قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَرَفْتَ كيفيَّة اتصالِ الباب بما سبق، وترجمته بـ"نكاح المشركات" ليست أَولَى من ترجمته نكاح المشركين، والشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَأكثر الأصحاب ترجموه بـ"نِكاح المشرك" ومقصوده مُودَعٌ في فصولٍ:
الفصل الأول: فيما يُقَرُّ عليه الكافرُ، إِذا أسلم من الأَنكحة الجارية في الكفر، فإِذا أَسلم كافِرٌ، وتحته كتابيةٌ أَو اثنتان إلى أربع، استمر النكاح؛ لجواز نكاح الكتابية في الإِسْلاَم ابتداءً، ولا فرق في ذلك بين اليهوديِّ والمجوسي ولا بين الحربىِّ والذميِّ.
وِإن أَسلمَ، وتحته مجوسية أَو وثنية، أَو مَنْ لا يجوز له نكاحُها من الكافرات، وتخلَّفت هي، نُظِرَ؛ إِن كان ذلك قبل المسيس، تنجزَّتَ الفرقة بينهما، وإِن كان بعْده، فإِن أَسلمتُ قبل انقضاء مدة العدة، استمر النكاح، وإِلاَّ تَبَينَ حصول الفرقة من وقْت إِسْلام الزوج.
ولو أَسلمتِ المرأْةُ، وأَقَرَّ الزوج على الكفر، أيَّ كفر كان، فالحكم كما لو أَسلم الزوج، وأَصرَّتْ هي على التمجُّس أو التوثُّن، فقيل: المسيس تتنجز الفرقة، وبعده يُنْظَر؛ إن أَسلم الزوْجُ قبل أَن تنقضي مدة العدة، استمر النكاح، وإلاَّ تبينَّ حصول الفرقة من وقت إِسْلاَمها.
ولو أَسلم الزوجَانِ الكافران معاً، لم يقْتَضِ تبديلُهُما الدِّين ارتفاعَ النكاح، ويَسْتَوِي فيه جميعُ أنواع الكُفْر وما قبل المسيس وما بعده، والاعتبارُ في الترتيب والمعيَّة بآخر كلمة الإِسلام لا بأولها.
وقال مالك - (رضي الله عنه) -: إِن سبقَتِ المرأَةُ إِلى الإِسْلامِ، فالحكم على ما ذكرنا، وإنْ سبَقَ الرجُلُ عرض عليها الإِسْلام في الحال، فإن أَسلمت، استمَرَّ النكاح، وِإلا، انفسخ في الحال.
وعند أَبي حَنِيْفَةَ: إِذا أَسلم أَحدهما، وهما في دار الإِسلام، يُعْوَضُ الإِسلام ثلاثاً على المتخلِّف منهما، فإِن أَبي، فُرِّقَ بينهما، ويتكون الفُرْقة طلاقاً إِن كان الإباء من الزَّوجِ؛ وفسخاً، إِن كان من الزوجة، وإِن كانا في دار الحرب، وقف إِلى انقضاء ثلاثِ حيضٍ، إِن كانت المرأةُ من ذوات الأقراء أَو ثلاثة أَشهرٍ، إِن لم تُكُن، وإن لم يجتمعا على الإِسلامِ إِلى انقضائها، حَصَلَت الفرقة وتستأنف العدة، إن كان مدخولاً بها، وإذا دَخَلَ الذي أسْلَم منْهما دار الإِسلام، والمتخلف في دار الحرب، حَصَلَتِ الفُرقةُ في الحال؛ لاختلاف الدارَيْن، وكذَا، لو كانا في دار الإِسْلام، فالتحق الكافرُ بدارِ الحرب.
قال: وكذلك، لو الْتحَقَ الذميُّ بدار الحرب ناقضاً للعَهْد؛ وامرأته في دار الإِسلام، حصَلَتِ الفُرْقة بينهما، وكذلك لو كانَ الزوْجَان في دار الحربِ، فدخل الزوج
دار الإِسلام، وعقد الذمة لنفسه، والمرأةُ في دار الحَرْب، تحصُل الفرقة بينهما، ولا فَرْقَ عنده فيما قبل المسيسِ، ولا ما بَعْده، وعن أَحْمَدَ روايتان:
أَظهرهما: مساعَدَتُنا.
والثانية: انه إِذا أَسلم أَحدهما دون الآخر، انفسخ النكاح؛ سواءٌ كان ذلك قبل الدخول أَو بعده، واحتج الأَصحابُ علَى مَالِكٍ - (رَضِي الله عَنْهُ- بالقياسِ علَى إِسلام الزوجة، وعلَى أَبي حنيفة بما رُوِيَ أَن أَبا سفيانَ وحَكِيم بْنَ حزام أَسْلَمَا بِمَرَّ الظَّهْرَانِ، وَهُوَ مُسْكَرُ المُسْلِمِينَ، وَامْرَأَتَاهُمَا بِمَكَّةَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ دَارُ حَرْبٍ ثُمَّ أَسْلَمَنَا مِنْ بَعْدُ وَأُقرَّ النِّكَاحُ، وبَأَنَّ صفوانَ بْنِ أَمِيَّة، وَعِكْرَمَة بْنَ أَبِي جَهَل -رضيَ الله عنهما- هَرَبَا كَافِرَيْنِ إِلَى السَّاحِلِ حِينَ فُتِحَتْ مَكَّةُ وَأَسْلَمَت امْرَأتَاهُمَا بِمَكَّةَ وأخذتا الأَمَانَ لِزوْجَيْهِمَا، فَقَدِمَا، وَأَسْلَمَا، فَرَدَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَتَيْهِمَا" 1.
ولو نكح الكافر لابنه الصغير صغيرة، فإسلام الأبَوَيْنِ أَو أَحدهما قبل بلوغهما فهو كإسلام الزوجَيْن أو أحدِهِما.
ولو نكَحَ لابنه الصغير بالغةً، وأَسْلَمَ أَبو الطِّفْل والمرأةُ معاً؛ قال في "التَّهْذِيبِ": يَبْطُلُ النكاح؛ لأَن إِسْلاَمَ الولَدِ يَحْصُلُ عَقِيبَ إِسلام الأَب، فتقدّم إِسلامهما إِسلام الزوج، لكنْ ترتُّبُ إِسلام الابن عَلى إِسلام الأَب لا يَقْتَضِي تقدُّماً ولا تأخُّراً بالزمان، فلا يظهر تقدُّم إِسلامهما عَلى إسلام الزوج 2.
قال: وإن أَسلَمَتْ عَقِيبَ إِسلام الأَب يبطل أَيضاً؛ لأَن إِسلام الولد يحصل حكماً وإسلامها يحصل بالقول، والحُكْمِيُّ يكون سابقاً على القوليّ، فلا يتحقَّق إسلامهما معاً.
وحيث توقَّفنا في النكاح، وانتظرنا الحال إِلى انقضاء مدَّة العدَّة، فلو طلَّقها قبل
تمام العدة، فالطَّلاق موقوفٌ أَيضاً، فإن اجتمعا على الإِسْلام في العدَّة، تبيَّن وقوعه، وتعتدّ من وقت الطلاق، وإلاَّ، فلا طلاق.
وَحَكَى الأَمَامُ أَن من الأَصحاب مَنْ جعَل الطلاقَ عَلَى قولَيْ وقْفِ العُقُود، وقال: لا يقَعُ في قول، وإنِ اجتَمَعَا على الإِسْلاَم [قبل انقضاء العدة] وأَجراهُمَا فيما إِذا أَعْتَقَ عبد أبيه على ظنِّ كَوْنِهِ حَيًّا، فَبَانَ ميتاً، كما لو باع عَلَى ظنِّ أنه حيٌّ فَبَانَ ميتاً، والمذهب الأَول، فإِنَّ الطَّلاَقَ والعتاق يقبلان صريحِ التعليق، فأوَلى أَن يقبلا تقدير التعليق، وكذا يتوقَّف في الظهار وفي الإِيلاء، ولو قذَفَها، فإن لم يجْتَمِعا على الإسْلاَم في مدَّة العدَّة، لم يلاعن، وَيُعَزَّر إن كَان التخلّف من الزوجة، ويُحَدُّ إِنْ كان هو المتخلَّف وإِن اجتمعا عَلَى الإسْلاَم، فله أَن يلاعِنَ لدَفْع الحد أَو التعْزِيرِ ولو أَن الزوْجَ حين سَبَقَ إِلى الإِسَلام، والزوجةُ وثنيةُ نَكحٌ في زمان التوقُّف أُختها المسلمة أَو أَربعاً سواها، لم يصحَّ، وكذا لو كان طلَّقها طلقةً رجعيةً في الشِّرْكِ، ثم أسْلَم، ونكح في العدَّة أُختها المسلمة أَو أَربعاً سواها؛ لأَنَّ زوال نكاحها غير متيقن، فلا ينكح من لا يجوز له الجمعُ بينهما وبين المتخلِّفة.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يتوقَّف في نكاح من ينْكِحُها، كما يتوقَّف في نكاح المتخلِّفة، فإن أَسلمتِ المتخلِّفة، تبيَّن بطلانُ نكاح الثانية، وإِن أَصرَّتْ، حتى انقضتِ العدَّة، تبيَّن صحَّتُهُ، وتوافقه طريقةٌ حكاها الإمام عن بعْضِ الأَصحاب، وهي أَنَّا نجْعل هذا النكَاحَ على قولَيْ وقْفِ العقود، فإن قلْنَا بالتوقُّف، توقَّفنا، كما ذكره الْمُزَنِيُّ، والمشهورُ منْ كَلام الأَصحاب القطْعُ بالمِنعَ، وهو نَصُّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وفرَّقوا بينه وبين ما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حيٌّ أَو زوَّج جاريته [على ظن أنه حيُّ] 1، ثم بَانَ ميتاً؛ بأن هناك المغنَى المجَوِّزُ للتصرُّف قائمٌ في الحال، لكنْ لم يعلَمْه المتصرِّف، وإصرار المتخلِّفة إِلى انقضاء العدَّة ليس حاصلاً في الحال، وإنَّما هو متعلِّق بالاستقبال والله العالمِ به وهذا المعنى، إن اقتضى الفرق بين ما نحن فيه، وبين ما إذا باع مالَ أَبيه علَى ظن أنه حيٌّ، فإنه لا يقتضي الفرق، وبين ما إِذا باع مال الغير، [فإنا نوقفه] 2 على الإِجازة في قول، وهي أَمرٌ يتعلَّقِ بالاستقبال، ويُشْبِه أَن يكون الذي ذكره الأَصْحَابُ مُفَرعاً عَلَى ظاهر المَذْهَب، وهو أن العْقُود لا تتوقَّف على الإِجَازَةِ ولو سَبَقَتِ المرأةُ إِلى الإسْلاَمَ، ونكح الزوْجُ في تخلُّفه أَختها المُشْرِكَة، ثم أَسلم مع الثانية، فإن كان ذلك بعد انقضاءَ عدةِ السَّابقة، أُقِرَّتِ الثانيةُ تحته، واِن أَسلم قبل انقضاء عدتها، فله أن يختار منْهما ما شاء.
كما لو أَسلَمَ، وتحْته أُخْتان أَسلمتا، معه، ولَيْسَ كالصورة السَّابقة، فإنه مُسْلمٌ عند نكاحِ الثانية، فلا ينكح الأُخت على الأَخت، وههنا النكاحان وَقَعَا في الشِّرْك، ويمكن أن يُعْلَم قوله في الكتاب، "وكذلك إن أَسلمت بَعْدَ الْمَسِيس وقبل انقضاء الْعِدَّةِ" بالميم والألف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاِذَا أسْلَمَا لَمْ نَبْحَثْ عَنْ شَرْطِ نِكَاحِهِمَا بَلْ نُقرُّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ وَلاَ شُهُودِ وَفِي العِدَّةِ إِلاَّ إِذَا أسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقَضَاءِ العِدَّةِ فَإنَّ المفْسِدَ قَدْ قَارَنَ الإِسْلاَمَ فَيَنْدَفِعُ النِّكَاحُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمُّهُ أَوِ ابْنَتُهُ، وَنُقَرِّرُهُمْ عَلَى النِّكَاحِ المؤَقَّتِ إِنِ اعْتَقَدُوهُ مؤَيَّداً، وَإِن اعْتَقَدُوهُ مُؤَقَّتاً أَوْ فَاسِداً لَمْ نُقِرَّهُمْ، وَلاَ نُقِرُّهُمْ عَلَى مَا هُوَ فَاسِدٌ عِنْدَهُمْ إِلاَّ إِذَا كَانَ صَحِيحاً عِنْدَنَا، وَلَوُ اعْتَقَدُوا غَصْبَ المَرْأَةِ نِكَاحَاً قَرَّرْنَاهُمْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ، وَكَأنَّهُم إِذَا أسْلَمُوا لاَ يُؤَاخَذُونَ بِشَرْطِ الإسْلاَمِ رُخْصَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِفَيْرُوزَ الدَّيْلَمِي وَقَدْ أسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: "اخْتَرْ إِحْدَاهُمَا" فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّن الأوُلَى لِلصِّحَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل السابق هُوَ الكلامِ الجُمَلِيُّ في مواضعِ استمرارِ النِّكَاح، والتقريرُ عليه بَعْدَ الإِسلام، وفي مواضع عدم الاستمرارِ، كما بيّن، والمقصود الآن بَيَانُ شرط الاستمرار، فَنقول: إِن لم يقترن شيء من مفسدات النكاح، فالعقد البخاري في الشرك باقٍ بحاله، ولا يقدح فيه عروضُ الإِسلام، فهو مقرَّر عليه مستمرٌّ، وإن كانوا يعتقدون فسادَ شَيْء من ذلك، لم نُبَالِ باعتقادهم، وأَدَ مْنَا ما هو صحيح عندنا في دِينِنا، وإِن اقترن شيءٌ من المفسدات، نُظِرَ؛ إِن كان زائلاً عند الإِسلام، وكانت بحيث يجُوزُ نكاحُها حينئذٍ ابتداءً، فكذلك الحْكُم، إِلا، إِذا كانوا يعتقدون فَسَادَهُ وانقطاعه وإِنَّما حَكْمنا بالاستمرار مع اقتران المُفْسد بالعَقْد على سبيل الرخصة والتخفيف، وقد رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال لِفَيْرُوزِ الدَّيلَمِيَّ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أخْتَيْنِ: "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" 1 ولو أُخذوا بحكم الإِسلام وشرطه، لبحث كيفية النكاحين، وحكم ببطلانهما إنْ جريا معاً، وبصحَّة الأول، إِن تعاقبا، وإِنْ كان المُفْسِد باقياً وقت الإِسلام، وكانت بحيثُ لا يجوز ابتداءُ نكاحها، فلا تقرير، بل يندفِعُ النِّكاح، ويتخرَّج علىَ هذا الضبْطِ مسائلُ:
المسأَلة الأولى: العقد البخاري في الكُفْر بلا وليٍّ، وَلاَ شُهُودٍ، يُقَرُّ عليه بَعْدَ الإِسْلاَمِ؛ لأنه لا مفسد عند الإِسلام، ونكاحُها ابتداءٌ جائزٌ وكذلك لو أَجبر
[البكر] 1 غير الأَب والجد، أَو أُجبرت الثَّيِّبُ، أَو راجع الرجعيَّة في القرء الرابعِ، وهم يعتقدون امتدادَ الرَّجْعَة إِلَيْه، ولو كان قد نكح أمه أو بنْتَهُ أَو زوجَةَ ابنِهِ أو أبِيهِ، اندفع عنْد الإِسْلام، وكذا لو كان قد نَكَح الَّتي طلقها ثلاثاً قَبْل أَن تنكح زوجاً غيره؛ لأنه لا يجوز ابتداءً نكاحُها وقت الإِسْلاَم.
المسألة الثانية: لو جَرَى العَقْد، وهي في عدة الغَيْر، فإن كانت العدَّةُ باقيةً عند الإِسلام، اندفع، وإِن كانت منقضيةً استمر؛ لأَنها إِذا كانت منقضيةً، جاز ابتداء نِكاحَها، فجاز التقرير، وِإذا كانت باقيةً، لم يجز ابتداء النكاح، فلم يجزِ التقريرُ، وخصص في الرَّقْم هذا التفصيل بعدة النكاح، فأَما إِذا نكح معتدَّةَ عن الشبهة، ثم أَسلم، والعدَّة باقية، قَالَ: [يقرّان] 2 على النكاح؛ لأن الإِسلام لا ينفي دوام النكاح مع عدَّة الشبهة، فلا يُعْترَضُ عليه إِذا لاقاه، ولم يَتعرَّض لهَذا الفرق أكثرُهُمْ، والإِطْلاقُ يوافِقُ اعتبار التقرير بالابتداء كما سبق.
ولو كان قد نكَحَها بشرط الخيار للزوجَيْن، أَو أَحَدِهِما مدَّة قدَّراها، فيُنْظَر عند الإِسلام، هل المدة باقية أَم لا ويكون الحكم كما في العدة، إِن انقضت المدة قبل الإِسلام، استمر النكاح، وإِلا اندفع؛ لأَنهما لم يعْقِدَاه عَلى صفة الدوام في المدة التي شَرَطا فيها الخيار، ونَحْنُ، إِن لم نراعِ في عقودهم الجارية في الشِّرْك شرائطَ الإِسلام، فلا نثبت ما لم يثبتوه، ولا فرْقَ بين أن يقارن بقيةُ العدة، أو مدَّةُ الخيار إِسْلاَمَهمَا أو إِسلاَمَ أَحدِهِما، حتى لو أَسلم أَحدُهما، والعِدَّة أَو مدةُ الخيار باقيةٌ، ثم أَسلم الآخر، وقد انقضَتْ، فلا تقرير، هكذا حكاه الإمام عن الصيدلانيَّ ووافقه عليه، وبه أَجاب صاحب "التَّهْذِيبِ" والمصنِّف، ووجه بأنَ المفسد لاقى إِسلام.
أَحدهما: فيغلب الفساد.
وعن القاضي الحسين أَن اقترانه بإسلامهما هو المؤثِّر، أَما إِذا لم يقترن إِلا بإِسْلاَم أَحدِهِما، فلا يندفِعُ النكاح؛ لأن وقْتَ الاختيار والإمْسَاكَ هو الاجتماع على الإِسلام، فليكن النَّظَرِ إِلَيْهِ.
المسألةُ الثالثةُ: النكاحُ المؤقَت، إِن اعتقدوه مؤبدَّاَ قرَّروا عليه، وإِن اعتقدوه مؤَقَّتاً لم يقرِّروا عليه، سواءٌ كان الإِسلامُ بعد تمامِ المدَّة أَو قبله، أَما بعْدَهُ؛ فلاعتقادهم أَنه لا نكاح، وَأَمَّا قبله كما لو أَسلما، والعدةُ باقية، وأَيضاً، فإِنهم لا يعتقدون إِلا نكاحاً مؤقتاً ومثل ذلك لا يبدأُ في الإِسلام.
المسألة الرابعة: لو كان قَدْ غَصَب امرأةً، واتخذها زوْجةً له، وهم يعتقدون
غصْبَ المرأة نكاحاً فعن القَفَّالِ أَنه لا يُقَرَّر عليه، إِذ لا عَقْدَ.
والصحيحُ المشهورُ التقْريرُ؛ لأَنه ليس فيها إلا إِقامةُ الفعل مُقَام القَوْلِ، فأَشبه سائر وجوه الفَسَاد، وهو في حَقِّ أَهل الحرب، وأَمَّا الذِّمِّيّونَ، فلا يُقَرُّون، بعد الإِسلام؛ لأَنَّ على الإمام أَن يدفع قهر بعضهم عن بعض، بخلاف أهْلِ الحرب، والمستأمنين 1 ليسوا كأَهل الذمة في ذلك؛ إِذْ ليس على الإمَامَ مَنْعُ بعضهم عن بعض، وإِنَّما يلزمه بحكم الأمان أَن يَمْنَع عنهم من يَجْرِي عليه أَحْكَامُ الإِسلام.
وقوله في الكتاب: "وإذا أَسْلَمَا، لم نَبْحَثْ عن شرط نكاحهما" أَي: في ابتداء العَقْد، ويحتج له بأَنه أَسلم خَلْقٌ كَثْيِرٌ، فلم يسألهم النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن شروط أَنْكحَتِهِمْ وَأقرَّهم عليها، وأَما في حَالِ، الإسْلاَمِ، فالوجه الاحتياطُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُفْسِدُ الطَّارِئُ بَعْدَ العَقْدِ لاَ يُؤَثِّرُ كَمَا لو كَانَتْ عِنْدَ الإسْلاَمِ مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ أوْ سَبَقَتْ وَأَحْرَمَتْ قَبْلَ إِسْلاَمِهِ، وَلَكِنْ لَوْ نَكَحَ أَمَةً ثُمَّ حُرَّةً وَأَسْلَمَ
عَلَيْهِمَا انْدَفَعَتِ الأَمَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أسْلَمَ عَلَى أَمَةٍ وَهُوَ مُوسِرٌ بِيَسَارٍ طَارِئً، وَقيلَ: يَنْدَفِعُ أَيْضاً بِالْعِدَّةِ الطَّارِئَةِ وَالإِحْرَامِ، وَيكُونُ حَالُ الإِسْلاَمِ كَابْتِدَاءِ العَقْدِ مُطْلَقاً، وَلَوْ أسْلَمَتْ وَارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ انْدَفَعَ نِكَاحُهَا إن لَمْ تَرْجِعْ قَبْلَ العِدَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بيَّنَّا الحكم فيما إِذا لم يقترنْ بالعقد الجَارِي في الشِّرْك، ولا بالإِسلام مفسد، وفيما إذا اقترن بالعقد مفسدٌ، وَهَذَا الفَصْلُ لِبَيَانِ قِسْمٍ ثَالثٍ، وهو ألاَّ يقترن بالعَقْد مُفْسِدِ لكن يطرأ بعْد مُفْسِدٌ ويقترن بالإِسلام، وفيه مَسَائِلُ بناها جماعةٌ من الأئمة على أن الاختيار والإِمساك بعَقْدٍ جرى في الشِّرْك جارٍ مجرى استدامة النكاح، أَو مجرى ابتدائه، قالوا: وفيه قولان مستنبطان:
أَحَدُهُمَا: أنه جَار مَجْرَى الاستدامة؛ بدليل أَنه لا يحتاج إِلَى صيغة النكاح، ولا يشترط فيه الوليُّ ولا الشهودُ ولا رضا المرأة؛ ولأنه استدراك عقْدٍ أَشرف على الزوال، فأَشبه الرجعة.
والثاني: أَنه جَارٍ مَجْرَى الابتداء؛ لأَن حال الإِسْلام هو حالُ التزامهم حُكْمَ الدين، ولم يكونوا مُلْتزِمِينَ للأَحكام عند العَقْد، فيقام حال إسلامهم مقام ابتداء العَقْد، وينظر إلى حصول الشرائط حينئذٍ، ولذلك قلْنا: إِذا نكح الكافرُ معتدَّةً [وأسلم والعدة] 1 باقية يندفع النكاح، كما يمنع ابتداء نكاحها، وهي في العدة.
قال صاحب "التَّتِمَّةِ" وهذه القاعدة في التحْقِيقِ مبنيَّةٌ علَى أَن أنكحتهم في الشِّرْك صحيحةٌ أَم لا، وفيه خلافٌ سيأتي، فإنْ قلْنا: إِنَّها صحيحةٌ، فالاختيار استدامته، وإِلا فهو جار مَجْرى الابتداء، لكن هذا الَبناء يقتضي أن يكونَ جريانُها مَجْرى الاستدامة أَظهر؛ لأَن الصحيح صحَّةُ أَنكحتهم.
والمشْهُورُ في كلام الأَصحاب تَرْجِيحُ جريانه مَجْرى الابتداء، ورَدُّوا على من قال بالاستدامة، ونسبوه إلَى مذهب أبي ثَوْرٍ.
إذا عُرفَ ذلك، [فإحدى المسائل] 2 إِذا أَسلم الرجُلُ، ووْطِئَتِ المرأة بالشبهة ثم أسلمت، فالمشهور والمحكيُّ عن نصه في رواية الربيع استمرارُ النكاح، وكذا لو أَسلمتِ المرأَةُ، فوُطِئَت بالشبهة في زمان التوقّف، ثم أسلم الزوْجُ قبل انقضاء مدة العدة، يستمر النكاح، وإِن كان لا يجوز ابتداءُ نكاحِ المعتدَّة؛ لأَنَّ عدَّة الشبهة إِذا طَرَأت على نكاح المسلِمِين، لم تقطعْه، فأَوَلى ألا تقطع الأَنكحة الجارية في الشِّرْك، وهذا ما قطع به الصَّيْدَلاَنِيُّ.
ومن أَصحابنا من قال: يندفع النكاحُ، لا يجوز ابتداءُ النكاح في العدَّة، وينسب هذا إِلى القَفَّالِ، ويُرْوى عنه نزَاعٌ في عروضِ عدَّة الشبْهة من جهةِ أَن أحد الزوجَيْن، إذا أَسلم، والآخر متخلِّف، جَرَتِ الْمَرْأةُ في عدَّة النكاح، وعدة النكاح تتقدَّم على عدة الشبهة.
وإِذا أَسَلم الآخر، كان إِسلامه في عدة النكاح، لا في عدة الشبهة، نعم، أحبلها الواطئُ بالشُّبْهَة تقدمت عدة الشبهة، وأمكن اقترانها بإِسلام الآخر، وحينئذٍ، فيندفع النكاحُ؛ اعتباراً بالابتداء، وأَجابُوا عن هذا النزاع بوَجْهين:
أَحدهما: أَن عُرُوضَ هذه الشُّبْهة لا يختصُّ تصويره بما إذا أَسْلَم أَحَدُهُما قبل الآخر، بل لو وُطِئَتْ في الشبهة، وشَرَعَتْ في العدة، ثم أَسلما معاً، كان ذلك صورةَ المسألة.
والثَّانِي: أَن أَحَدَ الزوجَيْنِ إذا أسلم، وتخلَّف الآخر، فإنا لا نستيقن جريانها في عدَّة النكاح؛ لأنه لو أَسلم المتخلِّفَ قبل انقضاء مدَّة العدة، يستمر النكاح، وتبيَّن أَن ما مضَى، لم يكن عِدَّةَ عن النكاح، وحينئذٍ، تكون في عدة الشُّبْهة، نعم، لو أصر المتخلِّف، تبين أَن تلْك العدَّة كانت عدة النكاح، وعليها أَن تعتدَّ للشبهة، إذا تصرَّمت تلك العدة.
المسألة الثانية: لو أَسلم الرجُلُ، وأَحرم، ثُمَّ أَسلمت المرأة في العدَّة، فعن النَّصِّ يجوز إِمساكها في حال الإحرام، وَكَذَا لو أَسلم، وتحْتَه أَكثر من أَربعِ نُسْوَةٍ، ثم أَسْلَمْنَ وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ له اختيار أَربعٍ منهن، واختلف الأصْحَابُ على طريقين:
أَحدهما: القطع بالمنع، كما لو أَسلم، وتحْتَه أمة، وهو موسِرٌ لا يجوز له إمساكها، كما سيأتِي، وهؤلاء حملوا النصَّ على ما إِذا أسلما معاً ثم أَحرم الزوِجُ، له الاختيار؛ لأَنَّ الاختيار هاهنا يَثْبُت قبل الإحرام، وممن رُوِيَ عَنْهُ هَذَا التَّأْوِيلُ الأنْمَاطِيُّ وابن سَلَمَة.
وعن القَفَّالِ: أَنِ أَنكر هذا النص مِنْ أَصله، وقال: تَفَحَّصْتُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- فَلَمْ أَجِدْهُ.
وأَشْهَرُهما: أَن المسألة على قولَيْن، مختار أَكثر الأَصحاب منْهما الأَخَذُ بظاهِر ما نُقِل عن النص توجيهاً بأَن عُرُوض الإِحرام لا يؤْثَرُ، كما في أَنكحة المسْلِمِين، وبأَنَّ الإِمساك استدامةٌ للنكاح، فجاز مع الإِحْرام كالرَّجْعَةِ.
والثاني: المنع، إِلحاقاً للدَّوَام بالابتداء، ويُحْكَى هذا عن اختيار صاحب "الإِفْصَاحِ".
المسأْلة الثالثة: نكح في الكفر حُرَّةً وَأَمةً، ثم أَسلم، وأسلمتا معه، فظاهر المذهب أَن الحرَّة تتَعيَّن للنكاح، ويندفع نكاحُ الأَمة، ولا فرْقَ في ذلك بين ما إِذا نكَحَهما معاً، وبيْن ما إِذا نكح إحداهما قَبْلَ الأخرَى؛ لأَنا لا ننْظُر في نكاح الأَختَيْن
حال التقدم والتأخر وكذلك في نكاح الحرة والأَمة، وكما يندفع نكاحُ الأَمة بالحرَّة الطارئة، يندفع باليسار الطارئ، إذا قارن الإِسلامَ، ولو اقترنَ اليَسَارُ بالعَقْدِ الجاري في الشِّرْك، ودام إِلى الإِسلام، فالاندفاع أولَى، وخرَّج بعضهم اندِفَاع [نكاح] 1 الأمة على القولَيْن، بناءً علَىَ هَذا الأَصل السابِقِ، وينسب هذا إِلى اختيار القاضِي الحسين، والظاهرُ الأَولْ؛ لكنه مخالفٌ لما مرَّ من تجويز الإِمساك في العدة والإحرام الطارئَيْنِ، فإنَّ ذلك تنزيلُ الإِمساك منزلةَ الاسْتدامة، وهذا تنزيلٌ له منْزلَةَ الابتداء، وفرق بين الفصلَيْن بأَنَّ الإمساكَ فيه مشابهةُ الاستدامة، ومشابهة الابتداء، فرجَّحنا في العدَّة والإِحرامِ مشابهةَ الاسْتدامة، كما في نكاح المُسْلم، إِذا طرأَ عليه أَحْدُهما وههنا راعَيْنا مشَابهة الابتداء، لأَن نكاح الأَمة بدَلٌ يُعْدَل إلَيْه عند تعدُّر نكاح الحرة، والابدال أضيق حكمَاً من الأَصول، فجرينا على [التضييق] 2 اللائق به، والحاصلُ للفَتْوَى أنه متى أَسَلَم الكافرُ، وتحته أمة، وأسلمت معه، أو جمعت العدَّة إسلامهما، وهي مدخول بها، فإن كان مِمَّنْ يَحِلُّ له نكاحُ الإماء، أَمسكها، وإن كان ممَّنْ لا يحل له نكاحُهُنَّ، إِما لليسَار، وإِما للأَمْنِ من العَنَت، اندفع نكاحُها.
المسألة الرابعة: إذا أسلَمَتِ الزوجةُ بعْد الدخول، وارتدَّتْ، نُظر؛ إِن لم يُسْلِمِ الزَّوْجِ، حتى انقضتْ مدَّةُ العدَّة، بانت باختلاف الدِّين أَولاً، وتكون العدة من يومئذٍ، وِإن أسلم قبل انقضائها، سقَطَ حكم العدة من يومئذٍ، ويتوقَّف، إِن عادت إلى الإِسلام قَبْل انقضاء مُدَّة العدة من وقت رِدَّتها، استمر النكاح، وإِلاَّ، انقطع من يوم الردة.
وكذا لو أَسلم الزَّوْج بعد الدخول، وارتدَّ، إن لم تُسْلِم المراة إِلى انقضاء مدَّة العدَّة من يوم إسلامه بانَتْ منه، وإن أَسلمت، توقَّفَنا، إِن عاد الزوْجُ إِلى الإِسلام قبل انقضاء مدَّةِ العدَّة من وقْت ردَّته، استمر النِّكَاحُ، وإلا حصلت الفُرْقَة من يومئذٍ.
وذكر الإِمام أن القَفَّالَ حَكَى عن النصِّ أنه يندفع النكاحُ في إِسلام أَحد الزوجَيْن وارتداده، ولا يتوقَّف، وأَنه احتج بذلك باندفاعه بالعدَّة والإِحرام الطارئين كما حكَيْنا عنه، والظاهر التوقُّف، وعلى هذا قال صاحب "التَّهْذِيبِ" وغيره: الردَّةُ يفترق فيها حكْمُ الابتداء والاستدامةِ؛ لأَن ابتداءَ نكاح المرتد باطلٌ غير منعقدٍ على التوقُّف، وفي الدوام توقَّفنا، فالتحقت الردَّةُ بالعدَّةِ للشبهة والإِحرام، وِإنما قيل بالتوِقُّف في الردة، لم نجوِّز الاختيار فيها، بخلاف الإِحرام والعدة؛ لأَن منافاة الرِّدَّة للنكاح أشدُّ؛ ألا تَرَى أنَّها تقطع النكاح على الجملة، وهمَا لا يقطعان النكاح، وكذلك لا يجُوزُ الرَّجْعة في الرِّدَّة، وتجوز في الإِحرام على الأَظهر ولو أَسلم، وتحْته فوق العدد الشرعيَّ؛ وارتد ثم
أَسلمتِ النسوةُ في العدَّة أَو أَسلم، وأسلمْنَ معه، ثم ارتدَّ قبل الاختيار، لم يجُزْ أَن يختار أَربعاً منْهن في الردة فإِن عَادَ إِلَى الإِسلام في العدة، فَلَهُ الاختيار حينئذٍ وليُعْلَمُ قوله في الكتاب "اندفعت الأَمةُ" بالواو وكذا قوله "كذلك لو أَسلم على أمَة" لما بيناه.
قوله "لو أسلمت، ثم ارتدت، وأسلم الزوج، اندفع نكاحها" هذا القدر هو الموجودُ في أَكثر النسخ، وهو يوافق إيراد، "الوسيط" ومنقول الإِمام، وهو الاندفاع المطْلَق، وزيد في بعض النسخ "إن لم ترجع قبل العدة"، وهذه الزيَادة تُشْعِرُ بالتوقُّف، وهو الأَظهر في المسألة، والله أعلَم.
قَال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ هذِهِ المُفْسِدَاتُ إِنْ قَارَنَتْ إسْلاَمَ أَحَدِهِمَا كَفَى (و) إِلاَّ في الْيَسَارِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْدَفِعُ إلاَّ إِذَا وُجِدَ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا في الإِسْلاَمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الواقفُ على ما أَوردناه يتبيَّن له أن المُفْسِدَ للنكاح عند الإِسلام منه ما كان حاصلاً عند العَقْد، واستمر، كما لو نكح معْتدَّةً، وكانت عند الإِسلام بَعْدَ العدة، ومنه ما طرأ بعْد العَقْدِ، كما لو أسلم، وتحته حرةٌ طارئةٌ على أمةٍ، أَو أَسلم على أمَة، وقد طرأ له اليسار هل يُشْتَرط أَن يقارن المفسد إِسلامَهُمَا مَعاً، أَم يكفي للفساد اقترانُه بإِسلام أَحدهما؟ فيه اختلاف.
أَما في الْقِسمِ الأَول: فقد بَيَّنَّا الخلاف فيه، وذكرنا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنه يكفي الاقتران بإسلام أَحدِهِما، وهو الذي ذكره في الكتابِ، حَيْثُ قال منْ قبل: "إِلا إِذا أَسلما أَو أَحدُهُما قبلْ انقضاء العدَّة".
وأما في القسم الثاني، فقد عرفْتَ في الفصل السابق: أَن ظاهر المَذْهَب أَنه إِذا أَسلم، وتحتَه حرةٌ وأمَةٌ، يندفع نكاح الأَمة، وتتعيَّن الحرَّة.
وكذلك يَكُونُ الحكُم أَسلمتِ الحُرَّة المدْخُولُ بها معه أَو بعده قبل انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثم أَسلمتِ الأَمةُ قبل انقضاء العِدَّةِ، ولو أَصرَّتِ الأَمَة حَتَّى انقضت العدَّةُ، فاندفاعها بتبديل الدِّينِ، ومنْه تحتسب العدة.
وَلُو مَاتَتِ الْحُرَّةُ بَعْدَ إسْلاَمِهَا أو ارْتَدَّتْ، ثم أَسلمتِ الأمَةُ، اندفع نكاحها أيضاً، وكفى اقترانُ إِسْلامِ الحُرَّةِ بإِسلام الزَّوج.
ولو أَسلمُ وتحْتَه، أَمة، وهو موسِرٌ، ثم تلف ماله، وأَسلمت الأَمة، وهو معسِرٌ، فله إمساكها، وإنما يؤثر اليسار في الدفع، إِذا قارن إِسلامهما جميعاً.
وحَكى الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ عَنْ أَبِي حَامِدٍ نزاعاً في الصورة الأوُلى.
وعن بعضهم في الثانية؛ أَن اقتران اليسار بإِسْلاَمه يكفي للاندفاع، وليس له
إمساكُهَا، وِإن كان معسِراً عند إِسْلامَها، وُيرْوَى هذا عن أَبي يَحْيىَ الْبَلْخيِّ قَالَ: وعلى عكسه، لو أسلم، وهو مُعْسِرٌ، ثم أَسلمتُ، وهو موسِرٌ، فله إِمْسَاكُها، نظراً إِلى وقت إِسلامه.
وعن ابن خَيْران: أَن في اليسار الزائل قَوْلَيْن، فحصل في الصورتين الخلافُ كما ترى، وهو كما ذكر صَاحِبُ "التَّتِمَّةِ" متولد من ضرب جواب إِحدى الصورتين بجواب الأخرى، والظاهر في صورة الحرة والأمة اندفاع نكاح الأَمة وإن ماتت الحرَّةُ وفي صورة 1 زوال اليسار عند إِسلامها عدَمُ الاندفِاع، واعتبارُ اقترانه بإِسْلاَمِهِا جميعاً، والسبَبُ في اعتبار الاقتران بإِسلامهما معاً؛ أن وقت الاجتماع في الإِسلام هو وقْتُ جواز نكاح الأَمة؛ لأَنه، إِن تقدَّم إِسلامه، فالأمَةُ الكافرةُ لا تحلُّ للمسَلم، وِإن تقدَّم إِسلامها، فالمسلمة لا تحلّ للكافر فكان اجتماعهما في الإِسلام شبيهاً بحالِ ابتداءِ نكاحِ الأمة، واليسارُ السابقُ على نكاح الأَمة لا يَمْنَعُ جواز نكَاحها، وهذا المعنَى يقتضي جواز إِمْسَاكِ الأَمة في الصورة الأولى، وهي ما إِذا ماتَتِ الحرَّةُ بعد إِسلامها، ثم أَسلمتِ الأَمةُ، لكنْ فرَّقوا بينهما من وجوه.
منها: أن أَثر نكاح الْحُرَّةِ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ أَلا ترى أَنه يرثُها، وأَن له غسلها، وعليه مؤْنةُ تجهيزها على رأْي، فكأنَّ النكاح باقٍ، واليسارُ بخلافه.
ومنها: أَن المرأة، إِذا أَسلمت، وتعيَّنت، حسبتْ على الزوج، ولم يؤَثِّرْ موتها بعد ذلك ألا تَرَى لو أَسلم، وتحته خمس نسوة، وأسلمت واحدةٌ، فاختارها، ثم ماتت، ثم أسلمت البواقي، لم يكن له إِمساكُهُنَّ، وإِنما يُمْسِكُ ثلاثاً منهن.
ومنها: قال الإِمام: الحُرَّةُ لا تنزل منزلة اليَسَار، بل الأَمر فيها، وفي اشتراطِ عَدَمِها لهم وأعظم ألَا ترى أنه لو كان في نكاحه حُرَّةٌ؛ رتقاءُ أَو غائبةٌ، لم ينكح الأَمة، ولو كان مالُهُ غائباً، لا يصل إِليهِ إِلاَّ بعد زمانٍ طويلٍ يجوز له نكاح الأمة والله أعلم.
ولا يَخْفَى بعْدَ ما ذكَرْنا الحاجَةِ إِلَى إِعلام قوله "كفى" بالواو، وكذا قوله "فإِنَّهُ لاَ يَدْفَعُ".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاِذَا طَلَّقَ الكَافِرُ زَوْجَتَهُ ثَلاَثاً ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَنْكَحِهَا إِلاَّ بِمُحَلِّلٍ فِي قَوْلٍ -وَلاَ يُحْتَاجُ إِلَى المُحَلِّلِ في قوْلٍ فَإِنَّا نُصَحِّحُ أَنْكَحَتَّهُمْ مُطْلَقاً فِي قَوْلٍ، وَنُفْسِدُهَا فِي قَوْلٍ إِلاَّ عِنْدِ الإسْلاَمِ، وَنَتَوقَّفُ فِي قوْلٍ، فَمَا يُقَرَّرُ عَلَيْهِ في الإسْلاَمِ نَتَّبيَنُ صِحَّتَهُ، وَمَا يَدْفَعُهُ نَتَبَيَّنُ فَسَادَهُ حَتَّى لاَ يَثْبُتَ المَهْرُ عَلَى هَذَا الَقْوِلِ لِلَّتي يَدْفَعُ الإِسْلاَمُ نِكاحَهَا، وَلاَ عَلَى قَوْلِ الإِفْسَادِ، وَيَثْبُتُ عَلَى قَوْلِ الصِّحَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكروا في الأَنكحة الجارِيَةِ في الشِّرْك ثلاث مقالات:
أصحُّهما: أنها محكوم لها بالصحَّة 1، لقوله تعالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: 9] وَعَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "وُلِدتُّ مِنْ نِكَاحٍ لاَ مِنْ سِفَاحٍ"؛ ولأنهم لو ترافَعوا إِلينا، لا نبطِلُه، ولا نفرَّق بين رجالهم ونسائهم، وأيضاً، فإنه يقرر عليه بعد، الإسلام، والفاسد لا ينقلب صحيحاً بالإِسلام، والتقريرُ على الفاسِد محالٌ.
والمقالة الثانية: أَنها فاسدة؛ لأَنهم لا يراعون حدود الشَّرْع وشروطه، لكن [نفرق] 2 لو ترافَعُوا إِلَيْنا رعايةً للعهد والذِّمَّة، وِإذا أَسلموا، نُقرِّرهم تخفيفاً وعَفْواً.
المقالة الثَّالثة: أنا لا نحْكُم لها بصحَّة ولا فساد، ولكنُ نتوقَّف إِلى الإسْلاَم فما يقرِّر عليه إِذا أسلموا تبين لنا صحته، وما لا يقرر تبين فساد، وُيرَوى عنَ القَفَّالِ ما يَقْرُب من هذا وهذه المذاهب حكاها صَاحِبُ الْكِتَابِ أقوالاً، وأكثر من أَوردها في نقل الوجوه، نعم في "التَّتِمَّةِ" المصيرُ إلى الْفَسَادِ قولٌ قديمٌ، وبه قَالَ مَالِكٌ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- ومِنَ الأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بصحة أَنكحتهم، ونفي الخلافَ في المسأَلة، إِذا ثَبَتَ الخلاف، فهو مَخْصُوصٌ بالعقود التي يَحْكُمُ بفساد مثلها الإِسلامُ أَو يجْرِي في مطْلَقِ عقودهم؟.
قضيَّة كَلام أَبي سعد الْمْتَوَلِّي، وغيْرِهِ الأَولُ في "النهاية" "أَن من يحكم بفساد
أنكحتهم يلزمه ألاَّ يفصل بين ما وَقَعَ منْها عَلَى شرط الشَّرْع، وبين ما يُخَالِفُه، والمصير إِلى أَن نكاحاً يعقدونه على شرط الشرائع كلِّها فاسد مذهب لا يعتقده ذو حاصل" 1 ذكره في تزييف الحكم بالفساد، واستقرب التوقُّف بعْضَ الاستقراب، ويُسْمَى على هذا الأَصْلِ المذكور مسألتان:
إحداهما: إِذا طَلَّقَ الْكَافِرُ زَوْجَتَهُ ثَلاَثاً: ثم أَسْلَما، فعلَى الصحيح، وهو صحَّةُ أَنكحتهم لا تحل له إِلا بمحلِّل، وهذا هو المنصوصُ في "المختصر" وإِنْ قلنا بفسادها فالطَّلاق في النكاح الفاسدِ لا يحوج إِلى المحلِّل، وإِذا قلْنا بالصحيح، فلو نَكَحَتِ المطلَّقةُ في الشِّرْك زوجاً آخر، وأَصابها، وطلَّقها، ثم أسلمت، فتزوجها الأَوَّل بعد إسلإمه حَلَّت لَهُ، وكذلك يحْصُلَ التحليل بوطء الكافر، إذا نكح الذمية التي طلَّقها المسِلُم ثلاثاً، سواءٌ كان حَرْبيّاً أو ذِمِّيّاً.
والثانية: التي تَقَرَّرَ نكاحُها بعْد الإِسلام، لها المهْرُ المسمَّى فإن كان صحيحاً، وِإن كان فاسداً، كخمرٍ أو خنزيرٍ، فسيأْتي حكْمُ مهورهمُ الفاسدةِ والتي يندفعُ نكاحُها بالإِسلام، ينظر؛ إِن لم تكن مدخولاً بها، فإِن صحَّحنا أنكحتهم، وجب نصف المهر، إِنَ كان الاندفاع بإِسلام الزوج، وإِنْ كان فاسداً، وجب نصف مهْرِ المثل، وإِن لم يسمَّ شيءٌ، وجب المتعة، وإن كان الاندفاعُ بإِسلامهما، فلا شيء لها من المَهْر؛ لأَن الفراق جاء من جهتها.
وَعَنِ الشَّافعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - في "سِيَرِ الْوَاقِدِيَّ" ما يُشْعِر بوجوب نصْف المهر، وأَقامه بعض الأصَحاب قولاً آخر، ووجِّهه بأنها محسنَةٌ بالإِسلام، فكان من حقِّه أَن يوافِقِها، فإِذا امتنع، انْتسَبَ الفراق إِلى تخلُّفه، والظاهر الأَولُ وإِن لم نحكُمْ بصحة أَنكحتهم، فلا مَهْرَ لها؛ لأَن الْمَهْرَ لا يجب في النِّكَاح الْفَاسِدِ بلا دُخُولِ، وإن كانت مدْخَولاً بها، فإِن صحَّحنا أَنكحتهم، وجب المسمَّى، إِن كان صحيحاً، وإِن لم
نصحِّحْها، وجب مهر المثل، ثُمَّ عن القَفَّالِ: أَنه عدَّ من صور الاندفاع ما إذا نكَحَ المِشْركِ مَحْرَماً له، ثم أسلم، وجعل وجوب نصفْ المهْرُ علي القولَيْن، ورأىَ الإِمَامُ القطْعَ بأَنه لا شيء للمَحْرِم من المهر وقال: لا نقول بأنه انعقد العَقْد عليها، ثم انْدَفَعَ، وانفسخ في الإِسلام، وإنَّما ذلك في الأُختِ المفَارَقَةِ من الأُخْتَيْنِ، وفي الزائداتِ على الأَربع، والمواَفق لإِطلاقُ الكتابِ وغيره الأَول.
وقوله في الكتاب مسألة الطلاق في الأَصل المبنى عليه "في قول" يجوز إِعلامه بالواو؛ لقطع من نفي الخلافُ فيهما.
وقوله "حَتَّى لا يثبت الْمَهْرُ عَلَى هَذَا الْقَولِ أَراد به ما إِذا لم يَجْرِ" دخول.
وقولُه "يثْبُت على قول الصحة" أَي شيء منه، وهو النصف، لا أَنه يثبت كلُّه، ولا يمكن إِجراء اللفظ على إِطلاقه في حالَتَيْ وجودِ الدُّخُول وعدمه؛ لأَنه إِذا وْجِدَ الدخولُ يَثْبُتُ المهر، وصحَّحنا أنكحتهم أو لم نصحِّح، إن صَحْحْنَا فالمسمَّى، وإِلاَّ، فمهر المثل، فكيف نقولُ: لا يثبت المهر إِلى آخره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَكَحَ أُخْتَيْنِ وَطَلَّقَ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلاَثاً فَإِذَا أسْلَمُوا فَعلَى قَوْلِ التَّصْحِيحِ حَرُمَتَا عَلَيْهِ إلاَّ بِمُحَلَّلٍ، وعلَى قَوْلِ الإِفْسَادِ يَخْتَارُ وَاحِدَةً وَلاَ مَهْرِ لِلثَّانِيَةِ، وَعَلَى قَوْلِ التَّوَقُّفِ يَخْتَارُ وَاحِدَةً فَيَنْفُذُ فِيهَا الطَّلاَق الثَّلاَثُ وَيَحْتَاجُ إِلَى مُحَلَّلٍ وَتَنْدَفِعُ الثَّانِيَةُ وَلاَ يُجْتَاجُ فِيهَا إلى مُحَلِّلٍ.
قَالَ الرَّافِعِي: هذا فرْعٌ لابنِ الْحَدَّادِ يَدْخُلُ في "مسألة الطلاق" المذكورة في الفصل السابق، وصورته: مشْركٌ نكح أختَيْن، وطلَّقهما ثلاثاً، ثم أسلم وأَسلمتا، قال: يُخيَّر بينهما، كما لو أَسْلَموا، ولا طلاقَ، فإذا اختار إحداهما، يثبت نكاحها، ونَفَذَ فيها الطلقاتِ الثلاثُ، ولا بدّ فيها من المحلِّل، وَاندفعت الأخْرَى بِحَقِّ الإِسْلاَم، ولا يُحتاجُ فيها إِلى المحلِّل.
قَالَ الأصْحَابُ بعده: يُبْنَى الفَرْعُ على أَن أنكحتهم صحيحةٌ أم لا؟ إن صحَّحناها، نفذت الطلقات فيهما، ولم ينكح واحدةً منهما إلا بمحلل، وان أفسدْنَاها، فلا نِكَاحَ، وَلاَ طَلاَقَ، وَلاَ حَاجَةَ إِلى المحلِّل في واحدةٍ منهما، وإن قلنا بالتوقف، فلو لم يكن طلاقٌ، لكان يَخْتَارُ إحداهما ويتبين بذلك صحَّةُ نكاحِهَا، وفسادُ نكاح الأُخرَى، فإِذا طلَّقهما أُمِرَ بالاختيار، لينفُذَ الطلاق في المنكوحَةِ منْهما، فَجَوابُ ابنُ الْحَدَّادِ يتخرَّج علَى قول التَّوَقُّفِ، ولذلك قيل بأن ميله في أنكحتهم إلى التوقُّف، ولو أَنه أسْلَمَ مع الأختين، وهما تحته، ثم طلق كل واحدة منْهما ثلاثاً، فَالجَوَابُ هاهنا التخييرُ لا غير؛ لأَنَّهم لَمَّا أسْلَمُوا، اندفع نكاحُ إحْدى الأختَيْن، وإِنما ينفذ الطلاقُ في المنكوحة، ولو
أسْلَمَ هو دُونِهمَا، أو أسلمتا هما دونه، وكذلك يخير الزوج؛ لأَنه، والحالة هذه، لا يُمْسِكُ إِلا إحْدَاهما وينفسخ نكاحُ الأُخْرَى من وَقْتِ إسْلاَم من تقدَّم إِسْلامُه منهم، ولو كان تحْت الشرك أَكثر من أربع، [و] طلقَّهن ثلاثاً ثَلاثاً ثَم أسلموا، فعلى التصحيح [تَنْفَذُ الطلقات منهن جميعاً على التوقُّف يختار أربعاً منهن فينفذ فيهن] 1 الطلقات الثلاثُ دون البواقي.
وذكر الشيخ أَبُو عَلِيٍّ على قياس الفَرْع؛ أَنه، لو كانت تحته خرَّةٌ، أو أَمَةٌ، فطلَّقها ثلاثاً ثلاثاً، ثُمَّ أَسْلَموا، لم يجُزْ له أن ينكح واحدةً منهما إلا بمحلِّل، ولو أَسلموا، ثُمَّ طلَّقها ثلاثاً، ثلاثاً، وقَع الطَّلاَقُ على الحُرَّة؛ لأنَّها تتعيَّن بالإسْلام، ويندفع نِكَاحُ الأَمة، ولا يحتاج في نكاحها إِلى المحلِّل، وكذا لَوْ أسْلَمَتَا، فطلَّقهما ثلاثاً، ثم أسْلم الزوْجُ أو أَسلم الزوج، وطلَّقها ثلاثاً ثلاثاً، ثم أَسْلَمَتَا؛ لأَن الإِسْلام، لَمَّا جمع الكلَّ، بان اندفاع نكاح الأَمة من وقْتِ إِسلام من تَقدَّم إِسلامه منْهم، واعْلَمْ أن ابنَ الْحَدَّادِ ذَكَرَ فيمَنْ أسلم عَلَى أخْتَينِ، لم يَدْخُلْ بهما، واختار إحداهما أَنه يجبُ للأُخْرَى المفارقة نصْفُ المسمَّى، فإن لم يسم شيئاً، فالمتعةُ، وهذا على ما قدمنا أَن حكْمَ المهْر مبنيٌّ على صحة أَنكحَتهم، وجوابه في مسألة الطلاق خُرِّجَ على قول التوقُّف دون الصحة، فأخذت عليه ذلك.
وقيل: كان من حقِّه أن يجري فيهما على طَرِيقٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمهْمَا أَصْدَقَهَا خَمْراً وَقَبَضَتْ قَبْلَ الإِسْلاَمِ فَلاَ مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ رَجَعَ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَإِنْ قَبَضَتِ البَعْضَ رَجَعَ إِلَى بَعْضِ مَهْرِ المِثْلِ بَاعْتِبَارِ قِيمَةِ الْخَمْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا أَصدق الكافر امرأته صداقاً فاسداً كخمر وخنزيرٍ، ثم أَسلما، نُظِرَ، إن أسلما بعْدَ قبض ذلك الفاسدِ، فلا شيْء لها؛ لانفصال الأمر بينهما، وانتهاء النكاح إلى حالة انقطاع الطلبة، وما مضَى في الكفر لا يتبع.
وإِن أَسْلَما قبل قبضْه، وجب مهر المثل؛ لأنَّها لم تَرْضَ إِلاَّ بالمهر، والمطالبة بالخمر في الإِسلام ممتنعةٌ، فيرجع إِلى مهْر المِثْل، ويُجْعَلُ كما لو نَكَحَ المُسْلِمُ على خَمْر.
وعن صَاحِب "التَّقْرِيبِ" والشيخ أَبي محمد حكايةُ قولٍ فيما إذا أَسْلَمَا بعْد القبض؛ أَن لها مهْرَ المثل، لفَسادِ القبض الجارِي في الشِّرْك، وقول فيما إِذا أسْلَمَا قبل القبض؛ أَنه لا شيْءَ لها؛ لأَنها قد رضِيَتْ بالخمر، فيدَامُ عليها حكم رضاها، وقد تعذَّر قبْضُ الخَمْر بعد الإِسلام، فسقَطَتِ المطالبة، والمذهب المشهورِ الفَرْقُ بين الحالتين
كما تقدَّم، ولا فرق بين أَن يكون المسمَّى خَمْراً في الذمة، أو خمراً معيَّنة، وعن أَبِي حَنِيْفَةَ -رضي الله عنه- أَنّ في الخَمْرِ المُعَيَّنَةِ، لَيْسَ لَهَا إلاَّ الْمُسَمَّى، ولا رُجُوعَ إِلى مَهْرِ الْمِثْلِ.
ولو أَصْدَقَها حُرّاً مُسْلِمًا استرقُّوه، ثم أسلَما إما قبل القبض أَو بعده، فلا نقرِّه في يدها، بل يَبْطُل ما جرَى، ويوجب مهْرَ المِثْلِ، هكذا 1 ذكروه، وقياس ما سبق أَن يَخْرُجَ من يدها، ولا ترجع بشيء كما تراق الخمر المقبوضة، ولا ترجع بشيء، وإِن قبَضَت بعض الصداق الفاسد دون بعض، ثم أَسلما، وجب من مهر المثْل بقسْطِ ما لم يقبض، ولا يجوز تسليم الباقي من الفاسد، وليس كما لو كاتب الذمَّيُّ عبده علَى عوض فاسد، وقبض بعْضَه، ثم أسلما حيث يُسلِّم إِلى المكاتِبُ ما بقي من الفاسد، ليحصل العتق، فإنَّ العِتْقَ في الكتابة يَحْصُلُ بحصول الصفة، ثم يلزمُهُ تمام قيمته، ولا يحطُّ منها قسْطَ المقبوض في الكفر؛ لأَن العتْقَ يتعلَّق بأداء آخر النجوم، وأنه وقع في الإِسلام، فكان بمثابة ما لو كاتَبَ المُسْلِمُ علَى عوض فاسد يَحْصُل العتْقُ بوجودِ الصِّفَة، ويجب عَلَى المكاتَب القيمةُ، وطريقُ تقسيطِ مهْرِ المثْل على المقبوض، وغير المقبوض أَن ننظر إِن سميا جنساً واحداً، ولم يكنْ فيه تعدُّد، كما لو أَصْدَقَهَا زِقَّ خَمْر، وقبضت نصفه، أَو ثلثه، ثم أسْلَمَا، فيجب نصْفُ المهر، أَو ثلثاه، وإِن تعدَّد المسمَّى، كزِقَّيْ خَمْرٍ، قبضت أَحدهما، فإِن تساوَيَا في القَدْر، فذاك، وإِلا فوجهان:
أحدهما: وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَنه لا يُنْظَر إِليه، ويعتبر العَدَد.
وأقْيَسُهما: النَّظَرُ إِلى القَدْر، وعلَى هَذَا؛ فالذي يوجَدُ في كلام أكَثرهم أَنَّه يعتبر الكَيْل، وفيه وجه [آخر] 2؛ أَنه يعتبر الوزن؛ لأَنه أَحصر، ولو أَصدقها خِنْزِيرَيْنِ، وقبضت أَحدهما، فإن اعتبرنا العدَدَ، لم يخْفَ [الحكمُ] 3، وإن نظَرْنا في الخَمْر إِلى القَدْر، فههنا تُقدَّر قيمتهما بتقدير ماليتها، ويُقسَّط مَهْرُ الْمِثْل عَلَى الْقِيَمَتَيْنِ، ويرْوَى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ، وإنْ كانا قد سَمَّيَا جنسَيْنِ، فصاعداً كزِقَّى خمر [وكَلْبَيْنِ] 4 وثلاثة خنازير، وقبضت إحدى الأَجناس فثلاثة أوجه:
أَحدها: أنه يُنْظَر إِلى الأَجناس، ويقال: قد قبضت ثُلُثَ المَهْر.
والثاني: أَن النَّظَر إِلى المعْدُودات، فإِن قبضت الخمر، أَو الكَلْب، جُعِلَتْ قابضةً سُبْعَيِ الصداق، وإِن قبضَتِ الخنازيرَ، كانتْ قابضةً لثلاثة أَسباعه.
والثالث: وهو الأَقرب: أنها تقُومُ بتقْدِيرِ ماليتَّهما، ويقسَّط مهر المثل على القيمة،
وحيث قلْنا بالتقويم، وتقدير المالية، فكيف السبيلَ فيه قيل: يُقدَّر الخمر خَلاًّ، والكلبُ
شاةً، والخنزيرُ بقرة وقيل: يقدَّر الكلبُ، فَهْذا؛ لاشتراكهما في الصيد، والخنزيز حيواناً
يقاربه في الصورة والفائدة.
وقيل: يعتبر قيمتها عند من يَجْعَلُ لها قيمةً، ويقدَّر كأَنَّ الشرْع جعلها مالاً، كما تقدَّر الحرُّ رقيقاً في الحكومات، ويشبه أَن يكون أَولَى من اعتبارهما بجنس آخر من الحيوانات.
وقوله في الكتاب "باعتبار قيمة الخمر" محمولٌ على ما إذا كان هناك تعدُّدٌ، فأما الزق الواحد، فيضبط المقبوض، وغير المقبوض منه بالجزئية، ثم لْيُعْلَمْ بالواو؛ لوجه اعتبار العدد، ولو ترابى كافران، فباع هَذَا دِرْهماً من ذاك بِدْرهَمَيْن، أو أقرضه درْهماً بِدرْهَمَيْن، ثم أسلما، أو ترافعا إِلينا قبله، فإن جرى التقابُضُ من قبلُ، لم نتعرَّض لما جَرَى، ولم يلزم الرد، وإِن كان قبل القبض، أَلْغيْنَاه، وإِن كان بعد قبض الدرهَمَيْنِ، راجعنا المؤَدِّي، وسألنْاه أقصد، أداءه عن الرِّبْح، أو عن رأس المال، وقدْ ذكَرْنا التفْصيل فيه في أواخر "كتاب الرَّهْنِ" وجميع ما ذكرناه، فيما إِذا جرى القبضُ عن تراضٍ، فأما إِذا جرى القَبْضُ بإِجْبَارِ قاضيهم في [ترابيهم] 1 وفي تسلُّم الصداق الفاسد، وفي ثمن الخَمْر، إِذا باعوها، ثم أَسلموا لم نُوجِب الرَّدَّ، فالإِسْلام يَجُبُّ ما قبله، وإِن ترافعوا إِلَيْنا، وهمْ علَى كفرهم، فقولان، ويقال وجهان:
أَحدهما: أَنَّا نكلِّفهم الردَّ؛ لأَن المؤدِّي، كان مُجْبَراً، والترافُعُ لا يَجُبُّ ما قبله.
وأَصحهما: أَنَّ لحكم كما لو جَرَى القبض عن تراضٍ، وكما لو أسلموا.
وعن الشيخ أَبي مُحَمَّدٍ طَرْدُ الخلاف، فيما إِذا أَسلموا، وقد جرى القبض بإِجبار قاضيهم.
وقال الإِمام: وهو منقَاسٌ؛ لأَن الالتزامَ بالتَّرافُعِ أَضعفُ من الالتزام بالإِسْلاَم، وإِذا ألزمنا المتَرافِعَيْن حكم الإِسلام، فَلأنْ نلزمه للمسلمين، كان أَولَى.
فرع: لَوْ نكح الكافرُ على صورة التفويض، وهم يعتقدُونَ أنْ لا مَهْرَ للمفوّضة بحال، ثم أسلم، فلا مهْرَ، وإِن كان الإِسلام قبل الْمَسِيسِ، لأَنه قد سبق استحقاق
وطء 1 بلا مهر، واللهُ أعلم بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهمَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا في أنْكِحَتِهِمْ أوْ غَيْرِهَا جَازَ لَنَا الحُكُمْ بِالحَقِّ، وَهَلْ يَجِبُ؟ قَوْلاَنِ، وَإِنْ تَعلَّقَ الخُصُومَةُ بِمُسْلِمٍ وَجَبَ الحُكْمُ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَي المِلَّةِ وَجَبَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَجِبُ في المْعَاهَدَيْنِ، وَلاَ نَحْكُمُ إِلاَّ إِذَا رَضِيَ الخَصْمَانِ جَمِيعاً بِحُكْمِنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا ترافع إِلينا ذمِّيَّان في نكاح أو غيره، إِن كانا متَّفِقَي الملَّة، ففيه قولان:
أَحدهما: انه يجب الحُكمُ بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] ولأنه يجب على الإِمام [أن] 2 يمنع الظُّلْم عنهم، فيجب أَن يحكُمَ بينهم كالمسلمين، وُيرْوَى هَذَا عن أَبي حَنِيْفةَ -رضي الله عنه- واختيار المُزَنِيِّ.
والثاني: وبه قَالَ مَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنه لا يجبُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] وعلى هذا فلا يتركهما علَى النزاعِ، بل يحْكُم أو يردُّهما إِلَى حاكم ملتهم 3، ورجَّح الشَّيخُ أَبو حامد وابن الصَّبَّاغِ القول الثانِيَ، وأَكثرهم علَى ترجيح الأوَّلِ، منْهم الإمام، وصاحب "التَّهْذِيبِ" والقاضي الرُّوَيانِيُّ، وفي محلِّ القولَيْن ثَلاثَةُ طُرُقٍ:
أَحدها: أنَّ القولَيْن في حقوق الْعِبَادِ، فأَما في حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، فيجب الحكم؛ لئَلاَّ تضيع، فإِنه لا مطالب بها.
والثاني: أَن القولَيْن في حقوق الله تَعَالَى، فأَمَّا في حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَيَجِبُ؛ لبنائها على التضييق.
وأظهرها: على ما ذكره الشيخ أَبو حَامِدٍ: طَرْدُ القولَيْنِ في النوعَيْن، وإِن كانا مختلفَيِ الْمِلَّةِ كاليهوديِّ والنصرانيِّ، فطريقان:
أَحدهما: وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ: طرد القولَيْن.
وأصحهما: وبه قال ابنُ أَبي هُريْرَةَ: القطْعُ بوجوب الحكم؛ لأَنَ كُلَّ وَاحِدٍ منْهما لا يرضى بحاكم ملة الآخر، فيدوم النزاع بينهما، ولو ترافَعَ إِلَيْنا معاهَدَانِ، لم يجب الحكْمُ؛ سواءٌ اتفقت ملتهما أَو اختلَفَتْ؛ لأَنهم لم يلتزموا الأحَكام، ولا [التزمنا] 1 دفع بعضهم عن بعض بخلاف أَهل الذِّمَّة.
وقيل: بِإلْحَاقِهِما بالذِّمِّيَّين.
وقيل: إِنْ كانا مختلفِيَ الملة [وجب] 2 وإِلاَّ، لم يجب، والأَظهرُ الأَول.
ولو ترافع إِلينا ذمِّيٌّ ومعاهَدٌ، فطريقان:
أَظهرهما: أَنهما كالذمِّيينْ، فيعود القولان.
والثاني: القطْعُ بوجوب الحُكُم كالذمِّيَّيْن المختِلَفِي الملة، وِإن كان أَحدُ الخصمين مسلماً، والآخر ذمياً أَو معاهَداً، وجب الحكم لا محالة؛ لمنع الظلم عن المسلم، أو منْعِهِ عن الظلم، وأَيضاً، فإن المسلم لا يمكنه النُّزولُ على حُكْم حاكم الكفار، فلا بُدَّ من فصل الخصومة بحكمنا وقوله في الكتاب "إِنْ كَانَا مختِلَفِي الْمِلَّةِ، وَجَبَ على الأَصَحِّ أي: من الطريقين، ويجوز مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يُرِيدَ على الأصح من القولين، جواباً على إِثبات الخلاف" وقوله: "ولا يجبُ في المعاهِدِينَ" معلم بالواو.
وأَما قوله "لا نحكم إِلا إذاً رَضِيَ الخَصْمَان جميعاً بحكمنا"، فالسابق إلى الفهم منه أنا حيْثُ قلْنا بوجوب الَحكم ف في الصورة السابقة، فذلك، إذا حصَلَ رضا المتخاصِمَيْنِ ولفظه في "الوسيط" يقتضي نَحْوَ ذلك، لكنه لا يلائم نقل [الأصحاب] 3 لأنهم على اختلاف طبقاتهم فرَّعوا على القولَيْن، فقالوا: إِنْ قلنا بوجوب الحُكْم، فإذا استعدَى خصم على خَصْم، وجب إِعداؤه، وِإحْضَارُ الخَصْم؛ ليحكم بينهما، ووجب
على المستعدي عليه الحضورُ، وإِن قلْنا: لا يجب الحكم، لم يجب الإِعداء، [ولا يلزمه الحضور] وإِذا أعدى، كان المستعدي عليه بالخيار في الحُضُور، ولا يحْضُر جَبْراً، وفي "التَّهْذِيبِ" وغيره أَن الذِّمِّيَّ، إِنْ أَقر بالزِّنَا، يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ جَبْراً، إِن قلْنا بِوُجُوب الْحُكْم بَيْنَهُمْ، وكذا لو سَرِقَ مَالَ مُسْلِمٍ أَو ذِمَّيٍّ، يقطع جبراً، وإن قلْنا: لا يجب اَلحكم بينهم، فلا يقام الحدّ إِلا برضاه، واعتبرا الرِّضَا على قولِ عَدَم الوجوب، وإِن لم يعتبروه علَى قول الوجوب، ويمكن على أَن يجعل قولُه، "ولا نحكم إِلا إِذا رضي الخَصْمَانِ جميعاً بحُكْمنا"؛ من تتمة قوله "ولا يجبُ في المعاهِدِينَ، فيستمر الكلام من غير مخالفةٍ".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو طُلِبَتْ نَفَقَةٌ في نِكَاحِ بَلاَ وَلِيٍّ وَلاَ شُهُودٍ حَكَمْنَا، وَإِنْ طُلِبتْ في نِكَاحِ مُحرَّمٍ أَوْ مُعْتَدَّةِ في الحَالِ لَمْ نَحْكُمْ، وَفِي المَجُوسِيَّةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ هذه البقية بَيَانُ أنَّ الْحُكُمَ بينَ أَهل الذِّمَّةِ أَوْجَبْنَاهُ أَو لم نُوجِبْ إِنَّما يكون على مُوجِبِ الإِسْلام، وإِذا ترافَعُوا إِلَيْنا في أَنكحتهم، فنقرِّرهم على ما نقرِّرهم عليه، أو أَسلموا، أَو نبطلْ ما نبطله، لو أسلموا؟ فإذا كان الكافرُ قد نكح امْرَأَةً بلا وَلِيٍّ، ولا شُهُودٍ، أَو ثَيِّباً بغير رضاها، وترافَعُوا إِلينا، قرَّرناهم، وحكَمْنا في هذا النكاح بالنَّفَقَة، وكذا لو نَكَحَ معتدَّةً، والعدَّةُ منقضية عنْد الترافُعِ، وإِنْ كانَتْ معتدَّةً بعدُ، ألغيناه، ولم نحكم بالنفقة ولو نكح المجوسيُّ محرماً، وترافَعَا في طلَبِ النفقة، فكذلك 1، ولو طلبتِ المجوسيةُ النفقة من الزوج المجوسِّي، أو اليهوديِّ، فوجهان، وكذا في تقريرِهِمَا على النِّكَاح.
الظاهر التقريرُ، والحكم بالنفقة، كما لو أسلما، والتزما أحكام الدين.
والثاني: الْمَنْعُ، وَبهِ قَالَ الإِصْطَخْرِيُّ واختاره القاضي حسين، ورجَّحه الإِمام؛ لأنَّ الْمَجُوسِيَّةَ لا يجوز نكَاحُها في الإسْلاَم، فَكَذَلِكَ لا يجوز تقرير نكاحِها، ولو جاءنا كافراً وتحته أُخْتَانِ وَطَلَبَتا فرض النفقة.
قال الإمام: فيه تردُّدٌ؛ لأَنا نحكم بصحَّة نكاحهما، وإِنَّما تندفع إحداهما بالإِسلام، قاَل: والذي أَرى القَطْعَ به المنْعُ؛ لقيامِ المانع، وحيثُ لا نقرِّر في هذه الصورة، فالقاضِي المرفوع إِليه مُعْرِضُ عنهما، أَو يُفرِّق بين الزوجين؟ فيه وجهان:
أَرجحُهما: عند الإِمام: الإِعراضُ، وإِنَّما يُفَرِّق، إذا رَضُوا بحكمنا.
وَوَجْهُ الثَّاني: أَنهم بالترافُع أَظْهَرُوا ما خالَفَ الملة، فأَشبه ما إِذا أَظْهَروا خمروهم.
وإذا التمسوا من حاكِم المسلمين ابتداءَ نِكَاحٍ، أجَاب إِنْ كانتِ المرأةُ كتابيةً، ولم يكنْ لها وليٌّ كافرٌ، ولا يزوجّ إِلا بشهود مسلمين.
وعند أَبي حَنْيِفَة -رَحِمَهُ اللهُ- إِنْ كَانَ الْخَاطِبُ ذِمّيّاً، يجوز أن يعقد النكاح بشهادة أَهْلِ الذِّمَّةِ.
فَرْعٌ: من "التَّتِمَّةِ" لو لم يترافَع المجوسيُّ إِلينا، ولكن عَلِمْنا فيهم مَنْ نكح مَحْرَماً، فالصحيحُ، وبه أخذ أَبُو حَنِيْفَةَ أَنه لا يُتعرَّض له؛ لأَن الصحابة عَرَفُوا من حال المجوسيِّ أَنهم ينكحون المحارم، ولم ينقرضوا لهم.
وَحَكى الزُّبَيْرِيُّ قولاً: أَن الإمام، إِذا عَرَفَ ذلك، فَرَّقَ بينهما، كما لو عرف أَن المجُوسِيِّ نكح مسلمةً أو مرتدةً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي زَيادَةِ العَدَدِ الشَّرْعِيَّ) فَإِنْ أَسلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ اخْتَارَ أرْبَعاً (ح)، وَانْدَفَعَ نِكَاحُ البَاقِيَاتِ، وَلاَ مَهْرَ لَهُنَّ إِلاَّ عَلَى قَوْلِ التَّصْحِيحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفَصْلُ معقودٌ لِبيان الحُكْم فيما إِذا أَسْلَمَ الكافر، وتحْتَه عددٌ من النِّسَوَةِ لا يُجْمَع بينهن في الإِسلام، وفيه صور الأُوَلى: إذا أَسلم، وتحته أَكثر من أَربع نسوة، فأَسلَمْنَ معه، أَو تخلَّفْنَ، وهنَّ كتابياتٌ، اختار أَربَعاً منهن واندفع نكاح البواقي، ولو كنَّ مجوسياتٍ أَو وثنياتٍ، وهنَّ مدخولٌ بهن، فتخلَّفْنَ ثُمَّ أسلَمْنَ قبل انقضاء عِدَّتهن منْ وقْت إسلام الزَّوْج، فكذلك الْحُكْمُ، ولا فرق في ذلك كُلَّه بيْن ما إِذا نكَحَهُنَّ معاً، أو نكحَهُنَّ على الترتيب، إِذا نكحهن على التَّرتِيبِ، فله إِمساكُ الأُخريَاتِ، ومفارقة الأُوَلَيَاتِ، وبه قال مَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَأَحْمَدُ وقال أَبو حنيفة: إِذا نكحهنَّ معاً، بَطَلَ نكاحُهُنَّ جميعاً، وإِن نكحهُنَّ على التَّرتيب، تعيَّنَت الأُولياتُ.
ودليلنا 1 ما رُوِيَ أَنْ غَيْلاَنَ أَسْلَمَ وَتَحْتُهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَمْسِكْ أَرْبَعاً، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" 2.
ورُوِيَ أَنَّ نُوفَلَ بنَ مُعَاويَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ فقال النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعاً" قَالَ: "فَعَمَدتُّ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ فَفَارَقْتُهَا" 3 ولو أَسلم عَلى أَكثر من أَربع وهنَّ غيْرُ مدخولٍ بهن وأسلمت معه أَربعٌ تقرَّر نكاحهن، وأرْتَفَعَ
نكاح المتخلِّفات، ولو كان قَدْ دَخَلَ بهن، فاجتمع إِسْلام الزَّوْج مع إسلام أَربعٍ منْهن لا غير في العدة، تعيَّن النكاح، حتَّى لو أَسلمتْ أَربعٌ من ثَمَانٍ تحْته [أو متن في الإِسلام، ثم أسلم الزوج وأسلمت] 1 الباقيات في عدتهن، تعينت الأُخرَيَاتُ، ولو أسلمتَ أرْبَعُ، ثم أَسْلَمَ الزَّوْج قبل انقضاء عدَّتهن، [وتخلفت الباقيات حتى انقضت عدتهن من إسلام وقت إسلام الزوج أو متن على الشرك تعينت الأوليات ولو أسلم أربع] 2 ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن ثم أسلمت أخريات قبل انقضاء عدتهن من وقت إِسلام الزوج اختيار أربعاً من الأوليات والأخريات كيف شاء، فإِن ماتَتْ الأوليات أو بعضُهُنَّ، جاز له اختيارُ المَيْتَات، ويرث منهن.
وقوله: في الكتاب "اختار أربعاً" مُعْلَمٌ بالحاء؛ لأَن عند أَبي حَنِيْفَةَ على الترتيب أو معا على ما تبين 3.
وقوله: "فلا مهر لهن إلاَّ على قول التصحيح" مكررٌ مذكورٌ من قبل.
فرع: قبل الكافر لابنه الصغير نكاح أَكثر من أَربع نسوة، ثم أَسلم، وأسلمن، اندفع نكاح الزيادة على الأربع، لكنَّ الصبيَّ ليس من أهل الاختيار، والوليُّ لا يقوم مقامه فيه، فإِن طريقه التنهي فيه فيوقف إلى أن يبلغ نفقتهن ويكون من ماله؛ لأَنَّهنَّ محبوساتٌ بسببه، وكذا لو أسلم الرَّجُلُ، وجُنَّ قبل أن يختار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا وَكَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا اخْتَارَ إِحْدَاهِمَا في قَوْلٍ، وَتَعَيَّنَتِ البِنْتُ عَلَى الأَصَحِّ؛ لأَنَّ نِكَاحَهَا يَدْفَعُ نِكَاحَ الأُمَّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَطْءٍ البِنْتِ تَعَيَّنَتِ البِنْتُ وَانْدَفَعَتِ الأُمُّ، وإِنْ كَانَ بَعْدَ وَطْءِ الأُمِّ انْدَفَعَتِ البِنْتُ وَبَقِيَ نِكَاحُ الأُمِّ إنْ أَفْسَدْنَا أنْكِحَتَهُمْ وإلاَّ انْدَفَعتْ أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصورةُ الثانيةُ: إِذا أَسلم الكافر، وتحته أُمٌّ وابنتها قد نكَحَهُما معاً، أَو على الترتيب، وأسلمتا معه، أَو لم يُسْلِمَا، وهما كتابيَّتان، فأمَا، إِنْ كان قد دخَلَ بهما، أو لَم يدخُل بواحدةٍ منهما، أَو دخَلَ بالبنْتِ دون الأُمِّ أو بالعَكْس.
الحالة الأولَى: إِذا كان قدْ دَخَل بهما، فهما مُحرَّمتان على التأبيد، أما الأَمُّ؛ فلأنه عقد على البنت، ودخل بها، وأَما البنْتُ، فلأنه دخَلَ بالأَمِّ، ولكل واحدةٍ منهما المسمَّى، إن جرت تسميةٌ صحيحةٌ، وإِلا، فمهْرُ المثل.
الحالية الثانية: إِذا لم يدْخُلْ بواحدةٍ منهما، فقولان.
أَحَدُهُمَا: أنه يختار أيَّتهما شاء، كما لو أسلم، وتحته أُختان، فإن اختار البنت، استقر نكاحُها، وحُرَّمت الأُمّ على التأبيد، وإِن اختار الأُمِّ لم تُحَرَّمِ البنتُ على التأبيد، بل لو فارق الأمَّ قبل الدخول، حَلَّ له نكاح البنت.
والثاني: وهو اختيار المُزَنِّي: أَن البنْتَ تتعيَّن وتندفع الأم؛ لأن نكاح البنْتِ يدفع نكاح الأُم، ولا ينعكس، وقد يُعبَّر عن الغرض بعبارة أخْرَى، فيقال: له إِمساكُ البنْتِ لا محالة، وهلْ له إمساكُ الأمَ؟ فيه قولان، والقولان مبنيانِ عند أَكثر الأئمَّة على الخلاف في صحَّة أنكحتهم، إن صحَّحناها، تعيَّنتِ البنْتُ، وحرمت الأم أبداً وإِلا تخير وقضية هذا البنَاءِ ترجيحُ القول الذي اختاره المُزَنِيُّ، وهو تعْيِينُ البنت، وإِلَيْه ذهب الشَّيْخَانِ أبُو عَلِيٍّ وَالصَّيْدَلاَنِيِّ، والإِمَامُ، وَصَاحِبُ "التَّهْذِيبِ"، وصاحب "الكتاب" وغيرهم.
ورجَّحِ الشيخ أَبُو حَامِدٍ ومن تابعه قوْلَ التخيير، ووافقهم الشيخ أَبو إِسْحَاقَ الشَّيْرَازِيُّ وفَرَّع ابنُ الحداد حُكْمَ المهر على القولَيْن هنا فقال: إِن قلنا بالتخيير، فللمفارقة نصْفُ المهر؛ لأَنه دفَع نكاحَها بإِمساك الأخَرى وإِن قلْنا بتعيين البنْت، فلا مهر للأم؛ لأنَّ نكاحها انْدفعَ بغَيْر اختياره وصنيعه.
وقال القَفَّالُ وغيره: الحكْمُ بالعكس، إِن خيَّرناه، فلا مهر للمفارقة؛ لأَن التخْيير مبنيٌّ على أَن أَنكحتهم فاسدة، [فالتي] 1 فارقها، كأَنه لم ينكحها قطٌّ، حتَّى جوَّز الأَصْحَابُ لابنه وأبيه نكاحَهَا؛ تفريعاً على هذا القول، وإِذا لم يَكُنْ نِكَاحٌ، ولا دخُولٌ فلا مهر، وإِن عَيَّنَّا البنْتَ، فللأم نصْفُ المَهْرِ لصحَّة نكاحها، واندفاعه بالإِسْلاَم، ومالَ الإِمامُ إِلَى أَنه لا يجبُ المَهْر [على هذا القول أيضاً] 2؛ لأنَّه صحَّ نكاح البنت، فتصير الامُّ محرماً، وإِيجاب المَهْرِ للمحرم بعيدٌ، وقد سبق نظير هذا.
الحالة الثالثة: إِذا دخَلَ بالبنْتِ دون الأُمِّ، فيقرر نكاح البنت؛ لأَنه لم يدْخُلْ بالأم، والعقد عليها لا يُحَرِّمُ البنت، ويحرم الأَم على التأبيد بالعَقْد على البنت أو الدخول، ولا مَهْرَ لها على قَوْله ابنِ الْحَدَّادِ، وعلى طريقة القَفَّالِ: يجِبُ نصف المهر إِن صحَّحنا أَنكحتهم.
الحالة الرابعة: إِذَا دَخَلَ بالأُمِّ دون البنت، حرمت البنت على التأبيد بالدخول بالأَم، وهل له إِمساكُ الأَم؟ يُبْنَى على القولين فيما إِذ لم يدْخُلْ بواحدةٍ منهما، إن خيَّرناه، فله إِمساكُ الأَم هاهنا، وإِن عيَّنَّا البنت، فلا، لأَن نكاح البنْتِ يحرِّمها، قال في "التهذيب": ولها مَهْرُ الْمِثْلِ بالدخول.
وقوله في "الكتاب"؛ لأَن نكاحها يدفع نكاح الأُمِّ وقوله بعد ذلك: "إِن أفسدنا أنكحتهم" بيان لمأخذ القولَيْن، وهو الخلاف في صحَّة أَنكحتهم على ما قدَّمناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإنْ أَسْلَمَ الحُرُّ عَلَى إِمَاءٍ اخْتَارَ وَاحِدَةً إنْ كَانَ عَاجُزاً عِنْدَ الالْتِقَاءِ فِي الإِسُلاَم، فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى ثَلاثٍ وَأَسْلَمَت وَاحِدَةٌ وَهُوَ مُعْسرٌ وَأَسْلَمَتِ الثَّانِيَةُ وَهُوَ مُوسِرٌ وَالثَّانِيَة وَهُوَ مُعْسِرٌ انْدَفَعَتِ الثَّانِيَةُ وَيُخُيَّرُ بَيْنَ الأُولَى وَالثَّالِثَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصورةُ الثالثةُ: قد مَرَّ أنه لو أَسلم الكافر، وتحته أمَةٌ، وأَسلمت معه، يجوز له إمساكُها، إِن كان ممَّنْ يحل له نكاحُ الإِماء، ولا يجوزُ إِن كان ممن لا تَحِلُّ له، وان تخلَّفت، نُظِرَ؛ إِن كان قبل الدخول، تنجزت الفرقة، سواءٌ كانَت كتابيةً أَو غير كتابية؛ لأن المسلم لا ينكح الأَمةَ الكتابيةَ، كما لا ينكح الوثنيةَ، وإِن كان بَعْدَ الدخول، وجَمَعَتِ العدةُ إِسْلامَهْما، فهو كما لو أَسلَمَتْ معه، وإِن كانَتْ كتابيةً، وَعَتَقَتْ في العدَّة، فله إِمْسَاكها، إِنْ لم تسلم، ولا عتقت أَو كانَتْ وثنيةً، ولم تُسِلْمْ إِلى انقضاء مدَّة العدَّة، فتبيَّن اندفاع النكاح من وقْت إِسلامه وإسلامهن [وإن كان تحته إماء وأسلم وأسلمن معه] 1 فيختار واحدةً مِنْهُنَّ، إِن كان ممن يحل له نكاحُ الإِماء عند اجتماع إسْلامه وإِسلامهن، وإِلا، فيندبع نكاحهن جميعاً، ولا فرق بين أَن يُسْلِمَ أَولاً أَو يسلمن أَوَّلاً، ولو أَسلم، وتحته ثلاثٌ، فأَسلمت معه واحدةٌ، وهو معْسرٌ خائفٌ من العَنَت، ثم أَسلمَتِ الثانيةُ في عدَّتها، وهو مُوسِرٌ، ثم أَسْلَمَتِ الثالثة، وَهُوَ مُعْسِرٌ خائف من العنت، فيندفع نكاحُ الثانية، لِفِقْدان الشَّرْط عند اجتماع إِسْلامه وإِسلامها، ويُخيّر بين الأَولَى والثالثة، وهذا مبنيٌّ على أَن ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ في اليسار أَنه إِنَّما يؤْثَرُ في اندفاع النكاح، إِذا اقترن بإِسلامهما جميعاً، وقد سَبَق أَنَّ من الأَصحاب مَنْ يَنْظُر إلَى وقت إِسلامه، ويكتفي به، فعلَى هذا لا تندفع الثانية أَيضاً [بل تدخل في التخيير] ويجُوزُ لذلك إِعلامُ قوله في الكتاب "اندفعت الثانية" بالواو وأَيضاً فقد حَكَى الإِمَامُ عن أَبيه أَنه إِذا حَلَّ له نكاح أَمة فأمَة أُخرَى في معناها، وإِلَيْه الخيرةُ فيهن جميعاً.
وقوله "وان كان عاجزاً عند الالتقاءِ" أي عن طَوْلِ الحُرَّةِ، ويعتبر مع ذلك خَوْفُ الْعَنَتِ.
فرْعٌ: أَسلم، وتحته إماءٌ، أَو أَسلمتْ معه واحدةٌ منْهنَّ، فله أَن يختار الَّتي أَسلمت، كما لو أَسْلَمْنَ جميعاً، وله أَن يتوقَّف، وينتظر إلى إسْلامِ الباقيات، فقد يكونُ بعضُهُنَّ آثر عنده، ثم إِن أَصْرَرْنَ على الشِّرْك، تبيَّن أَنهن بِنَّ من وقْتِ اختلاف الدِّين، وأَن عدَّتهن قد انقضَتْ، وإِن أَسَلَمْنَ العدَّة، فيُنْظَر؛ إِن كان قَدِ اختار الَّتي أَسْلَمَتْ أَولاً،
فتكون بينونتهن باختياره إِيَّاها، وإِنْ كان متوقِّفاً منتظراً، فأَسْلَمْنَ، اختار واحدةً منهن، وانْدَفَعَ نكاح الأُخْرَيَاتِ، ولو طلق التي أسلمت [أولاً] 1 كان الطلاق متضمِّناً اختيارَهَا، ثم إِنْ أَصرت الباقيَاتُ، حتى انقضتِ العدَّةُ، بأن [أنهُنَّ بِنَّ] 2 باختلاف الدِّين، وإِن أَسلمن في العدَّة، بَانَ أنهن بِنَّ من وقْتِ الطَّلاَقِ، فإنه وقْتُ الاختيار، وإِن فسخ نكاح الَّتي أَسلمتْ أَولاً، لم ينفذ؛ لأنَ الباقياتِ متخلفاتٌ وإنما ينفسخ النكاح، إِذا زدْنَ على العدد الجائِزِ إِمساكُهُ [وليس في الحال زيادة] ثم إِنْ أصررنَ اندفَعْنَ باختلاف الدِّين، ولزمه نكاحُ الأُولَى، وإن أَسلمن في العدَّة، اختار مَن شَاء من الْكُلِّ، وفيه وجه أنه بإِسلام الباقيات تبيَّن نفوذ الفسخ فيها، فلا يخْتَارُها، ولكنْ يختارُ واحدةً من الباقيات، والظَّاهِرُ الأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإنْ أَسْلَمَ عَلَى حُرَّةٍ وَإِمَاءٍ انْدَفَعَ نِكَاحُ الإِمَاءِ إلاَّ إِذَا تَخَلَّفَتِ الحُرَّةُ وَأَصَرَّتْ، فَإنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ عِدَّتِهَا انْدَفَعَ نِكاحُ الإِمَاءِ إِلاَّ إِذَا عَتَقْنَ قَبْلَ إِسْلاَم الحُرَّةِ فَيَلْتَحِقْنَ بِالْحَرَائِرِ الأصْلِيَّاتِ، وَلَوْ أسْلَمَ عَلَى إِمَاءٍ وَتَخَلَّفَتْ وَاحِدَةٌ ثُمَّ عَتِقَتْ وَأسْلَمَتْ قَبْلَ الْعِدَّةِ تَعَيَّنَتْ كَالْحُرَّةِ وَانْدَفَعَتِ الإِمَاءُ السَّابِقَاتُ، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَمَتَيْنِ وَتَخَلَّفَتْ أَمَتَانِ فَعَتَقَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمَتَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَتِ المُتخَلِّفَتَانِ انْدَفَعَ نِكَاحُهُمَا إِذْ تَحْتَ زَوْجِهِمَا عَتِيقَةٌ وَاخْتَارَ وَاحِدَةً مِنَ المُتَقَدِّمَتَيْنِ؛ إِذْ كَانَ عِتْقُهَا بَعْدَ إسْلاَمِهِمَا، وَإِسْلاَمُ الأُخْرَى لاَ يُؤَثِّرُ فِي حَقِّهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصورةُ الرابعة: إذا أسْلَمَ وتحته في نكاحه حُرَّةٌ وأربع إِماء -مثلاً- وأَسَلَمْنَ، نُظِرَ، إِن أَسلمت الحرَّةُ معه، أو كانَتْ مدخولاً بها، فأسلَمَتْ بعده في العدَّة، تعيَّنت الحرَّةُ، واندفع نكاحُ الإِماء، سواءٌ أَسلمن قَبْلَ إِسلامها، أَو بعْده، أَو تبيَّن إِسلامُ الزَّوْج والحُرَّة؛ لأَن القُدْرة على الحرَّة يمنع من اختيار الأمَةِ، وإِذا تأَخَّر إِسلامهن، فإِن أسلَمن في العدة، بِنَّ من وقتِ اجتماع إِسْلاَمِ الزَّوْج والحُرَّة، وعدَّتُهن من ذلك الوقْتِ، وإِن لم يُسْلِمَن، حَتَّى انقضت العدَّةُ، فبينونَتُهْنَّ باختلافِ الدِّين، إن لم يجتمعُ إِسلامُ الحُرَّة مع إِسلامه في العِدَّةَ، بأن أسلم الزوْجُ، وأَصرَّتْ هي إِلى انقضاء العدَّة، أو ماتَتْ في العدَّة، أو أسلمت هي أولاً، وتخلَّف الزوج إِلى أَن انقضَتْ عدتها، أَو ماتَتْ، فالحكْمُ كما لو لم يَكُنْ في نكاحه حُرَّةٌ، فيختار وَاحِدَةٌ من الإِماء على الوجه الذي سَبَقَ، وفي مدَّة تخلُّف الحُرَّة المدْخُول بها، لا يختار واحدة من الإِماء سواء 3 أسلمن
معَهُ، أَو بعْدَهُ في العَدَّة، حَتَّى يَقَعَ الْيَأْسُ منها بالْمَوْتِ أو انقضاء العدة، فإِن اختار واحدةً قبل اليأس، ثم ماتَتِ الحُرَّة، أو انقضَتِ العدَّة وهي مصرَّة 1 فقد نقل الْمُزَنِيُّ - (رَحِمَهُ اللهُ) - ما يُشْعر بنفوذ الاختيار السابق، وبأَنه في الابتداء موقوفٌ إلى أَن يظهر حال الحرَّةِ في الانتهاء.
وحكى الإِمامُ؛ أَن بعض الأصحاب غلَّطه، والصحيحُ تصحيحُ النقل، وحَمْلُهُ على أَحدِ القولَيْنَ في وقْته العقود، كما صوَّرنا في أول البيع، ومنْهم مَنْ يجعل الخلافَ في المسألة وجهَيْن، وجميع ما ذكرنا فيما إذا لم يَطْرأ على الإماء عِتْقٌ، فإِن طرأَ العتْقُ، قبل اجتماع إِسْلامِهِنَّ وإسلام الزوجِ، بأن عَتَقْن، ثم أسلم الزوج، وأَسلمن، أو أَسلَمْنَ، ثم عَتَقَنَ، ثم أَسلم الزوج، أو أَسلم الزوج ثُمَّ عَتَقْنَ، ثم أسلَمْنَ، فيلحقْنَ بالحرائر الأَصليَّاتِ، حتى لو أسلمتِ الحرَّةُ، ثم أسلمت الإِماء المتخلفات بعدما عَتَقْن، فهو كما لو أسْلَمَ على حرائر، فيختارُ منهنَّ أَربعاً كيْفَ شاء، وفي كتاب القاضي ابنِ كَجٍّ أَنَّ أبا الحسين القطان حَكَى وَجْهاً فيما إذا أَسلم، وتحْتَهُ حرائرُ وإماءٌ، وعتَقَتِ الإِماءُ، ثم أَسلَمْنَ أنه لا يجوز له إلاَّ اختيارُ الحِرائرِ الأصلياتِ، ولو تخلَّفت الحرةُ، واجتمع إِسلامه وإِسلامُهن، وهنَّ عتيقاتٌ، فله أن يختارهن، ثم يُنْظر، إن أَسلمتِ المتخلِّفة في العدَّة، بَانَتْ باختياره الأربع، وإن لم تُسْلِم، بَانَتُ باختلاف الدِّينِ، وإِن أَخَّرَ الاختيار انتظاراً لإِسلام المتخلفة.
ذكر الشيخ أَبُو حَامِدٍ أنه جائِزٌ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغ عنْدِي لا معْنَى لتأَخير اختيار الكُلِّ، فإِنَّه يلزمه نكاح ثلاثٍ منهن لا محالَةَ، فيختار ثلاثاً، ثم إِن أَسلمتِ المتخلِّفة في العدَّة، اختارها، أو الرابعة من العتيقات، وإِنْ لَمْ تُسْلِم، لزمه نكاح الرابعة من العَتِيقات، ولو أسْلَمَ، وليس في نكاحه إِلا الإِماءُ، وتخلَّفْنَ، وَعَتَقْنَ، ثم أَسلَمْنَ في العدَّةِ،.
اختار مِنْهُنَّ أرْبَعاً، كالحرائر الأَصليات، ولو أَسَلَمْنَ معه إلا واحدةً، ثم أَسَلَمَتِ المتخلِّفة في العدَّة بعْد ما عتَقَتْ، تعيَّنت [للنكاح] 2 كالحرَّة الأَصليَّة، وَلُوَ كانتْ تحْتَه أَربعُ إِماء، فأَسَلَمتْ معه اثنتان، وتخلَّفت اثنتان، فعتَقَتْ واحدةٌ من المتقدِّمتين، ثم أَسلمَتِ المتخلِّفات على الرِّقَّ، اندفع نكاحهما؛ لأن تحْتَ زوجهما عتيقةٌ عند اجتماع إِسلامهما وإِسلام الزوج، ولا تندفعُ الرقيقةُ المتقدِّمة؛ لأَن عتْقَ صاحبتها كان بعْد اجتماع إسلامها، وإِسلام الزوج، فلا يَؤثَّر في حَقِّها، بل يختار واحدةً منهما 3.
ولو كانَتْ تحْتَه إماءٌ فأَسلم الزوْجُ مع واحدةٍ، ثم عَتَقَتْ، ثم عتَقَ الباقياتُ، وأسلمْنَ، اختار أَربعاً منهن لالتحاقهن بالحرائر الأَصليات، وليس له اختيار الأُولَى؛ لأَنها كانَتْ رقيقةً عند اجتماع الإِسلاميين، فيدفع الباقيات العتيقات عند اجتماع الإِسلاميين لو كانَتْ تحته أربعُ إماءٍ، فأَسلمت معه اثنتان، ثم عتقتا، وعتقت المتخلِّفتان، ثم أَسلمتا، يتعيَّن الأخُريات للامساك؛ لحريتهما عند اجتماع الإِسلاميين، ولا يجوز إِمْسَاك الأوليين، لِرِقِّهما عند اجتماع الإِسلاميين، واندفاعهما بالعتقين 1.
ولو أسلم الزوْجُ وتخلَّفْنَ، ثم عتَقَتْ الاثنتان، ثم أَسلمتا، وأسلَمَتِ الأخريات، ثم عتقتا، يتعيَّن الأُوليان للإمْسَاك، ويندفعُ بهما الأُخْرياتُ، والنظر في جميع ذلك إِلى حالة اجتماع الإِسلاميين لَأنها حالة إمكان الاختيار، هذا كما أن النَّظَرَ في اليسار والإِعْسار، وفي خوف العَنَتِ، الأَمن منه إِلى حالة اجتماع الإِسلاميين.
وقوله في الكتاب: "اندفع نكاح الإِماء" يمكن إعلامه بالواو؛ بوجه قدَّمناه في أَن نكاح الأَمة لا يندفع بالحرة، وعلى ذلَك الوجْهِ يُمْسِكُ الحرَّة، ويختار واحدةً من الإِماء؛ (والله أعلم).
وقوله: "فإن أَسلمْتَ قبْلَ عِدَّتِهَا، اندفع نكاحُ الإِمَاء" يفيده قولُه أَولاً "اندفع نكاح الإِماء إِلا إِذا تخلفت وأَصرت" وإِنما أَعادهِ لِيَسْتَثْنِي منه؛ ما إِذا أَعْتَقن، كأَنه يقول: وإِنَّما يندفع نكاحُهُنَّ، إِذا استمر رِقّهن، أما إذا أُعْتِقْنَ، فلا.
وقوله: "ولو أسلم على أَمَتَيْنِ، وتخلَّفت أَمتان" وفي بعض النسخ، ولو أَسلم على أربع، وتخلَّفتِ اثنتان وكلُّ واحدةٍ منهما مؤدٍّ للغرض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ خِيَارَ لَهَا إلاَّ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَلَهَا تَأْخِيرُ الْفَسْخِ لِعُذْرِ انْتِظَارِ إسْلاَمِ الزَّوْجِ إِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَإنْ فَسَخَتْ نَفَذَ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ = هنا، وفي البسيط والوجيز وليس كذلك اختياراً له تعمده فما هكذا تذكر الاختيارات، وصوابه أنه لا يندفع نكاح المتخلفتين بل يتخير بين الأربع لأن عتق إحدى المتقدمتين كان بعد اجتماعهما على الإِسلام والقاعدة المقررة أن مثل هذا العتق لا يجعلها كالحرائر بل يبقى حكمها حكم الإِماء في حقها وفي حق غيرها وكان منشأ السهو أنه سبق وهمه إلى أنه لما كان عتق المتقدمة واقعاً قبل اجتماع الزوج والمتخلفتين في الإِسلام التحقت بالحرائر في حق المتخلفتين وهذا خطأ لأن الاعتبار في ذلك باجتماع العتيقة نفسها والزوج في الإِسلام لا باجتماع غيرها والزوج وهذه العتيقة كانت رقيقة عند اجتماعها هي والزوج في الاِسلام فكان حكمها حكم الإِماء في حقها وحق غيرها.
انتهى كلام ابن الصلاح وهو الصواب.
فَتَكُونُ عِدَّتهَا مِنْ وَقْتِ الْفَسْخِ فَإِنْ أَجَازَتِ ابْتَنَى عَلَى وقْفِ العُقُود، وَأمَّا العَبْدُ إنْ أَسْلَمَ عَلَى حُرَّةٍ فَلاَ خِيَارَ لَهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: أَصْلُ الفَصْل أَنَّ عِتْقَ الأَمَّة تَحْتَ الْعَبْدِ من الأسَباب المبيِّنة للخِيَار على ما سيأتي، وقد تعتق المنكوحة في "مسائِلِ المُشْرِكَات" مع عروض الإِسلام، والغرضُ الآن بيان حُكْمه وفيه مسألتان:
الأُولى: إِذا نكح العبدُ الكافرُ أمةً في الكُفْر، ثم دَخَلاَ في الإسْلاَمَ وعتَقت الأُمةُ، فينظر؛ إِن عتقت بعد اجتماع الإِسلاميين، فهي كسائِرِ الإِمَاءِ يُعْتَقْنَ تحْت العبد، وليس ذلك من صُورَ الباب، وإن عتَقَتْ قبل اجتماع الإِسلاميين، فللمسألة حالتان، [والغرض فيما إذا كانَتْ مدخولاً بها] 1.
الحالة الأُولَى: أَن تسلم هي أَولاً، ويتخلَّف الزوج، فلَيْسَ لها الإجازةُ سواءٌ عَتَقَتْ، ثم أَسْلَمَتْ، أَو أَسلمت ثم أَعْتَقَتْ لأَنَّها تعرض البَيْنُونة، فلا يَلِيقُ بِحَالِها اختيارُ الإقامة، لأَنها مسْلِمَةٌ فكيف تقيم تحْتَ كافرٍ، ولا يبْطُلُ بهذه الإِجازة حقُّها ومن الفَسخ، وإِن [اختارت] 2 الفسخ في الحال.
يجوز؛ لأَنه يلائم حالَها، ولا يلزمها الانتظارُ إلَى أَن يظهر حالُ الزَّوْج من الإِسلام والإِصرار على الكُفْر، لأَنَّها، لو أَخرت الفَسْخ إِلَى ما بعد إِسلام الزَّوْج كانت عِدَّتْهَا من يومئذٍ، فيدفع بالتعجيل طُولُ التربُّص، ثُمَّ إِذا فسخت، فإِن أسلم الزوج قبل أَن تنقَضِيَ مدَّة عدتها، فالعدَّةُ من وقْت الفسْخ، وتعتدُّ عدةَ الحرائر، وإِن لم يُسْلِمْ إِلى أَن انقضتِ المدَّة فعدتها من وْقت إِسْلامها، ويلغو الفسْخُ؛ لحُصُول الفِراقِ قبله؛ وتعتدّ عدَّةَ الحَرائرِ، إِن عتَقَتْ، ثم أَسلمت، وِإن أَسلمت، ثُمَّ عتقت، فهذه أمة عتقت في أثناء العدَّة، فتكمل عدَّة الحَرَائر، أَم تقتصر على عدة الإِماء؟ فيه طريقان للأصحاب.
أقربهما: إِلَى قضية نَصَّ الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- وهو الجواب في "الشَّامِلِ" وغيره أَنها كالرجعيَّة تُعْتَقُ في أَثناء العدَّة.
والأظهر: أَنها تكمل عدة الحرائر.
والثاني: أَنها كالبائنة تُعتق في أثناء العدة، والأظهر؛ فيها: الاقتصار على عدَّة الإِماء.
وموضعُ الخلاف فيهما "كتاب العدة ووجه الإِلحاق بالرجعية تمكين الزوج من استيفاء النكاح، واستدراك الأمر بالإِسلام يمكنه هناك بالرجعة، ووجه الإِلحاق بالثانية أن البائنة لا تكونُ بينونتها بانقضاءِ العدَّة، وكذلك هذه التي أَسلَمَتْ، ثم عتقت، وأصر
الزوج، فإنا نحْكُمُ بحصول البينونة من وقْتِ إِسلامها، بخلافِ الرجْعيَّة، فإِنهَّا تَبينُ بانقضاء العدة، ولو أَرادتْ تأْخِيرَ الفَسْخِ إلَى أَن يتبيَّن حال الزوج، يجوز، ولاَ يَبْطُلُ خِيَارُهَا كالرَّجْعِيَّة إِذا عتَقَتْ في العدة، والزوَج رقيق، يجوز لها التأخيرُ، ثم إِن لم يسلم الزوج إِلَى أَن انقضت مدة العدة، سقط الخيار، وعدتُها من وقْتِ إِسلامها، وتعتدُّ عدةَ الحرائر، إِن عَتَقَتْ، ثم أَسلمت، [وإن أسلمت] 1 ثم عتقت، فعدتها عدَّةُ الحرائر أم عدة الإِماء فيه الخلاف السابق، وإِن أَسلم الزوج، فلها الفسخ، وتعتد من وقْتِ الفسخ عدَّةَ الحرائر.
الحالة الثانية: إذا أَسْلَمَ الزَّوْجُ أوَّلاً، وتخلَّفت [وَعَتَقَتْ] 2 فظاهر المذْهَب ثبوتُ الخيارِ لتضررها برق الزوج وفي "التَّتِمَّةِ" أَن من الأَصحاب مَنْ لم يُثْبِتْ لها الخيار؛ لأَن خيار العِتْق من أَحكام الإِسلام، وهي كافرةٌ، فلا يثبت لها حُكْم الإِسْلام، وأما إِذا قلْنا بالظاهر فلها تأخير الفسَخ والإجازة، ثم إن أسلَمَتْ قبل مضيَّ مدَّة العدَّة، وفسختِ، اعتدَّتْ من يوم الفسخ عدَّةَ الحرائر، وإِن لم تسلم، حتى انقضَت عَدَّتها، بانَ حصولُ الفراقِ منْ وقْت إِسلام الزَّوْجِ، وتعتدُّ عدَّة الحرائر أم عدة الإِماء، فيه الخلاف السابق [و] قَالَ الإِمَامُ: والظاهرُ هاهنا إِلحاقُهِا بالبائِنَةِ؛ لأَنه لَيْسَ بيد الَزَّوْج شيءٌ، إِذا كانت هي المتخلِّفَةَ، ولو أَجازتْ قبل أَن تُسْلِمَ، لم تَصِحَّ الإِجازة؛ لأَنها لا تلائم حالَهَا؛ لأَنَّها تَعْرِضُ البينُونَةَ، وفي النِّهاية أَنَّ بعض الأئَمَّة حكى عن صاحب "التَّقْرِيب" أنها صحيحة، قال: ولم أَره في طريقه ولو فسخت فظاهر ما نقله المُزَنِيُّ 3 أَنه لا يصحُّ أَيضاً؛ لأنه حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ولو لم يتقدَّم إِسْلاَمُهُنَّ قبل إِسلامه، واخترن فراقه أَو المقام معه، خُيَّرْنَ حين أَسْلَمْنَ وألغى اختيار الفراق كاختيار المقام، وقد أَخذ بَهَذا الظاهر بعض نَفَرٌ من الأَصحاب، منْهم أبُو الطَّيِّب بنُ سَلَمَةَ ووجوهه بأنه لا حَاجَةَ بِهَا إلى الفْسْخ؛ لأَنها تنتهي إلى البَيْنُونَة، وإسْلاَمَها بيدها، إن أَسْلَمَتْ، فسخت، وإلاَّ، بَانَتْ وَقْتِ إسلامه، وليس كما إذا تخلَّف الزوج، فإن إسلامه لا يتعلَّق باختيارها، فلا يأمنُ أن يُسْلِمَ في مدة العدة.
وَقَالَ أكْثَرُ الأصْحَابِ يَنْفُذ الْفَسْخُ، كما في الحالة الأُولَى.
والإِسْلام وَاجبٌ، عَلْيها في الْحَالِ، فليس لها تأخيرُهُ إِلى انقضاء مُدَّةِ الْعِدَّةِ ثم من هؤلاء من لم يُثبِتِ النَّقْلَ عن الشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: المسألة مذكورةٌ في "الأم" وليس فيها اختيار الفسخ، وإنما المذكور اختيارُ المقام، فلا أدْرِي مِنْ أَين زاد الْمُزَنِيُّ اختيار الفَسْخ ومنهم من أوّل فقال قد ذكر اختيار الفسخ والمَقَام معاً؛ لكنَّه أجاب عن اختيار المقام خاصَّة وقد يفعل الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِثْلَ ذَلِكَ.
المسألة الثانية: أسلم الزوْجُ الرقيقُ، هَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِزَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ؟.
فيه وجهان:
أظهرهما: على ما ذَكَرَ الإمَامُ وَالْمُتوَلِّي: المنعُ، وبه قَالَ ابنُ أبي هُرَيْرَة: لأنها رَضِيَتْ بِرِقِّهِ أولاً، ولم يحدُثْ فيهَا عِتْقٌ.
والثاني: يثبت، وبه قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ؛ لأنَّ الرِّقَّ نَقِصِ في الإِسلام من حَيْثُ إن الرقيق لا يساوي الحرَّ في الإِسلام وفي الشرك يتميز الحرُّ عن الرقيق، وَهَذَا ظَاهِرُ النَّصِّ؛ لأنه قال "في الْمُخْتَصَرِ": ولو كان عبد عنْده إماءٌ وحرائرُ مسلماتٌ وكتابياتٌ ولمْ يَخْتَرْنَ فراقَهُ، أمْسَكَ اثْنَيْنِ بشَرْطِ ألا يخترن فراقه، ومن قال بالأول، ادَّعَى أنَّ الجواز يرجع إلى الإمَاء خاصَّة، والمراد ما إذا قال الدَّارِكِي: وهذا الخلاف في حَقِّ أهل الحرب، فأما الذِّمَّيةُ مع الذِّمِّيِّ، فَلاَ خِيَارَ لَهَا؛ لأنَّها رَضِيَتْ بأحكامنا، وقوله في الكتاب "وإن جازت ابْتَنَى على وقْفِ العقود" جهة الوقْف أن الإِجازة إنما تفيد بتقدير إسلام الزوج، أما إذا أصر فلا يُتَصوَّر إقامةُ المسلمةِ تَحْتَ الكافر، لكن تُخرَّجُ المسألة على وقْف العقود، ولم يذْكُرْه سائر الأصحاب، ولا تعرَّض له صاحبُ الكتاب في "الْوَسِيطِ" بل أطلقوا القول بِالْبُطلاَنِ عَلَى مَا مَرَّ.
وقولُهُ: "وَأَمَّا الْعَبْدُ، إِنْ أَسْلَمَ عَلَى حُرَّةٍ" قَدْ يُوهِمُ اختصَاصَ الكلام في الحرَّة، وأورد في "الوسيط" الوجهَيْنِ فيما إذا أسلَمَتِ الحُرَّة، ولا اختصاصَ لها بِالحُرَّة ولا بما إذا أسْلَمَتْ، بل هما جاريان في الحرَّة والأمة، وفيما إذا أسَلَمَتِ الزَّوْجة، وفيما إذا لم تُسْلِم، إذا كانتُ كتابيةً، لِذَلِكَ ذَكَرَهُ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وغيره، وقوله "ولا خيار لها" معْلَمٌ بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ اثْنَتَيْنِ أبَداً مِنَ الحَرَائِرِ وَالإِمَاءِ؛ لأَنَّ الأَمَةَ في حَقِّهِ كَالْحُرَّةِ، فَإنْ عَتَقَ قَبْلَ إِسْلاَمِهِنَّ الْتَحَقَ بِالحُرِّ فَلاَ يَخْتَارُ مِنَ الإِمَاءِ إلاَّ وَاحِدَةً وَيخْتَارُ مِنَ الحَرَائِرِ أَرْبَعاً، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ انْدَفَعَ نِكَاحُ الإِمَاءِ، وَإِنْ أسْلَمَ مَعَهُ حُرَّتَانِ ثُمَّ عَتَقَ فأسْلَمَتِ البَاقِيَاتُ مِنَ الحَرَائِرِ فَلاَ يَزِيدُ عَلَى اثْنَتَيْنِ، لأَنَّهُ وَجَدَ كَمَالَ عَدَدِ العَبِيدِ قَبْلَ الحُرِّيَّةِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَعَتَقَ ثُمَّ أَسْلَمَ البَاقِيَاتِ اخْتَارَ أَرْبَعاً؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ كَمَالُ العَدَدِ قَبلَ الحُرِّيَّةِ، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَرْبَعِ إِمَاءٍ فَأَسْلَمَتْ ثِنْتَانَ، ثُمَّ عَتَقَ فَأَسْلَمَتِ المُتَخَلِّفَتَانِ
يَخْتَارُ الأُوْليَيْنِ وَلاَ يَخْتَارُ المُتَخَلِّفَتَيْنِ، وَهَلْ يَخْتَارُ وَاحِدَةٌ مِنَ الأَوْلَيَيْنِ وَوَاحِدَةٌ مِنَ الأخْرَيَيْنِ؟ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَخْتَارُ الأُخْرَيَيْنِ أَيْضاً إنْ شَاءَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: العبْدُ الكافرُ، إذا أسلم، وتحْتَه أكثر من امرأتين، وأسلمن معه، أو بعده في العدَّة، إن كان قد دَخَلَ بِهِنَّ يَخْتَارُ اثنتين منهنَّ، سواءٌ كُنَّ حرائر، أو إماءً، وإن كُنَّ حرائرَ وإماءً، فإن شاء، اختار حُرَّتَيْن، وإنْ شاء، أَمَتَيْنِ، وإن شاء، حُرَّةً وأمَةً، ولو سَبَقْنَ إلى الإِسْلام.
ثم أسلم قبل انقضاء عِدَّتِهِنَّ، فكذلك الحكْمُ، ولو طرأ العِتْقُ عليه، وكان قد تزوَّج في الشِّرْك بعدد من النِّسْوة، فيُنْظر؛ إن عتق بعْد اجتماع الإِسلامين، لم يختر إلاَّ اثنتين، ولم يُؤَثِّرِ الْعِتْقُ في اختياره، زيادةً، وإن عَتَقَ قبل اجتَماعَ الإِسلامين؛ بأن عَتَقَ قبل إسلامه وإسلامِهِنَّ، أو بين إسلامه وإسلامِهِنَّ، تقدَّم إسلامه أم تأَخَّر، فحكمه حكْمُ الأَحرار، وللزَّوْجَاتِ أحوالٌ ثلاث:
الحالة الأولى: أن يتمحض حرائر، فيختار أربعاً منْهُنَّ، ولو أسلمتْ منهن ثنتانِ معه ثم عَتَقَ، ثم أَسْلَمَتِ الْبَاقِيَاتُ، فليس له إلا اختيار ثنتين؛ إما الأُوِليين أو ثِنْتَيْنِ من الباقيات، أو واحدةً من الأوليين، وواحدةً من الباقِيَاتِ، وإن أسلمتْ معه واحدةٌ، ثم عَتَقَ، ثم أسْلَمَ الباقياتُ، فله اختيارُ أربعٍ مِنْهُنْ، والفرقُ: أَنَّه إذا لم يُعْلِمْ معه إلاَّ واحدةٌ لم يكمل عدد العبيد، وإذا أسلمتُ اثنتان، ثم عَتَقَ، كَمْلَ عدد العبيد قَبْل العِتْق فحدوث الحرية من بعْد لا تفيد زيادةً عليه، وشبَّهوا الصورتَيْنِ بما إذا أطلَّق العبْدُ امرأة طلقَتَيْنِ، ثم عَتَقَ لم يملكْ بالعِتْق طلقةً ثالثةً، ولم يَجُزْ لَهُ نِكَاحُهَا إلاَّ بِمْحَلِّلٍ، ولو طلقها طَلْقَةً، ثم عَتَقَ، ونكحها، أو راجَعَها، ملَكَ طلقتين، وبما إذا عتقتِ الأمةُ في القرءين تُكْمِلُ ثلاثة أقراء، وإن عتَقت بعْد تمامها، لم يلزمْها شيْءٌ آخرُ، وبما إذا كانَتْ تحته حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، يقسم للحرَّةِ لِيلَتَيْنِ، وللأمة ليلَةً، ثم عَتَقَتِ الأمةُ، إن عتقت بعْد تمام ليلتها، لم تستحقْ زيادةً، وإن عَتَقَتْ قبل تمامِهَا، كمَّل لها ليلَتَيْنِ.
وذكر الأصحاب عِبَارَةً جامعةً لهذه المسائِلِ، فقالوا: الرِّقُّ والحُرِّيَّةُ، إذ تبدَّل أحدهما بالآخر، فإنْ بَقِيَ من العدَدِ المعلَّق بكل واحد من الزائِلِ والطَّارئ شيْءٌ، أثَّر الطارئُ، وكان الثابتُ العددَ المعلَّقَ به زائداً كان أو ناقصاً، وإن لم يَبْقَ شَيْءٌ منهما جميعاً، لم يؤثِّر الطارئُ، ولم يغيِّر حكماً، فإذا أسْلَم معه حُرَّتَانِ، ثم عَتَقَ، لم يبْقَ من العدَدِ المعلَّق بالزائدِ شيْءٌ، وبقي العدَدُ المعلَّق بالطارئ اثنتان، فلم يَثْبُتِ العددُ المعلَّق بالطارئ، وإذا أسلَمَتْ معه واحدةٌ، بَقِيَ من العدد المعلَّق بالزَّائِلَ شيْءٌ ومن العدد المعلَّق بالطارئ شيْءٌ، فأثَّر العتْقُ، وثبَتَ حكْمُه، وعلَى هذا قياسُ باقي المسائِلِ، وعلَى هذا الأصْلِ؛ قَالَ ابنُ الْحَدَّادِ: لو طلَّق الذِّمِّيُّ زَوْجَتَة طلْقَتَيْنِ، ثم الْتَحَقَ بدارِ
الحَرْب ناقضاً للْعَهْد، فسُبِيَ واسْتُرِقَّ، ونكح تلْكَ المرأة بإذْن مالكه، يَمْلِكُ عليها طلْقةً؛ لأنه بَقِيَ من عدد الزائل شيْءٌ، ولم يبْقَ من العدد الطارئ شيْءٌ، فلم يؤثِّرِ الطارئُ، ولو كانَ قَدْ طلَّقها طلقةً، فإذا نَكَحَهَا، لا يَمْلك عليها إلا طلْقةً؛ لأنه قد بقي من العددِ الزائلِ طلْقَتَانِ، ومن العدَدِ الطارئ طلقةٌ، فكان للثابت حكمُ الطَّارئ، وهو الرِّقُّ هاهنا، وهذه الصورةُ مع صورة حدُوثِ العِتْق بعْد تطليق العَبْد طلقةً أو طلقتيْن مذكورتان في الكتاب في كتاب "الطلاق"، واعْرِفْ بعد هَذَا شيئَيْنِ:
أحدهما: أنَّ القاضِيَ ابْنَ كَجٍّ ذَكَرَ أن أبا الحُسَيْن، حَكَى وَجْهاً؛ أنَّه إذا أسلَمَتْ معه واحدةٌ، ثم عَتَقَ، ثم أسْلَمَتِ الباقياتُ لا يختار إلا اثنتين، كما لو أسلَمَتْ معه اثنتان، وفي شَرْحِ الشَّيْخِ أبي عليٍّ حكايةُ وجهٍ في صُورَةِ ابنِ الْحَدَّادِ؛ أنه إذا طلَّق طلقتين، ثم سبق واسترق لم يكن له أن ينكحها إلاَّ بمحلِّل، وَهُمَا غَرِيبَانِ.
الثَّانِي: قال الإِمام -رَحِمَهُ الله-: المسائلُ المستَشْهَدُ بها قَدْ تنفصل في نظَرِ الفقيه عن هذه الْمَسْألَةِ، وذَلك؛ لأن العبد إذا طلَّق طلقتين، وقع الحكمُ بالتحريم المحْوِج إلى المحُلِّل، فحصولُ العتق بعْده لا يؤثِّر في رفْعِهِ فإذا مضَى قرءان، وقع الحكْمُ ببراءة الأمة، وبحلِّها للأزواج، وكذا في باقي النَّظَائِرِ، وههنا لا يَصِيرُ مستوفياً لحقِّه بإسلام اثنتين معه، وإنَّما يصير مُتَمَكِّناً من الاستيفاء، والتمكن من الشيء، لا يحلُّ محلَّ الشيء لكن المنقولُ ما تقدَّم.
الحالةُ الثَّانيةُ: أن يتمحَّضْنَ إماءً، فإنْ كُنَّ قد عَتَقْنَ عنْد اجتماع الإِسْلامين، اختار مِنْهُنَّ أَرْبَعاً، وإلاَّ، فَلاَ يَخْتَارُ إِلاَّ وَاحِدَةً بِشَرْطِ الإعْسَار وخوْفِ الْعَنَتِ، ولو كان تحْتَه أربعُ إماءٍ، فأسلمَتْ معه اثنتانِ، ثم عَتَق، ثم أسلمتِ المتخلِّفتان، لم يكن له إلاَّ اختيار اثنتين؛ لأنه وجد كمال عدد العَبِيد قَبْل العتق، ويجُوزُ اخْتِيَار الأُوليين؛ لأنَّه كانَ رقيقاً عنْدَ اجتماع إسْلامه وإسْلاَمِهِما، ولا يَجُوزُ اخْتِيَارُ المتخلِّفتَيْن؛ لأنه كان حُرّاً عنْد إسْلاَمِهِما، ولا يجُوز للحُرِّ إمساكُ الأمة، وفي حكْم نكاحِهِ حرَّةٌ، وَهَلْ يختار واحدةً من الأُوَلييْنِ وواحدةً من الأُخريين؟.
حَكَى الْفُورَانِيُّ فِيهِ وَجْهَيْن:
أصحهما: المنع، وعن القاضي حُسَيْن؛ أنَّه يجوز اختيارُ الأخريين أيضاً؛ لأنَّهُما اجتمعتا معَهُ في الإِسْلام قَبْل انقضاءِ العدَّة، فأشبهتِ الأوليين، ولو أن المتخلِّفتين عَتَقَتَا بعْد عتقه، ثم أسْلَمَتا، فله اختيار الأخريين، وله اختيارُ واحدةٍ من الأوليين وواحدةٍ من الأخريين؛ لأنهما، والحالةُ هذه، حرَّتانِ عند اجتماع إسْلامه وإسْلاَمِهِما، فصار كما لو كانَتْ تحته أربعُ حرائر، وأسلمتْ معه اثنتانِ، ثم عَتَق، ثم أسلَمَتِ الأُخريان، يختارُ اثنتَيْنِ، كيف شاء، ولو أسلمتْ معَه واحدةٌ من الإِمَاءِ الأَرْبَعِ، ثم عَتَقَ، ثم أسلَمَتِ
البواقي قَالَ في "التَّتِمَّةِ" لا يختار إلاَّ واحدةً على ظاهِرِ المذْهَب، وهذا هو الجواب في "التَّهْذِيبِ" لكن قياس الأصْلِ الذي سبق أن يجُوزَ له اختيارُ اثنتين؛ لأنه لَمْ يَسْتَوْفِ عدد العبِيدِ قبل العتق.
وإذا قلْنا: إنه لا يختار إلاَّ واحدةً، فيتعيَّن الذي سبَقَ إسلامها.
كذا ذَكَرَ صَاحِبُ "التَّهذِيبِ" "والتَّتِمَّة".
قَالَ في "التَّتِمَّةِ" وعلَى طريقَةِ القاضي؛ يختار في الجُمْلة واحدةً، وعكَسَ الإمام فحكى عن القاضي أن الأُوَلى تتعيَّن، وعدها هَفْوةً منه.
وعن سائر الأصْحَاب: أنه يختار من الجُمْلة واحدةً، ولو عتَقَتِ البواقِي في صُورة إسْلام الواحدةِ معه، ثم أَسْلَمْنَ؟ قَالَ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ": له إمساكُ الكلِّ؛ لأنَّه لم يستَوْفِ عدد الرِّقِّ قبل العتق، فله إمساك الأُولَى؛ لأنه كَانَ رَقِيقاً عند اجتماعِ إِسْلاَمِهِ وإِسْلامِهِنَّ، والبواقي كُنَّ حرائِرَ عند اجْتماعِ إسْلاَمِهِ وإسْلاَمِهِنَّ، فله إمساكُهُنَّ؛ لأنَّ إدخالَ الحَرَائِرَ عَلَى الإِماء جائز.
الحالة الثالثة: إذا كُنَّ حَرَائرَ وإماءً، فيندفع نكاح الإِماء، ويختار من الحَرَائر أربعاً، إن زدْنَ على أربعٍ، وإلاَّ، فَيُمْسِكُهنَّ، ولو كان قد نَكَحَ حُرَّتَين [وأمتين] 1 وأسلَمَتْ معه حُرَّة [وأمة] 2 ثم عَتَق، ثم أسلَمَتِ المتخلِّفتان، فلا يختارُ إلاَّ اثْنتَيْنِ؛ لاستيفاء العدَدِ قبل العتق، وله اختيار الحرَّتَيْنِ، واختيار الأمة الأولَى مع حرَّة، وليس له اختيارُ الثانية معَ حُرَّة؛ لأنَّه كان رَقِيقاً عند اجتماع إسلامه وإسلام الأولى وحراً عند اجتماع إسلامه وإسلام الثانية، ولا يجوز له اختيارُ الأمة، وفي حُكمِ نكاحِهِ حرةً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الْفَصْلُ الثَّالِث في الاخْتِيَارِ) وَلَهُ طَرَفَانِ: (أَحَدُهُمَا: أَلْفَاظُهُ) وَلاَ يَخْفَى صَرِيحُهُ، وَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً تَعَيَّنَتُ للِنِّكَاحِ، وَلَوْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى لَمْ تَتَعَيَّنْ، وَلَوْ قَالَ: فَسَخْتُ نِكاحَهَا وَفُسِّر بِالطَّلاَقِ تَعَيَّنِ للِنِّكَاحِ، وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى تَعْيينَها لِلْفِرَاقِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَقَدِ اخْتَرْتُكِ لِلنِّكَاحِ أَوْ لِلِفِرَاقِ لَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيقُ، فَلَوْ قَالَ: فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ وَحَصَلَ الاخْتِيَارُ ضِمْناً، وَالوَطْءُ هَلْ يَكُونُ كَتَعْيينِ النِّكَاحِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ قَالَ: حَصَرْتُ الْمُخْتَارَاتِ في سِتَّةٍ مِنَ الجَمَاعَةِ انْحَصَرَتْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَقَد الفصل؛ لبيان ألفاظ الاختيار وأحْكَامِهِ.
أما الألفاظ، فمثل أن يقول: اخْتَرْتُ نِكَاحَكِ، أو تقريرَ نكاحِكِ، أو حَبْسَكِ، أو
عَقْدَكِ، أو اخترتُكِ، أو أمسكْتُ نكاحَكِ، أو [أمْسَكْتُكِ] 1 أو ثَبَتَ نكاحُكِ، أو ثَبَّتُّكِ، أو حَبَسْتُكِ على النِّكَاح، وإيراد الأئمة يُشْعر بأنَّ جميع ذلك صريحٌ، لكنَّ الأقرب أن يُجْعَلَ قوله: اختَرْتُكِ، وأَمسَكْتُكِ من غير تعرُّض للنكاح كِنَايَةٌ 2، وإذا كان تحته ثَمَانِ نِسْوَةٍ مثلاً، وأسلمن معه، فاختار أَرْبَعاً منْهنَّ للفسخ، وهو يريدُ حلَّه بلا طلاقٍ، لزم نكاح الأربع البواقي، وإن لم يتلفَّظْ في حَقِّهِنَّ بشيءٍ ولوْ قَالَ لأربعٍ: أريدُكُنَّ، أو لأربعٍ: لا أريدُكُنَّ، قَالَ في "التَّتِمَّةِ": يحصُلُ التعْيينُ بذلك، وقياسُ ما سبَقَ حصُولُ التعْيين بمجرَّد قوله: أريدُكُنَّ 3، ثم فيه صورٌ:
الأولَى: إذا طلَّق واحدةً أو أربعاً مِنْهُنَّ، كان ذلك تَعْييناً للنكاح؛ لأن المنكوحة هي الَّتي تخاطَبُ بالطَّلاَق، ويقع عليها الطَّلاق، وينقطعِ نكاحُ الأرْبَعِ المطلَّقات بالطَّلاق، ويندفع نكاحُ الباقياتِ [بالفسخ] بالشَّرْع، ولو طلَّق أرْبعاً لا على التَّعْيينِ، أُمِرَ بالتعيين، وإذا عيَّن، فالحكم ما ذَكرْنا، هذا هو المشهور.
وفي "التَّتِمَّةِ" وَجْهٌ آخَرُ: أنَّ الطلاق ليْسَ تَعْييناً للنِّكاح؛ لأنه روى في قصة فيروز الدَّيْلَمِيِّ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ: "طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" 4 ولو كان الطَّلاقُ تعييناً للنكاحِ، لَكَانَ ذلك تَفْوِيتاً لنكاحهما علَيْه.
ولو ظَاهَر آلَى من واحدةٍ أو عَدَدٍ، فوجهان:
أحدُهما: أَنَّ ذلك تعيينٌ للنكاح؛ لأنهما تصرُّفان مخْصُوصان بالنكاح كالطَّلاَق.
وأصحُّهما: وهو المذْكُور في الكتاب: المَنْع؛ لأن الظِّهَارَ وَصْفُ، بالتحريم، والإِيلاء حلف على الامتناع من الوطْءِ وكُلُّ واحدٍ من المعنَيَيْنِ بالأجنبية ألْيَقُ منه بالمنْكُوحة، وعلى هَذَا، فَإِنِ اخْتَارَ التي ظاهَرَ منْها أو آلَى للنكاح، صَحَّ الظِّهارُ والإِيلاَءُ، وَيكُونُ ابتداءُ مدَّة الإِيلاَءِ من وقْتِ الاختيار، وحينئذٍ، يصيرُ عائداً، إن لَمْ يفارقها.
ولو قذَفَ واحدةً منهنَّ، فعلَيْه الحدُّ، إن كانتْ محْصَنَةً، ولا يسقط إلا بالبينة، إن اختار غَيْرَ الْمَقْذُوفَةِ، وإنِ اختارها، سَقَطَ بِالْبَيِّنَةِ وباللِّعَان.
الثانية: لو قال: فَسَخْتُ نِكَاحَ هَذه، أَوْ نِكَاحَ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ، وَأَرَادَ الطَّلاَقَ، فهو
اختيارٌ للنكاح، وإنْ أَرَادَ الفراق، أو أطْلَقَ حُمِلَ على الاختِيار للفراق، وأُلْحِق بما إذا قال: فسَخْتُ نكاحَ هذا قوله "اخترت هذه للفسخ".
وقوله: "هذه للفسخ" من غير لفظ الاختيار، ولو قال لواحدة: "فارقتك" 1 فَعَنِ القاضي أَبِي الطَّيِّب أنَّهُ كقوله "طلقتك"؛ لأن الْفِرَاقَ صَرِيحٌ في الطَّلاَقِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يكون فَسْخَاً، كما لو قال: اخترتُ فراقَهَا أو لا أريدُهَا وهذا أظهر عند صاحب "الشَّامِلِ" والْمُتَوَلِّي وغيرهما، واحتجوا له بما رُوِيَ أَنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِغَيْلاَنَ "اخْتَرْ أَرْبَعاً وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ".
فَرْعٌ: لو اختار الجميعَ للنِّكاح، فهو لغْوٌ؛ لامتناع الجمع بَيْن الزيادَةِ عَلَى أربع، ولو اختار فَسْخَ نكاح الجَمِيعِ، فكذلك؛ لأنَّ النكَاحَ مقرَّرٌ في أربع لا سبيل إِلَى فسخه، مندفعٌ في البواقي، وإنما الذي إليه التَّعْيين، ولو خاطَبَ الجميعَ بالطَّلاق، وقَع الطَّلاق على الارْبَع المنكوحاتِ، وتبْقَى الحاجَةُ إلى التَّعْيين.
الثالثة: إذا قال إن دخلْتِ الدَّارَ، فقد اخترتُكِ للنكاح أو الفَسْخِ، لم يَصِحَّ؛ لأن تعليق الاختيار لا يجوز؛ لأنَّه، إن نُزِّلَ منزلة الابتداء، كان تعليقه كتعَليق النكاح، وإن نزل منزلة الاستدامة، فإن تعليقه كتَعْلِيقِ الرَّجْعَةِ، وأيضاً، فإنه مأمور بالتَّعْيين، والاختيار المعلَّق ليس بتعيين.
وحكَى أَبُو الْفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ وَجْهاً أن تَعْليقَ الاختيار للفَسْخ يجوز تَشْبِيهاً بالطَّلاَقِ، فإنَّ كلَّ واحدةٍ منهما سببُ الفراق، والظاهر الأول، ولو قال: إنْ دخلْتِ الدَّارَ، فَأنْتِ طَالِقٌ، فقد ذُكِرَ وجهٌ: أنه لا يجوز؛ لأن الطلاق اختيارٌ للنكاح، وتعليق الاختيار ممتنعٌ، والصحيحُ جوازُه، تغليباً، لحكم الطلاق، والاختيار يحصل ضمناً، وقد يُحْتَمَل في العقود الضمنية ما لا يُحْتَمَل عند الانفراد والاستقلال، وهذَا كما أن تعليق الإِبْرَاء لا يجوز، ولو علَّق عتق المكاتب، يجوز، وإن كان ذلك مُتَضَمِّناً للإبراء، وكما أن تعْلِيقَ التمليك لا يجوز، ولو قَالَ: اعْتِقْ عبدك، إذا جاء الغدُ على كذا، ففعل، صحَّ، وإن كان ذلك متضمناً للتمليك، ولو قال: إنْ دخلْتِ الدَّارَ، فنكاحُكِ مَفْسُوخٌ، إن أراد الطلاق، نفَذَ، وإلا، ونظيرُ هذه الصورة ما إذا أسلم الزَّوْجُ، وهنَّ متخلِّفاتٌ، فقال: كلَّما أسلمتْ واحدةٌ مِنْكُنَّ، فقد اخترتها للنِّكَاحِ، لَمْ يَصِحَّ، ولو قال: فقد طلَّقْتها، يجُوزُ على الأَصح، ولو قال: فقد فسخْتُ نكاحَهَا، فإن أراد حلَّه بلا طلاق لم يجُزْ؛ لأنَّ تعليق الفسخ لا يجوز، وأيضاً، فإنَّ التعْيينَ للفَسْخُ، قبل استيفاء العدَدِ الجائزِ غيرُ جائز، وإن أراد الطلاقَ، جاز، وإذا أسلمتْ واحدةٌ طُلِّقت، وحصل
اختيارها ضِمْناً، وهكذا إلَى تمام الأرْبَع، ويندفع نكاح الباقيات.
وحكى الإِمَامُ وَجْهاً آخَرَ؛ أن تفسير الفسخ بالطلاق غيرُ جائز 1.
الرابعة: الوطْء، هل يكون اختيارًا للموطوءة؟.
حَكَى الشَّيخُ أبُو عَلِيٍّ فيه طريقين:
أظهرهما: أنه علَى وجهين كالوجهين أو القولين فيما إذا طلَّق إحدَى زوجتَيْهِ، علَى الإِبْهَامِ، ثم وَطِئَ إحداهما، هل يكون ذلِكَ تعييناً للنِّكاح فيها، وللطلاقِ في الأخْرَى.
والثاني: القطع أنَّه لا يكونُ اختياراً؛ لأنَّ الاختيارَ في "باب نكاح المُشْرِكات" حكمُهُ حُكْمُ الابتداء، ولا يصحُّ ابتداءُ النكاح إلاَّ بالقول، بل إمساكه واستدامته لا تحصل إلا القَوْلِ؛ ألا تَرَى أن الوطْء لا تحصل به الرجعة، والظاهر أنَّه ليس باختيارٍ، وإنْ أثبت الخلاف، ولو وَطِئَ الجميع، وجعلْنا الوطْءَ اخْتِياراً، كَانَ مُخْتاراً للأُوَلَيَاتِ، وعليه المهْرُ للأُخْرِيَاتِ، وإن لم نجعلْه اخْتياراً، اختار منْهُنَّ أَرْبَعاً، ويغرم المهر للباقيات.
الخامسة: إذا قال: حصَرْتُ المختاراتِ في هؤلاءِ السِّتِّ أو الخمْسِ انْحَصَرْنَ وهذا، وإن لم يكنْ تعييناً تامّاً، لكنه يُقيدُ ضَرْباً من التَّعْيين، ويزول به بعْضُ الإبهام، وَينْدَفِع نكاحُ الباقيات، وهذا كما أنه لو أبْهَم الطَّلاق بَيْن أَرْبَعِ نِسْوة، ثم قال: الَّتي أردتُّهَا بالطلاق إحدَى هاتين، يعتبر هذا القوْلُ، وتتعيَّن به الأخريات للزوجيَّة، والمواضع التي تستحِقُّ العلامة بالواو من الفَصْل لا تخفى على المتأَمِّل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَعٌ وَتَخَلَّفَ أَرْبَعٌ فَعَيَّنَ الأَولَيَاتِ للِنِّكَاحِ صَحَّ، وَلِلْفَسْخِ لاَ يَصِحُّ إِذَا كَانَتِ المُتَخَلِّفَاتُ وَثَنِيَّاتٍ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مَوْقُوفاً، وَلَوْ عَيَّنَ المُتَخَلِّفَاتِ لِلفَسْخِ يَصِحُّ، وَللنِّكَاحِ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ عَلَى وَجْهِ الْوَقْفِ، وَلَوْ أَسْلَمَتِ الثَّمَانِيَةُ عَلَى تَرَادُفٍ وَهُوَ يُخَاطِبُ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِالْفَسْخِ عِنْدَ إِسْلاَمِهَا تَعَيَّنِ للِفَسْخِ الأَرْبَعُ المُتَأَخِّرَاتُ، وَعَلَى وَجْهِ الوَقْفِ يَتَعيَّنُ الأَرْبَعُ المُتَقَدِّمَاتُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وإذا أسْلَمَ، وتحته ثمانِ نسوةٍ وثنيات، وأسلَمَتْ معه أربعٌ منهن، وتخلَّفَت الباقيات، فعيَّن الأوليات للِنّكاح، صحَّ التعْيين، والمتخلِّفات إنْ أصرَرْنَ، اندفعنْ مَنْ وقت إسلامه، وإن أسْلَمْنَ في العدَّة، فلَفْظُ صاحِب "التَّهْذِيب" أن الفُرْقَة تقَعُ بيْنَه وبيْنَهُن بالاختيار الأُولَيَات، وقال الإِمام: يتبيَّن أيضاً اندفاعُ نكَاحِهِنَّ باختلاف
الدِّين؛ لكن يتبيَّن تعيينُهنَّ من وقْت تعْيينِهِ للأوائل، وهذَا هو الموافِقُ لأُصُولِ الباب، وإن طلَّق الأولَيَاتِ، صَحَّ، وتضمَّن اختيارهن، وينقطع نكاحُهُنَّ بالطَّلاق، ونكاح الأخْرَيَات، [بالفسخ] 1 بالشَّرْعِ، وإنْ قال: فسختُ نكاحَهُن، فإن قال أردتُّ به الطلاق، فكذلك، وإن أراد به حلاً بلا طلاق، فهو لَغْوٌ؛ لأن الحِلَّ هكذا إنَّمَا يجُوزُ فيما زَادَ على الأربع، وعدد المسلمات لم يَزدْ على أربع فإنْ لم يُسْلِم المتخلِّفاتُ، تعيَّنت الأوليات، وإنْ أسلَمْنَ، أختار من الكُلِّ، أَرْبَعاً، وللمُسْلِمات أنْ يَدَّعين؛ أنك أردت الطلاق وبِنَّا منك ويحلِّفْنَهُ، وللمتخلِّفات أيضاً أن تدَّعين إرادةَ الطَّلاق [وبينَونتهنَ] 2 بالَفسخ بالشَّرْع، ويحلفنه وفيه وجه أنَّ الفسْخَ لا يلغو، ولكِنَّهُ مَوْقُوفٌ، وإن أَصْرَرْنَ على الكُفْر إلى انقضاء العدَّة، لَغَا وَإِنْ أسلَمْنَ في العدَّة، تبيَّن نفوذ الفسْخ في الأُولَيَات، وتعيَّنت الأُخْرَيَاتُ للنكاح، وهذا مأخوذٌ من الخلاف في وقْفِ العُقُود، ولو عيَّن المتخلِّفات للفَسْخ، صحَّ، وعُيِّنت الأوليَاتُ للزوجيَّة، وإن عيَّنهن للنكاح، لم يَصِحَّ لأنهنَّ وثنياتٌ، وقدْ لا يُسْلِمْن، وعلى وجْه الوَقْف؛ ينعقد الاختيارُ موقوفاً، فإن أسلمن، بانت صحته، ولو أسلم، وتحْته ثمانِ وثنياتٍ، فتخلَّفْنَ، ثم أسلمن على تعاقبٍ في عُدَدِهِنَّ، وهو يقول: لكلِّ واحدةٍ تُسْلِمُ: فسخَتُ نكاحَكِ، فإنْ أرادَ الطَّلاقَ، صار مختاراً لِلأُوَليَاتِ، وإن أراد حِلاًّ بلا طلاق، فَهُوَ علَى ظاهِرِ المَذْهَب لغوٌ في الأربع الأوائل، نافذٌ في الأربع الأواخر؛ لأن فسْخَ نكاحِهِنَّ وقَعَ وراء العدد الكامل، فنفذ، وعلَى وجه الْوَقْفِ، إذا أسلَمَتِ الأواخر يَبيَّنَ نفوذ الفسْخِ في حقِّ الأوائل، ولو أسلمَتْ معه من الثمان خَمْسٌ، فقال: فسخْتُ نكاحَهُنَّ، فإن أراد الطَّلاَقَ، صَارَ مُخْتَاراً لأربع مِنْهُنَّ، وَبِنَّ بالطلاق، فعليه التعْيين وإن أراد حلَّه بلا طلاق، انْفَسَخَ نكاحُ واحدةٍ لا يعينها، فإذا أسلمتِ المتخلِّفات في العدَّة، يختار من الجميع أرْبَعاً، ولو قال: فسخْتُ نكاحَ واحدةٍ منكن، وإن أراد الطلاق، صَارَ مَخْتَاراً لواحدةٍ لا يعينها، فَيُعَيِّنُها، ويختارُ للنِّكاح من الباقيات ثلاثاً، وإنْ أراد حِلَّهُ بلا طلاقٍ، يُعَيِّنُهَا، ويختار من الباقيات أربعاً، وإن فسخ نكاح اثنتين منهن لا على التَّعْيين، وأراد حلَّة بلا طلاق، انْفسَخَ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ، فَيُعَيِّنها، ويختار ممَّنْ عداها أَرْبعاً وإنْ عين اثنتين منْهن، انفسخ نكاحُ واحدةٍ منهما، [فيُعيِّنها]، وله اختيارُ الأخْرَى مع ثلاث أخَرَ، ولو اختار الْخَمْسَ جميعاً، تعيَّنت المنوحاتُ فيهن فيختارُ منهن أَرْبعاً.
وقوله في الكتاب "والفسخ لا يصح إذَا كَانَتِ المتخلِّفاتُ وثنياتِ" يعني أَنَّهُنَّ قَدْ لاَ يُسْلِمْن في العِدَّةِ، فلا يصلُحْنَ لنكاحه بخلاف ما إذا كانتِ المتخلِّفاتُ كتابيابٍ، وفي بعض النَّسْخِ إلاَّ إذا كانت المتخلِّفات غيْرَ وثنياتٍ، والمعنى واحدةٌ قال: الطرف الثاني
في وجُوبِ الاختيار، وإذا أسلم الرجُلُ على ثمانِ نسوة، مثلاً وأسلمن معه تعين عليه الاختيار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنِ التَّعْيينِ حُبِسَ، فَإِنْ أَصَرَّ عُزِّرَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّعْيينِ اعْتَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِأَقْصَى الأَجَلَيْنِ وَوُقِفَ رُبُعُ الْمِيرَاثِ أَوِ الثُّمُنُ لَهُنَّ إلَى أَنْ يَصْطَلِحْنَ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ عَلَيْهِنَّ بِالسَّويَّةِ لاسْتِوَائِهِنَّ وَحُصُولِ اليَأْسِ بِخِلاَفِ مَا إِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةٍ مِنَ النِّسَاءِ وَاَلْتَبَسَ عَلَيْنَا فَإِنَّ الوَاحِدَةَ في عِلْمِ اللهِ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْفِرَاقِ، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى ثَمَانِ كِتَابِيَّاتٍ فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ وَمَاتَ قَبْلَ البَيَانِ لاَ يُوقَفُ شَيْءٌ، مِنَ الْمِيرَاثِ لَهُنَّ لأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتِ المُفَارَقَاتُ المُسْلِمَاتِ فَلاَ يَتَعَيَّنُ حَقّ الزَّوْجِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ تَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ وَمُسْلِمَةٌ فَقَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَمَاتَ وَلَمْ يُعَيِّنُ لَمْ يُوقَفْ لَهُمَا مِيرَاث للِشَّكِّ في الأَصْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه اللفظة أَعْنِي قولَنا الطرف الثاني في جوب الاختيار ألحق بالكتاب؛ لأنه قال في أول الفصْلِ وفيه طرفان، ثم لم يَنُصَّ على الطَّرف الثاني، وإن أتَى بمسائله، والفقه: أنَّ مَنْ أَسْلَمَ على أكثرَ من أربعِ نسوةٍ، وأسلمن معه، أو بعده في العدَّة، أو أصرَرْنَ، وهُنَّ كتابياتٌ، تقع الفرقة بينه وبين الزيادة على الأربع بالإِسلام، وعليه الاختيار والتعيين، فإن امتنع حبس، وإن أصر، ولم يُغْنِ الحبس، غُرَّرَ بَمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنَ الضَّرْبِ وغيره.
وَحَكَى أَبُو الْفَرَج السَّرْخَسِيُّ عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ لا يُضَمُّ الضَّرْبِ إلى الحَبْسِ، ولكنْ يشدَّد عليه الحَبْسُ، فَإِنْ أَصَرَّ عُزِّرَ ثانياً وثالثاً إلَى أن يختار، فإنْ جُنّ أو أُغْمِيَ عليه في الحَبْس، خُلِّيَ إلَى أن يفيق، ولا يختار الحاكِمُ على الممتنع بخلاف المُوْلِى، إذا امْتَنَعَ من الطلاق، والفيئة حيث يطلق القاضي عليه على الصحيح؛ لأن هذا اختيارُ شهوة، ولا يَدْرِي القاضي أنَّه إلى أيتهن أميل؛ ولذلك لا يَجُوزُ التوكيلُ فيه، ولو مَاتَ قبل الاختيار لا يقوم وارثُهُ مَقَامَه، وأيضاً، فإن حَقَّ الفراقِ لاَ يَثبُتُ لمعيَّنه، وهُنَاكَ، يثبت الحقّ لمعيَّنة فينُوبُ القاضي عنه في توفيته.
قَالَ الإِمَامُ: وإذَا حبس، فلا يعزَّر على الفَوْر، فلعلَّ له، في التَّعْيينِ فِكْراً، وأقْرَبُ مُعْتَبَر فيه مدَّةُ الاستتابة، واعتبر القَاضِي الرُّوَيانِيُّ في "الإمْهَالِ" الاستنظار، فَقَالَ ولو استنظر، أنظره الحاكِمُ إِلَى ثلاثةِ أيَّامٍ، ولا يَزِيدُ ويجبُ عليه نفقتُهُنَّ جميعاً إلى أن يختار؛ لأنَّهنَّ في حبسه وخيالته، ثم في الفصل مسألتان:
المسألة الأولى: إذا ماتَ قَبْلَ التَّعْيينِ، فإن لم يكنْ قَدْ دخل بِهِنَّ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ أن تعتدَّ بأربعة أَشْهُرٍ وعَشْر؛ لأن كلَّ واحدةٍ تحتملُ أن تكونَ زوجةً، وإنْ كان قدْ دخَلَ بِهِنَّ، فمَنْ هي حاملٌ منْهن، فعدَّتها بوضع الحمل، والتي هي حائلٌ، ينُظْرَ فيها، إن
كانتْ من فوات الأشهر، فتعتدُّ بأربعة أشهر وعشر، وإن كانتْ من فوات الأقراء، فعليها أن تعتدَّ بأقصى الأجلَيْنِ من أربعة أشهر وعشرٍ أو ثلاثةِ أقراءٍ، فإن رأتِ الأقراءَ قبل تمام هذه المدَّةِ، أكملت المدَّة، وإن مضت المدة قبل تمام الأقراء، فتصير إلى انقضاء العدة بالأقراء، وذلك؛ لأن كلَّ واحدة تحتملُ أنْ تكونَ زوْجَةً، فعلَيها عدَّةُ الوفاة، ويحتمل أن تكونَ مفارقةً في حال الحياة، فعَليْها أن تعتدَّ بالأقراء والأشهُرُ تعتبر من وقت المَوْت، وفي الأقراء وجْهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنَّهَا تعْتَبَرُ من وقْتِ المَوت أيضاً؛ لأنَّها لاَ تتيقَّن قبل ذلك [شروعها] 1 في العِدَّة.
وأصحهما: الاعتبارُ مِنْ وقْت إسْلاَمِهِما، إن أسلما معا، ومنْ وقْتِ إسلامِ مَنْ سَبَق إسلامه، إن أسلما على التعاقُبِ؛ لأن الأقراءَ إنَّما تجب لاحتمال أنَّها مفارقةً منفسخة النكاح، والانفساخُ يَحْصُلُ من يومئذٍ.
المسألة الثانية: إذا مَاتَ قَبْلَ التعيين، وقَفَ لَهُنَّ رُبُعَ الْمِيرَاثِ أو الثُّمُنَ عائلاً، أو غَيْرَ عَائل، على ما يقتضيه الحالُ إِلَى أن يصطلِحْنَ، فيقسم بينهن على حسب اصْطِلاَحهنَّ من التساوِي أو التَّفَاضُل، وفي "النَّهَايَةِ" أنَّ صاحب "التَّقْرِيبِ" حَكَى عَن ابْنِ سُرَيجٍ أن الرُّبُع أو الثمُنَ يوزَّع بينهن؛ لأن البَيَانَ غيْرُ متوقع، وهنَّ جَميعاً معترفاتٌ بشمولِ الإِشْكَال، وبأنه لا مَزِيَّة لبعضْهِنَّ على بعض، ولَيْسَ هذا كما إذا قال لإحدى زوجَتَيْهِ إنْ كان هذا الطَّائِرُ غُرَاباً، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وقال للأخرَى إن لم يكن غراباً فأنت طالق، وأشكل الحال، فإن هناك الالتباس علينا، واللهُ تَعَالَى يَعْلُمُ حَالَ الغُرَابِ، ويعلم الطَّالِقَ مِنْهُمَا، وهاهنا لا يمكن أن يقال إنه يعلم المختارات مع أنه لم يوجد منه اختيار، نعم يعلم أنه من كان يختار لو اختار، وإلى هذا الوجْهِ مَيْلُ الإمام، والمشّهُورُ الأول، وإنْ كان تَحْتَه ثمانِ نسوةٍ مثلاً، وَفِيْهِنَّ صَغِيرَةٌ، أو مَجْنُونَةٌ، صَالَحَ الولِيُّ عنها، ثُمَّ فِيهِ وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه لا يصالِحُ على ما دُونَ رُبُعِ الموقوف؛ لاحتمال أَنَّها زَوْجَةٌ.
وأصحهما: أنه يجوز أن يَنْقُصُ عن الربع؛ لأنا لا نَتيقَّنَ لَهَا حَقَّاً، لكنَّها صاحبةُ يدٍ في ثمن الموقوف، فإنه موقوف بين ثَمَانٍ، فلا يجوز أن ينقص عن الثمن؛ وهذا إذا اصْطَلَحْنَ جميعاً، وَلَوْ طَلَبَ بعضهن شيئاً، ولم يصْطَلِحْنَ جميعاً، فلا يدفع شيئاً إلى الطَّالِب إلاَّ [باليقين] 2، ففي ثمانِ نِسْوَةٍ، لو طلبت واحدةٌ لا يدفع إلَيْها شيْء،
وكذلك، لو طلبتِ اثنتانِ أو ثَلاَث أو أربعٌ 1؛ لاحتمال أن الزَّوجات غَيْرُهن، فإن طلبت خمس، دَفَعَ إليهن رُبْعَ الموقوف؛ لعلمنا بأن فيهن زوجة، وإن طلبتْ ستٌّ، فالنصف، ولهن قِسْمَةُ ما أخذْتَهُ والتصرُّف فيه، وهل يُشترطُ في الدفع أن يبرأْنَ عن الباقي؟.
فيه وجهان عن القاضي وغيره:
أحدهما: وَقَدْ نَسَبَهُ الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ إلى النص نعم، وإنما يتجزأ شيئاً من الموقوف؛ لقَطْع الخصومة عاجلاً وآجلاً، وإنَّما يَحْصُلُ ذلك بالإِبْرَاء.
وأصحُّهما: لا؛ لأنا نَتيقَّن أنَّ فيهن مَنْ يستحقُّ القَدْرَ المدْفُوعَ، فكيف نكلِّفُهنَّ بدَفْع الحقِّ إلَيْهنَّ إسقاطَ حقٍّ آخر، إن كان، وإذا قلْنا بالوجه الأول، فيدفع الباقي إلَى الثلاث ويرتفع الوَقْفُ، وكأنَّهنَّ اصطَلَحْنَ على القسمة هكذا، وجميع ما ذكرناه فيما إذا عرف استحقاق الزوجات الميراث إما إذا أسلَمَ عَلَى ثَمَانِ نُسْوَةٍ كِتَابيَّاتٍ وأسلمت معه أربعٌ، أو كانتْ تحته أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ وأربع وثنيات، وأسلَمَتْ معه الوَثنياتُ، وماتَ قَبْلَ البيانِ والاختيار فَوَجْهَانِ:
أظهرهما: وهو المنصوصُ، والمذكور في الكتاب: أنه لا يوقَفُ شيء للزوجات، بل تقسم التركةُ بين سَائِرِ الورثة؛ لأن استحقاقَ الزَّوْجات للإِرْثِ غَيْرُ مَعْلُوم [لجوازِ أن تكونُ الزَّوْجَاتُ الْكِتَابِيَّاتُ.
والثَّانِي: يُوقَفُ؛ لأن اسْتِحَقَاقَ سَائِرِ الورثة قَدْرَ نصيب الزَّوْجَاتِ غَيرُ مَعْلُومٍ] والشَّكُّ في أصْل الاسْتحقاق لا يمنع الوقْفَ بدليلِ مسائلِ الحَمْل ونحوها، وهذا ما ارتضاه ابنُ الصَّبَّاغِ، وهو قريب من القياس ويجري الوجهانِ فيما إذا كان في نكاحِ الرَّجُل مسلمةٌ وكتابيةٌ، فقال: إحْداكما طالق، ومات قبل البيان، وعن صاحب "التَّقْرِيب" تخصيصُ الخلاف بهذه الصورة، والجزم بأن لا وقف في "مسألة الكتابيات" قال الإِمام: ولا يَتَوقَّعُ الفقيهُ فرقاً بينهما.
وقوله في الكتاب "بخلاف ما إذا طلق واحدة" ليس المرادُ ما إذا أبْهَمَ، فقال: إحدى زوجاتِي طالقٌ، وإنما المراد مسألةُ الغرابِ ونَحْوِها، وقوله "لا يوقف" معلم بالواو، [وكذا قوله بعده "كم يوقف"] 2.
فَرْعٌ: مَاتَ الذِّمِّيُّ عن أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَع نِسْوَةٍ، خرَّج صَاحِبُ "التَّلْخِيصِ" أن الربع أو الثمن لهن جميعاً.
وقال آخرون: لا يرثُ منهن إلا أربعٌ، فيوقَفُ بينهن إلى أن يصطَلِحْن، ويجعل