العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 396-435

البَابُ الأَوَّلُ في الضَّمانِ

قال الغزالي: وَفِيهِ ثَلاثةَ أَرْكَانٍ: الأَوَّلُ: المُوجِبُ وَهَو ثَلاثَةٌ: التَّفْوِيِتُ بِالمُبَاشَرَةِ أَوِ التَّسْببُ أَوْ إِثْبَاتُ اليَدِ العَادِيَّةِ، وَحَدُّ المُبَاشَرَةِ إيجادُ عِلَّة التَّلَفِ كَالقَتْلِ وَالأَكْلِ وَالإحْرَاقِ، وَحَدُّ السَّبَبِ إِيِجَادُ مَا يَحْصُلُ الهَلاَك عِنْدَهُ لِكَنْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى إِذَا كَانَ السَّبَبُ مِمَّا يُقْصَدُ لِتَوَقُّعِ تِلْكَ الِعَّلةِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى المُكْرِهِ عَلَى إِتْلاَفِ المَالِ، وَعَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ فَتَردَّتْ فِيهِ بَهِيَمةُ إِنْسَانٍ، فَإِنْ رَدَّاهُ غَيْرُهُ فَعَلَيَ المُرَدِّي تَقْدِيماً لِلمُبَاشَرَةِ عَلَى السَّبَبِ.
قال الرافعي: للأصحاب في 1 التعبير عن معنى الغَصْب عبارات.
إحداها: أنه أخذ مال الغير على جهة التعدَّي، وربما يقال: الاستيلاء على مال الغير 2. والثانية: وهي أعم من الأولى: أنه الاستيلاء علي مال الغير بغير حق 3، واختار الإمام هذه العبارة، وقال: لا حاجة إلى التقيد بالعدوان، بل يثبت الغصب، وحكمه من غير عدوان، كما إذا أوع ثوباً عند إنسان، ثم جاء وأخذ ثوباً للمودع على ظن أنه ثوبه، أو لبسه الموع، وهو يظن أنه ثوبه.
والثالثة: وهي أعم من الأوليين حَكى أبُو العَبَّاسِ الرُّويانِيُّ عن بعض الأصحاب إطلاق القول بأن كل مضمون على ممسكه، فهو مغصوب حتى المقبوض بالشراء

الفاسد والوديعة إذا تعدَّى فيها المودع، والرهن إذا تعدى فيه المرتهن.
وأشبه العبارات وأشهرهما الأولى، وفي الصورة المذكورة الثابت الغَصْب لا حقيقته 1، وفي الكتاب والسُّنَّة ما يدل على تحريم الغَصْب، ويشير إلى جمل من أحكامه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] وعن أبي بكرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في خطبته يوم النحر: (إِنَّ أَمْوالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا) 2 وعن سمرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتى تُؤَدِّيَهُ) 3. وعن إبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللهُ -تَعَالَى- مِنْ سَبْعِ أَرْضِيْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ) 4.

والإجماع منعقد على تحريم الغصب، وتعلّق الضمان به.
ثم المغصوب إما أن يتلف قبل العود إلى يد المالك، أو لا يتلف، وينئذ فإما أن يعود إلى المالك من غير تغيير فيه، وإما أن يتغير بطارئ، فخص المصنف كلام الكتاب في بابين: أحدهما: في الضمان عند التلف.
والثاني: في الطوارئ وأحكامها.
أما الأول: فالحاجة فيه إلى معرفة ما يوجب الضمان، وما يجب ضمانه، وما يوجب ضمانًا فهذه ثلاثة أركان: الأول: الموجب والغصب وإن كان موجبا للضمان فالموجب غير منحصر فيه، بل الإتلاف أيضاً موجب، بل هو أقوى، فإنه بمجرده يوجب إشغال الذمة بالضمان، والغصب بمجرده لا يوجبه، وإنما يوجب دخول المغصوب في ضمانه حتى إذا تلف اشتغلت الذمة بالضَّمان، الاتلاف قد يكون بالمباشرة، وقد يكون بالسبب، فصارت الأسباب ثلاثة: التفويت بالمباشرة، والتفويت بالتسبب، وإثبات اليد العادية، وهو الغَصْب أما التفويت بالمباشرة والتسبب، فأول مبدئه بيانهما، والفرق بينهما.
واعلم أن ماله مدخل في هلاك الشيء إما أن يكون يضاف إليه الهلاك في العادة إضافة حقيقية، أو لا يكون كذلك، ومالا يكون كذلك، فأما أن يكون بحيث يقصد بتحصيله حصول ما يضاف إليه الهلاك، أو لا يكون كذلك، الذي يضاف إليه الهلاك يسمى علّة، والإتيان به مباشرة، ومالا يضاف إليه الهلاك، ويقصد بتحصيله ما يضاف إليه يسمى سبباً والإتيان به تسببًا هذا القصد، والتوقع قد يكون لتأثير بمجرده فيه، وهو علة العله، وقد يكون بانضمام أمور إليه هي غير بعيدة الحصول، وقد يخص اسم السبب بالنوع الأول، وعلى ذلك جرى صاحب الكتاب في أول "الكتاب الجراح".
وأما هاهنا فإنه فسر السبب بمطلق ما يقصد به حصول العلّة، وفسره في "الآيات" بما هو أعم من ذلك، فقال: السبب ما يحصل الهلاك عنده بعلّة سواه، ولكن لولاه لما أثرت العلة، فلم يعتبر إلاَّ أنه لا بد منه، وعلى هذا التفسير فكل شرط سبب 1. ولما

فُسر في الأبواب بتفاسير مختلفه اختلفه اعتبار الحَفْر مع التردِّي، فسمي الحفر هاهنا، وفي "الديات" سببًا وامتنع منه في أول الجراح، واقتصر على تسميته شرطاً، وفي الجملة فيكفي للتأثير في الأموال مالاً يكتفي به للتأثير في القصاص، والحكم المقصود لا يختلف باختلاف التعبيرات، والاصطلاحات، ولكن كان الأحسن الاستمرار على تفسير واحد وتعليق الأحكام عليه، ثم إنه اندفع في بيان صور من مسمي المباشرة والتسبب، والمباشرة لقتل والأكل والإحراق، ومن التسبب الإكراه على إتلاف مال الغير، فإن الإكراه مما يقصد لتحصيل الإتلاف، ومنه إذا حفر بئرًا في محل عدواناً، فتردَّت فيها بهيمة، أو عبد أو حر، فإن ردا غيره فالضمان على المردي؛ لأن المباشرة تتقدم على السبب والكلام فيه، وفي موضع عدوان الحفر الحفر يستقصي في "الجنايات" إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب: "والموجب وهو ثلاثة" ظاهره يقتضي حصر أصباب الضمان في الثلاثة، وقد يقال: كيف حصرها في الثلاثة وله أسباب أخر الاستيام والاستعارة وغيرها؟ (والجواب) أنه يجوز أن يريد الأسباب الذي ضمنها قد ماء الأصحاب هذا الباب، فأما ما عداها فلها مواضع مفردة.
وقوله: "التفويت بالمباشرة أو التسبب أو إثبات اليد العادية" إدخال "أو" في السبب حسن؛ لأنه طريق للتفويت، كما أن المباشرة طريق، لكن إدخالها في إثبات اليد العادية لا يحسن؛ لأنه سبب للضمان برأسه لا لأنه طريق للتفويت.
وقوله: "وحد المباشرة إيجاد علة التلف" أي إيجاد علة التفويت ولفظ "الإيجاد" لا يستحبه المتكلم إلا أن المعنى فيه مفهوم وأراد بـ"علة التلف" ما ذكرناه من أنه يضاف = والسبب هو وصف ظاهر منضبط يلزم من وجود الحكم ومن عدمه عدم الحكم، وذلك كدخول وقت الصلاة فإنه سبب لوجوبها إذ يلزم من وجود الوقت وجوب الصلاة.
ومن عدمه عدم وجوبها.
وكالقتل العمد العدوان، فإنه سبب لوجوب القصاص، إذ يلزم من وجوب القتل العمد العدوان وجوب القصاص، ويلزم من عدمه عدم وجوب القصاص، وهكذا في كل سبب مع الحكم المترتب عليه.
وهنا يمكن أن يقال: أن السبب يشبه الركن من جهة ارتباط المسبب بالسبب وجودًا وعدمًا، كارتباط الحقيقة بأركانها وجودًا وعدمًا، إلا أن السبب أمر خارج عن حقيقته المسبب وليس جزءاً منها، فالقرابة سبب للإرث وليس جزءاً من حقيقته وكذا كل سبب بالنسبة إلى الحكم الذي ربط به.
بخلاف الركن فإنه جزء ذاتي من ماهية ذي الركن، فالقراءة مثلًا جزء من الصلاة وحقيقتها، إذ هي أقوال وأفعال إلى آخر ما ذكر في تعريفها.
وكذا كل ركن مع صاحب ذلك الركن.

إليه التلف في العرف، وإنما قلنا: إنه أضافه حقيقيه؛ لأن الهلاك قد يضاف إلى السبب فيقال: هلك مال فلان بسعاية فلان، لكنه مجاز بدليل صحة النفي عنه.
وقوله: "إيجاد ما يحصل الهلاك عنده لفظه هاهنا ليست للحصر والمقارنه، وإنما المراد عقيبه، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: "إذا كان السبب" إعادة لفظ "السبب" في حد السبب، وتفسيره مما لا يتحسن، ولو طرحه لا نتظم الكلام، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ فَهَبَّتْ رِيحٌ وَسَقَطَ وَضَاعَ فَلاَ ضَمَانَ، لأَنَّ الضَّيَاعَ بِالرِّيحَ وَلاَ يُقْصَدُ بِفَتْحِ الزِّقِّ تَحْصِيِلُ الهُبُوبِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ فَتَحَ الحِرْزِ فَسَرَقَ غَيْرُهُ، أَوْ دَلَّ سَارِقًا فَسَرَقَ، أَوْ بنَيَ دَارًا فَألْقَي فِيَها الرِّيحُ ثَوْباً، أَوْ حَبَسَ المَالِكُ عنِ المَاشِيَةِ حَتَّي هَلَكَتْ فَلاَ ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا إِذَا نَقَلَ صَبِيًّا حُرًّا إِلىَ مَضْيِعَةِ فَافْتَرَسَهُ سَبُعٌ، وَلَوْ نَقَلَهُ إِلى مَسْبَعَةٍ أَوْ فَتَحَ الزِّقّ.
حَتَّي أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ وَأَذَابَتْ مَا فِيهِ فَفي الضَّمَانِ خِلاَفٌ؛ لأنَّ ذلِكَ يُتَوَقَّعُ فَيُقْصَدُ، وَكَذلِكَ نَقُولُ: إِذاَ غَضَبَ الأَمُهَّاَتِ وَحَدَثَتِ الزَّوَائِدُ وَالأَوْلاد في يَدِهِ مَضْمُونَةً وَكَاَنَ ذَلِكَ تَسَبُّبًا إِليَ إِثْبَاتَ اليَدِ، وَلَوْ فَتَحَ قَفَصَ طَائِرِ فَوَقَفَ ثُمَّ طَارَ لَمْ يَضَمْنْ لأَنَّهُ مُخْتَارٌ، وإِنْ طَارَ في الحَالِ ضَمِنَ، لأَنَّ الفَتْحَ في حَقِّهَ تَنَفِيرٌ، وَكَذَا البَهِيمَةُ والعَبْدُ المَجْنُونُ المُقَيَّدُ بِمَنْزِلَةَ البَهِيمَةَ، وَإِنْ كَانَ العَبْدُ عَاقِلاً فَلاَ يَضْمَنُ مَنْ فَتَحَ بَابَ السِّجْنِ وَإِنْ كَانَ آبِقَاً، وَلَوْ فَتَحَ رَأَسَ الزِّقِّ فَتَقَاطَرَتَ قطَرَاتٌ وَابْتَلَّ أَسْفَلُهُ وسَقَطَ ضَمَنِ؛ لأَنَّ التَّقَاطُر حَصَلَ بِفِعْلِهِ، وَلَوْ فَتَحَ الزِّقَّ عَنْ جَامَدٍ فَقَرّبَ غَيْرهُ النَّارَ مِنْهُ حَتَّى ذَابَ وَضَاعَ فَالثَّاني بِالضَّمَانِ ولَى، وَقِيلَ: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: 1 أحداهما: لو فتح رأس زِقٍّ، فضاع ما فيه نظر إن كان مطروحًا على الأرض فاندفق ما فيه بالفتح ضمن، وإن كان منتصبًا لا يضيع ما فيه بالفتح لو بقي كذلك، لكنه سقط نظر إن سقط بفعله بأن كان يحرك الوكاء ويجد به حق أفض إلى السقوط ضمن؛ لأنه والحالة هذه فتح رأسه وأسقطه، وكذلك لو سقط بما يقصد تحصيله بفعله كما لو فتح رأسه فأخذ ما فيه في التقاطر شيئاً فشيئاً حتى أميل أسفله وسقط، ضمن لأن السقوط بالميلان الناشئ من الابتلال الناشئ من التقاطر الناشئ من الفتح وهو مما يقصد تحصيله بالفتح، وإن سقط بأمر عارض من زلزلة، أو هبوب ريح، أو وقوع طائر

فلا ضمان؛ لأن الهلاك لم يحصل بفعله، وإلا فعله مما يقصد به تحصيل ذلك العارض.
وعن مالك فيما ذكره المسْعُودِيُّ أنه يجب الضمان؛ لأنه لولا الفتح لما ضاع ما فيه بالسقوط، ولو جاء إنسان واسقط، فالضمان عليه لا على الفاتح، ولو أنه لما فتح رأسه أخذ ما فيه من الخروج، ثم جاء آخر ونكسه مستعجلاً فضمان الخارج بعد التنكيس عليهما كالخارجين، أو على الثاني وحده كالخارج مع الخارج فيه وجهان: أصحهما: الثاني هذا إذا كان ما في الزِّقِّ مائعًا أما إذا كان جامداً، فشرقت الشمس فأذابته فضاع، أو ذاب بمرور الزمان، وتأثير حرارة الهواء فيه وجهان: أحدهما: أن الضياع إنما حصل بعارض الشروق، فأشبه هبوب الريح.
وأصحهما: الوجوب؛ لأن الشمس تذيب ولا نخرج، فيكون الخروج بفعله وكأن الشمس كما يعلم شروقها، فيكون الفاتح معرضاً لما فيه للشمس، وذلك تضييع بخلاف هبوب الريح فإنه مما ينتظر.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: إجراء الوجهين فيما إذا زال أوراق الكروم، وجرَّد عنا قيدها للشمس حتى أفسدها، وطرد أيضاً فيما إذا ذبح شاة إنسان، فهلكت سخلتها، أو حمامته فهلك فرخها لفقدان ما يصلح لهما.
ولو جاء آخر وقرب نارًا من الجامد حتى ذاب وضاع فوجهان: أحدهما: أنه لا ضمان على واحد منهما أما الأولى فلان مجرد الفتح لا يقتضي الضمان.
وأما الثاني فلأنه لم يتصرف في الظرف ولا في المظروف.
وأظهرهما وهو اختيار صاحب "المهذب": وجوب الضمان على الثاني؛ لأن تقرب النار منه تصرف بالتضييع والإتلاف، والوجهان جاريان في تقريب الفاتح النار منه، وفيما إذا كان رأس الزِّقِّ مفتوحًا فجاء إنسان وقرب منه النار، ولو حل رباط سفينة، فغرقت بالحل ضمن، ولو غرقت بسبب حادث من هبوب الريح أو غيره لم يضمن، وإن لم يظهر سبب حادث فوجهان مذكوران في "المهذب"، وليكن الأمر كذلك في "مسأله الزق" إذا لم يظهر حادث لسقوطه 1. الثانية: لو فتح قفصًا عن طائر وهَيَّجه حتى طار ضمنه 2؛ لأنه أتلفه على مالكه،

وإن لم يزد على فتح القفص، فطار الطائر، فأما أن يطير في الحال، أو يقف ثم يطير.
فأما في الحالة الأولى فطريقان.
أظهرهما: أن في وجوب الضمان قولين: أحدهما: أنه لا يلزمه الضمان؛ لأن للحيوان قصدًا واختيارًا، ألا ترى أنه يقصد ما ينفعه، ويتوقى المهالك، وغاية الموجود من الفاتح التسبب إلى تضييعه، فتقدم عليه مباشرة الطائر واختياره.
وأظهرهما: اللزوم؛ لأن الطائر ينفر ممن يقرب منه، فإذا طار عقيب الفتح أشعر ذلك بأنه نفره.
والثاني: القطع بالقول الثاني؛ ومنهم من فرّق بين أن يخرج الطائر من غير اضطراب، وبين أن يضطرب، ثم يخرج فبدل ذلك على فزعه وتنفره.
وأما في الحالة الثانية فطريقان أيضاً: أحدهما: أنه على قولين.
وأظهرهما: القطع ينفي الضمان؛ لأن الطيران بعد الوقوف أمارة ظاهرة على أنه طار باختياره.
وإذا اختصرت قلت في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن يضمن مطلقًا، وبه قال مالك وأحمد، واختاره أبو خلف السلمي، والقاضي الروياني وغيره من الأصحاب.
وثانيها: لا يضمن مطلقاً.
وأظهرها: أنه يضمن إن طار في الحال، ولا يضمن إن وقف ثم طار وروى عن أبي حنيفة مثله، وأيضاً مثل القول الثاني وهو أشهر، ذكر العراقيون أن الثاني هو قوله في القديم.
وفي "التهذيب" عن طريقة القولين في الحالة الثانية أن القديم لا يضمن، وفيما جمع من "فتاوى القفال" وغيره تفريعاً على وجوب الضمان إذا طار في الحال أنه لو ثبت هرة، كما لو فتح القفص ودخلت، وقتلت الطائر لزمه الضمان، كأنهم جعلوا الفتح إغراء للهرة كما أنه تنفير للطائر، وأنه لو كان القفص مغلقًا، فاضطرب بخروج الطائر، وسقط وانكسر وجب ضمانه على الفاتح، وأنه لو كسر الطائر في خروجه قارورة أنسان لزمه ضمانه؛ لأن فعل الطائر منسوب إليه 1، وأنه لو كان شعير في جراب مشدود

الرأس، وبجنبه حمار ففتح فاتح رأسه فأكله الحمار في الحال لزمه الضمان، وإذا حل رباط بهيمة أو فتح الاصطبل، فخرجت وضاعت 1، فالحكم على ما ذكرنا في فتح القفص، وحكى الإمام أن شيخه أبا محمد كان يثبت الفرق بين الحيوان النافر بطبعه والأنس، ويجعل خروج الإنس على الاتصال كخروج النافر على الانفصال.
قال: وهذا منقاس، ولكني لم أره إلاَّ له.
وإذا خرجت البهيمة في الحال، وأتلفت زرع إنسان فعن القفال: أنه إن كان نهارًا لم يضمن، وإن كان ليلاً ضمن كما في دابة نفسه.
وقال العرقيون: لا يضمن إذ ليس عليه حفظ بهيمة الغير عن الزرع عليه 2. ولو حل قيد العبد المجنون أو فتح باب السجن فذهب، فهو كما لو حل رباط البهيمة، وإن كان عاقلاً نظر إن لم يكن آبقًا فلا ضمان؛ لأن له اختيارًا صحيحًا، وذهابه محال عليه، وإن كان آبقًا ففيه خلاف للأصحاب منهم من جعل حل قيده كحل رباط البهيمة؛ لأنه أطلقه، وقد اعتمد المالك ضبطه فأتلفه عليه، فعلى هذا يجيء فيه التفصيل السابق، وهذا ما أورده في "التهذيب".
والأظهر: أنه لا ضمان بحال كما في غير الآبق، وهو المذكور في الكتاب.
ولو وقع طائر على جداره، فنفره لم يضمن؛ لأنه كان ممتنعاً من قبل، ولو رماه في الهواء فقتله ضمن، سواء كان في هواء داره، أو في غيره، إذ ليس له المنع الطائر من هواء ملكه، هذا شرح المسألتين، وكانت صورة المسألة الأولى مبددة في الكتاب، فنظمها، وقد أدرج وفي خلالها صورًا للاستشهاد لانهملها، وإن كانت تأتي في الشرح في مواضعها.
منها لو فتح باب الحِرْز فسرق غيره، أو دلَّ سارقًا فسرق أو أمر غاصبا حتى غصب، أو بني دارًا فألقت الريح فيها ثوباً فضاع لا ضمان عليه؛ لم يوجد منه إثبات يد

على المال، ولا مباشرة إتلاف ولا تسبب يمكن تعليق الضمان به.
أما في الصورة الأخيرة فلا تسبب أصلاً؛ لأنه لا يقصد ببناء الدار ذلك، وأما فيها سواها فلانة طرأ عليه مباشرة المحتاز فانقطعت الإضافة إلى السبب.
ونها لو حُبِسَ المالك عن ماشيته حتى تلفت لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتصرف في المال، ولكنه تصرف في المالك، وكان هذا التصوير فيما إذا لم يقصد منعه عن الماشية، وإنما القصد حبسه فأفضى الأمر إلى هلاكها؛ لأن أبا سعيد المتولي أجرى الوجهين المذكورين فيما إذا فتح الزق عن جامد، فذاب ما فيه بشروق الشمس وضاع وفيها إذا كان زرع ونخيل، وأراد سوق الماء إليهما، فمنعه ظالم من السَّقي حتى فسدت هل يلزمه الضمان 1؟ ومنها: لو نقل صبيًا حرًا إلى مضيعة فاتفق سبع فافترسه لا ضمان عليه إحالة للهلاك على اختيار الحيوان، ومباشرته، وأنه لا يقصد بالنقل ذلك.
أما إذا كان نقله إلى مسبعه 2 فافترسه سَبُعٌ، فقد حكى صاحب الكتاب وجهين إلحاقًا بالوجهين في مسألة شروق الشمس.
والمشهور من مذهبنا أنه لا ضمان، وإنما يوجبه أبو حنيفة.
وأما قوله: "وكذلك نقول إذا غصب الأمهات وحدثت الزوائد والأولاد في يده مضمونة" فهذا وإن كان مذكوراً على سبيل الاستشهاد، لكنه يشتمل على مسألة مقصودة في الباب، وهي أن زوائد المغصوب منفصلة كانت كالولد والثمرة والبيض، أو متصلة كالسمن، وتعلم الصنعة مضمونة على الغاصب كالأصل، سواء طالبه المالك بالرد أو لم يطالبه، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة هي أمانة لا يضمنها إلاَّ بما يضمن سائر اومانات، ويروي مثله عن مالك.
لنا أن غَصْب الأم يتضمن منع حصول الولد من يد المالك، فليكن كإزالة يده عنه كما أن من غَرَّ بحرية أمه فأحبلها كان الولد حرًا، وضمن قيمته لأن باعتقاد حرية الأم يقع دخول الولد في ملكه، فجعل كإتلاف ملكه، وأيضاً فإن اليد العادية مضمونة كالإتلاف ثم الإتلاف قد يكون على سبيل المباشرة وقد يكون على سبيل التسبب، وكذلك اليد وإثبات اليد على الأصول تسبب إلى إثبات اليد على الأولاد، فليتعلق به

الضمان، وهذا معنى قوله في الكتاب: "وكان ذلك تسببًا إلى إثبات اليد" واستشهد بالمسألة بقوله: "إن ذلك يتوقع فيقصد" ولنطرد هذه القاعدة ذهب بعضهم إلى أنه إذا غصب هادي القطيع، فتبعه القطيع أو البقرة فتبعها العجل يضمن القطيع والعجل 1، والله أعلم.
قال الغزالي: أَمَّا إِثْبَاتْ اليَدِ فَهَوَ مُضَمَّنٌ، وإِذَا كَانَ عُدْوانًا فَهُوُ غَصْبٌ، والمُودِعُ إِذَا جَحَدَ فَهُوُ مَنْ وَقْتِ الجُحُدِ غَاصِبٌ، وَإِثْبَاتُ اليَدِ في المَنْقُولِ بِالنَّقْلِ إلاَّ في الدَّابَّةِ فَيكْفِي فِيِهَا الرُّكوُبَ (و)، وفِي الفَرَسِ الجُلُوُسِ عَلِيْهِ فَهُوِ غَايَةُ الاستِيْلاَء، وفِي العَقَارِ (ح) يَثْبُتُ الغَصْبُ بِالدُّخُولِ وَإِزْعَاجِ المَالِكِ، وَإِنْ أَزْعَجَ وَلَمْ يَدْخُلْ لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ دَخَلَ وَلَمْ يُزْعِجُ وَلَمْ يَقِصْدِ الاسْتِيلاَءِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ قَصَدَ صَارَ غَاصِبًا لِلنِّصْفُ والنِّصْفُ فِي يَدِ المَالِكِ، والضَّعِيْفُ إذا دَخَلَ دَارَ القَوِيَّ وَهُوَ فِيِهَا وَقَصَدَ الاسْتِيلاَءِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لأنْ المَقْصُودَ غَيْرُ مُمْكِنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ القَوِيُّ فِيِهَا ضَمِنَ لأنَّهُ فِي الحَالِ مُسّتَوْلٍ وأَثَرُ القُوَّةِ في القُدْرَةِ عَلَى الاِنْتِزَاعِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ غَصَبَ قَلَنْسُوَةَ مَلِكٍ ضَمِنَ في الحَالِ.
قال الرافعي: السبب الثالث إثبات اليد العادية ينقسم إلى مباشرة بأن يغصب الشيء، ويأخذه من مالكه، وإلى التسبب وهو في الأولاد وسائر الزوائد، كما مر أن إثبات اليد على الأصول سبب إلى إثباتها على الفروع: وقوله في الكتاب: "إثبات اليد فهو مضمن" يعني إثبات اليد العادية، كما ذكرنا في أول الركن لا مطلق إثبات اليد.
وقوله: "إذا كان عدواناً فهو غصب" يعني إذا كان عدوانًا بمباشرته، ويمكن أن يحمل قوله: "إن إثبات اليد مضمون" على أنه جهة للضامن في الجملة، فهذا انضمت إليه العدوانية، فهو غصب إما بالمباشرة أو بالتسبب، وهذا أحسن، واللفظ إليه أقرب، لكنه صرح بالأول في "الوسيط" والظاهر أنه أراد هاهنا ما صرح به هناك.
وقوله: "إذا جحد فهو من وقت الجحود غاصب" هذه الصورة وحكمها مذكورة

في "الوديعة"، والداعي إلى ذكرها في هذا الموضع أن أبا حنيفة يقول: غاصب الأصل وإن أثبت اليد على الولد، لكنه لم تزل يد المالك، والغصب عبارة عن إزالة يد المالك، فمنع الأصحاب اعتبار قيد الإزالة في الغَصْب، واحتجوا عليه أن المودع من وقت الجحود غاصب، وبأنه لو طولب بولد المغصوب، فامتنع كان غاصبًا، وإن لم تزل يد المالك، ولمن ينازع أن يقول: لا غصب في الصورتين، لكنه يضمن ضمان المغصوب لتقصيره في الأمانة في الجحود والامتناع، ثم تكلم فيما تثبت به اليد العادية في العقار والمنقول.
أما المنقول فالأصل فيه النقل، لكن لو ركب دابة الغير، أو جلس على فراشه، ولم ينقله فقد حكى الإمام فيه وجهين: أحدهما: أنه لا بد من النقل، كما لا بد منه في قبض المبيع، وسائر العقود.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنه يكون غاصبًا لحصول غاية الاستيلاء بصفة الاعتداء، ولمن نصره أن يجيب عن احتجاج الأول بأن القبض في البيع له حكمان: دخول في ضمانة، وذلك حاصل بالركوب والجلوس من غير نقل.
والثاني: تمكنه من التصرف، فالركوب إما أن يكون بإذن البائع، أو دون إذنه، فإن أذن البائع فالتمكن حاصل، وإن لم يأذن فلا يتمكن، لكن الحكم في النقل بغير إذنه مثله، فإذا لا فرق، ويشبه أن تكون المسألة مصورة فيما إذا قصد الراكب أو الجالس الاستيلاء أما إذا لم يقصده ففي "التتمة" في كونه غاصبًا وجهان.
قال: وهذا كان المالك غائبًا، أما إذا كان حاضرًا، فإن زعجه وجلس على الفراش ضمن، وهذا إن لم يزعجه، وكان بحيث يمنعه من دفعه والتصرف فيه، وقياس ما سيأتي في نظيره في العقار ألا يكون غاصبًا إلاَّ لنصفه والله اعلم.
وأما العقار فإما أن يكون مالكه فيه أو لا يكون إن كان فيه فأزعجه ظالم، ودخل الدار بأهله على هيئة من يقصد السُّكني فهو غاصب، سواء قصد الاستيلاء، أم لم يقصد، فإن وجود نفس الاستيلاء يغنى عن قصده، ولو سكن بيتاً من الدار، ومنع المالك عنه دون باقي الدار، فهو غاصب لذلك البيت دون باقى الدار، فإن أزعج المالك، لكنه لم يدخل الدار فقد أطلق هاهنا.
وفي "الوسيط" أنه لا يضمن، واعتبر دخول الدار في غصبها, لكن قدم في "البيع" أنه لا يعتبر في قبض العقار دخوله والتصرف فيه، وإنما المعتبر التمكن من التصرف بالتخلية، وتسليم المفتاح إليه، وإذا كان حصول التمكين بتمكين البائع قبضاً، وجب أن يكون حصوله بالتسليط في أخذ المفتاح بالقهر غصبًا، وإن لم يوجد الدخول،

وهذا ما يدل عليه كلام عامة الأصحاب، فإنهم لم يعتبروا إلاَّ الاستيلاء ومنع المالك عنه، ولم يذكر الإمام المسألة كما ذكرها صاحب الكتاب، ولكن قال: لا يحصل الغَصْب بنفس الإزعاج، فإنه بمثابة منع المالك عن ماشيته، وحمل هذا على ما ذكره الأكثرون هين، ولو لم يزعج المالك، ولكنه دخل واستولى مع المالك كان غاصبًا لنصف الدار لاجتماع يدهما واستلائهما عليه، نعم لو كان الداخل ضعيفًا والمالك قوي لا يعد مثله مستوليًا ولم يكن غاصبًا لشيء من الدار ولا عبره بقصد مالا يتمكن من تحقيقه أما إذا لم يكن مالك العقار فيه ودخل على قصد الاستيلاء فهذا غاصب وإن كان الداخل ضعيفًا وصاحب الدار قويًا لأن الاستيلاء حاصل في الحال واثر قوة المالك سهولة ازالته والانتزاع من يده فكان كما لو سلب قلنسوة ملك يكون غاصبًا وإن سهل على المالك انتزاعها وتأديبه.
وفيه وجه أن لا يكون غاصبًا؛ لأن مثله في العرف يعد هزءًا، ولا استيلاء وإن دخله لا على قصد الاستيلاء بل لينظر هل يصلح له أو ليتخذ مثله لم يكن غاصبًا.
قال في "التتمة" لكن لو أنهدمت في تلك الحالة هل يضمنها فيها وجهان.
أحدهما: نعم؛ كما لو أخذ منقولاً من بين يدي مالكه لينظر هل يصلح له ليشتريه، فتلف في تلك الحالة فإنه يضمنه.
وأصحهما: لا؛ بخلاف المنقول وفرق بينهما بأثر اليد على المنقول حقيقة فلا يحتاج في إثبات حكمها إلى قرينة وعلى العقار حكمية فلا بد من تحقيقها من قرينة الاستيلاء وهذا الفرق كأنه راجح إلى الأصح وإلاَّ فوجهان جاريان في المنقول على ما سبق.
وقوله خاصة بل المعنى إذا وجد الانتفاع والاستيلاء التام على المنقولات في الكتاب "إلاَّ في الدابة وفي الفراش" ليس القصد من الاستيلاء الدابة والفراش ولا شيء في المنقولات فيكفي على وجه وقوله "وفي العقار يثبت الغصب" معلم -بالحاء- لأن عند أبي حنيفة لا يثبت فيه الغصب لنا أن العقار تثبت عليه اليد فيدخله الغصب كالمنقول.
وقوله "بالدخول إزعاج المالك" اعتبار الدخول والازعاج جميعاً، وفي اعتبار الدخول ما ذكرنا فيجوز أن يعلم قوله "بالدخول" بالواو وكذا قوله "لا يضمن".
واما الإزعاج فهو غير معتبر في غصب العقار أيضاً ألاَ تَرىَ انه لو كان المالك غائباً يوجد الغصب ولا إزعاج ولو استولى مع المالك غاصبًا للنصف ولا إزعاج بل الاعتبار باليد والاستيلاء حتى لو اقتطع قطعة من ارض ملاصقة لارضه وبنى عليها حائطا وأضافها إلى ملكه يضمنها إلاَّ أن الاستيلاء في الغالب يحصل بالدخول والازعاج فلذلك ذكرهما والله أعلم.

قال الغزالي: وَكُلُّ يَدٍ تُبْتَنَى عَلَى يَدِ الغَاصِبِ فهِيَ يَدُ ضَمَانٍ إِنْ كَانَ مَعَ الِعلْمِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الجَهْلِ بِالغَصْبِ فَهُوَ أَيْضًا يَدُ ضَمَانٍ، وَلكَنْ في إِقْرارَ الضَّمَانِ تَفْصِيِلٌ، وَكُلُّ يدٍ لَو ابْتُنَيِ عَلىَ يَدِ المَالِكِ اقْتَضَى أَصْلُ الضَّمَانِ كَيْدَ العَارِيَةِ وَالسَّوْمَ وَالشِّرَاء، فَإِنِ ابْتُنَيِ عَلىَ يَدِ الغَاصِبِ مَعَ الجَهْلِ اقْتَضَى قَرَارَ الضَّمَانِ عِنْدَ التَّلَفِ، وَمَا لأكيْدِ الوَدِيَعةِ وَالإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالوَكَالَةِ لاَ تَقْتَضِي قرَارَ الضَّمَانِ.
قال الرافعي: قد مر أكثر صور الفصل في "باب الرَّهْن" من الكتاب مع الخلاف، واقتصر هاهنا على ذكر ظاهر المذهب، وهو أن كل يد ترتبت على يد الغاصب، فهي يد ضامن 1 حتى يتخير المالك بين أن يطالب الغاصب عند التلف، وبين أن يطالب من ترتبت يده، على يده سواء علم الغصب، أو لم يعلم؛ لأنه أثبت يده على مال الغير بغير إذنه، والجهل غير مسقط للضمان.
ثم الثاني إن علم بالغصب، فهو كالغاصب من الغاصب، يطالب بكل ما يطالب به الغاصب، وإن تلف المغصوب في يده، فاستقرار ضمانه عليه حتى لو غرم لم يرجع على الأول، ولو غرم الأول رجع إليه إذا لم تختلف قيمته في أيديهما، أو كانت في يد الثاني أكثر.
أما إذا كانت في يد الأول أكثر، فلا يطالب بالزيادة إلا الأول، ويستقر عليه، وإن جهل الثاني الغَصْب، فإن كان اليد في وضعها يد ضمان، كالعارية، فيستقر الضمان على الثاني، وإن كانت يد أمانة كالوديعة، فيستقر على الغاصب.
وإذا تأملت الشرع هناك أعلمت قوله: "وإن كان مع الجهل بالغصب فهو أيضاً يد ضمان" بالواو بالوجه الذاهب إلى أيدي الأمانات لا تقتضى الضمان عند الجهل، وكذا قوله: "لا يقتضى قرار الضمان" للوجه الذاهب فيها إلى القرار.
واعلم أن الطريق المنسوب إلى العراقيين لم يورده الإمام هاهنا كما سبق في "الرَّهْن" ولكن نقل عنهم فرقًا بين أيدي الأمانات على نحو ما تقدم عنهم من التصديق عند دعوى الرد، والاعتماد على ما سبق هناك.

وأما ما يتعلق باللفظ، فقدله: "وكل يد تبتني" على هكذا يوجد في الأكثر، ويقرأ لكن الابتناء متعد كالبناء، فالوجه أن يقال: ابتنت وقد تستعمل اللازمه الأبتناء، فيمكن أن تراعى الصورة، ويقرأ ابتنت وقوله: "تقرير ضمان" يعني بصفة الاستقرار.
وأما عند الجهل، فهو يد ضمان، وفي صفة الاستقرار التقضيل.
وقوله: "اقتضت أصل الضمان" ينبغى أن يكون الضمان هاهنا مفسرًا باستقرار اليد عليه إذا حصل التلف في يده، ثم البدل القيمة تارة، والثمن أخرى، وهذا لأن الشراء معدود من أيدي الضمان، فليكن التفسير ما يشمل الشراء، والكلام في تفصيل ما يضمن المشتري من الغاصب، وسائر ما يناسبه يأتي في الفصل الثالث من الباب الثاني، إن شاء الله تعالى، والقرض معدود من أيدي الضمان.
ولو وهب المغصوب من إنسان، فتلف في يده، فالقرار على الغاصب في أحد القولين؛ لأن يد الاتهاب ليست يد ضمان، وعلى المتهب في أصحهما؛ لأنه أخذه للتمليك.
قيل: هو كالمودع.
ومنهم: من قطع بأنه لا يطالب؛ لأن كون الزوجة في حبالة الزوج ليس ككون المال في يد صاحب اليد.
قال في "التهذيب": وهو المذهب.
قال الغزالي: وَمَهْمَا أَتْلفَ الآخِذُ مِنَ الغَاصِبِ فَالقَرَارُ عَلَيْهِ أَبَدًا، إِلاَّ إِذا كَانَ مَغْرُورًا، كَمَا لَوْ قَدَّمِ إِلَيْهِ ضِيَافَةً فَفِيهِ قَوْلاَنِ لِمُعَارَضَةِ الغُرُورِ وَالمُبَاشَرَةِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ غَرَّ الغَاصِبُ المَالِكَ وَقدَّمَهُ إِلَيْهِ فَأَكَلَهُ المَالِكُ، وَهَاهُنَا أَوْلَيِ بأَنْ يَبْرَأَ الغَاصِبُ، وَكَذَلِكَ يَطَّرِدُ الخِلاَفُ في الإيِدَاعِ وَالرَّهْنِ وَالإِجَارَةِ مِنَ المَالِكِ إِذَا تَلَفَ في يَدِهِ، وَلَوْ زَوَّجَ الجَارَيةَ مِنَ المَالِكِ فَاسْتَولَدَهَا مَعَ الجَهْلِ نَفَذَ اَلاستيلادُ وِبَرئَ الغَاصِبُ، وَكَذلِكَ لَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ فَإِنَّ التَّسْليِطَ تَامٌّ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ عَبْدَي فَأَعْتِقْهُ فَقَدْ قِيلَ: لاَ يَنْفُذُ عتْقُهُ لأَنَّهُ مَغْرُورٌ، وَقِيلَ: يَنْفُذُ وَيَرْجعُ بالغُرْمِ، وَقِيلَ: لاَ يَرْجعُ بِالغُرْمِ.
قال الرافعي: عرفت حكم قرار الضمان عند تلف المغصوب في يد من ترتبت يده على يد الغاصب، أما إذا أتلفه، فينظر إن استقل به قرار الضمان عليه؛ لأن الإتلاف أقوى من إثبات اليد العادية، فإن حمله الغاصب عليه، كما إذا غصب طعامًا، فقدمه إلى إنسان ضيافة حتى أكله، فالقرار عليه أيضاً، إنْ كان عالماً، وإن كان جاهلًا، فقولان: أحدهما: أن القرار على الغاصب؛ لأنه غَرَّهُ، حيث قدم الطعام إليه، وأوهم أنه لا تبعة فيه، ويروى هذا عن القديم، وبعض كتب الجديد.
وأصحهما: وهو المشهور من الجديد.

وبه قال أَبُو حَنْيِفَة والمُزنِيُّ أن القرار على الآكل؛ لأنه المتلف، وإليه عادت منفعته، فعلى هذا إذا غرم لم يرجع على الغاصب، والغاصب إذا غرم يرجع على الآكل، وعلى الأول الحكم بالعكس، وهذا إذا قدم الطعام، ولم يذكر شيئاً.
أما إذا قدمه، وقال: هو ملكي، ففي رجوع الآكل على الغاصب القولان، ولو غرم الغاصب.
قال المُزنِيُّ: يرجع على الآكل، وغلطه الأصحاب؛ لأن في ضمن قوله: "إنه ملكى" اعتراف بأنه مظلوم بما غرم، والمظلوم لا يرجع على غير الظالم، ولو وهب المغصوب من غيره، وأتلفه، ففيه القولان، وأولى بأن يستقر الضمان على المتهب لحصول الملك له، ولو قدم الطعام المغصوب إلى عبد إنسان، فأكله، فإن جعلنا القرار على الحر إذا قدمه إليه فأكله، فهذه جناية من العبد يباع فيها، وإلاَّ فلا يباع، وإنما يطالبه الغاصب، كما لو قدم شعيرًا مغصوبًا إلى بهيمة غيره من غير إذن مالكها.
ولو غصب شاة، وأمر قَصَّابًا فذبحها جاهلا بالحال، فقرار ضمان النقصان على الغاصب، ولا يخرج على الخلاف في أكل الطعام؛ لأنه ذبح للغاصب.
وهناك انتفع به لنفسه، ولو أمر الغاصب إنسانًا، فأتلف المغصوب بالقتل، والإحراق، ونحوها، ففعله جاهلًا بالغصب.
فمنهم كم جعله على القولين في أكل الطعام.
والأصح: القطع بأن القرار على المتلف؛ لأنه محظور، بخلاف الآكل، ولا وقع للتغرير مع الحظر، ثم في الفصل صور: إحداها: لو قدم الطعام المغصوب إلى مالكه، فأكله جاهلًا بالحال، فإن قلنا في التقديم إلى الأجنبي إن القرار على الغاصب لم يبرأ الغاصب هاهنا، وإن جعلنا القرار على الآكل برئ الغاصب هاهنا.
وبه قال أبو حنيفه، وربما نصر العراقيون الأول لكن قد سبق في المسألة المبنى عليها أنْ الأصح ثبوت الاستقرار على الآكل.
وحكى الإمام عن الأصحاب أنهم رأوا البراءة هاهنا أولى من الاستقرار، وهاهنا تعرف المالك في ضمن إتلافه يتضمن قطع علقة الضمان عن الغاصب.
وتابعه صاحب الكتاب على ذلك، وبنيا على هذه الأولوية تردد الشيخ أبِي مُحَمَّدٍ فيما إذا أودع، أو رهن، أو أجر المالك، وهو جاهل بالحال، فتلف المغصوب عنده؛ لأن يد المالك إذا ثبتت قطعت أثر الضمان، وظاهر المذهب أن الغاصب لا يبرأ في هذه الصور، كما أن الضمان لا يتقرر على الأجنبي، وعلى عكسه لو باع، أو أقرض، أو أعار من المالك، فتلف عنده يبرأ الغاصب، ولو دخل المالك دار الغاصب، فأكل طعامًا

على اعتقاد أنه طعام الغاصب، فكان طعامه المغصوب يبرأ الغاصب؛ لأنه أتلف مال نفسه في جهة منفعته من غير تغرير من الغاصب.
ولو صال العبد المغصوب على مالكه، فقتله المالك لم يبرأ الغاصب من الضمان، سواء علم أنه عبده، أو لم يعلم؛ لأن الإتلاف بهذه الجهة، كإتلاف العبد نفسه، ولهذا لو كان العبد لغيره لا يضمنه.
وفيه وجه: أنه يبرأ عند العلم لإتلافه مال نفسه في مصلحته.
الثانية: لو زوج الجارية المغصوبة من مالكها، وهو جاهل، فتلفت عنده، فهو كما لو أودع المغصوب عنده، فتلف ثم لو استولدها نفذ الاستيلاء، وبرئ الغاصب.
ومنهم من أثبت فيه خلافاً، وهو قريب من الخلاف الذي نذكره في إعتاقه.
الثالثة: لو قال الغاصب لمالك العبد المغصوب: أعتقه فأعتقه جاهلًا بالحال، ففي نفوذ العتق وجهان: أحدهما: أنه لا ينفذ؛ لأنه لم يرض بإعتاق عبده.
وأصحهما: النفوذ لإضافة العتق إلى رقيقه، والعتق لا يدفع بالجهل، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أنه لا يبرأ الغاصب عن الضمان، بل يرجع المالك عليه بالغرم؛ لأنه لم يرض بزوال ملكه.
وأصحهما: البراءة لانصرافه إلى جهة صرفه إليها بنفسه، وعادت مصلحتها إليه، ولو قال أعتقه عني، وفعل جاهلًا ففي نفوذ العتق الوجهان إن نفذ ففي وقوعه عن الغاصب وجهان.
قال في "التتمة": الصحيح المنع.
ولو قال المالك للغاصب: أعتقه عني، أو مطلقاً فأعتق عتق، وبرئ الغاصب.
قال الغزالي: (الرُّكْنُ) الثَّانِي في المُوجَبِ فِيهِ، وَهُوَ كُلُّ مَالٍ مَغصْوُب، وَينْقَسِمُ إِلىَ الحَيوَانِ وَغَيْرِهِ، فَالحَيَوَانُ يُضْمنُ بِقِيِمَتِهِ حَتَّى العَبْدُ يَضْمَنُ عِنْدَ التَّلَفَ وَالإتْلاَف بأَقْصَى قِيمِتَهِ، وَلَوْ قَطَعَ الغاصِبُ إِحْدَى يَدَيِ العَبْدِ الْتَزَمَ أَكْثَرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشَ النُّقْصَانِ لأنَّهُ تَلَفَ تَحْتَ يَدِهِ إِذَا قُلْنَا جِرَاحُ العَبْدِ مُقَدَّرٌ، وَلَوْ سَقَطَتْ يَدُهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لاَ يَضْمَنُ أَلاَّ أَرْشَ النُّقْصَانِ، وَلاَ يَجِبُ في عَيْنِ البَقَرَةِ وَالفَرَسِ إِلاَّ أَرْشُ النَّقص، وَلاَ يَضُمَنُ الخَمْرَ لِذِمِّيِّ وَلاَ مُسْلِمِ، وَلكَنْ يَجِبُ رَدُّهَا إِنْ كَانَتْ مُحْتَرَمَةَ، وَلاَ يُرَاقُ عَلىَ أَهْلِ

الذِّمَّةِ إلاَّ إِذَا أَظْهَروُهَا، فَإِنْ أُرِيقَ فَلاَ ضَمَانَ، وَكَذَلِكَ المَلاَهِى أَذَا كُسِرَت، فَإنْ أُحْرِقَتْ وَجَبَ قِيمَةُ الرِّضُّاَضِ لأنَّهُ غيرُ جائِزٍ، وَكَذا في الصَّليِبِ وَالصَّنَمِ وَالمُسْتَولَدَةِ وَالمُدَبَّرِ، وَالمُكَاتَبُ مُلْحَقٌ في الضَّمَانِ بِالعَبْدِ القنِّ.
قال الرافعي: في الموجب فيه قال: حملة المذهب المضمونات قسمان: أحدهما: ما ليس بمال، وهو الأحرار فيضمنون بالجناية على النفس والطرف بالمباشرة تارة وبالسبب أخرج.
والقول في هذا القسم يبسط في "الجنايات".
والثاني: ما هو مال، وينقسم إلى الأعيان والمنافع، والأعيان، قسمان: الحيوان وغيره، والحيوان: قسمان الآدمي وغيره.
أما الآدمي فتضمن النفس والطرف من الرقيق بالجناية، كما يضمن الحر، ويضمن أيضاً باليد العادية وبدل نفسه قيمته بالغة ما بلغت، سواء قتل أو تلف تحت اليد العادية.
وأما الأطراف والجراحات فتنقسم إلى ما لا تقدر واجبه من الحر، والواجب فيه من الرقيق ما ينقص قيمته، سواء حصل بالجناية، أو تحت اليد العادية، وإلى ما يتقدر من الحر مما يحصل منها بجناية فيه قولان: أصحهما: وهو الجديد: أنه يتقدر من الرقيق أيضًا والقيمة في حقه كالدية في الحر، فيجب في يد العبد نصف قيمته، كما يجب في الحر نصف ديته، وعلى هذا القياس.
والثاني: وينسب إلى اختيار ابْنِ سُرَيْج أن الواجب ما ينقص من القيمة، كما في سائر الأموال، وما يحصل تحت مجرد اليد العادية، كما إذا غصب عبداً، فسقطت يده بآفة سماوية، فالواجب فيه قدر النقصان.
وفيه وجه: أنه إذا كان النقصان أقل من المقدر وجب ما يجب على الجاني، والمذهب الأول؛ لأن ضمان اليد سبيله سبيل ضمان الأموال، ألا تَرَىَ أنه لا يتعلق به القصاص، ولا الكفارة، ولا يضرب على العاقلة بحال؟ ولهذا لو كان قدر النقصان أكثر من المقدر كان هو الواجب بالأتفاق.
فإن قلنا بالجديد، فلو قطع الغاصب يد العبد المغصوب لزمه أكثر الأمرين من نصف القيمة، أو أرش النقصان لاجتماع السببين حتى لو كانت قيمته ألفا، ونقص أربعمائة وجب خمسمائة، ولو نقص ستمائة وجب ستمائة، ولو قطع يديه، فعليه كل قيمته، وكذلك لو قطع أنثييه، فزادت قيمته، لو كان الناقص بقطع الغاصب ثلثي قيمته،

فالواجب ثلثا القيمة على القولين.
وأما على القديم فلأنه قدر النقصان.
وأما على الجديد فالنصف واجب بالجناية والسدس باليد العادية، ولو كان الناقص بسقوط اليد ثلث قيمته، فهو الواجب على القديم، وكذا على الجديد جواباً على أصح الوجهين، وعلى الثاني الجواب نصف القيمة والمستولدة والمكاتب والمدبّر يلتحقون في الضمان بالعبد القِنّ.
وقال أبو حنيفة: المستولدة لا تضمن بالغصب، لنا القياس على المدبر بجامع بقاء الرق فيهما، ألاَ تَرَىَ أنه يملك تزويجها، وإجارتها، ويأخذ قيمتها لو قتلت.
وأما غير الآدمي من الحيوانات، فالواجب فيها باليد والجناية القيمة، وفيما يتلف من أجزائها ما ينقص من القيمة، ولا فرق في ذلك بين نوع ونوع.
وعن أبِي حَنِيْفَةَ أن الإبل والبقر والخيل، وما له اللحم والظهر معاً يجب في إحدى عينيه ربع القيمة استحسانًا، وبه قال أَحْمَدُ في الخيل خاصة.
أما القياس على أطرافها، وعلى ماله اللحم وحده كالغنم أو الظهر وحده، كالبغال والحمير، ولا فرق أيضاً بين مالك ومالك.
وعن مالك أن في قطع ذنب حمار القاضي تمام القيمة؛ لأنه لا يصلح له بعد ذلك.
وعن أحمد رواية مثله.
لنا أن النظر في الضمان إلى نفس المفوت، لا إلى أغراض الملاك، ألاَ تَرَىَ أنه في وطء جارية الأب بالشبهة مهر المثل، كما في وطء جارية الأجنبي بالشبهة وأن تضمن وطء جارية الأب تحريمها عليه.
وأما غير الحيوان، فينقسم المثلي والمتقوم 1، وسيأتي ما يضبطهما في الركن الثالث.
بقى من فقه الفصل مسألة، وهي أن الخمر والخنزير لا يضمنان للمسلم ولا للذمي، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجب الضمان في إراقة خمر الذمي إن أراقها مسلم ضمنها بالقيمة؛ وإن أراقها ذمي ضمنها بالمثل.
لنا أن مالا في ضمن للمسلم لا يضمن للذمي، كالميتة والدم، وأيضاً فإن الخمر ليست بمال، ولا فرق فيما.
ذكرناه بين أن يريق، حيث تجو الإراقة وحيث لا تجوز، ولا تراق خمر أهل الذمة إلاَّ إذا تظاهروا بشربها أو بيعها, ولو غصبت منهم، والعين باقية

وجب ردها.
وإن غصبت من مسلم وجب ردها، إن كانت محترمة، وإلاَّ لم يجز، بل أريقت لحديث أَبِي طَلْحَةَ في خمور الأيتام 1، وآلات الملاهي، كالبَرْيط والطَّنبُور وغيرهما، وكذلك الصليب والصنم لا يجب في إيصالها شيء أصلاً؛ لأنها محرمة الاستعمال، ولا حرمة لتلك الصنعة والهيئة.
واختلفوا في الحد المشروع لإبطالها على وجهين: أحدهما: أنها تُكسر وتُر حتى تنتهي إلى حد لا يمكن إيجاد آلة محرمة منها لا الأولي ولا غيرها.
وأظهرهما: أنها لا تكسر الكسر الفاحش، ولكنها تفصل، وفي حد التفصيل وجهان: أحدهما: أنها تفصل قدر مالا تصلح للاستعمال الحرام، حتى إذا رفع وجه البَرْيط، وترك على شكل قصعة كفى.
والثاني: أنها تفصل إلى حد لو فرض إيجاد ألة محرمه من مفصلها لنال الصانع التعب الذي يناله في ابتداء الإيجاد، وهذا بأن يبطل تأليف الأجزاء كلها، حتى تعود كما كانت قبل التأليف، ويشبه أن يكون هذا أقرب إلى كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- وعامة الأصحاب، وما ذكرنا من الاقتصار على تفصيل الأجزاء فيما إذا تمكن المحتسب منه.
أما إذا منعه من في يده، وكان يدفع عن المنكر، فله إبطاله بالكسر.
وحكى الإمام وِفَاقَ الأَصحاب على أن قطع الأوتار لا يكفي؛ لأنها مجاورة لها منفصلة.
وتوقف في شيئين تفريعاً على وجه المبالغة في الكسر: أحدهما: في الصفائح التي توجد في يد من يصنع تلك الآلاتِ؛ لأن من بالغ في الكسر، عند حصول الهيئة المحظورة قد لا يرى تلك المبالغة في الابتداء.
والثاني: في الصليب؛ لأنها خشبة معروضة على خشبة؛ فإذا رفعت إحداهما عن الأخرى، فلا معنى للزيادة عليه.
إذا عرفت ذلك، فمن اقتصر في إبطالها على الحد المشروع، فلا شيء عليه، ومن جاوزها، فعليه التفاوت بين قيمتها مكسورة إلى الحد المشروع، وبين قيمتها منتهية إلى الحد الذي أتى به، وإن أحرقها، فعليه قيمتها مكسورة إلى الحد

المشروع 1، ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله "وهو كل مال معصوم".
ظاهره يقتضى حصر ما يجب ضمانه في الأموال، وقد عرفت من التقسيم السابق أن الأحرار مضمونون أيضاً، وكأنه أراد ما يجب ضمانه بالأسباب المذكورة في أول الباب، وحينئذ يخرج الأحرار؛ لأنهم لا يضمنون باليد العادية، وإن كانوا مضمونين، وأشار بالعصوم إلى أن عصمة المال شرط في وجوب الضمان، فلا يضمن مال الحربي.
وقوله: "حتى العبد يضمن عند التلف والإتلاف -أقصى قيمته" -معلّم بالحاء؛ لأن أبا حَنِيْفَةَ لا يوجب أقصى قيمة المماليك على ما بينته في موضعه.
وقوله: "إذا قلنا: جرح العبد مقدار" إشارة إلى قوله الجديد.
وقوله: "لا يضمن إلاَّ أرش النقضان" معلم بالواو.
وقوله: "ولا يجب في عين البقرة والفرس" بالحاء والألف، لما ذكرنا، والقصد بما ذكرنا التعرض لمذهبهما، وإنما ذهبا إليه لأثر فيه عن الصحابة -رضي الله عنهم- وتأويله عندنا أن الأرض في الواقعة كان قدر الربع.
وقوله: "لذمي" معلم بالحاء وقوله "ولكن" يجب ردهًا يجوز إعلامه بالواو، كما تقدم في فصل التحليل في "كتاب الرَّهْن".
وقوله: "وإن أريقت، فلا ضمان" ضرب تأكيد وبينه على أن لا يضمن الخمر مع المنع من إراقتها، وإلاَّ فقوله: "لا يضمن الخمر لذمي" يفيد النفي الكلي، وإذا ذكره، فلا بأس بإعادة إعلامه بالحاء.
وقوله: "وكذا الملاهي إذا كسرت" يعني الكسر المشروع، ولفظ في "المستولدة" معلم بالحاء وإتلاف الخمر، وإبطال منفعة الملاهي يخرج عما يضمن بقوله في أول الركن: "وهو كل مال معصوم" والله أعلم.

قال الغزالي: وَمَنْفَعةُ الأَعْيَانِ تُضْمَنُ بِالفَوَاتِ تَحْتَ اليَدِ وَالتَّفْوِيتِ، وَمَنْفَعَةُ البُضْعِ لاَ تُضْمُنُ إلاَّ بِالتَّفْوِيتِ، وَمَنْفَعَةُ بَدَنِ الحُرِّ تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ، وَهَلْ يُضْمَنُ بِفَوَاتها عِنْدَ حَبْسِ الحُرِّ؟ وَجْهَانِ، وَهُوَ تَرَدُّدٌ في ثُبُوتِ يَدِ غَيْره عَلَيْهِ حَتَّى يَنْبَنى عَلَيْهِ جَوَازُ إجَارَةِ الحُرِّ عِنْدَ اسْتِئْجَارِهِ إنْ قُلْنَا: تَثْبُتُ اليَدُ وَإنَّهُ بِتَسْليِمِ نَفْسِهِ هَلْ يَتَقَرَرَّ أُجْرَتُهُ؟، وَفي ضَمَانِ مَنْفَعَةِ الكَلْبِ المَغْصُوُبِ وَجْهَانِ، وَمَا اصْطَادَهُ بِالكَلْبَ المَغْصُوب فُهوَ للِغَاصِبِ عَلىَ أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنِ اصْطَادَ العَبْدُ فَهَلْ يُدْخِلُ أُجْرَتَهُ تَحْتَهُ لأَنَّ الصَّيْدَ للِمَالِك؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ لَبِسَ ثَوْباً وَنَقَصَ قِيِمَتَهُ فَهَلْ تَنْدَرجُ الأُجْرَةُ تَحْتَ النَّقْصِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؟ وَلَو ضَمِنَ العَبْدَ المَغْصَوبَ بَعْدَ إبَاقِهِ فَهَل تَسْقُطُ عَنْهُ أُجْرَتُهُ بَعْدَ الضَّمَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ثم الكلام في قسم الأعيان من المضمونات.
أما المنافع فهي أنواع: منها: منافع الأموال من العبيد والثياب وغيرها، وهي مضمونة بالتفويت 1، والفوات تحت اليد العادية، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ، حيث قال: لا تضمن بالتفويت، ولا بالفوات، وإنما تضمن بعقد، أو شبهة عقد، ولمالك حيث قال: لا تضمن بالفوات تحت اليد وإنما تضمن بالتفويت والاستعمال.
لنا أن المنافع مضمونة بالعقد الفاسد، وتضمن بالغصب، كالأعيان، وأيضاً فإنها متقومة، أَلاَ تَرَىَ أنه يبذل المال لتحصيلها؟ ولو استأجر عينًا لمنفعة، واستعملها في غيرها ضمنها، فأشبهت الأعيان.
إذا تقرر ذلك، فكل عين لها منفعة تستأجر من أجلها، تضمن منفعتها 2 إذا بقيت في يده مدة لمثلها أجرة، حتى لو غصب كتاباً وأمسكه مدة، طالعه أو لم يطالعه، أو مسكًا شمه، أو لم يشمه لزمه الأجرة، ولو كان العبد المغصوب يحسن صناعات لزمه أجرة أعلاها, ولا يجب أجرة الكل.
ومنها: منفعة البُضْع وهي لا تضمن بالفوات تحت اليد.
والفرق بينها، وبين سائر المنافع أن اليد لا تثبت على منفعة البضع، أَلاَ تَرَىَ أن

السيد يزوج الأمة المخصوبة، ولا يؤجرها، كما لا يبيعها؛ لأن يد الغاصب حائلة.
ولو تداعى اثنان نكاح امرأة، يدعيان عليها, ولا يدعى أحدهما على الآخر، وإن كانت عنده، وإِذا أقرت لأحدهما حكم بأنها منكوحته، وذلك يدل على أن اليد لها، وأيضاً فإن منفعة البضع تستحق استحقاق ارتفاق للحاجة وسائر المنافع تستحق استحقاق ملك تام، أَلاَ تَرَىَ أن من ملك منفعة بالاستئجار نقلها إلى غيره بالعوض بأن يؤجر وبغير العوض بأن يعير؟ والزوج المستحق لمنفعة البضع لا يملك نقلها, لا بعوض، ولا بغير عوض.
وأما إذا فوت منفعة البضع بالوطء ضمن مهر المِثْلِ.
وأخرنا بسط الكلام فيه إلى الفصل الثالث من الباب الثاني؛ لأن حكم وطء المشترى من الغاصب مذكور هناك، وذكر حكم وطء الغاصب معه أحسن في النظم.
ومنها: منفعة بدن الحر، وهي مضمونة بالتفويت، وإذا قهر حرّاً، واستخدمه في عمل ضمن أجرته، وإن حبسه، وعطل منافعه، فوجهان: أحدهما: أنه يضمنها أيضاً؛ لأن منافعه متقومة بالعقد الفاسد، فأشبهت منافع الأموال، وحكى هذا عن ابنِ أَبِي هُريَرَة.
وأصحهما: المنع؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد فمنافعه تفوت تحت يده بخلاف الأموال، ويقرب من هذين الوجهين الخلاف في صورتين.
إحداهما: لو استاجر حرّاً وأراد أن يؤجره هل له ذلك؟ والثانية: إذا أسلم الحر المستاجر نفسه، ولم يستعمله المستأجر إلى انقضاء المدة التي استأجره فيها هل تتقرر أجرته؟ قال الأكثرون: له أن يؤجره، وتتقرر أجرته.
وقال القَفَّالُ: لا يؤجره، ولا تتقرر أجرته؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد، ولا تحصل منافعه في يد المستأجره وضمانه، إلاَّ عند وجودها، هكذا أورد النقلة توجيه الخلاف في المسائل الثلاثة، ولم يجعلوا دخول الحر تحت اليد مختلفاً فيه، ولكن القائلين بجواز إجارة الحر المستأجر، وتغريم الأُجرة كأنهم بنوا الأمر على الحاجة والمصلحة، وصاحب الكتاب جعله مختلفاً فيه، وبنى الخلاف في المسائل على التردد في دخوله تحت اليد، ولم أعثر على ذلك لغيره، وبتقدير ثبوته يجوز أن يعلم قوله: "والحر لا يدخل تحت اليد" وفي الرَّهْن في الباب الثالث في مسألة موت الحرة المَزْنِيِّ بها في الطلق من حمل الزنا بالواو، وفي ثياب الحر في ضمان من استولى عليه تفصيل مذكور في الكتاب في "السرقة".

فرع

قال في "التتمة": لو نقل حرّاً صغيرًا أو كبيرًا بالقهر من موضع إلى موضع آخر، فإن لم يكن له غرض في الرجوع إلى الموضع الأول، فلا شيء عليه 1 وإن كان واحتاج إلى مؤنة، فهو على الناقل لتعديه.
ومنها: منفعة الكلب، فمن غصب كلب الصيد، أو الحراسة لزمه رده مع الرد، إِن كان له مؤنة، وهل يضمن منفعته بالأجرة؟ فيه وجهان مرتبان مبنيان على الوجهين في جواز استئجاره، وسيأتي ذكرهما، وما اصطاده الغاصب بالكلب المغصوب للمالك على أحد الوجهين، كصيد العبد، وأكسابه، وللغاصب على أظهرهما؛ لأن الجارحة آلة كما لو غصب شبكة أو قوصا، واصطاد بهما، ويجرى الوجهان فيما لو اصطاد بالبَازِي، والفهد المغصوبين، وحيث كان الصيد للغاصب لزمه أجرة المِثْلِ للمغصوب منه، وحيث كان للمالك كصيد العبد، ففي وجوب الأجرة لزمن الاصطياد وجهان: أحدهما: لا تجب؛ لأنه إذا كان الحاصل له كانت المنافع منصرفة إليه.
وأشبههما: الوجوب؛ لأنه ربما كان يستعمله في غير ما استعمله 2. ولا تدخل الأجرة فيما اكتسبه.
ثم الفصل مختوم بقاعدتين.
إحداهما: المغصوب إذا دخله نقص هل يجب أرشه مع الأجرة؟ ينظر إن كان النقص بسبب غير الاستعمال، كما لو غصب ثوباً أو عبداً، فانتقصت قيمته بآفة سماوية، كما لو سقط العبد بمرض وجب الأرش مع الأجر، والأجرة لما قبل حدوث النقصان أجرة مثله سليمًا، ولما بعده أجرة مثله معيباً، فإن كان النقص بسبب الاستعمال، كما إذا لبس الثوب فأبلاه فوجهان: أصحهما: أنهما يجبان أيضاً، كما لو حصل النقصان بسبب آخر.
والثاني: أنه لا يجب إلاَّ أكثر الأمرين من أجره المثل، وأرش النقصان؛ لأن النقصان نشأ من الاستعمال، وقد قوبل الاستعمال بالأجرة، فلا يجب له ضمان أجر، والقائل الأول يقول: الأجرة لا تجب للاستعمال؛ وإنما تجب لفوات المنفعة على المالك، أَلاَ تَرَى أنها تجب، وإن لم تستعمل، فإذا لا يلزم وجوب ضامنين بشيء واحد والله أعلم.

سنذكر القاعدة الثانية أن العبد المغصوب إذا تعذر رده بآفة غرم الغاصب قيمته للحيلولة، ويلزمه مع ذلك أجرة المثل للمدة التي تمضي قبل بذل القيمة، ولما بعده وجهان: أحدهما: أنها لا تجب؛ لأن القيمة المأخوذة نازلة منزلة المغصوب، فكأن المغصوب عاد إليه.
وأصحهما: الوجوب؛ لأن حكم الغصب باقٍ، وإنما وجبت القيمة للحيلولة، فيضمن الأجرة لفوات المنفعة، والوجهان جاريان في أن الزوائد الحاصلة بعد دفع القيمة، هل تكون مضمونة على الغاصب، وفي أنه يلزمه مؤنة ردها؟ وفي أن جناية الآبق في إباقه هل يتعلق ضمانها بالغاصب؟ ولو غيب الغاصب العبد المغصوب إلى مكان بعيد وعسر رده، وغرم القيمة.
قال الإمام طرد شيخي في الصورة الخلاف في الأحكام المذكورة أيضاً.
ومنهم من قطع بوجوب الأجرة وثبوت سائر الأحكام، الفرق أن من غيبه باختياره، فهو باقٍ في يده وتصرفه، فلا تنقطع علائق الضمان عنه، بخلاف الآبق.
قال الغزالي: (الرُكْنُ الثَّالِثُ): في الوَاجِبِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى المِثْلِ وَالقِيمَةِ، وَحَدُّ المِثلْيِّ مَا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُة فِي المَنْفَعَةِ والقِيمةِ مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ لا مِنْ حَيْثُ المَنْفَعَةِ، وَالأظْهَرُ: أَنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ والدَّقِيقَ مِثْلِيُّ، وَكَذَا الخُبْزُ فَإِنَّ أَخْلاَطَهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِخِلاَفِ سَائِرِ المَخْلُوطَاتِ.
قال الرافعي: ما يجب ضمانًا ينقسم باعتبار المضمون إلى المثل والقيمة، فيضمن المثلى بالمثل؛ لأنه أقرب إلى التالف والمتقوم بالقيمة.
وللأصحاب في ضبط المثلي عبارات: إحداها: أن كل مقدر بكيل، أو وزن، فهو مثلي، وتروى هذه العبارة عن أَبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ، وتنسب إلى نص الشَّافعي -رضي الله عنه- لقوله في "المختصر": وماله كيل أو وزن، فعليه مثل كيله أو وزنه.
والثانية: زاد بعضهم اشتراط جواز السَّلم فيه؛ لأن المسلم فيه يثبت بالوصف في الذمة، والضمان يشبه ألا يثبت في الذمة.
والثالثة: زاد القَفَّالُ وآخرون اشتراط جواز بيع بعضه ببعض، لتشابه الأصلين في قضية التقابل، واعترض على العبارات الثلاث بأن القماقم والملاعق والمغرف المتخذة من الصفر والنحاس موزونة، ويجوز السَّلم فيها، وبيع بعضها ببعض، وليست مثلية،

هكذا حكى الإمام الاعتراض عن القاضي لكن قد مر في باب السَّلم أن القماقم ونحوها لا يجوز السَّلم فيها لاختلافها، وإنما الجواز في الأسطال المريعة، والظروف المضروبة من القوالب، فإن كان الالتزام بمثلها، فلا يبعد ممن صار إلى العبارات الثلاثة طردها فيها والحكم بأنها مثلية.
والرابعة: نقل بعض شارحي "المفتاح" أن المثليات هي التي تنقسم بين الشريكي من غير حاجة إلى تقويم، ولك أن تقول: هذا مشكل بالأرض المتساوية الأجزاء، فإنها تنقسم من غير تقويم، وليست هي بمثلية.
الخامسة: قال العراقيون: المثلى مالاً تختلف أجزاء النوع الواحد منه في القيمة، وربما يقال في الجِرْم والقيمة، ويقرب منه قول من قال: المثليات هي التي تتشاكل في الخلقة، ومعظم المنافع وما اختاره الإمام هو تساوي الأجزاء في المنفعة والقيمة، فزاد النظر إلى المنفعة، وعلى ذلك جرى صاحب الكتاب، وزاد قوله: "من حيث الذات، لا من حيث الصنعة" وقصد به الاحتراز من الملاعق والمغارف وصنجات الميزان المتساوية، فإن تساويهما جاء من حفظ التشابه في الصنعة، وإلاَّ فالمصنوعات مختلفة في الغالب، ولك أن تقول: الملعقة ونحوها لو وردت على الضابط المذكور، إما ترد لتماثل أجزائها، وهي ملعقة، أو لتماثل جوهرها فقط.
والأول: باطل؛ لأن أجزاء الملعقة غير متماثلة في الصنعة.
وأما الثاني: فالصفر الذي هو جوهر الملعقة إذا كان مثليًا كان تماثل أجزائه من حيث الذات، لا من حيث الصنعة وإذا لم تؤثر الصنعة في تماثل الأجزاء، فكيف يقال: أجزاؤه من حيث الذات، لا من حيث الصنعة، والحق أن أثر الصنعة في تماثل الأعداد، وأوضاع أجزائها لا غير.
وإذا وقفت على هذه العبارات، وبحثت عن الأظهر منها، فاعلم أن الأولى منقوضة بالمعجونات.
والثالثة: المعتبرة ليجوز بيع البعض بالبعض بعيدة عن اختيار أكنز الأصحاب، فإنهم أعرضوا عن هذا الشرط، وقالوا: امتناع بيع البعض بالبعض من الربويات، لرعاية التماثل في حال الكمال بمعزل عما نحن فيه.
والرابعة: لا حاصل لها.
وأما الخامسة: فإن أريد بالأجزاء فيها كل ما يتركب فيه الشي، فيلزم ألاَّ تكون الحبوب مثلية؛ لأنها تتركب من القشور، والألباب والقشر مع اللباب مثليان في القيمة والمنفعة، وكذا التمر والزبيب لما فيهما من النوى والعجم.
وإن أريد الأجزاء التي يقع عليها اسم الجملة، فيلزم ألا تكون الدراهم والدنانير

مثلية لما يقع في الصّحَاح عن اختلاف في الوزن، وفي الاستدارة والاعوجاج، وفي وضوح السكّة، وخفائها، وذلك ما يؤثر في المنفعة والقيمة، والنظر إلى الجِرْمِ بعيد؛ لأن الحبوب والتمور متماثلة.
ومعلوم أن نوعاً منها لا يخلو عن اختلاف الحبات في الصغر والكبر، فإذا أظهر العبارات الثانية لكن الأحسن أن يقال: المثلى كل ما يحصره الكيل، أو الوزن، ويجوز السلم فيه، ولا يقال: كل مكيل أو موزون؛ لأن المفهوم منهما ما يعتاد كيله ووزنه، فيخرج منه الماء وكذا التراب وهو مثلي على الأصح، هذا ما يتعلق بالضبط، وينشأ من اختلاف العبارات الخلاف في الصفر والنحاس والحديد والآنك؛ لأن أجزاءها مختلفة الجوهر، ولأن زُبُرُها متقاربة الأجرام، وفي التبر والسبيكة والعنبر والمسك والكافور والثلج والجمد والقطن بمثل ذلك، وفي العنب والرطب وسائر الفواكه الرطبة لامتناع بيع بعضها ببعض، وكذا في الدقيق.
والأظهر: أنها جميعاً مثلية، وفي السكر والفانيد والعسل المصفى بالنار واللحم الطرى للخلاف في جواز بيع كل منها بجنسه، وفي الخبز لامتناع بيع بعضه ببعض، وأيضاً للخلاف في جواز السلم فيه، وجعل صاحب الكتاب الأظهر كونه مثليّاً، بناء على قطع النظر عن امتناع بيع بعضه ببعض، ويجوز السلم فيه لكنَّا أثبتنا الخلاف في السلم، وبيان ذلك الخلاف.
وقوله: "فإن أخلاطه غير مقصودة، بخلاف سائر المخلوطات" يعني المعجونات والغوالي ونحوها.
والفرق بين ما يقصد أخلاطه وبين ما لا يقصد منه إلاَّ الواحد مقرر في السلم، أما الحبوب والأدهان والألبان والسمن والمخيض والخل لم يستعن في إيجاده بالماء والزبيب والتمر ونحوها، فهي مثلية بالاتفاق، وكذا الدراهم والدنانير، لكن قضية العبارة الثانية إثبات الخلاف فيها؛ لأن في السلم فيها اختلافاً قد تقدم، وأيضاً فإنهم جعلوا المكسرة على الخلاف في التبر والسبيكة لتفاوت القراضات في الجِرْمِ، ومثل ذلك يفرض في الصحاح، فيلزم مجيء الخلاف فيها، وهذا في الدراهم والدنانير الخالصة، أما المغشوشة، ففي "التتمة" أن أمرها يبنى على جواز التعامل بها إن جوزناها فهي مثلية، وإلا فتقومه؛ لأن ما لا يملك بالعقد لا يملك بالقبض عوضاً عن التلف والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: ثُمَّ إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ المِثْلَ بَعْدَ أَنْ تَلَفَ المَغْصُوبُ حَتَّى فَقَدَ المِثْلَ، فَقِيلَ: الوَاجِبُ أَقْصَى قِيمَةِ المَغْصُوبِ مِنْ وَقْتِ الغَصبِ إِلَى التَّلَفِ، وَقِيلَ: أَقصَى قِيمَةِ المِثْلِ

مِنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ اِلى الإعْوَازِ، وقِيْلَ: منْ وَقْتِ الغَصْبِ إلَى الإعْوَازِ وَقِيلَ: إِلى وَقْتِ طَلَبِ الضَّمَانِ وَلَوْ غُرِّمَ القِيمَةَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى المِثْلِ فَلاَ يَرُدُّ القِيمَةَ عَلَى الأظْهَرَ لِتَمَام الحُكْمِ بِالبَدَلِ الحَقِيقِّي.
قال الرافعي: إذا غصب مثليّاً، وتلف في يده، والمثل موجود، فلم يسلمه حتى فقد، أخذت منه القيمة، والمراد من الفقدان ألاَّ يوجد.
في ذلك البلد، وما حواليه على ما تبين في انقطاع المسلم فيه، وفي القيمة المعتبرة عشرة أوجه: أحدها: أنها أقصى قيمة من يوم الغصب إلى التلف، ولا اعتبار بزيادة قيمة أمثاله بعد تلفه، كما في المتقومات.
وثانيها: أنها أقصى قيمة من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز؛ لأن المثل هو الواجب، إلاَّ أنه لما فقد تعذر الوصول إليه، فينظر إلى قيمته من وقت وجوبه إلى التعذر، ويطلق هذان الوجهان على أن الواجب عند إعواز المثل قيمة المغصوب؛ لأنه الذي تلف على المالك، أو قيمة المثل؛ لأنه الواجب عند التلف، وإنما رجعنا إلى القيمة لتعذره، وفيه وجهان لأَبِى الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ: إن قلنا بالأول اعتبرنا الأقصى من وقت الغَصْب إلى وقت تلف المغصوب.
وإن قلنا بالثاني اعتبرنا من وقت تلف المغصوب؛ لأن المثل حينئذ يجب إلى وقت الانقطاع والإعواز، ولفظ الكتاب في حكايته الوجه الأول أقصى فيه قيمة المغصوب وفي حكايته الوجه الثاني أقصى قيمة المثل إشارة إلى هذا.
وثالثها: وهو الأصح: أن القيمة المعتبرة أقصى القيم من يوم الغَصْبِ إلى الإعواز؛ لأن وجود المثل، كبقاء عين المغصوب من حيث إنه كان مأموراً بتسليم المثل كما كان مأموراً برد العين، فإذا لم يفعل غرم أقصى قيمة في المدتين، كما أن المتقومات تضمن بأقصى قيمتها لهذا المعنى، ولا نظر إلى ما بعد انقطاع المثل، كما لا نظر إلى ما بعد تلف المغصوب المتقوم.
ورابعها: أقصى القيم من الغصب إلى وقت تغريم القيمة، والمطالبة بها؛ لأن المثل لا يسقط بالإعواز، ألا تَرَى أن المغصوب منه لو صبر إلى وجدان المثل ملك المطالبة به، وإنما المصير إلى القيمة عند تغريمها، وهذه الأوجه الأربعة هي المذكورة في الكتاب.
وخامسها: عن رواية الشيخ أبِي مُحَمَّدٍ: أنها أقصى القيم من وقت انقطاع المثل وإعوازه إلى وقت المطالبة بالقيمة؛ لأن الإعواز وقت الحاجة إلى العدول إلى القيمة فيعتبر الأقصى من يومئذ.
وسادسها: أنها أقصى القيم من وقت تلف المغصوب، إلى وقت المطالبة؛ لأن

الضمان يومئذ يجب.
وسابعها: أن الاعتبار بقيمة اليوم الذي تلف فيه المغصوب.
وثامنها: أن الاعتبار بقيمة يوم الإعواز لأنه وقت العدول إلى القيمة، ويحكى هذا عن اختيار أبى عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيِّ والحَناطِيِّ والمَاوَرْدِيّ وأبِى خَلَفٍ السلميِّ.
وتاسعها: أن الاعتبار بقيمة يوم المطالبة؛ لأن الإعواز حينئذ يظهر ويتحقق، وقد يبدل لفظ المطالبة والتغريم بالحكم والقيمة والمرجح بها إلى شيء واحد.
وعاشرها: أنَّه إن كان منقطعاً في جميع البلاد، فالاعتبار بقيمة يوم الإعواز، وإن فقد في تلك البقعة، فالاعتبار بقيمة يوم الحكم بالقيمة، كذا نقله صاحب "المهذب".
الحادي عشر: وفيما علق عن الشيخ أبى حَامِدٍ أن المعتبر فيه يوم أخذ القيمة، لا يوم المطالبة، ولا يوم التلف، فهذا وجه آخر إن كان ثابتاً.
ويجوز إعلام جميع الوجوه المذكورة في الكتاب -بالحاء- لأن البندنيجي حكى عن أَبِى حَنِفَةَ الاعتبار بقيمة يوم المطالبة، والقبض هذا لفظه -وبالألف- لأن مذهب أَحْمَدَ كالوجه الثامن.
ولو غصب مثليّاً فتلف، والمثل مفقدد، فالقياس أنه يجب على الوجه الأول والثالث أقصى القيم من وقت الغصب إلى التلف، وعلى الثاني والسابع والثامن قيمة يوم التلف، وأن يعود والرابع والسادس والتاسع بحالها، وعلى الخامس أقصى القيم من يوم التلف إلى يوم التغريم، وعلى الحاضر إن كان مفقوداً في جميع البلاد، وجب قيمة يوم التلف، وإلاَّ قيمة يوم التقويم 1. ولو تلف مثليًّا على إنسان من غير غصب، وإثبات يد عليه، وكان المثل موجوداً، فلم يسلم حتى فُقِدَ، فعلى الوجه الأول تجب قيمة يوم الإتلاف، وعلى الثاني وعلى الثالث أقصى القيم من يوم الإتلاف إلى الإعواز، وعلى الرابع من يوم الإتلاف إلى التقويم، والقياس عود الوجوه الباقية، ولو أتلفه، والمثل مفقود 2 فالقياس أن يقال على الوجه الأول والثاني والسابع والثامن: تجب قيمة يوم الإتلاف، وعلى الرابع والخامس والسادس أقصى القيم من يوم الإتلاف إلى التقويم وعلى التاسع قيمة يوم التغريم، وعلى الحاضر إن كان منقطعاً في جميع البلاد وجبت قيمة يوم الإتلاف، وإلاَّ فقيمة يوم التقويم، والله أعلم.
ومهما غرم الغاصب أو المتلف القيمة لإعواز المثل، ثم وجد المثل، هل للمالك رد القيمة، وطلب المثل؟.

فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن حقه المثل، وإنما أخذت القيمة للعجز عنه، وإذا حصلت القدرة عدل إليه، كما إذا غرم قيمة العبد الآبق ثم عاد.
وأظهرهما: على ما ذكر صاحب الكتاب والقاضي الروياني المنع 1؛ لأن الأمر قد انفصل ببذل المثل، وإذا تم الحكم بالبدل، فلا عود إلى المبدل كما لو صام المعسر في الكفارة المرتبة، ثم أيسر، وهذا معنى قوله: "لتمام الحكم بالبدل الحقيقي" وأراد بتسميته حقيقيّاً أن القيمة بدل حقيقة عند إعواز المثل لا لالتحاق المثل حينئذ بالتقويم، وفي غرامة العبد الآبق ليست القيمة بدلاً حقيقية وإنما هي مأخوذة لحصول الحيلولة لكن لصاحب الوجه الأول أن يقول عندي القيمة حالة الإعواز ليس بدل حقيقة، وإنما هي مأخوذة لحصول الحيلولة بينه وبين حقه، وهو المثل، فالأجود من الفرق أن يقال: العبد عين حقه المغصوب، والمثل بدل حقه، فلا يلزم من تمكينه من الرجوع إلى عين حقه تمكين من الرجوع إلى بدل حق، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا فَظَفَرَ بِهِ في غَيْرِ ذَلِكَ المَكانِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلاَّ القِيمَةُ، فَإِذَا عَادَ إلَى ذَلِكَ المَكَانِ لَزِمَهُ المِثْلُ وَأَخَذَ القِيمَةَ، وَلَوْ ظَفَرَ بِهِ في غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ جَازَ طَلَبُ المِثْلِ؛ لأَنَّ رَدَّ الزَّمَانِ غَيْرِ مُمْكِنِ فَتَعَذَّرَ المِثْلُ الحَقِيقيُّ، والمُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِذَا انْتَقَلَ لَمْ يُطَالِبْ، وَفِي مُطَالَبَتِهِ بِالقِيمَةِ تَرَدُّدٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اعْتِياضٌ، فَإِنْ مُنِعَ فَلَهُ الفَسْخُ، وَطَلَبُ رَأسِ المَالِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل أن المثل هل يؤخذ مثله مع اختلاف المكان والزمان، أما المكان، فاعلم أولاً أنَّه لو غصب مثلياً، ونقله إلى بلد آخر كان للمالك أن يكلفه رده، وله أن يطالب بالقيمة في الحال للحيلولة 2، ثم إذا رده الغاصب رد القيمة، واسترده، ولو تلف في البلد المنقول إليه طالبه بمثله، حيث ظفر به من البلدين لتوجه الطلب عليه برد العين في الموضعين 3، فإن فقد المثل غرمه قيمة أكثر البلدين قيمة.

ولو أتلف مثليّاً، أو غصبه، وتلف عنده في بلد، ثم ظفر المالك به في بلد آخر، هل له مطالبته بالمثل؟.
الذي ذكره الأكثرون أنه إن كان مما لا مؤنة لنقله، كالدراهم والدنانير 1، فله المطالبة بالمثل، وإن كان لنقله مؤنة لم يكن له طلب المثل، ولا للغارم تكليفه قبول المثل لما يلزم فيه المثل لما فيه من المؤنة والضرر للمالك أن يغرمه قيمة بلد التلف، فإن تراضيا على المثل لم يكن على المثل لم يكن له تكليفه مؤنة النقل.
وعلى هذا تنزيل جوابه في الكتاب، وإن أطلقه إطلاقاً، وحكى الإمام وراءه وجهين: أحدهما: عن شيخه أَبِى مُحَمَّدٍ: أنه يطالبه بالمثل، وإن لزمت المؤنة، وزادت القيمة، كما أتلف مثليّاً في وقت الرخص له طلب المثل في الغلاء.
والثاني: عن رواية الشيخ أَبِي عَليٍّ: أنه إن كانت قيمة ذلك البلد مثل قيمة المتلف، أو أقل طالبه بالمثل، وإلاَّ فلا 2. وذكر أبُو عَاصِمٍ العَبَّادِيُّ مثل هذا، وإذا حكمنا بالمنع، وأخذ القيمة، ثم اجتمعا في بلد التلف، هل للمالك رد القيمة، وطلب المثل؟ وهل لصاحبه استرداد القيمة وبذل المثل؟.
فيه الوجهان فيما إذا غرم القيمة؛ لإعواز المثل، والذي أورده صاحب الكتاب منهما أن عليه المثل، وأخذ القيمة مع أنه جعل الأظهر في مسألة الإعواز المنع، وهذا لا وجه له، بل الخلاف في المسألتين واحد، باتفاق الناقلين.

فإما أن يختار فيهما النفي، أو الإثبات.
ولو نقل المغصوب المثلي إلى بلد آخر، فتلف هناك، أو أتلفه، ثم ظفر به المالك في بلد ثالث وقلنا: إنه لا يطالب بالمثل في غير موضع التلف، فله أخذ قيمة أكثر البلدين قيمة 1. وأما في المسألة الأولى فهاهنا لا يطالب إلاَّ بالمثل وإذا اختلف الزمان فله المطالبة بالمثل، وإن زادت القيمة وليس له إلاَّ ذلك، وإن نقصت القيمة، والفرق بينه وبين المكان.
إذا قلنا: لا يطالب بالمثل في غير ذلك المكان أن العود إلى المكان الأول يمكن، فجاز انتظاره، ورد الزمان الأول غير ممكن، فقنعنا بصورة المثل، وإن لم يكن ذلك مثلاً حقيقة؛ لأن التساوي في القيمة معتبر في المثلين، وللزمان أثر ظاهر في تفاوتها، لكن يتوجه على هذا أن يقال: نعم رد الزمان الأول غير ممكن، لكن انتظار الزمن الذي تكون القيمة فيه كالقيمة وقت الإتلاف ممكن، فهلا قنع بقيمة يوم الإتلاف، وانتظر المثل إليه، وهذا أكله فيما إذا لم يخرج المثل، باختلاف المكان والزمان عن أن يكون له قيمة ومالية.
أما إذا خرج، كما إذا أتلف عليه الماء في مفازة، ثم اجتمعا على شط نهر، أو بلد أو أتلف عليه الجمد في الصيف، واجتمعا في الشتاء، فليس للمتلف بذل المثل، بل عليه قيمة المثل في مثل تلك المفازة أو في الصيف وإذا غرم القيمة ثم اجتمعا في مثل تلك المفازة، وفي الصيف هل يثبت الترادُّ؟ فيه الوجهان السابقان.
وأما قوله في الكتاب: "والمسلم إليه" إلى آخره، فقد ذكرنا المسألة بما فيها في "السلم" 2. قال الغزالي: وَلَوْ أَتْلَفَ آنِيَةً مِنْ نُقْرَةٍ يَلْزَمُهُ المِثْلُ، وَمَا زَادَ بِالصَّنْعَةِ يُقَوَّمُ بِغَيْرِ جِنْسِ الأَصْلِ حِذَاراً مِنَ الرِّبَا، وَقِيلَ: لاَ يُبَالِي بِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْعٍ.
قال الرافعي: الذهب والفضة إما أن يكونا مضروبين، فقد ذكرنا أنهما مثليان، أو لا يكونا مضروبين، وكل واحد منهما إمّا أن يكون فيه صنعة كالحلي، أو لا تكون

كالتبر.
أما الأول: فإذا أتلف حليًّا وزنه عشرة، وقيمته عشرون، فقد نقل أصحابنا العراقيون وجهين فيما يلزمه: أحدهما: أنه يضمن العين بوزنها من جنسها، والصنعة بقيمتها من غير جنسها، سواء كان ذلك نقد البلد، أو لم يكن؛ لأنا لو ضمنا الكل بالجنس، لقابلنا عشرة بعشرين، وذلك رباً.
وأصحهما عندهم: أنه يضمن الجميع بنقد البلد، وإن وإن من جنسه، ولا يلزم الربا، فإنه إنما يجري في العقود، لا في الغرامات، ولو كان هذا رباً، لكان الوجه الأول أيضاً ربا، فإنه كما لا يقابل دينار بديناربن، لا يقابل دينار بدينار ودرهم.
وفيه وجهان آخران: أحدهما: أن العين تضمن بوزنها من جنسها، والصنعة بنقد البلد، كما لو أتلف الصنعة وحدها بكسر الحلي يضمن بنقد البلد، سواء كان من جنس الحلي، أو من غير جنسه، هنا محكى في "النهاية" مع الأولين.
والثاني: أنه يضمن الكل بغير جنسه تحرزاً عن التفاضل، ومن اختلاف الجنس في أحد الطرفين، ويروى هذا عن أبِي حَنِيْفةَ.
وأحسن ترتيب في المسألة ما ذكره في "التهذيب"، وهو أن صنعة الحلي متقومة وفي وزنه الاختلاف الذي سبق في التبر والسبيكة.
إن قلنا إنه مثلي، فوجهان: أحدهما: أنه يضمن الكل بغير جنسه كيلا يلزم الربا.
وأصحُّهما: أنه يضمن الوزن بالمثل، والصنعة بنقد البلد، سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه.
وإن قلنا: إنه متقوم، فيعتبر الكل بنقد البلد، كيف كان، وينبغي أن يجي على هذا وجه التضمين، بغير الجنس؛ إِذا كان نقد البلد من الجنس؛ لأن معنى الربا لا يختلف، ولو أتلف آنية من ذهب أو فضة، فتبنى على أن اتخاذها، هل هو جائز.
إن قلنا: نعم، كما لو أتلف حليًّا.
إن قلنا: لا، فهو كإتلاف ما لا صنعه فيه، كالتبر والسبيكة، فينبني على الخلاف في أنه مثلي، أو متقوم.
إن قلنا بالأول، ضمن مثله.
وإن قلنا بالثاني فوجهان: أحدهما: قيمته بنقد البلد، سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه، كسائر المتقومات.

والثاني: أن الجواب كذلك، إلاَّ إذا كان نقد البلد من جنسه، وكانت القيمة تزيد على الوزن، فحينئذ يقوم بغير الجنس، ويضمن به، وهذا ما اختاره العراقيون هاهنا فَارِقِيْنَ بين ما فيه صنعة، وبينه بأن الزيادة ثم تقع في مقابلة الصنعة، فلا تؤدي إلى الربا وهاهنا لا قيمة للصنعة، فيلزمه الربا، لكن لصاحب الوجه الأول أن يقول: لو كان الربا جارياً في الغرامات لاستوى المصنوع وغيره، كما لو قابل حليًّا بتبر لا يجوز للفضل.
وقوله في الكتاب: "ولو اتلف آنية".
التصوير في الآنية مفرع على جواز اتخاذها، كما بيناه.
وقوله: "يلزمه المثل".
مثل وزن الآنية والحلى التبر، لا الدراهم والدنانير المضروبة.
وقوله قيل: لا نبالي به أي بتقويم الصنعة بجنس الأصل وتغريمها رد، وذلك مما يترك فيه وجه تقويم الكل بنقد البلد، إذا كان نقد البلد من جنسه.
ووجه تقويم الأصل بالمثل والصنعة بنقد البلد إذا كان من جنسه ويجوز إعلامه -بالحاء- وكذا إعلام قوله: "يلزمه المثل" لما مر من الرواية قوله: "فإنه ليس ببيع" يعني أنَّه غرامة متلف، ومحل الربا إنما هو البيوع والمعاقدات، والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَلَوْ اتَّخَذَ مِنَ الرُّطَبِ تَمْراً وَقُلْنَا: لاَ مِثْلَ للِرُّطَبِ وَللِتَّمْرِ مِثْلٌ، أَوْ مِنَ الحِنْطَةِ دَقِيْقاً، فَالأَوْلَى أَنْ يَتَخَيَّرَ المَالِكُ بَيْنَ المُطَالَبَةِ بِقِيمَةِ الرُّطَبِ وَالدَّقِيقِ أَوْ مِثْلِ التَّمرِ وَالحِنْطَةِ، كَمَا لَوِ اتَّخَذَ مُنَ السِّمْسِمِ الشَّيْرَجَ فَيُطَالِبُ إنْ شَاءَ بِالسِّمْسِمِ أَوْ بالشَّيْرَجِ، وَلَوْ عَدِمَ المِثْل إلاَّ بالأكْثَرِ من ثَمَنِ المِثْلِ لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّراءُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: الأولى: إذا تغير المغصوب في يد الغاصب من حال إلى حال، ثم تلف عنده، فأما أن يكون متقوماً في الحالة الأولى مثلياً في الثانية، أو بالعكس أو مثلياً فيهما، أو متقوماً فيهما.
أما القسم الأول: فكما إذا غصب رطباً، وقلنا إنه متقوم، فصار تمراً، ثم تلف عنده، ففيه وجهان: أحدهما: وبه أجاب العراقيون: أنَّه يضمن مثل التمر؛ لأنه لا يمكن الجمع بين المثل والقيمة، ولا بد من إيجاب أحدهما، والمثل أقرب إلى التالف، فيكون إيجابه أولى.
وأشبههما: وهو المذكور في "التهذيب": أنه إن كان الرطب أكثر قيمة، أو فعلية قيمته كيلا تضيع الزيادة عليه، وإن كان التمر أكثر قيمة، أو استويا فعلية المثل.
واختار صاحب الكتاب أنه يتخير أن يأخذ مثل التمر، أو قيمة الرطب؛ لإنه أتلف

عليه ماله، وهو مِثْلِي ورد ماله، وهو متقوم، فيطالب بموجب ما شاء من الحالتين.
وأما القسم الثاني: فهو كما لو غَصَبَ حِنْطَة وطحنها، وتلف الدقيق عنده، أو جعله خبزاً، أو أكله وقلنا: لا مثل للدقيق والخبر أو غصب تمراً، واتخذ منه الخَلّ بالماء.
فعلى جواب العراقيين يضمن المثل، وهو الحنطة.
وعلى ما أورده في "التهذيب" إن كان المتقوم أكثر قيمة غرمها، وإلاَّ غرم المثل.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنه يغرم أقصى القيم، وليس للمالك مطالبته بالمثل؛ لأن التلف حصل، وهو متقوم، وعلى هذا فإذا قيل: من غصب حنطه في الغلاء، وبقيت عنده إلى التلف، وغرمه المالك في وقت الرخص يغرم المثل، أو القيمة؟ لم يصح إطلاق الجواب بالمثل، ولا القيمة.
بل الصواب أن يفصل فيقال: إن تلفت، وهي حنطة غرمه المثل، وإن صارت إلى حالة التقويم، ثم تلفت، ويقال: كأن القاضي قد لقن المسألة الرئيس أبا عَلِيٍّ المنيعِيَّ 1 ليغالط بها فقهاء "مرو" فغلط من أطلق الجواب منهم.
وأما القسم الثالث: فكما لو غصب سمسماً، واتخذ منه شريجاً 2، ثم تلف عنده، ونقل العراقيون وصاحب الكتاب أن المالك بالخيار، فيغرمه ما شاء منهما.
وفي "التهذيب" أنه إن كان أحدهما أكثر قيمة غرم مثله، وإلاَّ تخير المالك، وأخذ ما شاء منهما.
وظاهره يقتضي إثبات خلاف في التخير إذا كان أحدهما أكثر قيمة والله أعلم.
وأما القسم الرابع فحكمه بَيَّنٌ، وهو وجوب أقصى القيم في الحالتين.
المسألة الثانية: إذا لزمه المثل، فعليه تحصيله إن وجده بثمن المثل، وإذا لم يجده إلاَّ بما فوقه فوجهان:

أحدهما: أنه لايلزمه تحصيله؛ لأن الموجود بأكثر من ثمن المثل، كالمعدوم بدليل الماء في الطهارة والرقبة في الكفارة.
والثاني: يلزمه؛ لأن المثل كالعين، ورد العين واجب، وإن لزم في مؤنته أضعاف قيمته، وهذا أظهر الوجهين عند صاحب "التهذيب" والقاضي الروياني، والأول أظهر عند آخرين، ومنهم صاحب الكتاب، وفرقوا بين المثل والعين، بأنه تَعَدَّى في العَيْنِ دون المثل 1، فلا يأخذ المثل حكم العين، هذا ما يتعلّق بقسم المِثْلِيِّ والله أعلم.
قال الغزالي: أَمَّا المُتَقَوَّمَاتُ إِذَا تَلِفَتْ تُضْمَنُ بِأقْصَى قِيمَتِهَا من وَقْتِ الغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، فَإِنْ أَبَقَ العَبْدُ ضُمِنَ (ح) في الحَالِ لِلْحَيُلُولَةِ، فَإذَا عَادَ رُدَّتِ القِيمَةُ (ح) وَسُلِّمَ العَبْدُ، وَللغَاصِبِ حَبْسُ العَبدِ إِلى أَنْ تُرَدُّ القِيمَةُ عليه.
قال الرافعي: القسم الثاني من الأموال: المتقوم، فإذا غصبه، وتلف عنده لزمه أقصى قيمته من يوم الغصب، إلى يوم التلف؛ لأنه في حال زيادة القيمة غاصب مطالب بالرد، فإذا لم يرد ضمن بدله، وإنما تجب القيمة من نقد البلد الذي حَصَلَ فيه التلف، وتفاوت القيمة قد يكون لزيادة ونقصان في المغصوب، كما إذا كان العبد كاتباً، فنسي الكتابة، وقد يكون لمحض ارتفاع الأسواق وانخفاضها، فلو كانت قيمة مائة، فبلغت مائتين، ثم عادت بتراجع الأسواق إلى مائة وخمسين، ثم هلك لزمه مائتان ولا عبرة باتفاق السوق بعد التلف، ولو تكرر ارتفاع السوق، وانخفاضها لم يضمن كل زيادة، وإنما يضمن أكثر.
ولو أتلف متقوماً من غير غصب لزمه قيمته يوم الإتلاف، فإن حصل التلف بتدرج وسراية، واختلفت القيمة في تلك المدة، كما إذا جنى على بهيمة قيمة مثلها يومئذ مائة، ثم هلكت، وقيمة المثل خمسون.
وقال القفال: يلزمه مائة؛ لأنا إذا اعتبرنا الأقصى في اليد العادية، فلأن نعتبرها في نفس الإتلاف كان أولى.
وليعلم قوله في الكتاب: "فأقصى قيمتها" بالحاء والألف.
أما الحاء، فلان أَبَا حَنِيْفَةَ يعتبر قيمة يوم الغصب، بناء على أن الزوائد غير مضمونة.
وأما الألف، فلان أَحْمَدَ يعتبر قيمة يوم التلف، إذا كان التفاوت لاضطراب

الأسواق.
ولو لم يهلك العبد المغصوب، لكنه أبق أو عيْبَّه الغاصب، أو ضلَّت الدابة أو ضاع الثوب، فللمالك أن يضمنه القيمة في الحال لحصول الحيلولة، ولزوم الضرر والاعتبار بأقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم المطالبة 1، وليس للغاصب أن يلزمه قبول القيمة؛ لأن قيمة الحيلولة ليست حقًّا ثابتاً في الذمة حتى يجبر على قبوله، والإبراء عنه، بل لو أبرأه المالك عنها لم ينفذ.
وعن بعض الأصحاب: تنزيلها منزلة الحقوق المستقرة، ثم القيمة المأخوذة يملكها المالك، كما يملك عند التلف، وينفذ تصرفه فيها، ولا يملك الغاصب المغصوب، كما لا يملك نصف العبد، إذا قطع إحدى يديه وغرم، فإذا ظفر بالمغصوب، فللمالك استرداد، ورد القيمة، وللغاصب رده واسترداده القيمة، وهل له حبس المغصوب إلى أن يسترد القيمة؟.
ذكر في الكتاب أن له ذلك، وهذا حكاه القاضي حُسَيْن عن نص الشافعي -رضي الله عنه- كما حكى ثبوت الحبس للمشتري في الشراء الفاسد، لاسترداده الثمن لكن تقدم في "البيع" ذكر الخلاف في ثبوت الحبس للمشتري، وبينما أن الظاهر المنع، ويشبه أن يكون حبس الغاصب في معناه، والمنع هو اختيار الإمام في الصورتين، إذا كانت الدراهم المبذولة باقة بعينها في يد المالك فللشيخ أبِي مُحَمَّدٍ تردد في أنه هل يجوز للمالك إمساكها، وغرامة مثلها، أم لا 2. وإذا اتفقنا على ترك التراد، فلا بد من بيع ليصير المغصوب للغاصب 3. وقوله في الكتاب "ردت القيمة" معلّم -بالحاء- لأن عنده تملك العبد بالضمان، فلا رد ولا استرداد، وساعدنا في المدبّر، وفيما إذا اختلفا في القيمة، وغرمناه، ما اعترف به، ثم تبين عند الظفر بالمغصوب أنها كانت أكثر.
واعلم أن التضمين في صورة الاتفاق وغيرها لا يختص بالمتقومات، وإن أورده في هذا القسم، بل ضمان الخيار ثابت في كل مغصوب خرج من يد المالك،

وتعذره (1).

فرع

قد مر أن منافع المغصوب مضمونة فلو كانت الأجرة في مدة الغصب متفاوتة فيما يضمن؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها القاضي أبُو سَعْدٍ بْنُ يُوسُفَ 2. أضعفها: أنها بالأكثر في جميع المدة.
وأظهرها: أنها تضمن في كل بعض من أبعاض المدة بأجره مثلها.
والثالث: أن الأمر كذلك إن كانت الأجرة في أول المدة أقل، وإن كانت أكثر ضمنها بالأكثر في جميع المدة؛ لأنه لو كان المال في يده، فربما يلزمه بها في جميع المدة والله اعلم.
قال الغزالي: وَإِنْ تَنَازَعَا فيِ تَلَفِ المَغْصُوبِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الغَاصِبِ (و) لأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْجَزُ عنِ البيِّنَةَ وَهُوَ صَادِقٌ، فَإِنْ حَلَفَ جَازَ طَلَبُ القِيمَةِ وَإِنْ كَانَ العَيْنُ بَاقِيَةً بِزَعْمِ الطَّالِبِ للعَجْزِ بِالحَلِفِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَنَازَعَا في القِيمَةَ أَوْ في صَفْقِةَ العَبْدِ (و) أَوْ في عَيْبٍ (ز) يُؤثِّرُ في القِيمَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الغَاصِبِ لأَنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِمَّةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَنَازَعَا1

في الثَّوبِ الَّذيِ عَلَى العَبْدِ؛ لأَنَّ العَبْدَ وَثَوْبَهُ في يَدِ الغَاصِبِ.
قال الرافعي: المقصود من بقية الباب الكلام في تنازع المالك، والغاصب، وذلك يقع على أنحاء: منها: إذا ادعى الغاصب تلف المغصوب، وأنكر المالك، فالصحيح وهو المذكور في الكتاب أن القول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه قد يعجز عن البينه، وهو صادق، فلو لم نصدقه لتخلد الحبس عليه، ولما وجد عنه مخرجاً.
وفيه وجه: أن القول قول المالك مع اليمين؛ لأن الأصل بقاؤه.
وإذا قلنا بالأول، فلو حلف الغاصب، هل للمالك تغريمه القيمة أو المثل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لبقاء العين في زعمه.
وأصحهما: نعم 1، وهو المذكور في الكتاب؛ لأنه عجز عن الوصول إليهما بيمين الغاصب، وإن كانت باقية.
ومنها: إذا اتفقا على الهلاك، واختلفا في قيمته، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته عن الزيادة، وعلى المالك البيِّنة، وينبغي أن يشهد الشهود بأن قيمته كذا.
أما إذا أراد إقامة البينة على صفات العبد ليقومه المقومون بتلك الصفات، فعن صاحب "التقريب" حكاية قول أنها تقبل، ويقوم، وينزل على أقل الدرجات كما في السلم.
والمذهب المنع لأن الموصوفين بالصفات الواحدة يتفاوتون في القيمة، لتفاوتهم في الملاحة، وما لا يدخل تحت الوصف.
قال الإمام: لكن المالك يستفيد بإقامة البينه على الأوصاف إبطال دعوى الغاصب مقداراً حقيراً لا يليق بتلك الصفات، كما لو أقر الغاصب بصفات في العبد تقتضي النفَاسة، ثم قَوَّمَهُ بشيء حقير، لا يليق بها لا يلتفت إليه، بل يؤمر بالزيادة إلى أن يبلغ حدّاً يجوز أن تكون قيمته لمثل ذلك الموصوف ولو قال المالك: قيمته ألف، وقال الغاصب: بل خمسمائة، وجاء المالك ببينه على أنها أكثر من خمسمائه من غير تقدير.
منهم من قال: لا تسمع البينه هكذا.

والأكثرون: سمعوها، وقالوا: فائدة السماع أن يكلف الغاصب الزيادة على الخمسمائة، إلى حد لا تقطع البينة بالزيادة عليه، ولو قال المالك: لا أدري كم قيمته؟ لم تسمع دعواه لقوله حتى يبين، وكذا لو قال الغاصب: أعلم أن قيمته دون ما ذكره، ولا أعرف قدره لم تسمع حتى يبين، فهذا بين حلف عليه.
ومنها: لو قال المالك: كان العبد كاتباً أو محترفاً، وأنكر الغاصب، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل عدمه وبراءة ذمته.
وحكى العراقيون من أصحابنا وجهاً أن القول قول المالك؛ لأنه أعرف بحال مملوكه، ولو ادعى الغاصب به عيباً، وأنكر المالك نظر إن ادعى عيباً حادثاً بأن قال: كان أقطع أو سارقاً، ففي المصدق منهما قولان: أحدهما: الغاصب؛ لأن الأصل براءة الذمة.
وأصحهما: المالك؛ لأن الأصل والغالب دوام السلامة، ولو ادعى عيباً في أصل الخلقة بأن قال: كان أَكْمَه، أو وُلِدَ أعرج، أو عدم اليد، والمصدق الغاصب؛ لأن الأصل العدم، والمالك متمكن من إثباته بالبينة.
وفيه وجهان آخران؟ أحدهما: تصديق المالك نظراً إلى غلبة السلامة.
والثاني: الفرق بين ما يندر من العيوب وما لا يندر ولفظ الكتاب في الغصب، وإن كان مطلقاً، لكن في "الوسيط" ما يبين أنه أراد به العيب الخِلقي، ولو رد المغصوب، وبه عيب وقال: غصبته هكذا، وقال المالك: بل حدث العيب عندك.
قال في "التتمة": المصدق الغاصب 1 لأن الأصل براءة ذمته، وعدم يده على تلك الصفة.
منها: لو تنازعا في الثياب التي على العبد، فالمصدق الغاصب؛ لأن العبد وما عليه في يد الغاصب، هذه صورة الكتاب في الاختلاف.
ومنها: لو قال: غصبت منى داراً بـ"الكوفة"، فقال: بل غصبت دارك بـ"المدينة"، فالقول قول المدعى عليه في أنَّه لم يغصب دار "الكوفة"، وأما غصبت دار المدينة، فإن وافقه المدعى عليه ثبت، وإلاَّ ارتد إقراره بتكذيبه 2.

ومنها: غصب خمراً محترمة، وهلكت عنده، ثم قال المغصوب منه: هلك بعد التخليل، وقال الغاصب: بل قبلها، فلا ضمان على المصدق الغاصب.
لأن الأصل بقاء الخمرية، وبراءة ذمته.
ومنها: قال طعامي الذي غصبته كان حديثاً، وقال الغاصب: بل عتيقاً، فهذا كالخلاف في كون العبد كاتباً، والمصدق الغاصب، فإن نكل عن اليمين حلف المالك، ثم له أن يأخذ العتيق، فإنه دون حقه 1. ومنها: باع عبداً من إنسان، فجاء آخر يدعى أنه ملكه، وأن البائع كان غصبه منه، فلا شك أن له دعوى عين العبد على المشتري، وفي دعواه القيمة على البائع ما ذكرناه في الإقرار، فإن ادَّعى العين على المشتري، فصدقه أخذ العبد منه، ولا رجوع له بالثمن على البائع المكذب، فإن كذبه، فأقام المدعى عليه بينه، أخذه ورجع المشتري بالثمن على البائع، فإن لم يقم البينة، ونكل المشتري حلف المدعي، وأخذه، ولا رجوع للمشتري بالثمن لتقصيره بالنكول، وإن صدقه البائع دون المشتري لم يقبل إقرار البائع على المشترى، وبقي البيع بحاله، إلاَّ أن يكون إقراره بالغصب في زمن الخيار، فيجعل ذلك فسخاً للبيع، ثم عاد العبد إلى البائع بإرث، أو رد بعيب لزمه تسليمه إلى المدعي، وإن صدقه البائع والمشتري جميعاً، سلم العبد إلى المدعي، وعلى البائع رد الثمن المقبوض على المشتري، إن بقي بحاله وضمانه إن تلف.
ولو جاء المدعي بعد ما أعتق المشتري العبد، وصدقه البائع والمشتري، لو يبطل العتق، سواء وافقهما العبد، أو خالفهما لما في العتق من حق الله -تعالى- ولهذا سمعت شهادة الحسبة عليه، بخلاف ما لو كاتبه المشتري، ثم توافقوا على تصديق المدعي؛ لأن الكتابه قابلة للفسح، وللمدعي في مسألة الإعتاق قيمة العبد على البائع، إن اختص بتصديقه، إذا أوجبنا الغرم للحيلولة، وعلى المشتري إن اختص بتصديقه، وعلى من شاء منهما، إن صدقاه جميعاً وقرار الضمان على المشتري، إلاَّ أن تكون القيمة في يد البائع أكثر، فلا يطالب المشترى بالزيادة، ولو مات المعتق، وقد اكتسب أموالاً كانت للمدعي؛ لأن المال خالص حق الآدمي، وقد اتفقوا على أنه هو المستحق، بخلاف العتق، فإن تصادقهم فيه إنما لم يؤثر لما فيه من حق الله -تعالى- هكذا أطلقوه.
قال الإمام: وهو منزل على الأكساب التي يستقل العبد بها، فأما الأكساب التي يحتاج فيها إلى أذن السيد، فإن المدعى لا يستحقها، إن اعترف بخلوها عن

جارٍ التحميل