والطريق الثاني: وهو الأصحُّ عنْد المعتبرين: القطع بالمشهور، والامتناع من إثبات ما حكي عن الإِملاء قولاً آخر، وأوَّلُوه من وجهين 1:
أحدهما: حمْله على ما إذا ولدتْهُمْ دفعة واحدة، بأن كانوا في مَشيمَةٍ، وفي هذه الحالة يقع بكُلِّ واحدٍ طلقة، وتعتد بالأقراء؛ لأنها ليستْ حاملاً وقْت وقوع الطلاق.
والثاني: الحَمْل على ما إذا كان الحَمْل من الزنا، وأصابها الزوج، فيقع بكُلِّ واحدٍ طلقة، تنقضي 2 العدَّة بولادتهم، ولو أتَتْ بولدين على التَّعَاقُب من بَطْنٍ واحدةٍ، والتعليق بصيغة "كلما" فتنقضي عدتها بالثاني، ولا يقع شيْء أو تقع طلقة أخرى، فيه مثْلُ هذا الكلام، وهذا الصورة هي المذكورة في الكتاب، ويجوز أن يُعلم قوله: "في القول الجديد" بالواو؛ للطريقة القاطعة، وكذا قوله: "وكذا لو قال: أنت طالقٌ مع انقضاء العدَّة" وأمَّا تسميته جديداً، فليس على معنى أن الذي يقابله قديمٌ، فإن مقابله منقول عن "الإِملاء"، وهو محسوب من الجديد، ولكن قد يُذْكَر الجديد، ويراد به الأم خاصَّةً، فهو المحمل هاهنا، فإن القول الصحيح منْصوصٌ عليه في "الأم" وعامة الكتب.
الثانية: قال: إن ولدتِّ ولداً، فأنتِ طالقٌ طلقة 3 تُطَلَّق ثلاثاً لوجود الصفتين، ولو قال: إن ولدت ذَكَراً، فأنتِ طالقٌ طلقةً، وإن ولدتِّ أنثى، فأنتِ طالقٌ طلقتين، فولدَتْ ذكراً، طُلِّقت واحدةً، وشرعت في العدَّة بالأقراء، لوقوع الطلاق بالولادة، وإن ولدَتْ أنثى، طُلِّقَت طلقتين، واعتدَّتْ بالأقراء، وإن ولَدَتْ ذكراً وأنثى، نُظِرَ، إن ولدتهما معاً، طُلِّقت ثلاثاً؛ لأن الصفتين وُجِدَتا معاً، وهي زوجةٌ، وتعتد بالأقراء، وإن ولدت ذكراً أولاً ثم الأنثى، طُلِّقت واحدةً بولادة الذكر، لا تقع شيء بولادة الأنثى، على الصحيح، وتنقضي بها العدَّة على ما نُقِلَ عن "الإِملاء" تطلق بولادة الأنثى طلقتين أخريين، وتعتد بالأقراء، وإن ولدت الأنثى أولاً طُلِّقَتَ طلقتين، وهل يقع شيْء بولادة الذَّكَر فيه الخلاف، وإن أشكل الحال، فلم يُدْرَ أولدتهُما معاً أو أحدهما قبْل الآخر؟ أو عُرِفَ الترتيبُ ولم يُعْرف المتقدم منْهما؟ فعلى الصحيح: يؤخذ باليقين، وهو وقوع طلقةٍ والورع تركها عنْد احتمال المعيَّة إلى أن تنكح زوجاً غيره، وعلى ما نقل عن "الإِملاء" تطلَّق ثلاثاً كيف ما قدر وتعتد بالأقراء، وإن ولدَتْ ذكرين وأنثى، نُظِرَ؛ إن ولدتهم معاً، طُلِّقَت ثلاثاً، وإن ولدَتِ الذكرين معاً أو على الترتيب ثُمَّ ولدت الأنثى، طُلِّقت، بولادة الذكرين، أو باولهما طلقة وتنقضي العدة بولادة الأنثى على الصحيح،
ولا يقع بها شيْء آخر، وإن ولدَت الأنثى، ثم الذكرين 1 على الترتيب، طُلِّقت بولادة الأنثى طلقتين وبالذكر الأول طلقةً أخرَى، وتنقضي العدة بولادة الثاني، وإن ولدَتْها ثم الذكرين معاً، طُلِّقت بها طلقتين، وتنقضي 2 العدة بوضع الذكرين، ولا يقع شيْء آخر على الصحيح، ولو ولدَتْ ذكراً ثم أنثى، ثم ذكراً، وقعت طلقة، ثم طلقتان، وتنقضي العدة بالذَّكَر الثاني.
ولو قال: إن كنتِ حامِلاً بذكر، فأنتِ طالقٌ طلقةً، وإن ولدتْ أُنْثَى، فأنْتِ طالقٌ طلقتين، فإن ولدت ذكراً، تبيَّن وقوع طلقة عنْد اللَّفْظ بالشَّرْط الذي تقدَّم، وانقضت العدَّة بالولادة، وإن ولدَتْ أنثى، وقع بالولادة طلقتان، وتعتد بالأقراء، وإن ولدت ذكراً وأنثى، نُظِرَ، إن ولدَت الأنثى أولاً، وقَعَت بولادتها طلقتان، [و] بولادته، تبيَّن وقوع طلقة أولاً؛ لكونها كانت حاملاً بذكر، وتنقضي عدتها عن الثلاث بولادة الذكر، وإن ولدَتِ الذكر أولاً، تبيَّن وقوع طلقة، وتنقضي العدَّة بولادة الأنثى، ولا يقع شيْء آخر على الصحيح، وإن ولدتهما معاً، فكذلك تبيَّن وقُوع طلقة، ولا 3 تقع بالولادة شيْء على الصحيح.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لأَرْبَعِ نِسْوَةٍ حَوَامِلَ: كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ فَصَوَاحِبَاتُهَا طَوَالِقُ فَوَلَدْنَ عَلَى تَعَاقُبٍ وَتَقَارُبٍ طُلِّقَتِ الأوُلَى وَالرَّابِعَةُ ثَلاَثاً وَطُلِّقَتِ الثَّانِيَةُ وَاحِدَةً وَطُلِّقَتِ الثَّالِثَةُ طَلْقَتَيْنِ فَيُلْتَفَتُ إِلَى عَدَدِ صاحِبَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَإِلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِوِلاَدَتِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَال لأربع نسوة حوامل: كلَّما ولدتْ واحدةً منكن، فصواحباتها طوالقُ، فَوَلَدْنَ جميعاً، فيُنْظَر في كيفية ولادتهن، ولَها أحوال:
إحداها: إذا وَلَدْنَ معاً، فتطلق كل واحدة منْهنَّ ثلاث طَلَقاتٍ؛ لأن لها ثلاثَ صواحبَ، ويقع عليها بولادة كل واحدة منهنَّ طلقةٌ، ويعتددْنَ جميعاً بالأقراء الثانية، وهي المذكورة في الكتاب: إذا وَلَدْنَ على التعاقب، ففيه وجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، وبه أجاب ابن الحدَّاد: أنه إذا ولَدَتِ الأولى، طُلِّقَتْ كلُّ واحدة من الأخريات طلقةً ولا يقع عليها شيْء؛ لأنَّ المعلَّق بولادة كلِّ واحدة منْهُنَّ طلاق الأخريات، فإذا ولدَت الثانية، انقضت عدَّتُها، وبانت، وَيقَع عَلَى الأولى بولادتها طلقةٌ، وعلى كلِّ واحدةٍ من الأخريَيْن طلقةٌ أخْرَى، إن بقيتا في العدَّة، فإذا ولدَتِ الثالثة، انقضت عدَّتها عن طلقتين، ووقَعَتْ على الأولى طلقةٌ أخْرَى
إن بَقِيَتْ في العدَّة، وعلى الرابعة طلقة ثالثة، فإذا ولدَتِ الرابعة، انقضت عدتها عن الطلقات الثلاث، ووقَعَتْ طلقة ثالثة على الأُولَى وعدة الأولى تكون بالأقراء وفي استئنافها العدَّة لوقوع الطلقة الثانية والثالثة من الخلاف ما في طَلاَق الرجعية، وقوله في الكتاب "على تعاقب وتقارب" أشار بلفظ "التقارب" إلى بقاء المطلَّقة في العدة إلى ولادة التي تلد بعْدَها.
والثانية: وبه أجاب ابن القاصِّ في "التلخيص"، واختاره القاضي أبو الطيِّب: أن الأُوَلى لا تطلَّق أصْلاً، وتطلق كلُّ واحدة من الأخريات طلقةً، وتنقضي بولادتهن، عدتهن ووجْهُه أن الثلاث وقْتُ ولادة الأُولَى صواحبها لأنَّهن جميعاً زوجاتُه، فيطلقن طلقةً طلقةً؛ وإذا طُلِّقْنَ خرجْنَ عن كونهن صواحبَ الأُولَى، وكون الأولى صاحبةً لهن، فلا يؤثر بعْد ذلك ولادتُهُنَّ في حقِّها وولادة بعضهن في حقِّ بعضٍ، ومن قال بالأول قال إنَّهُنَّ ما دُمن في عدَّة الرجعية، لا يخرجن عن كونهن زوجاتٍ له، وكون بعضهن صواحبه البواقي، ولذلك 1 ولو حلَف بطلاق نسائه، دخلت الرجعية فيه.
الثالثة: إذا وَلدَتِ اثنتان معاً، ثم اثنتان معاً، فعلى جواب ابن الحدَّاد، تُطلَّق كل واحدة من الأوليين بولادة الأخرى طَلْقةً، وكل واحدة من الأخريين بولادة الأوليين طلقتين، وإذا ولدَتِ الأخريان وقَعَتْ على كلِّ واحدةٍ من الأوليين طلقتان أخريانِ، ولا يقع على الأخريَيْن شيْء آخر وتنقضي عدتها بولادتهما على الصحيح، وعلى ما نَقَل عن "الإِملاء" تقع على كل واحدة منْهما طلقة أخرى، وتعتدان 2 بالأقراء، وعلى جواب ابن القاصِّ، لا تُطلَّق كل واحدة من الأوليين سوى طلقةٍ، وعلى كلِّ واحدة من الأخريين سوى طلقتين؛ لخروجهن بما وقع عن الصاحبية، وتنقضي عدة الأخريين بالولادة، والأوليان يعتدان بالأقراء على الوجهين:
الرابعة: [وَلَدَتْ] 3 ثلاثٌ منْهن معاً، ثم ولدتِ الرابعة، وقَعَتْ على الرابعة ثلاث طلقات، بلا خلاف، تُطلَّق كل واحدة من الثلاث على جواب ابن الحدَّاد ثلاثاً طلقتان بولادة اللتين ولدتا معها، وثالثة بولادة الرابعة، إن بقين في العدة، وعلى جواب ابن القاص، لا تُطلَّق كلَّ واحدة منهن إلا طلقتين، ولو كان الأمر بالعَكْس، ولدَتْ واحدة [منهن] 4 ثم ثلاث معاً، فعلى جواب ابن الحدَّاد تُطلَّق كل واحدة من الثلاث طلقةً بولادة الأولى، ثم تنقضي عدتهن بولادتهن، فلا يقع عليهن شيْءٌ آخَرُ على الصحيح، وعلى ما نقل عن "الإِملاء" يقع [على] 5 كل واحدة طلقتان أخريان ويعتددن بالأقراء،
الأولى تطلق بولادتهم ثلاثاً وعلى جواب ابن القاصِّ يقع على الأولى شيْءٌ، ولا يقع على كلِّ واحدة من الثَّلاث إلاّ طلقة.
الخامسة: ولدت اثنتان على الترتيب، ثم ثنتان معاً، يقع على الأولى ثلاث بولادتهن وعلى كل واحدةٍ من الأخريات طلقةٌ بولادتها فإذا ولدت الثانية، انقضت عدتها، ووقعت على كل واحدةٍ من الأخريات طلقةٌ أخرى بولادتها، وتنقضي عدَّة الأخريين بولادتهن، ولا يَقَع على كلِّ واحدة منهما شيْء آخر بولادة صاحبتها على الصحيح، وهذا قياس ابن الحدَّاد، وعلى جواب ابْن القاصِّ؛ لا يقع على الأُولَى شيْءٌ ولا على كل واحدة من الأخريات إلاَّ طلقة، ولو ولدت ثنتان معاً، ثم ثنتان على الترتيب، فعلى قياس ابن الحدَّاد؛ يقع على كل واحدة من الأوليين بولادتهما طلقة، وعلى كل واحدة من الأخريين طلقتان، فإذا ولدت الثالثة انقضتْ عدتها، ووقعت على كل واحدة من الأوليين طلقةٌ أخْرَى إن بقيتا في العدَّة ووقَعَتْ على الرابعة طلقةٌ ثالثة، فإذا ولدت، انقضت عدتها، ووقعَتْ على كل واحدة من الأوليين طلقةٌ، إن بقيتا في العدة، وعلى قياس ابن القَاصِّ؛ لا تطلَّق كل واحدة من الأوليين إلا طلقة، ولا كل واحدةِ من الأخريين إلاَّ طلقتين.
ثم قال ابن الحدَّاد: ولو خاطب الأربع بما وصفنا، ثم طلَّق كل واحدة منهن طلقة ثم ولدْتَ على الترتيب فالأولى مطلقة بالتنجيز، وتنقضي عدتها بولادتها، [ويقع على الثانية بولادة الأولى طلقة وهي مطلقة بالتنجيز وتنقضي عدتها عن طلقتين بولادتها] وتُطَلَّق كل واحدة من الثالثة والرابعة ثلاثاً؛ واحدة بالتنجيز، واثنين بولادة الأولى والثانية، وعلى قياس ابن القاصِّ؛ لا يقع عليهن إلا الطلقتان المنجَّزة.
ولو قال للأربع: كلَّما ولدَتْ [واحدة] منكن، فأنتن طوالقُ، فالمعلَّق هاهنا بولادة كل واحدة منهن طلاَقُ الوَالِدة وغيرها فإن ولدْنَ معاً، طُلِّقْنَ ثلاثاً ثلاثاً، وإن ولدْنَ على التعاقب، طُلِّقَت الأولى ثلاثاً طلقةً بولادة نفْسِها وأخرى بولادة الثانية وأخرى بولادة الثالثة، إن بقيت في العدة، وتعتد بالأقراء، وتطلَّق الثانية بولادة الأولى، ولا تطلَّق طلقة بولادة نفسها على الصحيح، وتنقضي عدتها، وعلى ما نقل في "الإِملاء" تطلق طلقة أخرى، وتعتد بالأقراء، والثالثة، تطلَّق بولادة الأولى والثانية، وهل تَطلَّق بولادة نفْسها طلقةً ثالثة، فيه الخلاف، والرابعة تطلَّب بولادة الأوليات ثلاثاً، وتنقضي عدتها بولادتها, ولا يقع بولادتها شَيْءٌ على الأوليات، إذا قلنا بالصحيح لبينونتهن.
ولو قال للأربع كُلَّما ولدَتِ اثنتان منكن، فالأخريات طالقان، فولدْنَ على الترتيب فلا تطلَّق واحدة منهن بولادة الأولى؛ لأنَّه علَّق بولادة اثنتين فإذا ولدت الثانية، حَصَلت الصفة، فتطلَّق الثالثة والرابعة طلقةً طلقةً، ولا يقع على الأوليَيْن شيْء؛ لأن المعلَّق
بولادة اثنتين منْ طَلاَق الأخريين، فإذا ولدت الثالثة، فوجهان سَبَق نظيرهما في مسألة تعْلِيق عتْق العبد بِطَلاق الزوجات:
أصحهما: أن الثالثة لا تضمُّ إلى الثانية، ولا تطلَّق بها واحدة منهن إلى أن تَلِد الرابعة، فإذا ولدَتْ، فعلى قياس ابن الحَدَّاد، طُلِّقت الأوليان طلقةً طلقةً، ويعتدان بالأقراء، والأخريان تنقضي عدتهما بالولادة، وعلى قياس ابن القاصِّ؛ لا تُطلَّق الأوليان بولادة الأخريين.
والوجه الثاني: أن الثالثة تضمُّ إلى الثانية وتُطلَّق بولادتهما الأولى طلقةً، والرابعة طلقةً ثانية، ثم إذا ولدَت الرابعة طُلِّقت الثانية، وطُلِّقت الأولى طلقةً ثانية.
ولو كانت تحته امرأتان، فقال: كلما ولدَتْ واحدة منكما، فأنتما طالقان، فولدتا على الترتيب، فيقع بولادة الأولى عليها طلقةٌ، وعلى الأخرى طلقةٌ، وإذا ولدتِ الثانيةُ، وقعَتْ على الأولى طلقةٌ أخرى إن بقيت في العدَّة، وتنقضي عدَّة الثانية، ولا يقع عليها شيْء آخر على الصحيح، ولو ولدت زينب منهما يوم الخميس ولداً، وولدت عمرة يوم الجمعة ولداً، ثم زينب يوم السَّبْت ولداً، وعَمْرة يوم الأحد ولداً، فأتَتْ كل واحدة منهن بولدين، فيقع بولادة يوم الخميس، وولادة يوم الجمعة على كل واحدة طلقتان، وتنقضي عدَّة زينب بولادتها يوم السبت، ولا يقع عليها شيْء آخر على الصَّحِيح، ويقع على عمْرة طلقة ثالثة، وتَنْقضي عدتها يَوْم الأحد عن ثلاث، ولو قال لها كلَّما ولدتُّما، فأنتما طالقان، فولدَتْ إحداهما ثلاثة أولاد من بَطْنٍ واحدٍ، ثم الثانية كذلك لم تُطلَّق واحدة منهما بولادة الأولى أو ولادتها؛ لأن التعليق بولادتهما جميعاً، فإذا ولدَت الثانية الوَلَدَ الأوَّل [وقعت] 1 على كلِّ واحدة منهما طلقة، وإذا ولدت الثاني، وقعتْ على كل واحدة طلقةٌ أخرى، وإذا ولدَتِ الثالثة، وقعت على الأولى طلقة ثالثة ولا يقع على الثانية شيْء وتنقضي عدتها عن طلقتين على الصحيح، ويعود ما نقل عن "الإِملاء" ولو ولدت إحداهما ولداً، ثم الأخرى وَلَداً، ثم الأولى ولداً، وهكذا إلى أن ولدَتْ كل واحدة ثلاثاً من بطن واحد، فبولادة الثانية الولدَ الأَوَّلَ يقع على كل واحدةٍ طلقةٌ وبولادتها الثاني يقع على كل واحدة طلقة أخرى، ثم إذا ولدَتِ الأولى الوَلَدَ الثالثة، انقضَتْ عدتها، وإذا ولدَتِ الثانية الوَلَدَ الثالث، هل يَقَع عليها طلقةٌ أخرى؟ فيه الصحيح، وخلاف الإملاء، ولو ولدَت إحداهما 2 ولداً، ثم الثانية ثلاثةً على الترتيب، ثم الأُولَى ولدين اَخريَن، فبولادة الثانية الولدَ الأوَّل يقع على كلِّ واحدة طلْقةٌ، ولا تقع بولادتها الولَدُ الثاني والثالث شيءٌ وتنقضي بالثالث عدَّتها، ثم إذا ولدَتِ الأُولَى الولَدَ
الثَّانِي انضمَّت ولادتها إلى ولادة الثانية الوَلَد الثاني، فيقع على الأولى طلْقَة ثانيةٌ، وإذا ولدَت الثالث، انقضت عدَّتُها ولا يقع عليها شيْء آخرُ على الصحيح، وعلى ما ما نقل عن الإِملاء ينضمُّ هذه الولادة إلى ولادة الثانية الولد الثالث فيقع عليها طلقة ثالثة.
فُرُوعٌ: قد سَبَق أن الطَّلاق المعلَّق بالولادة إنَّمَا يقع إذا انفصل الولَدُ بتمامه، فلو خَرَج بعْضُه، ومات الزوج أو المرأة، لم يقَع الطلاق، وورث الثاني منْهما من الماضي.
ولو قال لامرأته: إن ولدتِّ فعبدي حر، فخرج بعض الولد، وباع العبْدَ حينئذٍ، وتفرقا عن المجلس، أو تخايرا ثم ولدت لم يعتق العبد، ولو انفصل الولد قَبْل التفرُّق والتخاير عتق العبد؛ لأنه له أن يعتق في زمان الخيار.
الثَّاني: في فتاوى القَفَّال أنَّه إذا قال لامرأته: إن كنتِ حاملاً، فأنتِ طالقٌ، فقالت: أنا حاملٌ، فإن صدَّقَها الزَّوْج، حُكِم بوقوع الطلاق في الحال، وإن كذبها لم يقَعْ حتَّى تلد، فإن لمسها النساء فقالت أربع منهن فصاعداً: إنها حاملٌ لم تُطلَّق؛ لأن الطلاق لا يَقَع بقَوْل النِّسْوة، وسيذكر في "كتاب الشهادات".
ولو علَّق الطلاق بالولادة، فشَهِدت أربع نسوة بالولادة، لم يقع الطلاق، وإن ثَبَت النَّسَب والميراث؛ لأنهما من توابع الولادة، وضروراتها بخلاف الطَّلاق.
والثالث: لو قال: إن كان أوَّل ولَدٍ تلدينه من هذا الحَمْل ذكراً، فأنتِ طالقٌ، فولدت ذكراً، ولم يكن غيْره قال الشيخ أبو عليٍّ لا يختلف أصحابنا أنَّه يقع الطلاق، وليس من شرط كوْنِه أولاً أن تَلِدَ بعْده آخَرَ، وإنما الشرط أن لا يتقدَّم علَيْه غيره، وفي "التتمة" وجه آخر؛ أنه لا يقع شيْءٌ، والأول يقتضي آخراً، كما أن الآخر يقتضي أولاً 1 ولو قال: إن كان أول ولَدٍ تلدينه ذكراً، فانتِ طالقٌ واحدة، وإن كان أنثى، فأنتِ طالقٌ
ثلاثاً، فولدت ذكراً وأنثى، نُظِرَ، إن ولدت الذَّكَر أولاً، طُلِّقت واحدةً، وانقضت عدتها بولادة الأنثى، [وإن ولدت الأنثى] 1 أولاً، طُلِّقَت ثلاثاً، وانقضت عدتها بولادة الذَّكَر، وإن ولدتهما معاً لم يقعْ شْيء؛ لأنَّه لا يوصَفُ واحدٌ منهما بأوليته؛ ولهذا لو أخرج رجُلٌ ديناراً للمتسابقَيْنِ، وقال: من جاء منكما أَوَّلاً فهُو له، [فجاءا] معاً لم يستحقَّا شيئاً.
قال الشيخ أبو عليٍّ: ويُحْتَمَل أن تُطلَّق ثلاثاً؛ لأنَّهما إذا ولدتْهما معاً، فكل واحدٍ منهما موصوفٌ بأنه أول ولد ولدَتْه، إذا لم تَلِدْ قبْله غيْره؛ ولأنَّه لو قال: [أول من رَدَّ آبقِي]، فله درْهَمٌ فردّهُ اثنان استحقا الدِّرْهم، وقال وعرَضْتُهُ على الشَّيْخ، يعني القفَّال، فلم يستبْعِده، ولو لم يعلم أنها ولدتْهما معاً، أو ولدت أحدهما قبْل الآخر، لم تحكم بوقوع الطلاق؛ لاحتمال أنَّها ولدتْهما معا، ولو كان كذلك، لم يقع شيْءٌ على الظاهر، فلا يوقع بالشك، ولو علم الترتيب، ولم يعلم السابق أخذْنا باليقين، وهو وقوع طلقةٍ واحدةٍ، ولو قال: إنْ كان أوَّل ولدٍ تلدينه ذكراً، فأنتِ طالقٌ، وإن كان أنثْى فضرتك طالقٌ، فولدتْهما على الترتيب، ولم يُعْلَم السابقُ، فقد وقع الطلاق على إحداهما، فيوقف عنها ويؤخذ بنفقتهما حتَّى تبين المطلقة منهما, ولو قال: إن كان أوَّلُ ولد تلدينه ذكراً، فأنت طالق]، وإن كان أنثى فعبْدي حرٌّ، فولدتهما على الترتيب، ولم يُعْلَم السابق.
قال الشيخ أبو عليٍّ: يُقْرَع بيْن المرأة والعَبْد، فإن خرجت على العَبْد، عَتَق، وإن خرجَتْ على المرأة لم تطلَّق.
قَالَ الغَزَالِىُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ في التَّعْلِيقِ بِالحَيْضِ): فَلَوْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ بِتَمَامِ الحَيْضَةِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، طُلِّقَتْ إِذَا مَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الحَيْضِ لَكِنْ بِطَرِيقِ التَّبَيُّنِ، وَقِيْلَ: تُطَلَّقُ بِأَوَّلِ الحَيْضِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَوْ قَالَ لِلْحَائِضِ: إِنْ حِضْتِ فَلاَ تُطَلَّقُ إِلاَّ بِحَيْضَةٍ مُسْتَأنفَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته إذا حضت حيضة، أو إن حِضْتِ، حيضة فأنتِ طالقٌ، لم تطلق 2 حتَّى تحيض، ثم تطهر، وحينئذٍ, فيقع سُنيّا, ولو قال: إن حِضْتِ، فأنتِ طالقٌ ولم يَزِدْ عليه، فلا يعتبر بتمام الحيْضَة، ومتى يحكَم بوقوع الطلاق؛ فيه وجْهَان:
أحدهما: أنا لا نَحْكُم بوقوع الطلاق بأول ظهور الدم؛ لأنَّه قد يكُون دم فَسَادٍ، فإذا بلَغَ حد أقل الحَيْض، تبيَّن وقوع الطلاق منْ أول الظهور.
والثاني: أنه يحكم بالوقوع [إذا] 3 ظهر الدم؛ لأن الظاهر أنه حيض؛ ألاَ ترى
أنها تُؤْمَر بتَرْك الصوم والصلاة، ثم إن انقطع قبْل أن تَبْلُغ أول الحيْض، ولم يعد إلى خمسة عشر، فتبين أن الطلاق لم يَقَع، ونظْم الكتاب يقتضي ترجيح الوَجْه الأول، وإلى ترجيحه ذَهَب الإِمام، وقال تفريعاً علَيْه إذا رأت الدم، فهل يجب التحرُّز عن الاستمتاع بها؛ ناجزاً؟ هذا بمثابة ما لو قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنتِ طالقٌ، وقد مر حكمه، والأظهر في المذهب الوجْهُ الثاني، ولم يورد الجمهورُ سواه وإذا قال: إن طهرت أو إذا طهرت فأنْتِ طالقٌ، طُلِّقَت في أول الطهر، ولو قال: إذا طَهُرْتِ طهراً واحداً، قال الحناطي: تُطلَّق إذا انقضى الطُّهْر، ودخلت في الدم، وحكى وجهاً آخر أنَّها تطلَّق إذا مضى جزءٌ منه، ثم قوله: "إن حضت" أو "إذا حضت" يقتضي التعليق بالحيضة المستقبلة، حتى لو كانت حائضاً في الحال، لا يقع الطلاق حتَّى يَطْهُر ثم تحيض، ولو قال، والثمار مدركة: إذا أدركتِ الثمار، فأنتِ طالقٌ، فهذا تعليق بالإدراك المستأنف في العام المقبل وعلى هذا قياسُ سائِرِ الأوصافِ إلاَّ أنَّه سيأتي في باب الأيمان، إن قَدَّر الله -تعالى جَدُّه- أن استدامة اللُّبْس والركوب لبس وركوبٌ، فليكن الحُكْم كذلك في الطلاق.
وفي "الشامل" و"التتمة" وجه آخر أنه: إذا استمر بها الدَّمُ بعد التعليق ساعةً، يقع الطلاق، ويكون دوام الحيض حيضاً.
ولو قال: كلَّما حِضْتِ، فأنتِ طالقٌ، طلِّقَتْ ثلاثاً في أول ثلاث حِيَض مستقبلة، وتكون الطلقات بدعيَّةً، ولو قال: كلَّما حِضْتِ حيضة، فأنتِ طالقٌ، طلِّقَتْ ثلاثاً في انتهاء ثلاث حيض مستقبلة، ويكون الطلقات سُنّيِّةٌ.
ولو قال: إِن حضْتِ حيضةً، فأنت طالقٌ، ثم إن حضْتِ حيضتين، فأنتِ طالقٌ، فإذا حاضت حيضَةً وقعت طلقة، فإذا حاضت أخرى، تحقَّقَت الصفة الثانية، فتقع طلقة أخرى؛ لأن كلمة "ثم" تُشْعِر بالتعليق بحيضتين غير الأولى.
ولو قال: كلما حِضتِ حيضةً، فأنت طالقٌ، وكلما حِضْتِ حيضتين، فأنتِ طالقٌ، فإذا حاضت حيضةً طُلِّقت، وإذا حاضت حيضةً أخرى، طُلِّقت طلقةً ثانية، لاْنها حاضت حيضةً مرَّة أخرى، و"كلما" تقتضي التكرار، وطلقة ثالثة؛ لأنَّها حاضت حيضتين.
فرع: قال لامرأتيه إن حضتما حيضةً، فأنتما طالقان، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لغو، يُطلَّقان، وإن حاضتا، لأنَّهما إذا حاضتا، حصَلَت حيضتان ويستحيل أن تحيضا بحيضة واحدة.
وأظهرهما: أنَّه لا يلغو، ثم اختلف الناقلون، فقال الإِمام: يُحْتمل أن يُرَاد به؛ إذا حاضَتْ كل واحدة منهما حيضةً، إذ هو السابق إلى الفَهْم منْ مثل هذا اللفظ، فيُنَزَّل عليه، تصحيحاً للكلام الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وصاحب,"التهذيب" "والمهذَّب" أنَّه
يلغى قولُه "حيْضة"، ويُسْتَعمل قوله: "إن حضتها"، وقضية التنزيل الأول وقوع الطلاق عند تمام الحيضتين، وقضية الثاني: الوقوع إذا ابتدأ الحيْض بهما، ويجري الخلاف فيما إذا قال لامرأتيه: إن ولدتما ولداً، فأنتما طالقان، فعَنْ صاحب "التلخيص" أنَّه يَلْغو، ولا يقع الطلاق بحال، وعن غيره أنَّه كما لو قال: إذا ولدتُّما، ويُحْمل قوله "ولداً" على ذكْر الجنس.
قال أبو عبد الله الحناطي: فأمَّا إذا قال: إذا ولدتُّما ولداً واحداً، فأنتما طالقان، فإنه محالٌ ولا يقع الطلاق، وعلى الوجْه الَّذي يقول؛ إذا علَّق بالمحال، يقع في الحال، يقع هاهنا أيضاً ولدتا أو لم تلدَا.
قَالَ الغَزَالِىُّ: فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينها في حَيْضِهَا وَفِي إِضْمَارِهَا البَعْضَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ بَاطِنٌ لاَ فِي دُخُولِهَا، وَفِي سَائِر أَفْعَالِهَا، وَفِي زنَاهَا وَوِلاَدَتِهَا خِلاَفٌ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ فَضَرَّتُكِ طَالِقٌ لَمْ يُقْبَلْ يَمِينُهَا في حَقّ الضَّرَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إِنْ حِضْتُمَا جَمِيعاً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ وَصَدَّقَ إِحْدِاهُمَا دُونَ الأُخْرَى طُلِّقَتِ المُكَذَّبَةُ دُونَ المُصَدَّقَةِ لأَنَّ المُكَذَّبَةُ ثَبَتَ حَيْضُ ضَرتِّها في حَقِّهَا بِتَصْدِيقِ الزَّوْجِ وَحَيْضِهَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا وَأَمَّا المُصَدَّقَةَ فَلَمْ يَثْبُتْ حَيضُ ضَرَّتِهَا مَعَ تَكْذِيبِ الزَّوْجِ في حَقِّهَا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لأرْبَعٍ ثُمَّ صَدَّقَ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ، وإِنْ صَدَّقَ ثَلاَثاً طُلِّقَتِ المُكَذَّبَةُ.
قَالَ الرَّافِعِىُّ: إذا علَّق طلاقها بحيضها، فقالت: حِضْتُ، وأنكر الزوج، صُدِّقت بيمينها؛ لأنها أعرف، بحيضها، ويتعذَّر إقامة البينة عليه، فإن الدَّم، وإن شُوهِد لا يُعْرَف أنَّه حيْضٌ بل يجوز أن يكون استحاضة، وكذلك الحُكْم فيما لا يُعْرف إلاَّ من جهتها، كما إذا قال: إن أضمرْتِ بُغْضِي، فأنْتِ طالقٌ، فقالت: أضمرته تُصدَّق بيمينها [ويحكم بوقوع الطلاق، ولو علق بزناها، فوجهان:
أحدهما: تصدق فيه] لأنه أمر خفيٌّ لا يُطَّلع عليه إلا على نُدُور، فأشبه الحَيْض، وهذا ما رجَّحه في "الوسيط".
والأصحُّ على ما ذكر الإِمام وآخرون المَنْع، كالدخول وسائر الأفعال إذا علَّق بها؛ لأن معرفته والاطلاع عليه ممكَنٌ، فيستدام النكاح إلى أن تَقُوم علَيْه حجَّةٌ، وطرد الخلاف في الأفعال الخفية التي لا يكاد يُطَّلع عليها، وإذا علق الطلاق بالولادة، فقالت: ولدتُّ، وأنكر الزوج، وقال: ما ولدَتْ، وهذا الولد مستعارٌ، ففيه وجهان مشهوران:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، وحكاه القاضي ابن كج عن أبي حامد القاضي: أنها تُصدَّق بيمينها كما في الحَيْض، وهذا؛ لأنها مؤمنة في رحمها حيْضاً وطهراً ووضع حمل؛ ألا ترى أنها تُصدَّق في انقضاء العدَّة بالأقراء، ووضع العمل جميعاً، وبهذا قال
ابن الحدَّاد، وأصحهما المنع، ويطالب بالبينة كما في سائر الصفات، بخلاف الحيض، فإن إقامة البينة عليْه متعذِّر.
قال الإِمام: ووراءها من الأسباب الظاهرة، والأسباب الخفية أن يصدقوها في الخفيِّ دون الظاهر والمودع يصدق في دعوى التَّلَف بالسبب الظاهر والخفي، والفرق أن المودع قد ائتمنه المالك في ماله فيكلف تصديقُه، والزوج لم يصدِّقْها ولم يأتمنها في خفيٍّ ولا جليٍّ، لكن قد سبَق في "الوديعة" أنَّه إذا ادَّعَى التَّلَف بسبب ظاهر، لا يُصدَّق في السبب بل يحتاج إلى إقامة البينة عليه، ثم يُصدَّق في التلف، ولو علق طلاق امرأة بِحَيْض أخرى؛ بأن قال: إن حِضْتِ، فضرتك طالقٌ، فقالت: حِضْتُ، وأنكر الزوج، فالقول قولُه مع يمينه، ولا تصدَّق هي في حق الضرة؛ لأنه لا سبيل إلى قبول قولها من غيْر يمين، ولو حلَّفناها، كان التحليف لغيرها؛ فإنه لا تعلُّق للخصومة بها، والحُكْم للإِنسان يحلف غيره محالٌ فجرينا على الأصْل وصدَّقنا المنكر، ولو قال: إذا حضْتِ، فأَنتِ وضرتك طالقان، فقالت حضْتُ، فنصدقها بيمينها، ونحكم بوقوع الطلاق، ولا نوقع على الضَّرَّة لأن الأيمان لا تدخلها النِّيَابة، واليمين يؤثِّر في حق الحالف دون غيْره وذلك لو مات وخلف اثنين، فادَّعَى أحدهما دَيْناً، وأقام عليه شاهداً، وحلف معه، لا يثْبُت إلاَّ حصته وعن صاحب "التقريب" أن الطلاقين متعلقان بحيضها، فإذا صدَّقْناها بيمينها، وقع الطلاق على الضَّرَّة، ولو قال لامرأتيه: إذا حضتما، فأنتما طالقان، فطلاق كُلِّ واحدة منْهما معلَّق بحيضهما جميعاً، فإذا حاضتا معاً أو على الترتيب طُلِّقَتا، فإن كذبهما، فهو المصدَّق بيمينه، فإذا حلف، لم تطلَّق واحدة منهما، وإن صدَّق إحداهما، وكذَّب الأخرى، طُلِّقت المكذَّبَةُ، إذا حلفت على حيضها، ولم تُطلَّق المصدَّقة؛ لأن المكذبة ثبت حيض ضرتها بتصديق الزوج، وقولُها مع يمينها في حيض نفسها كافٍ، وأما المصدَّقة فإن حيض ضرتها لم يثبت في حقَّها، فلم تُطلَّق، ويجيْء على ما نقل عن صاحب "التقريب" أن يقال: ثَبَت حيْض ضرتها بحلفها، فإذا ثبت في حقِّها، ثبت في حقِّ المصدقة أيضاً، فَتُطلَّقان جميعاً، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قولُه في الكتاب "دون المصدَّق" بالواو.
ولو قال لحفْصَة: إن حِضْتِ، فعمرةُ طالِقٌ، وقال لعمرة: إن حِضْتِ، فحفصة طالقٌ، فقالتا: حضنا، فإن صَدَّقَهما طُلِّقتا، وإن كذبهما، لم تطلقا، وإن صَدَّق إحداهما طُلِّقت المكذبة دون المصدقة.
ولو كانت تحته ثلاثُ نسوة، فقال: إذا حضتن، فانتُنَّ طوالقُ، فقد علق طلاق كل واحدة منْهن بحيض الثلاث، فإذا قُلْن: حضْنَا، وصدَّقَهن، طُلِّقَن، وإن كذَّبَهن، لم تُطِلَّق واحدةٌ منهن، وإن صَدَّق واحدة، وكذَّب اثنتين، فكذلك؛ لأن المصدَّقة لم يَثْبُت
في حقِّها إلا حيضها، وأما المُكذَّبتان، فحيض المصدَّقة ثابتٌ حقها وحيْضُ كلِّ واحدةٍ منْهما يكْفِي فيه قولُها، لكن حيض المكذَّبة الأخرى، لم يثبت في حقِّها، فلم يجتمعْ في حق واحدة منْهن حيضُ الثَّلاث، وإن صَدَّق اثنتين، وكذَّب واحدةً، طُلِّقَت المكذَّبة؛ لأن حيضا يكفي فيه قولُها، وحيض صاحبتها ثبت بتصديق الزوج، ولا تُطلَّق المصدَّقتان؛ لأن حيض المكذَّبة لم يثبت في حقِّهما.
ولو قال لأربع: إن حضتن، فأنتن طوالقُ، فطلاقُ كلِّ واحدة معلَّقٌ بحيض الأربع، فإذا حِضْن، [أو قلن حضن وصدقهن] طُلِّقْن، فلو قلْن: حِضنا، فكذَّبَهُن، أو كذَّب اثنتين أو ثلاثاً، وحلف، لم تُطلَّق واحدةٌ منْهن، وإن كَذَّب واحدةٌ منْهن، وصدَّق ثلاثاً طُلِّقت المكذَّبة؛ لأن حيض الثلاث ثبت بتصديقه وقولها بيمينها كافٍ في حق نفسها ولا يقع على المصدَّقات شيْءٌ؛ لأن قول المكذَّبة غير مقبول في حقِّهن، وعلى قياس ما نقل عن صاحب "التقريب" يقع عليهن أيضاً بيمين المكذَّبة وكذلك يقع على المصدَّقتين في صورة الثلاث.
ولو قال للأربع: كلما حاضَتْ واحدةٌ منْكن، فأنتُنَّ طوالقُ، فإذا حِضْن أو ثلاث منهن طُلِّقن ثلاثاً ثلاثاً؛ لأن "كلَّما" للتكرار، وإذا قلْن: حضْنا، فكذَّبهن، وحلفت، وقعت [على] 1 كل واحدة منهن طلقةٌ لأن يمين كل واحدة تكفي مثبتاً لحيض نفسها، ولو صَدَّق واحدة منهن، وكذَّب ثلاثاً، وقع على المصدَّقة طلقةٌ بقولها، ووقَع على كل واحدة من المكذَّبات طلقتان؛ طلقةٌ بثبوت حيْضها بقولها، وطلقةٌ بحيض التي صدَّقها الزوج، ولو صدَّق اثنتين، وكذَّب اثنتين، وقَع على كل واحدةٍ من المصدقتين طلقتان، وعلى كلِّ واحدة من المكذبتين ثلاثُ طلَقَات [ولو صدق ثلاثاً طلق الجميع ثلاثاً ثلاثاً].
ولو قال: كلَّما حاضَتْ واحِدةٌ منْكن، فصواحبتها طوالقُ، وقلن: حضْتا، فإن صدَّقَهن، طُلِّقن ثلاثاً ثلاثاً، وإن كذَّبهن، لم يقَعْ شيْءٌ، وإن صدَّق واحدةٌ منهن، لم يقَعْ عليها هي؛ لأنه لم يثبت في حقِّها حيض واحدةٍ من صواحبها ويقع على كُلِّ مكذبة طلقةٌ؛ لثبوت حيْض واحدةٍ بالتصديق، وإن صَدَّق اثنتين وقَعَ على كلِّ مصدَّقة طلقةٌ لأن لها صاحبةً واحدةً، وعلى كل مكذَّبة طلقتان؛ لأنَّ لها صاحبتين، وإن صدَّق ثلاثاً، طُلِّقت كل مصدَّقة طلقتين، والمكذب ثلاثاً؛ لأن لها ثلاثَ صواحب، إذا صدَّقنا المرأة في الولادة عنْد التعليق بالولادة، فإنما تُصدَّق فيما يتعلق بها؛ ولا يقبل قولُها في حق غيرها، كما ذكرنا في الحَيْض، حتى لو قال: إذا ولدتِّ، فأنتِ طالقٌ، وعبْدي حرٌّ، فقالت: ولدتُّ، وحلَفَتْ طُلِّقَت، ولم يُعْتَقِ العبد، ولو قال لأمته: إذا ولدتِّ، فأنتِ
حرَّةٌ، وامرأتي طالقٌ، فقالت: ولدتُ، عَتَقَتْ هِيَ، ولم تُطلَّق المرأة، ولو قال لها: إذا وَلَدتِّ، فامرأتي طالقٌ، وولدك حرٌّ، وكانت حاملاً بولد مملوك، لم تُطلَّق المرأة، ولم يُعْتق العبْد بقولها ولدت؛ لأن كل واحدٍ منهما تتعلقَّ بحق الغير.
ذكر القفَّال تفريعاً على أنَّه لا يُقبل قولها "زنَيْتُ" إذا علِّق الطلاق بزناها، وبه أجاب أنَّه ليس لها تحليفه على أنَّه لا يَعْلَم أنها زَنَتْ، ولكن إذا ادَّعتْ حُصُول الفراق بينهما فيحلف على أنَّه لم تقع الفرقة، ولا يَعْلَم أنها زنَتْ، وكذا في التعليق بالدخول وسائر الأفعال.
وإذا قال لامرأته إن رأيتِ الدم، فانتِ طالقٌ، فعن أبي العباس الرُّويانيِّ وجهان:
الظاهر منهما: أنَّه يُحْمَل على دم الحيْض؛ لأنه المراد في العادة.
والثاني: بأنَّه يحمل على كل دم؛ رعايةً لحقيقة اللفْظ، وإذا قلنا بالأول، فلا يُعْتبر رؤيتها حقيقة، بل المعتبر العِلْم، كما في التعليق برؤية الهلال.
وذكر إسماعيل البوشنجي: أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً في كل حيض طلقةً، وهي حائضٌ في الحال، فالذي يقتضيه ظاهر اللفْظ أنَّه يقع طلقة في الحال، وطلقةً في أول الحيض الثانية أخرى في أول الثالثة، وأنه لو قال: إذا حضْتِ نصْف حيضة، فأنْتِ طالقٌ، وعادتها ستَّة أيَّام مثَلاً، فإذا مضَى ثلاثة أيام، يقضي 1 بوقوع الطلاق على ما يقتضيه ظاهِرُ اللفْظ.
وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ قبل أن تَحِيضِي حيضةً بشَهْر فرأت الدم بعْد شهْر على عادِتها المستمرة، تطلق في الحال أو بعْد مضيِّ يوم وليلة، يخرج على قولَىْ تقابل الأَصْل والظاهر، وهذا هو الخلاف الَّذي أسلفناه في أنَّه إذا قال: إذا حِضْتِ فأنت طالقٌ، يحكم بوقوع الطلاق بأول رؤْيَة الدم [أو] 2 لا يُحْكَم به حتَّى يمضي يوْم وليلة، والمستفاد منه تخريجُه على الأصْل المذكور.
وذكر الإِمام إشكالاً على القَوْل بوقوع الطلاق فيما إذا علَّق طلاق امرأته علَى حَيْضها، أو حيض غيرها فقالَتْ: حضْتُ وصدَّقها، وقال: بم يَعْرِف الزوج صدْقَها، وكيف يُحْكَم بوقوع الطَّلاق بقوله صَدَقَتْ، وليس ذلك إقراراً بوقوع الطلاق حتَّى يؤاخذ به، ونهاية الأمر أنَّه قد يَغْلب على ظنه صدقها بقرائن ومخايل تدل عليْه، ومعلوم أنَّه لو قال: سمعْتُها تقول: حضْتُ، وأنا أُجَوِّز صدْقَها، وكذبِهَا، وغالب ظَنِّي صدْقُها، لا يُحْكَم بوقوع الطلاق، فليكن كذلك إذا أطلق التصديق، لأنَّه لا مستَنَد له إلا ذلك،
وسمعت بعْض أكابر العراق يَحْكِي عن القاضي أبي الطيِّب عن الشيخ أبي حامد تردُّداً في وقوع الطلاق؛ لمكان هذا الإِشكال، هكذا أسنده قال: وليس ذلك كما إذا علَّق طلاقَها بحيضها، فقالت: حضْتُ وكذبها، فَحَلَفَتْ، فإن اليمين حُجَّة شرعية يجوز بناء الحكْم عليها، وسبيل الجواب على ما أطبق علَيْه الأصحاب؛ أن الإقرار حجَّةٌ شرعيةٌ، كاليمينِ واليمينُ قد يستند إلى قرائن تفيد الظنَّ القويَّ، كما تحلف الَمرأة على نية الرَّجُل في كنايات الطَّلاق، فلذلك لا يَبْعد أن يستند الإِقرار إليها، فيحكم به والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ):
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ فَقَالَتْ فِي الحَالِ: شِئْتُ: طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تُطَلَّق، وَلَوْ قَالَ لأجْنَبِىٍّ: إِنْ شِئْتَ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ فَفِي وُجُوب الفَوْرِ خِلاَفٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَلَّقَ عَلَى مَشِيئَةِ زَوْجَتِهِ الغَائِبَةِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أبُوكِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ الفَوْرُ في مَشِيئَةِ أَبِيهَا؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَتْ: شِئْتُ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُطَلَّقْ إِذ المَشِيئَةُ لاَ تُعَلَّقْ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إلاَّ أَنْ يَشَاءَ أَبُوكِ وَاحِدَةً فَشَاءَ أَبُوهَا وَاحِدَةً لَمْ تُطَلَّقْ أَصْلاً، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَتْ: شِئْتُ وَهِيَ كَارِهَةٌ بَاطِناً طُلِّقَتْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَتِ الصَّبِيَّةُ شِئْتُ فَوَجْهَانِ، وَلاَ نَظَرَ لِقَبُولِ المَجْنُونَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تعليق الطلاق بمشيئة الله -تعالى جَدُّهُ- قد سَبَق حُكْمُه، وأمَّا إذا علَّق بمشيئة غيْره، فيُنْظَر؛ إن علَّق بمشيئة الزوجة على وجْه المخاطبة، فقال: أنتِ طالقٌ، إن شئْتِ، فيُشْتَرط مشيئتها في مجلس التواجب على ما سَبَق ذكْرُه في "الخُلْع"، فلو أخَّرَت، لم يَقَع، وهو موجه بمعنيين:
أحدهما: أن هذا التعليق استدعاءُ رغبةٍ وجوابٍ منها، فينزل منزلة القَبُول في العقود.
والثاني: أنه يتضمَّن تخييرها وتمليكها البُضْعَ، فكان كما لو قال: طلِّقي نفْسَكِ، ونقلنا في "الخلع" قولاً غريباً أنها متى شاءت، طُلِّقت، ولا يُشْترط الفور، فيجوز أن يُعْلَم بذلك قولُه "وإن قالَتْ بعد ذلك، لم تطلَّقْ" بالواو، ويُبْنَى على المعنيين ما لو قال لأجنبىٍّ: إن شئت، فزوجتي طالقٌ، إن علَّلنا اشتراط الفَوْر هناك؛ بأنه خطاب واستدعاء جواب، فكذلك يُشْتَرط هاهنا، وإن علَّلنا بمعنى التمليك، فلا, لأنه لا تمليكَ هاهنا، فأشبه التعليق بدخوله الدار أو بصفة أخرى، وهذا أظْهَر فيما ذكَره جماعة، ورأى صاحب "التتمة" الوجْه الأول، ولو علَّق الطلاق بمشيئة زوجته، لا على وجْه خطاب، بأن قال: زوْجَتِي طالقٌ، إن شاءت، فإنْ عللنا بأنه خِطَاب واستدعاء جوابٍ، فلا خطاب هاهنا، فلا يشترط الفَوْر، وإن عللنا بمعنى التمليك، يُشْترط، وعلى هذا فلو كانت المرأة حاضرةً، فينبغي أن تقول في الحالِ: شئْتُ: ليقع الطلاق، وإن كانت غائبةً،
فتبادر إليْه إذا بلغها الخبر ومال الإِمام -قدَّس الله روحه- إلى أن الفَوْر لا يُشْترط في هذه الصورة أيضاً, وقال: الصيغة بعيدةٌ عن قصْد التمليك إذا لم يكُنْ على وجْه الخطاب، ويشبه تمكنها من الفراق بما إذا قال: إن دخلْتِ الدَّار، فأنتِ طالقٌ، فإنه يتضمن تمليكها التسبب إلى الطلاق، ولا يُشْترط الفور في الدخول بالاتفاق، وإذا كان الأظْهر في الصورتين أنَّه لا يشترط الفوْرُ، حَسُن أن يعلَّل اشتراط الفور فيما إذا علَّق الطلاق بمشيئة الزوجة على وجْه الخطاب بمجموع المعنيين، ولو قال: امرأتي طالقٌ إن شاء زيْدٌ، فليس هاهنا خطاب، ولا تمليك، فسبيلُه سبيلُ سائِر التعليقات بلا خلاف، ولو علَّق الطلاق بمشيئتها ومشيئة غيرها، كما إذا قال: إن شئت وشاء وأبُوكِ، فأنتِ طالقٌ، أو إن شئت، وشاء فلانٌ، فلا بد من مشيئتهما؛ ليقع الطلاق، ويُشْتَرط الفور في مشيئتها، وفي مشيئة الأب أو الأجنبي وجهان:
أحدهما: وبه قال القاضي الحُسَيْن: أنَّه يشترط الفَوْر فيها لأنه قرن مشيئته بمشيئتها، فيكتسب مشيئته مشيئتها اشتراط التعجيل.
وأصحُّهما: المَنْعُ، ويجري على مشيئة شرطها, لو انفردت، وهذا كما أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ، إن شئت ودخلت الدَّار يؤثر على كلُّ واحد من الوصفَيْن حُكْمَه لو انفرد.
ولو علَّق الطلاق بمشيئتها أو مشيئة غيرها، فقال المعلِّق، بمشيئة الزوج شئت إن شئْت أو إن شاء فلانٌ، لم يقع الطلاق، وإن قال الزوج [أو قال فلان] شئْتُ؛ لأنه علَّق الطلاق بمشيئة مجْزوم بها، وتعليق المشيئة ليس خبراً عن مشيئة محقَّقة، والمشيئةُ المحقَّقةُ لا تُعلَّق، وكذا لو قال: شئْت غدًا، إذا علَّق الطلاق بمشيئتها، فقالت: شئْتُ، وهي كارهةٌ بقلبها وقع الطلاق في الظاهر، وهل يقع باطناً باختلاف فيه القفَّال وأبو يعقوب الأبيوردي وتناظرا، فقال أبو يعقوب: لا يقع كما لو علَّق بحيضها فقالت: حِضْتُ وهي كاذبةٌ، وإلى هذا مال القاضي الحُسَيْن، وقال القَفَّال؛ يقع، وذكر صاحب "التهذيب" أنَّه المذْهَب؛ لأن التعليق في الحقيقة بلفظ المشيئة 1؛ لا بما في الباطن؛ ألا ترى أنَّه لو علَّق بمشيئة الأجنبي، فقال: شئْتُ، صُدِّق، ولو كان التعليق بما في الباطن، لَمَا صُدِّق، كما إذا علَّق طلاق ضرتها بحيضها، لا تُصدَّق في حق الضُّرَّة.
ويخالف ما إذا علَّق بحيضها، فقالت: حِضْتُ، وهي كاذبة, لأن دم الحيض محسوسٌ مشاهدٌ، وإنما اعتمدنا قوْلَها فيه؛ لأنها مؤتمنة والمشيئة تحس ولا تُعْرَف إلا من جهتها، وكان التعليق بقولها "شئت" ويجري الخلاف فيما إذا عَلَّق بمشيئة زيد، فقال زيْد: شئْتُ، وهو كارهٌ بقلبه، ولو وُجِدَت الإِرادة دون اللَّفْظ، فعلى ما قال القَفَّال: لا يقع الطلاق،
وعلى ما قال الأبيوردي فيه تردُّد؛ لأن كلامه يستدعى جواباً على العادة، وارادةُ القَلْب لا تكفي جواباً للخطاب.
ولو علَّق الطلاق بمشيئتها، وهي صبيَّة أو بمشيئة صبيٍّ أجنبىٍّ فقال المعلَّق بمشيئته شئْتُ، فوجهان:
أظهرهما: عنْد أبي سعد المتولِّي، وهو الذي أورده أبو الفَرَج السرخسي، وذكر الإِمام أن ميل الأكثرين إلَيْه: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأنه لا اعتبار بمشيئة الصبيِّ في التَصرفات؛ ولأنه لو قال: طلِّقِي نفْسَك، فطلقت، لم يقع فكذلك إذا عَلَّق بمشيئتها.
والثاني: يقع، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، إن قلت شئت، ولأن مشيئة الصبيِّ معتبرة في اختيار الأبوَيْن، وقد يُؤَكّد بالوجْه الأول ما قاله الأبيوردي، وهذا الخلاف في الصبي المميِّز، وأما إذا علَّق بمشيئتها، وهي صغيرة غير مميِّزة أو مجنونة أو بمشيئة غيرها، وهو بهذه الحالة، فقالَتْ أو قال: شِئْتُ، فلا يقع الطلاق بلا خلاف، ووجَّه بأنَّا، وان اعتمدْنا اللفْظ، فلا بدَّ من صدوره ممن يُتصوَّر أن يكون لفظه إعراباَ عن مشيئة قلبية وليس للمجنون قصْدٌ وَإعرابٌ صحيحٌ ولو قال المعلَّق بمشيئته شئْتُ، وهو سكران، فيخرَّج على أن السَّكْران كالمجنون أو كالصاحي، ولو علَّق بمشيئة أخْرس، فقال بالإِشارة: شِئْتُ وقَع الطلاق، ولو كان ناطقاً، فَخَرَس، ثم أشار بالمشيئة، فوجهان:
أصحهما: وقوع الطلاق إقامةٌ لإِشارته مَقام النُّطْق على المعهود في حقه.
والثاني: المَنْع؛ لأن التعليق حينئذٍ وقع بقوله "شئْتُ" ولم يبق له قَوْل، وينسب هذا إلى ظاهر النص، واختيار الشيخ أبي حامد.
ولو قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إذا شئْتِ، فهو كما لو قال: إن شِئْتِ، ولو قال: متى شئْتِ، تقدَّم في الخُلْع أنَّه لا يُشْترط المشيئة في الحال، ويقع الطلاق متى شاء.
وإذا علَّق الطلاق بمشيئتها؛ ثم أراد أن يرْجِع قبْل أن تقول، شئت، لم يتمكن لأنه تعليقٌ في الظاهر، وإن تضمن تمليكاً، وهذا كما لو قال: إن أعطيتني ألفاً، فأنتِ طالقٌ، ثم قال: رجَعْتُ يُؤَثِّر الرجوعُ، وإن كان ذلك معاوضةً.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا أن يشاء أبوكِ أو فلان واحدةً، فشاء واحدةً، فوجهان:
[أصحهما]: أنَّه لا يقع شَيْءٌ كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يدخل أبوكِ الدارَ، فدخل، وعلى هذا، فلوْ شاء اثنتين أو ثلاثاً، لم يقع شيء أيضاً؛ لأنه شاء واحدةً وزيادةً.
والثاني: أنَّه إذا شاء واحدةً، يقع واحدةً؛ لأن المفهوم منْه إلا أن يشاء أبوكِ واحدةً فتطلقي واحدةً لا ثلاثاً، وفى "التتمة" نقل وجْه ثالث وهو أنها تُطلَّق طلقتين،
وتقدير الكلام أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا أن يشاء أبْوك ألاَّ يقع واحدة منها، فلا تقع تلك الواحدة، ثم الوجهان المعروفان عنْد الإِطلاق، فأما إذا قال: أردتُّ المَعْنَى.
الثاني: فلا شَكَّ في أنَّه يُقْبَل، وتقع طلقةً، ولو قال: أردتُّ المعنى الأوَّل، وفرَّعنا على الوْجه الثاني، فهل يُقْبل حتَّى لا يَقع شيْء فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً إلا أن يشاء أبُوكِ أو تشائي ثلاثاً، فإن شاء أو شاءت [ثلاثاً لم يقع شيء تفريعاً على الأصح وإن لم يشأ شيئاً أو شاءت واحدةً أو اثنتين وقَعَتْ واحدة، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إن شئْتِ، فقالتْ: شئْتُ واحدةً: أو اثنتين، لم يقَع شيْءٌ، ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً إن شئْتِ، فقالت: شئْت اثنتين أو ثلاثاً، وقعت الواحدة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ لولا أبوكِ، لم يقع الطلاق، والمعنى: لولا أبُوكِ لَطَلَّقْتك، وفِيهِ وجْه آخر مذكورٌ في "التتمة" ولو قال: أنتِ طالقٌ، لولا أبوكِ لَطَلَّقْتُك، فالمنقول أنَّه لا يَقَع الطَّلاق, لأنه لم يُطلِّق، وإنما أخبر أنَّه لولا حرمة أبيها لطَلَّقها، وأكد هذا الخبر بالحَلِف بطلاقها، كما نقول: والله، لولا أبوكِ لَطَلَّقْتك، قال المتولي: وإنما لا يقع الطلاق، إذا كان صادقاً في خَبَره، أما إذا كان كاذباً، فيقع الطلاق في الباطن، ولو أقرَّ أنَّه كان كاذباً، حكم بالوقوع في الظاهر أيضاً.
ولو قال أنتِ طالقٌ إن شاءَتِ الملائكة، لم يَقَع الطلاق, لأن لهم مشيئةً، وحصولُها غير معلوم؛ فصار كما لو قال: إن شاء الله، ولو قال: إنْ شاء الحمار قالوا: هو كما لو قال: إن طِرْتِ أو صَعِدتِّ السماء، ولو قال: أنْتِ طالقٌ إن شئْتُ أنا، فهو تعليق، فمتى شاء، وقع الطلاق.
ولو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن أشاء أو يبدو لي، قال في "التهذيب" يقع في الحال 1؛ لأنَّه ليس بتعليقٍ بل أوقع الطلاق، وأراد رفْعَه، إذا بدا له، ويمكن أن يُقَال: هو كما لو قال: إلا أن يشاء فلان، أو إلا أن يشاء الله، وذكر أنَّه لو قال لها أحبي الطلاق أو أهوي أو أريدي أو أرضي، وأراد تمليكها الطَّلاق، فهو كقوله "شَائِي" أو "اختاري" فإذا رضيَتْ أو أحبَّتْ أو أَرَادَتْ، يقع الطلاق، هذا لفظه، وقال إسماعيل البوشنجي: إذا قال: شائي الطلاق، ونوى وقوع الطلاق بمشيئتها، فقالت: شئْتُ، لا يقع الطلاق، وكذا لو قال: أحِبِّى أو أريدي؛ لأنَّه استدعى منْها مشيئةَ الطلاق، ولم يُطلِّقْها, ولا علَّق طلاقها, ولا فوض إلَيْها تطليقَ نَفْسِها, ولو قُدِّر تفويضٌ فقولها "شئْتُ" ليس بتطليق، وهذا أقوى، ولو قال: إذا "رضَيْتِ" أو"أحببتِ" أو"أردتِ"
[الطلاق فأنتِ طالقٌ فقالت رضيت أو أحببت أو أردت وقع الطلاق، ولو قالت الصورة هَذِه "شِئْت" قال البوشنجي: لا ينبغي أن يقضي بوقوع الطلاق، وكذا لو قال: إن شِئْتِ فقالت: أحببت أو هَوِيتُ؛ لأن كلَّ واحد من لَفْظَي المشيئة والمحبة يقتضي ما لا يقتضيه الآخَرُ؛ ألا ترى أنَّه يقال الإنسان يشاء دخولَ الدار، ولا يقال: يُحِبُّه، ويحبُّ ولده، ولا يسوَّغ لفْظُ المشيئة فيه.
وذكر أنَّه لو قال: لامرأتيه إن شئتما، فأنتما طالقان، فشاءت كلُّ واحدة منهما طلاق نفْسها، دونَ ضرَّتها، فالقياس وقوعُ الطَّلاق من جهة أن المُبْتَدر إلى الفهْم منْه تعليقُ طلاق كل واحدة منهما بمشيئتها طلاقَ نفسها لا غير؛ لأن الظَّاهر أن الإنسان يُعلِّق طلاق امرأته، على مشيئتها لا على مشيئةِ الضرة، وفي "التتمة" ما يتنازع في ذلك، ويقتضي تعليق طلاقِ كل واحدة منهما بالمشيئتين.
وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يَرَى فلان غيْر ذلك، أو إلا أن يشاء أو يريد غَيْر ذلك أو إلا أن يبدو لفلانٍ غَيْر ذلك، فلا يقع الطلاق في الحال، بل يُوقَف الأمر على ما يَبْدو من فلان، ولا يختص ما يَبْدو منْه بالمجلس، وإذا مات فلانٌ، وفات ما جَعَله مانعاً من وقوع الطلاق تبيَّن وقوع الطلاق قُبَيْل موْتِه.
وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ، إن لم يشأ فلان، فقال فلان، لم أشأْ، يقع الطلاق، وكذا لو قال إن لم يَشَأْ فلان: طلاقك اليوم، فقال فلان: في اليوم لا أشأ، يقع الطلاقُ، لكن قياس التعليق ينفي الدخولَ، وسائرُ الأفعالِ أن يقال: إنَّه، وإن لم يَشَأْ، في الحال، فقد يشاء من بعد، فلا يقع الطلاق، إلا إذا حَصَل اليأس، وفاتت المشيئة، وفي صورة التقييد باليوم، لا يقع إلا إذا مضى اليوم خالياً عن المشيئة، ويجوز أن يوجَّه ما ذَكَره بان قوْلَه "أنْتِ طالقٌ إن لم يشأْ فلانٌ" محْمولٌ على التعليق بتلفُّظه، بعَدَم المشيئة كما حمل قوله: أنْتِ طالقٌ على التعليق بتلفظه بالمشيئة، وإذا كان كذلك، فإذا قال: لم أشأْ, يتحقَّق الوصْفُ بوقوع الطلاق، وأنَّه لو قال: أنْتِ طالقٌ، إن شئْتِ أو أبيتِ فقضيَّة اللفْظ وقُوع الطَّلاق بأحد الأمرين، إما المشيئة أو الإِباء، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن قمت أو قعَدتِّ، ولو قال: أنتِ طالقٌ شِئْتِ أو أَبَيْتِ وقَع الطَّلاق في الحال، ولا تعليق هاهنا، وفي "التهذيب" أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ كيْف شئت، فعن أبي حنيفة؛ أنَّه يقع 1 الطَّلاق شاءت أو لم يشأ وبه قال أبو زيد والقفَّال، وعن أبي يوسف ومحمَّد؛ أنَّه لا يقَع حتَّى توجد مشيئة في المجلس، إما مشيئة أن تطلَّق أو مشيئة أن لا تطلَّق، وهو اختيار الشيخ أبي عليٍّ، وقال صاحب "التهذيب" وكذا الحكم لو قال: أنتِ طالقٌ على أىِّ وجه
شِئْتِ، وقوله في الكتاب "إذا المشيئةُ لا تعلَّقُ" يمكن تنزيله على ما سبق أن المشيئة المعلَّق بها هي المشيئةُ المجزوم بها، ومثل هذه المشيئة لا مدْخَل للتعليق فيها، ويجوز أن يُعْلَم قولُه: "لم تُطَلَّق" بالواو؛ لأن أبا عبد الله الحناطي حكَى وجهاً غريباً؛ أنَّه يصحُّ تعليق المشيئة، ويقع الطلاق إذا قال الزوج: شِئْتِ، وقوله: "طُلِّقَتْ على أحد الوجْهَيْنِ" يعني في الباطن، وأما في الظاهر، فلا خلاف في وقوع الطلاق.
قَال الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ السَّادِسُ في مَسَائِلِ الدَّورْ):
فَإِذَا قَالَ: إن طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلاَثاً انْحَسَمَ بَابُ الطَّلاَقِ عَلَى الوَجْهَيْنِ، وَقِيْلَ: إِذَا نَجَّزَ وَاحِدَةً وَقَعَتْ تِلْكَ الوَاحِدَةُ، وَقِيلَ يَقَعُ الثَّلاَثُ إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَمِنَ الدَّوْرِ أَنْ يَقُولَ: إِنْ آلَيْتُ أَوْ ظَاهَرْتُ أَوْ رَاجَعْتُ أَوْ فَسَخْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ، وَإِذَا قَالَ: إِنْ وَطِئْتُ وَطئاً مُبَاحاً فَأَنَتْ طَالِقٌ قَبْلَهُ فَوَطَئَ فَلاَ خِلاَفَ أنَّهَا لاَ تُطَلَّقُ قَبْلَهُ، وَمِنَ الدَّوْرِ أنْ يَقُولَ: إِنْ طَلَّقْتُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً فَأنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلاَثاً.
قَالَ الرَّافِعِي: إذا قال لامرأته: إذا طلَّقْتُك أو"إن طلقتك" أو "مهما" أو "متى" فأنْتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم طلقها ففيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنَّه لا يقع عليها الطلاق؛ لأنَّه لو وقَع لوقع ثلاثٌ قبْله، ولو وقَع ثلاثٌ قبله، لمَا وقع هذا الواحد، وإذا لم يقَعْ هذا الواحد 1، لم يقع ما قبله؛ لأنه مشروط
به؛ فيلزم مِنْ وقوعه عدَمْ وقوعه، ودار على نفسه، وبهذا السبب يُسَمَّى هذا اليمينُ الدائرة، تُسَمَّى المسألة مسألة الدَّوْر، وهذا كما إذا ابَاع العَبْد من زوجته الحُرَّة قبل الدخول بصداقها الَّذي ضمنه السيد، فإن الشافعيَّ -رضي الله عنه- حَكَم ببطلان البَيْع؛ لأنه لو صَحَّ لَمَلَكَتْهُ، ولو مَلَكَتْه، لانفسخ النكاح، وإذا انفسخ، سقط الصَّدَاق، وإذا سَقَط الصَّدَاق، بطل البَيْع؛ لأنه العوض.
الثاني: أنَّه يقع الطَّلاَق المنجز، ولا يقع المعلَّق؛ لأنه إن وقَع المعلَّق، لمنع وقوع المنجز، وإذا لم يقع المنجَّز، بطل شرط المعلَّق، واستحال وقوع المعلَّق، أمَّا المنجَّز فلا استحالة في إيقاعه، فيقَعُ, وقد يتخلَّف الجزاء عن الشرط بأسباب، وشبه هذا بما إذا أقرَّ الأخ بابن للميت، ثبت النَّسَب دون الميراث، ولأن الجَمْع بيْن المعلَّق والمنجز ممتَنِعٌ، ووقوع أحدهما غيْر ممتنع، والمنجز أولَى بأن يقع؛ لأنه أقْوَى من حيث إن المعلَّق يفتقر إلى المنجز، ولا ينعكس، ولأنه جعل الجزاء سابقاً على الشرط، حيث قال: فأنْتِ طالقٌ قبْله ثلاثاً، والجزاء لا يتقدَّم على الشرط، فيلغو التعليق، ولأن الطلاق تصرُّف شرعيٌّ، والزوج أهْلٌ له وهي محلٌّ، فيبعد أن ينسد عليه باب هذا التصرف.
الثالث: أنَّه يقع ثلاث طلقات، وله تنزيلان أظهرهما أنَّه تقع الطلقة المنجَّزَة، وطلقتان من الثلاث المعلَّقة؛ لأنه إذا وقعَتِ المنجز حصل شرط وقوع الثلاث إلاَّ أن الطَّلاق لا يزيد على ثلاث، فيقع من المعلَّق تمام الثلاث، ويُجْعَل كما لو قال: إن طلقتكِ، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ويُطَّرَح قوله: "قبله" فإن الاستحالة تجيء منه.
والثاني: أنَّه يقع الثلاث المعلَّقة، ولا تقع المنجزة، ويُجْعَل كأنه قال: متى تَلفَّظْتُ بأنَّك طالقٌ، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، قال الإِمام: وهذا رديْء لا خروج له إلا على قوْل مَنْ يحمل اللفظ المُطْلَق على الصحيح، والفاسد جميعاً، والوجهان الأولان يجريان في المدخول بها وغير الدخول بها [وأما الثالث فمختص بالمدخول بها فإن غير المدخول بها] لا يتعاقب عليها طلاقان؛ فلذلك قال في الكتاب بعد ذكْر الوجهَيْن المطردين "وقيل يقع الثلاث، إن كان بعد الدخول".
= فيما فرضه هو ليس لكون الطلاق معلقاً بالنقيضين بل لأجل التعليق بالعدم حتى لو تجرد التعليق بالعدم فقال إن طلقتك فلم يقع فأنتِ طالقٌ ثلاثاً وقع الثلاث.
وأما ما ذكره في المهمات من الوجهين فأولهما أخذه من قول الرافعي في مسألة الدور ثم ينبغي أن لا يقع طلاق الوكيل لأنه إذا لم ينفذ منه الطلاق لا ينفذ من وكيله ثم هو منقوض بالعبد فإنه يملك تعليق الثالثة ولا يملك تنجيزها.
وأما الثاني فحاصله تصوير مسألة الوكالة والمسألة السريحية ثم فيه اعتقاد أنَّه يقع الطلإق بمجرد التعليق من غير إحداث إيقاع وهو غلط.
ويجري الوجهان فيما لو قال لرقيقه: إن أعتقتك، فأنْتَ حُرٌّ قبله، ثم أعتقه، فعلى الأوَّل لا يعتق، وعلى الثاني يعتق، ويبطل التعليقُ.
ولو قال إذا طَلَّقْتك، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً قبله بيوم، وأمهل يوماً ثم طلَّقها، ففيه الخلاف أو في هذه الصورة صور ابن الحدَّاد الدَّوْر، ولو طلَّق قبل تمام يَوْم مِنْ وقْت التعليق، فلا خلاف في أنَّه يَقَع، ولا يقع المعلَّق؛ لأن الطَّلاق لا يسبق وقوعه اللَّفْظ، كما سَبَق فيما إذا قال: أنْتِ طالقٌ قبْل موتي بشهر؛ وعلى هذا لو قال: متى طالقتُكِ، فأنتِ طالقٌ قبله بشهرين، أو ببينة، فإن طلَّقها قبْل مضيِّ تلْك المدة، وقع ما أوقَعَه، ولم يقع المعلَّق، وإن مضَتْ تلك المدَّة، فعلى الوجه الأول؛ إن كانت غيْرَ مدخول بها, لم يقعْ شيْءٌ؛ لأنَّه لو وقع قبل المنجزة شيْءٌ، لَمَا وقعت المنجزة، وإن كانت مدخولاً، فإن كانَتْ عدتها منقضيةً في تلك المدة، لو أوقعْنا طلقةً مِن الوقْت الَّذي ذَكَر، فكذلك، وإن لم تَكُنْ منقضية، وقعَتْ عليها طلقتان.
وعلى الوجْه الثاني؛ إن لم يكنْ مدخولاً بها، يقع ما نجزه، وإن كانتْ مدخولاً بها، وكانت عدتها منقضية في تلْك المدة، فكذلك، وإن لم تكُنْ منقضية، وقعَتْ طلقتان.
وإذا قال: أنتِ طالقٌ اليوم، ثلاثاً إن طلقتك غدًا، واحدةً ثُمَّ طلَّقها من الغدِ واحدةً، ففيه الخلاَف، وفي هذه الصورة صور صاحِب "التلخيص"، الدَّوْر وإذا كان التعليق بالتطليق، كما صوَّرناه في هذه الصُّوَر، فلو كان قد عَلَّق طلاقها بدخول الدار ونحوه، قَبلَ التعليق بالتطليق، ثم دخلت الدار، يقع الطلاق المعلَّق بالدخول بلا خلاف؛ لأنَّه ليس بتطليق، وكذا لو وكَّل وكيلاً، طلَّقها؛ لأنه لم يطلِّقها الزوج إنما، وقع عليها طلاقُه، أما إذا قال: إنْ وقع عليْكِ طلاقي، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، فلا يفترق الحُكْم بيْن أن يطلِّق بنفسه، أو يطلِّق وكيلُه، هكذا ذكر الإِمام وصاحب "التتمة"، وسمِعْت بعضهم في المباحثة يقول: ينبغي أن لا يَقَعَ طلاق الَوكيل على الوَجْه الأول، سواءٌ قال: مهما طلقتكِ، فأنتِ طالقٌ، قبله ثلاثاً، أو قال: مهما وقَع علَيْك طلاقي؛ لأنه إذا لم ينفُذْ منْه الطلاق، لا ينفذ من وكيله، وكذلك لا يزوِّج وكيل المولى في إحرامه.
ولو كان قَدْ علَّق طلاقها بدخول الدَّار، ثم قال: متى وقع عليك طلاقي، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، أو قال: إن حنثتُ في يميني، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً ثم دخل الدار، فهل يَقَعَ الطلاق المعلَّق بالدخول.
إذا فرعنا على الوجْه الأول، فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه قد إنعقدَتْ يمين قبْل اليمين الدائرة، فلا يملك رفعها وحلها باليمين الدائرة.
وأظهرهما: وبه قال القاضيان أبو الطيِّب والرُّويانيُّ: "لا"، لما ذكرنا من معْنَى الدَّوْر، ويجوز أن ينعقد اليمين، ثم يحلها ويسقطها؛ ألا ترى أنَّه لو قال إذا جاء رأسُ الشَّهْر، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، كان تعليقاً منعقداً، ثم إنه يمْلِك إسقاطه بأن يقول: أنتِ طالقٌ قبْل انقضاء الشهر بيوم، وعلى هذا الوجه، هذا الطريق أسْهَلُ في دفع الطلقات الثلاث من الخُلْع، وإيقاع الصفة في حال البينونة، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً قبل أن أطلقك واحدةً، ثم طلقها واحدة فعلى الوجْه الأول، لا يقع شيْء، وكذا لو طلق ثلاثاً، أو اثنتين؛ لاشتمال العَدَد على الواحدة وإذا مات أحدهما، يُحْكَم بوقوع الطلاق قبل الموت، كما لو قال: إنْ لم أطلقْكِ، فأنتِ طالقٌ قاله في "التتمة".
وعلى الوجه الثاني: يقع المنجَز، ولو قال: إذا طلقتُكِ ثلاثاً، فأنتِ طالقٌ قبلها طلقة، فطلَّقها ثلاثاً؛ فعلى الوجه الأول لا يقع شيْءٌ: وعلى الثاني؛ تقع الثلاث، ولو طلَّقها واحدةً أو اثنتين يقع المنجز بلا خلاف، ولو قال: إذا طلَّقتك، فأنتِ طالقٌ قبله 1 طلقتين، وهي غير مدخول بها فطلَّقها لم يقع على الأوَّل شيْءٌ.
وعلى الثاني يقع ما نجزه وإن كانتْ مدخولاً بها، وقعَتْ طلقتان.
ولو قال: إن آليتُ عنْك أو ظاهرْتُ، فأنتِ طالقٌ قبْله ثلاثاً، فإذا آلى أو ظاهر، لم يقع الثلاث قبله، وإلا فتكون مبتوتةً، ويلغو الإيلاء والظِّهار، ويمكن أن يقال؛ تفريعاً على أن ألْفَاظ العُقُود تَقَعُ على الصحيح منْها والفَاسِدْ يقع على الثلاث قبْل الإيلاء والظهار، وان كانا فاسِدَيْن وإن لم يقع الثلاث منْهما، ففي صحَّة الإيلاء والظهار والوجْهَان إن صحَّحنا الدَّوْر لم يصحَّا, [وإن أوقعنا] الطلاق المنجَّز، صحَّا، وكذا الحكم لو قال: إن لاَعَنْتُ عنكِ أو حلَفْتُ بطلاقك، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً أو قال للرجعية إن راجَعْتُك، فأنتِ طالقٌ قبله طلقتين أو ثلاثاً ولو قال: إن فسخت [النكاح] 2 بعيبك، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، [وإذا] 3 وجدَ منْه التصرُّف المعلَّق علَيْه، ففي نفوذه الوجْهَان، ذكَرَه الشيخ أبو عليٍّ والقاضي الحُسَيْن والأئمة.
ولو قال إن فسختُ النكاح بعيبي أو بعيبك، فأنتِ طالقٌ قبْله ثلاثاً أو قال: إن استحققت الفساخ بذلك أو بالإعسار بالنفقة أو إن استقر مهرك بالوطء، أو استحققت الطلاق في الإِيلاء، فأنتِ طالقٌ قبْله ثلاثاً [ثم] 4 فسخت أو وجدت الأسباب المثبتة لهذه الاستحقاقات، فينفذ الفَسْخ ويثب الاستحقاقُ، ولا تقول بإلغائها وإبطالها، للتعليق الدائر، وإن قُلْنَا على الوجْه بإلغاء الطلاق المنجَّز للتعليق الدائر، والفرق أن هذه
فُسُوخ وحقوقٌ تثبت عليه قهراً ولا تتعلق بمباشرته واختياره، فلا يصلُحُ تصرُّفُه دافعاً لها ومبطلاً لِحَقِّ الغير، والطلاق يتعلق بمباشرته واختياره، فجاز أن يندفع بالتعليق الَّذي يتعلَّق باختياره، وأيضاً فليس من ضرورة النِّكاح أن ينفُذَ فيه الطلاق، ومن ضرورة أسباب الأحكام المذكورة ثبوت هذه الأحكام، كذلك ذكَر الجَوابَ في هذه الصُّور صاحبُ الكتاب في "غاية الفور" وتابعه غَيْرهُ ومشهُور أنَّه لو قال: إن انفسخ نكاحُكِ، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم ارتد أو اشتراها، ينفسخ النكاح، ولا يقع الطلاق، ولا نقول بامتناع الانفساخ؛ للتعليق الدائر، وإن قلنا بامتناع الطلاق للتعليق الدائر لوجهين:
أحدهما: أن الانفساخ حكم قهريٌّ لا اختيار له فيه، والطلاق 1 يتعلَّق باختياره، والاستحالة جاءت من اليمين الدائرة المتعلقة باختياره، وتسليطُ اختياره علَى دَفْعِ ما ثبت باختياره أهونُ من تسليط اختياره عَلَى دَفْع ما ثبت قهراً بِحُكْمِ الشرع.
والثاني: [أن] 2 في الانفساخ عند الرِّدَّة والشراء حقُّ الشَّرع كما [أن] 3 في الانفساخ عند فسخ المرأة: يجب الزَّوْج وسائر عيوبه حقّ المرأة وما يصْدُر منْه لا يصلُح أن ينهض مبطلاً لحق الغير، وإن جاز أن يكون مبطلاً لحقه، ذكر الوجهين هكذا في غاية الغَوْر، وقال: الَّذي نراه: أنَّه إذا قال إن آليتُ عِنكِ، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم آلى، يصح إيلاؤه، وكذا في اللِّعَان، وإن قلنا بأن التعليق الدائر يَمْنَع وقوع الطلاق وصحة الظهار، والفَرْق أن الإيلاء: يمين على الامتناع من الوطء، وذلك ينعقد في حقّ الأجنبية، واللعانُ يمين على نفْي النسب، وقد يُؤْتَى به في الموطوءة بالشبهة، وبعد الطلقات الثلاث لنفي النسب، فهما مستقلان منعقدان، وإن لم يكُنْ نكاح، لكن إذا صادف الإِيلاء النِّكَاح [أثبت المطالبة بالغي أو الطلاق، وإذا صادف اللعان النكاح وجب التفرقة بينهما كالشراء المستقل بالانعقاد، وإن لم يكن نكاح فكما إذا اشترى زوْجَتَه تحكم بصحته وإفادته المِلْكَ، ولا نحكم بوقوع الطلاق، كذلك الإِيلاء واللعان ينبغي أن ينعقد إنعقادَهُما في حق الأجنبية، ثم إذا تعرَّض لوجوب الكفارة لوَ وطئها، سلَّطَها ذلك على المطالبة، بالفيئة أو الطلاق، كما تسلطها عنته عَلى الفَسْخ، وإذا انعقد اللعان، ترتبت الفرقة عليه ترتبها على الشراء، ويجوز أن يُعْلَم لهذا قوله في الكتاب "إن آليْتُ" بالواو؛ لأنه أراد بقوله: "ومِنَ الدَّوْرِ أن يقول إن آلَيْت" إلى آخر أن نفوذ هذه التصرفات على الخلاف في نفوذ الطَّلاق، وعلى ما اختاره ينفُذ الإِيلاء بلا خلاف، كما ينفذ الانفساخ، وفسخها بعنته.
ولو قال: إن وطِئْتُك وطْئاً مباحاً، فأنتِ طالقٌ قبله، ثم وطئها لم تُطلَّق قبله؛ لأنها لو طُلِّقت، لخرج الوطء عن كونه مباحاً، ولا فرق بين أن يذكر الثلاث في هذه الصورة أو لا يذكر، قال الإِمام وغيره ولا يجيْء في هذه الصورة خلافٌ؛ لأن موضع الخلاف ما إذا انحسَمَ بتصحيح اليمين الدائرة بابُ الطلاق أو غيره من التصرفات الشرعية، وها هنا لا ينحسم باب الطلاق، ولو قال إن طلقتُكِ طلقةً رجعيَّةَ، فأنتِ طالقٌ قبلها ثلاثاً، أو اثنتين وطلقها 1 واحدةً، ففيه الخلاف؛ لأنَّه وقع قبلها ثلاث أو اثنتان لما كانت رجعية، ولو طلقها ثلاثاً أو خالَعَها أو كانت غيْرَ مَدْخُول بها، فطلقها واحدةً أو اثنتين، وقَع ما أوقع؛ لأنه إنما علَّق الثلاث بالطلقة الرجعية، وفي هذه الصورة ما أوقعه ليس برجعيٍّ، ولو قال إن طلقت طلقة رجعيَّةً، فأنت طالقٌ قبلها واحدةً، فطلقها واحدة، وهي مدخولٌ بها، فلا دَوْر، وتُطلَّق طلقتين، ولو قال للمدخول بها: متى طلقتك طلاقاً رجعيّاً فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ولم يقِل "قبله" ثم طلَّقها، فعن ابن سُرَيْجٍ أنَّه قال الذي كتابه "الغُنية" لا يقع المنجز ولا المعلَّق؛ لأنه لو وقع المنجز، لوقع الثلاث، وإذا وقع الثلاث لم تُثبت، فلا يكون الطلاق رجعيّاً، وإذا لم يكن الطلاق رجعيًّا، وجب أن لا يقع الثلاث، قال الشيخ: أبو عليٍّ، هذا غَلَطٌ من ناسخ أو ناقِلٍ، وابن سُرَيْج أجلُّ من أن يقول ذلك، بَلْ يقع الثلاث، ولا دوْر؛ لأنه إذا طلق واحدةً، كانت رجعيةً، ثم يترتب عليها طلقتان، فتقع الرجعة.
نعم، لو قال: إذا طلقتك طلقةً رجعيةً فأنتِ طالقٌ معها ثلاثاً، فإذا طلَّقها، خُرِّج ذلك على وجهَيْن، بناءً على الوجهين فيما إذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً معها طلقةٌ، تقع طلقتان أو طلقة، إن قلنا: يقع طلقتان معاً، فما هنا لا يقع شيْء على تصحيح الدَّوْر؛ لأن المعلَّق إذا وقع مع الواحدة لا يكون الواحدة رجعيَّة وإن قلْنا: لا يقع هناك إلا واحدة، فهاهنا تقع الثلاث، كما لو لم يقُلْ معها؛ لأنَّه لا حالة تَعْرِض فيها الرجعة، بل كما: يقع الواحدة تقع الثلاث، وقوع الثلاث يَمْنَع كون الواحدة رجعيةً، فِإن قلْتَ: قد عَرَفْتُ جميع ذلك، فما الأظهر من الخلاف في مسألة الدَّوْر؟ والفتوى وُقُوع الطلاق، أو انحسام البَاب، فاعْلَمْ أن الأصحاب متحزِّبون فيه، واختيارهم مختلفٌ، فالمشهور عن ابن سُرَيْج؛ أنَّه لا يقع الطلاق، وبه اشتهرت المسألة بـ"السُّرَجِيَّةِ" وإليه ذهب أبو بَكْرِ بْنُ الحدَّادِ، وأيضاً القفَّالان، والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيِّب، واختاره الشيخ أبو عليٍّ وأبو إسحاق الشيرازيُّ، وعن المزنيِّ، وبه أجاب في "المنثور" ورأيْتُ في بعض المعلَّقات أن صاحب الإِفْسَاح حكَاه عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- وذَكَر أنَّه مذهب زيْدِ بْنِ ثابِتٍ -رضيَ الله عنه- وذهب أبو عبد الله
الختني إلى الوجه الثالث، وهو وقُوع الثلاث إذا نجّز واحدة، وحكاه في "التهذيب" عن أبي بكر الإِسماعيلي.
وأما الوجه الثاني، وهو وقوع المنجز في قول صاحب "التلخيص"، والشيخ أبي زَيْدٍ، ومذهب أبي حنيفة واختاره ابن الصباغ، وصاحب "التتمة" والشريف ناصر العمري -رحمهم الله- وإيانا، وحكاه القاضي أبو الطيِّب عن ابن سُرَيْج في زيادات الطلاق، ولصاحب الكتاب قَدَّس الله رُوحَهَ في المسألة تصنيفان مطوَّلٌ في صحيح الدَّوْرِ، وسماه "غاية الغَورْ في دَرايَةِ الدَّوْر ومختصرٌ في إبطاله وسماه "الغَوْر في الدَّوْر" رجع فيه عن التصحيح، واعتذر عما سَبَق منْه، ويشبه أن تكون الفتْوَى به أولَى، وذكر القاضي الرّويانيُّ بعد اختيار التصحيح؛ أنَّه لا وجه لتعليم العوامِّ المسألة، لفساد الزمان 1 ومما احتجوا به للبطلان وجْهَان مشبهان 2 من أصْل واحد:
أحدهما: قال صاحب الكتاب: لفظ الدَّوْر يشتمل على المُحَال، فوجب إلغاؤه، ووجْه اشتماله على المحال قولُه "إن طلَّقتك، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً" تعليقُ " ثلاث" موصوف بقبلية رابعٍ، وقوله: لغير المدخول بها، إن طلقتك، فأنتِ طالقٌ قبله" تعليقُ طلاقٍ موصوفٍ بقبلّيةِ طلاقٍ آخَرَ، ووقوعُ ثلاثٍ موصوفةٍ بقبلية رابع محالٌ، وكذا وقوعُ الطلاقِ موصوفٌ بالتقدم على طلاق آخر في حقّ غيْر المدخول بها، وإذا كان كذلك وجَب أن يبطل تعليقه، كما يبطل، تنجيزه، فإنه لو قال لغَيْر المدْخُول بها: أنتِ طالقٌ طلقةٌ قبل طلقة، لا يعتبر كلامُه، ولا تقع طلقتان كما ذكروا، والكلام في أنَّه يلْغُو بالكلية، أو يلغو القَدْر الذي يجيْء، منه الاستحالة، وهو قوله قبل طلقة كذلك، هاهنا لا ينْبَغِي أن يصحَّح التعليق، ويرد الكلام إلى أنَّه يلغو مطلقاً، فيقع المنجَّز أو يحذف قولة: "قبله"، حتَّى يقع المنجز وتتمة الثلاث من المعلَّق.
والثاني: قال الشيخ الإِمام أبو الفتح العِجْلِيُّ؛ تصحيح الدَّوْر يلزم منه المُحَال فلا يصار إليه ووجْهه أن يلزم منْه تملك أربع طلقات؛ لأن قوله: "إن طلقتك" إما أن يريد به التلفظ بالطَّلاق أو الطلاق المعتبر؛ إن أراد الأول لم تكُن ذلك صورة الدَّوْر، فإنه لو قال: مهْما تلَفَّظْت بلفظ الطَّلاق، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم تلفظ، يقع الثلاث لا محالة، فتعين 3 أن يكون المرادُ الطَّلاقَ المعتبر، وإنما معتبر إذا كان الشَّخْص مالكاً له والثلاث المعلَّقة غير تلك الواحدة، فإن الشَّرْط غير الجزاء، ولا بدّ وأن يكون مملوكاً، ليصحَّ التعليق؛ ألا ترى أنَّه لا يصحُّ تعليق طلاق امرأةٍ سينكحها؛ لأنه لا يَمْلِك طلاقَها،
فظَهَر أنَّه يلزم من تصحيح هذا التعْلِيق تمْليك أربع طلقات، وهو مُحَال فيلغو.
فُرُوعٌ: إذا صحَّحنا الدَّوْر، فلو قال: مهما وقع طلاقٍ على حفصة، فعمرة طالقٌ قبله ثلاثاً، ومهما وقع طلاقي على عمرة، فحفصة طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم طلَّق واحدة منهما، لم تطلَّق ولا صاحبتُها؛ لأنها لو طُلِّقَت، لطُلِّقت الاْخرى قبلها ثلاثاً، ولو طُلِّقَت الأخرى قبلها ثلاثاً، لطُلِّقت هذه قبلها ثلاثاً، ولو كان كذلك، لَمَا وقعت هذه الطلقة، لكن لو ماتت 1 عمرة ثم طُلِّقت حفصة طُلِّقت؛ لأنه لا يلزم والحالَةُ هذه مَن إثبات الطَّلاق نفيه 2 ولو قال رَجُل لآخر: مهما وقَع طلاقك على زوْجتك، فزوجتي طالقٌ قبله ثلاثاً، وقال المقُولُ له للقائِلِ مثل ذلك، لم يقع طلاق واحد منهما على زوجته، ما دامت زوجة الآخر في نكاحه، ولو قال لامرأته: متى دخلْت الدار، وأنتِ زوجتي، فعَبْدِي قبله حُرٌّ، وقال لعبده متى دخَلْتَ الدار، وأنتَ عَبْدِي، فزوجتي طالقٌ ثلاثاً قبله، ثم دَخَلا الدَّار معاً، لم يُعْتَق العبد، ولم تُطَلَّق المرأة؛ لأنه لو حصل العتْق والطلاق، لحصلا معاً قبل الدخول، ولو كان كذلك، لم يكُن العبد عبْدَه وقْت دخوله، ولا المرأة زوجته فلا 3 تكون الصفة المعلَّق عليها حاصلةً، قال الإِمام وأبو زيد: لا تَخَالُفَ في هذه الصُّورة لأنَّه ليس فيها 4 سدُّ باب التصرف، فلو دخلت الدار أولاً ثم العبد عتق العبْدُ لأنها دخَلَت وهي زوجته، ولم تُطلَّق هي؛ لأنه حين دَخَل، لم يكن عبْداً له، فلم تحْصُل الصفة المعلَّق عليها الطلاق، ولو دخل العبد أولاً، ثم دخلَتِ المرأة، طُلِّقَت المرأة، ولَمْ يُعْتَق العبد، ولو قال لها: مَتَى دخلْتِ الدار، وأنتِ زوجَتِي، فعبْدِي حُرٌّ، وقال للعبد: متى دخلتها، وأنت عبْدِي، فزوجتي طالقٌ، ولم يقل في الطرفين "قبله"، فدخلا معاً، عتق العبد، وطُلِّقت المرأة؛ لأن كل واحدٍ منهما عنْد الدخول بالصفة المشروطة، ولو دخلَتِ المرأة أولاً، ثم العبد أو بالعكس، فالحُكْم كما في الصورة السابقة لا تختلف.
في تصويرات ابن الحدَّاد، إذا قال لامرأته: متى أعتقت جارِيَتِي هذه، وأنت زوْجَتِي، فهي حُرَّة، ثم قال مَتَى أعتقتها، فأنتِ طالقٌ قبل عتقك إيَّاها بثلاثةَ أيام، ثم أعتقها قبْل مضيِّ ثلاثة أيام، فتعتق الجارية؛ لأنه أعتقها، وهي زوجةٌ له، ولا تُطلَّق المرأة؛ لأنه أوقع الطَّلاق قبْل العتق بثلاثة أيام، ولو أوقعنا الطَّلاق قبْل العِتْق بثلاثة أيام، لقدمناه على اللفظ، وذلك مما لا سبيل إلَيْه، وإن أمهلْت ثلاثة أيام، ثم أعتقها,لم تعتق؛ لأنه إنما أَذَن لها في العِتْق بشرط، أن تكون زوجةً له، وبهذا الشرط علق 5 العِتْق [قد] 6
وعلق الطَّلاَق بثلاثة أيام قبْل العتق، فلو نفذ العتْق، لوقع الطلاق قبْلَه بثلاثةِ أيَّام، ولو كان كذلك لم تكُنْ زوجةً، وإذا لم يحْصُل العِتْق لا يقع الطلاق أيضاً، لأنَّه معلَّق به والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (القِسْمُ الثَّانِي في فُرُوعِ التَّعْلِيقَاتِ): فَنَذْكُرُهَا أَرْسَالاً، وَجُمْلَةُ نَظَرِنَا في تَحْقِيقِ الصِّفَاتِ إِذَا عُلِّقَ عَلَيْهَا، فَلْنَذْكُرِ الصِّفَاتِ حَتَّى لاَ نُطَوِّلَ فَنَقُولُ، تَعْلِيقُ الطَّلاَقِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ لَيْسَ حَلِفاً سَوَاءٌ كَانَ بِصِيغَةِ إِنْ أَوْ إِذَا، وَبالأَفْعَالِ حَلِفٌ بِالصِّيغَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفْتَ أن الكلام في التَّعْليقات قسمان فصول، وقد انصرمت وفروع وهي التي نشرعُ فيها الآن، ولمّا كان مُعْظَم الغَرَض فيها البَحْثَ عن الصفات المعلَّق عليها، وأنها بم تحصل كقولنا: إن الحَلِفَ بالطلاق، بم يحصل، وأن البشارة ما هي؟ أثراً للإِيجاز، فلم يتكرَّر لفظِ التعليق بالحَلِف بالبشارة وغيرها، وتكلَّم في الصفات، وهذا مَعْنَى قوله: "وجملَةُ نَظَرِنا.. " إلى آخره.
وقوله: "أَرْسَالاً" أي متتابعةً، نوعاً بَعْد نَوْع، يقال: جاءت الخيل أرسالاً أو قطيعاً واحدها رسل وهو القطيع من الإِبل والغَنَم وغيرهما من الفروع.
وقال ابن سُرَيْج، وتابَعَه مُعْظَم الأصحاب: الحَلِفُ ما يتعلَّق به منع من الفِعْل أو حَثّ عَلَيْه أو تحقيق خبر وجلب تصديق، فإذا قال إن حلَفْت بطلاقك، فأنْتِ طالقٌ، ثم قال لها: إذا طلَعَتِ الشمس، أو جاء رأس الشَّهْر، فأنتِ طالقٌ، لم يقَع الطلاق المعلَّق بالحَلِف بالطلاق؛ لأنَّه ليس في هذا التعليق مَنْع، ولا حَثَّ، ولا غَرَض تحقيق، وكذا لو قال إذا حِضْتِ أو ظَهُرْتِ أو إذا شئت فأنتِ طالقٌ، ولو قال: 1 بعد التعليق بالحلف، إن ضَرَبْتُك، أو 2 إن كَلَّمْتِ فُلاناً أو إن خرجْتِ مِنَ الدَّار أو إن لم تَخْرُجي، أو إن لم تفعلي 3 كذا، أو لم يكُنْ هذا كَما قُلْت، فأنتِ طالقٌ، وقع في الحال الطلاق المعلّق بالحلف، فإن هذا حلفٌ ثم إذا وُجِدَ الضَّرْب أو غيره ممَّا علَّق عليه، وقَعَت طلقة أخرى، إن بقيت في العِدَّة، ولو قال: إن قدم فلان، فأنت طالقٌ، وقَصَد منعه، وهو ممن تخلفه، فهُوَ كقوله: إن دخَلْتِ الدار، وكذا لو قال الزوج: طلعَتِ الشمسُ فكَذَّبَتْهُ المَرْأة، فقال: إن لم تَطلعْ؛ فأنت طالقٌ؛ لأن غرضه هاهنا التَّحْقيق، وحملُها على التصديق، فهُو حَلِفٌ، وإن قَصَد بقوله: "إن قدم فلانٌ" التأقيت أو كان فلان ممن لا يمتنع تحلفه كالسلطان، أو قال: إذا قدم الحجيج، فأنْتِ طالقٌ، فهذا ليس بحَلِفٍ وما جعلْنا التعليق [به] 4 حلفاً، فلا فَرْق فيه بيْن أن يعلق بصيغة "إن" أو صيغة "إذا"، اعتباراً بأنَّه موضع المنع، والحَثّ، والتصديق، وفيه وجْه أنَّه إذا علَّق بصيغة "إذا" لم
يكن حلفاً بل كان محض تأقيت، فإن "إذا" ظرفُ زَمَانٍ، وما لم يجعل التعليق به حلفاً 1، كطلوع الشمس وقدوم الحجيج، فلا فَرْق فيه بين التعليق بصيغة "إذا" وبصيغة "إن" وفيه وْجه أنَّه إذا علَّق بصيغة "إن" كان حلفاً؛ لأنه صَرَفه عن التأقيت بالعدول عن كلمة التأقيت، وهي إذا والظاهر التسوية، وقال أبو حنيفة، وأحمد: التعليقُ بالطُّلوع ونحوه حَلِفٌ؛ كالتعليق بالدخول ونحوه إلا في قوله: إذا حِضْتِ، وإذا طَهُرْتِ إذا شئت فأنْتِ طالقٌ، وحكى الفورانيُّ وجهاً من غير استثناء، فليعلَّم لذلك قوله في الكتاب "ليس حَلِفاً" بالحاء، والألف، والواو، وقوله: "بصيغة إن" بالواو وكذا قوله: "بالصيغتين" 2. ولو قال: إن أقسمتُ بطلاقك، أو إن عقَدتُّ يميني بطلاقك، فأنْتِ طالقٌ، فهو كقوله: إن حلفت بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، وإن قال إن لم أحلف بطلاقك أو إذا لم أحلِفْ بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، فالحُكْم كما سَبَق في التعليق في طَرَف الإثبات والعبارة المشهورة على الجواب الظَّاهر انَّ [إنْ] لا تقتضي الفَوْر والبِدار إلى الحَلِف، و"إذا" تقتضيه، فلو قال إذا لم أحلف بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، ثم أعاد ذلك مرَّة ثانية وثالثة، نُظِرَ؛ إن فَصَل بيْن المرات بقدر وما يمكن فيه الحلف بطلاقها، وسكت فيه، ولم يحلف عقب المرة الثالثة، وقعت الطَّلقات الثلاثة، وإن وصل بيْن الكلمات لمْ يَقَع بالأولى والثانية شيْءٌ ويقع بالثالثة طلقةٌ، وإذا لم يَحْلِف بعْدها بطلاقها,ولو قال: كلما لم أحْلِفْ بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، ومضى من الزمان ما يمكنه أن يحْلِفَ فيه، فلم يَحْلِفْ، وقعت طلقة، فإذا مَضَى مثْل ذلك، ولم يَحْلِف وقعَتْ ثانية، وكذلك الثالثة، ولو قال: إن حَلَفْتُ بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، ثم أعاد هذا القول مرة ثانية وثالثة ورابعة، فإن كانَتِ المرأة: مدخولاً بها وقعت بالمرة الثانية طلقةٌ؛ لأنه حَلَف بطلاقها، وتحل اليمين الأولى، ثم تَقَع بالثالثة طلقة بحكم اليمين الثانية وتحل الثانية، وتقع بالرابعة طلقةٌ، بحكم اليمين الثالثة، وتنحل هي، وتكون الرابعة يميناً مُنْعَقِدةً حتَّى يقع بها الطلاق، وإذا حَلَف بطلاقها في نكاح آخَرَ، إن قلْنَا يعود الحنث بعد الطَّلقات الثلاث، وإن لم يكُنْ مدخولاً بها، فتقع طلقة بالمرة الثانية وتبين وتنحل الأولى والثانية يمين منعقدة، وفي ظهور أثرها في النِّكَاح المجدّد الخلافُ في عَوْد الحَنِث، والثالثة والرابعة واقعان في حال البينونة لا ينعقدان، ولا ينحل بهما شيْء ومثله لو قال: لغَيْر المدخول بها: إن كَلَّمْتُك، فأنْتِ طالقٌ، وأعاد ذلك مراراً، فتقع طلقة بالمرة الثانية، وهي يمين منعقد، وتنْحَلُّ بالثالثة؛ لأن التعليق هاهنا بالكلام، والكلام قد يَقَع في حال البينونة وهناك التعليق بالحَلِف بالطلاق، والحَلِف بالطَّلاق لا يتحقَّق في حال البينونة.
وقال أبو حنيفة في مسألة الكلام لا تنعقد اليمين الثانية؛ لأنها تَبينُ بقوله: "إن كَلَّمْتُك" فيقع قوله: "فأنتِ طالقٌ" في حال البينونة وتلغو الثالثة والرابعة، وبهذا قال سَهْل الصعلوكي، ووجَّه الأول بأن قوله "إن كلمتك فأنتِ طالقٌ" كلامٌ واحدٌ؛ فلا يُفْصَل بعضُه من بعض.
ولو قال لامرأتيه: إذا حَلَفْتُ بطلاقكما، فأنتما طالقان، وأعاد هذا القَوْل مراراً، فإنْ كان قدْ دخل بهما، طُلِّقَتا ثلاثاً ثلاثاً، وان لم يدْخُل بواحدة منهما، طُلِّقَتا طلقةً طلقةً وبانتا وفي عوْدِ الحَنثِ باليمين الثانية الخلافُ، وان كانت إحداهما مدخولاً بها دون الأُخْرَى فبالمرة الثانية تُطلَّقان جميعاً، وتبين غير المدخول بها، وبالمرة الثالثة لا تُطلَّق واحدة منهما، أما الَّتي بانت فظاهر، وأما الأخرى؛ فلأن شَرْط طلاقها الحَلِفُ بطلاقهما جميعاً، والثانية لا يصحُّ الحلف بطلاقها، فإن نَكَح التي بانت، وحلف بطلاقها وحْدها، طُلِّقت المدخول بها إن راجعها، أو كانَتْ في عدة الرجعة، لأنَّه حَصَل الشرْط، وهو الحَلِف بطلاقها، وهل تُطلَّق هذه الَّتِي جدد نكاحها؟ فيه الخلاف في عَوْد الحَنِث.
ولو قال لامرأتيه: إذا حلفْتُ بطلاقكما، فعَمرَةٌ منْكما طالقٌ، وأعاد ذلك مراراً، لم تطلَّق عمرة؛ لأن طلاقها معلَّق بالحَلِف بطلاقهما، وهذا حلف بطلاقها وحْدها، وكذا لو قال بعْد التعليق الأول: إن دخلتما الدَّار فعَمْرة طالقٌ، فإنما تطلَّق عمرة، إذا حلف بطلاقهما مَعاً؛ إما في يمين واحدةٍ أو في يمينين، وذلك مثْل أن يقْول بعد التعليق الأوَّل: إن دخلْتما الدَّار فأنتما طالقتان أو يعيد التعليق الأول، ويقول للأخرى: إنْ دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ.
ولو قال: إِن حلَفْتُ بطلاقكما فإحداكما، طالق، وأعاد ذلك مراراً، لم تطلَّق واحدة منهما، فإن قال بعْد ذلك: إن حلَفْتُ طلاقها فأنتما طالقتان، طُلِّقت بإحداهما بموجب التعليق الأول، وعليه البيان، ولو قال: إن حلَفْتُ بطلاق إحداكما، فأنتما طالقتان، وأعاد مرَّة ثانية، طُلِّقتا جميعاً؛ لأن طلاقهما هاهنا معلَّق بالحلف بطلاق إحداهما,ولو قال: أيما امرأة لم أحْلِف بطلاقها منْكما، فصاحبتها طالقٌ، قال صاحب "التلخيص" إذا سكت ساعةً يمكنه أن يحلف فيها بطلاقهما طلقتا، قال الشيخ أبو عليٍّ: قد عرضْتُ المسألة على القفَّال، وشارحي "التلخيص" فصوَّبوه، والقياس أن هذه الصيغة لا يَقْتَضِي الفَوْر، وأنه لا يقع الطَّلاق على واحدة منهما بالسكوت إلى أن يتحقَّق اليأس عن الحَلِف بموته، أو موتهما؛ لأنَّ قوله "أيّما امرأة" لَيْس فيه تعرّض للوقت، بخلاف ما إذا قال: "أي" وقت أو"متى" لم أَحْلِفْ" وتابعه الإِمام وغيره على ما ذَكَره واستبعدوا جوابَ صاحب "التلخيص" 1 والله أعلم.
ولا يخفى بعْد الوقوف على الشَّرْح أنَّ قوله في الكتاب "وبالأفعال حَلِفٌ بالصيغتين" ليس المراد منْه جميعَ الأفعال؛ لما تبيَّن أن قدوم السلطات ونحوه، كطلوع الشمس ومجيْء الشهر والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَبأَكْلِ رُمَّانَةٍ يَحْنَثُ فِي التَّعْلِيقِ بِهَا وَبِنِصْفِ رُمَّانَةٍ، وَالبِشَارَةُ هِيَ الخَبَرُ (ح) الأَوَّلُ، وَالكَذِبُ خَبَرٌ كَالصِّدْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث صور:
إحداها: لو قال: إن أكلْتِ رمَّانةً، فأنتِ طالقٌ، وإن أكلْتِ نِصْفَ رمَّانة، فأنْتِ طالقٌ، فأكلَتْ رمانة، طُلِّقَت طلقتين، لحصول الصفتين، فإنها إذا أكلَتْها، فقَدْ أكلت رمَّانة، وأكلت نصْف رمَّانة، ولو كان التعليقان بصيغةِ "كلما" [بأن يقول كلما أكَلْتِ رمَّانةً] طُلِّقَت ثلاثاً؛ لأنها أكلت رمانةً، وأكلت نصْف رمانة مرتين.
وقوله في الكتاب: "وبِأَكلِ رمَّانةِ يَحْنَث في التَّعليقِ بهَا، وبِنِصْفِ رمَّانَةٍ" أي بأكلها وبأكل نصف رمانة.
الثانية: تحْته امرأتان وأكثر، فقَال: من بشرتني منكما أو منكن بكذا، فهي طالقٌ، فبشَّرتْه واحدةٌ بعْد واحدةٍ، طُلِّقَت الأولى دون الثانية؛ لأن اسم البِشَارة يقَع على الخَبَر 1 الأوَّل، ولو أنَّه شاهد الحال قبْل أن يخبر، فأتت البشارة، ولو بشَّره أجنبيٌّ، ثم ذكَرَتْ له واحدةٌ منهما لم تُطلَّق، وفي "الإِبانة" للفوراني وجْه آخر؛ أن البشارة لا تختص بالخَبَر الأوَّل، وأن الحُكْم فيه كما سنَذْكُر فيما إذا قَال: منْ أخْبَرَنِي منْكما بكذا، ولو بَشَّرتْه امرأتان معاً، فالمنقول أمنهما تُطلَّقان، وقد يفهم من قوله: "مَنْ بشَّرني منْكما" استقلال الواحدة بالبشارة، وكذلك يَصْدُق أن يقال: ما بشَّرَتْه حفصة ولا عمرة، وإنما بشَّرته زينب، ولو قال: مَنْ أكَل منكما هذا الرغيف، فأكَلَتَاه، لَمْ يُطلَّقا 2، = ذكر صاحب التلخيص ما نصه قال الشيخ -يعني القفال- هذا غلط لا يخرج على أصل الشَّافعي.
والجواب فيها على أصل الشَّافعي أنَّه إذا مات ولم يحلف بطلاقها، طلقت قبيل الموت طلقة.
ويُشْترط في البشارة الصِّدْق، ولا يسمى الخبر الكاذب بشارةً، فلو قالَتْ واحدة: كان كذا، وهي كاذبةٌ [ثم] 1 ذكرته الثانية، وهي صادقة، تُطَلَّق الثانية دون الأولى، والبشارة تحْصُل بالكتابة، كما تحْصُل بالقَوْل، ولو أرْسَلَتْ رسولاً، لم تُطلَّق؛ لأن المبشر هو الرسول قاله فيه "التهذيب".
الثالثة: لو قال: من أخبرني منْكما بكذا، فهي طالقٌ، فلفظ الخبر يقَع على الصِّدْق والكذب معاً، ولا يختص بالخبر الأوَّل، فإذا أخبرناه صادِقَتَيْن أو كاذبَتَيْن على الجميع أو على الترتيب، طُلِّقَتَا جميعاً، ولا فَرْق بين أن يقول: من أخبرني منْكما بقدوم زيدٍ وبين أن يقُولَ: من أخبرني منْكما أن زيْداً قدم أو بأن زيداً قدم، وفيما إذا قال مَنْ أخبرني بقدوم زيْد وجْهٌ آخر؛ أنَّه لا يقع الطلاق، إذا أخْبَرْته كاذبةً، وهو الذي أورده الفورانيُّ، ووجَّهه في "التتمة" بأن الباء للإلصاق، وذلك يقتضي حُصُول القدوم، وصيرورته شرطاً في الإِخبار، كما لَوْ قال: مَنْ أخبرني عَنْ كذا بالعربية، يُشْتَرط العربية في الخبر، وهَذَا يقتضي أن يكون قوله: "من أخبرني بأن زيداً قدم" كقوله "بقدوم زيد" لوجود حَرْف الإِلصاق، لكنَّ الفوراني فَرَّقَ بيْن أن يقول "بقدوم زيد" لوجود حرْف الإِلصاق وبيْن أن يقول: "بأن زيداً قدم" مع وجود حرف الباء فيهما، قال صاحب الكتاب في "البسيط": كأنَّه يتخيَّل أن قوله: "من أخبرني بأن زيْداً قدم" معناه من قال: إنَّه قدم، والظاهر الأول والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإذَا قَالَ: يَا عَمْرَةُ فَأَجَابَتْ حَفْصَةُ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: حَسِبْتُ عَمْرَةَ طُلِّقَتْ حَفْصَةُ ظَاهِراً وَفِي عَمْرَةَ تَرَدُّدٌ إِذْ لَمْ يَجْرِ مَعَها إلاَّ مُجَرَّدُ النِّدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحْته امرأتان عَمْرة وحَفْصة، فقال: يا عمرة، فأجابته حفْصة، فقال: أنتِ طالقٌ، فَيُرَاجَع ويُسْأل عن قَصْده، فإن قال: حَسِبْت أن المجيبة عمْرة، وعندي [أنها] 2 التي أوَجِّهُها بالطلاق، لم تطلَّقْ عمرة؛ لأنه ناداها, ولم يخاطبْها بالطلاق وإنَّما ظَنَّ أنَّهُ يخاطِبها بالطَّلاق، وظَنَّ الخطاب بالطلاق لا يوجب وقوع الطلاق؛ ألا تَرَى أنَّه لو قال لواحدة من نسائه: أنت طالقٌ، وهو يظُنَّ أن المخاطبة غيرها، يقع الطلاق على المخاطبة دون المظنونة، ولو قال للأجنبية: أنت طالقٌ، وهو يظُنَّ أنها زوجته، لا يقع الطلاق على زوجته، وأمَّا حفْصة المواجهة بالطَّلاق، ففيها وجهان:
أصحهما: أنْها تُطلَّق؛ لأنه خاطبها بالطلاق وهي زوجته.
والثاني: لا تُطلَّق، لأنَّه لم يَقْصِدْها، وإن واجهها في بعض الطرق ما يشير إلى أن
هذا الخلاف في الوقوع باطناً وأنه لا خِلاَف في أنَّها تُطلَّق ظاهراً، هذا هو الترتيب المشهور، وهو الَّذي ذكره ابن الحدَّاد وقال الإِمام لو قيل تُطلَّق حفْصة ظاهراً بلا خلاف، وفي عمرة وجهان؛ لأنَّها المقصود بالطلاق، لكان محتملاً، وهذا ما أورده صاحب الكتاب، وترك الطريقة المشهورة، ويجوز أن يعلَّم قوله: "طُلِّقَت حفصة" بالواو، وكذا لفظ التردُّد في قوله: "وفي عَمْرَةَ تَردُّد"؛ لأنها لا تطلَّق جزماً على المشهور، وقوله: "ويُحْتَمَل أن يقَعَ عليها أيْضاً" حشْو؛ فإن التردُّد يعرف بالاحتمال، فلو قال: علمت أن التي أجابتني حفْصة دون عمرة الَّتي نادْيتُها، وهذه الحالة غير مذكورةٍ في الكتاب، فيُسْأَل عن التي قَصَدها بالطَّلاق، فإن قال قصدتُّ طلاق حفْصة المواجهة، دون عمرة الَّتي ناديتها، قُبِل قولُه، لاحتماله، وطلقت فطُلِّقَتْ حفصة دون عمرة؛ لأنه ربَّما ناداها لشُغْل آخر، فلما أجابتْه حفصة شغَلَهُ طلاقها عن جَوَاب عمْرة، وبتقدير أن يكون نداؤها للطَّلاق، فقد يَبْدُو له ألاَّ يطلِّقَها ويُطلِّق حفْصَة.
ولو قال: قصَدتُّ طلاق عمْرة دون حفصة المجيبةِ فتُطلَّق عمرة ظاهراً وباطناً؛ لأنَّه سمَّاها في النِّداء وأقر بأنه خاطبها، وأوقع الطلاق عليها، وتطلَّق حفْصَة في الظَّاهر أيضاً؛ لأنَّه واجهها بالطَّلاق، ولا يُقْبل قوله في دَفْعه عنْها ظاهراً، ولكن بُدَيَّن، وعن الشيخ أبي حامد وغيره وجْه آخر: أن حفْصَة لا تُطلَّق؛ لأن عنده الَّتي يخاطبها عمرة، ورأى الإِمام في هذه الحالة تفصيلاً فقال: إن جَرَى الزوج في كلامه، فَبَانَ بالأداء والإِيراد، أنَّه مسترسل في الكلام، وغير منتظر جواباً، ثم قال: أردتُّ عمرة، فلا تُطلَّق إلا عمْرة، وإن بأن بالأداء انتظارُهُ الجواب، فاتَّصل جواب حفْصة وربْط به قوله: أنتِ طالقٌ، فتُطلَّق حفْصة، ولا يظهر طلاق عمْرة، والحالة هذه، لكن إذا قال أردتها: يؤاخذ بقوله وتأثير الأداء والنغمة قد سَبَق نظيره، ولو كان النِّداء والجوابُ كما سَبَق، وقال بعد جواب حفصة: زينبُ طالِقٌ لامرأةٍ له ثالثةٍ، طُلِّقت هي، ولم تُطلَّق عمْرة ولا حفصة، ولو قال: أنتِ وزينب طالقان، فتطلَّق زينب لا محالة، ثم يُرَاجع، فإن قال: ظننتُ أن المجيبة عمْرة، لم تُطلَّق هي، وتُطلَّق حفْصة في أصحَّ الوجهين، وإن قال عَرَفْت أن المجيبة حفْصة، وقصَدت طلاقها، طُلِّقت هي، ولم تُطلَّق عمرة، ولو قال: قصدتُّ طلاق عمرة، طُلِّقَت عمرة ظاهراً وباطناً، وحفصة ظاهراً، على الجواب الظاهر، واعْلَم أن المسألة ليست من التعليقات في شيْء [لكن التزام ترتيب الكتاب اقتضى جعلها ههنا].
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا قَالَ العَبْدُ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ مَاتَ سَيِّدِي فَأنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَقَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ تُحَرَّمْ بِالطَّلْقَتَيْنِ لِمُقَارَنَةِ العِتْقِ، وَقِيلَ: تُحَرَّمُ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلاَقَ زَوْجَتِهِ المَمْلُوكَةِ لأَبِيهِ عَلَى مَوْتِ أَبِيهِ لَمْ يَنْفُذ لأَنَّهُ وَقتُ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِالمِلْكِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَنْفُذُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ.: فيه مسألتان؛ بينهما بعض التقارب، وكلتاهما من فروع ابن الحدَّاد:
إحداهما: إذا قال العَبْد لزوجته إذا مات سيدي، فأنتِ طالقٌ طلقتين، وقال السيِّد لعبده: إذا متُّ، فأنتَ حرٌّ، فوقوع الطلقتين وعتْق العبد يتعلقَّان جميعاً بموت السيد، فإذا مات لم يحل، إما أن يحتمل الثلُثَ العبْدُ أو لم يحتملْه، إن لم يحتمله، فيُرَقُّ ما زاد على الثلث، ومَنْ بعْضه رقيقٌ كالقنِّ في عدد الطلقات، فإذا وقعت الطلقتان، لم تثبت له رجعة، ولم يكن له أن ينكحها حتَّى تنكح زوجاً غيره، وإن احتمله الثلث عتق العبد، وهل تحرَّم عليه فيه وجهان:
أظهرهما: وهو جواب ابن الحدَّاد: أنها لا تحرم عليه، بل له الرَّجْعة وتجديد النكاح قبْل أن تنكح زوجاً غيْره؛ لأن العِتْق والطلاق وقعا معاً، ولم يكن رقيقاً بعْد وقوع الطلاق، حتَّى يحكم بالتحريم.
والثاني: أنها لا تحل 1 له إلاَّ بعْد زوج آخر؛ لأن العتق لم يتقدَّم وقوع الطلاق، فصار كما لو طلَّقها اثنتين، ثم عتق، ومن نصر الأول قال: العتق كما لم يتقدَّم، لم يتأخر أيضاً، وإذا وقع العِتْق والطلاق معاً، جاز أن يُغلَّب حكم الحرية، ألا تَرَى أنَّه لو أوصى لأم ولده أو لمدبره، والثلث يحتمله تصح الوصية؛ لأن العِتْق، واستحقاق الوصية متقاربان 2، فجعل كما لو تقدَّم العتق، ولا تختص المسألة بالتعليق بمَوْت السيِّد بل يَجْري الخلاف في كل صورة تعلَّق عتق العبد ووقوع طلقتين على زوجته بصفة واحدة، كما لو قال العبد: إذا جاء الغد فأنتِ طالق طلقتين وقال السيد: إذا جاء الغَدُ، فأنتَ حر ولو قال العبد لزوجته إذا عتقت فأنتِ طالقٌ طلقتين وقال السيد إذا جاء الغد فأنتِ طالقٌ إذا جاء الغدُ، فأنتِ طالقٌ طلقتين حر قال الشيخ أبو عليٍّ: إذا جاء الغدُ، عَتَقَ العبْد، وإذا أعتق طُلِّقَت زوجته وطلقتين، ولا تحرَّم عليه بحال؛ لأن العتْق تقدَّم وقوع الطلاق، ولو علَّق السيد، عَتَق العبد بموته، وعلق العبد الطلقتين بآخر جزء من أجزاء حياة السيِّد، انقطعت الرجعة لا محالة لأن الطَّلاق صادف حالة الرِّقِّ.
الثانية: من له نكاح الأمة، إذا نَكَح أمة مُورِّثه، كأبيه وأخيه وعمه، ثم قال لزوجته إذا ماتَ سيِّدُك، فأنتِ طالقٌ، فمات السيد والزوج يرثه، ففي وقوع الطلاق وجهان:
أظهرهما: وهو جواب ابن الحَدَّاد: أنَّه لا يقع الطلاق، وذكر في "المهذب" أن ابن سُرَيْج قال به، ووجَّهه الشيخ أبو علي بمعنيين.
أحدهما: أن الطلاق قطَع النكاح فيستدعي قيام النكاح؛ ليصادفه الطلاق إذا مات
السيد، والزوج وارث تدخل في ملكه كلّها أو بعضها، وينفسخ النكاح، فوَقْت وقوع الطَّلاق وقْتُ حُصُول الملك وانفساخ النكاح، وإذا كان كذلك لا يقَع الطَّلاق، كما لو قال: أنتِ طالقٌ مع موتي، لا يقع الطلاق؛ لأنَّه وقْت زوال النكاح.
والثاني: أنه اجتمع المقتضي للانفساخ ووقوع الطلاق في حالة واحدةً؛ والجمعُ بينهما ممتنع فيُقَدَّم أقواهما، والانفساخ أقوى، [لأن الطلاق حكم يتعلَّق باختيار العبد وانشائه تصرفاً بوقعة، الأولى أقوى] ألا ترى أن حج من لم يحجَّ يقع عن 1 حَجَّة الإِسلام، لا عن النذر والتَّطَوُّع؛ لأن الوقوع عن حجَّة الإِسْلام تتعلَّق بالشرع، ووقوعه عن التَطوع والنذر يتعلَّق بإيقاعه عنْهما، وإذا اشترى قريبة، ونوى عِتْقَه عن الكفارة [لم يقع عن الكفارة] 2 لأن عتقه بالقرابة حكم قَهْرِيٌّ والعتق عن الكفارة يتعلَّق بإيقاعه واختياره.
والوجه الثاني: وبه قال الشيخ أبو حامد: أنَّه يقع الطَّلاق، ولا ينفُذ الانفساخ؛ لأن الموت يوجب ثبوت المِلْك للوارث، ثم المِلْكُ يوجب الانفساخ، فالانفساخ يترتب على ما يترتَّب على الموت، والطلاقُ يتَرتَب على الموتِ؛ فكان الطلاق سابقاً بمرتبة وأشير إلى انتزاع الوجهَيْن من القولَيْنِ المنقولَيْنِ فيما إذا قال: كلَّما ولدتِّ ولداً، فأنتِ طالقٌ، فولدَتْ ولداً بعْد ولدٍ، فعلى الأصح؛ لا يقع الطلاق؛ لمقارنة وقْته وقْت انفساخ النِّكاح، كما لا يقع هناك بالولد الثاني؛ لمقارنته 3 انقضاء العِدَّة، وعلى الثاني؛ يقع ويكتفي بمصادفته طرف النكاح كما يكتفي هناك بمصادفة طَرَف العِدَّة، وهذا إذا لم يكن على السيد دَيْن أو لم يكن ما 4 عليه من الدين مستغرقاً, وإن كان عليْه دَيْن مستغرقٌ، فكذلك الجواب على الصحيح؛ لأن الدَّيْن لا يمنع انتقال المِلْك إلى الورثة، وعلى الوجْه الذي يقول إنه يَمْنَع من [انتقال الملك إلى الوارث] ينفذ الطَّلاق، فإنْ أدى الورثة الدَّيْن من عندهم، بَانَ انتقال المِلْك إليهم، وعاد الخلاف في نُفُوذ الطلاق، ولو علَّق الزوج الطلاق كما ذكرنا [و] 5 قال السيد: إذا متُّ، فأنتِ حرَّةٌ، فإن كانت تخرج من الثلث، عتقت ونفذ الطلاق، وإلا عاد الخلاف في نُفُوذ الطَّلاق؛ لأن ما زاد على الثُّلُث يرثه الزوج أو بعضه، فإن أجاز 6 الزَّوْج، عتقها وكان جائز للإرث أو أجار سائر الورثة معه، إن لم يكن جائزاً، فيخرج على [أن] 7 إجازة الورثة تنفيذٌ أو ابتداء تصرُّف منهم؛ إن جعلْناه تنفيذاً، وقع الطلاق؛ لأنها لم تدْخُل في مِلْك الورثة، وان جعلْناه ابتداء تصرُّف منهم، فقد دخلَتْ هي في ملكهم، فيكون وقوع الطلاق على الخلاف، ولو
كاتبها السيد، ومات، قال الشيخ أبو عليٍّ: في وقوع الطلاق الخِلاف؛ لأن المكاتبة تورث، ولهذا تقول: لو مات وابنته تحْت مكاتبة، ينفسخ النكاح؛ لأنها ورثة بعْض الزوج، ولو لم يكن الزوج وارثاً لسبب من الأسباب، وقَعَ الطلاق، ولا انفساخ.
قوله في الكتاب "لم تُحرَّم بالطلقتين يعني الحرمة المحوجة إلى زوج آخر، بل له الرجْعة وتجديد النِّكَاح، وأما أصْل الحرمة، فلا شكَّ في حصوله، وقوله لمقارنة أي لمقارنة وقوع الطلاق، وقوله: "لأنَّه وقْت انفساخ النكاح بالملك" يعني وقْتَ وقوع الطلاق، وهو أول وقْت الانفساخ، ولا يقَع الطلاق مع الانفساخ، وهذا كما سبَق أنَّه لو قال لغير المدخول بها: إذا طَلَّقْتُك، فأنْتِ طالقٌ، فطلقها, لا تقع الطلقة المعلَّقة, لأن وقْت وقوعها هو أوَّل حال البينونة.
فرْع: قال الحرُّ لزوجته الأمة: إن اشتريتك، فأنتِ طالقٌ، وقال سيدها: إن بعتك، فأنتِ حرةٌ، ثم باعها من زوجها، فتعتق الجارية في الحال؛ لأن الوقت وقتُ خيار المجلس، فإن قلنا إن المِلْك في زمانِ الخيار للبائع أو قلنا: إنه موقوف، فالجاربة مِلْكه، وقد وُجِدَتِ الصفة المعلَّق عليها العِتْق، فتعتق، وإن قلْنا: إن المِلْك للمشتري فللبائع الفَسْخ والإِعتاق فسخٌ منْه؛ فتعود الجارية بالإِعتاق إلى ملكه، وتعتق، وأمَّا الطلاق، فقد أطلق ابن الحدَّاد أنَّه يقع، قال الأئمة: هو جوابٌ عَلَى أن المِلْك في زمان الخيار للبائع، فإنَّ النكاح على هذا القول باقٍ بحاله، وقد وُجِدَ شرْط الطلاق، فيقع، وهكذا يكون الحُكْم على قوْلنا: إنه موقوف؛ لأنه لم يتمَّ البيع بينهما, ولم يَمْلِكْها الزوج، فأما على قولنا: إنه للمشتري، فلا يقع الطلاق على الأصحِّ؛ لمصادفته حُصُول الملك، ووقوع الانفساخ على ما ذكَرْنا في المسألة السابقة، ويجيْء فيه الوجْه الأخير، ولو قال: إنْ ما ملكتك، فأنتِ طالقٌ، بدل "إن اشتريتك" لم يجئ فيه إلا هذا الخلاف الأخير.
وإذا اشترى زوجته الأمة، وطلَّقها في مجْلس العَقْد، فإن قلنا إن الملْك في زمان الخيار للبائع، فيقع الطلاق؛ لأنها منكوحة، كما كانت، ولم يملكها بعْدُ وإن قلنا: إن المِلْك له، لم يقع الطلاق؛ لانفساخ النكاح، كما سبق ولو فسخ البَيْع بحكم الخيار، لا تكون زوجةً له على هذا القَوْل، وعلى قول التوقُّف إن تمَّ العقد تَبيَّن أنَّه لا طلاق، وإن لم يتم تبيَّن نفوذه وهو كما إذا طلَّق امرأته المرتدة بعْد الدخول يكون الطلاق موقوفاً إلى أن يرجع إلى الإِسلام، أو يصر قال الشيخ أبو عليٍّ: ومهما وَقَع الطلاق، ثم تم البيع بينهما، فإن كان الطلاق رجعياً، فله الوطء بِمِلْك اليمين، ولا يلزم الانتظار إلى انقضاء العدَّة؛ لأن العدَّة منْه كما أن له أن ينكح المختلعة في العدَّة، وإن طلقها ثلاثاً، فهل له وطؤها بملك اليمين؟ فيه وجهان؛ الأصح المنع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدمُ فلاَنٌ فَقَدِمَ نِصْفَ النَّهَارِ طُلِّقَتْ فِي
الحَالِ عَلَى وَجْهٍ، وَتَبَيَّنَ الوُقُوعُ أَوَّلَ النَّهَارِ عَلَى وَجْهٍ.
وَلَوْ قَدِمَ لَيْلاً لَمْ تُطَلَّقْ أَصْلاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: أنْتِ طالقٌ يوْمَ يَقْدَمُ فلان، فإن قَدِم في أثناء النَّهار، فلا شكَّ في وقوع الطلاق؛ لحصول الوصف المعلَّق علَيْه، لكن يقع في الحال أو يتبين وقوعه في أول النهار، فيه وجهان:
أقواها: وبه أجاب ابن الحَدَّاد: أنَّه يتبين وقوعُه من وقْتِ طُلوع فجر ذلك اليوم؛ لأن الطلاق معلق باليوم الَّذي يوجد فيه القُدُوم، وإذا وُجِدَ القُدوم، فهو ذلك اليوم، فأشبه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ يوم الجمعة تطلق 1 بطلوع الفجر يوم الجمعة.
والثاني: ونسب إلى ابن سُرَيْج: أنها تطلَّق عَقِيب القُدُوم؛ لأن الطلاق معلَّق باليوم والقدوم، فلا يقع قبْل القدوم كما لا يقع قبْل مجيْء اليوم، والوجهان كالقولين فيما إذا نَذَر صوْم اليوم الَّذي يَقْدَمُ فيه فلانٌ، فقَدِم في خلال اليوم، هل ينعقد النَّذْر فيلزم به صوْم يوم أو هما مأخوذان من هَذْين القولين؟ وهما مذكوران في "كتاب النَّذْر" لو ماتَت المرأة، ثُمَّ قَدِمَ فلان في ذلك اليوم، فعلى الوجه الأول: باتت مطلقة، ولا ميراث للزوج منها، إذا كان الطلاق بائناً، وكذلك لو مات الزوج بعْد طلوع الفجر ذلك اليوم، ثم قدِم فلان، لا ترث هي منه، وعلى الوجه الثاني؛ يثبت الإِرْث، ولو خالعها في أول النهار، ثم قَدِم فلان، فعلى الوجه الأول؛ الخُلْع باطلٌ إن كان الطلاق بائناً، وإن كان رجعياً، فهو على الخلاف في خُلْع الرجعية، وعلى الثاني الخُلْع صحيحٌ، ولا يقع الطلاق بالقُدُوم، ولو كانت ظاهراً في أول النَّهار، فحاضَتْ، ثم قدِم فلان، فعلى الوجْه الأول؛ يحسب بقية ذلك الظُّهْر قرءاً وعلى الثاني بخلافه، ويجري الخلاف فيما إذا قال: عبْدي حرٌّ يوْم يَقْدَمُ فيه فلان، فباعه في ذلك اليوم، وقَدِم آخَرِهُ، هل يصحُّ البيع وهذه الصورة مذكورة في الكتاب في النُّذُور، ولو قَدِم فلان ليْلاً، فوجهان:
أصحُّهما: وهو الذي أورده أكثرهم: أنَّه لا يقَعُ الطَّلاق؛ لأن الشرط لم يحْصُل.
والثاني: يقع، ويُحْمَل اليوم في مثل ذلك على الوقت والزمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] أراد وقت القتال، ومن قال بالأول، قال: اللفظ لحقيقته، فإن فُسِّرَ بالوقت ألزم حكمه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاَثِ طُلِّقَتْ ثَلاَثاً، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ كَلَّمْتِ زَيْداً إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَمَعْنَاهُ تَعْلِيقُ التَّعْلِيقِ فَإِذَا كَلَّمَتْ زَيْداً أَوَّلاً
تَعَلَّقَ طَلاقُهَا بِالدُّخُولِ، وَلَوْ قَالَ: أَرْبَعَتُكُنَّ طَوَالِقُ إِلاَّ فُلانَةَ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الاسْتِثْنَاءُ عِنْدَ القَاضِي حُسَيْنٍ رَحِمَهُ الله، كَمَا لَوْ قَالَ: هَؤُلاَءِ الأَعْبُدُ الأرْبَعَةُ لِفُلاَنٍ إِلاَّ هَذَا الوَاحِدَ لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ في المُعَيَّنِ لاَ يُعْتَادُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائلَ:
إحداها 1: لو قال: أَنْتِ طالقٌ، هكذا، وأشار بإصبع واحد، لم يَقع إلا [طلقة] 2 واحدةً، وإن أشار بإصبعين، طُلِّقَت طلقتين، وإن أشار بثلاثٍ، طُلِّقَت ثلاثاً، قاله ابن سُرَيْج، وقال الإِمام: هذا إذا أشار إشارة مفهمة للطلقتين، أو الثلاث، بأن انضمت إليه قرينة النَّظَر للأصابع أو تحريكها وترديدها وما أشبه ذلك، وإلا فقَدْ يعتاد الإنسان الإشارة بإصبعه في الكلام، فلا يظهر الحُكْم بوقوع العدد إلاَّ بالقرينة، ولو حَصَلت الإِشارة المعتبرة، وقال: أردتُّ الإشارة إلى الإصبعين المقبوضتين صدق بيمينه؛ للاحتمال، ولو قال: أردتُّ وحدة، قال في "التهذيب" لا يُقْبَل، والإِشارة صريحة في العدد، ثم حكي عن صاحب "التقريب" أنَّه يُقْبَل، وأن الإشارة كناية فيه، ولو قال: أنتِ طالقٌ أشار بالأصابع، ولم يقل: هكذا لم يُحْكم بوقوع العدد إلا بالنية إن دخلت الدار، وحكمت زيداً، فأنتَ الثانية: إذا قال إن دخلت الدار، أو كلَّمْت زيداً، فأنتِ طالقٌ، يقع الطلاق بأيَّة واحدة من الصفتين، وُجِدت، ثم تنحل اليمين، فلا يقع بالأخرى شيء، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ، إن دخلت الدار أو كلمت زيداً، فقدم الجزاء، ولو قال: إن دخلْتِ الدَّار و 3 إن كلمْتِ زيداَ، فأنتِ طالقٌ، أو قال: أنتِ طالقٌ، إنْ دخلْتِ الدار وإن كلَّمْت زيداً، فقد كرَّر حرف الشرط، وذلك يوجب تَكْرار الجزاء، فيقع الطلاق بأية واحدة من الصفتين وُجِدت، وإذا وجدتا جميعاً، وقعت طلقتان، ومِنْ هذا القبيل ما إذا قال: إن دخلْتِ هذه الدار، وان دخلت الدار الأخرى، فأنتِ طالقٌ.
قال ابن الصَّبَّاغ وفي معناه ما إذا قال: إن دخلْتِ هذه الدار، فأنتِ طالقٌ، وإن دخلْتِ الدار الأخرى أن الجواب عائد في الدخول الثاني، ولو قال: إن دخلْتِ الدار وكلمتِ زيْداً، فأنتِ طالقٌ، فلا بدّ من وجودهما؛ لوقوع الطلاق، ولا يقع بهما إلا طلقة، ولا فَرْق بين أن يتقدَّم الكلام أو يتأخَّر، وفي "التتمة" ما يقتضي إثبات خِلاَف فيه، لأنَّه قال: من جَعَل الواو للترتيب، فلا بدّ عنْده مِنْ أن يتقدَّم الدخول على الكلام، ومن الأصحاب من جَعَل الواو للترتيب، ولو قال: إن دخلْتِ الدارَ، فكلمْتِ زيْداً، أو
قال: إن دخلْتِ ثم كلَّمْتِ، فلا بدّ منهما، وُيشْترط فَتقَدُّم الدخول على الكلام، ولو قال: إن دخلْتِ الدار، إن كلمت زيداً، فأنتِ طالقٌ، أو قال: أنتِ طالقٌ، إن دخلت [الدار] 1 إن كلَّمْتِ، فلا بُدَّ منهما، ويشترط تقدم المذكور آخراً، وهو الكلام على المذْكور أولاً، وهو الدخول؛ لأنه جعل الكلام شرطاً لتعليق الطلاق بالدخول، ويُسمَّى ذلك اعتراض الشرط على الشَّرط، والتعليق يَقْبَل التعليق، كما أن التنجيز يَقْبَلُه، ألا ترى أنَّه لو قال لعبده: إن دخلْتَ الدار، فأنتَ مدبر، كان ذلك تعليقاً للتدبير بالدخول، والتدبير تعليق العتق، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34] المعنى إن كان الله يريد أن يغويكم، فلا ينفعكم نصحي، إن أردت أن أنصح لكم، ومال الإِمام إلى أنَّه لا يشترط الترتيب ويتعلق الطلاق بحصولهما، كيف اتَّفق، وقال: إنه ذكر صفتين من غير عاطف، فلا معنى لاعتبار الترتيب، والظاهر الَّذي ذكره الجُمْهور الأول، وقالوا: لو كَلَّمَته، ثم دخلت، طُلَّقت، وإن دخلت، ثم كلَّمَتْه، لم تُطلَّق، وفي "التتمة" أن تنحل اليمين حتى لو كلمته، ودخلَتْ بعد ذلك، لم تطلَّق؛ لأن اليمين تنعقد على المَرَّة الأولى، ولا فَرْق بين أن تكون صيغة الشرْط في الصفتين [إن] أو غيْرَهَا, ولا بيْن أن تتحد 2 فيهما 3 الصيغة، أو تختلف، حتَّى لو قال: أنتِ طالقٌ إذا دخلْتِ إن كلَّمْتِ، أو قال: إن دخلْتِ إذا كلَّمْتِ، وبالعكس، أو قال متى كلَّمْتِ كان الجواب كذلك، ولو قال: إنْ أعطَيْتُكِ إن وعدتُّكِ إن سألتِنِي، فأنتِ طالقٌ، فيُشْترط أن يوجد السؤال منها، ثم الوعد منه، ثم العطية، والمعنى: إن سألتني، فوعدتك، فأعطيتك، فأنتِ طالقٌ، وذكر صاحب "المهذب" أنه لو قال: إن سألتِنِي إن أعطيتُكِ، إن وعدتك، فأنتِ طالقٌ، فيُشْتَرَط أن يوجَد السؤال، ثم الوَعْد ثم العطية، لكن قضية ما تمهَّد أن يشترط وجُود الوَعْد، ثم العطية، ثم السؤال، والمَعْنَى إن سألتِنِي، وأعطيتك، إن وعدتك، فأنتِ طالقٌ، وكأنه صوَّر رجوع الكل إلى مطلوب واحد، ولم ير للموعد معنى بعد العطية، ولا للسؤال معنى بعْد الوعد والعطية، فأوَّلَه على ما ذكره، فهَذا بيان الاحتمال الَّذي مال إليْه الإِمام، والظاهر الذي عليه الاعتماد ممَّن جرى على هذا الظاهر، وأورده أبو عبد الله القطَّان، ذكره في المطارحان، ووراءهما شيْء ثالث غريبٌ، وهو أنَّه يُشْتَرط وجُود المذكور أولاً، وهو الدخول في المثال المذكور، حتَّى لو كلَّمَتْ زيْداً ثم دخلت الدار، لم يقع الطلاق، كذلك رأيت الجواب فيما جُمِع في فتاوى القَفَّال، وجعله بمثابة قوله: "إنْ دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، إنْ كلَّمْت زيداً" وأما لفظ الكتاب فإنه صَوّر المسألة فيما إذا
قدَّم شرط الكلام، فقال: "إن كلَّمتِ زيداً، إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ"، على خلاف التصوير الذي ذكرناه، ومعلوم أن الجواب في مثْل ذلك يختلف باختلاف التصوير، فعلى المشهور يُشْترط هاهنا تقدُّم الدخول، فإذا دخلَتْ تعلَّق طلاقها بالكلام، والذي ذكر في الكتاب أنها إذا 1 كلمت أولاً، تعلَّق طلاقها بالدخول ينطبق على ما حَكَيْنا عن فتاوى القفَّال، لكنه لم يُرِد ذلك؛ لأنه صَوَّر في "البسيط" فيما إذا قال: إن دخلْتِ الدار، إن كلَّمْتِ زيداً، فأنتِ طالقٌ، وأجاب بالجواب المشهور، فالذي اتَّفَق هاهنا محمولٌ على سبْق القلم، فإما أن يعتبر قوله: "إن كلمتِ إنْ دخلْتِ" بالتقديم والتأخير، ويُتْرك الجواب بحاله وإما أن يُجْعَل الجواب إذا دخلْتِ ولا يعلَّق طلاقها بالكلام، ويُتْرَك التصوير بحاله.
فروع: لو قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، إن كلَّمتِ زيداً، فهذا يحتمل أن يراد به أنها إذا دخلَتِ الدار، تَعلَّق طلاقها [بالكلام وقد يراد به أنها إذا كلمته تعلق طلاقها] بالدخول، فيراجع ويحكم بموجب تفسيره.
ولو قال: إنْ كلَّمتِ زيداً وعمراُ أو بكراً مع عمرو، فأنتِ طالقٌ، فإنما يقع الطلاق، إذا كلَّمَتْ زيداً وعمراً، وأظْهَرُ الوجهيْن أنَّه يُشْترط كوْن بكر مع عمْروٍ وقْت الكلام معه، كما لو قال: إن كلَّمتِ فلاناً، وهو راكب.
قال: أبو سعْد المتولِّي، وفي كلام البغداديين إذا أراد أحدُهم أن يعلِّق طلاق امرأته بالدخول، يقول: أنتِ طالقٌ، لا دخَلْت الدار، كما يقول الحالف: والله، لا دخلْتُ الدار، والمعنى: إن دخلْت الدار، فأنتِ طالقٌ، وعلى هذه العادة.
قال ابن الصبَّاغ: إذا قال: أنتِ طالقٌ، لا كلَّمت زيداً وعمراً وبكراً، فإن كَلَّمَتْهم، طُلِّقَت، وإن كلَّمت بعضَهُم، لم تُطلَّق، ولو قال لا كلَّمت زيداً ولا عمراً ولا بكراً، فأيَّهم كلَّمتْه، طُلِّقت.
ذكر ابن سريج أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ، إن كلمتِ زيداً حتى يدخل عمرو الدار أو إلى أن يدخل، فالغاية تتعلق بالشرط، لا بنفس الطلاق، والمعنى إن كلَّمتِ زيداً قبْل دخول عمرو، فأنتِ طالقٌ، فإنما تُطلَّق إذا كلمته قبل قدومه.
المسألة الثالثة: إذا قال لأربع نسوة تحته: أربعكن طوالقُ إلاَّ فلانة، أو إلا واحدة على الإِبهام.
فعن القاضي الحُسَيْن، وهو المذكور في التتمة: أنَّه لا يصحُّ هذا الاستثناء، ويطلَّقْن جميعاً، ووجهه بسببين.
أحدهما: قال في "التتمة" لأن الأربعة ليست صيغة عموم، وإنما هي اسم خاصٌّ لعدد خاص، فقوله: "إلا فلانة" رَفَع للطلاق عَنْها بعد التنصيص عليها، فكان كما لو قال: أنتِ طالقٌ طلاقاً لا يقع عليْكِ، وقضية هذا الوجه ألا يصحُّ الاستثناء عن الأعداد في الإِقرار في الطلاق أصلاً؛ لأنها جميعاً أسماء خاصة لتلك الأعداد ومعلوم أنَّه ليس كذلك.
والثاني: وهو المذكور في الكتاب: أن الاستثناء من المعيَّن يعتاد، وإنما المعهود الاستثناء من الطَّلقات، وقد يقوي ذلك بأن للإشارة أثراً ظاهراً في تثبيت الكلام، وتقريره، وهذا يضعف وبأن الإِمام حَكَى عن القَاضي أنَّه لو قال: أربعُكُنَّ إلا فلانة طوالقُ، يصحُّ الاستثناء، وادعى أن هذا معهودٌ، وذلك غير معهود [وهذا كلام كما تراه وقد حكينا في الإقرار أن الاستثناء صحيح من المعينات على الصحيح] ويساوي في الوجهين الإِقْرار والطلاق.
وقوله في الكتاب "كما لو قال: هؤلاء الأعبد الأربعة لفلان إلا هذا الواحد لم يصحَّ" ظاهره يُشْعر باتخاذه أصلاً مفروعاً عنه، وليس كذلك، ولم يذْكره الإِمام هكذا، لكن قال: لعلَّ القاضي يقول بأنه لمْ يصحَّ هذا الاستثناء، وبالظاهر أجاب في "باب الإِقْرار" على ما قدَّمناه، ويجوز أن يعلم قوله: "لم يصح" بالواو.
فرْعٌ: لو قال: أنتِ، هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، ففي "فتاوى القفَّال"، أنَّه إن نوى بقَلْبه الطَّلاق، طُلِّقَت ثلاثاً، والإشارة صريحة في العدد، وإن لم ينوِ أصل الطلاق لم يقع شيْء، كما لو قال: [أنتِ] 1 ثلاثاً، ولم ينوِ بقلبه الطَّلاق، وقال غيره: يُحْتمل أن لا يُجْعَل هذا كناية؛ لأن اللفظ لا يُشْعر بالطلاق 2 بحال والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَطَلَّقْتَ زَوْجَتَكَ اسْتِخْبَاراً؟ فَقَالَ: نَعَمْ كَانَ إِقْرَاراً، وَإنْ كَانَ لالْتِمَاسِ الإِنْشَاءِ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي قَوْلٍ، وَكِنَايَةٌ في قَوْلٍ، وَلَوْ قَالَت: (مرا طلاق ده)
فَقَالَ: (دا زم) فَيَصِيرُ الخِطَابُ معْتَاداً فِيهِ وَيكُونُ صَرِيحاً عَلَى وَجْهٍ، وَلَوْ قَالَ الدَّلاَّلُ لِبَائِعِ المَتَاعِ: بِعْتُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لَمْ يَكُنْ هَذَا خِطَاباً مَعَ المُشْتَرِي، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ زَوْجَةٌ؟ فَقَالَ: لاَ فَهُوَ صَرِيحٌ في الإِقْرَارِ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قيل له على سبيل الاستخبار: أطلقْتَ زوْجتَك أو 3 فارقتها، أو
زوجتك طالقٌ، فقال: نعم كان ذلك إقراراً منْه بالطلاق، فإن 1 كان كاذباً، فهي زوجته في الباطن، ولو قال: أردتُّ الإِقرار بطلاقٍ سابقٍ، وقد راجعْتُها، صُدِّق، وإن قال: أبنتها، وجدَّدتُّ النكاح، فعلى ما ذكَرْنا فيما إذا قال: أنْتِ طالقٌ أمسِ، أو في الشَّهْر الماضي، وفسَّره، بذلك، ولو قيل له ذلك على سبيل التماس الإِنشاء فإن قال في الجواب: نَعَم، طُلِّقَت، ولا إشكال في وقوع الطلاق، وإن اقتصر على قوله "نعم"، فقولان:
أحدهما: أنَّه كنايةٌ لا يقع الطلاق به إلا بالنِّيَّة؛ لأنه لم يلْفِظْ بالطلاق، وما في معناه.
والثاني: ويُحْكَى عن الإِمْلاء واختيار المزني: أنَّه صريح؛ لأن السُّؤال يَعُود في الجواب، وقد جَرَى اللفظ الصريح في السؤال، فكأنَّه قال نعم، طَلَّقْت، ولهذا كَانَ صريحاً في الإِقرار حتَّى لو قال القاضي للمُدَّعَى عليه: أعَلَيْك المالُ الَّذي يدعيه، فقال: نعم، كان مقرًّا، قال الأئمة: والقولان مبنيان على أنَّه إذا قال الوليُّ: زوجتُكَ ابنتي، فقال: قبِلْتُ، ولم يقُلْ نكاحَهَا، هل يصحُّ النكاح، وقضية هذا البناء ترجيحُ قول الكناية، لكنَّ ابن الصباغ والقاضي الرُّويانِيّ رجحا كونه صريحاً، ومنهم من لا يذكر غيره، وفي كلام بعْض النقلة، إثبات الخلاف على الإِطْلاَق من غير فَرْق بين قصْد الاستخبار والتماس الإِنْشَاء، حتَّى لا يكون قوله "نعم" في صورة الاستخبار صريحاً في الإِقرارِ على قولٍ، فيجوز أن يعلَّم لذلك قولُه:"كَانَ إقْرَاراً" بالواو، والظاهر التفصيل كما بيَّنَّاه، ولو قيل له: ألَكَ زوجَة؟ فقال: لا فعن "الإِملاء": أنَّه لا يقع به الطلاق، وإن نوى، وإنَّما هو كذِبٌ محضٌ، وهذا ما أورده كثير من الأصحاب، ولم يجْعلوه إنشاءً، ولا بأْس لو فرَّق بين أن يكون السائل مستخبراً أو ملتمساً إنشاءَ الطلاقِ، كما في الصورة السابقة؛ لأنا ذكرنا في كنايات الطلاق أنَّه لو قال مبتدئاً: لسْتِ بزوجةٍ لي، كان كناية على الظاهر، وذَكَرَوا وجهَيْن، في أنَّه صريحٌ في الإِقرار أو كناية.
أحدهما: وبه قال القاضي الحُسَيْن: أنَّه صريحٌ، كما لو ادعت أنَّك نكحتني فأنْكَر، يحكم بأنه لا نكاح بينهما, ولو رَجَع، وادَّعى الزوجية، لم يُقْبَل، وأشبههما أنَّه كناية 2 فيه؛ لجواز أن يريد نَفْيَ فائدة الزوجات؛ لما بينهما من سوء العشرة، وهذا ما أورده في "التَّهْذيب" قال: ولها تحليفُه أنَّه لم يُرِدْ طلاقها.