بموافقته 1. وإن لم بيَّنَا قدر السير، وأطلقا العقد، نُظِرَ إن كان في الطريق منازل مضبوطة صح العقد، وحمل عليها، وإن لم يكن فيه منازل، أو كانت والعادة مختلفة فيها لم يصح العقد حتى بيَّنَا أو يقدَّرا بالزمان هذا ما اشتملت عليه الطرق ووراءه شيئان: أحدهما: عن أبي إسحاق أنه قال: إذا اكترى إلى "مكة" في زماننا لم يكن بُد من ذكر المنازل؛ لأن السير في هذا الزمان سياق لا تطيقه الحمولة فلا يمكن حمل الإطلاق عليه.
والثاني: ذكر القاضي أبو الطيب أنه إذا كان الطريق مخوفاً لم يجز تقدير السير فيه؛ لأنه لا يتعلق بالاختيار.
وتابعه على هذا القَاضِي الرُّوياني في "التجريد" وقضيته امتناع التقدير بالزمان أيضاً، وحيئذ يتعذَّرُ الاستئجارُ في الطريق الذي ليس له منازل مضبوطة إذا كان مخوفاً، والقول في وقت السير أهو الليل أو النهار؟ وفي موضع النزول في المرحلة أهو نفس القرية أو الصحراء، أو في الطريق الذي يسلكه إذا كان للمقصد طريقان؟ على ما ذكرنا في قدر السير في العمل على المشروط أو المعهود، وقد يختلف المعهود في فصلي الشتاء والصيف، وحالتي الأمن والخوف، فكل عادة تراعى في وقتها.
وقوله في الكتاب "ويعرف تفصيل السير والسُّري" المراد من السير المسير بالنهار، ومن السُّري المسير بالليل أو المعنى أنه يجب ذكر ذلك، وبيانه إن لم يكن للعرف ضبطاً فيه، وإن كان فيتبع إن أطلقا العقد، أما إذا شرطا خلاف المعهود، فهو المتبع لا المعهود.
قال الغزالي: وَإِنِ اسْتُؤْجُرَ لِلحَمْلِ فَيعَرِّفُ قَدْرَهُ بالتَّخْمِينِ إِنْ كَانَ حَاضِراً، فَإِنْ كَانَ غَائِباً فَبِتَحَقُّقِ الوَزْنِ بِخلاَفِ الرَّاكِب، وَإِنْ كَانَ في الذِّمِة فَلاَ يُشْتَرَطُ معْرِفَةُ وَصْفِ الدَّابَّةِ إِلاَّ إِذا كَانَ المَنْقُولُ زُجَاجاً إِذْ يَخْتَلِفُ الغَرَضُ بصفَاتِ الدَّابَّةِ، وَإِذَا شَرَطَ مأته مَنٍّ مِنَ الحِنْطَةِ بِكَوْنِ الظَّرْفِ وَرَآهُ فَلْيُعَرِّفْ قَدْرَهُ وَوَزنَهُ إِلاَّ إِذَا تَمَاثَلَتِ الغَرَائِرِ بِالعُرْفِ، وإِنْ قَالَ: مِائَةُ من فَهُوَ الظَّرْفِ عَلَى الأَصَحِّ (و).
قال الرافعي: من الأغراض التي تستأجر لها الدواب العمل عليها، فينبغي أن يكون المحمول معلوماً؟ فإن كان حاضراً ورآه المؤجر كفى، وإن كان في ظَرْفٍ وجب أن يمتحنه باليد تخميناً لوزنه، فإن لم يكن حاضراً فلا بد من تقديره بالوزن، أو الكيل
إن كان مكيلاً، والتقدير بالوزن في كل شيء أولى وأحصر، فَلاَ بُدَّ من ذكر جنسه؛ لأن تأثير الحديد والقطن في الدابة.
وإن استويا في القدر 1 فمختلف، فالحديد يَهِدُّ مؤخرة الدابة، والقطن يعمُّها ويتثاقل إذا دخله الريح.
نعم لو قال: أجرتكها لتحمل عليها مائة مما شئت، فأصح الوجهين: أنه يجوز، ويكون رضاً منه بأضر الأشياء، فلا حاجة مع ذلك إلى بيان الجنس وفي "الرقم" أنه يجوز حذاق المَرَاوِزَةِ قالوا: إذا استأجر دابة للحمل مطلقاً جاز، وجعل راضياً بالأضر، وحاصله الاستغناء بالتقدير عن ذكر الجنس، هذا في التقدير بالوزن.
أما إذا قدر بالكيل، فالمفهوم مما أورده أبُو الفَرَج السَّرخَسِيُّ أنه لا يغني عن ذكر الجنس، وإن قال: عشرة أقفزة مما شئت لاختلاف الأجناس في الثقل مع الاستواء في الكيل، لكن يجوز أن يجعل ذلك رضاً بأثقل الأجناس، كما جعل رضاً بالأضر, الأجناس، ولو قال: أجرتك لتحمل عليها ما شئت لم يجز، بخلاف ما إذا أجر الأرض ليزرع ما شاء؛ لأن الدابة لا تطيق كل ما يحمل، وأما ظروف المتاع وحباله، فإن لم تدخل في الوزن، فإن قال: مائة مَنٍّ مِنَ الحِنْطَة، أو كان التقدير بالكيل، فلا بد من معرفتها بالرؤية، أو الوصف إلاَّ أن تكون هناك غرائز متماثلة اطرَّد العرف بأستعمالها، فيحمل مطلق العقد عليها، وإن دخلت في قدر المتاع بإن قال: مائة مَنٍّ من الحِنْطةِ بظروفها صح العقد لزوال الغَرَرِ بذكر الوزن، هكذا ذكر، لكنا إذا اعتبرنا ذكر الجنس مع الوزن وجب أن يعرف قدر الحِنْطَة وحدها، وقدر الظَّرْف وحده، ولو اقتصر على قوله: مائة مَنٍّ، فأصح الوجهين أن الظرف من المائة.
والثاني: أنه وراءها؛ لأنه السابق إلى الفهم، فعلى هذا يكون الحكم كما لو قال: مائة مَنٍّ مِنَ الحِنْطَة، وتصوير المسألة يتفرع على الاكتفاء بالتقدير، وإهمال ذكر الجنس إما مطلقاً أو إذا قال: مائة مما شئت، هذا حكم المَحْمل على الدَّابة.
أما الدابة الحاملة إذا كانت معينة، فعلى ما ذكرنا في الركوب، فإن كانت الإجارة على الذمة، فلا يشترط معرفة جنس الدابة وصفتها، بخلاف ما في الركوب؛ لأن المقصود تحصيل المتاع في الموضع المنقول إليه، فلا يختلف الغرض بحال الحامل، نعم لو كان المحمول زُجَاجاً أو خَزَفاً، وما أشبهها، فلا بد من معرفة حال الدابة، ولم ينظروا في سائر المحمولات إلى تعلُّق الغرض بكيفية سير الدابة بسرعة، أو بُطءٍ، وقوة أو ضعف، أو تخلفها عن القافلة على بعض التقديرات، ولو نظروا إليها لم يكن بعيداً، والكلام في المُعَاليْقِ، وتقدير السير على ما ذكرنا في الاستئجار للركوب.
فرع
:
لو استأجره ليحمل هذه الصُّيْرة إلى موضع كذا كل مكيلة بدرهم، أو مكيلة منها بدرهم، وما زاد فبحسابه صح العقد، كما لو باع كذلك، بخلاف ما لو قال: أجرتك كل شهر بدرهم؛ لأن جملة الصُّبْرَة معلومة محصورة، وليست الأشهر كذلك، ولو قال: لتحمل مكيلة منها بدرهم على أن تحمل كل مكيلة منها بدرهم، أو على أن ما زاد فبحسابه ففيه وجهان عن صاحب "التقريب":
أشبههما: المنع؛ لأن شرط عقد في عقد.
والثاني: الجواز، والمعنى أن كل قفيز بدرهم، ولو قال: لتحمل هذه الصُّبْرَة، وهي عشرة مكاييل كل مكيلة بدرهم، فإن زادت فبحساب ذلك، صح ذلك العقد في العشرة المعلومة دون الزيادة المشكوكة وعلى هذا أَوَّلَ مؤلون قوله في "المختصر": ولو اكترى حمل مكيلة، وما زاد فبحسابه، فهو في المكيلة جائز، وفي الزيادة فاسد.
ومنهم من حمله على ما إذا قال: لتحمل هذه المكاييل كل واحدة بدرهم، فإن قدم إلى طعام فبحساب ذلك.
وعن أبي إِسْحَاق في الزيادات على الشرح حمله على ما إذا قال: استأجرتك لتحمل هذه الصُّبْرة مكيلة منها بكذا، والباقي بحسابه، لكن في هذه الصورة صحة العقد في الجميع؛ لأن الصُّبرة معلومة مشاهدة، والأجرة بالتقسيط.
ولو قال: استأجرتك لتحمل من هذه الصَّبْرة كل مكيلة بدرهم لم يصح على المشهور، وقد مَرَّ في نظيره من البيع أنه يصح في مكيلة واحدة، فيعود هاهنا.
قال الغزالي: وَإِنْ اسْتُؤْجِرَ لِلسَّقْي فَيُعَرِّفُ قَدْرَ الدّلاَءِ وَالعَدَدِ وَمَوْضِعَ البِئْرِ وَعُمْقَهُ، وَإِن كَانَ لِلحِرَاثَةِ فَيُعَرّفُ بِالمُدَّةِ (و) أَوْ بِتَعْيِينِ الأَرْضِ فَيُعَرِّفُ صَلاَبَتَهَا وَرَخَاوَتَهَا وَعَلَى الجُمْلةِ مَا يَتَفَاوَتُ بِهِ الغَرَضُ وَلاُ يَتَسَامَحُ بِهِ في المُعَامَلَةِ يُشْتَرَطُ تعْرِيفُهُ.
قال الرافعي: ومن الأغراض سقي الأرض بإدارة الدُّولاَب أو الاستقاء من البئر بالدَّلْو، فإن كانت الإجازة على عَيْن الدابة وجب تعيينها، كما في الركوب والحمل، وإن كانت في الذمة لم يجب بيان الدابة، ومعرفة جنسها.
وعلى التقديرين فينبغي أن يعرف المكري الدولاب والدلو، وموضع البئر، وعمقها بالمشاهدة، أو الوصف أن كان الوصف بضبطها، وتقدر المنفعة إما بالزمان بإن يقول: للسقي بهذا الدلو من هذه البئر اليوم، أو بالعمل بأن بقول: لتسقى خمسين دلواً من هذه البئر بهذه الدلو، ولا يجوز التقدير بالأرض بأن يقول: لتسقى هذا البستان، أو جزءاً منه؛ لأن رَيَّهُ مختلف بحرارة الهواء وبرودته، وكيفية حال الأرض، ولا تنضبط.
ومنها: الحراثة فيجب أن يعرف المكتري الأرض لاختلاف الأراضي في الصَّلابه والرَّخَاوة، ومَقدار المنفعة إما بالزمان بأن يقول: لتحرث هذه الأرض الشهر 1، أو بالعمل بأن يقول: لتحرث هذه القطعة، أو إلى موضع كذا منها.
وفيه وجه آخر: أن هذه المنفعة لا يجوز تقديرها بالمدة، وبه أجاب الشيخ أَبُو حَامِدِ في "التعليق" والظاهر الأول.
وأما معرفة الدَّابة، فلا بد منها إن كانت الإجارة إجارة عين، وإِن كانت في الذمة، فكذلك إن قدر بالمدة، وجوزناه لأن العمل يختلف بإختلاف حال الدابة، وإن قدر بالأرض المحروثة، فلا حاجة إلى معرفتها.
ومنها: الدِّيَاس فيعرف المكرى الجنس الذي يُرِيْدُ دِبَاسَته، وتقدر المنفعة بالمدة أو بالزرع الذي يدوسه، والقول في معرفة الدابة على ما ذكرنا في الحراثة، والاستئجار للطحن كالاستئجار للدِّيَاسِ.
وقوله في الكتاب: "في الاستئجار للحراثة فيعرف بالمدة" يجوز إعلامه بالواو.
ثم في قوله: "فيعرف بالمدة أو بتعين الأرض فيعرف صلابتها ورخاوتها" مضايقة من جهة أن ما فيه الخيار هو الضبط بالمدة، والضبط بقدر الأرض المحروثه فأما تعيين الأرض فلا بد منه على التقديرين فكان من حق أن يقول بالمدة بتقدير الأرض وتعتبر أو الأرض الأرض بالإشارة عند المشاهدة، وبالوصف أو في الوصف بالمقصود.
وقوله: "على الجملة.... " إلى آخره كلام جملي ذكره ليعرف ما يجب تعريفه في الاجارات شامل لما وقع النص عليه، ولغيره والله أعلم.
البابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ
, وَفِيهِ فصْلاَنِ قَالَ الغَزَاليُّ: أَمَّا فِي الآدَمِيِّ، فَاسْتِئجَارُ الخَيَّاطِ لاَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الخَيْطَ، بَلْ هُوَ عَلَى المَالِكِ، وَاسْتِئجَارُ الحَاضِنَةِ عَلَى الحَضَانَةِ، هَلْ يَسْتَتْبعُ الإِرْضَاعَ؟ وَعَلَى الإِرْضَاعِ، هَلْ يَسْتَتْبعُ الحَضَانَةَ؟ فِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ؛ يُفَرَّقُ في الثَّالِثِ، وَيُقَالُ: الإِرْضَاعُ يَسْتَتْبعُ الحَضَانَةَ؛ كَيْ لاَ يَتَجَرَّدَ العَيْنُ مَقْصُوداً بِالإِجَارَةِ، وَالحَضَانَةُ لاَ تَسْتَتْبعُ الإِرْضَاعَ، فَإنْ صُرِّحَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَوْ قُلْنَا: ذِكْرُ أَحَدِهِمَا كَافٍ في الاسْتِتْبَاع، فَانْقَطَعَ اللَّبَنُ، فَعَلَى وَجْهٍ؛ يَنْفَسِخُ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وَعَلَى وَجْهٍ؛ يَسْقُطُ قِسْطٌ مِنَ الأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ المَقْصُودَيْنِ وَعَلَى وَجْهٍ؛ يَثْبُتُ الخِيَارُ؛ لأَنَّهُ تَابعٌ (و) فَهُوَ كَالعَيْبِ، أَمَّا الحِبْرُ فِي حَقِّ الوَرَّاقِ، وَالصَّبْغُ فِي حَقِّ الصِّبَّاغِ، قِيلَ: إِنَّهُ كَاللَّبَنِ فِي الحَاضِنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَالخَيْطِ.
الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مُوجب الألْفَاظِ المُطْلَقَةِ
قالَ الرَّافِعِيُّ: مَقصُود الباب بيانُ أَحْكام الإجَارة، إذا صحَّت، وهي مندرجة 1 في فصلَيْن ترجمة أولَّهما بموجب الألفاظِ المُطلقة، يعْني ما يقتضي اللفظ دخوله في العقْد، إما بالوَضْع، أو بالعُرْف، وما يلزم إتماماً له إِمَّا على المكتري، أو على المُكْرى، ومسائله مذكررة على الأنواع الثلاثةِ المذكورة في شَرْط العلمْ بالمنْفَعة: النوعُ الأوَّل: استئجار الآدميِّ، وفيه فصلان 2: إحداهما: الاستئجارُ للحضَانَةِ وَحْدَها، والإرْضَاع وحده، وهما جائزانِ، على ما ذكرناه أن المستحق بالاستئجار للإرضاع ما هو؟ وأما الحضانة، فهي عبارةٌ عن حفْظ الصَّبيِّ، وتعهُّده بغسله وغسل رأسِه، وثيابه وخُرُوقه وتطهيره من النَّجاسات وتدْهِينه، وتكْحِيله، وإضْجَاعه في المَهْد، ورَبْطه، وتَحْريكه في المَهْد لينام 3، وإذا أطلق الاستئجارُ لأحدهما ولم ينْف الآخر، ففي
استتباعه الآخَرَ ثَلاثةُ أوْجُهٍ: أصحُّهُما: أن واحداً منهما لا يستتبع الآخر؛ لأنَّهما منفعتان بجواز إفْراد كلِّ واحدة منهما بالإجَارة، فاشبهتا سائر المنَافع.
والثاني: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يستتبع الآخرَ؛ لأنه لا تتولاَّهما في العادة إلاَّ امرأةٌ واحدةٌ.
والثالث: ويُحْكَى عن اختيار القاضي الحُسَيْن أنَّ الاستئجار للإرْضاع يستتبع الحضانة، والحضَانَةُ لا تستتبع الإرْضَاع؛ لأنَّه الإجارة تعْقَد للمنافعٍ دُون الأعْيَان.
فلو لم يستتَبع الإرْضَاع للحضانة لتجرَّد اللبن مقصوداً، ويجوز أن يُمْنَع تجَرُّده مقصوداً؛ لما سبق أنَّ المستحقَّ بالآستئجار للارْضاع عينٌ ومنفعة.
فإن قلنا: إنَّ الإستئجار لأحدِهِما يَستْتبع الآخر، أو استأجر لهما صريحاً، فانقطع اللبن، ففيه ثلاثةُ أَوجهٍ مبنيَّةٍ عَلى ثلاثةِ أوجُهٍ في أن المعقود علَيْه في هذه الإجَارَة ماذا؟ أحدها: أن المَعْقُودَ عَليْه اللَّبن؛ لأنه أشدُّ مقصوداً، والحضانة متابعةٌ، فعلى هذا ينْفَسِخ العقْد عنْد إنقطاع اللَّبَن.
والثاني: أن المعقُودَ عليه الحضانةُ، واللَّبَن تابعٌ؛ لأن الإجارة وُضِعَت للمنافع، والأعيان تقع تابعةً؛ فعلى هذا لا ينْفَسِخ مَنْ العقْد، لكنْ للمستأجر الخيارُ؛ لأنَّ انقطاع اللَّبَن عيْبٌ كما لو استأجر طاحونةَ، فانقطع ماؤها، وأصحُّهما أنَّ المعقود علَيْه وكلاهما لأنَّهما جميعاً مقصودَانِ؛ فعلَى هذا ينفسخ العقْدُ في الإرْضَاع، ويسقط قِسْطُه من الأجرة، وفي الحَضَانة قَوْلاً تفريقِ الصَّفْقة، ولم يفْرِقُوا في حكاية الأوْجه أن يصلاح بالجمع بينْهَما وبين أن يذكر أحدهما، ويحكم باستتباعه للآخَرِ وحَسنٌ أن يفرَّق، فَيُقَالُ: إذا صَرَّح بالجمع بينهما، قطَعْنا بأنَّهما مقصودَانِ من العَقد، وإذا ذكر أحدهما، فهو المقصودُ، والآخرُ تابعٌ، وعلى المرضِعَة أن تأكل وتشْرَب ما يدرُّ به اللَّبَن، وللمكتري أن يكلِّفها ذلك.
الثانية: إذا استأجر وَرَّاقاً، فعلى مَنِ الحِبْرُ؟ يحصُلُ فيه ما ذكره الأئمَّة ثلاثةُ طُرُقُ.
أشبهها: أنَّ الرجوع فيه إلى العادة، فإنِ اضطربَتِ العادةُ، وجب البيان وإلاَّ، فيبطل العقد.
وأشهرهما: القطْعُ بأنَّه لا يجبُ على الورَّاق؛ لأن الأعيان لا تُستَحَقُّ بالإجارة، وأمْرُ اللَّبَن كان على خلافِ القياس للضَّرورة، فإنَّ إفراده بالبَيْع قبل الحلْب ممتنعٌ، وبعده لا يصلح للطِّفْل.
وثالثها: أنه على الخلاف في أنَّ اللبن، هل يتبع الاستئْجار للحَضَانة؟ فهذا أوجَبْناه على الورَّاق 1، فهو كاللبن في أنَّه لا يجبُ تقْديرُه، وإن صرح باشتراطه عليه، كما لو
صرَّح بالإرضاع والحضانة، وإذا لم نوجبْه عليه، فلَوْ أنَّه شُرِطَ علَيْه، فسَد العقْدُ إِنْ لم يكنْ معلوماً، وإن كان معلوماً، ففيه طريقَانِ:
أحدُهُما: وبه قال ابْنُ القاصِّ: يصحُّ العقد؛ لأن المقصود فِعْل الكتابة، والحبر تابع كاللبن.
والثاني: أنه شراءٌ واستئجار، وليْسَ الحِبْرُ كاللبن؛ لإمْكان إفراده بالشراء.
وعلَى هذا، فيُنْظر؛ إن قال: اشتريْتُ منْك هذا الحِبْرَ على أن تكتب به كذا، فهو كلما لو اشترَى الزَّرْع بشرط أن يحْصُدَه البائع.
ولو قال: اشْتريْتُ هذا الحِبْر، واستأجرتُكَ؛ لتكتب به كذا بعَشَرةٍ، فهو كما لو قال: اشتريْتُ الزرع، واستأجرتُكَ لتحصُدَه بعشَرَة.
ولو قال: اشتريتُ الحِبْرَ بدرهم، واستأجرتُكَ لتكتب به بعَشَرة، فهو كلما لو قال: اشتريتُ الزَّرْع بعَشَرة، واستأجرتُكَ لتحصده بدرهم، وحكم الصور 1 مذكورٌ في البَيْع.
وإذا استأجر الخيَّاط، والصباغ، وملَقِّح النَّخْل، والكحَّال، فالقول في الخيْط، والصبْغ، وطلْع النخل، والذرور 2 كما ذكرنا في الحِبْر، هذا هو المَشْهور.
وفَرَق الإمام وشيْخُه بين الخيط وبين الحِبْر والصبغ قاطعاً بأنَّ الخَيْطَ لا يجبَ على الخَيَّاط، وعَلَى ذلك جَرَى صاحب الكتابِ، وأوْرَد في الحِبْر والصبغ الطريقَ الثَّانِي والثالِثَ من الطرق الثلاثة التي أورَدْنَاها.
قوله: فقَدْ قِيلَ: إنَّه كاللَّبَن في حقِّ الحاضنة والثاني قولُه: "وقِيلَ كالخيْط" وكان سَببُ الفرق بين الخيط وبينهما أن العادة الغالبةَ في الخيط خلافُ العادَة الغالبة فيهما.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا الدُّوْرُ فَعِمَارَةُ الدَّارِ بإقَامَةِ مَائِلٍ، أَوْ إِصْلاَحِ مُنْكَسِرٍ عَلَى المُكْرِي، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِ بِنَاءٍ أَوْ جِذْعٍ فَإنْ فَعَلَ اسْتَمرَّتِ الإِجَارَةُ، وَإِنْ أَبَي فَلِلْمُكْتَرِي الخِيَارُ، فَإنْ أَرَادَ إِجْبَارَهُ عَلَى الْعِمَارَةِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الأَظْهَرِ، وَكَذَا إِذَا غَضَبَ الدَّارَ لَمْ يَلْزَمْهُ الانْتِزَاعُ وَإِنْ قَدَرَ وَلَكِنْ لِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ، وَيَجبُ عَلَى المُكْرِي تَسلِيْمُ المُفْتَاحِ، فَإِنْ ضَاعَ في يَدِ المُكْتَرِي فَهُوَ أَمَانَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى المُكْرِي إِبْدَالُهُ، وَلَوْ أَجَّرَ دَاراً لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَمِيزَابٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُهُ، فَإِنْ جَهِلَهُ المُكْتَرِي فَلَهُ الخِيَارُ.
قَالَ الرافِعِيُّ: النَّوْع الثَّانِي: استئْجَار العقار، وهو ينْقَسِم إلَى: مبنىَّ؛ كالدَّار
والحَمَّام وإلى غيره، وهو الأرَاضِي الييضُ.
أمَّا الأوَّل، ففيه مسْأَلَتَان:
إحداهما: ما تحتاجُ إِلَيْه الدار المكراةُ مِنَ العمارات ثلاثةُ أضرب:
أحدهما: مَرَمَّة لا تحتاج 1 إلى عين جديدة؛ كإقامة جدار مائل 2 وإصلاح جذع منكسي، وغَلْقٍ تعسر فتحه.
والثاني: يحوج إلى عَيْن جديدةٍ؛ كبناءٍ؛ وجذع جديد، وتطيين سطح، والحاجة في الضربين لخلل عَرَضَ في دَوَام الإجَارَة.
والثالثُ: عمارة ما يحتاجُ إليها لخللٍ قارن العَقْد، كما إذا أجَّرَ داراً ليس لها بابٌ أو ميزابٌ 3، ولا يجب شَيْءٌ من هذه الأضْرُب على المكتري، وإنَّما هي من في وظيفة.
المكْري، فإن بادر إلى الإصْلاح، فلا خِيَارَ للمكْتَرِي، وإلاَّ، فله الخيارُ إذا انتقضت المنفعة، حتَّى لَو تَوكَّفَ 4 البيْت، لترك التطيين، فعن الأصْحَاب أنَّ للمكتري الخِيَار إفإذا انقطع، بطَل الخيارُ إلاَّ إذَا حدث بسببه نقْصٌ، وإنَّما يثبُت الخيارُ في الضَّرْب الثالث، إذا كان جاهلاً بالحال في ابتداء العَقْد.
وهل يُجْبَرُ المكري على هذه العمارات ذكر صاحبُ الكتابِ والإمامُ -رحمهما الله- أنه يُجْبَر على الضرب الأوَّل، ولا يجبر على الثالث؛ لأنه لم يلزمه من الابتداء، وفي الثاني وجهان، وكذلك ذكر الشيخُ أَبُو الفَرَجِ السَّرْخسِيُّ إلاَّ أنَّ كَلاَمَه يوهم طرْدَ الوَجْهَيْن في الضَّرْب الثالث.
أحَدُهما، وبه قال الشيخ أبو محمد، والقاضي حسين: أنه يجبر توفيراً للمنْفَعة.
وأظْهَرُهما، ويُحْكَى عن أبي حَنِيفةَ رضي الله عنه المنع؛ لما فيه من إلزامه تسليمَ عَيْنٍ لم يتناولْها العَقْد، وأُجْرِيَ الوجهان فيما إذا غَصَب الدَّار المستأجَرَة، وقَدَر المالِكُ على الانتزاع، هل يُجْبَر عليه 5؟ ولا شكَّ أنَّه، إذا كان العَقْدُ عَلى شيءٍ موصوفٍ في الذِّمَّة، ولم ينتزع ما سلَّمه يطلبَ إقامة غيره مُقامه.
وأجاب مجيبون في الأضْرُب كلّها بأن المكري لا يُجْبَر عليها، ومنْهم صاحب "التهذيب"، وأبو سعْدٍ المتولِّي،
ويجوز أن يعلم قولُه: "وإصلاح منكسر عَلَى المُكْرِي لذلك.
وحكى الإمامُ؛ تفريعاً على الطَّريقة التي اقتضاها وجهَيْن في الدّعامة المانعة للانهدام، إذا احتيج إلَيْها أنَّه يعدُّ من الضرب الأول أو الثاني.
ويجبُ على المكري تسليمُ مفْتاحِ الدار للتمكين مِنَ الانتقاع، بخلافِ ما إذا كانتِ العَادةُ فيه الإقفال؛ حيثُ لا يجبُ تسْلِيم القُفْل؛ لأنَّ الأصْل ألاَّ تدخَل المنقولاتُ في العَقْدِ الواردِ على العَقَّار، والمفتاح جُعِلَ تابعاً للغلق، فإذا سلّمة، فهو أمانةٌ في يد المكتري حتَّى لَوْ ضاع من غَيْر تقصير، لم يلزمْهُ شيءٌ، وإبداله من وظيفة المكْري، وهَلْ يُطَالب به؟ فيه الخلافُ المذكورُ في العِمَارات 1، فإن لم يبدلْه، فللمكترى الخيارُ.
وقوله: "ولَيسَ على المكري إبدالُهُ" جواب على أظهر الوجهَيْنِ، فيجوز أنْ يُعْلم بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَطْهِيْرُ عَرْصَةِ الدَّارِ عَنِ الْكُنَاسَةِ وَالثَّلْجِ الخَفِيفِ وَالأَتُونِ عَنِ الرَّمَادِ عَلَى المُكْتَرِي، وَتَسْلِيمُ الدَّارِ وَبِئْرِ الحُشِّ وَالبَالُوعَةِ خَالِيَةً عَلَى المُكْرِي، فَإنِ امْتَلأَ فَفِي وُجُوبِ تَفْرِيغِهِ عَلَى المُكْرِي لِبَقِيَّةِ المُدَّةِ خِلاَفٌ، وَإذَا مَضَتِ المُدَّةُ عَلَى المُكْتَرِي التَّفْريغُ مِنَ الكُنَاسَاتِ وَلاَ يَلْزَمُهُ تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالحُشِّ، وَمُسْتَنْقَعُ الحَماَّمِ كالحُشِّ، وَرَمَادُ الأتُونِ كَالكُنَاسَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةَ الثانيةُ: تطهير الدارِ عَنِ الكناسة والأتُون 2 عن الرماد.
في دَوَام الإجارة على المُكْترِي؛ لأنَّهما حصَلا بفعْله، فإنْ أراد أنْ يَكْمُل له الانتفاعُ، فليرفعهما وكَسْحِ الثلج عن السطحَ من وظيفة المكْرِي لأنَّه عمارةُ الدارُ، فإن تَرَكَه على السَّطْح 3 وحدث به عَيْبٌ، فللمكتري الخِيَارُ 4.
قال الإمامُ: وهلْ يُجْبَر عليه، ويُطَالَب به؟ فيه مَا مَرَّ من الخِلاف في العمارة.
وفيه وَجْهٌ أنَّا لا نوجب عليه الكَسْح وإن أوجبنا العمارة، فإنَّ إيجابها لتعودَ الدار إلى ما كانَتْ، وليْسَ الكَسْحُ بهذه المَثَابة.
وأمَّا الثَّلْجُ في عَرْصَة الدار، فإنْ خَفَّ، ولم يمنع الانتفاع، فهو مُلْحَقٌ بكَنْس الدَّار، وإن كشف، فكذلك على الظاهر.
ومنهم من ألحقه بِتَنْقِيَةِ البالوُعَة، وفيها خلافٌ يأتي لأنَّه يمنع التردُّد في الدار، وإن أخذنا بظاهِرِ المذهْبَ، فقوله في الكتاب: "عن الثلج الخفيف" ليس مذكوراً للتَّقْييد.
ويَجِبُ على المكْرِي تَسْلِيمُ الدارَ، وبالوعتُها فارغة، وكذا الحُشُّ، ليثبت التمكُّن من الانتفاع، وإن كان مملوءاً، فللمكتري الخيار، وكذا مستنْقَعُ الحمَّام، وهو الموضِعُ الذي تنصبُّ إليه الغَسَّالة، وإذا امتلأَتِ البالوعةُ، والحُشُّ، ومستنقع الحمام في دوام الإجارة، فوجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة رضي اللهُ عنه، واختاره القاضي الرُّويانيُّ أَنَّ التفريغَ على المكري تمْكِيناً من الانتفاع من بقيَّة المرة (1) فإن لم يفْعَلْ، فللمكتري الخيار، وأظهرُهما، وبه أجاب القاضي المَاوَرْديُّ، وابْنُ الصَّبَّاغ، والمتولِّي: أنَّهُ على المكتري لأنَّ الامتلاء حصَل بفعْله، فصار كنقل (2) الكُنَاسَات، فإنْ تعذَّر الانتفاعُ، فلينقِّ، ولا خِيَارَ له.
وفيه وجه: أنَّ له الخيارَ، ولا يجبُ على المكتري تنقية البالوعة، والحُشِّ عند انقضاء المُدَّة، ويجبُ عليه التطهيرُ من الكناسات ومستنْقَعُ الحَمَّامِ لا يجب تفريغه؛ كالحُشِّ.
وذكر الإمامُ، وصاحب الكتاب أن رماد الأَتُونِ كالكُنَاسة، حتى يَجِبَ نقله عنْد انقضاء المدَّة.
وفي "التهذيب" أنَّه لا يجبُ، ويخالف القِمَامَاتِ [لأن طرحَ الرِماد من ضرورة استبقاء المنفعة، وفسروا الكناسة التي يجب على المكتري تطهير الدار عنها] (3) بالقُشُور، وما يسقط من الطعام ونحوه دُون التراب الذي يجتمع بهبوب الرِّياح؛ لأنه حَصَل لا بفعله، لكن قد مَرَّ في ثلْج على العَرْصَة؛ أنه لا يجبُ على المُكْتَرِي نقْلُه، بل هو كالكناسات (4) مع أنه حَصلَ، لا بفعْله، [فيجوز أن يكون التُّرَابُ -أيضاً- كالكناسات في إنهاء الإجارة، وإن حَصَل لا بفعْله (5)].
فرع
:
الدار المكتراةُ للسُّكْنى لا يجوز طرْحُ الرمادِ والترابِ في أصْلِ حِيطانها, ولا ربْطُ الدواب فيها، بخلاف وضْع الأمتعة.
وفي جواز طرْحِ ما يسرع إليه الفساد في الأطْعمة وجهان: أصحُّهما: الجوازُ؛ لأنه معتاد.12345
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا الأَرَاضِي إِذَا اسْتُؤْجِرَتْ لِلزِّرَاعَةِ وَلَهَا شِرْبٌ مَعْلُومٌ فَالعُرْفُ فِيهِ الاِتِّبَاعُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ، وَإِنْ كَانَ العُرْفُ مُضْطَرباً فالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُتَّبَعُ، وَقِيل: إِنَّ لَفْظَ الزِّرَاعةِ كالشَّرْطِ لِلشرِّبِ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ لِأَجْلِ هَذَا التَّرَدُّدِ.
قال الرَّافِعِي: القسم الثَّاني: الأراضي البِيضُ، فمنْ مسائله:
قال الغزاليُّ: إذا استأجر أرْضاً للزِّرَاعة، ولها شِرْبٌ معلومٌ,.
فإنْ شُرِطَ دخوله في العقد 1، أو خروجُه، أَتُّبع الشرط، وإلاَّ فإن اطردت العادةُ باتباعه الأرضَ أو انفراده، اتُّبِعت، وإن اضطربت، فكانت الأَرْضُ تُكْرَى وَحْدَها تارةً، ومع الشّرْب تارةً أخرى، ففيه ثلاثةُ أوجه:
أظهرُها: أنَّه لا يُجْعَل الشِّرْب تابعاً اقتصاراً على موجِبِ اللفظ، وإنما يزاد عَليْه بعُرْفِ مُطَّرد.
والثاني: -وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجعل تابعاً؛ لأنَّ الزراعةَ مفتقرةٌ إليه فالإجارة للزراعة كشرط الشِّرْب.
والثالث: أنَّ العَقْدَ يبطلُ من أصله؛ لأن تعارضَ المعنيين يوجبُ جهالة المقصُود.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ مَضَتِ المُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَاقٍ وَإِنَّمَا بَقِيَ لِتَقْصِيرِهِ في الزِّرَاعَةِ قَلَعَ مَجَّاناً، وَإِنْ كَانَ لِغَلَبَةِ البَرْدِ لَمْ يَقْلَعْ مَجَّاناً فَإنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ، وَإِنِ اسْتُؤْجِرَ لِزِرَاعَةِ القَمْحِ شَهْرَيْنِ فَإِنْ شَرَطَ القَلْعَ بَعْدَ المُدَّةِ جَازَ وَكَأنَّهُ لاَ يَبْغِي إِلاَّ القَصِيلَ، وَإِنْ شَرَطَ الإِبْقَاءَ فَهُوَ فَاسِدٌ لِتَّنَاقُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّأْقِيتِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَقِيلَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ وَيُنَزَّلُ عَلَى القَلْعِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَفْسُدُ إِذِ العَادَة تَقْضِي بالإِبْقَاءِ، وَكَذا إنْ آجَرَ للبِنَاءِ وَالغِرَاسِ سَنَةً أَوْ سَنَتَينِ اتَّبَعَ الشَّرْطَ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَهُوَ كَالزَّرْعِ الَّذِي يَبْقى، وَحَيْثُ صَحَّحْنَا فَفِي جَوَازِ القَلْعِ مَجَّاناً بَعْدَ المُدَّةِ خِلاَفٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ يَقْلَعُ كَمَا في العَارِيَّةِ المُؤَقَتَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَقْلَعُ إِذْ فَائِدَةُ التَّأْقِيت فِي العَارِيَّةِ طَلَبُ الأُجْرَةِ بَعْدَ المُدَّةِ وَلاَ فَائِدةَ هَاهُنَا إِلاَّ القَلْعُ، فَإِنْ قُلْنَا: لا يَقْلَعُ مَجَّانًا فَهُوَ كَالمُعِير يَتَخَيَّرُ بَيْنَ القَلْعِ بِالأَرْشِ أَوِ الإبْقَاءِ بأُجْرَة أوِ التَّمَلُّك بِعوضَ، وَمُبَاشَرَةُ القَلْعَ أَوْ بَدَلُ مُؤْنَتِهِ عَلَى الآجِرِ أو المُسْتَأَجِرْ فِيهِ خِلاَفٌ، فَإِنْ مَنعَ المُسْتأَجِرُ مَا عَيَّنَهُ الآجِرُ قيلَ: إِنَّهُ يَقْلَعُ مَجَّانَاَ تَفْرِيغاً لِمِلكِهِ، وَالأَقْيَسُ: أنَّه يُقْلعُ ويَغْرَمُ لَهُ وَلاَ يَبْطُلُ حَقُّهُ بِامْتِنَاعِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل صورتان:
إحداهما: إذا استأجر أرضاً للزراعة، فانقضتَ المدَّة ولم يدْرِك الزَّرعَ، فلا يَخْلُو، إمَّا أن يكون الاستئجارُ لزراعةِ زرْع معين، أو للزراعةِ مُطلقاً، أَمَّا في الحالة الأولى، فلعدم الإدراك أسباب:
إحداها: التقصير في الزراعة.
بأنَّ أخَّرها حتى ضاق الوَقْت، أو أبْدل الزَّرْع المعَّين بما هُوَ أبْطَأُ إدراكاً أو أكله الجَرَادُ، فزرعه ثانياً، فللمالك إجبارُه علَى قلْعِه، وعلى الزارع تسويةُ الأرْضِ، كالغاصب، هذا لفْظه في "التهذيب"، وقضيَّة إلحاقه بالغَاصِب أن يقلع زرعه قَبْل انقضاء المدَّة أيضاً، لكن صَاحِبَ "التَّتمَّة" وغيرَه صرَّحوا بأنه لا يقْلَعَ قبل انقضاء المدة؛ لأنَّ الأرْضِ في الحال 1 لهُ.
وللمالك منعُه من زراعةِ ما هُوَ أبطأ إدْراكًا في الابتداء، وهل له المنْعُ من زراعة النَّوْع المعيَّن إذا ضاق الوقتُ؟ فيه وجهان؛ لأنَّه استحقَّ منْفعةَ الأرْضِ في تلْك المدة 2، وقد يقْصِد القَصِيلَ 3.
والثاني: أن يكونَ تأخُّر الإدراك لِحَرٍّ أو بَرْدٍ، فالظَّاهرُ، وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجبر على القَلْع، بل على المالِك الصَّبْرُ إلى الإِدراك مجَّاناً، أو بأُجْرة المِثْل.
وفيه وَجهٌ أنَّه يقْلَع مجَّاناً؛ لأنَّه لم يرْضَ بشغْل ملكه فيما وراء المدَّة، ومن هذا القبيل ما إذا أكل الجرادُ رُؤوس الزَّرْع، فنبتت ثانياً، وتأَخَّر الإدراك وكذا التأخُّر لكثرة الأمطار.
والثالث: أن يكون ذلك الزَّرع، المعيَّن، بحيث لا يدرك في المدَّة كما إذا استأْجر لزراعة الحِنْطة شهرَيْن، فإنه شرط القَلْعَ بعْد مضىِّ المدة، جاز، وكأَنَّه لا يبغي إلاَّ القَصِيل ثُمَّ لو تراضَيَا على الإبْقَاء مجَّاناً أو بأجْرة المثْل، فلا بأْسَ، وإن شرطا الإبْقاء، فَسَدَ العَقْدُ، للتناقض بينه وبين التوقيت، ولجهالة غاية الإدراك، ويجيء فيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى، وإذا فسد العقد فللمالك منعه من الزِّراعة، لكن لو زَرَع، لم يقلع زرْعه مجَّانًا للإذْن، بل يُؤخَذُ فِيه أُجْرة المِثْل لجميع المُدَّة وإن أطلقا العَقْد، ولم يتعرَّضا لقلْعٍ، ولا إبقاءٍ، فوجهان:
أحدهما: وبه قال الشَّيْخ أبو محمَّد: أنَّه فاسدٌ؛ لأنَّ العادةَ في الزَّرْع الإبقاءُ مجاناً، فهو كما لو شرطا الابقاء.
وأصحُّهما: أن العقد صحيحٌ؛ لأن التأقيت لحصر المعْقُود علَيْه في منفعة تلْك المدَّة، فعلى هذا، إن توافقا بعد المدَّة على إبقائه مجاناً أو بأجْرة فذَاك، وإنْ أراد المالكُ إجبارَهُ على القلْع، فوجهان:
أحدهُما: وبه قال أبو إسحاق: أنَّه يتمكَّنُ منه لانقضاءِ المدَّة التي تناولها العقْدُ، وهذا ما يوافقُ قولَهُ في الكتاب "وينزل على القلع".
وأشبههما، ويُحْكَى عن اخْتيار القَفَّال: أنَّه لا يتمكَّن منه؛ لأنَّ العادة في الزَّرْع الإبْقاء، وعلى هذا فأظْهر الوجهَيْن: أن له أُجْرَةَ المثْل؛ للزيادة.
وفي وجْهٍ: لا؛ لأنَّه إذا أجَّر مدة، لا يدرك فيها الزَّرْع كان معتبراً للزيادة على تلْك المدة.
قال أبو الفَرَج السِّرْخَسىُّ: إذا قلْنا: لا يقلع بعْد المدَّة لزم تصحيح العقد فيما إذا شرط الإبقاءَ بعْد المدَّة، وكأنه صرَّح بمُقْتضَى الأطْلاَق، وهذا حسن.
والحالة الثانية: إذا استأْجر للزِّراعة مطْلَقاً، وفرَّعنا على أظهر الوجْهَيْن، وهو صحته، فعليه أن يزرع ما يدرك في تلك المدة، فإن زرعه وتأخر إدراكه لتقصير أو لغيره تقصير 1، فعلى ما ذكرنا في الزَّرْع المعيَّن، فإن أراد أن يَزْرع ما لا يدرك في تلْك المدَّة فللمالِك مَنْعُه، لكن لو زرع، لم يقلع إلى انقضاء المدِّة.
وقال الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرازيُّ يُحْتَملَ ألا يُمْنَع من زَرْعِهِ كما لا يَقْلَعُ إذا زَرَعَ.
الصُّورةُ الثَّانيَةُ: إذا استَأْجَر للبِنَاء، أو الغراس، فإما أن يشترطا القلع بعد المدَّة، أو يشترطا الإبْقَاء، أو يسْكُتَا عنهما، أَو يُطْلِقا العقْد، إن شرط القلع، صحُّ العقْد، وَأُمِرَ المستأجر بالقَلْع بعدْ المدَّة، وليْسَ على المالك أَرْشُ النُّقْصان، ولا على المُسْتَأْجر تسوية الأرْضِ، ولا أرْش نقصانها وإن نقصت لتراضيهما بالقلْع، وإن شَرَطا الإبْقَاء بعْد المدَّة، فوجهان:
أَحَدُهُمَا: أن العَقْدَ فاسِدٌ لجهالة المدة، وهذا أرجحُ في إيراد جَمَاعةٍ، منهم الامامُ وصاحبُ "التهذيب".
والثاني: يصحُّ؛ لأنَّ الإطلاق يقتضي الابْقَاء على ما سيأْتي، فلا يضرُّ شرطه، وهذا ما أجاب به العراقيُّون كُلُّهُمْ، أو معظمهم 2 ويتأيَّد به كلام السَّرْخَسِيّ في "مسألة الزرع".
وإذا قلْنا بالفساد، فعلى المُسْتَأْجر أجرةُ المِثْل للمدَّة، وفيما بعد المدَّة، الحكم على ما سنذكره فيما إذا أطْلَقا العقد، وإنْ أطْلَقَا العقْد، وسكتا عن شرْط القَلْع، والابْقَاء، فلفظ صاحب الكتاب 1 حيث قال: "فإن أطْلق، فهو كالزرع الذي 2 يبقى ظاهر الاشعار بأنَّ صحَّة العقْد على وجهَيْن، كما إذا أُطْلِق الاستئجارُ لزراعة ما لا يُدْرَك في المدة، وإيراد الجمهورِ يُشير إلى القَطْع بالصحَّة، والصحيح الصَّحة؛ إذ لا اختلاف 3 فيها، ثم يُنْظَر بعد المدَّة، فإن أمكن القَلْع والرفْع منْ غَيْر نقصان [الأرض] فعل، وإلا، فإن اختار المستأجِر القَلْعُ فله ذلك؛ لأنَّه ملكه، وإذا قلع، فهل عليه تسْوية الحَفْر وأرْشُ نقصان الأرض؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي ابنُ كج، وغيره، وهما كالوجهَيْن فيما إذا رغب المستعير في القلْع عنْد رجوع المعير، وهل عليه التسوية؟ الأصحُّ المنصوصُ الوجوبُ؛ لتصرُّفه في أرض الغير بالقَلْع بعْد خروجها منْ يده، وتصرُّفه بغير إذْن المالك، وعلى هذا، فلو 4 قلع قبل انقضاء المدَّة، فيلزمُه التَّسْوية؛ لأنَّ المالك لم يأذَنْ، أوْ لا يلزمه لبقاء الأرْضِ في يده وتصرُّفه؟ فيه وجهان:
أًصحُّهما: الأولُ.
وإن يختر 5 المستأجر القلْعَ، فهل للمؤجِّر أن يقلعه مجَّاناً؟ فيه وجهان 6، نقلهما الإمامُ وصاحبُ الكتاب كما في صورة الزَّرْع:
أحدُهُما، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنىُّ رضي الله عنهما أنَّ له ذلك؛ لأنَّ مدة استحقاق المَنْفعة قد انقضَتْ.
وأصحُّهما: وقطع به قاطعون: أنَّهُ لا يقلع مجَّاناً؛ لأنَّه بناءٌ محترمٌ, لم يَشْتَرطْ قلْعَه, وهذا كما ذكرْنا في العاريَّة المؤقَّتة, فإنَّ ظاهر المذْهَب فيها أن بناء المستعير لا يقْلع بعد المدَّة مجاناً.
ومن قال بالأوَّل فَرَق بأن فائدة التأقيت في الإعارة طلب الأجرة بعد المدَّة، وهاهنا الأُجْرَةُ لازمةٌ في المدَّة، فلا فائدة إلى القَلْع ولناصر الأصح أن يمنع قوله الفائدة في الإعارة طلبُ الأجْرَة بعد المدَّة، وأن الفائدة هاهنا القلْعُ لجواز أن يكُون الغرض في الصورتَيْن المَنْعَ من إحداث الغراسِ، والبناء بعد المدَّة، وأن يكونَ الغَرَضُ هاهنا العدول إلى أجرة المثْل بعْد المدَّة، وإن قلْنا: لا يقلع مجَّاناً، فالكلام في أنَّ المالِك
يتخيَّر بين أن يقْلَع وُيغَرَّم 1 أرْشَ النقصان مع نُقْصَان الثِّمار، إن كانت على الأشْجَارِ ثمارٌ، أو يتملَّكه عليه بالقيمة، أو يبقيه بأُجْرةِ يأخُذُها أو لا يتخيَّر إلا بين الخصلتين الأولين من الخصال الثلاثة على ما ذكرنا فيما إذا رَجَع المعير 2 عن العارية فإذا انتهى الأمرُ إلى القَلْع فمباشرة القلع، أو بدل مؤنته على المُؤجّر أو المستأجر، فيه 3 وجهان مستتْبَطَان منْ كلام الأصْحَاب:
أحدُهُما: على المؤجّر؛ لأنَّه الذي اختاره.
وأصحُّهما: على المُسْتَأْجر؛ لأنه الذي شغل الأرْض فليفرغْها, إذا عيّن المؤجِر خصلة، فامتنع المستأجرُ، ففي إجباره ما ذكَرْناه في إجْبَار المُسْتَعير، فإنْ أُجْبِرَ كلِّفَ تفريغ الأرْضِ مجَّاناً، وإلاَّ، لم يكلَّف، بل هو كَمَا لو امتنع المؤجّر من الاختيار وحينئذ، يبيع الحاكمُ الأرْضَ وما فيها، أو يعوِّض عنها، فيه خلافٌ قد مَرَّ، ويخرَّج من ذلك عند الاحتصاد في التفريغ مجَّاناً وجْهان كما ذكرنا في الكتاب.
أحدهُما: يكلَّف ذلك، ليرُدَّ الأرض كما أَخذ، وهذا ما أجاب به في كتاب العارِيَّة.
وأقيسهما: المنعْ ولا يبْطُل حقُّه من العوض باقْتناعه، كما أنَّ من منع المضْطَرَّ طعامه يُؤْخَذَ منه قهْراً، ويسلَّم إليه العِوَضُ، والإجارةُ الفاسدةُ لِلغراسَ والبناءِ كالصحيحة في تخيير المالك، ومنع القلع مجَّاناً.
وقوله في الكتاب: "وكذا إن آجر للغراس والبناء سنةً أو سنتَيْنِ، اتَّبَعَ الشَّرْط أراد به أنه إذا آجَرَ بشرط القلْع يَتْبَع الشَّرْط، وكذلك، إن آجَرَ بشَرْط الابقاء، إذا أوجَبْنا بأنَّ العَقْدَ لا يفْسُد بهذا الشَّرْط، وذلك بين 4 من سياق الكَلاَم، والتَّمْثيل بالسنتين مبني علي جواز الإجارة أكْثَرَ من سَنَة.
وقوله: "وإن أطلق فهو كالزرع الذي يبقى"، أي: كالإِجَارَة لزرْع ما لا يُدْرَك في المدَّة التي عيَّنَّاها، فإنَّ العادة التبقية إلى الإدْراك.
وقوله: "لا يقلع كما في العاريَّة" مُعْلَم بالحاء والزاي.
وقوله: "يتخير بين القلع... " إلى آخره بالميم؛ لأن الحكاية عَنْ مالك رضي الله عنه أن [صاحب الأرض] 5 بالخيار بيْن أن يقْلَع منْ غَيْر ضمانِ النُّقْصَان، وبين 6 أن
يتملَّك بالقيمة، وبين أن تبقى الأشجارَ عَلَى أن تكون الثِّمارُ بينهما.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضاً لِلذُّرَةِ فَلَهُ زَرْعُ الْقَمْحِ، وَلَوِ اسْتَأَجَرَ لِلْقَمْحِ لَمْ يَجُزْ زَرْعُ الذُّرَةِ وَلَهُ الشَّعِيرُ، وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دُكَّاناً لِصَنْعَةِ فَلاَ يُبَاشِرُ مَا ضَرَرَهُ فَوْقَهَا، وَيَفْعَلُ مَا ضَرَرَهُ دُونَهُ، فَلَوِ اسْتَأْجَرَ لِلْقَمْحِ فَزَرَعَ الذُّرَةَ فَللِآجِرِ القَلْعُ في الحَالِ، فَإنْ لَمْ يَقْلَعْ حَتَّى مَضَتِ المُدَّةُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أُجْرَةِ المِثْلِ وَبيْنَ أَخْذِ المُسَمَّى وَأَرْشِ نَقْصِ الأَرْضِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَتَعَيَّنَ أَجْرُ الْمِثْلِ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ المُسَمَّى وَأَرْشُ النَّقْصَ وَالنَّصُّ هُوَ الأَوَّلُ؟ وَلَوْ عَدَلَ مِنَ الزَّرْعِ إِلَى الغَرْسِ يَتَعَيَّنُ أَجْرُ الْمِثْلِ إِذْ تَغَيَّرَ الجِنْسُ، وَلَوْ عَدَلَ من خَمْسِينَ مَنَّاً إلَى مَائَةٍ في الحَمْلِ تعَيَّنَ المُسَمَّى وَطَلَبَ الزِّيَادَةَ لأنَّهُ اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عَلَيْهِ وَزَادَ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا اسْتأْجر أرْضاً لزراعة جِنْسٍ مُعَيَّنِ جاز له أن يزرعه، وما ضرَرُه مثل ضرره، أو دون ذلك، ولا يزرع ما ضرَرُه فوقه، وضررُ الحِنْطة فوْقَ ضَرَرِ الشعير، وكلُّ واحدٍ من الذُّرَة والأُرزْ أشدُّ ضَرَاً من الحِنْطة.
أمَّا الذُّرة، فلأنَّ لها عُروقاً غليظةً تنتشرُ في الأرض ويستوفي قوَّته.
وأمَّا الأرزُ؛ فلأنَّه يحتاجُ إلى السَّعْي الدَّائم، وأنه يذْهَب بقوة الأرْض.
وعن البُوَيْطىِّ، أنه لا يجوزُ العُدُول إلى غير الزرعِ المعيَّن، فمن الأصحاب من قال: إنَّه قولُ الشافعيِّ -رضي الله عنه- رواية ومنْهُمْ من قال: رأى رآه، ووجْهُ ظاهرِ المذْهَب أن المعقود علَيْه منفعةُ الأرْضِ، والمزْرُوعُ طريقٌ في الاستيفاء، فلا يتعيَّن، كما أنه إذا كان له حقٌّ على غيره يتخير بيْن أنْ يستَوفِيَه بنَفْسِه، أو بغَيْره، هذا في تعيين الجنْس، أو النَّوْع.
أما إذا عيَّن الشَّخْص كما إذا قال: أجرتكها؛ لتزرع هذه الحنطة، فعن ابن القطان أن صحَّة العقْد على وجهَيْن:
أحدُهُمَا: المنْعُ؛ لأنَّ تلْكَ الحِنْطَة قدْ تتلْفَ، فيتعذَّر الزَّرْعُ.
والثاني: وهو اختيارُ القاضي ابن كج: أنَّهُ كتعيين الجِنْس، ولا تتعذر الزراعة بتَلَفِ تلْك الحنْطة 1، والأوَّل هو الذي أجاب به في "التهذيب" إلاَّ أنَّهُ صوَّرهما فيما إذا قال: نزرع هذه الحنْطَةَ دُون غَيْرِها، فصرَّح بنفْي زراعة الغير.
ولو قال: نزْرَع الحِنْطة، ولا نزْرَع غَيْرِها، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ:
أحدُها: أنَّه يَفْسُد العَقْدَ؛ لأنَّ الشَّرْط، إذَا لم يكُنْ مِنْ قضايا العقْدِ، ولا مِنْ مصالِحِهِ يَفْسد، والإِجارةُ تَفْسُد بالشُّروط الفاسدَةِ كالبيع، وذكَرَ القاضي ابْنُ كج والروَيانيُّ 1 أنَّه المذْهَبُ.
والثَّاني: واختاره الإمامُ: أنه يَصحُّ العقْدُ، ويفْسُد الشَّرط؛ لأنه شرط لا يتعلَّق به غَرَضٌ، فأشبه ما إذا قال: آجَرْتُكَ على ألاَّ تلْبَسَ إلا الحرير.
والثالث: أنَّهُ يصحُّ العقْد والشرط؛ لأنَّ المستأْجِر يملك المنْفَعَة منْ جهة المؤجِّر، فيملك بحَسب التَمْلِيك 2.
وعلى هذا قياسُ استبقاء سائر المنافع، فهذا استأْجَر دابَّةً للركُّوب في طريقٍ، لم يركبها في طريق أحزن منه 3 ويركبها في مثل ذلك الطريق، وفيما هو أسهلُ منْه.
وإذا استأْجرَ لحَمْلِ الحديدِ، لم يحمل القطْن، وكذا بالعكْسِ، وإذا استأْجرُ دُكَّانًا، لصنعة، فله أن يباشِرَها، وما دُونَها في الضَّرر دُون ما فَوْقها.
إذا تقرَّر ذلك، فلو تعدَّى المُسْتَأجِر لزراعةِ الحِنْطة، فزرع الذُّرَة، ولم يتخاصَما حتَّى انقضتِ المدةُ، وحصد الذُّرَة، فالنصُّ في "المختصر" أنَّ المالِكَ بالخيار بين أن يأخذ المسمّى، وبدل النقصان الزائد على زراعة الحنطة، وزراعة الذَّرَة، وبين أن يأْخذ أُجْرَةَ المِثْل، لزراعة الذرة.
ثم قال المُزَنِيُّ: يُشْبِه أن يكون الأول أَوْلَى.
واختلَفَ الأصْحَابُ عَلَى طريقتين:
أشهرُهُما: أنَّه المسألة على قولَيْن، وفي كيفيتهما طريقان: أظهرها، وبه قال أبو إسحاق: أَنَّ أحدَ القولَيْنِ وجوبُ أجْرة المِثْل؛ لأنه عَدَل عن المستحقِّ إلَى غيره، فأَشْبَهَ ما إذا زرَعَ أرْضاً أُخْرَى.
والثاني: وهو اختيار [القاضي الروياني] 4 أن الواجبَ المسمَّى، وبدل النقصان الزائد بسبب الذُّرَة، كما لو استأْجَرَ الدابَّة للركوب إلَى موضع، فجاوز ذلك الموضعَ.
والطريق الثاني، وبه قال ابن القطان: أنَّ أحد 5 القولَيْن في وجوب المسمَّى وبدل نقصان الذرة.
والثاني: التخيير كما نصَّ عليه 6؛ لأن للمسألة شبهاً كجراعة الغاصِبِ من حيث إنَّه زرع ما لم يستحقَّه، وموجِبُها أجْرَةُ المِثْل، وشبيهاً بما إذا استأجر، دابَّةً إلى موضع،
وجاوَزه من حيْثُ إِنَّهُ استوفى المستحقَّ، وزاد في الضّرر، وموجبها المسمَّى وبذل المال 1 لما زاد، فخيَّرْناه بيْنَهما.
وأيْضاً، فإنَّ المكْري استحق أجرة الذرَة، والمكتري استحقَّ منفعة زراعة الحِنْطَة، وقد فاتتْ بمضيِّ المدَّة، فأما أن يأخُذَ المكْرِي ما يستِحقُّ، ويردُّ ما أخذ، وإمَّا أن يتقاضَيَا، ويأْخُذَ الزيادة، وذكر الذاهِبُون إلَى هذه الطريقة للقولَيْن هكذا فأَخَذَين:
أحدهما: قرنوهما من القولَيْن فيما إذا الصَرَّف الغاصِبُ في الدَّرَاهم المغْصُوبة ورَبح، فعلى أحدهما: يأْخُذ المالك مثْلَ دراهمه.
وعلى الثاني: يتخيَّر بينه وبَيْن أن يأْخُذَ الحَاصِلَ بربحه.
والثَّاني: قال الشيخ أبو محمَّد في "السِّلْسِلَة ": قولُ الرجُوع إلى أُجْرة المثل مبني على أن البائع إذا أتلف المبيعَ قَبْل القبض ينفسخ البيع، ويقدر كأن العقد لم يكُنْ، والتخْييرُ مبنيٌّ على أن البيع لا ينْفَسخ، بل يتخيَّر المشتري بيْن أن يفْسَخ، ويستردَّ الثَّمَنَ، وبين أن يتخيَّر، ويرْجِع على البائع بالقيمة، هذا البناءُ لَيْسَ بواضح؛ لأن المُكْرِيَ هو الذي يَقَع في رتبة البائع، وَلَمْ يوجدُ منه إتلافٌ، وإنَّما المُكْتَرِيَ فَوَّت المنفعةَ المستحَقَّةَ على نفْسِه، فكان ذلك بإتلاف المشتَرِي أشْبَهُ.
والطريق الثاني في أصْل المسألة: القطْعُ بالتَّخْيير، وهو أوفق لظاهر النَّصِّ، وبه قال أبو عليٌّ الطبريُّ، والقاضي أبو حامدٍ وكذا ابنُ سُرَيْج فيما حكاه القاضي ابن كج، ونقل الشيخُ أبو حامد، ومن تابعه ذهابَ ابن سُرَيْجٍ إلي الأوَّل [مُنَ] طريقَي القولَيْن، ونسب ذلك إلى المُزَنيِّ أيضاً؛ لأنه قال بعد، ذكر التَّخْيير "يشبه أن يكون الأول أولَى"
فأشعر بأن طرفَي التخيير قولان، ولكن من قال بالطريق الثاني والثالث تراجع أولى، فقال: أراد أولى وجهَي الخيار لا أوَّلَى [وجهيَ] القولَيْن، وحينئذٍ، فلا يكون مثبتاً قولَيْن، والله أعلم، إذا تَخاصما بعْد إنقضاء المدَّة وحصاد الذُّرَة.
أما إذا تخاصَمَا في ابتداء قصْده زراعةَ الذُّرة، مَنَعْنَاهُ مِنها، وإنْ تخاصَما بعْد الزِّرَاعة وقبل الحصادِ، فله قلْعُها، وإذا قلَع 2 فإن تمكَّن من زراعة الحِنْطَة، زرَعَها، وإلاَّ لم يَزْرَع، وعليه الأجرةُ لجميع المدَّة؛ لأنه المفوِّت لمقصود العقْد على نفْسِه، ثم إن لم تمضىِ مدَّة تتأثر 3 بها الأرْض، فذاك، وإن مضَتْ، فلمستَحَقُ أجرة المِثْل؟ أمْ قسْطُها منْ المسمَّى، وزيادة النقصان؟ أم يتخيَّر بينهما؟ فيه ما تقدَّم من الطرق، وهي جاريةٌ فيما إذا استأجر داراً؛ ليسْكُنها، فأسكنها الحدَّادينَ أو القَصَّارين، أو دابَّةً؛ ليحمل
عليها قطْناً، فحمل عليها بقَدْرهِ حديدًا، أو غرفة؛ ليطْرَح فيها مائة رطل 1 من الحنطة، فأبدَلَها بالحديد، وكذلك في كلِّ صورة لا يتميزَّ فيها المستحَقُّ عما زاد، فإن تميَّز كما إذا استأجر دابةً؛ ليحمل خمسين مَنّاً، فحمل مائةَ 2 أو إلى موْضِع، فجاوَزَه، فالواجبُ المسمَّى وأجرةُ المثل لما زاد.
ولو عدل من الجنْسِ المشْرُوط إلَى غيره، كما إذا استأْجَر للزَّرْع، فغرس، أو بني، فالواجب أجرةُ المِثْل.
ومنْهُم من طرد الخِلاَفَ 3 فيه.
وقوله في الكتاب: "يخيّر بيْنَ أُجْرةُ المثل" إلى آخره حاصلُ ما يخرج في المسألة من الأقوال أو الأوْجُه، وفي نظمه إشعارٌ بترجيح التخْيير من ثلاثتها؛ عَلَى ما ذكره كثيرُونَ.
وقوله: "وبيْن أخذ المسمَّى وأرْش نقص الأرْض" فيه مُبَاحَثة، وهي أنَّ هذا اللفظ يسبقُ إلى الفهم منه [أو ما]، ينقص من قيمة الأَرْضِ" ويقرُب منه قولُهُ في "المختصر" 4: ورَبُّ الأرض بالخيار، إن شاء اختار الكراءَ, أو ما نَقَصَت الأرض مما 5 ينقصها زرع القمح.
ومنهم من يقولُ بدَلَ هذه اللَّفْظَة: إنَّهُ يأْخُذُ المسمَّى وأُجْرةَ المِثْل لِمَا زاد، فهما عبارتان عن معبّر واحدٍ، أم كيف الحال؟
والجواب إنه جَعْلَ نقصان القيمة والأجْرَة وهذا يعتد بل 6 شيئاً واحداً بَعيدٌ بل 7 لكلِّ زراعةِ أجرةٌ، ولا يَكاد تنقصُ قيمة الأرض بها، وإنِ اشتدَّ ضرَرُها، والذي يتَّجه أخْذُه مع المسمَّى بدل المنفعة التي استوفاها فوق المستحقِّ، وبدل المنفعة الأجْرَة، فليحمل لفظ "نقص الأرض" على الضَّرَرِ الذي لحقها بما استوفَاهُ المنفعة، وأرْشُه جزءٌ من أجرة ما استوفاه، وهو يفارق ما بينها وبَيْن أُجْرة المنفعة المستحَقَّة، وحقَّقه بعض الشارحين لـ"المُخْتَصَر" فقال: كان أجرةَ مثلها للحنطة خمسون، وللذُّرة سبعون، والمَسَمَّى أربعون يأخذ الأربعين، ويفاوت ما بين الآخَرِين، وهو عشرون.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا فِي الدَّوَابِّ فَيَجِبُ عَلى مُكْرِي الدَّابَّة تَسْلِيمُ الإِكَافِ، وَالحِزَامِ، وَالثَّفَر وَالبُرَةِ وَالخِطَامِ، وَفِي حَقِّ الفَرَسِ في السَّرْجِ خِلاَفٌ، والمَحْمِل والْمِظَلَّةُ وَالغِطَاءُ وَمَا يُشَدُّ بِهِ أَحَدُ المَحْمِليْنِ إِلَى الآخَرِ فَعَلَى المُكْتَرِي، والْوِعَاءُ الَّذِي فِيهِ نَقْلُ المَحْمُولِ
عَلَى المُكْتَرِي، إِنْ وَرَدَتِ الإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِ الدَّابَّةِ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَى الذِّمِّةِ فَعَلى المُكْرِي، فَالدَّلْوُ وَالرِّشَاةُ في الاسْتِقَاء كَالوِعَاءِ، وَيَجِبُ تَقْديرُ الطَّعَامِ المَحْمُولِ، فَلَوْ فَنِيَ فَالأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ إبْدَالَهُ
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النوعُ الثالثُ: استئجار الدوابِّ، وفي الفصل منه ثلاثُ صُوَرٍ:
إحداهما: إذا اكترَى للركوب أطلق صاحب الكتاب، وأكثرهم أنَّ عَلَى المُكْرى الإكافَ والبرذَعَةَ 1 والحِزَام 2 والبرة والثفر 3، والخِطَام 4؛ لأنَّه لا يتمكَّن منَ الرُّكُوب دونها والعرف مطَّرِدٌ بكونها منْ قبل المُكْرِي.
وفي السَّرْجِ إذا اكترى الفَرَس، ذكروا وجهَيْن أظهرهُما 5 لزومُه؛ كالإكاف.
وثانيها: المنعُ؛ لاضطراب العرف فيه، وأجاب القاضِي ابنُ كجٍّ بوجهٍ ثالثٍ، وهو اتِّباع العادة فيه 6.
وقال أبو الحسن العَبَّاديُّ في "الرَّقْم": مكري الدَّابَّة لا يلزمه إلا تسليمُها عَارِيةً، والآلات كلُّها على المكْتَرِي.
وفي "التهذيب" ما هو كالتوسَّط في هذه الآلاَتِ، فأطلق اللزوم فيما عدا السَّرْج، والإكاف، والبرْذَعَة، وفصل في ثالثها بين أنْ تكون الإجارةُ عَلَى عيْنِ الدابَّةَ، فهي على المُكْتَرِي، ويضمن، لو ركبَ بغير سرْج وإكاف، وإنْ كانتْ في الذِّمَة، فهي على المكْري؛ لأنها للتَّمْكين من الانتفاع، وأمَّا ما هو للتِّسْهِيل على الراكب كالمَحْمل، والمظلَّة، والوطاء والغطاء 7، والحبل الذي يُشَدُّ به المَحْمِل على الجمل، والذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر 8، فهو على المكَري، والعَرْفُ مطرِد به، وفي "المهذب" حكايةَ وجهيْن في الذي يُشَدُّ به أحدهما إلى الآخر وهذا بعيد مع
القطع في نفس المَحْمِل، وسائر توابعه المذكورة بأنها على المكتري، ولكن الأقْوَم ما في "تعليق" الشَّيخ أبي حامد وغيره، وهو رَدُّ الوجهَيْن إلى أنه شدّ أحدهما إلى الآخَرِ عَلى مَنْ؟ ففي وجْهٍ هو على المُكْتَرِي كالشَّدِّ على الحمل، وفي الثاني على المكري؛ لأنَّهُ إصلاحُ ملْكه 1، وجميع ما ذكرناه فِيمَا إذا أطلقا العقْدَ.
أمَّا إذا قال: أكريتك هذه الدابَّة العاديَةَ بلا إكاف، ولا حِزَامٍ، ولا غيرهما، لم يَلْزمْهُ شيءٌ من الآلات.
الثانية: إذا اكْتَرى للحَمْل، فالوعاء الذي يَنْتَقِل فيه المحْمُول عَلَى المكْتَرِي، إن وردَتِ الإجارَةُ عَلَى عيْنِ الدابَّةُ، وعلى المكْرِي، إن وردت على الذِّمَّة، ووَجْه ذلك بأنَّها، إذا وردَتْ على العين، فليس علَيْه إلاَّ تسليمُ الدابَّة بالإكافِ، وما في معناه، وإذا كانت الذِّمَّة، فقد الْتزمَ النقْل، فليهيء أسبابه، والعادة مؤيدة له، وبدلْوُ والرِّشَاء في الأكثر للاستقاء؛ كالوعاء في الحَمْل.
فيلزم المكري إنْ كانت الإجارة في الذمَّة.
وعن القاضي الحُسَيْن، أنه إن كان الرجُلُ معروفاً بالاستقاء بالآلات نفْسِه، لزمه الإتيان بها، وهذا يجب طرْدُه في الوعاء، ورأى الإمام في إجازة الذِّمَّة الفَرْقَ بين أن يلتزم العوض 2 مطْلقاً، ولا يتعرض للدابَّة، فتكون الآلاتُ عَلْيه، وبين أن يتعرِّض لها بالوصْف، فحينئذ يتبع العادة، فإن اضطربت العادَةُ احتمل واحتمل؛ لأنَّ التعرُّض للدابة يُشْعِر بالاعتماد على الإتْيان بها، وإذا رأينا اتباع العادة، فاضطربت العادة، فهل يُشْترط التقييد 3 لصحَّة العقد؟
أشار إِلَى خلافٍ فيه، والظاهرُ اشتراطه، ومؤنة الدليلِ والسائقِ، والبذرقة، وحفْظُ المتاع في المَنْزِل كالوعاء.
الثالثة: الطعامُ المحمُول، ليؤكلَ في الطريق كسَائِر المحمُولاَت في أنَّهُ لا بُدَّ من رؤْيَتَه، أو تقديره بالوَزْن.
وعن ابن القَطَّان وغيرِه وجْهٌ أنَّهُ لا حاجة إلى تقديره، بل يُرَدّ الأمر فيه إلى العَادَةَ، ولا حاجة إِلى تقْدير ما يُؤكَل [منه] كلَّ يوم لصحَّة العقْد.
وفيه وجه أيضاً، وإذا قدرَّه وحَمَلَه، فإن شرط أنَّهُ يبدله كلما انتقَصَ، أو لا يبدّلهُ، اتَّبِع الشرْط، وإلا، فإنْ فَنِيَ بعضه أو كله بسرقة، أو تلف، فله الإبدال؛ كسائر المحمولات، وإن فَنِيَ بالأكل فإن فني الكلُّ، فكذلك.
وحَكَى الامامُ وجْهاً أنه لا يبْدل، فإنَّ المكتري إنما يحمله لِيُؤْكَل؛ لأن المكتري
يشتري في كلِّ مرحلة] 1 قدْر الحاجة، والمذْهَب الأوَّل، فإن فَنِيَ بعضُه، فقَوْلان، وُيقَالُ: وجهان:
أصحُّهما، وبه قال أبو حَنِيفَة رضي الله عنه واختاره المُزَنِيُّ: أنَّهُ يبدله كسائر المحْمُولات، إذا باعها أو تَلِفَتْ.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّ العادة فِي الطَّعام أنَّه لا يبدل كلَّ قدر [يؤكل] 2، وإنما يبدل عنْد نفاذه، وموضِعُ القولَيْن على ما ذكره أبُو إسحاق إذا كان يجد الطَّعامِ في المنازل المستقبلية بسِعْر المنزل الذي هو فيه، أمَّا إذا لم يجدْه أو وجَده بسِعْرٍ أرفعَ، فله الإبدالُ لا محالة وهذا ما أجاب به الإِمامَ والشيخ أبو إسحاق في "التنبيه" وإذا فرَّعنا على أنَّه لا حاجة إلى تقدير الزاد، وحمل ما يعتاد لمثله، لم يبدله حتى يفْنى الكل.
وفيه وجْهٌ ضعيفٌ.
ولا يخفَى مما ذكرناه أنَّهُ يَجوزُ إعلام قَوله: "فيَجِبَ على مكري الدَّابَّة تسليمُ الإكاف" بالواو، وكذا إعلامَ قوله: "يجب تقدير الطعام المحمول".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَجِبُ عَلَى المُكْرِي إِعَانَةُ الرَّاكِبِ لِلنُّزُولِ وَالرُّكُوبِ في المُهِمَّاتِ المُتَكَرِّرَةِ، وَكَذَا الإِعَانَةُ عَلَى رَفْعِ الحَمْلِ وَحَطِّهِ، وَكَذَا في المَحْمِل إِلاَّ إِذَا وَرَدَتِ الإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِ الدَّابَّةِ وَسُلِّمَ إِلى يَدِ المُكْتَرِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اكترَى للركوب في الذِّمة، وجب على المكْرِي الخروجُ مع الدَّابَّة؛ ليسوقَها ويتعهَّدَها، وإعانة الراكب في الركوب، والنزول وبراعى العادةَ في كيفيَّة الإعانة، فينيخ البعير للمَرْأَة؛ لأنَّه يصْعُب عليها الركوب والنزول في حال قيام البعير، ويخاف عليها التكشُّف، وكذلك لوْ كان الرَّجُلُ ضعيفاً بمرضٍ، أو شيخوخةٍ، أو كان مفْرط السِّمَن، أو نصف الخلق، ينيخ له البعير، ويقرب البغل والحمار من نشز 3، ليسهل الركوب 4 والاعتبارُ في القوَّة والضَّعْف بحال الرُّكُوب لا بحال العقْد، فإن اكترى للحمل في الذِّمَّة، فعَلَى المكْري رفع الحمل وحَطُّه، وشدُّ المَحْمِل، وحلُّه، وفي شدِّ أحد المَحْمِلَيْن إلى الآخر، وهما بَعْدُ على الأرض، ما سبق من الوجهَيْن.
ويقف الدابة؛ لينزل الراكب لما لا يتهيأ عليها؛ كقضاء الحاجةِ والوُضُوءِ وصلاة الفَرْض، وإذا نزل، انتظره المكْرِي؛ ليفرغ منها, ولا يلْزَمُه المبالغةُ في التخْفِيف، ولا
القصرْ ولا الجَمْعُ، وليس له الإبْطَاءُ والتَّطْويلُ.
قال القاضي الرُّويَانِيُّ في "البحر" (1): وله النزولَ في أوَّل الوقْت، لينال فضله، ولا يقفُ للنوافل، والأكل، والشرب لتأتيها على الراحلة.
وإن ورد العقْد على دابَّة بعينها، فالذي يجبُ على المكْرِي النخليةُ بينها وبين المكْتَرِي، وليس عليه أن يُعينَهُ في الركوب، ولا في الحَمْل، هذا ما يوجد للأكْثَرِين في نُوْعَي الإجَارةِ، وحَكَى الامامُ وراءه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّهُ يفرق في إجارة الذمَّة بيْن أن يقولَ عَلَيَّ التبليغُ، فيقول: ألزمت ذمتك تبلُّيغي إلى موضع كذا، ويقع ذكر الدّابَّة تبعاً، فيلزمه الإعانةُ، وهي أن يَقُول: عَلَيَّ الدَّابةُ، فيقول: ألزمت ذمتك منفعةَ دابَّةٍ صنعتُها كذا فلا يجب.
والثاني: أنَّهُ يجبُ الإعانةُ علَى الركوب في إجارة العَيْن أيضاً.
والثالثُ: أنَّها تجب للحمل سواءٌ كانت الإجارةُ على الذمَّة، أو على العَيْن؛ لاطراد العادة بالإعَانَة على الحطِّ، والحَمْل، وإن اضطربت في الركوب، وهذا ما اختاره صاحبُ الكتاب في "الوسيط" ورفع المَحْمِل وحطُّه كالحمل.
فروع
:
أحدُهُما: قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: إذا اختلَفَا في الرحلة رحل لا مكبوباً ولا مستلقياً واختلَفُوا في تفْسِيره؛ فعن أبي إسْحَاق أن المكبوب أن يجعل مقدّم المحمل، أو الزاملة أوْسَعَ من المؤَخّر، والمستلْقي عكسه وقيل: المكبوب بأن يضيق المقدَّم، والمؤخَّر جميعاً، والمُسْتَلْقي أن يوسعهما جميعاً، وعلى التفسيرَيْن؛ المكبوب أسهل على الدَّابة، والمستلْقي أسهلُ على الراكب، وإذا اختلفا فيهما حُمِلا على الوسط المعتدل، وكذلك إذا اختلفا في كيفيَّة الجلوس.
وليس للمكري منْعُ الراكب من النَّوْم في وقْته المعتاد، ويمنعه في غير ذلك الوقْت؛ لأن النائم يثقل، قاله القاضي ابن كجٍّ.
وثانيهما: قد يعتاد النُّزُول والمشْيَ عند الرَّواح، فإن شرطا أن يَنْزِل أوْ لاَ ينزل اتَّبعَ الشَّرْط، قال الإمام: ويعرض في شَرْط النُّزُول إشكالٌ؛ لتقطع المسافة، ويقع في كراء العقب، لكنَّ الأصحاب احتملُوه بناءً على التساهل، وإن أطلقا، لم يجِبِ النزولُ عَلى المَرْأة، والمريض، وفي الرَّجُل القويِّ وجهان؛ لتعارض اللفظ، والعادة، وكذا1
حكمُ النزول على العقبات الصعْبَة 1.
وثالثها: إذا اكترَى دابَّةً إلى بلدة، فبلغ عمرانها، فللمكري استردادُ الدابَّة، ولا يلزمُه تبليغُه دارَهُ 2 ولو أكترَى إلى "مكة" لم يكنْ له الحجُّ علَيْها، وإن اكتراها للحجِّ عليها، رَكِبَها إلى "منىً ثمَّ إلى عرفاتٍ ثم إلى "مُزْدَلِفَةَ"، ثم إلى "منى"، ثم إلى "مَكَّة" للطواف، وهل يركبها من "مكة" عائداً إلى "منىً" للرمْي والطواف؟ فيه وجهان 3.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا تَلِفَتِ الدَّابَّةُ المُعَيَّنَةُ انْفَسَخَتْ، وَإِنْ أَوْرِدَ عَلَى الذِّمَّةِ فَسُلِّمَ دَابَّةً فَتَلَفِتْ لَمْ يَنْفَسِخْ، وَكَذَا إِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْباً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اكترَى دابَّةً بعينها، فتِلفَتْ، انفسخَ العقْد، وإن وَجَدَ بها عَيْباً، فله الخيارُ، كما لو وجِدَ المبيعَ مَعِيباً، والعَيْبُ بأن تَتَعَثَّرَ في المشْي أو لا تبصر بالليل، أو يكون بها عَرَجٌ تتخلف بها عن القافِلَة، ومجرد خشونة المشي ليْسَ بعَيْب، وإن كانتِ الإجارةُ في الذمَّة، وسلم دابةً، فتلفتْ، لم ينْفَسِخ العقْدُ، وإن وجد بها عَيْباً، لم يكنْ له الخيارُ في فسْخ العقْد، ولكن على المكري الإبدالُ، كما لو وجد بالمُسَلَّم فيه عيباً، واعلم أن الدابة المسلمةَ عن الإجارة في الذمَّةِ، وإن لم ينفسخ العقْدُ بتلفها، فإنَّه يثبتُ للمكتري فيها حقٍّ واختصاصٍ؛ حتَّى يجوز له إجارَتُها, ولو أراد المكْرِي إبدالَهَا، فهل له ذلك دون رضا المكتري فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لما فيها من حقِّ المكترى.
والثاني: عن الشَّيخ أبي محمَّد: أنه يُفْرَق بين أنه يعتمد باللفظ الدَّابة بأن يقول: آجَرْتُكَ دابَّةً من صلتها كذا وكذا، فلا يجُوزُ [إبْداَلُهَا بالذي تَسَلّمها] 4 أوْ لا يعتمد بأن يقول: ألزمت إركابَك عَلَى دابَّة صفتُها كذا وكذا، فيجوز الإبْدَال، واختار في "الوسيط"
هذا الوجه الثاني لكنَّ الأصحَّ عند المعْظَم الأَوَّلُ.
ويترتَّب على الوجهَيْن ما إذا أفلس المكْرِي بعد تعْيِين دابَّةٍ عن إجارة الذِّمَّة، هل يتقدَّم المكتري بمَنْفَعَتِها؟ وقد ذكَرْنا ذلك في "التفْلِيس" والأصَحُّ التقديمُ، وهو الذي ذكره في "التهذيب" ولو أراد المكْتَرِي أن يعتاضَ عنْ حقِّه في إجارة الذمَّة إن كان قبل أن يتسلَّم دابةً، لم يَجز لأنَّه اعتاضَ عن المسلّم فيه، وإنْ كان بعد التسليم، جاز؛ لأنَّ الاعتياض، والحالة هذه، واقعُ عن حق في عين، هكذا ذكره الأئمة، وفيه دليلٌ على أن القبض يفيد تعلُّق حقِّ المكتري بالعَيْن، فيَمْتنِع الإبدالُ دون رضاه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ويجُوزُ إِبْدَالُ المُسْتَوْفي فَلَهُ أَنْ يُرْكِبَ (ح ز) مِثْلَ نَفْسِهِ، بَلْ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ الدَّابَّةَ وَالدَّارَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلاَ يَجْوزُ إِبْدَالُ الأَجِيرِ المُعَيَّنِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ، وَفِي إِبْدَالِ الثَّوْبِ الَّذِي عُيِّنَ لِلْخِيَاطَةِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي عُيِّنَ لِلرَّضَاعِ وَالتَّعْلِيمِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذا الفصْلُ لاَ يَختصُّ بنوْع إجارةِ الدَّوَابِّ؛ وإنَّما هو قولٌ جملى في إبدال متعلِّقات الإجارة، والمنفعةُ المطْلُوبةُ بالعَقْدُ لها مستوفٍ، ومستوفىً منه، ومستوفَى به.
فأما المستوفَي، فهو المستَحِقُّ للاستيفاء، فله أن يُبْدِل نفسه بغيره، كما يجوز له أن يؤجر ما استأجره من غيره، فإذا استأْجر دابَّةً للركوب، فله أن يركبها مثل نفسه في الطُّول، والقِصَر، والضَّخَامَة والنَّحَافَة، ومَنْ هو أخف منه وكذلك يلبس الثوب من هو في مثْل حاله، ويسكن الدار مثْلَه دون القَصَّار والحدَّاد؛ لزيادة الضرر وكذا إذا استأجر دابة لِحَمْل القطْن، له حَمْل الصوف، والوبر، أو لحمل الحديد، له حمْلُ الرَّصَاص، والنُّحَاس، وإذا استأجر للحَمْل، فأراد إركاب من لا يزيدُ وزنُهُ على وزن القَدْر المحمول؟ قال في "التتمة": يرجع إلَى أهل الصنعة، فإن قالوا: لا يتفاوَتُ الضرَرُ، جاز، وإن قَالوا: يتفاوَتُ، فلا يجوز.
وكذا لو استأْجر للركوب، فأراد الحمل، فالظاهر المنْعُ من الطرفين، وهو قضية ما في "التهذيب" وقوله في الكتاب: "فلَهُ أنْ يرْكِب مثل نفسه" يجوز أن يَعْلَم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا يجوز إبدالُ الراكب، واللابس، وسلَّم أنه لو أكْرَى داراً؛ ليسْكُنَها، جاز له أن يُسْكِنُها غيره، وبالزاي؛ لأن القاضي ابن كج حكَى عن المزنيِّ منْعَ إبدال الراكب، وأما المستوفَى منه، فنحو الدار، والدَّابة المعيَّنة 1، والأجيْر المعتَبَر 2، لا يجوزُ إبداله كما لا يجوزُ إبدالُ المَبيع 3.
وأما المستوفَى به، فهو كالثَّوْب المعيَّن للخياطة، والصبِيِّ المعيَّن للإرضاع، والتعلُّم، والأغْنَام المعيَّنة للرعي 1، وفي إبداله وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا يجوز كالمستوفَى منه.
وأصحُّهما: ما ذكره الإمامُ وصاحبُ "التتمة": يجوز؛ لأنه ليس [معقوداً] عليه، وإنما هو طريقُ الاستيفاء، فأشبَهَ الراكب والمتاع المعيَّن للحَمْل، والخلافُ جارٍ في انفساخ العقْد بتلف هذه الأشياء في المدَّة، ومَيْلُ العراقيين إلى ترْجيح الانفساخ، وقالوا: إنَّهُ المنصوص.
والثاني: خرَّجه بعض الأصحاب، وستزداد المسألةُ وضوحاً إذا انتهينا إلى الباب الثالث، فهي مذكورةٌ فيه.
ويجري الخلافُ فيما إذا لم يلتقم الصبيّ المعيَّن ثديها، فعلى رأْيٍ ينفسخ العقْد.
وعلى الثاني 2: يُبْدَل والله أعلم بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اسْتَأْجَرَ ثَوْباً لِلُبْسِ نَزَعَهُ لَيْلاً إِذَا نَامَ وَفِي وَقْتِ القَيْلُولَةِ (و) وَلاَ يَجُوزُ الاتِّزَارُ بِهِ، وَفي الارْتدَاءِ بِهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: إذا استأْجَرَ الثِّيابَ لِلُبْسِ، والبسط، والزَلاَلِيُّ 3 للفرش، واللّحف للإلتحاف بها، جاز وإذا استأْجَرَ ثوباً ليلبسه مدَّةً، لم يجز أن ينام فِيهِ باللَّيْل؛ للعادة، وفي وقْتِ القيلولة وجهان:
أحدهما: أنَّه يلزم نزْعُه أيضاً؛ لأنَّه الثَّوْب ينقصُ وبالنَّوْم فيه، وهذا ما أورده المصنِّف.
وأصحُّهما: هو الذي أورده أكثرون: أنَّهُ لا يلْزَمُ؛ لاطِّرادَ العادةَ بالقَيْلُولة في الثِّياب دون البيتوتة، نعم لو كان المُسْتَأجَرُ القميصَ الفوقانيَّ، لزمه نزْعُهُ، بل يلزم نزعُه في سائر أوقات الخَلْوة، وإنما يُلْبَسُ ثياب الجَمل في الأوقات التي جرَتِ العادة فيها بالتجمُّل؛ كحالة الخروج إلى السُّوق، ودخُول النَّاس علَيْه، ولا يجوزُ الاتزار بما يستَأْجِر للُبْس لأنه أضرُّ للقميص من اللبس، وفي الارتداء وجهان:
أحدُهما: المَنْعُ لأنه جنس آخر وأظهرهما: الجوازُ؛ لأنَّه ضرر الارتداء دون ضَرَر اللّبْس.
قال في "التتمة": وإذا استأجر للارْتدَاء، لم يجزْ الاتزار، ويجوز التعمُّم (1).
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي الضَّمَان
وَيَدُ المُسْتَأْجِرِ في مُدَّةِ الانْتِفَاعِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَكَذَا بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ علَى الأَصَحِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ بَعْدَ المُدَّةِ كَالمُسْتَعِيرِ، وَقَبْلَ الانْتِفَاعِ لَوْ رَبَطَ الدَّابَّةَ وَلَمْ يَنْتَفِعَ اسْتَقَرَّتِ الأُجْرَةُ، فَإِنْ تَلِفَتْ فَلاَ ضَمَانَ إلاَّ إِذَا انْهَدَمَ الإِصْطَبْلُ عَلَيْهِ ضَمِنَ لِأَنَّهُ لَوْ رَكِبَ لَأَمِنَ مِنْ هَذَا السَّبَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْلَ الثاني بيانُ حكْم الإِجارة فيما يرْجِعِ إلى الأمانة، والضَّمَان، والمَال في الإجارة تارةً يكون في يد المستأجر وأخرى في يد الأجير على العمل.
أما المستأجر، ففيه مسألتان:
إحداهما: يده على الدابَّة، والدارِ المستأجرتَيْن، ونحوِهِما في مدَّة الإجارة يدُ أمانةٍ، حتى لا يضْمَن التَّالف منهما 2 من غَيْر تعدٍّ وتقصير؛ لأنه مستحقٌّ للمنفعة، ولا يمكن استيفاؤها إلاَّ بإثبات اليدِ على العَيْن، فكانت أمانةً عنْده؛ كالنخلة التي اشْتَرَى ثمرتها, ولا يُشْبِه ما إذا اشترَى سَمْناً وقَبَضَه في بستوقه 3؛ حيث تكون البستوقة مَضمونةً في يده على أصحِّ الوجهَيْن؛ لأنَّه أخذها لمنفعة نفسه، ولا ضرورةَ لقَبْض السمن فيها.
وهل يضمَنُ ما يتلف في يده بعْد مُضِيِّ المدة؟ ينبني على أنَّهُ هل على المستأجر الردُّ ومؤْنَته، وفيه وجهان.
أصحُّهما على ما ذكره في الكتاب، وبه قال أبو حنيفةَ أنَّهُ لا يلزَمُه الرَّدُّ، ولا مؤْنَتُه، وإنَّما عليه التخليةُ بينه وبيْن المالِكِ، إذا طلب؛ لأنَّه أمانةٌ فلا يجبُ ردُّه قبل الطلَب؛ كالوديعة، وَأَمْرَ بُهُما إلَى كلامِ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وبه قال مالكٌ،1
واختاره الإصطخريُّ أنه يلزمه الردُّ ومؤنتُهُ، وإن لم يطلب المالك لأنه غير مأذون فيه في الإمساك بعْد المدَّة، ولأنه أخَذَه لمنفعة نفْسِه، فأشْبَهَ المُسْتَعِير 1.
وعن القاضي أبي الطَّيِّب أنه لو شرَطَ المؤجر عَليْه الردَّ، لزمه ذلك بلا خلافٍ، ومنعه ابنُ الصَّبَّاغ، وقال: من لا يوجِبُ الردَّ عليه، ينبغي ألاَّ يجوز شرطه، فإن قلنا: لا يلزمُ الردُّ، فلا ضمانَ عليه، وإن قلْنا: يلزمه، ضَمِنَ مَا تَلِف في يده، إلاَّ أنه يكون الإمْسَاكُ بعذر 2.
ويترتَّب على الوجهين أنه، هل يضمن أجرة المنافع التي تَتْلَف في يده بعْد مدَّة الإجارة؟ فإن ألزمناه الردَّ، ضمناه، وإلاَّ، فَلاَ 3.
وفي "الزيادات" للشيخ أبي عاصم العَبَّادِيِّ فرُعَان يتعلَّقان بهذا الخلاف:
أحدهما: غصبت الدَّابة المستأجرة مع دوابِّ سائر الرُّفْقة، فذهب بعضُهم في الطلبْ، ولم يذهَبِ المستأجر، إنْ قلنا: لا يلزمُه الردُّ، فلا ضمان عليه.
وإن قلنا: يلزمُ، فإن استرد من ذهب من غيْر مشقَّةٍ [ولا غرامةٍ، ضمن المستأجر المتخلِّف، وإن لحقهم مشَقَّة، أو غرامةٌ] لم يضمن.
الثاني: إذا استأجر قِدْراً مدَّةً؛ ليطبخ، فيها ثم حملها بعد المدة ليردَّها، فسقط الحمار، وانكسرت القدْرُ، قال: وإن كان لا يستقل بحمله، فلا ضمان، وإن كان يستقل، فعليه الضمان.
أما إذا ألزمناه مؤنة الردِّ، فظاهر، وأمَّا إذا لم يلزمْه؛ فَلأَنَّ العادَةَ أنَّ القِدْرَ لا يرد بالحمار مع استقلال المُسْتاجر أو حمال بها.
الثانية: الدابَّةُ المستأجرة للحَمْل، أو الركوب، لو ربَطَها المستأْجر، ولم ينتفع بها في المدة، فالقولُ في استقرار الأجْرة علَيْه سيأتي منْ بَعْدُ إن شاء الله تعالى ولا ضمانَ
عليه لو ماتتِ الدابَّة في الإصطبل، ولو انهدم عليها، فهلكت، نُظِرَ؛ إن كان المعهُود في مثل ذلك الوقْت، أن تكونَ الدَّابَةُ تَحْتَ السَّقْف كجنح الليل في الشتاء، فلا ضمانَ، وإنْ كان المعهودِ في ذلك الوَقْتِ، لو خرج بها أن يكون في الطريق، وجب الضَّمَان؛ لأنَّ التَّلَفَ، والحالة هذه، جاء من ربْطِها في الإصْطَبل، وقوله في الكتاب: "وقبل الانتفاع لو ربط الدابة ولم ينتفع" الجمع بين اللفظَيْنِ موحسن؛ لأن الثاني ينفي الانتفاع.
وقوله: "قبل الانتفاع" يقتضي أن يكونَ الانتفاعُ حصولاً، وأيضاً، فإنَّ كونَهُ غيْر منتفع قبل الانتفاع أوضحُ من أن يُذْكَر، فلا حَاجَةَ إلَى قوله: "ولمْ ينتفعْ" ولو اقتصر على قوله: "ولو ربط الدابة ولم ينتفع" لأفاد المطلوب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا يَدُ الأَجِيرِ عَلَى الثَّوْب الَّذِي يُرَادُ خِيَاطَتُهُ أَوْ صَبْغُهُ أَوْ قِصَارَتُهُ أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ لِرِيَاضَتِهَا وَأَمْثَالِهِ فَهِيَ (ح) يَدُ أَمَانَةٍ عَلَى الأَصَحِّ (و) كَيَدِ المُسْتَأْجِرِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أنَّهُ يَدُ ضَمَانٍ (ح)، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّ يَدَ الأَجِيرِ المُشْتَرَكِ يَدُ ضَمَانٍ بِخِلاَفِ الأَجِيرِ المُعَيَّنِ لِلعَمَلِ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: المالُ في يد الأجير كالثَّوبْ إذا استؤجر؛ لخياطته، أو صبغه، أو قصارته، والعَبْد إذا استُؤْجِرَ، لتعليمه، أو لرضاعه والدَّابةِ إذا استؤجرت، لرياضتها، إذا تلف، لم يخْلُ، إمَّا أن يكون الأجِيرُ منفرداً باليد، أو لا يكون:
الحالَةُ الأُولَى: إذا كان منفرداً باليد، فهو إما أجيرٌ مشترَكٌ، أو منفردٌ، والمشترك هو الذي يتقبَّل العمل في ذِمَّته، كما هو دأْب الخيَّاطين والصوَّاغين، فهذا التزم لواحدٍ أمكنه أن يلتزم لغيره مثْلَ ذلك العَمَل؛ فكأنَّه مشتركٌ بين الناس، والمنفردُ هو الذي يمكنه أجْرُ نفسه مدَّةً مقدَّرةً لعمل، فلا يمكنه تقبُّل مثل ذلك العمل لغيره في تلْك المدَّة، وقيل: المشتركُ هو الذي شاركه في الرأي، فقال: اعمل في أيِّ موضع شئت، والمنفردُ هو الذي عيَّن عليه العمل فهو صِنعه.
أما المشتَرَكُ، فَهَلْ يضمن ما تَلِف في يده منْ غير تقصير وتعدٍّ؟ فيه طريقان:
أصحُّهما: أن فيه قولَيْن:
أحدهما: يضمن، وبه قال مالكٌ؛ لأنَّه أخذ لمنفعة نفسه، فأشبه المستعير، والمستام، وأيْضاً، فقدْ رُوَي عن عُمَرَ وعَلِيٍّ 1 -رضي الله عنهما- تضمينُهُ، صيانةً لأموال الناس عن الخيانة المحرمة.
وأَصَحُّهُما، وبه قال أحمدُ واختاره المُزَنيُّ: أنَّه لا يضمن، كما لا يضمن المستأجر ولَيْسَ أخذه لمحض غرضه، بل هو لغرضه، وغرضِ المالِكِ، فأشبه عامِلَ القِرَاض.
والثاني: القَطْعُ بالقَوْل الثَّاني، ويُحْكَى هذا عن الرَّبيع؛ لما اشتهر عنه أن مذهب الشافعيِّ رضي الله عنه أن الأجراء لا يَضْمَنُون إلاَّ أنَّه كان لا يبُوح به خَوْفاً من أُجَراء السُّوء، ومن قال بهذا قال قوله في "المختصر": والأُجَرَاءُ كلُّهم سواء، وما تلِفَ في أيديهم منْ غيْر جنايتهم، ففيه واحدٌ من القَولَيْن:
أحدهما: الضمان.
والآخَرَ: أن لا ضمان إلاَّ بالعدوان، أراد به الردَّ على أبي حنيفة رضي الله عنه حيث قال: ما تَلِفَ في يد الأجير المشتَرَكِ بآفة سماوية، أو سرقةٍ، فلا ضمانَ علَيْه، وإن تلف بفعْله، ضَمِن، فإن كان بالفعل المأذون فيه، كتخرُّق الثوب بدقِّ القصَّار، إلا أن يكون الفعلُ المأذُونُ فيه جرحاً وختانٍ من قصد وختان، ونحوهما فقال: لا وجْهَ لما ذكره إنما المتَّجه أحد القولَيْن.
أما ما قلت: وهو أنه لا يضمن بحالٍ، أو ما قال أبو يوسُفَ، وهو أنَّه يضمن ما تَلِف بفعْله، أو بالآفةِ السَّماويَّة، وأما المنفردُ، فهو أولَى يبقى الضمان؛ لأنَّ منافعه مختصةٌ بالمستأجر في المدَّة، فكانت يده كالوكيل مع الوكيل، فمَنْ قَطَع بنفي الضمان في المشتَرَكِ، ففي المنفرد أولى والمثبتون للخلاف هناك افترقُوا هاهنا فطرد أكثرهم الخلافَ، وعليه يدل نصه 1 "أنَّه الأجراء كلَّهم سواء" وقطَع بعضُهم بنفي الضمان، ويُحْكَى هذا عن أبي الحُسَيْن بنْ القَطَّان، والقَفَّال وفي "تعليق" الشيخ أبي حامدٍ أَنَّ الطريقتَيْن إن فسَّرْنا المنفرِدَ بالتفْسِير الأول، فأما على الثاني 2، فليس إلاَّ القطْعُ بنفي الضَّمَان، وإذا جمعتْ بيْن الطرُق، قلْتَ: في ضمان الأجير ثلاثة طرق:
أحدُهَا: إثباتُ قولَيْن فيه.
والثاني: القَطْعُ بأنه لا يَضْمَن.
والثالث: القَطْعُ بأن المنفرد لا يضمن وتخصيص القولَيْن بالمشترك، وإذا اختصرْتَ، قلْتَ: فيه ثلاثة أقوالٍ كما في الكتاب.
= والصباغ، قال الشَّافعي: لا يصلح الناس إلا ذلك، وروى عن عثمان من وجه أضعف من هذا، وروى البيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يضمن الصباغ والصائغ، وقال: لا يصلح الناس إلا ذاك، وعن خلاس أن علياً كان يضمن الأجير.
ولْيُعْلَمْ قوله: "أمانة" بالميم وقوله: "على الأصح" بالواو، للطريقة القاطعة.
وقوله: "يد ضمان" بالألف نحو إعلامُ القولَيْن [الأولَيْن] بالحاء؛ لأنه مذهبه الفرق بين المشترك، والمنفرد كالثَّالث.
والحالة الثانية 1: إذا لم يكنِ الأجيرُ منفرداً باليَدِ، كما إذا قَعد المستأْجِر عنده حتى يَعْمَل، أو حمله إلى بيته، ليَعْمَل، قطع الجمهور بأنه لا ضمان علَيْه؛ لأَن المَالَ غيرُ مُسَلَّم إلَيْه في الحقيقة، وإنما استعان المالِكُ به في شُغُله، كما يستعين بالوكيل والتِّلْمِيذ.
ونقل عن ابن كج عن أبي سعيد الإصْطَخْرِيِّ وأبي عليٍّ الطَّبريِّ طرد القولَيْن فيه، وحيث قلْنا بوجُوب الضمان على الأجير، فالواجبُ أقصى قيمة من يوْم القبْض إلى التلف، أو قيمة يوم التلف؟ فيه وجهان 2، واحتجَّ المُزَنِيُّ للقول الأصحِّ بأنَّهُ لا ضمانَ على الحجَّام إذا حجم، أو ختن ولا على البَيْطَار، إذا نزع، فأقضى إلى التَّلَف، وبأن الراعي المنفرد لا ضمان علَيْه، وبأنَّ من أكراه؛ ليحفظ متاعه في دُكَّانه لا ضمان [عليه] 3.
قال الأصحاب رحمهم الله: المحْجُوم إما حُرٌّ، فلا تثبت اليد عليه، أو عبْدٌ فينظر في انفراده باليَدِ وعدمِ الانفرادِ، وبتقدير الانفراد في كونه مشتركاً، أو منْفَرِداً، فالحكْمُ في الأحوال كما سَبَق من غَيْره، فلا احتجاج، وكذا القول في الراعي 4.
وأمَّا المسألةُ الثالثةُ: فالمال فيها في يد المالك؛ لكن الأجير في دكانه على ما تقرَّر، هذا كلُّه فيما إذا لم يوجدْ من الأجير تعدٍّ، فإن وُجِدَ، وجب الضمان لا محالةَ
وذلك مثل أن يسرف الأجيرُ على الخُبزْ في الإيقاد، أو يلْصِقَ الخبز قبل وقته أو يتركه في التَّنُّور فوْق العادة حتى يحْتَرق، أو ضرب الأجير على التأديب والتعليم الصبي فمات؛ لأن تأديب الصبيِّ بغير الضرْب ممكن، ومهما اختلف الأجير والمستأجر في أنَّه هل تعدَّى، وجاوز المعتادَ بعمله أم لا؟ راجعنا فيه عدلَيْن من أهل الخِبْرة، وعمِلْنا بقولهما، فإن لم نجد من نراجعه، فالقولُ قول الأجير؛ لأن الأصْلَ براءته من الضمان، ومهما تَلِف المالُ في يد الأجير بعْد تعدِّيه، فالواجبُ أقصى قيمة من وقْتِ التعدِّي إلى التَّلف، إنْ لم يضمن الأَجِير، فإن ضمناه، فأقصى قيمه من يوم القبْضِ إلى التلف، هكذا ذكره صَاحِبُ "التهذيب" وغيرُه، ويُشْبِه أن يكونَ هذا جواباً عَلى قولنا: إنَّهُ يضمن بأقْصَى القيمة منْ يوم القبض إلى التَّلَف، فأما إذا قلْنا: إنَّهُ يضمن الأجِير قيمةَ يوْمٍ التَّلَف، فينبغي أن يقال: الواجبُ ههنا أقصى قيمة منْ يوْم التعدِّي إلى التَّلَف 1.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّ مَنْ غَسَلَ ثَوْبَ غَيْرِهِ أَوْ دَلَكَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَجْرِ لَفْظُ الإِجَارَةِ اسْتَحِقَّ أُجْرَةً لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنَافِعَ نَفْسِهِ باخْتِيَارِهِ، وَقَالَ المُزَنِيُّ: إنْ كَانَ عَادَتُهُ طَلَبَ الأُجْرَةِ اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ، وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ الحَمَّامَ لَزَمَهُ الأُجْرَةُ لِأَنَّهُ يُتْلَفُ مَنْفَعَةَ غيْرِهِ بِسُكُونِهِ، وَلاَ ضَمَانَ علَى الحَمَّامِيِّ إِذَا ضَاعَ الثِّيَابُ بِغَيْرِ تَقْصِيرِهِ علَى الأَصَحِّ (و) كَسَائِرِ الأُجَرَاءِ.
قَالَ الرِّافِعِيُّ: فيه مسْأَلَتَان:
إحداهما: إذا دفَع ثَوْباً إلى قَصَّارٍ؛ ليقصره، أو إلى خَيَّاط؛ ليخيطه، أو جلس بين يديْ حلاَّق، ليحْلِقَ رأسه، أَو دلاَّك، ليدلكه، فَفَعَل، ولم يجْر بينهما ذكْرُ أجرة ولا نفْيُها، ففيه أوجُهٌ:
أصحُّها: وَيُحْكَى عن النص أنَّهُ لا أجرة له؛ لأن المعمولَ له لَمْ يلتزَم عِوضاً وعمله كما يجوز أن يكونَ مقابلاً بعوض، يجوز أن يكون مجَّاناً، وصار كما لو قالَ: أطْعِمْنِي خبزك، فأطْعَمَه، لا ضمان عليه.
والثَّاني: أنَّه يستحِقُّ الأجرة؛ لأنَّه استهلَكَ عمَلَه، ولزمه ضمانه.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق: أنه إن بدأ المعمول له، فقال: افعل كذا، لَزِمَه الأجرة، وإن بدأ العامِل، فقال: أعْطِنِي ثوْبَك؛ لِأُقَصِّره، فلا أجرة له؛ لأنه اختار تفويت منافعه.
والرابعُ: إِنه كان العاملُ معروفاً بذلك العَمَل، وأخذ الأجرة علَيْه، استحق الأجرة للعادة، وإلا فلا، وهذا ما أجاب به صاحبُ الكتاب في "باب العارية" 1 واختلفت الروايةُ في المسألة عن المزنِّي، وابن سُرَيْج.
أما المزنيُّ فَرَوى أصحابنا العِراقيُّون عنه الوَجْهَ الثاني، وأسنَدُوه إلى "الجامع الكبير" ورَوى آخرون عنه الوجه الرابع 2 ومنهم صاحبُ الكتاب، والقاضي الرُّويانيُّ.
وأما ابْنُ سُرَيْج، فَرَوى الأكثرون عنه الوَجْهَ الأوَّل.
وفي "المهذَّب"، و"التهذيب" نِسْبةُ الرابع إلَيْه، والله أعلم ولو دخل سفينةً بغير إذْنِ صاحبها، وسار إلى السَّاحل، فعلَيْه الأجْرةُ، وإن كان الإذْنِ، ولم يجرِ ذكر الأجرة، فعلى الأوجُهِ.
وإذا لم نوجِبِ الأجْرة، فالثوب أمانة في يد القَصَّار، وإن أوجَبْنَاها، فوجُوب الضَّمان على الخِلاَف في الأَجير المشترَكَ.
الثانية: فيما يأخذه الحمَّامِيُّون 3 وجهان:
أحدُهما: أنَّهُ ثمن الماء، وهو متطوِّع بحفْظ الثِّياب، وإِعادة السَّطْل 4، فعلى
هذا؛ الثيابُ غير مضمونة على الحمَّامِين، والسَّطْلُ مضمونٌ على الداخل.
وأظهرهما: أنه أجرةُ الحمامُ والسَّطْل والإزار وحفظ الثياب 1، وأما الماءُ فإنَّه غير مضبوط حتى يقابل بعوَضٍ، وعلى هذا ينطبقُ قوله في الكتاب: "أمّا منْ دخَل الحمَّام لزمه الأُجْرة" فإنه جعل المأخوذ أجْرة الحمَّام، وإنما وجبت الأجرة، ولم يجر لها ذكْرٌ، ولم يخرج على الخلاف في المسألة الأولَى؛ لأنَّ الداخل مستوفٍ منفعةَ الحمام 2 لسُّكُوته، وهناك صاحبُ المنفعة هو الذي صرَفَها إلَى الغَيْر، فعلى هذا الوجْه، فالسَّطْل غير مضمونٍ على الدَّاخل؛ لأنه مستأجرٌ، والحمامِيُّ أجيرٌ مشترَكَ في الثياب؛ فلا يضمن على الأصح كسائر الأُجَراء.
وعبارةُ صاحب "التَّهْذيب" عن الوجْه الثاني أنه المأخوذَ ثمن الماء وأجرة الحمَّام والسَّطْل، وعلى هذا فيجعل فيه ثلاثةُ أوجه [والله أعلم بالصواب].
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَصَّرَ الثَّوْبَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ القِصَارَةَ عَيْنٌ لَمْ يَسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ لِأَنَّهُ تَلِفَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ فَيْسْتَحِقٌ إِذْ وَقَعَ مُسَلَّماً بالفَرَاغِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المسْألَةُ قد ذكرناها في "التفْليس" مرَّةَ، ونحن لا تحكي إعادتها عنْ فائدة، فنقول: إذا عمِل الأجيرُ ثم تلفت العيْنُ التي عَمِلَ عليها؛ نُظِر؛ إنْ لم يكن الأجيرُ مُنْفَرِداً باليد، بل عمل من ملْك المستأجر، أو بمحضر منه، لم يُسقط أجرته 3 وإن كان مُنْفَرِداً باليد كما إذا سَلَّمَ الثَّوْبَ إلى القَصَّار، فقصَّره، ثم تَلِف عنده، فيبنَى على خلافٍ مذكورٍ في "التفليس" أن في القصارة أثرٌ أمْ عَيْنٌ؟
إن قلْنا: أثر، لم تسقطِ الأجرةُ، ثم إنْ ضمنا الأجير، فعليه قيمة ثوْبٍ مقصورٍ، وإلا فلا شيْء عليه، وإن قلْنا: عيْنٌ سقَطت أجرته، وعليه قيمة ثوْب غيْر مقصود إنْ ضمنا الأجير، أو وجد منه تعدّ وإلا فلا شيء عليه، وإن قلنا: عين، سقطت أجرته، وعليه قيمة ثوب غير مقصور إن ضمنا الأجير، أو وجد منه بعد وإلا فلا شيء عليه وإن أتلف أجنبيّ الثوب المقْصُور، فإن قلْنا: القِصَارة أثرٌ، فللأجِيرِ الأجرةُ، وعلى وإن قلنا: عين سقطت أجرته وعليه قيمة ثوب غير مقصور إن ضمنا الأجير أو وجد منه بعد وإلا فلا شئ الأجنبيِّ القيمةُ، ثم المستأجرُ على قول تضمينِ الأجير يتخيَّر بين مطالبته ومطالبة الأجنبيِّ، والقرار على الأجنبيِّ.
وإن قلْنا: عين، جاء الخلافُ فيما إذا أتلف أجنبيُّ المبيعَ قَبْل القَبْض.
وإن قلنا: ينفسخ [العقد] فهو كما لو تلف، وإلاَّ فللمستأجر الخيارُ في فَسْخ الإجارة وإجازتها، وإن أجاز ولم يضمن الأجيرُ، فيستقرُّ له الأجرة، والمستأجرُ يغرَّم للأجنبيِّ قيمة ثوبٍ مقصورٍ، وإن ضمناه، فالمستأجر بالخيار، إن شاء ضمن الأجنبي قيمة ثوب مقصورٍ، وإن شاء، غرم الأجنبيُّ قيمة القصارة، وللأجير قيمةُ ثوْبٍ غيرِ مقْصُورٍ، ثم الأجيرُ يرجع على الأجنبيِّ وإن فسخ الإجارة، فلا أجْرةَ عليه، ويغرَّم الأجنبيُّ قيمةَ ثوبْ غير مقصورٍ، وإن ضمنا الأجير، غرم القيمة من شاء منْهما، والقرار على الأجنبيِّ، ويغرِّم الأجنبيُّ للأجير 1 قيمة القصَارة، ولو أتْلَف الأجيرُ الثَّوْبَ بنفسه، فإن قلْنا: القصارة أثرٌ فله الأجرة، وعَليْه قيمةُ ثوْب مقصورٍ، وإن قلنا: عيْنٌ، جاء الخلافُ في أن إتلاف البائع كالآفة السماويَّة، أو كإتلاف الأجنبيِّ، وإن قلْنا: كالأفة السماوية، فالحكمُ ما سبق، وإن قلْنا: كإتلاف الأجنبيِّ وأثبتنا للمستأجر الخِيَارَ، فإن فسخ الإجارة، سقطت الأجرةُ على الأَجير، وعلَى الأجِير قيمةُ ثوبٍ غير مقصورٍ، وإنْ أجازها، استقرَّت، وعليه قيمةُ ثوب مقصورٍ، وصبغ الثوب بصيغ صاحب الثوب كالقصارة، فإن استأجره، ليصبغ بصبغ من عنده؟
قال في "التَّتِمَّة": هو جمْعٌ بين البَيْع والإجارة، ففيه الخلافُ المعروف، وسواءٌ صحَّ أو لم يصح فهذا هَلَكَ الثَّوْبُ عنده، سقطت قيمةُ الصَّبْغ، وسقوط الأجْرَة عَلَى ما ذكرنا في القِصَارة.
فَرْعٌ: سَلَّمَ ثوباً إلَى قَصَّار؛ ليقصرَه، فجحده، ثم أتَى به مقصوراً، استحق الأجرة، إن قصره ثم جحده، وإنْ جَحَد ثم قصره، فوجهان 2:
وجهُ المنع، وبه قال أبو حنيفة: إنَّهُ عمل لنفسه.
وخرَّج الصيدلانيُّ الوجَهيْن على القَوليْن في الأجير في الحج، إذا صرف الإحرام إلى نفسه، هل يستحقُّ الأجرة؟
ويُقَالُ: إنَّ أبَا حَنِيْفَةَ امتحن أبا يُوسُف.
رحمه الله تعالى بهذا الفَرْع، حيث انفرد عَنْه، وتصدَّى الدرس وأمر السائل بتخطئته، إن أطلق الجواب بـ"لا أو نعم".
فأطلق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيُحَمِّلَهَا عَشَرَةَ آصُعٍ فَزَادَ صَاعاً صَارَ عَاصِيَاً ضَامِناً، وَلَوْ سَلَّم إِلَى المُكْرِي وَقَالَ: إنَّهُ عَشَرَةٌ وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ وَكَذَبَ فَتَلِفَتِ الدَّابَّةُ بِالحِمْلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَفِي قَدْرِهِ قَوْلاَن أَحُدُهُمَا: النِّصْفُ كَمَا إِذَا جَرِحَ نَفْسَهُ جُرَاحَاتٍ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ جِرَاحَةَ فَمَاتَ وَالثَّانِي: أنَّه يَجِبُ جُزْءٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءَاً مِنَ الضَّمَانِ لِأَنَّ
الجِرَاحَاتِ لاَ تَنْضَبِطُ بِخِلاَفِ الحَمْلِ، وَهَذَا الخِلاَفُ جَارٍ في الجَلاَّدِ إِذَا زَادَ وَاحِداً عَلَى المِائَةِ أنَّهُ يَضْمَنُ النِّصْفَ أَوْ بِحِسَابِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قدْ مرَّ أن المستأجر لا يضمَنُ، إذا لم يوجَدْ منه تُعَدٍّ، فإن وُجِدَ، وجبَ الضَّمَانُ، وذلك كما إذا ضرب الدَّابة، أو كَبَحَها 1 باللِّجَام فوق العادة، وعادةُ الضَّرْب تختلف في حقِّ الراكب، والرائضِ، والراعِي، فكلُّ يراعى عادة أمْثَاله، ويحتمل من الأجير للرياضة والرعْي ما لا يُحْتَمل من المستأجر للركوب.
وأما الضَّرْب المعتادُ، إذا أفضى إلى تَلَفٍ، فإنه لا يوجِبُ ضماناً؛ خلافاً لأبي حنيفةَ، ويخالِفُ ضَرْبَ الزوج زوجته؛ لأنه يمكن تأديب الآدمِيِّ بغير الضَّرْب 2، وإذا نام بالليل في الثوب الذي استأجره، أو نَقَل فيه التُّرَاب أو أَلْبَسَهُ عَصَّاراً، أو دَبَّاغاً دون من هو في مِثْل حالِهِ، أو أسكن الدَّارَ قصَّاراً أو حدَّاداً دون مَنْ هُوَ في مثْل حاله، وجب الضمان، وكذا لو أَرْكَب الدابَّة مَنْ هو أثقلُ منْه وقرار الضمان على الثاني إن كان عالماً، وإلاّ فعلى الأول، وإن أركبها مثله، فجاوز العادة في الضرب، فالضمان على الثاني دون الأول؛ لأنه لم يتعد.
ولو اكترى لحمل مائة رطل حديد، فحمل مائة من القطن أو التبن أو بالعكس ضمن، وكذا لو اكترى لحمل مائة مَنٍّ من الحنطة، فحمل مائة مَنٍّ من الشعير ضمن أو بالعكس؛ لأن الشعير أخف فمأخذ من ظهر الدابة أكثر، والحنطةُ أثقلُ، فيحتمل ثقلُها على الموضِعِ الوَاحِد.
ولو اكتَرى لحمل عشرة أَفْقِرَةٍ 3 من الحنطة، فحمَلَ عشرةً من الشَّعير، لم يضمن؛ لأنَّ المقدارَيْن في الحِجْم سواءٌ، والشعير أخفُّ، وبالعكس يضمن لزيادةٍ ثقَل الحنْطة.
ولو اكترَى ليركب بسَرْج، فركب بلا سرج أو بالعكْس، ضمن، أمَّا الأول، فلأنه أضرَّ بالدابة.
وأما الثاني فلأنه حملها فوق المَشْروط.
ولو اكترَى ليحمل عليها بالإكاف، فحمل بالسِّرج، ضمنه؛ لأنه أشقُّ على الدابة وبالعكس لا يضمن إلا أن يكُون أثقل، ولو اكترى ليركب بالسرج، فركب بالإكاف
ضمن، وبالعكس لا يضمن إلا أن يكون أثقل، وقس على هذه الصور أخواتها.
ولو استأجرَ دابة ليحمل مقداراً سمَّيَاه، فكان المحْمُول أكثر نُظِرَ؛ إن كانت الزيادةُ بقَدْر ما يقع من التفاوُتِ بيْن الكَيْلَيْن في ذلك المبلغ، فلا عبرة بها، فإن كانتْ أكثر، كما إذا كان المشْرُوط عَشَرة أصعٍ، وكان المحمولُ أحدَ عَشَرَ، فللمسألة أحوال:
الحالة الأولَى: إذا كان المكتري الطَّعام، وحمله بنفسه، فعليه أجرةُ المثْل لما زاد، هذا هو المشْهُور، وفي كتاب القاضي ابن كجٍّ أن القاضِيَ أبا حامد حَكَى قولاً: أنَّهُ يأخُذ أجرة المثل للكلِّ وقولاً: أنه يتخيَّر بيْن المسمَّى، وما دخل الدابَّة من نقْصٍ وبيْن أن يأخذ أجرة المِثْل، وإن كان أبو الحسيْن حَكَى قولاً أنَّهُ بالخيار بيْن المسمَّى وأجرة المثْل للزيادة، وبين أجرة المثل للكلِّ، وإن تلِفَت البهيمة بالحَمْل، فإن انفرد المكْتَرِي باليد، ولم يكن معها صاحِبُهَا، فعَليْه ضمانها باليد العادية؛ لأنه صار يحمل الزيادَة غاصباً، وإنْ كان معها صاحبُها ضمِن بالجناية، وفي القدْرِ المضْمُونِ قولان، ويُقَالُ: وجهان:
أحدهما: النصْفُ؛ لأن التلَفَ تولَّد من جائزٍ، وغيْر جائز، فانقسم الضَّمان عليهما، كما لو جرح نفسه جِراحات، وجرَحه غيره جراحةً واحدةً، أو جَرَحَه واحدٌ جراحات، وآخَرُ [جراحة واحدةً] 1 يجب نِصْفُ الدِّية عَلَى صاحب الجراحة الواحدة.
والثَّاني: أن قيمة البَهيمة توزَّع على الأصْل والزيادة، فيضمن بقسط الزيادة؛ لأن التوزيع على المَحْمُول، ميَسر بخلاف الجراحاتِ، فإنَّ نكاياتها لا تنْضَبِط، ولا معنى لرعاية مجرَّد العدو.
قال الأئمة: وهذا الخلافُ مبنى على القولَيْن فيما إذا زاد الجلاَّد في الحدِّ واحداً علَى المائة أو الثمانين 2 أنَّه يضمن نصْف الدية، أو جزءاً بحسابه، ويشبه أن يكونَ التَّوْزيعُ أقْرَبَ، فقد رَجَحَة الإمامُ وغيْرُه، لكن في سلْسلَةِ الشَّيخ أبي محمَّد أنه التنصيف أصحُّ في المسألتَيْن.
وفي شَرْح "المختصر" للشيْخ هذا حكايةُ قوْلٍ ثالث: أنَّهُ يضمن جميع القيمة كما لو انفرد باليَد، وهذا قد نسبه القاضي ابنُ كج إلَى رواية أبي الحُسَيْن عن بعض الأصحاب، وأبدى من عند نفْسِه احْتمالاً فيما إذا انفرد باليد؛ أنَّه لا يضْمَن الكلَّ، والمعتمد ما تقدَّم.
ولو هلكت البهيمةُ بسَبَبٍ غيْرِ الحَمْل، ضمن عند انفرداه ياليَد؛ لأنَّه ضامِنٌ باليد،
ولم يضْمَنْ عند عدم الانفرادُ؛ لأنَّهُ ضامِنٌ الخيانة، وإن لم يحمل المكتري الطعام بنفسه، ولكنَّه بعْدَ ما كَالَ سلَّمة إلى المكرى حتَّى حمَلَه على البهيمة، نُظِر؛ إن كان المكْرِى جَاهِلاً بالحالِ؛ بأن لُبِّسَ عليه، وقال: إنَّه عشَرةٌ كاذباً؛ ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولَيْن في تعارُض المباشَرَة والغرور.
وإن اعتبرت المباشرة، فالحكْمُ عَلَى ما سنذكره في الحالة الثانية إن شاء الله تعالى وإن اعتبرنا التغرير، فكَمَا لوْ حمله المكْتَرِى بنَفْسِه.
وثانيهما: القَطْعُ بأنَّه، كما لو حمله بنَفْسِه؛ لأنَّ إعداد المحمول وشدَّ الأعدال وتسليمها إلَيْه بعْد عقْد الإجارة كالإلجاء إلى الحَمْل شَرْعاً، فكان كشهادة شُهُود القصاص، وسواءٌ ثبت الخلاف أم لا، فالظاهر وُجوب الضمانِ، وبه أجابَ صاحبُ الكِتَاب، وإنْ كان المكْرِي عالماً بالزِّيادة، نُظِرَ، إن لم يقل المكتري شيْئاً، لكن حمله المكْرِي، فالحكمُ كما سنذكره في الحالة الثانية؛ لأنه حمْلٌ بغير إذن صاحبه، ولا فرْقَ بين أن يضعه المكتري علَى الأَرْض، فيحمله المكْري على البهيمة، وبيْنَ أن يضَعَه على ظَهْر الدابَّة، وهي واقفة، فيسيرها المكري، وإنْ قال المكْتَرِي: احْمِلْ هذه الزيادةَ، فأجابه.
قال في "التتمة": هو مستعيرٌ للدابة في الزيادةَ، فلا أجرة لها، وإذا تلِفَتِ البهيمةُ بالحَمْل، فعليه الضمان؛ لأنَّ ضمانَ العارية لا تجِبُ باليد، وإنما تجب بالارْتفاق، والانتفاع، فزيادةُ الارتفاق بالمالك لا يوجِبُ سقوط الضَّمَان، وفي كلامِ الأئمَّة ما ينازع ما ذكره في الأجْرَة والضمان جميعاً.
الحالة الثانية: إذا كان المكْرَي وحمل على البهيمة، فلا أجرة له لِمَا زاد، سواءٌ كان غالِطاً أو عامداً، وسواءٌ كان المكتَرِي جاهلاً بالزِّيادة، أو عالماً بالزيادة، وسكت؛ لأنه لم يأذَنْ في نقل الزيادة، ولا يجبُ عَليْه ضمانُ البهيمة، وله مطالبة المكري بردِّها إلى الموضع المنقول منه، وليس للمكري أن يردَّها بدون رضا المكتري، ولو لم يعلم المكتري حتى عاد إلى البلد المنقول منه، فله أن يطالب بردِّها وأصح القولين أو الوجهين أن له المطالبةَ ببَدَلِها في الحال، كما لو أَبق العبد المغصوب من يد الغاصب.
والثَّاني: لا يطالب ببَدَلِها في الحال لأن عَيْنَ ماله باقٍ وردُّها 1 مقدور علَيْه.
وإذا قلنا بالأول وغرم البَدَل، فإذا رَدَّها إلَى ذلك البلد 2، استردَّ البدل، ورد ماله إليه، ولو كَالَ المكْرِي وتولَّى المكتري النَّقْل والحَمْل على البهيمة.
قال في "التتمة": إنْ كان عالماً بالزيادة، فهو كما لو كَالَ بنفسه، وحَمَل؛ لأنه لما عَلِم الزيادَة، كان من حقِّه ألاَّ يحملها، وإن كان جاهلاً، فعلى وجهين:
أحدهما: [آخذاً بما إذا] 1 قدَّم الطعام المغْصوب إلى المالِك، فأكَلَه جاهلاً هَلْ يبْرَأُ عن الضَّمان؟
الحالة الثالثة: إذا كال أجنبيُّ وحمل بلا إذْن، فعلَيْه أجرةُ الزيادة للمكري، وعليه الردُّ إلى الموضع المنقولِ منْه، إن طالبه المكْتَري، وضمان البهيمة عَلَى ما ذكرنا في حقِّ المكْتَرِي وإن تولَّى الحمْلَ بعد كَيْلِ الأجنبيِّ أحد المتعاقدَيْن، فينظر أهو جاهل، أمْ عالمٌ؟ ويقاسُ بما ذكرنا، هذا كلُّه فيما إذا اتَّفَقَا علَى الزيادة، وعلَى أنَّها للمُكْتَرِي.
أما إذا اختلَفَا في أصْل الزيادة، أو في قدرها، فالقول قول المنْكر، وإن ادَّعى المكْرِي أنَّ الزيادة له، والدابَّة في يده، فالقول قولُه، وإنْ لم يدَّعهَا واحدٌ منْهما، تُرِكتْ في يده؛ حتى يظهر لها مستحِقٌّ، ولا يلزمُ المكْتَرِيَ كراهاً، ولو وُجِدَ المحمولُ دون المشروط، نُظِر؛ إن كان النُّقْصَانُ بِقَدْر ما يقع من التفاوُتِ بيْن الكيلَيْن، فلا عِبْرَةَ به، وإنْ كان أكثر من ذلك، قال في "التتمة": إنْ قال المكْرِي، حُطَّ من الأجرةِ بقِسْطه، إن لم يعلم المكْتَرِي، وإن علمه، فإن كانت الإجارةُ في الذمَّة، فكذلك؛ لأَنه لم يفِ بالمَشْروط، وإن كانتِ الإجارةُ عيناً فالحكم كما لو قال المكتري بنَفْسه ونقص، فلا يُحَطُّ شيءٌ من الأجرة؛ لأن التمكين في استيفاء المنْفَعَة قد حَصلَ، وذلك كافٍ في تقرر الأجْرة.
ولو اكترى اثنانِ دابَّةً وركِبَاها,.
فارتدَفَهما ثالثٌ بغيْر إذنهما، فهلكتِ الدابَّة ففيما يجبُ على المُرْتَدِفِ ثلاثةُ أوجه:
أحدها: النصفُ؛ لحُصُول الهلاك مِنْ جائزٍ وغيرِ جَائز.
والثاني: أنَّ القيمَة تُقَسطَ عَلَى أوزانهم، فيجب على المرتَدِف ما يخصُّه.
والثالث: أنَّهُ يلزمه الثُّلثُ توْزِيعاً على رُؤوسهم، فإنَّ الرجالَ لا يوزَنُون في العادة 2.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ سَلَّمَ ثَوْباً إِلَى خَيَّاطٍ فَخَاطَهُ قِبَاءً فَقَالَ: مَا أَذِنْتُ لَكَ إِلاَّ فِي القَمِيصِ، فَإذَا تَنَازَعَا (م) تَحَالفَا إِذْ يَدَّعِي المَالِكُ خِيَانَتَهُ فَإذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ سَقَطَ الأَرْشُ، ويَدَّعِي الخَيَّاطُ إِذْنَ المَالِكِ وَالأُجْرَةَ فَإِذَا حَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَأذَنْ سَقَطَتِ الأُجْرَةُ، وَفِيهِ
قَوْلٌ أَنْ الأُجْرَةَ تَسْقُطُ عِنْدَ التَّحَالُف وَلَكِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فَكَانَ أَثَرُ التَّحَالُفِ فِي رَفْعِ العَقْدِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: القَوْلُ قَوْلُ الخَيَّاطِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: القَوْلُ قَوْلُ المَالِكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ: قَوْلُ أَبِي حَنِيْفَةَ أَشْبَهُ، وَكِلاَهُمَا مَدْخُولاَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا قَوْلاَنِ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا دفَع ثوباً إلَى خيَّاط، ليقطعه، ويخيطه، فخَاطَه قباءً 1 ثم اختلفا، فقال الخيَّاط: هكذا أمَرْتَنِي، وقال المالك: بلْ أَمرَتُكَ أن تقْطَعَه قميصاً، فحكايةُ الشافعيِّ رضي الله عنه في اختلافِ العراقِيِّين عن ابن أبي ليلَى أن القوْلَ قَوْلُ الخيَّاطِ.
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أنَّ القوْل قولُ المالِكِ، روى المُزَنِيُّ في الجامِعَيْن "المختصر"، و"الكبير" أنه ذكر.
بعد حكايته قولَيْهما؛ أنَّ قول أبي حنيفة أشبهُ بالحقِّ، وكلاهما مدخولٌ، وحَكَى في "الجامع "الكبير" عنه أنهما يتحالفان، وبه أجاب في "الإملاء" فيما إذا اسودَّ الصبَّاغُ ثوبه، وقال: هكذا أمَرْتَنِي، وقال المالك: أمرتُكَ بصبغة أحْمَرَ، واختلف الأَصْحَابُ على ثلاثة طرقٍ:
أحدها: إثباتُ ثلاثةِ أَقْوَالٍ في المَسْأَلة:
أحدها وبه قال مالكٌ وأحمدُ: أن القوْلَ قول الخيَّاط؛ لأنهما اتَّفَقَا على الإذْنِ في القَطْع، والظاهرُ أنَّه لا يتجاوَزُ المأذُون، ولأنَّ المالك يدَّعي عليه الغرم، والأصْلُ عدمه.
والثاني: وبه قال أبو حنيفَة واختاره المُزَنِيُّ: أن القول قولُ المالك؛ لأنهما لو اختلفا في أصْل الإذْن، كان القوْلُ قول المالِك، فكذلك، إذا اختلفا في صِفَتِهِ، وهذا كما لو قال: دفعْتُ هذا المالَ إليك وديعةً، فقال: بل رَهْناً أو هبةً، كان القولُ 2 قولَ المالِك، وأيضاً، فإن الخيَّاطَ معترفٌ بأنَّه أحْدَثَ نقْصاً في الثَّوْب، ويدعّي أنه مأذونٌ فيه، والأصلُ عدمه، وأيضاً فإنَّه يدعي أنَّهُ أتى بالعمل الذي استأجره عليْه، والمالِكُ ينكره، فأشْبَهَ ما إذا استأجره لِحَمْل متاع، فقال الأجيرُ: حمَلْتُ، وأنْكَرَ المالِكُ، فإنَّ القولَ قوْلُ المالك.
والثالث: أنَّهُمَا يتحالَفَانِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منْهما مُدَّعٍ ومدَّعىً عليه، فالخيَّاط يدعي الإجْرة والمالكُ ينكرُها 3، والمالكُ يدَّعِي الأرْشَ، والخيَّاط ينكره، وهذه الطريقةُ معزبةٌ في "شرح الجويني" إلى القفال.