والثاني: المنع؛ لأن الإمساك باستدراك ما أصابه حَلَلٌ، وإنما يُشْعر بالاستدامة والاستصحاب، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37] ولو قال: تزوجتك أو نكحتك، فوجهان: أحدهما: أنهما صريحان في الرجعة لأنهما صالحان لابتداء العَقْد والحلِّ، فَلأَن يَصلُحَا للتدارك وتقويمِ المتزلزل 1 أوْلَى.
وأصحهما: على ما ذكره في "التهذيب": المنْعِ؛ لأنهما غير مستعملَيْنِ في الرجْعة، ولأن ما كان صريحًا في شيْء لا يكون صريحًا في غيره، كالطلاق والظهار، فهما صريحان في ابتداء العقد وعلى هذا، فوجهان:
أحدهما: أنهما كنايتان، ويُحْكَى ذلك عن القاضي، ووجْه المنع أنه لا إشْعار فيهما بالتدارك وإعادة الحل، وهذا في قول الزوْج "نكحتك أو تزوجتك" وحده، ويجري الخلاف فيما لو إذا جرى العقْد على صورة الإيجاب والقبول.
قال القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة": لو عقد على الرجعية نكاحًا جديدًا، قال بعض أصحابنا 2: يحلُّ؛ لأن العقد آكَدُ في الإباحة.
وقال ابن أبي أحمد: لا يحل، قال: والأول أظهَر 3.
والصحيحُ صحَّةُ الرجعة بغير العربية من اللغات، وهو الذي أورده الأستاذ أبو منصور البغدادي، وقال: ترجمة اللفظ بالفارسية (ترابزنى باخويشتن كرفتم) 4 أو (ترابازنى خويشتن أوردم) 5، ولك أن تقول: هذا الثاني أولى، والأول يستعمل وحده، لكن اللفظة قد اشتهرت في العربية، وترجَمَتُهَا بالفارسية وحْدها لم يَشْتَهِر، فكذلك اعتبر التعريض لمعنى النكاح بالفارسيَّة، وحكى القاضي ابن كج عن أبي الحُسَيْن طريقةٌ أنه إن أحسن العربية، لم تَصحَّ رجعته بالفارسية، وإن لم يحسنها، فعلى وجهَيْن، وعن أبي حامد طريقةٌ أخرى: إن أحسنها، فعلى وجهَيْن، وإن لم يحسْنها صحَّت بالفارسية، بلا خلاف.
وقوله في الكتاب "وصريحُها قولُه رَجَعْتُ" و"رَاجَعْتُ" و"ارتَجَعْتُ" يعني إذا اتَّصَلتْ بمُظْهَر أو مُضْمَر، بأن يقول: راجعْتُ فلانة أو راجعتُكِ، فإما بمجرَّدها، فلا يخفى أنَّه لا يُغْنِي، وقوله "رددتُّها إلى النكاح" ففيه خلافٌ صريحٌ في إثبات الخلاف،
مع قوله [إلى النكاح، والذي ذكَره القفَّال في "شَرْح التلخيص" قوله:] 1 "رددتها إلى النكاح" صريح بلا خلاف، وكذلك أورد الإِمام في قوله: "رددتها إليَّ" وخصص الخلاف بما إذا اقْتصرَ على قوله: "رددتها" ولكن نقل القاضي ابن كج أنَّ القاضي أبا حامِدٍ حَكَى في كتابه قولاً عن الربيع أن قوله "رددتُّها إليَّ" ليس بصريح، فيَجُوز أن يُعْلَم لطريقة القطع فيه خلاف بالواو، على أن إيراد جماعة من الأصْحَاب يُفْهم القطع بأن لفْظ الرد صريحٌ، وإن لم يقل "إِليَّ" أو "إلى نكاحي".
وقوله: "والتزويج صريح على وجْه آخَرَ" يجوز أن يُجْعَل مبتدأ، فلا يكون في اللفظ حكاية الوجوه الثلاثة في لفظ الإِمْسَاك، ويجوز أن يُجْعَل متعلقاً بقوله: "وكذلك لفظ الإمساك" فيكون اللفظ متعرِّضًا لذِكْر الوجوه الثلاثة، وهي جاريةٌ في اللفظَيْن على ما بيَّنَّا، فأما لفْظُ الردِّ، فلم يُنْقَل فيه وجْه اللغو، والخلاف في لفظ الإمساك وقد تعرَّض مرةً في أول "الخُلْع" لكن على سبيل الاستشهاد.
المسألة الثانية: ذكَروا وجهَيْن في أن صرائح 2 الرجعة هل تَنْحصِر أو كل لفظ يؤدي معناه، فهو صريح مثْل قوله: رفَعتُ التحريم، وأعدتُّ الحِلَّ، ونحوهما.
أظهرهما: الانحصار؛ لأن صرائح الطلاق محصورةٌ حتى لو قال: قطَعْتُ النكاح، أو رَفَعْتُه، أو استأصلْتُه، كان ذلك كنايةً، وإذا كانت صرائحُ الطلاق محصورةً، مع أنه إزالةُ مِلْكٍ وحِلٍّ، فلأن تكون صرائحُ الرَّجْعةِ محصورةً، مع أنها اجتلابُ حِلٍّ، كان أَوْلَى.
والثاني: أنها غير محصورة؛ لأن حكم الرَّجعة يُبْنَى عنْه لفظها فيقوم مقامه ما يؤدي معناه، بخلاف الطلاق؛ فإنه يشتمل على أحكام غريبةٍ لا يحيط بها أهْلُ اللغة، فتُؤْخَذ صرائحها من الشَّرْع.
الثالثة: في صحَّة الرجعة بالكنايات وجهان بُنِيَا على الخِلاَف في أنَّ الإشْهَاد، هل هو من شروط الرَّجْعة فيه قولان:
أحدهما: نعم، وبه قال مالك إنه شَرْطٌ؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة: أنه ليس بشَرْط؛ لأن الرَّجعة في حُكْم استدامة النكاح السابق؛ ولذلك لا يحتاج إلى الوليِّ ورضا المرأة، وَرُوِيَ أن عمران بْنِ الحُصَيْن -رضي الله عنه- سُئِلَ عَمَّن راجع امرأته، ولم يُشْهِد، فقال: راجع من غير سنة،
فليُشْهِد 1؛ لأنه لو كان الإشْهاد شَرْطًا، لَمَا كان للإشهاد على ما سَبَق معنى، وإنما يُستَحَبُّ الإشهادُ على الإقرار بالرجعة؛ لأنهما قد يتنازعان، فلا يُصدَّق على ما سيأتي، والآية محمولةٌ على الاستحباب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وعن أحمد روايتان كالقَوْلَيْنِ، فإن قلْنا: لا يُشْتَرط الإشهاد، ويستقل الزوج بالرجُعة، فتصحُّ بالكناية، وإن قلْنَا باشتراطه، فالشُّهود لا يَطَّلِعون على النية، فلا تصحُّ الرجْعة بالكناية كالنكاح، وهذا الوجه هو الذي أورده القاضي ابن كج وقوله: "إنه الصحيح" أشار به إلى أنَّ الخِلاَف في صحَّتها بالكناية مبنيٌّ على الخلاف في اشتراط الإشهاد، وتسميته جديداً يُشْعِر بأن مقابله قديمٌ، وكذلك ذَكَر جماعة منْهم الإِمام، وقالوا: اشتراطُ الإشهادِ قوله القديم، لكن لا يثبت، وهو الَّذي ذكَره أصحابُنا العراقيون: أن قوله في القديم "والأم" عدم الاشتراط، ونسبوا قول الاشتراط إلى "الإملاء" وإذا صحَّحنا الرجْعة بالكنايات، فتصحُّ بالكناية، وإن قَدَرَ على النطق، وذكر القاضي الحُسَيْن أَنا إذا شَرَطْنا الإشهاد، نَزَّلْنا الرجعة منزلة ابتداء النكاح، فلا يمتنع ألاَّ تصح الرجْعة من العبد، إلاَّ بإذن السيد، وقد أقام في "التتمة" هذا الذي جكاه وجْهًا، قال الإِمام: وهذا في نهاية البُعْد، ولو كان كذلك، لكان رضا المرأة أوْلَى بالاشتراط، وليس اشتراط الإشهاد لكون الرَّجْعَة بمثابة ابتداء النكاح، وإنما معتمد ذلك القَوْلِ ظاهرُ الآية.
الرابعة: الرجعة لا تَقْبَل التعليق، كالنكاح والبيع وسائر العقود، فلو قال: إذا طلقْتُك، فقد راجَعْتُك، ثم طَلَّقها, لم تحْصُل الرجعة، ولو قال: راجَعْتُك إن شِئْتِ فقالت: شِئْتُ، فكذلك، بخلاف ما لو قال إذا شِئْتِ أو أنْ شِئْتِ 2، -بفتح الهمزة- صح فإنَّ ذلك تعليلٌ.
ولو طلَّق إحدى امرأتيه على الإبهام؛ ثم قال: راجَعْتُ المطلَّقة، فهل تحْصُل الرجْعة؟ فيه وجهان:
أظْهَرُهما: المَنْع، وليست الرجْعَة في احتمال الإبهام، كالطلاق كما أنها ليْسَتْ في احتمال التعليق، كالطلاق، وأما تعليقُ الطَّلاَق بالرجْعة، فهو صحيح، حتى لو قال للرجعية؛ مهما راجعتك 3، فأنتِ طالقٌ أو قال للتي هي في صلب النكاح؛ إذا طَلَّقْتُكِ
وراجَعْتك، فأنتِ طالقٌ، تُطَلَّق عنْد حصول الشرط، وعن رواية القاضي الحُسَيْن وجْه: أنَّ هذا التعليق لاغ؛ لأن مقصودَ الرَّجْعة يحل؛ فلا يجوز تعليقُ نقيضه به، وفي "التتمة" وجه: أن الرجْعة لا تصحُّ؛ لأن مقتضى الرجْعة أن تَعُود إلى صُلْب النِّكَاح، وهذه الرجْعة قد قارنها ما يمنع ثبوت مقتضاها، والظاهِر الأوَّل، وعليه بناء فروع تقدَّمتْ في "الطَّلاَق".
الخامِسُ: لا تحْصُلُ الرجعة بالوطْء والتقبيل وسائر الأفعال 1.
[وقال أبو حنيفة: تحصُل بالوطْء والتقبيل واللمس] والنظر إلى الفَرْج 2 بشهوة.
وعن أحمد مثْلُه.
وقال مالك: إن نوى الرجعة، حَصَلت، وإلاَّ لم تَحْصُل، واحتج الأصحاب: بأنه قادرٌ على القَوْل، فلا تحْصُل له الرجْعة بالفعل، كما لو أشار بالرجْعة، والله أعلم.
قال الغزالِيُّ: (الرَّابعُ الُحِلُّ) وَهِيَ المُعْتَدَّةُ القَابِلَةُ لِلحلِّ فَلَو ارْتَدَّتْ فَرَاجَعَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى الإِسْلاَمِ لَزِمَ اسْتِئْنَافُ الرَّجْعَةِ وَإِذَا انْقَضَتِ العِدَّةُ فَلاَ رَجْعَةَ وَإِنْ أَوْجَبْنَا العِدَّةَ بِالاِتْيَانِ فِي غَيْرِ المَأْتَى أَوْ بِالْخلوَةِ ثَبَتَتِ الرَّجْعَةُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الرُّكن الرَّابع مَحَلُّ الرجْعَة، وهي المرأة، ولا يُشْتَرط في الرجْعَة رضاها، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] وكذلك لا يُشْتَرَط رضا سيِّد الأَمَة، ويُسْتَحَبُّ الإعلام، ويُشْتَرَط في المرأة؛ لصحة الرجْعة، وصفان: بقاؤها في العدة، وكونها قابلةً للحِلِّ أي في محل الاستحلال، أما الثاني، فلو ارتدَّ الزوجان أو أحدهما في عدة الرجعة، لم تَصحَّ رجعتها في حال الردة، وإذا اجتمعا على الإسْلام قبل انقضاء مدة العدة، فلا بد من الاستئناف، نصَّ عليه، وبه أخذ الأصحاب.
وقال المُزَنيُّ: تكون الرجعة موقوفة، إن اجتمعا على الإِسلام في العدة، تبيَّن صحتها.
قال الإِمام: وهذا له وجْهٌ، ولكن لم أَرَ أحداً من الأصحاب يجعله قولاً مخرجًا، ووجَّهوا النص: بأن المَقْصود من الرجْعة الاستباحة، وهذه الرجعة لا تفيد الإباحة، فإنَّه لا يجوز الاستمتاع بها, ولا الخلوة معها، ما دامت مرتدة، وبأنها جارية إلى البينونة، وانقطاع ملك النكاح، والرجعة لا تلائِمُ حالها، وتُخَالف الطلاق في حال الردة، حيث يكون موقوفاً؛ لأنَّ الطلاقُ محرَّمٌ كالردة، فيتناسبان، وليست الردة كالحيض، والنفاس، والإحرام إذا لم يُجْعل الإحْرام مانعًا من الرجعة؛ لأن هذه أسبابٌ عارضة، ولا أثر لها
في زوال النِّكاح، وعلى النص، لو ارتد الزوجان أو أحدهما بعْد الدخول، ثم طَلَّقها في مدة العدة، فراجَعَها، فالطلاق موقوف، إن جمعهما الإِسلام في العدة تبينا نفوذه والرجعة 1 لاغية، ولو كان الزوجان ذِمِّيَّيْنِ، فأسلمت المرأة، فراجعها، وهو متَخَلِّف، لم يصحَّ حتى لو أسلم في مدة العدة، احتاج إلى الاستئناف، وأما بقاؤها في العدَّة، فلا بد منْه، ولا سبيل إلى الرَّجعة بعد انقضاء العدة، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] ولو كان حقُّ الرجعة باقياً، لما كان يُبَاح لهُنَّ النكاح، وإذا أوجبنا العدة بالإتيان في غير المأتي، وهو الأظهر، فتثبت الرجعة في تلْك العدة.
وفيه وجه آخر، وقد ذكَرْنا الخلافَيْن في "القِسْم الخامس من كتاب "النكاح "", وإذا قلنا: إن الخلوة توجب العدَّة، ففي ثبوت الرَّجعة وجهان ذكرناهما في "كتاب الصداق"، والظاهر ثبوتُها، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "ثبتت الرجعة" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا تثبت الرجعة في عدة الخلوة، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ العِدَّةِ بِوَضْعِ الحَمْل مَيِّتًا أَوْ حَيًّا نَاقِصاً أَوْ كَامِلاً صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ وإِذَا ظَهَرَتِ الصُّورَةُ الأَولَى انْقَضَتِ العِدَّةُ بِوَضْعِهَا وَفِي المُضْغَةِ قَوْلاَنِ وَيُقْبَلُ دَعْوَاهَا مَعَ الإِمْكَانِ وَإمْكَانُ الوَلَدِ الكَامِلِ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ إِمْكَانِ الوَطْءِ وَإمْكَانُ الصُّورَةِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وإمْكَانُ اللَّحْمِ إِلَى ثَمَانِينَ يَوْمًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سيأتِي في "كتاب العدَّة" -إن شاء الله تعالى- أن عدَّة الطلاق ثلاثَةُ أنواع: وضْع الحَمْل، والأقراء، والأشهر، أما المعتدَّة بالأشهر، فإذا -ادعت انقضاءَ العِدَّة، وأنكر الزوج، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن هذا الاختلافَ راجعٌ في الحقيقة إلى وقْت الطلاق، ولو اختلفا في أصْل الطلاق، كان القول فيه قَوْلَ الزوج، فكذلك إذا اختلفا في وقته.
ولو قال: طلقْتكِ في رمضان، فقالتْ: بل في شوال، فقد غلَّظت على نفسها، فتوآخذ بقولها، وأما المعتدة بوَضْع الحمل، فلا كلام في أن العدَّة تنقضي بوضْع الحمل التامِّ المدَّةِ، سواء كان حياً أو ميتاً كامل الأعضاء أو ناقصها، وكذا بإسقاط السقط إذا ظَهَرت فيه صورة الآدميين، وإن أسقطت مُضْغَةً لم تَظْهر فيها صورةٌ، ففيها قولان، وموضع وبسط الكلام في ذلك "كتابُ العِدَّة" [ومسهما] ادَّعت وضْع الحَمْل أو إسقاطَ
السقط أو إلقاءَ المُضْغة على قولنا بانقضاء العدة به، فيُقْبَل قولها مع يمينها؛ لأن النساء مؤتمنات في أرحامهن قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] ولولا أن قولهن مقبول، لم يُؤْتَمَن بالكتمان؛ لأنه لا اعتبار بكتمانهن حينئذ، وشبه ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] والمعنى فيه: أن إقامة البيِّنة على الولادة تعسُر، وقد يَتعذَّر، هذا ظاهر المذهب.
وقال أبو إسحاق المروزيُّ: تُطَالَب بالبيِّنة إذا ادَّعت وضْع الولد الكامل؛ لأنها مدعية، والغالب أن القوابل يشهَدْنَ الولادة.
وعن الشيخ أبي محمَّد وجْهٌ في السَّقْط مثله؛ لأن ما نالَها من العُسْر يمكنها من الإشهاد، وفيما إذا ادَّعَتْ وضْع وَلدٍ ميِّت [و] 1 لم تظهره وجْه: أنها لا تُصدَّق، والمشهور الأول.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وإنما تُصدَّق فيما يَرْجِع إلى انقضاء العِدَّة، فأما فيما يَرْجِع إلى النَّسَب والاستيلاد، إذا ادَّعت الأَمةُ الولادةَ، فلا بُدَّ من البينة، وإنما تُصدَّق فيما يَرْجع إلى انقضاء العدة بشرطَيْن:
أحدهما: أن تكون ممن يحيض؛ لأن من لا تحيض 2 لا تحبل.
والثاني: أن تدعي الوضْع لمدة الإمكان، ويختلف الإمكان بحَسَب دعواها، فإن ادعت ولادة ولد تامٍّ، فأقلُّ مدة تُصدَّق فيها ستة أشهر ولحظتان من يوم النكاح؛ لحظة لإمكان الوطء، ولحظةٌ للولادة، فإن ادَّعَت لمدة أقل من ذلك، لم تُصدَّق، وكان للزوج أن يراجِعَها، واحتج لتقدير مدَّة الحَمْل بستة أشهر بما رُوِيَ أنه أُتِيَ عُثْمَان -رضي الله عنه- بامرأة وَلَدَتْ لستة أشهر، فشاور القَوْمَ في رجْمِها فقال ابن عبَّاس -رضي الله عنهما-: أَنْزَل الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، وأنزل ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، وإذا كان الحَمْل والفصال ثلاثين شهراً، والفِصَال عامين، كان العمل ستة أشهر 3، وحكى القتيبي 4 وغيره أن عبد الملك بْنَ مروان وُلِدَ
لستة أشهر، فإِن ادَّعَت إسقاطَ سَقْطٍ ظهرت فيه الصُّورة، فأقلُّ مدَّةِ الإمكان مائَةٌ وعشرون يوماً، وهي أربعة أشهر ولحظتان من يوم النكاح، قال -صلى الله عليه وسلم- "يُخْلَقُ أَحَدُكُمْ في بَطْن أُمِّهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا نُطْفَةً، وَأَرْبَعُونَ عَلَقَةً وَأَربَعُونَ يَوْمًا مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" 1 وإن ادعت إلقاء مُضْغة لا صورةَ لها، فأقلُّ مدة الإمكان ثمانون يَوْمًا ولحظتان من يوم النكاح، ولا يخفى أن هذا الكلام في المضغة مُفَرَّع على قولنا بأن العدَّة تنقضي بها, ولا يُطالَبُ بإظْهَار الولَدِ والسقْطِ بحال.
وقوله في الكتاب "صُدِّقَتْ بيمينها على أظهر الوجهين" الوجه المقابل له أنها تُصدَّق باليمين، ولكن تُطالَبُ بالبيِّنة، وذلك ما حكَيْنَاه في الوَلَد الكامل عن أبي إسحاق، وفي السَّقْط عن الشيخ أبي محمَّد، وفي المَيْتَة عن بَعْض الأصحاب.
وفي "التتمة" وجْه شامل أنها تُطالَبُ في دَعْوَى الولادة بالبينة.
وقوله: "من وقت إمكان الوطء" تبين أنه لاَ بُدَّ من زيادةٍ على ستة أشهر يفرض فيها الوطْء، ولم يَتعرَّض للحظة الِولادة للظهور، ولفظ إمكان الوَطْء قد يُشِير إلى 2 شيء آخر؛ وهو اعتبار كَوْن الزوجَيْن بحيث يُفْرَض وصول أحدهما إلى الآخر [لا] 3 كالمشرقي مع المغربية.
وقوله: "إلى مائة وعشرين يوماً" أي من وقت الإمكان.
وقوله: "وإمْكَانُ اللحم" أراد به المُضْغَة بلا صورة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِمْكَانُ انْقِضَاءِ الأَقْرَاءِ إِذَا طُلِّقَتْ فِي الطُّهْرِ اثْنَانِ وَثَلاثُونَ يَوْمًا (ح) وَلَحْظَتَانِ وَإِنْ طُلِّقَتْ في الحَيْضِ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ وَفِي المُبْتَدَأَة كَذَلِكَ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ القُرْءَ هُوَ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِحَيْضٍ فَلاَ أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثةِ أَطْهَارٍ وَثُلُثِ حَيْضٍ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا في مُدَّةِ الإِمْكَانِ عَلَى خِلاَفِ عَادَتِهَا عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المعتدَّة بالأقراء، إن طُلِّقت في الطُّهْر، حُسِب باقي الطهر قرءًا، وإن طُلِّقت في الحيض، فلا بد من مُضِيِّ ثلاثة أطهار كاملةٍ على ما سيأتي بيانه في "العدة"، فأقلُّ مدَّةٍ يمكن انقضاء العدَّةِ منه، إذا طُلِّقت في الطُّهر، اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان، وذلك بأن يكون الباقي من الطُّهْر الذي طُلِّقَت فيه لحظةً، ثم تحيض يوماً وليلةً، فتطهر يوماً [ثم تحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر] ثم تطعن في الدم، هذا هو الظاهر المشهور، ولا بد فيه من معرفة أمور:
أحدها: قال الإِمام وغيره: إن قُلْنا: إن القرء الانتقالَ من الطُّهْر إلى الحيض، لم يُعْتبر اللحظة الأولى، حتى لو صادف الطلاقُ آخرَ جُزْءٍ من أجزاء الطُّهْر، احْتُسِبَ ذلك الانتقال قرءًا، وإنما يَظْهر تصوير ذلك فيما إذا كان الطلاق معلَّقًا بآخر جزءٍ من أجزاء الطهر.
والثاني: فيما جمعه الشيخ إبراهيم المَرْوَزِيُّ وغيره حكايته نَصّ عن البويطيِّ أنه لا يحكم بانقضاء العدة بالطعن في الدم آخراً، بل لا بدَّ من مضيِّ يوم وليلة، حتى يُحْكَم بانقضاء العدة، وهذا كالخلاف الذي سَبَق في أن الطلاق المعلَّق بالحيض، هل يُحْكَم بوقوعه بمجرَّد ظهور الدم.
والثالث: لحْظَة الطعن في الدم آخراً، ليست من نفس العدة، وإنما هي لاستيقان 1 انقضاء القرء الثالث، هكذا قاله القفَّال وغيره، ولذلك يرى بعضُهم يقول أقل مدة الإمْكَان اثنان وثلاثون يوماً ولحظةً، ويشير إلى إخراج اللحظةِ الأخيرةِ عن الاعتبار، وفي "الرقم" كشرح "مختصر الجويني" وجه آخر؛ أن لحظة الطَّعْن في الدم من نفس العدَّة، وكأنه مبنيٌّ على أن القرء الانتقال من الطُّهر إلى الحيض، فيكون الحُصُول في الحيض من العدة، ونقل المروزيُّ تفريعًا على النصِّ المنقول عن البويطي وجْهَيْنِ في أنه هل يجعل اليوم والليلة من صُلْب العدة؟ قال: وتظهر فائدتهما في ثُبوت الرَّجْعة في تلْك المدة، وإذا جَعَلْنا اليوم والليلة من صُلْب العدة، زادت مدة الإمكان على المدة المذكورة.
والرابع: تقدير الأقل بالمدة المذكورة، يتفرَّع على أنَّ أقلَّ الحيض يوم وليلة، فإن جعلْناه يومًا، نقص عن المدَّة المذكورة، هذا في طهر غير المبتدأة، فأما إذا طُلِّقت المرأة قبْل أن تحيض ثم ظهر حيضها، فيبنى أمرها على أن القرء طُهْر مُحْتَوَشٌ بدمَيْن أو لا يشترط فيه الاحتواش، فإن لم يُشْترط، فحكمها في مدَّة الإمكان حُكْم غيرها، وإن قلْنا: إن القرء الطُّهْر المحتَوَش بدمين، فأقلُّ مدة الإمكان في حقِّها ثمانية وأربعون يوماً ولحظةٌ، وذلك بأن تُطلَّق في آخر جزء من طُهْرها وتحيض يوماً وليلةً، ثم تطهر خمسةَ عشر يوماً، وتحيض يوماً وليلةً، وتطْهُر خمسة عشر، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسةَ عَشَرَ يوماً، وتطعن في الحيض، وذلك ثلاث 2 حيض، وثلاثة أطهار وإن طُلِّقَتْ في الحيض، فأقل مُدَّة الإمكان سبعة وأربعون يومًا ولحظةٌ، وذلك بأن يُقدَّر وقوع الطلاق في آخر جزء من الحيض، ويظهر تصويره فيما إذا عَلَّق الطلاق بآخر جزء من الحيض، ثم تطهر خمسة عشر، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر، وتحيض يوماً وليلةً، وتطهر خمسة عشر، وتطعن في الدم، ولحظةُ الطَّعْنِ فيها ما ذكرنا فيما إذا طُلِّقت في الطهر، ولا تحتاج هاهنا إلى تقدير لحْظة في الأول، بخلاف ما إذا كان الطلاق في
الطُّهْر، فإن اللحظة تُحْسَب قرءًا هذا حُكْم الحُرَّة.
وأما الأَمَة، فإن طُلِّقت في الطهر، فأقل مدة الإمكان في حَقِّها ستة عشر يوماً ولحظتان، وإن طُلِّقت، ولم تَحِضْ قطُّ، ثم ظهر بها الدم بعد الطلاق، وقلْنا: القرء الطهر المُحْتَوَشُ بدمَيْن، فأقل مدة الإمكان في حقِّها اثنان وثلاثون يوماً ولحظةٌ، وإن طُلِّقت في الحيض، فالأقل أحد وثلاثون يوماً ولحظةٌ.
إذا تَقرَّر ذلك، فإن لم يكن للمطلقة عادةٌ في الحيضِ والطُّهْر مستقيمةٌ -وتَدْخُل في هذه الحالة الَّتي لم يحضْ قطُّ، ثم بدأ حيضها، والتي له عاداتٌ مضطربةٌ، أو كانت لها عاداتٌ مستقيمةٌ دائرةٌ على الأقل حيضًا وطهرًا، فيُقْبَل قولها إذا ادَّعَت انقضاء الأقراء في زمان الإمكان، مع يمينه كذا، فإن نكلت، حلف الزوج، وكان له الرجعة، وإن كانت لها [عادة] 1 دائرةٌ مستقيمة على ما فَوْق الأقل، فتُصدَّق في انقضاء العِدَّة على وَفْق العادة، وإن ادعت الانقضاء بما دونَها، فوجهان:
أصحُّهما: عند الأكثرين أنَّها تُصدَّق باليمين أيضاً؛ لأن العادة قد تَتغيَّر.
والثاني: المَنْع؛ للتهمة، وعن الشيخ أبي محمَّد: -رحمه الله- أنه المذْهب.
قال القاضي الرُّويانيُّ؛ وهو الاختيار في هذا الزمان، وإذا قالت لنا امرأة: انقضت عدتي، فالواجب أن تسألها عن حالها، كيف الطُّهْر؟ وكيف الحيض؟ ونُحلِّفها عند التهمة؛ لكثرة الفساد، [هنا] 2 لفظه.
وإذا ادعت المرأة انقضاء العدة لِمَا دون زمان الإمكان، وردَدْنا قولها، فجاء زمان الإمكان، نُظِرَ؛ إن كَذَّبَت نفسها، أو قالت: غَلِطْت، وابتدأت دعوى الانقضاء صُدِّقت بيمينها، وإن أصرَّت على الدعوى الأُولَى، فهل نصدِّقها الآنَ؟ فيه وجهان:
أصحهما: نَعَمْ، وإصرارها على ما سبق 3 يتضمن دعوى الانقضاء الآن، والزمانُ زمانُ الإمكان، وشُبِّه هذا الخلافُ بالخلاف فيما إذا ادعى المَخْرُوصُ عليه في الزكاةِ غَلَطاً متفاحشًا، ورددنا قوله في القَدْر الفاحش، هل نقبله في القَدْر الذي يقع مثله في الخرص.
وقوله في الكتاب "وإمكان انقضاء الأقراء... " إلى آخره، ولا يخفى مما ذكرناه أن المراد الحُرَّة، وإن كان اللفظ مطلقاً، وليُعْلَم قوله: "باثنين وثلاثين يوماً ولحظتين" وكذا قوله "بسبعة وأربعين يوماً ولحظة" لأن عند أبي حنيفة: القُرْءُ الحَيْضُ، وأقل الحيض عنده ثلاثةُ أيامٍ، فتختلف مدة الإمكان، ثم المعتبر عنْده أقلُّ الطهر، وأكثر
الحيض، فإن طُلِّقتْ في الطُّهْر، فلا تُصدَّق إلاَّ بعد ستين يومًا ولحظةٍ بقدر كَأَنَّ الطلاق وقع في آخر جزء من الطُّهْر، ويعتبر ثلاث حيضٍ عشرة أيامٍ وطهران، كلُّ واحد منهما خمْسَةَ عَشَرَ يوماً، والطَّعْنُ في الطهر الثالث، وإن طُلِّقتْ في الحيض، فلا تُصدَّق إلاَّ بعد خمسة وسبعين يوماً [ولحظةٍ] 1 بقدرٍ كأنَّ الطلاق وقع في آخر جزء من الحيض، ويعتبر مضيّ ثلاثة أطهار، كلُّ واحد خمسةَ عَشَرَ، وثلاث حيض، كلُّ واحد عشرة أيام، والطعن في الطهر الرابع؛ ليتبين تمام القرء.
وقوله: "وفي المبتدأة كذلك" يعني التي طُلِّقتْ قبل أن يبتدئ حيْضَها، ثم ظهر الحيض، وتسميتها مبتدأةً على مَعْنى أن دمه يَظْهَر مبتَدَأً بها.
فرع: قال لامرأته: إذا ولَدْتِ، فأنتِ طالقٌ، فطُلِّقت بالولادة، فأقلُّ زمان يمكن فيه انقضاء أقرائها يُبْنَى على أن الدم الذي تَرَاهُ المرأة في الستين، هل يُجْعل حيضاً أم لا؟ وفيه خلاف مذكور في "الحَيْض"، إن جعلْناه حَيْضًا، وهو الأظهر، فأقل مدة تَصْدُق في انقضاء الأقراء فيها سبعةٌ وأربعون يومًا ولحظةٌ؛ كما لو طُلِّقت في 2 خلال الحيض، فتقدَّر كأنها وَلَدَت، ولم ترَ الدمَ، ويعتبر مضيُّ ثلاثة أطهار، وثلاث حيض، والطَّعْن في الحيضة الثالثة، وإن لم نجلْعه حيضاً، فلا تُصَدَّقُ فيما دون اثنين وتسعين يومًا ولحظةٍ، ستون منها مدةُ النِّفَاس، ويُحْسَبُ ذلك قرءاً، وبعدها 3 مدة حيضتين وطهرين، واللحظة للطَّعْن في الحيضة الثالثة، هكذا ذكره في "التهذيب" ولم يعتد صاحب "التتمة" بالنفاس قرءاً، واعتبر مُضِيَّ مائة وسبعة أيام ولحظة، -وهي مدة النفاس- مدةَ ثلاثةِ أطهارٍ وحيضتَيْن، واللحظةُ للطَّعْن.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا وَطِئَهَا بَعْدَ قُرْءَيْنِ اسْتَأنَفَتْ ثَلاَثةَ أَقْرَاءٍ وَلاَ رَجْعَةَ إِلاَّ فِي الأَوَّلِ مِنْهَا فَإنْ أَحْبَلَهَا فَوَضَعَتْ رَجَعَتْ إِلَى بَقِيَّةِ الأَقْرَاءِ عَلَى وَجْهٍ وَفِيهَا الرَّجْعَةُ وَهَلْ تَثْبُتُ في مُدَّةِ الحَمْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفَصْل بيان أن الرَّجْعة تختص بعدَّة الطلاق، وإن فرض فيها وطء، وطالت بسببه العدة، فإذا وطء الزوج الرَّجعية في العدة، فعليها أن تستأنف ثلاثة إقراء من وقت الوطء، ويدخل فيها ما بقي من عدة الطلاق، فإن العدتين من شخص واحد يتداخلان، ولا يثبت الرجعة إلاَّ في الباقي من عدة الطلاق، وإن وقَع الوطء بعد قَرءَيْن، فإنما تثْبُت الرَّجعة في القرء الأول من الثلاثة المستأنفة، وهو الثالث من عدَّة الطلاق إن كان بعد قرء، فله الرجعة في القرءين الأولين من الثلاثة، ويجوز له تجديدُ النِّكاح فيما زاد بسبب الوطء، ولا يجوز لغيره، ولو أحبلها بالوطء وجهان: أحدهما: تدخل، وبوضع الحمل تخرج عن العدتين؛ لأن المقصود الأصليَّ براءة الرَّحِم، وهما عدتان من شخص واحد، فيتداخلان، والباقي لا تدْخُل؛ لأنهما عدتان مختلفا الجنس، ولا تداخُلَ مع اختلاف الجنس، والأول أشبه، وبه أجاب بعض المتأخرين.
التفريع: إن قلنا بدخول الباقي في عِدَّة الوطء، فهل له الرَّجْعة في مدة الحَمْل، فيه وجهان مذكوران في "التهذيب":
أحدهما: لا؛ لأنه عدة الوطْء، وعدة الطلاق، كأنها إنقطعت بالوطء، وسقطت.
وأظهرهما: نعم، لوقعها عن الجهتين، كالباقي من الأقراء عنْد التداخل إلاَّ أن ذَلِك يَتبعَّض، ومدَّة الحَمْل لا تَتبعَّض، وإن قلنا: لا تداخل، فقد انقطعت عدة الطلاق، فإذا وَضَعت، رجَعَت إلى بقية الأقراء، وللزوج الرجعة في البقية التي تعود إليها بعد الوضع، وفي ثبوتها قبل الوضع وجْهَان:
أحدهما: لا تثبت؛ لأنها في عدة وطْء الشبهة.
وأصحهما: على ما ذكره في "التتمة" الثبوت؛ لبقاء عدَّة الطلاق عليها، وثبوت الرجعة فيها، ومن البعيد أن تكون المرأةُ بَائنةً، ثم تثير رجعيَّةً، ولأنه إذا رجَعَها، يُسْقِط العدة، والعدة التي لا تبقى بعد المراجعة لا تمنع من المراجعة.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في أَحْكَامِ الرَّجْعِيَّةِ)
وَهِي مُحَرَّمَةُ (ح) الوَطْءِ وَلَكِنْ لاَ حَدَّ في وَطْئِهَا وَبَجِبُ المَهْرُ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا وَإِنْ رَاجَعَهَا فَالنَّصُّ أنَّهُ يَجِبُ وَالنَّصُّ في الْمُرْتَدَّةِ إِذَا وَطِئَهَا ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الإِسْلاَمِ أنْ لاَ مَهْرَ وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ وَيَصِحُّ مُخَالَعَتُهَا عَلَى الجَدِيدِ وَلاَ خِلاف فِي صِحَّةِ الإِيلاَءِ وَالظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَالطَّلاَقِ وَجَرَيانِ التَّوَارُثَ وَلُزُومِ النَّفَقَةِ وَلَوْ قَالَ: زَوْجَاتِي طَوَالِقُ انْدَرَجَتْ تَحْتَهُ عَلَى الأَصَحِّ وَإِنِ اشْتَرَاهَا وَهِيَ رَقِيقَةٌ فَعَلَيْهِ الاَسْتِبْرَاءُ؛ لأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ.
القول في أحكام الرجعية والرجعة
قال الرافعي: فيه صورٌ:
الأولى: الرجْعيَّة محرَّمة الوَطْء، وبه قال مالك؛ خلافاً لأبي حنيفة، وعند أحمد -رحمه الله- روايتان.
واحتج الأصحاب بأنها معتدَّةٌ، فيحرم وطؤها كالمبتوتة، وبأنَّها طلْقة واقعةٌ، فأشبه ما إذا قال: أنتِ بائنٌ ونوى، وبأنَّها جاريةٌ إلى البينونة بعْد زَوَال العقدْ أو اضطرابه، فيَحْرُم على الزَّوْج، كما إذا أسْلم أحد الزوجين الوثنيين بعد الدخول، فإنه لا يحلُّ للزَّوْج وطؤُها في مدة العِدَّة، وكما يحرم الوطء يحرم سائر الاستمتاعات كاللَّمْسِ والنظر بالشهوة.
الثانية: إذا وطَئَها، فلا حد عليه، وإن كان عالماً بالتحريم؛ لاختلاف العلماء في حله.
وفيه وجهٌ ضعيفٌ، قيل: إنه مأخوذٌ من القول القديم في وجوب الحَدِّ إذا وطئ مملوكته المحرَّمة عليه بالرضاع، أو بكونها منكوحة الغَيْر، ولا يجب التعزير أيضاً، إن كان معتقدًا للحل أو جاهلاً بالتحريم، وإلاَّ وَجَب.
الثالثة: إذا وطئها, ولم يراجعها، فعليه مَهْر المثل، ووجَّه ذلك بأنها في تحريم الوطء كالبائنة، فكذلك في المَهْر، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد -رحمه الله- توجيه: بأنه إذا لم يراجِعْها حتى انقضت العِدَّة، -بان أنها 1 - بانت بالطلاق، واعترض عليه ابن الصَّبَّاغ بأنه لو طَلَّق الرجعية، وقع، ولو بَانَ بانقضاء العدَّة من غير رجْعة بينونتها من وقت الطلاق؛ لَبَانَ عدم وقوع الطلاق، كما لو أسلم أحد الزوجين بَعْد الدخول، وطلقها من مدة العدَّة، ومضت، ولَمْ يُسْلِم المتخلِّف، فإنه تَبيَّن أن الطلاق لم يَقَع، وإن راجَعَها بَعْد الوطء، فالنصُّ وجوب المَهْر أيْضاً، والنص فيما إذا ارتدت المرأة بعد الدخول، فوطئها الزوج في مدة العدة، وعادت إلى الإِسلام: أنه لا مَهْر، وكذا لو أسلم أحد الزوجين المجوسيين أو الوثنيين، ووطئها، ثم أسْلَم المتخلِّف قبل انقضاء العدة، وللأصحاب طريقان:
أحدهما، وبه قال الإصطخريُّ: أنَّ المسألة على قولين بالنقل والتخريج:
أحدهما: وجوب المهر؛ لوقوع الوطْء في حال ظهور الخَلَل، وحصول الحيلولة بينهما.
والثاني: المنع؛ لارتفاع الخَلَل آخرًا، وعَوْدها إلى صُلْب النكاح، وحكى القاضي
ابن كج أن أبا الحُسَيْن قال: وجدت القولين منصوصين.
والطريق الثاني: القَطْع بظاهر النصين، والفرق أن أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعية، بل يبقى نقصان العَدَد، فيكون 1 ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق بمثابة عقْدَيْن مختلفين، وأَثَر الرِّدَّة وتبديلِ الدِّين يرتفع بالاجتماع في الإِسلام، فيكون الوطء مصادفًا للعقد الأول، والظاهر [الأول] 2 هاهنا وجوب المهر، وفي تبديل الدِّين المنع، وإن ثَبَت الخلاف.
الرابعة: في صحة مخالعة الرجعية قولان مذكوران في الأصل والشرح في "كتاب الخُلْع"، والجديد الصِّحَّة، ويصح الإِيلاء عنها، والظهار واللعان، ويلحقها الطلاق، وإذا مات أحدهما، وهي في العدة، ورِثه الآخر، وتجب نفقتها في العدَّة، كما في صُلْب النكاح، وهذه الأحكام في أبوابها.
ولو أرسل الطلاق على زوجاته، فقال: نسائي أو زوجاتي طوالقُ، وقد طَلَّق واحدة طلقةً رجعيةً، هل تُطلَّق [منه] 3؟ فيه وجهان، ويقال قولان: منصوص ومخرج:
أصحهما، وهو المنسوب إلى النص، وبه قطع الشيخ أبو محمَّد: أنها تُطلَّق، وهي زوجَةٌ بدليل الأحكام المذكورة.
والثاني: المنعُ؛ لاضطراب العَقْد في حقها، وقد قيل: أخذه من الخلاف فيما إذا قال: عَبِيدِي أحرار، هل يَدْخُل المكاتبون؛ فيه قال الإِمام: وقد يفرق بأن الكتابة توقِعُ حيلولةٌ لازمةٌ من جهة السَّيِّد، والطلاق الرجعيُّ بخلافه.
الخامسة: سنذْكُر وجهَيْن في وجُوب الاستبراء إذا اشترى زوجته الرقيقة في "باب الاستبراء"، والأظهر أنه لا يجب؛ لأنها كانت حلالاً له، وإنما نقلها من سبب حل، فلا معنى للاستبراء، ولو طلق زوجته الرقيقة طلقةً رجعيةً ثم اشتراها، وجَب الاستبراء؛ لأنها كانت محرَّمةً علَيْه بالطلاقِ، وإحداثُ المِلْكِ لا يكون كالرَّجعة؛ لأن ملك اليمين يقطع النكاح ويضاده، فلا يَصلُح استدراكاً لما وقع فيه من الخلل، وبم يستبرئها؟ ملخص ما ذكره الإِمام أنه إن بَقِيَتْ من العدة حيضةٌ كاملةٌ وقع الاكتفاء بها، وإن بقيَتْ بقيةٌ من الطُّهْر، فمن الأصحاب من يكتفي بها، ومنهم من يشترط حيضة كاملة، وهو القياس، وهذا إذا قلْنا: إن الاستبراء بالحَيْض، وهو الصحيح، فإن قلنا: إن الاستبراء بالطهر، وقلنا [إن] 4 الطهر كافٍ للاستبراء، حَصَل الغرض بها.
واعلم أن الأصْحَاب لَمَّا نَظَروا في الأحكام المجموعة في هذا الفصل، وَجَدوا لها دلالاتٍ متعارضةً، فأنْشَؤوا منْها أقوالاً ثلاثة في أن الطلاق الرجعيَّ هل يَقْطع النكاح، ويزيل الملْك أم لا:
أحدها: نعم، ويدل عليه تحريم الوطْء، ونصه على وجوب المهر، وإن راجع، وأنه لا يصحُّ مخالعتها في قول، وأنه يجب الإشهاد في قول، فإن ذلك تنزيل له منزلة الابتداء.
والثاني: أنه لا يزيل الملك، ويدل عليه أنه لا يجِبُ الحد بوطئها، وأنه لا يجب الإشْهَاد على قول، فإنه يصح الخلْع على قول وأنه يقع الطلاق، ويصح الظهار واللعان والإيلاء، ويثبت الميرَاث، واشتهر عن لفظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أن الرجعيَّة زوْجَةٌ في خمس آي من [كتاب الله تعالى]، وأراد الآياتِ المشتملة على هذه الأحكام.
والثالث: أنه موقوف، إن لم يراجعها حتى انقضت العدة، فَتَبين زوال الملك بالطلاق، وإن راجَعَها، تبيَّن أن المِلْك لم يَزُل، وأخذ ذلك من قَوْل من قال من الأصحاب: إن المَهْر موقوفٌ، إن لم يراجعْها، وإن راجَع، لم يحلف، وشبَّهوا هذه الأقوال بالأقوال في المِلْك في زمان الخيار، واختلف اختيار صاحب الكتاب وشيخه الإِمام، فاختار الإِمام القولَ الذَّاهب إلى بقاء الزوجية والملك، واعتذر عن تحريم الوطء بأن الطلاق يَجُربِهَا إلى البينونة والتحرم سبب يَثْبُت بعوارضَ تطرأ مع تمام المِلْك؛ للاحتياط، فأَوْلَى أن يَثْبُت عند ظهور الخلل والاضطراب، وعن وجوب المَهْر، بأنه ممنوعٌ من الوطْء؛ لخلل [فيه] 1 واضطراب وقَع في العَقْد، فإذا وَطئَ، ولم يجعل ذلك ردًا وإصلاحًا للشعث، كان كوطْء شبهة يتفق، قال: وأما إفساد المخالعة، فليس ذلك لزوال الملك، ولو كان لزواله، لَمَا لَحِقها الطلاق بغير عِوَض أيضاً، وأما وجوب الإشهاد، فمستنده ظاهرُ الآية على ما تَقدَّم، واختار صاحب الكتاب في "الوسيط" القَوْلَ بزوال الملك، واعتذر عن عَدَم وجوب الحَدِّ بأن سلطنة الرد قائمةٌ فتنهض شبهة، وعن عدم وجوب الإشهاد بأنه في الرَّجعة مستغنٍ عن رضا المرأة، وعن الولي، وكما لا يلتحق بالرجعة بالنكاح فيها, لا يلتحق بالنكاح في اعتبار الشهود، وصحة الخلع؛ لدفع سلطته وولايته، وكفت بذلك السلطنة لوقوع الطلاق؛ لفائدة تنقيص عدد، وكذلك لصحة الإيلاء والظهار وثبوت الميراث، وأنتَ إذا نَظَرْتَ في المسائل، وفيما هو الأظهر من الصور المختَلَف فيها, لم تُطْلِق القول بترجيح زوال الملك ولا بقائه.
وقوله في الكتاب "وهي محرمة الوطء" مُعْلَم بالحاء والألف، وقوله: "ولكن لا
حدّ" بالواو، وقوله: "وقيل فيه قولان بالنقل والتخريج" بعد رواية نصين يفهم الطريقة الأخرى المقررة للنصين، وإن لم يصرح بهم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ ادَّعَى أنَّهُ رَاجَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ فَأنْكرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا إِذِ الأَصْلُ عَدَمُ الرَّجْعَةِ وَقِيلَ: هُوَ المُصَدَّقُ إِذِ الأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحُ وَلَوْ قَالَ: رَاجَعْتُكِ الآنَ فَقَالَتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي بِالأَمْسِ وَأَنْكَرَ أَوْ قَالَت: انْقَضَتْ عِدَّتِي فَقَالَ: رَاجَعْتُكِ بَالأَمْسِ فَأنْكَرَت فَالخِلاَفُ جَارِ وَالأَظْهَرُ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُهَا: لأَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى الإِشْهَادِ وَلأَجْلِ هَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الإِشْهَادُ وَهِيَ مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى مَا فِي رَحِمهَا وَلَوْ قَالَ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدّةِ: رَاجَعْتُكِ بِالأَمْسِ فَأنْكَرَت فَالصَّحِيحُ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الإِنْشَاءِ فَإِنْ صَدَّقْنَاهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّ إِقْرَارَهُ لاَ يُجْعَلُ إِنْشَاءً بَلْ عَلَيْهِ الإِنْشَاءُ إنْ أَرَادَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وإذا ادَّعَى الرجْعَة في العِدَّة، وأنْكَرَت المرأة، لم يَخْلُ اما أن يقع هذا الاختلاف قبل أن تَنْكح زوجًا آخر أو بعده.
القسْم الأوَّل: أن يقع قبل أن ينكح زوجًا آخر، فإمَا أن تكون العدة منقضية أو باقيةً.
الحالة الأولى: إذا كان العدَّة منقضيةً، وادَّعَى الزوج سَبْق الرجعة، وادَّعَتْ هي سبْقَ انقضاء العدة، فلهذا الاختلاف صور:
إحداها: أن يتفقا على وقْت انقضاء العدَّة؛ كيوم الجمعة، وقال الزوج: راجَعْت يوم الخميس، وقالت: بل راجعت يوم السبت، فالقول قولها مع يمينها؛ لأن وقْت انقضاء العدَّة متفق عليه، والاختلاف في أنه؛ هل راجع قبله أم لا؟ والأصل أنه راجع، ووُجِّه أيضاً بأن الزوج يدعي [بعدم] انقطاع سلطنته وأنه راجَعَ قبله، فأشْبَه ما إذا ادَّعَى الوكيل بعْد العزل أنه باع قبل العزل، لا يُصدَّق، ويطالب بالببنة، هذا هو الظاهر، وبه أجاب أصحاب القفَّال وغيرهم، وعليه جرى صاحِب "التهذيب" و"التتمة".
قال في "التتمة"، ويحلف هي أنها لا تَعْلَم أنَّه راجَع يَوْم الخَمِيس فإن الحلف على نَفْي فعل الغَيْر، هكذا يكون، وحكى الإِمام وصاحِب الكتاب في غيْر هذا الكتاب وراء الظاهر وجهَيْن آخرين، في الصورة المذكورة:
أحدهما: أن القَوْل قول الزوج مع يمينه؛ لأن الرجْعَة تتعلَّق به، وهو أعلم بحال نفسه، ولأنه يستقي النكاح، فتُصدَّق كما لو ادَّعَى الإصابة في مدَّة العِدَّة.
والثاني: أنها لو قالَت: انقضَتْ عدتي يوم الجمعة، وساعدها الزوج، وقال: راجَعْتُ يوم الخميس، فهي المُصدَّقة؛ لأن قولها في انقضاء العدَّة مقبولٌ، وإذا حكمنا بانقضاء العدة، لم يُلتَفَت إلى دعوى الرجْعة بعْد ذلك، وإن قال الزوج أولاً: راجَعْتُك
يوم الخميس، فهو يُصدَّق لاستقلاله بالرَّجْعة، [والرجعة] تَقْطَع العدة، وإن كان انتهاء الأقراء يوم الجمعة، وإذا صحَّحنا الرجعة منْه، لم نلتفت 1 إلى قوْلها: إنك راجَعْتَ يوم السبت، قال: فإن تساوق كلاماهما، سقط هذا الوجه، وبقي الوجهان الأولان.
الصورة الثانية: أن يتفقا على وقْت الرَّجعة؛ كيوم الجمعة، وقالت: انقضت عدتي يوم الخميس، وقال الزوج: بل يوم السبت، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن وقْت الرجعة متَّفَقٌ عليْه، والأصل أن العدَّة لم تنقض قبله، وحكى الإِمام وجهَيْن آخرين:
أحدهما: أن القول قول المرأة مع يمينها؛ لأنها مصدَّقةٌ في دعوى انقضاء العدَّة، وقد ادعت أنها انقضت قبل أن يُرَاجِع.
والثاني: أن المصدَّق السابق إلى الدَّعوى، فإن قال الزوج أولاً: راجَعْتُك يوم الجمعة، فقالت: نعم، لكن انقضت عدتي يوم الخميس، فهو المصدَّق، وإن قالت أولاً: انقضَتْ عدتي يوم الخميس، فقال: بل انقضت يوم السبت، ووقعت الرجعة في يوم الجمعة، فهي المُصدَّقة.
الصورة الثالثة: ألاَّ يتَّفِقَا على وقت أحدهما بل يقتصر الزوج على أن الرجعة سابقةٌ، والزوجة على أن انقضاء العدة سابقٌ، فالنص أن القول قوْلُ الزوجة، والنص فيما إذا أسلمت المرأة بعد الدخول، ثم أسلم الزوج، واختلفا، فقال الزوج: أسلَمْتُ قبل انقضاء عدتك، وقالت: بل انقضت عدتي قبل إسلامك أن القول قَوْلُ الزوج، وذكرنا في آخر "نكاح المُشْركات" طريقين:
أحدهما: أن المسألتَيْن على قولَيْن، وكلام الإِمام يوافق هذه الطريقة، وأنه حَكَى فيها وجهَيْن عن رواية الشيخ أبي مُحمَّد:
أحدهما: أن القول قول الزوج استبقاءً للنكاح، ولأن الأصل بقاء الرجعة.
والثاني: أن القول قولها؛ لأنها تخْبِر عما لا مُطَّلِع عليه إلاَّ من جهتها، فلا بد من ائتمانها وتصديقها فيه، والزوج يخبر عن الرجْعة، ولا ضرورة إلى تصديقه؛ لتمكنه 2 من الإشهاد على الرجعة.
والطريق الثاني، وهو الأصح: أن النصين منزَّلان على حالين، وذكرنا أن المَحْكيَّ عن ابن سُرَيْج، وأبي إسحاق، والمرضيَّ عنْد الشيخ أبي حامد وأصحابه، وعلى ذلك جرى صاحب "التهذيب" وغيره -رحمهم الله-: أن النظر إلى السَّبْقِ، والسبقُ المصدَّقُ، فإن قالت هي أولاً: انقضت عدتي، ثم قال الزوج: كنت راجَعْتُكِ قبل انقضاء العدَّة،
فهي المصدَّقة بيمينها، وإن قال الزوج أولاً: راجعتك قبل انقضاء عدتك، ثم قالت: بل بعْد انقضاء عدتي، فعن القفَّال، وبه أخذ "التهذيب" و"التتمة".
أنه يُنْظَر؛ إن تراخى قولها عن قوله، فالمصدَّق الزوج، ويُجْعل كأن عدتها قد انقضت قبيل كلامها، وإن اتصل قولها بقوله، فهي المصدَّقة بيمينها؛ لأن الرَّجعة قولية، فيجعل قوله "راجعتك" كإنشاء الرجعة في الحال، وانقضاء المدة، وليس بشَيْءٍ حَوليِّ، فقولها انقضت عدتي إخبارٌ عن أمر كان من قبل، فكأن قوله: "راجعتك" صادف انقضاء العدة، فلا يصح، وإذا اعتبرنا السبق إلى الدعوى، فلو وقَع كلام الزوجين معاً، فعن ابن سُرَيْج، وهو الجواب في "التهذيب" وغيره: أن القول قولها، وكأنَّ الرجعة صادفت انقضاء العدة، أو تأخرت عنه وَيجِيْء على قياس ما ذكره الإِمام، وفيما سَبَق وجْه: أن القَوْل قولُه.
وفي "الشامل" أن القاضي أبا الطيِّبِ روى وجْهاً أنه يُقْرَعُ بينهما، وَيُقَدِّمُ قولُ من خَرَجَتْ قرعته، وفي المسألة طريقة أخرى، ويقال إن صاحب "الإفصاح" اختارها، وهي أنه 1 يُسأل الرجُل عن وقت الرَّجعة [فإذا بَيِّن، فإن صدقته المرأة فقد توافقا على وقْت الرجْعة،] 2 وإن كذَّبَتْه، صُدِّق بيمينه، وتُسْأل المرأة عن وقت انقضاء العدة، فإذا بَيَّنَتْه، فإن صدَّقها، فقد توافقا على وقت انقضاء العدة، وإلا فتُصدَّق بيمينها، ثم يُنْظَر في وقت الرجعة، ووقت انقضاء العدة، ويُجْعل الحكم للسابق منْهما، ويخرج من هذه الطرق عنْد الاختصار وجوه أو أقوال:
أحدها: تصديق الزوج [في انقضاء العدة] 3.
[والثاني: تصديق الزوجة في انقضاء العدة]، ويُرْوَى الأوجُهُ عن ابن أبي هريرة، وكذلك ذَكَرها الشيخ أبو حاتم القزوينيُّ ثم في "النهاية" عن صاحب "التقريب"، أن ما صوَّرناه من الاتفاق على وقْت انقضاء العدة، والاختلاف في الرجْعة فيما إذا اتفقا على أصل الرجعة، واختلفا في التقدُّم والتأخر، فأما إذا أنكرت أصل الرجعة، وقالت: إنه لم يتلَفَّظ بها، فالقول قول المرأة بلا خلاف.
قال الإِمام: وهذا خطأ صريح، فإن قولَها "أنه راجع بعد انقضاء العدة" اعترافٌ بصيغة الرجعة لا بحقيقتها، فلا فرق.
ولو قال الزوجان: نعلم حصول الأمرين، الرجعة وانقضاء العدة على الترتيب، ولا ندري أن السابق ماذا؟ فالأصل بقاء العدَّة، وولاية الرجعة.
الحالة الثانية: إذا كانت العدة باقيةً، واختلفا في الرجْعة، فالقول قول الزوج؛ لأنه
ادَّعَى الرجعة في وقْت يقدر على إنشائها، فيُقْبل إقراره بها كالوكيل إذا قال: بعْتُ قبل العزل، وعن صاحب "التقريب" وجه أن القول قوْلُها؛ لأن الأصْل عدَمُ الرجْعَة، وبقاء أثر الطلاق، فإن أراد الرَّجْعة، فعلَيْه إنشاؤها، وإذا قَبِلْنا قولَه، فقد أطْلَق جماعةٌ منهم صاحب "الكتاب" 1 أن إقراره ودعواه يُجْعل إنشاءً, وحَكَى ذلك عن القفَّال، وذكر الشيخ أبو محمَّد أن من قال به يَجْعَل الإقرار بالطلاق إنشاءً أيضاً.
قال الإِمام: وهذا لا وجْه له؛ فإن الإقرار والإنشاء يتنافيان، فذلك إخبار عن ماضٍ، وهذا إحداث في الحال، وذلك يَدْخُله الصِّدق، والكَذِب، وهذا بخلافه، ونختم القسم بكلامين:
أحدهما: فيما يَتعلَّق بلفظ الكتاب.
قوله: وَإِنْ ادَّعى أنه رَاجَع قبل انقضاء العدة، فأنكرت، الأقرب أنه أراد بهذه هذه الصورة ما إذا اختلفا في التقدُّم والتأخر من غَيْر أن يتفقا على وقْت أحدهما، وأراد بقوله: "ولو قال راجعتك الآن"، فقالت: "انقضت عدتي بالأمس" ما إذا اتفقا على وقت الرجعة، واختلفا في وقت انقضاء العدة؛ وبقوله 2: "أو قالت" انقضت عدتي، فقال: "راجعتك بالأمس" ما 3 إذا اتفقا على وقت انقضاء العدَّة، واختلفا في وقت الرجعة، والخلاف في أن القول قولُه أو قولها شامل للصور جميعاً على ما قدَّمنا، لكنه قال: والأظهر أنَّ القول قولُها، وسيأتي الكلام يَقْتَضِي ترجيحَ هذا الوَجْه في الصور كلِّها، وهو غير مساعد عليه فيما إذا اتفقا على وقت الرجْعة، واختلفا في وقْت انقضاء العدَّة بل الظاهر أن القول قولُه، وكذا إذا لم يتفقا 4 على وقت واحد منهما، والظاهر تصديقُ مَنْ يسبق إلى الدَّعْوَى، ولم يَتعرَّض له في الكتاب.
والثاني: نقل المزنيُّ عن الشَّافعي -رضي الله عنه- أنه لو قال: راجعْتُكِ اليوم، فقالت المرأة: انقضت عدتي قبل رجعتك، تُصدَّق المرأة، واعتُرِض بأنه لم يوجَدْ من واحد منهما دعوى 5 [انقضاء العدة، حتى حصلت المراجعة باتفاقهما، فينبغي أن يُصدَّق] الرجُلُ، وحمل الأصحاب -رحمهم الله- النص على ما إذا اتَّصَل كلامها بكلامه، وقالوا: قولُه "راجَعْت" إنشاء، وقولها: "انقضت عدتي" إخبارٌ، فيكون الانقضاء سابقاً على قولها، وقد سَبَق ما يقرب من هذا أو هو هو.
القسم الثاني، ولم يذكره في الكتاب: أن يقع الاختلاف بعْد ما نَكَحت زوجًا
آخر، فإذا نكحت بعْد مضي العدة زوجًا لعلَّه زوجها الأول، وادعى الرجْعة وعذرها في النكاح، لجهلها بالرجعة أو نسبه إلى الخيانة والتلبيس، نُظر إن أقام عليها بيِّنة، فهي زوجة الأول، سواءٌ دخل بها الثاني أو لم يَدْخُل.
وعن مالك: أنه إنْ دخل بها، فهي زوجة الثاني، وإن لم يدْخُلْ بها، فعنه روايتان في أنَّها للأول أو الثاني، ويجب لها مَهْر المثل على الثاني، إن دَخَل بها، وإن لم تكن بيِّنة، وأراد التحليف، فتسمع دعواه على الزوجة 1، ويجيْء فيه خلافٌ؛ بناء على أن إقرار المرأة بالنكاح غَيْر مقبول، والظاهر القَبُول، وهل تسمع الدعوى على الزوج الثاني، فيه وجْهَان:
أحدهما: لا؛ لأن الزوجة ليست في يده، وهذا ما ذكره الإِمام أنه المَذْهب.
والثاني: تُسْمَع؛ لأنها في حباله وعلى فراشه، وبه أجاب المحامليُّ وغيره من العراقيين فإن قلنا: لا تسمع الدعوى عليه، فتتعين هي للدعوى، وإذا ادعى عليها، فإنْ أقرت به بالرجعة، لم يُقْبَل إقرارها على الثاني، بخلاف ما إذا ادعى امرأة في حبالة رَجُل أنها زوجته 2، فقالت: كنت زوجةً لَك، فطلقْتَني، حيث يكون ذلك إقرارًا له، وتجعل زوجةً له، والقول قوله في أنه لم يُطَلِّقْها 3؛ لأن هناك لم يَحْصُل الاتفاق على الطلاق، وهاهنا حَصَل، والأصل عدم الرجعة، وتغرم المرأة للأول مَهْر مثلها؛ لأنها فَوَّتَت البُضْع عليه بالنكاح الثاني.
وقال أبو إسحاق: لا غُرم عليها، كما لو قَتَلَت نفْسها أو ارتدت، وهذا هو خلاف الغُرْم بالحيلولة، وإن أنْكَرت، فهل تحلف؟ فيه اختلافٌ؛ بناء على أنها لو أقرت هل تَغْرم إن قلنا: لا، فإقرارها بالرجعة غير مقبول، وهو غير مؤثر في الغرم، فلا معنى للتحليف، ومقصود التحليف الحَمْل على الإقرار، والظاهر التحليف، فإن حلفت،
سقطت دعوى الزوج، وإن نكلت، حلف، وغرمها مَهْر المثل، ولا نحكم بطلان نكاح الثاني، وإن جعَلْنا اليمين المردودة كالبينة؛ لأنها وإن جُعِلت كالبينة، فإنما تكون كالبينة في حق المتداعيين خاصَّةً، وفي "النهاية" نقل وجه ضعيف: أنه يحكم ببطلان النكاح 1، إذا قلْنا: إنها كالبينة، وإن قلْنا: إن الدعوى على الزوج الثاني مسموعةٌ، فيُنْظر؛ إن بدأ بالدعوى على الزوجة، فالحكم على ما بيَّنَّا، لكن إذا انقطعت الخصومة بينهما، بَقِيَتْ دعواه على الثاني وإن بدأ بالدعوى على الثاني، فإن أنكر، صُدِّق بيمينه؛ لأن العدة قد انقضت، والنكاح وقع صحيحاً في الظاهر، والأصل عدم الرجعة، وإن نَكَلَ، رُدَّت اليمين على المدعي، فإن حلف، حكم بارتفاع نكاح الثاني، ولا تصير المرأة للأول بيمينه، ثم إن قلْنا: إن اليمين المردودة كالبينة، فكأنه لم يكن بينها وبين الثاني نكاح، فلا شَيْءَ لها على الثاني إلاَّ مهر المثل، إن دخل بها، وإن قلْنا: إنها كالإقرار، فإقراره عليها غَيْر مقبول 2، فلها كمال المُسمَّى، إن كان بعد الدخول، ونصْفه، إن كان قَبْله.
قال في "التهذيب" والصحيح عندي أنها إن جُعلَت كالبينة، لا تؤثر في سقوط حقِّها عن المسمَّى، بل يختص أثر اليمين المردودة بالمتداعيين، فإذا انقطعت الخصومة بينهما، فله الدعوى على المرأة، ثم يُنْظَر؛ إن بقي النكاح الثاني، بأن حلف، فالحكم كما ذكرنا فيما إذا بدأ بها، وإن لم يبق بأن أقر الثاني للأول بالرجعة، أو نَكَل، فحلف الأول، فإن أقرت المرأة، سُلِّمت إليه، وإلا فهي المُصدَّقة باليمين، فإن نَكَلت، وحَلَف المدعي، سُلِّمت إليه، ولها على الثاني مَهْر المثل، إن جَرَى دخول، وإلاَّ، فلا شَيْء عليه، كما لو أقرت بالرجعة، وكل موضع قلنا: لا تُسلَّم المرأة إلى الأول، لحق الثاني، وذلك عنْد إقرارها، أو نكولها، ويمين الأول، فإذا زال حق الثاني بموت وغيره، سُلِّمت إلى الأول، كما لو أقر بحرية عبْد في يد غيره، ثم اشتراه، يحكم عليه بحريته.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا أَنْكَرَتِ الرَّجْعَةَ ثُمَّ رُجِعَتْ صُدِّقَتْ وَإِنْ كَانَ في إِنْكَارِهَا إِقْرارٌ بِالتَّحْرِيمِ؛ لأنَّهَا جَحَدَتْ حَقَّ الزَّوْج ثُمَّ أَقَرَّتْ فَيَتَرَجَّحْ جَانِبُه وَلَوْ أَقَرَّتْ بِتَحْرِيمِ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا الرُّجُوعُ وَإِنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ ثُمَّ رَجَعَتْ فَالأَظْهَرُ أنَّهُ يُقْبَلُ لِحَقِّ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أنكرت المرأة الرجعة، واقتضى الحال تصديقها، ثم رجَعَت، صُدِّقت في الرجوع، وقُبِلَ إقرارها، نصَّ عليه، ورأى الأصحاب فيه إشكالاً؛ لأن قضية قولها الأول تحريمُها عليه، وقضية الإقرار بالتحريم ألا يُقْبَل منها نقيضه، كما لو أقَرَّت
أنها بنْت فلان من النَّسَب أو الرضاع، ثم رجَعَت، وكَذَّبت نفسها, لا يُقْبل رجوعها، وتَكلَّموا في الفَرْق من وجوه:
أحدها: أن حرمة الرضاع مؤكَّدة مؤبَّدة، بخلاف حرمة البينونة بانقضاء العدة.
والثاني: أن الرضاع يَتعلَّق بها، فإقرارها به يَصْدُر عن علم وتحقُّق، والرجْعةُ قد تجري في غيبة، وهي لا تَشْعُر فلا يبعد أن تنكر، ثم تَعْرف، وتَعْتَرِف.
قال الإِمام: ولا خير في هذين القولين؛ أما الأول، فهو بيان التفاوت في كيفية الحرمة، وأصل الحرمة حاصِلٌ شامل للصورتين، وأما الثاني، فالرَّضَاع يجري في الصغر، فلا يَشْعُر به المرتَضِع.
والثالث: أن الإقرار بأخوة النسب والرضاع تستند إلى أمر ثبوتي، وإنكار الرجعة، وإن صُدِّقت، فيه نفي شيء، والثبوت أقرب إلى العِلْم والإحاطة من النفي؛ ولذلك كان الحَلف في طرف الثبوت على البَتِّ، وفي النفي على العلْم، وإذا كان كذلك كان الرجوع في طرف الإثبات رجوعًا عن المحقَّق المعلوم، فلا تقبل، ولذلك نقول: لو ادَّعتِ الطلاق على الزوج، فأنْكَر، ونكل، فحلفت، ثم رُجِعَت، وكَذَّبت نفسها, لا يُقْبل رجوعها؛ لاستناد قولها إلى الإثبات، وأما في طرف النفي، فكأنه لم يَعْلَم، ثم عَلِم، نَعَمْ، لو قال: ما أتلف فلان مالي، ثم رَجَع، وادَّعَى أنه أتلف، لا يُقْبَل؛ لأن قوله: "ما أتلف" تضمَّن الإقرار على نفْسه ببراءته.
والرابع: أن الرجل ادَّعَى حقّاً، فأنكرته، ثم عادت إلى الاعتراف به، فإذا توافقا على ثبوت حقه، لم يجز إبطاله، كما لو ادَّعى أنها زوجته، فأنْكَرَت، ثم أقرت أو ادَّعى على إنسان قصاصًا، فأنكر، ثم أقر بخلاف قولها: فُلان أخِي، ولو زُوِّجت المرأةُ، وهي ممن يُحْتَاج إلى رضاها، فقالت: لم أرْضَ بعقد النكاح، ثم رجَعَت، وقالت: رَضِيتُ، وكنتُ نسيته، وجهان:
أحدهما: أنه يقبل رجوعها؛ لأن قولها الأول راجِعٌ إلى النفي، وأيضاً، فإنها أنكرت حق الزَّوْج، وعادَتْ إلى التصديق، فيُقْبل؛ لِحَقِّه.
والثاني: المنع؛ لأن النفي إذا كان تَعلَّق بها كالإثبات؛ ألا ترى أن الإنسان يحلف على نفي فعله على البَتِّ، كما يحلف على الإثبات على البت، وقد ذكرنا أن الإقرار بالأمر الثبوتي يبعد الرجوع عنه، وعلى هذا فلا يحل له إلاَّ بعقد جديد، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطَّيِّب -رحمه الله- عن النص، والأول أظْهَر عنْد صاحب الكتاب -رحمه الله- والله أعلم بالصواب.
فروع: إذا طلَّقها طلقةً أو طلقتين، واختلفا في الإصابة، فقال الزوج: طلقتها بعد
الدخول، ولي الرجعة، وأنكرت هي، فالقول قولها مع يمينها؛ فإن الأصل عدم الدخول فإذا حلفت، فلا رجعة له، ولا سكنى ولا نفقة لها, ولا عدة عليها, ولها أن تنكح في الحال، وليس له أن ينكح أختها, ولا أربعاً سواها، حتى ينقضي زمان يمكن انقضاء العدة فيه، وهو مُقِرٌّ لها بكمال المَهْر، وهي لا تدَّعِي إلا النصف، فإن كانت قد قَبَضَت المهر، فليس له مطالبتها بشَيْء، وإن لم يُقبضه، فليس لها إلاَّ أخذ النصف، فإذا أخذته، ثم عادت، واعترف بالدخول، فهَلْ لها أخْذ النِّصْف الآخر أم لا بد من إقرار مستأنف من جهة الزوج؟ نقل إبراهيم المروزي فيه وجهَيْن، وفي شرح "المفتاح" للأستاذ أبي منصور البغدادي: أنها إذا كانت قَبَضت المَهْر، وهو عَيْن، وامتنع الزَّوج من قَبُول النِّصْف أو يبرئها منه.
ولو كنت العين المصدَّقة في يده، وامتنعت من أخذ الكُل، فيأخذه الحاكم، وإن كان دَيْنًا في ذمته، فيقول لها: إما أن تقبليه أو تبرئيه عنه.
ولو انعكس الخلاف، وادَّعت المرأة الدخول، وأنكر الزوج، فالقول قوله، فإذا حلف، فلا رجعة ولا سكنى ولا نفقة، وعليها العدة، ولو عادت، وكذَّبتْ نفْسَها, لم تَسْقط العدة، ولا فرق بين أن يكون الاختلاف في الدخول قبل جريان الخلوة، أو بعدها على الصحيح، وحكينا في آخر فصل العُنة قولاً أن يُرجَّح جانبُ مَنْ يدعي الدخول ويُجْعَل القول قوله مع يمينه، وفي "التتمة" أنه لو طلق زوجته الأمة، واختلفا في الرَّجعة، فحيث قلنا: إن القول قول الزوج إذا كانت المطلقة حُرةً، فكذلك هاهنا، وحيث قلنا: إن القول قول الزوجة هاهنا فالقول قول السيد؛ لأن نكاح الأمة حقُّه.
وعن أبي حنيفة ومالك: أن القول قولُ الأمة، وبمثله أجاب صاحب "التهذيب" وقال: لا أثر لقول السَّيِّد، وعن نصه -رضي الله عنه- في "الأم" أنه لو قال: أخبرتني بانقضاء العدة ثم إنه راجَعَها مكذِّبًا لها، فقالت بعد ذلك: ما كانَتْ عدتي منقضيةً، وكذَّبت نفْسَها، فالرجعة صحيحة؛ لأنه لم 1 يُقِرَّ بانقضاء العدة [وإنما أخبر عنها، والله أعلم 2].
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ