العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 545-22

كِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍ

صفحات 545-22

أحدهما: إذا باع مالاً زكويّاً قبل تمام الحول بشرط الخيار فتم الحول في مدة الخيار أو اصطحبا مدة فتم الحَوْل في مدة خيار المجلس، فوجوب الزكاة ينبني على الخلاف في أن الملك في زمان الخيار لمن يكون.
إن قلنا: إنه للبائع فعليه الزكاة وبهذا القول أجاب الشَّافعي -رضي الله عنه- في هذه المسألة التي نحن فيها.
وإن قلنا: إنه للمشتري، فلا زكاة على البائع لانقطاع حوله بزوال ملكه، والمشتري يبتدئ الحول من يوم الشراء، فإذا تم الحول من يومئذ وجبت الزكاة عليه.
وإن قلنا: إنه موقوف فإن تم العقد تبينا أن الملك للمشتري، وإن فسخ تبينا أنه كان للبائع وحكم الحالتين ما ذكرنا هذا ما ذكره الجمهور من أئمتنا -رضي الله عنهم- ولم يتعرضوا لخلاف بد البناء على الأصل المذكور.
قال إمام الحرمين: إلا صاحب "التقريب" فإنه قال: وجوب الزكاة على المشتري مخرج على القولين في المغصوب بل أولى لعدم استقرار الملك مع ضعف التَّصرف، وعلى هذا جرى المصنّف فأثبت الخلاف في الملك في زمان الخيار.
قال إمام الحرمين: وإنما خرجه صاحب "التقريب" على القولين إذا كان الخيار للبائع أو لهما، فأما إذا كان الخيار للمشتري وحده، والتفريع على أن الملك له فملكه ملك الزكاة بلا خلاف؛ لأن الملك ثابت والتَّصرف نافذ، وتمكّنه من ردِّ الملك لا يوجب تَوْهِيناً، وعلى قياس هذه الطَّريقة يجري الخِلاَف في جانب البَائِعِ أيضاً، إذا فرعنا على أن الملك وكان الخيار للمشتري، فإنه لو أجاز لزال ملك البائع فهو ملك بتسلط الغير على إزالته.
الثانية: اللُّقَطَة في السَّنة الأولى باقية على ملك المالك، فلا زكاة فيها على الملتقط، وفي وجوبها على المالك الخلاف المذكور في المغصوب والضَّال، ثم إن لم يعرفها حولاً فهكذا الحكم في سائر السّنين، وإن عرفها فيبنى حكم الزكاة على أن الملك في اللُّقطة يحصل بنفس مضي سنة التعريف أو باختيار التملك أو بالتصرف، وفيه اختلاف يأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى جده-.
فإن قلنا: يملك بانقضائها فلا زكاة على المالك، وفي وجوبها على الملتقط وجهان، حكاهما الشيخ أبو محمد، وبناهما على أن المالك لو علم بالحال، والعين باقية، هل يتمكن من الاسترداد أم لا.
إن قلنا: نعم فهو ملك يتسلط الغير على إزالته.
وإن قلنا: يملك باختيار التملك، وعليه بني المسألة في الكتاب حيث قال: "إذا لم يتملكها الملتقط" وهو المذهب فينظر: إن لم يتملكها، فهي باقية على ملك المالك وفي وجوب الزكاة عليه طريقان: أحدهما: أن فيه قولين كما في السَّنة الأولى، قال في في "الشامل" وغيره: وهو الأصح.

والثاني: القطع بنفي الزكاة فيها، وينقل ذلك عن حكاية أبي إسحاق.
والفرق أن ملك المالك في المغصوب ونظائره مستقر غير معرض للزوال، وملكه في اللُّقطة بعد سنة التعريف تعرض للإزالة، وإن تملكها الملتقط فليس على صاحبها زكاتها وهو يستحق القيمة على التملك لكنها في حقه ملك ضال ففي وجوب زكاتها الخلاف من وجهين: أحدهما: أنه دين.
والثاني: أنه غير مقدور عليه فهو كالأعيان التي لا يقدر عليها، ثم الملتقط مديون بالقيمة فإن لم يملك غيرها ففي وجوب الزكاة عليه الخلاف الذي نذكره في أن الدَّيْن هل يمنع وجوب الزَّكَاة وإن ملك ما بقي بالقيمة، ففي الوجوب وجهان مبنيان على ما سبق.
أظهرهما وأشهرهما: الوجوب، وإن قلنا: أن الملك فيها يحصل بالتصرف ولم يتصرف، فالحكم كما إذا لم يتملك.
وقلنا: لا بد منه.
واعلم: أن الملتقط لو رد اللُّقْطة بعد ظهور المالك تعين عليه القبول، وفي تمكن الملك من استردادها قهراً وجهان، وهذا يوجب أن تكون القيمة الواجبة بعرض السقوط وحينئذ لا يبعد التردُّد في امتناع الزكاة كالتردُّد في وجوب الزكاة على الملتقط مع الحكم بثبوت الملك له لكونه يعرض للزوال.
وإذا عرفت المسألتين لم يَخْفَ عليك أنَّ المراد من الخلاف الذي أبهم ذكره طريقان: أظهرهما: في كلام الأصحاب في المسألة الأولى: القطع بالوجوب.
والثَّاني: إثبات القولين: وأظهرهما في الثانية: إثبات القولين.
والثاني: القطع بالمنع.
وقوله: "إذا لم يتملكها الملتقط" أي بعد التعريف سنة، فإن التسلط حينئذ يثبت.
قال الغزالي: وَإِذَا اسْتَقْرَضَ المُفْلِسُ مَائَتَيْ دِرْهَم فَفِي زَكَاتِهِ قَوْلاَنِ: وَجْهُ المَنْعِ: صَعْفُ المِلْكِ لِتَسَلُّطِ مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ عَلَيْهِ وَقَدْ يُعَلَّلُ بأَدائِهِ إِلَى تَثْنِيَةِ الزَّكَاةِ إِذْ يَجِبُ عَلَى المُسْتَحِقِّ بِاعْتِبَارِ يَسَارِهِ بِهَذَا المَالِ، وَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ المُسْتَحِقُّ بِحَيْثُ لاَ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ لِكوْنهِ مُكَاتِباً أَوْ يَكُونُ الدَّيْنُ حَيَوَاناً أَوْ نَاقِصاً مِنَ النِّصَابِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ عَلَى المُسْتَقرِضِ، فَإِنْ كَانَ المُسْتَقْرِضُ غَنِيّاً بِالعَقَارِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ (زح م) وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالدَّيْنِ، وَقِيلَ: الدَّيْنُ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ إِلاَّ فِي الأَمْوَالِ البَاطِنَةِ (ح).

قال الرافعي: الدين هل يمنع الزكاة؟ اختلف فيه قول الشافعي -رضي الله عنه-.
قال في أكثر الكتب الجديدة: لا يمنع، وهو المذهب لإطلاق النصوص الواردة في باب الزَّكاة، وأيضاً فإنه مالك للنِّصاب وتصرفه نافذ فيه وأيضاً فإن الزكاة إما أن تتعلّق بالذِّمة أو بعين المال، إن كان الأول فالذِّمَّة لا تضيق عن ثبوت الحُقُوق، وإن كان الثَّاني فالدَّين المتعلق بالذمة لا يمنع الحق المتعلق بالعين، ألا ترى أن العبد المديون 1 لو جنى تعلق أرش الجناية برقبته.
وقال في القديم: وفي اختلاف العراقيين من الجديد: إنه يمنع؛ لأن الزَّكَاة حَقٌّ يجب في الذِّمة بوجود مال فصنع الدين وجوبه كالحج وأيضاً فلما سيأتي في التفريع، ومن الأصحاب من حكى قولاً ثالثاً وهو أن الدين يمنع الزَّكَاة في الأموال الباطنة، وهي الذَّهَب والفضَّة وعروض التِّجَارة، ولا يمنعها في الأموال الظَّاهرة وهي المواشي والزُّروع والثِّمَار والمعادن، والفرق أن الأموال الظَّاهرة تنمو بنفسها أو هي نماء في نفسها والأموال الباطنة ليست كذلك، وإنما ألحقت بالنَّاميات للاستغناء عنها واستعدادها للاسترباح بالتَّصَرُّف والإخراج، والدين يمنع من ذلك ويحوج إلى صرفها إلى قضائه، وبهذا القول الثالث قال مالك -رضي الله عنه-، وبالقول الثاني قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- إلا أنه يمنع العشر عنده، وعندنا لا فرق، وعند أحمد -رحمه الله- يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، وفي الظاهرة روايتان.
التفريع إن قلنا: الدَّيْن لا يمنع [وجوب] 2 فلو أحاطت بالرّجل ديون، وحجر عليه القاضي فله ثلاث أحوال: إحداها: أن يحجر ويفرّق ماله بين الغرماء، فهاهنا قد زال ملكه ولا زكاة عليه.
والثّانية: أن يعين لكلّ واحد منهم شيئاً من ماله على ما يقتضيه التَّقسيط، ومكنهم من أخذه، فحال الحَوْل، ولم يأخذوه.
قال معظم الأصحاب: لا زكاة عليه أيضاً؛ لأنه ضعف ملكه وصاروا هم أحق به، ولم يحكوا فيه خلافاً، وحكى الشيخ أبو محمد في هذه الصورة عن بعض الأصحاب: أن وجوب الزكاة يخرج على الخلاف في المَجْحُود والمغصوب؛ لأنه حيل بينه وبين ماله.
وعن القفال: أنه يخرج على الخلاف في اللُّقطة

في السنة الثانية؛ لأنهم تسلَّطوا على إزالة ملكه تسلط الملتقط بخلاف المجحود والمغصوب، ولك أن تقول: ميل الأكثرين في صورة اللُّقَطة إلى وجوب الزكاة، وهاهنا نفوا الوجوب، والصورتان يشتركان في المعنى فهل من فارق؟ والجواب: أنه يجوز أن يقال: تسلط الغرماء أقوى من تسلط الملتقط؛ لأنهم أصحاب حق على المالك؛ ولأن تسلطهم يستند إلى تَسْلِيطِ الحاكم بخلاف تسلُّط الملتقط، وأيضاً فالملك الذي يَتَسَلَّطُون على إزالة مِلْك المالك لإثباته أقوى، ألا ترى أن للمالك استرداد اللُّقطة بعد تملُّك الملتقط على أحد الوجهين، وهاهنا بخلافه.
واعلم: أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال في "المختصر": ولو قضى عليه بالدّين وجعل لهم ماله حيث وجدوه قبل الحول ثم حال الحول قبل أن يقضيه الغرماء لم يكن عليه زكاه، لأنه صار لهم دونه قبل الحول، فمن الأصحاب من حمله على الحالة الأولى، ومنهم من حمله على الثانية.
والثالثة: أَنْ لا يفرِّق ماله، ولا يعين لكل واحد من الغُرَمَاء شيئاً، ويحول الحول في دوام الحَجْرِ، ففي وجوب الزَّكَاة ثلاثة طرق: أصَحُّها: تخريجه على الخِلاَف في المَغْصُوب والمَجْحُود؛ لأن الحجر مانع من التصرف.
والثاني: القطع بالوجوب، وبه قال صاحب "الإفصاح"، لأن الملك حاصل، والحجر لا يؤثر كحجر السفيه.
والثالث: يحكى عن أبي إسحاق القطع بالوجوب في المواشي؛ لأن الحجر لا يؤثر في نمائها، وتخريج الذهب والفضَّة على الخِلاَف في المَغْصُوب لامتناع التَّصرف، وتوقف النَّماء فيها على التَّصرُّف، وإن قلنا: الدَّين يمنع الزكاة، فقد ذكر الأئمة في توجيهه أولاً شيئين، واختلفوا في أن العلّة منهما ماذا؟ أحدهما: أن ملك المَدْيون ضعيف؛ لأن مستحق الدين بسبيل مَنْ أخذه إذا لم يوفر دينه.
والثاني: أن مستحقّ الدَّين يلزمه الزّكاة على ما سبق، فلو ألزمنا المديون الزكاة أيضاً، وصار المال الواحد سبباً لزكاتين على شخصين وهو ممتنع.
ويتفرع على هذا الاختلاف صور: إحداها: لو كان مستحق الدّين لا تلزمه الزكاة لكونه ذميّاً أو مكاتباً، فإن قلنا بالمعنى الثَّاني وجب على المديون؛ لأنه لا يلزمه التَّثنية هاهنا.

وإن قلنا بالمعنى الأول لم يجد؛ لأن ضعف الملك [لا] 1 يختلف.
والثانية: لو كان الدّين حيواناً كما إذا ملك أربعين من سائمة الغَنَم، وعليه أربعون من الغنم ديناً عن سلم، فإن قلنا بالمعنى الأول لم تجب الزَّكاة، وإن قلنا بالثاني تجب، إذ لا تَثْنية، فإنه لا زكاة في الحَيَوَان في الذِّمَّة كما مرَّ في الفصل قبل هذا، وعلى هذا يخرج أيضاً ما لو أنْبَتَت أرضه نصاباً من الحِنْطَة، وعليه مثله عن سلم.
الثالثة: لو ملك نصاباً، والدَّين الذي عليه ناقص عن النّصاب كما لو ملك مائتي درهم وعليه مائة دينار، إن قلنا بالمعنى الأول فلا زكاة لتطرّق النّقصان إلى بعض المال، ونقصان النّصاب بسببه.
وإن قلنا بالمعنى الثّاني تجب، لأنه لا زكاة على المستحق باعتبار هذا المال كذا أطلقوه، والمراد ما إذا لم يملك سواه من دين أو عين، وإلاّ فلو ملك ما يتم به النصاب فعليه زكاه باعتبار هذا المال، ولو ملك بقدر الدَّين مالاً زكاة فيه من العقار وغيره وجبت الزكاة في النصاب الزكويّ على هذا القول أيضاً خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- وحكى الشيخ أبو حامد وجهاً مثل مذهبه مبنيّاً على لزوم التَّثنية ووجه الوجوب مراعاة الحظ والنفع للمساكين، ولو زاد ماله الزَّكوي على الدين نظر: إن كان الفاضل نصاباً وجبت الزكاة فيه، وفي قدر الدين القولان، وإن كان دون النصاب يجب على هذا القول لا في القدر المقابل للدين ولا في الفاضل.
فرع منقول عن "الأم" ملك أربعين من الغنم فأستأجر راعياً يرعاها بِشَاةٍ، وحال الحول عليها نظر: إن استأجر بشاة معينة من الأربعين فكانت مختلطة بباقي الشِّياه، فعليها شاة على الراعي جزء من أربعين منها والباقي على المستأجر، وإن كانت منفردة، فلا زكاة على واحد منهما، وإن استأجره بشاة موصوفة في الذمة، فإن كان للمستأجر مال آخر يفي بها وجبت الزكاة في الأربعين، وإلاّ فعلى القولين في أن الدين هل يمنع الزكاة؟.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب من الفوائد: فقوله: "وإذا استقرض المُفْلس مائتي درهم"، أشار بلفظ المُفْلس إلى أنه لا يملك شيئاً سوى ما استقرضه، ففي هذه الصورة يظهر القولان وفي معناها ما إذا كان الدَّين ينقص النّصاب وإن لم يستغرقه، فأما إذا ملك ما يفي به ممَّا لا زكاة فيه مع النّصاب أو ملك فوق قدر الدَّين فقد ذكرناه ثم إن أجدت النظر في لفظ الكتاب بحثت عن شيئين: أحدهما: أنه صور في الاسْتِقْرَاض ولا مدخل للأجل فيه، فهل له أثر أم لا فرق بين الدَّين والحال والمؤجل؟

والثاني: أنه صور فيما إذا كان من جنس ما عليه، فهل يختص القولان به أم لا؟ وإن لم يختص فما الحكم عند اختلاف الجنس؟ والجواب: أما الأول فلا فرق بين الدين الحال والمؤجل، هكذا أورد صاحب "التهذيب" وغيره.
وأما الثاني: فإن قلنا: الدين لا يمنع الزكاة عند اتحاد الجنس فعند الاختلاف أولى.
وإن قلنا: يمنع فقد أشار إمام الحرمين إلى تردد عند اختلاف الجنس، وقال: الأصح المنع في هذه الصورة، والأشبه بسياق كلامه أنه أراد منع التأثير، لكن الأصح في "التهذيب" أنه يمنع الزَّكاة تفريعاً على هذا القول كما لو اتَّحد الجنس ويجوز أن يخرج هذا التَّردد على ما سبق من التَّعليلين إنْ علَّلنا بالضّعف، فهو موجود، وإن علّلنا بالتثنية فهاهنا لا تلزم التثنية في مال واحد.
وقوله: "وجه المنع ضعف الملك" إلى أن قال: "وقد يعلل بأدائه إلى تثنية الزكاة".
فيه إشارة إلى ترجيح العلّة الأولى حيث وجه المنع بها، ثم حكى العلّة الثانية حكاية، والأمر على ما أشار إليه نقلاً ومعنى.
أما النقل فلأن الأكثرين أجابوا في الصّور المفرعة على التّعليلين بما يقتضيه الأول، وأما المَعْنَى فمن وجهين: أحدهما: أنّا لا نسلم لزوم التَّثنية في المال الواحد، وهذا لأن المستحقّ للمستقرض هذا المال، والمستحق للمقترض مطلق المال، لا هذا المال، فليس وجوب الزكاة عليه باعتبار هذا المال حتى تلزم التَّثنية.
والثَّاني: هَبْ أنه تلزم التثنية في المال الواحد لكن التثنية كما تندفع بأن لا تجب الزكاة على المديون تندفع بأن لا تجب على الدَّائنِ فلم يتعين الأول فإن رجح جانب المديون بضعفه ملكه عاد الكلام إلى العلة الأولى، وإن رجح بأن ماله مستغرق بحاجة مهمة وهي قضاء الدَّيْن وهذا كافٍ في التَّوْجيه ولا حاجة إلى توسُّط التثنية.
وقوله: "أو يكون الدَّين حيواناً" فيه استدراك لفظي من جهة أنه لم يذكر في أصل المَسْألَة عبارة تشمل الحَيَوان وغيره حتى يخرج على التَّعليلين ما إذا كان الدَّين حيواناً، وإنما تكلَّم في استقراض مائتي درهم، والمديون بالدراهم لا يكون دينه حيواناً إلاَّ أنه اعتمد فهم المعنى والمقصود.
وقوله: "وإنْ كان المستقرض غنيّاً بالعقار وغيره ولم يمتنع" معلم بالحاء والواو لما قدمنا، وأَشَار بلفظ العقار إلى أنه ملك مالاً غير زكويِّ ولك أن تَبْحَث عن قوله: وغيره، فتقول: المراد مطلق غير العقار أم غير العقار الذي ليس بزكوي؟ فإنْ كان الثَّاني فما الحكم لو كان عليه دين وله مالان زكويان؟ والجواب: أن المراد الغير الذي ليس

بزكويِّ.
أما إذا ملك مالين زكويين كَنِصَاب من الغنم ونصاب من البقر وعليه دين نظر إن لم يكن الدَّين من جنس ما يملكه، فقد قال في "التهذيب": يقص عليهما فإن خص كل واحد منهما ما ينقص به عن النصاب فلا زكاة على القول الذي عليه تفرع، وذكر أبو القاسم الكَرْخِيُّ وصاحب "الشامل": أنه يراعي الأحظّ للمساكين، كما أنه لو ملك مالاً آخر غير زكويّ صرفنا الدَّين إليه رعاية لحقهم.
ويحكى عن ابن سريج ما يوافق هذا وإن كان الدَّين مِنْ جنس أحد المالين، فإن قلنا: الدين يمنع الزكاة فيما هو من غير جنسه، فالحكم كما لو لم يكن من جنس أحدهما، وإن قلنا: لا يؤثر من غير الجنس اختص بالجنس.
وقوله: "وقيل: الدّين لا يمنع الزَّكَاة" إشارة إلى القول الثَّالث في أصل المسألة على ما صرح به في "الوسيط"، ويأتي فيه مثل [الاستدراك الذي سبق فإنه لم يتكلم إلاَّ في المال الباطن، ويجوز أن يعلم قوله: "بالواو"؛ لأن من الأصحاب من لم يثبته واقتصر على القولين الأوليين -والله أعلم-] 1. قال الغزالي: وَلَو قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أتَصَدَّقَ بِالنِّصابِ، فَهَذَا أَوْلَى بِأنْ يَمْنَعَ الزَّكَاةَ لِتَعَلُّقِهِ بِعَيْنِ الْمَالِ، وَلَو قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الأَغْنَامِ ضَحَايَا فَلاَ يُبْقَى لإِيجَابِ الزَّكَاةِ وَجْهٌ مُتَّجَهٌ وَإِنْ تَمَّ الحَوْلُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِأَرْبَعَينِ مِنَ الغَنَمِ فَهَذَا دَيْنٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَيْنِ الآدَمِيِّينَ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَدْفَعَ الزَّكاةَ، وَدَيْنُ الحَجِّ كَدَيْنِ النَّذْرِ.
قال الرافعي: إذا قلنا: الدَّيْن يمنع الزَّكَاة فلا فرق عندنا بين دين الآدميين ودين الله -تعالى- وعند أبي حنيفة -رحمه الله- دين الآدميين يمنع، وكذا الزَّكَاة تمنع الزكاة والكَفَّارات لا تمنع.
إذا عرفت ذلك ففي الفَصْلِ صور: إحداها: لو ملك نصاباً من المواشي أو غيرها فقال: لله على أن أتصدق بهذا المال أو بكذا من هذا المال فمضى الحول قبل التصدق، هل لجب زكاته؟ إن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة فهاهنا أولى بأن لا تجب الزكاة لتعلق النَّذْر بعين المال وصيرورته واجب التَّصرُّف إلى ما نذر قبل وقت وجوب الزَّكَاة.
وإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزَّكاة فهاهنا وجهان: أحدهما: أنه كالدَّين، لأنه في ملكه إلى أن يتصدق.
والثاني: يمنع لتعلّقة بعين المال، وامتناع التصرف فيه ويخرج مما حكيناه طريقان في هذه الصورة:

أحدهما: القطع بالمنع.
والثاني: التَّخْريج على الخلاف السابق، وإلى هذا الترتيب أشار في الكتاب بقوله: فهذا أولى بأن يمنع الزكاة.
الثانية: لو قال: جعلت هذا المال صدقة أو هذه الأغنام ضحايا فقد طرد في "النهاية" أصل التردد فيها.
وقال: "الظاهر أنه لا زكاة" لأن ما جعل صدقة لا يبقى فيه حقيقة ملك بخلاف الصورة الأولى فإنه لم يتصدق وإنما التزم أن يتصدق ولفظ الكتاب يشعر أيضاً ببقاء الخلاف هاهنا، فإنه لم يجزم بامتناع الوجوب ولا نفي الخلاف وإنما نفي أن يكون للوجوب وجه بصفة الاتجاه.
ولو قال: "لله عليّ أن أضحي هذه الشَّاة"، فهو كقوله: "جعلتها ضحية"، إن قلنا: إن قوله: لله عليَّ التضحية بهذه يفيد التعيين، وفيه خلاف مذكور في الكتاب في موضعه، وإن تم الحَوْل عليه لو لم يذكره لم يضّر كما لم يتعرَّض له في أخوات هذه الصُّورة، وذلك لأنه لا يخفى أن الخلاف في وجوب الزكاة حينئذ يفرض.
الثالثة: لو أرسل النذر فقال: لله علي أن أتصدق بأربعين من الغنم أو بمائة درهم، ولم يضف إلى ماشيته وورقه، فهذا دَيْن نذر لله -تعالى-، فيرتب على دين الآدميين، فإن قلنا إنه لا يمنع فهذا أولى، وإن قلنا: أنه يمنع ففي هذا وجهان: أحدهما: يمنع؛ لأنه أيضاً دين لازم في الذِّمّة.
وأصحهُّما: عند الإمام أنه لا يمنع، وفرق بين الدينين من وجهين: أحدهما: أن هذا الدَّين لا مطالب به في الحال فكان أضعف حالاً.
والثاني: أن النذر يشبه التبرعات إذ النَّاذر بالخيار في نذره، فالوجوب بالنذر أضعف، وهذه الصورة والأولى قد حكاها أبو القاسم الكرخيُّ وغيره من تفريع ابْنِ سُرَيْجٍ على كلام لمحمَّد -رضي الله عنهما- وينبغي أنْ يفهم هاهنا أنَّ المال يتعين بتعيين النَّاذر إيَّاه للصدقة، ولو لم يتعين لما انتظم قوله في الصورة الأولى: لتعلّقه بعين المال ولما كان الفرق بين أن ينذر التصدّق بهذه الأربعين وبين أَنْ ينذر التَّصدُّق بأربعين، وهذا المفهوم هو ظاهر المذهب، وفيه شيء نذكره -إن شاء الله تعالى- في شرح قوله في: "كتاب الضحايا"، "ولو عين الدراهم للصدقة لم تتعين"، وبالجملة فمن أجاب بعدم التَّعيين لا يستقيم منه الفرق في هذه الصّورة، وقوله في هذه الصورة وفي الأولى، لو قال: لله عليَّ لو أبدله بأن يقول: لو نذر التَّصدق بكذا، لكان أَوْلَى؛ لأن الصِّيغة الَّتِي لا خلاف فيها في النَّذر أن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي كذا.
أما إذا اقتصر علي قوله: لله على كذا ففيه قولان مذكوران في كتاب النَّذْر، فإن

قلنا: إنها غير ملتزمة احتجنا إلى إضمار في لفظ الكتاب هاهنا.
الرابعة: لو وجب عليه الحج وتم الحول على نصاب في ملكه، يكون وجوب الحج دَيْناً مَانعاً من الزكاة؟ إن قلنا: الدَّين لا يمنع الزكاة فلا أثر له وإن قلنا: يمنع فقد ذكر الإمام وتتابعه المصنف أن فيه وجهين كالوجهين في دَيْنِ النَّذْر في الصُّورة الَّتي قبل هذه؛ لأن دين الحج وإن وجب من غير اختيار لكن المال غير مقصود فيه، ودين النذر وإن كانت المالية مقصود فيه لكن النَّاذر التزمه متبرعاً فيعتدلان، وأيضاً فدين الحج لا مطالب به في الحال كدين النّذر.
قال الغزالي: وَإذَا اجْتَمَعَ الزَّكَاةُ وَالدَّيْنُ فِي تَرِكَةٍ فَفِي التَّقْدِيمِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: وَفِي الثَّالِثِ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا، وَوَجْهُ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ تَعَلُّقُهَا بِالعَيْنِ.
قال الرافعي: إذا قلنا ة الدَّيْنُ لا يمنع الزكاة فمات قبل الأداء، واجتمع الدَّيْن والزكاة في تَرِكَتِهِ ففيه ثلاثة أقوال: أظهرها: أن الزكاة تقدم لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" 1. ولأن الزكاة متعلّقة بالعَيْن والدَّيْنُ مُسْتَرْسل في الذِّمة، ولهذا تقدم الزكاة في حال الحياة ثم يصرف الباقي إلى الغرماء.
والثاني: يقدّم دَيْنُ الآدمي لافْتِقَار دين الآدمي واحتياجه، ولهذا إذا اجتمع القِصاص وحَدّ السرقة يقدم القِصَاص.
والثالث: أنهما يستويان فيوزع المال عليهما؛ لأن الحقّ المالي المضاف إلى الله -تعالى- تعود فائدته إلى الآدميين أيضاً وهم المنتفعون بها، وعلى هذه الاقول تجري مسائل نذكرها في موضعها -إن شاء الله تعالى جده-.
ولك أن تعلّم قوله: "ثلاثة أقول" بالواو لأن عن بعض الأصحاب طريقة أخرى قاطعة بتقديم الزَّكَاة المتعلّقة بالعَيْن والأقوال، في اجتماع الكفارات وغيرها مما يسترسل في الذمة مع حقوق الآدميين، وقد تعرَّض الزَّكاة من هذا القبيل بأن يتلف ماله بعد الوجوب والإمكان ثم يموت وله مال فإن الزَّكَاة هاهنا متعلّقة بالذّمة، لا تعلق لها بعين ماله -والله أعلم-.
قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّالِثُ: عَدَمُ قَرَارِ المِلْكِ، فَفِي الزَّكَاةِ فِي الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ: وَجهُ الإِسْقَاطِ: ضَعْفُ المِلْك، فَإنَّهُ يَسْقُطُ بِالإِسْقَاطِ، وَفِي الثَّالِثِ إِنْ كَانَ

الكُلُّ زَكَوِيًّا وَجَبَ وَإلاَّ فَلاَ لاحْتِمَالِ أَنَّ الزَّكَاةَ تَقَعُ فِي سَهْمِ الخُمْسِ، وَلَو أَكْرَى دَاراً أَرْبَعَ سنين بِمائَةِ دِينَار نَقْدًا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ الأُولَى زَكاةِ رُبْعِ الْمِائَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ زَكاةُ نِصْفِهَا لِسَنَتَيْنِ إلاَّ مَا أَدَّى، وَفِي الثَّالِثَةِ زَكَاةُ ثَلاثَةِ أَرْبَاعِهَا لِثَلاَثِ سِنِينَ إلاَّ مَا أَدَّى، وَفِي الرَّابِعَةِ زَكَاةُ الجَمِيعِ لِأَرْبَعِ سنِينَ وَيُحَطُّ عَنْهُ مَا أَدَّى؛ لِأَنَّ الأُجْرَةَ هَكَذَا تَسْتَقِرُّ، بِخِلاَفِ الصَّدَاقِ فَإِنَّ تَشَطُّرَهُ بِالطَّلاَقِ لَيْسَ مقْتَضى العَقْدِ، وَسُقُوطُ الأُجْرَةِ بِالانْهِدَامِ مُقْتَضَى الإِجَارَةِ وَفِي المَسْألةِ قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِخْرَاجُ زَكَاةِ جَمِيعِ المِائَةِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل مسألتان: إحداهما: إذا أحرز الغازون الغنيمة فينبغي للإمام أن يعجل قسمتها، ويكره له التأخير من غير عذر، فإذا قسم فكل مَنْ أصابه مال زَكَوِيّ وهو نصاب أو بلغ نصاباً مع الّذي كان يملكه ابتدأ الحول من حينئذ، وإن تأخرت القسمة بعذر أو بغير عذر حتى مضى حول، فهل تجب الزكاة؟ ينظر إن لم يختاروا التملك فلا زكاة؛ لأنها غير مملوكة للغانمين أوْ هي مملوكة لهم ملكاً في غاية الضّعف والوهن، ألا ترى أنه يسقط بمجرد الإعراض؟ وللإمام أن يقسمها بينهم قسمة تحكم فيخصّ بعضهم ببعض الأنواع وبعض الأعيان إن اتَّحد النوع ولا يجوز هذا الضَّرب من القسمة في سائر الأملاك المشتركة، إلاَّ بالتَّرَاضي وِإن اختاروا التَّملُّك ومضى حول من وقت الاخْتِيَار نظر إن كانت الغنيمة أصنافاً فلا زكاة سواء كانت ممَّا تجب الزَّكاة في جميعها أو كان بعضها مِمَّا لا يجب فيه زكاة؛ لأن كل واحد منهم لا يدري ماذا يصيبه؟ وكم يصيبه؟ وإن لم تكن إلا صنفاً وِاحداً زكوياً، وبلغ نصيب كل واحد من الغانمين نصاباً فعليهم الزكاة، وإن بلغ مجموع أَنْصِبَائِهِمْ نصاباً، وكانت الغنيمة ماشية فكذلك وهم خلطاء فيها، وكذا لو كانت غير ماشية وأثبتنا الخلطة فيه، ولو كان يتم أنصباؤهم بالخُمُس نصاباً فلا زكاة عليهم إذ الخلطة مع أهل الخمس لا تثبت؛ لأنه لا زكاة في الخمس بحال من حيث أنه لغير معينين كمال بيت المال من الفيء وغيره ومال المساجد والرّبَاطَات، فهذا حكم زكاة الغنيمة على ما ذكره جمهور أئمتنا -رحمهم الله- من العراقيين والمَراوِزَة وهو ظاهر المذهب، وزاد في "التهذيب" شيئين: أحدهما: أن لا زكاة قبل إفْراز الخمس بحال، فإن أفرز فحينئذ نفصل الأمرين أن يختاروا التملك أو لا يختاروه، وهذا لم يتعرض له الأكثرون، ولم يفصلوا بين أن يفرز الخمس أو لا يفرز، وصرح في "العدة" أنه لا فرق بين الحالين.
والثاني: حكى في حالة عدم الاختيار وجهاً آخر؛ أنه تجب الزكاة وهذا يتعرض له ما في الكتاب، فإنه جعل وجوب الزكاة قبل القسمة على ثلاثة أوجه، وهكذا إمام

الحرمين -قدس الله روحه- بعد البناء على أصل مذكور في السّير، وهو أن الغنيمة هل تملك قبل القسمة أم لا؟ إنْ قلنا: لا، فلا زكاة فيها بحال، وإن قلنا: نعم ففي وجوب الزَّكاة هذه الأوجه: أحدها: لا، لضعف الملك.
والثاني: نعم اكتفاء بأصل الملك.
والثالث: إن كان في الغنيمة ما ليس بِزَكَوِيّ، فلا تجب لجواز أَنْ يجعل الإمام الزّكوي سهم الخمس، وإن كان الكل زكويًا تجب، وكان الأحسن لصاحب هذا الوجه أن يقول: إن كان الزكوي بقدر خمس المال لا تجب الزكاة، وإن زاد تجب زكاة القدر الزائد 1، ويخرج مما تقدم وجه رابع وهو الظاهر: أنهم إن اختاروا التملك وكانت الغنيمة صنفاً واحداً زكوياً وجبت الزَّكَاة وإلا فلا، وتمام توجيهه ينكشف عند معرفة الأصل المحال على "كتاب السير".
المسألة الثَّانية: في زكاة الأجرة وقد أدرج في خلالها مسألة أخرى يقتضي الشرح أن نقدمها فنقول: إذا أصدق امرأته أربعين شاة سائمة بأعيانها فعليها الزَّكَاة إذا تَمَّ حول من يوم الإصْداق، سواء دخل بها أو لم يدخل قبضتها أو لم تقبض لأنها ملكت الصّداق بالعقد، وبه قال [مالك] 2 -رحمه الله-، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إذا لم تقبضها فليس عليها ولا على الزَّوْج زكاتها، ويأْتي لنا وجه مثله تفريعاً على أن الصَّدَاق مضمون ضمان العقد، فإنه يكون على الخلاف الذي سبق في المبيع قبل القبض، وظاهر المذهب وهو القطع بالوجوب، وعلى هذا فلو طلقها قبل الدخول نظر، إن طلّق قبل الحول عاد نصفها إلى الزوج، فإن لم متميزاً، فهما خليطان فعليها عند تمام الحول من يوم الطلاق الإصداق نصف شاة، وعليه عند تمام الحول من يوم الطلاق نصف شاة، وإن طلقها بعد تمام الحول فلا يخلو إما إن كانت قد أخرجت الزكاة من عينها أو مِنْ موضع آخر أو لم تخرج أصلاً فهذه ثلاثة أحوال: إحداها: إذا كانت قد أخرجت الزَّكَاة من عينها، فإلى ماذا ترجع؟ فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يأخذ نصف الصَّداق من الموجود، ويجعل المخرج من نصيبها فإن تساوت قيم الشياه أخذ عشرين منها، وإن تفاوتت أخذ النِّصْف بالقيمة.
قال المَسْعُودي: هذه رواية الرَّببع.
والثاني: يأخذ نصف الأغنام الباقية ونصف قيمة الشَّاة المخرجة.
والثالث: أنه بالخيار بين ما ذكرنا في القول الثاني وبين أن يترك الكل ويأخذ نصف القيمة 1، وهذا مخرج مما لو أَصْدقها إناءين فانْكَسَرَ أحدهما، وطلقها قبل الدُّخُول نصَّ فيه على القول الثَّاني والثالث، قال الأئمة: ولفظ "المختصر" في المسألة التي نحن فيها صالح للقول الأول والثَّاني، وهو إلى الأول أقرب.
الحالة الثانية: إذا كانت قد أخرجت من موضع آخر فإن قلنا: تتعلق الزكاة بالذِّمة أو قلنا: تتعلَّق بالعَيْنِ لا على سبيل الشّركة عاد نصف الأربعين إلى الزوج، وإن قلنا: تتعلق بالعَيْن على سبيل الشّركة.
فقد قال الصَّيدلانيُّ وجماعة من الأئمة: يبنى هذا على الوجهين فيما إذا زال ملكها عن الصَّدَاق وعاد إليها ثم طلَّقَها قبل الدخول.
أحدهما: يرجع بنصف القيمة كما لو طلقها ولم يعد.
والثَّانية: بنصف العين كما لو طلَّقَها ولم يزل، لكن الشَّاة الَّتي زال ملكها عنها، وعاد بِأداء الزَّكَاة مِنْ موضع آخر غير متعينة، فعلى الوجه الأول لا يأخذ شيئاً من الأربعين بل يعدل إلى نصف القيمة.
وعلى الثاني: يأخذ نصف الأربعين، وهذا ما ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم من غير تفصيل.
والثالثة: إذا لم تخرج الزَّكاة أصلاً حئى طلقها ففيه اختلاف وتفريع طويل مبني على كيفية تعلّق الزكاة، والجواب الخارج على ظاهر المذهب ما ذكره في "التهذيب" إن شاء الله -تعالى-، وهو نصف الأربعين يعود إلى الزَّوْج شَائِعاً، فإن جاء السَّاعِي وأَخَذ

من عينها شَاةً رجع الزَّوج عليها بنصف قيمتها.
جئنا إلى مسألة الأجرة إذا أكرى داراً أربع سنين بمائة دينار معجلة وقبضها، كيف يخرج زكاتها؟ فيه قولان: أحدهما: ذكره في "الأم" ونقله المزنيُّ في "المختصر": أنه لا يلزمه أن يخرج عند تمام كل سنة، إلاَّ زكاة القدر الذي استقرَّ ملكه عليه؛ لأنها قبل الاستقرار يعرض السقوط بانهدام الدار فأورث ضعف الملك.
والثاني: قاله في البُويطِيِّ واختاره المُزَنِيُّ: أنه يلزمه عند تمام السّنة الأولى زكاة جميع المائة؛ لأنه ملكها ملكاً تاماً، أَلاَ تَرَى أنه لو كانت الأُجْرة جَارِيَةٌ يحل وَطْؤُها، ولو كان الملك ضعيفاً لم يحل، غايته أنه يتوهم سقوط بعض الأجرة بالانهدام لكنه لا يقدح في وجوب الزكاة كما أن المرأة يلزمها زكاة الصَّدَاق قبل الدخول وإن كان يتوهّم عود جميعه بارتداد أحدهما أو عود نصفه بالطَّلاق، وهذا القول أَصَحُّ عند صاحب "المهذب"، ومال إليه في "الشامل"، لكن الجمهور على ترجيح القول الأول وهو الَّذِي يقتضيه إيراد الكتاب والقول بثبوت الملك التام في الأجرة ممنوع على رأي بعض الأصحاب، فإن صاحب "النهاية" حكى طريقة أن الملك يحصل في الأجرة شيئاً فشيئاً، فمن قال بذلك لا يسلم بثبوت الملك في الأجرة فضلاً عن ثبوت المِلْك التَّام، وعلى التَّسْليم فوجه الضعف والنقصان ما ذكرنا، وأما حلْ الوَطْءِ فلا نسلم أنه يتوقف على ارْتِفَاع الضّعف من كل وجه وأمَّا الصَّدَاق فقد روى الحَنَّاطِى عن ابْن سُرَيْجٍ تخريج قول من الأجرة في الإصداق، فعلى هذا لا فرق وعلى التسليم فالفرق أَنْ الأُجرَة تستحق في مقابلة المَنَافع، فإذا لم تسلم المنافع للمستأجر ينفسخ العقد من أصله، والصَّدَاق ليس في مقابلة المَنَافع، أَلاَ ترى أنها لو ماتت يستقر الصداق؟ وإن لم تسلم المنافع للزوج والتَّشطر ثبت بتصرف من جهة الزوج يفيد ملك النِّصف عليها، ولا ينقص ملكها من الأصل.
التفريع: إن قلنا: بالقول الأول أخرح عن تمام السّنة الأولى زكاة رُبع المائة وهو خمسة وعشرون ديناراً، وزكاتها خمسة أثْمان دينار؛ لأن ملكه استقر على هذا القدر، فإن مضت السَّنة الثَّانية فقد استقر ملكه على خمسين ديناراً أو كانت في ملكه سنتين زكَّاها زكاة خمسين لسنتين وهي ديناران ونصف لكنه قد أدَّى زكاة خمسة وعشرين لسنة فيحط ذلك ويخرج الباقي وهو دينار وسبعة أثمان دينار، فإذا مضت السنة الثالثة فقد استقر ملكه على خمسة وسبعين ديناراً وكانت في ملكه ثلاث سنين وزكاتها لثلاث سنين خمسة دنانير وخمسة أثمان دينار أخرج منها للسنتين الماضيتين دينارين ونصفاً، يبقى ثلاثة دنانير وثُمن يخرجها الآن، فإذا مضت السنة الرابعة فقد استقر ملكه على جميع المائة، وكانت في ملكه أربع سنين وزكاة المائة لأربع سنين عشرة دنانير، أخرج من

ذلك خمسة دنانير وخمسة أثمان دينار، فيخرج الباقي وهو أربعة دنانير وثلاثة أثمان دينار، وقد يعبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى فيقال: يخرج عند تمام السنة الأولى زكاة خمسة وعشرين لسنة وعند تمام السنة الثّانية زكاة خمسة وعشرين لسنتين وزكاة الخمسة والعشرين الأولى لسنة، وعند تمام الثَّالثة زكاة الخمسين لسنة، وزكاة خمسة وعشرين أخرى لثلاث سنين، وعند تمام الرابعة زكاة الخمسة والسبعين لسنة وزكاة خمسة وعشرين لأربع سنين، هذا إذا كان يخرج واجب كل سنة من غير المائة، وأمَّا إذا أخرج من عينها واجب السنة الأولى فعند تمام الثَّانية أخرج زكاة الخمسة والعشرين الأولى، سوى ما أخرج في السَّنة الأولى لسنة، وزكاة خمسة وعشرين أخرى لسنتين، وعند تمام الثَّالثة يخرج زكاة الخمسين سوى ما أخرج في السَّنَتَيْنِ الأوليين لسنة وزكاة خمسة وعشرين أخرى لثلاث سنين، وعلى هذا قياس السنة الرابعة، وإن قلنا بالقول الثاني، وهو أنه يخرج زكاة جميع المائة عند تمام السنة الأولى فعليه مثل ذلك عند تمام كل سنة، إن كان يخرج الواجب من موضع آخر، وإن كان يخرج منها فعند تمام السَّنة الثَّانية يخرج زكاة سبعة وتسعين ديناراً ونصفاً، وقس على هذا السَّنتين الآخريَيْن.
وزاد أصحابنا العراقيون في التفريع على القول الأول كلاماً آخر، وهو مبني على القولين في المسألة في كيفية الإخراج وزكاة جميع المائة واجبة عند تمام الحول الأول بلا خلاف أو هما في نفس الوجوب، فعن القاضي أبي الطَّيِّب أنهما في نفس الوجوب، وبه يشعر كلام طائفة، وقال الشيخ أبو حامد وشيعته: القولان في كيفية الإخراج والوجوب ثابت قطعاً، واحتجوا له بأنه لو امتنع الوجوب على أحد القولين لعدم استقرار الملك لكان يستأنف الحول، ولا يزكيه لما مضى كمال الكتابة، فلما نَصَّ في هذا القول على أنه يزكَي لما مضى دل أنه لم يجعل هذا الاختلاف مانعاً من الوجوب، وهذا قضية كلام الأكثرين صريحاً أو إشارة ثم هؤلاء القاطعون بالوجوب غاصوا فقالوا في التفريع على القول الأول: يخرج في السنة الأولى زكاة خمسة وعشرين كما سبق، ثم يبنى الحكم بعدها على الخلاف في أن الزكاة استحقاق جزء من العَيْن أم لا؟ وإن قلنا: ليست استحقاق جزء من العين، فهل الدين يمنع الزكاة أم لا؟ فإذا مضت السنة الثانية فقد استقر ملكه على خمسين، أما الخمسة والعشرون الأولى فقد زكاها للسنة الأولى، فإن كان قد أخرج زكاتها من موضع آخر زكاها للسَّنة الثانية أيضاً، وإن كان قد أخرج من عينها زكى ما بقي منها.
وأما الخمسة والعشرون الثَّانية فقد وجب الزَّكَاة في السَّنة الأولى في جميعها، وعليه إخراجها الآن وأما زكاة السّنة الثانية فإن قلنا: الزكاة ليست استحقاق جزء، وقلنا: الدَّيْن لا يمنع الزَّكَاة فكذلك يخرج الزَّكَاة عن جميعها، وإن قلنا: إنها استحقاق جزء، وقلنا: ليست كذلك لكن الدَّين يمنع الزَّكاة ولم يملك شيئاً آخر، فلا يزكى للسنة الثانية

عن جميعها بل عما سوى القدر الواجب في السنة الأولى؛ لأن ذلك القدر قد استحقه المساكين أو هو دين يمنع وجوب الزَّكَاة في قدرة، ثم إذا مضت السَّنة الثَّالثة فقد استقرَّ ملكه على خمسة وعشرين أخرى، أما الأولى والثانية فقد أخرج زكاتهما لما مضى على التَّفْصيل المذكور، فإن أخرج من موضع آخر زكَّى جميعها للسَّنة الثَّالثة أيضاً، وإن أخرج منها زكّى الباقي.
وأما هذه الثالثة فقد مضى عليها ثلاث سنين، فإن قلنا: الزكاة ليست استحقاق جزء، والدَّيْن لا يمنع الزكاة أخرج زكاة جميعها لثلاث سنين، وإن قلنا: إنها استحقاق جزء وقلنا: الدَّيْن يمنع الزكاة، ولم يملك شيئاً آخر، فيخرج زكاة جميعها للسّنة الأولى، وزكاة جميعها سوى قدر الواجب في السَّنة الأولى للثانية، وزكاة جميعها سوى قدر الواجب في السَّنَتَيْن الأوليين للثّالثة، وقس الرابعة على هذا.
ثم هاهنا كلامان: أحدهما: للمسألة شريطة ذكرها إمام الحرمين، وهي أن تكون أجرة السنتين متساوية ولا بد منها؛ لأنها لو تفاوتت لزاد القدر المستقر في بعض السِّنين على ربع المائة ونقص في بعضها؛ لأن الإجارة إذا انفسخت توزّع الأجرة المسماة على أجرة المثل في المدتين الماضية والمستقبلة.
والثّاني: لعلك تبحث فتقول: كلام المسألة فيما إذا كانت المائة في الذمة ثم نقداً أم فيما إذا كانت الإجارة بمائة معينة، أم لا فرق؟ أمّا كلام النّقلة فإنه يشمل الحالتين جميعاً، وأما التفصيل والنّص عليهما فلم أو له تعرضاً إلا في فتاوى القاضي الحُسَيْن قال في الحالة الأولى: الظاهر أنه يجب زكاة كل المائة إذا حال الحول؛ لأن ملكه مستقر على ما أخذ حتى لو انهدمت الدار، لا يلزمه رد المقبوض بل له رد مثله، وفي الحالة الثانية قال: حكم الزكاة حكمها في المَبِيْع قبل القبض؛ لأنه بفرض أن يعود إلى المستأجر بانفساخ الإجارة، وبالجملة فالصورة الثانية أحق بالخلاف من الأولى، وما ذكره القاضي اختيار للوجوب في الحالتين جميعاً فاعل ذلك.
وعد بعده إلى لفظ الكتاب.
أَمَّا قوله: "نقداً" فهو إشارة كونها حالة مقبوضة والأجرة عندنا تملك بنفس العقد معجلة إن أطلقا أو شرطا التَّعْجيل ومؤجلة إذا شرطا التأجيل، فإذا كانت دَيْناً حالاً أو مؤجلاً زاد ما سبق من الكَلاَم في زكاة الدَّين.
وقوله: وجبت عليه في السَّنَة الأولى فيه المَبَاحث الَّتي تقدَّمت في أنَّ الكلام في نفس الوجوب وفي وجوب الإخراج، واللفظ إلى الاحتمال الأول أقرب.

وقوله: "زكاة ربع المائة" وكذا "زكاة نصفها وزكاة ثلاثة أرباعها" يجوز أن يعلّم بالميم؛ لأن الشيخ أبا محمد حكى فيما علّق عنه عن مالك أنه يجب في كل سنة زكاة جميع المال كالقول الثَّاني.
وقوله: "في القول الثَّاني تجب في كل سنة" معلّم بالحاء؛ لأن مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- كالقول الأول، وعبارة الكتاب في القولين جميعاً محمولة على ما إذا أخرج الواجب من غير المائة، وهي الحالة الَّتِي ينزل عليها كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، فإن كان يخرج من عينها فقد ذكرنا حكمه.
ثم نختم الفصل بفرعين: أحدهما: باع شيئاً بنصاب من النَّقْد مثلاً وقبضه ولم يقبض المشتري المبيع حتى حال الحول، هل يجب على البائع إخراج الزكاة؟ يخرج على القولين لأن الثمن قبل قبض المبيع غير مستقر، وخرجوا على القولين أيضاً ما إذا أسلم نصاباً في ثمره أو غيرها، وحال الحول قبل قبض المسلم فيه، وقلنا: إن تعذر المسلم فيه يوجب انفساخ العقد، وإن قلنا: إنه يوجب الخيار فعليه إخراج الزكاة.
الثاني: أوصى لإنسان بنصاب ومات الموصي، ومضى حول من يوم موته قبل القبول، إن قلنا: الملك في الوصيّة يحصل بالموت فعلى الموصى له الزكاة، وإن كان يرتد برده وإن قلنا: يحصل بالقبول فلا زكاة عليه، ثم إن أبقيناه على ملك الميت فلا زكاة على أحد.
وإن قلنا: إنه للوارث فهل عليه الزكاة؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، وإن قلنا: إنه موقوف فإذا قبل بَانَ أنه ملكه بالموت فهل عليه الزَّكَاة؟ روي في "التَّهْذِيب" فيه وجهين: أصحهما: لا؛ لأن ملكه لم يكن مستقرّاً عليه.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِم فَتَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ (ح) والمَجْنُونِ (ح)، وَفِي مَالِ الجَنِينِ تَرَدُّدٌ، وَتَجِبُ عَلَى المُرْتَدِّ (م ح) إِنْ قُلْنَا بِبَقَاءِ مِلْكِهِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِالإِسْلاَمِ، وَلاَ زَكَاةَ عَلَى مُكَاتِبٍ وَرَقِيقٍ وَلاَ عَلَى سَيِّدِهِمَا شَيئًا فِي مَالِهِمَا، وَمَن مَلَكَ بِنِصْفِهِ الحُرِّ شَيْئاً لَزِمَهُ (م ح) الزَّكَاةُ.

[القول في زكاة الصبي والمجنون والمكاتب]

: قال الرافعي: فقه الفصل صور: إحداها: تجب الزكاة في مال الصَّبِيّ والمجنون، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة -رحمهم الله- وسلَّم وجوب العشر وصدقة الفطر.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَلِيَ يَتِيماً فَليَتَّجِرْ لَهُ وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ

الصَّدَقَةُ" 1. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، لاَ تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ" 2. إذا تقرر ذلك فيجب على الولي إخراجهما من مالهما، فإن لم يَفْعَل أخرج الصَّبي بعد البلوغ والمجنون بعد الإفَاقَة زكاة ما مضى، وهل تجب في المال المنسوب إلى الجنين؟ حكى إمام الحرمين فيه تردداً لوالده -رحمهما الله- قال: والذي ذهب إليه الأئمة أنَّ الزَّكاة لا تجب فيه؛ لأن حياة الحمل غير موثوق بها، وكذلك وجوده، ونحن وإن قضينا بأن الحمل يعرف، فالحكم يتعلّق به عند انفصاله.
والثاني: أنه تجب الزكاة إذا انفصل، كما في مال الصَّبيّ والمجنون.
الثانية: الكافر الأصلي غير ملزم بإخراج الزَّكَاة لا في الحال ولا بعد الإسلام، وأما المرتد فلا يسقط عنه ما وجب في الإسلام، فإذا حال الحَوْل على ماله في الرّدة، فهل تجب فيه الزكاة؟ يبني على الخلاف في ملكه، إن قلنا: يزول ملكه بالرّدّة فلا، وإن قلنا: لا يزول فنعم مؤخذة له بحكم الإسلام، وإن قلنا: إنه موقوف إلى أنْ يعود إلى الإسلام، أو يهلك على الردة، فالزكاة أيضاً على الوقف، فإن قلنا: لا يزول ملكه وأوجبنا الزكاة، فقد ذكر في "التَّهْذيب" أنه لو أخرج في حال الردة جاز كما لو أطعم عن الكفَّارة بخلاف الصوم لا يصح منه؛ لأنه عمل البدن فلا يصح إلا ممن يكتب له، وروي في "النَّهاية" عن صاحب "التقريب": أنه لا يبعد أن يقال: لا يخرجها ما دام مرتّداً، وكذا الزَّكَاة الواجبة قبل الردة؛ لأن الزكاة قربة مفتقرة إلى النية، فعلى هذا إن عاد إلى الإسلام أخرج الزَّكَاة الواجبة في الردة وقبلها، وإن هلك على الردة حصل اليأس عن الأداء وبقيت العقوبة في الآخرة.
قال الإمام: هذا خلاف ما قطع به الأصحاب، لكن يحتمل أن يقال: إذا أخرج في الرّدة ثم أسلم، هل يعيد الزكاة؟ فيه وجهان كالوجهين في الممتنع، إذا ظفر الإمام بماله وأخذ الزكاة منه، هل يجزئه أم لا؟ ولك أن تعلّم قوله في الكتاب: "إن قلنا يبقى ملكه" بالواو؛ لأن الحَنَّاطي ذكر أنه يحكي عن ابن سُرَيج أنه تجب الزكاة على الأقاويل كلها كالنَّفقات والغرامات.
الثالثة: لا تجب الزكاة على المكاتب، لا العشر ولا غيره وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يجب العُشْر في زرعه.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ" 3.

وأيضاً فإن ملكه ضعيف، أَلا تَرى أنه لا يرث ولا يورث عنه ولا يعتق عليه قريبه ثم إذا أعتق وبقي المال في يده ابتدأ الحَوْل من يوم العتق، وإن عجز وصار مَا فِي يده للسَّيد ابتدأ الحول من حينئذ.
الرابعة: العبد القنّ لا يملك بغير تمليك السَّيد لا محالة، وهل يملك بتمليك السيد؟ فيه قولان مذكوران في الكتاب في موضعهما؛ فإن قلنا: لا، وهو المذهب فزكاة ما ملكه من الأموال الزَّكوية على السَّيد، ولا حكم لذلك التَّمليك، وإن قلنا: نعم، فلا زكاة على العبد كما لا زكاة على المُكاتب بل أولى؛ لأن للسَّيد أن يسترده وينتزعه متى شاء، وهل يجب على السيد؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن ملكه زائل.
والثّاني: نعم؛ لأن ثمرة الملك باقية، فإن للسَّيد أن يتصرف فيه كيف شاء، وإذا أعتق العبد ارتد الملك إليه بخلاف ملك المكاتب إذا أعتق، حكى هذا الوجه أبو عبد الله الحَنَّاطي، ونقله الإمام عن "شرح التَّلخيص"، وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله: "ولا على سيديهما في مالهما" تفريع على أنَّ العبد يملك بتمليك السَّيد إياه، وإلا فليس للعبد مال وهو معلّم بالواو.
لما روينا من الوجه الثاني، والمدبّر وأم الولد كالعبد القنّ 1. الخامسة: من بعضه حرٌّ وبعضه رقيق، لو ملك بنصفه الحر نصاباً فهل عليه زكاته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لنقصانه بالرِّقِّ كالعبد والمُكَاتب، وهذا هو الَّذي ذكره في "الشامل".
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه تجب؛ لأن ملكه تام على ما ملكه بالجزء الحُرّ منه، ولهذا قال الشافعي -رضي الله عنه- أنه يكفر كفارة الحرّ الموسر، وقال: إنه يلزمه زكاة الفطر بقدر ما هو حر، هذا تمام الصّور وقد تبيّن بها أن المعتبر فيمن تجب عليه الحرية والإسلام على ما ذكر في أول الفصل، لكن قوله: "وهو كل حر مسلم" يقتضي أَنْ لا تجب الزَّكَاةُ على من ملك بنصفه الحُرّ؛ لأنه يقع على من جميعه حرٌّ، فأما من بعضه حر وبعضه رقيق، يصدق عليه القول بأنه ليس بحُرّ، فلما وجبت الزَّكَاة عليه على ظاهر المذهب، وهو الذي ذكره في الكتاب ووجب تأويل اللفظ والله أعلم.
تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث، وأوله: "باب أداء الزكاة وتعجيلها"

العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسِم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفى سنة 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ على محمد معوض... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء الثالث يحتوي على الكتب التالية: تتمَّة الزكاة - الصِّيَام - الاعْتكاف - الحَجّ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا.
الطبعة الأولى 1417 هـ - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب أداء الزكاة وتعجيلها

قال الغزالي: (الطَّرَفُ الثَّانِي لِلزَّكَاةِ طَرَفُ الأَدَاءِ) وَلَهُ ثَلاَثةُ أَحْوَالٍ: الأُولَى الأَدَاءُ فِي الوَقْت وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الفَوْرِ (ح) عِنْدَنَا وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الصَّرْفِ إلَى الاِمَام أَوْ إلَى المَسَاكِينِ فِي الأَمْوالِ البَاطِنَةِ وَأَيُّهُمَا أَولَى فِيهِ وَجْهَانِ، والصَّرْف إلَى الإمَامِ أوْلَى فِي الأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَهَلْ يَجِبُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: ذكر في أول الزكاة أن النظر في الوجوب والأداء، وقد فرغ الآن من النظر الأول.
وأما: الأداء فله ثلاث حالات؛ لأنه إما أن يتفق في الوقت أو قبله أو بعده.
الحالة الأولى: الأداء في الوقت، وهو واجب على الفور بعد التمكن.
وقوله: "عندنا" قصد به التَّعرض لمذهب أبي حنيفة -رحمه الله- فيما رواه إمام الحرمين وغيره أنها واجبة على التَّرَاخي، ونقل صاحب "الشامل" وغيره اختلافاً لأصحابه فيه، فعن الكرهي: أنها على الفور، وعن أبي بكر الرازي 1: أنها على التراخي.
لنا: أن الأمر بإيتاء الزكاة وارد، وحاجة المستحقين ناجزة، فيتحقق الوجوب في الحال.
ثم أداء الزكاة يفتقر إلى وظيفتين، فعل ونية [أما الأداء فـ] الأداء يفرض على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يباشره بنفسه وهو جائز في الأموال الباطنة، لما روي عن عثمان -رضي الله عنه- إنه قال في المحرم: "هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَليَقْضِ دِينَهُ، ثُمَّ ليُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِهِ" 2. والأموال الباطنة هي الذهب والفضة وعرض التجارة

والرِّكاز وزكاة الفِطْر مُلْحَقَة بهذا النَّوع 1، وأَمَّا الأموال الظَّاهرة وهي المواشي والمُعشرات والمَعَادن، فهل يجوز أن يفرق زكاتها بنفسه؟ فيه قولان: أصحهما وهو الجديد: نعم، كزكاة الأموال الباطنة.
والثّاني: وهو القديم ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، ويروى عن مالك أيضاً: أنه لا يجوز، بل يجب صرفها إلى الإمام لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ 2. ولأنه مال للإمام المطالبة به، فيجب دفعه إليه كالخراج هذا إذا كان الإمام عادلاً، فإن كان جائراً فوجهان: أحدهما: يجوز، ولا يجب خوفاً من أن لا يوصله إلى المستحقين.
وأصحهما: أنه يجب لنفاذ حكمه وعدم انعزاله بالجور، وعلى هذا القول لو فرق بنفسه لم يحسب، وعليه أن يؤخر ما دام يرجو مجيء الساعي، فإذا أيس فرق بنفسه.
والثاني: أن يصرف إلى الإمام وهو جائز فإنه نائب المستحقين، "وكانَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، والخلفاءُ بعده يَبْعَثُونَ السُّعَاةَ لِأَخَذِ الزَّكَاةِ" 3. والثالث: أن يوكل بالصرف إلى الإمام أو بالتفرقة على المستحقين، حيث تجوز له التفرقة بنفسه، وهو جائز أيضاً، لأنه حق مالي فيجوز التوكيل في أدائه كديون الآدميين.
وأما الأفضل من هذه الطّرق فلا خلاف في أن تفرقة الزكاة بنفسه أفضل من التوكيل بها؛ لأنه على يقين من فعل نفسه وفي شك من فعل الوكيل، وبتقدير أنْ يجوز لا يسقط الفرض عن الموكل وله على الوكيل غرم ما أتلف، وفي الأفضل من الطريقين الأولين 4 في الأموال الباطنة وجهان:

أحدهما: وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق أن الصَّرف إلى الإمام أولى؛ لأنه أعرف بأهل السّهمان وأقدر على التفرقة بينهم؛ ولأنه إذا فرق الإمام كان على يقين من سقوط الفرض، بخلاف ما لو فرق بنفسه لجواز أن يسلم إلى مَنْ ليس بصفة الاستحقاق، وهو يظنه بصفة الاستحقاق.
والثَّاني: أن الأولى أن يفرقها بنفسه؛ لأنه يفعل نفسه أوثق، ولينال أجر التفريق وليخص به أقاربه وجيرانه، وهذا الوجه هو المذكور في "التَّهذيب" و"العدة"، ومن قال به تعلق بقوله في "المختصر"، "وأحب أن يتولى الرجل قسمتها بنفسه، ليكون على يقين من أداءها عنه" والأول هو الأظهر عند أكثر الأئمة من العراقيين وغيرهم، ولم يذكر الصَّيْدلاني غيره، وحملوا قول الشافعي -رضي الله عنه- على أنه أولى من التَّوْكيل، ومنهم من قال: أراد به في الأموال غير الظاهرة.
وأما في الأموال الظاهرة فالأولى الصَّرف إلى الإمام ليخرج عن شبهة الخِلاف، ومنهم من أطلق الخلاف من غير فرق بين الأموال الباطنة والظاهرة، وهكذا فعل صاحب الكتاب في قسم الصدقات، وعبر عن هذا الخلاف بالقولين على خلاف المشهور، ورأيت المُحَاملي صرح في القولين والوجهين بطرد الخلاف، فليكن قوله: "والصرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة أولى" معلماً بالواو، وحيث قلنا: الصرف إلى الإمام أولى، فذلك إذا كان الإمام عادلاً فإن كان جائراً فوجهان: أحدهما: أنه كالعادل، ويحكى ذلك عن صاحب "الإفصاح" لما روي أن سعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة وأبا سعيد -رضي الله عنهم- سُئلوا عن الصَّرف إلى الولاة الجائرين فأمروا به 1. وأصحهما: وهو الذي ذكره في الكتاب في قسم الصدقات: أن التَّفريق بنفسه أولى من الصرف إليه، لظهور جَوْره وخِيَانته، بل حكى الحَنَّاطي وجهاً أنه لا يجوز الصرف إلى الجائر فضلاً عن الأفضلية 2 -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَتَجِبُ نِيَّةُ الزَّكَاةِ بِالقَلْبِ (ح) فَيَنْوِي الزَّكَاةُ المَفْرُوضَةَ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّض لِلْفَرْضِ فَوَجْهَانِ، وَلاَ يَلْزَمُ تَعْيِينُ المَالِ، فَإنْ قَالَ: عَنْ مَالِي الغَائِبِ وَكَانَ تَالِفاً لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الحَاضِرِ، وَلَوْ قَالَ: عنِ الغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ تَالِفاَ فَعَنِ الحَاضِرِ أَوْ هوَ صدَقَةٌ جَازَ لِأَنَّهُ مُقْتَضى الإِطْلاَقِ.

قال الرافعي: الوظيفة الثَّانية النَّية، ولا بد منها في الجملة لقوله -صلى الله عليه وسلم-:"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ".
وهل المعتبر قَصْد القَلْب أم يكفي القول باللسان؟ قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر": وإذا ولى الركل زكاة ماله لم يجزه إلا بنية أنه فرض، والنية هي القصد فقضية هذا اعتبار قصد القلب، ونقل عن "الأم" أنه سواء نوى أو تكلم بلسانه إنه فرض يجزئه.
قال الأصحاب: في المسألة وجهان: وقال القفال وغيره: قولان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا بد من قصد القلب، وهذا ما خرجه ابْنُ القاص، إليه ذهب صاحب "التقريب".
والثاني: أنه يكفي القول باللسان، وهو اختيار القَفَّال فيما حكى الصَّيدلاني، واحتج بأن إخراج الزكاة في حال الردة جائز، ومعلوم أن المرتد ليس من أهل نية وهي قربة، فدل أن لفظة كَافٍ، وأيضاً فإنَّ الزكاة تجري فيها النّيابة، وإن لم يكن النائب من أهلها، فإذا جاز أن ينوب فيها شخص عن شخص جاز أن ينوب اللّسان عن القلب، ولا يلزم الحج فإن النائب فيه، لا بد وأن يكون من أهل الحج، ومن قال بالأول حمل كلامه في "الأم" على أنه لا فرق، بين أن يقتصر على قصد القلب، وبين أن يجمع بين قصد القلب والتّلفظ.
وأما فصل المرتد ففي أدائه الزكاة في حال الردة كلام تقدم، وعلى التسليم فلا نسلم إن القصد غير معتبر في حق المرتد.
نعم، لا يتصور معه قصد هو قُرْبة، لكن كما لا يتصور منه ذلك لا يتصور أيضاً لفظ هو قربة، وقد قيل للقفال: لا يسقط الفرض حتى يقول المرتد هذا عطاء، فقال: كذا ينبغي أن يكن، فإذا جاز اعتبار اللفظ وإن لم يكن قربة، لم لا يجوز اعتبار القصد وإن لم يكن قربة؟ وأما الوجه الثاني: فهو باطل بالوضوء، فإنه يجوز فيه إنَابَة الأَهْل وغير الأَهْل، ومع ذلك يُعْتَبَر فيه قصد القلب.
وروى الشيخ أبو علي طريقة أخرى عن بعضهم قاطعة باعتبار قصد قلب.
وكيفية النية أن ينوي هذا فرض زكاة مالي أو فرض صدقة مالي، أو زكاة مالي المفروضة أو الصدقة المفروضة، ولا يكفي التعرض لفرض المال، فإن ذلك قد يكون كفارة ونذراً، ولا يكفي التَّعرض للصّدقة في أصح الوجهين 1 فإنها قد تكون نافلة، ولو

تعرض للزكاة دون صفة الفرضية فهل يجزئه؟ فيه وجهان.
الذي ذكره أن الأكثرون أنه يجزئه؛ لأن الزكاة لا تكون إلا مفروضة.
قال في "التهذيب": وهما كالوجهين فيما إذا نوى صلاة الظهر، ولم يتعرض للفرضية، لكن صلاة الظهر قد تكون نافلة من الصَّبي، وممن صلى منفرداً ثم أعاد في جماعة، ولا انقسام في الزكاة ولا يجب تعيين المال المزكَّى عنه، فإن عوض ببعض المال ودفع حاجة المستحقين لا يختلف، بل يزكّي عن مواشيه ونقوده حتى يخرج تمام الواجب، فلو ملك أربعمائة درهم مثلاً مائتان حاضرتان ومائتان غائبتان، أخرج خمسين من غير تعيين جاز، وكذا لو ملك أربعين من الغنم، وخمساً من الإبل فأخرج شاتين، ولو أخرج خمسة مطلقاً، ثم بَانَ له تلف أحد المالين أو تلف أحدهما بعد الإخراج، فله أن يحسب المخرج عن الزَّكَاة الأخرى، ولو عين حالاً لم ينصرف إلى غيره، حتى لو أخرج الخمسة عن المال الغائب فَبَان تَالفاً، لم يكن له صرفه إلى الحاضر، ولو قال: هذه عن مالي الغائب إن كان سالماً فبان تالفاً هل له الصرف إلى الحاضر؟ حكى في "العدة"، فيه وجهين: قال: والأصح أنه لا يجوز، ولو قال: هذه عن مالي الغائب فإن كان تالفاً فهي صدقة أو قال: إن كان مالي الغائب سالماً فهذه زكاته إلا فهي صدقة جاز؛ لأن إخراج الزَّكَاة عن الغائب هكذا يكون، وإن اقتصر على قوله: عن مالي الغَائِب حتى لو بان تالفاً، لا يجوز له الاسترداد إلا إذا صرح فقال: هذه عن مالي الغائب، فإن بَانَ تَالفاً استرددته وليست هذه الصورة، كما إذا أخرج خمسة وقال: إن كان مورثي قد مات وورثت مالت فهذه زكاته، فبان موته لا يحسب المخرج عن الزكاة؛ لأن الأصل بقاء المورث وعدم الإرث، وهاهنا الأَصْل سلامة المال، فالتردد بهذا الأصل، ونظير هذه المسألة أن يقول: في آخر شهر رمضان أصوم غداً عن رمضان، إن كَانَ من الشَّهر يصح، ونظير مسألة الميراث أن يقول في أوله: أنا صائم ثم غدا عن رمضان، إن كان من الشهر لا يصح، ولو قال: هذه عن مالي الغائب فإن كان تالفاً فعن الحاضر.
فالذي قاله معظم الأئمة: أن الغائب إنْ كان سالماً يقع عنه، وإلاَّ فلا يقع عن الحاضر؛ لأنه قد جزم بكونها زكاة ماله، والتردد في أنها عن أي المَالَيْن بحسب بقاء الغَائب وتلفه لا يضر كالتَّردد بين الفرض والنَّفْل في الصّورَة السَّابقة على اختلاف التَّقْدِيرَيْن، وهذا تعيين المال ليس بشرط فلا يقدح التردد فيه، حتى لو قال: هذه عن = مالي أو صدقة المال، فوجهان: أصحهما: لا يجزيه، فأشار في الأولى إلى نفي الخلاف عند الجمهور.
وأما في الثانية فجزم فيها بإثبات الخلاف.
ينظر الروضة (2/ 64).

مالي [الغائب أو الحاضر] 1 أجزأته، وعليه خمسة أخرى ويخالف ما لو نوى الصلاة عن فرض الوقت إن دخل الوقت، وإلا فَعَنِ الفائتة لا يجزئه؛ لأن التعيين شرط في العبادات البدنية.
وحكي في "النهاية" تردداً عن صاحب "التقريب" في وقوع المخرج عن الحاضر؛ لأن النَّيَّة مترددة بالإضافة إليه تردداً غير معتضد بالأصل فإنه إنَّما جعلها عن الحاضر بشرط تلف الغائب، والأصل في الغائب البقاء والاسْتمرار وكان الوُقُوع عن الغَائِبِ على خلاف الأصل، ويخالف ما لو قال: وإِلاَّ فهي نَافِلَة؛ لأنه يحتاط في الفَرْضِ بما لا يحتاط به للنَّفْل.
وقوله في الكتاب: "فإنْ كان تالفاً فعن الحاضر أو هو صدقة" [ليس المراد أن الناوي ردد هكذا لكنهما صورتان عطف أحدهما على الأخرى والمعنى أو قال هو صدقة، ولو ردد قفال عن الحاضر أهو صدقة] 2 وكان الغائب تالفاً لم يقع عن الحاضر كما قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: لو قال إن كان مالي الغائب سالماً فهذه زكاته أو نافلة وكان ماله سالماً لم يجزئه؛ لأنه لم يقصد بالنية قصد فرض خالص، ونظيره أن يقول: أصلِّي فرض الظّهر أو نافلة وأصوم غداً عن رمضان أو نافلة فلا ينعقد.
وقوله: "جاز" معلَّم بالواو؛ لأنه حكم بالجواز في الصورتين معاً، وفيما إذا قال: "فإن كان تالفاً فمن الحاضر" الوجه النقول عن صاحب "التقريب".
وقوله: "لأنه مقتضى الإطلاق" يرجع إلى الصورة الأخيرة، وهي أن يقول: "فإن كان تالفاً فهو صدقة"، لأن المفهوم من الإطْلاَق هاهنا أنْ يَقْتَصِرَ على قوله: هذا المال عن الغَائب، ولو اقْتَصَرَ عليه وكان الغائب تالفاً يكون المخرج صدقة على ما سبق، ولا يقع عن الحاضر فظهر أنَّ الإجزاء عن الحاضر ليس مقتضى الإطلاق: فإن قلت: في جواز نقل الصدقة خلاف يأتي في موضعه، فتجويز الإخراج عن المال الغائب في مسائل الفصل وجواب على قول الجواز أم كيف الحال؟ فالجواب أن أبا القاسم الكرخي جعلها جواباً على قول الجواز، ويجوز أن تفرض الغيبة عن منزلة وعدم وقوفة على بقاء المال وهلاكه، فيصح تصوير هذه المسائل من غير النظر إلى ذلك الخلاف، وقد أشار إلى هذا في "الشامل".
قال الغزالي: وَيَنْوي وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، وَهَلْ يَنْوي السُّلْطَانُ إِذَا أخَذَ الزَّكَاةَ مِنَ المُمْتَنِعِ؟ إِنْ قُلنَا: لا تَبْرَأُ ذِمَّةُ المُمْتَنِع فَلاَ، وَإِنْ قُلْنَا: تَبْرَأُ فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: كما أن صاحب المال قد يفرق الزّكاة بنفسه، فغيره قد ينوب عنه

فيه، فإن فرق بنفسه فلا بد من النية كما بيناه، وإن ناب عنه غيره كذلك يفرض على وجوه: منها: نيابة الوَلِيّ عن الصبي والمجنون، ويجب عليه أن ينوي، لأن المؤدي عنه ليس أهلاً 1 للنية كما ليس أهلاً للقسم والتَّفريق فينوب عنه في النية كما ينوب عنه في القسم.
قال القاضي ابْنُ كج: "فلو دفع من غير نية لم يقع الموقع عليه الضمان".
ومنها: أن يتولى السلطان قسم زكاته، وذلك إما أن يكون بدفعه إلى السلطان طوعاً أو يأخذ السلطان منه كرهاً، فإن دفع طوعاً ونوى عند الدفع كفى، وإن لم يَنْوِ السلطان لأنه نائب المستحقين فالدفع إليه كالدفع إليهم، وإن لم يَنْوِ صاحب المال ونوى السلطان أو لم ينو هو أيضاً ففيه وجهان: أحدهما: وهو ظاهر كلامه في "المختصر" ولم يذكر كثيراً من العراقيين سواه: أنه يجزئ، ووجهوه بأنه لا يدفع إلى السُّلْطان إلاَّ الفرض، وهو لا يفرق على أهل السّهمان إلا الفرض، فأغنت هذه القرينة عن النية.
والثاني: لا يجزئ؛ الإمام نائب الفقراء، ولو دفع إليهم بغير نِيَّة لم يجز، فكذلك إذا دفع إلى نَائِبِهِمْ.
قال صاحب "المهذب" و"التهذيب" وجمهور المتأخرين: هذا أصح، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وحملوا كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- على الممتنع يجزئه المأخوذ وإن لم ينو، لن نقل عن نصه في "الأم" أنه قال: يجزئه وإن لم يَنْوِ طائعاً كان أو كارهاً، وأما إذا امتنع عن أداء الزكاة فللسلطان أخذها منه كرهاً، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا قوله -تعالى جده-: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا" 2. ولا يأخذ إلا قدر الزَّكاة على الجديد، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" 3. وقال في القديم: يأخذ مع الزكاة شَطْر ماله لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ

مِنَ الإبِلِ السَّائِمَةِ بِنْتُ لَبُونٍ مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِراً بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبَّنَا، لَيْسَ لآلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا شَيْءٍ" 1. إذا عرفت ذلك فإن نوى الممتنع حالة الأخذ برئت ذمته ظاهراً وباطناً، ولا حاجة إلى نية الإمام، وإن لم يَنْوِ فهل تبرأ ذمته؟ نظر إن نوى الإمام سقط عنه الفرض ظاهراً ولا يطالب به ثانياً، وهل يسقط باطناً؟ فية وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لم ينو، وهو متعبد بأن يتقرب بالزّكاة.
وأظهرهما: أنه يسقط إقامة لنية الإمام مقام نيته كما أن قسمه قام مقام قسمه، وكما أن نية الولي تقوم مقام نية الصبي، وإن لم يَنْوِ الإمام أيضاً لم يسقط الفَرْض في البَاطِن، وكذا في الظَّاهِرِ على أظهر الوَجْهَين، وهذا التَّرتِيبُ والتفصيل ذكره في "التهذيب"، وإذا اقتصر خرج منه الوجهان المَشْهُورَان، في أن المُمْتنع إذا أخذت منه الزَّكَاة، ولم يَنْوِ هل يسقط الفرض عنه باطناً؟ وبنى إمام الحرمين وصاحب الكتاب وجوب النية على الإمام على هذين الوجهين، إن قلنا: لا تبرأ ذمة الممتنع باطناً فلا يجب، وإن قلنا: تبرأ فوجهان: أحدهما: لا؛ كيلا يتهاون المالك فيما هو متعبّد به.
والثاني: نعم؛ لأن الإمام فيما يليه من أمر الزَّكَاةِ كوليّ الطفل، والممتنع مقهور كالطفل، وظاهر المذهب أنه يجب عليه أن ينوي ولو لم يَنْوِ عصى، وإن نيته تقام مقام نية المالك، وهذا لفظ القَفَّال في "شرح التلخيص".
ومنها: أن يوكل وكيلاً بتفريق الزكاة، وإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الدفع إلى المساكين، فهو أولى، وإن لم ينو واحد منهما، أو لم يَنْوِ الموكل لم يَجُز كما لو دفع إلى المساكين بنفسه ولم ينو، وإن نوى الموكل عند الدفع، ولم ينو الوكيل فيه طريقان: أحدهما: القطع بالجواز، كما لو دفع إلى الإمام ونوى.
وأظهرهما: أنَّه يبنى على أنه لو فرق بنفسه هل يجزئه تقديم النية على التفرقة فيه وجهان:

أحدهما: لا كما في الصلاة.
وأظهرهما: وبه قال أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله-: نعم، كما في الصوم للعسر 1؛ ولأن المقصود الأظهر من الزكاة إخراجها، وسد خَلاَّت المستحقين بها، ولذلك جازت النِّية فيه مع، القدرة على المُبَاشرة، وعلى هذا تكفي نية الموكل عند الدَّفع إلى الوكيل، وعلى الأول لا بد من نية الوَكيلِ عند الدَّفْعِ إلى المَسَاكين أيضاً، ولو وكَّل وكيلاً وفوَّض النِّية إلَيه أيضاً جاز، كذا ذكره في، "النّهاية" و"الوسيط".
فرع: لو تصدق بجميع ماله، ولم ينو الزكاة لم تسقط عنه الزَّكَاة، وعن أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله- أنها تسقط.
قال الغزالي: وَيُسْتَحِبُّ لِلسَّاعي أنْ يعَلِّمَ فِي السَّنَةِ شَهْراً لِأخْذِ الزَّكَوَاتِ، وأنْ يَرُدّ المَوَاشِي إلَى مَضِيقٍ قَرِيبٍ مِنَ المَرْعَى لِيَسْهُلِ عَلَيْهِ العَدُّ.
قال الرافعي: كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء بعده يبعثون السُّعَاة لأخذ الزَّكَاة 2. والمعنى فيه أن كثيراً من النَّاس لا يعرفون الوَاجب والواجب فيه ومن يصرف إليه، فبعثوا ليأخذوا من حيث تجب ويضعوا حيث يجب 3. والأموال نوعان: أحدهما: مَا لاَ يُعْتبر فيه الحول كالثمار والزروع، فتبعث السعاة لوقت وجوبها، وهو إدراك الثمار، واشتداد الحبوب، وذلك لا يختلف في الناحية الواحدة كثير اختلاف.
والثاني: ما يُعْتبر فيه الحول، وهو موضع كلام الكتاب فأحوال الناس تختلف، ولا يمكن بعث ساع إلى كل واحد عند تمام حوله، فيعين شهراً يأتيهم الساعي فيه، واستحب الشافعي -رضي الله عنه- أن يكون ذلك الشهر المحرم صيفاً كان أو شتاء، فإنه أول السنة الشرعية 4، وليخرج قبل المحرم ليوافيهم أول المحرم، ثم إذا جاءهم

فمن تم حوله أخذ زكاته، ومن لم يتمَّ حوله فيستحب له أن يعجل، فإن لم يفعل استخلف عليه من يأخذ زكاته، وإن شاء أخر إلى مجيئه من قابل، وإن وثق به فوض التَّفْريق إليه وأن يأخذ زكاة المواشي إنْ كانت تَرِدُ الماء أخذها على مياههم، ولا يكلفهم ردّها إلى البلد، ولا يلزمه أن يتبع المراعي، وبهذا فسر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنْبَ" (1) أي: لا يكلفون أن يجلبوها إلى البلد، وليس لهم أن يجنبوها السّاعي، فيشقوا عليه، فإن كان لِرَبِّ المال ماء أن أمره بجمعها عند أحدهما، وإن اجتزأت الماشية بالكَلَأَ في وقت الربيع ولم ترد الماء أخذ الزكاة في بيوت أهلها وافنيتهم، هذا لفظ الشّافعي -رضي الله عنه- وقضية تجويز تكليفهم الرد إلى الأفنية، وقد صرح به المُحَامليُّ وغيره (2)، وإذا أراد معرفة عددها فإن أخبره المالك وكان ثقة قبل قوله، إلاَّ أحصاها، والأوْلَى أن تجمع في حظيرة ونحوها وينصب على الباب خشبة معترضة وتساق لتخرج واحدة بعد واحدة، ويثبت كل شاة إذا بلغت المضيق، ويقف رب المال أو نائبه من جانب، والساعي أو نائبه من جانب، وبيد كل واحد منهما قضيب يُشِيْرَان به إلى كل شاة أو يصيبان ظهرها به، فذلك أبعد عن الغلط وإن اختلفا بعد الإحصاء وكان الوَاجب يختلف أعاد العدّ.
وقوله: "قريب من المَرْعَى" فيه إشارة إلى أنه لا يكلفهم الرَّدّ من المرعى إلى البلدة والقرية، بل يأمر بجمعها في مضيق قريب من المَرْعَى، فإن عمر الحضور فقد ذكرنا أنه يأمر بالرد إلى الأفنية

-[والله أعلم]-

. قال الغزالي: وَيُسْتَحَبْ أَنْ يَقُولَ لِلْمُؤَدِّي: آجَرَكَ اللهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُوراً وَبَارَكَ لَكَ فيمَا أَبْقَيْتَ، وَلاَ يَقُولَ: صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، وَإنْ قَالَهُ علَيْهِ السَّلاَمُ لاَلِ أبي أَوْفَى لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ فَلَهُ أَنْ يُنْعِمَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَمَا لاَ يُقَالُ: مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ وَإن كَانَ عَزِيزاً جَلِيلاً فَلاَ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: أَبُو بَكرٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَإن كَانَ يَدْخُلُ تَحْتَ آلِهِ تَبَعاً.12

قال الرافعي: قال الله تعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ 1 أي: ادع لهم، فيستحب لِلسَّاعي أَنْ يدعو لِرَبِّ المَالِ 2 تَرْغِيبًا له في الخير وتطييباً لقلبه، ولا يتعين شيء من الأدعية واستحب الشافعي -رضي الله عنه- أن يقول: أجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت، وهو لائق بالحال، وحكى الحَنَّاطي وجهاً: أنه يجب عليه الدعاء وله متمسك من لفظ الشافعي -رضي الله عنه- فإنه قال: فحق على الوالي أن يدعو له، وكما يستحب للساعي يستحب للمساكين أيضاً؛ إذا فرق رب المال عليهم، وقد روي عن عبد الله بن أَبِي أَوْفَى -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلانٍ"، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى" 3. قال الأئمة: هذا وإن ذكره النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لا يقوله غيره؛ لأن الصلاة قد صارت مخصوصة في لسان السَّلَف بالأَنْبِيَاء- عليهم الصَّلاَة والسَّلام- كما أن قولنا: عزَّ وجَلَّ صار مخصوصاً بالله تعالى جده، وكما لا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزاً جليلاً، لا يقال: أبو بكر وعليِّ صلوات الله عليهما، وإن صح المعنى، وهل يكره ذلك أم هو مجرد ترك أدب؟ أطلق القاضي حسين لفظ الكراهة، وكذا فعل المصنِّف في "الوسيط"، ووجهه إمام الحرمين بأن قال: المكروه يَتَمَيَّزُ عَنْ ترك الأولى بأن يفرض فيه نهي مقصود، فقد ثبت نهي مقصود عن التَّشبيه بأهل البدع وإظهار شعارهم، والصلاة على غير الأنبياء مما اشتهر بالفئة الملقّبة بالرفض، وظاهر كلام الصَّيْدَلاني أنه في حكم ترك الأدب والأولى، وبه يشعر قوله في الكتاب: فلا يحسن أن يقال: أبو بكر صلوات الله عليه، وصرح بنفي

الكراهة في "العدة" وقال أيضاً الصَّلاة بمعنى الدُّعاء تجوز على كل أحد، أما بمعنى التَّعْظيم والتَّكريم يختصُّ بها الأنبياء -عليهم السَّلام- والمشهور ما سبق، ويجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعاً لهم في الصلاة فيقال: اللهم صلي على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه؛ لأن ذلك لم يمتنع منه السَّلف وقد أمرنا به في التشهد وغيره.
قال الشيخ أبو محمد: والكلام في معنى الصَّلاة، وقد قرن الله تعالى بينهما فقال: (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) 1 فلا يفرد به غائب غير الأنبياء، ولا بأس به في معرض المُخَاطَبَةِ فيقال للأحياء والأموات من المؤمنين: السلام عليكم 2. إذا تقرر ذلك فالصَّلاة لما كانت حقّاً للنَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان له أن ينعم بها على غيره وغيره لا يتصرّف فيما هو حقّه، كما أَنَّ صاحب المنزل يجلس غيره على تكرمته وغيره لا يفعل ذلك.
وقوله: وإنْ كان يدخل تحت آله تبعاً إِنَّمَا يستمر على قولنا أن كل مسلم من آل النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن الظَّاهر المنقول عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أن آله بنو هاشم وبنو المطلب، فعلى هذا لا يدخل أبو بكر -رضي الله عنه- تحت الآل، وإنما يدخل تحت الأصحاب، وقد ذكرنا هذا الخلاف في موضعه.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي في التَّعْجِيلِ، وَالنَّظَرُ فِي أُمُورٍ ثَلاَثةٍ: الأوَّلُ: فِي وَقْتِهِ، وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ (ح م) قَبْلَ تَمَامِ الحَوْلِ، وَلاَ يَجُوزُ قَبْلَ كَمَالِ النِّصَابَ وَلاَ قَبْلَ السَّوْم، وفي تَعْجِيلِ صَدَقَةِ عَامَيْنِ وَجْهَانِ، وَلَوْ مَلَكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ شَاةً فَعَجَّلَ شَاتيْنِ ثُمَّ حَدَثَتْ سَخْلَةٌ فَفِي إِجْرَاءِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الأصَحُّ: إِجْزَاؤُهُ.

[القول في تعجيل الزكاة]

: قال الرافعي: التَّعْجيل جائز في الجملة 3، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، لما روي عن علي -رضي الله عنه- أن العباس -رضي الله عنه- سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تَعْجِيل

صَدَقَتِهِ قبل أَنْ تَحِلَّ فَرَخَّصَ لَهُ 1. إذا عرفت ذلك فالحاجة تمسُّ إلى معرفة أن التَّعجيل بأية مدة يجوز، وأنه إذا عَجّل في الوقت يجزئه على الإطلاق أوله شرائط، وأنه إذا لم يقع مجزئاً هل للمعجل أن يرجع فيما دفع؟ فلذلك قال: "والنَّظر في ثلاثة أمور": أحدها: في التَّعْجيل والأموال الزَّكوية ضربان: أحدهما: مال تجب فيه الزَّكَة بالحَوْل والنصاب فيجوز تعجيل زكاته قبل الحول خلافاً لمالك، حيث قال: لا يجوز.
قال المسعودي: إلاَّ أن يقرب وقت الوجوب فإن لم يبق من الحَوْلِ إلاَّ يوم أو يومان.
لنا ما سبق من الخبر وأيضاً فإن الزَّكَاة حقٌّ مالي أجل رفقاً فجاز تعجيله قبل محلّه كالدين المؤجل وككفار اليمين قبل الحنْث، فإن مالكاً سلم جواز التّعجيل في الكَفَّارة، ولا يجوز التَّعجيل قبل [تمام] 2 النِّصاب كما إذا ملك مائة درهم فعجل منها خمسة دراهم، أو ملك تسعاً وثلاثين شاة فعجل شاة ليكون المعجَّل عن زكاته إذا أتم النّصاب وحال الحول عليه، وذلك لأن الحَقَّ المالي إذا تعلَّق بشيئين ووجد أحدهما يجوز تقديمه على الآخر، لكن لا يجوز تقديمه عليهما جميعاً أَلاَ ترى أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث إذا كان قد حلف، ولا يجوز تقديمها على الحنث واليمين جميعاً؛ وهذا في الزكاة العينية، أما إذا اشترى عرضاً للتجارة يساوي مائة درهم فعجل زكاة مائتين، وحال الحول وهو يساوي مائتين جاز المعجل عن الزكاة على ظاهر المذهب، وإن لم يكن يوم التَّعجيل نصاباً؛ لأن الحول منعقد والاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول، ولو ملك أربعين من الغنم المَعْلُوفة وعجَّل شاة على عزم أن يسيمها حولاً لم يقع عن الزكاة إذا أسامها؛ لأن المَعْلُوفة ليست مال الزَّكَاة كالناقص عن النصاب، وإنما تعجل الزكاة بعد انعقاد الحَوْل، ولو عجل صدقة عامين فصاعداً فهل يجزئ المخرج عما عدا السنة الأولى؟ في وجهان: أحدهما: نعم لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَسَلَّفْتُ مِنَ العَبَّاسِ صَدَقَةٌ عَامَيْنِ" 3. وبهذا قال أبو إسحاق.

والثاني: لا؛ لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز كالتعجيل قبل تمام النصاب.
والوجه الأول أصح عند صاحب الكتاب ذكره في "الوسيط"، وكذا قاله الشيخ أبو حامد، وصاحب "الشامل"، والأكثرون على ترجيح الوجه الثاني ومنهم معظم العراقيين وصاحب "التهذيب"، وحملوا الحديث على أنه تسلفها بدفعتين، فإن جوزنا فذلك إن بقي عنده بعد التَّعْجيل نصاب كامل، كما إذا ملك ثنتين وأربعين شاة فعجل منها شاتين، فأما إذا لم يَبْقَ عنده بعد التَّعْجيل نصاب كامل، كما إذا ملك أربعين أو إحدى وأربعين فعجل شاتين فوجهان: أحدهما: الجَوَاز كما لو عَجَّل عن أربعين صَدَقَة عام فإنه يجوز.
وأصحهما: المنع؛ لأن التّعجيل عن النّصاب لا يجوز، وفي تعجيل شاتَيْن ما يوجب نقصان النصاب في جميع السنة الثانية، وذكر أبو الفضل بن عبدان تفريعاً على جواز تَعْجِيل صَدَقَة عامين، أنه هل يجوز أن ينوي تقديم زكاة السنة الثانية على الأولى؟ فيه وجهان كالوجهين في تقديم الصلاة الثانية على الأول في الجمع، ولو ملك نصاباً فعجل زكاة نصابين نظر: إن كان ذلك في زكاة التِّجارة كما لو اشترى عرضاً بنيّة التِّجارة بمائتي درهم وأخرج زكاة أربعمائة فحال الحول والعرض يساوي أربعمائة أجزاء ما أخرج؛ لأن الاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول، وإن كان في زكاة العين فإن أخرج على توقع حصول نصاب آخر بسبب مستقبل، كما لو ملك مائتي درهم، وأخرج زكاة أربعمائة على توقع اكتساب مائتين واكتسب مائتين لم يجزئه ما أخرجه عن المائتين الحادثتين، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة، بناء على أن المستفاد في أثناء الحول مضموم إلى ما عنده في الحول فكأنه موجود وقت الإخراج، وإن أخرج على رجاء حصول نصاب آخر، أو [كمال نصاب آخر من عَيْن ما عنده] 1 فصدق رجاؤه كما إذا ملك مائة وعشرين شاة فعجل شاتين ثم حدثت سَخْلَة، أو ملك خمساً من الإبل فعجل شاتين ثم بلغت بالتّوالد عشراً، فهل يجزئه ما أخرج عن النصاب الذي كمل الآن؟ فيها وجهان: أصحهما -عند حجة الإسلام، وصاحب "التتمة": الإجزاء؛ لأن النِّتَاج الحاصل في أثناء الحول بمثابة الموجود في أوله، وهذا قياس المحكى عن أبي حنيفة -رحمه الله- في الصورة السابقة.
والثاني -وهو الأصح، عند العراقيين وصاحب "التّهذيب": المنع؛ لأنه تقديم

زكاة العين على النصاب فأشبه ما لو أخرج زكاة أربعمائة درهم وهو لا يملك إلا مائتين، ورتب إمام الحَرَمَيْن هذين الوَجْهَيْن على الوجهين في جواز تقديم صدقة عامين، إن جَوَّزْنا ذلك فَالتَّقْدِيمِ للنِّصَاب الثَّاني أولى، وإن منعنا ذاك فهاهنا وجهان.
والفرق: أن النتاج الحاصل في وسط الحول لا يحتاج إلى حول جديد، وكان حول المال الذي واجبه شاة منعقد على ما واجبه شاتان ولا كذلك زكاة السنة الثانية، فإن حولها لا يدخل بحال، وطرد ابْن عَبْدَان الوَجْهَيْن المذكورين في هذه الصُّورة في الصورة الأولى أيضاً، وهي ما إذا اشترى عرضاً بمائتين وأخرج زكاة أربعمائة، فحال الحول وقيمته أربعمائة، ولو عجل شاة عن أربعين فولدت أربعين وهلكت الأمهات، هل يجزئه ما أخرج عن السِّخَال؟ نقل في "التهذيب" فيه وجهين 1. ولك أن تعلم قوله في الكتاب: "ويجوز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول" بالواو مع الميم المُشِيرة إلى مذهب مالك؛ لأن الموفق بن طاهر حكى عن أبي عبيد 2 بن حَرْبَوَيه من أصحابنا منع التعجيل كما يحكى عن مالك.
قال الغزالي: وَأمَّا زَكَاةُ الفِطْر فَتُعَجَّلُ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَزَكَاةُ الرُّطَب والعِنَبِ لاَ تُعَجَّلُ قَبْلَ الجِفَافِ، وَقِيلَ: تُعَجَّلُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحَ، وَقِيلَ: تُعَجَّلُ بَعْدَ بُدُوِّ الطَّلْعِ، وَأَمَّا

الزَّرْعُ فَوُجُوبُ زَكَاتِهِ بِالفَرْكِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَيَجُوزُ عِنْدَ الأِدْرَاكِ وَبَعْدَ الإِدْرَاكِ وَإِنْ لَمْ تُفْرَكْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَعْدَ ظُهُورِ الحَبِّ وَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ.
قال الرافعي: الضرب الثاني: ما لا يتعلق وجوب الزَّكَاة فيه بالحول كالثمار والزروع، ولنتكلم في زكاة الفِطْر أولاً.
أما: أنها تجب فسيأتي في موضعه، وأما تعجيلها فيجوز بعد دخول شهر رمضان؛ لأن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يبعث صَدَقَة الفطر إلى الَّذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين 1، واحتج له أيضاً بأن وجوبها بشيئين برمضان والفطر منه، وقد وجد أحدهما وهو حصول رمضان، هذا ما قاله جمهور الأصحاب، وذكر أبو سعيد المُتَوَلِّي: أن زمان جواز تعجيلها من أول اليوم الأول من رمضان لا من أول رمضان؛ لأن زكاة الفطر وجبت بالفطر عن رمضان، والصوم هو سبب الفطر فلا تعجل زكاة الفطر قبل سبب الفطر.
وقوله في الكتاب: "فتعجل في أول رمضان" يجوز أن يعلّم بالواو لما حكينا عن "التتمة"، ولأنه لابتداء الغاية في جواز تعجيلها على دخول رمضان وجهان كالوجهين في تعجيل صدقة عامين والأصح المنع كما هو قضية لفظه، ويجوز أن يعلّم بالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة أنه يجوز تقديمها على رمضان من غير ضبط وبالألف؛ لأن عند أحمد أنه لا تعجل من أول رمضان، إنما تعجل قبل الفطر بيوم أو يومين.
وأما الثمار والزروع: فاعلم: أن زكاة الثِّمَار تجب ببدُوِّ الصّلاح، وزكاة الزُّروع تجب باشتداد الحب على ما سيأتي، وليس المراد منه وجوب الأداء بل المراد أن حقَّ المساكين يثبت في هاتين الحالتين ثم الإخراج يلزم بعد الجفاف وتنقية الحبوب 2. إذا عرفت ذلك فالإخراج بعدما صار الرّطب تمراً والعنب زبيباً ليس بتعجيل بل هو لازم حينئذ، ولا خلاف أنه لا يجوز التقديم على بُدُوِّ الصَّلاح وخروج الثمرة كما لا يجوز التَّعجيل في الضرب الأول على كمال النصاب، ووراء ذلك للثمار حالتان: إحداهما: ما بعد الطّلع وخروج الثّمرة، وقبل بدو الصلاح وفيه وجهان: أظهرهما عند أكثر العراقيين وتابعهم في "التهذيب": أنه لا يجوز الإخراج، ووجهوه بشيئين: أحدهما: أنه لا يظهر ما يمكن معرفة مقداره تحقيقاً، ولا حرصاً وتخميناً فصار كما لو قدم الزَّكَاة على النِّصاب.

والثاني: أنَّ هذه الزَّكَاة تجب بسبب واحد وهو إدراك الثِّمَار فيمتنع التَّقْدِيم عليه.
والوجه الثَّاني: أنه يجوز كزكاة المواشي قبل الحول.
وحكى الحناطي هذا الوجه عن ابن سريج ويشهر بابن أبي هريرة والأول بأبي إسحاق، وذكر القاضي ابن كَجّ أن أبا إسحاق أجاب بالوجهين في دفعتين، ولمن قال بالثاني أن يقول: أما التوجيه الأول فالكلام فيما إذا عرف حصول قدر النّصاب، وإن لم يعرف جملة الحاصل فبعد ذلك إن خرج زائداً على ما ظنه فيزكّي الزيادة، وإن خرج ناقصاً فبعض المخرج تطوع فلم يمتنع الإخراج.
وأما الثاني فلا نسلم أن لهذه الزكاة سبباً واحداً بل لها سببان أيضاً: ظهور الثمرة وإدراكها والإدراك بمثابة حولان الحول.
الحالة الثانية: ما بعد بُدُوِّ الصلاح وقبل الجفاف، وقد حكى إمام الحرمين في هذه أيضاً وجهين: أحدهما: المنع، لعدم العدم بالقدرة.
وأصحهما -ولم يذكر الجمهور عنده-: الجواز كما يجوز إخراج الزكاة في الضرب الأول بعد النّصاب وقبل الحول بَلْ أَوْلَى إذ لا وجوب ثم بعد، وهاهنا يبدو الصلاح قد ثبت الوجوب وإنْ لم يلزم الإخراج.
وإذا تركت هذا التفصيل واختصرت فالحاصل ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب: أحدط: أَنَّ زكاة الثِّمَار لا تعجل قبل الجفاف.
والثاني: أنها تعجل بعد بُدُوَّ الصَّلاح.
والثالث: أنها تعجَّل بعد بدو الطَّلع، وبه قال أحمد وإيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الأول، وقد صرح به في "الوسيط" لكن الظَّاهر عند المعظم هو الثاني، بل نفى أبو الحسين بن القَطَّان أن يكون فيه خلاف، وكذا نقف صاحب "العدة" فهذا هو الكلام في زكاة الثمار ويقاس بها زكاة الزروع، فالإخراج بعد الفرك والتنقية لازم، وليس بتعجيل ولا يجوز الإخراج قبل نبات الزرع، ورأيت في بعض كتب أصحاب أحمد أن أبا حنيفة يجوزه بعد طرح البذر في الأرض ثم وراء ذلك حالتان: إحداهما: ما بعد التَّسَنْبُل وانعقاد الحبوب، وقبل اشتدادها ففيه وجهان على ما سبق، والمنع هاهنا أولى؛ لأن الحبوب غير موجودة الزرع بقل، والثمار موجودة وإن لم يبد فيها الصلاح.
والثانية: ما بعد الاشْتداد والإدراك وقبل الفَرْكِ والتَّنْقِية، فالصحيح جواز

الإخراج، وعن الشَّيخ أبي محمد أنه لا يجوز الإخراج ما لم ينق؛ لأن قدر المال إنما يعرف بِالتَّنْقِية.
وقوله في الكتاب: "لا يعجل" ينبغي أن يعلّم بالألف لما ذكرنا.
وقوله: "وأما الزرع فوجوب زكاته بالفَرْكِ" أي: وجوب الإخراج إلاَّ فَالحَقُّ يثبت عند الاشْتِدَادِ.
وقوله: "ويجوز عند الإدْرَاكِ" وكذا قوله: "يجوز بعد ظهور الحب" لا بأس بإعلامهما بالواو للوجه الصائر إلى أنه لا يجوز الإخراج قبل التنقية.
ثم عد الأئمة في هذا الباب ما يقدم على وقت الوجوب من الحقوق المالية وما لا يقدم.
فمنها: كفارة اليمين والظّهار والقَتْل وجزاء الصَّيد، وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
ومنها: لا يجوز للشَّيخ الهَرِم والحامل والمُرضع تقديم الفِدْية على رمضان.
ومنها: لا يجوز تقديم الأضحية على يوم النحر.
ومنها: كفارة الوِقَاع في رَمَضان حكى الحَنَّاطي في جواز تقديمها على الوِقَاع وجهين: والأصح: المنع.
ومنها: إذا قال: إذا شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أعتق رقبة فأعتق قبل الشِّفاء.
قال ابْنُ عَبْدَان لا يجزئ في أصح الوجهين 1، وممَّا ذكره وهو من شرط الباب زكاة المَعْدن والرِّكَاز قال: لا يجوز تقديمهما على الحصول 2. قال الغزالي: الثَّانِي، فِي الطَوَارِئ المَانِعَةِ مِنَ الإِجْزَاءِ، وَهُوَ فَوَاتُ شَرْطِ الوُجُوبِ، وَذَلِكَ فِي القَابِضِ بِأَنْ يَرْتَدَّ أَوْ يَمُوتَ أَوْ يَسْتَغْني بِمَال آخَرَ، فَإِنْ عَرَضَتْ بَعْضُ هَذِهِ الحَالاَتِ وَزَالَتْ قَبْلَ الحَوْلِ فَوَجْهَانِ، أَوْ فِي المَالِكِ بِأَنْ يَرتَدَّ أَوْ يَمُوتَ أَوْ يَتْلَفَ مَالُهُ فَيَتَبَيَّنَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّ المُعَجَّلَ لَمْ يَقَعْ عَنِ الزَّكَاةِ، أَمَّا المَالُ لَوْ تَلَفَ فِي يَدِ المِسْكِينِ أَوْ فِي يَدِ الإمَامِ، وَقَدْ قُبِضَ بِسُؤَالِ الْمِسْكِين فلاَ بَأسَ، وَإِنْ قُبِضَ بُسُؤَالِ المَالِكِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ المَالِكِ، وَإِنْ اجْتَمَعَ سُؤَالُ المَالِكَ وَالمِسْكِينَ فَأَيُّ الجَانِبَيْنِ يَرْجَعُ فِيْهِ وَجْهَانِ، وَحَاجَةُ أَطْفَالِ المَسَاكِينِ كَسُؤَالِهِمْ، وَحَاجَةُ البَالِغينَ هَلْ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ سُؤَالِهِم؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يشترط في كون المعجّل مجزئاً أَنْ يبقى القابض بصفة الاسْتِحْقَاق

إلى آخر الحَوْل، ولو ارتدَّ قبل الحول أو مات لم يحسب المعجل عن الزكاة 1، وإن استغنى نظر: إِنِ استغنى بالمدفوع إليه أو به وبمال آخر لم يضر، فإنَّ الزكاة إنما تصرف إليه ليستغنى، فلا يصير ما هو المقصود مانعاً من الإجزا، وإن استغنى بمال آخر لم يحسب المعجل عن الزكاة لخروجه عن أهليّة أخذ الزَّكاة عند الوجوب، وإن عرض شيء من الحَالاَت المانعة، ثم زال وكان بصفة الاسْتِحْقَاق عند تمام الحَوْل ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجزئ المعجَّل أما لو لم يكن عند الأخذ من أهله ثم صار عند تمام الحول من أهله.
وأصحهما: أنه يجزئ اكْتِفَاء بِالأهليَّة في طرفي الأَدَاء والوجوب.
هذا ما يشترط في القابض ويشترط في المالك بقاؤه بصفة وجوب الزَّكاة عليه إلى آخر الحول، فلو ارتدَّ وقلنا: الردة تمنع وجوب الزكاة أو مات أو تلف جميع ماله أو باعه أو نقص عن النِّصاب لم يكن المعجّل زكاة، وهل يحسب في صورة الموت عن زكاة الوارث؟ نقل عن نصه في "الأم" أنَّ المعجّل يقع عن الوارث، وقد سبق ذكر قولين في أن الوارث، هل يبنى على حول المورث أم لا؟ فقال الأصحاب: هو الذي ذكره في "الأم" يستمر جواباً على القول القديم وهو أنه يبنى؛ لأن الوارث على هذا القول يبنى على حكم ذلك النِّصاب والحول فيجزئه ما عجَّله المورث كما كان يجزئ المورث لو بقي.
وعلى هذا لو تعدَّد الورثة ثبت حُكْمُ الخلطة بينهم، إن كان المال ماشية أو غير ماشية، وقلنا بثبوت الخلطة في غير الماشية، وإن قلنا: لا تثبت ونقص نصيب كل واحد عن النِّصَاب أو اقتسموا المال ماشية كانت أو غيرها ونقص نصيب كل واحد عن النِّصَاب فينقطع الحول، ولا تجب الزكاة على المشهور، وعن صاحب "التقريب" وجه آخر: أنهم يجعلون كالشَّخْص الواحد، وكأنهم عين المتوفى فيستدام حكمه في حقهم.
فأما إذا فَرَّعْنَا علي الجديد الصحيح، وهو أن الوارث لا يبني على حَوْل المورث فلا يجزئ المعجْل عن الوارث؛ لأنه مالك جديد، وذلك المعجل مقدم على النصاب والحول في حقه، هذا هو الأظهر، ومنهم من قال: يجزئه المعجّل كما ذكر في "الأم"،

وهو جواب على أحد الوجهين في تعجيل صدقة عامين فتعجّل السّنة المُسْتَأْنفَة في حَقِّ الوَارِثِ كالسّنة الثانية في حف المعجل.
إذا عرف ذلك فنقول: الإمام إذا أخذ من المالك قبل أن يتم حوله مالاً للمساكين فلا يخلو إما أن يأخذه بحكم القَرْضِ أو ليحسبه عند زكاته عند تمام الحَوْلِ.
الحَالَةُ الأولى: أن يأخذ بحكم القرض فينظر إن استقرض بسؤال المَسَاكِين فضمانه عليهم سواء تلف في يده أو سلَّمه إليْهِم كما لو استقرض الرَّجَلُ مالاً لغيره بإذنه، وهل يكون للإمام طريقاً في الضَّمان حتى يؤخذ منه ويرجع على المساكين أم لا؟ إن علم المأخوذ منه أنه يستقرض لِلْمَسَاكين بإذنهم، فلا يكون طريقاً على أظهر الوَجْهَيْن بل يرجع عليهم.
والثاني: أَنْ يكون طريقاً كالوكيل بالشراء يكون مطالباً على ظاهر المذهب، وإن ظن المأخوذ منه أنه يستقرض أو للمساكين من غير سؤالهم، فله أن يرجع على الإمام، والإمام يقضيه من مال الصدقة أو يجعله محسوباً عن زكاة المقرض 1. ولو أقرضه المالك للمساكين ابتداء من غير سؤالهم 2 فتلف في يد الإمام فلا ضمان على أحد، إمَّا على المساكين فظاهر، وإمَّا على الإمام فلأنه وكيل المالك كما لو دفع الرجل مالاَ إلى غيره ليقرضه من ثالث فهلك عنده لا ضمان عليه.
ولو استقرض الإمام بسؤال المقرض والمَسَاكين جميعاً، فهلك عنده فهو من ضمان المالك أو المساكين فيه وجهان على ما سنذكر في الحالة الثَّانية، ولو اسْتَقْرَضَ لا بسؤال المالك ولا بسؤال المَسَاكين فينظر، إن استقرض ولا حاجة بهم إلى القرض فالقرض يَقَعُ للإمام، وعليه ضمانه من خالص ماله سواء تلف في يده أو دفعه إِلَى المساكين، ثم إن دفع إليهم متبرعاً فلا رجوع وإن أقرضهم فقد أقرضهم من مال نفسه وإن استقرض لهم وبهم حاجة إليه فإن هلك في يده فوجهان: أحدهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله- أنه من ضمان المساكين يقضيه الإمام من مال الصدقة كولي اليتيم إذا استقرض لحاجته فهلك في يده يكون الضمان في مال الصبي.
وأصحهما: أنَّ عليه الضَّمَان من خالص ماله؛ لأن المَسَاكِينَ غير مُعَيَّنين، وفيهم أو أكثرهم أهل رُشْد لا ولاية عليهم لأحد 3 أَلاَ تَرى أنه لا يجوز منع الصدقة عنهم من

جارٍ التحميل