العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 79-118

قال الغزالي: وَفِيهِ ثَلاثةُ أَبْوَاب

ٍ: البَابُ الأَوَّلُ فِي أَرْكَانِ صَحَّتِهَا

وَهِيَ بَعْدَ العَاقِدَيْنِ ولاَ يُخّفِي أَمْرُهُمَا ثَلاَثةٌ الأَوَّلُ الصِّيغَةُ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: أَكْرَيْتُكَ الدَّار أَوْ أَجَّرْتُكَ فَيَقُولُ: قَبِلْتُ، وَيَقُومُ مَقَامَهُمَا (و) لَفْظُ التَّمْلِيكِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يضِيفَ إلَى المَنْفَعَةِ فَيَقُولَ: مَلَّكْتُكَ مَنْفَعَةَ الدَّارِ شَهْراً، وَالظَّاهِرُ (و) أَنَّ لَفْظَ البَيْعِ لاَ يَقُومُ مَقَامَ التَّمْلِيِكِ لأنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الأَعْيَانِ.
قال الرافعي: نفتتح الباب بمقدمات: إحداها: أنه سيعمل في هذا العقد لفظتان: إحداهما: الإجارة، وهذا اللفظة وإن اشتهرت في العقد، فهي في اللغة اسم للأجرة، وهي كراء الأجير وذكر "ابن الصباغ" 1 في "الشامل" أنه يقال لها: إجارة أيضاً -بالضم- ويقال: استأجرت دار فلان، وأجر لي داره ومملوكه يؤجرها إيجاراً، فهو مؤجر وذاك مؤجر، ولا يقال: مؤاجر ولا آجر.
أمَّا المؤاجر فهو من قولك: أجر الأجير مؤاجرة كما يقال: زارعه وعامله، وآجر هذا "فاعل" وإجر داره أفعل فاعل، ولا يجر منه مفاعل.
وأمَّا الأجر فهو فاعل من قولك: أجره يأجره ويأجيره ويأجره أجرًا إذا أعطاه أجراً، وقولك: أجره يأجره إذا صار أجيراً له.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] فسره بعضهم بالمعنى الأول، فقال: تعطيني من تؤويجي إياك رعي الغنم هذه المدة، وبعضهم بالثاني فقال تصير أجرى وإذا استاجرت عاملة لعمل فأنت آجر بالمعنى الأول؛ لأنَّك تعطي الأجرة، وهو أجر بالمعنى الثاني؛ لأنّه يصير أجيراً لك، وأجره إليه لغة في آجره، أي: أعطاء أجره، ولأجير فعيل بمعنى مفاعل، كالجليس والنديم، هذا تلخيص ما ذكره أئمة

اللغة 1. والثانية: الإكراء يقول: أكريت الدار فهي مكراة، ويقال: اكتريت واستكريت وتكاريت بمعنى، ورجل مكاري والكرى على فعيل المكاري والمكتري أيضاً والكراء، وإن اشتهر اسماً للأجرة فهي في الأصل مصدر كاريت.
المقدمة الثانية: أصل هذا العقد من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وقصة موسى وشعيب -عليه السلام- ومن الخبر نحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: (أَعْطُوا الأَجِيْرَ أُجْرَتَهُ قَبْلَ إِنْ يِجَفَّ عَرَقُهُ) 2. ومن الأثر فيما روى أن عليّاً عليه السلام: (آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ يُهُودِيِّ يَسْتَقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرةً) 3. ثم الحاجة داعية إليه ظاهرة، وهو متفق على صحته، إلاَّ ما يحكى فيه عبد الرحمن بن كيسان الأصم 4.

والفاشاني 1. مقدمة أخرى اختلف الأصحاب في أن العقود عليه في الإجارة ماذا؟ فمن أبي إسحاق وغيره أن المعقود عليه العين ليستوفي منها المنفعة؛ لأنَّ المنافع معدومة، ومورد العقد يجب أن يكون موجوداً، وأيضاً فإن اللفظ مضاف إلى العين، أَلا تَرىَ أنّك تقول: أجرتك هذه الدار؟ وقال المعظم: العين غير معقود عليها؛ لأنّ المعقود عليه ما يستحق بالعقد، ويجوز التصرف فيه، والعين ليست كذلك، فإن المعقود عليه المنفعة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة -رضي الله عنه- ومالك، وعليه ينطبق قول الجمهور أن الإجارة تمليك المنافع به بعوض، ثم حققوا ذلك بأن عين الثوب مثلاً تتعلّق به ثلاثة أمور: أحدها: صلاحيته لأن يلبس.
والثاني: الفائدة الحاصلة باللبس كاندفاع الحر والبرد.
الثالث: نفس اللبس المتوسط بينهما، واسم المنفعة يقع عليهما جميعاً، ومورد العقد المستحق إِنما هو الثالث، ويشبه إلاَّ يكون ما حكيناه خلافاً محققاً، لأن من قال: المعقود عليه العين لا يعني به أن العين تملك بالإجارة كما تملك بالبيع، أَلاَ تَرىَ أنه قال: المعقود عليه العين لاستيقاء المنفعة؟ ومن قال: المعقود عليه المنفعة لا يقطع الحق عن العين بالكلمة، بل له تسلم العين وإمساكها مدة العقد لينتفع بها.
وإذا عرفت هذه المقدمات فلإجارة تنقسم إلى صحيحة، وإلى غيرها، وإذا صحت ترتب عليها أحكام، ودامت إلى انتهاء مدتها إلاَّ أن يعرض ما يقتضي فسخاً أو انفساخاً، فالكلام في ثلاثة مقاصد أدرجها المصنف في ثلاثة أبواب: أحدها: في أركان صحة الإجارة.
والثاني: في أحكامها إذا صحت.
والثالث: في العوارض المقتضية للفسخ والانفساخ.
أمَّا الباب الأول: فقد نخطر لك أولاً أنه ترجمه بأركان الصحة، فأضاف الأركان إلى الصحة، وكذلك فعل في القراض، وأضاف في البيع، وأكثر العقود الأركان إلى نفسها، فهل لذلك من سبب؟

والجواب: أنه لا فرق بين عقد وعقد في الأمور المسماه أركاناً فإذا أُضيفت إلى نفس العقد، فعلى المعنى الذي حكيناه عن "الوسيط" في أول البيع، وإن أُضيفت إلى الصحة، فعلى المعنى الذي ذكرناه آخراً هناك، وهي أنها أمور معتبرة في الصحة على صفة مخصوصة.
وثانيها: أنه عد الأركان دون العاقدين ثلاثة، وفي البيع مع المتعاقدين ثلاثة، وسببه أنه في البيع أخذ المعقود عليه بمطلقه ركناً، وأنه يشمل العوضين، وهاهنا جعل كل واحد منهما ركناً برأسه، ولا فرق في الحقيقة وقوله: "في العاقدين، ولا يخفى أمرهما" أشار به إلى ما يعتبر فيهما من العقل والبلوغ، كما تقدم في سائر التصرفات.
الركن الأول: الصيغة وهي أن تقول: أكريتك هذه الدار، أو أجرتكها مدة كذا بكذا، فيقول على الأتصال قبلت أو أستاجرت أو اكتريت 1. ولو أضافهما إلى المنفعة فقال: أكريتك منافع هذه الدار، أو أجرتكها فوجهان: أظهرهما: وبه أجاب في "الشامل" أنه يجوز، ويكون ذكراً لمنفعة ضرباً من التأكيد، كما لو قال: بعتك عين هذه الدار 2 ورقبتها يصح البيع.
والثاني: المنع، وهو الذي أورده 3 في الكتاب؛ لأن لفظ الإجارة وضع مضافاً إلى العين، وإن كان العقد في الذمة، فقال: ألزمت ذمتك كذا، فقال قبلت جاز، وأغنى عن الإجارة والإكراء، وإن تعاقدا بصيغة التمليك، نظر: إن أضافها إلى المنفعة، فقال: ملكتك منفعتها شهراً جاز؛ لأن الإجارة تمليك منفعة بعوض.
ولو قال: بعتك منفعة هذه الدار شهراً، فأحد الوجهين، وبه قال ابن سريج: أنه يجوز؛ لأن الإجارة صنف من البيع.
وأظهرهما: المنع؛ لأن البيع موضوع لملك الأعيان، فلا يستعمل في المنافع، كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة هذا هو النقل الظاهر.
وقوله والمذكور في الكتاب: وورائه شيئان غريبان: أحدهما: طرد صاحب "التهذيب" الوجهين في قوله: "بعتك هذه الدار" فيما لو قال: ملكتك منفعتها.

والثاني: حكى أبوُ العبَّاس الروياني طريقة قاطعة بالمنع فيما إذا قال بعتك منفعة هذه الدار، ويجوز أن يعلم للأول قوله في الكتاب: "ويقوم مقامها لفظ التمليك"، ولو قال: ملكلتك أو بعتك هذه الدار لم تنعقد به الإجارة.
قال الغزالي: الرُّكُنُ الثَّاني: الأُجْرَةُ فإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ فَهِيَ كَالثَّمَنِ حَتَّى يَتَعَجَّلَ (ح م) بِمُطْلَقِ العَقْدِ، وإِنْ كَانَ مُعَيّناً فَهُوَ كَالمَبِيع فَيُرَاعِي شَرَائِطَهُ فَلَوْ أَجَّرَ دَاراً بِعَمارَتها أَوْ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ بِشَرْطِ صَرْفَها إِلىَ العِمَارَةِ بِعَمَلِ المُسْتَأْجِرِ فَهُوَ فَاسِدٌ لأَنَّ العَمَلَ في العِمَارَة مَجْهُولٌ، وَلَوْ كَانَتِ الأُجْرَةُ صُبْرَةً مَجْهُوَلةً جَازَ كَمَا فِي البَيْعِ، وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا في رَأْس مَالِ السِّلَمِ.
قال الرافعي: الأجارة تنقسم إلى: واردة على العين، كما إذا استأجر دابة بعينها 1 ليركبها، أو يحمل عليها، أو شخصاً بعينه لخياطة ثوب.
وإلى واردة على الذمة كما إذا استأجر دابة موصوفة للركوب، أو للحمل، أو قال: الزمت ذمتك خياطة ثوب أو بناء جدار فقبل.
وقوله: استأجرتك لكذا أو لتفعل كذا وجهان.
أظهرهما: أن الحاصل به إجارة عين للإضافة إلى المخاطب، كما لو قال: استأجرت هذه الدابة.
والثاني: ويحكى عن اختيار القاضي حُسَيْنٍ أن الحال الحاصل إجارة في الذمة، لأن المقصود حصول العمل من جهة المخاطب، فكأنه قال: استحققت عليك كذا، وإنما تكون إجارة عين على هذا إذا زاد فقال استأجرت عينك أو نفسك لكذا، أو لتعمل بنفسك كذا.
وإجارات العقارات لا تكون إلاَّ من القسم الأول؛ لأنها لا تثبت في الذمة، ألاَ تَرىَ أنه لا يجوز السّلم في دار ولا أرض.
إن وردت الإجارة على العين لم تجب الأجرة في المجلس؟ كما لا يجب الثمن في البيع، ثم إن كانت في الذمة فهي كالثمن في الذمة في جواز الاستبدال، وفي أنه إذا شرط فيها التأجيل أو التنجيم كانت مؤجلة أو منجمة، وإن شرط التعجيل كانت معجلة، وإن أطلق ذكرها تعجلت أيضاً، وملكها المكري بنفس العقد، واستحق استيفاءها إذا سلم العين إلى المستأجر، وبهذا قال أحمد.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا تملك الأجرة عن الإطلاق بنفس العقد، كما لا يملك المستأجر المنفعة، فإنها معدومة، ولكن يملكها شيئاً فشيئاً، كذلك الأجرة، إلاَّ أن المطالبة كل لحظة مما يعسر، فضبط أبو حنيفة باليوم، وقال: كلما مضى يوم طالبه بأجرته، وهذا رواية عن مالك -رضي الله عنه- قال في رواية: لا يستحق أخذ الأجرة حتى تنقضي المدة بتمامها.
لنا أن الأجرة عوض في معاوضة تتعجَّل بشرط التعجيل، فتتعجل عند الإطلاق كالثمن، وكذلك تقول: يملك المستأجر المنفعة في الحال، وينفذ تصرفه فيها، إلاَّ أنها تستوفي على التدريج.
وقولهم بأنها معدومة يشكل بما إذا شرط التعجيل، فإن الشرط لا يجعل المعدوم موجوداً.
ثم قال: الأصحاب المنافع إمَّا موجودة، وإمَّا ملحقة بالموجودات، ولهذا صح إيراد العقد عليها، وجاز أن تكون الأجرة ديناً في الذمة، ولولا أنها ملحقة بالموجودات لكان ذلك في معنى بيع الدَّين بالدَّين.
ويجب أن تكون الأجرة معلومة القدر، والوصف كالثمن إذا كان في الذمة 1، وقد روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: (مِنْ اسْتِأْجَرَ أَجِيْراً فَلْيُعْطِهِ أَجْرَهُ) 2. فلو قال: اعمل كذا لأرضيك أو أعطيك شيئاً، وما أشبهه فسد العقد، وإذا عمل استحق أجرة المثل، ولو استأجر أجيراً بنفقته، أو كسوته فسد، خلافاً لمالك وأحمد حيث قالا: تجوز ويستحق الوسط.
ولأبى حنيفة في المرضعة خاصة.
لنا: القياس على عوض البيع والنكاح، وإن استأجر بقدر معلوم من الحِنْطَةِ أو الشعير، ووصفه كما يجب في السلم جاز، أو بأرطال من الخبز يبنى على جواز السلم في الخبز.
ولو أجَّر الدار بعمارتها أو الدابة بعلفها، أو الأرض بخراجها أو مؤنتها لم يجز،

وكذلك لو أجَّرها بدراهم معلومة على أن يعمرها، ولا يحسب ما أنفق من الدراهم، وكذا لو أجَّرها بدراهم معلومة على أن يصرفها في العمارة؛ لأن الأجرة الدراهم والصرف إلى العمارة، والعمل في الصرف مجهول، وإن كانت الدراهم معلومة.
ثم إذا صرفها إلى العمارة ثم رجع بها، ولو أطلق العقد، ثم أذن له في الصرف إلى العمارة، وتبرع به المستأجر جاز.
فإن اختلفا في ما أنفقه، فقولان في أن القول قول من؟ 1 ولو سلم إليه ثوباً، وقال: إن خطته اليوم، ذلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف درهم، فالعقد فاسد، والواجب أجرة مثله في أي يوم خاطه.
وقال مالك وابو حنيفة: إن خاطه اليوم استحق درهماً، وإن خاطه غداً استحق أجرة المثل، وإن قال: إن خطته روميّاً فلك درهم، وإن خطته فارسياً فنصف درهم فهو فاسد، خلافاً لأبي حنيفة.
والخياطة الرومية بغرزتين، والفارسية بغرُزة.
وإذا شرط التأجيل في الأجرة فحل الأجل وقد تغير النقد، فالاعتبار بنقد بيوم العقد، وفي الجعالة الاعتبار بيوم اللفظ، أو بيوم تمام العمل، حكى الإمام فيه وجهين؛ أصحهما: الأول.
ووجه الثاني: أن الاستحقاق يثبت بتمام العمل.
هذا إذا كانت الأجرة في الذمة، فإن كانت معينة ملكت في الحال كالمبيع، واعتبرت فيه، الشرائط المعتبرة في البيع، حتى لو جعل الأجرة جلد شاة مذبوحة قبل السَّلخ لم يجز؛ لأنه لا يعرف حاله في الرَّقة والثَّخانة، وسائر الصفات قبل السلخ.
وهل تغني مشاهدتها عن معرفة القدر؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على القولين في رأس مال السلم؛ لأن الإجارة تعرض للفسخ والانفساخ، لتعذر استيفاء المنافع كالسلم لانقطاع المسلم فيه.
والثاني: القطع بالجواز؛ لأن المنافع ملحقة بالأعيان الموجودة لتعلقها بالعين الحاضرة، وكيف ما كان فالظاهر الجواز، هذا في إجارة العين.
النوع الثاني: الإجارة الواردة على الذمة، فلا يجوز فيها تأجيل الأجرة والاستبدال

عنها، ولا الحوالة بها ولا عليها ولا الإبراء، بل يجب التسليم في المجلس، كرأس مال السلم؛ لأنه سلم في المنافع، فإن كانت الأجرة مشاهدة غير معلومة القدر، فهي على القولين في رأس مال السلم، ولا يجئ هاهنا الطريق الآخر، هذا إذا تعاقدا بلفظ السلم بأن قال: أسلمت إليك هذا الدينار في دابة تحملني إلى موضع كذا فإن تعاقدا بلفظ الإجارة بأن قال: استأجرت منك دابة، صفتها كذا لتحملني إلى موضع كذا فوجهان، بنوهما على أن الاعتبار باللفظ أم بالمعنى؟ أصحهما: عند العراقيين والشيخ أبِي عَلِيٍّ أن الحكم كما لو تعاقدا بلفظ السلم؛ لأنه في المعنى، وتابعهم صاحب "التهذيب" على اختيار هذا الوجه، لكنه لا يلائم مصيره فيما إذا أسلم بلفظ الشراء، إلى أن الأصح اعتبار اللفظ ولعلك تقول: حكيتم اختلاف الأصحاب في أن أصح الوجهين ماذا في السلم بلفظ الشراء، وكذلك فيما نحن فيه اختار مختارون اعتبار اللفظ وفيما إذا اشترى بلفظ السلم ذكرتم أن أظهر القولين بطلان العقد، والأئمة كالمتفقين عليه فهل من فارق؟ والجواب: أن المسائل التي بنوها على هذا الأصل كثيرة، لكنها متنوعة.
فمنها: أن يستعمل اللفظ فيما لا يوجد فيه تمام معناه، وإن كان بينهما بعض التشابه كالشراء بلفظ السَّلم، فإن تمام معنى السلم لا يوجد في البيع؛ لأنه أخص منه: ومنها: أن يكون آخر اللفظ رافعاً لأوله كقوله: لا بلا ثمن.
ومنها: أن يكون الشيء.
الأصلي اللفظ مشترك بين خاصين، يشتهر اللفظ في أحدهما، ثم يستعمل في الثاني، كالسلم بلفظ الشراء، فإن المعنى الأصلي للشراء موجود بتمامه في السلم إلاَّ، أنه اشتهر في شراء الأعيان، وكذلك السَّلم في المنافع بلفظ الاستئجار المشهور في إجارة العين، فيشبه أن يقال الصيغة مختلفة 1 في النوع الأول والثاني، ومنتظمة صحيحة الدلالة على المقصود في النوع الثالث، فيعتبر المعنى، ولا يخفى عليك بعد الشرح أن مسائل الكتاب في الفصل واقعة في النوع الأول من الإجارة.
ويجوز أن تكون الأجرة منفعة عين أخرى اتفق الجنس، كما إذا أجَّر داراً بمنفعة دار أخرى، أو اختلفت كما إذا أجَّرها بمنفعة عبد، خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا اتفق الجنس، بناء على أن الجنس الواحد يحرم النَّسَاءِ، وفي الإجارة نَسَاء.
وعندنا لا رِبَا في المنافع أصلاً، حتى لو أجَّرَ داراً بمنفعة دارين يجوز، وكذلك لو أجّر، حُلِيًّا ذهباً بذهب، ولا يشترط القبض في المجلس.

قال الغزالي: وَلَو اسْتَأْجَرَ السِّلاَحَ بالجِلْدِ وَالطِّحَانَ بالنَّخَالَةِ أَوْ بِصَاع مِنَ الدَّقِيقِ فَسَدَ لِنَهْيِه عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلاَمُ عَنْ قَفِيزِ الَطِّحَانِ وَلأنَّهُ بَاعَ مَا هُوَ مُتَّصِلَ بمِلْكَهِ فَهُوَ كَبَيْعِ نِصْفٍ مِنْ سَهْمٍ، وَلَوْ شَرَطَ لِلمُرْضِعَةِ جُزءاً مِنَ المُرْتَضِع الرَّقِيِقَ بَعْدَ الفِطَام، وَلَقَاطِفِ الثِّمَارِ جزءاً مِنَ الثِّمَار المَقْطُوفَةِ فَهوَ أَيْضَاً فَاسِدٌ، وَإِنْ شَرَطَ جزءاً مِنَ الرَّقِيقِ في الحَالِ أَوْ مِنَ الثِّمَارِ في الحَالِ فَالقَيَاسُ صَّحِتُهُ (و)، وَظَاهرُ كَلاَم الأَصْحَابِ دَالٌّ عَلَى فَسَادِهِ حَتَّى مَنَعُوا اسْتِئْجَارِ المُرْضِعَة عَلَى رَضِيعٍ لَهَا فِيهِ شِرْكٌ لأِنَّ عَمَلَهَا لاَ يَقَعُ عَلَى خَاصِّ مِلْكِ المُسْتَأْجِرِ.
قال الرافعي: لا يجوز أن تجعل الأجرة ما يحصل بعمل الأجير، كما إذا استأجر السَّلاَّح لِسَلْخ الشاة بجلدها، أو الطحان ليطحن الحِنْطة 1 بثلث دقيقها، أو بصاع منه أو بالنخالة أو المرضعة بجزءٍ من الرقيق المرتضع بعد الفِطَام، أو قَاطِف الثمار بجزء من الثمار بعد القِطَاف، أو النَّسَّاج لينسج الثوب بنصفه، والمستحق للأجير في هذه الصور أجرة مثل عمله، وهو موجه أولاً بالخبر، حيث روى أنه -صلى الله عليه وسلم- (نَهىَ عَنْ قِفَيزِ الطَّحَّانِ) 2. وتفسيره: استئجار الطَّحان ليطحن الحنطة بِقَفِيْزٍ من دقيقها.
ثم وجه ثانياً بثلاثة أوجه: أحدها: أن المجهول أجره متصل بغيره، فهو كبيع نصف من سهم أو نصل، وهذا قد ذكره في الكتاب، وسمى جعله أجرة بيعاً حيث قال: "باع ما هو متصل بملكه"؛ لأنه في معناه، ولك أن تقول: هذا إن اشتهر في الجلد لا يستمر في الجزء المشاع، والحكم لا يختلف، فإن كنا نقنع بما لا يطرد في هذا القبيل، ففي المسائل بالفساد مأخذ أظهر من هذا، كمسألة السلاح، فإن الجلد قبل السلخ مجهول، ولا يجوز جعله أجرة مطلقاً كما سبق، وكمسألة النخالة، فإنها مجهولة المقدار، وإذا شرط صاعاً من الدقيق، فإن كانت الجملة مجهولة، فهو كبيع صاع من صُيْرَةٍ مجهولة الصِّيْعَان، وقد

مر وفي مسألة الرقيق الرضيع، وقِطَاف الثمار شيء آخر، وهو أن الأجرة معينة، وقد أجلها بأجل مجهول، والأعيان لا تؤجل بالآجال المعلومة، فكيف بالمجهولة؟ والثاني: أن عمله لا يقع للمستأجر في محل ملكه خاصة بل لنفسه وللمستأجر، وفي ملكيهما، والشرط في الإجارة وقوع العمل في خاص ملك المستأجر.
وهذا قد ذكره صاحب الكتاب أيضاً في آخر الفصل، وسيأتي الإشكال عليه.
والثالث: أن الأجرة غير حاصلة في الحال على الهيئة المشروطة، وإنما تحصل بعمل الأجير من بعد، فهي إذاً غير مقدور عليها في الحال.
ولو استأجر المرضعة بجزء من الرقيق في الحال، أو قَاطِف الثمار بجزء منها على رؤوس الأشجار، فحكاية الإمام وصاحب الكتاب عن الأصحاب المنع أيضاً، توجيهاً بأن عمل الأجير ينبغي أن يقع في الخاص ملك المستأجر، وإنهم خرجوا على هذا أنه لو كان الرضيع ملكًا لرجل وامرأة، فاستأجرها الرجل، وهي مرضع لترضعه بجزء من الرقيق أو غيره لم يجز؛ لأن عملها لا يقع في خاص ملك المستأجر، واعترضا عليه بأن القياس والحالة هذه الجواز، ولا يضر وقوع العمل في المحل المشترك، ألاَّ تَرىَ أن أحد الشريكين لو ساقى صاحبه، وشرط له زيادة في الثمار يجوز، وإن كان عليه يقع في المشترك؟ وظاهر المذهب هذا الذي مالا إليه دون ما نقلاه.
قال في "التهذيب": لو استأجر أحد الشريكين في الحِنْطة صاحبها ليطحنها، أو في الدابة ليتعهدها بدرهم جاز، ولو قال: استأجرتك بربع هذه الحنطة، أو بصاع منها لتطحن الباقي.
فالجواب: في "التهذيب" والتتمة الصحة، ثم يتقاسمان قبل الطحن، فيأخذ الأجرة، ويطحن الباقي.
قال في "التتمة": فإن شاء طحن الكل، والدقيق مشترك بينهما.
ومن صور "الوسيط" ما إذا استأجر حَمَّال الجيفة بجلدها، وتعليل الفساد فيها بأن جلد الجيفة أجرة أوضح، لكن الصورة الغريبة منها ما إذا استأجر لحمل شاة مُذَكَّاة إلى موضع كذا بجلدها.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: المَنْفَعَةُ وَشُروُطُهَا خَمْسَةٌ: أَنْ تَكُونَ مُتَقَوّمَةً لاَ بِانْضِمَامِ عَيْنِ إِلَيْهَا، وَأَنْ تَكُونَ مَقَدُوراً عَلَى تَسْلِيِمِهَا، حَاصِلَةِ لِلمُسْتَأْجِرِ، مَعْلُومةً، أَمَّا التَّقْويِم عَنَيَنَا به إِنَّ اسْتِئْجَارَ تُفَّاحَةٍ لِلشَّمِّ وَطَعَام لتَزْيِينِ الحَانوُتِ لاَ يَصِحُّ، وَكَذَا (ح) اسْتِئجَارُ الدَّرَاهَم وَالدَّنَانِيرِ لِتَزْيِينِ الحَانُوتِ فَإنَّهُ لاَ قِيمَةَ لَهُ عَلَى الأَصَحِّ (و)، وَكَذَا اسْتِئْجَارُ الأَشْجَارِ لِتَجَفِيفِ الثِّياب وَالوقُوُفِ فِي ظِلِّهَا وَكَذَا اسْتِئْجَارِ البَيَّاعِ عَلَى كَلِمَةٍ تُرَوَّجُ لَهَا السِّلعْةَ وُلاَ تَعَبَ فِيَها، وَفِي اسْتِئْجَارِ الكَلْبِ لِلحرَاسَةِ والصَّيْدِ وَجْهانِ.

قال الرافعي: اعتبر في المنفعة المعقود عليها خمسة شروط: أحدها: أن تكون متقوّمة 1 ليحسن بذل المال في مقابلتها، فإن لمِ يكن كذلك كان بذل المال لها سفهاً وتبذيراً، فصنع منه كما منع من شراء ما لا يُتتَفعُ به، وفيه صور: إحداها: ذكر أن استئجار 2 تفاحة للشَّم فاسد وكأن المنع ناشئ من أن التفاحة الواحدة لا تقصد للشم، فيكون استئجارها كشراء الحبة الواحدة من الحِنْطة والشعير، فإن أكثر فالوجه الصحة، ولأنهم نصوا على جواز استئجار المسك والرَّيَاحين للشم، ومن التفاح ما هو أطيب من كثير من الرياحين.
الثانية: في استئجار الدراهم والدنانير وجهان، كما في إعارتها.
والأصح: المنع والأعارة أولى بالجواز؛ لأنها مكرمة لا معاوضة، ولذلك جَوَّز بعضهم الإعارة مع منع الإجارة، وذكرنا هناك بحثاً في أن موضع الخلاف إطلاق إعارة الدراهم، أو التعرض لغرض التبرين، بناء على الخلاف في أن صحة الإجارة من غير تعيين لجهة المنفعة، وهاهنا لا تصُح الإجارة عند الإطلاق بمال؛ لأن تعيين الجهة في الإجارة لا بد منه.
وعن أبي حنيفة أنه إن عين جهة الانتفاع بها من تزيين الحوانيت، أو الموزن بها، أو الضرب على طبعها صحت الإجارة، وإلاَّ كانت قرضاً، وأما استئجار الأطعمة لتزيين الحوانيت بها فكلام المصنف هاهنا وفي "الوسيط" يقتضي القطع بمنعه وكذلك ذكره القاضى حُسَيْن.
وعن الإمام وغيره أنه على الوجهين، فيجوز إعلام قوله: "والطعام لتزيين الحوانيت" بالواو، والوجهان جاريان في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب، والوقوف في ظلها، وربط الدواب بها؛ لأن الاستئجار لا يقصد لهذه الأغراض.
وذهب بعضهم إلى أن الأصح الصحة هاهنا على خلاف الأصح في مسألة الدراهم والدنانير؛ لأنها منافع مهمة ومنفعة التزيين ضعيفة.
وأجرى في "التهذيب" الوجهين في استئجار الببغاء للاستئناس، وبالجواز أجاب أبو سعيد المتولي، وكذلك في كل مستأنس بلونه كالطاوس، أو بصوته كالعندليب.
الثالثة: استئجار البياع على كلمة البيع، أو كلمة تروج بها السلعة، ولا تعب فيها فاسد؛ لأنه لا قيمة لها، ولم يجعلوا هذا من صور الوجهين، لكن المحكي عن الإمام

محمد بن يحيى أن ذلك في البيع المستقر قيمته في البلد كالخبز واللحم، وأمَّا الثياب والعبيد، وما يختلف قدر الثمن فيه باختلاف المتعاقدين، فيختص بيعها من البياع بمزيد منفعة وفائدة، فيجوز الاستئجار 1، وعليه فهذا لم يجز الاستئجار، ولم يلحق البياع تعب فلا شيء له، وإن تعب بكثره التردد، أو كثرة الكلام في تأليف أصل المعاملة، فله أجرة المثل، لا ما تواطأ عليه البياعون.
الرابعة: في استئجار الكلب المعلَّم للحراسة والصيد وجهان: أحدهما: الجواز كاستئجار الفَهْد والبَازِيَّ والشبكة للاصطياد، والهِرَّة لدفع الفأرة.
وأصحهما: المنع؛ لأن اقتناءه ممنوع إلاَّ لحاجة، وما جوز للحاجة لا يجوز أخذ العوض عليه وأيضاً فإنه لا قيمة لعينه، وكذلك لمنفعته 2. قال الغزالي: أَمَّا المتَقَومَّ دُوُنَ العَيْنِ مَعْنَاهُ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الكَرْمِ والبُسْتَانِ لِثِمَارِهَا وَالشَّاةِ لِنتَاجِهَا وَلَبَنهَا وصَوُفِهَا بَاطِلٌ فإنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ قَبْلَ الوُجُودِ، واسْتِئْجَارُ الشَّاةِ لإرْضَاعِ السَّخْلَةِ بَاِطِلٌ وَاسْتِئْجَارُ المَرْأةِ لِلإِرْضَاعِ مَعَ الحَضَانة جَائزِ، وَدُونَ الحَضَانَةِ فَخِلاَفٌ، وَالأَوْلَي الجَوَازُ لِلحَاجَةِ، واسْتِئْجَارُ الفَحْلِ للضِّرَاب فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَوْلَى المَنْعُ لأنَّهُ لاَ يُوثَقُ بِتَسْلِيمِهِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَعُ، أَمَّا القُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ نَعْنِي بِهِ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الأَخْرَسِ لِلتَّعْلِيِم وَالأَعْمىَ لِلحِفْظِ بَاطِلٌ لأِنَّ المقْصُودَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلَوِ أسْتأْجَرَ قِطْعَةَ أَرْضٍ لاَ مَاءَ لَهَا لِلزِّرَاعةِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وإِنِ اسْتَأَجَرَ لِلسُّكْنَيِ فَجَائِزٌ، فَإِنْ أَطلَقَ وَكَانَ في مَحَلٍّ يَتَوَقَّعُ الزِّرَاعَةَ كَانَ كَالتَّصرِيحِ بِالزِّرَاعَةِ، وإِنْ كَانَ المَاءُ مُتَوَقِّعاً وَلَكِنَ عَلَى النّدُورِ فَفَاسِدٌ بِنَاءً عَلَى الحَالِ، وإِنْ كَانَ يَعْلَمُ وجُودَ المَاءِ فَصَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ يَغْلِبُ وُجُودُ المَاءِ بَالأَمْطَارِ فَالنَّصُّ أَنِهُ فَاسدٌ نَظَراً إِلى العَجزِ في الحَالِ، وَقِيلَ: إِنَهُ صَحِيحٌ إِذ انِقْطَاعُ الشُّرْبِ العِدِّ وَالمَاءِ الجَارِي أيضاً مُمِكْنٌ، وإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرضاً وَالمَاءُ مُسْتَوٍ عَلَيْهَا في الحَالِ وَلاَ يَعْلَمُ انْحِسَارَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ، وإِنْ عِلمَ انْحِسَارَهُ فَهُوَ صَحيِحٌ (و) إنْ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَةُ الأَرْضِ أَوْ كَانَ المَاءُ صَافِياً لاَ يَمْنَعُ رُؤيَةَ الأَرْضِ.
قال الرافعي: ترجمة هذا الفصل 3 هاهنا، وفي الفصل السابق يكون المنفعة

متقومة بنفسها لا بعين تضم إليها كأنه قدر انقسام المنفعة إلى مقومة بنفسها، ومتقومة بعين تنضم إليها، ولمانع أن يمنع ذلك، ويقول: إن العين المنضمة إلى المنفعة هي المتقومة، والمنفعة لا تستفيد من العين تقوماً.
وقال في "الوسيط" معبراً عن هذا الشرط: أنه لا يَتضمن استيفاء عين قصد وهذا أليق بمسائل الفصل، وعلته أن الإجارة عقد يبتغي به المنافع دون الأعيان، هذا هو الأصل ألاّ أنه قد تستحق بها الأعيان متابعة لضرورة أو حاجة حاقّة، فتلحق تلك الأعيان حينئذ بالمنافع.
وفيه مسائل: إحداها: استئجار الكروم والبستان لثمارها، والشَّاة لنتاجها، أو صوفها، أو لبنها باطل؛ لأن الأعيان لا تملك بعقد الإجارة، وهذا في الحقيقة بيع الأعيان معدومة ومجهولة.
الثانية: الاستئجار لإرضاع الطفل جائز، ويستحق به منفعه وعين المنفعة أن تضع الصبي في حجرها، وتلقمه الثدي، ويعصره عند الحاجة، والعين اللبن الذي يمتصه الصبي، وإنما جوزناه وأثبتنا به استحقاق اللبن، لأنّا لو منعناه لاحتاج إلى شراء اللبن كل دقيقة، وفيه من المشقة ما يعظم، ثم الشراء إنما يمكن بعد الحَلْب، والتربية لا تتم باللبن المحلوب 1، ثم الأصل الذي يتناوله العقد ماذا.
فيه وجهان؛ أحدهما: اللبن، وفعلها تابع، لأن اللبن مقصود لعينه، وفعلها مقصود لإيصال اللبن المقصود إلى الصبي.
وأصحهما: أن الأصل المتناول بالعقد فعلها واللبن مستحق تبعاً لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
علل الأجرة بفعل 2 الإرضاع لا باللبن وأيضاً فإن الإجارة موضوعة لاستحقاق المنافع، فإن استحق فيها عين لضرورة تدعو إليه فهي متابعة، كالبئر تستأجر لسقي مائها، والدار تستأجر، وفيها بئر يجوز الاستسقاء منها، ثم إن استأجرها للحضانة مع الإرضاع جاز وإن استأجرها للارضاع ونفى الحضانة فوجهان: أحدهما؛ لا يجوز؛ لأنه لا يجوز استئجار الشاة لإرضاع السّخلة.
وأصحهما: الذي أورده أن الأكثرون أنه يجوز، كما يجوز أن تستأجر لمجرد الحضانة.
قال الإمام: وهذا الخلاف فيما أذا قصر الإجارة على صرف اللبن إلى الصبي وقطع عنه، وضعه في الحجر ونحوه، فأما الحضانة بالتفسير 3 الذي تذكره من بعد، فلا خلاف في جواز قطعه عن الإرضاع.

الثالثة: استئجار الفِحْل للضِّرَاب حكمه ما ذكرنا في الباب الثالث من "كتاب البيع".
وقوله "أنه لا يوافق بتسليمه على وجه ينفع" أرادية أنه أمر لا يتعلق باختيار الحيوان، ثم بتقدير أن يَنْزُو، فربما لا ينزل، فإن أنزل فربما لا يحصل منه الولد، وهو المقصود، لكن المعتبر القدرة على تسيلم المنفعة المعقود عليها.
فأما وقوعه نافعاً مَرّ وسبيله إلى الغاية المقصودة، فغير معتبر بالاتفاق.
ومما يناسب مسائل الفصل استئجار القَنَواتَ، وله ذكر في بعض نسخ الكتاب قبيل المسألة الثالثة بهذه العبارة، واستئجار القناة للزراعة بمائها الأصلح تجويزه للحاجة، ولا وجه في القياس إلاَّ على قول مَنْ لا يرى الماء مملوكاً، فتكون القناة كالشبكة، والماء كالصيد، وغالب الظن أوّلاً أن المسألة ليست من متن الكتاب، فليست هي ثابته في "الوسيط"؛ ثم حكمها تفريعاً على أن الماء ليس بملوك بَيِّن كما ذكره.
وعلى قولنا: إنه مملوك فالمنافع آبار الماء.
وقد جوزنا استئجار بئر الماء للاستقاء والتي بعدها مستأجرة لإجراء الماء فيها.
وقال القاضي الروياني في "الحلية" إذا اكترى قرار القناة ليكون أحق بمائها جاز في قول بعض أصحابنا، وهو الاختيار، والمشهور منعه، ولفظه في تصوير المسألة يشبة أن يكون مبنيّاً، على أن الماء لا يملك 1. الشرط الثالث: للمنفعة أن تكون مقدوراً على تسليمها 2. فلا يجوز استئجار الآبق والمغصوب كبيعهما، ولا استئجار الأخرس للتعليم، والأعمى لحفظ المتاع، وكذا استئجار من لا يحسن القرآن ليعلمه.
قال في "الوسيط": فإن وسَّع عليه وقتاً يقدر على التعلُّم قبل التعليم ففيه وجهان.

الأصح: المنع 1؛ لأن المنفعة مستحقة في عينه، والعين لا تقبل شرط التأجيل والتأخير، وإن استأجر أرضاً للزراعة وجب أن تكون الزراعة فيها متيسرة.
والأراضي أنواع: منها أرض لها ماء دائم من نهر أو عين أو بئر ونحوها.
ومنها: أرض لا ماء لها ولكن يكفيها المطر المعتاد، والنَّداوة التي تصيبها من الثلوج المعتادة، كبعض أراضي الجبال أوْ لا يكفيها ذلك، ولكنها تسقى بماء الثلج والمطر في الجبل، والغالب فيها الحصول.
ومنها: أرض لا ماء لها، ولا تكفيها الأمطار المعتادة، ولا تسقى بماء غالب الحصول من الجبل، ولكن إن أصابها مطر عظيم أَوْ سيل نادر أمكن أن تنزرع.
فالنوع الأول يجوز استئجاره، لثالث لا يجوز؛ لأنها منفعة غير مقدور عليها، وإمكان الحصول غير كافٍ كإمكان عود الأبق ورد المغصوب.
وفي النوع الثاني وجهان: أحدهما: وبه قال القفَّال: أنه لا يجوز استئجاره؛ لأن السقي معجوز عنه في الحال، والماء المتوقع لا يعرف حصوله، وبتقدير حصوله لا يعرف أنه هل يحصل في الوقت تمكن الزراعة فيه؟ والثاني: أنه يجوز، ويحكي عن القاضي الحُسَيْن؛ لأن الظاهر حصول المقصود، والتمكن الظاهر كافٍ، أَلاَ تَرىَ أن انقطاع ماء النهر والعين ممكن أيضاً، لكن لمّا كان الظاهر فيه الحصول كفى لصحة العقد، وهذا أقوى الوجهين، وبه أجاب القاضي ابْنُ

كَجٍّ وصاحب "المهذّب" وغيرهما، وإنما أضاف صاحب الكتاب الأول إلى النص؛ لأنه قال في "المختصر": وأن يُكَاري الأرض البيت التي لا ماء لها، وأنما تسقى بنُطَفِ من السماء أو بسيل إن جاء فلا يصح.
وظاهره يشمل النوع الثاني والثالث لأن كليهما يسقى بماء السماء، لكن من قال بالوجه الثاني حمل النص على النوع الثالث وقد يشعر به قوله: "أو بسيل إن جاء".
والنَّطف: القطر يقال: نطف ينطف نطفاً وكلل قاطر ناطف.
ومنها: أرض على شَطِّ النيل أو الفرات أو غيرهما يعلو الماء عليها، ثم ينحسر، ويكفي ذلك لزراعتها السَّنة، فهذا استأجرها للزراعة بعد ما علاها الماء وانحسر صح، وإن كان قبل أن يعلو الماء عليها، فإن لم يوثق به كالنيل لا ينضبط أمره، لا يصح إن كان الغالب حصوله، فليكن على الخلاف في استئجار النوع الثاني من الأراضي، وإن كان موثوقاً به كالمد "بالصبرة" صح كماء النهر، وإن كان يتردد في وصول المد إلى تلك الأراضي، فهي كأرض من الأراضي ليست لها ماء معلوم، وإن كان قد علاها الماء ولم ينحسر، فإن كان لا يُرْجى إنحساره لم يجز استئجارها، وكذا لو كان يتردد فيه؛ لأن العجز يقين وزواله مشكوك فيه، وإن كان يرجى إنحساره وقت الزراعة بالعادة، فالنص صحته.
قال الأصحاب: فيه وجهان من الإشكال: أحدهما: أن شرط الإجارة التمكن من الانتفاع عقب العقد، والماء مانع منه.
والثاني: أنه يمنع رؤية الأرض، فيكون إجارة الغائب.
وأجيب عن الأول بوجهين: أحدهما: أن موضع النص إذا كان الاستئجار لزراعة ما تمكن زراعته في الماء كالأرز، فإن كان غير ذلك لم يصح الاستئجار، حكاه الشيخ أبو حامد عن بعضهم.
واصحهما: أنه لا فرق بين مزروع ومزروع ولكن الماء فيها من مصالح العمارة والزراعة، فكان إبقاؤه فيها ضرباً من العمارة، وأيضاً فإن صرف الماء يفتح موضع ينصب إليه، أو حفر بئر ممكن في الحال، وحينئذ يكون متمكناً من الاستعمال بالعمارة بهذه الوسائط، فاشبه ما إذا استأجر داراً مشحونة بأمتعة يمكن الاستعمال بنقلها في الحال، فإنه يجوز إلاَّ أن الشيخ أَبا مُحَمَّدٍ حكى وجهاً في منع إجارة الدار المشحونة بالأمتعة بخلاف بيعها، والأظهر الأول.
وأما الثاني فمنهم من قال: التصوير فيما إذا كان قد رأى الأرض قبل حصول الماء فيها، أو كان الماء صافياً لا يمنع رؤية وجه الأرض، وإن لم يكن كذلك، فعلى قولي شراء الغائب، ومنهم من قطع بالصحة.

أما عند حصول الرؤية فظاهر.
وأما إذا لم تحصل فلأنه من مصلحة المزارعة، من حيث أنه يقوي الأرض، ويقطع العروق المنتشرة فيها، فأشبه استثار الجوز واللوز بقشره.
والظاهرة: الصحة سواء أجرينا القولين أم لا وإن كانت الأرض على شط نهر، الظاهر منها أنها تفرق، وتنهار في الماء لم يجز استئجارها، وإن احتمل ولم يظهر جاز؛ لأن الأصل والغالب دوام السلامة، ويجوز أن تخرج حالة الظهور على مقابل الأصل.
والظاهر إذا عرف حكم الأنواع، فكل أرض لها ماء معلوم واستأجرها للزراعة مع شربها منه فذاك، وإن استأجرها للزراعة دون شربها جاز إن تيسر سقيها من ماء آخر، وإن أطلق دخل فيه الشرب، بخلاف ما إذا باعها لا يدخل الشرب فيه؛ لأن المنفعة هاهنا لا تحصل دونه، وهذا إذا اطردت العادة للإجارة مع الشرب، فإن اضطريت فسيأتي الحكم في الباب الثاني، فكل أرض منعنا استئجارها للزراعة، فإن اكتراها لينزل فيها، أو يسكنها، أو يجمع الحطب فيها، أو يربط الدواب جاز، وإن اكتراها مطلقاً نظر إن قال: اكتريت هذه الأرض البيضاء، ولا ماء لها جاز؛ لأنه يعرف بنفي الماء أن الاستئجار بغير منفعة الزراعة، ثم لو حمل ماء من موضع وزرعها أو زرع على توقع حصول ماء لم يمنع، وليس له البناء والغراس فيها، نص عليه ووجهوه بأن تقدير المدة يقتضي ظاهره التفريغ عند إنقضائها والغراس والبناء للتأبيد، بخلاف ما لو استأجر للبناء والغراس، فإن التصريح بها حرف اللفظ عن ظاهره، وإن لم يقل عند الإجارة: ولا ماء لها، فإن كانت الأرض بحيث يطمع في سوق الماء إليها لم يصح العقد؛ لأن الغالب في مثلها الاستئجار للزراعة، فكان ذكرها وإن كانت على قلّة جبل لا يطمع في سوق الماء إليها.
فوجهان: عن رواية أبِي إِسْحَاقَ: وأظهرهما: الصحة وتكفي هذه القرينة صارفة، فإذا اعتبرنا نفي الماء ففي قيام علم المتعاقدين مقام التصريح بالنفي وجهان: أشبههما: المنع؛ لأن العادة في مثلها الاستئجار للزراعة، فلا بد من الصرف باللفظ، أَلا ترى أنه لما كانت العادة في الثمار الإبقاء، وأردنا خلافه اعتبرنا التصريح شرط القطع؟ واعلم أن في المسألة تصريحاً بجواز الاستئجار مطلقاً من غير بيان جنس المنفعة، وسيأتي الكلام فيه.
وأما لفظ الكتابة فقوله: "فإن أطلق وكان في محلّ يتوقع الزراعة كان كالتصريح بالزراعة" جواب على أحد الوجهين.
فأما على رأي من لا يفرق، ويقول: سواء كانت الزراعة متوقعة أو لم تكن، فإلاطلاق كالتصريح بالزراعة، فيجوز أن يعلّم بالواو.

وقوله: "وكان في محل تتوقع الزراعة" وأبعد الماء الدائم الذي لا انقطاع له.
وقوله: "فإن علم انحساره فهو صحيح" يمكن إعلامه -بالواو- للوجه الذي رواه الشيخ أبُو حامد في فرق بين الأرز وغيره.
وقوله: "إن تقدمت رؤية الأرض، أو كان الماء صافياً لا يمنع رؤية الأرض" وإلا فهو على الخلاف في شراء الغائب.
قال الغزالي: وَإِجَارَةُ الدَّارِ للِسَّنَةِ القَابِلَةِ فَاسِدَةٌ (ح) إذْ لاَ تَسَلُّطَ عَلَيْهِ عَقِيبَ العَقْدِ مَعَ اعْتِمَادِ العَقْدِ العَيْنَ.
قال الرافعي: عرفت انقسام الإجارة إلى: واردة على العين وواردة على الذمة.
أما إجارة العين فلا يجوز إيرادها على المستقبل كإيجار الدار للسنة القابلة والشهر الآتي.
وكذا إذا قال أجرتك سنة مبتدأة من الغد أو من الشهر الآتي، أو أجرتك هذه الدابة للركوب إلى موضع كذا على أن تخرج غدًا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز ذلك لنا القياس على البيع فإنه لو باع على أن يسلم بعد شهر فإنه باطل.
ولو قال أجرتك سنة فهذا انقضت السنة فقد أجرتك سنة أخرى، فالعقد الثاني باطل على الصحيح، كما لو قال إذا جاء رأس الشهر فقد أجرتك مدة كذا.
فأما الإجارة الواردة على الذمة فيحتمل فيها التأجيل والتأخير كما إذا قال ألزمت ذمتك حملي إلى موضع كذا على دابة صفتها كذا، غداً أو غرة شهر كذا، كما لو أسلم في شيء مؤجلاً وإن أطلق كان حالاً، وإن أجَّر داره سنةً من زيدٍ، ثم أجرها من غيره السنة الثانية قبل انقضاء الأولى لم يجز، فإن أجرها من زيد نفسه، فوجهان ويقال قولان: أحدهما: المنع لأنه إجارة سنة قابلة، كما لو أجر من غيره أو منه مدة لا تتصل بآخر المدة الأولى.
والثاني: وهو المنسوب إلى نصه أنه يجوز اتصال المدتين، كما لو أجر منه السنتين في عقد واحد، وهو أصح عند صاحب "التهذيب" وغيره.
ورجح في "الوسيط" الوجه الأول محتجاً بأن العقد الأول قد ينفسخ فلا يتحقق شرط العقد الثاني، وهو الاتصال بالأول ولمن نصر الوجه الثاني أن يقول: الشرط رعاية الاتصال ظاهرا، وذلك لا يقدح فيه الانفساخ العارض، ولو أجرها من زيد لسنة وأجرها زيد من عمرو ثم أجرها المالك من عمرو السنة الثانية قبل انقضاء المدة الأولى ففيه

الخلاف، ولا يجوز أن يؤجرها من عمرو وهكذا في التهذيب وفي "فتاوى القفال" أنه يجوز أن يؤجرها من زيد، ولا يؤجرها من عمرو؛ لأن زيداً هو الذي عاقده، فيضم إلى ما استحق بالعقد الأول السنة الثانية.
قال الغزالي: وَلَوْ سَنَةً ثُمَّ أَجَّرَ مِنْ نَفْسِ المُسْتَأجِرِ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: اسْتَأجَرْتُ هَذِهِ الدَّابَّةَ لأَرْكَبَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ وَأَتْرُكَ النِّصْفَ إِلَيْكَ، قَالَ المُزَنيُّ: هُوَ إِجَارَةٌ للزَّمَانِ القَابِلِ إِذْ لاَ يَتَعَيَّنُ لَهُ النِّصْفُ الأَوَّلُ، وقَالَ غَيْرَهُ يَصِحُّ، وَإِنَّمَا التَّقَطُّعُ بِحُكْمِ المُهَايأَةِ فَهُوَ كَاسْتِئجَار نِصْفِ الدَّابَّةِ ونِصْفِ الدَّارِ وَهُوَ صَحِيحٌ (ح).
قال الرافعي: ولو أجر داره سنةً وباعها في المدة، وجوَّزناه لم يكن للمشتري أن يؤجر السنة الثانية من المكتري؛ لأنه لم تكن بينهما معاقدة، وتردد في أن الوارث هل يتمكن منه إذا مات المكري في المدة؛ لأن الوارث نائبه.
ولا يجوز أن يؤجر الدار والحانوت شهراً على أن ينتفع به الأيام دون الليالي؛ لأن زمان الانتفاع لا يتصل بعضه ببعض، فيكون إجارةً للزمان المستقبل، وفي مثله في العبدِ والبهيمة يجوز؛ لأنهما لا يطيقان العمل الدائم، ويرفهان الليل على العادة وإن أطلق الإجارة.
ولو أجر دابته لموضع ليركبها المكري زماناً، ثم المكتري زماناً لم يجز لتأخر حق المكتري، وتعلق الإجارة بالزمان المستقبل، وإن أجرها منه ليركب المكتري بعض الطرق، وينزل ويمشي في البعض أو أجر من اثنين ليركب هذا زماناً، وهذا مثله ففيه أوجه: أحدها: أن الإجارة فاسدة في الصورة الأولى، صحيحة في الثانية؛ لأنه إذا اكترى من اثنين اتصل زمان الإجارة بعضه ببعض، فإذا اكترى من واحد تفرق، فتكون إجارة الزمان المستقبل.
وثانيهما: المنع في الصورتين؛ لأنه إجارة إلى آجال متفرقة، وأزمنة متقطعة.
وثالثها: وبه مقال المزني في "الجامع الكبير" تخريجاً، ووافقه صاحب "التلخيص" أنه تجوز الإجارة في الصورتين مضمونة في الذمة، ولا تجوز على دابة معينة.
والفرقُ وأنها إذا كانت في الذمة، فإن أجر من واحد فقد ملكه نصف المنافع على الإشاعة، فيقاسم المالك، وإن أجرها من اثنين ملكهما الكل نسقاً فيتقاسمان.
وأما إجارةُ العين فإنها تتعلق بأزمنة متقطعة، فتكون إجارة الزمان المستقبل.
وأصحهما: وهو نصه في "الأم" جواز الإجارة في الصورتين، سواء وردت على

العين أو الذمة، ويثبت الاستحقاق في الحال بتقسيم المكتري والمكري أو المكتريان، والتأخير الواقع من ضرورة القسمة والتسليم لا يضر، وهذه المسألة تشهر بـ"كراء العُقب" وهو جمع عُقْبة، والعقبة: النَّوْية وهما يتعاقبان على الراحلة، إذا ركب هذا تارةً، وهذا تارةً.
وإذا قلنا بالجواز فلو كان بالطريق عادة مضبوطة، إما بالزمان بأن يركب يوماً وينزل يوماً، أو بالمسافة بأن يركب فرسخاً ويمشي فرسخاً حمل العقد عليها، وليس لأحدهما أن يطلب الركوب ثلاثاً والنزول ثلاثاً لما في دوام المشي من التعب 1. وإن لم تكن عادة مضبوطة فلا بد من البيان في الابتداء، وإن اختلفا في من يبدأ بالركوب، فالحكم القرعة ولو أكرى الدابة من اثنين، ولم يتعرض للتعاقب.
قال في "التتمة" إن احتملت الدابة ركوب شخصين اجتمعا على الركوب، وإلاَّ فالرجوع 2 يخرج على المهايأة كما سبق.
ولو قال: أجرتك نصف الدابة إلى موضع كذا، أو أجرتك الدابة لتركبها نصف الطريق صَحَّ، ويقتسمان إما بالزمان أو بالمسافة وهذه إجارة المشاع تصح كما يصح بيعه وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا تصح إجارة المشاع إلاَّ من الشريك.
وفي إجارة نصف الدابة وجه أنها غير جائزة للتقطع بخلاف إجارة نصف الطريق وبخلاف ما إذا أجر منهما ليركبان في محمل.
ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة.
أما تضمينه مسائل الفصل شرط القدرة على التسليم، فكان سببه أن منافع الزمان المستقبل غير مقدور عليها.
أما إذا نَجَّز كان التسليم في الزمان الحاضر مقدوراً عليه فينسحب حكمه على جميع المدة المتواصلة للحاجة.
وقوله "فاسد" معلم بالحاء والألف.
وأراد بقوله: "إذ لا تسلط عليه عقب العقد مع اعتماد العقد العين" أن هذه الإجارة متعلقة بالعين غير واردة على الذمه، وذلك يقتضي التسليط في الحال.
وقوله: "فوجهان" يجوز إعلامه بالواو ولأن أبا الفرج السرخسي حكى طريقة قاطعة بالمنع كما لو أجر من غير المستأجر، ولفظ الكتاب في مسألة كراء العُقب لا يتناول إلاَّ الإجارة الواردة على العين، وإلاَّ إذا اتحد المكتري لا يجيء حينئذٍ إلا وجهان كما ذكرنا.
وقوله

"وهو صحيح" يجوز أن يعلم بالحاء والالف المذهبهما في إجارة المشاع.

فرع

: لا تجوز إجارة ما لا منفعة له في الحال، ويصير منتفعاً به كالجحش لأن الإجارة موضوعة على تعجيل المنافع، بخلاف المساقاة على ما لا يثمر في تلك السنة، ويثمر بعدها؛ لأن تأخر الثمار محتمل في كل مساقاة.
قال الغزالي: وَالعَجْزُ شَرْعاً كَالعَجْزِ حِسّاً، فَلَو اسْتَأجَرَ عَلىَ قَلْع سنٍّ صحيحَةٍ وَقَطْعِ يَدٍ صَحيحَةٍ أَوْ استَأْجَرَ حَائِضاً عَلَى كَنْسِ مَسْجِدٍ فَهُوَ فَاسِدٌ لأَنَّ تَسْلِيمَهُ شَرْعاً مُتَعَذِّرٌ وَلَوْ كَانَتِ اليَدُ مُتَآكِّلةَ أوْ السِّنُّ وَجِعَةً صَحَّتْ، فَإِنْ سَكَنَتْ قَبْلَ القَلْعِ انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ.
قال الرافعي: المعجوز عنه شرعاً كالمعجوز عنه حِساً 1، كما قدمنا في البيع، فلا يجوز الاستئجار لقلع سن صحيحة 2، وقطع يد صحيحة، ولا استئجار الحائض 3 لكنس المسجد وخدمته؛ لأَنها منافع متعذرة التسليم شرعاً.
وقال في "الوسيط" في إجارة الحائض لكنس المسجد احتمال، فيجوز أن تصح 4، وإن كانت تعصى به، كما تصح الصلاة في الأرض المغصوبة، وإن كان يشغل ملك الغير والمنقول الأول، وكذا لا يجوز الاستئجار لتعليم التوراة، والإِنجيل، وختان الصغير الذي لا يحتمل أَلمه ولتعلم السحر والفحش.
ولو استأجر لقطع يد متآكلة أو قلع سن وجعة، فالكلام أَولاً في جوازهما.

أما القلع فإنه يجوز إذا صعب الألم.
وقال أهل البصر: إنه يريح الألم.
وأمَّا القطع فلا بد وأَن يذكر أهل الصنعة أَنه نافع، وأن مع ذلك ففي جوازه خلاف عن حكايته الشيخ أَبي محمد المنع، أَن القطع إِنما يمنع إذا وضعت الحديدة على محل صحيح، وأَنه مهلك، كما إن الأكله مهلكة، وهذا الخلاف وما في جِواز القطع من التفصيل مذكور في الكتاب في (باب ضمان الولاة) فحيث لا يجوز القطع والقلع، فالاستئجار لهما باطل، وحيث يجوز ففي صحة الإِجارة وجهان: أَحدهما: المنع؛ لأَن الإجارة إِنما تجوز في عمل موثوق به، وجواز زوال العلّة محتمل فيمتنع الوفاء بقضية الإجارة، وسبيل مثل هذا الغرض أَن يحصل بالجعالة بأن يقول: اقلع سني هذه، ولك كذا.
وأَصحهما: الصحة، إذ لا يشترط لصحة الإجارة القطع بسلامتها عما يقطعها.
ورأى الإمام تخصيص الوجهين بالقلع لا أن احتمال فتور الوجع في الزمان الذي يفرض فيه القلع 1 غير بعيد.
وأما زوال الآكلة من زمان بأرباب القطع فإنه غير محتمل، وأجرى الخلاف في الاستئجار للفَصْد، والحجَامة، وبزع الدابة؛ لأَن هذه الإيلامات إنما تباح بالحاجة، وقد تزول الحاجة.
وإذا استأجر امرأَة لكنس مسجد فحاضت، انفسخ العقد، إِن وردت الإجارة على عينها وعينت المدة، وإن وردت على الذمة لم تنفسخ، لإمكان أن تفوضه إلى الغير، وأَن تكنس بعد أَن تطهر.
وإذا جوزنا الاستنجار لقلع السن الوجعة فأستأجر له ثم سكن الوجع، انفسخت الإجارة لتعذر القلع، وهذا قد ذكره مرة أُخرى في الباب الثالث، وسنذكر هناك ما يقتضي إِعلام قوله: "انفسخت الإجارة" بالواو وإن لم يبرأ، لكن امتنع المِستأجر من قلعه.
قال في "الشامل": لا يجب عليه إلاَّ أنَّه إذا سلم الأَجير نفسه، ومضى مدة إِمكان العمل، وجب على المستأْجر الأُجرة، ثم ذكر القاضي أبَو الطَّيب أَنها لا تستقر حتى لو انقلعت تلك السن، انفسخت الإِجارة، ووجب رد الأُجرة، كما لو مكنت الزوجة في النكاح ولم يطأها الزوج ويفارق ما إِذا حبس الدابة مدة إِمكان السير حيث تستقر عليه الأُجرة لتلف المنافع 2.

قال الغزالي: وَلَوِ اسْتَأْجَرَ منْكُوحَةَ الغَيْر دُونَ الزَّوجِ فَفَاسدٌ (و)، وَلَوِ اسْتَأجَرَهَا الزَّوْجُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وإنِ اسْتَأْجَرَهَا (و) لإِرْضَاعِ وَلَدِهِ مِنْهَا صَحَّ.
قال الرافعي: استئجار منكوحة الغير، إما أَن بفرض من غير الزوج أَو منه.
أَما غيره، فله أَن يستاجرها للرضاع.
وغيره بإِذن الزوج 1 وبغير إذنه وجهان: أَحدهما: يجوز أَيضاً؛ لأَن محله غير محل النكاح، إِذ لا حَقَّ في لبنها وخدمتها.
وأصحهما: المنع 2، وهو المذكور في الكتاب؛ لأَن أَوقاتها مستغرقة بحق الزوج، فلا تقدر على توفية ما التزمته، فإن لم نصححة فذاك، وإن صححناه، فللزوج فسخه كيلا يحيل حقه.
ولو أَجرت نفسها, ولا زوج لها، ثم نكحت في المدة، فالاِجازة بحالها, وليس للزوج منعها بما التزمته، كما لو أَجرت نفسها بإذنه، لكن يستمتع بها في أَوقات فراغها، فإن كانت الاِجارة للرضاع، فهل لولي الطفل الذي استأَجرها لارضاعه منع الزوج من وطئها؟ فيه وجهان: أحدهما: ويحكي عن أَبي حنيفة ومالك نعم؛ لأَنه ربما تحمل، فينقطع اللبن فيقل، فيضر بالطفل.
والثاني: وبه أَجاب أَصحابنا العراقيون لا؛ لأَن الحمل متوهم، ولا يمتنع به الوطء المستحق.
وذكر في التهذيب أَنه إِن كانت الاِصابة تضر باللبن منع الزوج من إِصابتها، وهذا إِن أَراد به الضرر الناشئ من الحبل الناشئ من الإِصابة فهو جواب على الوجه الأول، ويجوز أَن يحمل على إِضرارها باللبن من غير توسُّط الحمل، وإِذا منع الزوج فلا نفقة عليه في تلك المدة 3. ولو أَجر السيد الأَمة المزوجة جاز، ولم يكن للزوج منعها من المستأجر؛ لأَن يده يد السيد في الانتفاع، وأَما الزوج فلا يمنع من استأجرها إِلاَّ أَنه إِذا استأجرها لإِرضاع ولده منها ففيه وجهان:

أَحدهما: وهو الذي ذكره العراقيون المنع، ووجهوه بأَنها أَخذت منه عوضاً للاستمتاع، وعوضاً للحبس، فلا تستحق شيئاً آخر، وهذا على ضعفه منقوض باستئجارها لسائر الأعمال.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب الجواز، كما لو استأجرها بعد البينونة، وكما لو استأجرها للطبخ والكنس ونحوهما.
وعن أَبي حنيفة: أَنه لا يجوز استئجارها للطبخ، وما أَشبهه؛ لأَنه مستحق عليها في العادة، وعلى هذا الخلاف استئجار الوالد ولده للخدمة، وفي عكسه وجهان، إِذا كانت الإِجارة على عينه، كالوجهين فيما إِذا أَجر المسلم نفسه من كافر.
قال الغزالي: أَمَّا الحُصُولُ لِلمُسْتَأْجِرِ نَعْنِي بِهِ أَنَّ اسْتِئْجَارَهُ عَلَى الجِهَادِ (و) وَالعِبادَاتِ التِي لاَ تَجْرِي النِّيَابَةُ فِيهَا فَاسِدٌ إِذْ يَقَعُ لِلأَجِيِر، وأَمَّا الحَجُّ وَحَمْلُ الجَنَازَةَ وحَفْرُ القَبْرِ وَغَسْلُ المَيِّتِ فَيَجري فِيَها النِّيَابَةُ وَالإِجَارَةُ، ولِلإِمَامِ (و) اسْتَئْجَارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ للِجِهَادِ إِذْ لاَ يَقَعُ لَهُمْ، وَالاسْتِئْجَارُ عَلَى الأَذَانِ جَائِزٌ للإِمَامِ، وَقِيَل: إِنَّهُ مَمْنُوَعٌ كَالجِهَادِ، وقِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ لآحَادِ النَّاسِ لِيَحْصُلَ لِلمُسْتَأجِرِ فَائِدةُ مَعْرِفةِ الوِقْتِ، وَلاَ يَجُوزُ الاسْتِئْجَار عَلَى إِمَامةِ الصَّلَوَاتِ الفَرَاِئضِ، وَفي إِمَامَةِ التَّرَاوِيحِ خِلاَفٌ، وَالأَصَحُّ مَنِعُهُ، وَبِالجُملةِ فَكُلُّ مَنْفَعَةٍ مُتَقَوَّمَة مَعْلُومَةٍ مُبَاْحَةٍ يَلْحَقُ العَامِلَ فيِهَا كُلْفَةٌ وَيَتَطَوَّعُ بِهَا الغَيْرُ عَنِ الغَيْر يَصِحُّ إِيرّادُ العَقْدِ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: الشرط الرابع حصول المنفعة للمستأجر، وإلاَّ اجتمع العوضان في ملك واحد، فإنه إذا قال: استأجرت دابتك لتركبها بعشرة، كانت المنفعة، والعشرة حاصلة له.
وفي أكثر العناية في هذا الشرط نذكر حكم العبادات في الاستئجار، وضبطها إمام الحرمين، فقال: هي على نوعين: أحدهما: الذي يتوقف الاعتداد بها على النية، فما لا تدخله النيابة منها لا يجوز الاستئجار عليه, لأن الاستئجار نيابة خاصة وما تدخله النيابة منها يجوز الاستئجار عليه كالحج وتفرقة الزكاة.
وقال الإمام: ومن هذا القبيل غسل الميت إذا اعتبرنا فيه النية، كجريان النيابة فيه.
والنوع الثاني: لا يتوقف الاعتداد بها على النية، وهي تنقسم إلى فرض كفاية، وإلى شعار غير مفروض.
القسم الأَول: فرض الكفايات، وهو على ضربين.
أَحدهما: ما يختص إفراضه في الأَصل بشخص وموضع معين، ثم يؤمر به غيره

إِن عجز، كتجهيز الميت بالتكفين، والغسل وحفر القبر، وحمل الجنازة، والدفن فإن هذه المؤنات تختص بتركة الميت، فإن لم تكن فحينئذ يجب على الناس القيام بها، فمثل هذا يجوز الاستئجار عليه؛ لأَن الأَجير غير مقصود بفعله حتى يقع عنه.
وعد من هذا القبيل تعليم القرآن، فإِن كل أَحد لا يختص بوجوب التعليم، وِإن كان نشر القرآن وإشاعته من فروض الكفايات، وهذا إذا لم يتعين واحد لمباشرة هذه الأَعمال، فإِن تعين واحد لتجهيز الميت، ولتعليم الفاتحة فوجهان: أحدهما: المنع، كفروض الأَعيان ابتداء.
وأَصحهما: الجواز، كما أَن المضطر يجب إِطعامه، ويجوز تغريمه.
والضرب الثاني: ما يثبت افتراضه في الأَصل شائعاً غير مختص بشخص وموضع كالجهاد، فلا يجوز استئجار المسلم عليه؛ لأَنه مكلف بالجهاد، والذَّبَّ عن المِلَّة، فيقع عنه، ويجوز استئجار الذمي عليه، وسيأَتي ذلك في "كتاب السير" إِن شاء الله تعالى.
والقسم الثاني: شعائر غير مفروضة، كالأَذان تفريعاً على الأَصح، وفي جواز الاستئجار عليه ثلاثة أَوجه ذكرناها، وترتيبها في "باب الأَذان" فإِن جوزنا فعن الشيخ أَبي محمد وغيره ثلاثة أَوجه في أَن المؤذن علام يأَخذ الأَجرة؟ أَحدها: أَنه يأَخذ على رعاية المواقيت.
والثاني: على رفع الصوت.
والثالث: على الجبعلتين؛ لأَنهما ليسا من الأَركان.
والأصح: وجه رابع: أَنه يأخذه على جميع الأذان بجميع صفاته، ولا يبعد استحقاق الأجرة على ذكر الله تعالى -كما لا يبعد استحقاقها على تعليم القرآن، وإن اشتمل على القرآن، ويتخرج على هذه التقاسيم صور.
منها: الاستئجار، لإمامة الصلاة المفروضة ممنوع منه، والإمامة في التراويح وسائر النوافل وجهان.
الاصح: المنع؛ لأَن الإِمام حصل لنفسه، ومهما صلى اقتدى به من يريد، وإن لم ينو الإِمامة، وإن توقف على نيته شيء، فهو إِحراز فضيلة الجماعة، وهذه فائدة تحصل لهَ دون المستأجر، ومن جوزه ألحقه بالاستئجار للأذان لتأدي الشعائر.
ومنها: الاستئجار للقضاء ممتنع؛ لأن المتصدِّي له قد تعلّق بعمله أَمر الناس عامة، وأَيضاً فأعمال القاضي غير مضبوطة.

ومنها: أَطلقوا القول بمنع الاستئجار للتدريس وعن الشيخ أَبي بكر الطوسي 1 ترديد جواب في الاستئجار لإِعادة الدروس.
قال الإمام: لو عين شخصاً أَو جماعة ليعلِّمهم مسأَلة، أَو مسائل مضبوطة، فهو جائز والذي أَطلقوه، فهو محمول على استئجار من يتصدى للتدريس من غير تعيين من يعلمه وما يعلمه؛ لأَنه كالجهاد في أَنه إِقامة مفروض على الكفاية ثابت على الشيوع,.
وكذلك يمتنع استئجارُ مقرئ يُقرئٍ على هذه الصورة.
قال: ويحتمل أَن يجوز الاستئجار له، ويشبه الأَذان، وللمنع وراء ما ذكره مأخذ آخر وهو أَن عمله غير مضبوط كما ذكرناه في القاضي.
وقوله في الكتاب: "وللإِمام أَن يستأجر أَهل الذمة للجهاد" يجوز أَن يعلم -بالواو- لوجه ذكره في السير سينتهي إِليه الشرح إِن وفق الله تعالى.
وقوله: "ليحصل للمستأجر فائدة معرفة الوقت".
هذا التوجيه مبني على جواز الأَخذ بقول المؤذن والاعتماد عليه، ثم قضية الاكتفاء بحصول فائدة المستأجر دون أَن تحصل له كل الفائدة، ويلزم منه تجويز الاستئجار للإمامه؛ ليحصل للمستأجر فضيلة الجماعة.
وقوله: "فيما يحمله فكل منفعة متقومة.. " إلى آخره.
قريب من قوله في أَول الركن: "متقومة لانضمام عين إِليها... " إلى آخره.
وهما في ظاهر الأمر كضابطين يتأدى بهما معنى واحد، لكن ينبغي أن يتنبه فيه لشيئين: أحدها: أن التعرض للمتقوم مغنٍ عن قوله: "يلحق العامل بها كلفة"؛ لأَن ما لا كلفة فيه لا يتقوم كما سبق.
والثاني: أَنه وإِن أَطلق لفط.
المنفعة، لكن المراد هاهنا الأَعمال التي يستأَجر لها الأَجراء، وإلا لم ينتظم قوله "يلحق العامل فيها كلفة"، أَوْ لا مجال لمفهومه في منفعة لبس الثوب، وسكون الدار، وقد صرح بذلك في "الوسيط" فقال: كل عمل معلوم متاع يلحق العامل فيه كلفة.... " إلى آخره، وكذلك حكاه الإمام عن القاضي الحسين، ثم هذا الضابط سواء كان ضابطاً لمنفعة، أَو لمنافع أَبدان الأجراء لا اختصاص له بهذا الموضع، وذكره في غير هذا الموضع أَحسن، والله أعلم.
قال الغزالي: وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَعْلُومَةٌ فَتَفْصِيُلهُ فِي الآدَمِىِّ والأراضي وَالدَّوَابِّ، (أَمَّا

الآدَمِىُّ) إِذَا اسْتُؤْجَرَ لِصَنْعَةِ عُرِفَ بِالزَّمَانِ أَوْ بِمَحَلِّ العَمَلِ كَمَا لَوِ اسْتُأْجِرَ الخَيَّاطَ يَوْمًا أَوْ لِخيَاطَةِ ثَوْبٍ معَيَّنِ، وَلَوْ قال اسْتأْجَرْتُكَ لِتُخَيِّطَ هَذَا القَمِيصَ في هَذَا اليَوْمِ فَسَدَ (و) لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتمُّ العَمَلُ قَبْلَ اليَوْمِ أَوْ بَعْدَهُ، وفي تَعْلِيمِ القُرْآنِ يعَلِّمُ بِالسُّوَرِ أَوْ بِالزَّمانِ، وَفِي الإِرْضَاعِ يَعيَّنُ الصَّبيُّ وَمَحَلُّ الإِرْضَاعِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ الغَرَضُ بِهِ.
قال الرافعي: الشرط الخامس: كون المنفعة معلومة؛ وقد اعتبر في البيع العلم بثلاثة أُمور من المبيع: العين، والقدر، والصفة.
أَما العين، فلما لا يجوز أَن يقول: بعتك أَحد هذين العبدين، لا يجوز أَن يقول: أَجرتك أَحدهما، بل إما أَن يلتزم في الذمة كما يلتزم بالسلم، وإما أَن يؤجر عيناً معينة، ثم إن لم تكن لها إِلاَّ منفعة واحدة، فالإِجارة محمولة عليها، وإِن كانت لها منافع لا بد من البيان.
وأَما الصفة، فقد ذكرنا أَن إِجَارة العَيْن الغائبة على الخلاف في بيعها.
وأما القدر، فهو المقصود بالذكر فاعلم أَن قدر المنفعة يشترط العلم به، سواء كانت الإِجارة في الذمة، أَو كانت إِجارة عين، بخلاف المبيع، فإِن الشيء المعين إذا بيع تغني المشاهدة عن تحقيق القدر.
والفرق أَن المنافع ليس لها حضور محقق، وإِنما هي متعلّقة بالاستقبال، والمشاهدة لا يطلع فيها على الغرض، ثم المنافع تقدر بطريقتين: تارةً تقدر بالزمان، كما إِذا استأجر الدار ليسكنها سنة.
وتارةً بمحل العمل، كما إِذا استأجر الخَيَّاط ليخيط له الثوب المعين، أَو الدابة ليركبها إِلى موضع كذا.
ثم قد يتعين الطريق الأَول، كما في استئجار العقارات، فإِن منافعها لا تنضبط إِلاَّ بالمدة وكالإرضاع فإِن تقدير اللبن لا يمكن، ولا سبيل فيه إِلاَّ الضبط بالزمان.
وقد يسوغ الطريقان كما إِذا استأجر عين شخص أَو دابة يمكنه أَن يقول: ليعمل لي كذا شهراً، وأَن يقول: ليخيط هذا الثوب، وفي الدابة أَن يقول: لأتردد عليها في حوائجي اليوم، أَو يقول: لأَركبها إِلى موضع كذا، فأَيهما كان كفي لتعريف المقدار، فإِن جمع بينهما بأَن قال: استأجرتك لتخيط لي هذا القميص اليوم ففيه وجهان: أصحهما: وهو المذكرر في الكتاب، وبه قال أَبو حنيفة: أَنه لا يجوز؛ لأَن في إِضافة الزمان إِلى العمل غرراً لا حاجة إِلى احتماله؛ لجواز انتهاء العمل قبل انتهاء اليوم وبالعكس، وهذا كما إِذا أَسلم في قفيز حِنْطَة، بشرط أَن يكون كذا لا يصح؛ لاحتمال أَن يزيد أَو ينقص فيتعذر التسليم.
والثاني: يجوز، والمدة مذكورة للتعجيل، فلا تؤثر في فساد العقد، وعلى هذا فوجهان:

أصحهما: أَنه يستحق الأُجرة بأسرعهما إِتماماً، فإن تم العمل قبل إِتمام اليوم وجبت الأُجرة، وإِن انقضى النهار قبل تمام العمل فكذلك والثاني الإعتبار بالعمل مقصود فإن تم قبل انقضاء اليوم وحب الأجرة اليوم قبله وجب إِتمامه، وبالأَول أَفتى القفال وذكر أَنه إِن انقضى النهار أَوَّلاً لم يلزمه خياطة الباقي، وإِنْ تم العمل أَولاً، فللمستأجر أَن يأَتي بمثل ذلك القميص ليخيط بقية النهار، فإن قال في الإِجارة: على أَنك إِن فرغت قبل تمام اليوم لم تخط غيره، بطلت الإِجارة؛ لأَن زمان العمل يصير مجهولاً.
إِذا عرفت ذلك فالمنافع متعلقة بالأَعيان، وتابعة لها، وعدد آحاد الأَعيان التي تستأجر كالمتعذر، فَعُنى الأَصحاب بثلاثة أَنواع تكثر البلوى بإِجارتها ليعرف طريق الضبط فيها، ثم يقاس بها غيرها.
أحدها: الآدمي يستأجر لعمل، أو صناعة كالخياطة، فإِن كانت الإِجارة في الذمة قال: لزمت ذمتك خياطة هذا الثوب، ولو أَطلق وقال: ألزمت ذمتك عمل الخياطة كذا يوماً.
قال القاضي أبو الطيب: لا يصح، وبه أَجاب صاحب "التتمة" توجيهاً بأنه لم يعين عاملاً يخيط، ولا محلاً للخياطة، فلا ترتفع الجهالة.
وإن استأجر عينه قال: استأجرتك لتخيط هذا الثوب ولو قال لتخيط لي يوماً أَو شهراً، نقل أَكثرهم جوازه أَيضاً، ويجب أَن يبين الثوب، وما يريد منه من القميص، أَو القبا، أَو السَّراويل، والطول، والعرض، وأَن يبين نوع الخياطة، أَهي رومية، أَو فارسية؟ إِلاَّ أَن تطرد العادة بنوع فيحمل المطلق عليه.
ومن هذا النوع الاستئجار لتعليم القرآن، ذكر الإمام وصاحب الكتاب أَنه يعين السورة والآيات التي يعلمها، أَو يقدر المدة، فيقول: لتعلمني شهراً، وفي إيراد غيرها ما يفهم عدم الاكتفاء بذكر المدة، واشتراط تعيين السور والآيات؛ لتفاوت التعليم سهولة وصعوبة.
وفي وجه أَنه لا يجب تعيين السور, وإذا ذكر عشر آيات كفى.
وفي "المهذب" وجه أَنه لا بد من تعيين السور، لكن يكتفي لإطلاق العشر منها، ولا يعين واحتج له بما روي أَنهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في قِصَّةِ التَّي عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْه لبعض القوم: "إِني أُريد أَنْ أُزَّوِجُكَ هَذِهِ إِنْ رَضْيتِ فَقَالَ: مَا رَضِيْتَ لِي يَا رَسَولَ اللهِ فَقَدْ رَضِيْتُ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: هِل عِنْدَكَ شَيء؟ قَالَ: لاَ قَالَ مَا تَحْفَظُ شَيْئًا مِنَ الْقُرآنَ؟ قال: سُوَرةَ البْقَرَةِ والَّتي تَلِيْهَا.
قَالَ: قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرَين آية وَهِيَ امْرأَتُكَ 1.

وفي وجوب رواية ابن كثير 1 ونافع 2 وغيرهما وجهان: أصحهما: المنع؛ لأَن الأَمر فيهما قريب، ويدل عليه الخبر السابق.
قال الإمام وكنت أود أَلاَّ يصح الاستئجار للتعليم حتى يختبر حفظ المتعلم، كما لا تصح إِجارة الدابة للركوب حتى يعرف حال الراكب.
لكن ظاهر كلام الأَصحاب أَنه لا يشترط، والخبر يدل عليه، وإنما الاستئجار لتعليم القرآن إِذا كان من يعلمه مسلماً أَو كافراً يُرْجَى إِسلامه، فإن كان لا يُرْجَى لا يعلم القرآن، كما لا يباع المصحف من الكافر، ولا يجوز الاستئجار له.
وإن كان المستأجر على تعليمه يعلم الشيء بعد الشيء ثم ينساه، فهل على الأَجير إعادة التعليم؟ فيه أَوجه: أَحدهما: أَنه إن تعلم آية ثم نسيها لم يجب تعليمها ثانياً، وإن تعلم دون آية ونسي وجب.
والثاني: أَن الاعتبار بالسورة.
والثالث: إن نسي في مجلس التعليم، وجب إِعادته، وإِن نسي بعده فلا.
والرابع: أن الرجوع فيه إِلى العرف الغالب وهو الأصح.
فرع: عن القاضي الحسين في "فتاويه" أَن الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر مدة جائز 3، كالاستئجار للأذان، وتعليم القرآن.
واعلم أَن عَوْد المنفعة إِلى المستأجر شرط في الإجارة كما سبق، فيجب عود المنفعة إلى المستأجر أَو ميِّته، لكن المستأجر لا ينتفع بأَن يقرأ الغير، ومشهور أَن الميت لا يلحقة ثواب القراءة المجردة، فالوجه تنزيل الاستئجار على صور انتفاع الميت بالقراءة، وذكر له طريقتين.
أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت، فإن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد القراءة أَقرب إِلى الإِجابة، وأَكثر بركة.

والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم الثَّالوسي 1 أنه إِن نوى القارئ بقراءته أَن يكون ثوابها للميت لم يلحقة، لكن إِن قرأَ، ثم جعل ما حصل من الأجر له فهو دعاء بحصول ذلك الأَجر للميت، فينتفع الميت 2. ومنه: الاستئجار للرضاع يجب فيه التقدير بالمدة كما سبق، ولا سبيل إِلى ضبط مرات الإرضاع ولا القدر الذي يستوفيه في كل مرة، وقد تعرض له الأَمراض والأسباب الملهية، ويجب تعيين الصبي لاختلاف الغرض باختلاف حال الرضيع 3، وتعيين الموضع الذي يرضع فيه أَهو بيته أَم بيتها.
فإِن إرضاعها في بيتها أَسهل عليها، فالإِرضاع في بيته أَشد وثوقاً، هذا ما ذكره في استئجار الآدمي.
وقد يستأجر لأُمور أُخر: منها: الحج وقد ذكرناه في بابه.
ومنها: إِذا استأجر لحفر بئر أَو نهر أَو قناة، قدّر إِمَّا بالزمان، فيقول: تحفر لي شهراً، أَو بالعمل، فيقدر الطول والعرض والعمق، ويجب معرفة الأَرض بالمشاهدة، وللوقوف على صلابتها ورخاوتها، ويجب عليه إِخراج التراب المحفور، فإن انهار شيء من جوانب البئر لم يلزمه إِخراج ذلك التراب وِإذا انتهى إلى موضع صلب إِو حجارة، نظر إن كان يعمل فيه المعول وجب حفره على أَظهر الوجهين، وبه قال القاضي أَبو الطيب.
والثاني: لا يجب، وبه قال ابن الصَّبَّاغ؛ ولأنه خلاف ما اقتضته المشاهدة، فعلى هذا له فسخ العقد، وإِن لم يعمل به المعول أو نبع الماء قبل أَن ينتهي إلى القدر المشروط، وتعذر الحفر انفسخ العقد في الباقي، ولا يفسخ فيما مضى على الأَصح، فتوزع الأجرة المسماة على ما عمل، وعلى ما بقي: وإِن استأجر لحفر قَبْر بَيَّنَ الموضع، والطول والعرض، والعمق، ولا يكفي الإِطلاق خلافاً لأَبي حنيفة، ولا يجب عليه التراب بعد وضع الميت خلافاً له أَيضاً.
ومنها: إذا استأجر اللبن، قدر بالزمان أَو العمل، وإذا قدر بالعمل بين العدد

والقالب، فإن كان القالب معروفاً فذاك، وإلاَّ بين طوله وعرضه وسمكه.
وعن القاضي أَبي الطيب: الاكتفاء بمشاهدة القالب، ويجب بيان الموضع الذي يضرب فيه، لأَنه يبعد من الماء ويقرب، وربما يحتاج إلى نقل التراب أَيضاً، ولا يجب عليه إِقامتها حتى تجف خلافاً لأَبي حنيفة، ولو أَستاجر لطبخ اللبن فطبخ يجب عليه الإخراج من الأتون خلافاً له.
ومنها: إذا استأجر لبناء، قدر بالزمان أَو بالعمل، فإن قدر بالَعمل، بينّ موضعه، وطوله وعرضه، وسمكه، وما يبنى منه من الطين، أَو الأجَر وإِن استأجره للتطيين أَو التجصيص بقدر بالزمان، ولا سبيل فيه إِلى تقدير العمل، فإِن سمكه لا ينضبط رقة وثخانة.
ومنها: إِذا استأجر كَحَّالاً ليداوي عينيه قدر بالمدة دون البرء، فإن برئت عيناه قبل تمامها انفسخ العقد في الباقي، ولا يقدر بالعمل؛ لأَن قدر الدواء لا ينضبط، ويختلف بحسب الحاجة.
ومنها: إِذا استأجر للرعي، وجب بيان المدة، وجنس الحيوان، ثم يجوز العقد على قطيع معين ويجوز في الذمة، وحينئذ فأَظهر الوجهين عند الشيخ أَبي إِسحاق الشيرازي أَنه يجب بيان العدد.
والثاني: وبه أَجاب ابن الصَّبَّاغ، والقاضي الروياني، أَنه لا يجب، ويحمل على ما جرت العادة أَن يرعاه الواحد.
قال الروياني: وهو مائة رأس من الغنم على التقريب، وِإن توالدت حكى ابن الصباغ أَنه لا يلزمه رعي أَولادها إِن رد العقد على أَعيانها، وإن كانت في الذمة لزمه.
ومنها: إِذا استأجر نَسَّاخاً ليكتب له، بينّ عدد الأوراق والأسطر في كل صفحة ولم يتعرضوا للتقدير بالمدة، والقياس جوازه، وأَن يجب عند تقدير العمل بيان قدر الحواشي، والقطع الذي يكتب فيه.

فرع

: يجوز الاستئجار لاستيفاء الحد والقصاص، خلافاً لأَبي حنيفة في قصاص النفس.

فرع: يجوز الاستئجار لنقل الميتة عن الدار إِلى المزيلة، والخمر لتراق ولا يجوز نقل الخمر من بيت إلى بيت خلافاً لأَبي حنيفة؟ قال الغزالي: (أمَّا الأرَاضَي) فَمَا يُطْلَبُ لِلسُّكْنَى يَرىَ المُسْتَأْجِرُ مَوَاضِعَ الغَرضِ فَيُنْظَرُ في الحَمَّامِ إِلى البُيُوتِ وَبِئْرِ المَاءِ وَمَسْقَطِ القَمَّاشِ وَالأَتُونِ وَالوَقُودِ وَيُعْرَفُ قَدْرُ المَنْفَعَةِ بِالمَدَّةِ، فإِنْ أجَّرَ سَنَةٌ فَذاكَ، فَإِنْ زَادَ فَالأَصَحُّ (و) أَنَّهُ جَائِزٌ ولاَ ضَبْطِ فِيهِ قَوْلاَنِ

آخَرَانِ، أحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يُزَادُ عَلَى السَّنَةِ لأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالحَاجَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّه لاَ يُزَادُ عَلَى ثَلاثَيِنَ سَنَةً، وَلَوْ آجَرَ سِنِينَ ولَمْ يُقَدَّرْ حِصَّةَ كُلِّ سَنَةٍ مِنَ الأُجْرَةِ فَالأَصَح (و) الجَوَازُ كَمَا فِي الأَشْهُرِ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَالَ: آجَرْتُكَ شَهْراً بِدْرِهَم وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِه فَهُوَ فَاسِدٌ إِذْ لَمْ يُقَدِّرْ جُمْلَتَهُ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَصِحُّ في الشَّهْرِ الأَوَّلِ وَيَفْسدُ في البَاقِي.
قال الرافعي: النوع الثاني: العقارات، وتستاجر لأَغراضٍ: منها السُّكنى، فإذا استأجر داراً وجب أَن يعرف موضعها، وكيفية أبنيتها؛ لاختلاف الغرض باختلافها، وفي الحَمَّام يعرف البيوت، والبئر التي يسقى منها ماؤه، والقدر التي يسخن فيها، والأتون وهو موضع الوقود ومبسط القماش 1، والذي يجمع للأتُون من السَّرْجِيْنِ ونحوه، والموضع الذي يجمع فيه الزّيْل، والوَقُود، ومطرح الرَّمَاد، والمُسْتنْقَع الذي يجمع فيه الماء الخارج من الحمام، وعلى هذا قياس سائر المساكن.
وقوله في الكتاب: "يرى المستأجر مواضع الغرض، فينظر في الحمام" مبني على أن إجارة الغائب لا تجوز.
أما إذا جوزناها، فلا تعتبر الرؤية، بل يكفي الذكر.
وقوله: "ومبسط القماش وألاتون والوقود".
الوجه أن يقدم لفظ الوقود ليصير المعنى، ومبسط القماش، وموضع الوقود والأتون، وهذا لفظه في "الوسيط".
فأما نفس الوقود فلا حاجة إلى رؤيته، ولا هو داخل في بيع الحَمَّام إجارتها، كالأزر والأسطال والحبل والدَّلو.
وذكر في "الشامل" في رؤية قدر الحمام أنه إما أن يشاهد داخلها من الحمام، أو ظاهرها من الأتون، والقياس: على اعتبار الرؤية أن يشاهد الوجهين عند الإمكان، كما تعتبر مشاهدة وجهي الثوب.
وفي شرح "المفتاح" أنه لا بد من ذكر عدد السُّكَّان من الرجال والنساء والصبيان، ثم لا يمتنع دخول زائر وضيف، وإن بات فيها ليالي في إجارة الدار 2. ولا بد من تقدير هذه المنفعة بالمدة، ولها كانت منافع هذه العقارات لا تتقدَّر إلاَّ بالمدة كما ذكرنا في الفصل السابق تكلَّم في مدة الإجارة في هذا الموضع، وفيها مسائل.
إحداها: في إجارة الشيء أكثر من سنة قولان:

أحدهما: المنع؛ لأن الإجارة عقد على معدوم جوز رخصة للحاجة والحاجة تندفع بالتجويز سنة، لأَنها مدة تنظيم الفصول، وتتكرر فيها الزروع والثمار والمنافع بتكرر تكررها.
وأصحهما: الجواز، كما يجوز الجمع في البيع بين أعيان كثيرة، وهذا ما أجاب به في "المختصر"، فقال: وله أن يؤجر داره وعبده ثلاثين سنة، وعلى هذا فطريقان: أحدهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنه يجوز الزيادة على ثلاثين سنة؛ لأنها نصف العمر، والغالب ظهور التغيير على الشيء بمضي هذه المدة، فلا حاجة إلى تجويز الزيادة عليها.
وأصحهما: أنه لا تقدر كما لا تقدر في جميع الأعيان المختلفة في البيع.
والطريق الثاني: القطع بالقول الثاني، وحمل ما ذكره المُزَنِيُّ على التمثيل للكثرة لا للتحديد، وعلى هذا من ضابط؟ قال معظم الأصحاب: يجب أن تكون المدة بحيث يبقى إليها ذلك الشيء غالباً، فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة، والدابة تؤجر عشر سنين، والثوب إلى سنتين، أو سنة على ما يليق به، والأراضي إلى مائة أو أكثر.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ أن العبد يؤجر إلى مائة وعشرين سَنَةً من عمره.
وقال بعضهم: يصح وإن كانت المدة بحيث لا تبقى إليها العين في الغالب اعتماداً على أن الأصل الدوام والاستمرار، فإن هلك بعارض، فهو كانهدام الدار ونحوه في المدة، وحاصل هذا الترتيب أربعة أقوال.
التقدير بثلاثين سنة والضبط بمدة بقاء ذلك الشيء غالباً، ومنع الضبط والتقدير من كل وجه.
وقوله: فالأصح أنه جائز ولا ضبط يجوز أن يحمل على ما قاله المعظم.
ويقال: المعنى أنه لا ضبط بعد كون المدة بحيث يبقى إليها شيء، ويجوز أن يجري على ظاهره، فيكون اختيارًا للقول الرابع وقد اختاره غيره من أصحاب الإمام.
وقوله: "وفيه قولان آخران" يجوز إعلامه بالواو للطريقة القاطعة لقول التقدير بالثلاثين.
وقوله: "لا يزاد على السنة ولا يزاد على ثلاثين سنةٌ معلّماً بالحاء والميم والألف؛ لأن عندهم لا تقدير.
وحكم الوقف في مدة الإجارة حكم الملك.
قال أبو سعيد المتولي: إلاَّ أنَّ الحكام اصطلحوا على منع إجارته أكثر من ثلاث سنين لئلاَّ 1 يندرس الوقف، وهذا الاصطلاح غير مطرد، وهو قريب مما حكوه عن

أَبِي حَنيْفَةَ في منع إجارة الوقف أكثر من ثلاث سنين في عقد واحد.
وفي "آمالي" أَبِي الفَرجِ السَّرْخَسِيِّ أن المذهب منع إجارة الوقف أكثر من سنة واحدة إذا لم تمس إليها الحاجة لعمارة وغيرها وهو قريب.
المسألة الثانية: إنْ جوزنا الإجارة أكثر من سنة، فهل يجب تقدير حصَّة كل سنة؟ قولان: أصحهما: لا كما لو باع أعياناً صفقة واحدة لا يجب تقدير حِصَّة كل عين منها، وكما لو أَجَّرَ سنة لا يجب تقدير حِصّة كل شهر.
والثاني: ويحكى عن رواية الربيع، وحرملة، والمزني في "الجامع الكبير"، نعم؛ لأن المنافع تتفاوت قيمها بالسنين، وربما تهلك العين في المدة، فيتنازعان في قدر الواجب من الأجرة، ومن قال بالاول يوزع الأجرة المُسَمَّاة على قيمة منافع السنين، فينقطع النزاع، وبنى القولين بعضهم على القولين فيما إذا أسلم في شيئين، أو في شيء إلى أجلين، ففي قول يجوز أخذاً بظاهر السلامة 1، وفي قول: لا لما عساه أن يقع من الجهالة بالأجرة، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "فالأصح الجواز" -بالواو- لأن القاضي أبَا القَاسِمِ بْنَ كَجٍّ حكى طريقة أخرى قاطعة بإنه لا يجب التقدير، واختارها مذهباً.
الثالثة: قول العاقد أجرتك شهراً أو سنة فحمول على ما يتصل بالعقد في أظهر الوجهين.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه المفهوم المتعارف.
والثاني: وبه قال أحمد: لا بد وأن يقول: من الآن وإلاَّ فهو كقوله: بعتك عبداً من العبيد، ولو قال: أجرتك شهراً من السنة.
قال الإمام: يفسد العقد بلا خلاف للإبهام، واختلاف الأغراض.
وإذا قال: أَجَّرْتُكَ هذه الدار كل شهر بدرهم من الآن لم تصح الإجارة؛ لأنه لم يبين لها مدة.
وعن "الإملاء" أن تصح في الشهر الأول؛ لأنه معلوم، والزيادة مجهولة، وبه قال الإصطخري.
ولو قال: أجرتك كل شهر من هذه السنة بدرهم لم يصح.
وعن ابن سريج أنه يصح في شهر واحد دون ما زاد، ورجحوا الأول واحتجوا له بأنه لم يضف الإجارة إلى جميع السنة.
وفي "النهاية" أن الأئمة بمثله أجابوا فيما إذا قال: بعتك كل صاع من هذه الصُّبْرة بدرهم، وقالوا: إنه لم يضف البيع إلى جميع

الصبرة بخلاف ما إذا قال: بعتك هذه الصُّبرة كل صاع بدرهم.
وكان ينبغي أن يفترق بين أن يقول: بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم، فيجعل كما لو قال: بعتك هذه الصُّبرة كل صاع بدرهم، ويصح العقد في الجميع وبين أن يقول: بعتك من هذه الصبرة كل صاع بدرهم، فيحكم بالبطلان هاهنا أو يصح في صاع واحد، كما حكيناه عن ابْنِ سُرَيْجٍ في البيع، وكذلك ينبغي أن يفرق في الإجارة.
وقد وَفَّى القضية المذكورة الشيخ أبو محمد، فسوى بين قوله: بعتك كل صاع من هذه الصُّبْرَةِ بدرهم، وبين قوله: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهمٍ، وصحح البيع في جميع الصبرة باللفظين.
ثم اعلم أن عامة النقلة إنما نقلوا التجويز في شهر واحد عن ابن سُرَيْجٍ فيما إذا ضبط الاشهر بالسنة، أما إذا أطلق، وقال: كل شهر بدرهم، فالخلاف فيها منسوب إلى "الإملاء"، واختيار الإصطخري كما سبق.
والفرق بين الصورتين بَيِّنٌ.
وحكى الإمام والمصنف في "الوسيط" التجويز في شهر عن ابن سريج مع التصوير فيما إذا أطلق ذكر الشهر، ولم يساعدا عليه.
وقوله هاهنا: "لو قال: اجرتك شهراً بدرهم، وما زاد فبحسابه" أراد به الصورة الأولى والثانية، حيث حكى الخلاف فيه، وأما ما يشعر به اللفظ فلا يجري فيه الخلاف؛ لأن قوله: آجرتك شهراً بدرهم إمَّا أنْ يُحْمَلَ على شهرٍ غير معين، أو على الشهر المتصل باللفظ، إن كان الأول فلا خلاف في فساد الإجارة، وإن كان الثاني فالشهر الأول مفرد بالعقد مقابل بالعوض، فيصح العقدُ فيه بلا خلاف.
وكذلك أورده صاحب "المهذب" وغيره.
واعلم أن الحكم في مدة الإجارة كالحكم في أجل السلم في أن مطلق الشهر يحمل على أمرين.
وكذا السنة في أنه إذا قَيّد بالعدد، أو قال سنة روميّة، أو فارسيّة أو شميّسة كان الأجل ما ذكره في أن العقد إذا انطبق على أَوَّلِ الشهرِ اعتبر ذلك الشهر، وما بعده بالأهلّة، وإن لم ينطبق تيمم المنكسر بالعدد من الآخر، ويحسب الباقي بالأهلّة، وفي سائر المسائل المذكررة في السلم، وفي التأجيل بالسنة الشمسية وجه أنه لا يجوز، وهو قريب من الوجه المذكور هناك في التأقيت بفصح النصارى.
ولو قال: أجرتك شهراً من هذه السنة فإن لم يكن بقي من السنة إلاَّ شهر صَحَّ، وإن بقي أكثر من شهر لم يصح للجهالة، هكذا ذكره في "التهذيب" و"التتمة".
والحكم بالبطلان فيما إذا كان الباقي أكثر من شهر يجوز أن يكون تفريعاً على

قولنا: إن الشهر المطلق محمول على المتصل بالعقد ويجوز أن يحكم بالبطلان مع قولنا أن الشهر المطلق محمول مع المتصل بالعقد.
ويقال: التعقيب بقوله: من هذه السنة يمنع من فهم الشهر المتصل بالعقد، ويوقع التردد بينه وبين سائر المشهور.
قال الغزلي: وَلَوْ قَالَ: اجَرْتُكَ الأَرْضَ وَلَمْ يُعَيِّنِ البِنَاءَ وَالزّرَاعَةَ وَالغِرَاسَ لَمْ يَجُزْ لأنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَوْ قَالَ: لِتَنْتَفِعَ بِهِ مَا شِئْتَ جَازَ (و)، وَلَوْ قَالَ: اجَرْتُكَ لِلزِّرَاعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَزْرَعُ فِفيهِ خِلافٌ لِأنَّ التَّفَاوُتَ فِيِه قَرِيبٌ، وَلَوْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ إنْ شئت فَازْرَعْهَا وإِنْ شئْتَ فَاغْرِسْهِا جَازَ عَلَى الأَصَحِّ (و) وَيَتخَيَّرُ كَمَا لَوْ قَالَ: كَيْفَ شِئْتَ، وَلَوْ قَالَ: أكْرَيْتُكَ فَازْرَعْهَا وَاغْرِسْهَا وَلَمْ يَذْكُرِ القَدْرَ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُنَزَّلُ عَلَى النِّصْفِ، وَلَوِ اكْتَرَى الأَرْضَ لِلبْنَاءِ وَجَبَ تَعْرِيفُ عَرْضِ البِنَاءِ ومَوْضِعِهِ، وفِي تَعْرِيفِ ارْتِفَاعِهِ خِلاَفٌ (و).
قال الرافعي: ومما تستأجر له الأرض البناء.
والزراعة، والغراس، فلو قال: آجرتك هذه الأرض ولم يذكر البناء ولا غيره، وهي صالحة للكل لم يصح؛ لأن منافع هذه الجهات مختلفه.
وكذا ضررها اللاحق بالأرض فوجب التعيين، كما لو أجر بهيمة لا يجوز الإطلاق، هذا جواب الأصحاب في هذا الموضع وقد رأوه متفقاً عليه، حتى احتجوا به لأحد الوجهين فيما لو أعار الأرض مطلقاً كما سبق في "العارية".
لكنا قد نقلنا في مسألة إجارة الأرض التي لا ماءَ لها تصريحهم بجواز الإجارة مطلقاً فيثبه أن تكون الإجارة مطلقاً على وجهين كإعارتها.
والظاهر المنع فيهما، وما ذكروه في إجارة الأرض التي لا ماء لها مفرع على الوجه الآخر 1 أو مؤول.
ولو أجر داراً أو بيتاً لم يحتج إلى ذكر السُّكنى؛ لأن الدار لا تستأجر إلاَّ للسكنى، ووضع المتاع فيها, وليس ضررها مختلف، فيجوز الإطلاق كذا ذكروه.
ويجوز أن يمنع فيقال: كما تستاجر الدار للسُّكنى، كذلك تستأجر لتتخذ مسجداً،

ولعمل الحَدَّادين، والقصارين، ولطرح المزابل فيها، وهي أكثر ضرراً، أَلاَ تَرىَ إذا استأجر للسُّكنى لم يكن له شئ من هذه الانتفاعات؟ فإذا ما جعلوه مبطلاً في إجارة الأرض مطلقاً موجود في الدار ولئن قيل الإجارة لا تكون إلاَّ لاستيقاء منفعة، فإذا أجر الدَّارَ وأطلق، منزل على أدنى الجهات ضرراً، وهي السكنى، ووضع المتاع لزم في إجارة الأرض مثله حتى ينزل على أدنى الجهات ضرراً وهي الزراعة، ويصح العقد بها، وهذا الإشكال ينساق إلى أنه لابد في استئجار الدار من بيان أنه يستأجر للسكنى، أو للعمارة فيها، وقد أجاب بعض شارحي "المفتاح".
ولو قال: أجرتك هذه الأرض تنتفع بها ما شئت.
فمنقول الإمام وصاحب الكتاب أن الإجارة صحيحة، وله أن ينتفع ما شاء لرضاه.
وفي "التهذيب" وجه آخر: أنها لا تصح كما لو قال: بعتك من هؤلاء العبيد من شئت.
ولو قال: أجرتكها للزرعة، ولم يذكر ما يزرع أو للبناء والغراس، وأطلق فوجهان كالوجهين المذكورين فيما إذا أعار الأرض للزراعة، ولم يبين الزرع.
أظهرهما: عند الأكثرين الجواز.
وبالمنع قال أبو حنيفة وابن سريج ونقله القاضي ابن كج عن نصه في "الجامع الكبير" وحكى للأول عن تخريج ابن القطان حكايته الشيء الغريب، ومن جوّز قال: له أن يزرع ما شاء لإطلاق اللفظ، وكان يجوز أن ينزل على أقل الدرجات، ولو قال: أجرتكها لتزرع، أو لتغرس لم يصح، ولو قال: إن شئت فازرعها، وإن شئت فاغرسها، فأصح الوجهين ما ذكر في الكتاب صحة الإجارة ويخيّر المستأجر.
والثاني: المنع كما لو قال: بعتك بألف مُكسَّرة إن شئت، وصحيحة إن شئت، واستشهد في الكتاب للوجه الأول بماذا قال: لتنتفع كيف شئت؟ لكنَّا حكينا الخلاف فيه أيضاً فلا فرق.
ولو قال: أكريتك فازرعها واغرسها، أو لتغرسها وتزرعها ولم يبين القدر فوجهان.
أحدهما: وبه قال ابن سلمة: يصح وينزل على النصف، وعلى هذا فله أن يزرع الكل لجواز العدول من الغراس إلى الزرع، ولا يجوز أن يغرس الكل.
وأقربهما: وبه قال المزني وابن سريج، وأبو إسحاق: أنه لا يصح؛ لأنه لم يُبَيِّن كم يزرع؟ وكم يغرس؟ بل لو قال: لتزرع النصف، وتغرس النصف فعن القَفَّال: أنه لا يصح لأنه لم يُبَيِّن المغروس والمزروع، فصار كما إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين بألف والآخر بخمسمائة، ويجب في استئجار الأرض للبناء بيان موضعه وطوله

وعرضه، وفي بيان قدر ارتفاعه وجهان ذكرهما في "كتاب الصُّلْح" بتوجيههما: والأظهر: ما أجاب به في الكتاب هناك، وهو أنه لا حاجة إليه، بخلاف ما إذا استأجر سقفاً للبناء.
قال الغزالي: (أَمَّا الدوَابُّ) فَإِنِ أسْتُؤْجِرَ لِلرُّكُوبِ عَرَّفَ (م) الآجِرُ الرَّاكِبَ بِرُؤْيَةِ شَخْصِهِ أَوْ سَمَاعِ صُفَتِهِ في الضَّخَامَةِ وَالنَّحَافَةِ لِيَعْرفَ وَزْنَهُ تَخْمِيناً، وَيعِرْفَ المَحِلَ (ح) بِالصِّفَةِ في السَّعَةِ وَالضِّيقَ وَبِالوَزْنِ فَإِنْ ذَكَرَ الوَزْنَ دُوْنَ الصِّفَةِ أَوْ بِالعَكْسِ فَفيهِ خِلاَفٌ (و)، وُيعَرِّفَ تَفَاصِيل المَعَاليِقِ,فَإِنْ شَرَطَ المَعَالِيَقَ مُطلَقاً فَهُوَ فَاسدٌ (ح م) عَلَى النَّصِّ لتَفَاوُتِ النَّاسِ فِيهِ، وَالمُسْتَأْجِرُ يُعَرِّفُ لِدَابَّةٍ بِرُؤْيتِهَا أَوْ بِوَصْفِهَا إِنْ أَوْرَدتَّ الإِجَارَةَ عَلَى العَيْنِ أَهِيَ فَرَسٌ أَمْ بَغْلٌ أم ناقة أَمْ حِمَارٌ، وفِي ذِكْرِ كَيِفْيَّةِ السَّيْرِ مَنْ كَوْنِهَا مُهَملْجِاً أَوْ بَحْراً خِلاَفٌ (و)، وَيُعَرِّفُ وتَفْصِيلَ السَّيْرِ والسُّرَى وَمِقْدَارِ المَنَازَلِ وَمَحَلِّ النُّزوُلِ أَهُو القُرَى أَو الصَّحْرَاءُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلعُرْفِ فِيهِ ضَبْطٌ، وَإِنْ كَانَ فالعُرْفُ مُتَّبَعٌ.
قال الرافعي: النوع الثالث: الدواب وتستأجر لأغراض.
منها: الركوب، وفيه مسائل: إحداهما: يجب أن يعرف المؤجر الراكب، وفي طريق معرفته وجوه.
قيل: الطريق المشاهدة لأن الغرض يتعلق بثقل الراكب، وخفته بالضَّخامة، والنَّحافة، وكثرة الحركات والسكنات، والوصف لا يفي بذلك.
ومنهم من قال: إن كان غائباً وصفه، وذكر وزنه.
وقال الآخرون: بل بذكر صفته في الضخامة والنحافة ليعرف وزنه تخميناً، وهذا ما ذكره الإمام وصاحب الكتاب.
وأكثر الأصحاب على اعتبار المشاهد لكن إلحاق الوصف التام بهذا أشبه في المعنى؛ لأنه يفيد التخمين كالمشاهدة.
ويجوز أن يعلم قوله: "عرف المؤجر الراكب" بالميم؛ لأن الحكاية عن مالك أنه يجوز فيه الإطلاق لتفاوت أجسام الناس غالباً.
الثانية: إن كان الراكب مجرداً ليس معه ما يركب عليه، فلا حاجة إلى ذكر ما يركب عليه لكن المؤجر يركبه على ما يشاء من سَرْج، أو أكاف زاملة على ما يليق بالدابة 1، وإن كان يركب على رَحْل أو فوق زَامِلة، أو فوق مَحْمل أو عمارية، وفي

غير الإبل أراد الركوب على سرج أو أكاف وجب ذكره، وينبغي أن يعرف المؤجر هذه الآلات، فإن شاهدها كفى، وإلاَّ فإن كانت سروجهم ومحاملهم وما في معناها على وزن وتقطيع لا يتفاحش 1 فيه التفاوت كفى الإطلاق، وحمل على معهودهم، وإن لم يكن لهم معهوداً مطرداً، فلا بدّ من ذكر وزن السرج والإكاف والزاملة هذا هو المشهور.
وفي "النهاية" أن أحداً من الأصحاب لم يتعرض لاشتراط الوزن في السّرج والإكاف؛ لأنه لا يكثر فيهما التفاوت، وفي المحمل والعمارية ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يصح العقد، ولا بدّ من مشاهدتها لأن الغرض يختلف بسعتهما وضيقهما، وذلك لا نضبط بالوصف والثاني قال أبو إسحاق إن كانت المحامل بغدادية خفافاً لتقاربها وإن كانت خراسانية ثقالاً فلا من مشاهدتها.
وأشبههما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يكفي فيها الوصف وذكر الوزن، لإفادتهما التخمين كالمشاهدة، ولك أن تحتج له يقوله في "المختصر" فإن ذكر محملاً أو مركباً أو زاملةً بغير رؤية ولا وصفٍ فهو مفسوخ للجهل بذلك، فاعتبر الوصف كالرؤية.
وعلى هذا لو ذكر الوزن دون الصفة أو الصفة دون الوزن فوجهان: أظهرهما: أنه لا يكفي لبقاء الجهل مع سهولة إزالته، وذكر في "التهذيب" أن الزاملة تمتحن باليد ليعرف خفتها وثقلها، بخلاف الراكب لا يمتحن بعد المشاهدة، وينبغي أن يكون المحمل والعمارية في ذلك كالزاملة، ولا بُدَّ في المحمل ونحوه من الوطاء، وهو الذي يفرش فيه ليجلس عليه فينبغي أن يعرف بالرؤية والوصف والغطاء الذي يستظل به، ويتوَّقى من المطر وقد يكون وقد لا يكون فيحتاج إلى شرطه، وإذا شرطه فجواب الشيخ أبي حامد وابن الصباغ أنه يكفي فيه الإطلاق؛ لأن التفاوت فيه قريب، ويغطية بجلد أو كساءٍ أو لبْد.
وفي شرح القاضي ابن كج "والتتمة" أنه يعتبر وصفه أو رؤيتة كالوطاء، وهو ظاهر النص.
نعم لو كان فيه عرف مطرد كفى الإطلاق كما سبق في المحمل وغيره، وقد يكون للمحل طرف من لبود أو أدم فهو كالغطاء.
وليعلم وقوله في الكتاب "ويعرف المحمل" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة يجوز فيه الإطلاق ولا حاجة إلى تعريفه.
وقوله: "بالصفة" بالواو للوجه الذاهب إلى اعتبار المشاهدة.
الثالثة: إذا استأجر للركوب، وشرط حمل المُعاليق، وهي السُّفر والإداوة،

والقدور، والقمقمة ونحوها، نُظِرَ إن رآها المؤجر أو وصفها وذكر وزنها فذاك.
وإن أطلق قال الشافعي رضي الله عنه: القياسُ أنه فَاسدٌ ومن الناس من يقول: له بقدر ما يراه الناس وسطاً.
وفيه طريقان للأصحاب: أشهرها: أن في المسألة قولين، وما ذكره تمثيل قول منه: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك أنه يصح العقد، ويحمل الشرط على الوسط المعتاد.
وأصحهما: المنع لاختلاف الناس فيها.
والطريق الثاني: القطع بالقول الثاني، وحمل ما ذكره على نقل مذهب الغير.
وإن قال استأجر للركوب من غير شرط المُعَاليق لم يستحق حملها؛ لأن الناس فيه مختلفون فقد لا يكون للراكب معاليق أصلاً.
وفيه وجه أنه كما لو شرط، وأطلق، وما ذكرناه في السفرة والإِدَوَاة الخاليتين، فإن كان في هذه طعام، وفي تلك ماء، فسيأتي في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.
الرابعة: إنْ كانت الإجارة على عين الدابة، فلا بد من تعيينها، وفي اشتراط رؤيتها الخلافُ في شراء الغائب، فإن كانت في الذمة، فلا بد من ذكر جنسها أهي من الإبل، أو الخيل، أو البغال، أو الحمير؟ ومن ذكر نوعها أهي عربية أم نجيبة؟ ومن ذكر الأنوثة والذكورة لاختلاف الغرض، فإن الأنثى أسهل سيراً، والذكر أقوى، وفي المسامحة به بذكر الأنوثة والذكورة وجه.
وهل يجب أن يقول: مهمِلج 1 أوَ بحْر 2 أو قطوف 3؟ فيه وجهان.
أظهرهما: نعم؛ لأن معظم الغرض يتعلق بكيفية السير الخامسة: إذا استأجر دابة للركوب فلبيينا قدر السير كل يوم 4 فهذا بَيَّناه حملاً على المشروط، فإن زادا في يوم أو نقصاً فلا جبران، بل يسيران بعده على المشروط، وإذا أراد أحدهما المجاوزة عن المشروط، أو النزول دونه لخوف أو غصب لم يكن له ذلك، إلاَّ أن يوافقه صاحبه قاله في "التهذيب"، وكان يجوز أن يجعل الخوف عذراً لمن يختاط ويؤمر الآخر

جارٍ التحميل