العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 505-544

كِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍ

صفحات 505-544

الكتاب: "في اشتراك الراعي" بالواو؛ لأن كثيراً من الأَصْحَاب نفوا الخلاف في اشتراطه.
ومنها: الاشتراك في الفَحْل فيه وجهان كما في الراعي.
أحدهما: أنه لا يعتبر ولا يُقْدَح في الخَلْطَة اختصاص كل واحد منهما بِإِنْزَاء فَحْل على ماشيته، وهذا أصح عند المَسْعُودِي، لكن يشترط كون الإِنْزَاء على موضع واحد على ما سنذكره في الخلاف.
وأظهرهما: ولم يذكر الجمهور سواه 1 أنه يعتبر لما ذكرنا في خبر سعد، وعلى هذا فالمراد أن تكون الفُحُولَة مرسلة بين ماشيتهما، ولا يخصّ واحد منهما ماشيته بِفَحْل سواء كانت الفُحُولة مشتركة بينهما أو مملوكة لأحدهما أو مُسْتَعَار.
وحكى الشيخ أبو محمد وغيره وجهاً آخر، أنه يجب أن تكون مُشْتَرَكة بينهما، وضعفه 2. ولك أن تعلَّم لفظ "الفحل" بالواو لمثل ما ذكرنا في الراعي.
ومنها: حكى في الكتاب في الاشْتِراك في المِحْلَب خلافاً وشرحه أن المُزنِيَّ روى في "المختصر" في شرائط الخلْطَة أنه يعتبر أن يُحْلَبا معاً، وحكى مثله عن حَرْمَلَةَ ورواية الزَّعْفَرَانِيّ وليس له ذكر في "الأم" فاختلفوا منهم من أثبت قولين: أحدهما: اعتباره كما في السَّقْيَ والرعي.
والثاني: المنع فإنه ارْتِفَاقٌ وانتفاع فلا يعتبر الاجْتِمَاع فيه كما في الرُّكُوب، ومنهم من قطع بنفي الاعتبار حكى الطريقتين القاضي ابن كج، والظاهر الذي أورده الأكثرون وفَرَّعوا عليه إنَّما هو الاعتبار ثم هاهنا أشياء موضع يحلب فيه، وإناء يتقَاطَرُ فيه اللَّبن وهو المَحْلَب وشخص يحلب ففي ماذا يعتبر الاشتراك أما الموضع فلا بدلا من الاشتراك فيه كالمَرَاح والمَرْعى فلو حلب هذا ماشيته في أهله وذاك ماشيته في أهله، يثبت حكم الخلْطَة 3، وأما الحالب ففيه وجهان:

أحدهما: أنه يعتبر الاشْتِراك فيه أيضاً على معنى، أنه لا يَجُوز أن ينفرد أحدهما بحالب يمنع عن حلب ماشيته لآخر، وهذا ما ذكره الصَّيْدَلاَنِي.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: لا يعتبر ذلك كما في الجاز وفي الاشتراك في المحْلَب وجهان أيضاً: أظهرهما: لا يعتبر الاشتراك فيه كما لا يعتبر الاشتراك في آلات الجَزِّ فإن كل واحد منهما نوع انتفاع.
والثاني: يعتبر وبه قال أبو إسحاق هاهنا، ومعناه أنه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بمحْلَب أو محالب ممنوعة عن الثَّاني، وعلى هذا فهل يشترط خلط اللبن أو يجوز أن يحلب أحدهما في الإناء، ويفرغه ثم يحلب الآخر؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يشترط ذلك، فإن لبن أحدهما قد يكون أكثر، فإذا اختلطت امتنعت القِسْمَة.
والثَّاني: يشترط ثم يَتَسَامحون في القِسْمة كما يخلط المسافرون أزوادهم ثم يأكلون، وفيهم الزّهيد والرغيب.
ومنها: نِيَّة الخلطة، وفي اشتراطها وجهان: أحدهما: أنها تشترط، لأنها تغير أمر الزَّكَاة، إما بالتَّكْثِير أو بالتَّقْلِيل، ولا ينبغي أن يكثر من غير قصده ورضاه ولا أن يَقُلْ إذا لم يقصد محافظة على حق الفقراء.
وأظهرهما: أنها لا تشترط فإن الخَلْطَة إنما تؤثِّر من جهة خفَّة المؤنة باتِّحَاد المرافق، وذلك لا يختلف بالقصد وعدمه، وهذان الوجهان كوجهين يأتيان في قصد الاسَامَة والعَلَفِ، ويجريان غالباً فيما لو افترقت المَاشية في شيء مِمَّا يعتبر الاجتماع فيه بنفسها أو فرقها الرَّاعي ولم يشعر المالكان إلا بعد طول الزَّمان؟ هل تنقطع الخلطة أم لا؟ ولو فرقاها أو أحدهما قصداً في شَيْءٍ من ذلك انقطع حكم المخالطة وإن كان يسيراً والتفرق اليسير من غير قصد لا يؤثر، لكن لو اطَّلَعَا عليه فأقراها على تفرقهما ارتفعت الخلطة؟ ومهما ارتفعت الخلطة فعلى من كان نصيبه نصاباً زكاة الانفراد إذا تَمَّ الحَوْل من يوم المِلْك لا من يوم ارتفاعه.
وأما قوله: "ووجد الاختلاط في أول السنة"، وقوله: "واتفاق أوائل الأحوال" = هو بفتح الميم وهو موضع الحلب، وهذا لا يشترط الاتحاد فيه في ثبوت الخلطة بلا خلاف.
وأما المحلب بكسر الميم وهو الإناء الذي يحلب فيه، وفي اشتراط الاتحاد فيه وجهان: أصحهما عدم الاشتراط، وعبر في "تحرير التنبيه" وتصحيحه بقوله: الأصح عدم اشتراطه.
قال في الكفاية: وظاهر كلام النووي يفهم خلافاً فيه حيث عبر بالأصح.
قال في المهمات: وهذا الوجه الذي حاول ابن الرفعة إثباته ولم يقف على التصريح به قد صرح به الروياني في البحر.

فهما المسألتان اللتان يشتمل عليهما الفصل الثالث ونشرحهما إذا انتهينا إليه، والخلاف الذي أبهم ذكره في جميع الصُّوَرِ وَجْهَان، إلا في وجود الاخْتِلاَط في أول السَّنة فهو في هذه المسألة قولان ستعرفهما؟ ولك أن تعلم قوله: "وشرط الخلطة اتحاد المَرْعَى والمَسْرَح... " إلى آخره بالميم؛ لأن ابن الصَّبَّاغ حكى عن أصحاب مالك اختلافاً في الأمور التي شرطناها في الخلطة، فمنهم من شرط اجتماع المالين في أمرين منها، ومنهم من اعتبر الرَّعي والرَّاعي، ومنهم من اعتبر الرَّعي وأمراً آخر أيّما كان.
قال الغزالي: وَفِي تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ فِي الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ، فَعَلَى الثَّالِثِ يُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الشُّيُوعِ دُونَ الجِوَارِ، وَلاَ تُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الجِوَارِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، وَفِي الشُّيُوعِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: لا خلاف عندنا في تأثير الخَلْطَة في المَوَاشي، وهل تؤثر في غير المواشي من الثِّمار والزروع والنقدين وأموال التجارة؟ أما خلطة المشاركة ففيها قولان: القديم: وبه قال مالك وكذلك أحمد في أَصَحِّ الرِّوايتين أنها لا تثبت بخلاف المَوَاشي، فإنّ فيها أوقاصاً فالخلْطَة تنفع المالك تارة والمسكين أخرى، ولا وَقْصَ في المُعشرَات، فلو أثبتنا الخلطة فيها لتمحَّضت ضرراً في حقِّ المالكين، لأنها تضر فيما إذا كان ملك كل واحد منهما دون النصاب، ولا يثبت نفع بإزائه واحتج له أيضاً بظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّعْي" 1. فإنه يقتضي حصر الخَلِيطَيْن في المجتمعين في هذه الأمور، وذلك لا يفرض إلاَّ في المواشي.
والجديد: أنها تثبت؛ لأنهما كما يَرْتَفِقَان بالخلطة في المَوَاشي لخفّة المُؤْنة باتِّحاد المرافق كذلك يرتفقان في غيرهما باتحاد الجرِين والنَّاطُور والدّكان، والحَارِس والمتعهّد وكرَّاء البيت وغيرها.
واحتج له بإطلاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" 2. وأما خلطة المُجَاورة: فإن لم تثبت خلطة المُشَاركة، فهذه أوْلى وإن أثْبتنا تلك ففي هذه قولان ومنهم من يقول: وجهان، وذلك بأَنْ يكون لكلِّ واحد صف نخيل أو زرع في حائط واحد أو كيس دراهم في صندوق واحد أو أمتعة تجارة في خزانة واحدة.
أصحهما: عند العراقيين وصاحب "التهذيب" والأكثرين: أنها تثبت أيضاً كما في المَوَاشي، وهذا الحصول حصول ارتفاق باتحاد النَّاطُور والعَامِلِ والنَّهْرِ الذي منه تسقى وباتحاد الحارث ومكان الحفظ وغيرها.

والثاني: أنها لا تثبت؛ لأن كل نَخْلَة متميزة بمكانها الذَّي تشرب منه، فأشبه افْتِرَاق المَاشِيَة في المَشْرَب، ونسب القاضي ابْنُ كَجٍّ هذا إلى اختيار أبي إسحاق، والأول إلى اختيار ابن أبي هريرة، ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين الثِّمار والزُّروع وبين النَّقْدَين وأموال التِّجَارة على المَشْهُور وعن القَفَّال طريقة أخرى، وهي أن الخِلاَفَ في الثِّمَار والزُّروع في الخلطتين جميعاً وفي النَّقْدَين وأموال التجارة في خلطة المشاركة وحدها، وفي خلطة الجوار نقطع بأنها لا تثبت فيها، وهذه الطريقة هي التي أوردها الشّيخان الصَّيدلانيّ وأبو محمد، وذكرها صاحب الكتاب فقال: "ولا تؤثر خلطة الجوار في مال التجارة وفي الشيوع قولان" فأعلم قوله: "ولا تؤثر" بالواو، وقوله: "تؤثر خلطة الشيوع" بالميم والألف لما قدمناه، واعرف أنا حيث أثبتنا الخلاف وتركنا الترتيب حصلت ثلاثة أقوال كما ذكر في الكتاب: أحدها: تأثير الخلطتين.
والثاني: المنع.
والثالث: تأثير خلطة الشيوع دون الأخرى، وفرعوا على الصحيح وهو تأثير الخلطتين فروعاً.
منها: نخيل موقوفة على جماعة معينين في حائط واحد أثمرت خمسة أوسق لزمهم الزكاة، وساعدنا مالك في هذه الصورة ويمثله لو وقف أربعين شاة على جماعة معينين، هل تجب عليهم الزكاة؟ يبنى ذلك على أن المِلْك في الوَقْف، هل ينتقل إليهم؟ إن قلنا: لا، فلا زكاة عليهم، وإن قلنا: نعم، فوجهان: أصحهما: لا زكاة لنقصان مِلْكهم كما في ملك المُكَاتب (1). ومنها: لو استأجر أجيراً ليتعهد نخيله على ثمرة نخلة بعينها بعد خروج ثمارها وقبل بدوّ الصّلاح وشرط القَطْع لكن لم يتّفق القطع حتى بدا الصّلاح وكان مبلغ ما في الحائط نصاباً وجب على الأجير عشر ثمرة تلك النخلة وإن قلَّت.

قال الغزالي

###: الفَصْلُ الثَّانِي في التَّرَاجُعِ:

وَلِلسَّاعي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عُرْضِ المَالِ مَا يَتَّفِقُ ثُمَّ يُرْجِعُ المَأْخُوذَ مِنْهُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ خَلِيطِهِ، فَلَوْ خَلَطَ أَرْبَعِينَ مِنَ البَقَرِ بِثَلاَثِينَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّاعيِ أَخْذُ المُسِنَّةِ مِنَ الأَرْبَعِيْنَ وَالتَّبِيعِ مِنَ الثَّلاَثِينَ بَلْ يَأْخُذُ كَيْفَ اتَّفَقَ،1

فَإِنْ أَخَذَ كَذَلِكَ فَيَرْجعُ بَاذِل المُسِنَّةِ بِثَلاثَةِ أَسْبَاعِهَا عَلَى خَلِيطِهِ وَبَاذِلُ التَّبِيعِ بِأَرْبَعَةِ أَسْبَاعِهَا عَلَى خَلِيطِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السِّنَّينِ وَاجِبٌ فِي الجَمِيعِ عَلَى الشُّيُوعِ كَأنَّ المَالَ مِلْكٌ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: روينا عن النّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "وَمَا كَانَا مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ" 1. أخذ الزكاة من مال الخليطين يقتضي رجوع أحدهما على صاحبه دون رجوع الآخر عليه وقد يقتضي التراجع بينهما، وهو الذي تعرض له الخبر.
وقوله -عليه السّلام- بالسَّوية حمله الأئمة على الحصّة، فإذا ملك ما دون خمس وعشرين من الإبل بينهما نصفين وأخذ السَّاعي واجباً من أحدهما رجع بنصف قيمة المأخوذ على صاحبه ولو كانت بينهما أثلاثاً أو أرباعاً فالرجوع بالحساب ثم الرجوع والتَّراجع يكثران في خلطة الجواز، وإنما رَسَمَ الفصل في الكتاب للتراجع في هذه الخلطة وقد يتفقان قليلاً في خلطة المشاركة أيضاً على ما سنذكره آخراً، وحكى المُحَامِليُّ فيما يحمل عليه الخبر من الخلطتين قولين: الجديد: أن مطلق الخلطة ينصرف إلى خلطة المشاركة.
والقديم: أنه ينصرف إلى خلطة المُجَاورة، وعليها حمل المعظم الخبر إذا عرفت هذه المقدمة فنتكلم في مقصود الفصل أوّلاً ونقول: إذا اختلط المالان خلطة جوار بشرائطها ووجب الزَّكاة نظر، هل يمكن أخذ ما يخص مال كل واحد منها لو انفرد من ماله أم لا؛ فإن لم يمكن فللسّاعي أن يأخذ الفرض من إيهما شاء فإن لم يجد سن الفرض بصفة الأجزاء إلا في مال أحدهما أخذه منه.
مثاله: بينهما أربعون من الغنم بالسّوية لا يمكن التَّشْقيص فيأخذ شاة من أَيِّهِمَا اتّفق، ولو وجب بنت لَبُون في إبلهما ولم يجدها إِلاَّ في مال أحدهما أخذها منهم، ولو كانت ماشية أحدهما مراضاً أو معيبة أخذ الفرض من الآخر، وإن أمكن أخذ ما يخص مال كل واحد منهما لو انفرد منه فوجهان: أحدهما: فقد قال أبو إسحاق يأخذ كل واحد ما يخص ماله، ولا يجوز غير ذلك إغناء لهما عن التراجع.
وأصحهما وبه قال ابن أبي هريرة والمعظم وهو المذكور في الكتاب: أن له أن يأخذ من عرض المال ما يتفق ولا حجر عليه، بل وإن أخذ كما ذكر صاحب الوجه الأول يبقى التراجع بينهما، وذلك لأنَّ المالين عند الخلطة يَنْزِلان منزلة المَالِ الواحد،

أَلاَ ترى أنَّ الواجب يقلّ تارة ويكثر أخرى، كما لو كان الكلُّ لواحد [وإذا] 1 كان كذلك فكلُّ المأخوذ شائع في جميع المال وليس شيئاً منه بعينه عن شيء من المال بعينه والباقي عن الباقي.
مثال هذه الحالة التي فيها الوجهان: أن تجب شاتان في الغَنَمِ المخلوطة، وأمكن أخذ إحداهما من هذا والثانية من ذاك، وكذلك لو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لإحداهما وثلاثون للآخر وأمكن أخذ المسنة من الأربعين والتَّبيع من الثلاثين، وكذلك لو كان بينهما مائة وثمانون من الإبل مائة لأحدهما وثمانون للآخر وأمكن أخذه حِقَّتين من المائة وبنتي لَبُون من الثَّمانين، ولا يخفى نظائره إذا تقرر ذلك فلنبين كيفية الرّجوع والتراجع عند أخذ الزَّكاة على الوجه المُحوج إلى أحدهما على حسب الخلاف الذي حكيناه.
فنقول: إذا أخذ شاة من أحد الخَلِيطين عن أربعين من الغنم عشرون منها لهذا وعشرون للآخر رجع المَأْخُوذ منه بنصف قيمة الشَّاة المَأْخوذة على الآخر ولا يرجع بنصف شاة؛ لأن الشَّاة ليست بمثليه ولو كانت ثَلاَثون لأحدهما وعشرة للآخر، فإن أخذ الشَّاة من صاحب الثلاثين رجع بربعها على الآخر ولا يرجع بنصف شاة، وإن أخذها من الآخر ورجع بثلاثة أرباعها على صاحب الثلاثين، ولو كان بينهما مائة وخمسمون شاة لأحدهما مائة وللآخر خمسون فأخذ السّاعي الشاتين الواجبتين فيها من صاحب المائة رجع على الآخر بقيمة ثلث كل شاة ولا نقول بقيمة ثُلُثي كل شاة؛ لأن قيمة الشَّاتين تختلف وإن أخذها من صاحب الخَمْسِين رجع على الآخر بقيمة ثلثي شاة ولو أخذ من كل واحد شاة ورجع صاحب المائة على صاحب الخمسين بقيمة ثلث شاته وصاحب الخمسين على صاحب المائة بقيمة ثُلُثِي شاته ولو كان نصف الشَّاة لهذا ونصفها للآخر فكل واحد منهما يرجع على الآخر بقيمة نصف شاته، فإن تساوت القيمتان خرج على أقوال التّقاص عند تساوي الدِّينين قدراً وجنساً، ولو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لأحدهما وثلاثون للآخر فالتَّبِيع والسُنَّة واجبان عليهما على صاحب الأَرْبَعِين أربعة أسباعهما، وعلى صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعهما، فلو أخذهما الساعي من صاحب الأربعين رجع بقيمة ثلاثة أسباعهما على الآخر، ولو أخذهما من الآخر رجع بقيمة أربعة أسباعهما على صاحب الأربعين، ولو أخذ التَّبيع من صاحب الأربعين والمسنة من صاحب الثَّلاثين رجع صاحب الأَرْبَعِين بقيمة ثلاثة أسباع التَّبِيع على الآخر ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة أسباع المسنة، ولو أخذ المسنة من صاحب الأربعين والتبيع من الآخر رجع صاحب الأربعين بقيمة ثلاثة أسباع المسنة على الآخر، ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة أسباع

التبيع (1)، وهذه الحالة الرابعة المذكورة في الكتاب، ولك أن تُعلَّم قوله: "من عرض المال ما يتفق" بالواو، وكذا قوله: "لم يجب على الساعي أخذ المسنة" وقوله: "بل يأخذ كيف اتفق"، وقوله: "فيرجع باذل المسنّة" للوجه المنسوب إلى أبي إسحاق فإن كان ذلك مشروط على ذلك الوجه بأن لا يمكن أخذ ما يخص كل واحد منهما لو انفرد منه على ما سبق.
وقوله: "بثلاثة أسباعهما"، أي: بقيمتها.
وكذا قوله: "بأربعة أسباعه".
ولو ظلم الساعي فأخذ من أحد الخَلِيطَين، والواجب شاة شاتين أو أخذ شاة حبلى رُبّى أو مَاخِضَة رجع المأخوذ منه على الآخر بنصف قيمة الواجب لا قيمة المأخوذ فإن السَّاعي ظلمه بالزيادة والمظلوم يرجع على الظالم دون غيره، فإن كان المَأْخوذ باقياً في يد السَّاعي استردوه، وإلا استرد الفضل والفرض ساقط، ولو أخذ القيمة في الزكاة أو أخذ من السّخَال كبيرة، فهل يرجع على خليطه؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق في أخذ القيمة: أنه لا يرجع.
وأصحهما: وبه قال ابن أبي هريرة: يرجع؛ لأنهما من مسائل الاجتهاد، فالقيمة مأخوذة عن أبي حنيفة ومالك، والواجب في السّخَال كبيرة عند مالك، ومنهم من خصّ الوجهين بمسألة القيمة، وقطع في أخذ الكبيرة فالرجوع هذا تمام ما نذكره من خلطة الجوَار.
أما خلطة الشيوع: فإن كان الواجب من جنس المال وأخذه السّاعي منه فلا يراجع فإن المأخوذ مشاع بينهما، وإنْ كَانَ الوَاجِب من غير جنس المال كالشَّاة فيما دون خمس وعشرين من الإبل، فإذا أخذ السَّاعي شاة من أحد الخليطين عن خمس من الإبل بينهما رجع المأخوذ منه على الآخر بنصف قيمتها، ولو كان بينهما عشر فأخذ من كل واحد منهما شاة ثبت التراجع فإن تساوت القيمتان خرج على أقوال التقاص، ومتى ثبت الرجوع وتنازعا في قيمة المأخوذ فالقول قول المأخوذ منه؛ لأن غارم.

قال الغزالي

###: الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي اجْتِمَاعِ الخُلْطَةِ وَالأنْفِرَادِ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ،

فَإِذَا مَلَكَ رَجُلاَنِ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ غُرَّةَ المُحَرَّمِ وَخَلْطاَ غُرَةَ صَفَرٍ، فَفِي الجَدِيد يَجِبُ عَلَى1

كُلِّ وَاحِدٍ فِي آخِرِ الحَوْلِ الأَوَّلِ شَاةٌ، وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الأَحْوَالِ نِصْفُ شَاةٍ تَغْلِيبًا لِلأنْفِرَادِ، وَعَلَى القَدِيمِ يَجِبُ أَبدًا نِصْفُ شَاةٍ، فَإِنْ مَلَكَ الثَّانِي غُرَّةَ صَفَرِ وَخَلَطَ غُرَّةَ رَبِيعٍ فَالقَوْلاَنِ جَارِيَانِ، وَخَرَجَ ابْنُ سُرُيجٍ أَنَّ الخُلْطَةَ لاَ تَثْبُتُ أَبدًا لِتَقَاطُعِ أَوَاخِرِ الأَحْوَالِ.
قال الرافعي: اجتماع الخلطة والانفراد في حول واحد، أما أن يكون بطروء الخلطة على الانفراد أو بطروء الانفراد على الخلطة، وهذا الفصل الثالث مرسوم للقسم الأول فنبينه، ونقول: لا خلاف في أنه لو لم تكن لهما حالة انفراد بأن ورثا ماشية أو ابتاعها دفعة واحدة شائعة أو غير شائعة لكن مخلوطة وإذا ما الخلطة أنهما يزكيان زكاة الخلطة وكذا لو كان ملك كل واحد منهما دون النصاب وبلغ بالخلطة نصاباً زكاه زكاة الخلطة؛ لأن الحَوْل لم ينعقد على ما ملكاه عند الانفراد، فأما إذا انعقد الحول على الانفراد ثم طرأت الخلطة فلا يخلو، إما يتفق ذلك في حق الخليطين جميعاً أو في حق أحدهما.
الحالة الأولى: أن ينعقد الحول على الانفراد في حقهما جميعاً ثم تطرأ الخلطة فأما أن يتفق حولاهما أو يختلف، فإن اتفق كما لو ملك كل واحد أربعين شاة غرة المحرم ثم خلطا غرة صفر ففيه قولان 1: الجديد وبه قال أحمد: أن حكم الخلطة لا يثبت في السنة الأولى؛ لأن الأصل الانفراد والخلط عارض فيغلب حكم الحول المنعقد على الانفراد، فعلى هذا إذا جاء المحرم وجب على كل واحد منهما شاء.
والقديم وبه قال مالك: أنه يثبت حكم الخلطة نظراً إلى آخر الحَوْلِ والعبرة في قدر الزَّكَاة بآخر الحَوْل أَلاَ تَرى أنه لو مَلَكَ مائة وإحدى وعشرين شاة فتلف منها شاة أو شاتان في آخر الحَوْل؛ لا يجب عليه إلاَّ شاة فعلى هذا إذا جاء المحرم فعلى كل واحد منهما نصف شَاة، وعلى القولين جميعاً في الحَوْل الثّاني وما بعده يزكيان زكاة الخليطة لوجودها في جميع السنة 2.

فإذا قلنا بالجديد فوجود الخلطة في جميع السنة شرط في ثبوت حكم الخلطة، فلذلك أدرج حجة الإسلام -قدس الله روحه- هذه المسألة في جملة الشرائط التي حكي الخلاف فيها على ما سبق، وإن اختلف حولاهما كما لو ملك هذا غرة المحرم وهذا غرة صفر وخلطا غرة شهر ربيع الأول، فينبغي على القولين عند اتفاق الحول، فعلى الجديد: إذا جاء المحرم فعلى الأول شاة، وإذا جاء صفر فعلى الثاني شاة، وعلى القديم: إذا جاء المحرم فعلى الأول نصف شاة، وإذا جاء صفر فعلى الثاني نصف شاة ثم في سائر الأحوال يتفق القولان على ثبوت حكم الخلطة فيكون على الأول عند غرة كل محرم نصف شاة، وعلى الثاني عند غرة كل صفر نصف شاة، وذهب بعض الأصحاب إلى أن حكم الخلطة لا يثبت في سائر الأحوال أيضاً، ويزكيان أبداً زكاة الانْفِراد واتَّفق حملة المذهب على ضعف هذا الوجه.
وقالوا: بأن الخلطة في سائر الأحوال حاصلة في جميع الحول فيثبت حكمها كما لو اتفق الحول ولا شك في بعد هذا الوجه لو سلم صاحبه ثبوت القول القديم في الحول الأول وامتنع من طرده في سائر الأحوال، لكنه لو طرد القولين في سائر الأحوال وكان ما ذكرَ من عدم ثبوت الخلطة تفريعاً على الجديد لم يكن بعيداً، ويجوز أن يوجه بأن حول الثاني غير تام عند تمام الحول الأول، وحكم الانفراد مستمر عليه فيلزم انعقاد الحول الثاني للأول على حكم الانفراد، وإذا انعقد الحول على الانفراد يستمر حكمه كما في الحول الأول ثم إذا تم حول الثاني فلصاحبه حكم الانفراد فينعقد حوله الثاني على الانفراد أيضاً، وهكذا أبداً وسواء قوي هذا أو ضعف، فمن صار إليه جعل اتفاق أوائل الأحوال من شرائط ثبوت الخلطة، ولذلك أدرج حجة الإسلام هذه المسألة في الشرائط المختلف فيها، ونسب المعظم هذا الوجه إلى تخريج ابن سريج، وعلى ذلك جرى في الكتاب فقال: وخرج ابن سريج أن الخلطة لا تثبت أبداً، ولم يصحح ذلك على ابن سريج المحاملي، وذكر أن أبا إسحاق حكى في الشرع عن ابن سريج مثل هذا المذهب، وأضاف الوجه المذكور إلى غيره من الأصحاب فإن كان المراد أنه غير ثابت عنه فيجوز أن يعلم قوله: "وخرج ابن سريج" بالواو، ويجوز أن يقال: "خرجه ولم يذهب إليه" جمعاً بين الروايتين، ويجوز إعلام قوله: "لا تثبت أبداً" بالميم والألف؛ لأن عندهما تثبت الخلطة في سائر الأحوال، وإنما يختلفان في الحول الأول اختلاف القديم والجديد ولا يخفى موضع رقمهما في الصورة الأولى.
= وفيه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى، واختار صاح "البيان" في كتابه "مشكلات المذهب" أنه ثلاثة أيام.
والمراد التقريب، وقد اتفقوا على أنه لا جريان للقديم إذا لم يبق من الحول إلا يومان أو يمان، ونحو ذلك.
ينظر الروضة (2/ 34).

والحالة الثانية: أن ينعقد الحول على الانفراد في حتى أحدهما دون الآخر كما لو ملك أحدهما أربعين غرة المحرم، وملك الثَّاني أربعين غرة صفر كما لو ملك خلطاً أو خلط أول أربعينه غرة صفر بأربعين لغيره ثم باع الثاني أربعينه من ثالث، فإن الأول يثبت له حكم الانفراد شهراً، والثاني لم يثبت له حكم الانفراد أصلاً، فيبنى الحكم هاهنا على الحكم في الحالة الأولى، فإذا جاء المحرم فعلى الأول شاة في الجديد ونصف شاة في القديم.
وأما الثّاني فإذا جاء صفر فعليه نصف شاة في القدم، وفي الجديد وجهان: أحدهما: شاة؛ لأن الأول لم يرتفق بخلطته فلا يرتفق هو بخلطة الأول أيضاً.
وأظهرهما: نصف شاة؛ لأنه كان خليطاً في جميع الحَوْل وأمَّا في سائر الأحوال فيثبت حكم الخلطة على الظاهر، وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج لا يثبت وفرَّعوا على هذه الاختلافات صوراً: منها: لو ملك الرجل أربعين غرة المحرم، ثم أربعين غرة صفر، فإذا جاء المحرم فعلى الجديد يلزمه للأربعين الأولى شاة، وإذا جاء صفر يلزمه للأربعين الثانية نصف شاة أو شاة فيه وجهان: أصحهما: أولهما.
وعلى القديم إذا جاء المحرم لزمه للأربعين الأولى نصف شاة؛ لأنه كان خليطاً لمكله في آخر الحول، فإذا جاء صفر لزمه للأربعين الثّانية نصف شاة في سائر الأحول يتفق القولان، وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج يجب في الأربعين الأولى شاة عند تمام حولها، وفي الثانية شاة عند تمام حولها، وهكذا أبداً ما لم ينقص النصاب وكما يمتنع حكم الخلطة في ملك الشَّخصين عند اختلاف التَّأريخ كذلك يمتنع في ملكي الواحد.
ومنها: لو ملك الرجل أربعين غرة المحرم ثم أربعين غرة صفر ثم أربعين غرة شهر ربيع الأول فعلى القديم: يجب في كل أربعين عند إتمام حولها ثلث شاة.
وعلى الجديد: يجب في الأولى عند تمام حولها شاة، وفيما يجب في الثانية عند تمام حولها وجهان: أحدهما: شاة لأن الأربعين الأولى لم يلحقها تخفيف بالثَّانية فلا يلحق الثَّانية تخفيف بها.
وأصحهما: نصف شاة؛ لأنها كانت خليطة أربعين في جميع حولها وفي الأربعين الثَّالثة عند تمام حولها وجهان أيضاً: أصحهما: ثلث شاة لكونها خليطة ثمانين.
والثاني: شاة وفي سائر الأحوال يتفق القولان وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج يجب في كل أربعين عند رأس حولها شاة أبداً.
ومنها: لو ملك رجل أربعين غرة

المحرم وملك آخر عشرين غرة صفر وكما ملك خلطا فإذا جاء المحرم وجب على الأول شاة في الجديد وثلثا شاة في القديم تغليباً للخلطة، وإذا جاء صفر وجب على الثَّاني ثلث شاة على القولين جميعاً؛ لأنه كان مخالطاً في جميع حوله، وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سُريج يجب على صاحب الأَرْبَعِين شاة أبداً ولا شيء على صاحب العشرين ولا تثبت الخلطة لاختلاف التَّاريخ.
واعلم: أن الاختلاط مع من لا زكاة عليه الانفراد حتى لو كان بين مسلم وذمي ثمانون شاة ملكاها أول المحرم ثم أْسلم الذِّمي غرة صفر كان المسلم بمثابة ما إذا انفرد بماله شهراً ثم طرأت الخلطة، وجميع ما ذكرنا في الحالتين مفروض فيما إذا طرأت خلطة الجوار، أما إذا طرأت خلطة الشُّيوع كما إذا ملك أربعين شاة وأقامت في يدة ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعاً، فهل ينقطع حول البائع في الباقي؟ جعله ابن خَيْرَان على قولين مبنيين على القولين فيما إذا انعقد حولهما على الانفراد ثم خلطا.
إن قلنا: يزكيان زكاة الخلطة لم ينقطع الحول هاهنا.
وإن قلنا: يزكيان زكاة الانفراد، ولا يبني حول الخلطة على حول الانفراد إذا انقطع الحول لنقصان النصاب والذي قطع به الجمهور رواه المزنيّ والرَّبيع عن نصه أن الحَوْل لا ينقطع لاستمرار النصاب إما بصفة الانفراد أو بصفة الاشتراك فعلى هذا إذا مضت ستّة أشهر من يوم الشّراء فعلى البائع نصف شاة لإتمام حوله، وأما المشتري فينظر إن أخرج البائع واجبه وهو نصف شاة من المال المشترك فلا شيء عليه لنقصان المجموع عن النصاب قبل تمام حوله، وإن أخرج من غيره فيبنى على أن الوكاة تتعلق بالعَيْن أو بالذمة.
إن قلنا: تتعلق بالذّمة فعليه أيضاً نصف شاة عند تمام حوله.
وإن قلنا: تتعلق بالعَيْن ففي انقطاع حول المشتري قولان: أصحهما عند العراقيين: الانقطاع ومأخذ القولين أن إخراج الواجب من موضع آخر يمغ زوال الملك عن قدر الزكاة أو يفيد عوده بعد الزوال، ولو ملك ثمانين شاة فباع نصفها مشاعاً في أثناء الحَوْل لم ينقطع حول البائع عن النصف الباقي قطعاً، وفيما يجب عليه عند تمام حوله وجهان: أحدهما: شاة؛ لأنه كان منفرداً بنصاب في بعض الحول فغلب حكم الانفراد.
وأصحهما عند صاحب "التهذيب": نصف شاة؛ لأن الحول انعقد على ثمانين والنصف الذي بقي له آخراً كان مختلطاً بأربعين في جميع الحَوْل، ولو ملك أربعين وباع نصفها معينًا نظر إن ميَّزها قبل البيع أو بعده وأقبضها فقد زالت الخلطة إن أكثر زمان التفريق، فإذا خلطا يستأنف الحول، وإن كان زمان التفريق يسيراً ففي انقطاع الحول وجهان: أوفقهما لكلام الأكثرين: الانقطاع ولو لم يميز لكن أقبض البائع المشتري جميع الأربعين لِتَصير العشرون مقبوضة فالحكم كما لو باع النصف مشاعاً، فلا ينقطع

حول الباقي على الصحيح، وفيه وجه: أنه ينقطع الانفراد بالبَيْع، والطارئ في صورة بيع النصف على التَّعيين خلطة الجوار، وإن أوردناه في هذا الموضع ولو أنا رجلين لهذا أربعون ولهذا أربعون فباع أحدهما جميعها بجميع ما لصاحبه في خلال الحول انقطع حولاهما واستأنفا من يوم المبايعة، ولو باع أحدهما النصف الشائع من أغنامه بالنصف الشائع من أغنام صاحبه والأربعينان متميزان فحكم الحول فيما بقي لكل واحد منها من أربعينه كالحكم فيما إذا كان للرجل أربعون فباع نصفها شائعاً، والصحيح أنه لا ينقطع فإذا تم حول ما بقي لكل واحد منهما فهذا مال ثبت له الانفراد أولاً، والخلطة في آخر الحَوْل ففيه القولان السَّابقان: القديم: أنه يجب على كل واحد ربع شاة؛ لأنه خليط ثمانين حال الوجوب وحصة العشرين ربع.
والجديد: أنه يجب على كل واحد منهما نصف شاة؛ لأنه كان منفرداً بأربعينه وحصة العشرين منهما النصف وإذا مضى حَوْلٌ من وقت التَّبَايع فعلى كل واحد منهما للقدر الذي ابتاعه ربع شاة على القديم.
وفي الجديد وجهان: أصحهما: ربع شاة أيضاً؛ لأنه كان مختلطاً من حين ملك إلى آخر الحول.
والثاني: نصف شاة؛ لأنه لما لم يرتفق البَاقي لكل واحد منهما بالحَادث لم يرتفق الحادث بالباقي أيضاً.
القسم الثاني: أن يطرأ الانفراد على الخلطة فيزكي من بلغ ماله نصاباً زكاة الانفراد من وقت الملك كما سبق، ولو كان بينهما أربعون مختلطة فخالطهما رجل بعشرين في أثناء حولهما ثم ميّز أحد الأوليين ماله قبل تمام الحول فلا شيء عليه عند تمامه ويجب على الآخر نصف شاة، وكذا على الثَّالث عند تمام حوله نصف شاة.
والوجه المنسوب إلى ابن سريج ينازع فيه.
ولو كان بينهما ثمانون مشتركة فاقتسما بعد ستّة أشهر.
فإن قلنا: القسمة إفراز حق فعلى كل واحد عند تمام الحول شاة، كما لو ميزا في خلطة الجوار.
وإن قلنا: بيع، فيجب على كل واحد عند تمام باقي الحول نصف شاة ثم إذا مضى حول من وقت القسمة فعلى كل واحد منهما نصف شاة لما تجدد ملكه عليه، وهكذا في كل ستة أشهر كما لو كان بينهما أربعون شاة فاشترى أحدهما نصف الآخر بعد مضي ستة أشهر يجب عليه عند مضي كل ستة أشهر نصف شاة والله أعلم.

قال الغزالي

###: الفَصْلُ الرَّابعُ: فِي اجْتِمَاعِ المُخْتَلِطِ وَالمُنْفَرِدِ في مِلْكٍ وَاحِدٍ،

فَلَوْ خَلَطَ عِشْرِينَ بِعِشْرِينَ لِغيْرِهِ وَهُوَ يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى فَقَوْلان: أَحَدَهُمَا: أَنَّ الخُلْطَةَ خلُطَةُ مِلْكٍ فكَأَنَّهُ خَلَطَ السِّتِّينَ بِالعِشْرِينَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ خُلْطَةُ عَيْنٍ فلاَ يَتَعَدَّى حُكْمُهَا إِلَى

غَيرِ المَخْلُوطِ، فَإِنْ قُلْنَا بخُلطَةِ العَينِ فَعَلَى صَاحِبِ العِشْرِينَ نِصْفُ شَاةٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِخُلْطَةِ المِلْكِ فَعَلَيْهِ رُبْعُ شَاةٍ وَكَأنَّهُ خَلَطَ السِّتِّينَ، وَأَمَّا صَاحِبُ السِّتِّينَ فَقَدْ قِيلَ: يَلْزَمُهُ شَاةٌ تَغْلِيبًا لِلانْفِرَادِ، وَقِيلَ: ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ شَاةٍ تَغْلِيباً لِلْخُلْطَةِ، وَقِيلَ: خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ وَنِصْفُ سُدُسِ جَمْعاً بَيْنَ الاعْتِبَارَيْنِ فَيُقَدَّرُ فِي الأَرْبَعِينَ كَأَنهُ مُنْفَرِدٌ بِجَمِيعِ السِّتِّينَ فَيَخُصَّ الأَرْبَعِينَ ثُلُثَا شَاةٍ، وَيُقَدِّرُ فِي العِشْرِينَ كَأنَّهُ مخَالِطٌ بِالجَمِيعِ فَيَخُصُّ العِشْرِينَ رُبُعُ شَاةٍ وَالمَجْمُوعُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ خَلَطَ عِشْرِينَ لِغَيْرِهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ يَنْفَرِدُ بِهِ فَالأَوْجهُ الثَّلاثَةُ جَارِيَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ.
قال الرافعي: هذا الفَصْل والَّذي بعده ذوا غور لالتفاف ما فيهما من الاختلاف فتشمّر للفهم.
واعلم: أنه إذا اجتمع في ملك الواحد ماشية مختلطة وماشية منفردة من جنسها كما لو خلط عشرين شاة بعشرين لغيره خلطة جوار أو خلطة شركه وله أربعون منفرد بها، فكيف يؤديان الزكاة؟ فيه قولان: أصلهما: أن الخلطة خلطة ملك أو خلطة عين وفيه قولان: أصحهما: وعليه فرع في "المختصر"، وهو اختيار ابن سريج وأبي إسحاق والأكثرين: أن الخلطة خلطة ملك أي كل ما في ملكه يثبت فيه حكم الخلطة، ووجهه أن الخلطة تجعل مال الاثنين كمال الواحد ومال الواحد يضم بعضه إلى بعض، وإن كان في مواضع متفرقة فعلى هذا في الصورة المذكورة يجعل كأن صاحب الستين خلط جميع ستينه بعشرين لصاحبه، فيلزمهما شاة ثلاثة أرباعها على صاحب الستين وربعها على صاحب العشرين.
والثاني: أن الخلطة خلطة عين أي: يقتصر حكمها على قدر المخلوط، ووجه أن علّة ثبوت الخلطة خفة المُؤْنة في المرافق لاجتماع الماشية في المكان الواحد، وهذا المعنى لا يوجد إلا في القدر المختلط واستفيد هذا القول من نصه في رواية الربيع: إن الرجل إذا كان له ثمانون من الغنم ببلدين أربعون بكل واحد منهما، فباع نصف أحدهما شائعاً من رجل، فإذا تم حول البائع فعليه شاة، وإذا تم حول المشتري فعليه نصف شاة.
قال أبو بكر الفارسي: لولا أنه لم يحكم بالخلّطة إلا في القدر المُخْتَلط لكان على صاحب السِّتِّين ثلاثة أرباع شاة وعلى صاحب العشرين ربعها عند تمام حولها، وهكذا يكون الجواب إذا فرعنا على أن الخلطة خلطة ملك وإذا قلنا بالقول الثاني ففي الصورة المذكورة أولاً يجب على صاحب العشرين نصف شاة بلا خلاف؛ لأن جميع ماله خليط عشرين وفي أربعين شاة فخصّه العشرين نصفها.
وما الذي يجب على صاحب الستين؟ فيه خمسة أوجه: ذكر الثلاثة الأولى منها في الكتاب:

أصحهما: وهو اختيار الأَوَدِنيِّ والقَفَّال: أنه يلزمه شاة؛ لأنه اجتمع في ماله الاخْتِلاطَ والانْفِرَاد فيغلب حكم الانْفراد، كما لو انفرد بالمال في بعض الحول ثم خلط، وإذا غلبنا حكم الانفراد صار كأنه منفرد بجميع السّتين وفيها شاة وهذا الوجه هو الذي نص عليه في المسألة التي حكيناها عن رواية الرَّبيع.
والثاني: ذكره ابن أبي هريرة وأبو علي الطَّبري فيما حكاه صاحب "الشَّامل": أنه يلزمه ثلاثة أرباع شاة؛ لأن جميع ماله ستون وبعضهم مختلط حقيقة، فلا بد من إثبات حكم الخلطة فيه وإذا أثبتنا حكم الخلطة فيه وجب إثباته في الباقي؛ لأن ملك الواحد لا يتبعض حكمه فيجعل كأنه خلط جميع السِّتين بالعشرين، وواجبنا شاة حصّة السّتين منها ثلاثة أرباع، وهذا معنى قوله في الكتاب: "تغليباً للخلطة"، وهذا الوجه يشبه القول القديم في تغليب الخلطة إذا انفرد في بعض الحول ثم خلط، هو والأول متفقان على أنه لا يمكن أن يحكم لمالي صاحب الستين بحكمين مختلفين الخلطة والانفراد، ثم صاحب الوجه الأول يقول: تغليب الانفراد أولى، وصاحب الثاني يقول: الخلطة أولى، وأما أصحاب الوجوه الآتية فيجوزون الحكم في مالي المالك الواحد بحكمين مختلفين ويحتجون عليه بما لو ملك زرعين سقى أحدهما بالنَّضح، وسقى الثاني بماء السماء، فإنه يجب في هذا العشر وفي ذاك نصف العشر، ويضم البعض إلى البعض في استكمال النّصاب.
والوجه الثالث: وهو اختيار أبي زيد والخضري: أن عليه خمس أسْدَاس شاة ونصف سدس جميعاً بين اعتبار الخلطة والانفراد، وذلك لأن جميع ماله ستون بعضة مختلط وبعضه منفرد، ولا بد من ضم أحدهما إلى الآخر، وإن حكمنا لهما بحكمين مختلفين فنوجب في الأربعين المنفردة حصتها من الواجب لو انفرد بالكل، وذلك شاة حصة الأربعين منها ثلثا شاة، ونوجب في العشرين المختلطة حصتها من الواجب لو خلط الكل وهي ربع شاة؛ لأن الكلَّ ثمانون وواجب ثمانين شاة فحصة عشرين منها ربع شاة والثُّلثان والربع خمسة أسداس ونصف سدس.
والوجه الرابع: ويحكى عن ابن سريج واختيار صاحب "التقريب": أن عليه شاة وسدس شاة من ذلك نصف شاة في العشرين المختلطة، كما أَنَّها واجب خليطة في عشرينة المختلطة، فلا يتعدى حكم الخلطة عن الأربعين وثلثا شاة في الأربعين المنفردة، فإنه حصة الأربعين لو انفرد بجميع ماله.
والوجه الخامس: أن عليه شاة ونصف شَاةٍ في الأربعين المنفردة ونصف شاة في العشرين المختلطة كما لو كان المالان لمالكين، وهذا أضعف الوجوه؛ لأن فيه أفراد ملك الواحد بعضه عن بعض مع اتحاد الجنس وإيجاب شاة ونصف شاة في الستين ولو

خلط عشرين بعشرين لغيره ولكل واحد منهما أربعون منفرد بها فقد اجتمع في ملك كل واحد منهما المختلط والمنفرد ففيما يجب عليهما القولان؟ إن قلنا: الخلطة خلطة ملك فعليهما شاة على كل واحد نصفها؛ لأن جميع المال مائة وعشرون وفيها شاة، وإن قلنا: الخلطة خلطة عين ففيما على كل واحد منهما الأوجه الخمسة لكن قد يختلف المقدار في بعض الوجوه: أصحها: أنَّ على كل واحد منهما شاة تغليباً للانفراد.
وثانيها: أنَّ على كل واحد منهما ثلاثة أرباع شاة؛ لأن كل واحد منهما يملك ستِّين منها ما هو خليط عشرين فيغلب حكم الخلطة في الكلِّ فيكون لكل ثمانون حصّة ستين منها ثلاثة أرباع هكذا ذكر في "التهذيب"، ولفظ الكتاب يوافقه حيث قال: فالأوجه الثلاثة جارية في حث كل واحد، لكن الشيخ أبا علي وإمام الحرمين قالا: إذا غلبنا حكم الخلطة يجب على كل واحد منهما في هذه الصورة نصف شاة بخلاف الصورة الأولى، يجب فيها على صاحب الستين ثلاثة أرباع؛ لأن ثم إذا قدرنا الاختلاط في جميع المالين يكون المبلغ ثمانين والستون ثلاثة أرباعها، وهاهنا إذا غلبنا الخلطة وأثبتناها في الكلّ يكون المبلغ مائة وعشرين فواجبها شاة حصة كل واحد نصفها، ولمن قال بالأول أن يقول: إنما ثبت حكم المختلط في المنفرد برابطة اتِّحاد المالك، وذلك يقتضي أَنْ يدخل في الحساب على كل واحد منهما ما ينفرد به كل واحد منهما واحد، ثم على ما ذكره الشيخ يكون الواجب عليهما جميعاً شاة واحدة، وجملة المال مائة وعشرون والواجب عليهما في الصورة الأولى شاة وربع مع أن جملة المال ثمانون فكيف يزداد المال وينقص الواجب مع وجود الخلطة في الحالتين.
وئالثها: أن على كل واحد منهما خمسة أسداس شاة ونصف سدس جمعاً بين اعتبار الخلطة والانفراد فيقدر كل واحد منهما منفرداً بالستين، ولو كان كذلك لكان فيها شاة فحصّة الأربعين فيها ثلثا شاة، ثم يقدر أنه خلط جميع الستين بالعشرين وذلك ثمانون، وفيها شاة فحصة العشرين منها ربع شاة، فالمجموع خمسة أسداس ونصف السدس، هكذا ذكر الشيخ أبو علي والإمام وهو الموافق للفظ الكتاب.
وأورد في "التهذيب" أن على كل واحد منهما على هذا الوجه خمسة أسداس شاة بلا زيادة توجب في العشرين بحساب ما لو كان جميع المالين مختلطاً؟ وذلك مائة وعشرون وواجبها شاة، فحصّة العشرين سدس شاة ويجب في الأربعين ثلثا شاة كما سبق فالمبلغ خمسة أسداس.
واعلم: أن هذا التّوجيه مثل ما ذكره الشيخ والإمام في الوجه الثاني، وما ذكرناه في هذا الوجه مثل ما ذكره في "التهذيب" في الوجه الثاني، ولم يستمر واحد من الكلامين على طريقة متّحدة والله أعلم.

ورابعها: أن على كل واحد منهما شاة وسدس شاة، نصف شاة في العشرين المختلطة قصراً لحكم الخلطة على الأربعين، وثلثا شاة في الأربعين المنفردة على ما سبق.
وخامسها: أنَّ على كل واحد منهما شاة ونصف شاة للأربعين المنفردة ونصف شاة للعشرين المختلطة، هذا شرح المسألتين المذكورتين في الكتاب، ثم نعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "فلو خلط عشرين بعشرين لغيره وهو يملك أربعين ببلدة أخرى"، فقد يخطر ببالك في هذا الموضوع بحثان: أحدهما: أنه لم قال: ببلدة أخرى، وما الحكم لو كان بتلك البلدة؛ فاعلم أن أبا نصر صاحب "الشامل" -رحمه الله- صرح بنفي الفرق بين أن يكون الأربعون المنفردة في بلد المال المختلطة أو في بلد أخرى ولا شبهة في أنّ الأمر على ما ذكر، وكأن تعرض الأصحاب لكون الأربعين في بلدة أخرى اتِّباع للفظة الشَّافعي -رضي الله عنه- فإنه هكذا صور المسألة في "المختصر".
لكن من يورد القولين لا يحسن منه ذكره في صورة المسألة حسنه في "المختصر"؛ لأنه أجاب فيه على أن الخلطة خلطة ملك، والفرض فيما إذا كان ماله المنفرد في بلدة أخرى يفيد غرض المبالغة؛ لأنه إذا اتَّحد الحكم وبعض المال في بلدة أخرى، فلأنه يتّحد والكل في بلدة واحدة كان أَوْلَى.
والثَّانِي: أن التَّصوير فيما إذا اتفق حول صاحب الستين وصاحب العشرين أم فيما إذا اختلف حولاهما أم لا فرق؟ والجواب: أنه لا فرق في إثبات القولين ثم إن اختلف الحَوْلان زاد النَّظر في التَّفاصيل المذكورة في الفَصْلِ قبل هذا.
وذكر القاضي ابن كج: أن الخلاف فيما إذا اختلف حولاهما فأمَّا إذا اتَّفقا فلا خلاف في أن عليهما شاة ربعها على صاحب العشرين والباقي على صاحب الستين؟ وهذا يرخص في إعلام قوله في الكتاب: "فقولان" بالواو والمشهور الأول.
وقوله: "فإن قلنا بخلطة العين... " إلى آخره في نظم الكتاب خلط في تفريع أحد القولين بالآخر ولم ينص على ما يجب على صاحب الستين على قولنا: الخلطة خلطة ملك.
وقوله عقيب التفريع على هذا القول: "وأما صاحب الستين" يرجع إلى أول الكلام وهو التفريع على خلطة العين فاعرف ذلك، وكان الأحسن به أن يقول: فإن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب العشرين ربع شاة، وإن قلنا بخلطة العين فعليه نصف شاة، وأمَّا صاحب الستين... إلى آخره حتى لا يدخل الكلام من قول في قول، ويجوز أن يعلَّم قوله: "يلزمه شاة" بالواو، وكذا الحكم المذكور في الوجهين بعده إشعاراً بأن في المسألة وراء هذه الوجوه خلافاً آخر.
وقوله: الصورة الثانية فالأوجه الثلاثة جارية أي على دول خلطة العين، وأما على

قول خلطة الملك فالحكم ما قدمناه، ولك أن تعلم قوله: "جارية" بالواو لما حكينا من الاضْطراب في الوجه الثَّاني والثَّالث والله أعلم.

قال الغزالي

###: الفَصْلُ الخَامِسُ فِي تَعَدُّدِ الخَلِيطِ،

فَإذَا مَلَكَ أَرْبَعِينَ وَخَلَطَ عِشْرينَ بِعِشْرِينَ لِرَجُلٍ وَعِشْرِينَ بِعِشْرِينَ لِآخَرٍ فِإِن قُلْنَا بِخُلْطَةِ المِلْكِ فَعَلَى صَاحِبِ الأَرْبَعِينَ نِصْفُ شَاةٍ فِإنَّ الكُلَّ ثَمَانُونَ وَصَاحِبُ العِشْرِينَ يَضُمُّ مَالَهُ إِلَى خَلِيطِهِ، وَهَلْ يَضُمَّ إِلَى خَلِيطِ خَلِيطِهِ؟ فَوَجْهَانِ، فَإنْ ضَمَّ فَوَاجِبُهُ رُبعُ شَاةٍ وإِلاَّ فَوَاجِبُهُ ثُلُثُ شَاةٍ لِأَنَّ المَجْمُوعَ سِتُّونَ، وَإِنْ قُلْنَا بِخُلْطَةِ العَيْنِ فَعَلَى صاحِبِ العِشْرِينَ نِصْفُ شَاةٍ، وَفِي صاحِب الأَرْبَعِينَ الوُجُوهُ الثَّلاثةُ وَهُوَ شَاةٌ لِتَغْلِيبِ الانْفِرَادِ، أَوْ نِصْفُهَا لِتَغْلِيبِ الاْخْتِلاَطِ، أَو ثُلُثَا شَاةٍ لِلْجَمِيعِ بَينَ الاعْتِبَارَيْنِ.
قال الرافعي: كلام هذا الفصل مبني على قولي: خلطة المِلْك والعَيْن أيضاً، وخاصيته أن الواحد إذا خالط ببعض ماله واحداً وببعضه آخر ولم يخالط أحد خليطة الآخر، وما ترجم الفصل به لا يفصح عن هذه الخاصيّة، لكنها هي المقصودة.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كان للرجل أربعون من الغنم فخلط عشرين منها بعشرين لرجل لا يملك سواها، والعشرين الباقية بعشرين لآخر لا يملك سواها، فإن قلنا: الخلطة خلطة الملك فعلى صاحب الأَرْبَعِين نصف شاة؛ لأنه خليط لهما ومبلغ الأموال ثمانون وواجبها شاة فحصة الأربعين نصفها، وأمَّا كل واحد من صاحبي العشرين فماله مَضمُوم إلى جميع مال صاحب الأربعين، وهل يضم إلى مال الآخر؟ أيضاً فيه وجهان: أحدهما: نعم، لينضم الكلّ في حقهما كما انضم في حق صاحب الأربعين.
والثاني: لا؛ لأن كل واحد منهما لم يخالط بماله الآخر أصلاً بخلاف صاحب الأربعين، فإنه خالط كل واحد منهما ببعض ماله فلذلك ضم الكل في حقه، وهذا أصح عند الشيخ أبي علي، والأول اختيار صاحب "التقريب"، وبه أجاب أصحابنا العراقيين.
وإن قلنا بالوجه الثاني، فعلى كل واحد منهما ثلث شاة؛ لأن مبلغ ماله ومال خليطه ستون، وواجبها شاة حصّة العشرين منها ثلث، وإن قلنا بالأول فعلى كل واحد منهما ربع شاة؛ لأن المجموع ثمانون حصّة العشرين منها ربع وإن قلنا: الخلطة خلطة عين فعلى كل واحد من صاحبي العشرين نصف شاة؛ لأن مبلغ ماله وما خالط ماله أربعون، وله نصفها وأما صاحب الأربعين فيجيء فيه الوجوه المذكورة في الفصل الأول في حق صاحب الستين.

أحدهما: أن عليه شاة تغليباً للانفراد، هذا لفظ صاحب الكتاب والأئمة ولم يريدوا به حقيقة الانفراد، فإنه غير منفرد بشيء من ماله، لكن قالوا: ما لم يخالط به زيداً فهو منفرد عنه، ولا فرق بالإضافة إليه بين أن يكون مخلوطاً بمال غيره، وبين أنْ لا يكون مخلوطا أصلاً، وإذا كان كذلك فيعطى له حكم الانفراد، ويغلب حتى يصير كالمنفرد بالباقي أيضاً، وكذا بالإضَافَة إلى الخليط الثَّاني وكأنه لم يخالط أحدًا، وعلى الوجه الثَّاني يلزمه نصف شاة تغليباً للخلطة فإنه لا بد من إثبات حكمها فيما وجدت، ولا بد من ضمّ ملكية أحدهما إلى الآخر للاجتماع في الملك فكل المال ثمانون وكأنه خلط أربعين بأربعين.
قال في "النهاية": وهذا الوجه أصح هاهنا، وعلى الوجه الثالث: يلزم ثلثا شاة جمعاً بين اعتبار الخلطة والانفراد، وذلك بأن نقول: لو كان جميع ملكه مضموماً إلى ملك زيد لكان المبلغ ستين، وواجبها شاة حصة العشرين منها الثلث، وهكذا نفرض في حق الثاني فيجتمع عليه ثلثان، وعلى الوجه الرابع وهو أن ثمَّة يجب شاة وسدس فهاهنا يجب شاة مثل ما ذكرنا في الوجه الأول؛ لأنا نوجب في العشرين المختلطة بمال زيد نصف شاة، وكذا في العشرين المختلطة بمال عمرو فيجتمع عليه شاة، وهكذا يكون قياس الوجه الخامس هاهنا فالحاصل في المسألة ثلاثة أوجه على ما ذكر في الكتاب لا غير.
ونختم الباب بذكر صور أخرى مما يتفرَّع على القولين: إحداها: ملك ستين من الغنم وخالط بكل عشرين منها عشرين لرجل، فإن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب الستين نصف شاة، وفي أصحاب العشرينات وجهان إنْ ضَمَمْنا مال بعضهم إلى بعض كما نضمّ مال صاحب الستين إلى مال كل واحد منهم فعلى كلِّ واحد منهم سدس شاة وإلاَّ فعليه ربع شاة، وإن قلنا بخلطة العَيْن فعلى كل واحد من أصحاب العشرينات نصف شاة، وفي صاحب الستين الوجوه على الأول يلزمه شاة.
وعلى الثاني نصف شاة، وعلى الثالث: ثلاثة أرباع شاة؛ لأن كل ماله لو كان مع زيد كان المبلغ ثمانين حصة العشرين المختلطة منها ربع، وهكذا يقدر بالإضافة إلى عمرو وبكر فيجتمع ثلاثة أرباع.
وعلى الرابع: شاة ونصف في كل عشرين نصف شاة كما يجب ذلك على كل خليط.
الثانية: ملك خمساً وعشرين من الإبل فخالط بكل خمس منها خمساً لرجل، إن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب الخمس والعشرين نصف حِقَّة؛ لأن الكُلّ خمسون وفيما على كل واحد من خلطائه وجهان: أحدهما: عشر حقَّة.

والثاني: سدس بنات مخاض كأنه خلط خمساً بخمس وعشرين لا غير.
وإن قلنا بخلطه العَيْن فعلى كل واحد من خلطائه شاة، وفي صاحب الخمس والعشرين الوجوه المتقدم على الأول عليه بنت مَخَاض وعلى الثاني نصف حقَّة، وعلى الثَّالث خمسة أسداس بنت مخَاض؛ لأن جميع ماله لو كان مختلطاً بالخمس التي هي لزيد، مثلاً: كان المبلغ ثلاثين وفيها بنت مَخَاض حصّة الخمس سدسها، وهكذا نقدِّر في حق سائر الخُلَطَاء فيجتمع ما ذكرنا، وعلى الرَّابع خمس شياة في كل خمس شاه كما في حق خلطائه.
الثّالثة: له عشر من الإبل خلط خمساً منها بخمس عشرة لرجل، وخمسة بخمس عشرة لآخر، إن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب العشر ربع بنت لَبُون؛ لأن الكلَّ أربعون، وفيما على صاحبيه وجهان إن ضممنا مال أحدهما مع صاحب العشر إلى الآخر فعلى كل واحد ثلاثة أثمان بنت لَبُون؛ لأن خمسة عشر ثلاثة أثمان أربعين وإنْ لم نضمه إلاَّ إلى مال صاحب العشرة فعلى كل واحد ثلاثة أخماس بنت مَخَاض؛ لأن الكل خمس وعشرون، وإن قلنا بخلطة العين فعلى كل واحد من الخليطين ثلاث شياه؛ لأنه خالط خمس عشرة بخمس، وحكم الخلطة لا يتعدّى المخلوط على هذا القول، وفيما يلزم صاحب العشر الوجوه على الأول يلزمه شاتان كأنه منفرد بالعشر، وعلى الثاني ربع بنت لَبُون كأنه خلط عشراً بثلاثين، وعلى الثالث خمسَا بنت مخاض، إذ لو خلط كل العشر بمال زيد لكان فيها بنت مَخَاض، وحصّة الخمس خمس بنت مخاض.
وهكذا نقدر في حقِّ الآخر فيجتمع ما ذكرنا، وعلى الرابع يلزمه شاتان كما ذكرنا في الوجه الأول كما لو كانت الخمستان لشخصين فتعود الأوجه إلى ثلاثة في هذه الصورة، وهذه الصورة من "مولدات" ابن الحَدَّاد، وجوابه فيها أن على صاحب العشر ربع بنت لَبُون، وعلى كل واحد من خليطيه ثلاث شياه وغلطه أبو زيد والخضري وغيرهما، فقالوا: إيجاب ربع بنت اللبون على صاحب العشر جواب على قول: خلطة الملك وإيجاب الشياه عليهما جواب على قول: خلطة العين، ولا يصح أن يفرع الجواب في حق البعض على قول، وفي حق البعض على قول آخر، وصوبه القفال وقال: كلاهما صحيح تفريعاً على قول خلطة العين، أما إيجاب الشَّاة عليها فظاهر، وأمَّا إيْجَاب ربع بنت اللَّبون فهو جرى منه على الوجه الثَّاني من الوُجُوه المذكورة على هذا القول؟ وعليه بني مسائل في "المولدات" ولعل تغليط الشيخين أبي زيد والخضري مبني على أنهما يذهبان إلى الوجه الثَّالث كما شق، وتابع الشَّيخ أبو علي القَفَّال في "التصويب".

الرابعة: [إن] 1 أردت أن تفرع صورة على هذه الاختلافات من عند نفسك فقدر أن لكل عشرين من الإبل خلطت كل خمس منها بخمس وأربعين لرجل، واعرف أنا إن قلنا بخلطة الملك فعليك الأَغْبَط من نصف بنت لبون أو خمس حقة على الصَّحيح، وذلك لأنا قد قدمنا أنَّ الإبل إذا بلغت مائتين، فالصَّحيح أَنَّ واجبها الأَغْبَط من خمس بنات لبون أو أربع حقاق، وجملة أموال خلطائك مع مالك مائتين، فإن كان الأغبط خمس بنات لبون فحصّة عشرين منها نصف بنت لبون، وإن كان الأغبط أربع حقاق فحصَّة العشرين منها خمسا حقة، وفيما يجب على خلطائك وجهان إن ضممنا مع ضم مالك إلى مال كل واحد منهم مع ضم مال بعضهم إلى بعض، فعلى كل واحد منهم تسعة أثمان بنت لبون، وهي بنت لبون وثمن أو تسعة أعشار حقة، وإن لم يضم إلى مال كل واحد منهم إلا مالك فعلى كل واحد منهم تسعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من جذعة، لأن جملة المال خمس وستون وواجبها جذعة، فحصّة خمس وأربعين منهما ما ذكرنا، وإن قلنا بخلطة العَيْن فعلى كل واحد من خلطائك تسعة أعشار حقة؛ لأن المبلغ خمسون، وفيما يلزمك الوجوه على الأول يلزمك أربع شياه كأنك منفرد بالعشرين، وعلى الثّاني يلزمك الأغبط من نصف بنت لبون أو خمس حقة كأنك خلطت العشرين بمائة وثمانين، وعلى الثالث يلزمك أربعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من جذعة إذ لو خلطت جميع مالك إلى مال زيد من خلطائك لبلغ المجموع خمسماً وستين، وفيها جذعة حصة خمس منها جزء من ثلاثة عشر جزءاً من جذعة، وهكذا تقدر في حق الثلاثة الباقيين، فيجتمع ما ذكرنا، وعلى الرابع يلزمك أربع شياه كما في الوجه الأول كما لو كانت خمس لرجل، وهذه المسائل كلها مفروضة فيما إذا اتفقت أوائل الأحوال، فإن احنتلفت انضم إلى هذه الاختلافات ما سبق من الخلاف عند اختلاف الحول.
مثاله في الصورة الأخيرة: لو اختلف حَوْل خلطائك وحولك فتزكى، وهم في السّنة الأولى زكاة الانْفراد، وهي الشياه كل عند تمام حوله، وفي سائر السّنين كل يؤدي زكاة الخلطة، هذا هو الصحيح وفي القديم الواجب في السّنة الأولى أيضاً زكاة الخلطة، وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج لا تثبت الخلطة أصلاً.
فرع: لو خلط خمس عشرة من الغنم بخمس عشرة لغيره ولأحدهما خمسون ينفرد بها فإن قلنا: الخلطة خلطة عَيْن، فلا شيء على صاحب الخمس عشرة، لأن المبلغ ناقص عن النصاب وعلى الآخر زكاة خمس وستين وهي شاة وهو كمن خالط ذميّاً أو مُكَاتباً حكمه حكم المنفرد، وإن قلنا: الخلطة خلطة مِلْك ففيه وجهان:

أحدهما: أنه لا حكم لهذه الخلطة أيضاً؛ لأن المختلط يجب أن يكون نصاباً ليثبت حكم الخلطة فيه ثم يستتبع غيره.
والثاني: وهو الأصحُّ يثبت حكم الخلطة، ويجعل كأنَّ الخمسين مضمومة إلى الثَّلاثين المختلطة والمجموع ثمانون وواجبها شاة، فيجب على صاحب الخمس والسنتين (1) ستة أَثْمَان شاة ونصف ثمن، وعلى الآخر ثمن ونصف (2) ولا يخفى نظائره على الموفّق.

باب لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول

قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّالِثُ فِي الحَوْلِ فَلاَ زَكاةَ فِي النَّعَمِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الحَوْلُ إلاَّ السِّخَالَ الحَاصِلَةَ فِي وَسَطِ الحَوْلِ مِنْ نَفْسِ النِّصَابِ الَّذِي انْعَقَدَ الحَوْلُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا بِحَوْلِ الأُمَّهَاتِ مَهْمَا أُسِيمَتْ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ، فَلَوْ مَاتَ الأُمَّهَاتُ وَهِيَ نِصَابٌ لَمْ تَنْقَطِعِ التَّبَعِيَّةُ (ح و)، وَلَوْ مَلَكَ مَائَةً وَعِشْرِينَ فَنَتَجَتْ فِي آخِرِ الحَوْلِ سَخْلَةٌ وَجَبَ شَاتَانِ لِحُدوثهَا فِي وَسَطِ الحَوْلِ.
قال الرافعي: ذكر في أول "كتاب الزكاة" للمال الواجب فيه سِتَّة شروط: أحدهما: كونه نعماً.
والثَّاني: كونه نصاباً، وقد تمَّ الكلام فيهما.
والثَّالث: الحَول فيشترط في وجوب الزكاة في النّعم الحول عملاً بإطلاق ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 3. ويستثنى عنه النِّتَاج فيضم إلى الأمَّهات في الحول لما روينا من قبل عن عمر 4 -رضي الله عنه- أنه قال لساعيه: "اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بالسَّخْلَةِ".
وعن علي 5 -رضي الله عنه- أنه قال: "اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالْكِبَارِ وَالصِّغَارِ".
وإنما يضم بثلاثة شروط:12

أحدها: أن يحدث قبل تمام الحول سواء أكثر الباقي من الحول أو قلّ، فأما إذا حدث بعد تمام الحول فينظر إن حدث بعد إمكان الأداء فلا تضم إلى الأمهات في الحول الأول لاستقرار واجبه ولكن يضم إليها في الحول الثاني، وإن كان قبل إمكان الأداء فطريقان: أحدهما: وبه قال القاضي أبو حامد: أنه يبنى على القولين وسنذكرهما في أن الإمكان شرط الوجوب أو شرط الضمان، إن قلنا: شرط الوجوب فتضم إلى الأمهات كالنِّتاج قبل الحول، وإن قلنا: شرط الضَّمان فلا.
واحتج للأول: بأن عمر -رضي الله عنه- قال: "اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بالسَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي 1 عَلَى يَدَيْهِ".
ومعلوم أنه لا يروح بها إلاَّ وقد ولدت في ذلكَ اليوم، ولا تعد المواشي إلا بعد الحول، وذكر في البيان أن من الأصحاب من يجعل المسألة على قولين غير مبنيين على شيء.
وأظهرهما: وهو المذكور في "الوسيط" أنه لا يضم أصلاً؛ لأن الحول الثاني ناجز، فالضم إليه أولى من الضَّمِّ إلى المتقضى.
والشرط الثَّاني: أنْ يحدث من نفس ماله أمَّا المُسْتَفَاد بالشِّراء أو الإرث أو الهبة فلا يضم إلى ما عنده في الحول، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة ولمالك أيضاً فيما رواه القاضي ابن كج وغيره.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ فِي مَالِ الْمُسْتَفِيدِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 2. وأيضاً فإنه مستفاد 3 هو أصل بنفسه تجب الزكاة في عينه،

فينفرد بالحول كالمستفاد من غير الجنس، وأيضاً فإن أبا حنيفة -رحمه الله- سلم أنه لو كان له دراهم فأخرج زكاتها ثم اشترى بها ماشية لا تضم إلى ما عنده في الحول، فنقيس غيره عليه ثم عندنا المستفادات وإن لم تضم إلى ما عنده في الحَوْل تضم إليه في النِّصاب على ظاهر المذهب، وبيانه بصور: إحداها: ملك ثلاثين من البقر ستة أشهر، ثم اشترى عشرة أخرى فعليه عند تمام حول الأصل تَبِيع، ثم إذا تم حول العشرة فعليه ربع مسنة، فإذا حال حول ثان على الأَصْلِ فعليه ثلاثة أرباع مسنة، فإذا حال حول ثان على العشرة فعليه ربع سنة وهكذا أبداً، وهذا كما ذكرنا في طرق الخلطة على الانفراد، يجب في السّنة الأولى زكاة الانفراد وبعدها زكاة الخلطة، وعن ابن سريج أن المستفاد لا يضم إلى الأصل في النّصاب كما لا يضم إليه في الحَوْل فعلى هذا لا ينعقد الحول على العشرة حتى يتم حول الثلاثين، ثم يستأنف الحول على الكل.
الثانية: ملك عشرين من الإبل ستة أشهر، ثم اشترى عشراً فعليه عند تمام حول العشرين أربع شياه، وعند تمام حول العشرة ثلث بنت مَخَاض، لأنها خالطت العشرين في جميع حولها، وواجب الثلاثين بنت مخاض حصة العشرة ثلثها، فإذا حال حول ثان على العشرين فعليه ثلثا بنت مخاض، وإذا حال حول ثان على العشرة فعليه ثلث بنت مخاض وهكذا يزكي أبداً.
وعلى ما حكى عن ابن سريج عليه أربع شياه عند تمام الحول على العشرين وشاتان عند تمام الحول على العشرة ولا نقول هاهنا بعدم انْعِقاد الحَوْل على العشرة، حتى يستفتح حول العشرين، لأن العشرة من الإبل نصاب بخلاف العشرة من البقر في الصُّورة الأولى، ولو كانت المسألة بحالها واشترى خمساً، فإذا تم حول العشرين فعليه أربع شياه وإذا تم حول الخمس فعليه خمس بنت مخاض، وإذا تم الحول الثاني على الأصل فعليه أربعة أخماس بنت مخاض، وعلى هذا القياس وعلى ما حكى عن ابن سريج في العشرين أربع شياه أبداً عند تمام حولها وفي الخمس شاة أبداً، ورأيت في بعض الشروح حكاية وجه آخر: أن الخمسة لا تجري في الحول حتى يتم = هاهنا بخلافه.
قوله: أيش تعني بالمشقة؟ قلنا: نعني بها المشقة الزائدة على المشقة الحاصلة بنفس أداء الزكاة لما ذكرنا، لا أصل المشقة.
قوله: بأن الضم في الأولاد كان للتبعية.
قلنا: لا نسلم، بل كان لما ذكرنا، من دفع الحرج، لمكان المناسبة.
وأما الأحاديث.
قلنا: عمومات خص منها البعض، والعام إذا خص منه البعض بقي حجة.
على أن قوله: "من استفاد مالاً" - الصحيح أنه من كلام ابن عمر، وقول صحابي واحد لا يكون حجة.
هكذا ذكر السمرقندي في طريقته.

حول الأصل، ثم ينعقد الحول على جميع المال، وهذا يطرد في العشرة في الصُّورة السابقة بلا شك.
الثالثة: ملك أربعين من الغنم غرة المحرم ثم اشترى أربعين غرة صفر ثم أربعين غرة شهر ربيع الأول، فقد ذكرناها وما يناظرها في الفصل الثالث من الخلطة.
قال الصيدلاني وغيره: وجميع ذلك إذا قلنا: الزّكاة في الذّمة وأداؤها من غير المال، فإن قلنا: أنها تتعلّق بالعَيْن، أو قلنا: هي في الذِّمة وأدَّاها من المال فينقص الواجب من المستفاد بالقسط، وكذا في الأصل عند تمام الحَوْل الثاني.
والشرط الثالث: أنْ يكون حدوث الفروع بعد بلوغ الأمَّهات نصاباً، فلو ملك عدداً من الماشية، ثم توالدت فبلغ النِّتَاج مع الأصل نصاباً، فالحول يبتدئ من وقت كمال النِّصَاب خلافاً لمالك حيث اعتبر الحول من حين ملك الأصول، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، والأصح عنه مثل مذهبنا.
لنا مطلق الخبر: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 1. ولأنها زيادة بها تم النِّصَاب فيبتدئ الحَول من وقت التَّمَام كالمستفاد بالشَّراء، وإذا اجتمعت الشَّرَائط الثلاث ثم ماتت الأمهات جميعها أو بعضها، والفروع نصاب لم ينقطع حول الأمهات بل تجب الزكاة فيها عند تمام حول الأمهات؛ لأن الولد إذا اتبع الأم في الحكم لم ينقطع الحكم بموت الأم كالأضحية وغيرها، هذا ظاهر المذهب وفيه وجهان آخران: أحدهما: ويشهر بالأنماطيّ أنه يشترط بقاء نصاب من الأمهات، فلو نقصت عن النصاب انقطعت التبعية؟ وكان حول الفروع من يوم حصلت؛ لأنها خرجت عن أن تجب فيها الزَّكاة، ولو انفردت فلا تستتبع غيرها.
والثاني: نقله القاضي ابن كج عن رواية أبي حامد: أنه لا يشترط بقاء نصاب منها ولكن لا بد من بقاء شيء منها ولو واحدة.
وبه قال أبو حنيفة وقد سبق ذلك في فصل صفات النقصان، وقد ذكرنا مذهب مالك وأحمد أيضاً ثُمَّ وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب.
فقوله: "إلا في السَّخَال" ليس الحكم مقصوراً على السَّخَال بل العُجُول والفَصْلاَن في معناها.
وقوله: "في وسط الحَوْل" إشارة إلى الشَّرْط الأَوَّل، ويجوز أن يعلّم بالميم، لأن القاضي ابن كج حكى عن مالك أنها تضم إلى الأمهات، وإن توالدت بعد الحَوْل ولو حصلت بعد الحَول، وقبل الإمكان وجعلناها مضمومة إلى الأمهات كما سبق، فلا يكون الحصول في وسط الحول شرطاً، فيجوز إعلامه بالواو أيضاً لذلك.

وقوله: "من نفس النصاب" فيه إشارة إلى الشرطين الآخرين.
وقوله: "الذي انعقد عليه الحول" جار مجرى التأكيد والإيضاح.
وقوله: "مهما أسيمت في بقية السنة" كالمستغنى عنه في هذا المقام؛ لأنه ليس فيه إلاّ تعرض لشرط السّوم، ونحن إذا تكلمنا في شرط لا نحتاج إلى التعرض لسائر الشروط في أثنائه.
وقوله: "لم تنقطع التبعية" معلّم بالحاء والألف والواو لما قدمناه.
وقوله في آخر الفصل: "لحدوثها في وسط الحول" كذا هو في بعض النّسخ باللام، وفي بعضها كحدوثها بالكاف.
والأول أقرب إلى سياق كلامه في "الوسيط" فإنه ذكر هذه المسألة بعد ما ذكر ما لو ملك تسعاً وثلاثين، فحدثت سَخْلَة يستفتح الحَوْل من حينئذ، وبين تغايرهما بأنَّ هناك لم يَكنِ الأصْل نصاباً، ولم ينعقد الحول عليه، وهاهنا ما سبق جَارٍ في الحول هذا لفظه، وهو معنى قوله هاهنا: لحدوثها في وسط الحول أو في أثناء الحول المنعقد على الأصل وإن قرب من الانقضاء، ومن قرأ كحدوثها في وسط الحول لا يمكنه حمل وسط الحول على ما هو المراد منه عند قوله: إلاَّ في السّخَال الحاصلة في وسط الحول فإن المراد ثم ما قبل التمام، ولا شك أن المراد من آخر الحول هاهنا حالة القرب من التّمام، وهي قبل التّمام فلا يغاير حتى يشبه أحدهما بالآخر، فلعله يحمل الوسط على حقيقته المشهورة وليس ذلك بالجيد.
واعلم أن فائدة الضم إنما تظهر إذا بلغت الماشية بالنِّتاج نصاباً ثانياً كما لو ملك مائة شاة فحدثت إحدى وعشرون سخلة، فَأمَّا إذا لم يحدث إلاَّ عشرون فلا تظهر فائدته والاعتبار بالانفصال فلو خرج بعض السّخلة وتم الحَوْل قبل انفصالها فلا حكم لها، ولفظ الحصول في قوله: الحاصلة في وسط الحول قد يوهم خلافه فلا يغلط، وإذا اختلف السّاعي والمالك فقال المالك: حصل هذا النِّتَاج بعد الحَوْل، وقال الساعي: بل قبله، أو قال المالك: حصل بسبب مستقل، وقال الساعي: بل من نفس النّصاب، فالقول قول المالك فإن اتَّهمه السَّاعي حلفه 1. قال الغزالي: الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ لاَ يَزُولَ المِلْكُ عَنْ عَيْنِ النِّصَابِ فِي الزَّكَوَاتِ العَينِيَّةُ، فَإِنْ زَالَ بِالإِبْدَالِ بِمِثْلِهِ وَلَوْ فِي آخِرِ السَّنَةِ انْقَطَعَ الحَوْلُ، فَلَوْ عَادَ بِفَسْخٍ أَوْرَدَ بِعَيْب اسْتُؤْنفَ الحَوْلُ وَلَمْ يَبْنِ، وَكَذَا إِذَا انْقَطَعَ مِلْكُهُ بِالرِّدَّةِ ثُم أَسْلَمَ، وَكَذَا لاَ يَبْنَى حَوْلَ

وَارِثهِ إِذَا مَاتَ عَلَى حَوْلِهِ، وَمَنْ قَصَدَ بَيْعَ مَالِهِ فِي آخِرِ الحَوْلِ صَحَّ بَيْعُهُ (م) وَأَثِمَ.
قال الرافعي: قد سبق أنَّ الزَّكَاة ضربان: زكاة تتعلّق بالقيمة وهي زكاة التِّجارة فلا يقدح فيها إبدال عين بعين، وزكاة تتعلّق بالعين والأعيان الَّتي تجب فيها الزَّكاة، ويشترط في وجوبها الحَوْل، ولو زال الملك عنها في خلاله انقطع الحول؟ سواء بادل بجنسه كالإبل بالإبل، أو بغير جنسه كالإبل بالبقر 1، وإذا تَبَادَلا بكل واحد منهما يستأنف الحَوْل، وكذا الحكم في النَّقدين إذا بادل الذهب بالذهب أو بالورق ولم يكن صرفياً يقصد به التجارة، وإن كان صرفياً اتخذ التَّصَرُّف في النَّقْدين متجراً، ففيه وجهان في رواية ابْن كج والحنَّاطِيّ وصاحب "المهذب" وغيرهم، وقولان في رواية الشيخ أبي محمد وصاحب "التهذيب" وآخرين: أحدهما: لا ينقطع الحَوْل كما في العروض لو بادل بعضها ببعض على قصد التِّجارة.
وأصحهما: وهو الجديد على رواية القولين أنه ينقطع؛ لأن التِّجارة فيها ضعيفة نادرة والزكاة الواجبة فيها زكاة عين، وإلى هذا ذهب ابْنُ سُرَيْجٍ ويحكى عنه أنه قال: "بَشِّروا الصيارفة بأن لا زكاة عليهم وبنى الصَّيدلاني وطائفة المسألة على أَصْلٍ، وهو أَنَّ زَكَاةَ التِّجَارة وزكاة العين إذا اجتمعتا في مال أيتهما تقدم، وفيه خلاف مذكور في الكتاب في موضعه إن غلبنا زكاة التجارة لم ينقطع الحول، وإن غلبنا زكاة العين، فحينئذ فيه وجهان: وجه عدم الانقطاع أن دوام الملك حولاً شرط في زكاة العين، وقد فقد فيصار إلى زكاة التِّجارة كما لو لم يبلغ ماله نصاب زكاة العَيْن، وبلغت قيمته نصاب زكاة التِّجارة تجب زكاة التجارة، وإزالة الملك عن بعض المال والباقي دون النصاب كإزالته عن جميع النصاب، هذا تفصيل مذهبنا وساعدنا أبو حنيفة في المَوَاشِي، وقال في مبادلة النَّقد بالنقد 2: أن الحول لا ينقطع سواء بادل الجنس بالجنس أو بغير الجنس.
وقال في مبادلة بعض النصاب الجنس: لا ينقطع الحول سواء فيه المواشي وغيرها بناء على أصلين:

أحدهما: أن نُقْصَان النِّصَاب في أَثْنَاء الحول لا يقطع الحول عنده.
والثاني: أن المستفاد بالشِّراءِ ونحوه يضم إلى الأصل في الحول، فقال مالك: إذا بادل نصاباً بجنسه بني على الحول سواء فيه المواشي وغيرها، وفي مبادلة الحيوان بالنقد وعكسه ينقطع، وفي مبادلة جنس من الحَيَوَان بجنس آخر عنه روايتان، وقال أحمد في مبادلة النَّقْد بالنَّقْد بقول أبي حنيفة -رحمه الله- وفي مبادلة الجنس بالجنس من المواشي بقول مالك، وفي مبادلة الجنس بالجنس من المواشي قال: ينقطع.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ زَكَاةَ فِي مَال حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 1. لأنه أصل تجب الزكاة في عينه فلا ينبني حوله على حول غيره كالجنسين، وكل ما ذكرناه في المُبَادَلة الصحيحة أما الفَاسِدة فلا تقطع الحول، لأنها لا تزيل الملك خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا اتّصل القبض بها.
ثم لو كانت سائمة وعلفها المشتري فقد قال في "التهذيب": هو كعلف الغَاصِب لقطع الحول، وفيه وجهان وقال القاضي ابن كج: عندي تسقط الزكاة وينقطع الحول، لأنه مأذون من جهة المالك في التَّصرف، فأشبه علفه علف الوكيل بخلاف الغاصب، ولو باع معلوفه بيعاً فاسداً فأسامها المشتري فهو كما لو أسامها الغاصب، وسيأتي ذلك إذا عرفت هذا الأصل فيتعلق به مسائل: إحداها: لو باع المال الزكوي، أو بادله قبل تمام الحول ثم وجد المشتري به عيباً قديماً نظر إن لم يَمْضِ عليه حول من يوم الشِّراء، فله الرّد بالعيب، والمردود عليه يستأنف الحول سواء رده بعد القبض أو قبله.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إن رده قبل القبض أو بعده لكن بقضاء القاضي يبني على الحول الأول، وإن رده بعد القبض بالرِّضا يستأنف، وإن مضى عليه حول من يوم الشراء، ووجب عليه الزكاة فينظر إن لم يخرج الزَّكاة بعد فليس له الرد؟ سواء قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، أو بالذمّة؛ لأن للساعي أخذ الزكاة من عينها لو تعذر أخذها من المشتري، فلا يتقاعد وجوب الزكاة فيه عن عيب حادث، ولا يبطل حق الرد بالتأخير إلى أن يؤدي الزكاة؛ لأنه غير متمكّن من الرد قبله، وإنما يبطل الحق بالتأخير مع التمكن، ولا فرق في ذلك بين عروض التجارة وبين الماشية التي تجب زكاتها من جنسها وبين الإبل التي تجب فيها الغنم وبين سائر الأموال.
وفي كلام ابْن الحَدَّاد تجويز الرَّدِّ قبل إخراج الزَّكَاة، ولم يثبتوه وجهاً وإن أخرج الزكاة نظر إن أخرجها من مال آخر فينبني جواز الرَّد على أنَّ الزكاة تتعلَّق بالعين أو تجب في الذّمة، وفيه خلاف يأتي من بعد أن قلنا: تجب في الذّمة، والمال مرهون به

فله الرد كما لو رهن ما اشترى ثم انفكَّ ووجد به عيباً، وإن قلنا: يتعلق بالعَيْنِ تعلّق الأَرْش بالعَبْد الجاني، فكذلك الجواب، وإن قلنا: المسكين شريك فهل له الرد؟ حكى الشيخ أبو علي فيه طريقين: أحدهما: أن فيه وجهين كما لو اشترى شيئاً وباعه وهو غير عالم بعيبه، ثم اشتراه أو ورثه هل يرد؟ فيه خلاف وهذا ما ذكره العراقيون والصيدلاني وغيرهم.
والثاني: القطع بأن له الرَّد إذ ليس للمسكين شركة محققة في هذا المال، أَلاَ ترى أن له أن يؤدي الزكاة من مال آخر؟ بخلاف ما لو باعه، فإنه زال المِلْكُ لا محالة، ولأنه بالبيع قد اسْتَدْرك الظّلاَمة التي لحقته بالشّراء من حيث أنه رَوَّج كما روح عليه وبإخراج الزَّكَاة لم يستدرك الظّلاَمة.
قال الشيخ: وهذا الطريق هو الصَّحِيح، وبه أجاب كثير من أئمتنا ولم يذكروا سواه، ورأيت للقاضي ابن كج رواية وجه غريب، أنه ليس له الرَّد على غير قول الشّركة أيضاً؛ لأن ما أداه عن الزكاة قد يخرج مستحقاً، فيتبع السّاعي عين النصاب.
وإمام الحرمين أشار إلى هذا الوجه لكن خصَّه بقدر الزكاة، وقال فيما وراءه قولاً تفريق الصفة، وإن أخرج الزكاة من عين المال، فإن كان الواجب من جنس المال، أو كان من غير جنسه فباع منه بقدر الزَّكَاة، فهل له ردُّ البَاقي؟ فيه قولان: أحدهما: وهو المنصوص عليه في الزكاة: أنه ليس له ذلك، وهذا إذا لم نجوّز تفريق الصفقة، وعلى هذا هل يرجع بالأرش؟ منهم من قال: لا يرجع إن كان المخرج باقياً في يد المساكين، فإنه رُبَّما يعود إلى ملكه فيتمكن من أداء الجميع فإن كان تالفاً رجع، ومنهم من قال: يرجع مطلقاً وهو ظاهر نصّه.
لأن نقصانه عنده كَعَيْب حادث، ولو حدث عيب وامتنع الرد يرجع بالإِرْش ولا ينتظر زوال العَيْبِ الحادث.
القول الثاني: أنه ير البَاقِي بحصَّته من الثَّمن، وهذا إذا جوَّزنا تفريق الصَّفْقَة وسيأتي القولان في موضعهما -إن شاء الله تعالى-.
وفيه قول ثالث أنه يردّ الباقي وقيمة المخرج في الزكاة، ويسترد جميع الثمن ليحصل غرض الرد، ولا تتبعض الصفقة ولو اختلفا في قيمة المخرج على هذا القول، فقال البائع: ديناران؟ وقال المشتري: بل دينار، فالقول قول من؟ فيه قولان: أحدهما: قول البائع، لأن الأصل استمرار ملكه في الثمن، فلا يسترد منه إلا بما يقربه.
والثاني: قول المشتري؛ لأنه غارم لِمَا أَخْرَجه.
المسألة الثانية: حكم الإِقَالَة حكم الرَّد بالعَيْب في جميع ما ذكرنا، ولو باع المال الزَّكَوِيّ في خلال الحول بشرط الخيار وفسخ البيع فإن قلنا: الملك في زمان الخيار

للبائع أو هو موقوف بني على حوله ولم يستأنف، وإن قلنا: إنه للمشتري فالبائع يستأنف بعد الفسخ.
الثالثة: لو ارتدَّ في خلال الحول هل ينقطع الحول؟ يبني على الخلاف في ملك المرتد، إن قلنا: يزول بالردة ينقطع، فإن عاد إلى الإسلام استأنف، وإن قلنا: لا يزول فالحَوْل مستمر، وعليه الزكاة عند تمامه، وإن قلنا: إنه موقوف فإن هلك على الردة تبين الانقطاع من وقت الردة، وإن عاد إلى الإسلام تبين استمرار الملك ووجوب الزكاة على المرتد في الأحوال الماضية، في الردة ينبني على هذا الخلاف أيضاً، وسنذكره في الركن الثالث -إن شاء الله تعالى.
الرابعة: لو مات في أثناء الحَوْل وانتقل مال الزكاة إلى الوارث هل يبنى على حول المورث؟ فيه قولان: القديم: نعم؛ لأنه حليفته في حقوق الملك أَلاَ ترى أنه يقوم مقامه في حق الخيار والرد بالعيب.
والجديد: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يبنى بل يبتدئ الحَوْل من يوم ملكه كما لو ملك بالشراء وغيره، وبهذا قال أبو حنيفة وذكر القاضي ابْن كَجّ أنَّ أبا إسحاق قطع به وامتنع من إثبات قول آخر فحصل في المسألة طريقان وحيث قلنا: لا يبنى، فلو كان مال تجارة لا يَنْعَقِدُ الحَوْل عليه حتى ينصرف الوارث بنية التّجارة ولو كانت سائمة، ولم يعلم الوارث الحال تى تَمَّ الحَوْل، فهل تجب الزكاة أم يبتدئ الحول من يوم علم؟.
فيه خلاف مبني على أن قصد السّوم، هل يعتبر؟ وسيأتي ذلك.
الخامسة: لا فرق في انقطاع الحَوْل بالمُبَادَلة والبَيْع في خلاله بين أن يكون محتاجاً إليه وبين أن لا يكون بل قصد الفرار من الزَّكَاة إلاَّ أنه يكره الفرار، وعن مالك وأحمد أنه إذا قصد الفِرَار من الزَّكَاة أخذت منه الزَّكاة، وهل ذلك لامتناع صحة البيع أم كيف الحال؟ قال في "الوسيط" عند مالك لا يصح البَيْع، وأشار المسعودي إلى أنه إذا عاد إلى ملكه يبني ولا يستأنف.
ونقل القاضي ابن كج أنه إذا باع، وقد قرب الحول فراراً من الزكاة، أخذت منه الزكاة، وهذا يُوهِمُ الاكْتِفَاء بما مضى من الحَوْل -والله أعلم-.
ونرجع الآن إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب ونظمه.
أما قوله: أن لا يزول المِلْك عن عين النِّصاب في الزَّكَوات العَيْنية فلا شك أن المُرَاد منه عدم الزَّوَال مدة الحَوْل لا على الإطْلاق واحترز بالزَّكَاة العَيْنية عن زكاة التِّجارة، فَلِمَ التبادل فيها لا يقدح على ما قدمنا؟ ولمستدرك أن يقول: الكلام الآن في زكاة النّعم، والشروط المذكورة تتصرف من حيث النَّظم والتَّرْتيب إليها فلا حاجة إلى الاحتراز عن زكاة التجارة وهو غير متناول بالكلام.

واعلم أن السابق إلى الفَهْم من حولان الحول هو مضيّ المدة المعلومة في ملكه بصفة التوالي، لكن لا يمكن أن يكون مراد صاحب الكتاب من شرط الحول هذا؛ لأنه لو أراده لارتفع الفرق بين الشرط الثالث والرابع وعاد إلى شيء واحد، بل المراد من شرط الحول في إيراده مجرد مضي المدة في ملكه من غير اعتبار صفة التَّوَالي.
وقوله: فإن زال بالإِبْدَال بمثله لا فرق عندنا بين أن يبدله بالمثل أو بغير المثل، وإنما خص الكلام بالإبدال بالمثل؛ لأنه محل النظر والخلاف على ما تقدم، وأعلم لذلك قوله: "انقطع الحول" بالحاء والميم والألف.
وقوله: "ولو عاد بفسخ أورد بعيب" الرد بالعيب هو ضرب من الفسخ أيضاً، لكن كأنه أراد بالفسخ ما يثبت، لا بسبب العَيْب كالفسخ بشرط الخِيَار، وخيار الرؤية إن أثْبَتناه والمُقَابَلَةَ إِذَا جعلناها فسخاً وهو الصحيح.
وقوله: "وكذا إذا انقطع ملكه بالردة" أي: إذا قلنا: إن الردة تزيل الملك، فإذا أسلم استأنف الحول على ما بينا وقد رسم قوله: "وكذا إذا انقطع" بالواو للخلاف في أن الردة، هل تزيل الملك أم لا؟ فإن في نفس اللفظ إشعاراً لكن لأنه ذكر في "الوسيط": أن القول القديم في أن الوارث يبني على حول الموروث طرد في أن المرتدّ بعد الإسْلام يبني، وإن حكمنا بانقطاع ملكه بالردة.
وحكى الحناطي أيضاً وجهاً على هذا القَول أنه لا يستأنف.
وقوله: "ومن قصد بيع ماله" فيه إضمار أي قصده فراراً من الزَكاة، وأعلم قوله: في "صح بيعه" بالميم لما ذكرنا عن مالك في بعض الروايات.
وقوله: "وأثم" حكم بالتَّحْريم وقد حكاه إمام الحرمين عن بعض المصنِّفين، وتردّد فيه من جهة، أنه تصرّف مسوغ ولو أثمناه لكان ذلك بمجرد القصد والموجود في لفظ الشافعي -رضي الله عنه- وجمهور الأصحاب إنما هو الكراهية -والله أعلم-.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الخَامِس السَّوْمُ، فَلاَ زَكَاةَ فِيمَا عُلِفَ فِي مُعْظَمِ السَّنَةِ، وَفِيمَا دُونَهُ أَرْبَعَةُ أَوجُهٍ: أَفْقَهُهَا: أَنَّ المُسْقِطَ قَدْرٌ يُعَدُّ مَؤُونَةً بِالإِضَافَةِ إلَى رِفْقِ السَّائِمَةِ، وَقِيلَ: لاَ يَسْقُطُ إلاَّ العَلَفُ فِي مُعْظَمِ السَّنَة، وَقيل: القَدْرُ الَّذِي كَانَتِ الشَّاةُ تَمُوتُ لَوْلاَهُ يَسْقُطُ حَتَّى لَوْ أَسَامَهَا نَهَاراً وَعَلَفَهَا لَيْلاً لَمْ يَسْقُطْ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا يُتَمَوَّلُ مِنَ العَلَفِ يُسْقِطُ.
قال الرافعي: لا تجب الزَّكَاة في النّعم إلا بشرط السّوم خلافاً لمالك واحتج الشَّافعي -رضي الله عنه- بمفهوم ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ زَكَاةُ" 1 وعن

أنس: "أَنَّ أبَا بَكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ -صلى الله عليه وسلم- بِهَا، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهِا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمَائَةٍ شاة" 1. إذا عرف ذلك فالسَّائمة في جميع الحَوْل تجب فيها الزّكاة، والمَعْلوفة في جميع الحول أو أكثره لا زكاة فيها، وإن أُسِيمت بعض الحَوْل، وعلفت في بعضه وهو دون المعظم.
فقد حكى في الكتاب فيه أربعة أوجه: أفقهها 2 عنده: أنه إن علفت قدراً يعد مؤنة بالإضافة إلى رفق السَّائمة فلا زكاة، وإن استحقر بالإضافة إليه وجبت الزَّكاة كما لو أُسِيمَت في جميع الحَوْل، وفسر رفق السائمة بدرِّهَا ونَسْلها وأصْوافها وأوبارها، ويجوز أن يقال: المراد منه رفق إسَامَتِهَا فإنَّ في الرعي تخفيفاً عظيماً، فإن كان قدر العلف حقيراً بالإضافة إليه فلا عبرة به، وإلى هذا الوجه يميل كلام القَاضِي ابن كج، وفيما علَّق عن الشَّيخ أبي محمد أنَّ أبا إسحاق رجع إليه بعدما كان يعتبر الأغلب.
والثاني: أن ذلك لا أثر له وإنما ينقطع الحَوْل وتسقط الزكاة العَلَفِ في أكثر السنة وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-؛ لأنه إذا كانت الإسَامَة أكثر تخفف المُؤْنَة.
ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة تخريجاً من أحد القولين في السَّقي بماء السماء والنّضح: أنه يعتبر الأغلب منهما وعلى هذا الوجه لو استويا قال في "النهاية": فيه تردد، والأظهر السّقوط.
والوجه الثالث: أنه إن علف قدراً كانت الماشية تعيش لولاه لم يؤثر وإن علف قدراً كانت تموت لو لم ترع ولا علفت في تلك المدة انقطع الحول وسقطت الزكاة لظهور المؤنة، وهذا هو الذي ذكره الصَّيدلاني وصاحب "المهذب" وكثير من الأئمة، وقد قيل: إن الماشية تصبر عن العَلَفِ اليوم واليومين ولا تصبر ثلاثة فصاعداً.
قال في "النهاية": ولا يبعد أن يلحق الضَّرب البيّن بالهلاك على هذه الطريقة.
والوجه الرابع: أن ما يتمول من العلف وإن قلّ يبطل حكم السوم فلو أسيمت بعد ذلك اسْتُؤنف الحَوْل؛ لأن رفق السَّوم لم يتكامل.
فإن قلت: هذه الوجوه مخصوصة بما إذا لم يقصد بالعَلَفِ قطع السَّوم وإن قصده

ينقطع الحَوْل لا محالة 1 أو هي مخصوصة بما إذا قصده، وإن لم يقصد لم يؤثر لا محالة أو هي شاملة للحالتين.
فاعلم أن في كلام النّاقلين لبساً في ذلك، ولعل الأقرب تخصيص الخلاف بما إذا لم يقصد شيئاً، أما إذا علف على قصد قطع السّوم ينقطع الحول لا محالة كذا أورد صاحب "العدّة" وغيره ولا أثر لمجرد نيّة العلف ولو علفها قدراً يسيراً لا يتموّل فلا أثر له أيضاً، إليه أشار بقوله في الكتاب في الوجه الرابع، وقيل: كل ما يتمول من العلف يسقط، ويجوز أن يعلم من لفظ الكتاب ما سوى الوجه الثاني بالألف والحاء لما ذكرنا أن مذهبهما الثّاني ولا يخفى على المراد من قوله: ولا زكاة فيما علف في معظم السنة ما إذا تمحَّض العلف إذ لو كانت تسام نهاراً وتعلف ليلاً في جميع السنة 2 كان موضع الخلاف على ما سبق.
فرع: لو كانت ماشيتة سائمة لكنها تعمل كالنَّواضح ونحوها، فهل تجب الزَّكاة فيها؟ فيه وجهان حكاهما أبو القاسم الكرخي وآخرون: أصحهما: لا، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وهو الذي أورده معظم العراقيين؛ لأنها لا تقتني للنَّماء، وإنما تقتنى لِلاسْتِعْمال فلا تجب الزَّكَاة فيها كثيَاب البدن ومتاع

الدار.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ في الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ" 1. والثاني: نعم، لحصول الرفق بالإِسَامة وزيادة فائدة الاستعمال، وفي لفظ "المختصر" ما يمكن الاحتجاج به لهذا الَوجه، وهو الذي ذكره الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر" وغيره.
قال الغزالي: وَلَوِ اعْتَلَفَتِ الدَّابةُ بِنَفْسِهَا أَوْ عَلَفَهَا المَالِكُ لامْتِنَاعِ السَّوْم بِالثَّلْجَ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا إلى الإسَامَةِ أَوْ عَلَفَهَا الغَاصِبُ فَفِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ وَجْهَانِ يُعَبرُ عَنْهُمَا بِأَنَّ القَصْدَ هَلْ يُعْتَبَر؟ وَكَذَا الخِلاَفُ فِي قَصْدِ السَّوْمِ فَإِنْ أَوْجَبَنَا الزَّكَاةَ فِي مَعْلُوفَةٍ أَسَامَهَا الغَاصِبُ فَفِي رُجُوعِهِ بِالزَّكاةِ عَلى الغَاصِبِ وَجْهَانِ: قال الرافعي: الأَصْلُ في هذه المَسَائِلِ أنه اخْتَلَفَ الوجهِ في أَنَّ القَصْدَ في العَلَفِ والسّوم هل يعتبر؟ فمن الأَصحاب من قال: لا يعتبر، أمَّا في العَلَف فلأنه يفوت شرط السّوم سواء كان عن قَصْد، أو لم يكن.
وأما في السوم؛ فلأنه يحصل به الرُفْق وتخفّ المؤنة، وإن لم يكن عن قصد.
ومنهم من قال: يعتبر.
إمَّا في العلف، فلأنه إذا لم يقصده يُدَام حكم السّوم رعاية لجانب المُحْتَاجين.
وإمَّا في السّوم فلأنه إذا لم يتلزم وجوب الزكاة في هذا المال وجب أن لا يلزم، ويتفرع على هذا الأصل صور: منها لو اعتلفت سائمة بنفسها القدر المؤثر من العلف، هل ينقطع الحول؟ فيه وجهان والموافق لاختيار الأكثرين في نظائرها: أنه ينقطع لفوات شرط السَّوم فصار كفوات سائر شروط الزكاة، لا فرق فيه بين أن يكون عن قصد أو اتفاقاً، ولو رَتَعَت الماشية بنفسها ففي وجوب الزكاة وجهان أيضاً، وفي كلام أصحابنا العراقيين طريقة أخرى قاطعة بعدم الوجوب هاهنا.
ومنها: لو علف المالك ماشيته لامتناع السوم بالثلج وهو على عزم ردَّها إلى الإِسَامَةِ عند الإمكان، ففيه الوجهان: أظهرهما: انقطاع الحول لفوات الشرط.
والثاني: لا، كما لو لبس ثوب تِجَارة لا بنية القنية لا تسقط الزَّكاة.
واعلم: أن العلف جرى في هذه الصّور بقصد المالك واختياره، لكن لما كانت الضرورة داعية إليه وكان ملجأ إليه ألحقت الصُّورة بما إذا جرى العلف من غير قصده،

وطرد الخِلاَف فيها.
ومنها: لو غصب سَائِمَةٌ وعلفها فيخرج أولاً على أنه لو لم يَعْلِفْهَا، هل كان تجب الزكاة فيها أم لا تجب لكونها مغصوبة؟ وفيه خلاف يأتي في الفصل التّالي لهذا الفصل.
فإن قلنا: لا زكاة في المَغْصُوب فلا شيء فيها.
وإن قلنا: تجب الزكاة في المغصوب فهاهنا وجهان: أحدهما: تجب؛ لأن فعل الغَاصِب عديم الأثر في تَغْيير حُكْمِ الزكاة، أَلاَ تَرى أنه لو غصب ذهباً وصاغه حُلياً لا تسقط الزكاة؟ والثَّاني: لا تجب لفوات شرط السّوم كما لو ذبح الغاصب بعض الماشية وانتقص النّصاب وهذا أصح عند الأكثرين، وفصل الشَّيخ أبو محمد، فقال: إن علفها بعلف من عنده فالأظهر أن حكم السوم لا ينقطع؛ لأنه لا يلحق مؤنة بالمالك، ولو كان الأمر بالعكس فغصب معلوفة وأَسَامَهَا، إن قلنا: لا زكاة في المغصوب، فذاك، وإن قلنا: تجب فوجهان: أحدهما: تجب لحصول الرّفق وخفّة المؤنة، وصار كما لو غصب حِنْطَة وبذرها يجب العشر فيما ينبت منها.
وأظهرهما: لا تجب؛ لأن المالك لم يقصد الإِسَامَة وشبّهوا ذلك بما إذا رَتَعَتِ الماشية بنفسها، لكن الخلاف يجري فيه على أحد الطَّريقين كما سبق، وإذا أوجبنا الزَّكاة فقد حكى في "التَّهْذيب" وجهين في أنها تجب على الغَاصِب، لأنها مؤنة لزمت بفعله أو على المالكّ؛ لأن نفع خفّة المؤنة عائد إليه.
ثم حكى على هذا وجهين آخرين في أنه إذا أخرج المالك بزكاة، هل يرجع بها على الغاصب.
وقوله في الكتاب: "فإن أوجبنا الزَّكَاة في معلوفة أسامها الغاصب، ففي رجوعه بالزكاة على الغاصب وجهان، أراد به إن أوجبناها على المالك وجه عدم الرجوع أن سبب الزكاة ملك المال ووجه الرجوع، وهو الأظهر أنه لولا فعل الغاصب لما وجبت الزكاة.
وقطع صاحب "التتمة" بالرجوع ورد الخلاف إلى أنه هل يؤمر الغاصب بالإخراج أم يخرج المالك ثم يغرم له الغاصب؟ وذكر في "النهاية" وجهين في أنا إذا أثبتنا الرُّجوع للمالك، هل يرجع قبل إخراج الزَّكَاة أم يخرج ثم يرجع؟ واعلم: أن البخاري على قياس المذهب لمن أوجب الزكاة هاهنا أن يوجبها على المالك ثم يغرم له الغاصب.
أما إيجاب الزكاة على غير المالك فبعيد وإن كنا نوجب عليه ابتداء فيجب أن يوجب أيضاً، إن قلنا: لا تجب الزكاة في المغصوب.
قال الغزالي: الشَّرْطُ السَّادِسُ كَمَالُ المِلْكِ، وَأَسْبَابُ الضَّعْفِ ثَلاثَةُ: الأَوَّلُ: امْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ فَإِذَا تَمَّ الحَوْلُ عَلَى مَبِيعِ قَبْلَ القَبْضِ أَوْ مَرهُونٍ أَوْ مَغْصُوبٍ أَوْ ضَالٍّ أَوْ مَجْحُودٍ

لاَ بَيِّنَة عَلَيْهِ أَوْ دَيْنٍ عَلَى مُعْسِرٍ فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ خِلاَفٌ لِحُصُولِ المِلْكِ وَامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ، وَفِي المَغْصُوبِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أنَّهُ إِنْ عَادَ بِجَمِيعِ فَوَائِدِهِ زَكَّاةُ لِأَحْوَالِهِ المَاضِيَةِ، وَإنْ لَمْ تُعَدَّ الفَوَائِدُ فَلاَ، وَالتَّعْجِيلُ قَبْلَ عَوْدِ المَالِ غَيْرُ وَاجِبٍ قَطْعاً، وَالدَّيْنُ المؤَجَّلُ قِيلَ: إِنَّهُ يُلْحَقُ بِالمَغْصُوبِ، وَقِبلَ كالغائِبِ الذِي يَسْهُلُ إِحْضَارُة، فَإِنْ أَوْجَبْنَا لَمْ يَجِبِ التَّعْجِيلُ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الخَمْسَةَ نَقْداً تُسَاوِي سِتَّةً نَسِيئَةً فَيُؤَدِّي إلَى الإجْحَافِ بِهِ.
قال الرافعي: إنما جعل أسباب الضّعف ثلاثة لأن الملك إما أن لا يكون مستقرًّا وهو السَّبب الثالث أو يكون مستقراً.
فإما أن يتسلط الغير على إزالته وهو السبب الثاني أو لا يتسلط.
فأما أن تمتنع فيه التصرفات بكمالها وهو السبب الأول أو لا تمتنع فلا ضعف، وممّا يجب معرفته أن اعتبار هذا الشرط مختلف فيه، فإن في مسائله كلها اختلاف قول أو وجه على ما سيأتي.
إذا تقرر ذلك ففي الفصل مسائل: إحداها: لو ضَلَّ ماله أو غصب أو سرق وتعذَّر انتزاعه أو أودعه عند إنسان فجحده أو وقع في بحر، فهل تجب فيه الزكاة.
قال في "باب صدقة الغنم": "ولو ضلت غنمه أو غصبها أحوالاً ثم وجدها زكَّاها لأحوالها" وقال في "باب الدَّين مع الصدقة": "ولو جحد ماله أو غصبه أو غرق فأقام زماناً ثم قدر عليه فلا يجوز فيه إلا واحد من قولين أن لا يكون عليه زكاة حتى يحول الحول عليه من يوم قبضه؛ لأنه مغلوب عليه أو يكون عليه الزكاة؛ لأن ملكه لم يَزُل عنه".
واختلف الأصحاب على ثلاث طرق: أحدها: أن المسألة على قولين: أحدهما وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: أنه لا زكاة في هذه الأموال لتعطُّل نمائها، وفائدتها عليه بسبب خروجها من يده، وامتناع التصرف فيها فأشبهت مال المكاتب لا تجب الزكاة فيها على السّيد.
وأصحهما: الوجوب لملك النصاب وحولان الحول وعبر أصحابنا العراقيُّون وغيرهم عن هذا القول بالجديد، وعن الأول بالقديم وعن أحمد روايتان كالقولين.
وأصحهما: الوجوب.
وقال مالك: تجب فيها زكاة الحَوْل الأَوَّلِ دون سائر الأحوال.
والطَّرِيق الثاني: أنه تجب الزَّكاة فيها قولاً واحداً، ومن قال بهذا حمل ما ذكره من التَّرْدِيد على الرَّدِّ على مالك، فقال: أراد الشَّافعي -رضي الله عنه- أن لا يتوجَّه إلا وجوب زكاة جميع الأحوال كما قلت لاستمرار الملك أو نفيها على الإطلاق كما قال أبو حنيفة.
أما الفصل بين السنة الأولى وغيرها فلا سبيل إليه.

والثالث: حكى القاضي ابن كَجٍّ عن ابْن خَيْرَان أن المسألة على حالين حيث قال: يزكيها لأحوالها أراد إذا عادت إليه بنمائها، وحيث قال: لا تجب أراد إذا عادت إليه من غير نمائها 1. فإذا قلنا بالطريقة الأولى، فهل القولان مطلقان أم لا؟ فيه طريقان: أحدهما وبه قال ابْنُ سُرَيج وأبو إسحاق: لا بل موضع القولين ما إذا عادت إليه من غير نَمَائها، فإن عادت إليه بنمائها وجبت الزَّكاة قطعاً؛ لأن المؤثر على قول: إنما هو فوات النَّماء عليه، وذكر إمام الحرمين شيئين على هذه الطَّرِيقة ينبغي أن يحاط بهما: أحدهما: أنه إن عاد المال إليه مع بعض الفوائد دون بعض كان كما لو لم يعد شيء من الفوائد إليه.
والثَّاني: أن المعنى بفوات الفوائد أن يهلكها الغاصب أو تضيع لزوال نظر المالك ويتعذر تغريم الغاصب.
فأمّا إذا فات شيء في يد الغاصب كان يفوت في يد المالك أيضاً فلا مبالاة ولو غرم الغاصب كان كما لو عادت الفوائد بأعيانها، ويتخرَّج على هذه الطَّريقة قول من قال: إن كان المال المغصوب الدَّرَاهم والدَّنانير ففي وجوب الزكاة قولان، وإن كان المواشي فتجب الزّكاة بلا خلاف؛ لأن الدراهم لا تعود بربحها، فإن ما حصل من الربح يكون للغاصب، والمواشي تعود بفوائدها إمّا بعينها أو بقيمتها حتى لو غصبها أهل الحرب وأتلفوا الدر والنسل جرى فيها القولان، هذا أحد الطريقين.
وأصحهما وبه قال أبو علي بن أبي هريرة والطبري: طرد القولِين في الحالتين؛ لأن المؤثر على أحد القولين ذوات اليد والتصرف دون فوات النماء، أَلاَ ترى أن الذكور التي لا تنمو تجب فيها الزكاة، وجميع ما ذكرناه فيما إذا عاد المال إليه، ولا شك في أنه لا يجب إخراج الزكاة قبل عود المال إلى يده.
ولو تلف بعد مضي أحوال في الحَيْلُولَة سقطت الزكاة على قول الوجوب، لأنه لا يتمكَّن من المال وتلف المال بعد الوجوب وقبل التَّمكُّن يسقط الزكاة.
ثم اعرف في المسألة أمرين آخرين: أحدهما: أن موضع الخلاف في الماشية المَغْصُوبة ما إذا كانت سائمة في يد

المالك والغاصب جميعاً، فإن كانت مَعْلُوفة في يد أحدهما عاد النَّظر في أن علف الغاصب وإسامته هل يؤثران؟ والثاني: أن زكاة الأَحْوَال المَاضِية إنما تجب على أحد القولين إذا لم تنقص الماشية عن النِّصَاب بإخراج زكاة بعض الأحوال، أما إذا كانت نصاباً بلا مزيد ومضى عليه أحوال فالحكم على هذا القول كما لو كانت في يده، ومضت أحوال ولم يخرج الزكاة، وسنذكره إن شاء الله تعالى جده.
ولو كانت له أربعون من الغنم فضلت منها واحدة ثم وجدها إن قلنا: لا زكاة في الضَّالة استأنف الحول سواء وجدها قبل تمام الحول أو بعده، وإن قلنا: تجب الزَّكاة فيها، فإن وجدها قبل تمام الحَوْل بني، وإن وجدها بعده أخرج الزّكاة عن الأربعين، ولو دفن ماله في موضع ونسيه ثم تذكره فهذا ضرب من الضَّلاَل، وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف ولا فرق بين أن يكون الدّفن في داره أو في غيرها، وقطع بعض المثبتين للقولين في سائر صور الضّلال بالوجوب هاهنا؛ لأنه غير معذور بالنّسيان، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- أن دفنه في حِرْزه ففيه الزكاة، وإلاَّ فلا، ولو أسر المالك وحيل بينه وبين ماله، ففيه طريقان: منهم من طرد الخلاف، ومنهم من قطع بالوجوب وهو الأصح؛ لأن تصرُّفه نافذ فيه بالبيع وغيره بخلاف ما لو غصب ماله أو ضل.
واعلم أن الأئمة ذكروا أن مذهب مالك في الفصل بين الحول الأول وما بعده على ما سبق مبنى على أصل له، وهو أن الإمكان من شرائط وجوب الزكاة، ولا يبتدأ الحول الثاني إلا من يوم الإمكان ويوم الإمكان هاهنا هو يوم الوجدان، فمنه يفتتح الحول الثاني ولا يخرج لما مضى إلا زكاة حول، وهذا الذي ذكروه يقتضي أن يكون للشَّافعي -رضي الله عنه-[مثل قول] 1 مذهبه؛ لأن له قولاً كمذهبه في أن الإمْكان من شرانط الوجوب والله اعلم.
المسألة الثانية: لو اشترى من الأموال الزَّكاوية نصاباً ولم يقبضه حتى مضى حول في يَدِ البَائِعَ، هل تجب الزكاة على المشتري؟ فيه طرق: أحدها: حكى في "النهاية" عن بعض المصنّفين عن القَفّال: أنها لا تجب قولاً واحداً بخلاف المغصوب؛ لأن ملك المشتري ضعيف فيه، ألا ترى أنه لا ينفذ تصرفه، فإن رضي البائع ولو تلف تلف على ملك البائع.
وثانيها: أنه على القولين في المَغْصُوب.

وأصحهما وبه قطع الجمهور: وجوب الزَّكَاة فيها قولاً واحداً بخلاف المغصوب، فإنه يتعذّر الوصول إليه وانتزاعه، وهاهنا يمكنه تسليم الثَّمَن وتسلّم المبيع.
الثالثة: لو رهن ماشيته أو غيرها من أموال الزَّكاة، فقد حكى الإمام والمصنف في "الوسيط" في وجوب الزكاة فيها عند تمام الحول وجهين لامتناع التَّصرف، وعلى ذلك جرى هاهنا فأثبت الخِلاَف في المَرْهُون كما في المغصوب والمجحود ونحوهما، وقطع الجمهور بوجوب الزكاة فيه، وقالوا: لا اعتبار بامْتناع التَّصرف فيه كما في الصَّبي والمَجْنُون، ولهم أن يفرقوا بين الحَيْلُولة وامتناع التصَّرف الواقعين في المرهون وبين الحيلولة وامتناع التصرف الواقعين في المغصوب بأن ما حصل في المرهون حصل برهنه وإقباضه، وهو بما فعل متنفع بملكه ضرباً من الانتفاع - بخلاف المغصوب والمجحود، نعم يجيء في وجوب الزكاة في المرهون الخلاف بجهة أخرى، وهي أنَّ الرهن لا بد وأن يكون بِدَيْن 1 فيأتي فيه الخلاف الذي سنذكره في أن الدَّين هل يمنع وجوب الزكاة أم لا؟ والذي قاله الجمهور جواب على القول المشهور: وهو أنه لا يمنع ثم إذا حكمنا بوجوب الزكاة فيبقى الكلام في أنها تؤخذ من عين المَرْهون أو غيره، وقد ذكره في الكتاب قبيل النوع الثّاني من الزَّكاة سنشرحه إذا انتهينا إليه.
الرابعة: الدَّين الثابت على الغير إمّا أن يكون لازمًا كَمَالِ الكتابة فلا زكاة فيه؛ لأن الملك غير تام فيه، وللعبد إسقاطه متى شاء، وإن كان لازماً فينظر: إن كان ماشية فلا زكاة فيها أيضاً وذكروا له معنيين: أحدهما: أن السّوم شرط لزكاة المواشي، وما في الذّمة لا يتَّصف بالسّوم ولك أَنْ تقول: لِمَ لا يجوز أن تكون الماشية الثَّابتة في الذِّمة موصوفة بوصف كونها سائمة؟ ألا ترى أنا نقول: إذا أسلم في اللّحوم يتعرض لكونه لحم راعية أو معلوفة، فإذا جاز أن يثبت في الذمة لحم راعية جاز أن يثبت في الذمة راعية.
وأصحهما: أن الزكاة إنما تجب في المال النَّامي، والماشية في الذمة لا تنمو بخلاف الدّراهم إذا ثبتت في الذِّمة فإن سبب الزكاة فيها رواجها وكونها معدة للتصرف، ولا فرق فيه بين أن يكون نقداً أو على ملئ، وإن كان الدَّيْن عروض تجارة أو دراهم أو دنانير ففيه قولان: قال في القديم فيما رواه الزعفراني: لا زكاة في الدين بحال؛ لأنه لا ملك فيه حقيقة فأشبه دين المكاتب.

والجديد الصحيح: أنها تجب في الدَّيْن في الجملة، وتفصيله إنه إن كان يتعذر الاسْتِيفاء لكون من عليه معسراً أو لكونه جاحداً ولا بيّنة عليه أو ماطله فهو كالمغصوب، ففي وجوب الزكاة فيه القولان، ولا يجب الإخراج قبل حصوله قطعاً، وفرّق في "العدة" بين الجحود والاعسار فجعل وجوب الزَّكَاة في الصورتين على القولين وبين المُطْل فقطع بوجوب الزَّكَاة فيه، وكذا فيما إذا كان دينه على ملئ غائب، وإن لم يتعذَّر استيفاؤه بأن كان على ملئ مقر باذل فينظر: إن كان حالاً وجبت الزَّكَاة فيه، ويلزم إخراجها في الحال -خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- حيث قالا: لا يؤمر لإخراجها إلا بعد القبض.
لنا: أنه مال مقدور عليه فأشبه ما لو كان مودعاً عند إنْسان وإن كان مؤجلاً ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تجب فيه الزكاة قولاً واحداً كالمال الغائب الذي يسهل إحضاره.
والثاني: أنه لا زكاة فيه قولاً واحداً، ويحكى هذا عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَة؛ لأن من له دَيْن مؤجل لا يملك شيئاً قبل حُلُول الأجل.
والثالث وبه قال أبو إسحاق: أنه على القولين في المغصوب والمجحود؛ لأنه لا يتوصل إلى التّصرف فيه قبل الحُلُول، وهذا أظهر عند الأئمّة.
وإذا قلنا: تجب فيه الزكاة فهل يلزم إخراجها في الحال؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كالغائب الذي يسهل إحضاره.
وأصحهما: لا، حتى يقبضه 1؛ لأنه لو أخرج خمسة نقداً مثلاً وماله مؤجل كان بمثابة [إخراج] 2 ستة وهو إجحاف به، فإن الخمسة نقداً تساوي ستة نسيئة، ولا سبيل إلى القناعة بما دون الخمسة.
الخامسة: المال الغائب إذا لم يكن مقدوراً عليه لانقطاع الطريق أو انقطاع خبره فهو كالمغصوب والمجحود، وذكر في "التهذيب" وجهاً آخر: أنه لا يجب الزكاة فيه لا محالة، نعم لا يخرج في الحال حتى يصل إليه، وإن كان مقدوراً عليه معلوم السَّلاَمة وجب إخراج زكاته في الحَالِ، وينبغي أنْ يخرج في بلد المال، فإن أخرج في غير ذلك البلد ففيه خلاف نقل الصدقة، وهذا إذا كان المال مستقرّاً في بلد، فإن كان سائراً فقد قال في "العدة": لا يخرج زكاته حتى يصل إليه، فإذا وصل زكّاه لما مضى بلا

خلاف 1 ثم أعود بعد هذا إلى ما يتعلق بألفاظ الكتاب.
قوله: أو مجحوداً لا بينة عليه يتناول العَيْن يَجْحَدُها مَنْ أودع عنده والدَّين جميعاً، وإنما قال: لا بينة عليه، لأنه لو كان له بينة عاد له، فالحكم كما لو لم يكن جاحداً؛ لأنه يقدر على الإثبات والاستيفاء، ولو كان القاضي عالماً بالحال، وقلنا: إنه يقضي بعلمه فهو كما لو كانت له بينة.
وقوله: ففي جميع ذلك خلاف أراد بالخلاف الذي أبْهَمَه وجهين في الرُّهون على ما صرح به في "الوسيط"، وقولين في سائر المسائل جواباً على طريقة إثبات القولين فيهما، ألا تراه يقول بعد ذلك، وفي المغصوب قول ثالث؟ ولك أن تعلم قوله: "ففي جميع ذلك خلاف" بالواو إشارة إلى الطرق القاطعة بالنفي أو الإثبات.
وقوله: وفي المغصوب قول ثالث إشارة إلى طريق من خص القولين بما إذا عاد المال إليه بفوائده وإذا ضم ذلك إلى قول من طرد القولين خرجت ثلاثة أقوال كما ذكره، وربما أوهم قوله: "وفي المغصوب قول ثالث" تخصيص هذا القول بالمغصوب من بين سائر الصور، وليس كذلك بل هو جَار في الضَّال والمجحود أيضاً، وقوله: أيضاً قبل ذلك لِحُصُولِ الملك وامتناع التَّصرُّف إِشَارة إلى تَوْجِيهِ القَوْلَيْن فحصول الملك وجه الوجوب وامتناع التَّصَرُّف وجه المنع.
وقوله: وإن لم تعد الفوائد فلا غير مجرى على ظاهره بل المعنى لا بأعيانها ولا بأبدالها على ما سبق بيانه.
وقوله: والتَّعجيل قبل عود المال، وقوله بعده: "لم يجب التعجيل" ليس المراد من التعجيل هاهنا معناه المشهور في الزكاة وهو التقديم على الحول، وإنما المراد التقديم على أخذ المال وقد جرى ذلك في لفظ الشافعي -رضي الله عنه-.
وقوله: والدَّين المؤجل أي: على الموسر المقرّ.
وقوله: قيل: "إنه كالمغصوب" ليس للتسوية على الإطلاق، فإن القول الثالث في المغصوب لا يأتي هاهنا، وإنما الغرض منه التسوية في القولين الأولين وكذا قوله: "وقيل: كالغائب الَّذي يسهل إحضاره" ليس مجرياً على إطلاقه، لأن الغاصب الذي يسهل إحضاره يجب إخراج زكاته في الحال، وفي الدين لا يجب في أظهر الوجهين بل المراد التسوية في وجوب الزكاة قولاً واحداً، ثم يجوز إعلام كلاميهما بالواو وللوجه المعزى إلى ابن أبي هريرة.
قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّانِي تَسَلُّطُ الغَيْرِ عَلَى مِلْكِهِ كالملْكِ فِي زَمَنِ الخِيَارِ، وَالمِلْكُ فِي اللُّقَطَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إِذَا لَمْ يَتَمَلَّكْهَا المُلْتَقِطُ هَلْ تَجِبُ الزَّكَاة فِيهَا؟ فيه خِلاَفٌ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:

جارٍ التحميل