كِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِ
قال الغَزَالِيُّ: وَهِيَ سَبْعٌ: البَغْيُ وَالرِّدَّةُ وَالزِّنَا وَالقَذْفُ وَالشُّرْبُ وَالسَّرِقَةُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ.
الجِنَايَةُ الأَوْلَى: البَغْيُ وَالنَّظَرُ فِي صِفَاتِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أراد بالعقوبات الحُدُودَ، وما يَقْرُب منها، وإلا، فالقصاص عقوبةٌ أيضاً، وأدرج في الكتاب الكلام في سبع [من] الجنايات وأحكامها، وهي البغْيُ، والردة والزنا، والقذف [وشرب الخمر] والسرقة، وقطع الطريق، وعقوبات هذه الجنايات قد يُسَمَّى حدوداً، وقَدْ يَخُصَّ باسم الحدِّ ما سوى عقوبةٌ البغْي، والردَّة.
الجناية الأولَى: البَغْيُ،
ونُقدِّم مقدِّمَتَيْنِ: أحدهما: الباغي في اصْطِلاَح الفقهاء؛ المخالِفُ للإمام العادل 1، الخارجُ عن طاعته بالامتناع عن أداء 2 ما وجَب عليه أو غَيْره بالشرائِط التي تذكرها، ولِمَ سُمِّيَ باغياً؛ قيل: لأنه ظالم بذلك، والبغْيُ: الظُّلْم؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج: 60] أي ظُلِمَ، وقيل: لمجاوزته 3 الحدَّ المرسوم له، والبغْيُ مجاوزةُ الحدِّ، وقيل: لطلبه الاستعلاء على الإِمام، مِنْ قولهم: بَغَى الشَّيْءَ أي: طلبه، وافتتح الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الباب بقوله -تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات: 9] ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ 4 الآية، ويقال: إنَّها وردَتْ في طائفتَيْنِ من الأنصار وقعَ بينهما قتالٌ، فلما نزلت، قرأها عليهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فأقْلَعُوا، وليْس فيها تعرُّض للخروج، والبغْي على الإِمام، ولكن إذا أمرْنا بقتال طائفة بغَتْ على طائفة أخرى حتى تَفِيءْ إلى أمر الله، فلَأَنْ نقاتلَ الَّذين بغَوْا على الإِمام
إلَى أن يفيئوا إلى أمر الله تعالى أَوْلَي، ثم استفاد الأئمةُ بعْد وجوب قتال أهْل البغْيِ، أنه لا يكْفُر 1 الباغي بالبَغْي، وأنه إذا رجَع إلى الطاعة، تُقْبَل توبته، ويُتْرَك قتاله 2، قالوا: وفي الأمر بالإصْلاح أولاً وآخراً إشعارٌ بأنه لا يغرَّمُ، ولا ضَمَانَ فيما يتلقون على ما سيأتِي، وأجمعتِ الصحابةُ -رَضِيَ الله عَنْهُمْ- على قتال البُغَاة، فقاتل أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أولاً مانِعِي الزكاة، وقاتل عليّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- آخراً أصحابَ الجَمَلِ، وأهْلَ الشامِ وأهْلَ النَّهْرَوَان، ثم أطلق الأصحابُ القول: بأن البغْيَ ليس باسْمِ ذمٍّ، وبأن الباغين ليْسوا بفَسَقَةٍ، كما أنهم ليسوا بكَفَرة، ولكنهم مخطِئُون فيما يفْعَلُون ويَذْهَبُون إليه من التأويل، ومنهم من يسميهم عصاةٌ، ولا يسميهم فسقةً، ويقول: ما كلُّ معصية توجِب الفسْقِ، وعلى هذا، فالتشديدات الواردةُ في الخروج عن طاعة الإِمام ومخالفته، كما رُوِيَ 3 عن عبادة بن الصاحِب -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- قال: بَايَعْنَا رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: "عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، في المَنْشَطِ، وَالْمَكْرَهِ وَأَلَّا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ" وما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شبرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ" 4 وأنه قال: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ منَّا" 5 وأنه قال: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ" 6 محمولةٌ على مَنْ يخْرُج عن الطاعة، ويخالِفُ الإمام بلا عُذر ولا تأويل، وعلى هذا فتسمية البغْيِ جناية، حيث قال في الكتاب "الجنايةُ الأولَى: البغْيُ" كتسمية القتل الخطَأِ جنايةً.
المقدِّمة الثانيةُ: لمَّا كانَ البغْيُ عبارةً عن الخروج على الإِمام بشُرُوط مخصوصةٍ، فيحتاج في معرفة الباغي إلى معْرفة الإِمام، فاستحسن جماعةٌ من الأصحاب أن يتكلَّموا في الإمامة ههنا، ورأَيْنَا أن نتأَسَّى 7 بهم، ونورد المقْصُود على الاختصار في فُصْول:
فَصْلٌ: في شروط الإِمام:
وهي: أن يكون (1) مكلَّفاً، فالمُوَلَّى عليْه في خاصته كيف يلي أمر الأمة؟ وأن يكون (2) مسْلماً؛ ليُراعي مصلحة الإِسلام والمسلمين، وعدْلاً؛ ليوثَقَ به وحراً، وذكرا (3)؛ ليكمل ويهاب، ويتفرَّغ ويتمكَّن من مخالَطَة الرِّجَال، وعالماً (4) مجْتهداً؛ ليعرف الأحكام، ويُعَلّم الناس؛ ولا يفوت الأمر عليه بامشكثار المراجعة، وشُجَاعاً (5) ليغْزُو بنَفْسِه، ويعالج الجُيُوش، ويقْوَى على فتح البلاد، ويحمي البيضة، وذا رَأْيٍ وكفايةٍ، فالرأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ، وسميعاً وبصيراً، وناطقاً؛ ليتأتى له
فصل
الأمور، قال في "التتمة" ولا يُشْتَرَط سلامة سائر الأعضاء؛ كاليد والرِّجْل والأُذُن، وفي "الأحكام السلطانية" لأَقْضَى القضاةِ الماوَرْدِيِّ: اشترط سلامة الأعضاءِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنع من استيفاء الحركة وسرْعَةَ النهوض، وهذا أَوْلَي، وأن يكون من قُرَيْشٍ 6، وللإمام احتمالٌ فيه، وربَّما نُسِب إليه مَنْعُ اشتراطه، والمذهب الأوَّل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الأَئِمَّةُ من قُرَيْشٍ" 7 وقد احتج به أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-[علَى الأَنْصَارِ] 8 يوم12345
السَّقيفةِ، فَتَرَكُوا ما همُّوا به، وبذلك أخذَتِ الصحابة -رَضِيَ الله عَنْهُمْ- فمَنْ بعْدَهم، فإنْ لم يوجَدْ في قريش مَنْ يستجمع الصفاتِ المعتبرةَ، وُلِّي كِفَانِيٌّ؛ فإن لم يوجَدْ، فرجل من وَلَدِ إسماعيل -عليه السلام- ولك أن تقول: قريشٌ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بن خُزَيْمَةَ بْنُ مُدْرِكَةَ، فكما قالوا: إذا لم يوجَدْ قرشيٌّ، يولى كنانيٌّ، فهلَّا قالوا: إذا لم يوجد كنانيٌّ، يولَّى خُزَيْمِيٌّ, وهكذا يَرْتَقِي إلى أبٍ بعدْ أبٍ، حتى ينتهي إلى إسماعيل -عليه السلام-، فإن لم يوجَدْ مِنْ ولد إسماعيل مَنْ يصلح لذلك، ففي "التهذيب" أنه يولَّى رجلٌ من العَجَم، وفي "التتمة": إنه يولَّى جُرْهُمِىٌّ، وجُرْهُمٌ أصل العَرَب، ومنهم تزوَّج إسماعيلُ -عليه السلام- حين أنزله أبوه أرْضَ مكة، فإن لم يوجَدْ جرهميٌّ، فرجل من [نسل] (1) إسحاق -عليه السلام-، ولا يشترط أن يكون هَاشِمِيّاً (2) ولا أن يكون معصوماً، وفي جواز تولية (3) المفضولِ خلافٌ مذكورٌ في "أدب القضاء"، فإن لم تتَّفِق الكلمة، إلا عليه، فلا خلاف في الجواز (4)، لينحسم (5) باب (6) الفتنة، ولو (7) نشأ مَنْ هو أفضل من الإِمام المنصُوب، لم يُعْدَل، عن المنصوب إليه.
فصْلٌ:
لا بد للأُمَّة من إمام يُحْيِي الدينَ، ويقيم السنة وينصف المظلومين [من الظالمين] 8، ويستوفي الحقوقَ، ويَضَعها مواضعها، [فلا] يصلح الناس فوْضَى، وتنعقد الإمامة بطُرُقٍ:
أحدها: البَيْعَة، كما بايع الصحابةُ 9 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - أبا بكرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وذُكِرَ في عَدَد الَّذين تَنْعَقِدُ الإمامة بِبَيْعَتِهم وجوهٌ:
أحدها: أنه لا بد من أَرْبَعِينَ؛ لأن عقد الإمامة أعظم خَطَراً من عقْد الجُمُعَة، وهذا العدَدُ معتبرٌ في الجمعة، ففي البيعة أَوْلَي.
والثاني: [أنه] يَكْفِي أربعةٌ، وهو أكمل نصاب 10 الشهادات.
والثالث: ثلاثةٌ؛ لأن الثلاثة مطْلَقُ الجمع، فإذا أنفقوا لم يَجْزْ مخالفة الجماعة.
والرابع: اثنان؛ لأن أقل الجَمْع اثنانِ.
والخامس: واحدٌ؛ لأن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بايع أبا بكرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-1234567
أوَّلاً ثم وافقه الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أجمعين، فعلى هذا يُشْتَرط أن يكون ذلك الواحدُ مُجْتَهِداً، وأن يكون في العَدَد المعتَبَر على الوجوه السابقة مجتهدٌ؛ لينظر في الشروط المعتبرة، هل هي حاصلةٌ فيمن يولُّونه؟ ولا يُشْترط أن يكون الكُلُّ مجتهدِينَ.
والوجه السادس، وهو الأصحُّ: أن المعتبر بيعةُ أهْل الحلِّ والعقْد من العلماء والرؤساء، ووجوهِ النَّاس الذين يتيسَّر 1 حضورهم؛ لأنه ينتظم الأمر 2 برأيهم واتفاقهم، ويتبعهم سائر الناس، ولا يُشْترط اتفاقُ أهل الحلِّ والعقْد في سائر البلاد والأصقاع، بل إذا وصل الخَبَر إلى أهل البلاد البعيدة، فعليهم الموافقة والمتابعة 3؛ وعلى هذا، فلا يتعيِّن للاعتبار عددٌ بل لا يُشْترط العدَدُ، فلو تعلَّق الحلُّ والعقْد بواحدٍ مطاعٍ، كفَتْ بيعته لانعقاد الإمامة، ولا بد أن يكون الَّذين يبايِعُون بصفاتِ الشهودِ، وفي "البيان" ذَكَر وجهين "في أنه هل يُشْتَرط أن تكون البيعةُ بحضور 4 شاهِدَيْن ويُشْتَرط في انعقاد الإمامة أن يجيب 5 الذين يبايعونه، فإن امتنع، لم تَنْعَقِد إمامته، ولم يُجْبَرْ عليها 6.
والثاني: استخلافُ الإِمام مِنْ قَبْلُ، وعَهْدُه إليه، كما عهد أبو بكر إلى عُمَر -رَضِيَ الله عَنْهُمَا 7 - وانقعد الإجماعُ على جوازه، قال صاحب "التهذيب": والاستخلاف أن يَجْعَلَه 8 خليفةً في حياته، ثم يخلفه بعد موته، ولو أوصَى له بالإمامة مِنْ بعد موته 9، ففيه وجهان؛ لأنه بالموت يخْرُج عن الولاية، فلا يصحُّ منه توليه الغير، ولك أن تقول، أولاً: هذا التوجيهُ يُشْكِل بكل وصايةٍ، ثم ما ذكره مَنْ جعله خليفة في حياته، إما أن يريد به استنابته، فلا يكون هذا عهداً 10 إليه بالإمامة، أو يريدَ
به جعْلَه إماماً.
في الحال، فهذا إما خلْعُ النَّفْس أو فيه اجتماعُ إمامَيْن في وقْت واحدٍ أو يريدَ [به] 1 أن يقول: جعلْتُه خليفة أو إمامًا بعْد موتي، فهذا هو معنى لفْظ الوصية، ولا فرق بينهما، وإذا جُعِلَ الإمامْ الأمرَ شورَى بين اثنين فصاعداً بعْده، كان كالاستخلاف إلا أن المستخْلَفَ غير متعيِّن فيتشاورون، ويتَّفِقُون على أحد وكما جعل عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الأمر شورَى في ستة، فاتفقوا على عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وذكر أقضى القضاة الماوَرْدِيِّ: أنه تعتبر شروط الإمامة في المُوَلَّى مِنْ وقت العهْد إليه، حتى لو كان صغيراً أو فاسقاً، عند العهد، بالغاً عدلاً عند موت المُوَلِّي، لم ينتصب إماماً إلا أن يبايعه أهلْ الحلِّ والعقد، وقد يتوقف في هذا، وأنه إذا عهد إلى غائبٍ مجهولِ الحياة، لم يصحَّ، وإن كان معلومَ الحَياة، صحَّ، فإن ماتَ المستخْلَفُ وهوَ غائب بعدُ استقدمه أهلُ الاختيار، فإن بُعدتْ غَيْبَتُهُ واستفسر المسلمون بتأخير 2 النَّظَر في أمورهم، اختار أهل الحل والعقد نائباً له يبايعونه بالنيابة دون الخلافة، فإذا قَدِمَ، انعزلَ النائبُ، وأنه إذا خلع الخليفة نفْسَه، كان كما لو مات، فينتقل الخلافة إلى ولىِّ العَهْد، ويجوز أن يُفْرَق بين أن يقول: الخلافة بعد موتي لفلان أو بعْد خلافَتِي، وأنه يجوز العهد إلى الوالد والولد، كما يجوز إلى غيرهما، وفيه مذهبان آخران.
أحدهما: المنع، كالتزكية والحُكْم لهما.
والثاني: الفرق بين الوالد والولد 3؛ لأن المَيْل إلى الولَدِ أشدُّ [فيجوز للوالد دون الولد]، وأنَّ وليَّ العهد لو أراد أن ينقل ما إليه مِنْ ولاية العهد إلى غيره، لم يَجُزْ؛ لأنه، إنما يجوز له النَّظَر، وتثبت الولاية بعد موت المُوَلَّى.
وأنه إذا عهد إلى اثنين أو أكثر على الترتيب، فقال الخليفة: بعدي فلان، وبعد موته فلانٌ جاز، وانتقلت الخلافة إلَيْهم على ما رتَّب كلما رتَّب رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- أمراء جيش: "موْتَةً"، وأنه لو مات الأوَّل في حياة الخليفة، فالخلافةُ بعده للثاني، ولو مات الأول والثاني في حياته، فهي للثالث، وقد يتوقَّف في هذا، ويقال: المفهوم من اللفظ جعْلُ الثاني خليفةً بعدْ خلافة الأوَّل، وأنه لو مات الخليفةُ، والثلاثةُ أحياءٌ، وأَفْضَتِ 4 الخلافة إلى الأول، فأراد أن يعْهَد بها إلى غَيْر الآخرين، [فالظاهر] 5 من مذهب الشَافعىِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جوازُهُ؛ لأنه إذا انتهت الخلافة إليه صار أملك بها وبتفويضها إلى مَنْ يشاء، بخلافِ ما إذا مات، ولم يعهد بها إلى أحَدٍ ليس لأهل البيعة أن يبايِعُوا
غير الثاني، ويُقدَّم عهد الأول على اختيارِهِمْ، وأنه ليس لأهل الشورَى أن يعينوا واحداً منهم في حياة الخليفة، إلا أن يأْذَن لهم في ذلك، فإن خافوا انتشار الأمر بعْده استأذنوه، فإنْ أذِنَ، فعلوه، وأنه يجوز للخليفة أن ينُصَّ على من يختار خليفة بعْده، كما يجوز له أن يعْهَد إلى غيره، حتى لا يصحَّ إلا اختيار مَنْ نص عليه، كما لا يصح إلا تقليد مَنْ عهد إليه؛ لأنهما مِنْ حقوق خلافته، وأنه إذا عهد بالخلافة إلى غيره، فالعَهْد موقوف على قبول المُوَلَّى، واختلف في وقْت قبوله، فقيل: بعد موت المُولِّي؛ لأنه وقت نظره وقيامه بالأمور، والأصحُّ أن وقته ما بين عهْد المولِّي وموته؛ لتصير الإمامة مستقرة بالقبول، وفي "التتمة": أنه إذا امتنع المُوَلَّى من القبول، فيبايع غيره، وكأنه لا تولية، وهذا إذا جعلَ الأمر شورَى، فترك القوم الاختيارَ، لا يُجْبَرون عليه، وكأنه ما جُعِلَ الأمرُ إليهم.
والثالث: القهر والاستيلاء؛ فماذا مات الإمامُ فتصدَّى للإمامة مَنْ يستجمع شراثطها من غير استخلاف وبَيْعَة، وقَهَر الناس بشَوْكته وجُنوده، انعقدت الخلافة لانقياد الناس وانتظام الشَّمْل بما فَعَل، ولو لم يكن مستجمعاً للشرائط، بل كان فاسقاً أو (1) جاهلًا، فوجهان:
أظهرهما: أن الحكْم كذلك، وإن كان عاصياً بما فعل.
ولا يصير الشخْص إماماً بمجرد تفرُّده بشروط الإمامة في وقته [بل لا بد من أحد الطرق].
فصْلٌ:
يجب طاعة الإِمام في أوامره ونواهيه؛ ما لم يخالِفْ حكْمَ الشرْع، رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإنْ أُمّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الأَطْرَافِ" 2 وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ نَزَعَ يَدَهُ مِنْ طَاعَةِ إِمَامِهِ، فَإنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ حُجَّةُ لَهُ" 3 ولا فرق بين أن يكون عادلاً أو جائراً، روي [أن النبي]-صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالِ فَرآه يَأْتِي شَيئاً من مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهُ مَا [يأتي] 4 مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدَهُ مِنْ طَاعَتِهِ" 5 ولأن المقصود مِنْ نصب الإِمام أن تتحد الكلمة، وتندفع الفِتَن، ولو لم توجِب الطاعة، والتأبِّي غالب على الطباع، استبدَّ كُلٌّ برأيه وثارت الفتنُ، ولا يجوز نصب إمامَيْنِ في1
وقْتٍ واحدٍ؛ لما فيه من اختلاف الرأْيِ وتفرُّق الشمْل، وحكَى أبو القاسم 1 الأنصاري في "الغُنْيَة" 2 عن الأستاذ أبي إسحاق: أنه يجوز نصب إمامين في إقلَيميْن؛ لأنه قد يَحْدُث في أحد الإقليمين ما يحتاج إلى نَظَرِ الإمامِ، ويفوت 3 المقصود بسبب البُعْد، ويُنْسَب هذا إلى اختيار الإِمام، والمشهورُ الأوَّلُ، فإنْ عُقِدَت البيعةُ لرجلين معاً، فالبيعتان باطلتان، وإن ترتَّبنا، فالثانية باطلةٌ، ويُنْظَر؛ إن جَهِلَ الثانِي ومَنْ بايَعَهُ تقدُّم بَيعَةٍ، لم يُعزَّروا، وإلا فيعزَّرون، وما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا" 4 فعن الخطابيِّ: أن المعنى لا تُطِيعوه، ولا تَقْبَلُوا له قولاً، فيكون كمن مات أو قُتِلَ، وقيل: المعنى أنه، إنْ أصر ولم يُبَايع الأول، فهو باغ، يُقَاتَلُ، ولو عُرِفَ سبقُ أحدهما، ولم يتعيَّن أو لم يُعْلَم أَوْقَعَتَا معاً أم على التعاقُب، فليكن كما ذكَرْنا في الجُمُعَتَيْن والنِّكَاحَيْن، ولو سَبَقَتْ إحداهما على التعْيِين، وأشبهتِ السابقةُ، وقف الأمر إلى أن ينكشفَ الحال، فإن طالَتِ المدَّة، ولم يُمْكنْ الانتظارُ، فقد ذكر القاضي الماوَرْدِيُّ أنه تبطل البيعتان، وتستأنف بيعة لأحدهما؛ وفي جواز العُدُول إلى غيرهما خلافٌ، وذكر أنه لو ادَّعَى كلُّ واحد منهما أنه الأسبق، لم تسمع الدعوَى، ولم يحلف الآخر 5؛ لأن الحقَّ يتعلَّق بجميع المسلمين، وأنه لو قطعا التنازع، وسلَّم أحدهما الأمْرَ للآخر، لم تستقر الإمامة له، بل لا بُدَّ من بينة يشهد [بتقدم] 6 بيعته، وأنه لو أقر أحدهما للآخر بتَقدُّم بيعته، خرج منها المقِرُّ، ولا بد من البينة؛ ليستقر الأمر للآخر، فإن شَهِدَ له المقِرُّ مع آخَرَ، قُبِلَتْ شهادته، إن كان يدَّعي اشتباه الأمر قبْل الإقرار، وإن كان يدَّعِي التَّقدُّم، لم يُسْمع؛ لما في القولَيْن من التكاذب.
وإذا ثبتت الإمامةُ بالقَهْر والغَلَبة، ثم جاء آخر فَقَهره، انعزل، وصار القاهرُ إماماً.
ولا يجوز خلع [الإِمام] 7 بلا سبب، ولو خلعوه، لم يَنْفُذْ؛ لأن الآراء تتغيَّر، ولو نفَّذناه، لم نأمَنْ تكرُّر التولية والعزل، وفي ذلك سقوط الدفع 8 والهيبة، ولو عزل الإمامُ نفْسَه، نُظِرَ؛ إن عزل [نفسه] 9 لعَجْزه عن القيام بأمور المسلمين مِنْ هَرَم أو
مَرَضٍ، انعزل ثم إن وَلَّى غيره قَبْل أن يَعْزِل نفسه، انعقدت الإمامة لِمَنْ ولاه، وإلا، بايع الناسُ غيره، وإن عزل نفْسَه من غير عُذْر، فقد أطْلَق في "التتمة" وجهَيْن: في انعزاله:
أحدهما: ينعزل، ولا يُكَلَّف أن يترك مصلحة نفسه محافظةً على مصلحة غيره، فقد يبغي قلَّةُ الشغل في الدُّنْيَا والحسابَ في الآخرة، وصار كما لو لم يُجِبْ إلى المبايعة ابتداءً.
والثاني: المنْعُ؛ لما رُوِيَ أن أبا بكْر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "أَقِيلُونِي"، ولو تمَكَّن مِنْ عزل نفسه، لمَا طَلَب منهم 1 الإقَالة، وهذا الوجه الثاني هو الذي أورده صاحب "البيان" وغيره وفصْلُ في "التهذيب": فقال: إن لم يظهر عذْرٌ، فعزل 2 نفسه، ولم يُوَلِّ غيره، لم يَنْعَزِل، وكذا، لو وَلَّى مَنْ هو دونه، وإنْ ولَّى مَنْ هو مثله أو أفضلُ، ففي الانعزال الوجهان، وفي "التتمة" أن للإمام وأن يَعْزِل وليَّ العَهْد؛ لأن الخلافة لم تنتقل إلَيْه، فلا يخشى من تبديله الفسادَ والفتنةَ، والذي ذكره الماوَرْدِيُّ: أنه ليس له عزْلُه ما لم يتغيَّر حالُه، وإن جاز له عزل مِنَ استنابه في أشغاله في الحال؛ لأنه يستنيبهم لنفْسه، واستخلافُ وليِّ العهد يتعلَّق بالمسلمين عامَّةً، فصار كأهل البيعة يبايِعُون ولا يَعْزِلُون مَنْ بايعوه.
وأما الانعزالُ، فقَدْ سبق في "باب الوصاية": أن الإِمام لا ينعزل بالفِسْق على الأظْهَر، ولا ينعزل بالإغماء؛ لأنه متوقَّع الزوال، وينعزل بالمَرَض الذي يُنْسيه العُلُومِ، وبالجنون 3، لكن قال القاضي الماوَرْديُّ: لو كان الجنونُ منقطعاً، وكان زمان الإفاقة أكثرَ، ويمكن فيه من القيام بالأمور فلا ينعزل، وينعزل بالعَمَى والصَّمَم والخَرَس، ولا ينعزل بِثِقَلِ السمْع، وتمتمة اللِّسان، وذكر خلافٌ في أنهما هل يمنعان ابتداءَ التولية، وفي أنْ قطع إحدى اليدين أو الرِّجلَيْن، هل يؤثر في الدوام، والأشبه المنع، والله أعلم.
وإذا 4 تقررَّت المقدمتان، ففي الباب نَظَران: نظر في صفات أهْلِ البَغْي، ونَظَرٌ في أحكامهم فلنخض 5 فيهما.
قال الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الصِّفَةُ فَكُلُّ فِرْقَةٍ خَالَفَتِ الإِمَامِ بِتَأْوِيلِ وَلَهَا شَوْكَةٌ يُمْكِنْهَا مُقَاوَمَةُ
الإِمَامِ فَهِيَ بَاغِيَةٌ، وَأَمَّا المُرْتَدْ وَمَانِعُو الزَّكَاةِ وَسَائِر حُقُوقِ الشَّرْعِ فَلاَ تَأْوِيلُ لَهْمْ، وَكُلُّ تَأْوِيلٍ يُعْلَمُ بُطْلاَنُهُ بِالظَّنِّ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ، وَإِنْ كَانَ بُطْلاَنُهُ قَطْعِيّاً وَلَكِنَّهْمْ غَلِطُوا فِيهِ وَجْهَانِ، وَهَذَا تَرَدُّدٌ فِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ مُبْطِلاً ظَنّاً أَوْ قَطْعاً، وَأَمَّا الخَوَارجُ إِنْ لَمْ نُكَفِّرْفهْم لَمْ نَلْتَفِتْ إِلَى تَأْوِيلِهِمْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِظُهْورِ فَسَادِهِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ وَاحِدٌ مُطَاعٌ إذْ بِهِ الشَّوْكَةُ، وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكونَ بِصِفَاته الأَئِمَّةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الذين يخالفون الإمامَ بالخُروج عليه وترك الانقياد والامتناع مِنْ توفية ما يتوجَّه 1 عليهم من الحقُوقِ، ينقسمون إلى أهل البَغْي وغَيْرِهِمْ، ولكِلِّ واحد من الفريقين أحكام خاصَّة، فَنَصِفُ أهل البغيِ بما يتميَّزون 2 به عن سائر المخالفين وإذَا خَضْنَا في أحكام البغاة ذكرنا مع أحكامهم غيرهم من المخالِفِينَ...
أما أهل البغي فيعتبر فيهم صفتان:
إحداهما: أن يكون لهم تأويلٌ يعتقدون بسببه جوازَ الخُرُوج على الإِمام أو منْع الحق المتوَجَّه عليهم، قال المتولِّي: وإنما 3 اعتُبِرت هذه الصفة؛ لأن مَنْ خالف من غَيْر تأويل، كان معانداً، ومَنْ تمسك 4 بالتأويل؛ يَطْلُب الحق على اعتقاده، فلا يكون معانداً، فيثبت له نوع حرمةٍ بسُقُوط الضمان وغيره، ومَثَّلَ التأويلَ الحامل على مخالفة الإِمام والخُرُوج عليه بما وقع للذين خَرَجوا عَلَى عليّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- وكرم الله وجهه حيث اعتقدوا أَنَّه يَعْرِف قتلَةَ عثْمَان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويقدر عليْهِم، ولا يقتصُّ منهم لرضاه بقتله، ومواطأته إياهم، ومثل غيره التأويل الحامل على منع الحق بما وقع لبعض مانِعِي الزَّكَاة من أبي بكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حيث قالوا: أمرنا بدَفْع الزكاة إلى مَنْ صلاَتُهُ سَكَنٌ لنا، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما قال تعالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ 5 [التوبة: 103] الآية.
وصلاةُ غيره ليست 6 سَكَناً لنا، فلو خرَجَ قوْمٌ عن طاعة الإِمام، ومنَعُوا 7 حقاً توجَّه بلا تأويل، سواءٌ كان حدّاً أو قصاصاً أو حقّاً ماليّاً لله تعالى أو للآدمَيِّين عناداً أو مكابَرةً، ولم يتعلَّقوا بتأويل، فليْسَ لهم أحكامُ البغاةِ، وكذلك 8 المرتدون الخارجون عن الدين،
والتأويلُ المشروطِ في أهل البغْيِ إذا كان بطلانُه مظنوناً 1، [فهو] 2 معتبرٌ، وإن كان [بطلانُه] مقطوعاً به، ففيه وجهان:
أوفقهما، لما أطلقه الأكثرون: أنه لا يعتبر كتأويل أهل الرِّدَّة وشبهتهم.
والثاني: يُعْتَبَر ويكْفِي تغليطهم فيه، وقد يَغْلَطُ في القطعيات غالِطُون، وبني على الوجهين أن العلماء أطلقوا القَوْلَ بأن معاوية، ومن تابعه كانُوا باغِين، [ويدل عليه] الخبر المشْهُور أن عَمَّاراً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ" فإن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنوناً، فنقول إن معاوية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان مبطلًا فيما ذهب إليه ظنَّاً، وإن لم نشترطْه وأثبتنا اسم البغي وحكمه مع القَطْع ببطلان التأويل، فقد نقول: إن معاوية كان مبطلًا قطعاً، قال الإِمام وهذا مخاضٌ لا نخوض ولسنا للتشاغل به.
ثم تكلم صاحب الكتاب في الخوارج وأنْ تأويلَهم، هلْ يُعْتبر، واعلم أن الخوارج صنْفٌ مشهور من المبتدعة يعتقِدُون أنَّ من أتى بكبيرة، فقد كفرَ واسْتَحَقَّ الخلود في النار، ويطعنون؛ لذلك في الأئمة، ولا يجتمعون معهم في الجمعات والجماعات، والذي أورده الإِمام وصاحب الكتاب فيهم يخالف طريقةَ الجُمْهور، ولا بد من ذكر الطريقتين، أما هما فقد قالا في تكفيرهم الخلافَ المشْهورَ في تكفير أهْل البِدَع والأهواء، وسيأتي قدْر الحاجة منْه في "كتاب الشهادات" إن شاء الله تعالى -فإنْ لم نكفرْهم، ففيهم وجهان:
أحدهما: أن شبهتهم كتاويل البغاة، وحكْمَهم حكْمُهم.
وأصحُّهما: أنهم كأهل الردة؛ فلا نبالي بما يتمسكون به؛ لظهور فساده، وعلى هذا، فلا تنفذ أحكامهم بخلاف أحكام البُغَاة، ويمكن أن يردَّ هذا الخلافُ إلى الخلافِ في أنه، هل يثبت حكْم البغْي مع القطْع ببطلان التأويل، وأما غيرهما، فقد ذكر الشافعيُّ وعامة الأصحاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أنه، إن أظهر قوم رأي الخوارج وتجنَّبوا الجماعات، وكَفَّروا الإِمام ومن معه 3، فإن لم يقاتِلُوا، وكانوا في قبضة الإِمام، فلا يُقْتَلُون، ولا يقاتَلُون، روي أن عليّاً -كرم الله وجهه- سمع رجلاً من الخوارج يقول لاَ حُكْمَ إلاَّ لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ، وتعرَّض بتخطئته في التحكيم؛ فغال علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "كَلِمَةُ حَقِّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، لَكُمْ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ؛ لاَ نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللهِ وَأَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللهِ، وَلاَ نَمْنَعُكُمْ الفَيْءَ مَا دَامَت أَيْدِيِكُمْ مَعَنَا وَلاَ نَبْدَأُ بِقِتَالِكُمْ" 4 ثم إن صرَّحوا
بسب الإِمام أو غيره من أهل العدْل يُعزَّرون، وإن عرَّضوا، فوجهان؛ في وجه يعزَّرون؛ كي لا يرتقوا إلى التصْريح، وفي وجْهٍ، لا؛ لما روي عن عليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ولو بَعَث الإِمام إليهم والياً، فقتلوه، فعلَيْهم القصاصُ، وهل يتحتم قتل قاتله كقاطع الطَّريق؛ لأنه شهر السلاح أوْلًا؛ لأنه لم يقْصِد إخافة الطُّرُق، وأخذ الأموال؟ فيه وجهان، وأطلق صاحب التهذيب أنهم، إنْ قاتَلُوا، فهم فسقة، وأصحابُ بهتْ، فحكْمُهم 1 حكم قطَّاع الطريق، وهذا كلُّه جواب على أنهم لا يُكَفَّرون، والنَّظَر في الطريقة الأولَى، إذا لم يجعلوا كأهل البغي إلى ضَعْف تأويلهم.
وفي الثانية، إلى أنهم في قبضة الإِمام، لم يوجد منْهم خروجٌ ومخالفةٌ [والله أعلم].
[والصفة] 2 الثانية: أن يكون لهم شوكةٌ وعددٌ؛ بحيث يحتاج الإِمام في ردِّهم إلى الطاعة إلى كلفة ببَذْل مالٍ وإعدادِ رجالٍ ونصب قتال، فإنْ كانوا أفراداً يسهل ضبطهم وتسخيرهم 3، فلَيْسُوا بأهل بغْيٍ، واحتج له بأن ابن مُلْجَمٍ قتل علياً -رَضِيَ الله عَنْهُ- متأولاً، فأقِيدَ به على ما سيأتي، ولم يُعْطَ حكم البغاة في سقُوط القصاص.
وشرطُ جماعة من الأصحاب في الشَّوْكة أن ينفرِدُوا ببلدة أو قرية أو موْضِعٍ من السِّحْراء، وربما قالوا: ينبغي أن يكونوا بحيث لا يُحِيطُ بهم أجناد الإِمام، بل يكونوا في طَرَفٍ من أطراف ولايته، والمحقِّقون قالوا: لا تعتبر هذه الصفة، وإنما المعتبر استعْصَاؤهم وخروجهم عن قبضة الإِمام، حتى لو تمكَّنوا من المقاومة مع كَوْنِهم محفُوفِين بجند الإِمام، فيجب الحَكْم بحصول الشوكة، ويرجع التفاوُتُ إلى أن عدَدَ المحفُوفِين ينبغي أن يكون أكثر من عدَدِ الواقعين في الطَّرَف.
ويتعلَّق بالشوكة صور أوردَها 4 الإِمام:
احداها: حكَى في قوم قليلي العدَدِ تقوَّوْا بحصن منيع وجْهين، ورأَى أَن الأَوْلَى = الله، فأشار إليهم بيده: اجلسوا، نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يبتغي بها باطل، حكم الله ينتظر فيكم، إلا أن لكم عندي ثلاث خلال: ما كنتم معنا أن منعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا، وأصله في مسلم من حديث عبيد الله بن أبي رافع: أن الحرورية لما خرجت على عليّ وهو معه، فقالوا: لا حكم إلا لله فقال عليّ: كلمة حق أريد بها باطل.
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصف ناساً إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يمرقون من الدين، الحديث، بطوله.
أن يُفَصَّل، فيقال: إن كان الحصنُ على فوهة الطريق، وكانوا [يستولون] 1 بسببه 2 على ناحية وراء الحصْنِ، فالشوكة حاصلةٌ، وحكم أهل البغْي ثابت لئلا يتضرَّر أهل الناحية بتعطيل 3 الأقضية والأحكام، وإلا فليسوا بأهل البغْي، ولا نبالي بما يقع من التعطُّل في العدد القليل.
الثانية: قال الإخلاف أنه لو تَحزَّب من رجال القتال المنعوتين [بالشجاعة] عدَدٌ يسير، وكانوا بفضل القوة ويَقْوَون على مصادمة المجموع الكثيرة 4 فهم على عدة تامة، ويحتمل أن ينازع فيه منازعٌ؛ لقلة عددهم، وتجعل قواهم كالمَكَانِ الحَصِين.
الثالثة: قال: يجب القطْع بأن الشوكة لا تحْصُل إذا لم يكُنْ لهم متبوع مطاع؛ فإن رجال النجدة، وإن كثروا، فلا قوة لهم ولا شوكة، إذا لم يصْدُروا، ولم يجتمعوا على رأْي [قطاع متبوع] 5، وهل يشترط أن يكون فيما بينهم إمامٌ منصوبٌ أو منتصب؟ فيه وجهان معْرُوفان، ويقال قولان: للجديد الاشتراط:
أحدهما: وإليه ميل صاحبَيْ "التهذيب" و"التتمة"، وإلا، فلا يكون فيما بينهم قاض ووال، فإن الرعايا لا يتمكنون من [بيعتهم]، فيتعطل الأحكام.
وأظهرهما، عند أكثرهم، وهم أصحابنا العراقيون والإمام: لأنه ثبت لأهْلِ الجمل، وأهل النهروان حكْمُ البغاة، ولم يكن فيما بينهم إمامٌ، وعن "المنهاج" للشيخ أبي محمَّد: أنه يعتبر في أهل البغْيِ وراء ما سبق ذكره شيئان آخران: أن يمتنعوا مِنْ حُكْم الإِمام، وأن يظهروا لأنْفُسهم حكماً، وقد جرى ذكرهما في وصف الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أهل البغْي ويشبه أن يقال: إنَّ هذا طريقُ مخالفةِ الإِمام، ولا بد في القوم من المخالفة؛ ليكونوَا باغين، ثم يعتبر فيهم [الصفتان] المذكورتان فليس ذلك مخالفاً لما سقناه [والله أعلم].
وقوله في الكتاب: "يمكنها مقاومة الإِمام" قصد ضبط الشوكة، [وأشار] إلى أنه لا يعتبر أن يساوي عدَدَهُم عَدَدَ أجناد الإِمام، بل يكفي أن يجسروا على المقابلة والمقاومة، ويتوقَّعوا الظَّفر، وقد تغلب الفئة القليلة الكثيرة.
وقوله "ومانعوا الزكاة وسائرِ حقوقِ [الشرع] " يدخل فيه التبعات والغرامات، والحدود، والمقصودُ ما إذا منعوها بلا شبهة ولا تأويل؛ لأن الذين منعوا بتأويل وشبهة باغون على ما قدَّمنا.
وقوله "فهو معتبر" 1 أي في ثبوت أحكام الباغين.
وقوله "ولا بد، وأن يكون فيهم 2 واحدٌ مطاعٌ" [هو] الذي حكيناه عن الإِمام [قوله] وقوله "وهل يجب أن يكونَ بصفات الأئمة"؟ ليُحْمَل على المسألة المشهورة بالخلاف.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا أَحْكَامُ البُغَاةِ فَشَهَادَتُهُمْ مَقْبُولةٌ لِجَهْلِهِمْ بِسَبَب التَّأْوِيل، وَقَضَاؤُهُمْ نَافِذٌ وَيجِبُ عَلَى قَاضِينَا إِمْضَاؤُهُ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنَ الحُقُوقِ يَقَعُ مَوْقِعَهُ، فَإنْ صَرَفُوا سَهْمَ المُرْتَزِقَةِ إِلَى جُنْدِهِمْ فَفِي وُقُوعِهِ المَوْقِعِ وَجْهَانِ، وَإِنْ سَمِعَ قَاضِيهِمُ البَيِّنَةَ وَالْتَمَسَ مِنَّا الحُكْمَ حَكَمْنَا عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ نَظَراً لِلْرَّعَايَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل [يشتمل] 3 على حكْمَيْن من أحكام أهل البغْيِ.
أحدهما: شهادةُ أهل البغي مقبولةٌ؛ بناءً على أنهم ليسوا بفسقة على ما مَرَّ، ولفظ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "ولو شَهِدَ منْهُمْ عدْلٌ، قُبِلَتْ شهادَتُهُ، ما لم يكن يرى أَنْ يَشْهدَ لِمُوَافَقَةٍ؛ بتصديقه"، فأثبت العدالة مع البغي.
وقوله: "ما لم يكن يَرَى أن يشهد لموافقة" أراد الخَطَّابية الذين يشهدون لمن يوافقهم في العقيدة تصديقاً لقولهم واعتماداً على أنهم لا يكْذِبون؛ لأن الكذب كفْرٌ عندهم، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في "كتاب الشهادات" وإن كان لهم قاضٍ في بلد، قال المعتبرون من الأصحاب: يُنْظر؛ إن كان يستحلُّ دماء أهل العَدْل، لم ينفذ حكمه؛ لأنه ليس بعدل ومن شرْط القضاءِ العدالةُ، وبمثله يجيب هؤلاء فيما إذا كان الشاهدُ ممَّن يستحل ذلك، ومنهم مَنْ يطلق نفوذَ قضاء أهْل البغْي رعايةً لمصلحة الرعايا، وصرَّح مصرِّحون بأن من ولاه صاحبُ الشوكة، نفذ قضاؤه، وإن كان جاهلًا أو فاسقاً، لقضاء أهل البغي، وسيأتي ذكره في "أدب القضاء" إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن قاضيهم مِمَّنْ يستحل دماء أهل العَدْل وأموالهم، فينفذ حكمه بما ينفذ به حكْمُ قاضي أهل العدْل، فلو حكم يما يخالف النَّصَّ أو الإجماع أو القياس الجليَّ، فهو مردود حتى لو وقع واحدٌ من أهل العدل في أسرهم 4، فقضى عليه قاضيهم بضمان ما أتلف في الحَرْب، لم ينفذ قضاؤه، وكذا لو حكم بسقوط ضمان ما أتلفوه في غير القِتَال، وإن حكَمَ بسقُوط ضمان ما أتلفوه في حال القتال، نَفَذ حكمه، ولا تجوز مطالبتهم بعد ذلك؛ لأنه في محل الاجتهاد.
وعن أبي حنيفة؛ أنه إن كان قاضيهم على اعتقاد أهل العدْل، نَفَذَ قضاؤه، وإن كان على اعتقادهم، لم ينْفذ، وبنَى ذلك على أن البغْيَ هل هو فسق؟ فعنده هو فسْقٌ، وعندنا ليس بفسْقِ على ما قدَّمنا، ومن الأصحاب مَنْ قسم البغْي إلى: ما هو فسْقٌ، وإلى ما ليس بفسْق، وَيرُدُّ قضاءَ الباغِي الذي بغْيُه فسقٌ، وسنذكر ذلك في "أدب القضاء"، وكما لا تُقْبَل شهادة الباغي، إذا كان من الخطّابية، لا ينفذ قضاء قاضيهم الذي يقضي لموافقيه (1) بتصديقهم، وإذا كتب قاضيهم (2) وحيث ينفذ قضاؤه بما قضَى به إلى قاضي أهل العدْل، جاز قبوله (3) وتنفيذه.
قال الأئمة: ويُسْتَحَبُّ إلاَّ يقبل استخفافاً بهم واستهانة.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز قبول كتابه، قال في "التتمة": وإنما يتحقَّق الخلاف، إذا كان قاضيهم من أهل العدْل، وإن كتب قاضيهم بسماع البينة دون الحُكْم المُبْرَم، فهل يحكم قاضينا به؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لما فيه من معاونة أهل البغْي وإقامة مناصبهم.
وأصحُّهما: نعم؛ لأن الكتاب الذي يَرِدُ له تعلُّق برعايانا، وإذا نفذ ما حكم قاضيهم لمصلحةُ رعاياهم؛ فلأن تُرَاعَى مصلحةُ رعايانا، كان أولَى، وحكى الإِمام عن رواية صاحب "التقريب"، والشيخ أبي محمَّد طرد القولين فيما أبرموه، واستعانوا فيه بالاستيفاء، وقال: كنت أود لو فَصَل فاصِلون (4) بيْن الأحكام التي تتعلَّق بأصحاب النجدة والامتناع، وبين ما يتعلَّق بالرعايا.
" فَرْعٌ"
حكى القاضي ابن كج قولَيْن، فيما إذا ورد على قاضي أهل العدْل كتابٌ من قاضي أهل البغْي، وهو لا يدري أنه ممَّن يستحلُّ دماء أهل العدْل وأموالهم، أو ممَّن لا يستحل، وقال: اختيار الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- منهما أنه لا يَقْبَلُه، ولا يَعْمَل به.
[الحكم] 5 الثاني: إذا أقام أهلُ البغْي الحدودَ على جناة البلَدِ الذي استولَوْا عليه، وأخذوا الزكاة من أهله أو خَرَاجَ أرضِهِ 6 أو الجزيةَ من أهل الذمة فيه، اعتدَّ بما1234
فعلوه، وإذا عاد البلد إلى أهل العدْل، لم يطالِبُوا أهلَهُ بشَيْء من ذلك، وفي الجزية وجه رواه الفورانيُّ وغيره: أنه لا يُعْتد بأخذها لهم؛ لأنها عوض السكْنَى والأعواض 1 بعيدةٌ عن المسامحة، والظاهر الأول؛ واحتُجَّ له بأن عليّاً -كرم الله وجهه- قاتَلَ أهْل البصرة، ولم يتتبع 2 بعد الاستيلاء ما أخذوه من الحقوق، وبأنهم فعلوا ذلك بناءً على تأويل محتمل؛ فأشبه ما إذا قضى القاضي بالاجتهاد، لا ينقضه قاضٍ، آخر، وبأن في إعادة المطالبة إضراراً بأهل البلدة، وحَكَى الإِمام وجهَيْن في أنهم، إذا فرَّقوا سهْم المرتزقة من الفيْء على جنودهم، هل يقع موقعه؟
أحدهما: لا يقع؛ لأنا لو حكمنا بوقوعه الموقع لهم 3 يصير 4 ذلك إعانَةَ على البغْي وتمهيداً لأسباب الخروج على الإِمام.
وأظهرهما: الوقوع؛ لأنهم من جنود الإسْلام، والرعبُ قائمٌ عنهم في نفوس الكفَّار، وقرُبَ هذا الخلافُ من الخلافِ في أنهم هل يَضْمَنُون ما يتلفون على الإِمام وجُنْدَهُ في القتال؛ لأن في إسقاط الغُرْم تخفيفاً عليهم ورعايةً لهم.
وإذا عاد البلد إلى قبضة الإِمام، فادعى مَنْ كان عليه حقٌّ أن أهل البغْي استوفَوْه، ولا علم للإمام بذلك، ولا قامت عليه بينة فهل يصدق بيمينه؟ أما في الزكاة فنعم؛ لأن المُسْلم أمينٌ في أمور الدين؛ ولأن الزكاة مالُ مواساة، واللائق به التساهُل، وفي كون اليمين مستحبةً أو مستحقةً خلافٌ سبق نظيره [في الزكاة]، وأما الجزية، ففي كتاب القاضي ابن كج [وجه] 5 أن الذميَّ [يصدق] في دفْعها إليهم كالزكاة، والظاهر أنه لا يُقْبَل [قوله] 6 إلا ببينةٍ، لأن الذميَّ غير مؤتمن فيما يدَّعيه على [المسلمين] 7 للعَدَاوة الظاهرة، ولأن الجزية أجرة دار الإسْلام، والمستأْجِرُ، إذا ادَّعَى تسليم الأجْرَة احتاج إلى البينة.
وأما الخراج، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصدَّق المسلم فيه، ويجْعَلُ أميناً كالزكاة.
وأصحُّهما: أنه يطالب بالبينة؛ لأن الخراج أجرة أَوْ ثمن، وإن ادَّعى مَنْ كان عليه حدٌّ أنه أقيم عليه، ففي "التتمة" أنه يصدَّق، إن كان أثره باقياً على بدَنه، وإلا، فإن ثبت بالإقرار، فكذلك؛ لأن المُقِرَّ بالحدِّ، إذا رجع، يقبل رجوعه، وقد أنكر بما يدعيه بقاء الحدِّ عليه، فيُجْعل كالرجوع، وإن ثبت بالبينة لم يُصدَّق، فيما يدعيه.
وأعْلم قوله في الكتاب: "وقضاؤهم نافذ" بالحاء لما قدمناه.
وقوله " [و] 1 يجب على قاضينا إمضاؤه" إن كان المراد منه إنَّ قاضينا لا ينقضه، وإذا استقام الأمر يمضيه، ولا نحكم بخلافه، فهذا لا خلاف فيه، وإن كان المراد أنَّه إذا كتب قاضيهم بما قضى به إلينا، ننفذه ونعمل بكتابه، وهو قضية إيراد "الوسيط"، فيجوز أن يُعْلَم بالحاء؛ لما روينا من مذهب أبي حنيفة، وبالواو؛ لما مر أن المستحَبَّ أن لا يُقْبل كتابهم، وأيضاً، فللطريقة الطاردة للخلافِ ويجوز أن يُعْلَم قوله "يقع موقعه" بالواو للوجه المحكيِّ في الجزية وقوله "حكمنا" بالحاء، وكان الأحسن في الترتيب أن يقدم قوله "وإن سمع قاضيهم البينة" على الكلام في أخذ الحقوق.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا إِنْ كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَتَأْوِيلٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ فَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُمْ، وَإِنْ وُجِدَتِ الشَّوْكَةُ دُونَ التَّأْوِيلِ لَمْ يَنْفُذْ قَضَاؤُهُمْ عَلَى الظَّاهِرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمَّا تكلَّم في الحكمين في حقِّ أهل البغْي المستجمعين لصفتَي الشوكة والتأويلِ، أراد أن يبيِّن ما يتعلَّق بهما في المخالفين الفاقدين لإحدى الصفتين، [فالذين] 2 لهم تأويلٌ بلا شوكةٍ سمة الطاعة مستمرَّةٌ عليهم، وليس لهم تصدٍّ للقضاء، وما يبدونه إذا خَلَوْا بأنفسهم كمحاورةٍ ومشاورةٍ تجري بينهم والتحكيم بينهم على الخلاف المَعْروف في غيرهم، وليس لهم قوة أخْذِ الحقوق وإقامةِ الحدود، والذين لهم شوكةٌ بلا تأويل، الظاهرُ المعروفُ عند الأصحاب أنه لا ينْفُذ حكمهم؛ [ولا يعتد باستيفائهم الحقوق والحدود]، لأن عماد البغْي التأويلُ، وكأنهم إلى أن ينْكَشِف لهم الحقُّ معذورون بما يتمسكون به 3 وأبْدَى الإِمام احتمالاً في نفوذه؛ كيلا يتفاقم الضرر في الناحية التي استولَوْا عليها؛ والحال في تلْك الناحية كالحال فيما إذا خلا العصْر عمن يصْلُح للإمامة، وأحال بِسْطه على كتابة المعْروف "بالفيائي".
قال الْغَزَالِيُّ: أَمَّا غُرْمُ المَالِ فَمَا أتْلِفَ فِي غَيْرِ القِتَالِ مَضْمُونٌ عَلَى الفَرِيقَيْنِ، وَمَا أُتْلِفَ فِي القِتَالِ غَيْرُ مَضْمُونِ عَلَى العَادِلِ، وَفِي البَاغِي قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ فَفِي الكَفَّارَة وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَجِبُ فَفِي القِصَاصِ وَجْهَانِ، هَذَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّوْكَةِ، فَإِنْ كَانَ تَأْوِيلٌ بِلَا شَوْكَةِ وَجَبَ الضَّمَانُ، قَتَلَ ابْنُ مُلْجَمِ عَلِيّاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مُتَأَوِّلًا فَأُقِيدَ بِهِ، وَإِنْ وُجِدَتِ الشَّوْكَةُ دُونَ التَّأْوِيلِ فَطَرِيقَانِ، قِيلَ: يَجِبُ الضَّمَانُ، وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَينِ لِأَنَّ إِسْقَاطَ الضَّمَانِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الطَّاعَةِ كَأَهْلِ الحَرْب، وَالقَوْلاَنِ جَارِيَانِ فِي المُرْتَدِّينَ إِذَا أَتْلَفُوا فِي القِتَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفصْلِ الكلامُ في ضمان النفْس والمالِ، إذا أتلف العادلُ على الباغي وبالعكْس، ثم في الضمان إذا وجد الإتلافُ من الَّذينَ لم يستجْمعوا صفة الباغين.
أما الأول: فما يتلفه العادلُ على الباغي، وبالعكس في غَيْر القتال مضمونٌ جرياً على الأصْل الممهَّد في قصاص النفوس وغرامات الأموال.
وأما في القتال، فما يتلفه العادلُ على الباغي غيرُ مضمون عليه؛ لأنه مأمور بالقِتَال، فلا يَضْمَن ما يتولَّد منه، وما يُتْلِفه الباغي على العادل من مال ونفس هل يضمنه بالغرامة والدية؟ فيه قولان:
أحدهما، ويحكى عن مالك: نعم؛ لأن أبا بكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال لِلَّذين قاتَلَهم بعْد ما تَابُوا: "وَتَدُونَ قَتْلاَنَا، وَلاَ نَدِي قَتْلاَكُمْ"، وأيضاً، فهما فرقتان من المسلمين محقَّة ومبْطِلة، فلا يستويان في سقوط الغُرْم، كقطَّاع الطريق والرفقة.
وأصحُّهما، وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأن في الوقائع التي جرَتْ في عصر الصحابة والتابعين -رَضِيَ الله عَنْهُمْ- كحروب الجَمَل وصِفَّين، لم يطالب بعضُهم بعضاً بضمان نفس ولا مال، وأيضاً؛ فلأنه لو وجبت الغرامةُ لم يؤْمَن أن ينفرهم ذلك عن العَوْد إلى الطاعة، ويحملهم على التمادي 1 فيما هم فيه، ولمثل ذلك أسقط الشرْعُ التبعات عن أهل الحرب، إذا أسلموا، والقولان كما يُحْكَى منصوصان في البويطيِّ، ويذكر أن وجوب الضمان قولُه القديم، وأن مقابله الجديدُ، ولم يصحِّحه الرويانيُّ.
وإذا كان القتل عمداً، ففي وجوب القصاص طريقان:
أظهرهما: طرد القولَيْنِ المذكورَيْن في وجوب المال.
والثاني: القطع بالمنع؛ لأن القصاص يسقط بالشبهة، وتأويلهم يوجب الشبهة، فإن حكَمْنا بوجوب القصاص، فلو آل الأمر إلى المال، فهو في مال الباغي، وإن لم نحْكُم به؛ لشبهة التأويل، فسبيل الديةِ ديةُ العَمْد، حتى تجب في مال القاتل، ولا تتأجَّل أو دية شبه العمد حتى تكون على العاقلة وتتأجَّل، حكى الإِمام فيه خلافاً؛ كما ذكَرْنا فيما إذا قتل مسلماً على زيِّ أهل الشرك، وتجب الكفَّارة على الباغي، متى حكَمْنا بوجوب القصاص أو الدية، وإلا، فوجهان:
أشبههما: المنع؛ طرداً لإهدار وقطع التبعات، وأيضاً، فإن الكفَّارة حق الله تعالى، وهو أولَى بالتساهل.
والثاني: يجب؛ لأنه قتل معصوماً بغير حَقِّ، والكفارة أسرع ثبوتاً من القصاص و [من] (1) الدية بدليل ما إذا قَتَل مسلماً في صفِّ الكفار.
والأموالُ المأخوذةُ في القتال تُردُّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها يستوي فيه الفريقان، روي أن عليَّاً (2) -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نادَى: "مَنْ وَجَدَ مَالَهُ فَلْيَأْخُذْهُ"، قال الرإوي: مرَّ بنا رجلٌ فعرف قدْراً يطبخ فيها، فسألناه أن يصبر حتى نَطْبخ، فلم يفعل، فإنْ أتلفت بعد انقضاء الحَرْب، وجب الضمان.
وقوله في الكتاب: "فما أتلف في غير القتال" و"ما أتلف في القتال" هذه اللفظة هي المشهورة في الاستعمال، وبيَّن الإِمام معناها، فقال المراد ما يتلف بسبب القتال ويتولَّد منه هلاكُه، حتى لو فُرِضَ إتلافٌ في القتال ليس من ضرورة القتال، فهو ملْحَق بما يجري إتلافه قبل القتال.
وقوله: "فإن قلْنا: لا يجب، ففي الكفَّارة وجهان" يعني: إن قلنا: لا يجب الضمان في النفس والمال، ففى الكفَّارة عند القتل وجهان، وفي الترتيب المذكور ما يَخْرُج منه طريقان، طريقةٌ قاطعةٌ بوجوب الكفَّارة، وطريقةٌ طاردة للخلافِ، وكذا حال قولِه: "فإن قلنا: يجب، ففي القصاص وجهان"، ويجوز أن يُعْلَم قوله "لا يجب" بالميم، وقوله "يجب" بالحاء إشارةً إلى مذهبهما.
وعن أحْمَد روايتان في الضمان.
أظهرهما: السقوط، كما مرَّ وهو الأظهر عندنا.
" فَرْعٌ"
لو استولى باغ على أَمَةٍ أو مُسْتَوْلَدَةٍ لأهل العدْلِ، فغشيهما، فعليه الحدُّ، وإن أولَدَها، فالولد رقيقٌ غير نسيب، وهل يجب المهْر، إذا كانت مكرهة؟ منْهم مَنْ جعله على الخلاف في ضمان المالِ، وقال صاحب "التهذيب": ينبغي أن يُقْطَع بوجوبه، كما لو أتلف المال المأخوذَ بعد الانهزام 3، ولو استولى الحربيُّ على أمة مسلمةٍ فأولدها 4، فالولد رقيقٌ غير نسيب، ولا حدَّ ولا مهر؛ لأنه لم يلْتَزِم الأحكام.
وأما المقْصِد الثاني، فالذين يخالفون الإمامَ بتأويلٍ يعتقدونه، وليس لهم شوكة12
وامتناع؛ لقلة عددَهِم، فلزمهم ضمان ما أتْلَفوا منْ نفْس، ومال، وإن كان على صورة القتال.
أما إذا لم يكن في قتال، فكما ذكَرْنا في الباغين.
وأما إذا أتْلَفُوا في قتال، فحكمهم حكْم قُطَّاع الطريق، ولو أسقطْنا الضمان، لم تعجز كل شِرْذِمَة تريد إتْلاف نفْسِ أو مالٍ أن تُبْدِيَ تأويلاً، وتَفْعَل من الفساد ما تشاء، وفي ذلك إبطال 1 السياسات، وهذا ظاهرٌ، سِيَمَا إذا لم يكن قتالٌ، لكن احتج الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- له بأن قال: قتل ابْنُ مُلْجَم عليّاً -كرم الله وجهه ورضي الله عنه- متأولاً، فأمر بحبْسه، وقال: "إنْ قتلتم، فَلَا تُمَثِّلُوا بهِ" ورأى عليه القتل، وقتله الحسنُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وفي الناس بقية من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فما أنكر قتلَه، ولا عاتبه 2 أحد، وأراد بقوله "قتله متأولاً أنه قتله زاعماً أن له شبهة وتأويلاً، وحكي أن تأويله أن امرأة من الخوارج تسمَّى قَطَامٍ، خطبها ابن مُلْجَمٍ، وكان علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قتل أباهَا في جُمْلة الخوارج، فوكلته بالقصاص، وهمَا يزعمان أن عليْه قصاصاً، وأن الواحد في الورثة ينْفَرِد بالاقتصاص وشرطتْ علَيْه مع ذلك ثلاثة آلاف درهم وعبداً وقينة لتحببن في ذلك.
وفي ذلك قيل:
فَلْم أَرَ مَهراً سَاقَهُ ذُو سَماحةٍ... كمهر قَطَام من فصيح وأعجم
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ... وقتل علي بالحسام المصمصم
وأما الذين لهم كثرة وشوكة ولا تأويلَ لهم، ففي ضمان ما أتلفوا في القتال طريقان:
أحدهما: القطْع بوجوبه؛ لأنهم ليْسوا بأهل البغْيِ، كالذين لهم التأويل دُونَ الشوْكة.
وأظهرهما: طرْد القولَيْن المذكورَيْن في الباغين؛ لأن المعْنَى المعتمد هناك ترغيبُهُم في الطاعة ليجتمع الشمل وتندفع الفتَن وهذا المعنَى موجودٌ في أصحاب الشوكة، وإن لم يكن لهم تأويلٌ، والقولان المذكوران في أنَّ أهل البغْي، هل يضمنون جاريانِ في المرتدين، إذا كانت لهم شوكةٌ، وأتلفوا في القتال مالاً أو نفساً، ثم تابوا، وأسلموا؟ والظاهر نفْيُ الضمان عند بعضهم، وفي "التهذيب" أن الأصحَّ الوجوب، وهو اختيار المزنيِّ؛ لأن المرتدين جنوا على الإسلام بتأويل غير معتَبَرٍ 3، ولذلك لا ينفذ قضاء قاضيهم، وقد يُرَتَّب الخلاف في المرتدين على الخلاف في الباغين، وفي كيفية التَّرْتيب افتراق رأْي؛ فقائِلٌ يقولُ: إن أوجبنا الضمانَ على الباغي، فالمرتد أولَى
بالوجوب 1، وإلا، ففي المرتدِّ قولان، والفرْقُ أنه أولَى بالتغليظ، ويحْكَى هذا عن اختيار القفَّال، وآخر يقول: إن لم نوجبِ الضمانَ على الباغي، فالمرتد أولَى، وإن أوجبنا على الباغي، ففيه قولان، والفرق أن المرتدين منخلعون عن الإِسلام وأحكامه 2؛ فهم بأهل الحرب أشبه، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "والقولان جاريان" بالواو؛ لطريقة القطْع التي تخرج من الترتيب.
قال الْغَزَالِيُّ: فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ قِتَالِهِمْ فَلَا نُقَاتِلُهُمْ بَلْ نُقَدِّمُ النَّذِيرَ أَوَّلاً، وَلاَ نَتَّبعُ المُدْبِرَ آخِراً، فَلَوْ بَطُلَتْ شَوْكتُهُمْ فِي الحَالِ وَلَكِنْ لَمْ نُؤْمَنْ غَائِلَةُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي المَآلِ فَفِي جَوَازِ اتِّبَاعِهِمْ بِالقَتْلِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا أَسِيرُهُمْ فَلا يُطْلَقُ إِلاَّ بَعْدَ الأَمْنِ مِنْهُمْ، وَإِنْ أُمِنَ فِي الحَالِ وَتُوقِّعَ فِي ثَانِي الحَالِ فَفِي الإِطْلَاقِ وَجْهَانِ، وَفِي أَسْرِ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ لِكَسْرِ قُلُوبِهِمْ تَرَدُّدٌ، فأَمَّا أَسْلِحَتُهُمْ وَخُيُولُهُمْ فَلاَ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي القِتَالِ وَتُرَدُّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الأَمْنِ مِنْهُمْ وَلاَ تُرَدُّ قَبْلَهُ، وَالصَّبِيُّ المُرَاهِقُ وَالعَبْدُ كَالخَيْلِ، وَالصَّغِيرُ كَالمَرْأَةِ، وَلاَ نُقَاتِلُهُمْ بِالمَجَانِيقِ وَالنِّيرَانِ إِلاَّ إِذَا خِفْنَا أَنْ نُصْطَلِمِ، وَإِنْ تَحَصَّنُوا بِقَلْعَةٍ وَكَانَ فِيهِمْ رَعَايَا لَمْ نُقَاتِلْهُمْ بِالنَّارِ وَالْمَنْجَنِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ المُقَاتَلَةُ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل صورٌ، يتعلَّق بكيفية القتال، والأصلُ فيها أن سبيل مقاتلة الباغين سبيلُ دفْع الصائل، والمقصودُ ردُّهم إلى الطاعة ودفْعُ شرِّهم لا النفي والقتل، فهذا أمكن الأسرُ لا يُعْدَل إلى القتل، وإذا أمكن الإتخان، لا يعدل إلى التذفيف، فإن التحم القتال، واشتد الحرب، خرج الأمر عن الضبط، قال الإِمام: وقد تتخيَّل من هذا أنا لا نسير إليهم، ولا نفاتحهم بالقتال، وأنهم إذا ساروا إلَيْنا، فلا نبدأ بقتالهم، بل نصطَفُّ في مقابلتهم، فإذا قَصَدُونا، فحينئذ ندفعهم، قال: وقد رأينا هذا، الطائفة من المعتبرين، وهو ذلك بل إذا آذَنَهُمُ الإِمام بالحَرْب، ولم يرجعوا إلى الطاعة، فيسير إليهم، ويمنعهم عن القُطْر الذي استولَوْا عليه، فإن انكشفوا وكَلِمَتَهُم واحدةٌ، اتبعناهم إلى أن يتوبوا عن العصيان، وَيسْتَسْلِموا، وقد يفضي الاصطفافُ والصبرُ إلى أن يَبْدَءُوْنَا بقتال إلى الاستئصال، [فليس] قتال الفريقَيْن كصيال الرجُل الواحدِ ودفْعه، وربما كان تاركُ البداية معرِّضاً نفْسه للهلاك.
إذا عرف ذلك فمِنْ صور الفصْل: أنهم لا يغتالون ولا يَبْدءُونَ بالقتال، حتى يُنْذَروا، وليبعث 3 الإِمام إليهم أميناً فطناً ناصحاً، فإذا جاءهم، سألهم ما ينقمون، فإن
أظهروا مظلمةً، وعلَّلوا امتناعهم بها، أزالها، وإن ذكروا شبهةً كشَفَها لهم، وإن لم يذكروا شيئاً، أو أصروا بعد إزالة 1 العلَّة، نصحهم، ووعظهم، وأمرهم بالعَوْد إلى الطاعة، لتكون كلمة أهل الدين واحدةً فإن أصروا، دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا إليها أو أجابوا، فغُلبوا، وأصروا مكابِرِينَ، آذَنَهُمْ بالقتال.
بَعَث عليٌّ -كرَّمَ الله وجهه- ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا 2 - إلى أهُل النَّهْرَوان للمحاجَّة والنصيحة، ورجعَ بعضهم إلى الطاعة بذلك، وإذا آذَنَهم بالقتال، فاستنظروا، بَحَثَ الإمامُ عن حالهم، واجتهد، فإن كان الظاهرُ عنْده أنَّهم عازمون على الطاعة، وأنهم يستنظرون 3 لكشف 4 الشبهة أو يتأمَّلوا ويتشاوَرُوا، أنْظَرَهم، وإن كان الظاهرُ عنْده أنهم يقصدون الاجتماع، أو يستلحقون 5 مَدَداً، لم يُنْظِرْهم، وإن سألوا ترْكَ القتال أبداً، لم يجبْهم، وحيث لا يجوز الإنظار، فلو بذلوا مالاً أوْ رهنوا الأولادَ أو النساء، لم يقبله؛ لأنهم قد يَقْوَوْن في المدة، فيغلبون على أهل العدْل، ويستردُّون ما بذلوا، وأيضاً، فلو قاتلوا، لم يجُزْ قتل الأولاد والنساء، وإذا كان بأهْل العدْل ضَعْفٌ، فيؤخِّر الإِمام القتال، ولا يخاطر 6 بالناس، وعن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم": أنه لو كان عندهم أسارَى من أهل العدل، فسألوا، والحرب قائمة، أن يُمْسِك ليُطْلِقوهم، وأعطوا بذلك رهائن، تقبل الرهائن استيثاقاً واستنقاذاً للأسارَى، وإن أطلقوهم، أطلقْنا الرهائن، وإن قتَلُوهم، لم يجُزْ قتل الرهائن بهم، ولا بدَّ من الإطلاق بعد انقضاء الحَرْب.
من صور الفَصْل: مَنْ أدبر منْهم وانهزم، لم يُتْبع، وكذا مَنْ ألقى السلاح، وترك القتال لم يقاتل؛ روي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لابن مسعُودِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "يَا بْنَ أمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أمَّتِي"؟ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمْ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلاَ يَجْهِزَ عَلَى جَريحِهِمْ، وَلاَ يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ" وروي أنه نادَى منادي عليٍّ -كرم الله وجهه- يوم الجَمَل: "أَلاَ لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلاَ يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ" وانهزامُ الجنْد بأن يتبددوا وتبْطُل شوكتهم واتفاقهم، فلو ولَّوْا ظهورهم، وهم مجتمعُون تحْت راية زعيمهم، فلا ينكف الإِمام عنْهم، بل يطلبهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، والواحدُ إذا بَطَلت قوته واعتضاده بالجَمْع؛ لتخلُّفه عنهم مختاراً أو غيْرَ مختار، ولا يُتْبَع، ولا يقاتل مَنْ ولَّى متحرفاً لقتال، ليس بمنهزم بل يُتْبَع، ويُقَاتَل، وإن ولَّى متحيزاً إلى فئة، قال الإِمام: إن كانت قريبةً، فهو كالمداوم على القتال؛ وإن كانت بعيدةً، فوجهان:
أحدهما: لا تُتْبَعُ؛ لظاهر الخبر، وهذا أظهر عند أصحابنا العراقيين، وصاحب
"التتمة" والرويانيِّ وغيرهم، وقالوا: الاعتبار بما يُتوقَّع، ويُخَاف، كما إذا خيف اجتماعهم وخروجهم ولم يفْعَلوا بعْدُ، لا يجوز التعرُّض لهم.
والثاني: يتبع؛ ليندفع الشرُّ، وبهذا قال أبو حنيفة، واختاره أبو إسحاق، وإيرادُ صاحب "التهذيب" يُشْعِر بترجيحه، وربما أُطْلِقَ الوجهان مِنْ غير فصل بين أن تكون الفئة قريبةً أو بعيدةً، وأجْرِيَ الوجهان فيما إذا بطَلتِ شوكةُ الجنْدِ في الحال، ولم يُؤْمَنْ مِنْ غائلة 1 اجتماعهم [في المآل، وموضع وفاقِ الأَصْحاب مَا إذا لم يُتوقَّع اجتماعهم] 2.
ومنْها: لا يُقْتل المثخن منْهم، ولا أسيرهم، وعن أبي حنيفة: أنه يجوز قتْلهما صبراً، ثم مِنهم مَنْ يطْلِق الرواية، ومنْهم مَنْ يقيده بحالةِ قيامِ الحَرْب.
لنا: ما سبق من الخبر.
وإذا قتل رجُلٌ مِنْ أهل العدل أسيرهم عمداً، ففي وجوب القصاص وجهان مذكوران في "البيان": في وجْهٍ نعم؛ لأنه صار بالأَمْر محقُونِ الدم، كما لو رجع إلى الطاعة، وفي وجْه: لا، ويصير خلاف أبي حنيفة شبهةً، ولا يطْلَقَ الأسير قبل انقضاء الحرْب، إلا أن يبايع الإِمام، ويرجع إلى الطاعة باختياره، فيُخلَّى 3 وإذا انقضت الحرب وجموعُهم باقيةٌ، فكذلك الحكم لا يُطلقَ، إلا أن يبايع، وإن بَذَلوا الطاعة أو تفرَّقت جموعهم، وأُمِنَ عودهم، أُطْلِقَ، وإن تُوُقَّع عودُهم، ففي الإطلاق الوجهان السابقان، وينبغي أن يُعْرَض على أسراهم بيعةُ الإِمام، هذا حكْم الأسرى الذين هم من أهل القتال، وأما 4 النساء والذَّراري [والولدانُ] 5، إذا وقعوا في الأسر والضبْطِ، فيحبَسُون إلى انقضاء القتال، ثم يخلَّى سبيلهم؛ لأنه لا يؤخَذُ عليهم الطاعة والبيعة على الجِهَاد، هذا هو الظاهر ووراءه وجهان:
أحدهما؛ عن أبي إسحاق: أن الإِمام إذا رأَى في إطلاقهم قوة أهْلِ البغْيِ، أو أن حبسهم يردُّهم إلى الطاعة ويدعوهم إلى الرجوع إلى الحقِّ، فله أن يحبسهمَ إلى أن يَرجِعُوا إلى الطاعة.
والثاني؛ عن بعْض الأصحاب: أن له حبْسَهم مطلقاً، كسراً لقلوب أهل البغْي، وعلى هذا، فوَقْتُ تخليتهم وقْتُ تخلية الرجال، نقل الوجهَيْن هكذا الرويانيُّ في "جمع الجوامع" وأما العبدُ والمراهِقُون، فقد أطْلَق مطلِقون أن العبد والصبيان كالنساء، وذكر الإِمام والمتولِّي أنه إن كان يجيءْ منهم القتالُ، فهم كالرجال الأقوياء في الحَبْس والإطلاق، وهذا حسن، وكان يمكن [حمل] 6 إطلاق مَنْ أطلق على ما ذكراه، إلا أنَّ
منهم مَنْ صرَّح بأن المراهقين والعبيد، وإن كانوا يقاتلون كالنساء والأطفال، ولا شك أنهم، إذا قاتلوا، وكذا النسوان، فإن سبيلهم سبيلُ الرجال في أنَّهم يُقْتَلون مقبلين، ويُتْركون مُدْبِرِين.
وإذا ظفرنا بخيولهم وأسلحتهم، لم نردَّها حتى ينقضي القتالُ، ويحصل الأمن مِنْ غائلتهم بعَوْدهم إلى الطاعة، أو تَفَرُّقِ شمْلِهم، وهو وقتُ إطلاق الأسرى، ولا يجوز استعمالها في القتال، كما لا يجوز الانحكاع بسائر أموالهم.
نعَمْ؛ لو وقعت ضرورةٌ بأن لم يجد أحدُنا ما يدْفَع به عن نفسه سوَى سلاحهم أو ما يركبه، وقد وقعت الهزيمة إلا خيولهم، فيجوز الاستعمال والركُوب، كما يجوز أكل مال الغير للضرورة.
وعند أبي حنيفة: أنه يجوز استعمالُها ما دامتِ الحرْب قائمةً.
وما ليس من آلات الحرب مِنْ أموالهم، فيرد عليهم، كما انقضتِ الحرْب، وهي التي أردناها مما أطْلَقْنا مِنْ قبل.
ومنْها: لا يقاتلهم بما يَعْمُّ، ويعظم أثر كالرمْي بالمنجنيق 1 والنيران، وإرسال السيول الجارفة، بخلاف ما في قتال الكفار، لكن لو قَاتَلُونا بهذه الوجوه، واحتجْنا إلى المقابلة بمثْلها دفعاً أو أحاطوا بنا، واضطررنا إلى الرمْيِ بالنار ونحوها، فعَلْنا، للضرورة، وعلى ذلك حمل مَنْ أَبْدَى الجَدَّ في قتال الباغين مِنْ عليِّ -كرم الله وجهه- حتى إنه قتل بنَفْسه ليلة الهرير ألفاً وخمسمائة، وإن تحصَّنوا بقلعة أو بلدةٍ ولم يتأتَّ الاستيلاء عليها إلا بهذه الأسباب العظيمة الأثر، فإن كان فيها 2 رعايا لا يكفي منْهم، لم يجُزْ توجيهُ هذه الأسباب عليها محافظةً عليهم، وإن لم يكن فيها إلا الباغون المقاتِلُون، فقد حكَى في الكتاب تردُّد وجه فيه، وقال الإِمام: الذي أراه المنْعُ؛ لأن الإِمام ينظر للمسلمين، وترك بلدة في أيدي طائفة من المسلمين، وربما قدر على احتيال في المحاصرة، والتضييق أقربُ إلى الصلاح مِنْ اصطلام 3 أمم.
وأما لفظ الكتاب فقوله "فلا نقاتلهم" يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأن في "البيان" وغيره أن عند أبي حنيفة يجُوز ابتداؤُهم بالقتال، ولا حاجة إلى تقديم النذير، وقوله "ولا يتبع المدبر آخراً" كذلك؛ لأن عند أبي حنيفة يجوز قتْل المنهزم في حال قيام الحرب.
وقوله "وفي سائر نسائهم وذراريهم؛ لكسر قلوبهم تردُّدٌ" إن حُمِلَ على حبْس الواقعين في الأسر بعد انقضاء الحرْب، فهو الخلاف الذي قدَّمناه، والظاهر أنهم لا يُحْبَسُون بعد انقضاء الحرب، والسابق إلى الفهْم منه التصويرُ وإثبات الخلافِ في أنه،
هل يجوز أسْرُهم ابتداءً؟ ولا يبعد أن يؤْخَذ ذلك مِنْ الخلاف المذْكُور في جواز الحبس بعْد انقضاء الحَرْب، والذي يُشْعِر به إطلاقُ الأئمة تجويز الأسر ابتداءً، ويجوز أن يُعْلَم قوله "كالخيل" بالواو؛ لِمَا ذكرنا أن منهم مَنْ ألحق المراهقين والعبيد بالنساء على الإطْلاق [والله أعلم].
قال الْغَزَالِيُّ: وَلاَ نَسْتَعِينُ عَلَيْهُمْ بِأَهْلِ الكُفْرِ وَلاَ بِمَنْ يَرَى قَتْلَ مُدْبِرِهِمْ، وَإِنْ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ الحَرْبِ لَمْ يُنْفَذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا بَلْ نَقْتُلُ مُدْبِرَ أَهْلِ الحَرْب، وَفِي نُفُوذِ الأَمَانِ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ لاِبْتِنَائِهِ عَلَى الفَسَادِ، وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الحَرْبِ: ظَنَّنَا أنَّهُمْ مُحِقُّونَ فَلْيُلْحَقْ مُدْبِرُهُمْ بِالْمَأْمَنِ لِأَجْلِ ظَنِّهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ بَطَلَ عَهْدُهُمْ وَكَانُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانُوا مُكْرَهِينَ كَانُوا كَأَهْلِ البَغْي، وَإِنْ كَانُوا جَاهِلِينَ بِالْحَقِّ فَفِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يُنْتَقَضُ وَجَبَ ضَمَانُ مَا أَتلَفُوا عَلَيْهِمْ عَلَى الظَّاهِرِ إِذْ سُقُوطُهُ عَنِ البَاغِي لِتَرْغِيبِهِ فِي الطَّاعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
إحداها: لا يجوز للإمام أن يستعينَ على قتال أهل البغْيِ بأهل الحرب؛ لأنه لا يجوز تسْلِيط الكافِرِ على المسْلِم، ولذلك نقول: لا يجوز لمستَحِقِّ القصاص أن يوكل كافراً بالاستيفاء، ولا للإمام أن يتخذ جلاَّداً كافراً لإقامة الحدود على المسلمين، ولا يجوز أيضاً أن يستعين على أهُل البغْيِ بمن يرى قبْلَهم مدْبرين، إما لعداوة تحملُهم عليه، وإما لاعتقادهم جوازه؛ إبقاءً عليهم، إلا أن يكون للإمام حاجة إلى الاستعانة بهم لجرأتهم وحسن إقْدَامهم، وكان متمكناً من منعهم، لو اتبعوا أهُل البغْي بعد الانهزام، ولا بد من اجتماع الشرطَيْن؛ لتجويز 1 الاستعانة؛ هكذا حكاه ابن الصبَّاغَ والرويانيُّ، وغيرهما عن وفَاق الأصحاب، ولفظ "التهذيب" يقتضي جواز الاستعانة إذا وُجِدَ أحدُ المعنيَيْن.
الثانية: إذا استعان البغاة علَيْنا بأهل الحرب، وعقَدوا لهم ذمةً وأماناً، ليقاتلونا 2 معهم، لم تنعقد أمانهم علينا؛ لأن الأمان لتَرْكِ قتال المسلمين، فلا ينقعد على شرط القتال؛ فيجوز لنا أن نغنم 3 أموالهم، وأن نسترقَّهم، أو نقتلهم إذا وَقَعُوا في الأسر، وأن نقتلَهُم مُقْبِلين ومدبرين ونذفف على جريحهم، وحكى الإِمام عن القاضي الحُسَيْن: أنا لا نتبع مُدْبِرَهم، ولا نذفف على جريحهم، والمشهورُ الأولُ، وهل ينقعد الأمان في حقِّ أهل البغْي؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: نعم؛ لأنهم أَمِنُوهم وأَمِنُوا منهم.
والثاني: المنْع، كما في حق أهل العدْل؛ لأنه أمان على قتال المسلمين، وعلى هذا ففي "التهذيب": أنه يجوز لأهل البغْي أن يكروا 1 عليهم بالقتل والاسترقاق، والذي ذكره الإِمام: أنه أمان فاسدٌ وليس لأهل البغْي اغتيالهم، بل يبلِّغونهم المأمن، وإن قالُوا: ظننا أنه يجُوز لنا أن نعِينَ 2 بعْض المسلمين على بعْض أو قالُوا: ظننا أنهم المحقُّون، وأن لنا معاونتهم، أو ظننا أنهم استعانُوا بنا في قتال الكفَّار، فوجهان:
أحدهما: أنه لا اعتبار بظنهم الفاسد، ولنا قتْلُهم واسترقاقهم.
وأظهرهما: أنا نبلِّغهم المأمن، ونقاتلهم مقاتلة أهُل البغْي، فلا نتعرَّض لهم، إذا أدبروا وما يتلفه أهل الحرب على أهْل العدْل غيرُ مضمونٍ عليهم، وما يتلفون على أهل البغْي يضمنونه، إن نفَّذْنا الأمان عليهم، وإلا فلا.
الثالثة: إذا استعان أهل البغْي بأهل الذمة فاعانوهم في قتالِنا، نظر؛ إن علموا أنه لا يجوز لهم قتالُنا، ولم يُكْرَهُوا، انتقض عهدهم، كما لو انْفَرَدوا بالقتال، وحكْمُهم حكم أهل الحرب، فيُقْتلون مقبلين ومدبرين، ولو أتلفوا بعد القتال شيئاً، لم يضمنوه، وفي كتاب القاضي ابن كج وغيره طريقةٌ عن رواية القاضي أبي حامد وأبي الحُسَيْن بن القطَّان: أن في انتقاض عهدهم الخلافَ المذكورَ من بعْدُ، وإن قالُوا: كنا مكرَهِين، لم يُنْتقض عهدُهم، وقوتلوا مقاتلة أهل البغْي، وعن أبي الطيِّب بن سلمة أنه على الخلاف المذكُور مِنْ بعْدُ، وإن قالوا: ظنَنَّا أنه يجَوز لنا إعانةُ بعْض المسلمين على بعْض [أو] أنهم يستَعِينون بناءً على الكفَّار أو أنهم المُحِقُّون وأن لهم إعانةَ المحقِّ، فمنهم مَنْ قال: في انتقاض العهْد قولان، وكذا أورده صاحب "التهذيب"، ومنهم مَنْ جزم بالمنع؛ إلحاقاً لهذه الأعذار بالإكراه، وجعل موضع القولَيْن ما إذا لم يذكروا عذْراً، وكذا أورد صاحب "المهذب" والرويانيُّ أحد القولَيْن؛ أنه ينتقض العهد، كما لو انفردوا بالقتال.
والثاني: المنع؛ لأنهم ما استقلُّوا بذلك، بل وافقوا طائفةً مِنْ المسلمين، فلا ترتفع عنهم 3 العصمة، ثم منهم مَنْ أطلَق القولَيْن، ومنهم مَنْ قال: إنْ شرَطَ عليهم الإمامُ الكَفَّ عن القتال عند عقد الذمة، انتقض عهدهم بلا خلاف، وموضعُ القولَيْن ما إذا لم يصرِّح بهذا الشرط، والظاهر مِنْ هذه الاختلافات انتقاضُ العهد، إذا لم يُبْدُوا عذراً، والمنع إذا 4 أبدَوْا، فإن قلْنا: ينتقض 5 عهدهم، فيبلغون المأمن أو يجوز قتلهم
واسترقاقهم؟ فيه خلاف مذكور في موضعه، فإن قلنا: يُبلَّغُونَ المأمنَ، فقد حَكَى الإِمام وجهَيْن؛ في أنا هل نقتلهم مُنْهَزِمين؟ فمن قال: نعم، جعل ذلك من بقيَّة العقوبة على القتال، وقال الإِمام: ينبغي أن يُقْطَع بأنهم يَضْمَنُون ما أتلفوا؛ لأنا إذا قلْنَا: إنهم يُبلَّغون المأمن، جعلناهم في بقية من الأمان، فكيف يجوز أن تُغرِّمهم، والذي ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: أنه كما ينتقض (1) في حقِّ أهل العدل، يتبعض في حقِّ أهل البغْي، وفي "البيان" أنه ينبغي أنْ يكونَ في انتقاضه في حقِّ أهل البغْي الخلافُ الذي مرَّ في المسألة الأولَى، وإن قلْنا: لا ينتقض عهْدُهم، فهم كأهل البغْي، في أنه لا يُتْبَعُ مُدْبِرهُم، ولا يُذفَّف على جريحهم، [ولو] (2) أتلفوا مالاً على أهْل العدْل، لزمهم الضمان بخلاف أهل البغْي؛ فإنهم لا يَضْمَنون على قول؛ لأنا إنما أسقَطْنا الضمان عنهم استمالة لقلوبهم، وردَّاً لهم إلى الطاعة؛ كيلا يتنفَّروا بسبب التَّبعاتِ، ويستمروا على الخُروج عن قَبْضة الإِمام، [وبأهل الذمة في قبضته] (3) وأمانُهُمْ باقٍ لأن الله -تعالى- أمر بالإصلاحِ بيْن المؤمنين في "آية [البغي] " (4) ولم يذكر مؤاخذةً بدَمٍ، ولا مالٍ، فأَشْعَر ذلك بالتخَفيف في حقِّهم؛ هذا في ضمانِ المال، ولو أتلفوا نفساً قال الإِمام: إن قلنا: يجب القصاص على أهل البغْي، [فأولَى أن يجب على أهْلِ الذمة، وإن قلنا: لا قصاص عَلَى أهْل البغي] (5)، فوجهان:
أحدهما: يجب على أهل الذمة، كما يُقْطَع لإيجاب ضمان المال.
والثاني: لا يجبُ؛ للشبهة المقترنة بأحوالهم.
" فَرْعٌ"
إذا قاتل أهلُ الذمة أهلَ البَغْي، قال القاضي ابن كج: المذْهَب: أنه لا ينتقض عهدهم؛ لأنهم حارَبُوا مَنْ يجب على الإِمام محاربته، وعن رواية أبي الحُسَيْن وجْه أنه ينتقض؛ لأنهم حارَبُوا المُسْلِمين، وهذا أوفقُ لمَا تقدَّم؛ أنه [ليس] للإمام أن يستعين بالكفَّار على قتال أهل البَغْيِ [والله أعلم].
وقوله في الكتاب: "بل نَقتُلُ مُدْبِرَ أَهْلِ الحرب" ليعلَمْ بالواو؛ لمَا حكيناه عن القاضي، وكذا قوله "بطَلَ عَهْدُهم"؛ لأن المقصود مِنْ هذه الصورة؛ ما إذا كانوا عالمين بأنَّه لا يجوزُ لهم القتال، ولم يكن إكراهٌ، وقد ذكرنا أنَّ من الأصحاب مَنْ ذكر الخلافَ في بطْلان العهْد، وكذا قوله "كانوا كأهل البغي" للرواية عن أبي سلمة.12345
وقوله "إن كانوا جاهلين بالحق" أي قالوا: ظنَنَّا أنهم الفئة المحِقَّة، كما ذكرنا في حقِّ أهل الحرب، وليكُنِ التصويرُ فيما إذا ذَكروا مع ذلك أنهم ظَنّوا جوازَ القتال [مع] المحقِّين، وإلا، فلَيْس لهم قتالُ المحقَّة ولا المخطئة.
وليعلَمْ قوله "قولان" بالواو؛ لأن من الأصحاب مَنْ نَفَى الخلافَ، وقال: حيث قال: "ينتقض" أراد حالة العِلْم، وحيث قال "لا ينتقض" أراد ما إذا أظهروا عذْراً.
وقوله "على الظاهر" يُشْعِر بإثبات خلاف في ضمان ما أتلفوا، وسكَتَ عنه في "الوسيط"، وكذلك لم يتعرَّض له أكثرهم، لكنه صحيح من وجهين:
أحدهما: أن قوله "وجب ضمان ما أتلفوا عليهم" يشمل إتلاف النفْس، والمال، وضمانُ النفْسِ القصاصُ، وقد ذكرنا عن الإِمام روايةَ وجهين في القصاص.
والثاني: أن القاضي ابن كج قال: إذا قلْنا: لا ينتقض الأمان، فجاءنا ذِمِّيٌّ تائباً، ففى ضمان ما أتلفوا طريقان:
أحدهما: أنه على القولَيْن في أن أهُل البغْيِ هل يضمنون؟.
والثاني: القطْع بأنهم يَضْمَنُون.
وهذه مسائل أُخَرُ تدْخُل في الباب.
إذا استعان أهل البغْي بمَنْ لهم أمانٌ إلى مدة انتقض أمانُهم، فإن قالوا: كنا مكرَهِين، وأقاموا بيِّنةً على الإكراه، فهم على العهد، وإلا، أنتقض أيضاً؛ لأن أمانَهُم ينتقض بخَوْفِ الخيانة، فبحقيقة القتال أولَى بخلاف أهل الذمة.
وإذا اقتتلتْ فئتان باغيتان، فإن قدَر الإمامُ على قهرهما وهزمهما، لم يُعِنْ إحداهما على الأخرى، إلا إذا رجعت إحداهما إلى الطاعة، فيُعِينُها على الأخرى، وإن لم يَقْدرِ على قهرهما 1 جميعاً، ضم أقربهما إلى الحقِّ إلى نفسه، واستعان بها على الأخرَى، وإن استويا، اجتهد فيهما، ولا يَقْصِد بضَمِّ التي يضمها إلى نفْسه معاونَتَها، بل يقصْد دفْع الأخرَى، فإذا اندفع شر الأخرَى، لم يقاتل التي ضمَّها إلى نفسه إلا بعد أن يدعوها إلى الطاعة ويُنذرها؛ لأنها بالاستعانة بها صارت في أمانه، ولو أمن واحدٌ مِنْ أهل العدل 2 واحداً مِنْ أهل البغْي نفذ أمانهُ، سواء كان حرّاً أو عبْداً [رجلاً] أو امرأة.
وحكمُ دار البغْيِ حكمُ دار الإِسلام، ولو جرَى فيها ما يوجب الحدَّ، أقامَ الإمامُ الحدَّ، إذا استولَى عليها، وقال أبو حنيفة: حكْمُها حكمُ دارِ الحَرْبِ، فلا يقيم الإمامُ الحدَّ، إذا استولَى عليها.
ويتحرزَّ العادلُ عن قتال قريبه مِنْ الباغين ما أمكنه، قال في "التتمة"، ويجب على الواحدِ من أهْلِ العدْل مصابرةُ اثنَيْنِ من أهل البغْي، كما في قتال الكلفار، فلا يولِّي عنهما إلا مُتَحرفاً لقتال أو متحيِّزاً إلى فئة.
وعن نصِّه في "المبسوط" أنه إذا غزا أهل العدْلِ وأهلُ البغْيِ المشركين، فاجتمعوا في بلاد الشرْك، فهم في الغنيمة (1) سواءٌ والقاتل منْهم يستحق السَّلب، وأما الخُمْسُ، فيتولى تفرقته الإمامُ، وأنه لو وادَعَ أهلُ الحرب قوماً مِنْ المشركين، لم يقصدهم (2) أحد من المسلمين، ولو غزا أهلُ البغْي قوماً مِنْ المشركين، وقد وادَعهم الإمامُ، فسَبَوْا منهم، فإذا ظهر (3) الإمامُ عليهم، رَدَّ السبْيَ على المشركين، وأنه لو أمن أهلُ العدل رجلاً مِنْ أهل البغْيِ، فقتله رجلٌ جاهلاً بأمانه، وقال: عرفته بالبغْي وقَدَّرْتُ أنه جاء لينال مِنَّا غِرةً حُلِّف، وأُلْزِم الديةَ، وإن قتلَه عامداً، أُقيدَ به، وأنه لو قَتل رجُلٌ من أهل العدل آخر منهم في القتال، وقال: ظننته مِنْ الباغين، حُلِّف، وضمن الدية، وأنه لو سبى المشركُون من أهْلِ البغْي، وقَدَر أهل العدْلِ على استنفاذهم، وجب الاستنفاذ (4)، والله أعلم.
قال الْغَزَالِي
ُّ: الجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ: الرِّدَّةُ
وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الإِسْلاَمِ مِنْ مُكَلَّفٍ إِمَّا بِفِعْل كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَعِبَادَةِ الشَّمْسِ وَإِلْقَاءِ المُصْحَفِ فِي القَاذُورَاتِ وَكُلِّ فِعْل صَرِيحِ فِي الاسْتِهْزَاءِ، وَإِمَّا بِقَوْلٍ عِنَاداً أَوِ اسْتِهْزَاءً أَوِ اعْتِقَاداً فَكُلُّ ذَلِكَ رِدَّةٌ مِنَ المُكَلَّفِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّكرَانُ كَالصَّاحِي فِي قَوْلٍ، وَكَالْمَجْنْونِ فِي قَوْلٍ، فَإِنْ صُحِّحَتْ رِدَّتُهُ فَإِسْلاَمُهُ فِي السُّكْرِ يَرْفَعُهُ إِلاَّ إِذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ فِي طَرِيقٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرِّدَّةُ أفحش أنواع الكفْر، وأغلَظَها حكماً، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] وعن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ" 4 الحديثُ، وعن ابن عباسِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" 5 والكلام في الردة في طرفَيْنِ:123 في أ: العصمة.
أحدهما: في أن الردَّة ممن وبم تحْصُل.
والثانى: في حكْمِه إذا حصلَتْ، أما الأول، ففيه فصلان:
أحدهما: في حقيقة الردَّة، وهي قطْع الإسلام، ويحصل ذلك بالقَوْل الذي هو كُفْرٌ تارةً، وبالفعْل أخرَى، والأفعالُ التي توجب الكفْرَ هي التي تَصْدُر عن تعمُّد 1 واستهزاءٍ بالدين صريحٍ؛ كالسجود للصنم والشمس وإلقاءِ المصْحَف في القاذورات، والسِّحْرِ الذي فيه عبَادةً الشمس، ونحْوها، قال الإِمام: وفي بعض التعاليق عن شيْخي أن الفعْل بمجرَّده لا يكون كُفْراً، وهذا زلَلٌ 2 من المعلِّق أوْرَدتُّهُ للتنبيه على الغَلَط فيه، وتحْصُل الردة بالقَوْل الذي هو كفْرٌ، سواءٌ صَدَر عن اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ، هذا من القول الجُمَلِىِّ.
وأما التفصيل ففي "التتمة": أن مَنِ اعتقد قِدَم العالَمِ، أو حدوث 3 الصانع، أو نَفْيَ ما هو ثابت للقديم بالإجْماع؛ لكونه عالماً أو قادراً أو أثْبَتَ ما هو منفيٌّ عنه بالإجماع، كالألوان، أو أثبت له [الاتصال والانفصال] 4، كان كافراً، وكذا من جحَد جوازَ بعثة الرسُل، أو أنكر نبوة نبىٍّ من الأنبياء -عليهم السلام- أو كذبَهُ أو جحَد آيةً من القرآن مُجْمَعاً عليْها، أو زاد في القرآن كلمةً، واعتقد أنها منْه أو سَبَّ نبيّاً من الأنبياء -عليهم السلام- أو استخَف به أو استحلَّ محَرَّماً بالإجماع؛ كالخمر والزنا واللواط أو حرَّم حلالاً بالإجماع، أو نفَى وجوبَ مُجْمَعٍ على وجوبه؛ كالصلوات الخمس أو ركعةٍ منْها أو اعتقدَ وجُوبَ ما ليس بواجِبٍ بالإجماع؛ كصلاةٍ سادسةٍ، وصوم شوال، أو نسب عائشةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- إلى الفاحشة، أو ادَّعَى النبوة في زماننا أو صدَّق مدعياً للنبوة، أو عظَّم الصنم بالسُّجُود له أو التقرُّب إليه؛ بالذَّبح باسمه، وأنه إذا قال لمسلم: يا كافر بلا تأويل، كَفَر؛ لأنه سمَّى الإسلام كُفْراً وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ، يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا" 5 والذي رماه به مُسْلِم، فيكون هو كافراً، وأَن العَزْم على الكُفْر في المستقبل كُفْرٌ في الحال، وكذا التردُّد في أنه يَكْفُر أو لا يَكْفُر، والتعْلِيق بأمر في المستقبل، كما إذا قال: إنْ هلَك مالِي أو مَاتَ ولَدِي، تَهوَّدتُّ أو تَنَصَّرْتُ وأنَّ الرضا بالكفْر كُفْرٌ، حتى لو سأله كافرٌ يريد الإسلامَ أن يلقنه الكلمةَ، فلم يفعل أو أشار عليه بأن لا يسلم أو على مُسْلِم بأن يَرْتَّد، فهو كافر بخلاف ما إذا قال للكافر: لا رزقه الله الإيمانَ أو المُسْلِم سلبه
الله الإيمان، [لأنه] 1 ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد الأمر والعقوبة علَيْه، ولو أكره مسلماً على الكُفْر، كفَرَ المُكْرِهُ، والإكراه على الإسلام والرضا به والعزم عليه في المستقبل لَيْس بإسلام، ومَنْ دخَل دار الحرب، فشَرِبَ معهم الخَمْر، وأكل، لحم الخَنْزير، لم يُحْكَمْ بكفره، وارتكاب المحرَّمات ليس بكُفْر، ولا يستلب به اسم الإيمان، والفاسقُ، إذا مات، ولم يتب، لا 2 يستحق الخلُودَ في النار، وفي كُتُب أصحاب أبي حنيفة اعتناء تامٌّ بتفصيل [الأفعال والأقوال] التي تقتضي الكُفْر، وأكثرها ما يقتضي إطْلاقُ الأصْحاب المساعدةَ علَيْه، ولنورِدْ ما يحْضُرنا ممَّا في كتبهم منها: إذا سَخِرَ باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو بوعده أو وعيده، كَفَر، وكذا لو قال: لو أمرني اللهُ بكذا، لم أفعلْ، أو لو صارتِ القِبْلَةُ في هذه الجهة، ما صلَّيْتُ إليها أو لَوْ أعطاني الجنَّةَ، لم أدخلْها، [أو] 3 قال: (خذا در حق من همه كرده است بدي ازمن استت) 4 وليكن في هذا تفصيلٌ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ، فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قالوا: ولو قال: (من خد اثم) 5 على وَجْه المُزَاحِ، يعني (خدايم) 6، فقد كفر، ولو قال لزوجته: (تراحق همسايه نمى بايد) 7، فقالت: لا، فقال: (تراحق شوى نمى بايد) 8 فقالت: لا، فقال: (تراحق خداي نمى بايد) 9 فقالت: لا، كفَرَتْ، وكذا لو قال لغيره: لا تتركِ الصلاة، فإن الله يؤاخذُكَ فقال: لو آخَذَنِي اللهُ بها معَ ما بي من المَرَض والشدة، فقد ظَلَمني، أو قال لغيره: (خداي باز بان تو بر نيامد بانيا يد) 10 أو قال الآخر إنَّ الله يعذِّبك بمساوئك، فقال: (خداي راتو نشانده أي ناهمه اَن كندكله توكوبي) 11 أو قال المظلوم، هذا بتقدير الله، فقال الظالم: أنا أفعل بغَيْر تقدير الله، وكذا لو قال لامرأته: (مراسيم نسيت) 12 فقالت:
امرأته: إنك تكْذِب، فقال الرجل: لو شَهِدَ [الأنبياء والملائكةُ] عنْدك: (كه مرسمى اسيم نيست) 1 لا تُصَدِّقيهمْ، فقالت: نعم، لا أصدِّقهم، كَفَرَتْ أو قال لغيره: إنَّ آدم نسج، فقال ذلك الغير: (بس ما همه جولاه بحكان باشيم) 2 كَفَر، ولو قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أكَلَ لحس أصابعه الثلاثِ، فقال السامع: (اين بي أدبى أمست) 3، فهو كُفْرٌ، وكذا لو قال لغيره: [قلم أظفارك واحلق شعرك] 4، فهو سنَّةُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: لا أفعل، وإن كانَ سنَّةً، واختلفوا فيما إذا قال: فلان في عيني، كاليهودي والنصراني في عين الله تعالى، أو قال: (دست خداي درازاست) 5 أو قال: بَيْن يدَيِ الله تعالَى منْهم، مَنْ قال: هو كفر، ومنْهم من قال: إن عَنَى به الجارحة، فهو كفر، وإلا، فلا [وكذا إذا] 6 اختلفوا فيما إذا قال: إن الله تعالى في السَّماء، أو قال: (خداي تعالى فرومى نكرد ازآ سمان أو ازعرش) 7 أو قال: (خذا برتوستم كناد جنانكر توبر من كردى) 8 أو قال: إن الله تعالى جلَسَ للإنصاف أو قام للإنْصَاف، أو قال بالفارسية: (خدا دادرا تشيسته است يا استاده است) 9 قالوا: هو كُفْر، وكذا لو قال لغيره: إن شاء الله: (كه فلان كاربكني) 10 فقال: (بي إن شاء الله تعالى نكم) 11، وليجيْء فيه الخلافُ السابق وليكُنِ الأظهرُ أنه لا يَكْفُر، ولو قال: (من باتو بحكم خدا كار ميكتم) 12، فقال خصمه: (من حكم ندائم أو اينجاحكم نرود أو خداي حاكمي رانشايد أو انينجاد توسته حكم جه كنده) 13 فهو كفر، ولو قال: (ابنجاحكم نيست) 14 قيل: هو كُفْر، وقيل: إن أراد الحكاية عن فَسَاد الزمان، لم
يكفر، وليجيْء مثل هذا في قوله: (ابنجاحكم نرود) 1 (وابتجاد نوسته) 2 واختلفوا فيما إذا قال: (من برسم كار كنم نه بحكم) 3 وفيما إذا قالت لابنها: لماذا أو لِمَ فَعَلْتَ كذا؟ فقال الابن: والله، ما فعلْتُ، فقالت: غضباً: تونه، والله، وفيما إذا قال لغيره: أحسن كما أحسن الله إليك، فقال: (روبا خداي جنكر كن) 4، لماذا أعطيتَ فُلاناً كذا، وفيما إذا قال لغريمه: (اكر خداي جهان كردى مميم خويش أز توبستانم) 5 والأظهر أنه يَكْفر 6، وفيما إذا قال الطالب ليمين خَصْمه، وقد أراد الخصم أن يَحْلِف [بالله] 7، لا أريد الحلِفَ بالله، إنما أريد الحَلِفَ بالطَّلاق والعِتَاق، والأظهر أنه لا يكفر، وفيما إذا قال لغيره: (خدا من داندكه ترا بيوسته بدعا يائمى دارم) 8، أو قال: (نعم، وشادى توهمجنا ثم بغم وشادى خويش) 9، وفيما إذا قال: (أي شكيلخداي) 10، واللائق بأصولنا في هذه الصورة أنَّه لا يَكْفُر، واختلفوا فيما إذا نادَى رجلاً اسمُهُ عبْدُ الله، وأدخل في آخره حَرْفَ الكاف الذي يدخل للتصغير 11 بالعجمية، فقيل يكْفر، وقيل إن تعمَّد التصغير، يكفر، وقيل وإن كان جاهلًا لا يدري ما يقول، أو لم يكن له قصْدٌ، لا يكفر، وفيما إذا روى لغَيْره أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال "بَيْنَ قَبْرِي ومنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ" فقال ذلك الغَيْرُ: (من منبر وحظيرة في بيثم وجيزى ديكَرنمى بثم) 12، وفيما إذا قال: رؤيتي إياك كرؤية ملَكِ المَوْت، وأكثرهم على أنه لا يَكْفُر، وفيما إذا قال: (فلان، زاد شمن في دارم جون ملك المَوْت، را) 13 أكثرهم على أنه يكفر.
ومنها: وإذا قيل له: لِمَ لا تقرأ القرآن، فقال: (سبرشدم از قرآن) 14 قالوا:
يكفر، وكذا لو قيل له: لِمَ لا تصلِّي؟ فقال: (سير شدم آزنمار كردن) 1، أو قال: (تاكي كنم ابن بيكارزا) 2 أو قال للزكاة: (تاكى دهم اين تا) 3 أو قرأ القرآن على ضَرْب الدِّفْ أو القَضِيب، أو قال لغيره: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ رابوست بردى) 4 أو: (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ اكَريبان كَرفته أي) 5 أو قال لمن يقرأُ عنْد المرض، (يس: دردهان مرده منه) 6 أو قال لغيره: (أي كوتاه تزاز ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ 7 واختلفوا فيما إذا قال: (خانه باك كرده أي جون، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾) 8 وفيمن زَعَم أن المعوِّذَتَيْن ليْستا من القرآن، قيل: يكفر، وقيل: لا، وقيل: إن كان عالماً، لم يكْفُر، وإن كان عامِّيّاً كفر.
ومنها: قالتْ لزوجها: (توسرخداي هي داني) 9 فقال: نعم، أو قالت: تَعْلَمُ الغَيْب، قال: نعم، فهو كُفْر، ولو قال: (من بوذه دنا بوذه بدانم) 10 كفر، واختلفوا فيما إذا خَرَج إلى السفْر، فصاح، العقعق، فرجع، هل يكفر.
ومنها: لو قال لو كان فلانٌ نبياً، لم أومِنْ به، كفر، وكذا لو قال: إنْ كان ما قَالَه الأنبياء صدْقاً، نَجَوْنا، أو قال: لا أدْري أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إنسياً أو جنياً أو [قال] أنه جنى، أو قال: محمد: (دروى شك بود) 11 أو صغر عضواً من أعضائه على طريق الإهانة واختلفوا فيما لو قال: [كان] 12 طويل الظُّفُر، وفيما إذا شتَم رجلاً اسْمه محمَّدٌ، وكنيته القاسم، فقال: يا بن الزانية، (وهركه خداي ارا يابن نام يايا اين كنيت، بنده است) 13 فقيل: يكفر إذا كان ذاكراً للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها: إذا قيل له: صلِّ، فقال: (ديرست كه بيكار نكرده أم) 14، أو قال:
(خردمند دركارى ينايركه بسرنتوا نديردن) 1، أو قال: (مردمان ازبهر ما هي كنئد) 2، أو قال: إنماز كرده وناكرده بكيست) 3 أو قال: (جندان نماز كردم كه فلم بكَرفت) 4، أو قال: (خوش كارشمت بي نمازى) 5 فهذا كله كفْرٌ، وكذا لو قيل له: (نمازكن تاحلاوت نماز كردن يابى) 6، فقال: (تومكن تاحلاوت بي نمازى يابى) 7 أوْ قيلَ لعبْدٍ: صَلِّ، فقال: لا أصلِّي، فإن التَّوَّابَ يكُون للمَوْلَى واختلفوا فيما إذا صلَّى بغَيْر وضوء متعمِّداً، أو مع ثوبٍ نَجسٍ أو إلَى غير قِبْلَةٍ.
ومنها: إذا تشاجَرَ رجُلان، فقال أحدهما: لا حول ولا قوة إلا باللَّهِ، فقال الآخر: (لا حول مجاز نيست) 8 أو قال: (لا حول راجه كنم) 9 إذ بقي، أو قال: لا حول، لا تغني من جوع أو قال: (لا حول بجانه درنتوانى شكست) 10 فهو كُفْرٌ، وكذا لو قال أحدهما: سبحان الله، فقال الآخر: (سبحان الله، رابوست بازدكردى) 11 أو سمَعَ أذانَ المؤذِّن، فقال: إنه يكذب، أو قال: (اين بانك باسبانان است) 12 أو قال وهو يتعاطَى قدَحَ الخَمْر، أو يُقْدِم على الزنا: بسم الله، استخفافاً باسم الله.
ومنها: إذا قال لظالم: (يا دشمن تامحشر) 13، فقال الظالم: (من المحشرجة كار) 14 فهو كفر، وكذا لو قال لا أخافُ القيامةَ، واختلفوا فيما إذا قال لخَصْمه: آخُذُ منكَ حقِّي في المحشر، فقال: (مرادرآن انبوهى كجاه يأبى) 15 وفيما إذا وضعَ متاعَه في موْضِع، وقال: سلمته إلى الله تعالى، فقال له آخر: سلمته 16 إلى مَنْ لا يَتْبَعُ
السارِقَ إذا سَرَقَ.
ومنها: إذا قال لآخر: (بفلان كسى روى ويروى أمر معروف كن) 1، فقال: (مرا زوجه آزار ايست) 2، أو قال: (من عافيت كَزيدم) 3، أو قال: (مرا با اين فصول جه كار) 4 فهو كفرٌ، وكذا لو قيل لرجل: (حلال خور) 5، فقال: الحرام أحبُّ إليَّ أو قال: (درجهان بك حلال جوار بياد أو راسجده كنم) 6، أو قال: (مراحرام شايد) 7 وكذا لو رجع رجُلٌ من مجْلِس العلْم؛ فقالت له امرأته: (آز كنشت آمدى) 8 أو قالت امرأة: (لعنت برشوى دانشمند باد) 9، تكفر، وكذا لو أمر غيره بحُضُور مجْلس العلْم: (مرا با مجلس علم جه كار) 10 أو قال: (علم دركاسه ثريد نتوان كردن) 11 أو قال: (درم بايد علم بجه كارآيد) 12 أو قال لعالم: (شو علم رابكاسه شكن) 13 أو قال لفقيه يذكر [شيئاً من] 14 علْم الشرْع أو يروي حديثاً صحيحاً: (اين هيج نيست) 15 أو قال: (اين سخن جه بكارآيد) 16، فهو كفر، وكذا لو قال: (فساد كردن به ازدا نشمندى كردن) 17 أو كان الواحدُ من القوم يَجْلس على مكانِ رفيع تشبهاً بالمذكرين 18، فيسألون منه المسائل ويضْحَكون، ثم يضربونه بالمِخْرَاق، وكذا لو تشبَّه بالمعلِّمين، فأخذ خشبةً، وجلس القوم حوْله كالصبيان، وضَحِكوا واسْتَهْزَؤوا، أو قال: قصعةُ ثريد خَيْرٌ من العلْم أو عَرَضَ خصمُهُ عليه فتْوَى الأئمة، فألقاه على الأرض، وقال: (أين جه شرع است) 19، وذكروا أيضاً أن المريض
إذا دام مرضه، واشتد، فقال: إن شِئْتَ توفَّني مسلماً، وإن شئْتَ توفَّني كافراً، وكذا لو ابتلي 1 بمصائب، فقال: أخذتَ مالي، وأخذت ولَدِي، وكذا وكذا وماذا تفْعَل أيضاً أو ماذا بَقِيَ لم تفعلْه، وأنه إذا غَضِبَ على ولده أو عبْده، وكان يضربه ضرباً شديداً، فقال له قائل: لستَ بمُسْلِمٍ، فقال: لا متعمِّداً، كفر، وأنه لو قال لزوجته: يا كافرة، أو يا يهوديةُ، فقالت: (همجنينم) 2 أو قالت: (أكَر همجنين نمى باتونيا شمى أو باتو صحبت ندارمى) 3 تكفر، وكذا لو خاطبت الزوْجَ أو خاطَبَ أجنبيٌّ أجنبيّاً بذلك، فأجاب بما ذكرنا، وأنه لو قال: يا يهوديُّ أو يا مجوسيُّ، فقال: لبيك يكفر، وكذا لو قال: [آري همجنين] 4 كفر، وأنه لو تكلم بكلمة زعم قوم أنها كفر.
وليست كذلك، فقيل له: كفرنْ كفر وبانتَ امرأتك، فقال: (كافرٌ سنده كَيروزن بطلاق كَير) 5 يكفر، وبِيْنَ امرأته، وأنَّه لو وعظ فاسقاً، نَاداه إلى التوبة، فقال: (بس ازمن كلاه مغان يرنهم) 6 يكفر، وأنه لو قالت المرأة لزوجها: (كافر يودن بهترازيا توبودن) 7 تكفر، وأنه إذا أسلم كافرٌ، وأعطاه الناسُ مالاً، فقال مسلم: ليته كان كافراً حتى يُسْلِم، فيعطَى ففي بعض المشايخ أنه يَكْفُر، وأنه لو تمنَّى رجُلٌ أن لا يحَرِّم الله تعالى الخمر، لا يكفر، وكذا لو تمنَّى أن لا يحرم المناكَحَة بين الأخِ والأختِ، ولو تمنَّى أن لا يحرِّم الله الظلْمَ والزِّنا وقَتل النفس بغَيْر حَقّ، يكفر، والضابطُ أنَّ ما كان حلالاً في زمانٍ، فتمنَّى حلَّه، لا يكفر.
ومنها: إذا شد الزُّنَّارَ على وسطه، كَفَر، واختلفوا فيما إذا وضَعَ قَلَنْسُوةَ المجُوس على رأْسه، والصحيح أنه يكفر، وإذا شدَّ على وسطه حبْلاً، فسئل عنه، فقال: هذا زُنَّار، فالأكثرون على أنه يَكْفُر، وإذا شَدَّ على وسَطِه الزُّنَّارَ، ودخل دار الحرب للتجارة، يَكْفر، وإن دخل لتخليص الأسارَى، لا يكفر، وذكروا أنه لو قال معلم 8 الصبيان: اليهود خير من المسلمين بكثير؛ لأنهم يَقْضُون حقوق معلِّمي صبيانهم، يَكْفر، وأنه لو قال: النصرانيةُ خير من المجوسية، يكفر، وأنه لو قال: المجوسيَّةَ شَرٌّ من النصرانية، لا يبكفر، وأنه إذا عطس السلطانُ، فقال رجل: يرحمكَ الله، فقال آخر لهذا القائل: لا تَقُلْ للسلطان هذا، يكفر الآخر، وأنه إذا سقى الفاسقُ ولدَه، فجاء
أقرباؤه، ونثروا الدراهم، [والسكر] 1 كَفَرُوا وأنه إذا شرع في الفساد، وقال: (شاد مباد آنكس كه شادى ما شاد نيست) 2 يكفر، وكذا لو اشتغل بالشرب، وقال: (مسلمانى اينجارا مى كنم) 3 أو قال لجماعة من الصلحاء: (بيا يبداى كافران با مسلمانى بيينيذ) 4 وأنه إذا قيل لمن يرتكب الصغائر تُبْ إلى الله تعالى، فقال: (من جه كردم تانويه كنم) 5 أو قال: (من جه كرده أم كى توبه هي بايدكردن) 6 يكفر وكذا لو قال لغيره: (مرا بحق بارى بده) 7 فقال: (بحق هركسى بارى وهو من بناحق بارى دهم) 8 وأنه لو ضرب رجلاً، فقال المضروب: (مرامزن آخر مسلمانم) 9 فقال: (لعنت برتوباد وبرمسلمانى تو) 10 يكفُرْ، وأنه لو قال: (فلان كافر: تراست از من) 11 كان ذلك إقراراً بكفره، وأنه لو قال: (من از مسلمانى بيزارم) 12، فقد قيل: هو كفر، وأنه لو قال كافر لمسلم: اعْرِضْ عَلَيَّ الإسْلاَم، فقال: حتى أرى، أو قال: اصْبِرْ إلى الغَدِ أو طَلَب عرْضَ الإسلام [من مذكر]، فقال: اجلس إلى آخر المجْلس، يكفر، وقد حكَيْنا نظيره عن "التتمة" [وأنه لو قال لآخر: (خداى عز وجل مسلمانى أز توبستا ناد) 13 يكفُر، ولو قال غيره أمين يكفر المؤمن أيضاً، فقد حكينا عن "التتمة" خلافَه] وأنه لو قال لعدوه: لو كان هو نبيّاً، لم أُؤمِنْ به، أو قال: لم يكن أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- من الصحابة، كَفَرَ، ولو قال ذلك لغير أبي بَكْرٍ، لا يكفر، وأنه لو قيل لرجل: ما الإيمان؟ فقال: لا أدري، كان كافراً، وكذا لو قال لزوجته: أنتِ أحبُّ إلى من الله تعالى، وهذه صوَرٌ تَتَبْعوا فيها الألفاظ الواقِعَة في كلام الناس، وأجابوا فيها على اتفاق أو اختلاف، والمذْهَب يقتضي مساعدتهم في بعْضِها، وفي بعضها يُشْتَرط وقوع اللفْظ في مَعْرِض الاستهزاء، [والله أعلم].
والفصل الثاني: فيمن تصح منه الردَّة، ويشترط في صحة الردَّة: التكليف، فلا تصحٌّ ردة الصبيِّ والمجنون؛ لأنه لا تكليف عليهما، ولا اعتداد بقولهما، وعَقْدِهما، وعن أبي حنيفة: أنه تصحُّ ردَّةُ الصبيِّ المميز، ولكن لا يُقْتَلُ حتى يبلغ، ومن ارتد، ثم جُنَّ، لم يُقْتَل في جنونه؛ لأنه ربَّما عاد إلى الإسلام، لو عَقَل، وكذا لو أَقرَّ على نفسه بالزنا، ثم جُنَّ، لا يقام عليه الحد؛ لأنه قد يَرْجع [عن] الإقرار، بخلاف ما لو أقرَّ عَلَى نفسه بِقِصاص أو حدٍّ قذْف، ثم جنَّ، يستوفى منه في جنونه؛ لأنه لا يسْقُط بالرجوع، وبخلاف ما لو قامتْ عليه بينة بالزنا ثم جُنَّ؛ لأنه لا يسْقُط الحدُّ بعد ثبوته بالبينة إلا على قولِ مَنْ يقول: إنه يسقط بالتوبة، قال صاحب "التهذيب": وهذا كله على سبيل الاحتياطِ، فلو قَتَلَ في حال الجنون، أو أقيم عليه الحدُّ، فمات، لم يجب شيء، وهل تصحُّ ردة السكران؟ فيه طريقان؛ سبق نظيرهما في سائر تصرفاته.
أظهرهما: أن فيه قولَيْن.
أصحهما: نعم.
والثاني: المنْعُ، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: القطع بالصحة، فإن قلنا: تصح ردته، وجب عليه القتْل، إذا ارتد في سُكْره، أو أقر بالردة، ولكن لا يُقْتَل حتى يفيق، فيُعْرَض عليه الإسلام، وفي صحة استتابته في السّكْر وجهان مقُولان في "التهذيب".
أحدهما: أنها تصحُّ، كما تصح ردته، لكن المستحَبَّ أن تؤَخَّر إلى الإفاقة.
والثاني، وهو المذكور في "الشامل": المنع؛ لأن الشبهة لا تَزُول في تلْك الحالة، ولو عاد إلى الإسلام في السُّكُر، صحَّ إسلامه، وارتفع حكم الردة.
نعَم، ذكرنا طريقاً في تصرُّفات السكران، أنَّه ينفذ ما عليه بلا خلاف، والقولان فيما له، فعلى هذا يجيْء قول إنه لا يصحُّ إسلامه، وإن صحَّت ردته، وحكى ابن كج طريقةً قاطعة بأنه لا يصحُّ عودُه إلى الإسْلام، والظاهر الأول؛ وقد نقل عن نص الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال: إن رجَعَ إلى الإسلام، لم أخْلِ سبيله، حتى يفيق، فإن وصف الإسلام كانَ مسلماً من حين وصَفَ الإسلام، وإنْ وصَفَ الكفْر، كان كافراً من الآن؛ لأن إسلامه صحَّ، وإنما أحبه استظهاراً، وإذا قلْنا يصحُّ عَوْده إلى الإسلام، فقتله قاتلٌ تعلقٌ بقتله القصاص والضمان، ونقل الإِمام أن بعْض الأصحاب ذكَر قولاً في إهْداره أخْذاً من الخلاف، فيما إذا أسلم أحد أبوي الطِّفلْ بعْد علوقه على الكفْر، ثم بلغ، وقُتِلَ قبل أن يُعْرِب عن نفسه الإسلام، هل يجب الضمان على قاتله؟ والتقريب أن الإسلام الصادر من السكران حُكْمِيٌّ؛ إذ ليس له عقْدٌ صحيح، كما أن الإسلام الحاصلَ
بتبعيَّة أحد الوالدَيْن حكْميٌّ، والظاهرُ الأول، وإن قلْنا: لا تصح ردة السكران، فلو قُتِل، تعلَّق بقتله القصاصُ والضمانُ، وفي وجْه: لا يجب القصاص للشبهة، وتجب الدية، ويحكَى هذا عن أبي الحُسَيْن بن القَطَّان، ويجوز أن يُعْلَم؛ لما بيَّنَّا قولُه في الكتاب: "إما بفِعْلِ" لما نقله الإِمام عن شَيْخه بالواو، ولفظ "الصبي" في قوله "دون الصبي" بالحاء، [وكذلك] قوله "كالصاحي" وقوله "في قول" بالواو للطريقة القاطعة.
" فَرْعٌ"
لو ارتد صاحياً، ثم سَكَر، فأسْلَم، حكى القاضي ابن كج: القَطْع [بأنَّه] 1 لا يكون ذلك إسلاماً، والقياسُ جعْلُه على الخلافِ السَّابِق.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رِدَّتِهِ فَقَالَ: كَذَبا لَمْ يُسْمَعْ، وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ مُكْرِهاً فَإِنْ ظَهَرَ مَخَايِلُ الإِكْرَاهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَالأَسِيرِ، وَإِلاَّ فَلاَ يُقْبَلُ، وَلَوْ نَقَلَ الشَّاهِدُ لَفْظُهُ فَقَالَ: صَدَقَ لَكِنِّيَ كُنْتُ مُكْرِهاً قُبِلَ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبُ الصَّادِقِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا شَهِدَ بِالرِّدَّةِ فَإِنَّ الإِكْرَاهَ يَنْفِي الرِّدَّةِ دُونَ اللَّفْظِ، وَلاَ يَنْبَغِي أن تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ مُطْلِقاُ دُونَ التَّفْصِيلِ لاِخْتِلاَفِ المَذَاهِبِ فِي التَّكْفِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْل مفرَّع على أن المؤْمِن إذا أُكْرِه عَلَى أن يتكلَّم بكلمة الكُفْر، فتكلَّم بها، لا يُحْكَم بردته، حتى لا تبين زوجَتُه ويرثه ورثته إذا مات؛ قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] وقد ذكرنا في أول الجنايات أنَّه يباح له التلفُّظ بكلمة الكفْر بسبب الإكراه، وأن الأصحَّ أنه لا يجبُ، وأن الأفضل أن يثبت، ولا يتكلَّم بها.
إذا عُرِفَ ذلك، فهل تقبل الشهادة على الردَّة مطلقاً، أمْ لا بُدَّ من التفصيل ذكر 2 الإِمام تخريجَه، على الخلاف في أن الشهادةَ على البَيْع وسائرِ العقُود، هل تُسْمَع مطلقةً، أم يجبُ التفصيل والتعرُّض للشرائط؟ فعَلَى قوْلٍ: لا بد من التفصيل؛ لأن مذاهب العلمَاء فيما يوجِبُ التكفير مختلفةٌ، والحُكْمْ بالردة عظيمُ الوَقْع فيُحْتَاطُ له، والظاهرُ قبول الشهادة المطْلقة والقَضَاءُ بها، وعلى هذا، فلو شهد شاهدان على ردَّته، فقال: كَذَبَا، أو ما ارْتَدَدتُّ، قُبِلَتْ شهادتهما، ولم يُغْنِه التكذيبُ، بل عليه أن يأتي بما يَصِير به الكافرُ مسلماً، ولا ينفعه ذلك في بينونة زوْجته، وكذا الحُكْم، لو اشترطنا التفصيل، ففَصَّلا، وكذَّبهما المشهودُ عليه، وليس ذلك كما لو شَهِدَ شهودٌ على إقراره