وَفِيهِ أَبْوَابٌ سِتَّةٌ
البَابُ الأَوَّلُ فِيمَا يُفِيدُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ التَّكلِيفُ وَالْحُرِّيِّةُ وَالإِسْلاَمُ، وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ أَصْلاً، وَلاَ عَلَى كَافِرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَعَرُّضُ الكتابِ والسنَّة للشهادَةِ 1 وأحْكَامِه مستفيضٌ واضحٌ؛ كقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة:283] وقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282] وكما رُوِيَ أنه -صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم- سُئِلَ عَنِ الشَّهادة، فقَالَ لِلسَّائِلِ: تَرَى الشَّمْسَ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ فَدَعْ" 1 وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: أَكْرِمُوا الشُّهُودَ 2، وأنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال لِبَعْضِ الْمُدَّعِينَ: لَيْسَ لَكَ إِلاَّ شاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ 3 ولا يخفَى أنه لا تقبل شهادةُ كلِّ من شهد، وأنَّه ليس للشَّاهِدِ أن يجازِفَ ويشهد بما شاء، بلْ لا بدَّ في الشاهد من صفاتٍ، والشاهِدُ من عَلِمَ ما يشْهَدُ به، والصفاتُ المعتبرةُ في الشاهد تنقسمُ إلَى معتبرةٍ في العمومِ، كالحرِّيَّةِ، وإلَى معتبرةٍ في بعْضِ الأُمور؛ كالذكورة، وإذا شَهِد واحدٌ، فمن اجتمعتْ فيه الصفاتُ المعتبرةُ، فقد يحكم بقوله، وقد يُحْتاج إلَى ضميمة أخرَى، وهو الأغلبُ، وتلك الضميمة، إما قوْلُ شاهدٍ حرٍّ أو أكثرَ، وإما يمينُ المدعِي، ثم الشاهدُ قد يشهد الواقعةَ نفْسَها، وقد يشهد بشهادةِ من شهد بها وعلى التقديرَيْن، فإمَّا أن يستمرَّ على ما يشهد به أو يَرْجِع عنْه، فقيد المصنف لبيان هذه الفصولِ سِتَّةَ أبوابٍ:
أحدُهَا: في الصفات المعتَبَرَةِ في الشَّاهد على العُمُوم.
وثانِيهَا: في الذُّكُورة المعتبَرَةِ على الخُصُوص، وفي العدد المرعيِّ في الشهود.
= وقولنا: في مجلس القضاء: يخرج إخباره في غير مجلس القضاء فلا يعتبر، وإنما قيدنا: بمجلس القاضي، وإن كان المحكم كذلك؛ لأن المحكم لا يتقيد حكمه بمجلس بل كل مجلس حكم فيه كان مجلس حكمه أي بخلاف القاضي فإنه يتقيد بمجلس حكم المعين من الإِمام ومحل ولاية.
وقولنا: بلا دعوى؛ لإِدخال شهادة الحسبة، كما في عتق الأمة، وطلاق الزوجة، فليس الدعوى شرط صحتها مطلقاً.
وقد عرفها بعض الفقهاء بقوله: وفي اصطلاح أهل الشرع: عبارة عن إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة فالإِخبار كالجنس.
وقوله: صادق يخرج الأخبار الكاذبة، وما بعد يخرج الأخبار الصادقة غير الشهادات، ويرد عليه قول القائل في مجلس القضاه: أشهد برؤية كذا لبعض العرفيات، فالأولى أن يزاد لإِثبات حق، كما في التعريف الأول.
وثالِثُهَا: فيما تستند إلَيْهِ الشهادة.
ورابِعُهَا: في الشَّاهِدِ واليَمِين.
وخامسِهَا: في الشَّهَادة على الشَّهادة.
وسادِسُهما: في الرُّجُوع.
أما البابُ الأول: فمِنَ الصفاتِ المعتبرةِ على العُمُوم التكليف، فلا تُقْبَلُ شهادةُ مجنونٍ ولا صبيٍّ، وقال مالكٌ: تقبلُ شهادةُ الصبيانِ في الجراحَاتِ الحاصِلَةِ بيْنهم في اللَّعِب ما لم يتفرَّقوا، وعن أحمد ثلاثُ رواياتٍ كمذْهَبنا ومذْهَب مالكٍ، والثالثةُ قبولُ شهادتهم مطلقاً بشرط التمييز، واحتجَّ الأصحابُ بأن الصبيَّ لا يقبل قولُه عَلَى نفسه بالإِقْرَار فأولَى ألاَّ يقبل على غيره بالشهادة، وبقوله تعالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، وقالوا: لفظ الرجالِ لا يقَعُ علَى الصبيان.
ومنْها: الحرية؛ فلا يُقْبَلُ شهادةُ الرقيق قِنَّا كان أو مُدَبَّراً أو مكاتباً أو أمَّ وَلَدٍ، وقال أحمد -رحمه الله-: تُقْبَلُ.
لَنَا: أنَّ القوْلَ على الغَيْر نوعُ ولايةٍ، فيعتبرُ فيها الحريَّةُ، كما في سائر الولايات، وأيضاً، فالرقيقُ لاشتغالِهِ بخدمة السَّيِّد لا يتفرغ لتحمل الشهادة، ولا لآدائها.
ومنها: الإِسلام فلا تُقبل شهادةُ الكافر ذمياً كان أو حربياً شهد على مسلم أو كافر، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يُقبل شهادة الكافر على الكافر اتحدت ملتهما أو اختلفت، وعن أحمد فيما رواه صاحبُ الشامل أنه تُقبل شهادته على المسلم في الوصية إذا لم يكن هناك مسلم لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "قال لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ دِينٍ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِمْ إِلاَّ الْمُسْلِمُونَ فَإنَّهُمْ عُدُولٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ" 1.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَوَرَاءَ هَذِهِ ثَلاَثُ صِفَاتٍ: الأُولَى: العَدَالَةُ: وَمَنْ يُقْدِمُ عَلَى كَبِيرَةٍ أَوْ يُصِرُّ عَلَى صَغِيرَةٍ فَهُوَ فَاسِقٌ لاَ تُقْبَلُ (ح) شَهَادَتُهُ، وَأَمَّا الإِلْمَامُ بِكَذْبَةٍ أَوْ غَيْبَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ جَرَى عَنْ هَفْوَةِ أَوْ فَتْرَةٍ مَعَ اسْتِشْعَارِ نَدَمٍ وَخَوْفٍ فَلاَ تَبْطُلُ الثِّقَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما كانتِ الصفاتُ الثلاثُ الَّتِي سبَقَتْ خفيقةَ المؤنةِ، سَرَدَها سَرْداً
ثم صَرَفَ العنايَةَ إِلَى بيانِ صفاتٍ أُخَرَ، فطَوَّل النَّظَر فيها، فقال: ووراء هذه ثلاثُ صفات:
إحداها: العدالةُ، فهي شرطٌ القَبُولِ الشهادة، قال الله تعالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وقال تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2] وقال عزَّ أسمه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، والفاسقُ ليْسَ بمرضىِّ الحال، ورُويَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلاَ خَائِنَةٍ وَلاَ زَانٍ وَلاَ زَانِيَةٍ" 1 والقولُ في أنَّ العدْلَ مَنْ هو يحتاج إلَى تقديم أصْلٍ، وهو أن المعاصِيَ تنقسِمُ إلَى كبائِرَ وصغائِرَ، قال الله تعالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: [النساء:13] وقال تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [الشورى: 37] ثم قال الإِمام -رحمه الله-: مِنْ أئمَّتنا مَنْ يقول: لا صغيرةَ في الذُّنُوب، وهو اختيارُ الأستاذِ أبيَ إسْحَاق، والظاهر المشهور الأوَّلُ، ثم اختلفتِ الصحابةُ فمن بعْدهم في الكبائِرِ، وفي الفَرْق بينها وبيْن الصغائر، وللأصحابِ في تفسير الكبيرة وجوهٌ:
أحدها: أنَّها المعصيةُ الموجِبَةُ للحدِّ.
والثَّاني: أنَّها الَّتي يلْحَق صاحبَهَا الوعيدُ الشديدُ بنصِّ كتاب أو سُنَّةٍ، وهذا أكثر ما يوجَدُ لهمْ، وهم إلَى ترجيح الأول أميلُ، ولكنَّ الثاني أوفقُ لما ذكروه عنْد تفْصيل الكبائر.
والثالث: قال الإِمَامُ في "الإِرشاد" وغيره: كلُّ جريمةٍ تُؤْذِنُ بقلَّة اكتراثِ مرتكبها بالدِّين ورقَّةِ الديانة، فهي مبطلةٌ للعَدالة.
والرابع: ذكر القاضي أبو سعْدٍ الهرويُّ -رحمه الله- أن الكبيرةَ كلُّ فعلٍ نصَّ الكتابُ علَى تحريمه، وكلُّ معصيةٍ توجِبُ في جنْسها حدّاً من حبسٍ أو غيرِهِ وَترْكُ كُلِّ فريضةٍ مأمورٍ بها عَلَى الفوْرِ والكَذِبُ في الشهادة والروايةِ واليمينِ، هذا ما ذكروه على سبيل الضَّبْط، وفصل القاضي الرويانيُّ، فقال: الكبائرُ سَبْعٌ؛ قتلُ النفْسِ بغَيْرِ الحقِّ، والزنا، واللِّواطُ، وشُرْبُ الخَمْر، والسرقةُ، وأخذ المالِ غَصْباً، والقذْفُ وشُرْبُ كُلِّ
مسكر ملحِقٍ بشُرْبِ الخمْرِ، ولا فَرْقَ في الخمر بين القدر المسْكِر 1 واليسير الذي لا يُسْكِر، قال أبو سعدٍ: وفي الشرب من غير الخَمْر خلافٌ، إذا كان الرَّجُل شافعيّاً، وشرط في غصب المال أن يبلغ دِيناراً، وضم في "الشامل" إلى السبع المذكورة شهادةَ 2 الزورِ، وأضاف إليها "صاحبُ العُدَّة" أكْلَ الرِّبَا، والإفطْارَ في رمَضَان بلا عذر، واليمينَ الفاجِرَةَ، وقطْعَ الرحِمِ، وعقوقَ الوالِدَيْنِ، والفرَارَ من الزَّحْف، وأكْلَ مالِ اليتيم، والخِيَانَةَ في الكَيْل، والوَزْنِ، وتقديمَ الصَّلاةِ عَلَى وقْتها وتأخِيرَها عنْ وقتْها بلا عذر، وضرْبَ المسلِمِ بغَيْر حقٍّ 3، والكَذِبَ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عَمْداً، وسبَّ الصحابة -رضي الله عنهم 4 - وكتمانَ الشَّهادة بغير عذر وأخْذَ الرّشْوة، والدِّياَنةَ، والقيادةَ بيْن الرجالِ والنساءِ، والسعايةَ عنْد السلطان، ومنْعَ الزكاة، وترْكَ الأمرِ بالمعْرُوف والنَّهْي عن المنكر مع القدرة، ونسيانَ القرْآنِ بعْدَ تعلُّمه، وإحراقَ الحيوانِ، بالنَّار، وامتناعَ المَرْأة من زوْجِهَا بلا سَبَبٍ، واليأْسَ من رحمة الله تعالَى، والأمن منَ مكْرِهِ، ويُقَالُ: الوقيعةَ 5 في أهل العلم وَحَمَلةِ القرآن، وممَّا يُعَدُّ من الكبائر الظهارُ وأكلُ لحمِ الخنزيرِ، والميتةِ من غَيْرِ ضرورةٍ، وللتوَّقفِ مجالٌ في بعْض هذه الخصال؛ كقطْع الرحمِ وترْكِ الأمْرِ بالمعروف علَى إطلاقها، ونسيانِ القرآنِ، وإحراقِ مطْلَقِ الحيوان بالنَّار، وقد أشار صاحب الكتاب في "الإِحياء" إلى مثْلِ هذا التوقُّف، وفي "التهذيب" حكايةُ وجهٍ: أن ترك الصَّلاة الواحدَةِ إلَى أن يخْرُجَ وقْتُها ليس بكبيرة، وإنما
تُرَدُّ الشهادة به، إذا اعتاده 1، قال في "العُدَّة"؛ ومن الصغائرِ النظر بالعَيْن إلَى ما لا يجوز، والغيبة 2 والضَّحِكُ من غَيْر عُجْبٍ، والكذبُ الذي لا حدَّ فيه، ولا ضرر والاطلاعُ علَى بيوتِ النَّاس، وهجْرةُ المسلم فوْقَ ثلاثٍ وكثْرةُ الخصومات، وإن كان الشخْصُ مُحِقًّا والسكوتُ على الغِيبة، والنِّياحةُ، والصياحُ، وشقُّ الجَيْب في المصيبات، والتَبَخْتُر في المَشْي، والجُلُوسُ مع الفُسَّاق إيناساً لهم، والصلاةُ المكْرُوهة في الأوقات المكروهة المنهيَّة، والبيعُ والشراءُ في المسْجِد، وإدْخَالُ الصغار والمجانِينِ والنجاساتِ المسْجَد، وإمامةُ القَوْم، وهم كارهونَ لَهُ لعَيْبٍ به، والعبَثُ في الصَّلاة، والضَّحِكُ فيها، وتخطِّي رقاب الناس يوْمَ الجُمُعة، والكلامُ والإِمامُ يخطب، والتغَوُّطُ مستقبلَ القبْلَة، وفي طريق المسلمين، وكشف العورة في الحمَّام، ولك أن تتوقَّف في كثرة خصومات المحِقِّ، وتقولَ: ما ينبغي أن يكونَ معصيةً أصلاً إذا راعَى حدَّ الشرْع، وفي تخطِّي رقاب النَّاس يوم الجمعة، فإنه معدودٌ من المكروهات دون المحرَّمات 3، وكذا
الكلام وإلا فلا يخطبُ، على الأصحِّ.
إذا تقرِّر ذلك، قال الأصحاب: يُعتبر في العدَالَةِ الاجتنابُ عن الكبائرِ، فمَنِ ارتكب كبيرةً، فَسَقَ ورُدَّتْ شهادته، وأما الصغَائِرُ، فقليلاً ما يَسْلَم الإِنْسانُ منْها، حتَّى اشتهر في الخَبَر "مَا مِنَّا إلاَّ مَنْ عَصَى أوْ هَمَّ بِمَعْصِيَةِ إِلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا" 1 فلا يشترط تجنبها بالكلية، لكنّ الشرْطَ ألا يُصِرَّ عليها، فإن أصرَّ، كان الإِصرارُ كارتكاب الكبيرة، وأما الإِصرارُ السالبُ للعدالةِ أهُوَ المداومةُ عَلَى نوْعٍ من الصَغائرِ أم الإكثارُ منْها، سواءٌ كانتْ من نوعٍ واحدٍ أو منْ أنواعٍ مختلفةٍ منهم من يُفْهِم كلامُه الأول ومنهم من يفهم كلامه الثانِيَ ويوافقه قول الجمهور من تَغْلِبُ طاعتهُ معاصِيَهُ، كان عدلاً، ومن تَغْلِبُ معاصيه طاعته، كان مردودَ الشهادة، ولفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في "المختصر" قريبٌ منه، وإذا قلْنا به، لم تضرَّ المداومةُ على نوعٍ واحدٍ من الصغائر، إذا غلبتِ الطاعاتُ، وعلى الاحتمال الأول يَضُرُّ.
وقوله في الكتاب "لا تُقبل شهادتُه" أُعْلِمَ بالحاء؛ لأن في "النهاية" أن أبا حنيفةَ يَقْبَلُ شهادة الفاسِق الذي يَغْلِبُ على الظنِّ احترازُهُ عن الكذب.
وقولهُ: "وأما الإِلمام بكذْبَةٍ أو غيبةٍ" إلى آخره فيه مع بيانِ الحُكْم وهو أن ارتكابَ الصغيرة لا يُبْطلُ العدالةَ، أشار إلَئ سببه، وهو أن الإِنسان غالباً لا يَخْلُو عن الابتلاء بالصغائر، ويُقْدِمُ عليها أحيانًا لفتْرة تقع، وشهوةٍ تَغْلِب، فلا يدلُّ ذلك على قلَّة الديانةِ والمبالاة، لا سيَّما إذا كان المُقْدِم عليها نادماً خائفاً، بخلاف الكبيرةِ، فإنَّها عظيمةُ الوقْع، ارتكابها مشعر بقلَّة المبالاة، فأسْقَطَ الثقةَ بقَوْل مرتكبها والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاللَّعِبُ بالشِّطْرَنْجِ (ح م و) والحَمَامِ (ح م) وَسَمَاعُ الغِنَاءِ وَالرَّقْصِ وَنَظْمُ الشِّعْرِ الَّذِي لاَ هَجْوَ فِيهِ وَلاَ فُحْشَ وَلاَ تَشبِيبَ بامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَسَمَاعُ الدُّفِّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَلاَجِلُ وَكَذَا سَمَاعُ الطَّبْلِ إِلاَّ طَبْلَ المُخَنِّثِينَ كُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَرَامِ، لَكِنَّ المُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا قَدْ تَخْرمُ المُرُوءَةَ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ فَيَقْدَحُ، وَأَمَّا النَّرْدُ وَسَمَاعُ الأَوْتَارِ وَالمَعَازِفُ وَالمِزْمَارِ العِرَاقِيِّ وَمَا هُوَ شِعَارُ الشُّرْبِ وَنَظْمُ الهَجْوِ وَإِنْشَادُهُ وَلُبْسُ الحَرِيرِ وَالجُلُوسُ عَلَيْهِ
وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَلَكِنْ لاَ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِالمَرَّةِ الوَاحِدَةِ بَلْ بالإِصْرَارِ إِلاَّ فِي بَلْدَةٍ يَعْظُمُ عِنْدَهُمْ سَمَاعُ الأَوْتَارِ، وَالإِقْدَامُ مَرَّةً يُشْعِرُ بالانْحِلاَلِ، وَلاَ يَخْلُو الإِنْسَانُ عَنْ غِيبَةٍ وَكَذِبٍ وَنَمِيمَةٍ وَلَعْنٍ وَسَفَاهَةٍ فِي غَضَبٍ فَلاَ يرَدُّ شَهَادَتُهُ بِسَبَبِهَا إِلاَّ عِنْدَ الإِصْرَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسائل:
إِحداها: اللعبُ بالشِّطْرَنج 1 مكروهٌ؛ لما رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنَّه مرَّ بقوم
يلْعبون به، فقال "مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ" 1 ولأنَّه صَرْفٌ للعمر إلى ما لا يُجْدِي، وفيما عُلَّقَ عن الإِمام وجْهٌ: أنه مباحٌ لا كراهَةَ فيه.
والصحيح: إثبات الكراهة، إلا أنه ليس بمحرَّم؛ رُوي اللعبُ به عن ابْن الزُّبَيْر وأبي هُرَيْرة -رضي الله عنهما- وعن سعيدِ بن جبيرٍ -رضي الله عنه- أنه كان يلْعَبُ به استدباراً 2، وعن أبي حنيفَة ومالكٍ: أن اللعبَ بالشِّطْرنج حرامٌ، وإليه ميل الحليمي، واختاره القاضي الرويانيُّ، وإذا قلنا: بظاهر المذْهب، فلو اقترن به قمارٌ أو فُحْشٌ في الكلام أو إخراجُ صلاةٍ عن الوقْت عمداً، رُدَّت شهادتُه بتلك القرينة، وإنَّما يحْصُل القمار، إذا شُرِطَ المالُ من الجانِبَيْن، وكان كلُّ واحد منهما بَيْن أن يَغْلِبَ، فيغنَمَ أو يُغْلَبَ، فيغرم، أمَّا إذا أخرج أحدُهُما شيئاً؛ ليَبْذُلَه، إن غُلِبَ، ويمسكه، إن غَلب، لم يكن قِمَاراً، ولم تُرَدَّ به الشهادةُ، ولكن عقد مسابقةً فيما ليس من آلاتِ القتالِ، فلا يصحُّ، ولو لم يُخَرْجِ الصلاةَ عن الوقْت عَمْداً، ولكنْ شغَله اللَّعِب به، حتى خرج الوقْتُ، وهو غافلٌ، فإن لم يتكرَّر منه ذلك، لم تُرَدَّ شهادته، وإن كَثُر وتكرَّر، فسق ورُدَّت شهادتُه بخلاف ما إذا تَرَكَها مراراً ناسياً؛ لأنَّهُ شغَل نفْسَه هاهنا بما فات به الصَّلاة، هكذا ذكروه، وفيه إشكالٌ لما فيه من معصية الغافِلِ واللاهِي، ثم قياسُه الطَّرْدُ في شغْل النفس بسائر المباحات 3، وأشار القاضي الرويانيُّ إِلَى وجْهٍ أنه يفْسُقُ مطلقاً تكرَّر أو لم يتكرَّر، وفي "المهذب" اشتراطُ التَّكْرَار في إخراجها عن الوقْت، وإن كان ذلك مع العِلْم، وهو خلافُ ما قدَّمنا، أنَّ إخراج الفريضة عن الوقْتِ عمداً من الكبائر، وعبر الأستاذ أبو إسحاق الإِسفرايينيُّ عن سلامته عن القرائِنِ الفاسدةِ؛ بأن قال: وقد سُئِلَ عن اللَّعِب بالشطرنج إذا سلم المال عن الخسران، والصلاة عن النسيان، واللسان عن البهتان أرى ذلك أنسا بين الخلال وحكاه القاضي الروياني في جمع الجوامع ورأيته بخط والدي منسوباً إلى الصعلوكي.
وأما النرد ففي اللعب به وجهان:
أحدهما: أنه كاللعب بالشطرنج لكن الكراهية فيه أشد وَيُحْكَى هذا عن ابن خيران وأبي إسحاق المَرْوَزِيِّ والإِسفرايينيِّ، وهو ظاهر إيراده في "الأم" واختاره القاضي أبو الطَّيِّب.
وأصحُّهما: التحريمُ، وبه قال ابنُ أبي هريرة وابنُ القاصِّ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدِ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" 1 وروي "مَنْ لَعِب بالنَّرْدَشِيرِ، فكأنَّمَا غَمَسَ يَدْيِهِ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ" 2 وفرق بينه وبيْن الشِّطْرنج في شدَّة الكراهية على وجْه الأول، وفي التحريم على الثاني؛ بأن التعويل في النَّرْدِ عَلَى ما يُخْرِجُه الكعبان، فهو كالأزلام، وفي الشِّطْرنج يُبنَى الأمرُ علَى الْفِكْرِ والتأمُّلِ، وأنه ينفع في تدابير الحَرْب، وعلى الثاني، فقد حَكَى الإِمَامُ عن الشيخ أبي محمَّد: أَنه من الصَّغَائر، قال: والصحيحُ أنَّه من الكَبَائر.
فَرْعٌ: قال في "الأم" وأكره اللَّعِب بالحَزّة 3، والقرق، والكلام في تفسيرهما، ثم في الحُكْم أما التفسيرُ فالحَزّة: قطعةٌ من خشَبٍ يحفر فيها حفْرٌ في ثلاثة أسْطُر، ويُجْعل في الحفر حصَى صغارٌ يُلْعب بها، وقد يُسَمَّى الأربعةَ عَشَر.
والقرق: أن يُخَطَّ على الأَرْض مربعٌ يجعل في وسْطِه خطَّان، كالصَّليب، ويُجْعل علَى رؤوس الخط حصّى صغارٌ يلعب بها، والقرق فيما رأيتُ بخطِّ القاضي الرويانيِّ، بفتح القاف والراء، وبعْضُهم قيَّد "القِرْق" بكسر القاف وتسكين الراء، ولم أجدْها في كُتُب اللغة بهذا المعنَى، نعم، في الصِّحَاح 4 أنَّ القَرْقِ، بكسر الراء: المكان المستوي، ومعلوم أنَّ الخطَّ لِلَّعِب غالباً يقع في المكان المستَوِي، فيمكن أن يكون ما نَحْنُ فيه مِنْ هذا، وأنْ يكون اللفْظُ كما كره، وأما الحُكْم ففي "الشامل": أن اللَّعِبَ بهما كاللعب بالنرد، وفي تعليق أبي حامد: أنه كالشِّطْرنج 5، ويمكن أن يُقَالَ: ما
يعتمد فيه على إخراج الكعبين، فهو كالنرد، وما يُعْتَمَدُ فيه على الفِكْر، فهو كالشِّطْرَنْج.
الثانيةُ: اتِّخاذُ الحَمَام للبَيْض، والفرخ، وللأنس بهالأولحمل الكُتُب جائزٌ بلا كراهة، وأما اللعبُ بها بالتطيير والمسابقة، ففيه وجه أن حكمه كذلك؛ لأنَّ فيه تعليمَهَا، وترشِيحَها؛ لإِنهاء الأخبار، والظاهرُ أنه مكْروهٌ، كالشِّطْرنج، وهذه الفائدةُ تتعلَّق بتطييرها دون المسابقة واللعب بها، ثم لا تُردُّ الشهادة بمجرَّدة، فإن انضم إليه قِمَارٌ وما في معناه رُدَّت الشهادة، وقال مالكٌ وأبو حنيفة -رحمهما الله- تُردُّ الشهادة بمجرَّدة.
الثالثة: غِنَاءُ الإِنسان، إِما أن يُفْرَض بمجرَّد صوته، أو بِآلةٍ من آلات الغناء.
أما القسْمُ الأوَّلُ، فهو مكْروهٌ:، وسماعُه مكروهٌ، وليسا بمحرَّمَيْن، أما أنهما مكروهان؛ فلقَوْل الله تعالَى؛ ﴿وَمِنَ النَّاسِ من يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] قال ابنُ مسعود -رضي الله عنه-: هو الغناء 1، وَرَوِي أنه -صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "الْغِنَاءُ 2 يُنْبِتُ النِّفَاقَ في الْقَلْب، كَمَا يُنْبتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ" 3 وأما أنهما ليسا بمحرَّمَيْن؛ فلأن عائشةَ -رضي الله عنها- قالَتْ: دَخَلَ أبو بْكر -رضي الله عنه- وَعِنْدِي جَارِيتَانِ مِنْ جَوَارِي الأنْصَارِ يُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، وَلَيْسَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أبُو بَكْر -رَضِيَ الله عَنْهُ-: أَمَزَامَيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَذَلَكِ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ: "يَا أبَا بَكْرٍ، لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدٌ، وَهَذَا عِيدُنَا 4 " ويُرْوَى أنَّ عُمَرَ -رضي الله عنه- "كَانَ دَاخِلاً فِي دَارِهِ يَتَرَنَّمُ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَينِ" 5 وَعَنْ عُثْمَانَ -رضي الله عنه-: "أَنَّ جَارِيةً = عشر المفوضة إل الكعاب وما ضهاها فهي في حكم النرد في التحريم وقضية هذا وكلام الرافعي في تحريم اللعب بما تسميه العامة الطاب والدك فإن الاعتماد فيه على ما يخرجه القضبان الأربع وفي النفس منه شيء إذا خلا عن القمار والسخف، لكنه قد يجر إليهما.
وقال في الخادم: إن الظاهر التحريم، قال ومثله الكنجفة.
لَهُ كَانَتْ تُغَنِّي باللَّيْلِ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ، قَالَ: أَمْسِكِي، فَهذَا وَقْتُ الاسْتِغْفَارِ" 1 وحيث ثبتت الكراهةُ، فالسماعُ في الأجنبية أشدُّ كراهةً، وحَكَى القاضي أبو الطيِّب تحْرِيمَهُ، وهذا هو الخلافُ الَّذي سبقَ في أنَّ صوتها هل هو عورةٌ؟ فإن كان في السَّماع منْها خوفُ فتنةٍ، حَرُم لا محالَة، وكذا السماعُ من صبيٍّ يُخَافُ منه الفتنة، هذا هو المشْهور في الغناء وسماعه وحَكَى أبو الفرج الزاز وراءَهُ وجهَيْن:
أحُدَهُمَا: أنه يحْرُم كثيرُه دون قليله.
وثانيهما: أنه حرامٌ على الإِطلاق والحداء وسماعه مباحان، لما فيه من إيقاظ النَّوَّام وتنشيط الإِبل للسير، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ -رضي الله عنه-: حَرِّكْ بالْقَوْم فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ 2 وتحسينُ الصوْتِ لقراءةِ القرآن جائزٌ، بل مندوبٌ إلَيْهِ، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "زَيِّنُوا القُرْآنَ بِاَصْوَاتِكُمْ" 3 وسمع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ يقرأ، فقالَ: لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَاراً مِنْ مَزْامِيرِ آلِ دَاوُد 4، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم- "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" 5 وحمله الشافعيُّ -رضي الله عنه- علَى تحْسين الصوْت دون الاستغناء، به وتحسينُ الصوت للقرآن بالترتيلِ، وهو التأنِّي في التلاوةِ، وبالحَدْرِ والتَّحْزِين، قال أبو الفرج الزاز: والحَدْر أن يرْفَعَ الصوْتَ مرةً، ويخفضه أخرَى، والتحزينُ أنْ يلين الصوْتَ، وأما القراءةُ بالألْحَان، فقد قَالَ في "المختصر": لا بأس بها، وعن رواية الربيع بن سليمان = وغيره، ورواه المعافى النهرواني في كتاب الجليس والأنيس، وابن مندة في المعرفة في ترجمة أسلم الحادي في قصة، وروى أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب شيئاً من ذلك في قصة.
الجِيزِيِّ: أنها مكروهةٌ، ولَيْس في هذا اختلافُ قولٍ عند عامة الأصحاب، ولكن موضع الكراهيَّة أن يُفْرِطَ في المد، وفي إشباع الحركات حتَّى يتولَّد من الفتحة ألفٌ ومن الضمة واوٌ، ومن الكسرة ياءٌ، أو يدغم في غير موضع الإِدغامِ، فإن لم ينته إلَى هذا الحدِّ، فلا كراهة، وفي "أمالي" أبي الفرج وجهٌ أنه لا كراهة، وإن أفرط 1؛ احتجاجاً بمطلَقِ قوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم- "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ".
والثاني: أن يغني ببعض آلات الغناء ممَّا هوُ من شعارِ شارِبِي الخَمْر، وهو مطربٌ كالطُّنبور، والعود، والصُّنج، وسائر المعازف، والأوتارِ فيَحْرُم استعماله، والاستماع إلَيْه، قال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ من يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6]: إنه الملاهِي، وفي اليْرَاعِ وجهان:
أحدُهِمَا: أنَّه حرامٌ، كالمزمار.
والثاني: المنْعُ؛ لأنه ينشِّطُ على السَّيْرِ في الأسفار ويُرْوَى أن داوُدَ -عليه السلام- كان يضربه في أغنامه، وعن الصحابة الترخيصُ فيه، والأصحُّ الأولُ عند صاحبِ "التهذيب" وعند صاحب الكتاب، وهو الأقرب، وليس المرادُ من اليراع كلَّ قصب، بل المزمارُ العراقيُّ، وما يُضْرب به الأوتار حرامٌ بلا خلاف 2، وأما الدُّفُّ فَضْربه مباحٌ في الإملاك والختان، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَأضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ" 3 يريد الدُّفَّ، وعن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنَّه كانَ إِذَا سَمِعَ الدُّفَّ بعَثَ، فإنْ كان في النِّكاحِ
والخِتَانِ، سَكَتَ، وإنْ كَانَ في غَيْرِهِمَا عَمِلَ بالدَّرَّة وأمَّا في غير الإِمْلاك والختان:
ففي "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: إطلاقُ القول بأنه حرامٌ، ويدل عليه أثر عُمَرَ -رضي الله عنه-.
ومنهم: من أطلق حلَّه، وعلَى ذلك جرَى الإِمَامُ، وصاحبُ الكتابِ، وقد رجَّح له ما رُوِيَ أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالَتْ: إنِّي نذَرْتُ أن أضرِبَ بالدُّفِّ بين يدَيْك إِن رجعت من سَفَرك سالماً، فقال -صلى الله عليه وسلم- "أَوْفِي بِنَذْرِكَ" 1 وأيضاً، فقد يُراد إظهار السرور؛ لأسباب حادثة، كما يراد للإِملاك والختانِ، وحيث قلْنا بالحلِّ، فذلك، إذا لم يكُنْ فيه جلاجلُ، وإن كان، فوجهان:
أشْبَهُهُمَا: الحِلُّ أيضاً، وبه أجاب صاحبُ الكتاب هاهنا، وفي "الإِحياء" ولا يحرم ضرب الطبول إلا الطبلَ الَّذي يُسمَّى الكوبة، فإنه حرامٌ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ الله حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ" 2 في أشياءَ عدَّها، والكُوبةُ الطَّبْل المتَّسِع الطرفَيْن الضيِّقُ الوَسَط، قال الإِمام: وليس فيه من جهة المعْنَى ما يميِّزه عن سائر الطُّبول إلاَّ أن المخنثين يعتادُون ضَرْبَه ويتولَّعون به، قال: والطبولُ الَّتي تهيَّأ لمَلاَعب الصبيان، وإن لم تُلْحق بالطبول الكبارِ، فهي كالدُّفِّ، وليست كالكوبة بحالٍ، والضربُ بالصفافيرِ حرامٌ كذلك ذكره الشيخ أبو محمَّدٍ وغيره؛ لأنه من عادة المخنَّثين، وتوقَّف الإِمام فيه؛ لأنه لم يرد فيه خبر بخلاف الكوبة، وفي ضَرْب القضيب على الوسائط وجْهان؛ الذي أورده العراقيون: أنه مكروةٌ غيْرُ محرَّم؛ لأنه لا يفرد عن الغناء، ولا يضْرب وحده بخلاف الآلاَت المُطْرِبة، وأشار صاحبُ "التهذيب" إلَى ترجيح التحريم، والرقْص غُيْرُ محرَّمٍ، فإنه مجرَّد حركاتٍ على استقامةٍ، ومشْهُوَرٌ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وقَفَ لعائِشَةَ -رضي الله عنها- يَسْتُرها حتَّى نظَرتْ إلى الحبَشَةِ، وهمْ يلعبون، وَيزْفِنُون 3، والزَّفَن هو الرقْصُ، نعم، قال الحُلَيْميُّ الرقْصُ الذي فيه تكسُّرٌ وتثَنِّ، ويشبه أفعالَ المخنَّثين، حرامٌ على الرجاله والنِّسَاءِ.
الرابعة: إنشاءُ الشِّعْر في الجملة وإنشادُهُ والاستماعُ إِلَيْه جائزٌ، كيف لا، وكان للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- شعراءُ يَصْغِي إِلَيْهمْ، حَسَّان بْنُ ثابتٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ -رضي الله عنهما- واستنشد الشريد شعر أمية بنِ أبي الصَّلْت، واستمع إليه، وفي حفْظ دواوين العَرَب أبلغُ معونةٍ عَلَى دَرْك أحكام الكتاب والسنّة ومعانيهما، وقال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: "الشِّعْرُ كَلاَمٌ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِهِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبيحِهِ" وفضله على الكلام أنَّه سائرٌ، وإنْ هجا الشاعِرُ في شعْرِه بما هو صادقٌ فيه أو كاذبٌ رُدَّتْ شَهَادَتُه؛ لذلك قال القاضي الرويانيُّ: وليس إثمُ حاكِي الهَجُو كإِثْمِ مَنْشِئِهِ 1، ويُشْبِه أن يكون التعريضُ هجْواً كالتصْريح، وقد يزيد بعض التعْريض على التصريح، وقال القاضي ابن كج: لا يكونُ التعريضُ هجواً 2، وكذلك تُرَدُّ شهادة الشاعِرِ، إذا كان يفحش أو يشبِّب بامرأةٍ بعَيْنها لِمَا فيه من الإِيذاء والإِشهار والقَذْف إنْ صَرَّح، وإن كان صادِقاً في أنَّه فعل كذا، فلفِسْقه بما أخْبَر عنه أيضاً، وكذا تُرَدُّ شهادَتُه، لو كان يصف الأعضاء الباطنة؛ لما فيه من هَتْك السِّتر، فإن كانَتِ التي شَبَّب بها جارَيتَهُ، أو زوجَتَه، فمن الأصحاب من قال بأنه يجُوز، ولا تُرَدُّ شهادَتُه، وهذا القائل يقول: لو لم تكن المرأةُ معينةً لا تردُّ شهادته لجواز أن يريدَ من تحِلُّ له، ومنهم من قال: تُردُّ شهادتُهُ إذا كان يذْكُر جاريته أو زوجته بما حقُّه الإِخفاء؛ لأنه ساقِطُ المروءة، وهذا هو الحقُّ، عَلَى ما سيأتي في "فصْل المروءةِ" ولو كان يشبِّب بغلامٍ، ويذْكُر أنه يعْشَقُه، قال القاضي الرويانيُّ يفسق، وإن لم يعين؛ لأن النظَر بالشَّهْوة إلى المذكور حرامٌ بكل حال، وفي "التهذيب" وغيره: اعتبارُ التعْيِين في الغُلام، كما في المرأة، وإذا كان يمْدَحُ الناسَ، ويُطْرِي نُظِر؛ إن أمكن حمْلُه على ضَرْب مِبالغةٍ، فهو جائز، ألاَ تَرَى أن رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَمَّا مُعَاوَيةُ، فَصُعْلُوكٌ؛ لاَ مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ 3 ومعلومٌ أنه كان يضَعُ كثيراً، وإن لم يكُنْ حملُه على المبالغَةِ، وكان كذباً محْضاً، فهل هو كسائر أنواع الكَذِبِ، قال عامة الأصحاب -رحمهم الله- وهو ظاهر كلامِ الشافعيِّ -رضي الله عنه-: نعم، حتَّى إذا أكثر منه، رُدَّتْ شهادته، كما إذا أكثر الكَذِبَ في غَيْر الشِّعْر،
وعن القفَّال والصيدلانِّي: لا يلتحق بالكذب؛ لأن الكاذبَ يَرَى الكَذِبَ صدْقاً، ويروِّجه، ولَيْس غَرضَ الشَّاعِر أن يَصْدِق في شِعْره، وإنَّما هو صناعة، وعلَى هذا، فلا فَرْق بين القليل والكثير، وهذا حسنٌ بالغٌ، وينبغي أن يُقَالَ على قياسه: إن التَّشْبِيب بالنِّساء والغلمان من غير تَعْيين لا يخلُّ بالعدالة، وإن أكثر منه؛ لأن التَّشْبِيب فَنٌّ وغَرَضُ الشاعر إظهارُ الصنعة في هذا الفَنِّ تحقيق المذكور، وكذلك ينبغي أن يكونَ الحُكْم لو سمَّى امرأةً لا يدْري من هي.
الخامسة: القولُ في تحْريمُ لُبْسِ الحرير وتحريم الجلوس علَيْه والتحلِّي بالذهب قد سبق في صلاةِ الخَوْف والعِيدَيْن والزكاةِ، فلا نعيدُه، بقي في الفَصْل بعْدَ هذه المسائِلِ كلامان:
أحدُهُمَا: ما حكَمْنا بإباحته في هَذِهِ الصُّورة يقتضي الإِكْثَار منْه ردَّ الشهادةِ، لكَوْنِه خَارِماً للمروءة فمن داوم على اللَّعِب بالشِّطْرنج والحَمَام، رُدَّتْ شهادته، وإن لم يقترن به ما يوجِبُ التحريم؛ لِمَا فيه من ترك المروءة، وكذا من داوم علَى سماع الغناء أو على الغناء، وكان يأتي النَّاسَ ويأتيه الناسُ لذلك، وكذا، لو اتخذ غلاماً أو جارية ليغنيا للنَّاس، وكذا المداومةُ على الرقْص وضرْبِ الدفِّ، فإنَّ الإِكثار من جميع ذلك إعراضٌ عن الجِدِّ ودخُولٌ في زمرة الهازلين الذين تشوبُهُم الظُّنون، ولا يوثَقُ بقولهم، وكذا إنشاءُ الشِّعْر وإنشادُهُ، إذا أكثر منه، فترك به مُهِمَّاتِه، كان خارقاً حجابَ المُرُوءة، كذا ذكره الإِمامُ، قال: وكذا الشاعرُ يكتسب بشِعْره، والمَرْجِعُ، في المداومة والإِكثارِ إِلى العادَةِ، ويختلف الأمر فيه بعادات النَّواحِي والبلادِ، ويُسْتَقْبَحُ قدر من شخْصٍ لَا يُستقبحُ من غيره، وللأمكنة تأثيرٌ فيه أيضاً، فاللعب بالشِّطْرنج في الخلوة مراراً لا يكون كاللَّعِب مرَّةً في السوق علَى ملأ من الناس، وقد ينساق هذا إلَى أن يُقَالَ: لما استمرت العادةُ بأن الشَّاعر يكتسب بشِعْره وعدّ صنعة الغناء المباح حرفةً ومكسباً، فالاشتغالُ به ممن يليق بحاله لا يكون تركاً للمروءة، وكلامُ الأصحاب محمُولٌ على من لا يليق بحالهِ وقدْ رأيتُ ما ذكرته في الشَّاعر يكتسب بشِعْره لابن القاصِّ، والله أعلم.
وقوله في الكتاب يخرم المُروءة في حق بعض الناس "فيه إشارة إلى ما ذكرنا.
الثاني: ما حكمنا بتحريمه في هذه المسائل كالنَّرْد، وسماع الأوتار، ولُبْسِ الحرير، والجُلُوسِ عليه، فهو من الكبائر حتَّى تردَّ الشهادة بالمرَّة الواحدة أو من الصَّغائر حتى يُعْتَبَر المداومةُ والإِكثارُ منْه وجهان؛ ميل كلام الإِمام إلَى ترجيح أولهما، والأشبه الثانِي، وهو المذكور في "التهذيب" وغيره، وزاد الإِمامُ شيئاً آخرَ، فقال: لِيُنْظَر أولاً إلى عادة القُطْر والناحية، فحيثُ يستعظمون النَّرْد، وَسماع الأوتار، تُرَدُّ الشهادةُ بالمرَّة الواحدة؛ لأن الإِقدامَ في مثْل تلْك الناحيةِ لا يكونُ إلاَّ من جَسُور منحلِّ عن ربقة
المروءة، فتسقط الثقة بقوله، وحيث لا يستعظمون، لا يكُونُ مطْلَقُ الإِقدام مُشْعِراً بتَرْكِ المبالاةِ، وسقطِ "المروةِ" فحينئذ يقع النظر في أنه من الصَّغائر أو الكبائر، وهذا ما عناه صاحبُ الكتاب بقوله "إلا في بلدة يَعْظُم عندهم" إلى آخره أي فتردُّ شهادته، وإن لم يَفْسُق وقوله: في أول الفصل "واللعب بالشطرنج" ليعلم "الشطرنج" بالحاء والميم والواو، "والحمام" بالحاء، والميم و"سماع الغناء" بالواو، وكذا قوله: "وإن كان فيه جلاجلُ" وكذا لفظ "النّرد" والمعازفُ هي الملاهِي التي يُلْعَبُ بها يُقَالُ: عَزَفَ عَزْفاً، واسْمُ المعَازِفِ تشْمَل الأوتار، والمزامِيرَ.
وقوله: "وما هو من شِعَار الشُّرْب" الشَّرب جمع شَارِبٍ كصَاحِبٍ وصَحْبٍ، ويمكن أن يقرأ بضم الشِّين أي شِعَار شُرْب الخمر.
وقوله: "ولكن لا تُرَدُّ الشهادة بالمرَّة الواحدة" يعلم بالواو.
وقوله: "وليس يخلو الإِنسانُ عن كِذْبَةٍ" إلى آخره محْضُ تكرارٍ، وقد ذكر في الفصل السابق ما يفيد معناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّصُ أَنَّ الحَنَفِيَّ إِذَا شَرِبَ النَّبِيذَ حُدَّ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ، وَوَجْهٌ أنَّهُ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخَمْرُ العِنَبِيَّةُ التي لم يَشبْهَا ماءٌ ولا طُبِخَتْ بنارٍ محرَّمةٌ بالإِجماع، ومن شربها عالماً بحالها، فهو محدودٌ مردود الشهادةِ، سواءٌ شرِبَ قدراً يُسْكِرَ أو قدراً لا يسكر، قال أصحابنا العراقيون: وكذلك حُكْمُ بائِعِها ومُشْتَرِيها في ردِّ الشهادة ولا تُردُّ الشهادة باتِّخَاذها وإمساكها، إن قصد به التخلل أو التخليل، والمطْبُوخ من عصير العنب المختلَفِ في تحريمِهِ وسائرُ الأنبذة، إِن شَرِب منها القدْرَ المُسْكِر، يُحَدُّ وتردُّ شهادته أيضاً، وإنْ شرب منها القَلِيلَ، فإِما أن يعتقدَ إباحَتَه، كالحنفيِّ، أو يعتقدَ تَحْرِيمه، أما الأولُ، ففيه ثلاثة أوْجُه:
أحدُها: أنَّه لا يحدُّ، لشبهة اختلاف العلَماءِ، ولا تردُّ شهادته؛ لأنه لم يرتكبْ ما يعتقدُهُ محظوراً حتَّى يسقط الوثُوقُ به.
والثاني: وبه قال مالكٌ: أنه يُحَدُّ وتُردُّ شهادته، أما الحدُّ، فلُقوَّةِ أدلَّة التحريم والحاجَةِ إلى الزَّجْر، وأما ردُّ الشهادة؛ فلأنه شَرِبَ ما يُسْكِر، فتردُّ شهادَتُه، كما لو سكر.
وثالثُها: وبه قَالَ أحمدُ: أنه يُحَدُّ ولا تُرَد شهادَتُه، وهو الأظْهَر عند عامَّة الأصحاب -رحمهم الله-، واستبعده المُزَنِيُّ، فقال: الحد أعظمُ من ردِّ الشهادة، فكيف يحَدُّ ولا تردُّ شهادته، قيل: هذا ذهابٌ منه إلَى أنه تردُّ شهادته، قيل كما يحدُّ، وقيل: بل إلَى أنه لا يحدُّ كما لا تردُّ شهادته، وأجاب الأصحاب بأن الحد إلى الإِمامِ، فاعتبر
فيه اعتقاده، وردُّ الشهادةِ يَعْتَمِد عقيدةَ الشَّاهد، ولهذا لو غَصَب جاريةً وَوَطِئَها على اعتقادِ أنه يَزْنِي ثم تبيَّن أنَّها كانتْ مملوكتَهُ يفْسُق وتردُّ شهادته، ولو وطئَ جاريةَ الغَيْر عَلَى ظنِّ أنها جاريتُهُ لا تردُّ شهادته، وأيضاً، فإنَّ الحدَّ للزجْرِ، وشرْبُ النبيذ يحتاج إلى الزجر ورد الشهادة لسقوط الثقة بقوله إذا لم يعتقد التحريم، لم تسقط الثقة، وأما إذا كان الشاربُ ممَّن يعتقدُ تحريمه، فإن قلْنا يُحَدُّ معتقِدُ الحِلِّ، فهذا أولَى، وإن قلْنا لا يُحدُّ، فوجهان.
أظهُرهما: المنْعُ أيضاً؛ لشبهة الاختلاف، وأما ردُّ الشهادة، فإنْ ردَدْناها هناك، فهاهنا أولَى، وإن لم نردَّها، فوجهان:
أحدهما: أن الجوابَ كَذَلك؛ لأنَّ استحلال الشَّيْء أشدُّ من فعله، وإذا لم تردَّ شهادة مستحلِّ الشُّرْب، فشهادة الشارب أولَى، وعلى هذا فإنما نحكم بالفسق وردِّ الشهادة، إذ ارتكب مُجْمعاً على تحريمه.
والثاني: أنها تردُّ؛ لأنه، إذا لم يرتكبْ ما يعتقده محْظوراً، لم تؤْمَنْ جرأته علَى شهادة الزور وسائِرِ المحْظُورات، والأظْهَرُ من الوجْهَيْن الأول عنْد ابن الصَّبَّاغ وصاحب "المهذب" وَيُحْكَى عن ابن أبي هُرَيرْة، والثاني عند القاضي أبي الطيِّب الرويانِّي وغيرهما، ويحكى، عن أبي إسحاق، وهو الذي أورده الإِمامُ ويوافقُه ما حَكَى الرويانيُّ في "جمع الجوامع" عن القفَّال أنَّ من نكح بلا وليِّ، ووطئ، لا تُرَدُّ شهادتُه، إن اعتقد الحِلَّ، وتُردُّ، إن اعتقد التحريمَ، وعلى هذا قياسُ سائر المجتهدات، لكنْ قد حُكِيَ عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه لا تُردُّ شهادةُ المستحلِّ لنكاحِ المُتْعَة، والمفْتي به والعَامِل به، ونقل أبو الفيِّاض مثْلَه 1 في تتمة "الجامع الصغير" لأبي حامد القاضي، والفَرْقُ في الحدِّ حيث أوجبناه في شرْب النبيذ على الظاهر، ولم نوجبْه في الوطء بالنكاح بلا وليٍّ مذكورٌ في النكاح.
وقوله في الكتاب "إذا شرب النبيذَ" يعني القدْرَ الذي لا يسكر، فأما إذا شرب ما أسْكَره، فَسَق بلا خلاف، وأَعْلِم قولَهُ "وقُبِلَتْ شهادَتُه" بالميم، وقوله "لا يحدُّ" بالألف؛ لما عرَفْتَهُ، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الوَصْفُ الثَّانِي: المُرُوءَةُ: فَمَنْ يَرْتَكِبُ مَا لاَ يَلِيقُ بِأَمْثَالِهِ مِنَ المُبَاحَاتِ بِحَيْثُ يُسْخَرُ بِه كالفَقِيهِ يَلْبسُ القَبَاءَ وَالقَلَنْسُوَةَ وَيَأْكُلُ وَيَبُولُ فِي الأَسْوَاقِ أَوْ أَكَبَّ عَلَى اللَّعبِ بالشِّطْرَنْجِ أَوِ الحَمَامِ أَوِ الرَّقْصِ أَوِ الغِنَاءِ فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى خَبَل في عَقْلِهِ أَوْ قِلَّةِ مُبَالاَةٍ فِيهِ فَتَسْقُطُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالأَشْخَاصِ وَالأحْوَالِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ شَهَادَةَ الكَنَّاس والدَّبَّاغ وَالحَجَّامِ وَالحَائِكِ وَذَوِي الْحِرَفِ الخَسِيسَةِ مَقْبُولَةٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ صنْعَةِ آبَائِهِمْ، فأَمَّا اخْتِيَارُ ذَلِكَ مِمَّنْ لاَ يَلِيقُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى خَبَل فِي العَقْلِ وَيَخْرُمُ المُرُوءَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأشْهَرُ والأحْسَنُ من اصطلاح الأصحاب -رحمهم الله- إخراجُ المروءة عن حدِّ العدالةِ، وعدُّ المروءة صفَةً برأسها، وعلَى ذلك جَرَى في الكتاب، ومنْهم مَنْ يُدْرج المروءة في العدالة، وكذلك السابقة، وهي التكليفُ، والإِسلامُ، والحريَّةُ، ويقولُ: العدل هو الذي تعتدلُ أحواله دِينًا ومُروءة وأحكاماً، فالاعتدال في الدِّين أن يكونَ مُسْلِماً عفيفاً، وفي المُروءة ما يبينه هذا الفصلُ، وفي الأحكام: ألاَّ يكونَ نَاقِصَ الحكْمِ بِصِباً أو جنونٍ أو رِقٍّ، والفقهُ أنه لا يُقْبَلُ شهادةُ من لا مُروءة له، لأن طرح المُروءة، إما أن يكون بخبَلٍ ونقصانٍ أو لقلَّة مبالاةٍ وحياءٍ، وعلى التقديرَيْن تَبْطُل الثقَةُ والاعتمادُ بقوله: أما المُخَبَّل، فظاهر، وأما من لا حياء له فيصنع ما شاء على ما ورد معناه في الحديث 1، وفي ضَبْط المروءةِ عباراتٌ متقاربةٌ، قيل: صاحبُ المروءةِ هو الذي يَصُون نفْسَه عن الأدناس، ولا يشينها عنْد الناس، وقيل: الذي يتحرَّز عما يُسْخَر منه ويُضْحك به، وقيل: الذي يسير سيرةَ أمثاله في زمانه، وكأنه ممن ترك المروءة لبس ما لا يليق بأمثاله كما إذا لبس الفقيهُ القَبَاء والقَلنسُوة وتردد فيهما في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء فيها بلبس هذا النوع من الثياب كما إذا لبس التَّاجرُ ثَوْب الجمَّالِين، أو تعمَّم الجَمَّال، أو تَطَيْلَسَ، أو ركِبَ البغْلَة الثمينة، وتطوَّف في الأسواق مكشُوفَ الرأس، ويتخذ نفْسه ضحكةً، ومنه المشْيُ في الأسواق مكشوفَ الرأْس والبدن، إذا لم يكُنِ الشخصُ ممَّن يليق به مثلُه، وكذا مدُّ الرِّجلَيْن في مجالس الناس، ومنه الأكلُ في السوق، والشُّرْب من سقايات السوق، إلا أن يكون الشخصُ سُوقيّاً أو شَرَبِ لغَلَبة عَطَش، ومنه أن يُقَبِّلُ الرجلُ زوجتَهُ أو جاريتَهُ بيْن يدَي الناس، وحَكَى لهم ما يجري في الخَلْوة، وأن يكثر من الحكايات المضْحِكَة، ومنْه: أن يخرج عن حسن العشْرة مع الأهْل والجيران، والمعامِلِينَ، ويضايق في اليسير الذي لا يستقصى فيه،
ومنه الإِكباب على اللَّعِب بالشِّطْرنجِ والحَمَامِ والغناءِ علَى ما سبق، ومنه أن يبتذل الرجُلُ المعتبرُ بنقل الماء والأطعمة إلَى بيته، إذا كان ذلك عن شحِّ وضنَّة وإذا كان عن استكانةٍ واقتداء بالسَّلَف التارِكِينَ للتكليف، لم يقدح ذلدُ في المُروءة، وكذا لو كان يلبس ما يجدُ وياكل حيث يجدُ؛ لتعلُّله وبراءته من التكلُّفات العاديَّة، وهذا يعرف بتناسب حال الشخص في الأعمال والأخلاق وظُهُورِ مخايِلِ الصِّدْق ولا يبديه، وقد يُؤثِّر فيه الزيّ واللبسة وأهل الحِرَفِ الدنيَّة؛ كالحجَّام والكنَّاس والدَّبَّاغ والقَيِّم في الحمام والحَارِس والنَّخَّال، قال صاحبُ "التهذيب" وغيره: والإِسكافُ والقَصَّاب في شهاداتهم وجهان:
أحدهُمَا: أنها لا تُقْبَل؛ لأن اشتغالهم بهذه الحِرَف ورضَاهُمْ بها يُشْعِر بالخسَّة وقلَّة المروءة.
فأصحهما: القَبُول؛ لأنَّهَا حرفٌ مباحةٌ، والناسُ محتاجون إلَيْها، ولو ردَدْنا شهادتهم، لم يُؤْمَن أن يتركُوها، فيعمَّ الضررُ، وفي الحياكة طريقان:
أحدُهُمَا: القطْع بالقبول، واختاره القفَّال، توجهاً بأن محلَّ عملهم ما هو محلّ عمل الخياط، إلا أن هذا منسوج وذلك غير منسوج.
وأشبَهُهُمَا: طرد الوجهَيْن، لإِزراء الناس بهِمْ، وعدِّهم النسبة إلى الحياكةِ سبّاً وإيذاءً، وَحَكَى أبو العباس 1 وجْهاً فارقاً بْين ما يُحْوِج إلَى مخامَرَةِ القاذورات، والنجَاسَات وبَيْن ما لا يحوج إلَيْه، فيقع الحارسُ والنَّخَّالُ والحائِكُ في القسْم الثانِي، والباقُونَ في الأَوَّل، وفي كتاب القاضي ابن كج أنَّ بعْضَ الأصحاب ألحقَ الصَّبَّاغِينَ والصَّوَاغِينَ بمَنْ تُردُّ شهادتهم، والصَّحيحُ القطعُ بالقبول، نعم، من يكثر منهم ومن سائر المحترفة الكذب والخُلْفَ في الوعد، تُردُّ شهادته لذلك، ثم الكلام في موضع الوجهَيْن من وجهَيْن:
أحدُهُما: قال صاحبُ الكتاب: الوجهان فيمن يليقُ به هذه الحِرَفُ، وكان ذلك من صنعة آبائه، فأما غيره، إذا اختارهاَ، واشتغل بها، سقَطَت مُرُوَّته، وهذا حَسَنٌ، وقضيته أن يُقَالَ: الإِسكافُ والقَصَّاب، إذا اشتغلا بالكَنْس بَطَلَتْ مروءتهما بخلاف العَكْس 2.
والثاني: الَّذِينَ يخامِرُون النَّجَاساتِ، إنَّما يجري فيهم الوجْهان، إذا حافَظُوا على الصلوات، واتخذوا لها ثياباً طاهرةً، وإلا، فتردُّ شهادتُهم بالفِسْق 3.
فَرْعٌ: الذي يترك السُّنَنَ الرواتِبَ وتسبيحاتِ الرُّكوع والسُّجودِ أحياناً، لا تُرَدُّ شهادته، وإن اعتاد ترْكَها رُدَّتْ شهادتُهُ؛ لتهاونه بالسُّنَنِ، ذكره في "التهذيب" وسببه إشعارُ هذا التهاوُنِ بقئةِ المبالاةِ والاهتمام بالمهمَّات، وحَكَى الشيْخُ أبو الفَرَجِ في غير الوتر وركعتَي الفجر من الرواتِب وجْهاً، أنه لا تردُّ الشهادة باعتياده ترْكَها، وعن نصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أن المَستحِلَّ للأنبذة، إن كان يديم المقاومة علَيْها والحُضُورَ مع أهل السَّفَه، رُدَّتْ شهادته؛ لطرْحِهِ المروءة، وإن لم يفسق المستحلُّ وشهادةُ الطوافِ على الأبواب وسائر السؤال مقبولةٌ إلا أن يُكْثِرَ الكذبَ في دعوى الحاجة، وهو غيرُ محتاجٍ أو يأخذ مَا لا يحِلُّ له أخذه، فيفسق لذلك، وعن أبي حنيفة ردُّ الشهادة بسبب الطَّوْفِ على الأبواب، وهو قضية الوجْه الذاهب إلَى ردِّ شهادة أصحاب الحِرَفِ الدنيئة؛ لأن اختيارَ ذلك يدلُّ على الخسة.
وقوله في الكتاب "أو أكبَّ على اللَّعِبِ بالشطرنج أو الحَمَام، أو الرقْصِ، أو الغناءِ" مكرره، قد ذُكِرَ من قبلُ ما يفيده.
وقوله: "والحائك" يجوز إعلامه بالواو؛ لطريقة مَنْ قَطَع بقبول شهادَتِه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الوَصْفُ الثَّالِثُ: الانْفِكَاكِ عَنِ التُّهْمَةِ: وَلَهَا أَسْبَابٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَجُزَّ إِلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ نَفْعاً كَمَنْ يَشْهَدُ أَنَّ فُلاَنًا جَرَحَ مُوَرِّثَهُ، أَوْ يَدْفَعُ كَالعَاقِلَةِ إِذَا شَهِدَتْ بفِسْقِ شُهُودِ القَتْلِ الخَطَأ فَلاَ يُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَ بِمَالٍ آخَرَ لِمُوَرِّثِهِ المَجْرُوحِ أَوِ المَرِيضِ قُبِلَ، وَلَوْ شَهِدَا لِرَجُلَيْنِ بِوَصيَّةٍ لَهُمَا مِنْ تَرِكَةٍ فَشَهِدَ لِلشَاهِدَيْنِ أَيْضاً بِوَصِيَّة فِيهَا قُبِلَتِ الشَّهَادَاتُ (ح)، وَكَذَا رُفَقَاءُ القافِلَةِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ ظَنِينٍ وَلاَ خَصْمٍ" والظنين المتهَّمُ، وللتُّهمة أسبابٌ:
منها: أن يجر إلى نفسه بشهادته نفْعاً أو يَدْفع بها ضرراً، فلا تُقْبَلُ شهادةُ السيد لمكاتَبِهِ ولعبده المأذُون 1 بدَيْنٍ ولا عَيْنٍ، ولا شهادةُ الوارثِ لِمَنْ يرثه، ولا شهادةُ الغريمِ للميِّت، ولا للمفْلِسِ المحْجُور عليه، وتُقْبَلُ شهادةُ الغريم لمديونه الموسِرِ،
وكذا المعْسِرِ قبل الحجْرِ في أصحِّ الوجهين؛ لأن قبل الحجْرِ يتعلَّق الحقُّ بذمته لا بعَيْن أمواله.
والثاني: المنع؛ لأن المِعْسر لا مطالبة عَلَيْه، فإذا أثبت له شيئاً، أثبت لنفسه المطالبة، ولا تُقْبَلُ شهادةُ الضَّامِن للمَضْمُون عنْه بالأداء أو الإِبْرَاء ولا شهادة الوكيل للموَكِّل فيما هو وكيلٌ فيه، ولا شهادةُ الوصِّي والقيِّم في محلِّ تصرُّفهما، ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو شريكٌ فيه بأنْ يقولَ: هذه الدارُ أو العبْدُ بَيْنَنَا، ويجوز أن يشهد بالنصْف لشريكه، ولا تُقْبَلُ شهادةُ الشريك لشريكه ببَيْع الشِّقْصِ ولا للمشْتَرِي من شريكه؛ لأن شهادتَهَ تتضمَّن إثباتَ الشُّفْعَة لنَفْسِه، فإن لم يَكُنْ فيه شفعةٌ بأن كان ممَّا لا ينقسم، قال الشيخ أبو حامد: يُقْبَل، وكذا لو عفا عن الشفعة، ثم شَهِد، ولو شَهِد أن فلاناً جرح مورثه، لم يُقْبَل للتهمة، ولو شَهِدَ بم الآخر لمورثه المجروح أو المريضِ، نُظِر؛ إن شهد بعد الاندمال، قُبِلَ، إلا أن يكون من الأصول أو الفروع، وإن شَهِدَ قبل الاندمال، فوجهان:
أحدُهُما: وبه قال أبو إسحاق: لا تُقْبَلُ كما لو شَهِدَ أن مورثه جرح.
وأصحُّهُمَا: القبول، والفرق أن الجرح سببُ المَوْتِ الناقل للحقِّ، فإذا شهد بالجرح، فشهادته بالسبب الناقل للحق، وهاهنا بخلافه، وهذا الوجْهُ هو الذي أورده صاحبُ الكتاب هاهنا، وذكر الوجهين معاً في كتاب "دعوى الدم" وفي شرح "أدب القضاء" لأبي عَاصم العبَّاديِّ أنه لا تُقبلُ شهادة المودع للمودع، إذا نازعه أجنبيٌّ في الوديعة؛ لأنه يستديم اليَدَ لنفسه وتنقل للأجنبي في الوديعة وكذا شهادة المرتهن للرَّاهن، لا تُقبلُ، ويقبلُ للأجنبيِّ، وأنَّ شهادة الغاصِب على المَغْصُوب منْه لا تقبل لفسْقه، ولأنه ينقل الضمان الثابِتَ علَيْه من المستحقِّ إلَى غيره، ويدفع مؤنة الرِّدِّ، فإِن شهد بعد الردِّ، قُبِلَتِ الشَّهَادة، وإنْ شَهِدَ بعْد التلف، لم تُقبلْ، لنقل الضمان، وأنَّ شهادة المشتري شراءً فاسداً بعْدما قبض لا تُقْبل للأجنبيِّ؛ لمثل ذلك، وأنَّ شهادةَ المشتَرِي شراءً صحيحاً بعْد الإِقالَةِ والرَّدِّ بالعَيْب لا تُقْبَل للبائع؛ لأنه يستبقي لنفسه الغلاَّتِ والفوائَد، إذا كان المدَّعِي يدعي المِلْكَ من تاريخ متقدِّمٍ على البيع، ولو شهد بعد الفسخ بخيارِ الشرطِ أو المجلسِ، فوجهان؛ بناءً على أنه يرفع العقْدَ من أصله وترتد الفوائدُ إلى البائع لا مِنْ حينه، أَمْ من حينه ولا ترتدُّ، وأنه لو كان لميت دَيْنٌ على شخصَيْن، فشهد أجنبيان لرَجُلٍ بأنه أخو الميِّت، ثم شهد الغريمان لآخر بأنَّه ابْنُهُ، لم تُقْبل شهادة الغريمَيْن؛ لأنهما ينقلان ما وجَب للأخِ عليهما إلَى من يشهدان له بالبنوَّة بخلاف ما لو تقدَّمت شهادة الغريمَيْن، وأنه لا تُقْبَلُ شهادة الوارثين عَلَى موت المورِّث وشهادة المَوصَى لهما على موت المُوصِي، وتُقبل شهادةُ الغريمَيْن علَى موت من له
الدَّيْن؛ لأنهما لا ينتفعان بهذه الشهادةِ، ولا ينظر هاهنا إلى نقل الحق من شخص إلى شخص لأن الوارث خليفةُ المورِّث، فكأنه هو، ذكَر ذلك كلَّه القاضِي أبو سعْدٍ الهرويُّ شارحه، وإذا شهد شهودٌ بقتل الخطأ، فشهد اثنانِ من العاقلة بِفِسْقِ الذين شَهِدُوا بالقتل لم يُقْبَلُ شهادَتُهما؛ لأنهما يدْفعَانَ ضَرَر التَّحمُّل، وكذا لو كان أحدُهُم مزكياً بجُرْح شهودِ القَتْل، وكذا لو شهد اثنانِ عَلَى مِفْلِسٍ بدَيْن، فشهد غرماؤه الظاهرون بفسقهما، لم يُقْبَلْ شهادتهم؛ لأنهم يدْفَعُون بها ضَرَر مزاحمةِ المدَّعِي ولو شهد اثنانِ لاثنين بوصيَّة من تركةٍ، فشهد المشهودُ لَهُمَا للشاهدَيْن بوصيَّةٍ من تلْك التركةِ أو شَهِدَ الواحدُ فشهد المشهود له مع آخر بوصيَّة للشاهدَيْن، فعن صاحب "التقريب": أنها لا تُقْبَلُ لتهمة المواطأَة، ويُقال: إنه رواه الربيع عن النصِّ، ومذهب أبي حنيفَة، وليكن المنعُ المطْلَقُ فيما إذا شَهِد الآخران قبل أن يحكم القاضي بشهادة الأوَّلَيْن، فإِنْ حكم ثُمَّ شهد الآخران، فيجوز أن يختص المنعُ بالآخَرين، ويجوز أن يُجْعَل بمثابةِ ما إِذَا بانَ فِسْقُ الشهود بَعْد الحكم، والصحيحُ قبولُ الشهادَتَيْنِ؛ لأنَّ كلَّ بينةٍ منفصلةٌ عن الأخرَى، ولا يجرُّ شاهد بشهادته نَفْعاً إلَى نفسه ولا يدفع بها ضرراً؛ ولذلك نقول: رفقاءُ القافلة يجُوزُ أن يَشْهَدَ بعضْهُم لبعضٍ في قطْع الطريق، إذا قال كلُّ واحد منْهم: أخذ مالي فلانٌ، ولم يقلْ: مالَنَا، على ما هو مذكورٌ في "باب قاطع الطريق".
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: البَعْضِيَّةُ: فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَلَدِ وَالوَالِدِ، بَلْ لِلْفُرْوعِ وَالأُصُولِ وَكُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَتَقْبَلُ (ح م) شَهَادَةُ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ للآخَرِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالزِّنَا مَعَ ثَلاَثةٍ مِنَ العُدُولِ، وَتُقْبَلُ عَلَى الوَلَدِ وَعَلَى الوَالِدِ وَإِنْ كَانَتْ بِعُقُوبَةٍ.
وَفِي حَبْسِ الوَالِدِ بِدَيْنِ وَلَدِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ شَهِدَ بِمَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ وَلَدِهِ وَأَجْنَبِيِّ رُدَّ فِي حَقِّ وَلَدِهِ، وَفِي حَقِّ الأَجْنَبِيِّ وَجْهَانِ لِتَبْعِيضِ اللَّفْظِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب التهمة البعضيةُ، فلا يُقْبَلُ شهادةُ الوالدِ لولدِهِ، ولا لوَلَدِ ولدِهِ، وإن سَفَل، ولا شهادةُ الولَدِ لوالدِهِ، ولا لواحِدٍ من أصولِهِ، وإن علا؛ لأن المشْهُود له بعضُهُ، فشهادته له كشَهَادَتِه لنفسه، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلاَ خَائِنَةٍ، وَلاَ ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ" 1 ورُوِيَ في الخَبَرِ "لاَ يَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلِدِ، وَلاَ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ" وعن ابن القاصِّ رواية قولٍ عن القديم: أَنَّ شهادة كلِّ واحدٍ منهما للآخِرَ مقبولةٌ، وبه قال المُزَنِيُّ واختاره ابْنُ المُنْذِرِ -رحمهما الله- والمَذْهَبُ الأَوَّلُ وساعدنَا عليه أبو حنيفةَ -رحمه الله- وكذلك مالكٌ فيما نقله ابنُ الصَّبَّاغ -رحمهما الله- وغيره، وفي "التهذيب" أن عنده تُقْبَلُ شهادة الولَدِ للوالِدِ، ولا تُقْبِلُ شهادة الوالِدِ للولد؛
لأن الولَدَ ومالَهُ لأبيه 1، وهذه رواية عن أحمدَ -رحمه الله- وعنه روايةٌ أخرَى كمذهبنا روايةٌ ثالثة أنها تقبل من الطرفَيْن، إذا لم يظهرْ تهمةٌ بأن شهِدَ بالنكاح أو الطلاق أو شَهِدَ بالمال، وهو غنيٌّ، ولا تُقْبَلُ شهادةُ الوالِدِ للولَدِ وبالعكس، ولا تُقْبَلُ الشهادة لمكاتَبِ الولَدِ والوالِدِ وما دونَهُما، ولو شهِدَ اثنانِ أنَّ أباهما قذَفَ ضرَّةَ أمِّهِما، ففي قبول شهادَتِهما قولانِ، ويُقَالُ: إن المُزنيَّ نقلهما في "الجامع الكبير":
أحدُهُما: المنع؛ لأن القبول يُحْوِجُه إلى اللِّعان، وأنه سببُ الفرقة فشهادَتُهما تجرُّ نفعاً إلَى أمهما.
وأصحُّهُمَا: القبولُ ولا عبرةَ بمثل هذا الجرِّ وذكر في "المهذَّب"؛ أن الأول من القولَيْن القديمُ.
والثاني: الجديدُ، ويجربان فيما لو شهد أنَّه طلَّق ضَرَّةَ أمِّهما وخالَعَها، ولو ادَّعت امرأةٌ بالطلاق، وشهد لها ابناها، لم تُقْبَلْ شهادتُهما، ولو شهِدَا حسبةً ابتداءً قُبِلَتْ، وكذلك الرِّضاع، ولو شهِدَ الأبُ مع ثلاثةٍ على زوجة ابنه بالزنا، فإن سبق من الابن
قَذْفٌ، فطُولِبَ بالحدِّ، فحاول إقامة البينة، لدفع الحدِّ عن نفْسه، لم تُقبْل شهادتُهُ للابن، وإن لم يقذف أو لم يُطَالِبْ بالحدِّ، وشهد الأبُ حسبةً، قُبِلَتْ شهادتُه، وهل تُقْبل شهادةُ أحَد الزوجين للآخر؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، وبه قال أبو حنيفة، ويُرْوَى عن مالكٍ وأحمدَ أيضاً -رحمهم الله- لأنَّ كل واحدٍ منهما وارثٌ لا يُحْجَب، فأشبه الأب والابن.
وأصحُّهما: القَبُول؛ لأنَّ الحاصلَ بينهما عقْدٌ يطرأ ويزولُ، فلا يمنع قَبُولَ الشهادة، كما لو شهد الأجيرُ للمستأجر، وزاد بعضهُم قولاً آخر فارقاً، وهو ردُّ شهادة الزوْجَة لزوْجها دون شهادة الزوجِ لزوجته؛ لأنَّها تستحقُّ النفقة علَيْه، فهي متهمةٌ، والأقوال كالأقوال في قطْع أحدهما بسَرَقِة مالِ الآخرِ، وحَكَى صاحبُ "التهذيب" طريقةً قاطعةً بالقَبُول ورجَّحها، وتُقْبَلُ شهادة أحد الزوجَيْن على الآخر إذ لا تهمة، إلا أن الزَّوْج لا تُقبل شهادتُه عَلَى زوجته بالزنا؛ لأنه ينسبها إلَى خيانةٍ في حقه، فلا يُقْبَلُ قوله، كما إذا ادَّعى المالكُ خيانةً علَى المودَع، ولأنه خَصْمٌ لها فيما يقوله وتقبل شهادةُ الوالد على الولد، وبالعكس، فإنَّه لا تهمة، ولا فَرْقَ بَيْن أن تَكُونَ الشهادةُ بمالٍ أو عقوبةٍ، وفيه وجه أنَّه لا تُقْبَلُ شهادةُ الوَلَد على الوالد بالقصاص وحدِّ القذف؛ لأنه لا يجوز أن يكون الابنُ سبباً لعقوبة الأب، كما لا يقتصّ به، ولا يحدّ بقذفه، والظاهرُ الأوَّل ثم في الفصل فرعان:
أحدُهُما: وقد ذكره في "التفليس": في حبس الوالد بدَيْنِ الولد وجهان، وقد ذكرنا هناك أن الأصحَّ، عند صاحب الكتاب، الحَسْنُ، ويُقَالُ: إنَّه اختيار أبي زيْدٍ، وأنَّ الأصحَّ عند صاحب التهذيب، المَنْعُ قال الإِمامُ، وإلَيْه صارَ مُعْظَمُ أئمتنا -رحمهم الله- ونَقَلَ وجهاً ثالثاً، وهو أنَّهُ يحبس في نفقة ولَده، ولا يحبس في سائر الدُّيون، وهذا اختيار صَاحِبِ "التلخيص" وهو قريبٌ مما حكينا عن أبي حنيفةَ هناك.
الثاني: شَهِدَ بأن هذا العَبْد أو الدار لولَده ولفلانٍ الأجنبيِّ، فشهادته في حقِّ الولد مردودةٌ، وهل تُردُّ في حق الأجنبي؛ لأن الصيغة مُتَّحِدَةٌ، وقد اختلَّت برد بعض مقتضاها أو لا تُردُّ؛ لاختصاص المانع بالولد؟ فيه وجهان، ويُقال: قولان، والخلافُ كالخلافِ المشهورِ في تفريق الصفقة بل هو هو، وقد تعرَّضنا لهذا النَّوْع في مواضع.
وإذا عرفْتَ ما ذكرنا، أعْلَمْتَ قوله في الكتاب "فلا تُقْبَلُ" بالواو والزاي والألف.
وقولهُ: "والولد" بالميم؛ لرواية صاحب "التهذيب".
وقوله: "وتقبل شهادة أحد الزوجين" بالحاء والألف والميم.
وقوله: "على أحد القولَيْن" بالواو؛ للطريقة القاطِعَة.
وقوله: "وإن كانَتْ بعقوبةٍ" بالواو.
وقوله: "وكلُّ من يستحق النفقة لاَ حَاجَةَ إِلَيْه" لأن المقصود هاهنا الاستحقافُ بجهة القرابة.
وفي قوله: "بل الأصول والفروع" ما يفيد الضبْطَ.
فرع: عَبْدٌ في يد زيدٍ ادَّعَى مدعٍ أنه اشتراه منْ عَمْرو بعْدما اشتراه عمْروٌ من زيد صاحب اليد، وقبضه، وطالبه بالتسليم، وأنكر زيْدٌ جميعَ ذلك، فشهد ابناه للمدَّعِي بما يقوله، حكى القاضي أبو سعْدِ فيه قولَيْن.
أَحَدُهُمَا: ردّ شهادتهما؛ لتضمُّنها إثباتَ المِلْك لأبيهما.
وأصحُّهُما: القَبُولُ؛ لأن المقصود بالشهَادَةِ في الحال المدَّعِي، وهو أجنبيٌّ عنهما، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالثُ: العَدَاوَةُ: فَلاَ تُقْبَلُ عَلَى العَدُوِّ وَتُقْبَلُ لَهُ، وَالعَدَاوَةُ هِيَ الَّتِي تُظْهرُ الغَضَبَ وَتَحْمِلُ عَلَى الفَرَحِ بِالمُصِيبَةِ وَالغَمِّ بِالسُّرُورِ، وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِلصَّدِيقِ وَالأَخِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب التُّهمة العداوةُ، فلا تُقْبَلُ شهادة العدُوِّ على العدُوِّ، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا مَا رويَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، ولا خَائِنَةٍ، وَلاَ ذِي غُمْرٍ عَلَى أَخِيهِ" 1 وَيُرْوَى "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلاَ ظَنِينٍ" 2 قيل: المرادُ من الخَصْم العدُوُّ، والعداوةُ التي تُردُّ بها الشهادةُ هي التي تَبْلُغُ حداً يتمنَّى هذا زوالَ نعْمة ذاك، ويَفْرَح بمصيباته، ويحْزَنُ بمسراته، وذلك قد يكون من الجانبَيْنِ، وقد يكون من أحدهما،
فيختصُّ بردِّ شهادته على الآخر، فإن اقتضت العداوةُ إلى ارتكاب ما يوجِبُ الفسق، فهو مردودُ الشهادة على الإِطْلاق، وإذا عادَاهُ من يريد أن يشْهَد عليه، وبالغ في خصومه، فلَمْ يُجِب، وسكَتَ، ثَم شهد عليه، قُبِلتْ شهادته، وإلا اتخذ الخصماءُ ذلك ذريعةً إلَى إسقاط الشهادات، هكذا حكاه القاضي الرويانيُّ عن القَفَّال، وذكره جماعة، منْهم صاحبُ "التهذيب" وأورد في "باب اللِّعَان" بأنَّ شهادة المقْذُوف على القاذِفِ قَبْل طلب الحَدِّ مقبولةٌ، وبعْد الطلب غيرُ مقبولة؛ لظهورِ العداوة، وأنه لو شهد بعْدَ الطَّلَب، ثم عما، وأعاد تلْكَ الشهادة، لا يُقْبَل؛ كالفاسق، إذا شَهِد، ثم تَاب، وأعاد تلْكَ الشَّهَادة 1 وأنه لو شَهِد قبل الطلب، ثُمَّ طلب قبل الحكم، لم يحكم بشهادته، كما لو فَسَق الشاهِدُ قبل الحكم، لكنْ في "تعليق الشيخ" أبي حامد وغيره: أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- صَوَّر العدَاوَةَ الموجبة للرِّدِّ فيما إذا قذَفَ رجلٌ رجلاً، وادَّعَى عليه أنَّه قطَع الطريقَ علَيْه، وأخذ مالَهُ، فقال: يصيرانِ عدُوَّيْنِ، فلا تُقْبَلُ شهادةُ واحد منهما على الآخرِ، فاكتفى بالقَذْف دليلاً على العدَاوَة، ولم يَتعرَّض لطلب الحد، قال القاضي الرويانيُّ: ولعل القفَّال أرادَ غَيْر صورة القَذْف، ثم على ما ذكره في "التهذيب": الحكم غير منوط بأن يطلب المقذوفُ الحدَّ بل بأن يظهر العداوة؛ لأنه قال: لو شهدَ رجُلٌ عَلَى رجلٍ، وقال: قذفني، وقذف زوجَتِي، وفلاناً، ثم تُقْبَلْ شهادتَهُ لفلان؛ لأنه أظْهَرَ العداوةَ بقوله: قذفَنِي وقذف 2 زوْجَتِي، بيْنه وبين المشهودِ عَلَيْه، ولو قال: قذف أمِّي وفلاناً، لم تُقْبَلْ شهادته للأم، وفي قبولها لفلانٍ قَوْلاَ التَّبْعِيضِ، قال: لأن سبب الردِّ في الصورة الأولَى العداوةُ بينه وبينْ المشهود عليه، فيعمُّ أثرها، وسبب الرد في الصورة الثانيةِ البعضيَّةُ، فجاز أنْ يختصَّ أثرُهَا بالأمِّ والردُّ هنا للبعضيَّة، فلا يورث تهمة في غير الأم بالأم.
وقد يقول الناظِرُ: لِمَ كان قولُه: "قذَفَ زوْجَتِي" إظهاراً للعداوة، ولم يكُنْ قوله: "قذَف أمِّي" إظهاراً لها، وقد يقُول: إن كان قول المقذوف "قذفني" دليلاً على العَدَاوَةِ، فنَفْسُ قذْفِ القاذِفِ أدلُّ عليها، فهلاَّ اكتفى به كَمَا دلَّ عليه النصُّ، ولا شك أنه لو شَهِدَ عَلَى إنسان، فقذَفِ المشْهودُ علَيْه، لم يَمْنع ذلك من الحُكْم بشهادته، وقد نصَّ عليه.
والعداواتُ الدينيَّةُ لا تُوجِبُ ردَّ الشهادة، بل تُقْبَلُ شهادة المسلم عَلى الكافِرِ والسُّنَّيِّ على المبتَدِع، وكذا من أبغض الفاسِقَ لِفِسْقه، لم تُرَدِّ شهادته عليه، ولو قال العالم الناقد: لا تسْمَعُوا الحديثَ منْ فلانٍ فإنه مخلِّطٌ ولا تَسْتَفْتُوا منْه، فإنه لا يُحْسِن الفتوى لم تردَّ شهادته لأن هذا نُصْحٌ للناسِ، نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي الله عنه- وتقبل
شهادةُ العدُوِّ تهمَة، والعصبيةُ: نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي الله عنه- وتقبل شهادةُ العدُوِّ لعدوه إذ لا تهمةَ، والعصبيةُ: هو أن يَبْغَضَ الرجل؛ لأنه من بَنِي فلان إنِ انضم إليها دعوةُ الناس وتألُّفهم للإضْرار به، والوقيعةِ فيه، فيقتضي ردَّ شهادته عليه، ومجرَّدها لا يقتضيه، ولَيْسَ من العصَبية أن يُحبُّ الرجُلُ قومه وعمرته، فيقبل شهادته لهم وعليهم، ويقبل شهادة الصَّديق للصديق، كما يقبل للأخِ والعمِّ وغيْرِ الاْصول والفروع، وقال مالكٌ: لا تُقْبَلُ شهادةُ الصديقِ للصَّديقِ، وكذا شهادةُ الأخِ للأخِ، إذا كان منقطعاً إلَيْه بصلةٍ وَيبُّرُهُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةَ المُبْتَدِعَةِ إِذِ الصَّحِيحُ أنَّهُمْ لاَ يُكَفِّرُونِ، وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَطْعَنُ عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ وَيَقْذِفُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لأنَّها مُحْصَنَةٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جلُّ الفقهاء من أصحابنا وغير أصحابنا يَمْتَنِعُونَ من تكفير أهل القبلة، نعم اشتهر عن الشافعيِّ -رضي الله عنه- تكفيرُ الَّذِينَ ينْقُونَ علْمَ الله تعالَى بالمعدوم، ويقولون: لم يعلَمْ إلا الأشياء حتَّى يَخْلُقَها، وَرَوَى العراقيُّون عنه تكفير النافين للرُّؤْيَة، والقائلين بخَلْق القرآن، وأولَّه الإِمام -رحمه الله- وقال: ظنّي أنه نَاظَر بعْضَهم، فألزمه الكُفْر في الحِجَاجِ، فقيل: إنه كَفَّره فيمَنْ 1 يكفر، ولا تُقْبَلُ شهادته، ومن لا يُكَفَّر من أهل البدَع وإهواء، نصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "الأم والمختصر" علَى قبول شهادتهم، إلا شهادةَ قَوْم يَرَوْنَ الكَذِبَ كفراً، ويشهد أحدُهُم لصاحبه، إذا سمعه يقول: لي على فلانٍ أو عنْده كَذَا، فيصدقه بيمينٍ أو بغَيْر يمينٍ، ويشهد له اعتماداً عَلَى أنه لا يكذب وهؤلاء يُسَمَّوْنَ الخَطَّابِيَّةَ، والأصحابُ فيه عَلَى ثلاثةِ فِرَقٍ، ففرقةٌ جرَتْ على نصِّه في الكتابَيْن، وقبلت شهادةَ جَمِيعهم، وهم الأكثرون، منهم ابن القاصِّ، وابن أبي هريرة، والقفَّال، والقضاةُ ابن كج، وأبو الطيِّب، والرويانيّ -رحمهم الله- ووجَّهوه بأنَّ هؤلاء مُصِيبُون في زعْمهم، ولم يظْهَر منهم ما يسقط الثقة بقولهم، وفيهم طوائفُ يشدِّدون أمر الكذب، فيتأكد الظَّنُّ بصدقهم، وإلى هذا أشار الشافعيُّ -رضي الله عنه- بقوله: وشهادةُ من يَرَى كِذَبْه شِرْكاً بالله ومعصيةً يَجِبُ بها
النارُ أولَى أنْ يطيب النَّفْسُ بقبولها مِنْ شهادة من يخفِّف المأثم فيه وقبل هؤلاء شهادة من يسب هؤلاء الصحابة والسَّلف -رضي الله عنهم- فإنه يقدم عليه عَنِ اعتقادٍ لا عَنْ عداوةٍ، قالوا: ولو شَهِدَ خطابىٌّ، وذكر في شهادته ما يَقْطَع احتمالَ الاعتمادِ عَلَى قول المدَّعِي؛ بأن قال: سَمِعْتُ فلاناً يقر بكذا لهذا ورأيته أقره، قُبِلَتْ شهادته.
وفرقة أخرَى منْهم الشيخ أبو حامد ومن يحذو حذوه حملوا النصَّ على المخالِفِينَ في الفُرُوع، وردُّوا شهادة أهل الأهْوَاء كلِّهم، وقالوا: إذا ردَدْنا شهادَة من نفسِّقه، فأولَى أن نرُدَّ شهادَةَ من نضلِّله، وننسبه إلى البدعة.
وفرقةٌ ثالثةٌ توسَّطوا، فردَّت شهادةَ بعْضهم دون بعض، فعنْ أبي إسحاق أنه قال: من أنكر إمامةَ أبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- رُدَّتْ شهادتهُ؛ لمخالفة الإِجْمَاع ومن فضّل عليًّا على أبي بَكْر -رضي الله عنهم- لم تُرَدَّ شهادته، وردَّ الشيخ أبو محمَّد شهادةَ الذين يسُبُّون الصحابة -رضي الله عنهم- ويقْذفُون عائشةَ -رضي الله عنها- فإنَّها محصَنَةٌ على ما نطَقَ به القرآنُ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23] وقَذْف سائر المحصنات يُوجِبُ رَدَّ الشهادة، فقَذْفُها أولَى، وعلى هذا جَرَى الإِمامُ وصاحبُ "التهذيب" والمصنِّف -رحمهم الله- وخَيْرُ الأمور أوساطها، وفي "الرقْم" أن شهادة الخَوَارجِ مردودةٌ؛ لتكفيرهم أهل القبلة 1، ووافق أبو حنيفةَ الفَرقَةَ الأولَى من الأصحاب، ومالكٌ الثانية، وأحمدُ ردَّ شهادة ثلاثةِ أصنافٍ؛ القدريَّةِ، والجهمَّيةِ والروافضِ، فيجوز إعلام قولُه في الكتاب "وتُقْبَلُ شهادةُ المبتدعة" بالميم والألف والواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: بالتَّغَافُلُ: فَرُبَّ عَدْلٍ يَكْثُر سَهْوُهُ وَوَهَمُهُ وَلاَ يَسْتَقِيمُ تَحَفُّظُهُ وَضَبْطُهُ فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلاَّ إِذَا عُلِمَ أنَّهُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَحْتَمِلُ الْغَلَطَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب التُّهْمَةِ الغفْلَةُ وكَثْرَةُ الغَلَطِ، فلا تُقْبَلُ شهادةُ المغفَّل
الذي لا يحفظُ ولا يَضْبِطُ؛ لأنه لا يُوثَقُ بقوله، فإن شهد مُفَسِّرًا وبَيَّن وقْتَ التحمّل ومكَانَهُ، فزالَتِ الريبةُ عن شهادته، قُبِلَت، ولا تُقْبَلُ أيضاً شهادةُ منْ يَكْثُرُ غَلَطُهُ ونِسْيَانُهُ، وأما الغلَطُ القليل، فإنَّه لا يقْدَحُ في الشَّهَادة؛ لأنَّ أحداً من النَّاس لا يَسْلَمُ منه، قال الإمامُ -رحمه الله- ومُعْظَمُ شهادات العَوامِّ ويشوبها جهلٌ وغرَّةٌ، فيحوج إلى اسْتفصاله، كمَا مرَّ في "أدب القضاء".
قَالَ الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ: دَفْعُ عَارِ الكَذِبِ: فَمَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ: بِفِسْقِ فَتَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُة إِلاَّ إِذَا أَعَادَ تِلْكَ الشَّهادَةِ لأَنَّهِ يَدْفَعُ بِذَلِكَ عَارَ الْكَذَبِ، وَتُقْبَل الشَّهَادَة المُعَادَةُ مِنَ الْعَبْدَ وَالْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ إِذَا زَالَ نُقْصَانُهُم، وَهَلْ تُقْبَلُ الْمُعَادَةُ مِنَّ الْفَاسِقِ المُعْلِنِ وَالْعَدُوِّ والسَيِّدِ إِذَا شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ فِيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب التهْمَةِ: أن يدفع بالشهادَةِ عَارَ الكَذِب عَنْ نفسه، فإذا شهد فاسقٌ، فرد القاضِي شهادَتَه، ثم تاب، كما سنَصِفُ التوْبَةَ، فشهَاداتُهُ مقبولةٌ بعد ذلك، لكن لو أعاد تلْكَ الشَّهادة، لَمْ يُقْبَلُ، خلافاً للمزُنِّي، ولو شهد عبد أو كافرٌ أو صبيٌ، فلم يعتدَّ بشهادتهم ثم عَتَقَ العَبْدُ وأسْلَم الكافرُ وبلغ الصبيُّ، فأعادوا شهاداتِهِم، قُبِلَتْ، خلافاً لِمَالكٍ وأحْمَدَ -رحمهما الله- والفرق من وجهين:
أحدُهُما: أنَّ العدالَةَ والفسْقَ يدْرَكَانِ بالنَّظَر والاجتهادِ، والظاهرُ من حال المِسْلم العدالةُ، لكنَّ القاضِيَ بعْد البَحْث قد يؤدِّي اجتهادُهِ إِلَى فِسْق الشاهد، فيحكم بردِّها، وما حكم بردِّه لا يحكم بقوله؛ كعقدٍ أبطله لَيْس له أن يصحِّحه، والعبْدُ والصبيُّ والكافرُ ليس لهم أهليَّة الشهادَةِ، وما أتَوْا به لَيْسَ بشهادةٍ حتى يُقْبَلَ أو يُرَدَّ، ولو علم القاضي حالَهُم، لم يَصْغَ إَلى كلامهم، وهذا الفَرْقُ هو الذي أشار إليه الشافعيُّ -رضي الله عنه-.
والثاني: قال الأصحاب: العَبْدُ والكافر والصبىُّ لا يتعيَّر بردِّ الشهادة، أما العَبْدُ والصبيُّ، فليس إلَيْها نُقْصَانهُما، وأما الكافِرُ، فلا يعتقد كُفْره نقْصاً بل يفتخر به، ولا يبالي بردِّ شهادته، لتمسُّكه بدينه، والفاسقُ يتعيَّر بالردِّ؛ لأن الردَّ يُظْهِرُ فسْقَه الذي يسعَى في إخفائه ويعرف بأنه نقص، ولأنَّه متهمٌ بالكذب والمجازفة، إذا رُدَّت شهادته، فإذا أعاد تلْكَ الشهادة، فقد يريدُ دفْعَ غضاضةِ الكَذِب، أو يَرَى أنه كان القاضِي مخْطِئاً في ظن الفسْق به فلمَّا تبيَّن له خلافُه، قيل شهادته، وقد يتوهَّم أنه على فسْقه، لكن أظهر التوْبَة ليعيد الشهادةَ، ويدْفَع العَارَ ومثْلُ هذا لا ينقدحُ في بلوغ الصبي وما في معناه، فإن كان الفاسقُ مُعْلِناً بالفسْقِ حين شهد، ففي قَبُول شهادته المعادةِ بعْد التوبة وجْهَان، والأئمةُ إلَى أنَّها لا تقْبَل أيضاً أميلُ، واختاره القاضي الرُّوَيانيُّ، ويُنْسَبُ إلَى ابْن أبي هْرَيْرة، واختيارُ القاضي أبي الطيِّب القبولُ، ويُنْسَبُ إلَى أبي إسحاق، والوجهانِ
يُخرجَّان على الفَرْقَيْن إن قلْنا بالثاني، فرد شهادته لا يُظْهِر فسْقَه، فإنه ظاهرٌ، وهو غير مبالٍ بفسقه يعدُّه عاراً، كالكافر، فوجب أن يُقْبل وإن قلْنا بالأول، فقد جرى الحكم بردِّ شهادته لكن بفسقه هذا إنَّما يتضحّ أن لو أصغى القاضي إلَى شهادته مع ظهور فِسْقه، فإنَّه ظاهرُ، وهُوَ غَيْر مبالٍ بفسْقِهِ ثم ردَّها وفيه وجهان، الذي ذكره الشيخ أبو محمَّد، واستحسنه الإِمامُ -رحمهما الله- أنه لا يصغى إليها كشهادة العبدِ والصبيِّ، ولو كان الكافرُ مستسِرّاً بكُفْره، وردَّتْ شهادته، ثم أسلم، وأعادها حكى القاضي ابنُ كجِّ في قَبُولها وجهَيْن، لكنَّ قياس الفريقين جميعاً ألاَّ يقبل، أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّ شهادته تَحْتَاج إلى النَّظَر والاجتهاد؛ لاستسراره، فإذا جرى الحُكْم بردِّها، وجب ألاَّ يقبل، وأما على الثاني، فلأنَّ ردَّ شهادته يُظْهِر دينه، فيفتضح به ويتغيَّر، فيكون متهماً في الإِعادة.
ولو شهِدَ عَلى إنسان، فردَّت شهادتُه لعداوةٍ بينهما، ثم زالت العداوةُ فأعاد تلْك الشهادة، فوجهان أيضاً.
وجْهُ القَبُول: أن العداوة سَبَبٌ ظاهرٌ، فالرد بها لا يُورثُ عاراً، ووجه المنع: أنها شهادةٌ رُدَّتْ للتهمة، فإذا أعيدَتْ، لم يُقْبَلُ شهادة الفاسِقِ، وهذا أصحُّ؛ على ما ذكر صاحبا "المهذب" و"التهذيب" -رحمهما الله- ويجري الوجهان فيما لو شَهِدَ لمكاتَبهِ بمالٍ أو لعبْدِهِ بنكاحٍ، فردت شهادته، فأعادها بعْدَ عَتْقِهِما، والذي أجابَ به ابنُ القاصِّ في هذه الصورة القَبُولُ، ويجريان فيما إذا شَهِدَ اثنان من الشفعاء بعفوِ شفيعٍ ثالثاً قبل أن يعفو فردَّت شهادتُهما ثم أعادها بَعْدَ ما عَفَوَا وفيما إذا شهد اثنان يرثان من رجُلٍ بجراحةٍ عليه غيره مندملةٍ، فردت شهادتُهما، ثم أعادها بعد اندمال الجِرَاحَة.
فرع: عن "أمالي" أبي الفَرَج: شهد فَرْعَانِ على شهادة أصْلٍ، فردت شهادتُهما بفسق الأصلِ، فقد صارت شهادة الأصل مردودةً، فلو تاب، وشهدَ بنَفْسه، وأعاد الفرعان شهادتهما على شهادته أو شَهِدَ عَلَى شهادته فرعان آخرانِ، لم تُقْبَلْ، ولو رُدَّت شهادة الفرعين، لفسقهما، لم تتأثَّر به شهادةُ الأصْل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ بالمُبَادَرَةِ قَبْلَ الدَّعْوَى فَلاَ تُقْبَلُ، وَبَعْدَ الدَّعْوَى وَقَبْلَ الاسْتِشْهَادِ وَجْهَانِ، فَإنْ لَمْ تُقْبَل فَهَلْ يَصِيرُ بِهِ مَجْرُوحًا فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ جَلَسَ مُخْتَفِياً فِي زَاوِيَةِ لَتَحَمُّلِ شَهَادَةِ قُبِلَتْ (م و) وَلاَ تُحْمَلُ عَلَى الحِرْصِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمِنْ أَسبَاب التُّهْمَةِ الحِرْصُ عَلى الشَّهَادة بالمَبَادَرة، واعلم أن الحقوق على ضربَيْن، ضَرْبٍ لَا يَجُوز المبادَرَةُ إلَى الشَّهادة عَلَيْهِ، وضرب يجُوزُ، وتُسمَّى الشهادةُ عليه عَلى وجه المبادرة شهادةَ الحِسْبة، وستعرف أنواعها في الفَصْل التالي لهذا الفصْل: فحيث لا يجُوزُ، فالمبادُرِ متَّهم، فلا تُقْبلُ شهادته، وفي الخبر أنه -
صلى الله عليه وسلم- قال في مَعْرِضِ الذَّمِّ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يُعْطُونُ الشَّهِادَةَ قَبْلَ أنْ يُسْأَلُوهَا 1 وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا" 2 فَجُمِعَ بين الحديثين بحَمْلِ الثاني على ما يجُوز المبادرةُ إليه وحُمِلَ الأولُ عَلَى ما لا يجوز، والمبادرةُ أن يشهد من غير تقدُّم دعوى، فإِن شهد فِي غَيْر موضْح الحاجة بعْد الدعْوَى، وقبل أن يستشهد، فوجهان:
أحدُهِما: القبول؛ لأنَّه شهِدَ وقْتَ الحاجة إلَى إقامة البيِّنة، والأظهرُ المَنْع للتُّهمة، ولفظ الخَبَر الأوَّل شهد له، وهو الذي أورده في "التَّهْذيب" وإذا ردَدْنا شهادة المُبَادر، ففي صيرورته مجروحًا وجهان مشهوران في كَلاَم الأصحاب -رحمهم الله- أشبههما المنع ويحكى القطع عن أبي عاصم العبادي إن كانت المبادرة عن جهل منه وظاهر هذا الإِيراد كون الخلاف في سقوط عدالته على الإِطلاق ويؤيده أن القاضي أبا سعد الهروي قال: الوجهان مبنيان على أن المبادرة من الصغائر أو الكبائر لكن منهم من يفهم كلامه وقوع هذا الخلاف في قبول تلك الشهادة وحدها إذا أعادها لا في سقوط العدالة مطلقاً -هذا صاحب الكتاب يقول في الوسيط في باب دعوى الدم في وجه لا تقبل تلك الشهادة منه إذا أعادها كالشهادة المردودة بعلة الفسق وعلى وجه تقبل وعلى وجه إن تاب عن المبادرة تقبل، وفي التهذيب أن إذا قلنا يصير مجروحاً فلا يشترط استبراء الحال حتى لو شهد في حادثة أخرى تقبل فأشعر ذلك في اختصاص الخلاف في تلك الشهادة لا غير.
وتقبلُ شهادة من اختبأ وجلس في زاوية مستخفياً لتحمل الشهادة ولا تحمل على الحرص إذ الحاجة قد تدعو إليه بأن يقر مَنْ عليه الحق إذا خلا به المستحق ويجحد إذا
حضر غيره، وعن مالك أن المشهود عليه إن كان جلداً لا ينخدع فتقبل هذه الشهادة، وإن كان ممن يخدع فلا تقبل، وحكى الفوراني عن مذهب مالك أن شهادة المختبئ لا تقبل أصلاً، وأن للشافعي -رضي الله عنه- قولاً مثله في القديم، وأن على المذهب الصحيح يستحب أن يخبر الخصم أني شهدت عليك حتى لا يبادر إلى تكذيبه إذا شهد فيعذره القاضي، ولو قال رجلان لثالث توسط بيننا لنتحاسب ونتصادق على ألا تشهد علينا بما يجري، فهذا الشرط لاغٍ وله بل عليه أن يشهد بما علم 1.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الحِسْبَةِ ابْتِدَاءَ فِيمَا لِلَّهِ فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ كَالطَّلاَقِ وَالعِتَاقِ وَالخُلْعِ وَالعَفْوِ عَنِ القِصَاصِ وَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ وَفِي النَّسَبِ وَفِي شِرَاءِ القَرِيبِ المُوجِبِ لِلْعَتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل بيان ما تقبل فيه شهادة الحسبة وهو ما يتمحض حقاً لله تعالى أو له فيه حق مؤكد لا يتأثر برضى الآدميين فمنه الطلاق وهل تقبل شهادة الحسبة في الخلع؟ أطلق في التهذيب المنع، وقال الإِمام تقبل في الفراق ولا تثبت في المال، قال: ولا أُيعيرُ ثبوته تبعاً، ولا أن يثبت الفراق دون البينونة، ومنه العتاق ويستوي فيه العبد والأمة.
وقال أبو حنيفة: تقبل في عتق الأمة دون العبد.
تقبل في الاستيلاد قال في التهذيب ولا تقبل في التدبير وفي تعليق العتق به كان شيخي القاضي يقول: تقبل كالاستيلاد؛ كان الفرق عند من فرق أن الاستيلاد يفضي إلى العتق لا محالة وهما بخلافه، قال: وكذا لا تقبل شهادة الحسبة في الكتابة وإن أدى النجم الأخير شهدوا على العتق وفي شراء القريب وجهان: في وجهه تقبل شهادة الحسبة بحق العتق والأشبه وهو جواب القاضي الحسين المنع لأنهم يشهدون على الملك والعتق شيء مرتب عليه وليس كالخلع إذا قلنا يثبت بشهادتهم الفراق دون المال لأن المال في الخلع تابع وفي الشراء مقصود، فإثباته دون المال محال ومنه العفو عن القصاص فالصحيح وهو المذكور في الكتاب أن شهادة الحسبة مقبولة فيه وحكى القاضي أبو سعد الهروي فيه وجه آخر لأن ترك القاضي الدعوى مع الحرص على الحياة يورث التهمة في شهادتهم، ومنه تحريم الرضاع، ومنه الوقف فإن كان على جهة عامة فتقبل فيه شهادة الحسبة وكذا الوصية للفقراء، وفي الوقف على الجهات الخاصة وجهان عن الصيدلاني أن الجواب كذلك وهذا ما أورده الروياني في "جمع الجوامع" وحكى
الإِمام عن المعظم المنع لتعلقه بحظوظ خاصة قال صاحب الكتاب في الوسيط وهو الصحيح، ومنه النسب فعن القاضي الحسين أنه لا تقبل فيه شهادة الحِسْيَة، وحَكَم المصنِّف في الباب: الثالث بأنَّه الأصحُّ، الذي أورده الصَّيْدلانيُّ وصاحب "التهذيب" القَبُولَ، وهو الأظهر؛ لأنه متعلِّق بحقوق الله تعالَى، كالطلاق والعَتَاق، ومنه بقاءُ العدَّة وانقضاؤُهَا وتحريمُ المصاهرة، وكذا الزَّكَواتُ والكفاراتُ والبلوغُ والكُفْر والإِسُلام والحُدُود التي هي حقُّ الله تعالى، كحد الزنا، وقطع الطريق، والسرقة، لكن الأولَى فيها السْتُر، وفي حد السرقة وجهٌ آخر مذكورٌ في "باب السرقة" قال القاضي أبو سَعْدٍ، ومنه الإِحصانُ والتعديلُ، وقد ذكرناه في "التزكية" وأما ما هو حقُّ العباد كالقِصَاصِ وحدِّ القذف والبُيُوع والأقاريرِ، فلا تُقْبَلُ فيه شهادةُ الحسبة، فإن لم يعلم صاحب الحق بالحق أخبره الشُّهُود حتَّى يدعي، ويستشهدهم، فَيَشْهَدُوا، فإن هذا هو المذهبُ المشْهُور، وفيه وجهان آخران، ذكرهما الإِمامُ في "دعْوى القتل".
أحدهما: أنه يقبل في الدِّماء؛ لحظرها.
والثاني: يُقْبل في الأموالِ أيضاً، وذكر أن "صاحبَ التقريب" خرَّجه من الوجهين في جواز انتزاع المغصُوب من الغاصب ليوصله إلى المالك، وإلَى هذا أشار في الكتاب بقوله في "باب دعوى الدم": "وشهادة الحِسْبَةِ لا تُقْبَلُ في حَقُوقِ الآدمَيِّين في أصح الوجهَيْن" ثم القائلون بالقبول، منْهم من أطلق، وعن الأستاذ أبي طاهر تخصيصُ القَبُول بما إذا لم يعلم المستحِقُّ بالحق، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قولُه في الكتاب "فلا تُقْبَلُ" في الفصل السابق بالواو.
فروع: ما تُقبل فيه شهادةُ الحِسْبَة هل تقبل فيه دعوى الحسبة فيه وجهان:
أحدُهُما: لا؛ لأنَّ الثبوت بالبيِّنة، وهي غنية عن الدْعوَى، وهذا هو الجوابُ في "فتاوى القفال".
والثاني: عن القاضي الحُسَين: أنها تُسْمَع؛ لأن البينة قَدْ لا تساعده، ويراد استخراج الحقِّ بإِقرار المدَّعَى عليه 1.
وشهودُ الحسبة يجيئون إلى القاضي، ويقولون: نَشْهَد علَى فلانٍ بكذا، وأحضروه لنشهد عليه، وإن جاءوا وقالوا: إن فلاناً زَنَا، فهُمْ قذفةٌ، وفي الفتاوى أنَّه لو جاء رجُلانِ، فشهدا بأن فلاناً أخُو فلانةٍ في الرَّضَاع لم يكْفِ حتى يقولان: وهو يريد أن ينكحها، وأنه لو شَهِدَ اثنانِ بالطَّلاق، وقضى القاضِي بشهادَتِهما، ثم جاء آخران يَشْهَدان بأخُوَّة الرضاع بين المتناكحَيْن، لم تقبل هذه الشهادة، إذْ لا فائدة لها في الحالِ بقولهما ولا عبرة بكونها يشهدان لئلا يتناكَحَان من بعْد، وأنَّ الشهادة علَى أنه أعتق إنما تُسْمَعُ، إذا كان المشهودُ علَيْه يسترقُّ من أعتقه، وهذه الصورةُ تُفْهِمُ أنْ شهادة الحسبة إنَّما تُسْمَع عند الحاجة، ولو جاء عبدا إنسان إلى القاضي، وقالا: إن سيِّدَنا أعتق أحَدَنا، وقامَتْ على ما يقولان بيِّنةٌ، سُمِعت، ولو كانتِ الدعْوَى فاسدةً؛ لأن البينةَ علَى العتْق مستغنيةٌ عن تقدُّم الدعْوَى.
وليُعْلَم من لفظ الكتاب قوله: "والعتاق" بالحاء، وقوله: "والعفو عن القصاص" بالواو؛ لمَا بيَّنَّاه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَقْبَلُ شَهَادَةُ البَدَوِيِّ عَلَى القَرَوِيِّ وَالقَرَوِيِّ عَلَى البَدَوِيِّ، وَشَهَادَةُ المَحْدُودِ فِي القَذْفِ إِذَا تَابَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تكلم في الصفات المعتبرة في الشهود وبَيَّنَ في خلالها ما يمنع قبول الشهادة تكلم في أمور ظن ظانون أنها من موانع القبول.
منها: شهادة البدوي على القروي وبالعكس مقبولة، وقال أحمد: لا تُقبل شهادة البدوي على القروي وبه قال مالكٌ إلا في القتل والجراجات، قالا؛ لأن القروي لا يدخل إلى البادية للإِشهاد لكن البدوي قد يدخل القرية فيشهد والأمر في هذا لا ينضبط.
ومنها: شهادة المحدود في القذف وغيره بعد التوبة مقبولة في جنس ما حدَّ به وفي غيره، وعند أبي حنيفة شهادةُ المحدود في القذف لا تقبل وإن تاب، وقال مالكٌ كل من حد في معصية لم تُقبل شهادتُه فيما حد فيه، ومن هذا القبيل شهادة ولد الزنا مقبولة ويجوز أن يكون قاضياً ولكن لا يمكن أن يكون إماماً؛ لأن النسب مشروط في الإِمامة وقال مالكٌ لا تُقبل شهادة ولد الزنا، واعلم أن شهادة الأخرس الذي لا يعقل الإِشارة لا اعتبار بها، وإن كان يعقل الإِشارة فقولان عن تخريج ابن سريج:
أحدهما: أنها مقبولة اعتماداً على الإِشارة كما في عقوده ويُحْكَى هذا عن مالكٍ واختيار الحناطي والقاضي أبي الطيب -رحمهم الله-.
والثاني: المنع؛ لأن الإِشارة لا تصرح وإنما تفيد ظناً، ونحن في غنية عن شهادته
بشهادة غيره، ويخرج عليه عقوده، وهذا أظهر عند الأكثرين منهم ابنُ القاص والشيخُ أبو حامد وبه قال أبو حنيفةَ وأحمدُ -رحمهم الله- وإيانا وعلى هذا فيعتبر في الشاهد وراء الصفات المذكورة في أول الباب أن يكون ناطقاً، وذكر أبو القاسم الصيمري في مختصر جمعه في أحكام الشهادات أنه لا يجوز شهادة المحجور عليه بالسفه فإن كان كذلك زادت صفة أخرى 1 والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ تُبْت وَلاَ أَعُودُ إِلاَّ إِذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بالكَذِبِ فَهُوَ فَاسِقٌ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهُ كَكُلِّ فَاسِقٍ يَقُولُ: تُبْتُ فَإِنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ مُدَّةٍ فَيَعْلَم بِقَرَائِنِ الأَحْوَالِ صَلاَحَ سَرِيرَتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أخذ في الكلام في توبة القَاذِف، ثم اختلط به الكلامُ في التوبةِ علَى سائر أنواع الفِسْقِ، ووجهُ الحاجة إلَيْه بيِّنٌ، فإنَّ من لا تُقْبَلُ شهادَتُهُ لِفِسْق، إذا تَابَ، وظَهَر اعتراضه عَمَّا كان فيه، فيجبُ معرفةُ أنَّ التوبة ما هيَ وبم تَحْصُل؟.
قال علماء الأصحاب -رحمهم الله-: التوبةُ تنقسم إلَى ما هي بَيْن العبْد وبيْن الله تعالَى جدُّه وهي التي يندفعُ بها الإِثْم، وإلى توبةٍ في الظاهِرِ، وهي التي تتعلَّق بها عوْدُ الشهادات، والولايات:
أما التَّوبةُ الأولَى: فهي أن ينْدَمَ علَى ما مضى ويترك وعله في الحال ويعزِمَ علَى ألا يعود إليه 2، إن كانت المعصية لا يتعلق بها حقَّ الله تعالَى ولا للعبادِ، كوطء الأجنبية فيما دون الفَرْج وتَقْبلُها، فلا شيء عليه سوى ذلك، وإن تعلَّق بها حقٌّ ماليٌّ، كمنع الزكاة، وكالغَصْب، والجنانات في أموال الناس، فيجب مع ذلك تبرئةُ الذمَّة عنْه؛ بأن يؤدِّي الزكاة، ويردَّ أموال النَّاس، إن بقيت ويغرم بدَلَها، إن لم تبق، أو يستحلَّ، فيبرئه المستحقُّ ويجب أن يخبر المستحق، وإن لم يعلم به وأن يوصله، إليه، إذا كان
غائباً، إن كان قد غَصَبه منْه هنالك، ونقله، فإن.
مات سلَّمة إلَى وارثه، فإن لم يكن وارثٌ أو غَابَ، وانقطع خبره، دفَعَه إلَى قاضٍ تعرف سيرته وديانته، فإِن تعذَّر، تصدَّق به على الفقراء بنيَّة الغرامة له، ذكره العباديُّ في "الرقْم" وصاحب الكتاب في غير الكُتُب الفقهيَّة، وإن كان مُعْسِراً، نوى الغرامة، إذا قدر، فإن مات قبل أن يقْدِر، فالمرجُوُّ من فضل الله تعالَى جدُّه المغفرةُ 1.
وإن تعلَّق بالمعصية حقٌّ ليس بماليٍّ، فإن كان حدّاً لله تعالَى كما لو زنا أو شَرب فإن لم يظهر، فيجوزُ أن يظهره ويقرّ به ليُقَامَ علَيْه الحدُّ، ويجوز أن يستُرَ علَى نفْسه، وهو الأولَى، وإنْ ظهر، فقد فات السِّتْر، فيأتي الإِمامَ ليقيمَ علَيْه الحدَّ، قال في "الشامل": إلا إذا تقادم العهد، وقلْنا: إنه يسْقُطُ الحد، وإن كان حقاً للعباد؛ كالقِصَاصِ وحدِّ القذف، فيأتي المستحِقَّ، ويمكِّنه من الاستيفاء، فإِن لم يعلَم المستحِقُّ، فيجب في القِصَاص أن يُخْبِره، ويقول: أنا الذي قتلْتُ أباك، ولزمني القصَاصُ، فإِن شئتَ، فاقتص، وإن شئت فاعف، وفي حدِّ القذْفِ، هل يخبره، ذكر في الكتاب في أَول الباب تردُّداً في أنه، إذا أتى، ببَعْضِ كنايات القذف، وأراد القذف، ولم يحلفه المقذوفُ على البينة، فيخبر المقذوف أو يخْفِيه، ولا يؤديه، وجواب العباديُّ وغيره هاهنا أنه يخْبِرهُ عن القَذْف، كما في حقِّ القصاص وفي مثله في الغَيْبة رأيت في فتاوى الحنَّاطِيِّ؛ أنها إذا لم تبُلغِ المغتابَ، كفى الندمُ والاستغفارُ، وإذا بلغته أو طَرَد طارِدٌ قياسَ القصاص والقذف فيها، فالطريق أن يأْتِيَ المعتابَ ويستحلَّ منه، فإن تعذَّر بموته، أو عسر لغيبته الشاسِعَة، فيستغفر الله تعالَى جدُّه، ولا اعتبار بتحليل الوَرَثَةِ، كذلك ذكره الحناطيُّ وغيره، قال العباديُّ: والحسد كالغِيبَةِ، وهو أن يهوَى زوالَ نِعْمَةِ الغير، ويُسَرَّ ببليته، فيأتي المحسودَ، ويخبره بما أضمره، ويستحلُّه، ويسأل الله تعالَى أن يزيل عنْه هذه الخلَّة، وفي إِلزام الإِخبار عن مجرَّد الإِضمار بُعْدٌ 2.
فَرْعٌ: سُئِلَ أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ عمن قصَّر فيما عليه من الدَّيْن والمَظْلَمة، ومات
المستحِقُّ، واستحَقَّه وارثٌ بعد وارثٍ يتعلَّق به في الآخرة صاحبُ الحقِّ أولاً أو الأخير من ورثته وورثة ورثته، فقال: يرثه الله تعالَى، بعْد موت الكلِّ، ويُرَدُّ إليه في القيامة، وحَكَى وجهاً آخر عن الأصحاب لآخر مَنْ مَات من الوارِثِينَ، وفي "الرقم": أنه يُكْتَبُ الأجْرُ لكل وارِثٍ مدةَ عَمْرِهِ، ثم يكون الثوابُ لمَنْ بعده، ولو دفَع إلَى بعض الوارِثين عندْ انتهاء الاستحقاقِ إليه، خَرَج عن المظلمة إلا بما سَوَّفَ ومَاطَلَ.
وأما التوبةُ الظاهرةُ، فالمعاصي تنْقسم إلَى فعليَّة وقوليَّة، أما الفعليَّة؛ كالزنا والسرقة والشرب، فإظهار التوْبة عنْها لا يكفي في قَبُول الشهادة وعود الولاية؛ لأنه لا يؤمَنُ أن يكون له في الإِظهار غائلةٌ وغرضٌ فاسدٌ، فيختبر لمدَّة يغلب على الظنِّ فيها أنه قد أصلح عملَهُ وسريرته، وأنه صادقٌ في توبته، وهل تتقدَّر تلْك المدة قال قائلون: لا، إنَّما المعتبرُ حصولُ غلبة الظَّنِّ بصدْقِهِ، ويختلف الأمر فيه بالأشخاص وأمارات الصدق، هذا ما اختاره الإِمام، والعبَّاديُّ وإلَيْه أشار صاحبُ الكتاب بقوله: حتى يُسْتبْرَأَ مُدَّةً فيعلم إلى آخره، وذهب آخرون إلَى تقديرها، وفيه وجهان، قال أكثرهم: يستبرأ سنةً، فإنَّ لمعنى الفصولِ الأربعةِ تأثيراً بَيِّناً في تهيْيج النُّفوس وانبعاثها لمشتهياتها، فإذا مضت على السلامة أشْعَرَ ذلك بحُسْن السريرة، وقال جماعةٌ: يكفي ستة أشهر؛ لظهور عَوْده، وإن كانت ونَسَبوا ذلك إلى النصِّ، وأما القوليَّة، فمنْها القذْفُ، ولا بدّ من التوبة عنْه بالقول، كما أن التوبة عن الرِّدَّة بكلمتَي الشهادة، قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- وتوبةُ القاذِفِ إكذابُهُ نفْسَه، فأخذ الإِصطخريُّ بظاهره وشَرَط أن يقول: كذبْتُ بما قذفته به، ولا أعودُ إلَى مثله؛ لما رِوُيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "تَوْبَةُ الْقاذِفِ إِكْذَابُهُ نَفْسَه" 1 ويُحْكَى هذا عن أحمد -رحمه الله- وقال ابن أبي هريرة والجمهورُ -رحمهم الله- لا يكلَّفُ أن يقُولَ: كذبْتُ، فإنَّه قد يكون صادقاً فكيف نأمُرُه بأنْ يكَذْب، ولكن يقول: القذْفُ باطلٌ، وإني نادمٌ على ما فعلْتُ ولا أعود إلَيْه أو يقول: ما كنْتُ مُحِقّاً في قِذْفي، وقد تبتُ منْه، وما أشبه ذلك، والخبرُ محمولٌ على الرُجوع والإِقرار ببطلانِ ما صدَر منْه، فإنه نوعُ إكذاب، وكذلك لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وقد قَالَ عَقِيبَ ما حكَيناه: والتوبةُ منه أن يقُولَ: "القذفُ باطلٌ" كأنه جعل هذا اللفظ توبةً ولا فرْقَ في ذلك بين القذْف على سبيل السَّبِّ والإِيذاءِ وبيْن القذْفِ على صورة الشَّهَادة، إذا لم يتمَّ عدد الشُّهود، إن قلْنا: بوجوب الحدِّ على من شهد، فإن لم نوجِبْ، فلا حاجة بالشاهد إلى التوبة، ويشبه أن يشترط في هذا الإِكذابِ جريانُهُ بيْن يدَي القاضي، ثم إذا تاب
بالقول، فهل يستبرأ المدَّة المذكورة، إذا عُرِفَ عدلاً إلى أن قَذَف، يُنْظَر؛ إن كان القذفُ على صورة الشهادَةِ، فلا حاجة إلَيْه وحَكَى الإِمامُ طريقة أخرَى؛ أنه على قولَيْن، كما سنذكر في القذْفِ علَى صورة السبِّ والإِيذاءِ، والظاهرُ الفرقُ، فإن ذلك فسقٌ مقطوعٌ فيه، والفسق عند الشهادة غيرُ مقطوع به، ولهذا تُقْبل روايةُ من شهد بالزنا، وإن لم يتعب؛ ألا ترى أنهم كانوا يَرْوُنَ عن أبي بَكرة الثقفيِّ -رضي الله عنه- ولم يتب وروايةُ مَنْ قَذَفَ سباً غير مقبولة وبتأيد ذلك بقَوْل عمر -رضي الله عنه- في القصَّة المشْهُورة لأبي بَكْرَةَ تُبْ أَقْبَلَ شَهَادَتَكَ 1 وإن كان قَذْفَ سَبٍّ وإيذاءٍ فظاهر نصِّ "المختصر": أنه لا يُشترطُ الاستبراء وتُقبل شهادته في الحَال، وعن نصِّه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه يُشترطُ، وفيهما طريقان؛ الأشهر أن المسألة على قولَيْن:
أحدُهُمَا: لا يُشْترط؛ لأن القاذفَ يحتمل أن يكون صادقاً، فلا حاجة فيه إلى التشديد والاحتياط، ويُحْكَى هذا عن أحمد -رحمه الله-.
وأصحُّهما: الاشتراط؛ على ما قال تعالَى ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: 89] وصار كما في سائر المعاصِي، وتركهما منزلون على حالَيْن، وذكروا للتنزيل وجوهاً:
أَحَدها: حمل ما في "المختصر" على ما إذا لم يصرِّح بتكذيب نفْسه، وحمل ما في "الأم" على ما إذا صَرَّح.
والثاني: حمل الأوَّل عَلَى ما إذا طال الزمانُ بعْد القذف، وحسنت السيرة، ثم تاب بالقول، وحمل الثاني على ما إذا لم يطل.
والثالث: حمل الأول علَى ما إذا جاء شاهداً، ولم يتمَّ العدَوُ، وحمل الثاني علَى ما إذا قذف على سبيل السبِّ والإِيذاء.
واعلم أن اشتراطَ التوبة بالقَوْل في القذْفِ لا وضوحَ لَهُ، وإِلحاقَهُ بالردَّة تشبيه مجرَّد لا توجيه مقنع، ولَيْسَ اشتراطُ كلمتَي الشهادة مخصوصاً بالردَّة القوليَّة، فإن الردة الفعليَّة كإلقاء المصْحَف في القاذُورات يُشْتَرطُ فيها كلمتا الشهادة أيْضاً، وبالجملة، فلَمْ يشترطْ في القَوْل أن يقولَ: ما كنتُ مُحِقاً في قَوْلِ كذا، فلا يُشْتَرَطُ في الفعل أن يقول: ما كنت مُحِقاً في فعْلِ كذا، وما السَّبَبُ الفارقُ، ثم قضيَّة ما يقول في القذفْ أنْ يُشترطَ التوبةُ بالقول في سائر المعاصِي القوليَّة، كشهادة الزور، والغِيبة، والنَّميمة، وقد صرح صاحبُ "المهذب" بذلك في شهادة الزور، فقال: التوبة عنْها أن يقول: كذَبْتُ فيما فعَلْتُ، ولا أعودُ إلَى مثله، والله أعلم.
وأَعْلم قوله في الكتاب "ويكفيه أن يقول: تبْتُ" بالواو؛ لوجه الإِصطخرِّي؛ حيث لم يكتف بذلك، واعتبر أن يقول: كذبْتُ.
وقوله يجب "استبراؤه" بالألف لما تقدَّم.
فروع: حَكَى الإِمام وجهاً فيمن قَذَف، وأتى بالبينة علَى زنا المقذوف: أنه لا تُقْبَل شهادته؛ لأنه ليس له أن يقْذِفَ ثم يأتي بالبينة، بل كان ينبغي أن يجيء مجيء الشهود، والأصح أنها تُقْبَل؛ لأن صدقَهُ قد تبيَّن بالبينة، وكذا الحكمُ لو اعترف المقذوف، وكذا لو قذف زوجَتَه، ولا عن ولا فَرْقَ في ردِّ الشهادة وكيفية التوْبَة بيْن أن يقذف محصناً أو غير محصَنٍ، حتى لو قذَف عبْدَ نفْسِه، ترد شهادته، ويكفي تحريم القذف سَبباً للردِّ، وشاهد الزور يُسْتبرأ كسائر الفَسَقة، فإذا ظهَر صلاحُه، قُبِلَتْ شهادته في غير تلك الواقعة ومن غلط في الشهادة، فلا حاجَةَ إلى استبرائه، وتُقْبَلُ شهادته في غَيْر واقعة الغلطِ، لا تُقْبَلُ فيما ذكره في "التهذيب" 1.