤها؛ لئلا يُحْبِلها، فيَبْطُل حق الغرماء، فإذا انفكت عن الدُّيون بقضاء أو إبْراء، وقد جَرَى ما يَحْصُل به الاستبراء قبل 1 الانفكاك فيُحْسَب ذلك، أم يُشْترط وقوع الاستبراء بعْد الانفكاك؟ فيه وجهان، كما في مسألة المَجُوسية، وبالثاني أجاب العراقيون، وذكر في "الشامل" أنه لو اشترى جاريةً ورهنَهَا قبل الاستبراء، ثم انفك الرَّهْن، يستبرئها، ولا يُعْتدُّ بما جرى، وهي مرهونةٌ، وغلَّطه القاضي الرُّويانيُّ فيه.

الرابعة: لو وطئها قبل الاستبراء، فَقَدْ تعدَّى وأَثِمَ، وكذا لو استمْتَعَ بها، إن حرَّمناه، ولا ينقطع الاستبراء، قال في "التتمة": لأن قيام المِلْك لم يمنع الاحْتِساب، وكذا المعاشَرَة بِخِلاَف العِدَّة، ولو أحبلها بالوطء الواقع في الحَيْض، وانقطع الدم، حَلَّت له؛ لتمام الحيضة، وان كانت طَاهِراً عنْد الإِحْبال، لم يَنْقَضِ الاستبراء حتَّى تضع الحمل هذا لفظ "الوسيط" (1).

قَالَ الَغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي السَّبَبِ)

وَهُوَ اثْنَانِ: (الأَوَّلُ): حُصُولُ المِلْكِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَو فَسْخٍ (ح) أَوْ إِقَالَةٍ (ح) وَإنْ كَانَ الانْتِقَالُ مِنَ امْرَأَةِ أَوْ صَبِيٍّ وَجَبَ أَيْضاً وَيَجِبُ في البِكْرِ (و) وَالصَّغِيرَةِ (م) وَالآيِسَةِ وَلاَ يُجْزِئُ اسْتِبراؤُهَا قَبْلَ البَيْعِ وَيَجِبُ (ح) اسْتِبُرَاءُ المُكَاتَبَةِ إِذَا عَادَتْ إِلَى الرِّقِّ بِالعَجْزِ وَلاَ أَثَرَ لِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَالرَّهْنِ أَمَّا زَوَالُ تَحْرِيمِ الرِّدَةِ وَالإِحْرَامِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَكَذَا فِي زَوَالِ تَحْرِيم التَّزْوِيجِ بِالطَّلاَقِ قَبْلَ المَسِيسِ وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الخِيَارِ فَعَادَتْ إِلَيْهِ بِالفَسْخِ فَيَجِبُ الاسْتِبرَاءُ إنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ أَوْ بتَحْرِيمِ الوَطْءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لوجوب الاستبراء سببان: أحدهما: حصول المِلْك، فمن مَلَك جاريةً بإرْثٍ أو اتِّهَاب أو ابتياع أو قَبُول وصيةٍ أو سبْيٍ، لزمه الاستبراء، وكذا لو عاد المِلْك فيها بعد الزوال بالرد بالعيب في التحالف أو بالإقالة أو خيار الرؤية أو الرجوع في الهِبَة، يلزم الاستبراء، وخالف أبو حنيفة إنْ جَرَتْ قبل القبض في الرد بالعيب وخيار الرؤية والرجوع في الهبة، وقاس الأصحاب ما خالَفَ فيه على ما وافَقَ، ولا فرق بين أن يكون الانتقال مِمَّن يُتصوَّر اشتغالُ الرحم بمائه أو ممَّن لا يُتصوَّر، كامرأة وصبيِّ ونحوهما، ولا بين أن تكون الجاريةُ صغيرةً أو آيسةً أو غَيْرَهُما، ولا بين البكر والثيِّب، ولا بيْن أن يستبرئها البائع قبل البَيْع أو لا يستبرئها.
وعن مالك أنَّها إنْ كانَتْ ممَّن توطأُ قبْل ملكها، وَجَب الاستبراء، وإلا، لم يَجِب، وعنه أنَّه يجب الاستبراء في الشريعة دُون الدنية، وفي أمالي أبي الفرج1

السرخسيِّ تخريجٌ عن ابن سُرَيْجِ في البِكْر: أنه لا يجب 1 الاستبراء، وعن المزنيِّ في "مختصر المختصر": أنه إنما يجب الاستبراء، إذا كانت الجارية موطوْءَة أو حاملاً قال القاضي الروياني: وأنا أميل إلى هذا، واحتج الشافعيُّ -رضي الله عنه- بإطْلاق الخَبَر في سبايا أوطاس مع حصول العِلْم بأنه كان منهم أبكار وعجائز، ويجوز أن يُعْلَم؛ لما روينا لفْظ "الفسخ" "والإقالة" بالحاء، ولفظ "البكر" بالواو، ولفظ "الصغيرة" بالميم.
ولا يجب على بائع الجارية استبراؤها، سواءٌ وطئها أو لم يطأْها، لكن يُسْتحبٌ إن وطئها؛ ليكون على بصيرةٍ عند البيع، ولو أقرض جارية لا تحِلُّ للمستقرض، ثم استردَّها قبل أن يتصرف المستقرض فيها، وجب على المُقْرِض الاستبراء، إن قلنا: إن القرض يُمْلك بالقبض، وإن قلْنا: يملك بالتصرف، ولم يجب.
ثم الفصْل يشتمل على صور: إحداها: "لو كاتب جارِيتَه، ثم فسخت الكتابة أو عجَّزَها السيد، لزمه الاستبراء؛ لأنه زالَ مِلْك الاستمتاع بها، وصارت إلى حالة، لو وطئها استحقَّت المَهْر، ثم عاد المِلْك، فأشبه ما لو بَاعَها ثم اشتراها، وقال أبو حنيفة: لا يَجِب الاستبراء".
الثانية: إذا حُرِّمَت على السيِّد بصومٍ أو صلاةٍ أو اعتكافٍ أو حيْض أو نِفَاسٍ، ثم حلَّت بارتفاع هذه المَعَانِي، لا يجب الاستبراء؛ لأنه لا خَلَل في المِلْك، وإنما حُرِّمَت بهذه العوارض، وكذا لو حُرِّمت عليه بالرهن، ثم انفك الرَّهْن؛ لأن مِلْك الاستمتاع باقٍ، وإنما راعيْنا 2 جانب المرتهن؛ أَلاَ تَرى أنه يجوز له القُبْلة والنَّظَر بالشهوة، وأنه لو أذن المرتهن في الوطء، حَلَّ.
الثالثة: لو ارتدت جاريته، ثم أسلمت، هل يجب على السيِّد الاستبراء؟ فيه وجهان: أصحُّهما: نعم؛ لأنه زال مِلْك الاستمتاع ثُمَّ عاد، وقال في "التهذيب": الوجهان مبنيان على الوجهَيْن فيما إذا اشترى مرتدَّة ثم أسلَمَتْ، هل يحسب حيضها في زمان الردة عن الاستبراء؟ إن قلْنا: يُحْسَب، لم يجب الاستبراء هاهنا، وإلا وجب ولو ارتد

السيد، ثم عاد إلى الإِسلام، فإن قلنا بزوال المِلْك بالردة، فعَلَيْه الاستبراء لا محالة، وإلا، فوجهان، كما في ردَّة.
الاَّمَة، والأصحُّ الوجُوب، وعند أبي حنيفة: لا يجب في رِدَّتها، ولا في ردته.
ولو أحْرَمَت، ثم تحلَّلت، حكى صاحب الكتاب، وأبو سعْد المتولِّي -رحمهما الله- في وجوب الاستبراء الخِلاَفَ المذكور في الردَّة؛ لأن الأحرامَ سببٌ يتأكَّد التحريم به.
والظاهر الذي أورده الجُمْهور: أنه لا يجب، كما في التحريم بالصَّوْم والاعتكاف، ولو زوج أمَتَه، فَطلَّقها زوجُها قَبْل الدخول، فهل على السيد الاستبراء؟ فيه قولان: أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأن المِلْك لم يَزُلْ.
والآخر: نَعَم؛ لأنَّ ملْك الاستمتاع زال ثم عاد وسنعيد هذه الصورة والقَوْلين في موضعَيْن منْ بَعْدُ.
الرابعة: إذا باع جاريةً بشرط الخيار، ثم عادت إليه بالفسخ أو عادتْ بالفَسْخ في مجلس العقْد، ففي "البسيط" و"الوسيط": أنا إن قلنا: إنَّ مِلْك البائع لم يَزَلْ، لم يجب الاستبراء، وان قلنا بزوال مِلْكه، ينبني على أنه هَلْ يحل له الوطء؛ لتضمُّنه الفسخ؟ إن قلْنا: لا يحِلُّ، فيجب الاستبراء، وإن قلنا: يحلُّ، فيجوز أن يقال: يجِبُ؛ لتجدد المِلْك، ويجوز أن يقال: لا يجبُ لإطرادِ حَلَّ الاستمتاع، وقد حكينا في البيع وجْهاً: أنه يحرم الوطء، وإن قلْنا بعدم زوال الملك؛ لأنه مِلْكٌ ضعيف، فيجيْءُ على ذلك الوجْه أن يقال بوجوب الاستبراء، وان لم يزل الملُك؛ لعَوْد الحل بعْد زواله، وهذا طريقٌ قد أورده صاحب "التتمة" -رحمه الله-.
والظاهر: حلُّ الوطء إن قلنا ببقاء المِلْك، وتحريمه إن قلْنا بزواله، فتخرج منه الفتوى: أنه لا يجب الاستبراء إنْ قلْنا ببقاء الملك، وأنه يجب إن قلْنا بزواله، وهذا ما اقتصر على إيراده صاحب "التهذيب".
وقوله في الكتاب: "إن قلنا بزوال مِلْكِهِ أو بتحريم الوطء" هكذا يُوجَد في النسخ 1، لكنه لا يوافق ما في "البسيط" و"الوسيط"؛ لأن المفْهُوم منه إن قلْنا بزوال المِلْك أو قلنا بتحريم الوطء، وان لم يَزُلِ المِلك، وهو لم يُورِدْ فيما إذا لم يزل الملك إِلاَّ أنه لا يجب الاستبراء، ولو قرئ "إنْ قُلْنَا بزوال ملْكه، وبتحريم الوطء" بالواو وافق ما في الكتابين، فتدبر، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ وَجَبَ الاِسْتِبرَاءُ عَلَى وَجُهٍ لِتَبَدُّلِ جِهَةِ الحَلِّ

وَتَجَدُّدِ المِلْكِ وَلَوِ اشْتَرَى مُعْتَدَّةَ أَوْ مُزَوَّجَةً اسْتَبْرَأَهَا بَعْدَ العِدَّةِ أَوِ الطَّلاَقِ وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يَجِبْ عِنْدَ التَّمَلُّكِ فَلاَ يَجِبُ بَعْدَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: إذا اشترى زوْجَتَه الأمة وانفسخ النكاحُ، فهل يجب الاستبراءُ أم يَدُوم حلُّ الوطء؟ فيه وجهان: أظهرهما، وُيحْكَى عن النَّصِّ: أنه يدومِ الحِلُّ، ولا يجب الاستبراء، لكن يُستَحَبُّ 1، أما أنه لا يجب، فلأنها كانت حلالاً، فإذا لم يتجدَّد الحِلُّ، فلا حاجة إلى الاستبراء؛ ولأن الاستبراء لِحِفْظِ المياه عن الاختلاط والماءان له، وأما أنه يُستحَبُّ؛ فَلِيميز الولد في النكاح عن الوَلَد في مِلْك اليمين لأنه في النكاح ينعقد مَمْلوكاً، ثم يُعْتَق بالمِلْك [ولا تصير به أم ولد]، وفي مِلْك اليمين ينعقد حراً، وتصير الأم أمَّ وَلَدٍ.
والثاني: أنه يجب الاستبراء؛ لتجدُّد الملك وتَبدُّل جهة الحِلِّ، ولو جرى الشراء بشرط الخيار، فيجوز الوطء في مدة الخيار؛ لأنَّها إما مملوكةٌ أو منكوحةٌ أَوْ لا يجوز؛ لأنه لا يدري أنها مملوكة أو منكوحةٌ، حكى صاحب "التهذيب" فيه وجهَيْن، ونسب الثاني إلى النصِّ، وذكر أنه لو طَلَّق زوجته الاَمَةَ، ثم اشتراها في العدَّة، وجب الاستبراء؛ لأنه اشتراها، وهي مُحرَّمة عليه، ولو اشترى زوجته 2 ثم أراد تزويجَها من غيره، لم يجز إن كان قد دَخَل بها قبل الشرى، إلا بَعْد مضيِّ قرءين؛ لأنه إذا انفسخ النكاح، وجَب عليها أن تعتد منْه، فلا تَنْكِح غيره، حتى تنقضي العدَّة، ولو مات عَقِيبَ الشراء، يلزمها عدَّة الوفاة، وتكمل عدة الانفساخ، ذَكَره ابن الحدَّاد، وُيحْكَى عن نصه -رضي الله عنه- في "الإملاء" 3. الثانية: إذا اشترى جاريةً مُزوَّجة أو معتدَّةً عن زَوْج أو وطء شبهة، واختار المشتري إمْضاء البَيْع أو كان عالماً بحالها، فلا استبراء في الحال؛ لأنَّها مشغولةٌ بحقِّ الغير غير محلَّلة للمشتري، فإن طلَّقها زوجُها قبْل الدخول أو بعْده، وانقضت العدَّة أو

انقضت عدَّة الشبهة، فهل يجب الاستبراءُ على المُشْتَرِي؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب، وله وطؤها في الحال؛ لأن المُوجِب للاستبراء حُدُوثُ المِلْك، ولم يكن يومَئِذ في مظنة الاسْتِحْلال، وإذا تخلف الحكم عن المُوجِب، سقط أثره.
وأظهرهما: الوجوب؛ لأن الموجِبَ قدْ وُجِد، لكن لم يَترتَّب عليه موجِبُه في الحال، فإذا أمكن، رتَّب، ولا بُعْد في تراخي الحُكْم عن السبب؛ ألا ترى أن المعتدة عن النكاح إذا وُطِئَت بالشبهة، تَعْتدُّ عن الوطء بعْد الفراغ من عدة النِّكاح؟ وقد يقال بوجوب الاستبراء، وُيرَدُّ الخلاف إلى أنه هل تَدْخل في العِدَّة، ويقْرُب منه ما حكَيْنا عن "التهذيب" من قبل، وهاهنا فائدتان: إحداهما: استنبط القاضي الحُسَيْن من القولَيْن عبارتَيْن يتخرَّج عليها مسائل: إحداهما: أن الموجب للاستبراء حدُوثُ مِلْك الرقبة مع فراغ مَحَلِّ الاستمتاع، ووجه اشتراط الفراغ بأن مقْصود الاستبراء حِلُّ الاستمتاع، فإذا كانتْ مشغولةً بنكاح أو عدة، لم تَحْصُل الاستباحة عند انقضاء الاستبراء، فلا يكون مُؤَدِّياً.
والثانية: أن الموجَب حدوثَ حِلِّ الاستمتاع في المملوكة بمِلْك اليمين، ووُجِّه بأن مِلْك الجارية قد يقصد للاستمتاع، وقد يُقْصد لغيره، فتعلُّق الحُكْم بُحِلُّ الاستمتاع لا بالمِلْك، فعلى العبارة الأُولَى، لا يجب الاستبراء عنْد انقضاء العِدَّة؛ لأنه لم يَحْدُث المِلْك حينئذ، وحين حَدَث المِلْك، لم يكن محلُّ الاستمتاع فارغاً، وعلى العبارة الثانية يجب، وعلى العبارتَيْنِ خَرَّج بعْضهم الخلاف فيما إذا اشْتَرَى مجوسيةً، فحاضَتْ ثم أسلَمَتْ، هل يلزم الاستبراء بَعْد الإسلام أم تعتد بما سَبَق وكذا الخلاف فيما إذا زَوَّج أمته وطلَّقها زوجها قبل الدخول، هل على السيد الاستبراء؟ فَعَلَى العبارةِ الأُولَى لا يَجِب، وعلى الثانية؛ يجب، ويجري الخلاف فيما إذا زَوَّجها، وطلَّقها بعد الدخول، وانقضَتِ العدة أو وُطِئَت بالشبهة، وانقضت العدة.
واعلم أن الحكاية عن نصِّه في "الأم" -رضي الله عنه- فيما إذا اشترى أمةً معتدةً من زَوْج: أنه لا يلزم الاستبراء بعْد انقضاء العدَّة، وفيما إذا زوَّج أمته، وطلَّقها الزوْج بعد الدخول: أنَّه يَلْزم الاستبراء بَعْد انقضاء العدَّة، وعن نصِّه في "الإملاء" عكس الجوابين في الصورتين، فحصل في الصورتين قولان منصوصان.
والثانية: إذا قلْنا يما إذا اشترى مزوَّجةٌ، وطلَّقها الزوج: لا يجب الاستبراء، فلمن يريد تعجيل الاستمتاع أن يتخذه حيلةً في إسقاط الاستبراء، فيسأل البائع أن يزوجَهَا ثم يشتريها، ثم يسال الزوج أن يُطلَّقها، فتَحِلُّ له في الحال، لكن لا يجوز تزويج الجارية الموطوءة إلا بعْد الاستبراء، فإنما يحْصُل الغرض إذا لم تَكُن موطوءة،

أو كان البائع قد استبرأها، وإذا كانت الجارية كذلك، فلو أعْتَقَها المشْتَرِي في الحَال، وأراد أن يزوِّجها من البائع أو غيره، أو أن يتزوِّجها بنَفْسِه، ففي جوازه وجْهان مذكوران في "التهذيب" وغيره.
والأصحُّ: الجواز، فعلى هذا، فمعجل الاستمتاع يمكنه أن يُعْتِقها في الحال [ويتزوجها]، ولا يحتاج إلى أن يسأل البائع تَزْويجَها أولاً، إذا كان لا يبالي بفَوَات ماليتها 1، وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: لا يُشْترط استبراء الجارية الموطوءة، ليتزوجها، وإذا أعتقها، سَقَط الاستبراء، ويُذْكَر أن هارون الرّشِيدَ -رحمه الله- طَلَب حيلة مسْقِطَةً للاستبراء، فقال أبو يوسف القاضي -رحمه الله-: أعْتِقْها ثم تزوَّجْها، ويقال إنَّه قال: مُرْ مالكها ليزوجها لبعض خدَمِك، ثم اشْتَرِها، وأشر على الزوج بطلاقها، فنَفَقَتْ سوقُه عنده.
فُرُوعٌ وفوائد: إذا تَمَّ ملكه على جارية مشتركلة بينه وبين غيره، لَزِمَه الاستبراء، وكذلك، لو أسلم في جاريةٍ وقبضها، فوجدها بغير الصفة المَشْرُوطة، فرَدَّها، يَجبُ على المُسَلَّم إليه الاستبراء.
وإذا كانت الجاريةُ المشتراةُ مَحْرَماً للمشتري أو اشترتها امرأة، فلا معنى للاستبراء؛ لأن الاستبراء أجَلٌ يُضْرب؛ لحِلِّ الوطء، ولا مجال له هاهنا، وكذا لو اشترى اثنان جارية لا معنى للاستبراء، إلا فيما يرجع إلى التزويج.
ولو ظَهَر بالجارية المشتراة حَمْلٌ، فقال البائع: إنه متى نظر إن صدقه المشتري، فالبيع باطلٌ باتفاقهما، والجارية مستولَدَةٌ للبائع، وإن كَذَّبه، نُظِر؛ إن لم يقر البائع بوطئها عند البيع، ولا قبله، لم يُقْبَل قوله، كما لو قال بعْد البيع: كنت أعتقته، لكن يحلف المشتري أنَّه لا يَعْلَم أن الحَمْل منه، وفي ثبوت نَسَبِه من البائع خِلافٌ؛ لأنه يَقْطَع إرث المشتري بالولاء، وإن كان قَدْ أقر بوطئها، فإن استبرأها، ثم بَاعَها، ثم إنْ وَلَدت لِمَا دون ستة أشهر منْ وقت استبراء المشتري،، فالولد لاحِقٌ بالبائع، والجارية مستولَدَةٌ له والبيعُ باطلٌ، وإن ولَدَت لستة أشهر أو أكثر، لم يُقْبل قوله، ولم يَلْحَقه الولد؛ لأنه، إن كان في مِلْكِه، لم يلْحَقه، ثم يُنْظر؛ إن لم يطأْها المشتري أو وطئَها، ووَلَدَتِ لِمَا دون ستة أشهر من وقْت وطئه، فالولد مملوك له، وإن ولَدَتْ لستة أشهر واْكثر من وقْت وطئه، فالولد لاَحِقٌ بالمشتري، والجاريةُ مستولدةٌ له، وإن لم يستبرئها البائعُ قَبْل البيع، فإن وَلَدتْ لأقلَّ من ستة أشْهُر مِنْ وقْت استبراء المشتري أو لأكثر، ولم يطأْها المشتري، فالولد للبائع، والبيعُ باطلٌ، وإن وطئها المشتري، وأمكن أن

يكون الولَدُ مِنْ هذا، وأن يكون من ذاك، فيُعْرَض على القائف.
ولا يجب في شراء الأمة التي يطاُها البائع إلا استبراءٌ واحدٌ، ولا تقول: إن الشرى يُوجِبُ الاستبراء، وإن لم تكن موطوءة البائع، ووطئ البائع، قد يحوج 1 إلى الاستبراء، ولذلك لا يجوز تزويجُها إِلاَّ بعْد الاستبراء، فلْيتعدَّد الاستبراء؛ وذلك لأن المقصود معرفةُ براءة الرَّحِم، وقد حصَلَت.
ولو استبرأها شريكان، ووطئاها في طُهْرٍ واحدٍ، فيكفي استبراءٌ واحدٌ؛ لدلالته على البراءة أو يجب استبراءان؟ كالعِدَّتَين من شخصَيْن؟ فيه وجهان، فيما لو وَطِئَاهَا، وأرادا تزْويجها، هل يكفي استبراءٌ واحدٌ؟ وقد سبق لهذا ذِكْر، ولو وطئَ أمةَ غَيْرِه على ظَنِّ أنها أمته، ووطئها آخَرُ على هذا الظن أيضاً، قال في "التتمة": وطء كل واحد منهما يَقْتضي الاستبراءَ بقُرْء، وفي تَدَاخُلهما وجهان، أصحهما المنع 2. قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّانِي) زَوَالُ الفِرَاشِ عَنِ الأَمَةِ المَوْطُوءَةِ وَالمُسْتَوْلَدَةِ بِالعِتْقِ إمَّا بِالاِعْتَاقُ أَوْ بِمَوْتِ السَّيِّد يُوجِبُ التَّرَبُّصِ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ وَمَنْ أَرَادَ تَزْوِيجِ الأَمَة المَوْطُوءَةِ فَعَلَيْه الاسْتِبرَاءُ بِحَيْضَةٍ (ح) قَبْلَ التَّزْوِيج وَلَوِ اسْتَبْرَأَهَا ثمَّ أَعْتَقْهَا لَمْ يَجُزْ تَزْويجُهَا عَلَى وَجْهٍ إلاَّ بَعْدَ التَّرَبُّصِ بِقُرْءٍ عَلَى وَجْهٍ؛ لَأَنَّ العِتْقَ أوجب ذَلِكَ وَكَذَا الخِلاَفُ لَوْ زَوَّجَهَا المُشْتَرِي وَقَدِ اسْتُبْرِئَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَقِيلَ: ذَلِكَ يَمْتَنِعُ في المُسْتَوْلِدَةِ دُونَ الرَّقِيقَةِ لِشَبَهِ فِرَاشِهَا بِفِرَاشِ النِّكَاحِ وَالمُسْتَوْلَدَةُ المُزَوَّجَةُ إِذَا أُعْتِقَتْ فَفِي وُجُوبِ الاسْتِبْرَاءِ عَلَيْهَا خِلاَفٌ وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ وَأَرَادَ أنْ يَنْكِحَهَا فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أعتق الرجُل أمته الَّتي وطئها أو مستولَدَته أو مات عَنْها، وليست هي في نكاح ولا في عدة نكاح، لَزِمها الاستبراء؛ لأنَّها كانت فراشاً للسَّيِّد، وزوالُ الفراش بعْد الدخول يقتضيِ التربُّص، كما في زوال الفراش عن الحُرَّة، ويُرْوَى 3 عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّه قال: "عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ إِذَا هَلَكَ سَيِّدُهَا بِحَيْضَة، واسْتِبْرَاؤُهَا

بِقُرْءٍ وَاحدٍ" وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: بثلاثة أقراء؛ لأنَّها حُرَّة، وعن أحمد روايتان: أظهرهما مساعدتنا والثانية: أن عليها، إذا مات السيِّد، عِدَّةَ الوفاة، واحتَجَّ الأصحاب -رحمهم الله- بأنه استبراءٌ وجب؛ لزوال مِلْك اليمين، فكان بقُرِءٍ واحدٍ، كاستبراء الأمة المتملكة، ولو مضتْ مدة الاستبراء على أم الولد، ثم أعتقها سيَّدُها أو مات عنْها، فهل تَعتدُّ بما مضَى أم يلزمها الاستبراء بعْد العتق؟ قال المتولي: فيه وجهان، وكذلك حكاه الرُّويانيُّ عن القَفَّال، وقال في "التهذيب": فيه قولان: أصحُّهما: أن عليها الاستبْرَاءَ، ولا تَعتدُّ بما مضى كما لا تعتد [المنكوحة] بما تَقدَّم من الأقراء على ارتفاع النكاح، والخلاف مبنيٌّ عَلَى أنَّ أم الولد، هل تَخْرُح عن كونها فراشاً بالاستبراء أو الولادة؟ وهل تعود فراشاً للسيِّد، إذا مات زوجُها أو طلَّقها، وانقضت عدَّته أو لا تعود، ولا تحِلُّ له إلا بعْد الاستبراء؟ ولو استبرأ الأمة الموطوءة ثم أعتقها؟ قال الأئمة: لا استبراء علَيْها، ولها أن تَتزوَّج 1 في الحال، ولم يطرد فيها الخلاف المذكور في المستولدة؛ لأن المستولَدَة ثبت لها حقُّ الحرية، وفراشها يُشَبَّه بفراش النكاح، ولو لم تَكُن الأمة موطوءةً، لم تكن فراشاً، ولم يوجب إعتاقُها استبراءً، ثم في الفصْل مسائل: إحداها: لا يجوز تزويج الجارية الموطوءة قَبْل الاستبراء بخلاف بيعها، والفرق أن المقصود من النكاح الوطء؛ فينبغي أن يَسْتَعْقَبَ الحِلِّ، وأن يتقدَّم عليه ما يُطلَب في معرفة فراغ الرحم، والشَّرْفُ قد يُقْصد للوطء، وقد يُقْصَد لغيره، فلا معنى لمنع البائع من البيع، وعلى المشتري أن يَحْتاط إن قصد الوطء، وجَوَّز أبو حنيفة تزويجَها قَبْل الاستبراء، وللزوج الوطء في الحال، ولا يخفى ما فيه من اختلاف الماءين، واحتَجَّ الأصحاب بأنَّه وطء، لو أتتْ منْه بولد، وأقر به ثَبَت نَسَبُه، فيوجب التربُّص كوطء الشبهة، وما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- 2 - قال: "لا تَسْقِ مَائكِ زَرْعَ غَيرِكِ" وأما أمُّ الولد، ففِي جواز تزويجِها خلافٌ مذكورٌ في الكتاب في أمهات الأولاد، وإذا جوَّزناه، وهو الأصح، فَلاَ تُزوَّج قبل الاستبراء أيضاً، ولو استبرأها، ثم أعتقها، فهل يَجُوز تزويجُها في الحال أم تحتاج إلى استبراءٍ جديدٍ؟ فيه وجهان: وجه الأول: بأنه جاز التزويج بالاستبراء قَبْل الاعتاق، فكذلك ما بَعْده.
والثاني: بأنَّها كالمالكة لنَفْسها بالعتق، فتَبدُّلُ المِلْكِ يقْتضي الاستبراء تعبُّداً قال في "البسيط": كان الخلاف راجعٌ إلى أن يُقَال: المِلْك يستقل بإيجاب الاستبراء، وإنما يجب الاستبراء عنْد توهُّم الشغل؛ لتحل للأزواج ويشبه أن يبنى الخلاف على أن فِرَاش

أمِّ الولد، هل ينقطع بمجرَّد الاستبراء؟ [وقضيةُ قولنا "لا ينقطع" وجوبُ الاستبراء].
ولو اشترى أمة، وأراد تزويجها قَبْل الاستبراء، فإن كان البائع قَدْ وطئها، لم يَجُزْ [إلا] أن يزوِّجها منه، وإن لم يطأها البائع أو وطِئَها، واستبرأها قبْل البيع، أو كان الانتقال من امرأة أو صبيٍّ، فوجهان: أحدهما: أنه لا يجوز تزويجُها، كما لا يجوز له وطؤها.
وأصحُّهما: الجواز، وهو اختيار القَفَّال، وبه قال أبو حنيفة، كما كان يَجْوز للبائع أن يزوِّجها بَعْد الاستبراء، ونَسَب القَفَّال الوجْه الأوَّل إلى اختيار أكْثر الأصْحَاب، ونُوقِشَ في هذه النِّسْبة، وما ذكرنا من التردُّد في أن المستولَدَةَ هل تَخْرُج عن كونها فراشاً بالاستبراء، لا يَجِيْء في الفقه.
الثانية: لو أعتق مستولَدَتَه أو مات، وهي في نكاح زوجٍ أو عدةٍ، فلا استبراء عليها، لأنَّهَا ليست فراشاً للسيِّد، وإنما هي فراش للزَّوْج، وأيضاً، فإن الاستبراء لطلب حِلٍّ واستباحةِ نكاح، وهي مشغولةٌ بحق الزَّوْج، لا يُطْلَب منها حِلٌّ ولا تَنْكح غيره، [و] هذا هو الظاهر المنصوص، قَالَ الشيخ أبو عليِّ: وخَرَّج ابن سُرَيْج قولاً: أنه يلزمها الاستبراء، إذا مات السيِّد، وهي في نكاح زَوْجِ أو عِدَّته بعْد الفراغ منْ عدَّة 1 الزَّوْج كما لو وُطِئت منكوحةُ إنسانٍ بالشبهة، فشَرَعَتْ في عدَّة الوطء، ثم مات الزوج أو طلَّقها، تلْزمها العدَّة عنه، قال الشيخ: فعلى الظاهر المنْصُوصِ، متى انقضت عدَّة الزَّوْج، والسيِّدُ حيٌ، فتعود فراشاً للسيد، وعلى التخريج؛ لا تعود فراشاً حتى يستبرئها، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ: أن ما خَرَّج ابن سُرَيْج منصوصٌ عليه في القديم، وأضاف في "التتمة": القول بالوجوب إلى الإصطخريِّ، وأشْعْر إيراده بتَخْصِيص الوجوب بما إذا أعْتَقَها، أو مات عنها في نِكَاحٍ زَوْح، ولو أعتقها أو مات عَقِيب انقضاء عدَّة الزوج، ففي وجْه لا اسْتِبْرَاء عليها؛ لأنا قد عَرَفْنا بالعدة براءة الرحم، وبهذا أجاب بعض الآخذين 2 من الإِمام، والمنصوصُ: أنه يجب الاستبراء، قال الشيخ أبو علي: وهو ظاهر المَذْهَب، إلا أنَّ من أصحابنا مَنْ اشترط لوجوبه أن يَقَع إعْتاق السَّيِّد أو موته بَعْد انقضاء العدَّة بلَحْظة؛ لِتَعُود فيها فراشاً للسيد، ومنْهم مَنْ لم يشترط ذلك، وقال صيرورتها فراشاً أمُرٌ حكميٌّ لا يحتاج إلى زمان محسوسٍ، وإلى هذا ذَهَب

شيخي -رحمه الله-، وقد يبْنَى الخلاف في وجوب الاستبراء هاهنا، على ما إذا انْقَضَت عدَّة الزوج، والسيِّدُ حَىٌّ، والظاهر المنصوصُ في الجديد: أنها تعود فراشاً للسيِّد، وتَحِلٌّ له مِنْ غير استبراء [وحكى قول قديم؛ أنها لا تحل له بلا استبراء]، وَوْجِّه الأول بأن الملك لم يَزُلْ، وإنما عرض ما يمنع الوطء، فأشبه ما إذا رَهَنَها، ثم انفك الرهْن.
والثاني: بأنها حُرِّمت بعقْدِ معاوضةٍ، ثم عادت إليه، فكان كما إذا بَاعَها، ثم اشتراها، فإن قلْنا: يَحِلُّ بلا استبراء، فإذا مات السيد، فعليها الاستبراء، وإن أحوجناه إلى الاستبراء، لم يلزمْ الاستبراء إذا مات؛ لأنَّها عَتَقَتْ وليست هي فراشاً له، والخِلاَفُ في حِلِّ أم الولد إذا زال حق الزوج، [كالخلاف فيما إذا زال حق الزوج] عن الأمة المزوَّجة، هل يحتاج السيد إلى الاستبراء، لكن يُشْبِهُ أن يكون الأظْهَرُ في الأمة الفتنَّة الحَاجَة، وعن البندنيجي أنه نصّ عليه، وفرق بينهما بأن فراش أمِّ الولَدِ بالنِّكاح أشبه؛ ألا تَرَى أن موْت السيد يوجب التربُّص على أمِّ الولد، ولا يوجبه على الأمة، وولد أمِّ الولد يلحقه إذا أتَتْ به بَعْد ستة أشهر مِنْ يوم اسْتِبْرَائِها، وولد الأمة لا يَلْحَقُه؟ قاله في "البحر".
ولو أعتق مستولدته أو مات عنها، وهي في عدة [وطء] شبهة، فهل يلزمها الاستبراء؟ فيه وجهان؛ تفريعاً على المنصوص فيما إذا كانَتْ في عدَّة زوْج: أحدهما: أنه لا يلزم أيضاً، وإليه مال في "التهذيب".
وأشهرهما: الوجُوب، ويوجه بأن عدَّة الشبهة لا تَقْوَى على رفْع الاستبراء الَّذي هو في مُقْتَضَى الإعتاق، وبانها لم تَصِرْ فراشاً لغير السيد، وهناك صارَتْ فراشاً للزوج.
الثالثة: لو أعتق مستولَدَتَه، وأراد أن يَنْكِحَها قَبْل تمام الاستبراء، ففيه وجْهان، حكاهما الإِمام وغيره

-[رحمهما الله]-

. أصحُّهما: الجواز، كما يجوز للرجُل أن ينكح مُعْتَدَّته عن النكاح أو وطء الشبهة.
والثاني: المنع؛ لأن الإعتاق يَقْتَضِي الاستبراء، فلا يُمكن من استباحة مفتتحة إلا بعد رعاية حقِّ التعبد، وقَرُب هذا الخلاف مِنْ الخلاف في أنَّه إذا أعْتَقَ مستولدته بعْد الاستبراء، يجوز تزويجها في الحَالِ، [أو] لا بُدَّ مِنْ استبراء آخر قضية الإعتاق.
وأما لفظ الكتاب، فقوله "زوال الفراش عن الأمة الموطوءة" التعرُّض للفراش يُغْني عن ذكر الوطء 1، فإنَّ الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، وقوله "بِقُرْءٍ واحِدٍ" مُعْلَم بالحاء، وكذا قوله "فعليه الاستبراء بحيضة" ثم لا يخفى أن الحيضة إنما تُعْتَبر في ذَاتِ

الأقراء، وأما ذات الأشْهُر، فيعتبر في حقَّها بَدَل الحيضة.
وقوله: "ولو استبرأها ثم أعتقها".
أراد في المستولدة والقِنَّة جميعاً؛ ألا تراه ذَكَر مِنْ بَعْدُ وجهاً ثالثاً فارقاً، وقيل: ذلك يمتنع يعني التزويج في المستولَدَة دُون الرَّقِيقَة، وهو من جِهَة اللَّفْظ راجعٌ إلى الجارية الموطوءة، وهذا اللفظ ينظم 1 المستولَدَة وغيرها.
وقولُه "ففي وجوب الاستبراء عليها خلاف" يمكن أن يُعْلَمَ بالواو، لِقَطْع من قَطَع بأنه لا يجب الاستبراء، والله أعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالمُسْتَوْلَدَةُ المُزَوَّجَةُ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ أَوَّلاً فَعَلَيْهَا لِوَفَاةِ الزَّوْجِ عَدَّةُ الحَرَائِرِ وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ أَوَّلاً فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الإِمَاءِ وَبَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهَا التَّرَبُّصُ للسَّيِّدِ بِحَيْضَةٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِنْ لَمْ تَحِضْ فِي مُدَّةِ العِدَّةِ فَإِنْ مَاتَا مَعاً فَالصَّحِيحُ أَنَّ عِدَّتَهَا عِدَّةُ الإِمَاءِ [وَبَعْدَ ذَلِك عَلَيَّهَا التَّربْصُ بِحَيْضَةٍ] 2. قَالَ الرَّافِعِيُّ: المستولَدَة المزوَّجة إذا مات سيِّدها وزوْجُها جميعاً، فلذلك أحوال: أحدها: إذا مات السيد أوَّلاً، فقد مات، وهي تحت زَوْجٍ، وقد ذَكَرْنا أنَّه لا استبراء علَيْها على الصَّحيح، فإذا مات الزَّوْج بعْده اعتدَّت عدَّة الحرائر، وكذلك لو طَلَّقها.
والثانية: إذا مات الزَّوْج أوَّلاً، فتعتدُّ عدَّة الإماء شهرَيْن وخمس ليالٍ، ثم إن مات السيِّد، وهي في عدَّة الزوْج، فقد عَتَقَتْ في أثناء العدَّة، والخلاف في أنها تُكْمِل عدَّة الحرائر أو تَكْفيها عدَّة الأماء عَلَى ما ذكرنا، فيما إذا عَتَقَتْ في أثناء العِدَّة عن الطلاق البائن، في 3 أول "كتاب العدة" والأصحُّ: أنها لا استبراء عليها، كما تَبَيَّن في الفصل السابق، وإن أوجبْنَاه؛ فإن كانت من ذوات الأشْهُر فتتربَّص شهْراً آخَرَ بعد مضيِّ العدة، وإن كانَتْ مِنْ ذوات الأقْراء فتتربَّص بحَيْضةٍ بعْد العِدَّة، إن لم تحض في مدة العدة، وإن حاضَتْ في مدة العِدَّة بعْد ما عتَقَتْ، كفاها ذلك، وهذا قوله في الكتاب، "وبعد ذلك عليها التربُّص للسيد بحيضةٍ على أحَدِ الوجهَيْن، إن لم تَحِضْ في العدَّة" وإن مات السيِّد بعْد خروجها من العدَّة، ففي وجوب الاستبراء علَيْها وجهان؛ بناءً على أنها، هل تَعُود فراشاً للسيد بالخروج عن العِدَّة؟ والأظْهَر وجوبه.
والثالثة: إذا مات السَّيِّد والزوج معاً، فلا استبراء عليها؛ لأنَّها لم تَعْدُ إلى فراشه، ويَجِيْء فيه الخلافُ المذكُور فيما إذا أعْتِقَتْ، وهي معتدَّة، هل تعتد عدَّة الوفَاةِ للإماء أو الحرائر؟ فيه وجهان:

أصحهما عند صاحب الكتاب: أنها تعْتدُّ عدَّة الإماء؛ لأنَّها لم تكن كاملة الفراش، والنَّظَر إلى كمال الفراش الزَّائِلِ لا إلى كمال المعتدَّة في حال العدَّة.
والثاني: تعتد عدَّة الحرائر، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" احتياطاً للعدة؛ أخذاً بالأغلظ، وذكر في "الوسيط" أو الوجهَيْن مبنيان على قولْنا إنَّ التي عَتَقَتْ في العدَّة، لا تكمل عدة الحرائر، أمَّا إذا قلْنا: إنها تكمل، إذا طرأ العتق في أثناء العدة، فَلأَنْ تكمل وقد اقترن العتق بأول العدَّة، كان أوْلَى.
والرابعة: إذا ترتَّب موتهما، وأشكل السابق 1، فله أحوال: أحدها: أن يَعْلَم أنه لم يتخلَّل بين موتهما شهران وخمسة أيام، فعليها أربعة أشهر وعشر ليالٍ من موت آخرهما موتاً؛ لاحتمال أن السيد مات أولاً، فهي في نكاح الزَّوْج عند موْتِهِ وإن مات الزَّوْج أوَّلاً، فهي في عذته عنْد موْت السيِّد، [واستبراء عليها على الأظهر لأنَّها عند موت السيد زوجة أو معتدة] وإن قلنا بوجوب الاستبراء، فيكون الحُكْم على ما سنذكر في الحالة الثانية، ولو تَخلَّل شهْران وخمس ليالٍ بلا مزيد، فهو كما لو كان المتخلِّل أقل مِنْ هذه المدة، أو لو كان المتخلِّل أكثر منها، فيه الوجهان السابقان.
والثانية: أن تَعْلَم أنه تَخلَّل بيْن المدتين أكثر من شهرين وخمس ليالٍ، فعليها أن تعتدَّ أربعة أشهر وعشراً مِنْ موت آخرهما موتاً، لاحتمال أن السيد مات أوَّلاً، وأن عليْها لوفاة الزوْج عدةَ الحَرَائِرِ، ثم إنْ لم تحِضْ في هذه المُدَّة فعليها أن تتربَّص بعْدها إلى أن تحيض [حَيضةً]؛ لاحتمال أن الزَّوْج مات أولاً، وأن عدتها قَدِ انْقَضَت، وعادت فراشاً للسيد؛ تفريعاً على القَوْل الأظهر، وحينئذ، فيلزمها الاستبراء بموته، وإن حاضَتْ في هذه المُدَّة، فلا شيْء عليها بعْدها، ولا فَرْق بين أن يكون الحَيْض [في] 2 أول المُدَّة أو آخرها، وعن أبي إسحاق -رحمه الله- رِوَايَة وجْه أنَّه يُشْترط أن يكون الحَيْض بعد مضىِّ شهرين وخمسة أيام من هَذِه المدَّة، لئلا يقع الاستبراء وعدَّة الوفاة في زمانٍ واحدٍ، قال الأَئِمَّة: وهَذا غلطٌ من قائله؛ لأنَّ الاستبراء إنَّما يجبُ عَلَى تقدير تأخر موت السيد، وحينئذ، فتكون عدَّة الوفاة منقضيةً بالمدَّة المتخلَّلة، فلا يتصور الاجتماع، سواءٌ

جارٍ التحميل