العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 288-304

إذا قُتِلَ، ولا مَهْرَ على المَوْقُوف علَيْه بحالٍ؛ لأنَّه لو وجَب، لوجَبَ له.

الثالثة: أنْ يطأها الواقِفُ، فإنْ لم يكن الوطء بشبهة، ت

فرع

على الخلافِ في المِلْك، إن لم نجعل المِلْكَ له، فعليه الحدُّ والولدُ رقيقٌ، وفي كونه ملكاً أو وقْفاً الوجهان، ولا تكون الجاريةُ أمَّ ولدِ لَهُ، وإن جعَلْنا المِلْكَ له، فلا حدَّ.
وفي نفوذ الاستيلادِ، إن استولَدَها الخلافُ في استيلاد الراهن؛ لتعلُّق حقِّ الموقوف علَيْه بها، وهذا أولَى بالمنع، وإن وطئَ بشبهة، فلا حدَّ، والولدُ حرٌّ نسيبٌ، وعلَيْهِ قيمتُهُ، وفيما يفعل بها الوجهان، وتصير أُمَّ ولدٍ له، إن ملَّكْناه، يعْتَقُ بموته، وتُؤْخَذُ قيمتها مِنْ تركته، وفيما يفعلُ بها الخلافُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالظَّاهِرُ (و) أَنَّهُ يُمْكِنُ تَزْوِيجُهَا ثُمَّ يَتَوَلَّى التَّزْوِيجَ مَنْ نَقُولُ: إِنَّ المِلْكَ فِيهَا لَه، فَإِنْ قلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلاَ يَسْتَشِيرُ أَحَداً، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ فَالسُّلْطَانُ يَسْتَشِيرُ المَوْقُوفَ عَلَيْهِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في تزْويجِ الجارِيةِ المَوْقُوفَةِ وجهان: أحَدُهُمَا: المَنْعُ؛ لما فيه من نُقْصانِ قيمَتِها ومَنْفَعَتها, ولأَنَّها، إذا حَبَلَتْ، ضعُفَتْ عن العَمَل، وربَّما ماتَتْ في الطَّلْق، فيتضرَّر به أربابُ الوقْف.
وأظهرُهمَا: الجَوَازُ تحصيناً لها، وأيْضاً، فإنَّ النِّكَاحَ عَقُدٌ على المَنْفعة، فلا يمنع بالوقف؛ كلإجارة، وعلَى هذا فإنْ جعلْنا المِلْكَ للموقُوف علَيْه، فهو الذي يلي تزْوِيجَها, ولا يحتاجُ إلى استشارةِ أَحَدٍ.
وإن قلْنا: لله تعالَى فيزوجها له السلطانُ، ويستشير الموقُوفَ علَيْه؛ لأنَّ الحقَّ في منافِعِها لَهُ وكذا إن قلْنا: إنَّهُ للواقِفِ تزوجها بإذن الموقُوفِ عَليْه، وهذا جواب المعْظَمِ، وحكى صَاحِبُ الكتاب في "الوسيط" وغيره وجهَيْن في أنَّ السُّلطانَ، هل يستشير الموقوفَ علَيْه؟ أنَّهُ، هَلْ يستشيرُ الوَاقِف أيضاً؟ ويلْزَمُ مثْلُهُ في استشارةِ الوَاقِفِ، إذا زوَّج الموقوف علَيْه، والمهْر للموقوف علَيْه بكل حال، وولَدها من الزَّوْج للموقُوفِ علَيْه مِلْكاً، أو وَقفاً على الخلاف الَّذي سبق 1.

فَرْع: ليْسَ للموقُوف عليه أنْ يتزوَّجَ بها، إنْ قلنا: إنَّها مِلْكُهُ، وإلاَّ، فقد قيل بجَوَازِهِ.
والظَّاهر: المَنْعُ؛ احتياطاً، وعلَى هذا، فلو وقفَتْ عليه زوجته، انْفَسَخَ النكاح.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَوْلِيَةُ أَمْرِ الوَقْفِ إِلَى مَنْ شَرَطَ لَهُ الوَاقِفُ فَإِنْ سَكَتَ فَهُوَ إِلَيْهِ أَيْضَاً لإِنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: يَبَنِي عَلَى الأَقْوَالِ في المِلْكِ فِهُوَ لِلْمَالِكِ، ثُمَّ يُشْتَرَطُ في المُتَوَلِّي الأَمَانَةُ (و) وَالْكفَايَةَ، وَبَتَوَلَّى العِمَارَةَ وَالإِجَارَةَ وَتَحْصِيلَ الرِّيعِ وَصَرْفَهَا إِلَى المُسْتَحِقِّ وَيأْخُذُ أجْرَتَهُ إنْ شُرِطَتْ لَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حقُّ التوليةِ في الأصْلِ للواقِفِ؛ لأنَّهُ المتقرِّبُ بصَدَقَتِهِ، فهو أحقُّ مَنْ يقوم بإمضائها، وصرْفُها إلَى مصارفها، وقد ثَبَت أن عُمَرَ -رَضِيَ الله عنه- كان يلي أمْرَ صَدَقَتِهِ، ثم جَعَلَهُ إلَى حَفْصَةَ، وبعْدَهَا إلَى ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا.
فإنْ شرطَهَا الواقفُ لنفسه، أو لغَيْرِهِ، اتبع شرْطُهُ 1، وأشار في "النهاية" إلَى خلافٍ فيما إذا كان الوقْفُ عَلَى معيَّنٍ، وشرط التولية للأجنبيِّ، هل يتبع شرطه؟ إذا فرَّعنا علَى أنَّ الملك في الوقْف للموقُوفِ علَيْه، والمشهورُ الأوَّل، فلا فرق بين أن يفوض في الحياة، وبيْن أن يوصِي في المماتَ فكلُّ منهما معمولٌ به، وإن وقَف، ولم يشترط التولية لأحدٍ، فمنهم من أطْلَقَ فيه ثلاثةَ أوْجُهٍ: أحدها: أنَّه للواقِفِ؛ لأنَّ النَّظَرَ والتصرُّف كان إليه، فإِذَا لم يَصْرِفْه عن نفسه، بَقِيَ على ما كان.
والثَّاني: للموقوف عليه؛ لأنَّه النَّفْعَ والفائدةَ له.
والثالثُ: للحاكمِ؛ لأنَّهُ يتعلَّق به حقُّ الموقُوفِ علَيْه ومن بَعْدَه، فصاحبُ النَّظرَ العامِّ أولَى بالنَّظَر منه.
ومنهم من بَنَى الأمر فيه علَى الخلاَفِ في مِلْك الرقبة، إن قلْنا: للواقِفِ، فالتوليةُ له، وقيل: للحاكمِ؛ لتعلُّق حقِّ الغير به، وإنْ قلْنا: لله تعالَى، فَهِيَ للحاكمِ، وقيل: للواقِفِ، إذا كان الوَقْفُ عَلَى جهةٍ عامَّةٍ، فإن قيامه بأمر الوقْف من تَتِمَّة القُرْبة، وقيل: للموقُوف علَيْه، إذا كان الوقْف علَى معيَّن؛ لأنَّ الرِّيعَ والمنْفعة لَهُ، وإن قلْنا: إنَّ المِلْكَ للموقُوف عليه، فالتوليةُ له، وذكر كثيرون أنَّ التوليةَ في صورة السُّكُوت للواقف من غير حكايته خلاف ولا بناء على خلافٍ، فهذه ثلاثةُ طُرُقٍ، ونظْمُ الكتابِ يقْتَضِي ترجيحَ

الثَّالثة، لكن الذي يقْتَضِي كلامُ المُعْظَم الفتوَى به أنْ يقال: إنْ كان الوقْفُ علَى جهةٍ عامَّة، فالتوليةُ للحاكم، كما في الوقْف على المَسْجِد، والرِّباط، وإنْ كان الوَقْفُ على شخْصٍ معيَّن، فكذلكَ، إنْ جعلْنا المِلْكَ لله -تعالَى- وإن جعلْناه للواقِفِ أو الموقوفَ عليه، فالتوليةُ كذلك، ثمَّ النظر في أمور: أحدُهَا: لا بُدَّ من صلاحية المتولِّي لشغل التوليةِ، والصلاحية يثبُت بصفَتيْنِ: إحداهما: الأمانَةُ.
والأُخْرَى: كفاءة التصرُّف، واعتبارُهُما كَاعتبارِهِمَا في الوصيِّ والقيِّم ولا فرْقَ في اعتبارِهِمَا بيْن المنْصُوب للتَّولِيَة، وبيْن الواقِفِ، إذا قلْنا: هو المتولي عند الإطلاق في الوَقْف، ولا بيْن الواقِفِ على الجهات العامَّة، والأشْخَاص المعيَّنين، وفيهِ وَجْهٌ: أنَّهُ لا يُشْتَرَطَ العدالةُ، إذا كان الوَقْفُ عَلَى معيَّنين، ولا طِفْلَ فيهم، فإن خان حملوه على السَّداد، والمذْهب الأوَّل، حتى لو فوض إلى الموصوف 1 بالصفتَيْن معاً، ثم اختلَفا أو أحدُهُما ينزع الحاكمُ الوقْفَ منه.
والثاني: وظيفة المتولِّي العمارة والإجارة، وتحصيل الرِّيع وقسمتها على المستحقين، وحفْظ الأُصُول والغلات عَلَى الاحْتِيَاط 2، هذا عنْد الإطْلاَق، ويجوزُ أَنْ ينصب الواقِفُ متولِّياً في بعْض الأمورُ دُون بعْض، كما إذا جعل إلَى واحد العمارة، وتحْصِيل الرِّيع، وإلَى آخِر حِفْظِ الرِّيع وقسمتها على الأَرْبَاب، أو يشرط لواحد الحفْظ واليد، ولآخَرَ التَّصَرُّف.
ولو فوَّض إلى اثْنَيْنِ، لم يستقلَّ أحدهما بالتصرُّف، ولو قال: وقفتُ على أولادِي عَلَى أن يكونَ النَّظَرُ لعدلَيْنِ منهم، فإن لم يكُنْ فيهم إلا عدْلٌ واحد، ضَمَّ الحاكمُ [إليه عدلاً آخر، وليس للمتولِّي أن يأخذَ مِن، مال الواقف شيئاً؛ على أن يضْمَنَه، ولو فَعَل، ضَمِن، ولا يَجُوزُ له ضم] 3 الضمان إلى مال الوقْف، وإقراض مالِ الوقْفُ، حُكْمُه حُكْمُ إقراض مالِ الصَّبِيِّ.

والثاَّلثُ: لو شرَطَ الواقفُ للمتولِّي شيئاً من الرِّيع، جاز، وكان ذلك أُجْرَةَ عَمَلِهِ، ولم يذكُرْ شيئاً، ففي استحقاقه أجرةَ عَمَله الخلافُ المذكور فيما إذا استعْمَلَ إنساناً، ولم يذكر له أُجْرةً، ولو شرط للمتولِّي عُشْر الرِّيع أجرةً لعمله ثم عزَلَه، بَطَلَ استحقَاقُه، وإن لم يتعرَّض لكونه أجرةً، ففي فتاوَى القَفَّالِ أنَّ استحقَاقَه لا يَبْطُلُ؛ لأنَّ العُشْرَ وقفٌ علَيْه، فهو كأحدِ المَوقُوف علَيْهم.
ويجوز أنْ يقالَ: إذا أثبَتنا الأُجْرَةَ بمجرَّد التفْويض؛ أخذاً من العادة، فالعادة تقْضِي بأن المشروط للمتولِّي أجرةُ عَمَلِه، وإن لم يَصِفْه بكونه أُجْرةً، ويلزم من ذلك بُطلانُ الاستحقاق بالعَزْل.
الرابع: للواقِفِ أنْ يعزلَ من وَلاَّه ويُنَصَّبَ غيرَهُ، كما يَعزِلُ الوكيل ويُنصَبُّ غيره، وكان المتولِّيَ نائب عنه، هذا هو الظاهِرُ، وبه قال الإِصْطَخْرِيُّ وأبو الطَّيِّب بْنُ سَلَمَة.
وفيه وجْه: أنَّهُ ليس له العَزْلُ؛ لأنَّ ملكه قد زال فلا تبْقَى ولايُتُه عليه، وقبولُ المتولِّي يشبه أن يجيُءَ فيه ما في قبول الوكيل، أو في قَبُول الموْقُوف علَيْه، ويُشْبِه أن تكونَ المسألةُ مصوَّرةً في التولية بعد تمام الوقْف دون ما إذا وقف بشَرْط أن تكُونَ التولية لفُلاَنٍ؛ لأنَّ في فتاوى صاحب "التَّهْذِيب": أنَّهُ لو وقَف مدْرسةً عَلَى أصحاب الشافعيِّ -رضي الله عنه- ثم قال لعالِمٍ: فوَّضْتُ إليك تدْريسَها أو ذهب ودرِّس فيها، كأن له تبديلُه بغيره، ولو وقَف بشَرْطِ أنْ يكون هو مُدَرِّسَهَا، أو قال في حالة الوقْف: فوَّضْتُ تدريسَهَا إلَى فلان، فهو لازمٌ لا يجوز تبديله، كما لو وقَفَ عَلَى أولاده الفُقَراءِ، لا يجوزُ التبديلُ بالاغنياء 1، وهذا حسن في صيغَة الشرط وغَير متَّضِحٍ في قوله: وقَفْتُها،

وفوَّضْتُ التدريس فيها إليه والله أعلم (1). وقوله في الكتاب: "فإن سَكَتَ، فهو إلَيْه أَيضاً" الكناية في قوله: "إليه" ترجع إلى الوَاقِفِ لاَ إلَى من شرط له الواقِفُ؛ لأنه لا شَرْط في صورة السُّكُوت لكنْ قوله "أيضاً" إِنَّما يحسن، إذا كان مَنْ إلَيْه التوليةُ في الصورتَيْن واحداً، إلاَّ أنْ يقال: المشروط له نائبٌ عن الواقف بالحق في الحالتين للواقِفِ.
وقولُه: "ويأخذ أُجرية إنْ شُرِطَتْ" له ظاهره يوافِقُ القَوْل بأنَّه لا أُجْرَةَ له عند عَدَمِ الاشتراطِ، وفيه الخلافُ الَّذي قدَّمناه.

فرْعٌ:

في فتاوَى صاحب "التهذيب" أنه لا يُبَدَّلُ بعْد موْت الواقف القَيمُ الذي نصبه كأنَّه يُجْعَلُ بعْد موْته بمثابة الوصيِّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَبْداً فَنَفَقَتُهُ مِنْ حَيْثُ شَرَطَ، فَإِنْ لَمْ يَشرِطْ فَمِنْ كَسْبِهِ، فَإِنْ بَطَلَ كَسَبُهُ فَعَلَى مَالِكِهِ وَيُخَرَّجُ عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ، وَلَوْ انْدَرَسَ شَرْطُ الوَقْفِ فَيَنْقَسِمُ عَلَى الأَرْبَابِ بِالسَّوِيَّةِ، فَإنْ لَمْ يَعْرِفِ الأَرْبَابَ فَهُوَ كَوَقْفِ مُنْقَطِعِ الآخِرِ في1

المَصْرَفِ، وَلَوْ آجَرَ المُتَوَلِّي الوَقْفَ عَلَى وَفْقِ الْغِبْطَةِ في الحَالِ فَظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يُفْسَخْ علَى الأَقْيَس (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل ثلاثُ مسائل: المَسْألَة الأوُلَى: نفقةُ العْبِد والبهيمةِ الموقُوفَيْنِ منْ حيثُ شرْطُ الواقفِ، فإن لم يذكُرْ شَيْئاً، فالنفقةُ في الأكساب وعوض المنافع، فإن لَمْ يكُنِ العبدُ كَسُوباً، أو تعطَّل كَسْبُهُ، ومنافعه لزمانه أو مرض، أو لم يفِ كَسْبُه بنفقته، فيُبْنَى عَلَى أقوالِ المِلْك، إنْ قلْنا: للموقُوفِ عليه فالنفقةُ عليه.
وإن قلْنا: إنَّه لله -تعالَى- ففي بَيْت المال كما لو أعْتَقَ عَبْداً لا كَسْب له، وإن قلنا: للواقِفِ، فهي علَيْه؛ فإذا ماتَ، فَهِيَ في بيْت المال؛ لأنَّ التركة انتقلَتْ إلى الورثة، والوقْفُ لم ينْتَقِلْ إليهم، فلا يلزَمُهم مؤنَتُه، قاله في "التتمة" وقياسُ قوْلنا: إن رقبة الوقْف للواقِفِ انتقالها إلَى ورثته، فإذا مات العبد فمؤنة تجهيزُه كنفقته في حيَاتِهِ.
أمَّا العَقَارُ الموقُوفُ، فعمارته من حَيْثُ شرط الواقف، فإنْ لم يشرط شيئاً، فمن غلته فإنْ لم يحصل منه شيْءٌ، لم يجب، على أحدٍ عمارَتُهُ، كالمِلْكِ الخالِصِ بخلاف الحيوانِ تصان روحُهُ.
المَسْألةُ الثانية: لَوِ اندَرَسَ شرْطُ الوقْفِ، ولم يعرف مقادير الاستِحْقاق، أو كيفيَّةُ الترتيب بيْن الأرباب، قسمت الغلَّةُ بينهم بالسَّوِيَّة 1، إذ ليس بعضُهُمْ أولَى بالتقديم والتفْضِيلِ منْ بعْضٍ.
وحكَى بَعْضُ المتأخِّرين أنَّ الوَجْهَ التَّوقُّفُ إلَى اصطلاحهم، وهو القياسُ، ولو اختلَفَ أربابُ الوقْف في شرط الوقف ولا بينة جُعِلَتِ الغَلَّةُ بينهم بالسَّوِيَّة، فإنْ كان الواقفُ حَيّاً، رجَعْنا إلى قوله، كذلك ذكره صاحبُ "المُهَذَّبِ" و"التَّهْذِيبِ".
ولو قيل: لا رُجُوعَ إلَيْه، كما لا رجوعَ إلَى قول البائع عند اختلاف المشتريين في كيفيَّة الشراء لما كان بعيداً 2. المسالةُ الثَّالِثَةُ: للواقِفِ، ولِمَنْ ولاَّه الواقِفُ إجارة الوقف، وإذا لم ينصب

الواقفُ للتولية أحداً، فالخلافُ فيمن له التوليةُ قدْ مرَّ.
فإن قلْنا: إن المتولِّي الحاكمُ، فهو الذي يُؤَجَّر.
فإنْ قلْنا: إنَّهُ للموقوف علَيْه؛ بناء على أن الملك له ففي تمكينه 1 من الإجارَةِ وجهان.
قال في "التتمة": المذْهَبُ فيهما التمكين، فإنْ كان: الوقف على جماعةٍ اشترَكوا في الإجَارَة، فإنْ كان فيهم طفلٌ قامَ وليُّهُ مَقَامَهُ.
والثاني: المنْعُ؛ لأنَّهُ ربَّما يمُوتُ في المدَّة، فتبين أنَّه يصرف في حقِّ الغير، فإن كان الواقِفُ قدْ جعل لكلِّ بطْنٍ منهم الإجارة، فلهُمُ الإجارةُ لا محالَةَ، وكانَ ذلك تفويضاً للتولية إلَيْهم، إذا عَرَفْتَ ذلك، فإذا أَجَّر الموقوف عليه بحكم الملك، وجوَّزنا، فزادَتِ الأجرةُ في المدة، أو ظهر طالبٌ بالزيادة، لم يتأثَّر العقدُ به، كما لو أجَّر ملْكَه المطلق، وإنَّ أجَّر المتولِّي بحقِّ التولية، ثم حَدَثَ ذلك، فكذلك الجوابُ عَلَى أصحِّ الأوجه؛ لأنَّ العقْدَ حين جرَى كان على وجه 2 الغِبْطَة، فأشبه ما إذا باع وَلِيُّ الطِّفلِ مالَهُ، ثم ارتفعَتِ القيمةُ بالأسْوَاق، أو ظهر طالبٌ بالزيادة.
والثاني: أنَّهُ ينْفَسِخُ العقْدُ؛ لأنَّه تبين وقوعُه عَلَى خلاف الغِبْطة في المُسْتقبل.
والثالث: إنْ كانت الإجارةُ سَنَةٌ فما دونها، لم يتأثَّر العَقدُ، وإن كانَتْ أكثرَ، فالزيادةُ مردودةٌ، وهذا ما أورده أبو الفَرَجِ الزَّاز في "الأمالي".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ تعَطَّلَ المَوْقُوفُ وَبقِيَ لَهُ أَثَرٌ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ البَاقِي هُوَ الضَّمَانَ بِأَنْ قُتِلَ العَبْدُ فَيُشتَرِي بِهِ المِثْلُ وَيُجْعَلُ وَقفاً، وَإِنْ لَمْ يوجَدْ عَبْدٌ فَشِقْصُ عَبْدٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُصْرَفُ مِلْكاً إِلَى المَوقُوفِ عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تعطُّلُ الموقوفِ، واختلالُ منافِعِه يُفْرَضُ من وجهَيْنِ: أحدُهُمَا: أن يَحْصُلَ بسببِ مضمونٍ، كما إذا قُتِلَ العبْد الموقوفُ، ولا يخْلُوا قتله؛ إما إلاَّ يتعلَّق به القصَاصُ أو يتعلَّق: أمَّا القِسْمُ الأوَّل؛ فينظر في القاتلِ، أهو أجنبيٌّ أو الموقوفُ عليه أو الواقفُ؟ الحالةُ الأُولى: إذَا قتَلَه أجنبيٌّ، فعليه قيمتُهُ، لبقَاءِ الماليَّة فيه؛ كأُمِّ الولد، وفيما يُفْعَلُ بها طريقان: أحَدُهما: يخرَّج مصرفها عَلَى أقوال الملك، إنْ جعلْنا المِلْكَ لله -تعالَى- فيشتري بها عبداً آخَرَ، ليكون وقْفاً مكانَهُ، فإنْ لم يوجَدْ، فشقْصُ عبْدٍ بخلاف ما إذا

أُتلفت الضحيَّة، ولم يوجدُ بقيمتها إلاَّ شقْصَ شاةٍ؛ لأنَّه لا يضحَى ببعض الشاة، ويوقَفُ بعضُ العَبْدِ، وإن جعْلنا المِلكَ للموقوفِ علَيْه، أو للواقف، فوجهان: أصحُّهُمَا: إنَّ الجواب كذلك؛ كيْلاَ يَبْطُلَ غَرضُ الواقف؛ وحقُّ البطن الثاني والثالث والثاني أنها تُصْرف ملْكاً إلَى مَنْ حكَمْنا له بِمِلْك الرَّقَبَة؛ فإنها بدَلُ ملْكِهِ، وينتهي الوقف.
والطريقُ الثاني: القطْعُ بشراء عبد بها؛ ليكون وقْفاً مكان الأوَّل؛ لأنَّ حقَّ الوقْف أَوْثَقُ من حقِّ الرَّهْن، فإذا كان بدلُ المرهونِ مرهوناً، فبدل الوقْف أولَى أنْ يكونَ وقْفاً، وبهذا قال الشيخُ أبو حامد، وأصحابُ الطريقَيْن متفقُونَ عَلَى الفتوَى بصرفها إلَى عبد، وإذا اشتُرِي بها عبْد، وفضل شيءٌ، فيعود ملكًا للواقِفِ، أو يُصْرَف إلى الموقوفِ علَيْه؟ في فتاوَى القَفَّال حكايةُ وجهين فيه 1، ورأيتُ -في "الجرجانيَّات" لأبي العَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ تفريعاً على ما به الفتوَى- أبحاثاً: أحدُهَا: أنَّ العبد الذي يجْعَلُه بدلاً من يشتريه، وهو مبنيٌّ على الخلاف في المِلْك، إن جعلناه لله -تعالى- فيشتريه الحاكمُ، وإنْ جعلْناه للموقُوفِ علَيْهِ، فالموقوف عليه، وإن جعلْناه للواقِفِ، فوجهان؛ لأنَّهُ لا يملك المنافع والفوائد، هكذا ذكره، ولك أن يخرجَ الوجهين في أن الموقوفَ علَيْه، هل يشتري؛ لأنَّ كونه غَيْرَ مالِكٍ للمنفعة، إن منع من الشراء، فكَوْنُه غَيْرَ مالك للرقبة أولَى أن يُمنَع منه، ولا يجُوزُ للمتْلف أن يَشْتَرِيَ العَبْدَ وَيُقِيمَه مُقَام الأوَّل؛ لأنَّ الشيْءَ، إِذا ثبَتَ في ذمَّته، فليْسَ له استيفاؤه من نفْسِه لغيره.
والثاني: العبْدُ المُشْتَرَى يصير وقْفاً بالشراء أم لا بدَّ من عقْدٍ جديدٍ؟ حكَى فيه اختلافاً للأصحاب جَارِياً في بدل المرْهُون، إذا أتلف، والَّذي ذكره صَاحِبُ "التتمة" فيهما الثاني، وقال بالحاكمُ هو الذي ينشئ الوقْف، ويشبه أنْ يقال: مَنْ يباشر الشراء يحدِّد الوقْفَ 2. والثَّالثُ: لا يجوز شراء جارية بقيمةِ العَبْد، وبالعكْسِ، ففي جواز شراء العبْدِ الصَّغير بقيمة الكَبير، وبالعَكْس وجهان 3. والحالةُ الثَّانيةُ والثالثةُ: إذا قتَلَه الموقُوفُ علَيه، أو الواقِفُ، فإذا صرفنا القيمةَ إلَى أحدِهما في الحالة الأُولَى ملكًا، فلا قيمة عليه، إذا كان هو القاتل، وإلاَّ، فالحكْمُ والتَّفريعُ كما في الحالة الأُولى.

وأمَّا القسْمُ الثَّاني: وهو ما يتعلَّق به القَصَاص، فإنْ قلْنا: المِلْكُ فيه للواقِفِ، أو الموقُوف علَيْه، فيجبُ القصاص، ويستوفيه المالكُ منهما.
وإن قلْنا: المِلْكُ لله -تعالى- فهو كعبيد بيت المال، والظَّاهر وجُوب القِصَاص، قاله في "التتمة" ويستَوْفِيه الحاكمُ.
وحُكمُ أُرُوشِ الأَطْراف والجنَايَاتِ على العبْدِ الموقُوفِ فيما دُونَ النَّفْسِ حُكْمُ قيمته في جميع ما ذكرنا.
وعن صاحبِ "التَّقْرِيب" حكايةُ وجْهٍ أيضاً: أنه يُصْرَف إلى الموقُوف علَيْه على كلِّ قَوْل، وينزل منزلة المهَر والأكْسَاب، وكما تتعلَّق الجناية على العَبْد الموقُوف بالخلاف في المِلك، فكذلك تتعلَّق به جنايةُ العبْد الموقوف، وحكْمُها عَلَى الاختصار أنها إن أَوْجَبَتِ القَصَاصَ، فللمُسْتَحِقِّ الاستيفاءُ، فإنْ استوفَى فات الوقف، كما لو مات، وإنْ عفا عَلَى مال أو كانت موجبة المال، فلا يتعلَّق برقبته لتعذُّر بيع الوقْف، ولكنه يُفديه كأمِّ الولَدِ، إذا جُنَّت، ومن الذي يَفْدِي، إن جعلْنا الملْكَ فيه للواقِفِ، فهو الذي يفْدِيه، وإنْ جعلْناه لله -تعالَى- فثلاثةُ أَوْجُه: أظهرها: وبه قال أبو إسحاقَ: أنه يَفْدِيه الواقِف أيْضاً؛ لأنَّه بالوقف 1 منع من بَيْع، فكان كالمستولد لما منع بالاستيلاد من بَيْعها فداها.
والثاني: أنَّ فِدَاهُ في بيْت المَالِ.
والثالث: أنَّهُ يتعلَّق بكسبه؛ لأنَّهُ إذا تعذَّر التعليق بالرَّقَبة، فأقرب الأشياءِ إلَيْه كسْبُه، فيتعلَّق به كحقوقِ النِّكَاح.
وإن قلْنا: إنَّ المِلْكَ للمَوْقُوف عليه، فجواب الأكثرين [أنَّ الفِدَاءَ عليه، وحكى الإمامُ وجهين آخرين معه.
أحدهما: أنَّهُ عَلَى الوَاقِف.
والثاني: أنا إنْ قلنَا: إنَّ الوَقْفَ لا] 2 يَفْتَقِر إلى القَبُول، فهو على الوَاقِف، وإنْ قلْنا: إنَّه يفتقرُ، فهو عَلَى المَوقُوف علَيْه؛ لأنَّهُ [بِقَبُوله] تسبب إلَى تحقيق الوقْفِ المانِعِ منَ البَيْع، وقد انضمَّ إليه كونُهُ مَالِكَاً.
فرْعَانِ على إسجاب الفداء على الوَاقِف: أحدُهُما: لو كان الوَاقِفُ، قدْ مات، فَفِي "الجرجانيات" أنَّه، إن ترك مالاً، فعلى الوارِثِ الفِداءُ فيه؛ لأنَّ العبْدَ ممنوعٌ بسببٍ صَدَرَ منْه في الحياة، فلزِمَه ضمان جنايته في

مالِهِ.
وقال في "التتمة": لا يفدى من التركة؛ لأنَّها انتقلت إلى الوارث، والمِلْك في الوقف مَا انتقل إليه، وعلَى هذا، ففي وجْهٍ يتعلَّق بكسبه، وفي وجْهٍ يفدى منْ بيْت المال كالحر المُعْسِر الذي لا عاقِلَة له.
الثاني: لو ماتَ العَبْدُ عَقِيبَ الجناية بلا فصل، ففي سُقُوط الفداء وجهان: أحدُهُمَا: يسقْطُ كما لو جَنَى القِنُّ، ومات.
وأظْهَرُهُمَا: وبه قال ابْنُ الحدَّاد: أنه لا يسقط؛ لأنَّ تضمينَ الواقِف كان بسببِ كونِه مانعاً من البَيْع بالوقْف، ويخالفُ العَبْد القِنّ، فإنَّ الأَرْشَ متعلِّقٌ برقبته، وإذا مات، فلا أَرْشَ، ولا فداءَ، ويجْرِي الخلافُ فيما إذا جَنَتْ أمُّ الولد، وماتت وتكرُّرُ الجناية من العبد الموقُوف كتكرُّرها من أُمِّ الولد 1. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ شَجَرَةَ فَجَفَّتْ فَقِيلَ: يَنْقَلِبُ الحَطَبُ مِلْكَاً للِوَاقِفِ، وَقِيلَ: هُوَ مِلْكٌ لِلمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِهِ شِقْصُ شَجَرَةٍ وَيُجْعَلُ وَقْفاً، وَقِيلَ: يُنْتَفَعُ بِهِ جِذْعاً وَلاَ يُبَاعُ وَلاَ يُمْلَكُ؛ لأنَّهُ عَيْنُ الوَقْفِ، وَالحَصِيرُ في المَسْجِدِ إِذَا يَلِيَ وَنَحَاتَةَ خَشَبه قِيلَ: إِنَّهُ يُبَاعُ وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ المَسْجِدِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُحْفَظُ فَإنَّهُ عَيْنُ وَقَفِهِ فَلاَ يُبَاعُ، وَكَذَا القَوْلُ في الجِذْع المُنْكَسِرِ وَالدَّارِ المُنْهَدِمَةِ، أمَّا المَسْجِدُ نَفْسُهُ إِنِ انْهَدَمَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ مِنَ البَلَدِ فَلاَ يَعُودُ مِلْكاً لأَنَّهُ يُتَوَقَّعُ أَنْ يَعُودُ إِلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الوجْهُ الثَّانِي: أن يَحْصُلَ التَّعْطُّلُ بِسَبِب غَيْرِ مضمون فإن لم يَبْقَ منه شيْءٌ، ينتفع به، كما إذا مات العَبْدُ الموقوفُ فقدْ فاتَ الوَقْفُ، فإنْ بَقِيَ كما إذا وقَف شجرَةً، فجفَّتْ، أو قلعتها الرِّيحُ، [ففيه] وجهان: أحدُهُما: أنَّ الوقْفَ ينقطع كما إذا ماتَ العَبْدُ؛ لأنَّ الوقْفَ منوطٌ باسْم الشجرة، والباقِي جُذْعٌ، أو حَطَبَ لاَ شجرةٌ، فعلَى هذا ينقلبُ الحَطَبُ ملكاً للواقِفِ.
وأصحُّهُمَا: المَنْعُ، وَعَلى هذا فوجهان 2: أحدهُمَا: أنَّهُ يُبَاعُ ما بَقَي؛ لتعذُّرِ الانتفاعِ بشَرْط الواقف، وعلَى هذا، فالثمن كقيمة المتلَف فعلَى رأيٍ؛ يصرف إلى الموقوف علَيْه ملكاً.

وعلَى رأْي؛ يشتري به شجرةً، أو شِقْصَ شجرة من جنْسِها؛ لتكون وقْفاً مكان الأول، ويجوز أن يشتري به وديٌّ يغرس في موْضِعِها.
وأصحُّهما: منْعُ البيع؛ لأنَّه عينَ الوقف، والوقْفُ لا يُبَاع، ولا يُورَثُ؛ على ما ورد في الخبر، فعَلَى هذا وجهان: أحدهما: ينتفع بإجارته جِذْعاً؛ إِدامةً للوقف في عينه.
والثَّاني: يصيرُ ملْكاً للمَوْقُوف علَيْه، كما ذكَرْنا في قيمة العَبْد المُتْلَف، واختار صاحب "التتمة" وغَيْره الوجه الأول، إن أمكن استيفاء.
منفعةٍ منه مع بقائه.
والوجهُ الثَّاني: إنْ كانت منفعتُه في استهلاكه.
وزمانه العبد الموقوف كجفاف الشَّجرة 1. وحُصُر المَسجِد؛ إذا بَلِيَت ونحاتة أخشابه إذا نخرت وأستار الكعبة، إذا لم يبْق فيها منفعةٌ ولا جمال، ففي جواز بَيْعها وجهان: أصحُّهما: أنَّها تُبَاعَ، لئلا تضيع أوْ يَضيقُ المكانُ بها من غير فائدة.
والثاني: لا تُبَاع؛ لأنَّها عين الوقْف، بل تترك بحالها أبَداً وعلَى الأوَّل قالوا: يُصْرَفُ ثَمَنُها في مَصَالِح المسجد، والقياسُ أن يشتري بثَمَن الحصير حُصُراً، ولا يُصْرَفُ إلَى مصلَحةٍ أُخْرىَ، وُيشْبِه أن يكونَ هو المرادَ مما أطلَقُوه، وجذعُه المنْكَسِرُ، إذا لم يَصْلُحْ لشَيْءٍ سوى الإحْراق، جاء فيه هذا الخلافُ، وإن أمكن أن يتخذ منه أبوابٌ وألواحٌ.
قال في التتمة: يجتهد الحاكمُ ويستعملُه فيما هو أقرَبُ إلى مقصود الواقفِ، ويجري الخلافُ في الدَّار المنْهدمَة، وفيما إذا أشرف الجِذع عَلَى الانكسار، والدَّارُ عَلَى الانهدام 2 قال الإمام: وإذا جوَّزنا البيعَ، فالأصحُّ صَرْفُ الثَّمَنِ إلى جهة الوقْف.

وقيل: هو كقيمة الموقوف، إذا أتلف، فَعَلَى هذا يُصْرَفُ الثمن إلى الموقوف علَيْه مِلْكاً على رأْيٍ.
وإذا قيل به، فلو قال الموقُوفُ علَيه: لا تبيعوها، واقْلِبُوها إلَى ملكي، فالمذهب أنَّهُ لا يُجَابُ، ولا تنقلب عين الوقْف ملكاً، بل ارتفاع الوقْف موقوفٌ على البيع، وأبْعَدَ بعضُ الأصحابِ، وأجازه، وزَعَمَ، أنه ينقلِبُ ملْكاً من غير وقف عقْد.
وقول ثالث ولو انهدمَ المسجِدُ نَفْسُه، أو ضربت المحلَّةُ، وتفرَّق عنها الناسُ، وتعطَّل المسجد، فلا يعودُ ملْكاً بحال، ولا يجوزُ بَيْعُهُ 1 كالعبْد، إذا أعتقه، ثم زَمِنَ، ولا يشبه جفاف الشجرة؛ لأنَّهُ يتوقع عوْدُ الناس والعمارة قائمة، وهذا كما لو وقَف عَلَى ثغر، فاتَّسعَت رقعة الإِسلام بحفْظِ رِيعِ الوَقْف؛ احتمال عَوْده ثغراً.
وأيضاً، فالانتفاع، في الحال بالصلاة في العَرْصَة ممكنٌ، ثم المسْجد المعطَّل في الموضع الخراب إن لم يُخف من أَولى الفساد نقضه لم ينقض وإن خيف، نقض وحفظ.
وإن رأى الحاكم أن يعمر بنَقْضه مَسْجداً آخر، جاز، وما كان أقربَ إليه، فهو أَوْلَى، ولا يجوز صَرْفُه إلَى، ولا يجوز صَرْفه إلَى عمارة بئر، أو حَوْض، وكذا البئْرُ الموقوفة، إذا خربت، يُصْرَف نقضها، إلى بئْراً أُخرَى أو حوْضٍ لا إلى المسجد، ويراعَى غَرض الواقِفِ ما أمكن.
وجميع ما ذكرناه في حُصُر المسجد، ونظائرها فيما إذا = المنهدمة بجواز البيع فضلاً عن أحكام الخلاف فيه، بل كلهم قطعوا بأنه لا يجوز بيعها ولم ينقلوا الجواز إلا عن الإمام أحمد مع حكاية عامتهم الخلاف في العصر والخدوع إذا تلفت، وساق الشيخ الإمام السبكي في شرح المنهاج والأذرعي في التوسط وشرح المنهاج والزركشي في الخادم يطول ذكر ما حصل كلامهم أن كتب المذهب من الطريقتين شاهدة بخلاف ما ذكره الرافعي، فظهر أن الإمام منفرد بنقل الخلاف في المشرفة، والرافعي منفرد بذكر الخلاف في المنهدمة وباقتضائه التصحيح فيها وفي المشرفة بالجواز على أن الإمام لما حكى الخلاف في المشرفة عزي للأكثرين المنع.

كانتْ موقوفةً على المسجد.
أمَّا ما أشتراهُ المتولِّي للمسجد، أو وهَبَه منْه واهب وقبله المتولِّي، فيجوزُ بيعه بلا خلافٍ عنْد الحاجة؛ لأنَّهُ ملك حتَّى إذا كان المشتَرِي للمسْجِدِ شِقْصاً، كان للشَّريكِ الأخْذُ بالشُّفْعة، ولو باع الشريك، فللمتولِّي الأخذُ بالشُّفعة عنْد الغبطة، هكذا ذكروه 1 والله أعْلَم، وبالله التوفيق.
وهذه مسائلُ وفروعٌ تدخل في الباب الأَوَّلِ: إذا وقف ضَيْعةً على المُؤَنِ التي تقعُ في قرية كذا من جهة السُّلْطان، ففي "فتاوى القَفَّال" أنَّه جائزٌ، وصيغته أن يقول: تصدَّقت بهذه الضَّيْعَة صدقةً محرمةً عَلَى أن تُستَغَلَّ فما فصل من عمادتها صُرِف إلَى هذه المُؤَن، ويَجُوزُ الوقْف عَلَى أقارِبِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا جَوَّزنا للوقف على قَوْم غير محصورين.
وعن الشيخ أبي محمَّد: أنَّه وقع في "الفتاوى" زمن الأستاذ أبي إسحاق أَنَّ رجلاً قال: وقفتُ دارِي هذه على المساكِينِ بعْد مَوْتي، فأفتى الأستاذُ بصحَّة الوقْف بعد المَوْت، وساعَدَه أئمةُ الزَّمَانِ، وهذا كأنه وصيَّة، ويدُلُّ عليه أنَّ في "فتاوى القفَّال": أنَّه لو عَرض الدَّار على البَيْع، صار رَاجِعاً عنه.
وأيضاً أنَّه لو قال: جعلْتُ داري هذه خانِقاها للغُزَاة، لم تَصِرْ وقفاً بذلك.
وأنَّه لو قال: تصدَّقْتُ بداري هذه صدقةً محرمةً يُصرَفُ من غلَّتها كلَّ شهر إلى فلان كذا، ولم يزد عليه، ففي صحَّة هذا الوقْف وجهان، إن صحَّ، ففي الفاضل عن المقْدَارِ أوجه: أحدُها: الصَّرْفُ إلَى أقرب النَّاس إلى الواقِف.
والثاني: الصَّرْفُ إلى الفُقَراء.
والثالث: أنَّه يكونُ مِلُكاً للواقِف.
وأنَّه لو قال: جعلْتُ هذه الدار للمَسْجد، أو دفَع داراً إلى قيِّم المسْجِد، وقال: خُذْها للمَسُجِد، أو قال: إذا مِتُّ، فأَعْطُوا مِنْ مالي ألْفَ درْهمٍ للمسْجِد، أو فدَارِي للمسْجِد لا يكونُ شيئاً؛ لأنَّهُ لم يوجد صيغةُ وقْفٍ، ولا تمليك، ولك أنْ تقولَ: إن لم يكنْ هذا صريحاً في التمليك، فلا شَكَّ في كونه كنايةً، وأنَّه لو قال: وقفتُ داري عَلَى زيد، وعلى الفقراء، فيبنَى على ما إذا وصَّى لزيد والفقراء، فإن جعلْناه كأحَدِهم، صحَّ الوقفُ، ولا يُحرم زيْد.
وإن قلنا: النَّصُفُ له، صحَّ الوقْف في نصْف الفقراء، ووقف النصف الآخر

منقطعٌ الآخر، فإنْ لم يصحَّ، وَقَعَ في تفْريق الصَّفْقة.
وأنَّهُ لو قال: وقَفْتُ هذه البَقَرة عَلَى رباط كذا ليُسْقِي منْ لبنها مَنْ ينزل فيه، أو يُنْفَقَ من نسلها علَيْه، جاز، وإنِ اقتصر عَلَى قوله: وَقَفْتُها علَيْه، لم يجز، وإن كنا نعْلَمُ أنَّهُ يريدُه؛ لأنَّ العبرةَ باللَّفْظ؛ وأنَّه لو قال: وَقَفْتُ على مسجد كذا، لم يصحَّ ما لم يبيَّن جهته، فيقول: وقَفْتُ عَلَى عمارته، أو يقول: وَقَفْتُ عليه، ليُسْتَغَلَّ ويُصْرَف إلَى عمارته، أو إلى دُهْن السراج ونحوهما.
وقضية إطلاقِ الجُمْهور جوازُه.
ومنها أنَّه لو وقفَ عَلَى مسْجد، أو رباطٍ معيَّن، ولم يذْكُر المَصْرَف إن خرب، فهُوَ منقطعُ الآخِرِ.
وَفصَّلَ في "التتمة" وقال: إنْ كان في موْضِع يستبعد في العادة خرابة؛ بأن كان في وسَط البلدة، فهو صحيحٌ، وإنْ كانَ في قَرْيةٍ أو جارةٍ، فهو منقطعُ الآخِر، والله أعلم.
وهذه مسائلُ وصُوَرٌ تدْخُلُ في الباب الثاني: ولو وقَفَ علَى الطالبين وجوَّزناه، كفى الصَّرْف إلَى ثلاثة، ويجُوز أنْ يكُونَ أحَدُهُمْ من أولادِ عَليٍّ -رضي الله عنه-[والثاني أولاد عَقِيل، والثالث من أولاد جعْفَرٍ -رضي الله عنهم-، 1 ولو وقَفَ عَلَى أولادِ عَلِيٍّ، وأولادِ عَقِيل، وأولاد جعفرٍ -رضي الله عنهم-، فلا بد من الصَّرْفِ إلَى ثلاثةٍ من كلِّ صِنْفٍ.
وإذا وقَف شجَرةً، ففي دُخُولِ المغْرسَ وجهان، وكذا حكْمُ الأساس مع البناء 2. وإذا وقف عَلَى عمارة المسجد لم يجز صرف الغلَّةُ إلَى النقْش والتزويق.
وذَكَرَ في "العِدَّةِ" أنَّهُ يجُوزُ توفيرُ أجْرة القيِّم منه، ولا يجوزُ صرْفُ شيْءٍ إلى الإمامِ والمُؤَذِّن، والفرْقُ أن القيِّم يحفظ العمارة، وأنَّهُ يشتري به البوارِي، ولا يشترِي الدَّهْن في أصحِّ الوجهَيْن، وكان الفَرْق أن القيم حافظ للعمارة، ولباس المَسْجد منْفعة الدَّهْن تختصُّ بالمصلين، والذي ذكَرَه صَاحِبُ "التهذيبِ" وأكْثَرُ من تعرَّضَ للمَسْألة [أنَّه] لا يُشترى منه الدُّهْن، ولا الحصير، والتجصيصُ الذي فيه إحكامٌ معدودٌ من العمارات، ولو وقَفَ على مصلحة المَسْجد، لم يُجِزِ النقشُ والتزويق، ويجوزُ شراء

الحصر والدُّهْن، والقياس جوازُ الصَّرف إلى الإمام، والمُؤذِّن أيضاً.
والموقُوفُ على الحشيش لا يُصْرَف إلى الحصير وبالعَكْس، والموقوفُ عَلَى أحدهما لا يُصْرَفُ إلى اللُّبُودُ 1. وبالعَكْسِ.
ولو وَقَفَ على المَسْجد مطلقاً وجوَّزناه، ففي "التهذيب" التسويةُ بيْنه، وبيْن أن يقِفَ عَلَى عمارةِ المَسْجد، وفي "الجرجانيات" حكاية موجهين في جواز الصَّرْف إلى النقش والتزويق في هذه الصورة، ولو وقَفَ على النَّقْشِ والتَّزْوِيق، ففيه وجهان قَرِيبَان من الخِلاَفِ في جواز تحلية المُصْحَف 2. وإذا قَالَ المُتَوَلِّي: أنفقت كذا، فالظَّاهِرْ قَبُولُ قوله عنْد الاحتمال.
ولا يجوز قسْمة العَقَار الموقوف لأربابِ الوقْف؛ لما فيه من تغيير شرْطِ الواقِف، ولِمَا فيه منْ إبطال حقِّ مَنْ بعدهم.
وعن أبي الحُسَيْن أَنَّا إذا جَعَلْنَا القسْمَة إقراراً، جاز، فإذا انقرضَ البطْنُ الأوَّل، انتقضت، ويجوزُ لأرباب الوقْف المهايأة هكذا قاله القاضي ابْنُ كَجٍّ.
ولا يجوزُ تغْيير الوقْفِ عن هيئته، ولا تجعل الدارُ الموقوفةُ بستاناً ولا حَمَّاماً وبالعكْس إلاَّ إذا جعل الواقِف إلى المتولِّي ما يرى فيه مصلحة الوَقْف.
وفي "فتاوى القفال" أنَّه يجوز أن يُجْعَلَ حانوتُ القصَّارِين للخَبَّازِين، وكأنَّه احتمل تغْيير النَّوْع دون تغيير الجِنْس 3. ولو هَدَم الدَّارَ والبُسْتانَ مُتَعَدٍّ، أخذ منه الضَّمَان، وبنى به أو غَرَس؛ ليكون وَقْفاً

مكَانَ الأوَّل، ولو انهدم البِنَاء، وانقلعت الأشجارُ تستغل الأرْض بالإجارة ممَّن يزرعها، أو يضرب فيها خيامه، ويبني ويغْرس من غلَّتها، ويجوز أن يقرض الإمام المتولِّي من بيت المال، أو يأذن له في الاستقراضِ، أو الإنفاقِ علَى العَمَارَةِ من مالِ نفْسِه بشرط الرجوع، وليس له الاستقراضُ دُون إذْن الإمَامِ.
ولو تَلِفَ الموقوفُ في يد الموْقُوف علَيْه من غيْرِ تَعَدٍّ، فلا ضمانَ عَلَيْه 1. وإنِ انْكَسَرَ الطِّنْجيرُ 2 أو المرجل الموقوفان، ووجد متبرع بالإصْلاحَ، فذاك، وإلاَّ، اتخذ منها أصغر، واتفق الفضل عَلَى إصْلاَحه، فإنْ لم يُمْكِنِ اتخاذُ مِرْجَل وطنجير اتخذ منْه ما يمكن من قَصْعَة ومِغْرَفَة وغيرهما، ولا حاجَةَ ههنا إلَى تجديد وقْف؛ فإنه عين الموقوف، وإذا خرب العقَار المَوْقُوف عَلَى المَسْجد، وهناك فاضل من غلته، برئ بعمارة الموقوف على العقار، هكذا ذكره ابْنُ كَجٍّ، وقال: إذا حَصَل مالٌ كثير من غلَّة وقف المسجد، أُعدَّ منه بقدر ما لو خرب المسْجد أُعِيدَتْ به العمارة، والزائدُ يشتري به ما فيه للمَسْجِد زيادة غلة.
وفي فتاوى القفَّال أنَّ الموقوفَ لعمارةِ المَسْجد لا يُشْتَرَى به شيْءٌ أصلاً؛ لأنَّ الواقف وقَف على العمارة.
والوقْفُ على الفقراء، هَلْ يختص الفقراءُ بلدَةُ الواقف؟ فيه الخلافُ المذكورُ فيما إذا أوصَى للفقراء، وهلْ يجوزُ الدفْع منْه إلَى فقيرةٍ لها زوجٌ يَمُونَهَا؟ فيه خلافٌ نشرَحُه عند ذكر الخلافِ في دَفْع الزكاة إلَيْها في قسْم الصدقات إنْ شاء الله تعالى 3. وسُئِلَ الشَّيخُ أبو عبدِ اللهِ الحنَّاطِيُّ عن شجرة تنبت في المقْبرةَ، هَلْ للناس الأكلُ من ثمارها؟ فقال: قد قيلَ يجوزُ، والأوْلَى عندي صَرْفُهَا في مصالح المقبرة 4. وعَنْ رَجُلٍ غَرَسَ شجرةً في المَسْجِد، كيْف نصنَعُ بثمارها؟ قال: إنْ جَعَلَها للمسْجِد، لم يجزأ كُلُها من غيرِ عَوَضٍ، ويجبُ صرْفُ عوَضِها إلى مصالِح المَسْجد، ولا ينبغِي أنْ يغرسَ في المَسَاجد الأشْجار؛ لأنَّها تمنع من الصلاة 5.

فروع

: عن الشيخ أبي عاصم العبَّاديِّ: إذا وقَف عَلَى قنطرةٍ، فانخرق الوادِي، وتعطَّلت تلْكَ القنطرةُ، واحْتِيجَ إلى قَنْطرةٍ أُخرَى، جاز النقل إلى ذلك الموضِع، بخلافِ المَسْجد الذي باد أهْلُهُ حيْثُ تبقى عمارتُهُ، ويعمر بعدما خَرِبَ، إن أمكن أن يصلي فيه المارَّة.
وإذا وقَف عَلَى عمارةِ المَسْجد، جاز أن يشتري منْه سُلَّم لصعود السَّطْح، ومكانِسُ يُكْنِس بها التراب ومساهي ينقل بها التراب؛ لأنَّ كلَّ ذلك يَحْفَظُ العمارة، ولو كان يصيبُ بابَهُ المطرُ، وُيفْسِدُه، جاز بناءُ مظلَّة منْه، وينبغي ألاَّ تضرَّ بالمارة، وإذا وقَف عَلَى دُهْن السراج للمسْجد.
جاز وضْعُه في جميع اللَّيْل؛ لأنَّه أنشط للمصلِّين 1. وذكر الأئمة أنَّ البقْعَةَ التي جعَلَها مسْجداً، إذا كان فيها شجرةٌ، جاز للإمام قلْعها باجتهاده؛ ليتسع للمصلِّين، وبماذا ينقطع حقُّ الواقف عن الشجرة؟ قال صاحبُ الكتاب في "الفتاوى": مجرَّدُ ذكر الأرْض لا يخرج الشَّجَرة عنْ ملكه لبَيْع الأرض، وحينئذ لا يكلَّف تفريغ الأرض، ولك أن تقول: في استتباعِ الأرْض الشجر في البَيْع قولان.
وإذا قال: جَعَلْتُ هذه الأرضَ مسْجداً فلا تدخل الشجرة بحالٍ؛ لأنَّها لا يُجْعَلُ مسْجداً، ولوْ جعَل الأرضَ مَسْجداً، ووقف الشَّجَرةَ عليها.
فَعلَى هذه الصورةِ وَنَحْوِها يُنَزَّلُ كلامُ الأصحاب.
وأفتَى صاحبُ الكتاب بأنَّه يجوز وقْفُ السُّتُور ليستر بها جدران المَسْجد، وينبغي أنْ يجيْء فيه الخلافُ المذكَورُ في النَّقْش والتَّزْويق.
وأفتَى بأنَّه إذا وقف على المَسْجدُ مُطْلقاً، جاز صرْفُ الغلَّة إلى الإمام والمؤذِّنِ، وبناء منارة المسجد، وُيشْبِه أن يجُوزَ بناءُ المنارة منَ المَوْقُوف عَلَى عمارةِ المَسْجد أيضاً، والله أعلم.

جارٍ التحميل