العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 43-82

قلْنا: إنها للحمل، وجبت النفقة على الواطئ كما لزمه نفقته بعد الانفصال، وإن قلنا: للحامل، لم تجب، فإن النكاح الفاسِدَ، لا يوجب النفقة، فعدَّته أَوْلَى بأن لا توجب، والإمام ما رضي بهذا البناء، وقال إنَّما توجب النفقة للحامل من جِهَة قيامها بتربية الولَدِ، فنزلناها منزلة مؤنة الحاضنة، وهذا المعنى يَقْتَضِي الوجوب على الواطئ أيضاً، ولكن مأخذ الخلاف أن الوَلَد إذا كان مجْتَنْاً هل تجب مُؤنَتُه؟ فَعَلَى قولٍ: تجب كالمنفصل، وعلى قولٍ: لا؛ لأنَّ الولد جزء من الأمِّ, ما دام مُجْتَنّاً لا استقلال له، واعلم أن تنزيل نفقةِ الحامل منزلة مُؤْنَة الحاضنة بعد الانفصال، لا اتجاه له، وإن ردَّده الإِمام مراراً لأَنَّ الواجب هناك كفايةُ أمْرِ مَنْ يحضنه إمَّا تبرعاً، وإما بأُجْرة مِنْ غير تقْدِير، وهذه النفقةُ مقدَّرةٌ كنفقة الزوْجَاتِ.
هذا إذا كانت الموطوءة بالشبهة غير منكوحة، فإن كانت منكوحةً وحمَلَتْ من الوطء بالشبهة، فإن أوجبنا النفقة على الواطئ بالشبهة، سقطت عن الزوْج، ولم نَجمع بين نفقتين، وإن لم نوجبها على الواطئ، ففي سقوطها عن الزَّوْج وجهان: أَفْقَههما: السقوط؛ لفوات الاستمتاع عليه.
والثاني: لا يسقط؛ لأنها معذُورةٌ فيه، وهذا ما أورده في "البسيط" واستحسن في "الوسيط" توسُّطاً، وهو أنها إن كانَتْ نائمةً: أو مكرهةً، فلها النفقة، وإن مكَنَتْ على ظَنِّ أنَّه زوجُها، فلا نفقة؛ لأنَّ الظن لا يؤثر في الغرامات 1. الثالثة: المعتدَّة عن الوفاة، لا نفقة لَهَا حائلاً كانت أو حاملاً أمَّا إذا كانت حائلاً؛ فلأن البائنة الحائلة لا نفقة لها على الزوج في حياته، فبعد الموت أَوْلَى، وأما إذا كانت حاملاً، فلأَنَّ النفقة للحَمْل أو للحَامِلِ، إن كانت للحَمْلِ، فنفقة الأقارب تَسْقط بالمَوْت وإن كانت للحامل فبسبب استحقاقها الحَمْل، فإذا كانت نفقته في نفْسِهِ بعد الانفصال، لا تجب بَعْد المَوْت 2، فكذلك النفقةُ الواجبة بسببه.
الرابعة: تَتَقَدَّر النفقة الواجبة كنفقة الزَّوْجة في صُلْب النكاح، أو تعتبر كِفَايَتُها ويزاد وينقص بحَسَب الحاجة؟ فيه طريقان نقلهما الإِمام ومَنْ تابَعَه.
أحدُهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنا إن قلْنا: إن النفقة للحَمْل؟ ففيه وجهان: وجه اعتبار الكفاية النظر للحَمْل؛ حتى لا يتأثر إذا لم يَكْفِها المقدور، وعَدَّه أقيس

الوجهين، وإن قلْنا: للحامل، فلا زيادة كما في صلب النكاح، والثاني أنا إذا قلْنا: إنها للحمْل فتعتبر الكفاية، وإن قلنا: للحامل، فوجهان احتياطاً للحَمْل، ولا بد للتفريعِ عَلَى كلِّ واحدٍ من القولَيْن مِنَ النَّظَرِ إلى معنى القَوْل الآخر، لتعلق الواجِب بالعمل والعامل جميعاً.
والذي أورده أكثرهم: أن هذه النفقة مُقَدَّرة كما في صُلب النكاح، ولا زيادةَ ولا نُقْصَان، وَقَدْ يرونه مُتَّفِقَاً عليه.
الخامسة: إذا مات الزوج قَبْل أن تضع الحَمْلَ، فإن قلنا: إن النفقة للحَمْل، سَقَطَت؛ لأنَّ نفقة القريب تَسقُط بالمَوْت، وإن قلْنا: إنها للحامل، فوجهان: عن ابن الحَدَّاد: أنها تسقط أيضاً لأنها كالحاضنة للولد، ولا تجب نفقة الحاضنة للولد بعد الموت.
وعن الشيخ أبي عليٍّ: أنها لا تَسْقط؛ لأنها لا تنتقل إلى عدة الوَفَاة بخلاف الرجعيَّة بل تعتدُّ عن الطلاق، والطلاق كأنَّه 1 يوجِبُ هذه النفقة دفْعَةً واحدةً فتكون كدَيْنٍ عليه؛ ولهذا يبقى لها حقُّ السكْنَى، ولا يجيءْ فيه القولان في أن المتوفَّى عنها زوجُها، هل تستحق السكْنَى، ورأَى صاحب الكتاب هذا أقْيَسَ، [وقال] كأن الشرع جعل عُلْقة الحَمْل كعُلْقة الرجْعة في إيجَابِ النفقة، وعُلْقة الحمل باقيةٌ، والأصحُّ عند الإِمام ما نُقِلَ عن ابن الحدَّاد وقال: النفقة تجب يوماً فيوماً، ولا تصير الجملة دَيْناً كما في صُلْب النكاح، وأمَّا لفظ الكتاب فقوله: "فلها السكْنَى" لا حاجة إلى ذكْره في هذا الموضع، وقد سَبَقَ ذكْره في باب السُكْنَى في العدة.
وقوله: "والفسخ كالطلاق إن حصل بردته" يجوز أن يُعْلَم بالواو، كسائر الطرق المذكورة.
وقوله: "سَقَطَ جمِيعُ المَهْر" مذكور في موضعه وليس إلى ذكره هاهنا كبير حاجة إلا أنه أشار، به إلى أنه كما يسقط المَهْر، تَسْقط النَّفَقَةُ.
وقوله: "لأن للزوجة ولاية الاستقراض" يشتمل على مسألة مقصودة، نَذْكرْها مع أخواتٍ لها في الباب الأول من "نفقات الأقارب"، ولْيُعْلَم بالواو؛ لما نبينه هناك، ووُجِّه وجْه الرجوع بما إذا أنفقت على الولَدِ المنْفِيِّ باللعان، أنه إذا كانَتْ متمكِّنة من الاستدانة، لم تُجْعَل متبرِّعة بالإنفاق ولا شك أنها إنما ترجع إذا قَصَدَتِ الرجوع، ولا ترجع إذا قصَدَتِ التبرُّع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ): الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ النَّفَقَةِ قَبْلَ الوَضْعِ بِنَفْسِ الحَمْلِ

لِظَاهِرِ الآيَةِ، فَإِنْ بَانَ أَنْ لاَ حَمْلَ اسْتَرَدَّ، وَإِنْ تَأخَّرَ وَظَهَرَ الحَمْلُ وَجَبَ التَّسْلِيمُ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لِلْحَمْلِ فَإنَّهُ يُسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الرَّقِيقِ وَلاَ عَلَى الحُرِّ فِي المَوْلُودِ الرَّقِيقِ، وَإِنْ قُلْنَا لِلحَامِلِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ولا يجب تسليمُ النفقة قَبْل أن يَظْهر الحَمْل سواءٌ جعَلْنَاها للحَمْلِ أو للحَامِلِ، وإذا ظَهَر، فيَجِبُ التسليم يوماً بيومِ أو تُؤَخَّر إلى أن تضع، فيُسلَّم الكلُّ دفعةً، واحدةً؟ فيه قولان: أحدهما: تُؤَخَّر؛ لأن البينونَة مُسْقِطة للنَّفقَةَ، والحَمْلُ غير مستيقَنٍ.
وقد يُظَنَّ، فيتبين خلاف المظنون، فلا يوجب التسليم إلا بيقين، وأصحُّهما، وهو اختيار المزنيِّ أنه يعجل التسليم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، والقولان يبنيان على الخِلاَفِ المعرُوفِ في أن الحَمْل هل يُعْرف، والأصحُّ أنه يعرف، ولذلك نقول: لو خرجَتِ الجارية المشتراةَ حاملاً يَردُّها, ولا تُؤْخَذ الحامل في الزكاة، وتجب الخلفات في الدية وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَلاَ لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ" 1. التفريع: إن قلْنَا: يُؤخَّر التسليم، فلو قالت: وضعْتُ الحمل، وأنكر الزوجْ فعليها البيِّنةُ على الوضْع، وإن قلْنا: يعجل، وادعت ظهور الحَمْل، وأنكر، فكذلك، وتُقبل فيهما شهادة النساءِ, وذكر القاضي ابن كج أنَّ أبا الحُسَيْنِ حكَى عن بعض الأصحاب أنه لا يُعْتَمد قولُهُن، إلا بعد مضي ستة أشهر، وأن الجمهور لم يشْتَرِطوا ذلك، ولو كان ينفق على ظَنِّ الحملْ، ثم بأن أنه لا حَمْلَ، فإن أوجَبْنا التعجيل قبل الوضع، فله الاسترداد؛ لأنه سلَّم عن جهة الواجب، وقد تَبيَّن خلافُه، فأشبه ما إذا ظن أن عليه دَيْنَاً، فأداه، ثم بأن خلافُهُ، وما إذا أنْفَقَ على أبيه على ظَنِّ إعساره، وبان يساره، وعن القاضي الحُسَيْن أنه احتجَّ لذلك بما رُوِيَ أن أبَيَّ بن كعْب -رضي الله عنه- عَلَّمَ رَجُلاً القُرآنَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، فَأَهْدَى لَهُ قَوْساً، فقال له النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- "إنْ أَخَذْتَهَا، أَخَذْتَ قَوْساً مِنَ النَّارِ" 2 ويقال: إن ذلك الرجل ظَنَّ وجوب الأجرة عليه مِنْ غَيْر شرط، وكان يُعْطِي

القوس على ظَنِّ أنه يعطي عن الواجب عليه، فمنع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أخذه، وإن قلْنا: لا يجب التسليم قَبْل الوضْع، فإن أمر الحاكم به، فيسترد أيضاً، وإلا فإنْ لم يَذْكُر أن المدفوع نفقةٌ معجَّلةٌ، لم يسترد، وجُعِلَ متطوعاً، وإن ذَكَرَ أنه نفقة معجَّلَة، فإن شرط مع ذلك الرجُوعَ، رَجَعَ، وإلا فوجهان: أصحُّهما: أنه يرجع، وقد يُرتَّبان على الخلافِ في مثل هذه الصُّورة في تعجيل الزكاة، وهذه أوْلَى بالرجوع؛ لأنه تَبيَّن بالأجرة حُصُول الوجوب عند التسليم، وفي الزكاة بخلافه، وخرج القفَّال مما نحن فيه أن الدَّلاَّل إذا باع متَاعاً لرجل، فأعطاه المشتري شيئاً، وقال: وهَبْته منك، أو قال له الدلال وهبته منى، فقال: نَعَمْ، هل يحلُّ له قَبُوله وأخْذُه؟ قال: إن علم المشتري أنَّه لَيْس علَيْه أن يعطيه شيئاً، فله قَبُوله، وإن ظَنَّ أنه يجب عليه أن يعطيه، ويهب منه، فلا, وللمشتري الرجُوعُ فيه، وأجرة الدَّلاَّل على البائع الذي أمره بالبَيْع 1. فَرْعٌ: لو أنفق على التي نكَحَها نكاحاً فاسداً مدَّةً، ثم بان فسادُ النكاح، وفرق بينهما، قال الأصحاب لم يسترد ما أنفق بل يجعل ذلك في مقابلة استمتاعه بها وإتلافه منافعها فإن كانت حاملاً أوجبْنا النفقة بناء على أن النفقة للحَمْل، فعدم الاسترداد أظهر ثم في الفصْل صُوَرٌ تتعلَّق بالخلاف في أن النفقة للحَمْل أو للحامل.
إحداهما: لو لم يُنْفِق عليها، حتى وضَعَتِ الحمل، أو لم ينفق في بَعْض مدة = ابن الصامت، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث مغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه، قال: علمت أناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن، فأهدى إلى رجل منهم قوساً، الحديث، ومغيرة مختلف فيه، واستنكر أحمد حديثه، وناقض الحاكم فصحح حديثه في المستدرك.
واتهمه به في موضع آخر، فقال: يقال إنه حدث عن عبادة بن نسي بحديث موضوع، والأسود بن ثعلبة قال ابن المديني في كلامه على هذا الحديث: إسناده معروف إلا الأسود فإنه لا يحفظ عنه إلا هذا الحديث، كذا قال مع أن له حديث آخر من روايته عن عبادة بن الصامت أيضاً، رواه أبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال، وثالث أخرجه الحاكم في النساء تطهير، ورابع أخرجه البزار في الفتن، كلاهما من حديث معاذ بن جبل، ولم ينفرد به عن عبادة، بل تابعه جنادة بن أبي أمية، رواه أبو داود والحاكم والبيهقي، لكن قال البيهقي: اختلف فيه على عبادة، فقيل عنه عن الأسود بن ثعلبة، وقيل عنه عن جنادة، ورواه الدارمي بسند على شرط مسلم من حديث أبي الدرداء، لكن شيخه عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل لم يخرج له مسلم، وقال فيه أبو حاتم: ما به بأس، قال دحيم: حديث أبي الدرداء في هذا ليس له أصل.

الحَمْل، فإن قلْنا: لا يجب التعجيل، بل يُؤَخّر إلى الوضع، لم تسقط نفقة المدة الماشية، وإلاَّ، فلا يكون الايجابُ مفِيداً وإن أوجبْنا التعجيل، فمنهم مَنْ قال: يُبْنَى سقوط نفقة المدة الماضية على أن النفقة للحَمْل أو للحاملْ؟ إن قلْنا: للحامل، لا تسقط، وتصير دَيْناً في الذمة، كنفقة الزوجة، وإن قلْنا: للحمل، يسقط؛ لأن نفقة القَرِيب تَسْقط بمضيِّ الزمان، وهذا ما أورده المتولِّي وصاحب الكتاب، ومنْهم مَنْ قال: لا تسقط، وإن قلْنا: إنها للحَمْل؛ لأن المرأةَ مستحقةٌ لها، وانتفاعها بها أكبر من انتفاع الحمل، فكان كنفقة الزوجة؛ ولذلك قلنا بأنها تَتقدَّر، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره.
وقد حكى الطريقَيْنِ الشيخُ أبو عليٍّ وقال: ظاهر المذهب ما عليه الجمهور: أنها لا تسقط على القولَيْنِ، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب: "فإنه تسقط بمضي الزمان" بالواو.
[و] الثانية: نفقة البائنة الحَامِل، هل تجب على الزوج الرقيق قال الأصحاب: يُبْنَى ذلك على القولَيْن في أنَّ النفقة للحَمْل أو للحَامِل؟ إن قلْنا: للحمل، لم تجِبْ عليه؛ لأن الرقيق لا يلزمه مؤنة القريب ونفقته، وإن قلنا: للحامل، وجب، وكان شَغْل مائِهِ الرَّحمَ كرابطة الزَّوْجية.
الثالثة: لو كان الحمل رقيقاً لكون الأم رقيقةً، ففي وجوب النفقة على الزوْج حرّاً كان أو رقيقاً قولان: إن قلْنا: إن النفقة للحَمْل، لم تجب عليه، بل هي على المالك، وإن قلْنا: للحامل، وجبت، ومن فروع القولَيْن صور أخر: منها: ذكر القاضي ابن كج أنَّه إذا كان الحمْل موسراً، وقلْنا: إنَّ النفقة للحَمْل، وإنَّها تُؤَخَّر إلى الوَضْع، فإذا وضَعَتْ، سلمت النفقة من ماله إلى الأم، كما تنفق عليه من ماله في المستقبل، قال: ويُحْتمل عنْدِي أن يكون ذلك على الأب، وإن قلْنا: يجب التعجيل، فلا تُؤْخَذ من مال الحمل، كما لا يوجب فيه الزكاة والمؤنَات، ولكِنْ ينفق الأب عليها، فإذا وضَعَت، ففي رجوعه في مال الصبيِّ وجهان.
ومنها: قال ابن الحدَّاد: لو اختلف المبتوتة والزوج في وقْت الوضع، فقالت: وضعت اليوم وطالبته بنفقة شَهْرٍ قبله، وقال: بل وضعَتْ منذ شهر، فالقولُ قول المرأة، وعليه البينة؛ وذلك لأنَّ الأصْل عدم الولادة، واستمرار النفقة، ولأنها أعرف بالولادة، وهذا ظاهر على قوْلِنا: إن النفقة للحامل، أما إذا جعلْناها للحمل، فهو مبنيٌّ على أن هذه النفقة لا تسقُطُ بمضيِّ الزمان، إلا فلا يمكنها المطالبة بنفقة ما مضى، ولو كانت المبتوتة رقيقةً، وفرض هذا الاختلاف، فإن قلْنا: إن النفقةَ للحَمْل، فلا معنى لِهَذا الاختلافِ، ولا شَيْء عليه لا قَبْل الوضع ولا بعده، وإن قلْنا: للحامل، فالحُكْم كما في الحُرَّة، ولو وقع هذا الاختلاف بين الموطوءة بالشبهة أو المنكوحة نكاحاً فاسداً وبين

الواطئ، فإن أوجبْنا لها النفقةَ بناءً على أن النفقة للحَمْل، فالقَوْلُ قولُهَا مع اليمين، وإن لم نُوجِبْ، فلا معنى لهذا الاختلاف، لكن لو اختلفا عَلَى العكس؛ لنفقة الولد، فقالت: ولدت منذ شَهْرٍ، فعليك نفقة الوَلَدِ لمدة شهر، وقال: بل وضعْتِ أمس، فإذا يبنى على أن الأم إذا أنفقت على الوَلَدِ أو استدانت لنفقته، هل ترجع على الأب وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
ومنها: ذكر أبو سعيد المتولِّي أنَّها لو أبرأَتِ الزوْجَ عن النفقة، فإن قلْنا: إنها للحامل، سقَطَت، وإن قلْنا: للحمل، لم تسقط، ولها المطالبة بعْد الإبراء، ولك أن تقول: إن كان الإبراء عَنْ نفقة الزمان المستقبل، فقد مَرَّ حكمه، وإن كان عَمَّا مضى، فالنفقة مصروفة إليها على القولَيْن، وقد مر أن الظاهر أنها تَصِيرُ دينًا لها حتى تصرف إليها بعْد الوضع أيضاً، فينبغي أن يصحُّ إبراؤها على القولين.
وذكر أنه لو أعتق أم ولده، وهي حاملٌ منه، لزمت نفقتها، إنْ قلْنا: إن النفقة للحمل، ولا يلزم إنْ قلنا: إنها للحامل، وأنه لو مات وترك أباه وامرأته حُبْلَى، لها مطالبة الجَدِّ بالنفقة، إن قلْنا: إن النفقة للحمل، وإن قلْنا: إنها للحامل، فلا مطالبة، وقطع في "التهذيب" بأنها لا تطَالِبُ الجَدَّ؛ لأنها نفقة مصروفة إلى الزوْجة؛ فلا يجب على غير الزوج، ويقرب منه كلام الشيخ أبي عليٍّ.
ومنْها: لو نشزت المرأة، وهي حامل، حكى القاضي ابن كج تخريجَ سقُوطِ النفقة على أنها للحامل أو للحمل؟ والصحيح سقُوطها، والتردُّد في البائنة لا في الزوجة، والله أعلم.

البَابُ الثَّالِثُ فِي الإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ مُوجِبٌ (ح) لِلْفَسْخِ فِي أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ، وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَافٍ (الطَّرَفُ الأَوَّلُ فِي العَجْزِ) وَنَعْنِي بِهِ أَنْ يَعْجَزَ عَنِ القُوتِ بِالفَقْر، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِالمَنْعِ مَعَ الغِنَى فَقَدْ قِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ فَسْخَ لأَنَّهُ ظُلْمٌ، وَالقَادِرُ بِالكَسْبِ كَالقَادِرِ بِالمَالِ، وَالعَجْزُ عَنِ الأُدْمِ لاَ يُؤَثِّرُ عَلَى الأَصَحِّ، وَفِي العَجْزِ عَنِ الكُسْوَةِ أَوِ المَسْكَنِ أَوْ نَفَقَةِ الخَادِمِ وَجْهَانِ، وَلاَ يؤَثِّرُ العَجْزُ عَنِ المَهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلاَ يُؤَثِّرُ العَجْزُ عَنْ نَفَقَةِ الزْمَانِ المَاضِي بَلْ ذَلِكَ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌ فِي ذِمَّتِهِ فَرَضَهُ القَاضِي أَوْ لَمْ يَفْرِضْهُ (ح)، وَلَوْ قَدَرَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى ثُلُثِ المُدِّ فَلَهَا الفَسْخُ، وَإنْ قَدَرَ عَلَى النِّصْفِ فَوَجْهَانِ إِذْ فِي الخَبَزِ أَنَّ طَعَامَ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ البَابِ الكلامُ فيما إذا أعْسَرَ الزَّوْجُ، وعَجَز عن القيام بمؤنات

الزوْجَةِ الموظفات عليه والذي نصَّ عليه الشافعي -رضي الله عنه- في كتبه قديماً وحديثاً: أنه إذا أعْسَرَ بالنفقة، كانت المرأة بالخيار، إن شاءت، صَبَرَتْ وأنفقت من مالها، أو استقرضت ونفقتها في ذمته إلى أن يُوسِرَ، وإن شاءت، طلَبَتْ فسْخَ النكاح.
وقال في بعض الكتب بعد ذكر ذلك: وقد قيل: إنه لا خيار لها، واختلف الأصْحَابُ عَلَى طريقَيْن: أظهرهما: أن في المسألة، قولَيْنِ: أصحُّهما: أن لها خيارَ الفَسْخ، وبه قال مالك وأحمد؛ لِمَا رُوِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنهما-: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: في الرجل لا يجِدُ ما يُنْفِقُ على امرأته: "يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" 1: ويروى مَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وسئل سعيد بن المُسيِّب -رضي الله عنه- عن رَجُلٍ لا يجد ما ينفق على أهْلِهِ قال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، فقيل له: سُنَّةٌ؟ قال: نَعَمْ، سُنَّةٌ 2 " قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: الذي يشبه أن يكون قول ابن المسيِّب -رضي الله عنه- أنَّه سُنَّةُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأيضاً فالعجز عن الوطء بالجبِّ والعُنَّة يُثْبِت حق الفسخ، فالعَجْز عن النفقة [أولى؛ لأنَّ الصَّبْر عن الاستمتاع أسْهَلُ من الصبر عن النفقة] وعبر عن ذلك بأن النفقة أمْرٌ مقصودٌ بكل نكاحٍ، فيَثْبُت الخِيَارُ بفَقْدِهِ، كالاستمتاع، وقَصَدَ بالقيد المذكور الاحترازَ عن الزيادة على نَفَقَةِ المُعْسِرين، وعن نفقة الخادمة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: أنَّه لا فَسْخ لها؛ لأنَّ المُعْسِر مُنْظَرٌ، ولأنَّ الفَسْخ يُفوِّت حقه، وترك الفسخ يُؤَخِّر حقها، والتفويت أشَدُّ من التأخير، ولأنها نفقةٌ واجبةٌ، فلا يثبت بها حقُّ الفَسْخ، كالنفقة الماضية.
قال القاضِي الرُّويانيُّ: قال جَدِّي: وبهذا أفتى.
والطريق الثاني: القطْعُ بالقَوْل الأوَّل، وحمْلُ الآخر على حكايته مذْهَب الغَيْر، وهذا أظهر عند القاضيين ابن كج والرويانيِّ، وإذا قلْنا بالأصحِّ، احتجنا إلى معرفةِ ما يثبت طلَبَ التفريق، ومعرفة حقيقة هذا التفريق، ووقته ومَنْ له طلبه، فجعل صاحب الكتاب الكلامَ في أربعة أطراف: أما الأول، ففيه مَسَائِلُ:

إحداها: المُثْبِت لِحَقِّ الفَسْخ العجزُ والإعسارُ، أما إذا امتنع عن تسليم النفقة، مع وِجْدَانها، ففيه وجهان: أحدهما: أن لها حقَّ الفسخ؛ لأنها لا تصل إلى حقِّها وتَتضرَّر، فيجعل الامتناع كالعجز.
وأظهرهُما: المَنْعُ؛ لأنها تَتَمكَّن من تَحْصِيل حقِّها بالسلطان؛ بأن يلزم بالحبس وغيره، وإن كان له مالٌ ظاهرٌ، أنفق السلطانُ منه، وليس ذلك موْضِعَ الخلاف، وكذا لو قَدَرَت المرأة على شيْءٍ من ماله 1، ولو غاب، وهو مُوسِرٌ في غيبته، ولا يوفيها حقَّها، جرى الوجهان، فعلى الأظهر: لا فسخ، وكان المؤثر، تعيّبه بخراب الذمة وهو من الموسرين، ولكن يبعث الحاكم إلى حاكم بَلَدِهِ ليطالبه، إنْ كان موضعه معلوماً، وعلى الوجْهِ الآخر: يجوز الفسْخُ إذا تعذَّر تحْصيلُها, ولا تكلف أن تصبر وتتحمل الضرر، وهو اختيار القاضي الطبريِّ، وإليه مال ابن الصبَّاغ، وذكر القاضي الرُّوياني وابن أخته صاحب العُدَّة: أن المصْلَحَة الفتوى به، وإذا لم نُجَوِّزِ الفسخَ، والغائبُ موسرٌ، فلو لم نَعْلَمْ أنَّه موسر أو مُعْسِر، فكذلك الحُكْم؛ لأن السبب لم يَتَحقَّق، ومهْما ثبَتَ إعسار الغائِب عند حاكم بلَدِها، فيجوز الفسْخُ أو لا يَفْسَخ حتى يبعث إلَيْه، فإن لم يَحْضُرْ، ولم يبعث النفقةَ فحينئذ يَفْسَخ؟ ذُكِرَ فيه وجهان: أصحُّهما: الأول، وهو الذي أورده في "التتمة"، ولو كان الرجل حاضراً، وماله غائب، فإن كان على ما دون مسافة القَصْر فلا خيار، ويؤمر بتعجيل الإحضار، وإن كان على مسافة القصر فلها الخيار، ولا يلزمها الصبر، وقد يحتج بهذا لأحد الوجهَيْن، فيما إذا غابَ، وهو موسر في الغَيْبة، وفرق صاحب "التهذيب" بينهما بما لا يَقَع، فقال: إذا كان المال غائباً، فالعجز عن جهة الزوج، وإذا كان الزوج غائباً، وهو موسر، فقدْرَتُه حاصلةٌ، والتَّعذُّر مِنْ جهتها.
ولو كان له دَيْنٌ مُؤَجَّل على إنسانٍ، فلها الخيار، إلاَّ أنْ يَكُون الأجَلُ قريباً، وُيشْبه أن يضبط القرب بمدَّة إحضار المال الغائب إلى ما دون مسافة القَصْر 2، ولو كان حالاً، فإن كان على المُعْسِر، فلها الخيار، وإن كان على مُوسِر، حاضر، فلا خيار، وإن كان غائباً، فعن "الحاوي": أنَّه على وجْهَيْنِ، كما لو كان الزَّوْج غائباً، وهو موسر، ولو كان له على زوجته دَيْنٌ، فأمرها بالإنفاق منه، فإن كانتْ موسرة، فلا

خيار، وإن كانت معْسِرةً، فلها الخِيَار؛ لأنَّها لا تَصِلُ إلَى حقِّها من ماله، والمُعْسِر مُنْظَرٌ، وعلَى قياس هذه الصُّوَر، لو كان له عقار ونحْوهُ، لا يُرْغَب في شرائه، ينبغي أن يكون لها الخيارُ، ومَنْ عليه دُيُونٌ تسْتغرق مالَهُ، لا خيار لزوجته، حتى يُصْرَف ماله إلى الدُّيُون، ولو تَبرَّع متبرِّع بأداء النفقة عن المُعْسِر، لم يلزمُها القبول، ولها الخيار، كما لو كان له ديْنٌ على إنسانٍ، فَتَبَرَّع غيره بقضائه، لا يلزمُهُ قَبُولُه؛ وهذا لأنَّ فيه تحمُّل مِنَّةٍ من المتبرِّع، وحكَى القاضي ابن كج: أنه لا خيار لها والظاهر الأوَّل، ويجُوز أن يُوَجَّه الخلاف؛ بأن الفسخ لنُقْصان الزوج وتعيبه بخراب ذمته أو لتضرُّرها بتَعذُّر النفقة، كما وُجِّه بالمعنَيَيْنِ الخلاف فيما إذا كان الزوْجُ غائباً، وهو موسر وفي "التَّتمة": أنه لو كان بالنفقة ضامِن، ولم نُصحِّح ضمان النفقة فالضامن كالمتبرِّع، وإن صحَّحناه، فإن ضَمِن بإذْن الزوج، فلا خيار لها، والضامن في أداء النفقة ينزل منزلة الزوج، وإنْ ضَمِن بغير إذْنِهِ، فوجهان؛ لأنه كالمتبرِّع، لكن الحق ثابتٌ، والمطالبة متوجِّهة.
ولو أن المُوسِر كان لا يعطيها إلا نفقةَ المُعْسِر، فلا خيار لها؛ لأنَّهُ يكفي قواماً، والباقي يصير دَيْناً في ذمته.
الثانية: القُدْرة بالكسب كالقُدْرة بالمال، فلو كان يكسب كلَّ يومٍ قَدْر النفقة، فلا خيار؛ لأنَّ النفقة هكذا تجب، وليس علَيْه أن يَدَّخِر للمستقبل، ولو كان يَكْسِب في يوم ما يكفي لثلاثة أيام، ثم لا يكْتَسِب يومَيْنِ أو ثلاثاً، ثم يكتسب في يوم ما يَكْفِي للأيام الماضية، فلا خيار؛ لأنه ليس بمعسر، ولا تشق الاستدانة؛ لما ينفق من التأخير السِيَر، وكذلك الحُكْم في النساج الذي ينسج في الأسبوع ثوباً تَفِي أجرته بنفقة الأسبوع، حكاه صاحب "الحاوي" عن أبي إسْحَاقَ، وأورده كذلك صاحب "المهذب" و"التهذيب" لكن ذكَرْنا في المال الغائِب على مسافة القَصْر: أن لها الخِيَارَ، وقد يمكن إحْضَاره فيما دون أسبوع، والوجه التَّسْوِية 1.

وإذا عَجَز العامل عن العمل لمرض، فلا فَسْخ، إن كان يُرْجَى زواله يومين أو ثلاثةً، وإن كان تَطُول مدته، فلها الخيار، وحكى في "التتمة" وجهَيْنِ فيما إذا كان يكسب في بعض الأسبوع ما يكفي لجميعه، فتعذَّر عليه العَمَل في بعض الأسابيع، لِعَارِضٍ، وقال: الصحيح ثبوتُ الخيار، وإذا لم يستعمل البَنَّاء والنَّجَّار أحد، وتعذَّرَت النفقةُ كذلك، فعن الماوَرْدِيِّ: أنَّه لا خيار، إن كان ذلك يَقَع نادراً، وإن كان يقع غالباً، فلها الخيار.
والقادِرُ عَلَى الكسب إذا لم يكْتَسِبْ، كالموسر الممتنع، إن أوجبنا عليه الاكتسابَ، لنفقة الزوجة، وفيه خلافٌ سنذكره.
الثانية: النفقة التي تُثْبت الفسْخَ بالعجز عَنْها نفقةُ المعسرين دون نفقة المتوسطين والموسرين، وهذا شخْصٌ قد عاد من حَدِّ اليسار إلى حَدِّ الإعسار، ولو قَدَرَ كلَّ يوم على دُونَ نصْفِ المُدِّ، فلها الفسخ؛ لأنه لا يَكْفِي، ولو قَدَرَ عَلَى النِّصْف، فوجهان: أصحُّهما: الجواز كذلك.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنه يصلح بلاغاً، وقد ورد في الخبر أنَّ طعامَ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ 1 ويجْرِيان فيما لو كان يجد يوماً مدّاً، ويوماً نصْفَ مُدٍّ، وأجريا أيضاً فيما إذا كان يجد يوماً مدّاً، ويوماً لا يجد شيئاً، ولو كان يجد بالغداة ما يُغَديها، وبالعَشِيِّ ما يُعَشِّيها، فوجهان: أحدهما: أن لها الخِيَارَ؛ لأنَّ نفقة اليَوم لا تبعَّض، وأصحُّهما على ما قال في "التهذيب" 2: لا خيار لَهَا؛ لوصول وظيفة الَيوم إلَيْها، وهل يثبت الخيار بالإعسار [بالأُدْم] 3 فيه وجهان: أحدهما: نَعَم؛ لعسر الصبْر على الخُبْز البحت دائماً، وبه قال الداركيُّ، ورجَّحه الرويانيُّ.
والثاني: لا؛ لأنَّه تابعٌ، والنفس تقوم بدونه، وهذا أصحُّ عند الإمامين أبي حامد والقَفَّال وغيرهما -رحمهم الله- وتابَعَهُمُ الإِمام وصاحب الكتاب والفرَّاء -رحمهم الله- وعن "الحاوي" تَوَسُّطٌ وهو أن القُوتَ إنْ كان بحيث ينساغ للفقراء بلا أُدْم، فلا خيار لفقد الأُدْم، وإلاَّ، فيثبت الخيار.

ويثبت الخيار بالإعسار بالكُسْوة؛ لأنه لا بُدَّ منها, ولا تَبْقَى النفس بدُونها، وفيها وجْهٌ آخَرُ: لأنها ليست من ضرورات الخِلْفة، ويقال: إن من الناس صنْفاً لا يلبَسُون الثِّيَاب، والظاهر: الأول.
ومنهم مَنْ قطع به، وفي الإعْسَار بالمسكن وجهان: وجه المنع: أن النفس تَقُوم بدُونِه، فإنها لا تَعْدَمُ مسجداً أو موْضِعاً مباحاً، وبهذا قال الشيخ أبو حامِدٍ فيما حكاه عن الشيخ أبي عَلِيٍّ سماعاً، ورجَّحه صاحب "التهذيب"، والأصحُّ: ثبوت الخيار؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له من مسكن يأْوِيهِ من الحَرِّ والبَرْدِ يقيه، والحِوَالَةُ على المسجد كالحِوَالَة في النفقة على السؤال والْتِقَاطِ السنابل، وهذا أوجه، واختاره الشيخ أبو عليٍّ وابن الصبَّاغ والرُّويانيُّ، والإعسار بنفقة الخادمة لا يَثْبُت الخيار؛ على الظاهر المنصوص؛ لسهولة الصَبر عنْها، وأكثر الناس يقومون بأمرهم بلا خادم وذكر وجه: أنه يُثْبِت الخيار؛ لأنها نفقة مستحَقَّة بالنكاح، فأشبَهَتْ نفقة المخدومة.
الرابعة: في الإعسار بالمَهْر طرقٌ: أحدها: وبه قال أبو عليٍّ وابن أبي هُرَيرَةَ والطبريُّ وأبو حفْصٍ ابن الوَكِيلِ والقاضي أبو حامِدٍ: أنه إن كان قَبْل الدخول، ففي ثبوت الخيار به قولان: أحدهما: المنع؛ لأن النفْس تقوم بدون الصداق، فأشبه نفقة الخادمة.
والثاني: يثبت؛ لأنه عَجْزٌ عن تسليم العوضِ، والمُعَوَّضُ باقٍ بحاله، فأشبه ما إذا أفْلَسَ المشتري بالثمن، وإن كان بعد الدخول، فلا فسخ بلا خلاف؛ لأنه تلف المُعَوَّض، وصار العِوَض دَيْناً في ذمَّته، ولأن تسليمها يُشْعِر برضاها بذمته، وإذا مَنَعْنَاها مِنَ الامتناع بعد ما سَلَّمَت نفْسَها، فَلأَنَّ لا تُسلِّطَهَا على الفَسْخ كانَ أَوْلَى، وأظهرهما عند الشيخ أبي حامِدٍ والقاضي الرُّويانيِّ وغيرهما: أنه يَثْبُت الخيار قبل الدخول بلا خلاف، وفيما بعده قولان: أحدهما: لا يثبت؛ لما ذكرنا.
والثاني، ويحكى عن نَصِّه -رضي الله عنه- في "الإملاء" أنه يثبت؛ لأنَّ البُضْع لا يتْلَفُ حقيقةً بوطأةٍ واحدةٍ، وقد أشير إلى بناء القولَيْن على تردد في أن المقابل بالمهر الوطاة الأُولَى فيكون المُعوَّض تالِفاً، ويمتنع الفَسْخ أو في مقابلة جميع الوطآت، فيكون بعض المعوَّض تالفاً، فيشبه بقاء بعْض المبيع في يدِ المُفْلِس.
والثالث: طرد القولَيْنِ في الحالَيْنِ.
والرابع: القطْعُ بثبوته قبل الدخول، وبالنفي بعْده وبه قال أبو إسحاق.
والخامس: القطْع بأنه لا يثبت في الحالتين، وهو الأصحُّ عند الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله-؛ لأنه ليس في فوات المَهْر وتأخيره مثْلُ ضَرَرِ فوات النفقة، وليس هو على قياسِ الأعواض، حتى ينفسخ العَقْد بتَعذُّره، ورتَّب مُرتِّبون المَهْر عَلَى

النفقة، ثم اختلفوا، فقال قائلون: إن لم يثبت الخيار بالإعسار في النفقة، فالإعسار بالمَهْرِ أوْلَى، فإن أثبتناه فَفِي المَهر قوْلاَن، وعكس آخرون، فقَالُوا: إن أثبتا الخيار في النفقة، ففي المَهْرِ أوْلَى، وإلاَّ فقولان، والفرق على هذا أن النفقة في مقابَلَةِ التمْكِين والاستمتاع، فإذا أعسر بها، فحقها أن تقطع التمكين والطاعة؛ لأن الفسخ والمَهْر في مقابَلَةِ مِلْك البُضْع، فإذا أعْسَرَ به، كان لها أن تَقْطَع الملك، وتخرج من هذا الترتيب الثاني: طريقةٌ قاطعةٌ بثبوت الخيار بالإعسار وبالمهر، فإذا أخذت حاصل الطرق ورمت الاختصار، قلت: في المسألة ثلاثةُ أقوالٍ ذكره في التهذيب.
أحدها: ثبوت الخيار قبل الدُّخُول أو بعده.
والثاني: المنع في الحالَيْنِ.
والثالثْ الفرق بين ما قَبْلَ الدُّخُول وَبَعْده، والأصَحُّ منها الأول عنْد صاحب "التهذيب" وغيره.
والرابعة: الفارق عند أكثرهم، ولا خيار للمفوضة بعَجْزه عن المَهْر؛ لأَنَّها لم تستَحِقَّ المَهْرَ بالعَقْد على الصحيح، ولكنْ لها المطالبة بالفرض، فإذا فرض، كان كالمُسمَّى في العَقْد.
الخامسة: إذا لم يَنفِقْ على زوجته مدَّةً، وعَجَز عن أدائها, لم يكن لها الفَسْخ بسبب ما مَضَى حتَّى لو لم تفسخ في اليوم الَّذِي يَجُوز لها الفسخ ثم وجد النفقة فيما بعده عن الأيام لم يكن لها الفسخ بنفقة الأمس وما قبله، وينزل ذلك منزلة دَيْنٍ آخَرَ لها عليه، وفي "التتمة" ذكر وجْه أنَّ الإعسار بنَفَقَةِ الزمان الماضي كالإعسار بالصَّدَاق بَعْد الدخول، والمَشْهُور الأوَّل، ثمَّ نفقَةُ الزَّمَانِ الماضِي لا تسقط، بل تَصِير دَيْناً في الذمة، إذا كانت مقيمةً على طاعته، سواء ترك الإنفاق متعدياً أو لعَجْزه وسواء قَضَى القاضي بنفقتها، وفَرَضَ، أوْ لَمْ يَفْرِض، وبه قال مالك وعند أبي حنيفة: لا تَصير دَيْناً إلا بِفَرْض القاضي وعن أحمد -رحمه الله- روايتان كالمذهبَيْن.
لنا: أن النفقة عِوَضٌ عن الطاعة والتمكين، فإذا بَذَلَتْ ما عليها، وَجَب أن ما يستقر لها, وليست كنفقة القريب؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ صيانة له على الهلاك، ونفقة الزوجة تجب عوضاً، ولذلك تجب على الموسر والمعسر بخلاف نفقة القريب، والإدَامُ ونفقةُ الخادِمَةِ يَثْبُتَان في الذمة كنفقة 1 الزوجة: وثبوت الكسوة في

الذِّمَّة ينبني على أن الواجب فيها التمليك أو الإمتاع، إن أوجبنا التَّمْليك، تثبت في الذمة، وإلا، لم تثبت كمؤنة السُّكْنَى وخُرِّجَ من النفقة في [مؤنة] السكنى أنها تثبت أيضاً وفي كتاب القاضي ابن كج: أن أبا الحُسَيْن حكَى عن القديم قولاً أن نفقة الخادِمِ لا تَصير دَيْناً، وهذا ما أورده في "التتمة" ويعود إلى لفظة الكتاب قوله: "وهو موجب للفسخ" مُعْلَم بالحاء، ويجوز أن يعلم قوله: "في أظهر القولين" بالواو؛ للطريقة القاطعة.
وقوله: "فإن تَعذَّر بالمنع مع الغِنَى، فقد قيل بطَرْدِ القولَيْن، وقيل: لا فَسْخَ" إطلاق الطريقين في سياق الكتاب غَيْرُ مُسْتَحْسَن؛ لأن قوله: "والنظر في أطراف" إلى آخرها مفرَّعٌ على أظهر القولَيْن، وهو ثبوت الفسخ بالإعسار؛ ألا تراه يقول في آخر الباب "وإن قلْنا: إن الإعسار لا يُوجِب الفَسْخَ أصلاً"، وإذا كان التفريعُ عليه لم يحسن التعرُّض فيه للقول الآخر.
بل الحسن الاقتصارُ على ذِكر الوجهَيْن أعني فيما إذا امْتَنَع مَعَ الغِنَى.
وقوله: "لأنه ظُلْمٌ" يعني أن العجز هو المحوج إلى الفسخ، فأما الظلم، فأما الظلم، فيدفعه السلطان وقوله: "وفي العجز عن الكسوة أو المسكن أو نفقة الخادم وجهان: يجوز أن يُعْلَم لفظ "الوجهان" منه بالواو؛ لما حكينا من القطْع في نفقتها، وقوله: "ولا يؤَثِّر العَجْز عن المهر على الصحيح" الذي أورده صاحب الكتاب في "الوسيط" طريقان: أحدهما: القطْع بأنه لا خيار بالإعْسَار بالمَهْر.
والثاني: أن فيه قولَيْنِ كما في النفقة، ويشبه أن يريد بقوله: "على الصحيح" الأول من هذين الطريقين، والراجِحُ عند الأكثرين خلافُهُ، كما عرفته، وقوله: "ولا يؤثر العجز عن الزمان الماضي" ليعلم بالواو وقوله "أو لم يفرضه" بالحاء والألف؛ لما مَرَّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي حَقِيقَةِ هَذَا الرَّفْعَ فَالرَّفْعُ بِالجَبِّ فَسْخٌ، وَبِالإِيلاَءِ طَلاَقٌ، وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ خِلاَفٌ، فإن قُلْنَا: طَلاَقٌ رَفَعَتَ الأَمْرَ إِلَى القَاضِي حَتَّى يَحْبِسَهُ لِيُنْفِقَ أَوْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ أَبِى طَلَّقَ القَاضِي طَلاَقاً رَجْعِيّاً، فَإِنْ رَاجَعَ طَلَّقَ ثَانِياً وَثَالِثاً، وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ فلاَ بُدَّ مِنَ الرَّفْع لإِثْبَاتِ الإِعْسَارِ، ثُمَّ لَهَا الفَسْخُ إذَا أَقَامَتِ البَيِّنَةَ أَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ، فَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الرَّفْعِ عِنْدَ عِلْمِهَا بِالعَجْزِ فَفِي الانْفِسَاخِ بَاطِناً تَرَدُّدٌ وَلاَ يَنْفَسِخُ ظَاهِراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ثبَتَ حقُّ التفريق [بسبب] الإعسار، فقد حكى أبو سعيدٍ المتولِّي وغيره [وجهين] أن لِلْمَرْأةِ أن تَتَولَّى الفَسْخَ بنَفْسِها، وأنَّ هذا الخيار يُشْبه خيار الردِّ بالعَيْب، والمشتري يستقل بالفسْخِ هناك، فكذلك المرأة هاهنا، والصحيح المشهور أنها لا تستقل به، بل لا بُدَّ من الرفْع إلى القاضي، كما في العُنَّة، فإنه في محل النَّظَر والاجتهاد، وعلى هذا، فما حقيقة هذه الفُرْقَة؟ فيه قولان: أحدُهما: وهو مُخرَّج: أنَّها فُرْقة طلاَقٍ، كما في "الإملاء" واستدل له أبو يعقوب

الأبيوردي بما روي أن عُمَر بْن الخطَّاب -رضي الله عنه- كَتَبَ إلَى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، وأمرهم أن يامروهم، إمَّا أن يُنْفِقُوا وإما أن يُطَلِّقوا، فإن طَلَّقوا، بَعَثوا بنفقة ما حَبَسُوا 1، فعلَى هذا، إذا ثبت الإعسار عند الحاكم، أمره أن يتحملى وينفق، فإن أبى، فيُطلِّق الحاكم بنَفْسه أو يَحْبِسْه لِيُطلِّق؟ فيه الخلافُ المذكورُ في الإيلاء، والظاهر أن القاضي يُطلِّق، وإذا طلق طلقَ طلقة رجعيةً، فإن راجَعَ، طلَّق ثانيةً وثالثةً.
وأصحُّهما: وهو المنصوصُ: أن هذه الفُرْقة فرقَةُ فَسْخٍ لا يَنْقُص بها عدد الطلاق، كالفسخ بالجَبِّ والعُنَّة، ويخالف الإيلاء لأنَّ المُولِي لا عيْب فيه، وإنما قَصَد الإضْرار بها، فمُنِع منه، وأمره بأن يفيء أو يطلِّق، والعجز عن الإنفاق عيب فالحق بالعجز عن الوطء فعلى هذا إذا [شكت الإعسار، تولَّى القاضي الفسْخَ بنفسه، أو أذن لها بالفَسْخ، ومنهم من قال: إنَّها تستقل بالفَسْخ بَعْد] 2 ثبوت الإعسار عنْده وإذا قُلْنا بظاهِر المَذْهَب، وهو أنه لا بُدَّ من رفْع الأمر إلى القَاضِي فلو لم يرفع وفَسَخَتْ بنَفْسها بعلْمِها بعَجْزه، لم ينفذ في الظاهر، وهل ينفذ باطناً، حتى إذا ثبت إعْسَاره متقدِّماً على الفَسْخ إما باعتراف الزوج أو البينة، يكتفي به، ويحتسب العدَّة منه؟ فيه تردُّد وَجْهٍ، قال في "البسيط": ولعل هذا فيما إذا قَدَرَتْ على الرفع إلى القاضي، فإن لم يكن في الصقع حاكمٌ ولا مُحَكَّمٌ، فالوجْه إثباتُ الاستقلال بالفَسْخ.
وقوله في الكتاب: "في حقيقة هذا الرفع" يعني رفْع النكاح بسبب الإعسار، وذكر صورتي الجب والإيلاء أوَّلاً ثم ذَكَرَ الخِلاَف إشارةً إلى أن هذَا الرَّفْع يلحق على رأْيٍ بهذا، وعلى رأي بهذا، وقد ذكر في "التتمة" أن الخلاف في أنه فسْخٌ أو طلاقٌ مبنيٌّ على القولَيْنِ فيَ أن القاضِيَ يُطَلِّق على المُولِي أو يَحْبِسه؛ ليطلِّق أو يفيء إن قلْنا: فيطلِّق هاهنا أيْضاً؛ لأنها لا تصل إلى حقها، وإن قلْنا بالثاني: فهاهنا لا يمكن الحَبْس؛ لأنه عاجزٌ، فلا يبقى للخلاص طريق إلا الفسخ، ولك أن تَقُولَ: العاجِزُ عن الإنفاق لا يجوز حَبْسه؛ لينفق، ولكن لا يَبْعُدُ أن يُحْبَس ليكلَّف الإنفاق أو يُطَلِّق عَلَى ما ذكر في الكتاب حتى يحسبه؛ لينفِقَ أو يطلِّق.
وقوله: "طلق القاضي طلاقاً رجعيّاً" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للقول الآخر في أن

القاضي لا يطلِّق على المُولِي، بل يحبسه، ليُطلِّق وقد ذكرهما جميعاً أبو الفرج السرخسي تفريعاً على أن هذه الفُرْقَةَ طَلاَقٌ.
وقوله: "وإن قلنا: فسْخٌ، فلا بُدَّ من الرفْع؛ لإثبات الاعسار" هذَا لا يَخْتَصُّ بقولنا: "إنه فَسْخٌ، بل الرفع وإثبات الإعسار لا بُدَّ منْه، سواء جعَلْنا هذه الفُرْقة فسخاً أو طلاقاً، لكن لَمَّا ذكر من بَعدُ أن لها أنْ تَفْسِخَ بعْد ما ثَبَت الإعْسَار، أشار إلى أن الرَّفْع على هذَا القَوْل؛ لإثبات الإعْسَار والطَّلاَقِ [أما الفَسْخ بعد ذلك، فهو بيدها، وأمَّا على قول الطلاق، فيرفع الأمْر لإثبات الإِعْسَار]؛ فإنها لا تُمَكَّنُ من التطليق.
وقوله: "ثم لَهَا الفَسْخُ، إذَا أَقَامَتِ الْبَيِّنَة أو أقرَّ الزوج" يشبه أن يكون جواباً على الوجْه الذي قِيل: إنها تستقل بالفَسْخَ بعد ثبوت الإعْسَار، وجْه يُشْعِر إيراد "البسيط" و"الوسيط"، والأشهر أن القاضِيَ يَفْسَخ أو يأذن لها في الفسخ على ما بَيَّنَّاه، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي وَقْتِ الفَسْخِ وَلَهَا المُطَالَبَةُ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ بِالنَّفَقَةِ، وَلَكِنَّ المُعْسِرَ هَلْ يُمْهَلُ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ لِيَتَحَقَّقِ عَجْزُهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا: لاَ يُمْهَلُ وَلَكِنْ لاَ يُفْسَخُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بَلْ آخِرِ النَّهَارِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِيَسْتَقِرَّ الحَقُّ، نَعَمْ لَوْ كَانَ يَعْتَادُ الإِتْيَانَ بِالطَّعَامِ لَيْلاً فَلَهَا الفَسْخُ، وَلَوْ قَالَ صَبِيحَةَ النَّهَارِ: أَنَا اليَوْمَ عَاجِزٌ فَيُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ: لاَ يُفْسَخ فِي الحَالِ إِلَى انْقِضَاءِ اليَوْمِ وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُمْهَلُ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ، وَهوَ الأَحْسَنُ، وَلَهَا الفَسخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ النَّفَقَةَ، فَإِنْ سَلَّمَ لِلرَّابعِ لَمْ يَكنْ لَهَا الفَسْخُ لِلمَاضِي، وَإِنْ سَلَّمَ لِلثَّالِثِ صَبِيحَةَ الثَّالِثِ وَعَادَ إلى العَجْزِ فِي الرَّابع يَسْتَأْنِفُ المُدَّةَ عَلَى وَجْهٍ، وَيبْنِى عَلَى المُدَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى وَجْهٍ فَيَصِيرُ يَوْمَاً آخَرَ، وإنْ رَضِيَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ فَلَهَا الفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ كَزَوْجَةِ المُوْلي لاَ كَزَوْجَةِ العِنِّينِ، وَقَوْلُهَا: "رَضِيتُ بِإِعْسَارِهِ أَبداً" وَعْدٌ لاَ يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد تَقدَّم أن النفقة تَجِبُ صبيحةِ كلَّ يوم، وإنَّما تُسلَّمُ كلَّما طلع الفَجْر، فإذا عَجَز عن تسليمها، فينجز الفسخ أو تُمْهَل ثلاثة أيام فيه قولان: أحَدُهما: أنها لا تُمْهل؛ لأن السبب الإعسار، وقد حَصَل، ولأنه فَسخ؛ لتعذر الرسول إلى الغَرَض، فأشبه فسخ البيع بإفلاس المشتري بالثَّمَن، ويُنْسب هذا إلى القَدِيم.
وأصحُّهما: أنه تُمْهَل ثلاثة أيامٍ؛ ليتحقق عجزه، فإنَّ الإنسان قد يَتعسر عليه وجْه الإنفاق؛ لعوارض ثم نزول، وهذه مدَّةٌ قريبةٌ لا يَصْعُب تزجيتها باستقراض وغيره، وقيد بعْضُهم التصوير بما إذا اسْتَمْهَلَ الزوجُ، والظاهر أنه لا حاجَةَ إليه، والقولان كالقولين في أن المُولِيَ والمرتَدَّ يُمْهَلاَن هذه المدة، وفي المسألة طريقةٌ قاطعةٌ بالإمْهَال، وادعى

القاضي ابن كَجٍّ: أن جمهور الأصحاب عليها، والمشهور طريقةُ القولَيْنِ.
التفريعُ: إنْ قلنا: لا يمهل ثلاثاً، فمتى يفسخ؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّ لها المبادرةَ إلَى الفَسْخ من أول النهار بعَجْزه عن توفية الواجب وقْت وجوبه وأقر بهما، وهو المذكور في الكتاب: المنع؛ ليرتفع النهار، ويتردَّد ويكْتَسِب وكثير من الناس يَكْتَسِبون نفقة اليوم في اليوم، والتسليمُ في أوَّل النهار إنما يجب على الوَاجِد، وعلى هذا فقد ذكرت احتمالات: أحدهما أنها تؤَخِّر الفَسْخ إلى شَطْر النهار؛ فإنه لا يؤخر الأكل عنه غالباً.
والثاني: إلى آخره، وهو وقت إفطار الصائمين.
والثالث: إلى انْقِضَاءِ اليوم والليلة بعْده؛ لأن النفقة لها وبِمُضِيِّهما يستقر العجز عن الحَقِّ يتحقَّق بعد استقراره، وفي هذا التوجيه توقُّفٌ؛ لأن الاستقرار غير موقوف على مُضِيِّهِمَا؛ ألا تَرَى أنه لو سَلَّم النفقة، فماتَتْ في أثناء النهار، لا يسترد ورأَى صاحبِ الكتاب مع ذلك الاحتمال الثالث أوجه، وذكر في "الوسيط" أن حاصِلَهُ الإمهالُ يَوماً وليلةً واعْلَم أنه قد نَقَلَ عن "الإملاء" أنه يمهل المعسر بالنفقة يَوماً، وجعله أبو الفرج السرخسيُّ قولاً ثالثاً، والأكثرون امتنعوا منْه، وقالوا: المراد منه أنه لو أمْهَلَه يوماً، جَازَ؛ لأنه لا يزيد عليه.
ثم هذا إذا لم يتَّخِذْه عادةً، فأما إذا كان يعتاد الإتْيانَ بالطعام لَيْلاً، لم يحتمل وكان لها الفسخ؛ لأن فيه تكليفَ صِيَامِ الدَّهْر، وهو سياق، وليس ما يُحْتَمَل نادراً يُحْتَمَلُ، إذا تكرَّر ويَقْرُب منْ هذه الصورةِ ما ذكر في "العُدَّة" أنه لو لم يجد النفقة في أول النهار، وكان يجِدُها في آخِرِ النَّهَار، فلها حق الفسْخ في أصحُّ الوجهين، أو هي؟ وإذا قلْنا: لا فَسخ في أول النهار، فلو قال صبيحة اليوم: أنا عاجزٌ لاَ أتوقَّع شيئاً، فقد ذُكِرَ فيه احتمالان: أحدهما: أن لها الفَسْخَ في الحال؛ لتصريحه بالعَجْز وعدم التوقُّع.
وأقربهما: التأخير فقد يرزق الإنسان من حَيْثُ لا يحتسب، وأما إذا فرَّعنا على الأصحِّ، وقلنا: إنَّه يُمْهل ثلاثَةَ أيَّامٍ، ففيه مسائل: إحْدَاها: إذا مَضَتِ الأيام الثلاثة، فلها الفَسْخ صبيحة اليوم الرابع، إن لم يُسلِّم النفقة 1، وإن سلَّمها, لم يجُزِ الفسخ لما مضى وليس لها أن تَقُول: آخذ هذا عن نفقة

بعْض الأيَّام الثلاثة، وأفْسَخُ بعَجْزه اليوم؛ لأن الاعتبار في الأداء بقَصْد المؤدِّي، فلو توافقا على جعْلها عما مَضَى، فيمكن أن يقال: لها الفَسْخُ، ويمكن أن تُجْعَل القدرة عليها مُبْطِلةً للمُهْلَة، ولو مَضَى يومان بلا نفقة، ووجد نفقة اليوم الثالث، وسلَّمها، وعجز في اليوم الرابع، فيستأنف المُدَّةَ أو يَبْنِي؟ فيه وجهان: أحدهما: يَسْتَأْنِف؛ لأن العجْز الأوَّل قد زال، وأظهرهما البناء؛ لأنها تَتضرَّر بطول المدة للاستئناف، فعلَى هذا تصبر يوماً آخر، ليَنْضَمَّ إلى اليومَيْن، وتَفْسَخ في اليوم الذي يَلِيه ولو لم يَجِدْ نَفقَة يَوْم، ثم وَجَد في اليوم الثاني، ولم يجد في الثالث، ووجد في الرابع فينفق أيام العجز فإذا تمت مدَّة المهلة، كان لها الفسخ، ولو قضت ثلاثة أيَّام على العَجْز، ووجد نفقة اليوم الرابع، وعجز في الخامس، فالأظهر، وبه قال الداركيُّ: أن لها الفسْخَ، ويكتفي بالإمهال السابق، وذكر القاضي الرويانيُّ وجهاً أنه يُمْهَل مرة أخْرَى.
قال: وهذا إذا لم يتكرَّر، فإن تكرَّر، لم يُمْهل إمْهالاً بَعْد إمهال.
الثانية: يجوز لها في مدَّةَ الإمْهال أن تَخرج لتُحَصِّل النفقة بالكسب والتجارة، أو بالسُّؤَال، وليس له مَنْعُها، وإن قدَرَتْ على الإنفاق من مالها أو كانت تكتسب بما لا يُحْوجها إلى الخروج؛ كالغزل والخياطة، ففي هذه الحالة وجْه: أن له المنع، وذُكِرَ وجْهٌ مطلَقٌ أنه يُدَامُ حقُّ الحبس في المدة، والظاهر المنصوصُ 1 الأوَّل، فإن التمكين والطاعة عَلَيْهَا في مقابلة النفقة، فإذا لم يوف ما عليه، لم يستحق الحَجْر.
قال القاضي الرويانيُّ في "البحر": عليها أن ترجع باللَّيْل إلى منزل الزوْج؛ لأنه وقْت الدعة، ولو أراد الاستمتاع بها, لَمْ يُمْنع، وقضيَّةُ التوجيه المذكور أن لها المَنْع، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" ولا كلام أنها إذا منعت نفسها منه لم تستحق النفقة لمدة الامتناع ولم يصر ذلك دينًا عليه.
الثالثة: إذا قلنا بالإمهال، فمضت المدة فرضيت المرأة بإعساره، والمقام معه، أو لم نقل بالإمْهال، فرضِيَتْ ثم بَدَا لها أن تفسخ، فتُمَكَّن منه؛ لأن النفقة يَوْماً فيوماً تجب والضرر يَتَجدَّد وقد تقدر له يساراً وسَعَةً، فالمال غادٍ ورائحٌ، ولا أثر لقَوْلها: رضيت بإعساره أبداً فإنه وَعْدٌ لا يلزم الوفاء به، وليس كما إذا أبرأته عن نفقة سَنَةٍ مثلاً، حيث يصح على رأْي؛ لأن فيه تصريحاً بالإسْقَاط، وهذا وعْدٌ بِتَرْك الفَسْخ، ولو نكحَتْه عالمةً بإعْسَاره ثم طلَبَتِ الفسخ، مكنت منه، أيضاً إذا عادت إلى طَلَبِ الفَسْخ بعْد الرضا،

فيتجدد الإمْهَال على قولنا: إنَّه يُمْهَل ولا يعتد بما 1 مضى، وفيه احتمال للإمام والقاضي الرويانيِّ، والظاهر الأول، بخلاف امرأة المُولِي، إذا رَضِيَتْ، ثم عادَتْ إلى المطالبة لا تستأنف مدة الإيلاء، وفرق بأن المدة هناك منْصوصٌ عليها غير موقوفةٍ على طلَبِها، وهاهنا مدَّةُ الإمهال يَقَع بعد طلبها، وإذا تَعلَّقت بطلبها، سَقَطَ أثرها برضاها، وإذا اختارَتِ المُقَام معه، لم يَلْزَمْها التمكين من الاستمتاع، وكان لها الخروج من المنزل، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، وإذا لم تمنع نفسها [منه]، ثبت في ذمته ما يجب على المُعْسِر من الطعام والإدام وغيرهما، وخروجها بالنهار للاكتساب لا يوجب نقصاناً، فيما يثبت دَيْناً في ذمته، بخلاف ما إذا سَلَّمت الأمة ليلاً، ومَنَعَت نهاراً؛ لأنَّ المُحْوِج إلى الخروج المُنْقِص للاستمتاع هاهنا إعسارُه حُكِي هذا عن "الحاوي" وهذا في النفقة، أما إذا أعْسَرَ بالصَّداق، وتَرافَعَا إلى الحاكم، فَمَكَّنَها من الفسخ، فرضيت بإعساره، ثم بدا لها أن تفسخ، لم تُمَكَّن؛ لأنَّ الضَّرَر فيه لا يَتجدَّد، والحاصِلُ مَرْضِيٌّ به، هذا ما أطلقه الجمهور.
وعن أقْضَى القضاة: المَاوَرْدِيُّ: أن ذلك فيما إذا كانت المحاكمتان مَعاً قبل الدُّخُول أو بَعْدَه، فأما إذا كانتِ المحاكَمَةُ الأُولَى قبل الدخول، والأخرى بَعْدَه، فوجهان: وجْهُ تجويز الفَسْخ أن بالدخول يستقر ما لم يكن مستقراً قبله، فالإعسار به يجوز أن يُجَدِّد خياراً، ولو نكَحته وهي تَعْلَم إعساره بالصداق، فهل لها الفسخ؟ فيه وجْهان نقلهما القاضي الرويانيُّ 2. أشهرهما: المنع كما لو رضيت به في النِّكاح، ثم بدا لها بِخِلاَف النفقة، وليس لها الامتناع بعد الدخول إذا مكَّنَّاها من الفسخ، واختارت المُقَام معه، ولا بد في الإعسار بالصَّدَاق مِنَ المرافَعَة إلى القَاضِي كما في النفقةِ، والخيار فيه بعْد المرافعة على الفور، فلو أخَّرت الفَسْخ، سقَط، ولو علمت إعساره، وأمسكت عن المرافعة والمحاكمة، نُظِرَ؛ إن كان ذلك بَعد ما طالَبَتْهُ بالصَّداق، كان الإمساك عن المحاكمة والمرافعة رضاً بالإعسار، وسَقَطَ خيارها، وإن كان قبل المطالبة، لم يَسْقُط، وقد تُؤخِّر المطالبة على توقُّع اليسار، ذكر ذلك القاضي الرُّويانيُّ.

وقوله في الكتاب: "فيه قولان" يجوز إعلامه بالواو؛ للطريقة القاطعة، وكذا قوله: "لا يُفْسَخ في أول النهار".
وقوله: "بل آخِر النهارِ، أو بَعْدَ انقضاءِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ" لا يخفى أنه ليس على التخيير، بل هو إشارةٌ إلى احتمالَيْن من الاحتمالات المَذْكُورة، وقوله: "فيحتمل أن يقال لا يفسخ في الحال إلى انقضاء اليوم" فيه تنبيه على الاحتمال الآخر، وإن لم يُصرِّح به، وقوله: "وإن رضيت بعْد انقضاء المدة، فلها الفسخ" يجوز أن يعلم بالواو؛ لما حكيناه عن الماوَرْدِيُّ.
وقوله: "كزوجة المُولِي لا كزوجة الْعنِّين" قد ذَكَرَ حُكْمَ العُنَّةِ في بابها، مع ذِكْر مخالفة الإيلاء لها، وذكَرَهُما مع حكم الرِّضَى بالإعْسَار في الإيلاء مرَّةً أخْرَى، وأعاد الصور الثلاث هاهنا مرَّةً ثالثةً، فكان من شرط الإيجاز أن يذكر كل صورة في بابها، أو يقتصر على إيرادها مجموعةً مرةً واحدةً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابعُ فِيمَنْ لَهُ حَقُّ الفَسْخِ وَذَلِكَ لِلزَّوْجَةِ خَاصَّةً، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ المَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ طَلَبُ الفَسْخِ بَلِ الفَسْخُ كَالطَّلاَقِ لاَ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، وَفِي سَيِّدِ الأمَةِ الصَّغِيرَةِ وَالمَجْنُونَةِ المُزَوَّجَةِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَتِ الأَمَةُ بَالِغَةً فَحَقُّ الفَسْخِ لَهَا، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ الفَسْخُ عَلَى الأَصَحِّ لَكِنْ لاَ نَفَقَةَ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَصْبِرَ الأمَةُ عَلَى الجُوعِ أَوْ تَفْسَخَ، وَالنَّفَقَةُ تَدْخُلُ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ وَلَكِنْ لَهَا حَقُّ الوَثِيقَةِ حَتَّى لاَ يَجُوزَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهَا إِلاَّ ببَدَلٍ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ الإِبْدَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ثبت حقُّ الفسخ بإعسار [الزوج] بالنفقة، تخيَّرت الزوجة بين أن تَفْسَخ وبين أن تَصْبِر على الإعسار، ولا اعتراض للوَلِيِّ عليها, وليس له الفَسْخ نيابةً عنها، كما لا ينوب في الطلاق، وذلك؛ لأن الأمر فيهما يتعلَّق بالطبع والشهوة، فلا يفوَّض إلى غير صاحب الحَقِّ، وهذه مقدمة تتدَرَّج منها إلى مسأَلَتَيْنِ: إحداهما: وَليُّ الصغيرة والمجنونة ليس لهما الفسْخُ بإعسار الزوج بالنفقة، وإن كانت المصلحة [تقتضيه، كما لا يُطلّق على الصغير والمجنون، وإن كانت المصلحة] 1 فيه، وينفق على الصغيرة والمجنونة مِنْ مالهما، فإن لم يكن لَهُما مالٌ، فنفقتهما على مَنْ عليه نفقتها, لو كانَتَا خَلِيَّتَيْن، وتصير نفقة الزوجة دَيْناً عليه يُطَالَبُ به إن أيسر، وكذلك لا يفسخ الوليُّ بالإعسار بالمهر، إن جعلْناه مثبتاً للخيار، وأشار في "التتمة" إلى أنه لا مصْلَحة لهما فيه؛ لأنه إن فسَخَ قبل للدخول، يسقط نصْفُ المهر، وإن فَسَخَ

بعده، فالمهر في ذمته، كما كان، وبطل رفق النفقة.
الثانية: إذا أعسر زوْج الأمة بالنفقة، ثَبَتَ لها حقُّ الفسخ، كما أنها تَفْسَخ بِجَبِّ الزوج وَعُنَّتِهِ، وهذا؛ لأنها صاحبةُ حقٍّ في تناول النفقة، فإن أرادَتِ الفَسخ، لم يكُنْ للسيِّد منْعُها، فإن ضمن النفقة، فهو كالأجنبي 1 يضمنها, وللإمام احتمالُ أن للسَّيد منْعَها؛ لأنَّ المِلْك في النفقة له، وإن رَضِيَتْ، فهل للسيد الفَسْخ؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ؛ لأنَّ المِلْك في النفقة له، وضرر فواتها يعود إليه.
والثاني: لا؛ لأنها تستحق النفقة، فَهِيَ في الأصل لها، ثم يتلَقَّاها السيد؛ لأنها لا تَمْلِك، فيكون الفسخ إليها، كما أنه إذا أوصى للعَبْد أو وهب منه يكون القَبُول إليه, وإن كان يَحْصُل المِلْك للسيد، وعلى هذا لا يجب على السيد نفقتُها، بل يقول لها: افْسَخِي أو اصْبِرِي على الجوع، وهذه طريق يلجئها السيد بها إلى الفَسْخ، فإذا فسَخَتْ أنفق عليها، واستمتع بها أو زَوَّجها من غَيْره، وكَفَى نفسه مؤنتها، ويجري الوجهان في أن السيِّد، هل يفسخ إذا كانتِ الأمةُ صغيرةً أو مجنونة؟ وقد يرتبان على الوجهَيْن فيما إذا كانت مستقلَّةً، ويقال: هذه الصورةُ أوْلَى بجواز الفَسْخ؛ لأنَّ النفقة تلزمه، ولا يمكن الجاؤها إلَى الفسخ، فإنه لا اعتبار بقَوْلِها، وسع هذا الترتيب، فالأظْهَرُ عنْد أكثرِهِمْ: أنه لا فَسْخَ له، وجْه أجاب ابن الحدَّاد، ولم يورد صاحب "التهذيب" وجماعةٌ غَيْرُه، وأما إذا أعسر زوجها بالمَهْرِ، وأثبتنا به الخيار، فيكون الفَسْخ للسيد؛ لأنه محض حقه، لا تعلَّق للأمة به، ولا ضرر عليها في فواته، ولأنه في مقابلة البُضْع، فكان المِلْك فيه للسيد وشبه، ذلك بما إذا بَاعَ عبْدًا، وأفلس المشتري بالثمن، يكون حقُّ الفسخ للبائع لا للعبد، وأشار صاحب "التتمة" إلى وجْهٍ آخَر: أن السيد لا يَفْسَخ بالإعسار بالمَهْر، ولا وجه له، ثم هاهنا مسألة نشأَتْ من توجيه الخلافِ، في أن السيد هل يَفْسَخ؟ وهي النظر في حال النفقة، قال الإِمام، وحكاه صاحب الكتاب: هي متعلَّق حقِّ السيدِ والأمةِ جميعاً، أما السيد؛ فلأنها تدْخُل في ملكه؛ لأن الأمة لا تَمْلِك، لكنَّها بحُكْم النكاح مأذونةٌ في الأخذْ والقَبُول، وبحكم العرف في تَنَاوُل المأْخُوذ، وأمَّا الأَمَةُ، فلها أن تُطَالِب الزَّوْج، كما كانَتْ تُطَالِب السيِّدَ، وإذا أخَذَتْ، فلها أن تتعلَّق بالمأخوذ، ولا تسلمه إلى السيد، حتى تأخذ بَدَلَه وله الإبدال بحق الملك، والحاصل أن له حقَّ الملك، ولها حقُّ التوثُّق، كما أن نفقة زوجة العبد تتعلَّق باكتسابهِ، والملكُ فيها للسيد ويُبْنَى على هذا أنه لا يجوز للسَّيِّد الإبراء عن نفقتها ولا بيع المَأخوذ قبل تسليم البَدَل

إليها وفي "التتمة": ما يخالف بَعْض هذه الجملة، فإنه قال: حَقُّ الاستيفاء للسيِّد حتى لو صَرَفَ الزوْجُ النفقة إليها، بدون إذن السيد، لم يبرأ عن العهدة، ولهذا لو استوفَى النفقة، وأنفق عليها من ماله جاز، والأشبه الأوَّل، وذَكَرَ في "التهذيب": أنها لو أبرأت الزوج عن نفقةِ اليَوْم، جاز، وما صار من النفقة دَيْناً في الذمة، ليس لها الإبراء عنه كما في الصداق وقد تنازع قياس الملك في الإبراء عن نفقة اليوم إلا أن نفقة اليَوْم للحاجَةِ الناجزة وكأنا لا نثبت المِلْكَ للسيد إلا بَعد الأخْذِ، وقبله تمحض الحقِّ لها, ولذلك نقول: ليس له الفسْخُ على الأظهر، ولو اختلفتِ الأمة وزوجُها في تسليم نفقة اليوم أو نفقة أيام مستقبلة، فالقول قَوْلُها مع يمينها, ولا أثر لتصديق السيد الزوج ولو اختلفا في النفقة الماضية فقد حكَى القاضي الرويانيُّ فيه وجهَيْن: أحدهما: أن السَّيِّدَ يكون شاهداً له، ولا يثبت المُدَّعَى بتصديقه.
وأصحُّهما: أنه يثبت للمُدَّعَى بتصديقه، والخصومة في النفقة الماضية للسيِّد لا لها كالصداق، وحقُّها فيما يتعلَّق بالمستقبل، وهذا ما أوردها في التتمة 1، وشبه بما إذا أقر السيِّدُ على عبده بأنه جَنَى خَطَأَ، وأنكر العبدُ، لا يُلْتَفَتُ إلى إنكاره، قال: ولو أقرَّت الأمة بالقَبْض، وأنكر السيد، فالمنصوص في كتاب "عِشْرة النساء" وذكره المزنيُّ -رحمه الله- في "الجامع الكبير": أن القول قولُها؛ لأنَّ القبض إليها، إمَّا بحُكْم النكاح، أو بتصريحه بالإذْن، وفيه صُوَرُ المسألة، وحكى أبو يعقوب الأبيوردي عن بعضهم أن القَوْلَ قَوْلُ السيِّدِ؛ لأن المِلْكَ له.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وإنْ قلْنَا: إِنَّ الإِعْسَارُ لاَ يُوجِبُ الفَسْخَ أصْلاً فالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ الحَبْسِ في المَنْزِلِ، وَلَهَا مَنْعُة مِنَ الوَطْءِ إنْ لَمْ تَكُنْ قَد أَبْطَلَتْ حَقَّهَا بِالتَّمكِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميع ما ذكَرْنا مفرَّعٌ على أن الإعْسار بالنفقة يُثْبِتُ حقَّ الفسخ، أما إذا قلْنا: إنَّه لا يُثْبِتُه، فلها الخروج من المسكن؛ لطَلَب النفقة، إن كانَتْ تحتاج إلى الخروج لتحصيلها، وإن أمكن أن تُنْفِقَ من مالها، أو أن تكتسب بغَزْلٍ ونحوه في المسكن، فوجهان: أحدهما: أنَّها لا تخرج إلا بإذنه، لأنها قادرةٌ على توفية حقِّه وإن كان هو عاجزاً عن توفية حقِّها.

وأظهرهما: أن لها الخُرُوجَ، وليس له الحَبْس، إلا إذا كَفَى مؤنتها وقوله في الكتاب: "ولها منعه من الوطء إن لم تكن قد أبطلت حقها بالتمكين" هذا اللفظ إنما يَحْسُن موقعه حيث نقول: إن لها الامتناع لتقبض الصداق، فإذا مكنت مرةً، بطل حقُّها من الامتناع، وأراد أنَّ لها المَنْعَ، إن لم تكن قد مكَّنَتْ مِنْ قبل، وهذا لفْظُه في "الوَسِيط"، وأطلق مُطْلِقُون في جواز الامتناع لَهَا, ولم يشترطوا هذا الشَّرْط، ويجيء فيه ما حَكَيْنَاه عن القاضي الرُّويانيِّ في مدَّة الإمهال على القول الأصحِّ، والله أعلم.

فُرُوعٌ [من باب الإعسار وغيره]

إذا عجز عن نفقة أمِّ الوَلَدِ، فعن الشيخ أبي زَيْدٍ: أنه يُجْبَرُ على عتقها أو تزويجها، إنْ وُجِدَ راغبٌ فيها، وقال غيره: لا يُجْبَرُ عليه، كما لا يرفع ملك اليمين بالعَجْز عن الاستمتاع، ولكن يخليها لتكتسب، وتنفق على نَفْسِها 3. وقد سبق أن نفقة زوْجة العَبْد من أين تكون، وإذا لم يَكُنِ العَبْد مأذوناً له في التجارة، ولا كسوباً، فقد حكينا قولاً قديماً أنه يكون المَهْرُ على السيد، ويكون بالإذْن في النكاح ضامناً.
قال الشيخ الخضري وغيره: وذلك القول يجيء في النفقة بطريق الأَوْلَى، إذِ الحاجَةُ إليها أمَسُّ من الحاجة إلى المَهْر، فلو كان العَبْد ينفق من كَسْبه، فعجز لزمانة وغيرها فعلى القديم: لزوجته مطالبةُ السيِّد، وعلى الأظهر: إما أن تفسخ أو تصبر، وتصير نفقتها دَيْناً في ذمته.
وليس للزوج أن يَدْفَعَ ثَمَنَ الكُسْوة إلى الزوجة بل يجب تسليم الثياب، وعليه مؤنة الخياطة.
وإذا مَضَتْ مدَّةٌ، لم يُنْفِقْ فيها على زوجته، واختلفا فقَالَتِ المرأة: كُنْتَ مُوسراً في تلك المدة، وقال الزوج: كُنْتُ مُعْسِراً، فإن عرف له مالٌ، فالقول قَوْلُها؛ لأن الأصْل بقاؤه، وإلا، فالقول قوله؛ لأن الأصْل عدمه.
وضمان النفقة قد ذكرناه في باب الضمان.

السَّبَبُ الثَّانِي لِلنَّفَقَةِ القَرَابَةُ،

وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوَابٍ

البَابُ الأَوَّلُ فِي أَصْلِ النَّفَقَةِ

وَتَجِبُ بِقَرَابَةِ البَعْضِيَّةِ دُونَ المَحْرَمِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى المُوسِرِ، وَهُوَ الَّذِي فَضُلَ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ شَيْءٌ، وَيُبَاعُ عَبْدُهُ وَعَقَارُهُ (ح) فِيهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الكَسْبُ لِأَجْلِ نَفَقَةِ القَرِيبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ لِلَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَادِراً عَلَى الكَسْبِ اسْتَحَقَّ عَلَى قَوْلٍ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَى قَوْلٍ، وَيسْتَحِقُّ الأَبُ وَالأُصُولُ دُونَ الفُرُوعِ عَلَى قَوْلٍ، أمَّا الطِّفْلُ الكَسُوبُ فَيَسْتَحِقُّ لاَ مَحَالَةَ إِذَا لَمْ يَكْتَسِبْ، فَإِنْ شَرَطَ العَجْزَ عَنِ الكَسْبِ فَهَلْ تُشْتَرَطُ الزَّمَانَةُ حَتَّى لاَ يَقْدِرَ عَلَى كَسْبٍ لاَ يَلِيقُ بِهِ أَيْضاً؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سَبَقَ أنَّ أحد أَسْبَابِ وجوب النفقةِ والقِيَام بالمُؤنِ القرابةُ، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] أوجب أجرة إرْضَاعِ الولد كغاية لمؤنته، ولقصَّة هنْد، حيث قال: " [خذي ما يكفيك] وولدك بالمعروف" 1 والكلام فيه بوبه صاحب الكتاب على ثلاثة أبواب: أحدها: في مناط هذه النفقة، وشرائط وجوبها وكيفيَّتها.
والثاني: في ترتيب الأَقَارب المُنْفِقِينَ وَالمُنْفَقِ عليهم.
والثالث: في حَضَانَةِ الصَّغِيرِ.
أما الأول: ففي الفصل مسائل: إحداها: أنَّها تجب بقرابة البعضية فتجب للولد على الوالد وبالعكس، أما للولد على الوالد فلقصَّة هنْد، وأما بالعكس، فبالقياس عليه يجامع البعضية وبل أَوْلى لأن حرمة الوالد أعْظَم، والولد بالتعهُّد والخدمة أحق وأليق، ويروى أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ من كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ فَكُلُوا من أَمْوَالِهِمْ" 2، وكما تجب نفقة

الولد على الوالد تجب نفقته على الوالدة في الجملة؛ لشمول معنى البعضية ورد الشهادة، والعتق بالمِلْك، وعنْد مالك: لا نفقة على الأُمِّ بحال، وأَغْرَبَ القاضي ابن كج، فنَقَلَ أن أبا الحُسَيْن حَكَى وجْهاً مثله، وكما تجب نفقة الأولاد، تجب نفقة الأحفاد، وعند مالك: لا نفقة على الجَدِّ بحال، وكما تجب نفقة الوالدين على الولد تجب عليه نفقة الأجداد والجدات خلافاً لمالك أيضاً، ولم يوجب نفقة الأم على الولد أيضاً، ويستوي في أصل الاستحقاق الذكَرُ والأنْثَى والوارثُ وغيْرُ الوارث، والقَرِيب من الأحفاد والأجداد والبعيد، ولا يُشْتَرَط اتفاق الدَّين 1، كما لا يُشْترط اتفاق ذلك في العتق بالملك، وفي كتاب القاضي ابن كج وجْه أنه لا يجب على المُسْلِم نفقة الكافر، ولا يُلْحَق بالأصول والفروع سائرُ الأقارِبِ؛ كالأخ والأخت والعم والخال والخالة وأولادهم، ويختص وجوب النفقة بقرابة البعضية، وعنْد أبي حنيفة: تجب نفقة كل ذي رَحِمٍ محرم، لكنَّه شرط اتفاق الدين، فقال الأصحاب: ولو كانت هذه القرابة موجبةً للنفقة، شرط اتفاق الدين، كما في قرابة البعضية، وعن أحمد اعتبار العصوبة، ويُرْوَى عنه اعتبار الإرْثِ، حتى تجب على ابن العَمِّ نفقة ابنِ العمِّ، ولك أن تُعْلِم بعد الوقوف على هذه المذَاهِبِ قوله: "بقرابة البعضية" بالميم والألف والواو.
وقوله: "دون المَحْرَمِيَّةِ" بالحاء.
الثانية: لا تجب النفقةُ إلا على المُوسِر، وهو الذي يَفْضُل عن قوت يومه وليلته وقُوتِ عياله ما يصْرِفه إلى القريب 2، فإن لم يفْضُل شيْءٌ، فلا شيء عليه؛ لأنه ليس = وكلتاهما لا يعرفان، وزعم الحاكم في موضع آخر من مستدركه بعد أن أخرجه من طريق حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بلفظ: وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها، إن الشيخين أخرجاه باللفظ الأول، ووهم في ذلك وهماً لا ينفك عنه, لأنه قد استدركه فيما قيل، وقال أبو داود في هذه الزيادة وهي: إذا احتجتم إليها، إنها منكرة، ونقل عن ابن المبارك عن سفيان قال: حدثني به حماد ووهم فيه، وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابياً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن لي مالاً وولداً ووالدي يريد أن يجتاح مالي، قال: أنت ومالك لأبيك إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم، أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن الجارود.

من أهل المواساة، وهذه النفقة مشروعة على وجْه المواساة، وفي "التهذيب" وغيره وجْه أنَّه لا يُشْتَرَطَ يَسَارُ الوالد في نفقة الولد الصغير, لأنه من تتمة مؤنة الاستمتاع، كنفقة الزوجة، فعَلَى هذا يستقرض علَيْه، ويؤمر بقضائه إذا أيسر، والأظهر الأولُ، ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين من العقار وغيره؛ لأن النفقة حقٌّ مَاليٌّ لا بَدَلَ له، فأشْبَه، الدّين، وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: لا يباع العقار.
وكيف يباع العَقَار؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهَيْن: أحدهما: أنه يباع كل يوم جزءٌ بقدر الحاجة.
والثاني: أن ذلك يشق، فيستقرض عليه إلى أن يجمع ما يسهل بيع العقار له.
وإن لم يكن له مال، ولكنه كان كسوباً يمكنه أن يَكْتَسِب ما يَفْضُل عنْه، فهل يؤمر بالاكتساب لنفقة القريب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما لا يُكلَّف الاكتسابَ لقضاء الدَّيْن.
وأصحُّهما: وهو الذي أورده أكثرهم، نعم؛ لأنَّه يلزمه إحياء نَفْسِه بالكسب فكذلك، إحياء بعْضه، وليست النفقة كالدين، فإن قدرها يسير، والدين لا ينضبط قدْرُه، وذكر في "التتمة" الخلافَ في أنه هل يجب الاكتساب لنفقة الوالد مع القطع بوجوبه لنفقة الوَلَدِ، وفرَّق بأن نفقة الوالد سبَبُها المواساة، فلا [يكلف] 1 أن يكتسب ليصير من أهل المواساة، وأما الولد فَسَبَبُ حصولها الاستمتاعُ فألحقت نفقته بالنفقة الواجبة للاستمتاع وهي نفقة الزوجة، وهذا ذهاب إلى أنه يَجِبُ الاكتِسَاب لنفقة الزوجة، وهو الظاهر، لكن في كلام الإِمام وغيره: أن في وُجُوب الاكتساب لنفقتها وجهَيْنِ مرتَّبَيْن على وجُوب الاكتساب لنفقة القريب، وهي أوْلَى بالمَنع، لالتحاق نفقتها بالديون، وليُعْلَم قوله في الكتاب: "وإنما تجب على الموسر" بالواو؛ للوجه المذكور في أن اليسار لا يُشْترط لنفقة الولد، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "ويباع عبده وعقاره" مع الحاء بالواو؛ لأنه قد سبق في الدَّيْن ذكْرُ خلاف في بيع المَسْكَن والخادم، وذلك الخلاف عائد في النفقة.
الثالثة: مَنْ لَهُ مالٌ يكفيه لنفقته، لم تجب نفقته على القريب مجنوناً كان أو = ويستعمله في وضوئه وأكله وشربه ما لا غناء لمثله عنه، فإن وقع له خلل في شيء من هذا كله فلا يكلف نفقة الابن ولا أب.
انتهى.
قال في القوت: وفسروا العيال بالزوجة، والظاهر أن أم الولد، وخادم الزوجة في حكمها، وجرى عليه في الخادم.

عاقلاً، صغيراً أو كبيراً، زمِناً أو صحيحَ البَدَنِ، ومن يكتسبْ ويغنيه كسبه، فكذلك، ومَن لا مال له ولا كَسْبَ، يُنْظَرُ في حاله؛ إن كان به نقصان حُكْماً؛ بأن كان صغيراً أو مجنوناً أو خِلْقةً؛ بأن كان زَمِناً، فيجب على القريب نفقته؛ لِعَجزِه عن [كفاية] 1 نفسه، وأَلْحَق صاحب "التهذيب" بالزَّمِن ما إذا عجز لمرض أو عمًى، فإذا بلغ الصغير [والمجنون] حَدّاً يمكن أن يَعْلَم حرفة أو يحمل على الاكتساب، فللوليِّ أن يَحْمِلَه عليه، وينفق عليه من كسبه، لكن لو هَرَبَ عن الحرفة، وترك الاكتساب في بعض الأيام، فعلى الأب الإنْفاقُ علَيْه وبمثله أُجِيبَ إذا كانَ لا يليق بحاله الحِرْفَة، فإن لم يكن به نقصان لا في الحْكْم، ولا في الخِلْقة، لكنه لا يكتسب، فإن كان الفرع بهذه المثابة، ففي وجوب نفقته على الأَصْل طريقان: أظهرهما: أن فيه قولَيْنِ: أحدهما: وبه قال أحمد: أنها تجب, لأنه يقبح أن يكلِّف قريبه الكسب مع اتساع ماله.
والثاني: المنع؛ لأنه قادر على الاكتساب، مستغْنٍ عن أن يحمل غيره كلّه، وهذا أصحُّ عند الأصحاب، [قال في "العدة"] 2: لكن الفتْوَى اليوم على الوجوب، والثاني: القطع بالقول الثاني، ولا فرق على القولين بين الابن والبنت.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا تجب للابن، وتجب للبنت إلى أن تتزوَّج؛ لعَجْزها عن الاكتساب، ثم لا يعود استحقاقُ النفقة بالطلاق عنْد أبي حنيفة، وقال مالك: إن كان الطلاق قبل الدخول، عاد، وإن كان بَعْده، فلا، ومنع الأصحاب عجْزها، وقالوا: هي تَقْدِر على الاكتساب بالغَزْل والخدمة وغيرهما.
وإن كان الأصل بالمثابة المذكورة، ففي وجوب نَفَقَتِهِ على الفرع القولان ومال ها هنا جماعة إلى ترجيح الوجوب، قالوا: إن الوَلَد مأمورٌ بأن يصاحب والديه بالمعروف على ما قال تعالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وليس من الصحبة بالمعروف تكليفُهما الكَسْبَ على كِبَرِ السن، وامتنعوا من طَرْد طريقة القطْع في هذا الطرف؛ لِعِظَم حرمة الوالدين، ولذلك اختصا بسقوط القِصَاص، ووجب إعفاف الأب، وإذاَ جَمَعْتَ بين الطَّرَفَين، حصلَتْ ثلاثة أقوال: قولان مُطْلَقان، وقول مفصِّل بين الفروع والأصول.
هذه هي الطريقة المشهورة للأصحاب، ولم يفرِّقوا بين اكتساب واكتساب، ومنهم مَنْ وضع الخلاف أولاً في اشتراط العَجْز عن الكسب اللائق به، ثم قالوا: إن شَرَطَ ذلك، ففي اشتراط العجْز عن كل

كسبٍ [يليق به] بالزَّمانة وجْهان، ورأوا الأعدل والأقرب الاكتفاء بعَجْزه عما يليق به من الأكساب، وأوجبوا النفقة مع القدرة على الكنس وحمل القاذورات وسائر ما لا يليق به وهذا حَسَنٌ، وهذه الطريقةُ هي [الطريقة] التي أوردها في الكتاب.
وقوله: "استحق على قول" يجوز أن يُعْلَم بالحاء؛ لفرقه بين الأصول والفروع، بين الابن والبنت على ما ذَكَرنا.
وقوله: "ولم يستحق" بالألف، وقوله: "أما الطفل الكسوب فيستحق لا محالة إذا لم يكتسب" يعني أنه، وإن كان قادراً على الكسب، فإذا لم يكتسب، لم تَسْقط نَفَقَتُهُ؛ بخلاف البالغ المُكلَّف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ نَفَقَةُ القَرِيبِ عَلَى الكِفَايَةِ وَهُوَ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ دُونَ مَا يُشْبعُ، وَلاَ يَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ إِلاَّ بفَرْضِ القَاضِي، وَيَسْتَحِقُّ الأَبُ الإِعْفَافَ وَنَفَقَةَ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِذَا مَنَعَ الأَبُ النَّفَقَةَ فِلْلأُمِّ الأَخْذُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي اسْتِقْرَاضِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالمَنْعِ، وَفِي إِنْفَاقِهَا عَلَى الطِّفْلِ مِنْ مَالِهِ دُونَ إِذْنِ الأَبِ وَجْهَانِ وَأَوْلَى بِالجَوَازِ، وَالقَرِيبُ إِذَا عَجَزَ عَنِ القَاضِي فَاسْتَقْرَضَ فَفِي لُزُومِ قَضَاءِ قَرْضِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِي الجَدِّ الحَاضِرِ إِذَا اسْتَقْرَضَ عَلَى الأَبِ الغَائِب.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صُوَرٌ: إحداها: نفقة القريب لا تُقَدَّر بل هي على الكفَايةَ، وعن ابن خيران فيما حكى القاضي ابْنُ كج وغيره: إنها تَتقدَّر بما تَتقدَّر به نفقة الزوجة، والظاهر المشْهُور الأول؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ لتزجية الوقْت ودفع حاجته الناجزة فيعتبر أصْل الحاجة وقدرها، حتى لو استغنى في بعض الأيام بضيافة وغيرها, لم تجب، ويعتبر حالُه في سنه وزهادته ورغبته فالرضيع، تكفي حاجته بمؤْنة الإرْضاع في الحولَيْن والفطيم والشيخ على ما يليق بِهِما, ولا يُشْتَرط انتهاء حال المنفَقِ علَيْه إلى حد الضَّرورة، ولا يكفي ما يسد الرَّمَق، بل يعطيه ما يستقل به، وَيتمكَّن معه من التردُّد والتصرُّف 1، ويجب الأُدْم

كما يجب القُوت، كي لا تختل القوى بالخبز البَحْت، وفي "التهذيب" ما ينازع في وجوب الإدام، وتجب الكسوة والسُّكْنَى على ما يليق بالحال، وإذا احتاج إلى الخدمة، وجب مؤنة الخادم أيضاً.
وتسقط نفقة القريب بمُضِيِّ الزمان، ولا يصير دَيْناً في الذمة، وإن تَعدَّى بالامتناع من الإنفاق، وفي نفقة الصغير وجْهٌ أنَّها تثبت في الذمَّة تبعاً لنفقة الزوجة، لاعتنائها به كاعتنائها بنفسها، والظاهر الأول؛ لأنها ليست عوضاً، وإنما هي معونة ومواساة، ولذلك قال الأئمة: لا يجب فيها التمليك، وإنما الواجب الإمتاع، ولو سلَّم نفقة القريب إليه، فتلفت في يده، فعليه الإبْدَال، وهذا لو أتلفه المُسَلَّم إليه بنفسه لكن يؤخذ منه الضمان، إذا أيسر، ويستثنى ما إذا فرض القاضي، وأذن في الاستقراض؛ لغيبة أو امتناع، فيصير ذلك دَيْناً في الذمة 1. الثانية: سَبَقَ في النكاح حكايةُ قولَيْن: في أنه هل يجب على الابن إعفافُ الأب، وإذا أوجبناه، فأحد الطُّرُق أن سبيلَهُ سبيلُ النفقة في مواضِعِ الوفاق، وهو المُعْسِر الزَّمِن، والخلاف وهو المُعْسِر الصحيح.
والثاني: أن النفقة أوْلَى بالوجوب.
والثالث: أن الإعفاف أوْلَى به، وإليه ذهب أبو إسحاق والإصطخريُّ، وأنه إذا أعفَّه بزوجة أو ملَّكَه جاريةً، لذمته نفقتها، والقيام بمؤناتها، وأعاد مسألة الإعفاف مقتصراً على الأصح، وهو وجوبه [للأب]، فإذا كانت للأب زوجةٌ، فعلَى الابن الإنفاق عليها، حيْث ينفق على الأب, لأنه إذا وجب عليه أن يُعِفَّه ابتداءً، فعليه أن ينفق على

زوجته استدامةً للنكاح، ولذلك، لو كانَت له أمُّ وَلَدٍ.
ولو كانت تحْته زوجتان أو أكثر لم تلزمه إلا نفقة زوجةٍ واحدةٍ، كما لا يعفه في الابتداء إلا بواحدةٍ، ويدفع تلْك النفقة إلى الأَبِ، وهو يوزعها عليهما، ويكون لكلِّ واحدةٍ منهما حقُّ الفَسْخِ، لعدَم وصولها إلى تَمام حقها، وإن فسخت واحدةً تحت النفقة للأخرى، وحكىَ الشيخ أبو عليٍّ وجهاً ضعيفاً.
أنه إذا كانَتْ تحته زوجتان أو أكثر، لم تَلْزَمْه النفقة؛ لأنَّ المستحِقَّ لا يتعيَّن، ولو كان للأب أولادٌ، ففي "التتمة": أنه يجب على الابن الإنفاقُ عليهم من جِهَة أنَّ نفقتهم واجبةٌ على الأب، فيتحمل الابن عنه كنفقة الزوجة، والظاهر، وهو الذي أورده الشيخ أبو عليٍّ: أنها لا تَجِبُ وفرق بينهما وبين نَفَقَة الزوجةِ من وجهَيْن: أحدهما: أنه إذا لم ينفق عليها، فسخَت النكاح، فيتضرر الأب.
والثاني: أن نفقتها تجب على الأب وإن كان معسراً، فيتحمل عنْه الابن، ونفقة الأولاد لا تجب على الأب، وهو مُعْسِرٌ، فلا معنى لتحمُّل الابن عنه وإذا كان الابن في نفقة أبيه، وله زوجة، فهل على الأب الإنْفَاق علَيْها؟ عن القاضي أبي حامِدٍ وغيره: أنه على وجْهَيْنِ، والأظهر: المَنْع؛ لأنه لا يجب على الأب إعفافُ الابْنِ، والذي أورده صاحب "المهذب": أنه يجب عليه الإنفاقُ عليها، وأنه يجب الإنفاق على زوجةِ كل قريب، وجَبَتْ نفقته؛ لأنه من تمام كفايته، وقد حكاه القاضي الرويانيُّ عنه واستغربه، وأما إذا كان لِلابْنِ أولادٌ، فعلى الأب الإنفاق عليهم بحُكْم الجدودة وإعسارِ الأبِ.
وكما يجب على الابن نفقةُ زوْجَةِ الأب 1، يجب عليه كُسْوَتُها.
قال في "التهذيب": لا يجب الإدام، ولا نفقة الخادم؛ لأن فقْدَهما لا يُثْبِت الخيار، ولكن قياس ما ذكرنا أن الابْن يتحمَّل ما وجب على الأب وجوبهما؛ لأنهما واجبان على الأب مع إعساره.
الثالثة: إذا امتنع الأب من الإنفاق على الوَلَدِ الصغير أو كان غائباً، أذن القاضي لأُمِّه في الأخذ من ماله أو الاستقراض عليه، والإنفاق على الصغير بشرط أهليتهما لذلك، وهل تستقل بالأخْذِ من ماله؟ فيه وجهان: أظهرهما: عند صاحب الكتاب وغيره: نعم؛ لقصة هند.
والثاني: لا؛ لأنها لا تلي التصرف في ماله، فلا تلي التصرُّف في مال أبيه، ومَنْ

قال به، حمل ما ذكره -صلى الله عليه وسلم- لهنْد على أنه كان قضاء أو إذْناً لها, لا إفتاءً وحكْماً عامّاً 1 وفي استقلالها بالاستقراض عليه، إذا لم تجِدْ له مالاً وجهان بالترتيب، وهو أَوْلَى 2 بالمنع؛ لخروجه عن صورة الحديث ومخالفته القياسَ، ويُحْكَى عن القفَّال تجويزه، فإن أثبتنا لها الاستقلال أو لم يكن في البلد قاضٍ، وأشهدت، فعليه قضاءُ ما استقرضته، وإن لم تُشْهِدْ، فعلى وجهَيْن، وإن أنفقت على الطِّفْل المُوسِر من ماله من غير إذن الأب ولا القاضي، فوجهان وجعلت هذه الصورة أَوْلَى بالجواز؛ لأنها لا تتعدَّى مصْلَحة الطِّفْل، ولا تتصرف في مال غيره، ولو أنفقت عليه من مال نَفْسها على قَصْد الرجوع، وأشهدَتْ، رجَعَتْ، وإلا، فوجهان: وإذا امتنع القريبُ من نفقة القريب، فللمستحق أخذ الواجب من ماله إن وجد جنسه وفي غير جنسه خلافٌ مذكورٌ في موضعه، وإن كان غائباً ولا مالَ له هناك، راجع القاضي، لِيَسْتَقْرض عليه فإن لم يكن هناك قاضٍ، واستقرض بنفسه، فيُنْظَر، أَشْهَد أو لم يُشْهِد على ما ذَكَرْنَاه [في اقتراض الأم للطفل].
ولو كان الأبُ الذي عليه الإنفاق غائباً، والجد حاضرًا، فإن تَبرَّع بالإنفاق، فذاك، وإلا استقرض القاضي علَيْه، أو أذن للجَدِّ في الإنفاق؛ ليرجع على الأب، وفي "البحر" حكايته وجْهٍ أنه لا يرجع عليه، وإن استقل الجَدُّ بالاستقراض، فإن أمكنه مراجعةُ القَاضِي، فليس على الأب قضاؤه، وفيه شيْءٌ ضعيف هنا وإلا، فينظر في الإشهاد وعَدَمِهِ كما سبق، وهذه الصورة: تَقْرُب من مسألة هَرَب الجمال ونظائرها.
وإن وَجَبَتْ نفقة الأب أو الحد على الصغير أو المجنون، أخذها مِنْ ماله بحكم الولاية، ولهما أن يؤاجراه لما يطيقه من الأعمال، وَيأْخُذا من أجرته نفقةَ نَفْسِهما، والأم لا تأْخُذ إلا بإذن الحاكم، وكذا الابن إذا وجَبَتْ نفقته على الأب المجْنُون، فلو كان

يصلح لصنْعَة، فللحاكم أن يُوَلِّيَ ابنه إجازته، وأخذ نفقة نفسه من أجرته.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيجِبُ عَلَى الأُمِّ أنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ اللِّبَأَ الَّذِي لاَ يَعِيشُ إلاَّ بِهِ، ثُمَّ لَهَا الأُجْرَةُ عَلَى الأَبِ، وَلاَ يَجِبُ (م) عَلَيْهَا الإِرْضَاعُ إلاَّ إِذَا فُقِدَ غَيْرُهَا، فَإِنْ رَغِبَتْ بِأُجْرَةٍ وَرَغِبَتْ أَجْنَبيَّةٌ مَجَّاناً وَجَبَ الأَجْرُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ نَظَراً لِلطِّفْلِ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الإِرْضَاعِ لِحَقِّ الاِسْتِمْتَاعِ إِذَا وَجَدَ مُرْضِعَةً أُخْرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الأم أن ترضع ولدها اللبأ 1 لأنه لا يعيش إلا به هكذا اْطلقوه، والمراد الغالب أو أنه لا يقوى ولا تشتد بينته إلا به وإلا فنشاهد هل يعيش بلا لبأ ثم لها أن تأخذ الأجرة عليه إن كان لمثله أجرة، ولا يلزمها التبرع بإرضاعه كما أن مالك الطعام يلزمه بذلِ الطعام للمضطر ولكن بالبدل، وفيه وجه منقول عن الحاوي أنه لا أجرة لها لأنه حتى تعين عليها، والأب عاجز عنه فهو كما إذا أيسرت بالنفقة والأب معسر، ثم إذا لم يوجد بعد سقي اللبأ مرضعة أخرى وجب عليها الإرضاع إبقاء للولد، وكذلك لو لم يوجد إلا أجنبية فإن وجد غيرها وامتنعت من الإرضاع لم تجبر 2 عليه سواء كانت في نكاح الأب أو بائنة، وسواء كانت ممن يرضع مثلها الولد في العادة أو ممن لا يرضع لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] وإذا امتنعت فقد حصل التعاسر، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد وعن مالك روايتان: إحداهما: أنه لا يلزمها الإرضاع.
وأشهرهما: أنه يلزمها الإرضاع إن كان مثلها يرضع الولد في العادة.
وإن رغبت الأم في الإرضاع فأما أن تكون في نكاح أب الرضيع أو مفارقة.
الحالة الأولى: إذا كانت في نكاحه فهل للزوج منعها؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو اختيار القاضي الطبري لا لأنها أشفق على الولد من الأجنبية، ولبنها له اصلح وأوفق.
وأقواهما: وهو اختيار الشيخ أبي حامد له المنع لأنه يستحق الاستمتاع في

الأوقات المصروفة إلى الإرضاع فإذا ما أورده صاحب الكتاب والشيخ أبو إسحاق في المهذب، وقال: يكره 1 له المنع.
فإن قلنا: ليس له المنع أو توافقا عليه فإن كانت متبرعة فذاك، وهل تزاد نفقتها للإرضاع فيه وجهان.
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق والإصطخري نعم لأنها تحتاج في زمان الإرضاع إلى زيادة الغذاء ويجتهد الحاكم في تقدير الزيادة.
وأصحهما: المنع لأن قدر النفقة لا يختلف بحالة المرأة وحاجتها, ولذلك تستوي الزهيدة والرغيبة والأولى أن يقال هذه الزيادة تحتاج إليها لتربية الولد وعلى أبيه القيام بكفايته.
فإن طلبت أجرة بني على أن الزوج هل يجوز له أن يستأجر زوجته لإرضاع ولده وفيه وجهان قد ذكرناهما في الإجارة قال العراقيون: لا يجوز لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك الحالة فلا يجوز أن يعقد عليها عقداً آخر يمنع استيفاء الحق كما إذا استأجر إنساناَ للخدمة شهراً لا يجوز أن يستأجره تلك المدة لخياطة ثوب أو عمل آخر، وربما طردوا ذلك فيما إذا استأجر زوجته للخدمة وغيرها، وبه قال أبو حنيفة، والأصح أنه يجوز استئجارها عليه، ويكون الاستئجار رضاً بترك الاستمتاع، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ولو لم يجز استئجارها لم يكن لها أجر فإن جوزنا استئجارها فليكن الحكم فيما إذا طلبت الأجرة كالحكم فيما إذا طلبت البائنة الإرضاع بالأجرة وسنذكره إن شاء الله تعالى وإذا أرضعت بالأجرة فإن كان الإرضاع لا يمنع من الاستمتاع ولا ينقصه فلها مع الأجرة النفقة، وإن كان يمنع أو ينقص فلا نفقة لها كما ذكره صاحب التهذيب وغيره ويشبه أن يجيء فيه الخلاف فيما إذا سافرت لغرض نفسها بإذنه، وإن قلنا لا يجوز الاستئجار، وأرضعت على طمع الأجرة ففي استحقاقها أجرة المثل وجهان، قال ابن خيران تستحق لأنها لم تبذل منفعتها مجاناً، وقال أكثرهم لا تستحق 2، ولو استحقت لجاز استئجارها.

الحالة الثانية: إذا كانت مفارقة، وتبرعت بالإرضاع لم يكن للأب المنع وانتزاع الولد منها، فإن طلبت أجرة نظر إن كانت أكبر من أجرة المثل لم يجب عليه الإجابة، وكان له استرضاع أجنبية بأجرة المثل، وإن طلبت أجرة المثل فهي أولى من سائر المراضع بأجرة المثل، وإن وجد أجنبية تتبرع أو ترضى بما دون أجرة المثل فطريقان أشهرهما وبه قال ابن الوكيل وابن سلمة وصاحب الإيضاح 1 أن في المسألة قولين: أحدهما: وهو اختيار المزني أنه لا ينزع الولد منها، ويجاب نظراً لها وللطفل، فإنها أشفق عليه ولبنها له أوفق، وأيضاً فلظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
وأصحهما: أن له الانتزاع ولا يلزمه بذل الزيادة كما لو طلبت أكثر من أجرة المثل، وهناك من يرضى بها.
والثاني: القطع بالقول الثاني، وبه قال: أبو إسحاق والإصطخري، وحكاه ابن كج عن ابن سريج وابن أبي هريرة أيضاً وعلى الصحيح لو اختلفا فقال الأب أجد متبرعة وأنكرت فهو المصدق بيمينه، ووجهه بأنها تدعي استحقاق الأجرة عليه، والأصل عدمه ولأنه يعسر إقامة البينة على ما يقوله، فيصدق بيمينه كما لو ادعت المطلقة ثلاثاً أنها نكحت غيره وأنه أصابها تصدق لعسر إقامة البينة على الإصابة.
وقوله في الكتاب في أنه يجب على الأم "إرضاع اللبأ" ثم لها الأجرة يجوز إعلامه بالواو للوجه الذي حكيناه، ويخرج أيضاً إذا كانت الأم زوجته على الوجه الذي قلنا إنه لا يجوز له استئجار زوجته.
وقوله: "على الأب" مفروض فيما إذا كان المولود معسراً وهو الغالب، فإن كان يملك مالاً فيؤدي الأجرة منه، ولا تلزم على الأب.
وقوله: "ولا يجب عليها الإرضاع" يجوز إعلامه بالميم.
وقوله: "فإن رغبت بأجرة... " إلى آخره مطلق من جهة اللفظ لكنه أراد ما إذا لم تكن الأم في نكاحه على ما هو مبين في الوسيط والبسيط، ويجوز أن يعلم "القولين" بالواو للطريقة القاطعة.
وقوله: "بأجرة" يعني بأجرة المثل.
وقوله: "وللزوج منعها" معلم بالواو، والله أعلم بالصواب.

البَابُ الثَّانِي فِي تَرْتِيبِ الأَقَارِبِ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَافٍ: الأَوَّلُ اجْتِمَاعُ الأَوْلاَدِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ التَّقْدِيمَ بِالقُرْبِ، فَإِنْ تَسَاوَيا فَهَلْ يُقَدَّمُ الوَارِثُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الإِرْثَ فَهَلْ تَتَفْاوَتُ بِتَفَاوُتِ مِقْدَارِ الإِرْثِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الباب الكلامُ فيما إذَا كان للمُحْتَاج أقاربُ، يَجِبُ على كُلِّ واحدٍ منهم نفقته لو انفرد، على مَنْ تكون نفقته عند الاجتماع؛ وفي أنه إذا اجتمع للشخص أقاربُ محتاجُون، كَيف ينفق عليهم؟ والأقاربُ في المقْصد الأوَّل، إما أن يَكُونُوا من الأصول أو من الفُرُوع أو منْهما جميعاً، فرتب الكلام في الباب على أربعة أَطْرَافٍ، والثلاثة الأول في أقسام المقصد الأول، والرابع في المقصد الثاني.
وقوله في ترجمة الطرف الأول: "اجتماع الأولاد" يعني الفروع الدين يلْزَمُهم النفقة للأصْل المُحْتَاج، وإذا اجتمعَ اثْنَانِ منهم، نُظِرَ؛ إن استويا في القرب والوراثة أو عَدَمِها، والذكورة والأنوثة، فالنفقة عليهما بِالسَّوِيَّة، سواءٌ استويا في اليَسَار أو تَفَاوَتَا، وسواء كانا قادرَيْنِ بالمال أو بالكسب أو أحدهما بالمال والآخَر بالكسب، فإن كان أحدهما غائباً، أخذ قسطه من ماله، فإن لم يكن، استقرض 1 عليه.
مثاله ابنان أو ابنتان، أو ابنا ابن أو بنتا ابن، وإن اختلفا في شيء من ذلك، ففيه طريقتان: إحداهما: النظر إلى القرب، فإن كان أحدهما أقْرَبَ، فالنفقة عليه؛ لأنه أوْلَى بالاعتبار، ولا فرق بين أن يكون الأقرب وارثاً أو غير وارث، ولا بين أن يكون ذكراً أو أنْثَى، فإن استويا في القُرْبِ، ففي التقديم بالإرْثِ وجهان: أحدهما: أن [النفقة] على الوارث؛ لقوَّة قرابته.
والثاني: أنه لا أثر للإرث؛ لأن القرابة [المجرَّدة] عن الإرث موجبة للنفقة، فالإرث غير مَرْعيٍّ في الباب.
فإن قدَّمْنا بالإرث، فلو استويا في أصل الإرث، فيستويان أو تتوزع النفقة بِحَسَب

الإرث؟ فيه وجهان 1: وجه الثاني: إشعار زيادَةِ الإرْثِ بزيادة قُوَّة القرابة.
والطريقة الثانية: أن النَّظَر أوَّلاً: إلى الإرث، فإن كان أحدهما وارثاً دون الآخر، فالنفقة على الوارث وإن كان غير الوارث أقرب، فإن تساويا [في الإرث، وأحدُهما أقرب، فالنفقة على الأقرب، فإن تساويا] 2 في القرب أيضاً، فالنفقة عليهما ثم تستوي أو يراعى قدْر الإرث؟ فيه الوجهان، وإذا تساويا في المنْظُور إلَيْه على اختلاف الطريقين، وأحدهما ذكر، والآخر أنثى، هل يختص الذكَّرَ بوجوب النفقة عليه؟ فيه وجهانِ: وجْهُ الاختصاص: أنه أقوى وأقْدَرُ على الكسب، وأيضاً، فإنه إذا اجتمع الأب والأمُّ، تكون النفقة على الأبِ دون الأم، هكذا قيده في "البسيط"، وجْه اعتبار الذكورة بما إذا استويا في سائر الأسْبَاب عن رواية الشَّيْخ أبي عليٍّ، وكأنه لذلك لم يجعلْه هاهنا طريقة قاطعةً تقابل الطريقتين السابقتين، بل جعَلَه وجهاً بين الطريقتين، ومنهم مَنْ حكاها طريقة يرأسها، فقال إن كان أحدهما ذكراً، فالنفقة عليه قريبًا كان أو بعيداً، وارثاً كان أو غَيْرَ وارثٍ، وإن كانا ذكَرَيْن أو أنْثَيَيْنِ، فالنفقة على المدلي بالذَّكَر، فإن استويا في الإدلاء فهي على الأقرب، والأظهر عند صاحب الكتاب والإمام وصاحب "التهذيب" وغيرهم الطريقة الأولى: دون اعتبار الإرْث والذُّكورة، واحتجُّوا بأن الإرث والذكورة لا يُشْتَرَطَانِ في وجوب النَّفقة، والمنفرد منهم تلزمه النفقة، وإن لم يكن حائزاً ولا وارثاً، ويدل على قوة القرب أن مَنِ اعتبر الإرْثَ والذكورة، قَطَع عند استوائِهِما في الإرْث والذكورة بالاعتماد على القرب، والمُعْتَبِرون للقُرْب تردَّدوا عند استوائهما في الدَّرَجة في أنَّه، هل يُعْتبر الإرث والذكورة؟ واختيار العراقيين يخالف اختيار هؤلاء في بعْض المَنَازِل، كما نبينه في الأمثلة.
أمثلة: ابن وبنْتٌ، النفقة عليهما بالسوية إن اعتبرنا القُرْب، وبه قال أبو حنيفة، وكذا على اعتبار الإرث، إن اكتفينا بأصْلِهِ، وإن اعتبرنا مقدار الإرْث فيكون عليهما أثلاثاً، وبه قال أحمد، وهي على الابن، إن اعتبرنا الذُّكُورة، وهذا ما اختاره العراقيون، وربما لم [يوردوا] غيره.

بنت وابن ابن، هي على البنْتِ، إنِ اعتبرنا القُربَ وبه قال أبو حنيفة، وعليهما بالسوية، إن اعتبرنا الإرث، وعلى ابن الابن إن اعتبرنا الذكورة، وهذا ما اختاره العِرَاقيُّون، وعن أحمد: أن النفقة عليهما أثلاثاً؛ لأن الذَّكَر والأنْثَى يرثان أثلاثاً، فينفقان كَذَلِكَ.
بنْتٌ وبنْتُ ابْنٍ، هي على البِنْتِ، إن اعتبرنا القرب، وعليهما إن اعتبرنا الإرث 1. [بنت وابن بنت هي على البنت إن اعتبرنا القرب أو الإرث وعلى ابن البنت إن اعتبرنا الذكورة].
ابن ابن وابن بنت عليهما إن اكتفينا بالقرب وعلى الأول إن رجحنا الإرث بنت ابن، وابن بنت هي علي بنت الابن، إن اعتبرنا الإرْثَ، وعلى ابن البنت، إن اعتبرنا الذُّكُورة، وعليهما، إن اكتفينا بالاستواء في الدرجة 2 وتحكى الأوجه الثلاثة على الثاني [بنت بنت وبنت ابن ابن هي على الأولى إن اعتبرنا القرب وعلى الثانية إن اعتبرنا الإرث].
بنت ابن وبنت بنت، عليهما، إن اكتفينا بالاستواء في القُرْب وإن اكتفينا بالإرث، فعلى الثانية.
ابنٌ وولدٌ خُنْثَى، إن قلنا في اجتماع الابن والبنت: تكون النفقة عليهما كذلك ها هنا، وإن قلْنا: تكون على الابن، فوجهان: أحدهما: أن على الابْنِ نصْفَها؛ لأنه المستيقن، والنصف الآخر يستَقْرِضه الحاكِمَ فإنْ بان ذَكَراً، فالرجوع عليه، وإلا، فالرجوع على الابْنِ، وهذا كما أنه إذا كان أحَدُهما غائباً يُؤْخَذ النِّصْف مِنَ الحاضر، ويستقرض على الغائب.
وأظهَرُهما: أنَّه يُؤْخَذ الجميع مِنَ الابْنِ؛ لأنه بِصَدَد أن يكُونَ الكُلُّ عليه، فهو

أوْلَى بالمطالبة من غيره، فإن بأن الخنثى ذَكَرَاً، رجع عليه بالنصف.
بنتٌ وولَدٌ خنْثَى، إن قلْنا: لو اجتمع الابن والبنت، تكون النفقة عليهما، فكذلك هاهنا، وإن خصَّصْناها بالابن، فوجهان: أحدهما: الإنفاق على الخُنْثَى؛ لاحتمال كونه ذكراً فإن بانت أنوثَتُه، رَجَعَت على أختها بالنِّصْف.
[والثاني]: لا تُؤْخذ منه إلا النصف؛ لأنه المستيقن، ويُؤْخَذ من البنتِ النصْفُ، فإن بانت ذكورته، رجَعَتْ أخته 1 عليه بما أَنْفَقَتْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: أَنَّ الإِرْثَ مُقَدَّمٌ فَإنْ تَسَاوَيَا فَالأَقْرَبُ، فَإنْ تَسَاوَيَا وُزِّعَ عَلَيْهِمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أنَّهُ يُقَدَّمُ بِالذُّكُورَةِ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الابْنِ لاَ عَلَى البِنْتِ الطَّرَفُ الثَّانِي: اجْتِمَاعُ الأصُولِ فَالأَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الأُمِّ فِي الصِّغَرِ، وبَعْدَ البُلُوغِ وَجْهَانِ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا فَهَلْ يَتَفَاوَتَانِ بِمِقْدَارِ الإِرْثِ؟ وَجْهَانِ، أَمَّا الأَجْدَادُ وَالجَدَّاتُ فَالقَرِيبُ مُقَدَّمٌ عَلَى البَعِيدِ المُدْلي بِهِ، فَإنِ اخْتَلَفَتِ الجِهَةُ خُرِّجَ عَلَى الطَّرِيقَيْنِ، وَطَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ الوَلِيَّ أَوْلَى، فَإنِ اسْتَوَيَا فَالمُدْلِي بِالوَلِيِّ أَوْلَى، فَإنِ اسْتَوَيَا فَالأَقْرَبُ، وَطَرِيقَةٌ رَابِعْةٌ أَنَّ الذَّكرَ أَوْلَى، وَإِلاَّ فَالمُدْلِي بِالذَّكَرِ، وَإِلاَّ فَالأَقْرَبُ، وَقِيلَ: الذُّكُورَةُ وَالوِرَاَثَةُ تُجْبَرُ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى فَيَتَسَاوَيَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع للمُحْتاج قريبانِ مِنْ أصوله، لو انفرد كلُّ واحد منهما، لَوَجَبَت النفقة عليه، نُظِرَ: إن اجتمع أبوه وأمه، فإن كان المحتاجُ صغِيراً، فالنفقةُ على الأب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] أوجب أجرة الإرْضَاع على الأبِ، ولقصَّة هنْد، وإن كان بالغاً، فوجهان: أصحُّهما: أن الجواب كذلك ويستصحب ما كان في الصِّغَر، وبه قال أبو حنيفة: والثاني، ويُنْسَب إلى القفَّال: أنَّها توزَّع عليهما؛ لاستوائهما في القُرْب والولادةِ، والايجابُ عليه قَبْل البلوغ كان من أثر الولاية على الصَّغِير؛ وعلى هذا، فيُسَوَّى بينهما، أو يُجْعَلُ بينهما أثلاثاً بحَسَب الإرْثِ؟ فيه وجهان، رجَّح منهما الثاني، وإن اجتمع واحدٌ من أباء الأب مع الأمِّ, فالظاهر تنزيله منزلة الأَبِ؛ لأنه يشاركه في الولاية والعصوبة، وقد يقع عليه اسم الأب، وفيه وجهان آخران: أحدهما: أن النفقة على الأم لقربها.

والثاني: يُوزِّع عليهما؛ لتعارض القرب والعصوبة، وإذا وزعت عليهما، فيسوى أو يثلَّث؟ فيه الوجهان، ويحكى التثليث عن أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- وإن اجتمع اثنان من الأجْدَاد والجدات، نُظِرَ؛ إن كان أحدهما يُدْلِي بالآخر، فالنفقة على القريب دُون البَعِيد، وإلا، ففيه طرق: أحدها: اعتبار القْرْبِ.
والثاني: اعتبار الإرث على ما ذَكَرْنا في طَرَف الفُرُوع.
والثالث: وهو اختيار المَسْعوديِّ: أن الاعتبار بولاية المَالِ، فإنها تُشعِر بتفويض التربية إلَيْه، وقد يحتج له أيضاً بأن النفقة عند اجتماع الأم والأب على الأَبِ، فإنْ لم يكُنْ لِوَاحِدٍ منهما ولايةٌ وأحدهما يُدْلِي بالوليِّ أو هو أقرب إدلاء بالولِيِّ، فالنفقة عليه، فإن استويا في الإدلاء به وجوداً وعدماً واعتبر فيه القرب والمراد في هذه الطريقة من الولاية الجهةُ التي تُفِيدها, لا نفْس الولاية التي قد يمنع منْها مانع مع قيام الجهة.
والرابع: أن الاعتبار بالذُّكورة، فالنفقة على الذكر فإن كانا ذكَرَيْن أو انثَيَيْن، فالنفقة على المُدْلِي بالذَّكَر، فإنِ اسْتَوَيَا، اعتبر 1 القرب.
والخامس: أنه يُعْتَبَر الإرث والذكورة معاً، فإن اختص أحدهما بالمعنيين، فالنفقة عليه، وإن وُجِدَا فيهما، أو لم يُوجَدَا أو وُجِدَ أحدهما في أحدهما، والثاني في الثاني، فيعتبر القرب، ويُجْبَر على هذه الطريقة فِقْدَان كلِّ واحدٍ من المعنيين بالآخر.
الأمثلة: اجتمع أبُ الأبِ وأبُ الأمِّ, إن اكتفينا بالقرب سوَّيْنا بينهما، وإن اعتبرنا الإرْثَ أو الولاية فالنفقة على أَبِ الأبِ.
أمُّ الأب وأمْ الأم، إن اعتبرنا القُرْبَ أو الإرْث، سوَّينا بينهما، وإن اعتبرنا الإدْلاء بالولي أو بالذَّكَر، فهي على أمِّ الأبِ أب الأم وأم الأب، إن اعتبرنا القرب، فهما سواءٌ، وإن اعتبرنا الإرث أو الإدلاء بالوليِّ، فهي على أم الأب، وعلى الطريقة الخامسة يُجْبَرُ فِقْدَانُ الإرث في أب الأم بالذكورة، وفِقْدانُ الذكورة في أم الأب بالوراثة، فيستويان، وخَرَّج بعضهم الخلافَ في اجتماع الجَدِّ والأمِّ على هذه الطرق، وقال: إن اعتبرنا القُرْب، فالنفقة على الأمِّ، وإن اعتبرنا الإرْثَ، فهي عليهما، وإن اعتبرنا الولاية

أو الذكورة، فعَلَيْهِ، إلا أنَّ ما رجَّح في الصورتين لا يلائم ما رجّح من الطرق، وهو اعتبار القرب.
وقوله في الكتاب: "وقيل: الذكورة والوراثة إلى آخره، هو الطريق الخامِسُ مختصراً، ولْيُحْمل قولُه تجبر إحداهما بالأخْرَى" على أنه يجبر فِقْدَانُ إحداهما بالأخْرَى، وإلا، فهما صفتا كمالٍ، ولا يجبِر الكمال بالكمال، وإنَّما يُجْبَر النقصان بالكمال.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ: اجْتِمَاعُ الفُرُوعِ وَالأُصُولِ ابْنٌ وَأَبٌ قِيلَ: الأَبُ أَوْلَى لِلوِلاَيَةِ، وَقِيلَ: الابْنُ لِلْخِدْمَةِ، وَقِيلَ: يَتَسَاوَيَانِ، وَالأُمُّ كَالأَبِ، وَقِيلَ: الابْنُ أَوْلَى مِنْهُمَا قَطْعَاً، وَكَذَا الخِلاَفُ فِي الجَدِّ وَالابْنِ أَعْنِي أَبَ الأَبِ، ثُمَّ تَعُودُ تِلْكَ الطُّرُقُ الخَمْسُ، وَإنَّمَا يَزِيدُ النظَرُ إِلَى وِلاَيَةِ التَّرْبِيَةِ وَإِلَى الخِدْمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع للمُحْتَاجِ واحدٌ من الأصول وواحدٌ من الفروع، قال الأئمة: تجيء فيه الطُّرُق، فيقدَّم الأقْرَب في طريق، والوارثُ في طريق، والوليُّ في طريق، والذَّكَر في طريق، ويُسوَّى بين الذكر والأنثى في طريق، وإذا وجبت النفقةُ على وارثين، فيجيء الخلافُ في أن التوزيع يَكُونُ بالسوية، أو بحسب الإرث، ويزيد هاهنا النظرُ إلى أن الإنفاق فيه معْنَى التربية، وَالتَّربيةُ بالأصُول أليقُ، ومعنى الخِدْمَةِ، والخِدْمَةُ بالفُروعِ أليقُ، وتفصيل هذه الجملة بِذِكْرِ صُوَرٍ: أبٌ وابْنٌ، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن النَّفقَة عَلَى الأب استصحاباً لما كان في الصِّغَر، وأيْضاً، فنفقة الوَلَد على الأب منصوصٌ عليها في قصة هنْد وغيرها بخلاَفِ نفقةِ الأب عَلَى الولد، وأيضاً، فإنه مخصوص بالولاية، ويُحْكَى هذا عن اختيار أبي عبد الله الحُسَيْن.
وأصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهما، وهو اختيار صاحب "التلخيص": أنها على الابْنِ؛ لأن عصوبته أقوى، ولأنه أولَى بالقيام بشأن أبيه، لِعِظَمِ حرمته.
وثالثها: أنها عليهما لاستوائهما في القُرْب، ولتعارض المعانِي، وعلى هذه الوجوه، ما إذا اجتمع أبٌ وبنْتٌ، ويتوجه الوجوب على الأب بأنه ذَكَرٌ أيضاً، وما إذا اجتمع جَدٌّ وابنُ ابنٍ.
وفي أمٍّ وبنْتٍ طريقانِ: أظهرهما: مَجِيْءِ الأوجه.

والثاني: القطْع بأنها على البنْت، ويُحْكَى هذا عن القاضي أبي حامد وغيره، وكأنهم اعتمدوا في الإيجاب على الأب معنى الولاية واستصحابِ مَا كَانَ في الصِّغَر والذكورة، وهذه المعانِي لا تُوجَدُ في الأم.
أمٌّ وابْنٌ، فيه طريقان: أحدهما: طَرْدُ الأوجه الثلاثة.
والثاني: القطْعُ بتقديم الابْنِ؛ لضعف الإناث، وبُعْدِ حالهن عن تَحمُّلِ المؤنات عن الغَيْرِ، ويجري الطريقان في جَدٍّ وابْنٍ، وفي أبٍ وابنِ ابنٍ أقوى 1. قال في "التهذيب": والأصحُّ أنه لا نفقة على الأصول ما دام يوجد واحدٌ من الفروع قريباً كان أو بعيداً، ذكراً كان أو أنْثَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابعُ فِي ازْدِحَامِ الآخِذِينَ فَإِذَا لَمْ يَفضُلْ مِنْهُ إِلاَّ قُوتٌ وَاحِدٌ فَالزَّوْجَةُ أَوْلَى، وَفِي الأَبْعَاضِ تعُودُ الطُّرُقُ، وَلَكِنَّ الأُنُوثَةَ هَهُنَا تَرْجَحُ لِلآخِذِ -لِلأخْذِ حَيْثُ رَجَّحْنَا، ثُمَّ الذُّكُورَةُ فِي الالْتِزَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَهُنَا لاَ يُؤثِّرُ تَفَاوُتُ الإِرْثِ، ثُمَّ إِنِ اسْتَوَوْا وُزِّعَ عَلَيْهِمْ، فَإنْ كَانَ قَلِيلاً أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع على الشَّخْص الواحِدِ محتاجون، يلزمه نفَقَةُ كلِّ واحدٍ منهم، نُظِرَ إن وَفَّى مالُه أو كَسْبُه بنفقتهم، فعلَيْهِ نفقة الجميعِ القريب منْهم والبعيد، وإن لم يَفِ بالكل، ولم يكْفِ ما يفضل عنه إلا نفقة واحدٍ، فيُقدَّم نفقَةُ الزوجَةِ، على نفقة الأقارب؛ وذلك لأنها أثبت وأقْوَى؛ ألا ترى أنَّهَا لا تَسْقُطُ بغناها، [ولا بإعساره] ولا بِمُضِيِّ الزمان، وبأنها وجبت عِوَضاً، والنفقة على القَرِيبِ مواساةً والعِوَضُ أوْلَى بالرعاية مِنَ المواساة، واعترض الإِمام بأنها إذا كانت كذلك، كانت [كالديون] 2، ونفقة القريب من مال المُفْلِس، تُقَدَّم على الديون، وخَرَّج لذلك احتمالاً في المسألة، وأيَّده بما رُوِيَ أن رجلاً جاء إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "مَعِي دِينَارٌ، فَقَالَ: أَنْفقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، فَقَالَ: مَعِي آخَرُ، فَقَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك، قَالَ مَعِي آخَرُ، فَقَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ" 3 فقدَّم نفقةَ

جارٍ التحميل