الضَّمَان؛ لأنه لو لم يقطع لنبت ثانياً، ذكره في "التهذيب"، ويجوز تسريح البهائم في حشيشه لترعى خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-.
لنا: أن الهَدَايا كانت تساق في عَصْرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- وما كانت تشد أفواهها في الحَرَمِ.
ولو اختلى الحشيش ليعلفه البهائم ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" 1.
وأظهرهما: الجواز، كما لو سَرَّحَهَا فيه، ويستثنى عن المنع الإذخر لحاجة السقوف كما ورد في الخَبَر، ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدَّواء فهل يجوز قطعه؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ليس في الخبر إلا استثناء الإذخر.
وأصحهما: الجواز؛ لأن هذه الحَاجَة أهم من الحَاجَة إلى الإذخر-والله أعلم-.
وليهن عليك ما لحق مسائل الكتاب من تغيير الترتيب فقد أعلمتك مراراً أن الشرح قد يحوج إليه، وقوله: (دون ما يستنبت) مُعَلَّم بالواو للقول الأصَحِّ عند الأكثرين، وبالألف لأن مذهب أحمد على ما رواه أصحابنا مثل ذلك القول.
وقوله: (كما لو سرحها فيها) بالحاء والألف، وقوله: (كان النظر إلى الجنس) بالواو، وقوله: (حتى لو نقل أراكًا حرميًا، وغرسه في الحل لم ينقطع حكم الحرم) ليس مذكوراً على سبيل الاحتجاج للوجه النّاظر إلى اعتبار الجنس، والأصل، فإن هذه الصورة لا تسلم عن نزاع من ينازع في اعتباره.
وقال الإمام -رحمه الله-: إذا كان صاحب "التلخيص" يعتبر القصد فلا تثبت الحرمة لهذه الشجرة إذا غرست في الحرم، فما ظنك إذا غرست في الحِلِّ، فلعله ذكره تفريعاً على ذلك الوجه.
وقوله: (ثم في قطع الشجرة الكبيرة بقرة) لفظ البقرة والشَّاة معلمان بالحَاءِ، لأن عنده الواجب القيمة دون الحيوان كما ذكر في الصيد، وبالميم؛ لأن عنده لا جزاء في الشَّجَرِ، وكذلك لفظ القيمة، وقوله: (فيما دونها القيمة) يبين أنه أراد بالصغيرة المتوسطة، وإلا فاسم الصغيرة يتناول ما ليست بكبيرة كيف كانت.
فرع: يكره نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سَائِر البقاع 2، والبرام يجلب من حد
الحل، ولا يكره نقل ماء زمزم، كانت عائشة -رضي الله عنها- تنقله، وقد روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَهْدَاهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ عَمْروٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ" 1 قال الشَّيْخُ أَبُو الفَضْلِ بْنِ عُبْدَانَ: لا يجوز قطع شيء من ستر الكعبة ونقله وبيعه وشراؤه، خلاف ما يفعله العَامّة يشترونه من بَنِي شَيْبَةَ، وربما وضعوه في أوراق المصاحف، ومن حمل منه شيئاً فعليه رده.
قال الغزالي: وَيُلْحَقُ حَرَمُ المَدِينَةِ بِمَكَّة في التَّحْرِيمِ، وَفي الضَّمَانِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لا، إِذْ وَرَدَ فِيهِ سَلْبُ ثِيابِ الصَّائِدِ فَهُوَ جَزَاوُهُ، ثُمَّ السَّلْبُ للسَّالِبِ، وَقِيلَ: أَنَّهُ لِبَيْتِ المَالِ، وَقِيلَ: أنَّهُ يُفَرَّقُ عَلَى مَحَاوِيجِ المَدِينَةِ، وَإنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلْبَ إِذَا اصْطَادَ أَوْ أَتْلَفَ (و)، وَالشَّجَرُ وَالصَّيْدُ فِي السَّلْب سَوَاءٌ.
قال الرافعي: لا يباح التعرض لصيد حرم المدينة وأشْجَارِه، وهو مكروه أو محرم؟ نقل في "التتمة" تردد قول، وحكى بعضهم فيه وجهين، والصَّحيح وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنه مُحَرَّم لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مِثْلَ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ لاَ يُنْفَرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" 2.
وروي أنه قال: "إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُها" 3.
ويجوز إعلام قوله في الكتاب: (التحريم) بالواو لمكان الوجه الآخر، وبالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة أنه لا يحرم.
وإذا قلنا: بالتحريم، ففي ضمان صيدها ونباتها قولان: = الكعبة، فقد قال الجليمي -رحمه الله- أيضاً: لا ينبغي أن يؤخذ منها شيء.
وقال صاحب "التلخيص": لا يجوز بيع أستار الكعبة.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله- بعد أن ذكر قول ابن عبدان والحليمي: الأمر فيها إلى الإمام، يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعاً وعطاءً، واحتج بما رواه الأزرقي صاحب كتاب "مكة": أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كان ينزع كسوة البيت كل سنة، فيقسمها على الحاج.
وهذا الذي اختاره الشيخ حسن متعين، لئلا يتلف بالبلى، وبه قال ابن عباس، وعائشة، وأم سلمة -رضي الله عنهم- قالوا: ويلبسها من صارت إليه من جنب وحائض وغيرهما.
ولا يجوز أخذ طيب الكعبة، فإن أراد التبرُّك، أتى بطيب من عنده فمسحها به، ثم أخذه.
(ينظر الروضة 2/ 440).
الجديد وبه قال مالك: لا يضمن؛ لأنه ليس بمحل النّسك فأشبه مواضع الحِمَى، وإنما أثبتنا التحريم للنصوص.
والقديم وبه قال أحمد: أنه يضمن، وعلى هذا فما جزاؤه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن جزاءه كجزاء حرم مكة لاستوائهما في التحريم.
وأظهرهما: وبه قال أحمد: أن جزاءه أخذ سلب الصائد، وقَاطِع الشَّجر، لما روى أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: "أَخَذَ سَلْبَ رَجُلٍ قَتَلَ صَيْداً في الْمَدِينَةِ، وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ رَأَى رَجُلاً يَصْطَادُ بِالْمَدِينَةِ فَالْيَسْلِبْهُ" 1. وعلى هذا ففيما يسلب؟ وجهان الذي أورده الأكثرون أنه يسلب منه ما يسلبه القاتل من قتيل الكفار.
والثاني: أنه لا ينحى بهذا نحو سلب القتيل في الجِهَاد، وإنما المراد من السلب هاهنا الثِّياب فحسب، وهذا ما أورده الإمام وتابعه المصنف فقال: (إذ ورد فيه سلب ثياب الصائد) فقيد بالثياب، وعلى الوجهين ففي مصرفه وجْهَان مشهوران:
أظهرهما: أنه للسالب كسلب القتيل، وقد روي أنهم كلموا سَعْداً في هذا السَّلب فقال: "مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 2.
والثاني: أنه لمحاويج المدينة وفقرائها كما أن جزاء صيد مكة لِفُقَرَائِهَا، ووجه ثَالِثٌ حكاه الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عن الأستاذ أَبِي إِسْحَاقَ، والقَفَّالِ: أنه يوضع في بَيْتِ المال، وسبيله سبيل السَّهْمِ المترصد للمصَالِح.
وقوله في الكتاب: (ففي الضمان وجهان) اقتدى فيه بالإمام، والمشهور في المسألة قولان: وقوله: (إذ ورد فيه سلب ثياب الصائد في الصيد) معناه أن واجب هذه الجناية هو السلب الذي ورد في الجزاء، إذ لو وجب الجزاء لوقع الاكتفاء به، كما في صيد مكَّة، وعنى بالضمان الجزاء دون المُشْتَرك بينه وبين السَّلْب، فاعرف ذلك.
وقوله: (وإنما يستحق السلب إذا اصطاد، أو أتلف) قصد به التعرض لما ذكره الإمام، حيث قال: غالب ظني أن الذي يهم بالصيد لا يسلب حتى يصطاد، ولست أدْرِي أيسلب إذا أرسل الصيد أم ذلك إذا أتلف الصَّيد 3؟ ولفظ "الوسيط" لا يسلب إلا
إذا اصطاد، أو أرسل الكَلْب، ويحتمل التأخير إلى الإتلاف.
واعلم أن السَّابِق إلى الفهم من الخبر، وكلام الأئمة أنه يسلب إذا اصطاد، ولا يشترط الإتلاف.
وأما قوله: (والشجرة والصيد في السلب سواء)، فهو بين -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صَيْدِ وَجِّ الطَّائِفِ وَنَبَاتِهَا، وَهُوَ نَهْيُ كَرَاهِيَةِ يُوجِبُ تَأْدِيباً لاَ ضَمَاناً.
قال الرافعي: وج الطائف واد بصحراء الطائف، وليس المراد منه نفس البلدة قال الشافعي -رضي الله عنه- أكره صيده، وعن الشَّيْخِ أبي علي حكاية تردد في أنه تحريم، أو مجرد كَرَاهِية، ولفظ الكتاب كالصريح في الثاني، لكن الصَّحيح عند عامة الأصْحَابِ الأول؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم-.
قال: "صَيْدُ وَجِّ الطَّائِفِ مُحَرَّمٌ للهِ" 1.
وعلى هذا فهل يتعلق به ضمانه؟ منهم من قال: نعم، وحكمه حكم حرم المدينة، وقال- صاحب "التلخيص" والأكثرون: لا، إذ لم يرد في الضَّمَانِ نقل، لكن يؤدب.
فرع: "النَّقِيعُ لَيْسَ يُحَرَّمُ، لَكِنْ حَمَاهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لإبِلِ الصَّدَقَةِ" وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ" 2، فلا تملك أشجاره وحشيشه، وفي وجوب كل الضّمان على من أتلفها وجهان:
أحدهما: لا يجب، كما لا يجب في صيده شئ، وأظهرهما: يجب؛ لأنه ممنوعٌ مِنْهَا، وكانت مضمونه عليه بخلاف الصَّيْدِ، فإن الاصطياد فيه جائز، وعلى هذا فضمانها القيمة، ومصرفها مَصْرف نعم الصَّدقة والجزية 3.
القِسْمُ الثَّالثُ مِنْ كِتَابِ الحَجِّ فِي اللَّوَاحِقِ
وَفِيهِ بَابَانِ
الأَوَّلُ فِي مَوَانِعِ الحَجِّ
قال الغزالي: وَهِيَ سِتَّةٌ: الأَوَّلُ: الإحْصَارُ وَهُوَ مُبِيحٌ للتَّحَلُّلِ مَهْمَا احْتَاجَ فِي الدَّفْعِ إِلَى قِتَالٍ أَوْ بَذلِ مَالٍ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّاراً وَجَبَ القِتَالُ إِلاَّ إِذَا زَادُوا علَى الضِّعْفِ، وَلَوْ أَحَاطَ العَدُوُّ مِنَ الجَوَانِبِ لَمْ يَتَحَلَّلْ عَلَى قَوْلٍ لِأَنَّهُ لاَ يُرِيحُ مِنْهُ التَّحَلُّلُ كَمَا لاَ يَتَحَلَّلُ بالمَرَضِ (ح)، وَلَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ عِنْدَ المَرَضِ فَفِي جَوَازِ التَّحَلُّل قَوْلان.
قال الرافعي: كان حجة الإسلام -رحمه الله- قد قسم كتاب الحَجِّ إِلَى ثَلاثَة أقسام: المقدمات، والمقاصد وقد حصل الفراغ منهما.
والثالث: اللواحق، وفيه بابان ترجم أولهما بموانع الحج، ولم يرد بها موانع وجوبه أو الشروع فيه، وإنما أراد العَوَارِض التي تعرض بعد الشروع فيه وتمنع من إتمامه، وهي فيما عدّها ستة أنواع:
أحدها: الإحْصَار 1، فإذا أَحْصَر العَدُو المُحْرِمين عن المُضِي في الحج من جميع الطرق كان لهم أن يتحلَّلُوا؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أُحْصِرَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 2.
والمعنى: فإن أَحْصِرتم فتحللتم، أو أردتم التَّحَلُّل فما استيسر من الهدى، فإن
نفس الإحصار لا يوجب هَدْياً، والأولى أن لا يعجل التَّحلُّل إن وسع الوقت، فربما يزول المنع فَيُتمُّونَ النّسك، وإن كان ضيقاً فالأولى التعجيل كي لا يفوت الحج، ويجوز للمحرم بالعمرة التحلل أيضاً عند الإحصار 1، وعن مالك: أنه لا يجوز التَّحلُّل في العمرة؛ لأنه لا يخاف فواتها.
أما أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "تَحَلَّلَ بِالإحْصَارِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ مُحْرِماً بَالْعُمْرَةِ" 2.
إذا عرفت ذلك ففي الفصل مسائل:
إحداهما: لو منعوا ولم يتمكَّنُوا من المسير إلاَّ بِبَذْل مال، فلهم أن يتحلَّلُوا ولا يبذلوا المال، وإن قل إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج بل يكره البذل، إن كان الطالبون كفاراً لما فيه من الصَّغَار، وإن احتاجوا إلى قتال ليسيروا، نظر إن كان المانعون مسلمين فلهم التَّحلل ولا يلزمهم القتال، وإن قدروا عليه لما فيه من التَّغْرير بالنَّفس، وإن كانوا كفاراً فقد حكم صاحب الكتاب بوجوب القتال، إذا لم يزد عدد الكفار على الضعف، وهكذا حكى الإمام -رحمه الله- عن بعض المصنفين، ولم يرتضه على هذا الإطلاق، بل شرط فيه وِجْدَانهم السّلاح وأُهْبة القتال، وقال: إذا وجدوا الأهبة وقد صدتهم الكفار، فلا فرار ولا سبيل إلى التحلل.
وأنت إذا فَحَصْت عن كتب الأكثرين وجدتهم يقولون: لا يجب القِتَال على الحجيج، وإن كان العدو كفاراً وكان في مقابلة كل مسلم أقل من مشركين غير أنهم إن كانوا كفاراً وكان بالمسلمين قوة فالأولى: أن يقاتلوا ويمضوا نُصْرَةً للإسلام وإتْماماً للحج، وإن كان بالمسلمين ضعف أو كان العدو مسلمين، فالأولى: أن يتحلَّلُوا، ويتحَرَّزُوا عن قتال تحرُّزاً عن سفك دماء المسلمين، ولهؤلاء أن يقولوا للإمام: لا نزاع في أنهم لو قاتلوا المُسْلمين والصورة ما ذكرت لم يكن لهم الفرار، لكن يجوز أن
يمنعوهم من الحج ولا يقاتلوهم لو تركوا الحج، كل يلزمهم ابتداء القتال ليمضوا؟
هذا موضع الكلام، وعلى كل حال فلو قاتلوهم كان لهم أن يلبسوا الدروع والمغافر، ثم يفدون كما إذا لبس المحرم المَخِيطَ لدفع حر أو برد.
الثانية: ما ذكرنا من جَواز التَّحلل مفروض فيما إذا مَنَعُوا من المضي دون الرجوع والسير في صوب آخر.
فأما إذا أحاط العدو بهم من الجوانب كلها ففيه وجهان كذا نقل المعظم، وقال الإمام والمصنف قولان:
أحدهما: ليس لَهُمَا التَّحلل، لأنه لا يربحهم، والحالة هذه ولا يستفيدون به أمناً، وصار كالمريض ليس له التحلل.
وأصحهما: أن لهم التحلل؛ لأنهم يستفيدون به الأمن من العدو الذي بين أيديهم.
الثالثة: ليس للمحرم التّحلّل بعذر المرض، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- يصبر حتى يَبْرَأ، فإن كان محرماً بِعُمرة أتمَّها، وإن كان محرماً بحج وفاته تَحَلَّل بعمل عُمْرة؛ لأنه لا يستفيد بالتَّحلُّل زوال المرض.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (أنه لا حَصْرَ إلاّ حصر العدو)، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجوز التَّحلل بالمرض، وهذا إذا لم يشترط التَّحلل عند المرض.
أما إذا شرط أنه إذا مرض تحلل، نقد نص في القديم على صحة هذا الشرط، وعلق القول في الجديد بصحة حديث ضبَاعَة بنت الزبير -رضي الله عنهما- وهو ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: "أَمَا تُريدِينَ الْحَجَّ، فَقَالَتْ: أَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنْ تَحِلِّيَ حَيْثُ حُبِسْتِي" 1: وللأصحاب فيه طريقان: أثبت عامتهم فيه خلافاً، وقالوا: إنه صحيح في القديم، وفي الجديد قولان:
أظهرهما: الصحة للحديث، وبه قال أحمد.
والثاني: المنع، وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله- لأنه عبادة لا ليجوز الخروج منها بغير عذر، فلا يجوز بالشرط كالصَّلاَة المفروضة، وعن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه صحيح جزماً بصحة الحديث ولو شرط التحلل لغرض آخر كضلال الطريق ونفاذ النفقة والخطأ في العدد، فهو كما لو شرط التَّحلل عند المرض، وعن الشيخ أبي محمد: أنه لغو لا محالة، والخلاف مخصوص بالمرض لورود الخبر فيه.
التفريع: إنْ صححنا الشرط، فهل يلزمه الهَدْي للتحلل إن كان قد شَرط التحلل بالهدي؟ فنعم، وإن كان قد شرط التَّحلل بلا هدي، فلا، وإن أطلق فوجهان:
أظهرهما: وبه قال أبو إسحاق والدَّارِكِيُّ: أنه لا يلزم أيضاً لمكان الشرط، ولو شرط أن يقلب حجهَ عمرة عند المرض، فهو أولى بالصِّحَّة من شرط التَّحلل رواه القاضي ابن كَجٍّ عن نصه.
ولو قال: إذا مرضت فأنا حلال فيصير حلالاً بنفس المرض، أم لا بد من التَّحلل؟ فيه وجهان، والمنصوص منهما الأول، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَتَحَلُّلُ المُحْصِر هَلْ يَقِفُ عَلَى إِرَاقَةِ دَمِ الإحْصَارِ؟ (ح) فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ كَانَ مُعْسِراً وَقُلْنَا: إِنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ ففي تَوَقُّفِهِ القَوْلاَنِ المُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَتَوَقَّفَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ طَوِيلٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح) بَعْثُ الدَّمِ إلَى الحَرَمِ، وَإذَا قُلْنَا: لاَ يَتَوَقَّفُ فَيَتَحَلَّلُ بِالحَلْقِ أَوْ بنيَّةِ التَّحلُّلِ، وَلاَ قَضَاءَ (ح) عَلَى المُحْصِرِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل ثلاث مَسَائِلَ:
إحداها: في أن تحلُّل المُحْصر بِمَ يحصل؟ وهذه المسألة تحوج إلى معرفة أصلين:
الأول: أنه يجب على المُحْصر إذا تحلَّل دَمُ شاة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-، وقال مالك: يتحلل، ولا دم عليه.
لنا قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وهذا إذا لم يَجْرِ من المحرم شرط سابق.
فأما إذا كان قد شرط عند إحرامه أنه يتحلل إذا أحصر ففي تأثير هذا الشرط في إسقاط الدم طريقان، منهم من خرجه على وجهين، كما إذا شرط التَّحلل عند المرض وتحلل بالشرط وقد ذكرناه.
والأصح: القطع بأنه لا يؤثر؛ لأن التَّحلل بالإِحْصار جائز، وإن لم يشترط فالشرط لاَغٍ بخلاف التَّحلل بالمرض.
والأصل الثاني: أنَّ القول قد اختلف في أن دم الإحصار هل له بدل أم لا؟ وبتقدير أن يكون له بدل، فكيف سبيله وهو على التَّرتيب أو التَّخيير، وهذا ستعرفه حق المعرفة في الياب الثاني إن شاء الله تعالى.
إذا تقرر ذلك، فنقول: إن قلنا: إن دَمَ الإِحْصَار لاَ بَدَل له، وكان واجداً للدم فيذبح وَينْوى التَّحلل عنده، وإنما اعتبرت نِيَّة التّحلل؛ لأن الذبح قد يكون للتَّحَلل،
وقد يكون لغيره فلا بد من قصد صارف، وإن لم يجد الهدي إما لإعساره أو غير ذلك، فهل يتوقف التَّحلل على وجدانه؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الهدي أقيم مقام الأعمال، ولو قدر على الأعمال لم يتحلل إلا بها، فإذا عجز لا يتحلل إلا ببدلها.
وأصحهما: لا، بل له التَّحلل في الحال؛ لأن التحلل إنما أبيح تخفيفاً ورفقاً حتى لا يتضرر بالمقام على الإحرام، ولو أمرناه بالصبر إلى أن يجد الهدي لتضرر، وعلى التقديرين فلا بد من نية التحلل، وهل يجب الحَلْق؟ بناه الأئمة على الأصل الَّذي سبق، وهو أَنّ الحَلْق نُسُك أم لا؟ إن قلنا: نسك، فنعم.
وإن قلنا: استباحة محظور فلا، فيخرج من هذا.
أما إذا اعتبرنا الذَّبْح والحَلْق مع النِيَّة والتحلل، يحصل بثلاثتها، وإنْ أخرجنا الذَّبْح عن الاعتبار فالتَّحلُّل يحصل بالحَلْق مع النِيَّة أو بمجرد النية فيه وجهان، وهذا ما أراده المصنف بقوله:
وإذا قلنا: لا يتوقف فيتحلل بالحَلْق أو بنية فالتحلل أي؟ فيه وجهان:
وإن قلنا: إنَّ دَمَ الإِحْصَار له بدل، فإن كان يَطعم فتوقف التحلل عليه كتوقفه على الذبح، وإن كان يصوم فكذلك مع ترتب الخلاف، ومنع التوقف هاهنا أولى؛ لأن الصوم يفتقر إلى زمان طويل فتكون المَشَقَّة في الصَّبر على الإحرام أعظم.
المسألة الثانية: لا يشترط بعث دم الإحصار إلى الحرم بل يذبحه حيث أحصر ويتحلل، وبه قال أحمد:
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجب أن يبعث به إلى مكَّة ويوكل إنساناً ليذبحه يوم النَّحْر إن كان حاجّاً وأي يوم شاء إنْ كان مُعْتَمِراً ثم يتحلل.
لنا: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُحْصِرَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَذَبَحَ بِهَا، وَهِيَ مِنَ الْحَلِّ" 1.
ولأنه موضع التَّحلل فكان موضعاً لذبح الهدي.
كالحرم، وكما يذبح دم الإحصار حيث أحصر فكذلك ما لزمه من دماء المَحْظُورات قبل الإِحْصَار، وما حمله معه من هدي، ويفرق لحومها على مساكين ذلك الموضع، وهذَا كله إذا كان مصدوداً عن الحرم، فأما إذا كان مصدوداً عن البيت دون أطراف الحرم، فهل له أن يذبح في الحلّ؟ ذكروا فيه وجهين:
والأصح: أنّ له ذلك.
الثالثة: في أنه هل يجب القَضَاءُ على المُحْصر وهذه المسألة بشرحها مع المسائل الَّلائقة بها مجموعة في آخر الباب -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: الثَّانِي لَوْ حَبَسَ السُّلْطَانُ شَخْصًا أَوْ شِرْذَمَةً مِنَ الحَجِيجِ فَهُوَ كَالإحْصَارِ العَامِّ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ يَجُوزُ التَّحَلُّلُ وَالقَوْلاَنِ في وُجُوبِ القَضَاءِ.
قال الرافعي: قد تكلمنا في الحصر العام الذي يشمل الرفقة.
وأما الحصر الخَاصّ الذي يتفق لأحد أو شرذمة من الرّفْقَة فينظر فيه، إن لم يكن المحرم معذوراً فيه كما إذا حبس بسبب دين وهو متمكّن من أدائه فليس له التحلل بل عليه أن يؤديه ويمضي في حجه، فإن فاته الحَجُّ في الحبس فعليه أنْ يسير إلى مكة ويتحلل بعمل عمرة، وإن كان معذوراً فيه كما إذا حبسه السُّلْطَان ظُلْماً أو بِدَيْن وهو لا يتمكن من أدائه، وهذا هو المقصود في الكتاب، ففيه طريقان:
أحدهما: وهو ما أورده المَرَاوزة أن في جوازِ التَّحَلُّل به قولين:
أحدهما: لا يجوز كما في المرض وخطأ الطَّريق، وأصحهما: أنه يجوز؛ لأن الاحصار سبب يبيح التَّحَلل للكل فيبيح للبعض كإتمام الأعمال.
وأظهرهما وهو ما أورده العراقيون: القطع بالجواز كما في الحصر العام؛ لأن مشقة كل أحد لا تختلف بين يتحمل أن غيره مثلها أَوْ لا يتحمل، وهؤلاء ردوا الخلاف إلى أنه هل يجب القضاء إذا تحلَّلَ بالحَصْر الخَاصِّ؟ وسيأتي ذلك.
واعلم أَنَّ لَفْظَ الكتاب آخراً يتعرَّض لهاتين الطَّريقَتَيْن.
وقوله أولاً: "فهو كالإحصار العام"، يشعر بطريقة ثالثة تقطع بجواز التحلل وعدم القضاء كما في الإِحْصَار العَام ولم أَرَ نقلها لغيره -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّالِثُ الرِّقُّ فللسيد مَنْعُ عَبْدِهِ إنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذنِهِ، وَإذَا مَنَعَ تَحَلَّلَ كَالمُحْصِرِ.
قال الرافعي: إحْرام العبد ينعقد سواء كان بإذن السَّيِّد أو دون إذنه ثم إن أحرم بإذنه لم يكن له تَحْليله سواء بقي نُسُكه صحيحاً أو أفسده، ولو باعه -والحالة هذه- من غيره لم يكن للمشتري تحليله لَكِنْ له الخِيَار إن كان جاهلاً بإحرامه، وإن أحرم بغير إذنه فالأولى أن يأذن له في إتمام النسك، ولو حلَّلَه جاز؛ لأن تقريره على الحج يعطل منافعه عليه.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: له تحليله سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه، وإذا أذن
له في الإِحْرام فله الرجوع قبل أن يحرم، فإن رجع ولم يعلم العبد به فأحرم فله تَحْلِيله، في أصح الوجهين، وهما مبنيان على الخلاف في نفوذ تصرفات الوَكِيل بعد العَزْل وقبل العلم.
وَلَو أَذِن له في العُمرة فأحرم بالحج فله تَحْليله، ولو كان بالعكس لم يكن له تحليله؛ لأن العمرة دون الحج والحج فوقها.
قال في "التهذيب": وظني أنه لا يسلم عن النزاع والخلاف 1.
ولو أذن له في التمتع، فله منعه من الحج بعدما تحلل عن العمرة، وليس له تحليله عن العمرة ولا عن الحج بعد الشروع.
ولو أذن له في الحج أو في التمتع، فقرن لم يجز تحليله.
ولو أذن له أن يحرم في ذي القعدة فأحرم في شوال فله تحليله قبل ذي القعدة وبعد دخوله لا، وإذا أفسد العبد حجه بالجماع فعليه القضاء؛ لأنه مكلف بخلاف الصَّبِي على أحد القولين وهل يجب قضاؤه في الرِّقِّ عن الواجب؟ فيه قولان كما ذكرنا في الصَّبي إذا قضى في الصبي، فإن احتسبناه لم يجب على السَّيِّد أن يأذن له في القضاء، إن كان إحرامه الأول بغير إذنه، وكذلك إن كان بإذنه، في أصح الوجهين، وكل دم يلزمه بسبب ارتكاب المَحْظُورات كالطيب واللِّبَاس وقتل الصيد والفوات، فلا يجب على السيد سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه.
وأما العَبْد فلا ملك له حتى يذبح، لكن لو ملكه السيد فعلى القديم: يملك ويلزمه إخراجه، وعلى الجديد لا يملك، وإذا لم يملك، ففرضه الصوم، وللسيد منعه منه في حال الرق إن كان إحرامه بغير إذنه، وكذلك إن كان بإذنه على أصح الوجهين؛ لأنه لم يأذن في موجبه، ولو قرن أَو تَمَتَّع بغير إذن السّيد فدم القرَان، أو التمتع حكمه حكم دِمَاء المَحْظُورَات، أما إذا قَرَنَ أَو تمتَّع بالإذن، فهل يجب الدَّمُ على السيد.
الجديد: أنه لا يجب، وفي القديم قولان بخلاف ما لو إذن لعبده في النِّكَاح فنكح يكون السيد ضَامِناً للمهر، في القديم قولاَ واحداً؛ لأنه لا بدل للمهر، وللدم بدل وهو الصوم، والعبد من أهله، وعلى هذا لو أحرم يإذن السَّيد فأحصر فتحلل.
فإن قلنا: لا بدل لدم الإحصار فالسَّيد ضامناً له في القديم قولاً واحداً.
وإن قلنا: له بدل ففي صَيْرُورته ضامناً له قولان في القديم، وإذا لم توجب الدَّم
على السيد فالواجب على العَبْد الصوم، وليس للسَّيد المنع منه في أصح الوجهين لإذنه في سببه.
ولو ملكه السَّيد هَدْياً، وقلنا: إنه يملك إراقة، وإلا لم تجز إراقته، ولو أراقه السَّيِّد عنه بإذنه، فهو على هَذَيْنِ القولين، وَلَوْ أراق عنه بعد موته جاز قولاً واحداً؛ لأنه قد حصل اليَأْسُ عن تكفيره، والتَّمليك بعد الموت ليس بشرط، ولهذا لو تصدق عن ميت جاز.
وقد "أَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- سَعْداً -رضي الله عنه-، أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ أُمِّهِ بَعْدَ مَوْتِهَا" 1، ولو عتق العبد قبل الصوم وجد الهَدْي فعليه الهدي، إن اعتبرنا في الكفَّارات حالة الأداء أو الأغلظ، وإن اعتبرنا حالة الوجوب فله الصَّوم، وهل له الهَدْي؟ فيه قولان.
وينعقد نذر الحج من العبد، وإن لم يأذن له السيد في أصح الوجهين ويكون في ذمته، فلو أتى به حال الرِّقِّ هل يجزئه؟ فيه وجهان:
إذا عرفت هذ المسائل، فحيث جوزنا للسيد التَّحليل أردنا به أنه يأمره بالتَّحَلُّل؛ لأنه يستقل بما يحصل به التَّحلل، وغايته أن يستخدمه ويمنعه من المضي، ويأمره بارْتِكَاب محظورات الإحرام أو يفعلها به، ولا يرتفع الإحرام بشيء من ذلك، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: إذا أمره باستعمال المحظورات أو ألبسه المخيط أو طيبه أو كانت أَمَةً فوطئها حصل التحلل، وإذا جَازَ لِلسَّيِّد التَّحليل جاز لِلْعَبْد التَّحلل؛ لأن المحصر بغير حق يجوز له التحلل، فللمحصر بالحق أولى؛ وبم يتحلل إن ملكه السيد هدياً؟
وقلنا: إنه يملك فيذبح وينوي التَّحلل، وإلاَّ فهل هو كالحُر؟ فيه طريقان:
أحدهما: نعم، حتى يتوقَّف تحلّله على وجدان الهدي.
إن قلنا: إن دم الإِحْصَار لا بَدَلَ له، وذلك يفتقر إلى العتق هاهنا، وعلى الصوم إن قلنا: إن دم الإحصار له بدل كل ذلك على أحد القولين:
وعلى أصحهما: لا توقف، ويكفيه نية التَّحلل.
وأصحهما: القَطْع بهذا القول الثاني، ويه قال أبو إسحاق: لعظم المشقَّةِ في
انْتِظَار العِتْقِ، ولأن منافعه مستحقة للسيد، وقد يريد استعماله فيما يمنع منه المحرم كالاصطياد وإصلاح الطّيب، فيتضرر ببقاء الإحرام، وحكم أم الولد والمُدَبّر والمعلق عتقه بصفة، وَمَنْ نصفه حُرّ حُكْم القِنِّ المَحْض، ولو أحرم المُكَاتب بغير إذن المولى، فمنهم من جعل جواز تحليله على قولين بناء على القولين في سَفَرِ التجارة، وهل يمنعه السَّيد منه؟ ومنهم من قطع بجواز التحليل؛ لأنه لا منفعة للسَّيِّد في سفر الحج، وله منفعة في سفر التجارة، وقوله في الكتاب: "فللسيد منع عبده"، أي من إتمام الحج ويجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ لأن ابن كج حكى وجهاً غريباً: أنه ليس للسيد ذلك لتعينه بالشروع تخريجاً من أحد القولين في الزَّوجة إذا أحرمت بالتطوع، وأن يُعَلَّم قوله: "بغير إذنه" بالحاء.
لأن أبا حنيفة -رحمه الله- يُجَوز المنع على الإطلاق؛ فلا حاجة عنده إلى التقييد، وقوله: تحلل كالمحصر إن أراد التشبه في جواز التحلل فذاك، وإلاَّ ففي الكيفية تفاوت لا يخفي ما قدمناه.
قال الغزالي: الرَّابِعُ الزَّوْجِيَّةُ، وَفِي مَنْعِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ مِنْ فَرْضِ الحَجِّ (م ح) قَوْلاَنِ، فَإذَا أَحْرَمَتْ فَفِي المَنْع قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَكَذَا إنْ أَحْرَمَت بِالتَّطَوُّعِ، فَإِنْ مُنِعَتْ تَحلَّلَتْ كَالمُحْصِرِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَلِلزَّوْجِ مُبَاشَرَتُهَا وَالإِثْمُ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: المستحب للمرأة أن لا تحرم دون إذن زَوْجِها وللزوج أن يحج بها، فإذا أرادت أداء فرض الحج عليها، فهل للزوج أن يمنعها منه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، ولها أن تحرم بغير إذنه؛ لأنه عبادة مفروضة فأشبهت الصوم والصلاة المفروضين، ويحكى هذا عن كتاب اختلاف الحديث، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-.
وأصحهما: أن له المنع، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "فِي امْرَأَةِ لَهَا زَوْجٌ، وَلَهَا مَالٌ، وَلاَ يَأْذَنُ لَهَا زَوْجُهَا فِي الْحَجِ، لَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِقَ إِلاَّ بإذْنِ زَوْجِهَا" 1. ولأن الحج على التَّراخي، وحق الزوج على الفور فكان أولى بالتَّقديم ويخالف الصوم والصلاة؛ لأن مدتهما لا تطول، فلا يلحق الزوج كثير ضرر.
وحكى بعضهم طريقة قاطعة بالقول الأول، والمشهور الأول، فإن قلنا: ليس له منعها، فلو أحرمت بغير إذنه فليس له أن يحللها بطريق الأولى لتضيقه بالشروع.
وإن قلنا: له منعها في الابتداء، ففي التحليل قولان:
أظهرهما: أَنَّ له ذلك كما له تحليل العَبْد إذا أحرم بغير إذنه.
والثاني: لا لنضيقه وخروجه عن احْتمال التَّرَاخي بالشروع.
وأما حجة التَّطوع فله أن يمنعها منها في الابتداء، وإن أحرمت بغير إذنه فطريقان: إن جوزنا التَّحليل في الفرض فهاهنا أولى وإنْ لم نجوز ثم فهاهنا قولان:
أحدهما: ليس له تحليلها، لالْتحاقها بالفرائض بالشروع.
وأصحهما: أن له التحليل كما له التَّحليل من صوم التطوع وصلاة التَّطوع، وإنما يصير الحج فرضاً بالشروع، إذا كان الشروع مسوغاً.
وقوله في الكتاب: (وكذا إِنْ أحرمت بالتَّطوع) أراد به أنَّ الخلاف في هذه المسألة، وفي تحليل المحرمة بالفرض كل واحد منهما مرتب على الخِلاَف في جواز منعها من حج الفرض ابتداء؛ لأن الترتيب كالترتيب، فإن مسألة التَّطوع أولى بالجواز والمسألة الأخرى أولى بالمنع.
وحيث قلنا بجواز التحليل، فمعناه الأمر بالتَّحَلُّل كما ذكرنا في العبد، وتحللها كتحلل الحُرِّ المحصر بلا فرق، فلو لم تتحلل فللزوج أن يستمتع بها، والإثم عليها، هكذا حكاه الإمام عن الصيدلاني ثم توقف فيه؛ لأن المحرمة لحقِّ الله تعالى كالمرتدة فيحتمل أن يمنع الزوج من الاستمتاع إلى أن تتحلل فرعان:
أحدهما: قال القاضي ابن كج: لو كانت مطلَّقة، فعليه حبسها للعدة، وليس لها التحلل إلا أن تكون رجعية، فيراجعها ويحللها.
الثاني: الأمة المزدوجة، لا يجوز لها الإحرام إلا بإذن الزوج والسَّيد جميعاً.
قال الغزالي: الخَامِسْ للأَبَوَيْنِ مَنْعُ الوَلَدَ مِنَ التَّطَوُّعِ بالْحَجِّ، وَمِنَ الفَرْضِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: من له أَبوان أو أحدهما، فالمستحب له أن لا يحج دون إذنهما أو إذنه، ولك واحد منهما منعه من حج التطوع في الابتداء؛ "لأَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في الْجِهَادِ فَقَالَ: أَلَكَ أبَوَانِ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: اسْتَأَذَنتَهُمَا فَقَالَ: لاَ قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" 1.
اعتبر استئذانهما في الجهاد مع أنه من فروض الكفايات، فلأن يعتبر في التطوع كان ذلك أولى، ولو أحرم بها فهل لهما المنع؛ فيه قولان سبق نظيرهما وتوجيههما، وحكى القاضي ابن كَجٍّ وجهاً ضعيفاً: أنه ليس لهما المنع في الابتداء أيضاً، وأما حج
الفرض، فقد حكى القاضي: ابن كج وجهاً ضعيفاً أنه ليس لهما المنع وفي الابتداء طريقان:
أحدهما: تخريجه على قولين كما في منع الزوج والزوجة.
وأصحهما: ولم يورد الجمهور غيره أن لا منع لهما وليس له طاعتهما في ترك الفرض، ولو أحرم به بغير إذنهما فلا منع بحال، ونقل فيه وجه ضعيف أيضاً، إذا عرفت ذلك فقوله: للأبوين منع الولد من التَّطوع بالحج، يجوز حمله على المَنْع في الابتداء، ويجوز حَمْله على التَّحليل يعد الإحرام، وعلى التقديرين فليكن مُعَلَّماً بالواو.
وأما إثباته الخلاف في المَنْع من حج الفرض فهو خلاف المشهور سواء حمل على ابتداء المنع أو على التحليل ولم أجد حكاية الخلاف فيها لغير صاحب الكتاب، إلا للقاضي ابن كج، وصاحبه الكتاب قد أعاد المسألة في كتاب السير ولم يتعرض للخلاف -والله أعلم-.
قال الغزالي: السَّادِسُ لَمُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ مَنْعُ المُحْرِمِ المُوسِرِ مِنَ الخُرُوجِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ بَلْ عَلَيْهِ الأَدَاءُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِراً أَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الخُرُوجِ.
قال الرافعي: إذا كان عليه دَيْن وهو موسر، فلمستحق الدين أن يمنعه من الخروج، لا لأن حقه في منعه من الحج ولكن يحبسه ليستوفي حقه منه، فإن كان قد أحرم، فقد ذكرنا أنه ليس له التَّحْليل والحالة هذه، بل عليه أن يقضي دينه ويمضي، وإن كان معسراً فلا مطالبة ولا منع؛ لأنه منظر إلى مَيْسَرة، وكذا لو كان الدَّين مؤجَّلاً لا منع إذ ليس عليه تسليم في الحال ولا يتوجه للمستحق مطالبة، والأولى أن لا يخرج، حتى يوكل من يقضي الدين عليه عند حلول الأجل.
واعلم: أَنَّ الكلام في أن مستحق الدين متى يمنع ومتى لا يمنع لا يختص بسفر الحج، بل يعم.
الأسفار كلها، وقد ذكره المصنف عاماً في كتاب التَّفْليس على ما سيأتي فلو طرحه هاهنا لما ضَرَّ.
قال الغزالي: فَأمَّا مَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِنَوْمٍ أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَحَلَّلُ بأَفْعَالِ العُمْرَةِ، وَيَلْزَمُهُ القَضَاءُ وَدَمُ الفَوَاتِ، بِخِلاَفِ المُحْصَرِ فَإنَّهُ مَعْذُورٌ.
قال الرافعي: مضمون الفصل قول وجيز في حكم فوات الحج وفواته بفوات الوقوف، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:
"الحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعُ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ" 1. وإذا
حصل الفوات فله التَّحلل كما في الإحْصَار؛ لأن في بقائه محرماً حرجاً شديداً يعسر احْتِمَاله وبم يتحلل؟
قال في "المختصر" وغيره: يطوف ويسعى ويحلق، وقال في "الإملاء": يطوف ويحلق، ولم يتعرض للسعي، واتفق الأصحاب على أن الأمر بالحَلْق مبني على أنه نسك، وعلى أن الطواف لا بد منه، واختلفوا في السّعي على طريقين: أشبههما: أنه على قولين:
أحدهما: أنه لا يجب السعي؛ لأن السعي ليس من أسباب التَّحلل، أَلاَ تَرَى أنه لو سعى عُقَيْبَ طواف القدوم بجزئه، ولو كان من أسباب التحلل لما جاز تقديمه على الوقوف.
وأصحهما: أنه يجب السعي مع الطواف.
لما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: لأبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- وقد فاته الحج، "اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعتَمِرُ، وَقَدْ حَلَلْتَ، فَإِنْ أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلاً فَحُجَّ، وَاهَدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي" 1.
والطريق الثاني: القطع بالقول الثَّاني، وحمل ما في "الإملاء" على الاختصار وإلا يجاز، فإن السعي كالتَّابع للطواف فاكتفي بذكر الأصل أو حمله على ما إذا كان قد سَعَى عُقَيْبَ طواف القدوم لا يلزمه الإعادة ولا يجب عليه الرَّمْي، والمبيت بمنى، وإن أدرك وفيه مع الأعمال المذكورة خلاف للمزني -رحمه الله- وذكر أن الإصطخري مال إليه.
لنا: ما رويناه عن عمر -رضي الله عنه-، وقد اشتهر ذلك في الصحابة -رضوان الله عليهم- ولم ينكر عليه منكر، ويخالف ما إذا أفسد الحج، فإن هناك هو مأمور بالوقوف، والرمي والمبيت من توابع الوقوف، فأمر بهما وهاهنا بخلافه، وليس أمرنا إياه بالطواف، وسائر أعمال العمرة لانقلاب إحرامه بفوات الحج عمرة، ولا نقول باحتسابها عن عمرة الإسلام، وعن أحمد: أنه ينقلب إحرامه عمرة، وعن الشيخين أبي محمد وأبي علي: رواية وجه ضعيف مثل مذهبه.
لنا أن إحرامه انعقد بأحد النُّسُكَيْن فلا ينصرف إلى الآخر كما لو أحرم بالعمرة لا ينصرف إلى الحج.
ثم من فاته الحج إن كان حجَه فرضاً فهو في ذمته كما كان، وإن كان تطوعاً فعليه قضاؤه كما لو أفسده، وعن أحمد رواية: انه لا قضاء عليه.
لنا حديث عمر -رضي الله عنه- ويخالف الإحصار، فإنه معذور فيه، والفوات لا يخلو عن ضرب تقصير، وفي لزوم الفور في القضاء الخلاف الذي سبق مثله في الإفساد، ولا يلزم قضاء العمرة مع قضاء الحج خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه قضاؤهما، أَمَّا الحج فلأنه تَلَبَّسَ به وما أتمه، وأما العمرة فلأنه أتى بأعمالها ولم تحسب له.
لنا: أنه أحرم بأحد النسكين ولم يتممه فلا يلزمه قضاء الآخر كما لو أحرم بالعمرة وأفسدها أو بالحَجّ وأفسده، ويجب على مَنْ فات حجه مع القضاء دم للفوات خلافاً لأبي حنيفة.
لنا حديث عمر -رضي الله عنه-؛ ولأن الفوات سبب يجب القضاء.
فيلزم به الهدي كالإفساد، ولا يلزم أكثر من دم واحد، وعن صاحب "التقريب" رواية قول مخرج: أنه يلزم وإن: أحدهما للفوات.
والثاني: لأنه في قضائه كالمتمتع من حيث أنه تحلل عن الأول وشرع في الثاني، وتمكن بينهما من الاستمتاع.
وقوله في الكتاب: (فأما من فاته الوقُوف بعرفة) فمن فاته الحج كذلك، وفي ذكر اليوم إشارة إلى أنه لا فرق بين أن يكون سبب الفوات سبباً فيه نوع عذر أو شيئاً هو تقصير صرف.
وقوله: (فعليه أن يتحلل بأعمال العمرة)، يجوز إعلامه بالواو للقول الذاهب إلى أنه لا حاجة إلى السعي، فعلى ذلك القول جميع أعمال العمرة غير لازم، وبالزاي لأن على مذهبه لا يكفي أعمال العمرة بل يجب معها الرمي والمبيت.
ؤقوله: (ويلزمه القضاء) بالألف، وقوله (ودم الفوات) بالحاء لما مر.
وقوله: "بخلاف المحصر فإنه معذور"، أراد به الإشارة إلى الفرق في القضاء، فإن الدم لازم فيهما جميعاً -والله أعلم-.
قال الغزالي: فَلَوْ أُحْصِرَ فَاخْتَارَ طَرِيقًا أَطْوَلَ فَفَاتَهُ، أَوْ صَابَرَ الإِحْرَامَ عَلَى مَكَانِهِ تَوَقُّعاً لِزَوَالِ الإحْصَارِ فَفَاتَهُ فَفِي القَضَاءِ قوْلاَنِ لِتَرَكُّبِ السَّبَبِ مِنَ الإِحْصَارِ وَالفَوَاتِ، وَلَوْ صُدَّ بَعْدَ الوُقُوفِ عَنْ لِقَاءِ البَيْتِ لَمْ يَجِبِ القَضَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ (و) كَمَا قَبْلَ الوُقُوفِ، وَالمُتَمَكِّنُ مِنْ لِقَاءِ البَيْتِ إذَا صُدَّ مِنْ عَرَفَةَ فَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَيْهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: كنت أخرت الكلام في أن المحصر هل يقضي؟ وهذا موضع ذكره، فإنه كالقاعدة التي عليها بناء هذه المسائل، فنقول: إذا حصر فتحلل نظر إن كان نسكه
تطوعاً، فلا قضاء عليه، وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-.
لنا: "إِنَّ الَّذِينَ صَدُّوا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِالْحُدَيْبيَةِ، كَانُوا أَلْفاً وَأَرْبَعْمَائة، وَالَّذِينَ اعْتَمَرُوا مَعَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، كَانُوا نَفَراً يَسِيراً، وَلَمْ يَأْمُرْ الْبَاقِينَ بِالْقَضَاءِ" 1.
وإن لم يكن نسكه تطوعاً، نظر إن لم يكن مستقرّاً عليه الحجة الإسلام في السّنة الأولى من سني الإمكان فلا حج عليه إلا عند اجتماع الشروط بعد ذلك، وإن كان مستقراً عليه كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى، من سنين الإمكان وكالنذر والقضاء، فهو باق في ذمته كما كان لو شرع في صلاة ولم يتمها تبقى في ذمته، إذا تقرر ذلك فهاهنا مسائل:
إحداها: لو صُدَّ عن طريق، وهناك طريق آخر نظر إن تمكن من سلوكه بأن وجد شرائط الاستطاعة فيه لزمه سلوكه ولم يكن له التَّحلل سواء كان ذلك الطريق قصيراً أو طويلاً، وسواء كان يرجو الإدراك أو يخاف الفوات أو يتيقنه كما لو أحرم في أول في ذي الحِجّة وهو بالعراق مثلاً يجب عليه المضي والتحلل بعمل عمرة ولا يجوز التحلل في الحال؛ وإذا سلكه كما أمرناه به ففاته الحج تحلل بعمل عمرة، وهل يلزمه القضاء؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كما لو سلك هذا الطريق ابتداء ففاته بضلال الطريق وغيره.
وأظهرهما: لا؛ لأنه بذل ما في وسعه فأشبه ما إذا صُدّ مطلقاً؛ ولأن هذا الفوات نشأ من الإِحْصَار، فإن المسألة مصورة فيما إذا اختصَّ الطريق الآخر بطول أو حُزُونَة وغيرهما، وكان الفوات لذلك حتى لو استويا من كل وجه، فيجب القضاء لا محالة؛ لأن الموجود فوات محض، قاله الإمام وغيره، وإن لم يتمكن من سلوك الطريق الآخر فهو كالصَدِّ المطلق.
الثانية: وقد تعرض لها في الكتاب قبل هذا الفصل: أنَّ ما ذكرنا من نَفْي القَضَاء هو حكم الإِحْصَار العام.
فأما في الإحصار الخامس قولان: أو وجهان:
أحدهما وبه قال أبو الحسين والدَّارِكي: أنه يجب القضاء كما لو منعه المرض عن إتمام النسك يلزمه القضاء.
وأظهرهما: وبه قال القاضي أبو حامد وأبو علي الطبري: أنه لا قضاء، كما في الإحصار العام؛ لأن مشقة المصابرة على الإحرام لا تختلف في حق صاحب الواقعة ولا
تشبه المرض؛ لأنه يبيح التَّحلل على ما سبق بخلاف المرض.
الثالثة: لو أحصر فلم يتحلل بل صَابَرَ الإِحْرَام متوقعاً زواله ففاته الحج، والإحصار دائم، فلا بد من التحلل بعمل عمرة، وفي القضاء طريقان:
أظهرهما: وهو الذي أورده في الكتاب: طرد القولين المذكورين في المسألة الأولى.
والثاني: القطع بوجوب القضاء لتسببه بالمصابرة إلى الفوات، فإنه لو تحلل لما تصور الفوات.
وقوله في الكتاب: (لتركب السبب من الفوات) والإحصار معناه: أن سبب التحلل ليس هو الفوات المَحْض حتى يجزم بوجوب القضاء ولا الإحصار المحض حتى يجزم بسقوطه، بل التحلل بمجموع الأمرين فاختلف القول فيه، ثم يجوز أن يقدر هذا الكلام إشارة إلى توجيه الوجهين، ويجوز أن يقدر توجيهاً لقول الوجوب وحده إذا اجتمع الموجب والمسقط وجب أن يثبت الوجوب احتياطاً.
الرابعة: لا فرق في جواز التحلل بالإحصار بين أن يتَّفق قبل الوقوف أو بعده، ولا بين أن يحصر عن البيت خاصة أو عن الموقف خاصة أو عنهما جميعاً خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: إذا أحصر بعد الوقوف لا يجوز له التّحلل، ولا يجوز التحلل حتى يحصر عن البيت والموقف جميعاً.
لنا أنه مصدود عن إتمام نسكه بغير حق فكان له التَّحلل كما في سورة النزاع.
ثم إن كان الإحصار قبل الوقوف وأقام على إحرامه حتى فاته الحج نظر إن زال الحصر، وأمكنه التَّحلل، بالطواف والسعي يلزمه ذلك وعليه القضاء والهدي للفوات، وإن لم يزل الحصر تحلل بالهدي، وعليه مع القضاء هديان.
أحدهما: للفوات.
والثاني: للتحلل.
وإن كان الإحصار بعد الوقوف فإن تحلل فذاك، وهل يجوز البناء عليه لو انكشف العذر؟ فيه الخلاف الذي مَرَّ فِي مَوْضعه.
فعلى الجديد: لا يجوز.
وعلى القديم: يجوز، فيحرم إحراماً ناقصاً، ويأتي ببقية الأعمال، وعلى هذا فلو لم يبن مع الإمكان، فهل عليه القضاء؟
نقل الإمام -رحمه الله- فيه وجهين، وإن لم يتحلل حتى فاته الرمي والمبيت، فهو فيما يرجع إلى وجوب الدَّم بفواتهما كغير المحصر وبم يتحلل؟ يبنى على أصلين.
أحدهما: أَنَّ الحَلُق نسك أم لا؟
والثاني: أَنَّ زمان الرمي هل يقام مقام الرمي؟ وقد سبق القول في كليهما.
وقد سبق القول في كليهما.
فإن قلنا: الحلق نسك، حلق وتحلل التحلل الأول.
وإن قلنا: إنه ليس بنسك حصل التحلل الأول بمضي زمان الرمي، وعلى التقديرين فالطواف باق عليه؛ فمتى أمكنه أن يطوف طاف وقد تم حجه، ثم إذَا تَحَلَّلَ بالإحصار الواقع بعد الوقوف، فهل يلزمه القضاء؟
ذكر الإمام -رحمه الله- أن "صاحب التقريب" حكى فيه قولين، وطردهما في كل صورة أتى بها بعدم الإحرام بنسك لتأكد الإحرام بذلك النسك، فإن العراقيين جزموا بنفي القضاء، قال: وهذا أمثل، فإنه تحلل بالحصر المحض وسواء ثبت الخلاف أم لا، فظاهر المذهب أنه لا قضاء.
وقوله في الكتاب: (على الصحيح) يجوز حمله على الصحيح من القولين جواباً على طريقة إثبات الخلاف؛ ويجوز أن يحمل على الصحيح عن الطريقين، ولو صد عن عرفة ولم يصد عن مكة فيدخل مكة ويتحلل بعمل عمرة، في وجوب القضاء قولان؛ لأنه محصر تحلل بعمل عمرة كمن صد عن طريق وسلك غيره ففاته الحج، وقد قدمنا ذلك؛ - وبالله التوفيق-.
الْبابُ الثَّانِي في الدِّمَاءِ
وَفِيهِ فَصْلاَن
الفَصْلُ الأَوَّلُ
قال الغزالي: فِي أَبْدَالِهَا وَهِيَ أَنْوَاعٌ: الأَوَّلُ: دَمُ التَّمَتُّعِ وَهُوَ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ كَمَا في القُرْآنِ، وَفي مَعْنَاهُ دَمُ الفَوَاتِ وَالقِرَانِ.
الثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ وَهُوَ دمُ تَعْديلٍ وَتَخْيِيرٍ (و) فِي نَصِّ القُرْآنِ.
الثَّالِثُ: دَمُ الحَلْقِ وَهُوَ دَمُ تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ إِذْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ شَاةٍ وَثَلاَثَةِ آصُع مِنْ طَعَام كُلُّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ يُطْعِمُه سِتَّةَ.
مَسَاكِينَ، وَبَيْنَ صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَهَذِهِ الثَّلاَثُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: الدِّمَاء الواجبة في المَنَاسك 1 سواء تعلقت بترك مأمور أو ارتكاب (1)
منهى إذا أطلقناها أردنا دم شاة، فإن كان الواجب غيرها كالبدنة في الجماع فيقع النَّص عليه، ولا يجزئ فيها جميعاً إِلاَّ ما يجزئ في الأضحية، إلاَّ في جزاء الصَّيْد فيجب المثل في الصغير صغير، وفي الكبير كبير، وكل من لزمه شاة جاز له أنْ يذبح مكانها بقرة أو بدنة إلا في جزاء الصيد، وإذا ذبح بدنة أو بَقَرَةً مكان الشاة فالكل فرض حتى لا يجوز أكل شيء منها، أو الفرض السبع حتى يجوز له أكل الباقي فيه وجهان.
ولو ذبح بَدَنَةً ونوى التَّصدق بسبعها عن الشاة الواجبة عليه وأكل الباقي جاز له ذلك، وله أن ينحر البَدَنَة عن سبع شياه لزمته.
ولو اشترك جماعة في ذبح بقرة أو بدنة، وأراد بعضهم الهدي والبعض الأضحية والبعض اللَّحم جاز خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجوز إلاَّ أن يريد جميعهم القربة ولمالك حيث قال: لا يجوز إلاَّ أَنْ يكونوا أهل بيت واحد.
ولا يجوز أن يشترك اثنان في شاتين لإمكان انفراد كل واحد بواحدة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن كلام الباب يقع في فصلين:
أحدهما: في كيفية وجوبها، وما يقوم مقامها.
والثاني: في مكانها وزمانها، والبحث في الأول من وجهين:
أحدهما: النظر في أنَّ أي دم يجب على الترتيب، وأي دم يجب على التَّخْيِير، وهاتان الصِّفَتان متقابلتان.
فمعنى الترتيب: أنه يتعين عليه الذبح، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره إلا إذا عجز عنه، ومعنى التخيير: أنه يفوض الأمر إلى خبرته، فله العدول إلى غيره مع القدرة عليه.
والثاني: النظر في أن أي دم يجب على سبيل التَّقدير، وأي دم يجب على سبيل التعديل، وهاتان الصفتان متقابلتان، فمعنى التقدير: أن الشَّرع قدر البَدَلَ المعدول إليه ترتيباً أو تخييراً بقدر لا يزيد ولا ينقص، ومعنى التعديل: أنه أمر فيه بالتقويم، والعدول إلى الغير بحسب القيمة، وهذا اللفظ مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (1).
وكل دم يُحسب الصفات المذكورة لا يخلو عن أربعة أوجه:
أحدها: الترتيب والتقدير.
وثانيها: الترتيب والتعديل.
وثالثها: التخيير والتقدير.
ورابعها: التَّخيير والتَّعديل.
وأما تفصيلها فهي على ما ذكر في الكتاب ثمانية أنواع:
أحدها: دم التمتع، وهو دم ترتيب وتقدير على ما ورد في نص الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 1 الآية، وقد بينا شرح القول، وبينا فيه أنَّ دَمَ القران في معناه، وفي دم الفوات قولان نقلهما القاضي ابن كج.
أصحهما: ولم يورد الأكثرون غيره أنه كدم التَّمتع في الترتيب والتقدير وسائر الأحكام؛ لأن دم التمتع إنما وجب لترك الإحرام من الميقات، والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم.
وقد روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه أمر الَّذِينَ فاتهم الحج بالقضاء من قَابِلٍ، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 2.
والثاني: أنه كدم الجِمَاع في الأحكام، إلاَّ أن ذلك بَدَنة، وهذا شاة، ووجه الشبه.
اشتراك الصورتين في التفريط المُحْوج إلى القضاء.
الثاني: جزاء الصيد: وهو دم تخيير وتعديل.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 3 الآية، وما فيه التخيير يختلف يكون الصيد مثلياً أو غير مِثْلى على ما سبق في موضعه، وجزاء شَجَرِ الحَرَمِ كجزاء الصيد.
الثالث: دم الحلق وفديته وهو دم تخيير وتقدير، فإذا حلق جميع شعره أو ثلاث شعرات تخير بين أن يذبح شاة، وبين أن يتصدق بعرق من طعامه على ستة مساكين، وبين أن يصوم ثلاثة أيام، والعِرْق ثلاثة آصع، وكل صاع أربعة أَمْدَاد، فتكون الآصع الثلاثة اثني عشر مُدّاً، نصيب كل مسكين مُدَّان، وفي سائر الكَفَّارات لا يزاد لكل مسكين على مد، هذا هو المشهور.
وحكى في "العدة" وجهاً آخر أنه لا يتقدر ما يصرف إلى كل مسكين، وإنما أخذ التَّخيير في هذا الدَّم من نص الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 1.
وأما التَّقْدِير فهو مأخوذ من حديث كعب بن عجرة، وقد رويناه في باب المَحْظُورَات.
وقوله في الكتاب: (دم الفوات) يجوز إعلامه بالواو لما رويناه من القول الثاني.
وقوله: (وتخيير في جزاء الصيد) بالواو، لقول حكيناه عن رواية أبي ثور من قبل أنه على الترتيب.
وقوله: (فهذه الثلاث منصوص عليها) أي ورد نص الكتاب أو الخبر في كيفية وجوبها وما عداها مقيس بها.
قال الغزالي: الوَاجِبَاتُ المَجْبُورَةُ بِالدَّم فِيهَا دَمُ تَعْدِيلٍ وَتَرْتِيبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ في التَّقْدِيرِ أَيْضاً.
قال الرافعي: الدَّم المَنوُط بترك المأمورات كالإحرام من المِيْقَات والرمي والمبيت بِمُزْدَلَفَة ليلة العيد، وبمنى ليالي التَّشريق، والدفع من عرفة قبل غروب الشمس، وطواف الوداع فيه وجهان:
أحدهما: أنه دم ترتيب وتعديل.
أما الترتيب فإلحاقاً له بدم التَّمتْع لما في التَّمَتُّع من ترك الإحرام من الميقات.
وأما التَّعْديل فجرياً على القِياس، والتقدير لا يعرف إلا بتوقيف، فعلى هذا يلزمه ذبح شاة، فإن عجز قوم الشاة دراهم، واشترى بها طعاماً يتصدق به، فإن عجز صام عن كل مُدٍّ يوماً، وإذا ترك رمى حصاة، فقد ذكرنا أقوالاً في أن الواجب مد أو درهم أو ثلث شاة، فإن عجز فالطعام والصوم على ما يقتضيه التعديل بالقيمة.
والوجه الثاني: أنه يلحق بدم التمتع في التقدير، كما ألحق به في الترتيب، ويكون الواجب دم ترتيب وتقدير، فإن عجز عن الدم صام ثلاثة في الحج وسبعة بعد الرجوع، وفي تعليق بعض المَرَاوِزَة وجه آخر -تفريعاً على الوجه الثاني-: وهو أن الصَّوم المعدول إليه هو صوم فدية الأذى دون العشرة وما الأظهر من الوَجْهَيْن؟
إيراد الكتاب يشعر بترجيح الوجه الأول، وبه قال القاضي ابن كج والإمام وغيرهما، الثاني أظهر في المذهب، ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره، وحكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وَجْهاً ثالثاً ضعيفاً أنه دم تخيير وتعديل كجزاء الصَّيْد.
قال الغزالي: الخَامِسُ: الاسْتِمْتَاعَاتُ كَالطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ فِيهِ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَعْدِيلٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ تَشْبِيهاً بِالحَلْقِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَمُ تَقْدِيرٍ أَيْضاً إِتْمَاماً لِلتَّشْبِيهِ، وَأَمَّا القَلْمُ فَفِي مَعْنَى الحَلْقِ.
قال الرافعي: دم التَّطيّب والتَّدهُّن واللِّباس ومقدمات الجماع دم ترتيب أو تخيير فيه قولان أو وجهان:
أحدهما: أنه دم ترتيب كدم التمتع؛ لأنه مُتَرفه بهذه الاستمتاعات كما أن المتمتع مُتَرفه بالتَّمتع.
وأظهرهما وبه قال أبو إسحاق: أنه دم تخيير تشبيهاً بفدية الحَلْق لاشتراكهما جميعاً في التِّرفه وإلحاقها بالحلق أولى منه بالتمتع، فإن الدم ثُمَّ إنما وجب لترك الإحرام من الميقات.
فإن قلنا بالأول، ففي كونه دم تقدير أو تعديل وجهان:
أحدهما: أنه دم تقدير إتماماً للتَّشْبيه بدم التَّمتع.
وأظهرهما: أنه دم تعديل كجزاء الصَّيْد؛ لأن التقدير إنما يؤخذ من التَّوقيف.
إن قلنا: بالثاني، ففي كونه دم تقدير أو تعديل أيضاً وجهان:
أظهرهما: أنه دم تقدير إتماماً لِلتَّشْبيه بالحَلْق، والحاصل من هذه الاختلافات أربعة أوجه:
أحدها: الترتيب والتعديل، وثانيها: التخيير والتعديل، وثالثها: التخيير والتقدير، وهذه الثلاثة هي المذكورة في الكتاب.
ورابعها: الترتيب والتقدير، وأظهر الوجوه: الثالث، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح الأول، وبه قال صاحب "التهذيب"، وهذا الاختلاف لا يجئ في قَلْم الأظفار بل هو مُلْحق بالحَلْق بلا خلاف لاشتراكهما في معنى التَّرفه والاستهلاك جميعاً، -والله أعلم-.
قال الغزالي: السَّادِسُ: دَمُ الجِمَاعِ، وَفِيهِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ سَبْعٌ مِنَ الغَنَمِ فَإِنْ عَجَزَ قَوَّمَ البَدَنَةَ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمَ طَعَاماً وَالطَّعَامَ صيَاماً، فَهُوَ دَمُ تَعْدِيلٍ وَتَرْتِيبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ كَالْحَلْقِ، وَقِيلَ: بَيْنَ البَدَنَةِ وَالبَقَرَةِ وَالشَّاةِ أَيْضًا تَرْتِيبٌ.
قال الرافعي: في خصال فدية الجماع وجهان:
أصحهما: أنها خمس: ذبح بَدَنة، وذبح بقرة وذبح سبع من الغنم، والإطعام بقدر قيمة البدنة على ما عرفت من سبيل التعديل، والصيام عن كل مُدٍّ يوماً.
والثاني: حكاه القاضي ابن كج: أن خصالها الثلاث الأول، فإن عجز عنها فالهدي في ذِمَّته إلى أَنْ يجد تخريجاً من أحد القولين في دم الإحْصَار وسنذكره، فإن جرينا على الصحيح، وهو إثبات الخصال الخمس، فهذا الدم دم تعديل لا محالة، لأنا في الجملة نقوّم البَدَنَة، وهل هو دم ترتيب أو تخيير؟ فيه قولان، ومنهم من يقول وجهان:
أصحهما: أنه دم ترتيب، فعليه بَدَنة إن وجدها، وإلاَّ فبقرة، وإلا فسبع من الغنم، وإلا قَوّم البدنة دراهم، والدراهم طعاماً، ثم فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصوم عن كل مُدٍّ يوماً، فإن عجز عن الصيام أطعم كما في كفارة الظهار والقتل.
وأصحهما: ولم يورد الجمهور غير أن الترتيب على العكس، ويتقدم الطعام على الصيام، لأنّا لم نجد في المناسك تقديم الصيام على الإطعام في غير هذا الدم فكذلك هاهنا.
وإنما قدمت البدنة على البقرة وإن قامت مقامها في الضحايا لأن الصحابة -رضي الله عنهم- نصُّوا على البدنة، وذلك يقتضي تعيينها، وبينها وبين البقرة بعض التفاوت، أَلاَ تَرَى إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً" 1. وإنّما أُقِيم الإطعام والصِّيَام مقامها تشبيهاً بجزاء الصيد، إلاَّ أَنَّ الأمر ثَمَّ على التَّخيير، وهاهنا على التَّرْتِيب؛ لأنه يشبه الفَوَات في إيجاب القضاء، وموجب الفوات مرتب.
والقول الثاني: أنه دم تخيير؛ لأنه سبب تجب به البدنة، فيكون على التخيير كقتل النّعَامة، وأيضاً فإن الجِمَاع ملحق بالاسْتِهْلاكات على ما سبق، فتكون فديته على التخيير كفدية الحَلْق، وعلى هذا ففيم يثبت التخيير وجهان:
أظهرهما: أنه يتخير بين البَدَنَة والبقرة والسبع من الغنم، كما لو لزمه سبعة دماء.
وَأَمَّا الإطعام والصيام فهما على التَّرْتِيب ولا عدول إليهما، إِلاَّ إذا عجز عن الذَّبْح.
والثاني: أنه يتخير بين الكُلِّ كما في قتل النَّعَامة، وكما أن في فدية الحَلْق يتخير بين الصِّيَام والصّدقة والنُّسك، وقد ذكر القَفَّال وآخرون: أن القَوْلين في أنَّ دم الجماع دم ترتيب أو تخيير مبني على أن الجماع استهلاك أو استمتاع، إن جعلناه استهلاكاً فهو
على التخيير، كفدية الحَلْق والقَلْم، وإن جعلناه استمتاعاً فهو على الترتيب كفدية الطِّيب واللِّباس والتمتع.
واعلم أن هذا التَّشبيه في الطِّيب واللِّباس كلام مَنْ يجعل الأمر ثم على الترتيب، وقد سبق ما فيه من الخلاف.
وقوله في الكتاب: (قَوَّمَ البَدَنَةَ دراهم)، يجوز إعلامه بالواو، للوجه المنسوب إلى حكاية ابن كج.
وقوله: (والدَّرَاهم طعاماً والطعام صياماً) باقي الكلام محذوف، والمعنى: وأطعم فإن عجز صام، ثم إيراد الكتاب قد يوهم ترجيح قول التخيير بين البدنة والبقرة والشاة على الترتيب، لكن الأظهر عند الأكثرين الترتيب فيها أيضاً، وإيراد "الوسيط" يوافقه.
قال الغزالي: السَّابعُ: الجِمَاعُ الثَّانِي أَوْ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ إِنْ قُلْنَا: فِيهِ شَاةٌ فَهُوَ كَالقُبْلَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: بَدَنَةٌ فَكَالجِمَاعِ الأَوَّلِ.
قال الرافعي: قد سبق الخلاف في أن الجماع الثَّانِي يوجب البَدَنَة أو الشاة، وكذا الجماع بين التَّحللين، فإن أوجبنا البدنة فهي في الكيفية كالجماع الأول قبل التحللين، وإن أوجبنا الشَّاة فهي كفدية القُبْلة وسائر مقدمات الجِمَاع، وهذا ظاهر.
قال الغزالي: الثَّامِنُ: دَمُ التَّحَلُّلِ بِالإِحْصَارِ وَهُوَ شَاةٌ فَإِنْ عَجَزَ فَلاَ بَدَلَ لَهُ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: بَدَلَهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَفِي قَوْلٍ: كَدَمِ الحَلْقِ، وَفِي قَوْلٍ: كَدَمِ الوَاجِبَاتِ المَجْبُورَةِ.
قال الرافعي: على المحصر دم شاة للتحلل، ولا معدل عنه إن وجد الشاة، وإلاَّ فهل لهذا الدم من بدل؟
فيه قولان:
أصحهما وبه قال أحمد: نعم، كسائر الدماء الواجبة على المحرم.
والثانيِ: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا، لأن الله تعالى لم يذكر لدم الإحصار بدلاً، ولو كان له بدل لأشبه أن يذكره كما ذكر بدل غيره.
التفريع: إن قلنا: له بدل، فما ذلك البدل؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: الصوم، وبه قال أحمد -رحمه الله- كدم التَّمتع؛ لأن التَّحلل والتمتع جميعاً مشروعان تخفيفاً وترفيهاً وفيهما جميعاً ترك بعض النسك، فيلحق أحدهما بالآخر.
والثاني: الإطعام، لأن قيمة الهَدْي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد نص فالرجوع إلى الأقرب أَوْلَى.
والثالث: لكل واحد منهما مدخلاً في البداية كفدية الحلق، ووجه الشبه بينهما أنَّ المحصر دفع أذى العدو والإحرام عن نفسه، أما أن الحالق يبغي دفع أذى الشّعر.
التفريع: إن قلنا: إنَّ بَدَلَهُ الصوم فما ذلك الصوم؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: وبه قال أحمد -رحمه الله-: صوم المتمتع عشرة أيام.
والثَّاني: صوم فدية الأَذَى ثلاثة أيام.
والثالث: ما يقتضيه التَّعديل، وإنما يدخل الطعام في الاعتبار على هذا القول ليعرف به قدر الصوم لا ليطعم.
وإن قلنا: إن بدله الإطعام، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه مقدر كَفِدْية الأذى، وهو إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين.
الثاني: أنه يطعم ما يقتضيه التعديل.
وإن قلنا: لكل واحد مدخلاً فيه فهل بينهما ترتيب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما في فدية الحَلْق.
وأصحهما: نعم كالترتيب بين الهَدْي وبدله، فعلى الأول قدر الطّعام والصِّيام كقدرهما في الحَلْق، وعلى الثَّاني الطريق بينهما التَّعْدِيل.
إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكِتَاب، وأعلم قوله: (ولا بدل له في قول) بالألف، ويقابله أن له بدلاً، وما هو؟ ذكر فيه أقوالاً ثلاثة:
أحدها: أن بدله كبدل دم التمتع، وهذا مختصر قولنا: إن بدله الصَّوم، وإن ذلك الصوم صوم التمتع.
والثَّاني: أن بدله كبدل دم الحلق، وهذ، مختصر قولنا: إن للإطعام والصيام معاً مدخلاً في البدلية، وإن الأمر فيهما على التخيير والتقدير.
والثالث: أن بدله كبدل دم الواجبات المَجْبورَة، وهذا مختصر قولنا: لكل واحد منهما مدخل فيه، والأمر فيهما على الترتيب والتعديل، فعلى الأول هو دم ترتيب وتقدير.
وعلى الثاني دم تخيير وتقدير وعلى الثَّالِثِ دم تَرْتِيب وتعديل، وهذا حكم دِمَاء الواجبات المَجْبُورة على الأَرْجَح عند صاحب الكتاب على ما مر، فإن لم نقل بذلك لم يستمر هذا التشبيه، والأصح في المسألة الَّتِي نحن فيها: الترتيب والتَّعديل، قاله القاضي الروياني وصاحب "التهذيب"، وغيرهما -رحمهم الله- وهو اختيار الْمَزنِيّ -رضي الله عنه -والله أعلم-.
الفَصْلُ الثَّانِي في مَكَانِ إِرَاقَةِ الدَّمَاءِ وَزَمَانِها
قال الغزالي: وَلاَ تَخْتَصُّ دِمَاءُ المَحْظُورَاتِ وَالْجُبْرَانَاتِ بِزَمَانٍ بَعْدَ جَريانِ سَبَبِهَا بِخِلاَفِ دَمِ الضَّحَايَا، وَدَمُ الفَوَاتِ يُرَاقُ في الحَجَّةِ الفَائِتَةِ، أَوْ في الحَجَّةِ المَقْضِيَّةِ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل بيان زمان إراقة الدماء ومكانها.
أما الزمان: فالدماء الواجبة في الإحرام إما لارتكاب محظورات أو جبراً لترك مأمور لا اختصاص لها بزمان، بل يجوز في يوم النحر وغيره، وإنما الضحايا هي التي تختص بيوم النحر وأيام التَّشْريق.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أن دم القَران والتَّمتع لا يجوز ذبحه قبل يوم النَّحر.
لنا القياس على جزاء الصيد ودم التَّطيّب والحَلْق.
ثم ما عدا دم الفوات يُرَاق في النُّسك الذي هو فيه.
وأما دم الفوات فيجوز تأخيره إلى سنة القضاء، وهل يجوز إراقته في سنة الفوات؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه يجوز كدم الإِفْسَاد يُرَاقُ في الحجة الفاسدة.
وأصحهما: أنه لا يجوز ويجب تأخيره إلى سنة القَضَاء لظاهر خبر عمر -رضي الله عنه- حيث قال: "حج من قابل وأهد ما استيسر من الهَدْي" 1.
فإن قلنا بالأول فوقت وجوبه سنة الفوات، وكان الفوات أوجب شيئين: الدم والقضاء، فله تعجيل أحد الواجبين وتأخير الثَّاني.
وإن قلنا بالثاني ففي وقت الوجوب وجهان:
أصحهما: أن الوجوب مَنُوط بالتَّحرم بالقضاء، كما أن دم التمتع منوط بالتحرم بالحج، ووجه الشبه أن مَنْ فات حجه يتحلل من نسك ويتحرم بآخر كالمتمتع، إلا أنَّ نسكي المتمتع يقعان في سنة واحدة، والقضاء يقع في سنة أخرى ولما بينهما من الشبه، فنقول: لو ذبح قبل التَّحلل عن الفائت لم يجزه على الأصح كما لو ذبح المتمتع قبل
الفراغ من العمرة، هذا إذا كفر بالدم، أما إِذَا كان بصوم، فإن قلنا: إن الكفارة تجب بالتحرم بالقضاء فصيام الأيام الثلاثة لا يتقدم على القضاء لا محالة؛ لأن العبادة البدنية لا تقدم على وقتها، ويصوم السبعة بعد الرجوع، وإن قلنا: إنها تجب بالفوات، فقد حكى الإمام -رحمه الله- في جواز صوم الأيام الثلاثة في الحجة الفائتة وجهين:
وجه المنع: أنه في إحرام ناقص، والذي عهدناه إيقاع الثَّلاَثة في نسك كامل.
قال الغزالي: وَأَمَّا المَكَانُ فَيَخْتَصُّ (ح) جَوَاز الإِرَاقَةِ بِالحَرَمِ، وَالأَفْضَلُ فِي الحَجِّ مِنّي، وَفِي العُمْرَةِ عِنْدَ المَرْوَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ تَحَلُّلُهمَا، وَقِيلَ: لَوْ ذَبَحَ عَلَى طَرَفِ الحَرَمِ جَازَ، وَقِيلَ: مَا لَزِمَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لاَ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ.
قال الرافعي: الدماء الواجبة على المحرم تنقسم إِلَى دَمِ الإحْصَار، وما لزم المحصر من دماء المَحْظُورات، وإلى سائر الدِّمَاء.
أما القسم الأول: فقد ذكرنا حكمه في فَصْلِ الإحصار.
وأما الثاني وهو المقصود في الكتاب: وإن كان اللفظ مطلقاً فيتقيد بالحرم، ويجب تخصيص لحومها بمساكين الحرم، ويجوز صرفها إلى القَاطِنِين والغرباء الطارئين، لكن الصرف إلى القَاطِنِين أَوْلَى.
وهل يختص ذبحها بالحرم؟ فيه قولان:
أصحهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَشَارَ إِلَى مَوْضِعِ النَّحْرِ مِنْ مِنًى، وَقَالَ: هذَا النَّحْرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ" 1.
ولأن الذبح حق متعلق بالهَدْي، فيختص بالحرم كالتصدق.
والثاني: لا يختص؛ لأن المقصود هو اللحم، فإذا وقعت تفرقته في الحرم وانصرف إلى مساكينه حصل الغَرَضُ.
فعلى الأول: لو ذبح خارج الحرم لم يعتد به، وعلى الثَّاني: لو ذبح خارج الحرم ونقل إليه وفرقه جاز، لكن يشترط أن يكون النَّقْل والتفريق قبل تغيير اللحم، وإلى هذا أشار في الكتاب في العبارة عن هذا القول، حيث قال: (وقيل: لو ذبح على طرف الحرم جاز) ولا فرق فيما ذكرناه بين دم التَّمتع والقِرَان وسائر الدّماء الواجبة بسبب منشأ في الحرم، وبين الدماء الواجبة بسبب منشأ في الحل.
وفي القديم قول إن ما أنشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفريقه في الحل كدم الإحصار وبه قال أحمد والمذهب الأول، واحتج له بقوله تعالى في جزاء الصيد:
﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 1 أطلق ولم يفصل بين أن يقتل الصّيد في الحل أو الحرم، ولا فَرْقَ أيضاً بين أن يكون السبب الموجب الدم مباحاً أو بعذر كالحَلْق للأذى، أو مطلقاً كالتَّمتع والقرن بين أن يكون محرماً، وذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى وجهاً: أن ما لزم بسبب مباح لا يختص ذبحه ولا تفرقة لحمه بمكان، وأن شيخه حكى وجهاً: أنه لو حلق قبل الانتهاء إلى الحرم ذبح وفرق حيث حلق وهما ضعيفان، وصاحب الكتاب أورد الأول منهما، ثم أفضل مواضع الحرم للذبح في حق الحاج مِنًى، وفي المعتمر المَرْوَة، لأنهما محل تحللهما، وكذلك حكم ما يسوقانه من الهدي 2، ولو كان يتصدق بالإطعام بدلاً عن الذبح فيجب تخصيصه بمساكين الحرم، بخلاف الصوم فإنه يأتي به حيث يشاء؛ لأنه لا غرض فيه للمساكين 3، وعند أبي حنيفة يجوز صرف اللحم والطعام إلى غير مساكين الحرم، وإنما الذي يختص بالحرم الذبح، وإذا ذبح الهَدْي في الحرم ففرق منه لم يجزه عما في ذمته، وعليه إعادة الذبح، أو شرى اللحم والتصدق به، وفيه وجه: أنه يكفيه التَّصدق بالقيمة، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا شيء عليه.
قال الغزالي: وَاخْتِتَامُ الكِتَابِ بِمَعْنَى الأَيَّامِ المَعْلُومَاتِ وَهِيَ العَشْرُ الأُوَلُ مِنْ ذِي الحَجَّةِ وَفِيهَا المَنَاسِكُ، وَالمَعْدُودَاتُ فَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَفِيهَا الهَدَايَا وَالضَّحَايَا، -والله أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ-.
قال الرافعي: ختم الكتاب بذكر معنى الأيَّام المعلومات والأيام المعدودات، قد ذكرهما الله تعالى في آيتين من كتابه، فالمعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وبه قال أحمد -رحمه الله- في رواية، ويروى عنه مثل ما روي عن مالك، وهو أنها يوم النَّحْر ويومان بعده، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- المعلومات:
ثلاثة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، واليوم الأول من أيام التشريق، فعنده اليوم الأول داخل في المَعْدُودَات والمَعْلُومَات معاً، وعند مالك -رحمه الله- الأول والثاني من أيام التشريق داخلان فيها.
لنا: التَّفْسير عن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- والأخذ به أولى؛ لأن الأشبه تغير المسمَّيَات عند تغاير الأسماء.
وأما المَعْدُودَات: فهي أيام التشريق بلا خلاف.
وقوله في الكتاب: (وفيها المناسك) أراد به أصول المناسك، فإن تَوَابِعَها قد يتأَخَّر بعضها إلى أيام التَّشْريق، وقوله: (وفيها الهدايا والضحايا)، لك أن تبحث فيه، فتقول: هذا يقتضي تخصيص الهدايا بهذه الأيام، وقد ذكر من قبل أن دماء الجُبْرَانَات والمَحْظُورات، لا تختص بزمان، واسم الهدي يقع عليها كما يقع على ما يسوقه المحرم، فإن أراد هاهنا ما يسوقه المحرم فهل يختص ذبحه بهذه الأيام على ما هو قضية اللفظ أم لا؟ فاعلم أن المراد في هذا الموضع بالهدايا ما يسوقها المحرم، وفي اختصاصها بيوم النحر وأيام التشريق وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده في "التهذيب": أنها لا تختص كدماء المحظورات.
وأظهرهما هو الذي أورده صاحب الكتاب والعراقيون: أنها تختص كالأضحية، فعلى هذا لو أخر الذَّبْح حتى مضت هذه الأيام، نظر إنْ كان هدياً واجباً ذبح قضاء، وإن كان تطوعاً فقد فات، وإن ذبح فقد قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: هي شاة لحم، ولا يخفى أن لفظ الكتاب يحتاج إلى تأويل، فإن الذي جرى ذكره أيام التَّشْرِيق لا غير، والذَّبح لا يخْتَصّ بها، بل يوم النَّحْر في معناها لا محالة -والله أعلم-.
واعلم أن في "المختصر" باباً في آخر كتاب الحَجِّ ترجمه بنذر الهدي، وعلى ذلك جرى الأصحاب فذكروا هاهنا فروعاً ومسائل كثيرة، لكن صاحب الكتاب أخر إيراده منها إلى كتابي الأُضْحِيَة والنَّذْر اقتداء بالإمام -رحمه الله- ونحن نشرح ما ذكره ونضم إليه ما يحسن إيراده -إن شاء الله تعالى-، لكن نذكر نبذاً لا بد من معرفتها فنقول: من قصد مَكَّة لحج أو عمرة، فيستحب له أن يهدي إليها شيئاً من النّعم "أَهْدَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِائَةَ بَدَنَةً 1 ولا يلزم ذلك إلاَّ بالنَّذْر، وإذا ساق هدياً تطوعاً، أو نذراً نظر، إن ساق بدنة أو بقرة فيستحب أن يقلدها نعلين، وليكن لهما قيمة ليتصدق بها، وأن يُشْعِرها أيضاً، والإِشْعَار الإعلام، والمراد هاهنا أن يضرب صفحة سَنَامِهَا اليُمْنَى بحديدة وهي مستقبلة للقبلة فيدميها ويلطخها بالدم ليعلم من رآها أَنَّها هدي، فلا يستجيز التعرض لها.
وقال أبو حنيفة: لا إشعار، ومالك وأحمد استحبَّا الإِشْعَار، ولكن قالا: يشعرها من الجانب الأيسر.
لنا ما روى عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنُ" 1 وإن ساق غنماً استحب تقليدها، ولكن بِخُرُبِ القربَ، وهي عُرَاهَا وأَذَانها لا بالنّعل؛ لأنها ضعيفة يثقل عليها حمل النعال 2.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحب تقليد الغنم.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "أَهْدَى مَرَّةً مُقَلَّدَةً" 3 ولا يستحب إِشْعَارها لأنها ضعيفة، ولأن شعرها يمنع من ظهور الدم، ثم إذا قَلَّد النّعم وأشعرها لم تصر بذلك هَدْيَاً واجباً على أصح القولين، كما لو كتب الوقف على باب داره لا تفسير وقفاً.
وإذا عطب الهَدْي الذي ساقه في الطريق، ينظر إن كان تطوعاً فهو ماله يفعل به ما يشاء من بيع وأكل وغيرهما، وإن كان واجباً فعليه ذبحه، فلو تركه حتى هلك ضمنه، وإذا ذبحه غمس النعل الذي قَلَّدَه في دَمِه، وضرب بها صَفْحَة سَنَامها، وتركه ليعلم من مرّ به أنه هَدْي فيأكل منه، وهل تتوقف الإباحة على أن يقول: أبحته لمن يأكل منه، فيه قولان:
أصحهما عند صاحب "التهذيب": أنه لا حاجة إليه؛ لأنه بالنذر زال ملكه عنه، وصار للنَّاس، ولا يجوز للمُهدي ولا لأغنياء الرفقة الأكل منه، وفي فقرائها وجهان:
أصحهما: أنه ليس لَهُمُ الأكل أيضاً لما روي أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيه: "لاَ تَأْكُلُ مِنْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رِفْقَتِكَ" 4 -والله ولي التوفيق- 5.
تم الجزء الثالث
ويليه الجزء الرابع، وأوليه:
"كتاب البيع"
العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفي سنة 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد معوض... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء الرابع يحتوي على الكتب التالية: البَيْع - السَّلَم والقَرض - الرَّهن دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.
الطبعة الأولى
1417 هـ - 1997 م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ