وكذا قوله: "لم يكن له طلب أرش".
وقوله: "وهو محطوط عن الشفيع قولًا واحداً" كان الإشارة به إلى هذه الصورة تفارق ما إذا رجع المشتري بالأرش، مع إمكان الرَّد، فهي مختلف فيها.
قال الغزالي: وَلَوْ اشْتَرَى بِكَفٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ لَمْ يَعْرِف وَزْنَهُ وَحَلَفَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ وَزْنَهُ فَلاَ شُفْعَةَ (و) إِذِ الأَخْذُ غَيْرُ مُمْكِن.
قال الرافعي: إذا اشترى بكَفٍّ من الدراهم لا يعرف وزنه، أو بِصُبْرَةٍ مِنَ الحِنْطَةِ لا يعلم كيلها فيوزن وتكال ليأخذ الشفيع بذلك القدر، فإن كان ذلك غائباً، فتبرع البائع بإحضاره، أو أخبر عنه، واعتمد قوله فذاك، وإِلا فليس للشفيع أن يكلفه الإحضار ولا الإِخبار عنه، وإن هلك الثمن، وتعذَّر الوقوف عليه تعذر أخذه بالشفعة، فإن أنكر الشفيع كون الشراء بما لا يعلم قدره، نظر إن عين قدراً وقال: اشتريته بكذا، وقال المشتري: إنه لم يكن معلوم القدر، فعن ابْنِ سُريْجٍ أنه لا يقنع منه بذلك، ولا يحلف على نفي العِلْمِ كما لو ادَّعى ألفاً على إنسان، فقال في الجواب لست أدري كم لك عَلَيَّ؟.
فعلى هذا لو أصَرَّ على قوله الأول جعل ناكلًا، وردت اليمين على الشفيع.
والمحكى عن النَّص ومعظم الأصحاب أنه يقنع منه بذلك، ويحلف عليه؛ لأنه محتمل، ويخالف ما إذا ادَّعى عليه ألفاً فإن المدعي هاهنا هو الشِّقْص لا الثمن المجهول وبتقدير صدق المشتري ليس له الأخذ بالشفعة، فكان ذلك إنكاراً لولاية الأخذ، وعلى هذا الخلاف لو قال: نسيت مقدار الثمن الذي اشتريت به، فعلى رأي يجعل قوله: نسيت نكولًا، وترد اليمين على الشفيع، قاله القَاضِي الروياني، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وابنُ أَبِي هُرَيْرَةَ والمَاوَرْدِيُّ وَالقَفَّال وهو الاختيار.
وإن لم يعين قدراً، ولكن ادعى على المشتري أنه يعلمه، وطالبه بالبيان، ففيه وجهان:
أصحهما: عند صاحب "التهذيب" أنه لا تسمع دَعْوَاهُ حتى يعين قدراً، فيحلف المشتري حينئذ أنه لا يعرف.
والثاني: أنها تسمع ويحلف المشتري على ما يقوله، فإن نكل حلف الشفيع على علم المشتري، وحبس المشتري حتى يُبَيِّنَ قدره.
ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ وغيره تفريعاً على الأول أن طريق الشفيع أن يعيّن قدراً، فإن ساعده المشتري فذاك، وإلا حلفه على نفيه، فإن نكل استدلّ الشفيع بنكوله، وحلف على ما عينه اتفاقاً، وإن حلف المشتري زاد، وادَّعى ثانياً وهكذ يفعل إلى أن
ينكل المشتري، فيستدل الشفيع بنكوله، ويحلف وهذا لأن اليمين قد تستند إلى التخمين، ألا ترى أنه له أن يحلف على خَطِّ أبيه إذا سكنت نفسه إليه.
وقوله في الكتاب: "وحلف أنه لا يعرف وزنه" غير محتاج إليه في التصوير، فإنه لو اقتصر على أن يقول: ولو اشترى بكفٍّ من الدراهم لا يعرف وزنه فلا شفعة كان صحيحاً، وإنما يحتاج إلى الحلف إذا فرض نزاع، ثم الحلف على نفي العلم إنما يكون إذا سمع منه نفي العلم في جواب دَعْوَى الشفيع، ويجيء فيه ما سبق من الخلاف.
قال الغزالي: وَلَوْ خَرَجَ ثَمَنُ المَبِيع مُسْتَحَقَّاً وَهُوَ مُعَيَّنٌ تَعَيَّنَ بُطْلاَنُ (ح) البَيْعِ وَالشُّفْعَةِ، وَإِنْ خَرَجَ ثَمَنُ الشَّفِيعِ مُسْتَحَقاً لَزِمَهُ الإِبْدَالُ وَلَمْ يَبْطُلْ مِلْكُهُ وَلاَ شُفْعَتُهُ فِي أَظهَرِ الوجْهَيْنِ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ زُيُوفاً.
قال الرافعي: إذا ظهر الاستحقاق في ثمن الشِّقْص المشفوع فإما أن يظهر في ثمن المبيع، أو في ثمن الشفيع، فإن ظهر في ثمن المبيع، نظر إن كان معيباً بان بطلان المبيع، وإذا بطل البيع سقطت الشفعة، وعلى الشفيع رَدّ الشِّقْص، إن كان قد أخذه.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ لا يبطل البيع إذا كان الثمن نقداً، بناء علي بناء على أن النقود لا تتعيَّن بالتعيين، وإن خرج بعضه مستحقاً بطل البيع في ذلك القدر.
وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، فإن فرقناها، واختار المشتري الإجازة، فللشفيع الأخذ، فإن اختار الفسخ، وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة ففيه الخلاف المذكور فيما إذا أصدقها شِقْصاً، ثم طلقها قبل الدخول، وإن كان الثمن في الذمّة أي ونقضه المشتري، ثم خرج المدفوع مستحقاً فعليه الإبدال والبيع، والشفعة بحالهما، وللبائع استرداد الشِّقْص ليحبسه إلى أن يقضي الثمن.
فأما إذا ظهر الاستحقاق في ثمن الشفيع، فإن كان جاهلًا لم يبطل حقه، وعليه الإبدال، ثم حكى الإمام وجهين في أنّا نتبيَّن بم يملك بأداء المستحق؟ ويفتقر الآن إلى تملُّك جديد، أو نقول: إنه ملكه، والثمن ديناً عليه، وإن كان عالماً فوجهان:
أحدهما: أن شفعته تبطل؛ لأنه أخذ بما لا يجوز الأخذ به، فكأنه ترك الشفعة مع القدرة عليها.
والثاني: لا تبطل؛ لأنه لم يقصِّر في الطلب والأخذ، والشفعة لا تستحق بمال معين حتى تبطل باستحقاقه.
والأول: هو المذكور في "التهذيب".
والثاني: ظاهر كلام المزَنِيّ، واختاره كثير من الأصحاب، ومنهم صاحب الكتاب، وهل من فرق بين أن يكون ثمن الشفيع معيناً بأن يقول: تملكت الشقص بهذه
الدنانير أو غير معين بأن يقول: تملكه بعشرة؟
فمنهم من قال: لا وقال الشيخ أبُو حامِدٍ وآخرون: نعم، وموضع الوجهين ما إذا كان معيناً وخروج الدنانير نحاساً كخروجها مستحقة.
ولو خرج ثمن المبيع رديئاً، فللبائع الخيار بين أن يرضى به، وبين أن يستبدل، فإن رضي به لم يلزم المشتري الرَّضا بمثله، بل يأخذ من الشفيع ما اقتضاه العقد، ذكره في "التهذيب".
ولو خرج ثمن الشفيع رديئاً لم تبطل شفعته عالماً كان أو جاهلًا، لأن أداءه صحيح، بدليل ما إذا رضي المشتري به.
وفيه وجه: أن خروجه معيباً كخروجه مستحقاً.
وقوله: في الكتاب "لم يبطل ملكه، ولا شفعته في أظهر الوجهين.
أطلق الكلام في المسألة إطلاقاً، ولم يفرق بين أن يكون عالماً، أو جاهلًا لاختياره الوجه الذاهب إلى أن حقه لا يبطل وإن كان عالماً والوجه الذي يقابله على هذا لا يرد أنه إن كان عالماً بطل، وإن كان جاهلًا فلا يبطل لا البطلان مطلقاً، فإنه لا قائل به، والخلاف في أن ملكه هل يبطلهما الوجهان اللذان نسبناهما إلى حكايه الإمام في حالة الجهل، ويطردان في حالة العلم؟
إذا قلنا: إن حقه لا يبطل، لكنه حكم بأن الأظهر أن ملكه لا يبطل، وهو خلاف المفهوم من كلام الجمهور سِيَّمَا في حالة العلم.
وقوله: "وكذا إذا خَرَجَ زُيُوفاَ" إن كان المراد منه النحاس المَحْضُ فهو صحيح.
وإن أراد الرديء من ذلك الجنس، فالتسوية بينه وبين ما إذا خرج مستحقاً خلاف ظاهر المذهب، وقد أجاب في "الوسيط" بأن خروج الثمن زيُوفاً لا يبطل المِلْك ولا الشفعة، وهذا يقتضي إرادة المعنى الثاني، وحينئذ يختلف جوابه في الكتابين، ويكون الصحيح ما في الوسيط".
قال الغزالي: وَلَوْ بَنَي المُشْتَرِي في الشِّقْصِ الَّذِي قَاسَمَهُ وَكِيلُ الشَّرِيكِ في غَيْبَتِهِ فَإذَا حَضَرَ فَحَقُّهُ في الشُّفَعَةِ بَاقٍ لِهُ فَإِنَّهُ كَانَ شَرِيكاً وَلَمْ يُسْقِطْ هُوَ حَقَّ الشُّفْعَةِ وَقَدْ بَقِي لَهُ نَوْعُ اتِّصَالِ وَهُوَ الجِوَارُ، وَلَكِنْ لاَ يُقْلَعُ (ح ز) بِنَاءُ المُشْتَرِي مَجَّاناً، بَلْ يَتَخَيَّر بِأَنْ يَبقَى بَأجْرَةٍ أَوْ يَتَمَلَّكَ بِعَوَضٍ أَوْ ينقُضَ بِأَرْشٍ كَالمُعِيرِ سَوَاءً، إلاَّ أنَّهُ يُبْقِي زَرْعُهُ ولا يُطَالِبُهُ (و) بِالأُجْرَةِ، والمُعِيرُ لَهُ الأُجْرَةُ لأن المُشْتَرِي زَرَعَ مِلْكَ نَفَسِهِ فَكَأَنَهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهُ فَهُو كَمَا لَوْ زَرَعَ مِلْكَهُ وبَاعَ.
قال الرافعي: إذ بني المشتري، أو غرس، أو زرع في الشِّقْصِ المشفوع، ثم علم الشفيع، فله الأخذ بالشُّفعة، وقلع بنائه، وغراسه، وزرعه مجاناً لا بحق الشفعة، ولكن لأنه شريك واحد الشريكين إذا انفرد بهذه التصرفات في الأرض المشتركة كان للآخر أن يقلع مجاناً، وإن بني وغرس المشتري في نصيبه بعد القسمة، والتمييز، ثم قد علم الشفيع لم يكن له قلعه مجاناً، وبه قال مَالِكٌ وأحْمَدُ خلافاً لأبي حنيفة لنا أنه بني في ملكه الذي ينفذ تصرفه فيه، فلا يقلع مجاناً، وتعلّق حتى الشفعة به لا يمكن من القلع مجاناً لتعلّق حق الرجوع بالأرض المرهونة.
وأعلم أن في في تصوير المسألة إشكالين:
أحدهما: قال المزَنِيُّ: المقاسمة تتضمن الرضا من الشفيع وإذا رضي الشفيع بمالكية المشتري بطلت الشفعة، فكيف يفرض ثبوت الشفعة مع جريان القسمة؟
والثاني: أن القسمة تقطع الشركة، وترد العلقة بينهما إلى الجوار، وحينئذ وجب ألا تبقى الشفعة لاندفاع الضرر الذي ثبت الشفعة لدفعه، كما لا تثبت ابتدأ وللجار وأجاب الأصحاب عن الأول بصور واضحة القسمة مع بقاء الشفعة في صور: منها: أن يخبر الشفيع بأن البيع جرى بألف، فيعفو أو يقاسم أرباب الشقص أو انتقل إليه بالهبة ويقاسم ويبني ثم يتبيَّن أن البيع كان بما دون الألف، وأن الانتقال كان بالعوض، فتصحُّ القسمة، وتثبت الشفعة.
ومنها: أن يقاسم الشفيع المشتري على ظن أنه وكيل البائع إما لاخباره عنه، أو لسبب آخر
ومنها: أن يكون للشفيع وكيل بالقسمة مع شركائه والمشترين منهم، فيقاسم الوكيل المشتري، والشفيع غير عالم.
ومنها: أن يكون له وكيل بالقسمة، وفي أخذ الأَشْقَاصِ بالشفعة فيرى في شقص الحَظّ في الترك، فيتركه فيقاسمه، ثم يقدم الشفيع، ويظهر له بأن الحظ في الأخذ، وكذلك ولي اليتيم.
ومنه: أن يكون الشفيع غائباً فيطالب المشتري الحاكم بالقسمة، وللإمام في إجابة القاضي إياه وقفه إذا علم ثبوت الشفعة، والمشهور الإجابة.
وأما الثاني: فأجيب عنه بأن الجوَار، وإن لم يكن يكتفي به في الابتداء إلا أنه اكتفى به في الدوام عند حصول الشركة في الابتداء، ولم يخرج على الخلاف في بطلان الشفعة فيما إذا باع نصيبه جاهلاً بالشفعة لأن الجِوَار على حال ضرب اتصال قد يؤدي إلى التأذَّي بضيق المرافق، وسوء الجوار.
ولذلك اختلف العلماء في ثبوت الشفعة به.
وقوله في الكتاب: "في الشِّقْص الذي قاسمه وكيل الشريك" إشارة إلى حل الإشكال الأول، وبيان بعض طرق صحّة القسمة مع بقاء الشفعة.
وقوله: "إنه كان شريكاً... " إلى آخره إشارة إلى حل الثاني.
إذا تقرَّر ذلك، فإن اختار المشتري قَلْع البناء، أو الغراس، فله ذلك، ولا يكلف تسوية الأرض؛ لأنه كان متصرِّفاً في ملكه، فإن حدث في الأرض نقص، فالشفيع إما أن يأخذه على صفته، وإما أن يترك، فإِن لم يختر المشتري القلع، فللشفيع الخيار بين إبقاء ملكه في الأرض بأجره، وبين تمَلكه بقيمته يوم الأخذ وبين أن ينقضه، ويغرم أَرْش النقص على الوجه الذي تقرر في المُعِيْرِ إذا رجع، وقد بني المستعير في الأرض، أو غرس بلا فرق، ولووإن قد زرع فيبقى زرعه إلى أن يدرك، فيحصد، وقياس التسوية في فصل البناء، وما نحن فيه، وبين العارية أن يجيء الخِلاَفُ المذكور هناك في زرع الأرض المستعارة.
والظَّاهر في الموضعين: أنه يبقى الزرع، وهل للشفيع أن يطالبه بالأجرة؟
عن صاحب "التقريب" أن له المطالبة كما أن المعير يبقى بالأجرة على الظاهر.
والمشهور: أنه لا مطالبة للشفيع بالأجرة، بخلاف المعير، فإن المستعير زرع أرض المعير، والمشتري زرع ملك نفسه، واستوفى منفعته بالزراعة، وهذا كما لو باع أرضاً مزروعة لا يطالبه المشتري بالأجرة لمدة بقاء الزرع.
وقوله في الكتاب: "ولكن لا يقلع بناء المشتري مجاناً معلّم -بالحاء- لما مَرَّ -وبالزاي- لأن المزني يوافقه.
وقوله: "أنه يبقى زرعه" هذا الاستثناء يتعلّق بالتسوية بين الشفيع والمعير، كأنه قال: والشفيع كالمعير إلا أنه يبقى زرع المشتري بلا أجرة والمعير يبقى بالأجرة.
واعلم أن في الصور الثلاث منها صورة بيع الأرض المزروعة، وصورة العارية وما نحن فيه وجهين في وجوب الأجرة، وقد ذكرنا الخلاف في الصورتين في موضعهما.
لكن الظَّاهر من الخلاف في صورة العارية وبخوب الأجرة، وفي الصورتين الأخيرتين المنع للمعنى الذي يجمعهما، وهو أنه استوفى منفعة ملكه.
هذا ما ذكره عامة الأصحاب، وصاحب الكتاب ناقض في مسألة بيع الأرض المزروعة، والذي ذكره هاهنا جواب على أنه لا تجب الأجرة وذكر في اللفظ الأول من القسم الثالث من النظر الرابع من "كتاب البيع" أن الأظهر وجوبها.
فرع: ذكرنا أنه إذا زرع لزم الشفيع إبقاء الزرع، وحيئذ يجوز له تأخير الشفعة إلى الإدراك والحصاد؛ لأنه لا ينتفع به قبل ذلك ويخرج الثمن من يده.
قال الإمام: ويحتمل أنه لا يجوز له التأخير، وإن تأخرت المنفعة، كما لو بيعت الأرض وسط الشتاء لا يؤخر الشفعة، إلى أوان الانتفاع، ولو كان في الشقص أشجار ثمار لا تستحق بالشفعة، ففي جواز التأخير إلى القِطَافِ وجهان، والفرق أن الثمار لا تمنع من الانتفاع المأخوذ، بخلاف الزرع.
قال الغزالي: وَلَوْ تَصَرَّفَ المُشْتَرِي بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ نَقَضَ (و)، وإِنْ كَانَ بِبَيْعٍ فَالشَّفِيعُ بِالخِياَرِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالبَيْعِ الأَوَّلِ فَيَنْقُضَهُ (و)، أَوْ بِالثَّاني.
قال الرافعي: تصرفات المشتري في الشقص من البيع والوقف، وغيرهما صحيحة لأنها واقعة في ملكه، وثبوت حق التملك للشفيع لا يمنع المشتري من التصرف، كما أن حق التملك للواهب بالرجوع لا يمنع تصرف المتهب، وكما أن حتى التملك للزوج بالطَّلاَق لا يمنع تصرُّف الزوجة.
وفي "التتمة" وجه غريب عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنها باطلة؛ لأن للشفيع حقًّا لا سبيل إلى إبطاله، فأشبه حق المرتهن.
وإذا قلنا بالشفعة، فظاهر المذهب، وهو المذكور في الكتاب، ونصه في القديم أنه ينظر إن كان التصرف مما لا تثبت فيه الشفعة كالوَقْفِ والهبة، فللشفيع نقضه، وأخذ الشقص بالشفعة، وإن كان ممَّا تثبت فيه الشفعة كالبيع والإصْدَاقِ، فهو بالخيار بين أن ينقض تصرفه، ويأخذ الشقص بالبيع الأول، فربما يكون الثمن فيه أقل، أو من جنس هو عليه أيسر، وبين ألاَّ ينقض تصرفه به، ويأخذ.
وعن أبِي إسْحَاقَ المَرْوَزِيِّ أنه ليس تصرف المشتري بأقل من بنائه، فكما لا ينقض الشفيع بناءه لا ينبغي أن ينقض تصرفه، واختلفوا في موضع هذا الوجه:
منهم من خصصه بما ثبتت فيه الشفعة من التصرفات.
أما ما لا تثبت فيه فله نقضه لتعذر الأخذ به.
ومنهم من عمم وقال: تصرفات المشتري تبطل حق الشفيع، كما يبطل تصرف المشتري المفلس في حق الفَسْخِ للبائع، وتصرف المرأة حق الرجوع إلى العين إذا طلق قبل الدخول، وتصرف المتهب رجوع الواهب.
نعم لو كان التصرُّف بيعاً، أو غيره مما تثبت فيه الشفعة، تجدد حق الشفعة بذلك.
وعن رواية الشيخ أبِي عَلِيٍّ عن أبِي إسحاق انها لا تتجدد أيضاً؛ لأن تصرف المشتري إذا كان مبطلًا للشفعة لا يكون مثبتاً لها، كما إذا تحرم بالصلاة، ثم شك، فجدد نية وتكبيراً لا تنعقد بها الصلاة؛ لأنه يجعل بها الحِلُّ، فلا يحصل العقد.
ووجه ظاهر المذهب، وهو أن للشفيع نقض تصرف المشتري؛ لأن حقه ثابت بأصل العقد، فلا يتمكن المشتري من إبطاله، ولا يشبه تصرف المفلس، وتصرف المَرْأَةِ في الصَّدَاقِ، فإن حق البائع والزوج لا يبطل بالكليّة، بل ينتقل إلى الثمن، أو القيمة، والواهب رضي بسقوط حقه حيث سلمه إليه، وسلطه عليه وهاهنا يبطل حق الشفيع بالكلية، ولم يوجد منه رضا، ولا تسليم.
قال الشيخ أبُو عَلِيٍّ: ويجوز أن يبنى الوجهان على القولين فيما إذا عتقت الأمة تحت عبد، وطلقها قبل أن تختار الفسخ، هل ينفذ الطلاق؟ ووجه الشبه أن الطلاق يبطل حقها في الفسخ، ولم تتسلط عليه كما ذكرنا في الشفيع وحكى القاضي أبُو الطَّيِّبِ عن القاضي الماسرجسي أنه لا ينقض تصرُّف الوقف، وينقض ما عداه.
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَ المُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ في العَفْوِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيع، في قَدْرِ الثَّمَنِ فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، أَوْ فِي كَوْنِ الشَّفِيعِ شَرِيكاً فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي يُحَلَّفُ أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ لَهُ شَريكاً، فإِنْ أَنْكَرَ المُشْتَرِي الشِّرَاءَ فَإنْ كَانَ للِشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ أَخَذَ الشِّقْصَ وَتَرَكَ الثَّمَنَ في يَدِهِ علَى رَأْيٍ (و) إِلى أَنْ يُقِرَّ، أَو يَحْفَظُهُ القَاضِي فِي وَجْهِ، أَو يُجْبَرُ، المُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهِ في وَجْهٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنْ أَقَرَّ البَائِعُ بِالبَيْعِ دُونَ قَبْضِ الثَّمَنِ سَلَّمَ الثَّمَنَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ (و) بِالشُّفْعَةِ فَالحَقُّ لاَ يَعْدُوهُمَا، وَإِنْ قَالَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ فَيُقَرِّرُ الثَّمَنَ فِي يَدِهِ أَوْ يَحْفَظُهُ القَاضِي، وَقِيلَ: لاَ شُفْعَةَ هَهُنَا لِتَعَذُّرِ الأَخْذِ بِلاَ ثَمَنٍ.
قال الرافعي: غرض الفصل في الاختلاف، وفيه مسائل:
إحداها: إذا اختلف المشتري والشفيع، فقال المشتري للشفيع: عفوت عن الشفعة، أو قصرت، وسقط حقك، وأنكر الشفيع، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء حقه.
الثانية: قال المشتري: اشتريت بألف، وقال الشفيع: بل بخمسمائة، فالقول قول المشتري 1؛ لأنه أعلم بالعَقْدِ الذي بَاشَرَهُ من الشفيع، ولأن الأصل بقاء ملكه حتى
ينتزع بما يقرّ باستحقاق الانتزاع منه، وكذلك لو كان الثمن عرضاً، وتلف، واختلفنا في قيمته، فإن نكل المشتري حلف الشفيع، وأخذ بما حلف عليه، وهذا إذا لم تكن بينة، فإن كان لأحدهما بينة قضى بها، ولا تقبل شهادة البائع للمشترى؛ لأنه يشهد لحق نفسه، وفعل نفسه.
وفيه وجه أنها تقبل؛ لأنه لا يجر إلى نفسه نفعاً بشهادته، والثمن ثابت له بإقرار المشتري، ولو شهد للشفيع، فيخرج من كلام النقلة ثلاثة أوجه:
أحدها: المنع؛ لأنه شهد على نفسه حيث يقول: بعت بكذا، وهذا ما أجاب به العراقيون.
والثاني: القبول؛ لأنه ينقض حقه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
والثالث: أنه إن شهد قبل قبض الثمن قُبِلَ شهادته؛ لأنه ينقض حقه؛ إذ لا يأخذ أكثر مما شهد به، وإن كان شهد بعده لم تُقبل؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعاً من حيث إنه إذا قَبِلَ الثمن قَبِلَ ما يغرمه عند ظهور ذلك الاستحقاق، وإن أقام كل واحد منهما بَيِّنة على ما يقوله، فعن الشيخ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ بَيِّنَة المشتري أولى، كما أن بينة الداخل أولى من بينة الخارج.
والأصح: ويحكى عن القاضي أبي حامِدٍ: أنهما يتعارضان؛ لأن النزاع هاهنا فيما وقع عليه العقد، ولا دلالة لليد عليه، وعلى هذا فالاستعمال هاهنا.
أما إن قلنا بالتساقط، فكما لو لم تكن بينة، وإن استعملناها هاهنا إما بالقُرْعَة، وإما بالتوقف، ولو اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، فإن ثبت قول المشتري فذاك، وإن ثبت قول البائع بالبينة، أو باليمين المردودة، فعلى المشتري ما ادَّعاه البائع، يأخذ بما ادعاه المشتري لاعترافه بأن البيع جرى بذلك، والبائع ظالم بالزيادة، فَتُقْبل شهادة الشفيع للبائع، ولا تُقْبل للمشتري؛ لأنه متهم في تقليل الثمن، وإن لم تكن بينة وتحالفاً، وفسخ البيع بينهما، أو انفسخ، فإن جرى ذلك بعد ما أخذ الشفيع الشقص أقر في يده، وعلى المشتري قيمة الشقص للبائع، لأن جرى قبل الأخذ، ففي سقوط حقه الخلاف المذكور فيما إذا خرج معيباً.
فإن قلنا: لا تسقط أخذه بما حلف عليه البائع؛ لأنه اعترف باستحقاق الشفيع الأخذ بذلك الثَّمن، فلا يبطل حَقُّه ببطلان حق المشتري بالتحالف، بل يأخذه منه، وتكون عهدته عليه، وتكلموا في أنه لو لم يتحالف المشتري، والشفيع تحالف البائع، والمشتري، وفرقوا بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن كل واحد من البائع والمشتري يدعي شيئاً ويدعي عليه شيء، فحلف
كل واحد منهما بحيث هو مدَّع، وليس كذلك الشفيع والمشتري، بل الشفيع مدعٍ محض، والمشتري مدعى عليه محض، فاختص بالتحليف.
والثاني: أن البائع والمشتري كلاهما مباشر للعقد، والاحتمال في قولهما على السواء، وهاهنا الشفيع أجنبي عن العقد، فكان تصديق المباشر أولى.
والثالث: قال أَبو إِسْحَاقَ: كل واحد من البائع والمشتري يرجع إلى شيء بعد التحالف، هذا إلى المبيع، وذاك إلى الثمن.
وأما الشفيع والمشتري لو تحالفا لم يرجع الشفيع إلى شيء، فلا فائدة في تحليفه.
الثالثة: لو أنكر المشتري كون الطالب شريكاً، فالقول قوله مع يمينه، وإنما يحلف على نفي العلم بشركته، لا على نفي شركته، فإن نكل حلف الطالب على البَتِّ، وأخذ بالشفعة، وكذلك الحكم لو أنكر تقدم ملك الطالب على ملكه.
الرابعة: إذا كانا شريكين في عَقَار فَغَابَ أحدهما، ورأينا نصيبه في يد ثالث، فادَّعى الحاضر عليه أنك اشتريته، ولي فيه حق الشفعة، فلا يخلو إما أن يكون للمدعي بيِّنة على دعواه، أو لا يكون.
القسم الأول: أن تكون له بَيِّنَة، فيقضي بها ويأخذه بالشفعة، ثم إن اعترف المدعى عليه سلّم الثمن إليه، وإلاَّ فيترك في يد المدعي إلى أن يقر المدعى عليه، أو يأخذه عنه القاضي ويحفظه، أو يجبر على قبوله، أو الإبراء فيه ثلاثة أوجه مذكورة في "باب الإقرار" وغيره.
ولو أقام المدعي البيِّنة، وجاء المدعى عليه ببيّنة على أنه ورثه أو اتهبه، فالبينتان مُتَعَارضتان، وإن جاء ببيِّنة على أن ذلك الغائب أودعه إيَّاه، أو أعاره، فإن لم يكن للبينتين تاريخ لإيداع، فلا منافاة فيقضي بالشفعة؛ لأنه ربما أودعه، ثم باعه، وإن سبق تاريخ البيع فلا منافاة أيضاً لاحتمال أن البائع غصبه بعد البيع، ثم رده بلفظ الإيداع، فاعتمده الشهود.
قال الشيخ أبُو حامدٍ: ولاحتمال أنه تعذَّر على المشتري تسليم الثمن، فقال له البائع: أودعتك ما في يدي من هذا العَقَار إلى أن تسلم الثمن، نعم لو انقطع الاحتمال، بأن كان تاريخ الإيداع لاحقا، وذكر الشهود أنه أودعه، وهو ملكه فهاهنا يراجع الشريك القديم، فإن قال إنه وديعة سقط دعوى الشراء.
وإن قال: لا حَقٌّ لي فيه قضى له بالشفعة.
والقسم الثاني: ألا تكون له بينة، فللمدعى عليه في الجواب أحوال:
أحدها: أن يقر بأنه كان لذلك الغائب، فاشتراه منه كما ادَّعى المدعي، فهل للمدعي أخذه؟.
فيه وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
أحدهما: لا؛ لأنه اعترف بسبق ملك الغائب، ثم ادعى انتقاله إليه، فلا يقبل قوله في الانتقال، فعلى هذا يوقف الأمر حتى يكاتب، ويبحث هل هو مقر بالبيع؟.
والثاني: وهو الأظهر: نعم لتقارهما على البيع، ويكتب القاضي في السجل أنه أثبت الشفعة بإقرارهما، فإذا قَدِمَ الغائب، فهو على حجته.
الثانية: أن ينكر أصل الشراء، فالقول قوله مع يمينه، ثم ينظر إن اقتصر في الجواب على أنه لا يستحق أخذه بالشفعة أو أنه لا يلزمه تسليمه إليه حلف كذلك، ولم يلزمه التعرُّض لنفي الشراء، وإن قال في الجواب: لم أشتره، بل ورثته، أو اتهبته، فيحلف كذلك، أم يكفيه الحلف على أنه لا يستحق الشفعة؟.
فيه جهان أما ذكرنا في دَعْوى عَيب المبيع.
وإن نكل المدعى عليه حلف الطالب، واستحق الشِّقْص، وفي الثمن ما تقدم من الوجوه.
هذا إذا أنكر المشتري، والشريك القديم غير معترف بالبيع، فإن كان معترفاً، والشِّقْص في يده، نظر إن لم يعترف بقبض الثمن، ففي الشفعة وجهان:
أصحهما: ثبوتها، وبه قال أبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدُ والمُزَنِيُّ؛ لأن إقراره يتضمن إثبات حق المشتري، وحق الشفيع، فلا يبطل حق الشفيع بإنكار المشتري.
والثاني: وبه قال مَالِكٌ: أنها لا تثبت؛ لأن الشفيع يتملك على المشتري، وهو منكر، فلا يثبت ما يتفرع عليه، ويروى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
فإن قلنا بالثبوت فإلى من يسلّم الثمن؟
فيه وجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب إلى البائع، وتكون عهدته عليه؛ لأنه يتلقى الملك منه، فكان الشفيع في هذه الصورة هو المشتري.
والثاني: أنه ينصب القاضي أميناً يقبض الثمن من الشفيع للمشتري، ويدفعه إلى البائع، ويقبض الشِّقْص من البائع للمشتري، ويدفعه إلى الشفيع، وهذا يستمد من أحد الوجهين في أن الأخذ بالشفعة هل يتوقف على قبض المشتري الشَّقْص؟ وإذا أخذ البائع ثمن الشفيع فهل له مخاصمة المشتري، ومطالبته بالثمن؟.
فيه وجهان؛ لأنه قد يكون ماله أبعد من الشبهة، والرجوع بالدرك عليه أسهل.
إن قلنا: نعم، وحلف المشتري، فلا شيء عليه، وإن نكل حلف البائع، وأخذ الثمن من المشترى، وكانت عهدته عليه، وما أخذه من الشفيع يترك في يده، أم يؤخذ ويوقف؟ فيه وجهان، هكذا أورده صاحب "التهذيب".
وفي "الشامل" أن الوجهين في أنه هل يطالب المشتري فيما إذا لم يرض بأخذ الثمن من الشفيع، فإن رضي فليقنع بما أخذ، وهذا أحسن.
وإن اعترف مع البيع بقبض الثمن.
فإن قلنا: لا شفعة فيما إذا لم يعترف بالقبض فهاهنا أولى.
وإن اثبتنا الشفعة هناك، ففي هذه الصورة وجهان:
أظهرهما: الثبوت، ثم الثمن يترك في يد الشفيع، أو يأخذه القاضي، ويحفظه، أو يجبر المشتري على قبوله أو الإبراء منه؟ فيه الأوجه السابقة.
والثاني: ويحكى عن أبي إسحاق وابْنِ أَبي هُرَيْرَةَ: أنها لا تثبت؛ لأن الشفيع لا يأخذ إلاَّ بالثمن، ولا يمكن صرف الثمن هاهنا إلى المشتري، ولا إلى البائع.
الثالثة: أن يقول في الجواب: اشتريته لفلان، ولا خصومة لك معي، فينظر في المضاف إليه أهو حاضر، أو غائب بالغ، أو صبي ويكون الحكم فيه على ما سيأتي في سائر الدعاوي 1.
وقوله في الكتاب: "سلم الثمن إليه وأخذ" كلاهما معلم -بالواو- لما ذكرنا من الخلاف في الأخذ بالشفعة، وفيمن يسلم إليه الثمن على تقدير الأخذ.
وقوله: "فيقرر الثمن في يده، أو يحفظه القاضي" -إشارة إلى الخلاف الذي ذكره مرة، وترك الوجه الثالث اكتفاء بما سبق في نظير المسألة، والله اعلم.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالثُ في تَزَاحُمِ الشُّرَكَاءِ، فَإِنْ تَوَافَقُوا فَي الطَّلَبِ وَتَسَاوَتْ حِصَصُهُمْ وُزَّع عَلَيْهِمْ بالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ حِصَصُهُمْ فَقَوْلاَنِ فِي أنَّهُ يُوَزَّعُ عَلَى قَدْرِ الحِصَصِ (ح و) أَوْ عَلَى عَدَدِ الرُّؤُسِ، وَالجَدِيدُ عَلَى أنَّه عَلَى قَدْرِ الحِصَصِ، وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّريكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ شَخْصَيْنِ فِي صَفْقَتَينِ مُتَعَاقِبَتَينِ فَالمُشْتَرِي الأَوَّلُ هَلْ يُشَارِكُ
الشَّرِيكَ القَدِيمَ فِي أَخْذِ مَضْمُونِ الصَّفْقَةِ الثَّانِيَةِ وَمِلْكُهُ فِي نَفْسِهِ مُعَرَّضٌ لِلنَّقْضِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ: يُفَرِّقُ في الثَّالِثِ بَيْنَ أنْ يَأْخُذَ القَدِيمُ نَصِيبَهُ فَلاَ يُسَاهِمَهُ (ح) أَوْ يَعْفُو عَنْ صَفْقَتِهِ فَيَسْتَقِرَّ شَرِكَتَهُ فَيُسَاهِمَ فِيهِ.
قال الرافعي: الكلام في هذا الطرف ينحصر في ثلاثة أمور:
الأول: أن يتفق الشركاء على الطلب.
والثاني: أن يطلب بعضهم ويعفو بعضهم.
والثالث: أن يحضر بعضهم، ويغيب بعضهم، وسبيل ضبطها إما أن يكون كلهم حضوراً أو لا يكون كذلك.
إن كان الأول فأما أن يتفقوا على الطَّلب، وهو الأمر الأول، أو على الترك وشانه هين، أو يطلب بعضهم، ويترك البعض، وهو الثاني.
وإن كان الثَّاني، فأما إن كانوا غائبين جميعاً، وهو متروك لوضوحه، أو كان بغضهم غائباً والبعض حاضراً وهو الثالث.
أما الأول فتقدم عليه أن تعدُّد المستحقين للشفعة قد يكون ابتداء، بأن كانت الدار مشتركة جماعة، فباع أحدهم نصيبه، فتثبت الشفعة للباقين، وقد يحصل في الدوام بأن يكون الاستحقاق لواحد، فمات، تثبت الشفعة لورثته.
وعند أبي حَنِيفَة وأحْمَدَ حق الشفعة لا يورث.
لنا قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ حَقَّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ 1 " وأنه حق لازم مالي، فأشبه بالرد بالعيب.
إذا تقرر ذلك، ففي الفصل مسألتان:
إحداهما: أن المستحقين للشفعة إذا تساوت حصصهم، كدار بين ثلاثة أثلاثاً فيأخذ الشَّقْص بالسوية، وإن تفاوتت حصصهم، كما إذا كان لأحد الثلاثة نصفها، وللثاني ثلثها، وللثالث سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه فقولان:
أصحهما: وبه قال مَالِكٌ: أن الشفعة على قدر الحصص، فيقسم النصف بينهما أثلاثاً؛ لأن الشفعة من مرافق المِلْك، فيقدر بقدر الملك، ككسب العبد المشترك، والنِّتاج، والثمار.
والثاني: وبه قال أبُو حَنِيْفَةَ، واختاره المُزَنِيُّ: أنها على عدد الرؤوس، فيقسم النصف بينهما بالسوية؛ لأن سبب ثبوت الشفعة أصل الشركة ألا ترى أن الشريك الواحد
يأخذ الكل في نصيبه أو أكثر، وهما في أصل الشركة سواء فأشبه أجرة السكَّاك.
وعن أحمد روايتان كالقولين.
واحتج المُزَنِيُّ للقول الثاني بثلاث مسائل:
إحداها: أنه إذا اشترك ثلاثة في عبد على التفاوت، فأعتق اثنان نصيبهما، وهما مُوسِرَانِ يغرمان نصيب الثالث بالسَّويَّة.
والثانية: لو مات مَالِكُ الدار عن اثنين، ثم مات أحدهما، وله اثنان، ثم باع أحد الاثنين نصيبه سَوَّى الشَّافعي بين الأخ والعم في الشفعة مع تفاوت حصصهم.
والثالثة: قال الشافعي: فيما إذا مات الشفيع قيل أن يأخذ فلورثته الشفيع أن يأخذوا وما كان يأخذه أبوهم بينهم على العدد، وامرأته وابنه في ذلك سواء.
والجواب:
أما مسألة العِتْق، فمن الأصحاب مَنْ لم يسلمها وجعلها على القولين.
ومنهم من سلم، وفرق بأن ذلك ضمان إتلاف، والنظر فيه إلى المتلفين، لا إلى حال الإتلاف، وهذا فائدة من فوائد الملك، فيتقدر بقَدْره.
وأما المسألتان الأخيرتان، فهما من باب الشفعة، فنشرحهما، ثم نذكر اعتذار من نصر القول الأول.
أما الأولى، فللشافعي فيها قولان:
القديم وبه قال مَالِكٌ أن الأخ يختص بالشفعة؛ لأن ملكه أقرب إلى ملك الأخ؛ لأنهما ملكًا بسبب واحد، ولهذا لو ظهر دَيْن على أبيهما يباع فيه ملكهما، دون ملك العم، وإذا كان أقرب ملكاً كان أحق بالشفعة، كالشريك مع الجار.
وأصحهما: وبه قال أَبو حَنِيْفَةَ وأحْمَدُ والمُزَنِيُّ: أنهما يشتركان في الشفعة؛
لاشتراكهما في الملك، والنظر في الشفعة إلى ملك الشريك، لا إلى سبب ملكه؛ لأن الضرر المحوج إلى إثبات الشفعة لا يختلف، فعلى هذا يوزع على الأخ والعم بالسوية أم على قدر الحصص فيه القولان، وقال الإمام قضية المذهب القطع بالتوزيع عليهما على قدر الحصص لأن القول باستحقاقهما هو الجديد، ولا تردد على الجديد في أن الشفعة على قَدْر الحصص، والتوزيع على الرؤوس هو القول القديم.
وفي القديم لا شفعة للعم في المسألة، وفي هذا الذي ذكره نِزاعٌ سنورده من بعد.
وإذا قلنا باختصاص الأخ بالشفعة، فلو أنه عفا، هل تثبت للعم؟ فيه وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ:
أحدهما: لا؛ لأنه لو كان مستحقًّا لتقدم غيره عليه.
والثاني: نعم لأنه شريك، وإنما يقدم الأخ عليه لزيادة قربه فهذا سقط حقه استحق العم، كما أن المرتهن يتقدم على سائر الغرماء في المرهون، ثم إذا سقط حقه تمسك به الباقون، وهذا الخلاف راجع إلى أن العم على القول القديم ساقط عن الاستحقاق، أو مزحوم بالأخ، والقولان في مسألة الأخ والعم جاريان في كل صورة ملك شريكان بسبب واحد، وغيرهما من الشركاء بسبب آخر، فباع أحد المالكين بالسبب الواحد نصيبه، ففي قول: الشفعة لصاحبه خاصة.
وفي قول: للكل
مثاله: كان بين اثنين دار، فباع أحدهما نصيبه من رجلين أو وهبه، ثم باع أحدهما نصيبه، أو مات مالك الدار عن ابنين وأختين، فباعت إحدى الأختين نصيبها، ففي من له الشفعة وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
أحدهما: أنه على القولين، ففي قول: هي للأخت الأخرى، وفي قول: لهن جميعاً.
وأظهرهما: القطع باستحقاقهن جميعاً؛ لأن سبب ملكهن واحد، وإنما الاختلاف فى مقادير المِلْكِ.
وأما الثانية: فإذا مات الشفيع عن ابْنٍ وزوجة ورثا حق الشفعة، كما تقدم، وفي كيفيته ثلاث طرق:
أحدها: أن في كون الشفعة بينهما على الرؤوس، أو على قَدْر المواريث القولين:
أظهرهما: وبه قال صاحب "الإفصاح" والشيخ أَبُو حَامِدٍ: القطع بأنهما يأخذان على قدر الميراث، والطريقان مبنيان على خلاف الأصحاب في أن ورثة الشفيع يأخذون لأنفسهم، أو للموروث، ثم يتلقون منه فإن قلنا: يأخذون لأنفسهم عاد القولان في المسألة.
وإن قلنا: يأخذون للميت، قطعنا بأنهما يأخذان على قدر الميراث، والثاني يوجه بأنهم أخذوا لأنفسهم لأخذوا بالملك، وإنما يحصل ملكهم بالإرث، وهو متأخر عن الشراء، والملك التأخر لا يفيد ولاية الشفعة.
والطريق الثالث: القطع بالتسوية؛ لأن المورث من الشفيع حق تملك الشقص لا الشقص، ومجرَّد الحقّ قد يسوى فيه بين الورثة، كحد القَذْف، هكذا حكاه، ووجهه الشيخ أبُو الفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ، وإذا عرفت المسألتين، فمن نصر قول التوزيع على الحِصص قال في المسألة الأولى:
إن قلنا بطريق القولين، فلا فرق، ولا احتجاج.
وعلى ما ذكره الإمام الحكم في المسألة غير ما احتج به جزماً، فلا يصح الاحتجاج به أصلاً، ولكن الذي ذكره مبني على أن الجديد هو التوزيع على الحصص.
والأكثرون عكسوا ذلك، وقالوا: القولان معاً منصوصان في "الأم"، والقديم منهما هو التوزيع على الحصص، ولذلك اعترضوا على ابْنِ القَاصِّ، ومن أثبت قول التوزيع في المسألة تفريعاً على ثبوت الشفعة للأخ والعم جميعاً بأن الشفعة إنما ثبتت لهما في الجديد.
وفي الجديد التوزيع على عدد الرؤوس فلا يجيء فيهما إلاَّ قولان: التخصيص بالأخ، والتسوية بينهما، ذكر هذا الاعتراض القَفَّالُ في كثير من الأئمة.
وأما المسألة الثانية: فمن قال فيها بالقولين، قال: الذي ذكرناه أحد القولين، وسقط الآخر، ومن قطع فيهما بالتفاوت اختلفوا، فمنهم مَنْ لم يثبت ما نقله المُزَنِيُّ.
ومنهم من حمله على التسوية في أصل الاستحقاق دون المقدار المستحق.
وقوله في الكتاب: "والجديد على أنه على قدر الحِصَصْ معلّم -بالحاء والزاي- وجعل هذا القول جديداً اتباعاً لما ذكره الإمام، وفيه ما ذكرنا عن الأولين، وكأنهم لما رأوا القولين منصوصين في الجديد، وأحدهما وهو التوزيع على الحصص منصوصًا في القديم، رأوا اسم الجديد مما يقابل القديم أحق فخصصوه به.
المسألة الثانية: دار بين اثنين مناصفة باع أحدها نصف نصيبه من إنسان، ثم باع النصف الثاني من آخر، فالشفعة في النصف الأول تختص بالشريك القديم، ولا يخلو الحال إما أن يعفو عنه، أو يأخذه، إن عفا فهل يشاركه المشتري الأول في النصف الثاني؟.
فيه وجهان:
أحدها: لا؛ لأن الشريك القديم مسلّط على ملكه، فكيف يزاحمه به.
وأصحهما: نعم؛ لأن ملكه قد سبق الصفقة الثانية، واستقر بعفو الشريك القديم، فيستحق به.
وقطع قاطعون بهذا الوجه.
إذا قلنا به فيأخذان بالسوية، أم بحسب الحصتين؟.
فيه القولان السابقان.
وإن أخذ الشريك القديم النصف الأول، ففي مشاركة الأول إياه في النصف الثاني وجهان، أيضاً قربوهما من الخلاف فيما إذا باع الشفيع ملكه، وهو جاهل بالشفعة، هل يبقى له الحق؛ لأنه زال ملكه هاهنا بالقهر، كما زال هناك بالجهل.
والأصح: أنه لا يشاركه، وقطع به بعضهم.
وإذا اختصرت قلت في المسألة ثلاثة أوجه، كما ذكر في الكتاب:
أحدها: أن الشريك القديم، والمشتري الأول بتساويان في النصف الثاني بكل حال.
والثاني: يختص به الشريك القديم بكل حال.
والثالث: يفرق بين أن يعفو عن النصف الأول، أو لا يعفو، وهو الظاهر، والمحكي عن أبِي حَنِيْفَةَ في المسألة يوافق الوجه الأول.
قال الغزالي: وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الشَّريكَيْنِ وَجّبَ عَلَى الثَّانِي أَنْ يَأَخُدَ الكُلَّ (و) لأَنَّ أخذ البَعْضِ إِضرَارٌ بِالمُشْتَرِي، وَإِنْ عَفَا شَرِيكٌ وَاحِدٌ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ سَقَطَ (و) كُلُّهُ، كَالعَفْوِ عَنِ القَصَاصِ فَإنَّهُ لاَ يَتَجَزَّأُ نَظَرَاً لِلمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانُوا ثَلاَثَةً وَلَمْ يَحْضُرْ إِلاَ وَاحِدٌ أَخَذَ الكُلَّ وَسلَّمَ كُلَّ الثَّمَنَ حَذَرَاً مِنَ التَّبْعِيضِ، فَإِذا رَجَعَ الثَّانِي شَاطَرَهُ وَمَلَكَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ تَسْلِيمِ نِصْفِ الثَّمَنِ إِلِيْهِ وَعُهْدَتِهِ، وَإذَا جَاءَ الثَّالِثُ قَاسَمَهُمَا جَمِيعاً.
قال الرافعي: الأمر الثاني: أن يطلب بعض الشركاء، ويعفو بعضهم، ونبتدئ فيه بما إذا كانت الشفعة لواحد، فعفا عن بعض حقه.
وفيه وجوه:
أصحها: وهو المذكور في الكتاب: أنه يسقط جميعه؛ لأن التبعيض لا سبيل إليه، لما فيه من الإضرار بالمشتري، فهذا سقط بعضه سقط كله، كالقصاص إذا عفا المستحق عن بعضه.
والثاني: لا يسقط شيء؛ لأن التبعيض قد تعذَّر، وليست الشفعة مما يسقط بالشبهات، فيغلب فيها جانب الثبوت، وأيضاً فإنه لم يرض بترك حقه، وإنما عفا عن البعض ليأخذ الباقي، فصار كما لو عفا عن بعض حد القذف.
والثالث: أنه يسقط ما عفا عنه، ويبقي الباقي؛ لأنه حق مالي قابل للانقسام.
وعن الصَّيْدَلاَنِيِّ أن موضع هذا الوجه ما إذا رضي المشتري بتبعيض الصفقة عليه، فإن أبَى وقال: خذ الكل، أوْ دَعِ الكل، فله ذلك.
قال الإمام: وهذه الوجوه إذا لم نحكم بأن الشفعة على الفور، فإن حكمنا به فطريقان.
منهم: من قطع بأن العفو عن البعض تأخير في طلب الباقي.
ومنهم: من احتمل ذلك إذا بادر إلى طلب الباقي، وأجرى الوجوه ما يؤيد الأول
أن صاحب "الشامل" ذكر أنه لو استحق شِقْصاً بالشفعة، فجاء، وقال: آخذ نصفه سقطت شفعته في الكل؛ لأنه ترك طلب النصف.
إذا تقرر ذلك، فلو استحق الشفعة اثنان، فعفا أحدها عن حقه، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أنه يسقط حقهما جميعاً، كما لو استحق اثنان القصاص، فعفا أحدها.
والثاني: لا يسقط حق واحد منهما كما ذكرنا في الصورة الأولى؛ لأنه لا يسقط شيء، فغلبنا جانب الثبوت.
والثالث: أنه يسقط حق العافي، وليس لصاحبه إلاَّ أن يأخذ قسطه؛ لأن العفو يقتضي استقرار العفو عنه على المشتري، كما لو عفوا جميعاً، وليس للمشتري أن يلزمه أخذ الجميع.
والرابع وهو الأصح: أن حق العافي يسقط، ويثبت الحق بكماله للثاني فإن شاء ترك الكل، وإن شاء أخذ الكل، وليس له أن يقتصر على أخذ حصته لولا العفو؟ لما فيه من تبعيض الصفقة على المشتري، هذا هو الوجه المذكور في الكتاب.
وقوله: "وجب على الثاني أن يأخذ الكل" أراد به أنه إن أخذ الكل لا الحصة إلاَّ أنه يلزمه الأخذ، هذا إذا ثبتت الشفعة لعدد ابتداء.
أما إذا ثبت لواحد، ومات، وورثه اثنان، فعفا أحدها، فهو كما لو ثبتت الشفعة لواحد، فعفا عن بعضها، أو ثبتت لاثنين، فعفا أحدهما فيه وجهان:
أظهرهما: الثاني قال الإمام: والخلاف بناء على ما سبق أن الوارث يأخذ الشفعة لنفسه، أو يتلقاها عن المورث.
واعلم أن الوجوه المذكورة شاملة لعفو الشفيع عن بعض حقه وليعفو أحد الشفيعين عن حقه إلاَّ الوجه الصائر إلى استقرار العفو عنه على المشتري، فإنهم لم يذكروه في عفو الشفيع عن بعض حقه، فيه يحصل الافتراق، وأيضاً يفترقان في الأصح.
ولو كان للشقص شفيعان، فمات كل واحد منهما عن ابنين، فعفا أحدها.
فإن قلنا: عفو الوارث كعفو الشفيع عن بعض حقه، ففي وجه يسقط الكل وفي وجه كما كان، وقياس الوجه الثالث في عفو الشفيع عن بعض حَقّه أن يسقط حق العافي وأخيه، ويأخذ الآخران.
وإن قلنا: كعفو أحد شفيعي الأصل عاد الوجه الأول والثاني.
وفيه وجه ثالث: وهو أنه ينتقل حق العافي إلى الثلاثة، فيأخذون الشِّقْص أثلاثاً.
ووجه رابع: وهو أن حق العافي يستقر للمشتري، وكل واحد من الثلاثة يأخذ الرُّبع.
ويجيء في هذه الصورة وجه خامس: وهو أن حق العافي ينتقل إلى أخيه خاصة، بناءً على القول القديم في مسألة الأخ والعم.
فرع
مات الشفيع عن اثنين، وادّعى المشتري عليهما أنهما عفوا، فالقول قولهما مع اليمين، وتكون اليمين على البَتّ، بخلاف ما إذا ادعى أن أباهما عفا عن الشفعة، فأنكرا، فإنهما يحلفان على نفي العلم، ثم إن حلفا أخذا، وإن نكلا حلف المشتري، ويبطل حقهما، وإن حلف أحدهما دون الآخر.
قال ابْنُ الحَدَّاد: ليس للمشتري أن يحلف؛ لأنه لا يستفيد بيمينه شيئاً، فإنه وإن ثبت عفو أحدهما ينتقل الحق إلى الثاني، وهذا جواب على أنه إذا عفا أحد الشريكين كان للآخر أن يأخذ الكل، وهو الأصح.
أما إذا قلنا: إن حق العافي يستقر على المشتري فيحلف المشتري ليستقر له نصيب النَّاكل، ثم الوارث الحالف لا يستحق الكل بنكول أخيه، ولكن ينظر إن صدق أخاه على أنه لم يَعْفُ فالشفعة بينهما، وإن ادّعى عليه العفو، وأنكر الناكل عرضت عليه اليمين لدعوى أخيه ولا يمنعه من الحلف نكوله في الجواب للمشتري فإن حلف فالشفعة بينهما وإن نكل في جوابه أيضاً حلف المدعي على أنه عفا، وحينئذ يأخذ الكل.
قال: وإن كانوا ثلاثة ولم يحضر إلاَّ واحد أخذ الكل، وسلم كل الثمن حذاراً من التبعيض، فإذا رجع الثاني شاطره، وملك عليه من وقت تسليم النصف من الثمن إليه، وعهدته عليه، فإذا جاء الثالث قاسمهما جميعاً.
الأمر الثالث: أن يحضر بعض الشركاء دون بعض، فإذا كانت الدار لأربعة بالسوية، فباع أحدهم نصيبه، وثبت الشفعة للباقين، ولم يحضر إلاَّ واحد، فليس له أخذ حصته من الشقص؛ لأنه ربما لا يأخذ الغائبان، فتتفرق الصفقة على المشتري، ولا يكلف الصير إلى أن يحضرا، ولكنه يخيّر بين أن يأخذ الكل، أو يترك الكل، وهل له تأخير الأخذ إلى حضور الشريكين إذا جعلنا الشفعة على الفور؟.
أحدهما، وبه قال ابْنُ أبِي هُرَيْرَةَ: لا لتمكنه من الأخذ.
وأصحهما: عند الشيخ أبي حَامِدٍ، ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ وأبي إسحاق: نعم؛ لأنه تأخير بالعذر؛ لأن له عوضاً ظاهراً ألا يؤخذ منه، وإذا أخذ الكل، ثم حضر بعض
الغائبين أخذ منه النصف بنصف الثمن، كما لو لم يكن إلاَّ شفيعان، فإذا حضر الثالث، فله أن يأخذ من كل واحد منهما ثلث ما في يده، وحينئذ يحصل الاستواء، وششقر ملكهم، ثم للمسألة فروع:
منهما: إذا خرج الشقص مستحقّاً بعد الترتيب المفروض، ففي العهدة وجهان:
أحدها: أن عهدة الثلاثة على المشتري لاستحقاقهم الشفعة عليه.
والثاني أن رجوع الأول على المشتري يسترد منه كل الثمن، ورجوع الثاني على الأول يسترد منه النصف، ورجوع الثالث على الأولين يسترد من كل واحد منهما ما دفع إليه؟ لأن التملك، وتسليم الثمن هكذا وقع فيما بينهم، وهذا أظهر، وهو المذكور في الكتاب.
والعراقيون يرجِّحون الأول.
وفي "التتمة" أن هذا الخلاف في الرجوع بالمغروم من أُجرة المِثْل، وما عساه ينقص من قيمة الشقص، فأما الثمن فكل منهم يستردُّ ما سلّمة ممن سلمه إليه بلا خلاف.
ولو أخذ الحاضر جميع الشقص، ثم وجد به عيباً، فردَّه، فقدم الثاني وهو في يد المشتري، فله أخذ الكل.
ومنهما: ما يستوفيه الأول من المنافع، ويحصل له من الأجرة، والثمن يسلم له، فلا يزاحمه فيها الثاني والثالث على أصح الوجهين، وكذا الثالث لا يزاحم الثاني فيما حصل له بعد المُشاطرة، كما أن الشفيع لا يزاحم المشتري فيها، ويقرب من هذين الوجهين الخلاف فيما إذا أخذ الأول كل الشِّقْص وأفرزه بأن أتى الحاكم، فنصب قَيِّماً في مال الغائبين، فاقتسما، وبنى فيه أو غرس، ثم رجع الغائبان هل لهما القلع؟
وأصح الوجهين: أنهما لا يقلعان، كما أن الشفيع لا يقلع بناء المشتري، وغراسه مجاناً، وفي الثاني لهما القلع؛ لأنهما يستحقان مثل استحقاق الأول، وبذلك السبب، فليس له التصرف حتى يظهر حالهما، بخلاف الشفيع مع المشتري، ولو كان الثاني حاضرين، فأخذا الشِّقْص، واقتسما مع القَيِّم في مال الغائب، ثم قدم الغائب، فله الأخذ وإبطال القسمة، وإن عفا استمرت القسمة.
منهما: لو أخذ الأول والثاني كما صورنا ثم حضر الثالث، وأراد أن يأخذ من أخدهم ثلث ما في يده، ولا يأخذ من الثاني شيئاً، فله ذلك، كما يجوز للشفيع أن يأخذ نصيب أحد المشترين دون الثاني.
ومنها: لو أخذ الأول الكل، وقدم الثاني، وأراد أن يأخذ الثلث بلا مزيد هل له ذلك؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له ذلك، كما لا يجوز للأول إن اقتصر على أخذ الثلث.
وأظهرهما: نعم؛ لأن أخذه الثلث لا يفرق الحق على الأول؛ إذ الحق ثبت لهم أثلاثًا، وبأخذ الأول الثلث تفرق الصفقة على المشتري، فإن أخذ الثلث تفريعًا على هذا الوجه، أو أخذه بالتَّراضي، ثم قدم الثالث، نظر إن أخذ من الأول نصف ما في يده، ولم يتعرض للثاني، فلا كلام قاله في "التتمة".
وإن أراد أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده، فله ذلك؛ لأنه يقول: ما من جزء الأولى ثلثه، وإن ترك الثاني حقه حيث لم يشاطر الأول، فلا يلزمني أن أترك حقي، ثم له أن يجيء إلى الأول، فيقول: ضُمَّ ما معك إلى ما أخذته لنقسمه نصفين لأنا متساويا القَدْر والشقص، والحالة هذه إنما تصحُّ قسمته من ثمانية عشر؛ لأنا نحتاج إلى عدد له ثلث، ولثلثه وثلث، أقله تسعة يحصل منها ثلاثة في يد الثاني، وستة في يد الأول، ثم ينتزع الثالث من يد الثاني واحدًا ويضمه إلى الستة في يد الأول تكون سبعة يقتسمانها بينهما، وسبعة لا تنقسم على اثنين، فتضرب اثنين في تسعة تبلغ ثمانية عشرة، وكان في يد الثاني من التسعة بعد انتزاع الثالث منه ما انتزع اثنان، نضربهما في المضروب في المسألة يكون له أربعة، فهي حِصّته تبقى أربعة عشر، يأخذ كل واحد من الأول والثالث منهما سبعة، فإذا كان ربع الدار ثمانية عشر كانت جملتها اثنين وسبعين، هذا ما ذكره الأكثرون، ونقلوه عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
وحكى الإمام عن القاضي حسين أنه لما ترك الثاني سدسًا على الأول كان عافيًا عن بعض الحق والشفيع إذا عفا عن بعض حقه يبطل جميعه على الظاهر كما سبق، فينبغي أن يسقط حق الثاني بالكلية، ويكون الشقص بين الأول والثالث.
ومنها: قال ابْنُ الصَّبَّاع: لو حضر اثنان، وأخذا الشقص، ثم حضر الثالث وأحدهما غائب، فإن قضى له القاضي على الغائب أخذ من كل واحد من الحاضر والغائب ثلث ما في يده وإلاَّ فوجهان أحدهما: أنه يأخذ من الحاضر ثلث ما في يده لأنه الذي يستحقه منه، والثاني يأخذ نصف ما في يده؛ لأنه إذا غاب أحدهما، فكأن الحاضرين هما الشفيعان، فيسوى بينهما، ثم لو حضر الغائب، وقد غاب الحاضر، فإن كان الثالث، قد أخذ من الحاضر ثلث ما في يده أخذ من هذا الذي قدم ثلث ما في يده أيضًا، وإن كان قد أخذ نصف ما في يده أخذ من القادم سدس ما في يده، ويتم نصيبه بذلك الشِّقص، والمسألة تقسم من اثني عشر للحاجة إلى عدد له نصف ولنصفه ثلث وسدس، وإذا كان الربع اثني عشر فالكل ثمانية وأربعون.
ومنها ثبتت الشفعة لحاضر وغائب، فعفا الحاضر، ثم مات الغائب، وورثه الحاضر له أخذ الشقص بالشفعة، وان عفا أولًا لأنه الآن يأخذ بحق الإرث، وهذا
جواب على أصح الأوجه في عفو أحد الشريكين، وهو أن للآخر أخذ الكل، وساعده التفريع على أن العفو من بعض الشركاء لا يصح.
أما إذا قلنا: إن نصيب العافي يستقر على المشتري، فلا يأخذ الحاضر بحق الإرث إلاَّ النصف.
وإن قلنا: إن عفو أحدهما يسقط حق الآخر أيضًا لم يأخذ شيئًا.
قال الغزالي: وَمَهْمَا تَعَدَّدَ البَائِعُ أَوْ المُشْتَرِي جازَ أَخْذُ مَضْمُونِ إِحْدَى الصَّفْقَتَيْنِ، وإِنِ اشْتَرَى فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ شِقْصَيْنِ فِي دارَيْنِ شَرِيكُهُما وَاحِدٌ فَفِي جَوازِ أَخْذِ أَحَدِهِما وَجْهَانِ.
قال الرافعي: أصل الفصل أنه ليس للشفيع تفريق الصفقة على المشتري على ما مَرَّ أثناء الكلام، ولو اشترى اثنان شِقْصًا من واحد، فللشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما خاصة؛ لأنه لا يفرق على واحد منهما ملكه.
وعن أبي حَنيْفَةَ لا يجوز إن كان ذلك قبل القبض، وإن تعدد البائع بأن باع اثنان من شركاء الدار شِقْصًا من واحد فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز أخذ حِصَّة أحد البائعين؛ لأنّ المشتري ملك الكل بصفقة واحدة، فلا يفرق ملكه عليه، وبهذا قال مالك.
وأصحهما: ويحكى عن نَصِّه في القديم، وبه أجاب المُزَنِيُّ أنه يجوز؛ لأن تعدُّد البائع يوجب تعدد العقد، كتعدد المشتري، فصار كما لو ملكه بعقدين، ولو باع اثنان من شركاء الدار نصيبهما بعقد واحد من رجلين، والصفقة نازلة منزلة أربعة عقود تفريعًا على الأصح في أن تعدُّد البائع كتعدد المشتري، وللشفيع الخيار بين أن يأخذ الجميع، وبين أن يأخذ ثلاثة أرباع المبيع، وهو نصيب أحد المشترين، ونصف نصيب الآخر، وبين أن يأخذ نصفه إما بأخذ نصيب أحدهما، وترك الآخر، أو بأخذ نصف نصيب واحد منهما، وبين أن يأخذ ربعه بأخذ نصف نصيب أحدهما لا غير، وإن وَكَّل وكيلين في بيع شِقْصٍ، أو شرائه، أو وكل وكيلاً في بيع شقص، أو شرائه، فالاعتبار بالعاقد، أو من له اليد فيه خلاف، وقد ذكرناه في "تفريق الصفقة" حتى لو كانت الدَّار لثلاثة شركاء توكل أحدهم لآخر ببيع نصيبه، وجَوَّز له أن يبيعه مع نصيب نفسه إن شاء صفقة واحدة فباع كذلك، فليس للثالث إذا جعلنا الاعتبار بالعاقد إلاَّ أخذ الكل، أو ترك الكل، فإن جعلنا الاعتبار بالمعقود، فله أن يأخذ حصة أحدهما دون الآخر كما لو باع كل منهما حِصَّته بنفسه.
ولو كانت الدار لرجلين، فوكل أحدهما الآخر ببيع نصف نصيبه، وجَوَّز له أن يبيعه مع نصيب نفسه، إن شاء صفقة واحدة، فباع كذلك، وأراد الموكل أخذ نصيب
الوكيل بالشفعة بحق ما بقي له من النِّصْف، فله ذلك؛ لأنّ الصفقة اشتملت على ما لا تثبت فيه الشفعة للموكل وهو ملكه، وعلى ما تثبت، وهو ملك الغير فشبه ذلك بما إذا باع ثوبًا وشِقْصًا بمائة.
وفيه وجه: أنه كالصورة السابقة، ولو باع شِقْصَيْن من دارين صفقة واحدة، فإن كان الشفيع في أحدهما غير الشفيع في الأخرى، فلكل واحد منهما أن يأخذ ما هو شريك فيه، وافقه الآخر في الأخذ أم لا، وإن كان الشفيع فيهما واحدًا فوجهان:
أحدهما: ويروى عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز؛ لأن الصفقة متحدة.
وأصحهما: الجواز؛ لأنه لا يفضي إلى تَبْعيض الشيء الواحد وذلك التبعيض هو الذي يوجب الضرر.
قال الغزالي
###: (البَابُ الثَّالِثُ فِيما يَسْقُطُ بِهِ حَقَّ الشُّفْعَةِ)،
وفِيهِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: (الأَوَّلُ): الجَدِيدُ أَنَّهُ عَلَى الفَوْرِ (م)، قَالَ صلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ: الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ (والثاني) أَنَّهُ يَبْقَى ثَلاَثةَ أَيَّامٍ (والثَّالثُ): أنَّهُ يَتَأَبَّدُ فَلا يَبْطُلُ إِلاَّ بإِبْطالٍ أَوْ دَلاَلَةِ الإِبْطَالِ (و).
قال الرافعي: لا شَكَّ أن حَقّ الشفعة يعرض له السّقوط، ومقصود الباب بيان أنه بِمَ يسقط؟.
وسبيل التدرج إليه أن قول الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- اختلف في أنه تثبت على الفور أم على التراخي؟
وأصح القولين وهو المنصوص في الكتب الجديد انه على 1 الفور لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (الشُّفْعَةُ كَحَلِ العِقَال) 2.
أي أنها تفوت إذا لم يُبْتَدَر إليها كالبعير الشّرود يحل عنه العِقَال ويروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال "الشُّفْعَةُ لِمَهْر وَاثبها 3 " وروى "بالشُّفْعَةِ كَنَشْطِهِ العِقَالْ إنْ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ وإلاَّ فاللَّوْمُ
عَلَى مَنْ تَرَكَها" 1
وأيضًا فإنه حق خيار ثبت في البيع بنفسه لدفع الضرر، فكان على الفور كالرد بالعيب.
والثاني: أنه على التَّراخي، وعلى هذا ففي تقدير مدته قولان:
أظهرهما: التقدير في ضبطها قولان:
أظهرهما: أنها تمتد إلى ثلاثة أيَّام؛ لأن الحكم بالفور يضر بالشفيع، فإنه قَدْ يحتاج إلى تأمل ونظر، والحكم بالتأييد يضر بالمشتري؛ لأنه لا يأمن من أخذ الشفيع، فتفوت عليه العمارة والتصرف، فلا بُدَّ من حَدٍّ فاصِلٍ، فجعلت الثلاثة حدًا كما في خيار الشرط وغيره.
والثاني: عن حكاية صاحب "التقريب" أنه يمتد إلى أن تمضي مدة التدبر في ملك ذلك الشِّقص، ويختلف باختلاف حال المأخوذ.
والثاني: أنه لا تتقدَّر له مدة، بل يتأبد؛ لأنه لا ضرر على المشتري في التأخير، إذ الشقص له وإن بني فيه، أو غرس، فله قيمته إن أخذ الشفيع، وما لا ضرر في تأخيره يتأبد كالقِصَاصِ، فعلى هذا لو صَرَّح بإبطاله يبطل.
وفيما يدل على الإبطال قولان:
أظهرهما: البطلان وهو المذكور في الكتاب.
ومما له دلالة البطلان قوله للمشتري بع الشقص ممن شئت، أو هبه، ولو قال: بعنيه، أو هبه مني، أو قاسمني عليه فكذلك.
وفيه وجه: أنه لا يبطل به بقاء الشفعة، لأنه قد يحاول الأخذ بغير طريق الشفعة إن تيسر له، وللمشتري إذا لم يأخذ الشفيع، ولم يَعْفُ أن يرفعه إلى الحاكم ليلزمه الأخذ، أو العفو.
وفيه قول: أنه ليس له تنزيلاً للشفيع منزلة مستحق القصاص.
ويخرج من الترتيب المذكور عند الاختصار خمسة أقوال في كيفية ثبوت الشُّفْعَةِ:
أنها على الفور تمتد ثلاثة أيَّام -تمتد مدة تسع للتأمل- تتأبد إلى التصريح بالأبطال
تتأبد إلى أن يصرح بالإبطال، أو يأتي بما يدل عليه.
وعند أبِي حَنِيْفَةَ وأحْمَدَ أنها تمتد امتداد المجلس للعلم بالشفعة.
وعند مالك: تمتد سنة في رواية ومدة يغلب على الظن فيها الإسقاط والترك فيها في الأخرى.
قال الغزالي: والصَّحِيْحُ أنَّهُ عَلَى الفَوْرِ وأنَّهُ يَسْقُطُ بَكُلِّ ما يُعَدُّ تَقْصِيرًا أو تَوانِيًا فِي الطَّلَبِ، فإِذَا بَلَغَهُ الخَبَرَ فَلْيَنْهَضُ عَنْ مَكَانِهِ طَالِبًا، فَإنْ كَانَ مَمْنُوعًا بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ فِي باطِلٍ فَلْيُوكِّلْ، فإِنْ لَمْ يُوَكِّلْ مَعَ القُدْرَةِ بَطَلَ حَقُّهُ (و) إِنْ لمْ يَكُنْ في التَّوْكِيلِ مَؤْنَةٌ وَمِنَّه ثَقِيلةٌ، فإنْ لَمْ يَجِدْ الوَكِيلَ فَلْيُشْهِدهُ، فَإنْ تَرَكَ الأِشْهادَ فَفِي بُطْلاَنِ حَقِّهِ قَوْلاَنِ، وإنْ كَانَ المُشْتَرِي غائِبًا وَلَمْ يَجِدْ في الحَالِ رُفْقَةً وَثِيْقَةً لاَ يَبْطُلُ حَقُّهُ، وَإِنْ كَانَ فِي حَمَّامٍ أَوْ عَلَى طَعَامٍ أَوْ فِي صَلاةٍ نَافِلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ (و) قَطْعُهَا عَلَى خِلاَفِ العَادَةِ.
قال الرافعي: إنما أعاد ذكر الفَوْر، فقال: "والصحيح أنه على الفور" لأنه أراد التفريج عليه.
واعلم أنا إنما نحكم بالفور بَعْد علم الشفيع بالبيع.
أما إذا لم يعلم حتى مضت سنون، فهو على حقِّه.
ثم إذا علم فلا يكلّف ابتدارًا على خلاف العادة بالعد ونحوه، بل يرجع فيه إلى العُرْف فما يعد تقصيرًا أو توانيًا في الطلب يسقط الشفعة، وما لا يعد تقصيرًا لاقتران عذر به لا يسقطها، والأعذار ضربان:
أحدهما: ما لا ينتظر زواله عن قرب كالمرض المانع من المطالبة، فينبغي للمريض أن يوكل إن قدر عليه، وإن لم يفعل فثلاثة أوجه:
أصحها: بطلان الشفعة، كما لو أمكنه الطلب بنفسه فقصر.
والثاني وبه قال أبُو علِيٍّ الطَّبَرِيُّ: لا يبطل؛ لأنه يلزمه في التوكيل مِنَّة أو مُؤْنَة.
والثالث: إن لم يلزمه فيه مِنَّة ولا مؤْنَة ثقيلة يبطل حقه، وإن لزمه أحدهما لم يبطل.
وإن لزمه أحدهما لم يبطل.
وإن لم يمكنه التوكيل، فليشهد على الطلب، فإن لم يشهد فقولان، أو وجهان:
أظهرهما: أنه يبطل حقه؛ لأن السكوت مع التمكن من الإشهاد مشعر بالرضا.
والثاني: لا يبطل، وإنما الإشهاد لاثبات الطلب عند الحاجة، وهذا ما اختاره الشيخ أبُو مُحَمَّدٍ.
والخوف من العدو كالمرض، وكذا الحَبْس إن كان ظلمًا أو بِدَيْنٍ هو معسر به، وعاجز عن بَيِّنَة الإعسار، فإن حبس بحق، فإن كان مليئًا فهو غير فعذور، بل عليه الأداء والخروج.
ومن هذا الضرب غنية، فإذا كان المشتري في بلدة، والشفيع في غيرها، فعلى الشفيع أن يخرج طالبًا كما بلغه الخبر، أو يبعث وكيلًا إلاَّ أن يكون الطريق مخوفًا، فيجوز التأخير إلى أن يجد رُفْقَة وثيقة يصحبها هو أو وكيله، أو يزول الحَرَّ المفرط، أو البرد المفرط، فإذا أخر لذلك، أو لم يمكنه المسير بنفسه، ولا وجد وكيلاً فليشهد على الطلب، فإن لم يشهد، ففي بطلان حقه الخلاف السابق، وأجرى ذلك في وجوب الإشهاد إذا سار في الحال، والظاهر هاهنا أنه لا يحب، ولا تبطل الشفعة بتركة، كما لو أنفذ وكيلاً.
ولم يشهد يكتفي فيه بذلك، وليطرد فيما إذا كان حاضرًا في البلد، فخرج إليه، أو إلى مجلس الحكم، كما سبق في الرد بالعيب.
والضرب الثاني: ما ينتظر زواله عن قريب، بأن كان مشغولًا بطعام أو صلاة، أو قضاء حاجة، أو في حمَّام، فله الإتمام ولا يكلِّف قطعها على خلاف المعهود.
وفيه وجه: أن عليه قطعها حتى الصلاة إذا كانت نافلة، ولو دخل وقت الأكل والصلاة، أو قضاء الحاجة جاز له أن يقدّمها، فإذا فرغ طالب بالشفعة، ولا يلزمه تخفيف الصلاة، والاقتصار على أقل ما يجزئ.
ولو رفع الشفيع الأمر إلى الحاكم، وترك مطالبة المشتري مع حضوره جاز، وقد ذكرناه في الردِّ بالعيب.
ولو أشهد على الطلب، ولم يراجع المشتري والحاكم لم يكلُّف، خلافًا لأبي حنيفة.
وإن كان المشتري غائبًا، فالقياس أن يرفع الأمر إلى الحاكم، ويأخذ كما ذكرنا هناك، وإذا ألزمناه الإشهاد، ولم يقدر عليه، فهل يؤمر أن يقول: تملّكت الشفعة؟ فيه وجهان مَرَّ نظائرهما في الرد بالعيب.
وإذا تلاقيها في غير بَلَدِ الشِّقص، فأخر الشفيع إلى العود إليه بطل حقه؛ لاستغناء الأخذ عن الحضور عند الشقص.
وقوله في الكتاب: "فإذا بلغه الخبر" أي خبر من يعتمد قوله "فلينهض عن مكانه طالبًا"، أي إما بنفسه أو بنائبه.
وقوله: "فإن لم يوكل مع القدرة بطل حقه" معلّم بالواو.
وكذا قوله: "لم يلزمه قطعها".
قال الغزالي: وَلَوُ أَخْبَرَ ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُصَدِّقِ المُخْبِرَ فَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتَهُ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ لا تُقْبَلُ رِوايَتُهِ كَفاسِقٍ وَصَبيٍّ فَلا يَبْطُلُ، وإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ وَاحِدٌ أَوْ
عَبْدٌ تُقْبَلُ رِوَايتُهُ فالأَظْهَرُ (و) أَنَّهُ يَبْطُلُ حَقُهِ، وإِنْ كَذَّبَ المُخْبِرُ فِي مِقْدَارِ الثمَن، أَوْ تَعْيينِ المُشْتَرِي، أَوْ جِنْسِ (وح) الثَّمَنِ، أَو قَدْرِ المَبِيعِ فَتَرَكَ المَبيَع لَمْ يبَطُل حَقَّهُ لأَنَّ لَهُ غَرَضًا، وإِنْ أَخبرَ بأَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ فَإذا هُوَ الْفَانِ لَمْ يْكُنِ لَهُ الرُجُوَعُ إِذْ لا غَرضَ فِيهِ، وإِذَا لَقِيَ المُشْتَرِي فَقَالَ؛ السَّلاَم عَلَيْكُمْ لَمْ يبَطُلَ حَقُّهُ، وَلَوْ قَال: بِكَمْ اشْتَرَيْتَ فَفِيهِ تَردُّدٌ، وَكَذا في قَوْلِهِ: بَارَكَ اللَهُ لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينِكَ، وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتَ رَخِيصًا وَأَنَا طَالِبٌ؛ بَطَلَ حَقُّهُ؛ لأنَّهُ فُضُولٌ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على صور:
إحداها: إذا أخر الطلب، ثم قال: إنما أخرت؛ لأني لم أصدق المخبر عنه نظر إن أخبره عدلان يبطل حقه؛ لأن شهادتهما مقبولة، فكان من حقه أن يعتمد قولهما، ويثق به، وكذا لو أخبره رجل وامرأتان.
وإن أخبره من لا تقبل روايته، كالكافر والفاسق والصبي لم يبطل حقه، وإن أخبره عَدْلٌ واحد حُرٌ أو عبد، فوجهان:
أحدهما: لا يبطل حقه: لأن الحجة لا تقوم بالواحد، وهو رواية عن أبِي حَنِيْفَةَ ذكره في "التتمة".
وأظهرهما: البطلان؛ لأنه إخبار، وإخبارهم مقبول.
وفي "النهاية" أنهم ألحقوا العبد بالفاسق؛ لأنه ليس من أهل الشَّهادة، والمرأة الواحدة كالعبد حتى يجيء فيها الوجهان.
وقطع بعضهم بأن إخبارها لا يبطل حقه، وعلى هذا فلو أخبره نسوة، قال أبو سَعِيدٍ المُتَولي: ينبني على أن المدعي إذا أقام امرأتين هل يقضى بيمينه معهما؟
إن قلنا؛ لا فإخبارهن كإخبار المرأة الواحدة.
وإن قلنا: نعم، فكالعدل الواحد، وهذا كله إذا لم يبلغ عدد المخبرين حدًا لا يحتمل التواطؤ على الكذب، فإن بلغه وأخر، بطل حقه، وإن كانوا فُسَّاقًا.
الثانية: لو كذبه المخبر، فزاد في قدر الثمن، بأن قال: باع الشريك نصيبه بألف، فعفا الشفيع، أو تَوانى، ثم بَانَ أن البيع بخمسمائة لم يبطل حقه، ولو كذب بالنقصان، فقال: باع بألف، فعفا، ثم بَانَ أنه باع بألفين، بَطُلَ حقه؛ لأنه إذا لم يرغب فيه بألف، فبألفين أولى، ولو كذب في تعيين المشتري، بأن قال باعه من زيد ثم بَانَ أنه باعها من غيره، أو قال المشتري: اشتريت لنفسي، ثم بَانَ أنه كان وكيلاً، أو في جنس الثمن بأن قال: باع بالدراهم، فَبَانَ أنه باع بالدنانير، أو في نوعه بأن قال: باع "بالنيسابورية"، فَبَانَ
أنه باع "بالمروبة"، أو في قدر المبيع بأن قال: باع كل نصيبه، فَبَانَ أنه بعضه، أو بالعكس لم يبطل حقه؛ لأنه ربما يرضى بتركه لزيد دون غيره، وقد يجد الدنانير دون الدراهم، أو يرغب في الكل دون البعض، وبالعكس، وكذا لو قال: باعه من فلان، فعفا، ثم بَانَ أنه باع من غيره، أو قال: باعه من رجلين، فَبَانَ أنه باعه من أحدهما، أو قال: باعه بكذا حالاًّ، فَبَانَ أنه باعه مؤجلاً، أو قال: باع بكذا إلى شهر، فَبَانَ أنه باع إلى شهرين لا يبطل حقه، ولو قال: باعه بكذا مؤجلاً، فعفا، ثم بَانَ أنه باعه حالاً يبطل حقه؛ لأنه متمكن من التعجيل إن كان يقصده، وكذا لو قال: باع كله بألف، فعفا، ثم بَانَ أنه بيع بعضه بألف يبطل حقه؛ لأنه إذا لم يرغب في الكل بألف، ففي البعض أولى.
وعند أبي حَنِيْفَةَ إذا أخبرا عن البيع بالدراهم، فعفا، ثم بَانَ أن البيع بالدنانير أو بالعكس، ولم يتفاوت القدر عند التقويم بطلت شفعته، وبه أجاب الإمام، فيجوز أن يعلم بذلك قوله: "أو جنس الثمن" بالحاء والواو.
الثالثة: لقي المشتري، فقال: السلام عليك أو سلام عليك أو سلام عليكم لم يبطل حقه؛ لأن السنة السلام قبل الكلام 1 قال الإمام: ومن غلا في اشتراط قطع ما هو مشغول به من الطعام، وقضاء الحاجة لا يبعد أن يشترط ترك الابتداء بالسلام.
وفيما إذا قال عند لقاء المشتري: بكم اشتريت؟ وجهان:
ذكر العراقييون أنه يبطل حقه.
وقال: من حقه أن يظهر الطلب ثم يبحث.
والأصح بالمنع؛ لأنه إن لم يعلم قدر الثمن، فلا بد من البحث عنه، وإن علم فيجوز أن يريد أخذ إقرار المشتري كي لا ينازعه في الثمن.
وحكى الإمام وجهين أيضًا فيما إذا قال: بارك الله في صفقة عن قياس طريق طريق المَرَاوزة أنه يبطل حقه؛ لأن هذا الدعاء يشعر بتقرير الشقص في يده، فلا ينتظر الطلب عقبه.
وأصحهما: وهو الذي أورده المعظم أنه لا يبطل؛ لأنه قد يدعو بالبركة ليأخذ بصفقة مباركة، ولو قال: اشتريت رخيصًا، وما أشبه، ثم أعقبه بالطلب بطل حقه؛ لأنه فضول لا غرض فيه، ولو أخر الطلب، ثم اعتذر بمرض أو حبس، أو غيبة، وأنكر المشتري، فالقول قول الشفيع إن علم له العارض الذي يدعيه، وإلاَّ فالمصدق المشتري
ولو قال: لم أكن أعلم بثبوت حق الشفعة أو كونها على الفور، فهو كما مر في الرد بالعيب والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَلَوْ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ مَعَ العِلْمِ بِالشُّفْعَةِ بَطُلَ حَقُّهُ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمْ فَقَولاَنِ مِنْ حِيْثُ إنَّهُ انْقَطَعَ الضَّرَرُ، وإنْ صَالَحَ عَنْ حَقِّ الشُّفْعَةِ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحَ، ثُمَّ إنْ كَانَ جاهِلًا فَفِي بُطْلاَنِ شُفْعَتِهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: في هذه البقية مسألتان:
الأولى: إذا باع الشفيع نصيب نفسه من العقار أو وهب عالمًا بثبوت الشفاعة له بطل حقه.
أما إذا جعلنا الشفعة على الفور فظاهر.
وأما إذا جعلناها على التراخي، فلأن الشفعة إنما ثبتت لدفع ضرر سوء المشاركة ومؤنة المقاسمة، وإنما يلزم ذلك من التركة، فإذا باع نصيب نفسه، فقد أزال سبب الشفعة.
ولو باع بعض نصيبه حكى الشيخ أبُو عَلِيٍّ وغيره فيه قولين:
أحدهما: أن شفعته لا تبطل؛ لأنه لو لم يملك إلاَّ ذلك القدر ابتداءً لثبتت الشفعة فلذلك إذا بقيت إنتهاءً.
والثاني: تبطل لأنه إنما يستحق الشفعة بجميع نصيبه، فإذا باع بعضه بطل بقدره وإذا بطل البعض بكل، كما لو عفا عن بعض الشِّقْص المشفوع، وهذا أظهر على ما ذكره الأمام وغيره، هذا إذا كان عالمًا.
أما إذا باع نصيبه جاهلًا بالشفعة، قال أكثرهم: فيه وجهان: وقال صاحب الكتاب قولان:
أحدهما: أنه على شفعته؛ لأنه كان شريكًا يوم البيع، ولم يرضَ بسقوط حق الشفعة.
وأشبههما: أنها تبطل لزوال سبب الشفعة، ولهذا لو زال عيب المبيع قبل التمكُّن من الرد، سقط حق الرد، ولو باع بعض نصيبه جاهلًا أطلق في "التهذيب" أن شفعته لا تبطل، والوجه أن يكون على الخلاف السابق إذا فرعنا على أنه لو باع الجميع بطلت شفعته 1.
الثانية: لو صالح على حق الشفعة على مال، فهو على ما ذكرناه في الصلح عن الرد بالعيب.
واختار أبُو إسحاق المَرْوَزِيُّ صحته، ولو تصالحا على أن يأخذ بعض الشقص، فيصح الصُّلْح برضا المشتري بالتبعيض، أو يبطل، وتبقى خيرة الشفيع بين أخذ الكل، وترك الكل أو تبطل شفعته أصلًا تنزيلًا لترك البعض منزلة ترك الكل؟.
نقلوا فيه ثلاثة أقوال.
وقد فرغنا بتوفيق الله -تعالى- من شرح مسائل الكتاب، ونزيده بفصلين:
أحدهما: في الحيل الدافعة للشفعة.
منها: أن يبيع الشقص بأضعاف ثمنه دراهم ويأخذ عرضًا قيمته مثل الثمن الذي يتراضيان عليه بدلًا من الدراهم، أو يحط من المشتري ما يزيد عليه، فلا يرغب الشفيع في الشفعة لحاجته إلى الأخذ بالدراهم المسماة، وفيها غرر؛ لأنّ البائع قد لا يرضى بالعرض عوضًا أو لا يحط على المشتري ما يزيد عليها.
ومنها قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يشتري أولًا بائع الشقص عرضًا يساوي ثمن الشقص بأضعاف ذلك الثمن، ثم يجعل الشقص عوضًا عما لزمه، وفيها غرر؛ لأن البائع قد لا يرضى به.
ومنها: أن يبيع جزءًا من الشقص بالثمن كله، ويهب منه الباقي، فلا يأخذ الشفيع الشقص المبيع للغبن، ولا يتمكن من أخذ الموهوب، وفيها غرر ظاهر.
ومنها: أن يجعل الثمن حاضرًا مجهول القدر، ويقبضه البائع وينفقه، أو يخلط بغيره، فتندفع الشفعة، وفيه خلاف ابْنُ سُرَيْج على ما تقدَّم.
ومنها إذا وهب المشتري الشِّقص أو وهبه يبطل حق الشفيع على رأي أبِي إسحاق.
ومنها: لو باع بعض الشقص، ثم باع الباقي لم يكن للشفيع أخذ جميع المبيع ثانيًا في أحد الوجهين، فيندفع أخذ الجميع.
ومنها: لو وكَّل البائع شريكه بالبيع فَبَاعَ لم يكن له الشفعة على أحد الوجهين، وقد سلف ذكر هذه المسائل 1.
فرع: عند أبِي يُوسُفَ لا يكره دفع الشفيع بالحيلة، إذ ليس فيها تفويت حقّ على الغير؛ لأن الحق إنما يثبت بعد البيع.
وعند مُحَمَّدٍ يكره لما فيه من إيقاع الشفيع في الضرر مع حقه من الثبوت، وهذا أشبه بمذهبنا في الحيلة في دفع الزكاة 1 وهما يختلفان في الزكاة.
الفصل الثاني: في مسائل وفروع من الباب لم تسلك فيما قدمنا، ونوردها منثورة، فنقول: للمفلس العفو عن الشفعة، والأخذ والاعتراض عليه للغرماء، وينبغي أن يعود في أخذه الخِلاَف المذكور في شرائه في الذِّمة، ثم الكلام في أنه لم يؤد الثمن على ما ذكرناه في التفليس.
ولو وهب شقصًا من عبده، وقلنا: إنه يملك، فبيع باقيه.
قال الشيخ أبُو مُحَمَّدٍ: تثبت له الشفعة، وهل يفتقر إلى إذن جديد من السيد؟ فيه وجهان.
ولعامل القراض الأخذ بالشفعة، فإن لم يأخذ، فللمالك الأخذ ولو اشترى بمال القِرَاض شقصا من عقار فيه شركة لربّ المال، ففي ثبوت الشفعة له وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ:
أصحهما: المنع.
ووجه الثاني: أن مال القِرَاض كالمنفرد عن ملكه لتعلق حق الغير به، ويجوز أن يثبت له على ملكه حق، والحالة هذه كما لو ثبت له على عبده المَرْهُون حق الجناية، وإن كان العامل شريكًا فيه، فله الأخذ إن لم يكن في المال ربح، أو كان، وقلنا: إنه لا يملك بالظهور، وإن قلنا: إنه يملك، فعلى الوجهين في المالك.
ولو كان الشِّقْصُ في يد البائع فقال الشفيع: لا أقبضه إلا من المشتري فيه وجهان عن ابْنُ سُرَيْجٍ:
أحدهما: له ذلك، ويكلف الحاكم المشتري أن يتسلّمه، ويسلمه إلى الشفيع، وإن كان غائبًا نصب الحاكم من ينوب عنه في الطرفين.
والثاني: أنه لا يكلف ذلك، بل يأخذه الشفيع من يد البائع، وسواء أخذ من
المشتري، أو من البائع فعهدة الشفيع على المشتري، فإن الملك ينتقل إليه منه 1.
وقال أبُو حنيفة: إن أخذه من يد المشتري، فالعهدة على المشتري، وإن أخذه من يد البائع، فالعهدة عليه، ولو اشترى شقصًا شرط البراءة من العيوب، فإن أبطلنا البيع فذاك، وإن صححناه، وأبطلنا الشرط، فكما لو اشترى مطلقًا، فإن صحننا الشرط فللشفيع رده بالعيب على المشتري، وليس للمشتري الرَّد، كما لو كان المشتري عالمًا بعيبه عند الشراء، والشفيع جاهلًا به عند الأخذ، وإن علم الشفيع العيب دون المشتري، فلا رد للشفيع، وليس للمشتري طلب الأَرْش؛ لأنه استدراك للظُّلامة، أو لأنه لم ييأس من الرد، فلو رجع إليه ببيع، أو غيرها لم يرده على العلّة الأولى، ويرده على الثانية، ولو قال أحد الشريكين للآخر: بيع نصيبك، فقد عفوت عن الشفعة، فباع ثبتت له الشفعة، ولغا العفو قبل ثبوت الحق.
وعن تفريع ابن سُرَيْجٍ عن "الجامع الكبير" لمحمد أنه إذا باع شِقْصًا، ضمن الشفيع العهدة للمشتري لم تسقط بذلك شفعته، وكذلك إذا شرط الخيار للشَّفيع، وصححنا شرط الخيار للأجنبي، ولو كان بين أربعة دار، فباع أحدهم نصيبه، واستحق الشركاء الشفعة، فشهد اثنان منهم على الثالث بالعفو، ثبتت شهادتهما ان شهدا بعد ما عفوا وإن شهدا قبله لم تقبل؛ لأنهما يجران الشقص إلى أنفسهما، فلو عفوا ثم أعادوا بتلك الشهادة لم تقبل أيضًا للتهمة، وإن شهدا بعد ما عفا أحدهما قبلت شهادة العافي دون الآخر، فيحلف المشتري مع العافي، ويثبت العفو، ولو شهد البائع على عفو الشفيع قبل قبض الثمن لم يقبل؛ لأنه قد لا يقصد الرُّجوع بتقدير الإفلاس، وإن كان بعد القبض فوجهان؛ لأنه ربما يتوقع الرجوع إلى العين لسبب من الأسباب، ولو أقام المشتري على عفو الشفيع بينه، وأقام المشتري بيِّنة على أنه أخذ بالشفعة، والشقص في يده، فبيِّنة الشفيع أولى لتقويها باليد، أو بيِّنة المشتري لزيادة علمها بالعفو؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الثاني، ولو شهد السيد على شراء شقص فيه شفعة لمكاتبه، فعن الشيخ أبِي مُحَمَّدٍ: قَبُول شهادته.
قال الإمام: كأنه أراد أن يشهد للمشتري إذا ادعى الشراء ثم إذا ثبت الشراء فيجوز أن تثبت الشفعة تبعًا أما شهادته لمكاتب فإنها لا تقبل بحال، ولو كان الشفيع صبيًا،
فعلى وليِّه الأخذ إن كان فيه مصلحة، وإلاَّ لم يجز الأخذ، وإذا ترك بالمصلحة، ثم بلغ الصَّبي، فهل له الأخذ؟
فيه خلاف ذكرناه في آخر الحجر، ولو كان بين اثنين دار، فمات أحدهما عن حمل في البطن ثم باع الآخر نصيبه، فلا شفعة للحمل؛ لأنه لا يتيقن وجوده، فإن كان له وارثٌ غير الحمل، فله الشفعة، وإذا انفصل حيًا، فليس لوليِّه أن يأخذ شيئًا من الوارث، ولو ورث الحمل الشفعة عن مورثه، فهل لأبيه أو جدّه الأخذ قبل انفصاله.
فيه وجهان:
وجه المنع، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه لا يتيقّن وجوده، فإذا أخذ الشفيع الشقص وبنى فيه أو غرس وخرج مستحقًا وقلع المستحق، بناءه وغراسه، فالقول فيما يرجع به الشفيع على المشتري من الثمن، وما ينقص قيمة البناء والغراس وغيرهما، كالقول في رجوع المشتري من الغاصب عليه.
قال الإمام: وإن نظرنا إلى أن الرجوع بما ينقص من قيمة البناء والغراس هناك مبني على التغرير، ولا تغرير من المشتري، بل الشِّقص مأخوذ منه قهرًا، فيجوز أن يجاب عنه بأنه مختار في الشراء، والأخذ بالشفعة موجب للشراء.
ولو مات رجل، وله شقص من داره، وعليه ديون تستغرق التركلة، فباع الشريك الآخر نصيبه قبل أن يباع الشقص في الدَّين.
قال ابْنُ الحَدَّادِ: للورثة أخذه بالشفعة، وهو جواب على أن الدَّيْن لا يمنع انتقال المِلْك، في التركة إلى الورثة، وهو الأصح.
فإن قلنا: يمنع، فلا شفعة لهم، ولو خلف دارًا وديونًا لا تستغرق قيمة الدار، فبيع منها ما بقي بالدَّين.
قال ابْنُ الحَدَّادِ: لا شفعة للورثة فيما بيع بما بقي لهم في الملك، وهذا مستمر على الأصل السابق، فإنهم إذا ملكوا الدار كان المبيع جزءًا من ملكهم، ومن بيع جزء من ملكه بحق لم يكن له استرجاعه بالباقي.
فإن قلنا: إنه يمنع، فمنع الملك في قدر الدَّين، أم في جميع التركة؟ فيه خلاف مذكور في موضعه.
إن قلنا بالثاني، فلا شُفْعَة لهم أيضًا؛ لأنهم إنما يملكون الباقي بأداء الدين، وإنما تثبت الشُّفعة بملك يتقدَّم على البيع.
وإن قلنا بالأول ثبتت لهم الشفعة، ولو كانت الدَّار المشتركة بين المورث والورثة، ثم إنه مات، فبيع نصيبه أو بعضه في ديونه وصاياه.
قال ابن الحَدَّادِ: لهم بالشفعة، وهذا يخالف الأصل الذي سبق فإنهم إذا ملكوا التركة صار جميع الدار ملكهم، فيكون المبيع جزءًا من ملكهم.
واختلف من بعده.
فمنهم من أخذ به، وقال ما يباع في ديونه ووصاياه بمثابة ما يبيعه بنفسه، ولو باعه في حياته بنفسه كان لهم الشفعة فكذلك هاهنا.
والأكثرون خالفوه وجروا على قضية ذلك الأصل، ثم منهم من خطَّأه، وقال: إنما ينتظم هذا الجواب على قولنا: إن الدين يمنع ملكهم، فيستحقون الشفعة بالملك القديم.
وعن الشيخ أبِي زَيْدٍ حمل كلامه على ما إذا باع بنفسه في مرض موته، ومن "مولدات" ابْنِ الحَدَّادِ دار بين ثلاثة لأحدهم نصفها، ونصفها بين الأخيرين بالتسوية، فاشترى صاحب النصف نصيب أحد الآخرين، ثم باع ثلث ما معه مطلقًا من أجنبي، والشريك الثالث غائب مثلاً.
فاعلم أن الشفيع في المبيع الثاني وهو الشريك الثالث لا غير.
وأما في الأول فيتعلق النظر بأصلين:
أحدهما: الخلاف الذي سبق في أن المشتري إذا كان أحد الشركاء تكون الشفعة بينه وبين الشريك الآخر أو يختص بهذا الشريك الآخر.
والثاني: عود القولين في أن الشفعة على عدد الرءوس أو الحصص، إذا حكمنا بالشركة، إذا عرفت ذلك، فإذا قدم الغائب، وفرعنا على قسمة بينه وبين المشتري، وهو الأصح، نظرنا إن طلب الشُّفعة في العقد الأول فله مما اشتراه الشريك، على قولنا بالتوزيع على عدد الرءوس النصف، وهو ثمن جميع الدار، وذلك شائع فيما معه، وهو ثلاثة أرباع الدار، فإذا باع ثلث ما معه كان بائعًا ثلث حق الشفيع، ولا يتصرف إلى الشريك ما يستقر ملكه فيه؛ لأن الكل قابل للبيع، فيأخذ القادم من الشريك ثلثي الثَّمن، ومن المشتري منه ثلث الثمن، فيتم له ما استحقه بالعقد الأول.
وإن قلنا بالتوزيع على الحِصَص، فله مما اشتراه الشريك الثلث؛ لأن ملكه قدر نصف ملك الشريك، وحينئذ فله نصف سدس الدار، فيأخذ من الشريك ثلثي نصف السدس، ومن المشتري منه ثلثه، لما ذكرنا من الشُّيوع، فعلى القول الأول يخرج الحساب من أربعة وعشرين؛ لأن نصيب الغائب سدس ما معه، وهو الثلاثة أرباع الدار، فيحتاج إلى عدد لثلاثة أرباعه سدس، فتضرب أربعة في ستة تكون أربعة وعشرين، وعلى الثاني من ستة وثلاثين؛ لأن نصيب الغائب تسع ما معه، فيحتاج إلى عدد لثلاثة أرباعه تسع، فتضرب أربعة في تسعة يكون ستة وثلاثين، والربع الذي اشتراه الشريك على التقدير الأول ستة وعلى الثاني تسعة، ثم إذا أخذ ذلك، فله أن يأخذ ما بقي من يد المشتري بالعقد الثاني، وله أن يعفو فيكون للمشتري الخيار بين أن يفسخ
لتفرُّق الصفقة عليه، وبين أن يختار بحصَّته من الثمن.
أما إذا فرعنا على أن المشتري إذا كان شريكًا لا شُفْعَة له، بل يختص بها الشريك الآخر، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، فإن الغائب إذا كان يأخذ جميع ما اشتراه الشريك لو لم يكن بيع ثانٍ، فإذا باع ثلث ما في يده، فقد باع من حقّ الغائب الثلث، فإذا قدم أخذ ثلث الربع من المشتري، وثلثيه من الشريك، فيتم له ما استحق بالبيع الأول، ثم له أن يأخذ ما في يد المشتري بالعقد الثاني، وله أن يعفو عن الأول، ويأخذ جميع الربع من يد المشتري، وهذا كله فيما إذا باع ثلث ما في يده مطلقًا أما إذا قال: بعت ربع الذي اشتريت، فليس للغائب أن يأخذ غير ما في يد المشتري من الشريك، لكنه إن عفا عن شفعة البيع الأول أخذ جميع الربع بالبيع الثاني، وإن أراد الأخذ بالبيع الأول فسخ البيع في نصف الربع على قول التوزيع على الرءوس وثلثه على القول المقابل له، ثم له أخذ الباقي بالبيع الثاني، ولو قال: بعت الدار من جملة النصف الذي كنت أملكه قديمًا، فللغائب أن يأخذ جميعه بالعقد الثاني، وأن يأخذ بالعقد الأول مما في يد الشريك نصف الربع، أو ثلثة على اختلاف القولين والله أعلم.
تم الجزء الخامس،
ويليه الجزء السادس، وأوله:
"كتاب القراض"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ