وَالنَّظْرُ في خَمْسَةِ أَطْرَافٍ
الأَوَّلُ في صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ
وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ
الْبَابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِهِ
قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: الأَوَّلُ: الصَّيغَةُ وَهُوَ الإيجَاب وَالقَبُولُ، اعْتُبِرَ لِلدَّلالَةِ عَلَى الرِّضَا البَاطِنِ، وَلاَ تَكْفِي المُعَاطَاةُ (م ح و) أَصْلاً، وَلاَ الاسْتِيجَابُ (م) وَالإِيْجَابُ وَهُوَ قَوْلُهُ: بِعْنِي بَدَلَ قَوْله: اشْتَرَيْتُ علَى أَصَحَّ الوَجْهَيْنِ، بِخِلاَفِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لاَ يَجْرِي مُغَافَصَةً، وَيَنْعَقِدُ البَيْعُ بِالكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةَ عَلَى الأَصَحِّ كَالكِتَابَةِ وَالخُلْعِ، بِخِلاَفِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ الشَّهَادَةِ.
قال الرافعي: الأصل في البيع 1.
......................... = أخرج بالعقد المعاطاة.
وبالمعاوضة نحو الهدبة.
وبالمالية نحو النكاح.
وبإفادة ملك العين الإجارة.
وبغير وجه القرية القرض.
والتقييد بالتأبيد لتخرج الإجارة أيضاً.
وإخراج الشيء الواحد بقيدين غير معيب.
وهذا أولى من التحريف، بأنه مقابلة مال بمال على وجه مخصوص؛ من التعريف بالأعم المحال على مجهول.
ولو عرف أيضاً بأن عقد معاوضة محضة مقتضى ملك عين أو منفعة على الدوام لا على وجه القربة، لكان وافياً بالمقصود، فخرج بالمعاوضة الهبة، وبالمحضة النكاح، ويملك العين الإجارة، وبغير وجه القربة القرض، والمراد بالمنفعة المؤيدة بيع حق الممر للماء مثلاً؛ لأنه لا يصل الماء إلى محله إلا بواسطة ملك غيره.
هل البيوع الجائزة من أجل المكاسب وأطيبها، أو غيرها من المكاسب أجل منها، اختلف الناس في ذلك: فقال قوم: الزراعات أَجَلُّ المكاسب كلها، وأطيب من البيوع وغيرها، لأن الإنسان في الاكتساب بها أعظم توكلاً، وأقوى إخلاصاً وأكثر لأمر الله تفويضاً وتسليماً.
وقال آخرون: إن الصناعات أجل كسباً منها، وأطيب من البيوع وغيرها؛ لأنها اكتساب ينال بكد الجسم وإجهاد النفس، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنَّ اللهَ -تَعَالَى- يُحِبُّ العَبْدَ المُحْتَرِفَ" فظاهر الاحتراف بالنفس دون المال.
وقال آخرون: البيوع أجل المكاسب كلها، وأطيب من الزراعات وغيرها، وهو أشبه بمذهب الشافعي والعراقيين حتى إن محمد بن الحسن قيل له: هلا صنعت كتاباً في الزهد فقال قد فعلت قيل فما ذلك الكتاب قال هو كتاب البيوع.
والدليل: على أن البيوع أجل المكاسب كلها إذا وقعت على الوجه المأذون فيه، أن الله عز وجل صرح في كتابه بإحلالها فقال: "وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ، ولم يصرح بإحلال غيرها، وردت عائشة قالت قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَطْيَبُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ" والكسب في كتاب الله التجارة، وروى واقع بن خديج قال: قال رجل يا رسول الله أي العمَل أطيب فقال: "عَمَلُ الرَّجُل وَكُلُّ بَيْعٌ مَبْرُورُ".
ولأن البيوع أكثر مكاسب الصحابة وهي أظهر فيهم من الزراعة والصناعة، ولأن المنفعة بها أعم والحاجة إليها أكثر؛ لأن ليس أحد يستغني عن ابتياع مأكول أو ملبوس، وقد يستغني عن صناعة وزراعة.
فإن قيل: فقد روى سلمان فقال: "لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها؛ فإن فيها باض الشيطان وفرخ" فاقتضى أن يكون مكروهاً.
نقول هذا غلط: كيف يصح أن يكره ما صرح الله بإحلاله في كتابه، وإنما المراد بذلك أن لا يصرف أكثر زمانه إلى الاكتساب، ويشتغل به عن العبادة، حتى يصير إليه منقطعاً وبه متشاغلاً، أما روي عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نهى عن السوم قبل طلوع الشمس" يريد أن الرجل لا يجعله أكثر همه حتى يبتدئ به في صدر يومه، لا أنه حرام.
فإن قيل: فقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يَا تُجَّارُ كُلُّكُمْ فُجْارٌ إلاَّ من أَخَذَ الحَقَّ وَأَعْطَى الحَقَّ" فجعل الفجور فيهم عموماً، ومعاطاة الحق خصوصاً، وليست هذه صفات أجل المكاسب.
قيل: إنما قال ذلك؛ لأن من البيوع ما يحل، ومنها ما يحرم، ومنها ما يكره.
كما روي عنه أنه قال: "لَوِ اتَّجَرَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَا اتَّجَرُوا إِلاّ في البَرِّ، وَلَوِ اتَّجَرَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ مَا اتَّجَرُوا إلاَّ فِي الصَرْفِ" قال ذلك استحباباً في التجارة في البر، وكراهة التجارة في الصرف.
وحكمه مشروعية البيع أنه لا يخفى على المستبصر أن مشروعية البيع من أهم دواعي الحياة، وأسمى وسائل العمران، وأصل سبيل الاستعمار؛ إذ عليه تدور رحى الحياة، وعلى قوائمه تحمل عروش الانتظامات والقوانين، وبه =
الإجماع 1، وآيات الكتاب نحو قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 2 3 وقوله تعالى: = تبادل المنافع بين المالكين؛ كيف لا ولولا البيع وما يتعلق به من الإجارة والقرض والرهن ما استقام نظام، ولا حصلت راحة بين الأنام، ولولاه ما انشق الكون، وانتظمت المعيشة الدنيوية، وسهلت طرق المرافق الحيوية، فبالبيع ظهرت مدنية الإنسان، قال حكيم: "الإنسان مدني بالطبع" يعني كل فرد من أفراد المجموع الإنساني محتاج إلى أفراده في ضرورة تبادل منافعه، وضروريات حاجياته احتياج الكل إلى أجزائه، والعرش إلى قوائمه لأنه كلما تأخر الدين ربا ما عليه وزاد حتى يستفرق جميع ما عنده من العروض، وما يملك من المزارع فيستولي عليه المرابي ويأخذه بغير حق ظلماً وطمعاً، نعم يأكل مال أخيه المسلم من غير فائدة عادت عليه، ولا ثمرة من المال ردت إليه، ولا انتفع إلا بالخسارة، وذهاب ما عنده من العروض والتجارة، وأنت تعلم ما دفعه إلا العوز، ولا دعاه إلا الاحتياج؛ لكن بالبيع أمكنه، ويمكنه، أن يتحاشى هذا الضرر، ويتجنب البؤس ويعيش عيشة راضية؛ ولذلك أحل الله البيع وحرم الربا، وشدد النكير على فاعليه في كتابه الأقدس فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فقد شدد النكير على فاعليه، وهددهم بالحرب إن لم ينتهوا؛ ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اثْنَانِ يُحَارِبُهُمَا اللهُ وَرَسُولُه: آكِلُ الرِّبَا، وَعَاقُّ وَالِدَيْهِ" ثم من لطيف رفق الله بالمتعاقدين أيضاً أن جعل لهما الخيار؛ لدفع المضرة وسهولة المعاملة، حتى لا يجحف أحد المتعاقدين؛ إذ ربما يجد في البيع عيباً باطناً لا يتنبه له إلا بالرؤية والإمعان والفكرة، فجعل لهما الخيار لكي يتمكنا من التنقيب والتفتيش (وبالجملة): فالبيع عنوان الوفاق ورائد الرشاد والركن الركين الذي تنبني عليه مصالح عزيزة تعود على الإنسان بالخير والفضل في الدنيا والسعادة في الآخرة.
......................... = أحدهما: أنه العموم الذي يجري على العموم، وإن دخله التخصيص، ما يكون المراد باللفظ أكثر، وما ليس مراداً باللفظ أقل-.
والعموم الذي أريد الخصوص، ما يكون المراد باللفظ أقل وما ليس مراداً باللفظ أكثر.
والثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ، وفيما أريد بها العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن.
وعلى كلا القولين يجوز الاستدلال بها على إباحة البيوع المختلفة، ما لم يقمْ دليل التخصيص على إخراجها عن عمومها.
القول الثاني: إنها مجملة لا يفعل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان من السنة.
وجه ذلك أن من البيوع ما لا يجوز، ومنها ما يجوز، وليس في الآية ما يميز الجائز من غير الجائز؛ فاقتضى أن تكون من المجمل الذي لا يعقل المراد من ظاهره إلا ببيان يقترن به؛ فعلى هذه اختلف الأصحاب هل هي مجملة بنفسها للتعارض أو بغيرها على وجهين:
أحدهما: أنها مجملة بنفسها للتعارض فيها؛ لأن قوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ يقتضي جواز البيع متفاضلاً.
وقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يقتضي بتحريم البيع متفاضلاً.
فصار أولها معارضاً لآخرها، فوقع الله جمال فيها بنفسها.
الوجه الثاني: أنها مجملة بغيرها.
وذلك أنها تقتضي جواز كل بيع من غرر وغيره.
وقد وردت السنة بالمنع من الغرر من الملامسة والمنابذة وغير ذلك.
فصارت السنة معارضة لها؛ فوقع الإجمال فيها بغيرها.
القول الثالث: أنهما دخلا فيها جميعاً؛ فتكون عامة دخلها التخصص ومجملة لحقها التفسير؛ لقيام الدلالة عليهما.
ثم اختلف الأصحاب في دخول ذلك فيها على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى فيكون اللفظ عموم دخله التخصيص؛ والمعنى مجملاً دخله التفسير.
والوجه الثاني: أن العموم في أول الآية.
وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ والإجمال في آخرها.
وهو قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فيكون أول الآية عاماً دخله التخصيص.
وآخرها مجملاً دخله التفسير.
والوجه الثالث: أن اللفظ كان مجملاً.
فلما بينه النبي -صلى الله عليه وسلم- صار مجملاً عاماً؛ فتكون داخلة في المجمل قبل البيان.
وفي العموم بعد البيان.
فعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الثاني.
القول الرابع: إنها تناولت بيعاً معهوداً.
ونزلت بعذ أن أحل النبي -صلى الله عليه وسلم- بيوعاً.
وحرم بيوعاً.
وكأن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ هو الذي بينه الرسول من قبل وعرفه المسلمون منه.
فترتب الكتاب على السنة، وتناولت بيعاً معهوداً هذه الآية.
وإنماكان كذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فأدخل فيه الألف واللام وذلك يدخل في الكلام لأمرين، إما لجنس أو معهود.
فلو لم يكن الجنس مراداً لخروج بعضه منه ثبت أن المعهود مراد.
فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده.
بل يرجع في حكم ما اختلف فيه إلى الاستدلال بما تقدمها من السنة التي عرف بها البيوع الصحيحة من الفاسدة.
وإذا كان كذلك صار الفرق بينه وبين المجمل من وجه وبينه، وبين العموم من وجهين.
فأما الوجه الذي يقع به =
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 1 2 والأخبار نحو ما روي عن رافع بن خديج = الفرق بينه ويين المجمل.
فهو أن بيان النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما نهى عنه من البيوع وأمره سابق الآية وبيان المجمل مقترن باللفظ أو متأخر عنه على مذهب من يجوز تأخير البيان فاقترفا من هذا الوجه.
وأما الوجهان اللذان يقع بهما الفرق بينه وبين العموم: فأحدهما: تقديم البيان في المعهود.
واقتران التخصيص بالعموم.
وثانيهما: جواز الاستدلال بظاهر العموم فيما اختلف فيه من البيوع.
وفساد الاستدلال بظاهر المعهود فيما اختلف فيه من البيوع].
أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "سُئِلَ عَنْ أَطيَبِ الْكَسْبِ، فَقَالَ: عَمَل الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيعٍ مَبْرُورٌ" 1.
ولفقه هذا الكتاب أبواب مُنتَشرة ومسائل كثيرة جمعها المصنف في خمسة أطراف، وسبيل ضبطها أن البيع إما صحيح أو فاسد، وبتقدير الصحة فهو إما جائز أو لازم، وعلى التقديرين فإما أن يقترن به القبض أو لا يقترن، وعلى التقديرين فالألفاظ المستعملة فيه إما التي تتأثَّرُ بقرائن عُرْفِيَّة تقتضي زيادة على موجب اللُّغة أو نقصاناً، وإمَّا غيرها، وعلى التقديرين فالمتبايعان قد يكونا حُرّين، وقد يكون أحدهما رقيقاً، وباعتبار آخر قد يعرض لهما الاختلاف في كيفية البيع وقد لا يعرض، والأحكام تختلف بحسب هذه الأحوال، فالطَّرف الأول في الصِّحَّة والفساد.
والثاني: في الجواز واللزوم.
والثالث: في حكم البيع قبل القبض وبعده.
والرابع: في الألفاظ المُتَأثِّرَة بالقرائن.
والخامس: في مُدَاينة العَبِيد واختلاف المُتَبايعين.
والطرف الأول في صحة البيع 2 وفساده: وفيه أبواب: = تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ وليس السلام من جنس اللغو، وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ وليس إبليس من جنس الملائكة وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ تعالى الله إلا أن يكون من جنس من استثنى منهم.
وقال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس... إلا اليعافير وإلا العيس الأنيس الناس.
واليعافير حمير الوحش.
والعيس الإبل فاستثنى اليعافير والعيس من جملة الناس].
أحدها: في أركانه وهي ثلاثة ترجمها في "الوسيط" فقال: هي العاقد، والمعقود عليه، وصيغة العقد، فلا بد منها لوجود صورة العقد هذا لفظه.
ولك أَنْ تبحث فتقول: إنْ كان المراد أنه لا بد من وجودها لتدخل صورة البيع في الوجود، فالزَّمان والمَكَان وكثير من الأمور بهذه المثابة فوجب أن تعد أركاناً، وإن كان المراد أنه لا بد من حضورها في الذهن ليتصور البيع، فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة، وهذا لأن البيع فعل من الأفعال، والبائع لا يدخل في حقيقة الفعل، ألا ترى أنا إذا عددنا أركان الصلاة والحج، لم نعد المصلي والحاج في جملتها، وكذلك مورد الفِعْل، بل الأشبة أن الصِّيغَة أيضاً ليست جزءاً من حقيقة فعل البيع، أَلاَ تَرَى أنه ينتظم أن يقال: هل المعاطاة بيع أم لا؟
ويجيب عنه مسؤول بلا، وآخر بنعم.
والوجه أن يقال: البيع مقابلة مال بمال، وما أشبه ذلك فيعتبر في صحته أمور.
منها: الصيغة.
ومنها: كون العاقد بصفة كيت وكيت.
ومنها: كون المعقود عليه كذا وكذا.
ثم أحد الأركان على ما ذكره الصِّيغة، وهي الإيجاب من جهة البائع، بأن يقول: بعت أو اشتريت، أو "ملكتك"، وفي "ملكت" وجه منقول عن "الحَاوِي"، والقبول من جهة المشتري بأن يقول: قبلت، ويقوم مقامه "ابتعت" و"اشتريت" و"تملكت"، ويجري في "تملكت" مثل ذلك الوجه.
وإنما جعلنا قوله: "ابْتَعت" وما بعده قائماً مقام القبول، ولم نجعله قبولاً لما ذكره إمام الحرمين، من أن القبول على الحَقِيقَة ما لا يتأتى الابتداء به.
= يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} وقال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾.
ولا ينافي ذلك قول من جعلها ستة؛ لأن العاقد يشمل البائع والمشتري، والمعقود عليه يشمل الثمن والمثمن، والصيغة تشمل الإيجاب والقبول-.
أما الإشهاد فليس بواجب عليه عندنا بل مستحب.
واستدل عليه للاستحباب بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ هذا مذهبنا، قال به أبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري والشعبي، والحسن، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق وبهذا قال جمهور الأمة من السلف إلى الخلف.
قال ابن المنذر: قالت طائفة يجب الاشهاد على البيع، وهو فرض لازم يعصي تاركه، قال: روينا هذا عن ابن عباس: قال وكان ابن عمر إذا بايع بعقد أشهد.
قال روينا نحو هذا عن أبي بردة بن أبي موسى، وأبي سليمان المرعشي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- باع واشترى ولم ينقل عنه الإشهاد فيه" وكذلك الصحابة في زمنه، وبعده، وحملوا الآية الكريمة على الاستحباب لما ذكرناه].
فأما إذا أتى بما يتأتى الابتداء به، فقد أتى بأحد شِقّي العقد، ولا فرق بين أن يتقدم قول البائع: "بعت" على قول المشتري: "اشتريت"، وبين أن يتقدم قول المشتري: "اشتريت" فيصح البيع في الحالتان، ولا يشترط اتفاق اللَّفظين، بل لو قال البائع: اشتريت فقال المشتري: "تملكت" أو "ابتعت"، أو قال البائع: "ملكت"، فقال المشتري: "اشتريت" صح؛ لأن المعنى واحد.
وقوله: "اعتبر للدلالة على الرّضا" يريد به أن المقصود الأصلي هو التَّرَاضي لئلا يكون واحد منهما آكلاً مال الآخر بالباطل، بل يكونا تاجرين عن تَرَاض، على ما قاله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ 1 الآية إلا أن الرِّضا يعتبر أمر باطن، يعسر الوقوف علية، فنِيطَ الحكم باللفظ الظاهر، ثم في بعض النسخ "على الرِّضَا الباطن"، وفي بعضها "على الرِّضا في الباطن " وهما صحيحان، ويتعلق بهذه القاعدة مسائل ثلاث:
إحداها: المُعَاطاة ليست بيعاً على المذهب المشهور؛ لأن الأفعال لا دلالة لها بالوضع، وقصود الناس فيها تختلف.
وعن ابن سريج فيها تخريج قول الشَّافِعِي -رضي الله عنه- أنه يكتفي بها في المُحقرات؛ لأن المقصود الرِّضَا، (وبالقرائن) يعرف حصوله، وبهذا أفتى القاضي الروياني (وغيره) وذكروا المستند التخريج صوراً:
منها: لو عَطِبَ الهَدْي في الطريق فغمس النَّعل الذي قَلَّده بها في الدَّم وضرب بها صَفْحَة سَنَامه، هل يجوز لِلمَارّين الأكل منه؟ ذكرنا فيه قولين وخلافاً سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: لو قال لزوجته: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فوضعت الألف بين يديه ولم تتلفَّظ بشيء يملكه ويقع الطَّلاَق، وفي الاستشهاد بهذه الصورة نظر.
ومنها: لو قال لغيره: اغسل هذا الثَّوْب فغسله وهو ممن يعتاد الغسل بالأجرة، هل يستحق الأجر فيه؟ خلاف سيأتي ذكره في موضعه، ثم مَثَّلُوا المُحقِّرات بالتّافة من البَقْل، والرَّطل من الخبز، وهل من ضابط؟
سمعت والدي -رحمه الله تعالى- وغيره يحكي ضابطها بما دون نِصَاب السَّرقة، والأشبه الرجوع فيه إلى العادة، فما يعتاد فيه الاقتصار على المُعَاطاة بيعاً ففيه التَّخريج، ولهذا قال صاحب "التَّتمة" مُعَبراً عن التَّخريج: ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهي بيع
فيه، وما لا كَالدَّوَاب والجَوَاري والعَقَار فلا.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، فما حكم الذي جرت العادة من الأخذ والعطاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إباحة، وبه أجاب القاضي أبو الطيب -رحمه الله تعالى- حين سأله ابن الصَّبَّاغ عنه، قال: فقلت له: لو أخذ بقطعة ذهب شيئاً فأكله ثم عاد يطالبه بالقطعة، هل له ذلك؟ قال: لا، قلت: فلو كان إباحة لكان له ذلك، قال إِنَّما أَباح كل واحد منهما بسبب إباحة الآخر له.
قلت: فهو إذاً معاوضة، وأصحهما: أن حكمه حكم المقبوض بسائر العقود الفاسدة، فلكل واحد منهما مطالبة الآخر بما سلمه إليه ما دام باقياً، ويضمانه إن كان تالفاً فلو كان الثَّمن الذي قبضه البَائع مثل القِيْمة، فقد قال المصنف في "الإحياء": هذا مستحق ظَفَرَ بمثل حقه والمالك راض، فله تملكه لا محالة.
وعن الشيخ أبي حامد: أنه لا مطالبة لواحد منهما على الآخر، وتبرَّأَ ذمتهما بِالتَّرَاضي، وهذا يشكل بسائر العقود الفاسدة فإنه لا بَرَاءَة، وإن وجد الرِّضَا.
وقوله: "فلا تكفي المُعَاطَاة أصلاً" مُعَلَّم بالواو والحاء والميم، لأن أبا حنيفة يجعلها بيعاً في المُحَقرات الَّتِي جرت العَادَةُ فيها بِالاكْتِفَاء بالأَخْذِ والعَطَاء.
وقال مالك: ينعقد البَيْع بكل ما يعده النَّاس بيعاً، واستحسنه ابْنُ الصَّبَّاغ.
المسألة الثّانية: لو قال: "بعني"، فقال البائع: "بعتك"، نظر إن قال بعد ذلك: اشتريت، أو قبلت انعقد البيع لا محالة، وإلاَّ فوجهان في رواية بعضهم، وكذلك أورده المصنف هنا وقولان في رواية آخرين، وكذلك أورده في "النِّكاح".
أحدهما: أنه لا ينعقد، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنِيّ؛ لأنه يحتمل أن يكون غرضه اسْتِبَانة رغبة البائع في البيع.
والثاني: ينعقد وبه قال مالك لأن المقصود وجود لفظ دال على الرضا بموجب العقد، والاستدعاء الجازم دليل عليه، والكلام فيما إذا وجد ذلك.
وعن أحد روايتان كالقولين، وفي نظير المسألة من النِّكَاح طريقان مذكوران في مَوْضِعهما، والأصح فيه الانقعاد باتفاق الأئمة.
وأما هاهنا فادعى صاحب الكتاب أن الأصح المنع، وفرق بينها بأنَّ النِّكَاح لا يجري معاوضة في الغالب، فتكون الرَّغْبة معلومة من قبل، ويعتبر قوله: زوجني اسْتِدعاء جزماً، والبيع كثير ما يقع معاوضة، لكن الذي عليه الجمهور وترجيح الانعقاد هاهنا أيضاً، ولم تتعرض طائفة لحكاية الخلاف فيه.
ولو قال البائع: "اشْتر مِنِّي كذا"، فقال المشتري: "اشْتَرَيت"، فقد سَوَّى بينهما
في "التَّهْذِيب" بين هذه الصورة والصورة السَّابقة، وأورد بعضهم: أنه لا ينعقد البيع، والفرق بينهما بأن قول المشتري "يعني" موضوع للطلب، ويعتبر من جهة الطالب مبتدئاً، أو القبول مجيباً، وقول البائع اشتريت كذا، لم يوضع للبدء ولا للإيجاب، فلا بُدَّ من جهته من بذل أو إيجاب، وبني على هذا أنهما لو تَبَايعا عَبْداً بِعَبْد، وعقدا البيع بلفظ الأمر، فأيهما جعل نفسه باللفظ بائعاً، أو مشترياً لزمه حكمه، حتى لو قال الآمر: "بِعْني عبدك هذا صح لتنزيله نفسه منزلة المشتري ولو قال: اشتر منى عبدي لم يصح لتنزيله نفسه منزلة البائع، ولو قال المشتري تبعني عبدك بكذا أو قال: بعتني بكذا، فقال: بعت لم ينعقد البيع، حتى يقول بعده: اشتريت، وكذا لو قال البائع.
"اشْتَرِ داري بكذا"، أو "اشتريت منى داري" فقال: "اشتريت" لا ينعقد، حتى يقول بعده: بِعْتُ.
المسألة الثالثة: قال الأئمة: كل تصرف يستقل به الشَّخص، كالطَّلاق والعِتْق والإِبْرَاء فينعقد بالكِنَايات مع النِيَّة انعقاده بالصَّريح، وما لا يستقلُّ به الشخص، بل يفتقر إلى الإِيْجَاب والقبول فهو على ضربين:
أحدهما: ما يفتقر إلى الإشهاد، كالنكاح وكبيع الوكيل إذا شرط الموكل عليه الإشهاد، فهذا لا ينعقد بالكناية؛ لأن الشهود لا يطلعون على المقصود والنيات والإشهاد على العقد لا بد منه، وقد يتوقف في هذا التوجيه؛ لأن القرائن بما تتوفر، فيبعد الاطّلاع على ما في باطن الغير.
والثاني: ما لا يفتقر إليه فهو أيضاً على ضربين:
أحدهما: ما يقبل (مقصودة) التعليق بالغرر كالكتابة والخُلْع، فينعقد بالكناية مع النية.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه- لو قال لامرأته: أنت بائن يألْفٍ، فقالت: قبلت ونويا صَحَّ الخُلْع.
والثَّاني: ما لا يقبل كالبَيْع والإجَارَة وغيرهما، وفي انعقاد هذه التصرفات بالكناية مع النية وجهان:
أحدهما: لا ينعقد؛ لأن المخاطب لا يدري بِمَ خوطب؟
وأظهرهما: أنه ينعقد كما في الكِتَابة والخُلْع.
ومثال الكناية في البَيْع؛ أن يقول خذه، أو تسلمه منى بألف أو أدخله في مِلْكك أو جعلته لك بكذا ملكاً، وما أشبه ذلك، ولو قال: سلطتك عليه بألف، فهل هو من الكنايات أم لا؟ كما لو قال: أبَحْتُه لك بألف اختلفوا فيه، ولو كتب إلى غائب بالبيع ونحوه ترتب ذلك على أن الطَّلاق هل يقع بالكتابة؟ إن قلنا: لا يقع، فهذه العقود أولى بأن لا تنعقد.
وإن قلنا: نعم، فوجهان في انعقادها بالكنايات.
فإن قلنا: تنعقد، فالشرط أن يقبل المكتوب إليه، كما اطَّلع على الكتاب على الأصح ليقترن القبول بالإيجاب بحسب الإمكان، ولو تبايع حاضران بالكتابة ترتب ذلك على حال النية، إن منعنا فهاهنا أولى، وإلاَّ فوجهان، وحكم الكِتَابَةِ على القِرْطَاس والرّقِّ واللَّوْح والأَرْض والنَّقْش على الحَجَرِ والخَشَبِ واحد، ولا عبرة بِرَسْمِ الأحرف على الماء، وألَّفُوا في مُسْوَدَّات بعض أئمة طَبَرَسْتَانَ تفريقاً على انعقاد البيع بالكتابة، أنه لو قال: بعت من فلان وهو غائب، فلما بلغه الخبر قال: قلت ينعقد البيع، لأن النطق أقوى من الكتابة.
وقال أبو حنيفة: لا ينعقد، نعم لو قال: بعت من فلان، وأرسل إليه رسولاً بذلك فأخبره فقيل: انعقد كما لو كاتبه.
قال الإمام: والخلاف في البيع ونحوه هل ينعقد بالكتابة مع النية مفروض فيما إذا انعدمت قرائن الأحوال.
فأمَّا إذا توفَّرَتْ وأفادت التفاهم فيجب القطع بالصحة، نعم النِّكاح لا يصح بالكتابة، وإن توفرت القرائن لأمرين:
أحدهما: أن الإثبات عند الجحود من مقاصد الإِشْهَاد، وقرائن الحال لا تنفع فيه.
والثاني: أن النكاح مخصوص بضرب من التَّعبد والاحتياط لحرمة الأَبْضَاع، وفي البيع المقيد بالإشهاد، وذكر في "الوسيط" أن الظاهر انعقاده عند توفُّر القرائن، وهذا نظر منه في النكاح إلى معنى التعبد دون وقع الجحود.
وقوله في الكتاب: "الصِّيْغَة وهي الإيجاب والقبول" يقتضي اعتبار الصيغتين فيما إذا باع الرجل مال ولده من نفسه، أو بالعكس، نظراً إلى إطلاق اللفظ، وفيه وجهان توجيههما في غير هذا الموضع، فإن اكتفينا بصيغة واحدة، فالمراد ما عدا هذه الصُّورَة، ويتعلق بالصيغة مسائل أخر سكت عنها في الكتاب.
إحداها: يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول، ولا يتخللهما كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل لم ينعقد، سواء تفرَّقَا عن المجلس أم لا، ولو مات المشتري بعد الإيجاب وقبل القبول ووارثه حاضر فوجهان عن الدَّاركيّ: أنه يصح، والأصح: المنع.
الثانية: يشترط أن يكون القبول على وفق الإيْجَاب حتى لو قال: "بعت بألف صحيحة" فقال: "قبلت بألف قراضاً" أو بالعكس، أو قال: "بعت جميع كذا بألف" فقال: "قبلت نصفه بخمسمائة" لم يصح.
ولو قال: "بعتك هذا بألف" فقال: "قبلت نصفه بخمسمائة ونصفه بخمسمائة" فقد قال في "التتمة": يصح؛ لأن هذا تصريح بمقتضى الإطلاق ولا مخالفة، ولك أن تقول إشكالاً سيأتي القول في أن تفصيل الثمن من موجبات تعدد الصفقة، وإذا كان كذلك فالبائع هاهنا أوجب بَيْعَةً واحدة، والقابل قبل بيعتين لم يوجبهما البائع، ولا يخفى ما فيه من المخالفة.
وفي "فتاوى القَفَّال" أنه لو قال: بعتك بألف درهم، فقال: "اشتريت بألف وخمسمائة" يصح البيع وهو غريب.
الثالثة: لو قال المتوسط للبائع: "بعت بكذا"، فقال: "نعم" أو بعت، وقال للمشتري: "اشتريت بكذا"، فقال: "نعم"، أو "اشتريت"، هل ينعقد البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن واحداً منهما لم يخاطب الآخر.
وأظهرهما: ما دَلَّ عليه إيراد صاحب "التهذيب" والرُّويَاني: الانعقاد لوجود الصيغة والتراضي.
الرابعة: لو قال: "بعت منك هذا بألف"، فقال: قبلت صح البيع بخلاف النكاح يشترط فيه على رأي أن يقول: "قبلت نكاحها" احتياطاً للأَيْضَاع.
الخامسة: لو قال: "بعت هذا بألف إن شئت" فقال: "اشتريت" فوجهان:
أحدهما: أنه لا ينعقد لما فيه من التَّعْليق، كما لو قال: "إن دخلت الدَّار".
وأظهرهما: أنه ينعقد، لأن هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد، فإنه لو لم يشأ لم يَتَيَسَّر.
السادسة: يصح بيع الأَخْرَس وشراؤه بالإشارة والكتابة، وهذا يبيّن أن الصيغة بخصوصها ليست داخلة في البيع نفسه.
واعلم: أن جميع ما ذكرناه فيما ليس بِضِمْني من المُبَايَعات، فأما البيع الضِّمْني فيما إذا قال: أعتق عبدك عني علي بألف فلا يعتبر فيه الصيغ التي قدمناها، ويكفي فيه الالتماس، والجواب لا محالة -وبالله التوفيق-.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي العَاقِدُ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ فَلاَ عِبَارَةَ لِصَبِيِّ (ح م) وَلاَ مَجْنُونِ بِإذْنِ الوَلِيِّ وَدُونَ إِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ لاَ يُفِيدُ قَبْضُهُمَا المِلْكَ في الهِبَةِ، وَلاَ تَعَيُّنَ الحَقِّ في اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَيُعْتَمَدُ إِخْبَارُهُ عَنِ الإِذّنِ عِنْدَ فَتْحِ البَابِ، وَالمِلْكِ عِنْدَ إِيصَالِ الهَدِيَّةِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: لفظ العاقد بنظم البائع والمشتري، ويعتبر فيهما لصحَّة البيع
التكليف 1، فلا ينعقد البيع بعبارة الصَّبي والمجنون لا لنفسهما ولا لغيرهما، سواء كان الصبي مميزاً أو غير مميز، سواء باشر بإذن الولي أو دون إذنه، ولا فرق بين بيع الاختبار وغيره على ظاهر المذهب، وبيع الاختبار هو الذي يمتحنه الولي ليستبين رشده عند مُنَاهَزَة الحلم، ولكن يفوض إليه الاستيام وتدبير العقد، فإذا انتهى الأمر إلى اللفظ أتى به الولي.
وعن بعض أصحابنا: تصحيح بيع الاختبار.
وقال أبو حنيفة: إن كان مميزاً وباع أو اشترى بغير إذن الولي انعقد موقوفاً على إجازته، وإن باع بإذنه نفذ، ويكون دالاًّ على أن الولي أذن له في التصرف في ماله، ومتصرفاً لنفسه إن أذن له في التَّصرف في مال نفسه، حتى لو أذن له في بيع ماله بالغَبْن فَبَاعَ نفذ، وإن كان لا ينفذ من الولي، ووافقه أحمد على أنه ينفذ إذا كان بإذن الولي، لنا أنه غير مكلف فلا ينعقد بيعه وشراؤه كالمجنون وغير المميز.
إذا عرفت ذلك فلو اشترى الصبي شيئاً وقبض المبيع فتلف في يده، أو أتلفه لا ضَمَان عليه في الحال ولا بعد البلوغ، وكذا لو استقرض مالاً؛ لأن المالك هو المضيع بالتسليم إليه، وما داما باقيين فللمالك الاسترداد، ولو سلم ثمن ما اشتراه فعلى الولي استرداده، والبائع يرده على الولي، فإن رده على الصبي لم يبرأ عن الضمان، وهذا كما لو عرض الصبي ديناراً على صَرَّاف ليَنْقُدَهُ أو متاعاً على مُقوِّم ليقوِّمه، فإذا أخذه لم يجز له رده على الصَّبي، بل يرده على وليه إن كان للصبي، وعلى مالكه إن كان له مالك، فلو أمره ولي الصبي بدفعه إليه، فدفعه سقط عنه الضمان إن كان المِلْك للولي، وإن كان للصبي فلا كما لو أمره بإلقاء مال الصبي في البحرِ ففعل يلزمه الضَّمَان.
ولو تبايع صِبيَّان وتقابضا، فأتلف كل واحد منهما ما قبضه نظر، إن جرى ذلك بإذن الوليين فالضمان عليهما، وإلاَّ فلا ضمان عليهما، وعلى الصبيينِّ الضمان؛ لأن تسليمهما لا يعدُّ تسليطاً وتضييعاً، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: كما لا ينفذ بيع الصبي وشراؤه، لا ينفذ نكاحه وسائر تصرفاته، نعم في تَدْبير المميّز ووصيته خلاف مذكور في "الوَصَايا"، وإذا فتح الباب وأخبر عن إذن أهل الدار في الدخول، أو أوصل هدية إلى إنسان وأخبر عن إهداء مهديها، فهل يجوز الاعتماد عليه؟ نظر إن انضمت إليه قرائن أورثت العلم بحقيقة الحال، جاز الدخول والقبول، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا يقوله وإن لم تنضم، نظر إن كان كلاماً غير مأمون القول فلا يعتمد، وإلا فطريقان:
أحدهما: تخريجه على وجهين ذكراً في قبول روايته.
وأصحهما: القطع بالاعتماد تمسكاً بعادة السلف، فإنهم كانوا يعتمدون أمثال ذلك ولا يضيقون فيها.
وقوله في الكتاب: "على الأصح في هاتين الصورتين" يجوز أن يريد به من الوجهين جواباً على الطريق الأول، ويجوز أن يريد من الطريقين ذهاباً إلى الثاني.
الثانية: كما لا تصح تصرُّفَاته اللَّفظية لا يصح قبضه في تلك التصرفات، فإن للقبض من التأثير ما ليس للعقد، فلا يفيد قبضة الموهوب الملك له، وإن اتّهب له الولي ولا لغيره إذا أمره الموهوب منه بالقبض له، ولو قال مستحق الدين لمن عليه الدين: "سلّمْ حقّي إلى هذا الصبي" فسلم قدر حقه لم يبرأ عن الدَّين، وكان ما سلمه باقياً على ملكه، حتى لو ضاع منه فلا ضمان على الصَّبي، لأن المالك ضيَّعه حيث سلمه إليه، وإنما بقي الدَّين بحاله؛ لأن الدَّين مرسل في الذِّمة لا يتعيَّن إلا بقبض صحيح، فإذا لم يصح القبض لم يزل الحق المطلق عن الذمة، كما إذا قال لمن عليه الدَّين: "أَلْقِ حقي في البحر" فألقى قدر حقه لا يبرأ، ويخالف ما إذا قال مالك الوديعة للمودع: "سلّم مالي إلى هذا الصبي" فسلم خرج عن العهدة؛ لأنه امتثل أمره في حقه المتعيّن، كما لو قال: "أَلْقِها في البحر" فامتثل، ولو كانت الوديعة لصبي فسلَّمها إليه ضمن سواء كان بإذن الولي أو دون إذنه، إذ ليس له تضييعُها وإن أمره الولِيُّ به.
قال الغزالي: أَمَّا إِسْلاَم العَاقِدِ فَلاَ يُشْتَرَط إِلاَّ إِسْلاَمُ المُشْتَرِي في شِرَاءِ العَبْدِ المُسْلِمِ وَالمُصْحَفِ (ح) عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ دَفعاً لِلذُّلِّ، وَيَصِحُّ شِرَاءُ الكَافِرِ أَبَاهُ المُسْلمَ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شِرَاءٍ يَسْتَعْقِبُ العِتَاقَةَ، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ وَارْتِهَانهُ لِلعَبْدِ المُسْلِمِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ لاَ مِلْكَ فِيهِ كَالإِعَارَةِ وَالإِيدَاعِ عِنْدَهُ، وَلاَ يَمْنَعُ مِنَ الرَّدِّ
بالعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ انْقِلاَبَ العَبْدِ المُسْلِمِ إِلَى الكَافِرِ عَلَى أَظْهَرِ المَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّ المِلْك فِيهِ قَهْرِيٌّ كَمَا في الإِرْثِ.
قال الرافعي: إسلام البائع والمشتري ليس بشرط في صحة مطلق البيع والشراء، لكن لو اشترى الكافر عبداً مسلماً ففي صحَّته قولان:
أصحهما: وبه قال أحمد وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يصح، لأن الرِّقَّ ذل، فلا يصح إثباته للكافر على المسلم كما لا ينكح الكافر المسلمة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: أنه يصح؛ لأنه طريق من طرق المِلْك، فيملك به الكافر على المسلم كالإرْث.
والقولان جاريان فيما لو وهب منه عبد مسلم فقبل، أو وصى له بعبد مسلم، قال في "التَّتمة": هذا إذا قلنا: الملك في الوصية يحصل بالقبول.
فإن قلنا: يحصل بالموت ثبت بلا خلاف كالإرث، ولو اشترى مصحفاً أو شيئاً من أخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- ففيه طريقان:
أحدهما: وبه أجاب في الكتاب: طرد القولين:
وأظهرهما: القطع بالبطلان، والفرق أن العبد يمكنه الاستغاثة ودفع الذل عن نفسه.
قال العراقيون: والكتب التي فيها آثار السَّلف -رضي الله عنهم- كالمصحف في طرد الخلاف، ولا منع من بيع كتب أبي حنيفة من الكافر لخلوها من الآثار والأخبار.
وأما كتب أصحابه -رضي الله عنهم- فمشحونة بها فحكمها حكم سائر الكتب المشتملة عليها، وامتنع المَاوِرْدِيُّ في "الحَاوِي" من إلحاق كتب الحديث والفقه بالمصحف، وقال: إن بيعها منه صحيح لا محالة.
وهل يؤمر بإزالة الملك عنها؟ فيه وجهان 1:
التفريع: إن قلنا: لا يصح شراء الكافر العبد المسلم، فلو اشترى قريبه الَّذي يعتق عليه كأبيه وابنه ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح أيضاً، لما فيه من ثبوت الملك للكافر على المسلم.
وأصحهما: الصحة، لأن الملك المستعقب للعِتْق شاء المالك أو أبى ليس بإذلال، أَلاَ تَرَى أن للمسلم شراء قريبه المسلم، ولو كان ذلك إذلالاً لما جاز له إذلال
ابنه، والخلاف جَارٍ في كل شيء يستعقب العتق، كما إذا قال الكافر لمسلم: "أعتق عبدك المسلم عني بعوض أو بغير عوض فأجابه إليه، وكما إذا أقر بحريّة عبد مسلم في يد غيره ثم اشتراه، ورتب الإمام الخلاف في هاتين الصورتين على الخلاف في شراء القريب، وقال الأول منهما أولى بالصحة؛ لأن الملك فيها ضِمْني، والثانية أولى بالمنع؛ لأن العتق وإن حكم به فهو ظاهر غير محقق بخلاف صورة القريب، فإن العتق لا يحصل عقب الشراء، وإنما يزول الملك بإزالته، ومنهم من جعله على وجهي شراء القريب، ويجوز أن يستأجر الكافر المسلم على عمل في الذمة، لأنه كدين في ذمته، وهو بسبيل من تحصيله بغيره، وإن كانت الاجارة على العين، ففيه وجهان حرّاً كان الأجير أو عبداً.
أحدهما لا تصح، لأنها لو صحت لاستحق استعماله، وفيه إذلال له فصار كالشراء على القول الذي عليه التَّفْرِيع.
وأظهرهما: الصحة؛ لأن الإجارة لا تفيد ملك الرَّقَبة، ولا تسلطاً تامّاً، وهو في يد نفسه إن كان حرّاً، وفي يد مولاه إن كان عبداً، وإنما استوفى منفعته بعوض.
وعلى هذا فهل يؤمر بإزالة ملكه عن المنافع بأن يؤجره من مسلم؟ فيه وجهان:
جواب الشيخ أبي حامد منهما: أنه يؤمر 1.
وذكر في صحة ارتهان الكافر العبد المسلم وجهين، وأعادهما مع زيادة في "كتاب الرهن"، ونوجههما ثم إن شاء الله تعالى، ولا خلاف في جواز إعارته منه وإيداعه، لأنه ليس فيهما ملك رقبة ولا منفعة ولا حق لازم 2.
وإذا باع الكافر عبداً مسلماً كان قد أسلم في يده أو ورثه بثوب، ثم وجد بالثوب عيباً فهل له أن يرده ويسترد العبد؟ حكى الإمام فيهما وجهين، وتابعه المصنف في "الوسيط".
والحق أن له رد الثوب لا محالة، والوجهان في استرداد العبد، وهكذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره.
أحدهما: أنه ليس له استرداده، وإلا كان متملكاً للمسلم بسبب اختياري، فعلى هذا يسترد القيمة ويجعل العبد كالهالك.
وأظهرهما: على ما ذكره صاحب الكتاب أن له ذلك، لأن الاختيار في الرد.
أما عود العوض إليه فهو قهري كما في الإرث هكذا وجهه في "الوسيط" وفيه إشكال لأنا لا نَفْهَم من الملك القهري سوى الذي يتعلق سببه بالاختيار، ومن الاختياري
سوى الذي يتعلق سببه بالاختيار، وإلا فنفس الملك بعد تمام السبب قهري أبداً، ومعلوم أن عود الملك بهذا التفسير اختياري لا قهري، والأصوب في توجيهه ما قيل أن الفسخ بالعيب يقطع العقد، ويجعل الأمر كما كان وليس كإنشاء العقود، ولهذا لا تثبت به المنفعة، فإذا كان الأمر كذلك كان نازلاً منزلة استدامة الملك، ولو وجد المشتري بالعبد عيباً والتصوير كما ذكرنا، فأراد رده واسترداد الثوب، فقد حكى الإمام عن شيخه طرد الخلاف؛ لأنه كما لا يجوز للكافر تملك المسلم لا يجوز للمسلم تَمْلِيك المسلم إِيَّاه، وعن غيره القطع بالجواز، إذ لا اختبار للكافر هاهنا في التملك بحال.
وقوله في الكتاب: "ولا يمنع من الرد بالعيب" إلى آخره، ينظم الصورتين اللتين ذكرناهما، لكن التوجيه المذكور في الثانية أظهر.
ولو باع الكافر العبد المسلم ثم تقابلا، ففيه الوجهان، إن قلنا: الإقالة فسخ، وإن قلنا: إنها بيع لم ينفذ، ولو وكل كافر مسلماً ليشتري له عبداً مسلماً لم يصح، لأن العقد يقع للوكيل أوّلاً، وينتقل إليه آخراً، ولو وكل مسلم كافراً ليشتري له عبداً مسلماً، فإن سمي الموكّل في الشراء صح، وإلاّ فإن قلنا: يقع الملك للوكيل أولاً لم يصح، وإن قلنا: يقع للموكل صح، وهل يجوز أن يشتري الكافر العبد المرتد؟ فيه وجهان لِبقاء علقة الإسلام، وهذا كالخلاف في أن المرتد هل يقتل بالذمي؟
وإذا اشترى الكافر عبداً كافراً فأسلم قبل القبض، هل يبطل البيع؟ كما لو اشترى عصيراً فتخمر قبل القبض أَوْلاً يبطل كما إذا اشترى عبداً فأبق قبل القبض؟ فيه وجهان؟ وإن قلنا: لا يبطل فهل يقبضه المشتري؟ أو ينصب الحاكم من يقبض عنه، ثم يأمره بإزالة الملك فيه وجهان:
جواب القفال منهما في "فتاويه": أنه لا يبطل ويقبضه الحاكم وهو الأظهر، هذا كله تفريع على قول المنع.
أما إذا صححنا شراء الكافر العبد المسلم، نظر إن علم الحاكم به قبل القبض فيمكِّنه من القبض، أو ينصب مسلماً يقبض عنه فيه وجهان، ثم إذا حصل القبض أو علم به بعد القبض أمره بإزالة الملك على الوجه الذي في الفصل التالي لهذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لكَافِرٍ طُولِبَ بِبَيْعِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ أَزَالَ المِلْكَ عَنْهُ بِجِهَةٍ كَفَى، وَتَكْفِي الكِتَابَةُ عَلَى أَسَدِّ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ تكْفِي الحَيْلُولَةُ والإِجَارَةُ وِفاقاً إِلاَّ في المُسْتَوْلَدَة لأَنَّ الإعْتَاقَ تَخْسِيرٌ وَالبَيْعِ مُمْتَنِعٌ (و)، ثُمَّ يَسْتَكْسِبُ بَعْدَ الحَيْلُولَةِ لِأَجْلِهِ، وَلَوْ مَاتَ الكَافِرُ قَبْلَ البَيْعِ بِيعَ عَلَى وَارِثهِ.
قال الرافعي: إذا كان في ملك الكافر عبد كافر وأسلم لم يقر في يده دفعاً للذل عن المسلم، وقطعاً لسلطنة الكافر عنه.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ 1 ولا يحكم بزوال ملكه، بخلاف ما إذا أسلمت المرأة تحت الكافر؛ لأن ملك النَكاح لا يقبل النقل من شخص إلى شخص فتعين البطلان، وملك الثمن يقبل النقل، وبه يحصل دفع الذل فيصار إليه، ويؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو عتق أو هبة أو غيرها، فأي جهة أزال الملك حصل الغرض، ولا يكفي الرهن والتزويج والإجارة والحَيْلولة، وهل تكفى الكتابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لاستمرار الملك على رقبة المُكَاتب.
وأظهرهما: نعم، لأن الكتابة تفيد الاستقلال، ويقطع حكم السَّيد عنه.
فإن قلنا بهذا فالكتابة صحيحة، وإن قلنا بالأول فوجهان:
أحدهما: أنها فاسدة ويباع العبد.
والثاني: أنها صحيحة إن جوزنا بيع المكاتَب بيع مكاتَباً، وإلا فسخت الكتابة وبيع، فإن امتنع الكافر من إزالة المِلْك عنه باعه الحاكم عليه بثمن المثل، كما يبيع مال الممتنع من أداء، الحق، فإن لم يتفق الظّفر لمن يبتاعه بِثَمَن المثل فلا بد من الصبر، ويحال بينه وبين الكافر إلى الظهر ويتكسب له وتؤخذ نفقته منه.
هذا كله في المملوك القِنّ.
أما إذا أسلمت مُسْتولدة الكافر فلا سبيل إلى نقلها إلى الغير بالبيع والهبة ونحوهما على المذهب الصحيح، وهل يجبر على إعتاقها؟ فيه وجهان:
احدهما: نعم لأنها مستحقة العِتَاقَة، فلا يبعد أن يؤثر عُرُوض الإسلام في تقديمها.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: لا لما فيه من التخيير، فعلى هذا يحال بينهما وينفق عليها وتتكسب له في يد غيره.
ولو مات الكافر الذي أسلم العبد في يده صار العبد إلى وارثه ويؤمر بما كان يؤمر به المورث، فإن امتثل فذاك وإلاّ بيع عليه كما ذكرنا في المورث 2، وليس قوله في
......................... = ومنها: إذ رد بعيب اختلفا في حدوثه وقدمه فيه، وحلف المشتري على ما ادعاه رجع على سيده الكافر.
ومنها: إذا قال لمسلم أعتق عبدك عني، فأعتقه وصححناه.
ومنها: إذا كاتَبَ عَبْدَهُ الكَافِرُ، فأسلمَ العَبْدُ ثم عَجَزَ عن النجوم بنفسه أو بتعجيزه له، رجع إليه.
ذكره صاحب اللباب.
ومنها: ما إذا اشترى من يَعْتِقُ عليه، دخل في ملكه، ثم عَتَقَ عليه.
وله أن يستأجره على عمل في الذمة وعلى عينه على الأصح، ويؤمر بأن يؤجره لمسلم، كما قطع به الشيخ أبو حامد.
ومنها: أن يَعْتِقِ الكافِرُ نَصِيْبَهُ المُشْتَرَكَ من عبد مسلم وهو موسر، فإن الباقي يدخل في ملكه؛ كما ذكره البغوي وغيره.
ومنها: وَلَدُ أَمَتِهِ المسلمةِ الحادثُ في ملكه.
ومنها: ولد مستولدته الحادث في ملكه أيضاً، حكمه حكم أمه.
ومنها: ما إذا رجع إليه عبده المسلم بوجود عيب ثبت قبله، فللمشتري الرد على الصحيح.
ومنها: إذا تبايع كافران عبداً كافراً، ثم أسلم العبد قَبْلَ القبضِ، ثَبَتَ للمشتري الخيارُ، فيرجع على البائع.
ومنها: إذا باع الكافرُ عَبْدَه المسلمَ لمسلمٍ بشرط الخيار للمشتري، فاختار الفسخ، رجع إليه.
ومنها: إذا اشترى الوكيلُ الكافرَ لموكلة المسلم عبداً مسلماً، بأن قال اشتريته لموكلي زيداً، ولم يضف الثمن إلى ذمته، فالجديد وجهان، قال ابن الرفعة: أظهرهما أنه للمباشر كما نص عليه في الأم.
ومنها: ما إذا وَرِثَ الكافِرُ عبداً كافراً فأسلم، ثم باعه فظهر دين على الميت، ولم يكره الوارثُ قبض الثَمَنَ، فالأصَحُّ فَسْخُ البيعِ فيه، ويعود إلى ملك الوارث.
ومنها: إذا تبايع كافران كافراً بشرط الخيار للبائع، فأسلم العبد، فإنه يدخل في ملك الكافر بانقضاء خيار البائع.
ومنها: إذا رده بفوات الشرط كالكتابة والخياطة ونحوهما.
ومنها: إذا اشتراه بثمار فأسلم، ثم اختلطت الثمار ولم تتميز بعد، وفسخ العقد، رجع إليه.
ومنها: إذا كان للكافر عبدٌ مسلمٌ مغصوبٌ، فباعه لقادر على انتزاعه، فعجز قبل قبضه، فإن للمشتري الفسخَ، فيرجع إلى سيده الكافر.
ومنها: إذا باعه لمسلم رآه قبل العقد، ثم وجد المبيع عند القبض متغيراً، فله الفسخ.
ومنها: إذا باعه لمسلم بثمن حال، فظهر ماله غائباً في مسافة القصر، فللكافرِ الفسخُ، لتضرره بالصبر.
ومنها: أن يبيع العبد المسلم لمسلم، ثم يتقابلا، فإنه لا يجوز أن جعلنا الإقالة بيعاً.
وإن جعلناها فسخاً، وهو الصحيح.
فعلى الوجهين في الرد بالعيب كما ذكره الرافعي.
ومنها: أن يبيعه بِصُبْرَةٍ من الطعام، فيجد المشتري تحتها دكةً، فله الفسخ لتدليسه على المشتري بما فعله، فيرجع إليه.
ومنها: إذا وطئ الكافر جارية مسلمة لولده، فحملت منه، فإنها تنتقل إليه وتصير مستولدة له.
كما ذكره الرافعي وأقره النووي في الروضة على ذلك.
=
......................... = ومنها: إذا وطئ المسلم أمة كافرة على ظن أنها زوجته الأمة، فأتت بولد من ذلك الوطء، فالولد مسلم للكافر.
ومنها: أن يصدق الكافر زوجته عبداً كافراً، فيسلم العبد، ثم يقتضي الحال رجوعه أو بعضه.
ومنها: إذا خَالَعَ الكَافِرُ زَوْجَتَهُ الكَافِرَةَ على عبد كافر، فأسلم ثم اقتضى الحال فَسْخَ الخلعِ، إما بعيب أو فوات شرط، فإنه يرجع.
ومنها: إذا أَسْلَمَ عَبْدٌ لكافرٍ بعد أن جنى جنايةً توجب ما لا يتعلق برقبته، فباعه بعد اختيار الفداء، فَتَعَذَّرَ الفِدَاءُ لعدم تحصيله له، أو تأخر لإفلاسه، فسخ البيع وعاد إلى الكافر.
ومنها: إذا جاهد الكافر مع المسلمين بإذن الإمام فَغَنِمُوا، والغنيمة عبيد كلها، فأسلموا ورضخ الإمام له عبداً منهم، كان له ذلك.
ومنها: أن يكون بين كافرين، أو كافر ومسلم عَبيدٌ مسلمون أو بعضهم.
قلنا: أن القسمة إفراز، قال صاحب المهمات فقياس المذهب يقتضي الجواز فحينئذ يدخل المسلم في ملك الكافر.
ومنها: إذا أَسْلَمَ الكافرُ بإذن موكله المسلم رَأْسَ مال سلم من مال نفسه في عبد مسلم لموكله، وسماه في العقد، فحين حضر المسلم فيه وهو العبد، أنكر الموكل ما أذن فيه ولا بينه.
رجع العبد إلى الوكيل الكافر.
ومنها: إذا اشترى كافر مرتداً.
ففي صحته وجهان في الشرح والروضة، مقتضاهما الصحة، فعلى هذا لو تاب العبد المرتد، ورجع إلى الإسلام، فباعه.
ثم ظهر به عيب، فرده.
رجع إلى ملك الكافر.
ومنها: ما إذا اشترى كافر كافراً فأسلم قبل قبضه، ففي المسألة وجهان.
فإن قلنا لا يبطل، ففي قبض المشتري له أو من عينه الحاكم ليقبض عنه وجهان قطع القفال في فتاويه بعدم البطلان ويقبضه الحاكم.
قال النووي في أصل الروضة، وهذا هو الصحيح.
ومنها: إذا اشترى المكاتب المسلم عبداً كافرا من كافر، ثم عجز عن النجوم أو عجزه السيد، رجع إلى سيده الكافر.
ومنها: إذا كاتب الكافر عبده، فَاسْتَرَقَ ثم أسلم ورجع إلى الإسلام، وعجز عن النجوم، رجع إلى سيده.
ومنها: إذا باع الكافر عبده المسلم بثوب، ثم وَجَدَ بالثوب عيباً، فالمذهب أنَّ له رَدَّ الثوبِ، ويرجع العبد إلى سيده الكافر.
ذكره في الروضة.
قال: ولو اشترى شيئاً لغيره بإذنه بمال نفسه ولم يسمه، وقع له دون غيره وإن سماه في العقد من غير إذنه، لم يقع له ويقع لمن باشره.
ومنها: إذا اشترى الكافر لولده الصغير جاريةً في الذمة، فأسلمت وَوَجَدَ بها عيباً قديماً، ولم يرد، انقلب الشراء إلى أبيه وَلَزِمَة الثمنُ من مال نفسه كما هو مقتضى كلام المتولي.
ومنها: [إذا أسلم الكافر في عبد مسلم لنفسه، صح في أصح الطريقين ولا اعتراض عليه حتى يقبض كما ذكره السبكي في شرحه] ينظر الأغنياء (1/ 449 - 456).
الكتاب: "بيع على وارثه" تخصيصاً للبيع القهري بالوارث فاعرف ذلك.
وقوله: "والحيلولة وفاقاً"، لفظ الوفاق لا يتعلق به كثير غرض.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ المَعْقُودُ عَلَيْهِ وَشَرَائِطُهُ خَمْسَةٌ، أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، مُنْتَفِعاً بِهِ، مَمْلُوكاً لِلعَاقِدِ، مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ، مَعْلُوماً الأَوَّلُ الطَّهَارَةُ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْجَيْنِ (م ح) وَالكلْبِ (م ح) وَالخِنْزِيرِ وَالأَعْيَانِ النَّجِسَةِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الخَمْرِ وَالعَذِرَة وَالجِيفَةِ وِفَاقًا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ، وَالدُّهْنُ إِذَا نَجُسَ بِمُلاقَاةِ النَّجَاسَةِ صَحَّ بَيْعُهُ (م) وَجَازَ اسْتِصْبَاحُهُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: يعتبر في المبيع ليصح بيعه شروط:
أحدها: الطَّهارة، فالشيء النجس ينقسم إلى ما هو نجس العين، وإلى ما هو نجس بعارض.
فأما القسم الأول فلا يصح بيعه، فمنه الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما.
رُوِي عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ" 1.
وروى جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخَنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ" 2 ولا فرق بين أن يكون الكلب معلماً أو غير معلّم وبهذا قال أحمد.
وعن أبي حنيفة -رضي الله عنه- يجوز بيع الكلب إلا أن يكون عقوراً ففيه روايتان.
وعن أصحاب مالك اختلاف فيه منهم من لم يجوزه، ومنهم من جوز بيع الكلب المأذون في إمساكه.
ومنه: السِّرْجِين 3 والبَوْل لا يجوز بيعهما، كما لا يجوز بيع الميتة والعَذِرَة، والجامع نجاسة العين، وساعدنا أحمد فيما نذهب إلى نجاسته منهما.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السِّرْجين 4.
وقوله في الكتاب: "كما لا يجوز بيع الخمر والعَذِرَة والجِيفَة وفاقاً وإن كان فيها منفعة"، أشار به إلى الجواب عن عذر يبديه أصحاب أبي حنيفة إذا احتججنا عليهم في المنع من بيع الكلب والسرجين بالقياس على بيع الخمر والعذرة والجيفة، فإنها لما كانت نجسة العين امتنع بيعها بالاتفاق، قال: ليس لزاعم منهم أن يزعم أن المنع من البيع في صورة الوفاق، إنما كان لخلوهما عن المنفعة؛ لأن كل واحد منهما لا يخلو عن ضرب منفعة.
أما الخمر فبغرض أن تصير فلا تكون عارية عن المنفعة في الحال، ألا ترى أن الصغير اليوم منتفع به لما يتوقع حال كبره، وأما العَذِرَة فإنها يسمدُ بها الأرض، وأما الجيفة فتطعم منها جوارح الصيد، ثم المنع من بيع الجيفة ليس متفقاً عليه في جميع أجزائها؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة تجويز بيع جلدها قبل الدِّبَاغ، وإنما المتفق عليه اللحم، ويجوز بيع الفَيْلَج 1 وفي باطنه الدود الميتة؛ لأن إبقاءها فيه من مصالحها، كالحيوان يصح بيعه والنجاسة في باطنه، وفي بيع بَزْر القز وَفَأْرَةِ المِسْك خلاف مبني على الخلاف السابق في طهارتها وأما القسم الثاني وهو: ما نجس بعارض فهو على ضربين:
أحدهما: النجس الذي يمكن تطهيره كالثوب النجس والخشبة النجسة والآجر النجس بملاقاة النجاسة، فيجوز بيعها؛ لأن جوهرها طاهر، وازالة النجاسة عنه هَيِّنة، نعم ما استتر بالنجاسة التي وردت عليها يخرج بيعه على بيع الغائب.
والثاني: ما لا يمكن تطهيره كالخَلِّ، واللَّبن والدَّبْس إذا تنجَّست لا يجوز بيعها 2 كما لا يجوز بيع الخَمْر والبَوْل والدُّهْن 3 النَّجِس، إن كان نجس العين فلا سبيل إلى بيعه بحال، وذلك كدهن الميتة، وإن نجس يعارض ففي بيعه خلاف مبني على أنه هل يمكن تطهيره؟
فعن ابن سريج وأبي إسحاق: يمكن تطهيره، وعن صاحب "الإيضاح" وغيره: أنه لا يمكن، وهو الأظهر فعلى هذا لا يجوز بيعه، وعلى الأول فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز كالثوب النجس، ويُحْكى عن ابن أبي هريرة.
وأصحهما: وبه قال أبو إسحاق: لا يجوز، لما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتِ في السَّمْنِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَامِداً فَألْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَائِباً فَأَرِيقُوهُ" 1.
ولو كان جائزاً لما أمرنا بإراقته، وهذا أجود ما يحتج به على امتناع التطهير.
وخرجوا على هذين الوجهين بيع الماء النجس؛ لأن تطهيره بالمكاثرة ممكن، وأشار بعضهم إلى الجزم بالمنع، وقال: إنه ليس بتطهير، ولكنه يستحيل ببلوغه قلتين من صفة النجاسة إلى الطهارة كالخمر يتخلل.
واعلم: أن هذا الخلاف صادر ممن يجوز بيع الماء في الجملة.
أما من منع بيعه مطلقاً على ما ستعرفه فلا فرق عنده بين الطاهر والنجس منه.
وذكر الإمام بناء مسألة الدُّهن على وجه آخر فقال: إن قلنا: يمكن تطهيره جاز بيعه، وإلا ففيه قولان 2 مبنيان على جواز الاستصباح.
واعلم: أن مسألة كون الاستصباح مكروهاً قد مرت بشرحها، مرة في آخر "صلاة الخوف".
وقوله: "إذا نجس بِمُلاَقاة النجاسة".
التقييد يكون نجاسته بالملاقاة محتاج إليه ليجيء القولان في البيع وغير محتاج إليه ليجيء القولان في الاستصباح لما سبق.
وقوله: "على أظهر القولين" غير مساعد عليه في البيع، بل الظاهر عند الأصحاب منعه وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة، ويجوز نقل الدهن النجس إلى الغير عند الأصحاب إلى الغير بالوصية كما تجوز الوصيّة بالكلب.
وأما هبته والصدقة به فعن القاضي أبي الطيب: منعهما 3، ويشبه أن يكون فيهما ما في هِبَة الكلب من الخلاف.
قال الغزالي: الثَّاني: المَنْفَعَةُ وَبيْعُ مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ كَالحَبَّةِ مِنَ الحِنْطَةِ، أَوْ لِخِسَّتِهِ كَالخَنَافِسِ وَالحَشَرَاتِ وَالسِّبَاعِ (و) الّتي لاَ تَصِيدُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ مَا أَسْقَطَ الشَّرْعُ مَنْفَعَتَهُ كَآلاتِ المَلاَهِي (و)، وَيصِحُّ بَيْعُ الفِيل وَالفَهْدِ وَالهِرَّةِ، وَكَذا المَاءُ (و) وَالتُّرَابُ وَالحِجَارَةُ وَإِنْ كَثُرَ وُجُودُهَا لِتَحَقُّقِ المَنْفَعَةِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ (م ح) لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ؛ لأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ.
قال الرافعي: الشرط الثاني: كون المبيع منتفعاً به، وإلاَّ لم يكن مالاً وكان أخذ المال مقابلته قريباً من أكل المال بالباطل، ولخلوّ الشي عن المنفعة سببان:
أحدهما: القلَّة كالحبة من الحِنْطَة والحبتين والزَّبِيْبَة وغيرهما فإن ذلك القدر لا يعد مالاً، ولا يبذل في مقابلته المال، ولا ينظر إلى ظهور الانتفاع إذا ضمَّ هذا القدر إلى أمثاله، ولا إلى ما يفرض من وضع الحَبَّة الواحدة في الفَخِّ، ولا فرق في ذلك بين زمان الرّخص والغَلاَء، ومع هذا فلا يجوز أخذ الحَبَّة والجَبَّتَيْن من صُبرة الغير، إذ لو جوزناه لا نجر ذلك إلى أخذ الكثير.
ولو أخذ الحبة ونحوها، فعليه الرد، فإن تلفت فلا ضمان، إذ لا مالية لها، وعن القفال: أنه يضمن مثلها.
والثاني: الخِسَّة كالحشرات 1، واعلم: أن الحيوانات الطاهرة على ضربين:
أحدهما: ما ينتفع به فيجوز بيعه كالغنم والبِغَال والحَمِير، ومن الصُّيُود كالظِّبَاء 2 = لصيد أو ماشية أو زرع، وما في معناها هذا نصه.
واتفق الأصحاب على جواز اقتنائه لهذه الثلاثة، وعلى اقتنائه لتعليم الصيد ونحوه، والأصح: جواز اقتنائه لحفظ الدور والدروب وتربية الجرو لذلك وتحريم اقتائه قبل شراء الماشية والزرع، وكذا كلب الصيد لمن لا يصيد.
ويجوز اقتناء السرجين وتربية الزرع به لكن يكره واقتناء الخمر مذكور في كتاب "الرهن" ينظر روضة الطالبين (3/ 13 - 14).
والغِزْلاَن 1، ومن الجوارح كالصُّقُور 2 والبُزَاة والفُهُود، ومن الطيور كالحَمَام والعَصَافير والعُقَاب 3 ومنه ما ينتفع بلونه أو صوته كالطاوس والزَّرْزُور 4 وكذا الفيل = ومساكنها الرمال ويقال إنها ضأن الظباء لأنها أكثر لحوماً وشحوماً وصنف يسمى العفر وألوانها حمر وهي قصار الأعناق وهي أضعف الظباء عدواً تألف المواضع المرتفعة من الأرض والأماكن الصلبة قال الكميت: وكنا إذا جبار قوم أرادنا... بكيد حملناه على قرن أعفرا يعني نقتله ونحمل رأسه على السنان وكانت الأسنة فيما مضى من القرون وصنف يسمى الأدم طوال الأعناق والقوائم بيض البطون وتوصف الظباء بحدّة البصر وهي أشدّ الحيوان نفوراً ومن كيس الظبي أنه إذا أراد أن يدخل كناسه يدخل مستدبراً ويستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفانه فإن رأى أن أحداً أبصره حين دخوله لا يدخل وإلا دخل ويستطيب الحنظل ويلتذ بأكله ويرد البحر فيشرب من مائه المر الزعاق قال ابن قتيبة ولد الظبية أوّل سنة طلا بفتح الطاء وخشف بكسر الخاء المعجمة ثم في السنة الثانية جذع ثم في الثالثة ثنيّ ثم لا يزال ثنياً حتى يموت] ينظر حياة حيوان (1/ 123).
والهِرَّة، وكذا القِرْد، فإنه يتعلّم الأشياء فيعلم، ويجوز أيضاً بيع دود القَزِّ لما فيه من المنفعة، وبيع النَّخْل في الكِوَارَةِ صحيح، إن كان قد شاهد جميعها، وإلاَّ فهو من صورة بيع الغائب، وإن باعها وهي طائرة من الكِوَارَة، فمنهم من صحح البيع كبيع النَّعم المُسَيَّبة في الصَّحْراء، وهذا ما أورده في "التَّتِمة"، ومنهم من منعه إذ لا قدرة على التَّسْليم في الحال، والعود غير موثوق، وهذا ما أورده في "التهذيب" 1. والضرب الثاني: ما لا يُنْتَفع به فلا يجوز بيعه، كالخَنَافِس والعَقَارب والحَيَّات وكالفَأْرَة والنَّمْل ونحوها، ولا نظر إلى منافعها المعدودة في الخواص؛ فإن تلك المنافع لا تلحقها بما يبعد في العادة مالاً، وفي معناها السِّبَاع التي لا تصلح للاصْطِياد والقتال عليها الأَسَد والذِّئْب وَالنَّمِر ولا نظر إلى اقتناء الملوك للهَيْبَة والسياسة، فليست هي من المنافع المعتبرة، ونقل أبو الحسن العبادي وجهاً: أنه يجوز بيع النمل؛ بـ"عسكر مُكرَم" 2، لأنه يعالج به السكر، وبـ"نصيبين" 3 لأنه تعالج به العَقَارب الطيَّارة.
وعن القاضي حسين حكاية وجه في صحة بيعها لأنها طاهرة، والانتفاع بجلودها متوقع في المآل، ولا يجوز بيع الحِدَأة 1 والرّخَمَة 2 والغُرَاب، فإن كان في أجنحة بعضهما فائدة جاء فيها الوجه الذي حكاه القاضي، هكذا قاله الإمام، لكن بينهما فرق؛ لأن الجلود تدبغ فتطهر، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة 3، وفي بيع العَلَق وجهان: أظهرهما: الجواز لمنفعة امتصاص الدَّم والسُّم إن كان يقتل بالكثرة، وينتفع بقليله كالسُّقمونيا والأَفْيُون جاز بيعه، وإن قتل كثيره وقليله، فجواب الجمهور فيه المَنْع، ومال الإمام وشيخه إلى الجواز، ليدسَّ في طعام الكافر، وفي بيع الحِمَار الزَّمِن الذي لا منفعة فيه وجهان: = وعليها سور كانت الروم بنَتْه وأتمه أنوشروان الملك عند فتحه إياها] ينظر معجم البلدان (5/ 333).
أظهرهما: المنع، بخلاف العبد الزَّمِن فإنه يتقرب بإعتاقه.
والثاني: الجواز لغرض الجلد في المآل.
وقوله في الكتاب: "باطل" يجوز أن يعلّم بالواو للوجه الذي ذكرنا في الأَسَد ونحوه، وأيضاً فإن صاحب "التتمة" نقل في بيع ما لا منفعة فيه لقلته وجهين، ثم في الفصل صور:
إحداها: آلات المَلاَهي كالمزامِير والطَّنَابير وغيرهما، فإن كانت بحيث لا تعدُّ بعد الرَّضِّ والحلّ مالاً، فلا يجوز بيعهما، والمنفعة التي فيها لما كانت محظورة شرعاً كانت ملحقة بالمنافع المعدومة حسّاً، وإن كان الرّضَاض يعد مالاً، ففي جواز بيعها قبل الرَّضِّ وجهان:
أحدهما: الجواز، لما فيه من المنفعة المتوقعة.
وأظهرهما: المنع؛ لأنهما على هيئة آلة الفَسْق ولا يقصد بها غيره، وتوسط الإمام بين الوجهين فذكر وجهاً ثالثاً وهو: أنها إن اتخذت من جواهر نفيسة صح بيعها؛ لأنها مقصودة في نفسها وإن اتخذت من خشب ونحوه فلا، وهذا أظهر عنده وتابعه المصنف في "الوسيط"، لكن جواب عامة الأصحاب المنع المطلق، وهو ظاهر لفظه هاهنا، ويدل عليه خبر جابر المَرْوِيّ في أول الركن.
فرع: الجارية المغنِّية إذا اشتراها بألفين، ولولا الغناء لكانت لا تطلب إلا بألف حكى الشيخ أبو علي المحمودي: أفتى ببطلان البيع، لأنه بذل مال في مَعْصية وعن الشيخ أبي زيد: أنه إن قصد الغناء بطل، وإلا فلا.
وعن الأَوْدَنِيّ: أن كل ذلك استحسان، والقياس الصحة 1.
الثانية: بيع المياه المملوكة صحيح؛ لأنه طاهر منتفع به.
وفيه وجه: أنه لا سبيل إلى بيعه، ولا نبسط القول في المسألة بذكرها في "إحياء الموات" إن شاء الله تعالى فإن أقسام المياه من المملوك وغير مذكورة ثم وصحة البيع من تفاريع الملك.
الثالثة: إذا جوزنا بيع الماء، ففي بيعه على 2 شطِّ النهر، وبيع التراب في
الصحراء، وبيع الحجارة فيما بين الشِّعَاب الكثيرة الأحجار وجهان نقلهما في "التَّتمة".
أحدهما: لا يجوز أنه بذل المال لتحصيله مع وجدان مثله بلا مُؤْنَة وتعب نفسه.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنه يجوز؛ لأن المنفعة فيها يَسِيْرة ظاهرة، وإمكان تحصيلها من مثله لا يَقْدَح في صحته.
الرابعة: بيع لَبْن الآدَمِيَّات صحيح، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، ولأحمد -رضي الله عنه- أيضاً في إحدى الرّوايتين، لنا أنه مال طاهر منتفع به فأشبه لَبَنَ الشَّاة.
قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكاً لِمَنْ وَقَعَ العَقْدُ لَهُ، فَبَيْعُ الفُضُولِيِّ مَالَ الغَيْرِ لاَ يَقِفُ (ح) عَلَى إِجَازتهِ عَلَى المَذْهَبِ الجَدِيد، وَكذَلِكَ بَيْعُ الغَاصِبِ وَإِنْ كَثُرَتْ تَصَرُّفَاتُهُ في أَثْمَانِ المَغْصُوبَات عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ فَيُحْكَمُ بِبُطْلاَنِ الكُلِّ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ أنَّهُ حَيٌّ فإذَا هُوَ مَيِّتٌ وَالمَبِيعُ مِلْكُ البَائِعِ حُكِمَ بِصحَّةِ البَيْعِ عَلَى أَسَدِّ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: الشرط الثالث في المبيع: كونه ملكاً لمن يقع العقد له إن كان يباشره لنفسه، فينبغي أن يكون له، فإن كان يباشره لغيره بِولاَيَة أو وِكَالَة، فينبغي أن يكون لذلك الغير.
وقوله هنا "لا لمن وقع العقد له"، يبين أن المراد من قوله: مسلوكاً للعاقد في أول الركن ما أوضحه هاهنا.
واعلم: أن اعتبار هذا الشرط ليس متفقاً عليه، ولكنه مفرع على الأصح كما ستعرفه -إن شاء الله تعالى- هذا الفصل ثلاث:
أحدها: إذا باع مال الغير بغير إذن ولا ولاية ففيه قولان:
الجديد: أنه لاغٍ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لحكيم بن حزام: "لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" 1.
وأيضاً فإن بيع الآبِق غير صحيح مع كونه مملوكاً له، لعدم القدرة على التسليم، فبيع ما لا يملك ولا قدرة على تسليمه أولى.
والقديم: أنه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك إن أجاز نفذ، وإلا لَغَا لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "دَفَعَ دِينَاراً إِلَى عُرْوَةَ البَارِقِيّ لِيَشْتَرِيَ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، وَبَاعَ إحْدَاهُمَا
بدِينَارٍ، وَجَاءَ بشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَقَال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: بَارَكَ اللهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ" 1 والاستدلال أَنه باع الشَّاة الثانية من غير إذن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- ثم انه أجازه، ولأنه عقد له تَنْجِيز في الحال فينعقد موقوفاً كالوصية، والقولان جاريان فيما لو زوج أمه الغير أو ابنته أو طلق منكوحته أو عتق عبده أو أجَّر داره أو وهبها بغير إذنه، ولو اشترى الفُضُولي لغيره شيئاً، نظر إن اشترى بغيره ما له ففيه قولان، وإن اشترى في الذمة، نظر إن أطلق ونوى كونه للغير، فعلى الجديد يقع عن المباشر، وعلى القديم يتوقف على الإجازة، فإن رد نفذ في حقه، ولو قال: اشتريت لفلان بألف في ذمتي، فالحكم كما لو اشترى بعين ماله، ولو اقتصر على قوله: "اشتريت لفلان بألف"، ولم يضف الثمن إلى ذمته، فعلى الجديد فيه وجهان:
أحدها: يلغو العقد وتَلْغُو التَّسمية والثاني يقع العقد عن المباشر 2 وعلى القديم: يتوقَّف على إجازة ذلك الغير، فإن رد ففيه وجهان، ولو اشترى شيئاً لغيره بمال نفسه، نظر إن لم يسمه وقع العقد عن المباشر سواء أذن ذلك الغير أم لا، وإن سماه نظر إن لم يأذن له لَغَت التَّسمية، وهل يقع عنه أم يبطل من أصله؟
فيه وجهان، وإن أذن له، فهل تلغو التسمية؟ فيه وجهان، إن قلنا: نعم، فيبطل من أصله أو يقع عن العاقد فيه وجهان، وإن قلنا: لا وقع عن الآذن، والثمن المدفوع يكون قرضاً أو هبة فيه وجهان.
ويجوز أن يعلّم قوله في الكتاب: "لا يقف على إجازته" بالميم والألف والحاء.
أما الميم؛ فلأن مذهب مالك كالقول القديم، وأما الألف فلأن عن أحمد روايتين كالقولين.
أما الحاء؛ فلأن مذهب أبي حنيفة كالقول القديم في البيع والنكاح.
وأما في الشراء فقد قال في صورة شراء المطلق: يقع عن جهة العاقد ولا ينعقد موقوفاً، وعن أصحابه، اختلاف فيما إذا سمي الغير، وشرط الوقف عند أبي حنيفة أن يكون للعقد تَنْجِيز في الحال مالكاً كان أو غير مالك حتى لو أعتق عبد الطفل أو طلق امرأته لا يتوقف على إجازته بعد البُلُوغ، والمعتبر إجازة من يملك التَّصرف عند العقد، حتى لو باع مال الطِّفْل فبلغ وأجاز لم ينفذ، وكذا لو باع مال الغير ثم ملكه وأجاز.
قال الشيخ أبو محمد: ولا نخالف في ذلك أبا حنيفة إذا فرعنا على القديم.
وذكر إمام الحرمين: أن العراقيين لم يعرفوا القول القديم في المسألة وقطعوا بالبطلان وهذا إن استمر اقتضى إعلام قوله "على المذهب الجديد" بالواو، وإنما أتوقف
فيه، لأن الذي أَلفته في كتب العراقيين الاقتصار على ذكر البطلان 1 لا نفي الخلاف المذكور والمفهوم من إطلاق لفظ القطع في مثل هذا المقام، وفرق بين أن لا يذكر الخلاف وبين أن لا يبقى.
المسألة الثانية: لو غصب أموالاً وباعها وتصرَّف في أثمانها مرة بعد أخرى ففيه قولان:
أصحهما: البطلان 2.
والثاني: للمالك أن يجيزها ويأخذ الحاصل منها، وصورة المسألة وما فيها من القولين قريبة من الأولى، ويزاد فيها عُسْر تتبع العقود الكثيرة بالنقض والإبطال ورعاية مصلحة المالك، وعلى هذا الخلاف يبنى الخلاف في أن الغاصب إذا ربح في المال المغصوب يكون الربح له أو للمالك على ما سيأتي في "باب القراض" وغيره -إن شاء الله تعالى-.
الثالثة: لو باع مال أبيه على ظن أنه حيٌّ وهو فُضُولي فَبَانَ أنه كان ميتاً يومئذ، وأن المبيع ملك للعاقد ففيه قولان:
أصحهما: أن البيع صحيح لصدوره من المالك، ويخالف ما لو أخرج دراهم، وقال: إن مات مورثي فهذا زكاة ما ورثته، وكان قد ورث لا يجزئه؛ لأن النِّيَّة لا بد منها في الزكاة، ولم تُبْنَ نيته على أصل، وفي البيع لا حاجة إلى النية.
الثاني: أنه باطل؛ لأن هذا العقد وإن كان منجزاً في الصورة فهو في المعنى معلق، والتقدير: إن مات مورثي فقد بعتك، وأيضاً فإنه كالعَابِث عند مباشرة العقد لاعتقاده أن المبيع لغيره، ولا يبعد تشبيه هذا الخلاف بالخلاف في أن بيع الهازل هل ينعقد؟ وفيه وجهان، والخلاف في بيع التَّلْجِئَة وصورته: أن يخاف غصب ماله أو الإكراه على بيعه فيبيعه من إنسان بيعاً مطلقاً، ولكن توافقاً قبله على أنه لدفع الشر لا على حقيقة البَيْع، وظاهر الذهب: انعقاده، وفيه وجه، ويجري الخلاف فيما إذا باع العبد على ظنه أنه آبِق أو مُكَاتب، فإذا هو قد رجع أو فسخ الكتابة، ويجري أيضاً فيما
إذا زوج أمة أبيه على ظنِّ أنه حي ثم بَانَ موته، هل يصح النكاح؟
فإن صح فقد نقلوا وجهين فيما إذا قال: إن مات أبي فقد زوجتك هذه الجارية، وبهذا يضعف توجيه قول البطلان بأنه وإن كان منجزاً في الصورة فهو معلّق في المعنى، لأنا لا نجعل هذا التَّعليق مفسداً، وإن صرح به على رأي فما ظنك بتقديره.
واعلم: أن القولين في المسائل الثلاث يعبَّر عنهما بقولي وقف العقود، وحيث قال المصنف في الكتاب: "ففيه قولاً وقف العقود" أراد به هذين القولين، وإن لم يذكر هذا اللقب هاهنا وإنما سمّيا بالوقف؛ لأن الخلاف آيل إلى أَنَّ العقد هل ينعقد على الوقف أم لا؟ فعلى قول: ينعقد في المسألتين موقوفاً على الإجازة أو الرد وفي الثانية: موقوفاً تبين على الموت أو الحياة، وعلى.
قول: لا ينعقد موقوفاً بل يبطل، ثم ذكر الإمام أنَّ الصحة ناجزة على قول الوقف، لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة، وأن الوقف يطّرد في كل عقد يقبل الاستنابة كالمُبَايعات والإِجَارات والهِبَات والعِتْق، والطَّلاَقَ والنِّكَاح وغيرها.
قال الغزالي: الرَّابع أَنْ يَكُونَ مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الآبِقِ والضَّالُ وَالمَغْصُوبِ، وَإِنْ قَدَر المُشْتَرِي علَى انْتِزَاعِهِ مِنْ يَدِ الغَاصِبِ دُونَ البَائِعِ صَحَّ عَلَى أَسَدِّ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ لَهُ الخِيَارُ إِن عَجَزَ، وَبيْعُ حَمَامِ البُرْجِ نَهَاراً اعْتِمَاداً عَلَى العَوْدِ لَيْلاً لاَ يَصِحُّ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: الشرط الرابع: القدرة على التسليم 1، ولا بد منها ليخرج العقد عن أن يكون بيع غَرَر ويوثق بحصول العوض، ثم فوات القدرة على التسليم قد يكون من حيث الحس، وقد يكون من حيث الشرع، وصور هذا الفصل من الضرب الأول وهي ثلاث:
أحدها: بيع الضَّال والآبق 2 باطل عرف موضعه أو لم يعرف؛ لأنه غير مقدور
على تسليمه في الحال هذا هو المشهور، قال الأئمة: ولا يشترط في الحكم بِالبُطْلان اليأس من التَّسليم، بل يكفي ظهور التَّعذر، وأحسن بعض الأصحاب فقال: إذا عرف مكانه وعلم أنه يصل إليه إذا رام الوصول فليس له حكم الآبق.
الثانية: إذا باع الملك ماله المغصوب نظر إن كان يقدر على استرداده وتسليمه صح البيع، كما يصح بيع الوَدِيعة والعَارِيَة وإن لم يقدر نظر إن باعه ممن لا يقدر على انتزاعه من يد الغاصب لم يصح لما سبق 1 وإن باعه ممن يقدر على انتزاعه منه ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن البائع يجب عليه التسليم وهو عاجز.
وأصحُّهما: الصحة؛ لأن المقصود وصول المشتري إلى المبيع، وعلى هذا إن علم المشتري حقيقة الحال فلا خيار له، ولكن لو عجز عن الانتزاع لضعف عرض له أو قوة عرضت لِلْغَاصب فله الخيار 2، وفيه وجه آخر أشار إليه الإمام، وإن كان جاهلاً عند العقد فله الخيار؛ لأن البيع لا يلزمه كُلْفة الانتزاع.
وقوله في الكتاب: "ثم له الخيار إن عجز" المراد منه حالة العلم؛ لأن عند الجهل لا يشترط العجز في ثبوت الخيار، ويجوز أن يعلّم بالواو للوجه المشار إليه.
ولو باع الآبق ممن يسهل عليه رده، ففيه الوجهان المذكوران في المغصوب، ويجوز تزويج الآَبِقَة والمَغْصُوبة وإعتاقُهُمَا، وذكر في البيان: أنه لا يجوز كتابة المغصوب؛ لأن الكتابة تقتضي مُكْنة التصرف وهو ممنوع منه.
= والثانية: إذا اشترى رجل أباه الآبق أو ولده ففي صحة البيع وجهان.
قال صاحب التوسط: والأشبه الصحة فيهما وهو ظاهر في الأولى فيما إذا أراد عتقه تطوعاً لا عن كفارته ويشبه أن يلتحق بما ذكره ما لو اشترى من شهد بعتقه ورداً ومن كان أقر بحريته.
الثالثة: لا يجوز بيع السَّمَك في الماء والطير في الهواء، وإن كان مملوكاً له لما فيه من الغَرَر، ولو باع السمك في بركة لا يمكنها الخروج منها، نظر إن كانت صغيرة يمكن أخذها من غير تعب ومشقة صح بيعها لحصول القدرة، وإن كانت كبيرة لا يمكن أخذها إلاَّ باحتمال تعب شديد، ففيه وجهان أوردهما ابْنُ سُرَيج فيما رأيت له من جوابات "جامعه الصّغير" وغيره:
أظهرهما: المنع، وبه قال أبو حنيفة كبيع الآبق، ويدل عليه ما روى عن ابن مسعود أنه قال: "لاَ يَشْتَرِي السَّمَكَةَ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ غَرَرَّ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الْغَررِ".
وهذا كله فيما إذا لم يمنع الماء رؤية السمك فإن منع الرؤية لكدورته فهو على قولي بيع الغائب، إلاَّ أن لا يعلم قلّة السمك وكثرتها وشيئاً من صفاتها فيبطل لا محالة، وبيع الحَمَام في البُرْج على التفصيل المذكور في البِرْكة، ولو باعها وهي طائرة اعتماداً على عادة عودها باللَّيل، ففيه وجهان كما ذكرنا في النَّحل:
أصحهما على ما ذكره في الكتاب: المنع، وبه قال الأكثرون إذ لا قدرة في الحال، وعودها غير موثوق به إذ ليس لها عَقْلٌ باعث 1.
قال الغزالي: وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ نِصْفٍ مِنْ سَيْفٍ أَوْ نَصْلٍ قَبْلَ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ يَنْقصُهُ وَالبَيْعُ لاَ يُوجبُ نُقْصَانَ غَيْرِ المبيعِ، وَيَصِحُّ بَيْعُ ذِرَاعٍ مِنْ كِرْبَاسٍ لاَ يُنْقَضُ بالفَصْلِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعاً وَهوَ المَرْهُونُ، وَإذَا جَنَى العَبْدُ جنَايَة تَقْتَضِي تَعَلُّقَ الأَرْش بِرَقَبَتهِ صَحَّ بِيْعُهُ عَلَى أَقْوَى القَوْلَيْنِ وَكَانَ الْتِزَاماً لِلْفِدَاءِ لأَنَّهُ لَمْ يَحْجُزْ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْدِرُ عَلَى مَا لاَ يُفَوِّتُ حَقَّ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خِيَارُ الفَسْخِ إِنْ عَجَزَ عَنْ أَخْذِ الفِدَاءِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: لو باع نصفاً أو ربعاً أو جزءاً آخر شائعاً من سيف أو إناء أو نحوهما فهو صحيح، وذلك الشيء مشترك بينهما.
ولو عيَّن نصفاً أو ربعاً وباعه لم يصح؛ لأن التسليم لا يمكن إلا بالقَطْع والكسر، وفيه نقص وتضييع للمال، ولو باع ذراعاً فصاعداً من ثوب نظر إن لم يعيّن الذّراع فسنذكره من بعد -إن شاء الله تعالى-، وإن عيّن نظر إن كان الثوب نفيساً ينقص ثمنه بالقطع، فهل يصح البيع؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصَّبَّاغ وغيره:
أحدهما: نعم -وبه قال صاحب "التقريب"- كما لو باع ذراعاً معيناً من أرض أو دار.
وأظهرهما: وهو الذي أورده الشيخ أبو حامد وحكاه صاحب "التلخيص" عن نصه: لا؛ لأنه لا يمكن التسليم إلا باحتمال النُّقْصَان والضَّرر، وفرقوا بينه وبين الأرض بأن التَّمييز في الأرض يحصل بالعلامة بين النَّصِيبَيْن من غير ضرر، ولمن نصر الأول أن يقول: قد تتضيّق مَرَافق البُقْعَة بالعلامة وتنقص القيمة، فوجب أن يكون الحكم في الأرض على التَّفْصيل أيضاً.
واعترض ابن الصَّبَّاغ على معنى الضَّرَر بأنهما إذا رضيا به واحتملاه وجب أن يصحّ البيع، كما يصح بيع أحد زوجي الخُفِّ وإن نقص تفريقهما من قيمتهما، والقياس طرد الوجهين في صورة السَّيف والإناء؛ لأن المعنى لا يختلف، وإن كان الثوب مما لا ينقص بالفصل والقطع كالكِرْبَاسِ الصَّفِيق، فقد حكى صاحب الكتاب وشيخه فيه وجهين:
أصحهما: وهو الذي أورده الجمهور: أنه يصح، لزوال المعنى المذكور.
والثاني: المنع؛ لأن التفصيل لا يَخْلُو عن تغيير لغير المبيع، وهذا فيما أورده الإمام، واختيار صاحب "التلخيص"، وكان سببه إطلاق لفظه في "التلخيص" بعد ذكر لو باع ذراعاً من الأرض قال: ولو قال ذلك في الثوب، لم يجز قاله نصا، وأيضاً قال في "المفتاح" من ثوب ذراعاً على أن يقطعه لم يَجُزْ بحال، إلاَّ أنَّ الأكثرين حملوا كلامه على الثوب الذي ينقص بالفصل، ولو باع جزءاً معيناً من جدار أو أُسْطُوَانة، نظر إن كان فوقه شيء لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما فوقه، وإن لم يكن نظر إن كان قطعة واحدة من طين أو خشب أو غيرهما لم يجز، وإن كان من لَبِن أو آجُرِّ هكذا أطلق في "التلخيص"، وهو محمول عند الأئمة على ما لو جعل في النهاية شق نصف من الآجُرِّ واللَّبِن دون أن يجعل المقطع نصف سمكها، وفي تجويز البيع إذا كان من لَبِن أو آجُرِّ إشكال، وإن جُعل النهاية ما ذكروه من وجهين:
أحدهما: أن موضع الشَّق قطعة واحدة من طين أو غيره، فالفصل الوارد عليه وارد على ما هو قطعة واحدة.
والثاني: هَبْ أنه ليس كذلك لكن رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي، وإن لم يكن قطعة واحدة فليفسد البيع، ولهذا قالوا: لو باع جذعاً في بناءٍ لم يصح؛ لأن الهدم يوجب النقصان، فأي فرق بين الجِذْع والآجُرِّ، وكذا لو باع فَصّاً في خَاتَم، وذكر بعض الشارحين لـ"المفتاح" في تفاريع هذه المسألة: أنه لو باع داراً إلاَّ بيتاً في صدرها لا يَلِي شارعاً ولا ملكاً له على أنه لا ممرَّ له في المبيع لا يصح البيع، وهذا باب في فتحه بعد، ويتأكد بمثله المَيْل إلى الوجه الذي نصره ابن الصباغ.
المسألة الثانية: لا يصح بيع المَرْهُون بعد الإقباض وقَبل الانفِكَاك 1 لأنه عاجز عن تسليمه شرعاً لما فيه من تفويت حق المُرْتهن.
الثالثة: الجناية الصادرة من العبد قد تقتضي المال، إما متعلقاً برقبته أو بذمته، وقد تقتضي القصاص، وموضع تفصيله غير هذا، فإن أوجبت المال متعلقاً بذمته لم يقدح ذلك في البيع بحال، وإن أوجبته متعلقاً برقبته، فهل صح بيعه؟ نظر إنْ باعه بعد اختيار الفداء فنعم، هكذا أطلقه في "التهذيب" 2 وإتباعه قبله وهو معسر فَلاَ لما فيه من إبطال حتى المَجْنِي عليه، ومنهم من طرد الخلاف الذي نذكره في المُوْسِر، وحَكَم بثبوت الخِيَار للمجني عليه إن صح، وإن كان موسراً فطريقان:
أصحهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أنه لا يصح البيع؛ لأن حق المجني عليه متعلّق به فمنع صحة بيعه كحق المرتهن في المرهون بل أولى، لأن حق المجني عليه أقوى، ألا ترى أنه إذا جنى العبد المرهون تقدم حق المجني عليه على حق المرتهن.
والثاني وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمُزني: أنه يصح لأن هذا الحق تعلق به من غير اختيار المالك، فلا يمنع صحة البيع كحق الزكاة ويخالف المرهون، لأنه بالرهن منع نفسه من التصرف وهاهنا لم يعقد عقداً، ولم يحجز نفسه عن التصرف، وفي "التتمة" أن بعض أصحابنا خرج قولاً ثالثاً وهو أن البيع موقوف، فإن فداه نفذ وإلا فلا.
والطريق الثاني: القطع بالمنع كما في المرهون.
التفريع: إن لم نصحح البيع فالسَّيد على خيرته، إن شاء فداه، وإلا سلمه ليباع في الجناية، وإن صححنا فالسيد مختار للفداء ببيعه مع العلم بجنايته فيجبر على تسليمه، لأنه بالبيع فوت محل حقه فأشبه ما لو أعتقه أو قتله، وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه وجه: أنه ليس مختاراً للفداء، بل هو على خيرته إن أفدى أمضى البيع وإلاَّ فسخ، وعلى الأول وهو المذهب لو تعذر تحصيل الفداء، أو تأخر لإفلاسه أو غيبته، أو صبره على الحَبْس فسخ البيع، وبيع في الجناية لأن حق المجني عليه أقدم من حق المشتري، هذا إذا أوجبت الجناية المال بأن كانت خطأ أو شبه عمد، أو كانت واردة على الأموال، وكذا الحكم لو أوجبت القِصَاص، لكن المستحق عَفَا على مال ثم فرض البيع.
فأما إذا أوجبت القِصَاص ولا عفو فطريقان:
أحدهما: طرد القولين وبه قال ابْنُ خَيْرَان، ومن القائلين بهذه الطريقة من بني القولين على أن موجب العمد ماذا؟ إن قلنا: موجبه القود المحض صح بيعه كبيع المرتد، وإن قلنا: موجبه أحد الأمرين فهو كبيع المرهون.
وأصحهما: القطع بالصحة لبقاء المالية بحالها، وتوقع الهَلاَك كتوقع موت المَرِيض المشرف على المَوْت، وإذا وقع السؤال عن بيع العَبْدِ الجَانِي مطلقاً، فالجواب فيه ثلاث طرق:
أحدها: أنه إن كانت الجِنَايَة موجبة للقصَاص فهو صحيح، وإن كانت موجبة للمال فقولان:
والثاني: إن كانت موجبة للمال فهو غير صحيح، وإن كانت موجبة للقصاص فقولان:
والثالث: طرد القولين في الحالتين، ولو أعتق السيد العبد الجاني، نظر إن كان معسراً فأصح القولين: أنه لا ينفذ، وإن كان موسراً ففي نفوذه ثلاثة أقوال:
أصحهما: النفوذ.
وثانيها: أنه موقوف إن فداه نفذ، وإلاّ فلا.
ومنهم من قطع بالنفوذ إذا كان
موسراً، وبعدم النُّفُوذ إذا كان معسراً بخلاف المرهون والفرق أما عند اليسار فلأنه بسبيل من نقل حق المجني عليه إلى ذمته باختيار الفداء، فإذا أعتق انتقل الحق إلى ذمته، وفي الرهن بخلافه.
وأما عند الإعسار فلأن حق المجني عليه متعلق بالرقبة، ولا تعلق له بذمة السيد، وفي حق المرتهن متعلّق بهما جميعاً، فنفوذ الإعتاق هاهنا يبطل الحق بالكلية، وفي الرهن غايته قطع أحد التَّعْلقين واسْتِيلاد الجانية كإعتاقها، ومتى فدا السيد العبد الجاني يفديه بأقل الأمرين من الأَرْش، وقيمة العبد أو بالأرض بالغاً ما بلغ فيه خلاف يأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى- والأصح الأول 1.
وأما لفظ الكتاب فقد عرفت بما ألقيت عليك من الشرح أن قوله: "ولا يصح بيع نصف من سيف" معناه: بيع نصف معين، وكذا قوله: "بيع ذراع من كِرْبَاس"، ولفظ النَّصْل لا يختص بالسَّهم، أَلاَ ترى أن صاحب "الصحاح" يقول في تعريفه: والنَّصْل نصل السَّهم والسَّيف والسِّكين والرُّمح.
وقوله: "الفَصْل ينقصه والبيع لا يوجب نقصان غير المبيع، أراد به أن التسليم لا يحصل إلاَّ بالتفصيل والقطع والتسليم لا بد منه، فلو صححنا البيع، وألزمناه القطع كان هذا إلزام تنقيص فيما ليس مبيعاً، وهذه عبارة صاحب "النهاية"، ثم نظم الكتاب قد يوهم خروج هذه المسألة عن صور العجز الشرعي، بل حصر العجز الشّرعي في المرهون؛ لأنه ذكر المسألة، ثم قال: ولا يصح بيع ما عجز عن تسليمه شرعا وهو المرهون، لكنه عدها في "الوسيط" من صورة، وقال: البيع لا يلزم تنقيص عن المبيع، والشرع قد يمنعه منه إذا كان فيه إِسْرَاف.
وقوله: "جناية تعلق الأرض برقبته"، يجوز أن يقرأ تعلق -بفتح التاء واللام- ويجوز أن يقرأ "تعلق" على إيقاع فعل التعليق على الجناية.
وقوله: "صح بيعه على أقوى القولين" ترجيج لقول الصحة، لكن الشافعي -رضي الله عنه- نص على القولين في "المختصر"، وصرح باختيار المنع، وبه قال طبقات الأصحاب، ثم يجوز أن يعلّم ذكر الخلاف بالواو للطريقة القاطعة بالمنع، وكذا قوله: "وكان التزاماً للفداء للوجه الذي سبق ذكره.
وقوله: "لأنه لم يحجر على نفسه... " إلى آخره إشارة إلى الفرق بينه وبين المرهون.
قال الغزالي: الخَامِسُ: العِلْمُ وَلْيَكُنْ المَبِيْعُ مَعْلُومَ العَيْن، وَالقدْرِ، وَالصِّفَةِ، أَمَّا العَيْنُ فَالجَهْلُ به مُبْطِلٌ، وَنَعْني بِهِ أنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْكَ عَبْداً مِنَ العَبيدِ (ح) أَوْ شَاةً مِنَ القَطِيع بَطُلَ (ح)، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ صاعاً مِنْ هَذِه الصُّبْرةِ وَكَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ صَحَّ وَنَزَلَ عَلَى الإِشَاعَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّيعَانِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى اخْتِيَارِ القَفَّالِ لِتَعَذُّرِ الإشَاعَةِ وَوُجُودِ الإِبْهَامِ، وَإبْهَامُ مَمَرِّ الأَرْضِ المَبِيعَةِ كَإِبْهَامِ نَفْسِ المَبِيع، وَبَيْعُ بَيْتٍ مِنْ دَارٍ دُونَ حَقِّ المَمَرِّ جَائِزٌ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: الشرط الخامس: كون المبيع معلوماً 1 ليعرف أنه ما الَّذِي ملك بإزاء ما بذل فينفي الغَرَر، ولا شك أنه لا يشترط العلم به من كل وجه، فبين ما يعتبر العلم به وهو ثلاثة أشياء: عَيْن المبيع، وقدره، وصفته.
أما العين: فالقصد به أنه لو قال: "بعت عبداً من العبيد، أو أحد عبدي، أو عبيدي هؤلاء أو شاة من هذا القطيع" فهو باطل، هكذا لو قال: بعتهم إلا واحداً ولم يعين المستثنى، لأن المبيع غير معلوم، ولا فرق بين أن تتقارب قيم العبيد، والشياه أو تتباعد، ولا بين عدد من العبيد وعدد، ولا بين أن يقول على أن تختار أيهم شئت، أولاً يقول، ولا إذا قال: ذلك بين أن يقدر زمان الاختيار أو لا يقدر.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا قال: بعتك أحد عبدي أو عبيدي الثلاثة على أن تختار من شئت في ثلاثة أيام أو دونها صح العقد، وأغرب المُتَوَلِّي فحكى عن القديم قولاً مثله، ووجهه بأن الشرع
أثبت الخيار في هذه المدة بين العوضين ليختار هذا الفسخ أو هذا الإمضاء، فجاز أن يثبت له الخيار بين عبدين، وكما تتقدر نهاية الاختيار بثلاث تتقدر نهاية ما يتخير به من الأعيان بثلاثة، ولا يخفى ضعف هذا التوجيه، ووجه المذهب القياس على ما إذا زاد العَبِيد على ثلاثة، ولم يجعل له الاختيار لو زاده على الثلاث، أو فرض ذلك في الثِّيَاب والدَّواب وغير العبيد من الأعيان وعلى النكاح فإنه لو قال: أنكحتك إحدى ابنتي أو يناتي لا يصح النِّكَاح، ولو لم يكن له إلاَّ عبد واحد فحضر في جماعة من العبيد، وقال السيد: بعتك عبدي من هؤلاء والمشتري يراهم، ولا يعرف عين عبده فحكمه حكم بيع الغائب قال في "التتمة".
وقال صاحب "التهذيب": عندي هذا البيع باطل، لأن المبيع غير متعيّن وهو الصحيح، ثم قال في الفصل مسألتان:
إحداهما: في بيع صاع من الصُّبْرَة، والرأي أن يقدم عليهما فصلان:
أحدهما: أن بيع الجزء الشَّائع من كل جملة معلومة 1 من أرض ودار وعبد وصُبْرَة وثمرة وغيرها صحيح، نعم لو باع جزءاً شائعاً من شيء بمثله من ذلك الشيء، كما إذا كان بينهما نصفين فباع هذا نصفه بنصف ذاك فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح البيع، لأنه لا فائدة فيه.
وأصحهما: الصحة لاجتماع الشرائط المرعيَّةِ في العقد، وله فوائد:
منها: لو ملكا أو أحدهما نصيبه بالهِبَة من أبيه انقطع ولأبيه الرجوع.
ومنها: لو ملكه الشراء ثم اطَّلَع بعد هذا التَّصرف على عيب لم يملك الرد على بائعه.
ومنها: لو ملَّكْته صداقاً، وطلَّقها الزَّوج قبل الدخول لم يمكن له الرجوع فيه.
2
ولو باع الجملة واستثنى منها جزءاً شائعاً فهو صحيح.
أيضاً.
مثاله: أن يقول: بِعْتُك ثمرة هذا الحائط إلا ربعها أو قدر الزكاة منها، ولو قال: بعتك ثمرة هذا الحائط بثلاثة آلاف درهم إلاَّ ما يخص ألفاً، فإن أراد ما يخصه إذا وزع عن الثمرة على المبلغ المذكور صح، وكان استثناء للثلث، وإن أراد ما يساوي ألفاً عند التقويم فلا لأنه مجهول.