العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 304-343

1 قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يَخْفَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مالِكٍ مُكَلَّفٍ لاَ يُصَادِفُ إِعْتَاقُهُ حَقّاً لازِماً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37].
قال المفسرون: أي أَعتقه.
وقال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] أي الجواز على العقبة كفك الرقبة.
وأمر اللهُ تعالى بتحرير الرقبة في مواضع من الكفارات.
عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ

حتى فَرْجَه بِفَرْجِه" 1. وروى "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَ فداؤه مِنَ النَّارِ" 2 والإجماع منعقد على صحة الإِعْتَاقِ، وعلى أنه من القُربات 3، ويصحُّ من كل مالك مكلف لا يصادف إِعتاقه متعلق حتى لازم للغير فغير المالك لا يصح إعتاقه إلاَّ بوكالة، أو ولاية 4، ولا يصح إعتاق الصبي، والمجنون ولا إِعتاق المحجور عليه بالسَّفَهِ، وفي إِعْتَاقِ المحجور عليه بِالْفَلَسِ خلاف مذكور في "التَّفْلِيسِ"، وليس للعبد المأذون في التِّجارة الإعْتَاق إلاَّ أن يأذن له السيد في الإعتاق عنه، والمريض مرض الموت يُعْتَبَرُ إِعْتَاقُهُ منَ الثلث، وفي إِعْتَاقِ العبد المرهون الخلاف المذكور في "الرَّهْن" وفي إعتاق العبد الجاني خلاف ذكرناه في "البيع"، وهما المقصودان بقوله في الكتاب: "لاَ يُصَادِفُ إِعْتَاقُهُ حَقّاً لاَزِماً".
ولا يصح إعتاق الموقوف عليه العبد الموقوف؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ، ويبطل حق من بعده، ويصح إِعتاق الكافر ذمياً كان أو حربياً.
وإذا أعتق الحربي عبده ثم أَسْلَمَا فولاؤه ثابت عليه.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: لا يصح عتقه، ولا ولاء عليه، وله أن يوالي من شاء.
واحْتَجَّ الأصحاب أن من نفذ عتقه في عبده المسلم، وجب أن ينفذ عتقه في عبده الكافر كالمسلم.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَصَرِيحُ لَفْظِهِ الإِعْتَاقُ وَالتَّحْرِيرُ، أَمَّا فَكُّ الرَّقَبَةِ فَهُوَ صَرِيحٌ عَلَى وَجْهٍ، وَلَوْ قَالَ: يَا حُرَّةُ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ نِدَاءَهَا بِاسْمِهَا القَدِيمِ لَمْ يُقْبَل ظَاهِراً إلاَّ أَنْ يَكُونَ

اسْمُهَا في الحَالِ حُرَّةً، وَكَذِلِكَ لَوْ قَالَ: (يَا ازا ذمرد) ثُمَّ قَالَ أَرَدتُّ الوَصْفَ بِالجُودِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ ازاذمرد أَوْ كَانَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى المَدْحِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي وَلِجَارِيَتِهِ يَا كَذَبانوا فَهُوَ لَيْسَ بِكِنَايَة، وَلَوْ قَالَ: يَا مَوْلاَيَ فَهُوَ كِنَايَةٌ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِ غَيْرِهِ: أَعْتَقْتُكَ لَغَا إِنْ فُهِمَ مِنْهُ الإِنْشَاءُ، وَإِنْ فُهِمَ مِنْهُ الإِقْرَارُ فَإذَا اشْتَرَاهُ كَانَ مُؤَاخَداً به.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يحصل العتق بالصريح والكناية: أما الصريح: فالتحرير والإعتاق صريحان 1، فإذا قال لعبده: أنت حرٌّ أو مُحَرَّرٌ، أو حرَّرْتُكَ، أو أنتَ عتيق أو معتق 2 أو أعْتَقْتُكَ، عَتَقَ العَبْدُ، وإِنْ لم ينو، ولا أثر للخطأ في التذكير والتأنيث؛ بأن يقول لعبده: أنتِ حرَّةٌ، أو لجاريته: أنتَ حُرٌّ.
وفي فك الرقبة، أهو صريح أو كناية؟ وجهان قد ذكرهما في الكتاب في أول "الخُلْع" والأرجح على قياس نظائره أنه صريحٌ.
والكناية: كقوله لعبده: لا مِلْك لي عليك، أو لا سَبِيل، أو لا سلطان أو لا يد، أو لا أمْر، أو لا خدْمة، أو أَزَلْتُ مِلْكي عنك، أو حرمتَكِ، أو أنت سائبة وصرائح الطلاق وكناياتها كلُّها كناية في العتق 3. وفي قوله: "أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي" وجهان أيضاً؛ لاقتضائه التحريم، كما لو قال: حَرَّمْتُكِ.
وفي قوله: "أنتِ للهِ" كنايةٌ أيضاً، خلافاً لأبي حنيفة.
ولو قال: "وهبْتُ نفسكِ منك" ونوى العتق دون التمليك، حصل العتق أيضاً، وإن قصد التمليك، فعلى ما سنذكر فيما إذا قال: بعت نفسك منك.
ثم الكلام في صور: إحداها: إذا كانت أَمَتُهُ تُسَمَّى قبل جريان الرِّقِّ عليها حُرة فقال لها: يا حُرَّةُ.
فإن لم يخطر له النداء باسْمِهَا القديم 4؛ عتقت لا محالة وإن قصد نداءها به ففيه وجهان

عن الْقَاضِي الحُسَيْنِ، وبه أجابَ في الكتاب أنها تعتق؛ لأن اللفظ صريح وإنما كانت تسمى حُرَّةً حينَ كانت حُرَّةً، وإذا طرأ الرق انمحى ذلك الاسم.
قال الشيخ "أبو مُحَمَّدٍ": لا تعتق؛ لتمكن الاحتمال، وهذا أشبه وأظهر عند الإمَامِ.
ولو كان اسْمُهَا في الحال حرة فقد ذكر في الكتاب في "باب الطلاق" أنه إذا كان يُسَمَّى العبد حر فقال: "يا حر" على قصد النداء لم يعتق، وإن أطلق فوجهان وَبَيَّنَّا أن هناك أن الأَشْبَهَ أنه لا يُعْتَقُ، وكذا الحكم لو كان يَتَسَمَّى بـ"عتيق" أو بـ[بآزادرودى] 1 فقال: "يا عتيق" أو يَا "بازادرودى" 2 وليعلم لما ذكرنا قوله في الكتاب: "لم يقبل ظاهراً" بالواو.
وقوله: "إلا أن يكون اسْمهَا في الحال حرة" وليس باستثناء محقق؛ لأن هذه الحالة لا تدخل فيما إذا كان اسْمُها قديماً حرة فبُدِّلَ حتى يستثنى، والمعنى نعم لو كان اسْمُهَا في الحال حرة، وقصد نداءها باسْمِها لم تعتق.
وفي "فتاوى صاحبِ الكتابِ": أَنَّه إِذا اجْتَازَ بصاحب الضريبة فخاف أَنْ يطالبَهُ بالضريبة عن عبده فقال: "إنه حر وليس بعبد وقصد الإِخْبَارَ، لم يعتق بينه وبين اللهِ تَعَالَى، وهو كاذب في خبره.
وهذا النظم يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لا يقبل في الظاهر، وإِنَّهُ إِذَا قال: افرغ من هذا دون العشيِّ وأنت حُرٌّ.
ثم قال: أردت أنه حر من العمل دون العتق يُدين، ولا يُقبل ظاهراً، وهذا قريب من جواب الكتابِ في النداء بالاسم القديم، وأنه إذا زَاحَمَتهُ امْرَأَةٌ في الطريق فقال: تأخري يا حرةُ فَبَانَتْ أَمَتُهُ لم تعتق 3 وهذا إن أراده 4 في الظاهر فيمكن أن يفرق بأنه لا يدري مَنْ يُخَاطِبُ هَاهُنَا، وعنده أنه يخاطب غير أَمَتِهِ وهناك خاطب العبد باللفظ الصريح.
الثانية: إذا قال لعبده: [يا ازاذمرد] 5 ثم قال: أردت وصفه بالجود، لم يقبل، وحكم بعتقه ظاهراً.
نعم لو كان اسْمُهُ "ازاذمرد" وقصد نداءه باسْمه لم يعتق، ولو كان هناك قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ قصد مدحه والثناءَ عليه فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ولا يعتق، هكذا أطلق في الكتاب، وفي "الوسيط" أنه على الخلاف المذكور فيما إذا قال لامْرَأَتِهِ وهو يحل وثاقاً = يقبل ظاهراً.
وذكر صاحب المهمات أن مقتض المذهب خلافه، وهذا أيضاً يستثنى من الصريح.

[منها] 1 أنت طالقٌ وقال: أردت طلاقها 2 منه، فيجوز أن يعلم.
قوله في الكتاب "أو كان معه قرينة تدل على المدح [بالواو] 3 " كذلك، وفي "فتاوى الْقَفَّالِ" أنه إذا بعث غلامه في حاجة فَأَبْطَأَ عليه فلما رجع [قال] 4: [آذاذمردى كو] 5 يحكم عليه بالعتق، وحكى بعض أَئِمَةِ طَبْرِسْتَانَ وجهاً آخر أنه: لا يعتق في الحال 6، لِلْقَرينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ قصد التهكم والذم 7. الثَّالِثَةُ: قوله لعبده: يا مولاي كناية.
فإن المولى مشترك 8 بين معانٍ مِنْهَا المعتق.
ولو قال: يا سيدي -فعن القاضي الحُسَيْنِ: أنه لا يُعْتَقُ، وإِنْ نَوَى؛ لأنه منَ السُّؤْدَدِ وتبيين المنزل وليس فيه ما يَقْتَضِي العتق، وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب.
قَالَ الإِمَامُ: والذي نراه أَنَّه كناية.
ولو قال لِأَمَتِهِ: [يا "كدبانو" أو "كدبانوى" مني] 9 فهو كقوله للعبد: يا سيدي وبكونه كناية أجاب صاحب التَّهْذِيبِ وكذا لو قال للعبد [تومتراى مني] 10. الرَّابعَةُ: إِذَا قال لعبد غيره: أَنْتَ حُرٌّ، فهذا إِقْرَارٌ بحريته، وهو مردود في الحال، لكن لو تمَلَّكَه يوماً من الدهر، حكم بعتقه؛ مؤاخذةً له بِإِقْرَارِهِ قال الإمَامُ: وَإِنَّمَا يجعل إقراراً 11؛ لأنه لا مساغ للإنشاء فيه بخلاف ما إذا قال المالك لعبَده: أَنْتَ حُرٌّ فإنَّه إِنْشاءٌ كقول الزوج لزوجته: "أَنْتِ طَالِقٌ".
فلو قَالَ لعبد الْغَيْرِ: قد أعتقتك.
قال صاحب الكتاب: إن ذكره في معرض الإِنْشاء فهو لغو، وإن ذكره في مَعْرِضِ الإقرار يُؤَاخَذُ بِهِ لَوْ تَمَلَّكَهُ.
وعن الْقَاضِي الحُسَيْنِ: أنه إِذَا قال قد أعتقتك كان إقراراً؛ لأن "قد" يؤكد معنى الْمُضِيِّ في الفعل الماضي.
قال الإِمَامُ: ومجرى كلامه أَنَّ قَوْلَهُ: أعتقتك بلا "قد".
قد لا يكون إقراراً وإن كانت الصيغة في الوضع الماضي، وعندي لا فصل بينهما.
والوجه: أن يُرَاجَعَ الْقَائِلُ وَيُحْكَمُ بِمُوجَبِ قَوْلِهِ، فإن لم يفسر تُرِكَ وينبغي ألاَّ يُفَرَّقَ بين قوله: "أَنْتَ حر" وبين قوله: "أعتقتك".

وقوله في الكتاب: "إن فُهِمَ مِنْهُ الإِنْشَاءُ، وإن فُهِمَ منه الإِقْرار" أي: إن ذكره في مَعْرضٍ يُفْهَمُ مِنْهُ هذا أو ذاك.
وَاعْلَمْ أنه يصح تعليق العتق بالصفات، والإِعتاق على العوض 1 كما في الطلاقِ، وَأَنَّهُ لو قَالَ: "جعلت عِتْقَكَ إِلَيْكَ أَوْ خيرتُكَ وَنَوَى 2 تفويض العتق إليه، فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ في الحال عَتَقَ كَمَا في الطَّلاَقِ.
ولو قال: أَعْتَقْتُكَ عَلَى كذَا فَقُبِلَ في الحال أو قال العبد: أَعْتِقْنِي عَلَى كذا؛ فأجابه عُتِقَ وعليه ما التزم.
ولو قال: أَعْتَقْتُكَ على كذا إلى شَهْرٍ فَقَبِلَ، عَتَقَ في الحال، وَالْمُلْتَزَمُ مُؤَجَّلٌ ولو أَعْتَقَهُ على خمر أو خِنْزِيرِ عَتَقَ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وهذا لو قال: أَعْتَقْتُكَ على أن تخدمني، ولم يبين مدة.
أو قال: على أن تَخْدِمَنِي أبداً.
ولو قال: على أن تخدمني شهراً، أو تعمل لي كذا وفصله فقبل عَتَقَ وعليه ما الْتَزَمَ.
ولو خدمه نصفَ شهر وماتَ، فلِلسَّيِّدِ نِصْفُ قيمته في تَرِكَتِهِ 3. فُرُوعٌ: أكثرها عن ابْنِ سُرَيْجٍ:

إذا قال: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلِ الدَّارَ من عبيدي، أو أَيُّ عَبْدٍ من عبيدي دخل أَوَّلاً فهو حر؛ فدخل اثْنَانِ معاً، ثم ثالث لم يَعْتِق أَحَدٌ منهم أما الثَّالِثُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الاثنان فَلِأَن واحداً منهما لا يُوصَفُ أنه أول عبد داخل، ولو كان اللفظ والصورة هذه: أول من يدخلها وحده، عَتَقَ الثالث، ولو دخل وَاحِدٌ لاَ غَيْرُ، فهل يُعْتَقُ؟ لِأنَّهُ إنما يكون أولاً إذا كان هناك ثان فيه وجهان عن تعليق الشيخ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ أَصَحَّهُمَا أنه يعتق.
ولو قال: آخِرُ مَنْ يدخل الدَّارَ من عبيدي فهو حر فدخل بعضهم [بعد بعض] 1 لم يُحْكَمْ بعِتْقِ واحدٍ منهم إلىَ أن يموت السيد؛ فَيَتَبَيَّنُ الآخَرُ 2. ولو قال لعبده: إن لم أَحُجَّ هذا العام فأنت حر، فَمَضَى الْعَامُ فَاخْتُلِفَا في أَنَّهُ هل حج؟ فأقام العبد بينة أنه كان بـ"الكوفة" يوم النحر عَتَقَ.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ: أَنَّهُ لا يَعْتِقُ.
ولو قال لِعَبْدَيْنِ لهُ إِذَا جَاءَ الْغَدُ فأحدكما حر، فإِذَا جاء الغد؛ عَتَقَ أحدهما عليه التَّعْيِينُ.
ولو باع أحدهما، أو أعتقه [أو مات] 3 قبل مجيء الغد، ثم جاء الغدُ وَالآخر في مِلْكِهِ لم يَتَعَيَّنِ المُعْتَقُ، وعلل بأنه لا يملك حينئذٍ إِعْتَاقَهُمَا فلا يملك إيقاع العتق في أحدهما، كما لو قال لعبده وَعَبْدِ غَيْرِهِ: أحدكما حر، لا يكون له حكم، وهذا غير مسلم، أليس ذكرنا في "الطلاق" وجهين؟ فيما إذا قال لزوجته وأجنبية: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ أنَّهُ هل يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرَدْتُ الأَجْنَبِيَّةَ؟ فقد اتفق الوجهان على أن له حكماً وأثراً، إنما الكلام في أنه هل يتمكن من الصرف عن الزوجة؟ ولو باع أحدهما أو كلاهما ثم اشْتَرَى ما باع وجاء الغد وهما في ملكه فهو على الخلاف في عود الحَنَثِ.
= وقال ابن حزم في المحلى: في باب العتق فيما إذا عتق شخص عبداً بشرط أن يخدمه أربع سنين مثلاً فمات قبل الخدمة أن الشَّافعي قال: يؤخذ من تركته قيمة الخدمة للمدة المذكورة، انتهى.
وبذلك يحصل في المسألة قولان، والقولان شاهدهما في الصداق والخلع والوصايا بالمنافع وقد ذكرهما المصنف الكتابة فقال قبل الشرط الثالث بيان قدر العوض والأجل.
فرع: إذا قال لعبده أعتقتك على أن تخدمني أبداً فقبل العبد عتق في الحال ورجع السيد عليه بقيمته، ولو قال على أن تخدمني شهراً من الآن فَقَبِلَ عتق وعليه الوفاء، فإن تعذر بمرض وغيره ففيما يرجع عليه السيد به من أجرة مثل الخدمة أو قمة العبد قولان كالصداق وبدل الخلع، وهذا الذي سقناه يفيد قولاً ثالثاً فيما جزم به مثل هنا في قوله: "وكذا لو قال أعتقتك على أن تخدمني شهراً".

ولو باع نصف أحدهما وجاء الغد وفي ملكه نصفه الآخرُ، فإليه التعيين، فإن عين فيمن نصفه له؛ وقع النظر في السِّرَايَة.
ولو قال: إِذَا جاء الغد وأحدكما في ملكي فهو حر، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا ثم جاء الغد والآخر في مِلْكِهِ، عَتَقَ، وإن باع أَحَدَهُمَا وَنِصْفَ الآخر ثم جاء الغد؛ لم يعتق النِّصْفُ؛ لأن الشرط وهو كون أحدهما في ملكه لم يحصل.
والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي خَوَاصِّ العِتْقِ وَهِيَ خَمْسَة

ٌ (الخَاصِّيَّةُ الأولَى: السِّرَايَةُ)

وَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبدِهِ سَرَى إلَى البَاقِي، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ عَضْواً مُعَيَّناً، وَلَوْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ البَاقِي بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ مُوسِراً بِمَالٍ فَاضِلٍ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَدَسْتِ ثَوْبٍ كَمَا كَانَ فِي الدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَالِهِ فَهُوَ مُعْسِرٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَاَلمَرِيضُ مُعْسِرٌ إِلاَّ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَالمَيِّتُ مُعْسِرٌ مُطْلَقاً حَتَّى لَوْ قَالَ: إِذَا مِتُّ فَنَصِيبِي مِنْكَ حُرٌّ لَمْ يَسْرِ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ صَارَ لِلوَرَثَةِ، وَلَوْ كَانَ مُوسِراً بِالبَعْضِ سَرَى بِذَلِكَ القَدْرِ عَلَى وَجْهٍ، وَعَلَى وَجْهٍ لاَ يَسْرِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا ينبغي أن يُفْهَمَ من الخَوَاصِّ ما ينفرد الْعِتْقُ به من بين سائر التصرفات؛ لأنه عَدَّ منها الامْتِنَاع بالمرض، وهذا يشمل جمبع التبرعات، ولا يَخْتَصُّ بِهِ الْعِتْقُ، وَالْقُرْعَةُ جَارِيَةٌ في القسمة وإنما أراد ما لا يُشَارِكُ الطَّلاَقُ فيه الْعِتْق، ويختص به العتق ويوضحه أنه قال في "الْوَسِيطِ": الطلاق والعتاق يَتَقَارَبَانِ، وقد فَصَّلْنَا حكم الألفاظ والتعليقات في الطلاق، فلا نعيده، بل يقتصر على ذكر

خواص العتق

، واندفع في بيانها.
إذا عرفت ذلك.
فإحدى الخواص: السِّرَايَةُ ومن أعتق بعضَ مَمْلُوكٍ فَإِمَّا أن يكون باقيه له أيضاً، أو لغيره.
الحَالَةُ الأولَى: إذا كان الباقي له؛ فَيَعْتَقُ كُلُّهُ؛ كما في الطلاق، إذا طَلَّقَ نصْفَ المرأة، يكمل، ولا فرق في ذلك بيْن المُعْسِرِ وَالمُوسِرِ 1. وَفُهِمَ من قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ في عَبْدٍ، وَلَهُ مَالٌ، قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي" تشوف الشرع إلى تَكْمِيل العِتْقِ، وإذا كمل والباقي لغيره، فَلأَنْ يَكْفلُ، والباقي له أَوْلَى

وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: لا يَعْتِقُ الباقي في الحال، وَلَكِنَّهُ مُخَيَّرٌ بين أن يَعْتِقَ أَوْ يُكَاتِبَ، أَوْ يَسْتَسْعِي.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: والكتابة وَالاسْتِسْعَاءُ عنده شيء واحد إلاَّ أنه إذا كان برضا العبد وَمُعَاقَدَتِهِ، يسميه: كتابة، وإن كان دون رضاه يسميه: سَعَايَةٌ على الرقِّ، فما لم يرد المال لا يعتق الباقي وكما يكمل العتق إذا أضافه إلى البعض الشائع يَكْمُلُ إذا أضافه إلى البعض (1) المعين كاليد والرجل كما في الطلاق وخلاف أبي حَنِيْفَةَ المذكور في الطلاق عائد هاهنا، ثم في كيفية التكميل إذا أضاف العتق إلى الجزء الشائع وجهان: أَحَدُهُمَا: أنه يَحْصُلُ في الجزء المسمى، ثم يسري إلى الباقي.
والثاني: يَحْصُلُ في الكل دفْعَةً واحدة ويكون إعْتَاقُ النصف عبارة عن إِعْتَاقِ (2) الكل، وإذا أضافه إلى الجزء المعين؛ فوجهان مرتبان، وأولى أن يحصل دفْعَةً واحدة، والفرق: أنَّ الجزءَ السابق كالعتق في المعين وقد سبق ذكر هذا الخلاف في "الطلاق" بِتَفَارِيعِهِ.
ولو أعتق أَمَتَهُ الحاملَ والحمل مملوك (3) له أيضاً عتقُ الحَمْلِ أيضاً لا بطريق السِّرَايَةِ، فإن السِّرَايَةَ في الأشقاص في الأشخاص، وَلَكِنْ بطريق التَّبَعِيَّةِ كما يتبِع الحَمْلُ الأُمَّ في البيعِ، إلاَّ أَنَّ البيع يبطل بالاستثناء، والعتق لا يبطل لقوته، وهذا كما أنَّه لو استثنى عُضْواً في البيع، بطل البيع، ولو استثنى عضواً في العتق؛ لم يبطل العتق، وإن أعتق الحمل؛ نفذ العتق فيه ولم تعْتَقِ اَلأُمُّ، فإن الأم لا تَتْبَعُ الحمل (4). وعن الأُستَاذِ أَبِي إِسحَاقَ: أَنها تَعْتِقُ بِعِتْقِهِ كما يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا، والظاهر الأول.
ولو كانت الأم لواحد والحمل لآخر، فلا تعتقُ الجارية بإعتاق مالك الحمل ولا الحمل بإعتاق مالك الجارية، ولا اسْتِتْبَاعَ مع اختلاف المالكين.
وقد سبق ذكر هذه الصورة في "الوَصَايَا" ويتعلق بما نحن فيه.

فُرُوعٌ:

منها إذا قال لِأَمَتِهِ: "إِذَا وَلَدْتِ فَوَلَدُكِ حُرٌّ أو كل ولد تَلِدِينَهُ، فهو حر، وقد ذكرنا1234

في "الطلاق" أنها: إن كانت حاملاً عند التعليق فإذا ولدت؛ عتق الولد.
وإن كانت حائلاً فوجهان: أَشْبَهُهُمَا: أنه يعتق أيضاً؛ لأنه وإن لم يملك الولد حينئذ، فقد ملك الأصل المفيد لملك الولد.
ولو قال لِأَمَتِهِ الحَامِلِ: إن كان أول ما تَلِدِينَهُ غُلاَماً؛ فهو حرٌّ وإن كان جارية؛ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلاَماً وَجَارَيةً، يُنْظَرُ: إن ولدت الغلام أولاً؛ عَتِقَ وَالجَارِيَةُ والأم رقيقان وإن ولدت الجارية أولاً؛ عَتِقَتِ الأُمُّ وَيُعْتَقُ الْغُلاَمُ أَيْضاً؛ لكونه في البطن حين عتقَتِ الأُمُّ، وتكون الجَارَيةُ رَقِيقَةً؛ لأن عِتْقَ الأُمِّ حَصَلَ بَعْدَ مُفَارَقتِهَا فإن 1 وَلَدَتْهُمَا معاً؛ فلا عتق؛ لأن التعليق بأول ولد تلد، وإذا ولدتهما معاً لم تلد واحد منهما أولاً، وإذا لم يعلم أولدتهما معاً أو أحدهما قبل الآخر، فلا عتق أيضاً لأن الأصل بقاء الملْكِ والعتق غير معلوم، وإن عُلِمَ سَبْقُ وِلاَدَةِ أَحَدِهِمَا، وَأُشْكِلَ السَّابِقُ، فالغلام حر بكل حال؛ لأنه إن سبقت ولادته عتقَ بالتعليق الأول، وإن سَبَقَ وِلاَدَةَ الجَارِيةِ عتقَ بِتَبَعِيَّةِ الأُمِّ وَالجَارِيةُ رَقِيقَةٌ بكل حال؛ لأنه [إن] 2 سبق ولادة الغلام لم يعتق غيره، وإن سبق ولادتهما؛ لم يعتق بتبعية الأم لتأخر عتق الأم عن مُفَارَقَتِهَا، وأما الأم فيحتمل أن تكون عَتِيقَةً بسبق ولادة الجارية، ويحتمل أن تكون رقيقةً لسبق ولادة الغلام فَيُؤْمَرُ السَّيِّدُ بالبيان، فإن مات قبل أن يُبَيِّنَ فالأصح أنَّها رقيقة أخذاً بالأصل، وطرحاً لِلشَّكِّ.
وَقَالَ ابْنُ الحَدَّادِ: يُقْرَعُ عَلَيْهَا بِسَهْمِ عِتْقٍ وَسَهْمِ رِقِّ، وذكر في "تَقْرِيبِهِ" أنه يقرع بينها وبين الغلام، فإن خرجت على الغلام؛ لم يَعتَقْ غيره وإن خرجت عليها؛ عُتِقَتْ ولم يرق الابن، ويجوز أن يقرع بين شخصين وتعمل القرعة في أحدهما دون الثاني؛ أَلاَ تَرَى أنه لو قال: إن كان هذا الطائر غُرَاباً فَامرأتي طالقٌ، وإن لم يكن غُرَاباً فعبدي حُرٌّ ولم يبين الحال، يُقرع؛ فإن خرجت على العبد عتقَ وإن خرجت على المرأة، لم تطلق.
قَالَ الشَّيْخُ أبُو عَلِيٍّ: وما ذكره ابْنُ الحَدَّادِ غَلَطٌ عند عامة الأصحاب؛ لأنا شَكَكْنَا في عتقها، والقرعة لا تُثْبِتِ المشكوك فيه، وإنما تستعمل في تَعْيِينِ ما يستيقن أَصْلُهُ، ولو وجب الإقراع هاهنا لوجب فيما إذا قال لزوجته: "إن كان أول ما 3 تَلِدِينَهُ غلاماً؛ فأنت طالقٌ فَوَلَدَتْ غلاماً وجارية واشتبه الحال، أن يُوقَفَ عنها؛ لأن ما يوجب الإقراع في العتق، يُوجِبُ الوقْف في النِّكَاحِ؛ ألا ترى أنه لو أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيه يُقْرَعُ بينهما إذا مات، ولو طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ يُوقَفُ عنهما، وكما لا يوقف عند الشك في أصل الطلاق

وجب، ألاَّ يقرع عند الشك في أصل العتاق، وفي مَسْأَلَةِ الْغُرَابِ المُسْتَشْهَدِ بها: أَصْلُ الحَنَثِ مُسْتَيْقَنٌ فَأَقْرَعَ لِلْحُرِّيَّةِ.
قَالَ الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ: هذا كله إذا ولدت في صِحَّةِ السَّيِّدِ، أمَّا إذا ولدت في مرض موته، فَيَنْظُرُ إن كان الثلث يفي بالجميع؛ لم يختلف الجواب وإلاَّ كما إذا لم يكن له إلاَّ هذه الأمة، وما ولدت، فَيُقْرَعُ بين الغلام والأم فإن خرجت على الغلام عَتَقَ وَحْدَهُ إن خرج من الثلث، وإن خرجت على الأم قومت هي حاملاً بالغلام يوم ولدت الجارية أو أولدتها، 1 أولاً، وَيَعْتَقُ مِنْهَا ومن الغلام قَدْرَ الثلث فإن 2 كانت قيمة الجارية مائة، وقيمة الأم حاملاً بالغلام مِائَتَيْنِ فَيُعْتَقُ نِصْفُهَا، ونصف الغلام، وقيمتهما مِائَةٌ ويبقى لِلْوَرَثَةِ النِّصْفَانِ مِائَة والجارية، وهي مائة أيضاً.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إذا كان الباقي لغيره فَيَعْتِقُ نَصِيبُهُ؛ لأنه جائز التَّصَرُّفِ، وقد وجه العتق على ملكه، ثم إن كان المُعْتِق مُوسِراً بقيمة باقي العبد؛ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ للشَّرِيكِ ويعتق الباقي 3 عليه، ويكون وَلاَءُ جميع العبد لَهُ، وإن كان مُعْسِراً بقي الباقي على مِلْكِ الشَّرِيكِ وَلاَ يَسْرِي العتق إليه، لِمَا رُوِيَ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكَاً لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَة عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُم وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وإلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" وَيُرْوَى "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ عَتَقَ مَا بَقِيَ فِي مَالِهِ إِذَا كَانَ مَالُهُ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ" 4. وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: لا تَقْوِيمَ ولا سرَايَةَ، ولكن إن كان المعتق موسراً؛ فَيُخَيَّرُ الشَّرِيكُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أن يَعْتِقَ نَصِيبَ نَفْسِهِ، وأن يَسْتَسْعى العَبْدُ حَتَّى يؤدي قيمة نصيبه ويُعْتَقُ، وعلى التقديرين يكون وَلاؤُهُ بينهما، وإن تَضَمَّنَ المُعتق قِيمَةَ نَصِيبِهِ ثم المعتق يستسعي العبد فيما غَرِمَ فإذا أَدَّاهُ عَتَقَ، وكان جميع الْوَلاَء له، وإن كان مُعْسِراً فلا يضمنه الشريك

ويتخير بين الخصلتين الأَوَّلييْن، وليعلم لهذا قوله في الكتاب: "قَوَّم عليه الباقي" بالحاء، ثم إِنَّهُ ذَكَرَ أن التقويم بِأَرْبَعَةِ شُرُوط: أَحَدُهَا: كون المعتقِ مُوسِراً، فلو كان مُعْسِراً لم يعتق نصيب الشَّرِيكِ واستقر فيه تَبَعُّضُ الرق والحرية، وقد سبق أَحْكَامُ مَنْ بَعضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقيقٌ في أبواب، وأكسابه مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وبين السيد، فإن جَرَتْ مهايأة بينهما اكْتَسَبَ يوماً للسيد ويوماً لنفسه، أو استخدمه السيد يوماً وتركه يوماً، والمهايأة تكون بالتَّرَاضِي، ولا تَلْزَمُ على الأظهر، وقد سبق ذكر ذلك، وفي الشرط مَسَائِلُ: إحْدَاهَا: ليس المقصود من المُوسِرِ الذي يُعَدُّ من الأغنياء لكن إذا كان له من المال 1 ما يَفِي بقيمة نصيب شريكه، فيقوم عليه، وإن لم يملك غيره؛ لظاهر الخبر الذي تقدَّم وَيُصْرَفُ إلى هذه الجهة كل ما يباع ويصرف إلى الديون 2 فلا يبقى مسكنه وخادمه وكل ما يَفْضُلُ عن قُوتِ يومه وقوت من تلزمه نفقته، ودِسْتِ ثَوْب يلبسه، وَسُكْنَى يَوْمٍ وليس الْيَسَارُ المُعْتَبَرُ في الباب كاليَسَارِ المُعْتَبر في الكَفَّارَةِ المُرَتَّبَةِ، إلى هذا أشار بقوله في الكتاب: "كما في الديون التي عليه"، والاعْتِبَارُ في اليَسَارِ بحَالَةِ الإِعْتَاقِ فإن كان موسراً، حينئذ ثبت العتق، واستحقاق العتق في الباقي، وإن لم يكن مُوسِراً وقت الإعتاقِ ثم أَيسَرَ؛ فلا اعتبار به، وقد استقر البعض.
الثَّانِيَةُ: لو مَلَكَ المُعْتِقُ قِيمَةَ نصيب الشريك، ولكن عليه من الدَّيْنِ مثل ما يملكه أو أكثر، فهل يمنع الدَّيْنُ التَّقْوِيمَ عليه والسِّرَايَةَ؟ فيه قولان: كالقولين في أن الدَّيْنَ هل يمنع الزكاة؟ والجامع أن سرَايَةَ العتق حق الله تعالى، وهو متعلق بحَظِّ الآدَمِيِّ كالزكاة.
وَالأَصَحُّ: أنه لا يمنع وجعل الشيخ أَبُو عَلِيٍّ الْخَلاَّفُ في المسألةِ وَجْهَيْنِ، وقال: من الأصحاب من قال: لا تقويم عليه؛ لأنه غير مُوسِرٍ بما يَمْلكُهُ بل هو فقير من فقراء المسلمين، وكذلك تَحِلُّ له الزكاة فإن أبرئ مِن الدَّيْنِ، لم يُقَوَّمْ عليه أيضاً كالمُعْسِرِ يُوسَرُ.
وقال الأكثرون ومنهم 3 ابْنُ الحَدَّاد: يُقَوَّمُ عليه؛ لأنه مالك لما في يده نَافِذُ التَّصَرُّفِ.
ولو اشترى به عبداً وأعتقه نفذ فكذلك يجوز أن يقوم عليه، فعلى هذا يُضَارِبُ الشريك بقيمة نصيبه مع الغُرَمَاءِ، فإن أصابه بالمُضَارَبَةِ ما يفي بقيمة جميع نصيبه فذاك، وإِلاَّ اقْتَصَرَ على حِصَّتِهِ ويُعْتَقُ جَمِيعُ العبد إن قلنا: تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بنفس الإعتاق، وإن قلنا لا تحصل بنفس الإعتاق فيعتق من نصيبه بقدر حِصَّتِهِ [أي التي جعلت من المضاربة] 4 ويبقى الباقي رقيقاً، فإن حدث له بعد ذلك مالٌ لم يُقَوَّمْ عَلَيْهِ الباقي، لكن

لو ظهر مال كان يملكه يوم الإعتاق ضَارَبَ الشريك بقيمة الباقي فيه إلى أن يعتق الجميع.
ولو كان بين شريكين عبد قيمته عشرون، فجاء إنسان وقال لأحدهما: اعْتِقْ نصيبك من هذا العبد عني على هذه العَشَرَةِ، وهو لا يملك غيرها فَأَجَابَهُ، عتق نَصِيبُهُ عن المُسْتَدْعِي ولا سرايَةَ؛ لأنه زال ملكه عن العشرة بما جرى، وهو لا يملك غيرها.
ولو قال: على عشرة في ذمتي فإن قلنا: إن الدَّيْنَ يمنع التقويم والسِّرَايَةَ لم يُقَوَّم عليه؛ لأنه يملك عشرة وعليه بالإلتماس والإجابة مثلها وإن قلنا: إنه لا يمنع فإن قلنا السِّرَايَةَ تحصل بنفس الإعتاق؛ عتق جميع العبد وتقسم العشرة بين الشَّرِيكَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، ويبقى لكل واحد منهما خُمْسُهُ في ذمته، وإن قلنا: لا تحصل السِّرَايَةَ بنفس الإعتاق فيعتق من نصيب الشريك بالسِّرَايَةِ حصة الخمسة، وهي: ربع العبد، ويبقى الباقي على الرق، وللشريك المستدعى منه خمسة في ذمته.
ولو كانت المسألة بحالها ولكن قيمة العبد عشرة وقلنا: الدَّيْنُ لا يمنع التقويم، فإن قلنا: السِّرَايَةَ تَحْصُلُ بنفس الإعتاق، فيعتق جميع العبد ويتضارب الشريكان في الَعَشَرَةِ أَثْلاثاً؛ لأن المستدعى منه يستحق عشرة، وللآخر قيمة نِصْفِهِ وهي خَمْسَةٌ وإن قلنا لا تحصل بالإعتاق فيعتق منه بالسِّرَايَةِ بقدر حصته من العشرة، وهي: ثَلاثَةٌ وثلُثٌ، وذلك ثلث العبد فينضم ما عَتَقَ باستدعائه، فيكون جميع ما عتق من العبد خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ، ولو كانت المسألة بحالها, لكن قيمة العبد: ثلاثون وقلنا: الدَّيْنُ لا يمنع التقويم فإن قلنا تحصل السِّرَايَةُ بنفس الإعتاق فَيَعْتَقُ مِنَ الْعَبْدِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ النِّصْفُ بالاسْتِدْعَاءِ والإِجَابَةِ، والثلُثُ؛ لأنه مُوسِرٌ بقيمة الثلث ويتضاربان في العشرة بِالسَّوِيَّةِ؛ وإن قلنا السِّرَايَةُ لا تحصل بالإعتاق فيعتق بالسِّرَايَة بقدر حِصَّتِهِ من العشرة وهي: خُمْسُهُ وَذَلِكَ سُدُسُ المال، فجملة ما يعتقُ من العبد ثُلُثَاهُ، ويجيء في هذه الصورة وجه: أَنَّهُ لا تقويم عليه بسبب آخر، وهو أنه مُوسِرٌ بقيمة بعض نصيب الشريك لا بقيمة كُلِّه، ويجيء ذكر هذا الخلاف في الفصل.
ولو مَلَكَ نِصْفَيْنِ من عبدين متساويي القيمة فأعتق نصيبه منهما، وهو موسر، بنصف قيمة أحدهما فَيُنْظَرُ إِنْ أَعْتَقَهُمَا معاً؛ عتق نصيبه منهما وسرى 1 إلى نصف نصيب الشريك من كل واحد منهما، فيكون جملة ما يعتق من كل واحد منهما ثَلاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وهذا إذا حكمنا بالسِّرَايَةِ في الحال، وقلنا: إِنَّ اليَسَارَ بقيمة بعض النصيب يَقْتَضِي السِّرَايَةَ بالقسط 2، وإن أعتق على الترتيب؛ سرى إلى جميع الأول، ثم إن قلنا

إن الدَّين يمنع السِّرَايَةَ؛ فلا سرَايَةَ في العبد الباقي؛ لأنَّ قيمة نصيب الشريك من الأوَّلِ دَيْنٌ عليه، وإن قلنا لا يمنع فيسرى وما في يده يصرف إلى الشريك، والباقي في ذمته، وإن كان الشقصان لشخصين صرف إلى كل واحد منهما نصفه.
ولو ملك الشقصين وَأَعْتَقَهمَا معاً ولا مال له غيرهما، فلا سرَايَةَ؛ لأنَّه مُعْسِرٌ، وإن أَعْتَقَ على الترتيب فَيَعْتِقُ كُلَّ الأول؛ لأَنَّ في نصيبه من العبد الآخر وفاء بباقي العبد الذي أعتق شقصه، ثم إذا أَعْتَقَ نصيبه من الباقي نَفَذَ العِتْقُ في نصيبه ولا سرَايَةَ؛ لأَنَّهُ معسر، وَاعْتُرِضَ عليه بأنه إذا وجب بإعتاق نصيبه من الأول قيمة نصيب الشريك؛ صار نصيبه من الثاني مُسْتَحقّ البيع لحق الشريك؛ لأنه لا يملك غيره، فوجب ألاَّ ينفذ إعتاقه فيه كما إذا أَعْتَقَ أحد الشريكين نصيبه من العبد المشترك، وقلنا: "لا سرَايَةَ في الحال، لا ينفذ من الشَّرِيكِ الآخر إعتاق نصيبه على الأصح؛ لتعلق حق الأَوَّلِ به، وأجيب عنه بأن الحقَّ هناك تعلق بعين 1 ذلك النصيب؛ أَلاَ تَرَى أنهما لو اتَّفَقَا على إقامة عبد آخر مقامه لا يجوز، وهاهنا لم يتعلق بعتق نصيبه 2 من العبد الثاني لو أَدَّى المال من موضع آخر؛ يجوز.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ هذا على [القول الذي يقول] 3 إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه، وهو مُوسِرٌ عَتَقَ الكُلُّ في الحال، أما إذا قلنا لا يعتق إلاَّ بوصول 4 القيمة إليه فإذا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ من الثاني نفذ 5 العتق وبطل التقويم؛ لأنه لم يبق له مال، وتعذر = ذلك أنه إذا أعتق مرتباً يعتقان جميعاً، ويصرف ما في يده إلى الشريك، والباقي في ذمته وقياسه أن يقال: فيما إذا أعتقهما معاً أن يكون الحاكم كذلك، بل أولى؛ لأن العلقة في ذمته، وقياسه أن يقال فيما إذا أعتقهما معاً أن يكون الحاكم كذلك، بل أولى؛ لأن العلقة إذا لم تؤثر مع الترتيب؛ فلان لا مؤثر مع المعية أولى، ولو قيل يقرع بين العبدين لكان أولى من هذين الرأيين؛ لأن الاعتبار لا يشقص بل يثبت القرعة ويدل لهذا أن المريض لو ملك نصفين من عبدين متساويي القيمة فأعتقهما في مرض موته، والصورة أنه يخرج من الثلث نصيباه، ونصيب أحد الشريكين فأعتق النصيبين معاً ففيها وجهان حكاهما المصنف تبعاً للبغوي وبه قال ابن الحداد يعتق من كل واحد ثلاثة أرباعه.
والثاني يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة عتق كله، ولم يعتق من الآخر إلا نصيبه؛ لأن القرعة مشروعة في العتق، ولا يصار إلى الشقص مع إمكان التكميل، قلت: الأصح عندي من الوجهين الثاني، ويقتضي ذلك أن تكون الفتوى في صورة الصحيح على الإِقراع، وهو الأقرب الموافق للأحاديث الواردة في التكميل والقرعة.

وصول القيمة إلى الثاني وهذا ليس بواضح، وينبغي أن يكون في ذمته إلى أن يجد، فإن مات معسراً، فسيأتي في التَفْرِيعِ على الأقوال، والمسألة التي قبلها من مولدات ابْنِ الحَدَّادِ -رَحمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشريكين نصيبه في مرض الموت؛ نُظِرَ إن خرج جميع العبد من ثلث ماله؛ قُوِّمَ عليه نصيب الشريك وعتق؛ لأن تصرف المريض في ثلث ماله كتصرف الصحيح في الجميع.
وعن أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أنه لا تقويم في حال المرض، وفي طريقة الصَّيْدَلاَنِيُّ: أن إعتاق الشقص في المرض لا يؤثر في الباقي، ويجوز أن يعلم لذلك قوله في الْكِتَاب: "إلا في قدر الثلث بالحاء والألف، فإنه لا استثناء على ما ذَكَرَاهُ وإن لم يخرج من الثلث إلاَّ نصيبه؛ عتق نصيبه، ولا تقويم، وإن خرج نصيبه وبعض نصيب الشريك قُوِّمَ عليه ذلك القدر"، ويجيء فيه خلاف نذكره في يسار المعتق ببعض نصيب الشريك دون بعض، وبالجملة فالمريض في الثُّلُثِ كالصحيح في الكل، وفيما زاد على الثُّلُثِ وهو مُعْسِرٌ.
واحتجَّ القَاضِي الطَّبْرِيُّ وغيره باعتبار الثلث، على أن التقويم يكون بعد موت المريض؛ لأنَّ الثلث مُعْتَبَرٌ حالةَ الموت، حتى إذا لم يَفِ الثُّلُثُ بجميع العبد في حال إعتاقه، ثم استفاد مالاً ووفى عند الموت يقوم عليه جميع العبد، وفي "التَّهْذِيبِ" أنه لو ملك نصفين من عبدين متساوي 1 القيمة فأعتقهما في مرض الموت؛ يُنظر إن خرج العبدان جميعاً من الثلث؛ عتقا سَوَاءٌ أعتقهما معاً، أو على الترتيب، وعليه قيمة نصيب الشريك، وإن لم يُخْرِجْ من الثُّلُثِ إِلاَّ نَصِيبَاهُ فإن أعتقهما معاً؛ عَتَقَ نَصِيبَاهُ وَلاَ سرَايَةَ، وإن أَعْتَقَهُمَا على الترتيب؛ عتق الأول بتمامه ولم يعتق من الثاني شيء؛ لأَنَّه لزِمه قيمة نصيب الشريك من الأول، فصار نصيبه من الثاني مستحق الصرف إليه، وإِنْ خَرَجَ من الثلث نَصِيبَاهُ ونصيب أحد الشريكين فإن أَعْتَقَهُمَا على الترتيب؛ عتق جميع الأول، ولا يعتق من الثاني إلاَّ نصيبه، وإن أعْتَقَهُمَا معاً فوجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: يُعْتَقُ من كل واحد ثَلاثَةُ أَرْبَاعِهِ بعتق نصيباه، ونصف نصيب الشريك من كل واحد كما لو أعتقهما في الصحة وهو موسر بنصيب أحدهما.
والثاني: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فمن خرجت له القرعة؛ عتق كله ولم يعتق من الآخر إلاَّ نصيبه؛ لأن القرعة مشروعة في العتق، ولا يصار إلى التشقيص مع إِمْكَانِ التكميل 2

وإن لم يُخْرِجْ من الثُّلُثِ إلاَّ أحد نصيبه فإن أعتقهما معاً فوجهان: أحدهما: يعْتَقُ من كل واحد نصف نصيبه، وهو رُبعُ كُلِّ عَبْدٍ.
والثاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة عُتِق منه جميع نصيبه ولا يعتق من الآخر شيء.
قال: وهذا أصحُّ، وظاهر اللفظ في أحكام هذه الصورة يَنْطَبِقُ على أَنَّ السِّرَايَةَ تحصل بنفس العقد، ولو أعتق النصيبين، ولا مال له إلاَّ النصيبان قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ في "الشَّرْحِ": إن أعتقهما على الترتيب؛ عتِقَ ثُلُثَا نصيبه من العبد الأول، وهو ثُلُثُ جَمِيع مَالِهِ وهو ثلث ذلك العبد ويبقى للورثة سُدُسُ ذَلِكَ العبد ونصف العبد الآخر، وإن أعْتَقَهُمَا معاً ومات؛ أَقْرَعَ بينهما فمن خرجت له القرعة؛ عُتِقَ منه ثُلُثَا نصيبه وهو ثُلُثُ ماله.
ولو أَوْصَى أحد الشريكين بِإعْتَاقِ نَصِيبِهِ بعد موته فلا سرَايَةَ، وإن خرج كله من الثلث -لأن المال ينتقل بالموت إلى الوارث، ويبقى الميت مُعْسِراً، ولا تقويم على من لا يملك شيئاً وقت نُفُوذِ الْعِتْقِ في نصيبه، بل لو كان العبد كله له فأوصى بِإِعْتَاقِ بعضه فَأعْتَقَ، لم يَسْرِ، وكذا لو دَبَّرَ أحدهما نصيبه فقال: إذا من؛ فنصيبي منك حُرٌّ وإن قال في الوصية: أَعْتِقُوا نَصِيبِي وَكَمِّلُوا العتق فَيَكْمُلُ إن خرج العبد من الثلث، وإن لم يَخْرُجْ جَميعُهُ وَخَرَجَ منه شيء بعد النصيب؛ نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ في ذلك القدر.
وهاهنا فائدتان: إِحْدَاهُمَا: قال القَاضِي أَبُو الطَّيِّب: عندي إذا أوصى بالتَّكْمِيلِ فإنما يكمل باختيار الشريك؛ لأن التقويم إذا لم يكن مستحقاً؛ لا يصير مستحقاً باختيار المُعْتِقِ؛ ألا ترى أن المعتق لو كان معسراً ثم أيسر أو قال: قَوِّمُوهُ عَلَيَّ حَتَّى أستقرض لا يجبر الشريك عليه، والأكثرون أطلقوا الكلام إطلاقاً؛ وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي الرَّوَيانِيُّ 1 بأنه: مُتَمَكِّنٌ مِنَ التصرف في الثُّلُثِ، وإذا أوصى بالتكميل فقد اسْتَبْقَى لِنَفْسِهِ قدر قيمة العبد من الثُلُثِ وكان مُوسِراً به.
والثَّانِيَةُ: ذَكَرَ الإِمَامُ وَصَاحِبُ الكِتَاب: أن صورة الوصية بالتكميل أن يقول: اشتروا نصيب الشريكَ، فأعتقوه فَأَمَّا إذا قَال: أَعْتِقُوه عِتَاقَاً سَارِياً فلا خير في هذه

الوصية؛ لأنه لا سِرَايَةَ بعد الموت وإن أَعْتَقْنَا نصيبه، فالذي أتى به وصية بمحال، ولك أن تقول: إذا قال: اشْتَرُوا نصيبه وأَعْتِقُوه فإذا يتوقف على اختياره البيعَ لا مَحَالَةَ فيعود الأمر إلى ما ذكره القاضي؛ أَبُو الطَّيِّبِ؛ وإن كان لا يتوقف الأمر على اختياره، فلا يبعد أن يقال: إنه كاف متمكناً من إعتاق نَصيبه، والتوسل إلى عِتْقِ نصيب الشريك ببذل القيمة في حال صحته وفي مرضه أيضاً، إن كان يخرج العبد من الثُّلُثِ من غير اختيار الشريك، فَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بما كان يتمكن منه بنفسه.
ولو مَلَكَ نصفين من عبدين فأوصى بإعتاق نصيبه منهما بعد موته؛ يُعْتَقُ عَنْهُ النَّصِيبَانِ وَلاَ سِرَايَةَ.
فلو قال مع ذلك: وكملوا العتق فيهما نُظِرَ إن خرج العبدان جميعاً من الثُّلُثِ كَمُلَ العِتْقُ فيهما، وإن خَرَجَ مع نصيبه الباقي من أَحَدِهِمَا دون الآخَرِ، ففيه طريقان مذكوران في "التَّهْذِيبِ": أحدهما: أنه على الوجهين فيما إذا أعتق في مرض الموت النَّصِيبَيْنِ ولم يَخْرُجْ من الثلث إلاَّ نصيباه مع 1 الباقي من أحد العبدين، ففي وجه يعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه.
وفي آخر: يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة أُعْتِقَ بِتَمَامِهِ وَأُعْتِقَ مِنَ الآخَرِ نَصِيبُهُ لاَ غَيْرُ.
وَالثَّانِي: القطع هاهنا بالقُرْعَةِ والفرق أنه قصد التكميل هاهنا حيث أوصى به فيراعى مقصوده 2 بقدر الإمكان.
الرَّابعَةُ: إذا كان الشريك المُعْتِقُ مُوسِراً ببعض قيمة الباقي دون بعض ففيه وجهان عن رواية صَاحِبِ "التَّقْرِيبِ": أَصَحُّهُمَا -وَيُحْكَى عَنْ نصه -رضي الله عنه- في الأُمِّ: أنه يسري إلى القدر الذي هو مُوسِرٌ به، مثل أن يجد نصف قيمته؛ يعتق به نصف الباقي؛ ليقرب حاله من الحرية والاستقلال.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن تَقْوِيمَ ذلك القدر لا يفيده الاستقلال، وثبوت أحكام الأحرار من الوِلاَيَةِ، والشهادة، والإِرْثِ وغيرها، وأيضاً فلئلا 3 يتبعض عليه ملكه كالشفيع، إذا وجد بعض ثمن الشقص لاَ يَأْخُذُ قِسْطَهُ من الشقص.
ولو كان بين ثَلاثةٍ عبد فأعتق اثنان نَصِيبَهُمَا.
وأحدهما موسر دون الآخر؛ يقوم نصيب الثالث على الموسر بلا خلاف.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي أَنْ يُعْتَقَ بِاخْتِيَارِهِ فَإنْ وَرِثَ نِصْفَ قَرِيبِهِ فَعُتِقَ لَمْ يَسْرِ، وَإِنْ اتَّهَبَ أَوِ اشْتَرَى سَرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من شرط السِّرَايَةِ: أن يحصل العِتْقُ في نصيبه باختياره حتى لو وَرِثَ شقصاً من قريبه الذي يعتق عليه، فعتق لم يَسْرِ ولم يقوم عليه نصيب الشريك، بِخِلاَفِ ما إذا اشترى، وجملة القول فيه، أَنَّهُ إذا ملك بعض قريبه: الذي يُعْتَقُ عليه يعتقُ القدر الذي يملكه، وينظر، إن مَلَكَ لا باختياره كما إذا ورثه لم يَسْرِ؛ لأن التَّقْوِيمَ سبيله سبيل غَرَامَةِ المُتْلَفَاتِ، ولم يوجد منه صُنْعٌ وَقَصْدُ إِتْلاَفٍ، وإن مَلَكَهُ باختياره فأما أن يحصل الملك بطريق يقصد به اجْتِلاَبَ الملك أو بطريق لا يَقْصِدَ به التملك غالباً، لكنه يَتَضَمَّنُ حُصُولَ الملك.
أما الأول: فكالشِّرَاءِ، وَقَبُولِ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ فذلك يقتضي حصول السِّرَايَةَ كما لو تلفظ بالإِعْتَاقِ، وإن مَلَكَهُ بما يتضمن حصول الملك ولا يقصد به التملك غالباً، كما إِذَا كَاتَبَ عَبداً فاشترى شقصاً ممن يعتق على سيده ثم عَجَّزَهُ السَّيِّدُ، فصار الشقص له، وعتق عليه، وفي السِّرَايَةِ وجهان: أحدهما: يَسْرِي لاختياره وتسببه إلى الملك بِفَسْخِ الكِتَابَةِ.
وأشبههما: لا -وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ الحَدَّادِ؛ لأنه لم يقصد التَمَلُّكَ وإنما قصد التَّعْجِيزَ وحصل الملك ضمناً، وإن عجَّز المُكَاتِبُ نَفْسُهُ فلا يَسْري؛ لأنه حصل الملك، والعتق بغير اختيار السيد وتسببه كما في الإرْثِ، ولو باع شقصاً ممن يعتق على وارثه، كما لو باع ابْنَ أَخِيهِ بِثَوْبٍ؛ ومات وَوَارَثُهُ أَخُوهُ فوجد بِالثَّوْب عيباً فرده واسْتَرَدَّ الشقص، وعتقَ عليه ففي السِّرَايَةَ الوجهان: في وَجْهٍ: يسري لتسببه إلى المِلْكِ بالفسخ.
وفي وجه: لا-؛ لأن مقصوده رَدُّ الثوب لا استرداد العِوَضَ، وكذلك يجري الرَّدُّ في الثوب، والعِوَضُ 1 تَالِفٌ.
ولو وجد مُشْتَرِي الشقص به عيباً فرده فلا سرَايَةَ كما في الإِرْثِ، والخلاف في الصورتين شَبِيهٌ بالخلاف فيما إذا باع الكافر عبداً أَسْلَمَ في يده بثوب، ثم وَجَدَ بالثوب عيباً.
هل له استرداد العبد؟! ولو أوصى لِزَيْدٍ بشقص مِمَّنْ يعتق على 2 وارث زيد، كما إذا أوصى له بجارية لزيد منها: ابن، أو أوصى له ببعض ابن أخيه، ومات زَيْدٌ قبل قَبُولِ الوَصِيَّةِ فَقَبِلَهَا ابْنُهُ، أو أخوه عتق الشقص.
وهل تَحْصُلُ السِّرَايَةُ -فيه وجهان:

أحدهما: نعم؛ لقصده التملك بالقبول 1 والأقرب لا لأن [بقبوله يدخل] 2 الشقص في ملك المُوَرّثِ، ثم ينتقل إليه بالإرث 3 ولو أوصى لزيد 4 بشقص ممن يعتق عليه، فلا يعتق على وارثه، كما لو أوصى به بشقص من ابنه أو بشقص من أمه ووارثه أخوه من الأَبِ فمات وَقَبِلَ الوَصِيَّةَ أَخُوهُ؛ عتق ذلك الشقص على الميت، ويسري إن كان له تركة يفي ثلثها بقيمة الباقي لأن قَبُولَ وارثه، كقبوله في الحياة.
قال الإِمَامُ: هكذا ذكره الأَصْحَابُ، وفيه وقفة؛ لأَنَّ القَبُولَ حصل من غير اختياره.
فرع: لو باع عبداً مِنِ ابن ذلك العبد ومِنْ أَجْنَبِيٍّ صَفْقَةً وَاحِدَةً عتق نصيب الابن وَقُوّمَ عَلَيْهِ نَصِيب الشَّرِيكِ.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ: لا يَضْمَنُ الأَجْنَبِيُّ شيئاً؛ لأن مِلْكَهُ لم يتم إلاَّ بِقبُولِ شَرِيكِهِ، وكأنه أَذِنَ له في إعتاق نصيبه -حكاه ابْنُ الصَّبَّاغِ.. قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) أَلاَّ يَتَعَلَّقَ بِمَحَلِّ السِّرَايَةِ حَقٌ لاَزِمٌ، فَإِنْ كَانَ تَعَلَّقَ بِهِ رَهْنٌ أَوْ كِتَابَةٌ أَوْ تَدْبيرٌ أَوِ اسْتِيلادٌ فَفِي الكُلِّ خِلاَفٌ، وَالاسْتِيلاَدُ أَوْلاَهَا بِالمَنْعِ، وَالتَّدْبِيرُ أَضْعَفُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كَاتَبَا عَبْداً، ثم أعْتَقَهُ أَحَدُهمَا فالصحيح المشهور أنه سرى، ويقوم 5 نصيب الشريك عليه، وهل يقوم في الحال أو بعد العَجْزِ عن أداء نصيب الشريك، فيه اختلاف قول، يُذْكَرُ في الْكِتَابَةِ بتفاريعه وعن صاحب "التَّقْرِيب" رِوَايَةُ وَجْهٍ أو قَوْلٍ: أَنَّه [لا] 6 يَسْرِي إذ لا سبيل إلى إبطال الكتابة، كما لا سبيل إلى فَسْخِهَا، ولأن السِّرَايَةَ تتضمن النقل إلى المُعتقِ والمُكَاتِبِ لا يُقْبَلُ النَّقْلُ.
الثَّالِثَةُ: إذا أعتق أَحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ، ونصيب صاحبه مدبر.
هل يقوم عليه نصيب الشَّرِيكِ؟ فيه قَوْلاَنِ: أَقْوَاهُمَا: نَعَمْ؛ لأن المدبر كالقن في جواز البيع، فكذلك في التقويم.
والثَّانِي: لا؛ لأن التَّقْوِيمَ وَالسِّرَايَةَ لتكامل عتق العبد، وقد يثبت للمدبر سبب الحرية [فيجعل] 7 التَكَامُلُ به، وأيضاً فَلِئَلاَّ يبطل على الشريك قربةٌ مهّد سَبِيلِهَا.
قَالَ الإِمَامُ: هذا شديد الشَّبَهِ عِنْدِي بِمَا إِذَا دَبَّرَتِ المَرْأَةُ العبد المصدق، ثم طلقها

الزَّوْجُ قبل الدخول.
ثم إن قلنا: لا يَسْرِي فلو رجع السيد عن التَّدْبِيرِ فهل يسري حينئذ؟ قال أَكْثَرَهُمُ: لا -كما لو أعتق وهو معسر ثم أيسر.
وعن رواية الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ رِوَايَةُ وَجْهٍ: أَنَّهُ يُسرى؛ لأنَّ منع السِّرَايَةَ كان على توقع العتق لموجب التدبير، وقد بطل ذلك التوقع، وعلى هذا فيحكم بالسِّرَايَةِ عند ارْتِفَاعِ التَّدْبِيرِ أم بتبين استنادها إلى وقت الإعتاق؟ فيه وجهان.
الرَّابِعَةُ: إذا أعتق نصيبه، وقد ثبت حكم الاسْتيلاَدِ في نصيب الآخر بأن كان الآخر قد اسْتَوْلَدَهَا وهو مُعْسِرٌ، فهل يسري الإعتاق؟ حَكَى صَاحِبُ الْكِتَاب وَالإِمَامُ فيه اختلاف وجه، الأَصَحُّ: المنع؛ لأن السِّرَايَةَ تَتَضَمَّنُ النَّقْلَ، وأم الولد لا تقبل النقل من مالك إلى مالك، وقد يوجه الآخر: بأن الإعتاق وسِرَايَتَهُ ينزل مَنْزِلَةَ الإِتْلاَفِ وَإِتْلاَفُ أم الولد يوجب القِيمَةَ.
ولو اسْتَوْلَدَهَا أحدهما، وهو معسر ووقف الاسْتِيلاَدُ ثم اسْتَوْلَدَهَا الثاني أيضاً، وثبت حكم الاسْتِيلاَدِ في نصيبه، ثم أعتقها أَحَدَهُمَا وهو مُوسِرٌ ففي السِّرَايَةِ ما ذكرنا، فإذا جعلنا هذه الأمور مانعة من السِّرَايَةِ انْتَظَمَ أن يُقَالَ: شرط السِّرَايَةِ ألا يَتَعَلَّقَ بِمَحَلِّهَا حَقٌّ لازم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ): أن يَتَمَكَّنَ العِتْقُ مِنْ نَصِيبِهِ أَوَّلاً، فَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ نَصِيبَ شَرِيكِي لَغَا قَوْلُهُ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ نِصْفَ هَذَا العَبْدِ فَيُعْتَقُ جَمِيعُ نِصْفِهِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: بِعْتُ هَذَا العَبْدَ فَيُنْزَلُ عَلَى نِصْفٍ شَائِعٍ لِيَبْطُلَ فِي البَعْضِ أَوْ يُخَصَّصُ بِنَصِيبِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا فِي الإِقْرَارِ، وَالأَوْلَى تَخْصِيصُ البَيْعِ بِنَصِيبِهِ وَإِشَاعَةُ الإِقْرَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُشْتَرَطُ في السِّرَايَةِ: أن يوجه المُعْتِقُ الإعْتَاقَ على ما يملكه من العبد؛ ليتمكن العتق في نصيبه أولاً ثم يسري وذلك بأن يَقُولَ: أعتقت نصيبي من هذا العبد، أو النِّصْفَ الذي أَمْلِكُهُ، فلو قال: أَعْتَقْتُ نصيبَ شريكي، أو نصيبُ شريكي من هذا العبد حر، فهو 1 لَغْوٌ لا يؤثر في نصيب الشريك، ولا في نصيبه، وإن أَطْلَقَ وقال للعبد وهو يَمْلِكُ نصفه: أَعْتَقْتُ نِصْفَكَ، فعلام يحمل؟ -فيه وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: على النصف الذي يملكه، فإن الإنسان إنما يَعْتِقُ ما يملكه.
والثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِي اللَّفْظُ على إطلاقه ويُحْمَلُ على النصف شائعاً؛ لأنه لا

يُخَصِّصُهُ بملك نفسه، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يعتقُ جميع العبد إذا كان موسراً.
أما على التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَيعتقُ نَصِيبُهُ الذي يملكه، ثم يَسْرِي، وأَمَّا على الثاني، فلأنه يعتق نصيب نصفه 1 وهو رُبْعُ العبد، ثم يسري إلى باقي نصيبه ثم [يسري] 2 إلى نصيب الشريك.
قال الإِمَامُ: ولا يكاد يظهر لهذا الخلاف فائدة، إلاَّ أن يَفْرِضَ تعليق طلاق أو إعتاق بأن يقول: "إن أعتقت نصفي في هذا العبد فامْرَأَتِي طَالِقٌ"، فإذا قلنا نِصْفُكَ حُرٌّ وقلنا بالوجه الأول؛ يقع الطلاق وإن قلنا بالثاني لا يقع، وإذا باع نصف العبد المُشْتَرَكِ بينه وبين غيره على المناصفة بِأَنْ قَالَ: بِعْتُ النصف الذي أملكه من هذا العبد، أو نصيبي منه، وهما يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ؛ فلا إِشْكَالَ، وإن أَطْلَقَ وقال: بِعْتُ نصفه فوجهان: أَحَدُهُمَا: تَنْصَرِفُ اللَّفْظَةُ إلى ما يملكه، فإن الذي يقدم على بيعه ما يملكه.
والثَّانِي: يقع شائعاً لإِطْلاَقِ اللَّفْظِ؛ فعلى هذا يكون بَائِعاً لنصف نصيب الشريك، فلا يَصِحُّ البيع فيه، ولنصف نصيبه فيكون على تفريق الصَّفْقَةِ.
ولو أَقَرَّ لإنسان بنصف العبد المشترك، ففيه هذان الوجهان، فإن قلنا بالأول فقد أَقَرَّ بنصف المعروف به، وإن قلنا بالثاني، فقد أَقَرَّ بنِصْفِ نَصِيب نَفْسِهِ ونصف نصيب [شريكه] 3. وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يُحْمَلُ النِّصْفُ المُطْلَقُ في البيع على ما يملكه؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يَبِيعُ ما لا يملكه، وفي الإقرار على الإِشَاعَةِ؛ لأن الإقرار إخبار، ولا يمنع أن يُخْبِرَ أن ما في يد زَيْدٍ مِلْكُ عَمْرٍو وَاسْتَحْسَنَ الإِمَامُ هذا الفرق، وبه أَجَابَ صَاحِبُ الكتاب فقال: "والأولى تخصيص البيع بنصيبه، وإِشَاعَةُ الإقرار" وفي "التَّهْذِيب" أن الأصح في البيع أيضاً الحمل على الإِشَاعَةِ 4، والله أعلم.
فَرْعَانِ: مِنَ اَلمُوَلَّدَاتِ: أحدهما: إذا قال أحد الشريكين للعبد: إذا دخلت دار كذا، فأنت حر، أو فنصيبي منك حر، وقال للآخر مِثْلَ ذلك، فإذا دخلها عتق على كل واحد منهما نصيبه، ولا تَقْوِيمَ؛ لِأَنَّ النصيبين عتقا دُفْعَةً واحدة وإنما يُقَوَّمُ، إذا تقدم إِعْتَاقُ أحدهما, ولا

فرق بين أن يكونا موسِرَيْن أو مُعْسِرَيْنِ أو أحدهما موسراً، والآخر معسراً، وكذا لو قال أحد الشريكين للعبد: إذا كَلَّمْتَ فلاناً فنصيبي منك حُرٌّ وقال للآخر: إذا شَتَمْتَهُ فنصيبي منك حر فَشَتَمَهُ؛ يعتقان معاً.
وكذا الحكم لو وَكَّلاَ رَجُلاً بالإِعْتَاق فَأَعْتَقَ كله دفعة واحدة، ولا أثر لوقوع التعليقين أو التوكيلين في وقتين مختلفين، وإنما العبرة 1 بوقت الوقوع؛ ألا ترى أنه لو قال لامْرَأَتِهِ قبل الدخول: إذا دَخَلْتِ الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً ثم قال بعد ذلك: إِذَا دَخَلْتِهَا، فأنت طالقٌ طلقتين فإذا دخلتها؛ تطلق ثلاثاً كما لو قال: فأنت طالق ثلاثاً.
الثاني: إذا قال أَحَدُ الشريكين للعبد المُشْتَرَكِ: أنْتَ حُرٌّ قبل موتي بشهر [ونجز] 2 الآخر عتقه بعده بيوم مثلاً فله أحوال: إِحْدَاهَا: أن يموت المُعَلّقُ لما دون شهر من وقت التعليق؛ فَيَعْتَقُ العَبْدُ كُلُّهُ على الثاني المنجز إن كان موسراً؛ لأنه لا يمكن، والحالة هذه أن يعتق بالتَّعْلِيقِ؛ لأنه لو عتقَ بالتعليق؛ لعتق عتقاً مُتَقَدِّماً على الموت بشهر ولو عتق هكذا؛ لعتق قبل التعليق، وكذا الحكم لو مات بعد مضي شهرين من أول شروعه في لفظ التعليق بلا زيادة، وما لم يَمْضِ شهر من وقت تمام التعليق لا يمكن أن يعتق بالتعليق.
الثَّانِيَةُ: إذا مات لأكثر من شهر 3 من وقت التعليق بأيام؛ يُعتقُ جَمِيعُهُ على الثاني أيضاً؛ لأن العتق بالتعليق يتقدم على الموت بشهر لا يَنْعَطِفُ أكثر من ذلك، وإعتاق المُنْجِزِ يتقدم على الشهر المتقدم على الموت فيؤخذ قيمته نصيب المعلق من المنجز، ويُدْفَعُ إلى ورثة المُعَلِّق.
هذا إذا قلنا: السِّرَايَةُ تحصل بالإعتاق، أو قلنا بالتبيين، وإن قلنا: إنها تحصل عند أداء القيمة، فإذا سَبَقَ وقت العتق بالتعليق أداء القيمة؛ كان في نفوذ العتق عن المعلق وجهان.
على ما سنذكره في تفريع أقوال السِّرَايَةِ.
الثالثة: إذا مات على رأس شهر من تمام صِيغَةِ التَّعْلِيقِ فيعتق جميع العبد على الأول؛ لتقدم ترتب العتق بالتَّعْلِيقِ على التنجيز.
الرَّابِعَةَ: إذا مات على رَأْسِ شهر من تمام كلام المنجز؛ فيعتق على كل واحد منهما نصيبه، ولا تقويم لوقوع العِتْقَيْنِ معاً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ فَتَتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ عَلَى قَوْلٍ، وَيتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ القِيمَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَعِنْدَ الأَدَاءِ يَتَبَيَّنُ إِسْنَادُ العتْقِ عَلَى قَوْلٍ وَيَنْبَنِي عَلَى الأَقْوَالِ مَسَائِلُ:

(الأُوْلَى) فِي تَعْجِيلِ تَسْرِيَةِ الاسْتِيَلادِ تَجْرِي فِيهِ الأَقْوَالُ، وَالعِتْقُ أَوْلَى بِالتَّعْجِيلِ لِأَنَّهُ تَنْجِيزٌ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ لِأَنَّ الاسْتِيلاَدَ فِعْلِيٌّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: متى تَثْبُتُ السِّرَايَةُ حيث يحكم بها فيه ثلاثة أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا -وبه أَجَابَ في "اختلاف الحديث"، و"اختلاف العِرَاقِيِّينَ" و"كتاب الوَصَايَا" أنها تثبت بنفس إعتاق الشريك، وبه قال أَحْمَدُ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَكَانَ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ" 1. وَيُرْوَى: "فَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ" وَيُرْوَى "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَهُوَ عَتِيقٌ" 2 ولأن يساره بقيمة الباقي أقيم مقام كون الباقي له في اقْتِضَاءِ السِّرَايَةِ فيحصل بنفس اللفظ كما لو أَعْتَقَ بعَضَ عبده، ولأن الباقي مُقَوَّمٌ عليه على ما مر في الخبر، والتقويم عليه يُشْعِرُ بِحُصُولِ الاتلاف.
والثاني: ويحكى عن القديم وغيره وبه قال مَالِكٌ: أن السِّرَايَةَ لا تحصل إلاَّ إِذَا أَدَّى قيمة نصيب الشريك؛ لأن التقويم لإزالة الضرر عن العبد والشريك، وفي إزالة ملك الشريك قبل حصول العوض إِضْرَارٌ به، فإنَّه قد يَفُوتُهُ بِهَرَبٍ وغيره، والضَّرَرُ لا يزال بالضَّرَرِ ولذلك نقول: يتوقف التملك بالشُّفْعَةِ على تسليم العوض.
والثَّالِثُ: أنا نَتَوَقَّفُ فإن 3 أَدَّى القيمة؛ بَانَ حصول العتق من وقت اللفظ وإن فَاتَ؛ تَبَيَّنَّا أنه لم يُعْتَقْ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الحكم بالعتق يَضُرُّ بالسيد [والتأخير] 4 إلى أداء القيمة يضر بالعبد، والتَّوَقُّفُ أقرب إلى العدل، ورعاية الجانبين، وهذا القول فيما ذكر بعضهم مَخْرَجٌ للأصحاب.
والأكثرون قالوا: هو منصوص في البويطي وَحَرْمَلَةَ، ويجوز أن يعلم لما بينا قوله في الكتاب: "فَتَتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ" بالميم.
وقوله: "وَيتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ القِيمَةِ" بِالأَلِفِ وقوله: "ويتبين إسناد العتق".
بهما جميعاً.
وَاعْلَمْ أنه ساعد المُزَنِيَّ على اختيار القول الأول مُعْظَمُ اَلأَصْحَاب -رحمهم الله تعالى- لكن ضَايَقُوه في التوجيه والتعليل على دَأَبِهِمْ مَعَهُ، وأكثر ما احتجَّ به من الوجوه يصلح للترجيح ولم أُطَوِّلْ بِحِكَايَتِهَا فيتعلق بالأقوال، وَيتَفَرَّعُ عليها مسائل مذكورة في

الكتاب وغير 1 مذكورة، ونقدم ما في الكتاب.
فمنها: إذا أولد أحد الشريكين الجارية المُشْتَرَكَةَ منهما بالسوية، فإن كان مُوسِراً سَرَى الاسْتِيلاَدُ كالعتق، وسرى بنفس العلوق أو عند أداء القيمة أو يَتَبَيَّنُ بأدائها حصول السِّرَاية عند العلوق، فيه الأقوال المذكورة في العتق.
وهل بين العتق والاسْتِيلاَدِ تَرَتُّبٌ أَم يَسْتَوِيَانِ؟ وبتقرير الترتيب فَالعِتْقُ بِالسِّرَايَةِ أَوْلَى، أو الاستيلاد؟ فيه الاخْتِلاَفُ المذكور في الرَّهْن، وعلى الأقوال يجب على المُسْتَوْلِدِ نِصْفُ المهر للشريك مع نصف فيمة الجارية.
ثم إن قلنا: بحصول المِلْكِ بأداء القيمة؛ فيجب مع ذلك قسط نصيب الشريك من الولد.
وإن قلنا: يحصل بِالْعُلُوقِ أو قلنا: بالتَّبْيِين فقد حكى الإمَامُ خلافاً للأصحاب في أنه يثبت بعد العتق أو قبله إن قلنا بعده؛ وجب نصف قيمة الولَد أيضاً، وإن قلنا قَبْلَهُ لم يجب، وهذا ما أجاب به في "التَّهْذِيبِ" 2 ولو وَطِئَهَا الثاني قبل أداء القيمة؛ فإن أَثْبَتْنَا السِّرَايَةَ بنفس العلوق فعلى الثاني كَمَالُ المهر للأول، وللثاني على الأول نِصْفُهُ فيقع نصف المهر للتقاص 3 وإن قلنا: يحصلى عند أداء القيمة؛ فعليه نصف المهر وله على الأول نصفه، فيقع في التقاص إن كان الذي أَوْلَدَ مُعْسِراً ثبت الاسْتِيلاَدُ في نصفه، ونصف الآخر قن ويكون الولد حرًا كله، أو يَتَبَعَّضُ فيه الرق والحرية.
فيه وجهان أو قولان، والصُّورَةُ مذكورة في الكتاب مشروحة في أحكام الْغَنَائِمِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): عَبْدٌ بَيْنَ ثَلاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ ثُلُثُهُ وَلِلآخَرِ سُدُسُهُ فَأَعْتَقَا وَسَرَى رُؤُوسِهِمَا فَالقِيمَةُ لِلسِّرَايَةِ عَلَى عَدَدِ أَوْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا فِيهِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَبْدٌ بين ثلاثة -لِأَحَدِهِمْ نصفه وللآخر ثلثه والثالث سُدُسُهُ، فأعتق أحدهم نصيبه وهو مُوسِرٌ يسري العتق إلى نصيب الشريكين؛ وإن كان مُوسِراً ببعض

قيمة الباقي، وقلنا بالصحيح قُوِّمَ عليه بنسبة المقدور عليه من نصيب كل واحد منهما، فإذا كان مُوسِرَاً بِثُلُثِ الباقي قُوِّمَ عليه ثُلُث نصيب كل واحد منهما.
ولو أَعْتَقَ اثْنَانِ مِنْهُم نَصِيبَهُمَا معاً أو علقا بشرط واحد، أو وَكَّلاَ رجلاً بالإعتاق عنهما فأعتق نصيبهما دَفْعَةً وَاحِدَةً، فإن كان أَحَدُهُمَا مُوسِراً قُوِّمَ عليه نصيب الثالث، وإن كانا مُوسِرَيْنِ قُوِّمَ نصيب الثالث عليهما.
وكيف يقوم عليهما؟ فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولين: أحدهما: أنه يجعل القيمة عليهما بالسَّوِيَّةِ.
والثاني: أنها تجعل عليهما على قدر المِلْكَينِ فإذا أعتق صاحب النصف وصاحب السدس، غُرِمَ صاحب النصف ثلاثة أَرْبَاعِ قيمة الثلث، وصاحب السدس ربعها.
قال في "النِّهَايَةِ".
والقولان مبنيان 1 على أن الشُّفْعَةِ على عدد الرؤوس أو على قدر الأَنْصِبَاءِ.
والثاني: القطع بأَنَّها على عدد الرؤوس بخلاف الشُّفْعَةِ على أحد القولين، وفرق بينهما: بأن الأخذ بالشُّفْعَةِ من فوائد الملك، ومرافقة، فيكون على قدر الملك كالثمرة والنتاج والقيمة الواجبة هاهنا سبيلها سبيل ضمان المتلفات، وفي ضَمَانِ الإِتْلافَاتِ لا يفرق الحال بين أن تقل الجِنَايَةُ أَوْ تَكْثُرُ؛ أَلاَ تَرَى أنه لو جرح واحد جراحة، والآخر جراحات فمات المجروح منها تكون الدِيَّةُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ.
وهذه الطريقة أظهر باتفاق فرق الأصحاب لكن الإِمام ارْتَضَى طَرِيقَةَ القولين وهي التي أَوْرَدَهَا صاحب الكتاب، وعن مالك روايتين كالقولين.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا حَكَمْنَا بِتَأَخُّرِ السِّرَايَةِ فَيَجِبُ أَقْصَى قِيمَتِهِ مِنْ يَوْمِ الإِعْتَاقِ إِلَى يَوْمِ الأَدَاءِ، وَقِيلَ بَلْ يُعْتَبَرُ يَوْمُ الأَدَاءِ، وَقِيلَ بَلْ يَوْمُ الإِعْتَاقِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ القِيمَةِ فَالقَوْلُ الصَّحِيحُ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ الغَارِمِ إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ الغَارِمُ نَقِيصَةً طَارِيَةً فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْ تَقَابُلِ الأَصْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إن قلنا: السِّرَايَةُ تحصل بنفس الإِعْتَاقِ أو قلنا [بالتبيين] 2؛ فتعتبر قيمة يوم الإعتاق، وإن قلنا بتأخرها إلى الأداء فقد حكى الإِمَامُ وَصَاحِب الكتاب وُجُوهَاً: أَحَدُهَا: أن المُعْتَبَرَ قيمة يوم الأداء؛ لأَنَّ التَّلَفَ يَحْصُلُ يومئذ.

والثاني: يَعْتَبِرُ يَوْمَ الإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ الحَجْرَ عَلَى المالك يَحْصُلُ يومئذ.
وَالثَّالِثُ: أنه يُعْتَبِرُ أَقْصَى القيم من يوم الإعتاق إلى يوم الأداء؛ لِأَنَّ الإِعْتَاقَ سَبَبٌ يدوم أَثَرَهُ إلى التلف، فيكون بمثابة [جراح] 1 العبد ومن جَرَحَ عبداً ثم مَاتَ بعد مدة؛ يعتبر أقصى القيم من يوم الجرح إلى يوم الموت، وكذا إذا غصب عبداً وتلف في يده أقصى القيم لأنا ننزل 2 الغصب منزلة التسبب إلى التلف وهذا ما رَآهُ الإِمَامُ الصواب وَنَظْمُ الْكِتَابِ يَقْتَضِي تَرْجِيحُه؛ لكن الذي أورده أكثرهم [قيمة يوم الإِعْتَاقِ] 3 وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الإِعْتَاقَ.
هو السبب المُوجِبُ للتقويم، فإن تَأَخَّرَ التقويم فهو كاَلمفوضة يجب لها مهر المثل بالدخول، باعتبار يَوْم الْعَقْدِ؛ لأن الْبِضْعَ دخل في ضَمَانِهِ يَؤمَئِذٍ، وعلى أن في المفوضة وجهاً آخر: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ يَوْمَ الإصابة.
ولو اختلفا في قيمة العبد فَقَالَ المعتقُ: قِيمَتُهُ مائة وقال الشَّرِيكُ: بل مائتان، فإِن كان العبد حاضرًا والعهد قريب فُصِلَ الأمر بِمراجعة المُقَوِّمِين، وإن مات العبد أو غَابَ أو تَقَادَمَ العهد فمن المصدق منهما باليمين.
فيه قولان: أَصحُّهُمَا -وهو اختيار المُزَنِيُّ: العتق 4 - لِأَنَّهُ الْغَارِمُ وهذا كما أنه إذا اختلف الغاصب والمالك في قيمة المغصوب بعد تلفه يُصَدَّقُ الغَاصِبُ.
والثاني: أن المصدق -الشريك؛ لأن المعتق يتملك عليه قهراً، فيصدق المتملك عليه كما إذا اختلف الشفيع مع المشتري في الثمن المأخوذ به يصدق المشتري وَعَلاَمَ يبني القولان؟ قال أكثرهم: هما مبنيان على أن السِّرَايَةَ تتعجل بِاللَّفْظِ، أو تتأخر إلى أداء القيمة، إن قلنا: تتعجل فالمصدق المعتق؛ لأنه غَارِمٌ وإن قلنا: يتأخر فالمصدق الشريك؛ لأن ملكه باقٍ فلا يُنْتَزَعُ إلاَّ بما يقوله، كما في المُشْتَرِي مع الشفيع.
وعن الْقَفَّالِ: أن القولين جاريان سواء قلنا: بتعجل السِّرَايَة أو تأخرها، وهما كما نص الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- فيمن اشْتَرَى عبدين ومات أحدهما عنده ووجد بالآخر عيباً، وقلنا: إن له أن يفرده بالرد ويسترد حِصَّتَهُ من الثمن، [فلو اختلفا في قيمة العبد ليعرف حصة المردود من، الثمن] فقد ذكر قولين: أحدهما: أن المصدق البائع-؛ لأنه يملك 5 جَمِيعَ الثمن، والآن يحتاج إلى الرد فهو غَارِمٌ.
والثاني: أن المصدق المشتري؛ لأن البائع يدعى عليه أنك تملكت العبد التالف

بِثُلُثِي الثَّمَنِ مثلاً وهو يقول: تملكته بالنصف.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وفائدة الطريقتين في الأب إذا استولد جَارَية ابنه؛ فإن بنينا القولين على أَنَّ السِّرَايَةَ متى تحصل، وهناك 1 المصدق في قيمة الجارية الأب؛ لأنه ليس هناك قول أنَّ الاسْتِيَلادَ يتوقف على أداء القيمة، وإن لم يبن علي ذلك الأصل فهاهنا أيضاً قولان: أحدهما: يصدَّقُ الأب؛ لأنه غَارِمٌ.
والثاني: الابن -إذ الأصل ألاَّ يستحق إلاَّ بما يزعم، ولو اختلفا في صِفَةٍ في العبد تَزيد بها القيمة، وهما متفقان على قيمته، لو لم توجد تلك الصفة.
مِثْلُ: أن يَدَّعِي الشريك أنه كان خبازاً وأنكر المعتق، فإن كان العبد حاضراً، وهو يحسن الصَّنْعَةَ ولم يَمْضِ من الزمان بعد الإِعْتَاقِ ما يمكن تعلمها فيه؛ فَيُصَدَّقُ الشَّرِيكِ.
وإن مضى من الزمان ما يمكن التعلم فيه، أو كان العبد غائباً أو ميتاً فَطَرِيقَانِ: أحدهما: أن في المصدق منهما قَوْلاَنِ؛ لأنهما مختلفان في قدر القيمة كما في الصورة السابقة: وَأَصَحُّهُمَا -وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ: الْقَوْلُ قول المعتق؛ لأن الأصل عدم الصفة التي يدعيها الشريك [وبراءة ذمته عن الزيادة التي يدعيها الشريك] 2 وَلاَ يُقْبَلُ قول العبد على الشريك: إني لست بِخَبَّازٍ؛ لأنه قد يكتم الصَّنْعَةَ ولا على المعتق أني أحسنها بل يجرب، ولو اختلفا في عيب بالعبد [ينقص القيمة] 3؛ يُنْظَرُ إِنِ ادَّعى المعتق عيباً في أصل الخلقة بأن قال: كان أَكْمَهَ أو أَخْرَسَ.
وقال الشريك: بل كان بصيراً ناطقاً، وقد غاب العبد أو مات فَيُصَدَّقُ المُعْتِقُ بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذِمَّتِهِ، والأصل عَدَمُ ما يدعيه الشريك، ومنهم من يجعله 4 على قولين، كما إذا اختلفا في مقدار القيمة مطلقاً، والظاهر الأول لكن خَصَّصَهُ في "التَّهْذِيبِ" بما إذا ادَّعَى [النقصية] 5 في الأعضاء الظاهرة أما إذا ادعاها في الأعضاء الباطنة، فهو على القولين فيما إذا ادعى حدوث العيب بعد أصل السَّلاَمَةِ، والفرق أن في الأعضاء الظاهرة يتمكن الشريك من إثبات السلامة، وإن ادعى حدوث عيب بعد السلامة: بأن زعم ذِهَابَ بَصَرِهِ، أو كونه آبِقَاً أو سَارِقاً فَقَوْلاَنِ: أحدهما: أنه يُصَدَّقُ اَلمُعْتِقُ؛ لأَنَّ الأصل بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: [على] 6 ما ذكره الرَّوْيَانِيُّ، و"صاحب التَّهْذِيبِ": أن المصدق

الشريك لأن الأصل عدم حدوث العيب، وعن المَاسَرْجَسِيِّ: بناء القولين على أن السِّرَايَةَ تتعجل أو تتأخر إن تعجلت صدق المعتق؛ لأنه غارم وإلاَّ فلا وقد سبق مثله، وخصص بعضهم القولين بما يشاهد، ويطلع عليه وقطع فيما لا يشاهد بتصديق الشريك لِعُسْرِ إِثْبَاتِهِ بالبينة.
وقوله في الكِتَابِ: "فَيخرج على قولي تقابل الأصلين" المقصود منه ما بينه الإِمام وصاحب الكتاب فِي "الْوَسِيطِ": وهو أنه ليس المعنى تقابل الأصلين نفارهما بحيث يستحيل الترجيح؛ لأن التعارض المحقق؛ يقتضي سقوط القولين ولا بد من الفتوى بأحدهما، وتَخيِيرِ المعْنَى بين مُتَنَاقِضَيْنِ لا وجه له.
ولكن يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ من وجه آخر، سوى استصحاب الأصول، فإن لم يظهر وَجَبَ التَّوَقُّفُ إلى أن يظهر.
نعم خُصِّصَتِ المَسَائِلُ التي يتدانى فيها مأخذان، ويتقابل أصلان بحيث يَدِقُّ فيها الترجيح بهذا اللَّقَبِ وذلك كوجوب فطرة العبد المنقطع خبره، فالأصل بَرَاءَةُ اَلذِّمَّةِ من جانب وبقاء الحياة من جانب، وكما في دعوى حدوث العيب في الفصل [بأن] 1 الأصل عدم الحدوث من جانب، وبراءة الذمة من جانب، فإن لم يسلم الغَارِمُ أصل السلامة خرجت الصورة عن قالب التقابل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): إِنْ مَاتَ المُعْتِقُ قَبْلَ الأَدَاءِ عَلَى قَوْلِ التَّوَقُّفِ فَالقِيمَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ العَبْدُ فَفِي سُقُوطِ القِيمَةِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَنْفُذُ بَيْعُ الشَّرِيكِ قَبْلَ الأَدَاءِ، وَفِي إِعْتَاقِهِ وَجْهَانِ، وَمَهْمَا أَعْسَرَ المُعْتِقُ قَبْلَ الأَدَاءِ ارْتَفَعَ الحَجْرُ عَنِ الشَّرِيكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل جُمْلَتَانِ: إحداهما: إذا مات الْمُعْتِقَ قبل أداء القيمة؛ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ أما إذا قلنا بتعجيل 2 السِّرَايَةِ، أو قلنا بالتبيين فظاهر، وأما إذا أَخَّرْنَاهَا إلى أداء القيمة فلأن الإعتاق وجد في الحياة، وصار عِتْقُ نصيب الشريك مستحقاً به، وذلك مما يُوجِبُ القيمة، وقد يُوجَدُ سَبَبُ الضَّمَانِ في الحياة، ويتأخر الوجوب عنها، كمن حفر بئراً في محل عدوان، وتردى فيها بَهِيمَةٌ أو إنسان بعد موته، وإِنْ أُعْسِرَ بَعْدَ الإِعْتَاقِ وَمَاتَ مُعْسِراً [فإن أثبتنا] 3 السِّرَايَةَ بنفس الإعتاق، فالقيمة في ذِمَّتِهِ، وإن قلنا بالقولين الآخرين لم يعتق نصيب الشريك ذكره في "التَّهْذِيبِ".
وقوله في الكتاب: "ولو مات المعتق قبل الأداء على قول التوقف" لم يرد به

التوقف في الحكم إلى أن يوجد الأداء أو لا يوجد، ولكن أراد توقف العتق على أداء القيمة كمن ذكر في التعبير عن الأقوال فيقال: ويتوقف على أداء القيمة على قول، ثم إن الحكم المذكور وهو أن القيمة في تركته لا يختصُّ [بهذا] 1 القول بل هو على سائر الأقوال أظهر وإنما خصه بالذكر؛ لأنه موضع الشبهة.
ولو مات العبد قبل أداء القيمة فإن قلنا السراية تحصل بالإعتاق مات حراً موروثاً منه فيؤخذ قيمة نصيب الشريك، وإن قلنا بالتبيين وقف إلى أداء القيمة، فإذا أديت فإن الأمر كذلك، وإن قلنا تأخر السراية إلى وقت الأداء فوجهان: أظهرهما: أنها تسقط؛ لأن وجوب القيمة ليحصل العتق والميت لا يعتق.
والثاني: المنع؛ لأنه مال استحق في الحياة فلا يسقط بالموت.
وذكر الإِمام على هذا أنه يجب على المعتق قيمة نصيب شريكه ثم يتبين أن العتق حصل قبيل موته وهو يضاهي مذهب أبي حنيفة في أن المكاتب إذا خلف وفاءً يؤدى النجوم منه.
وفي "التهذيب" تفريعاً على تأخر السراية أنه يموت نصفه رقيقاً ثم ذكر الوجهين في أن للشريك أن يطالبه بقيمة نصيبه وهذا بعيد.
الجملة الثانية: إذا أعتق الشربك نصيبه قبل أخذ القيمة لم ينفذ أثبتنا السراية في الحال وإن أخرناها إلى أداء القيمة فوجهان: أحدهما: لا ينفذ أيضاً؛ لأن المعتق استحق أن يملكه بالقيمة ليعتق عليه ويكون ولاءه له ولا يكون صرف العتق عن المستحق لغيره كما أن المستولدة لما صارت مستحقة العتق على السيد لم يجز صرف عتقها إلى غيره.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة والإصطخري، وأبو علي بن خيران، وابن أبي هريرة -رحمهم الله- أنه ينفذ لمصادفته الملك، وأيضاً فلان المقصود تكميل العتق والتكميل يحصل به ويغني عن القيمة، وهذا أظهر عند الصيدلاني والأول أظهر عند معظم الأصحاب، فإن قلنا ينفذ الإعتاق فعن القاضي الحُسين: إن في البيع والهبة ونحوهما وجهين، وهو المذكور في الكتاب المنع، وعن الشيخ أبي محمد: القطع به، وإذا قلنا بنفوذ البيع فهل للشريك أن يشفع البيع بالنقض فيبذل القيمة كما [ينقض] 2 الشفيع بيع المشتري فيه احتمال للإمام.
وللشريك مطالبة المعتق بقيمة نصيبه على الأقوال جميعها، أما على غير قول التأخير فظاهر وأما على قول التأخير فلأنه محجور ممنوع من التصرف والحيلولة من

أسباب [الضمان] 1. قال الإِمام: ويلزم على قولنا بنفوذ البيع ونحوه ألا يملك مطالبته به وأن يكون المعتق مختاراً في بذل القيمة كالشفيع في بذل الثمن وهو ضعيف وإذا دفع المعتق القيمة أجبر الشريك على قبولها إن وقفنا العتق على أدائها وإذ لم يدفع المعتق ولا طلب الشريك فللعبد طلب الدفع من هذا والقبض من هذا، فإن امتنع فللحاكم مطالبتهما؛ لأن العتق متعلق حق الله تعالى فإن كان الشريك غائباً فيدفع القيمة إلى وكيله فإن لم يكن له وكيل جعله القاضي عند أمين، وله أن يقرها في يد المعتق إذا كان أميناً.
وإذا تعذرت القيمة لإفلاس أو هرب ففي كلام الصيدلاني والروياني وحكاه الإِمام عن الشيخ أبي علي: أنه يبقى نصيب الشريك رقيقاً ويرتفع الحجر عنه؛ إذ لا وجه لتعطيل ملكه عليه من غير بدل، وللإمام قدس الله روحه فيه احتمال؛ لأن علته العتق فيثبت ويلزم، وأقام هذا الاحتمال في "الوسيط وجهاً" فقال: "الصحيح أن اعتبار العتق يرفع الحجر" وما حكينا عن "صاحب التهذيب": أنه أعسر المعتق ومات معسراً يشعر بالجواب بذلك الوجه فإنه لم يكتف بالإعسار بل اعتبر الموت ولو عاد اليسار قال الشيخ أبو علي يعود التقويم؛ لأن حَقَّ آلْعِتْق قد ارتفع بِتَحَلُّلِ الإِعْسَارِ، وفيه احتمال أيضاً للإمام.
فَرْعٌ: إذا قلنا: لا تحصل السِّرَايَةُ قبل أداء القيمة، فلو وَطِئَ الشَّرِيكُ الجَارِيَةَ قبل الأداء؛ وجب نصف المهر لنصفها الحر.
قال الإمَامُ: وَلْيَقَعِ الغَرَضُ في وَطْئٍ مُحْتَرَمٍ أو فيما إذا كانت مُكْرَهَةَ مَضْبُوطَةً، وفي النصف الآخر وجهان عن رواية "صاحب التَّقْريبِ": أَظهَرُهُمَا: أنه لا يلزم لمصادفته ملكه.
والثاني: يَلْزَمُ ويصرف إلى الشريك المعتق؛ لأن المِلْكَ إن كان للواطئ فهو مُسْتَحِقُّ الإنْقِلاَبِ إليه وهذا الوجه ذكر فيما إذا باع جارية بشرط خيار، وقلنا: إن المِلْكَ للبائع فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ لَمْ يفْسَخِ الْعَقْد أن المهر للمشتري نظراً إلى المال.
قال الإِمَامُ: ويجوز أن يقال تَفْرِيعاً على الوجه الثاني، أنه يكون للجارية؛ لأن مصيرها إلى العتق بتقدير الانقلاب إلى المعتق، وينبغي أن لا ينجز إلزامه بل يتبين عند [عدم] 2 السِّرَايَةِ، حتى لو ماتت الجارية، وقلنا لا سرَايَةَ بعد الموت، فلا يوجب نصف المهر، كتَبين اسْتِمْرَارِ الملك له، وإن قلنا تحصل السِّرَايَةُ بنفس الإعتاق؛ فيجب جميع المهر لها ولا حدَّ للاختلاف في ملكه والله أعلم 3.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): إِذَا قَالَ: مَهْمَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ فَأَعْتَقَ المَقُولُ لَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ عُتِقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ السِّرَايَةَ أَقْوَى مِنَ التَّعْلِيقِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِراً نَفَذَ عَلَى المُعَلِّقِ، وَإِنْ قَالَ: فَنَصِيبِي قَبْلَهُ حُرٌّ فَهُوَ دَوْرٌ وَيَمْتَنِعُ عَلَى المَقُولِ لَهُ عِنْدَ مَنْ يبْطِلُ الدَّوْرَ اللَّفْظِيَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال أحد الشريكين للآخر: إذا أَعْتَقْتَ نصيبك؛ فنصيبي حُرٌّ أو قال: فجميع العبد حر [أو قال] 1: فنصيبي حر بعد عتق نصيبك، فإذا أعتق المقول له نصيبه نُظِرَ، إن كان معسراً عتق على كل واحد منهما نصيبه على المقول له بالتنجيز، وعلى المعلق [بمقتضى العتق] 2 فإن كان مُوسِراً عُتِقَ نصيبه عليه ثم إن قلنا السِّرَايَةُ تحصل بنفس الإعتاق عتقَ الكُلُّ عليه ولزمته قيمة نصيب الشريك، ووجه ذلك بأن السِّرَايَةَ أقوى من العتق بالتعليق؛ لأن السِّرَايَةَ قَهْرِيَّةٌ متابعة لِعِتْقِ النَّصِيب، لا مَدْفَعَ لها فكان المِلْك الذي تَتَضَمَّنُهُ السِّرَايَة مُخْتَطَفٌ مُنْتَزَعٌ مِنَ الْبَيْنِ وموجب التعَليق قابل للدفع بالبيع ونحوه، وإن قلنا بالتبيين، فكذلك الحكم إذا أَدَّيْتَ القيمة وإن قلنا بتأخر السِّرَايَةِ إلى أداء القيمة فنصيب المعلق عمن يعتق؟ فيه وجهان: أحدهما: عن المعلق لوجود الصفة ونصيبه في ملكه.
والثاني: عن المعتق وعليه قيمته، وبنى ذلك على الخلاف في أنه إذا أَعْتَقَ أحد الشريكين نصيبه.
هل يَنْفُذُ إِعْتَاقُ الآخر قبل أداء القيمة؛ تفريعاً على هذا القول، إن قلنا: نعم.
عُتِقَ نَصِيبُ المعلق عنه، وإن قلنا لا -عتق على المَقُولِ لَهُ إذا أَدَّى القيمة.
ولو قال: إذا أَعْتَقْتَ نصيبك فنصيبي حُرٌّ مع عتق نصيبك، أو في حال عِتْقِ نصيبك فوجهان مع التفريع على أن السِّرَايَةَ تحصل بنفس الإعتاق: أحدهما: وبه قال ابْنُ القَاصِّ وَصَاحِبُ "التَّقْرِيب": أنه يُعْتَقُ جميع العبد عليهما.
نِصْفُهُ عن المعتق بالإعتاق، ونِصْفُهُ عن المُعَلِّقِ بوجَود الصفة، ولا شيء على المُعْتِقِ وذلك أن اعتبار المَعِيَّةِ يَمْنَعُ السِّرَايَةَ وهذا ما اختاره الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وحكاه الرَّويَانِيُّ عن عامة الأصحاب -رحمهم الله-.
والثاني -وبه قال القَفَّالُ: أَنَّه يُعْتَقُ الجميع على المَقُولِ لَهُ أيضاً، ولا أثر لقوله: مع نصيبك، فإن المُعَلِّقَ لا يقارن المعلَّق عليه، بل يَتَأَخَّرُ عنه لا مَحَالَةَ، وهذا ما أورده الشيخ أَبُو عَلَيٍّ في شَرْحِ الفروع، وألحقه.
بما حَكَى عن ابن سُرَيْجٍ أَنَّهُ: لو قال لعبده سَالِمٍ: أنت حر في حال عِتْقِ غَانِمٍ أو قال: مهما أَعْتَقْتُ غَانِماً فأنت حر مع عتقه، ثم

أعتق غانماً في مَرَضِ الموت، وَالثُّلُثُ لا يفي إلاَّ بأحدهما، لا يُقْرَعُ بينهما بل يتعين غانم للعتق؛ لأن عِتْقَ سَالِمٍ مَشْرُوطٌ بعتقه، فلا يُؤْخَذُ دُونَهُ، وهذه المسألة قد مَرَّتْ في "الوصايا" من غير تَعَرُّضِ المعلق لِلمَعِيَّةِ وذكرنا وجهاً: أنه يُقْرعُ بينهما والوجهان المذكوران فيما إذا قال: فنصيبي حُرٌّ مع نصيبك يجريان هاهنا أيضاً، وبناهما الإمَامُ على أنه إذا أَعْتَقَ عبيداً في مرض موته؛ لا مال له غيرهم وَرَدَّ الإعْتَاقَ إلى الثُّلُثِ، فكيف تقدر [أنقول] 1: ثبت الإعتاق في الزائد على الثلث، ثم أبطلَ أو نقول يَتَبَيَّنُ في العصر في الثلث أَنَّهُ لم يثبت في غيره.
فيه قولان يجريان في كل وَصِيَّةٍ زَائِدَةٍ على الثلث، فإن قلنا يَثْبُتُ العتق في الجميع ثم أبطل فَيُقْرَعُ بينهما، ويجعل كأنه أَعْتَقَ العبدين، وإذا خرجت القُرْعَةُ على سالم عتق؛ لأنه [قد] 2 ثبت عِتْقُ غَانِمٍ وتحققت الصفة ثم رُدّ، وإن قلنا يتبين أنه لم ينفذ فلو أَقْرَعَ وخرجت القرعة لسالم؛ لزم ألاَّ يعتق غانم؛ لأن القرعة لم تخرج له، إِلاَّ بعتق سالم؛ لأن شرط عِتْقِهِ عِتقُ غَانِمٍ، وكيف يجوز أن يعتق عبدين يخرج أحدهما من الثلث ولا يعتق واحد منهما؛ فلذلك تَعَيَّن عِتْقُ غَانِمٍ، ولو قال: إذا أعتقت نَصِيبَكَ؛ فنصيبي حُرٌّ قبل عتق نصيبك فَأَعْتَقَ المَقُولَ [له] 3 نصيبه نُظِرَ إن كانا مُعْسَرَيْنِ أو كان المُعَلِّقُ معْسِراً عَتِقَ نصيب المُنْحز، ونصيب المُعَلَّقِ يعتق عليه قبل ذلك بموجب التعليق، ولا سِّرَايَةَ، وإن كان القائل المعلق موسراً، قولنا السِّرَايَةُ تَحصُلُ بنفس الإعتاق ففيه وجهان: من صَحَّحَ الدَّوْرَ اللَّفْظِيَّ كابْنِ الحَدَّادِ يقول: لا يَنْفُذُ إعتاق المقول له في نصيبه؛ لأنه لو نَفَذَ لعتق نصيب القائل قبله، ولو عتق لَسَرَى وَلَوْ سَرَى لَبَطَل عِتْقُهُ؛ فيلزم من نفوذ عتقه 4 عدم نفوذه، وعلى هذا فلو قال السَّيِّدُ لعبده: مهما أعتقتك فأنت حر [مثله] 5 لم يتمكن من إعتاقه كما سبق نظيره في "الطلاق"، ولو صدر هذا التعليق من الجانبين امْتَنَعَ الإِعْتَاق عليهما.
ولو قال أحدهما للآخر: مهما بِعْتُ نصيبك فنصيبي حر قبله: لم ينفذ البيع.
والمستبعدون لصحة الدور وَانْسِدَادِ بَابِ الطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ أولى بالاستبعاد هاهنا لتَضَمُّنِهِ الحَجْرَ على 6 الغير 7، وَمَنْ لاَ يُصَحِّحُ الدَّوْرَ، وهو الأظهر يقول: بِعِتْقِ نَصِيبِ كل واحد منهما عنه، ولا شيء لأحدهما على الآخر كما لو قال: مع نصيبك وإن قلنا:

إِنَّ العِتْقَ 1 بأداء القيمة فإن نَفَّذْنَا قَبْلَهُ على المعلق، وإن لم ننفذه.
قال الإِمَامُ: تدور المسألة أيضاً؛ لأنه إذا أعتق نصيب المعلق أولاً؛ صادف إعتاق الثاني من هو مُسْتَحِقُّ العِتْقِ الأَوَّلِ، فلا ينفذ، وإذا لم ينفذ لا يعتق نصيب المعلق؛ لأنه مشروط به، وفي هذه الصور جميعاً لو أعتق المعلق نصيبه، عتق وتثبت السِّرَايَةُ إذا وجد شرطها.
والله أعلم 2. قَالَ الْغَزَالِيُّ: (السَّادِسَةُ) لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ وَأَنْتَ مُوسِرٌ فَأَنْكَرَ عِتْقَ نَصِيبُ المُدَّعِي مَجَّاناً وَلَهُ أن يُحَلِّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ اسْتَحَقَّ باليَمِيْنِ المَرْدُودَةِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ وَلَمْ يُعْتَقْ نَصِيبُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ: إِنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَاباً فَنَصِيبِي حُرٌّ وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَصِيبِي حُرٌّ لَمْ يُعْتَق شَيْءٌ لِلشَّكِّ، فَإِنِ اشْتَرَى العَبْدَ ثَالِثٌ حُكِمَ بِحُرِّيَّةِ النِّصْفِ فِي يَدِهِ لِلْيَقِين وَلَمْ يَكن لَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا رُجُوعٌ بِالثَّمَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادعى أحد الشريكين على الآخر، وهو مُوسِرٌ أنك أعتقت [نصيبك] 3 وعليك قيمة نصيبي؛ فأنكره نُظِرَ؛ إن كان للمدعي بَيِّنَةٌ؛ حَكَمَ بِمُقْتَضَاهَا وَمَتَى يعتق نصيب المدعي، فيه الأقوال، وإذا لم تكن بينة فالمصدق المنكر مع يمينه، فَإِنْ حَلَفَ رَقَّ نصيبه، وإن نَكَلَ حلف المدعي اليمين المردودة واستحق القيمة.
والصحيح: أنه لا يُحْكَمُ بِعِتقِ نصيب المدعى عليه؛ لأن الدَّعْوَى إنما توجهت عليه؛ بسبب القيمة، إلا فلا معنى للدعوى على الإنسان [أنه] 4 أعتق عبده وإنما ذلك من وظيفة العبد، نعم.
لَوْ شَهِدَ هذا المدعي مع آخر ثبت العتق بشهادة الحِسْبَةِ.
قال الإِمَامُ: وأبعد [بعض] 5 من لا خبرة له وقضى بالعتق في نصيب المدعى عليه بيمين الرد تبعاً لدعوى انقيمة، وهل يُحْكَمُ بِعِتْقِ نَصِيبِ المُدَّعِي إذا حَلَفَ المُدَّعَى عليه لو نَكَلَ، وحلف المُدَّعِي إن قلنا: إن السِّرَايَةَ تُتَعَجَّلُ فَنَعَمْ.
لإِعْتِرَافِهِ بِسِرَايَةِ إعتاق المُدَّعَى عَلَيْهِ إلى نصيبه، وإن قلنا بالتأخير؛ لم يعتق وإذا عُتِقَ نصيبه فلا يسرى إلى نصيب المُنْكِرِ وإن كان المُدَّعِي موسراً؛ لأنه لم [ينشئ] 6 العتق فَأَشْبَه ما إذا ادَّعَى أحد الشريكين على رجل أنك اشتريت نصيبي، وأعتقته، وأنكر المُدَّعَى عَلَيْهِ يعتق نصيب المدعي، ولا يَسْرِي، وَوُجِّهَ أيضاً: بأن نصيبه عتق لا باختياره بل نصيبه لقوله: أعتقت نصيبك فصار كما لو وُرِثَ بعض من يعتق عليه، يعتق ما ورثه، ولا يسري وإن

قلنا: لا يُعْتَقُ إلاَّ بعد أداء القيمة لم يعتق نصيب المُدَّعِي بقوله: أَعْتَقْتُ نَصِيبَكَ وَإِنْ صَدَّقَ المُدَّعَى عليه الشريك [فلا] 1 إشكال، وإن كان المُدَّعَى عَلَيْهِ مُعْسِراً، وَأَنْكَرَ وحلف لم يعتق شيء من العبد، فإن اشترى المُدَّعِي نصيب شريكه بعد ذلك؛ عُتِقَ مَا اشْتَرَاهُ؛ لإقراره بأنه أعتقه ولا يَسْرِي إلى الباقي.
أما إذا ادعى كل واحد من الشريكين [الموسرين] 2 على صاحبه أنك أعتقت نصيبك، وطالبه بالقيمة وأنكر صاحبه؛ فكل واحد منهما يَصْدُقُ بيمينه فيما أنكره، فإذا حلفا فلا مطالبة 3 بالقيمة، ويحكم بعتق جميع العبد إن قلنا بتعجيل السِّرَايَةِ؛ لاعتراف كل واحد منهما بِسِرَايَةِ العتق إلى نصيبه والولاء موقوف بينهما، لا يَدَّعِيهِ هذا ولا ذاك وإن قلنا: بِتَأَخُّرِ السِّرَايَةِ أو بالتوقف، والتبيين؛ فالعبد رقيق، وإن كانا مُعْسِرَيْنِ وقال كل واحد منهما للآخر: قد أَعْتَقْتُ نَصِيبَكَ لم يعتق منه شيء، فإن اشترى أحدهما نصيب الآخر حُكِمَ بِعِتْقِ ما اشتراه لاعترافه بأن شريكه أعتقه ولا يسري؛ لأنه لم يُنْشِيء إعتاقاً وذكر في "التَّهْذِيبِ": إنه لو باع أحدهما من زَيْدٍ والآخر من عَمْرو؛ صح ولا عتق، ولو باعا من رجل واحَد حُكِمَ بِعِتْقِ نِصْفِهِ؛ لأن عتق أحد النصفين يَقِينٌ وقد جمعهما مِلْك وَاحِدٍ وهذا لا يتبين له وجه، ولا يقين في واحد من النصفين لجواز كونهما كاذبين، وموضع هذا الكلام: مَسْأَلَةُ الْغُرَاب على ما سنذكرها على الأثر ولا أدري -أوقع الخلل في النسخة أم كيف الحال؟ وإن كَان أحدهما مُوسِراً والآخر معسراً أُعْتِقَ نَصِيبَ المَعْسِرِ على قول تعجيل السِّرَايَةِ؛ لأن إقراره يتضمن السِّرَايَةَ إلى نصيبه، وولاؤه موقوف ولا يعتق نصيب المُوسِرِ فإن اشتراه المُعْسِرُ عتق كُلُّهُ، ولو طار طائر فقال أحد الشريكين: إن كان هذا الطائر غُرَاباً فنصيبي من هذا العبد حر وقال الآخر: إن لم يكن غُرَاباً فنصيبي منه حر، ولم يتبين الحال فإن كانا مُعْسِرَيْنِ لم يحكم بعتق نصيب واحد منهما، كما لو جرى التعليقان من شخصين في عبدين أو زوجتين لكن لو اشترى أحدهما نصيب الآخر حُكِمَ بعِتْقِ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ؛ لأنه قد جمعهما مِلْكٌ وَاحِدٌ وَأَحَدُ النِّصْفَيْن حر بِيَقِينٍ، وفي حق الشخصين استصحبنا يقين الملك في حتى كل واحد، وطرحنا الشَّكَّ ولو باعا النصفين من ثالث فكذلك يحْكَمُ بِعِتْقِ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ، ولا رجوع له على واحد منهما، لأن كل واحد منهما يزعم أن نصيبه مملوك، هذا هو الأصح، والمذكور في الكتاب، وبه قال الْقَفَّالُ وحكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: عن بعض الأصحاب: أنه إن أَقْدَمَ على الشِّرَاءِ وهو عالم بالتعليقين؛ فلا رجوع له، وإن لم يعلم ثُمَّ بَانَ لَهُ الحال؛ فله الرد كما لو اشترى عبداً ثم بَانَ نِصْفُهُ حُرٌّ وعلى هذا فيرد العَبْدَ كُلَّهُ؛ لأن أحد نصفيه حر، والآخر

قِسْطٌ مِمَّنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وفي ذلك نقصان وعيب قال الشَّيْخُ: ولو اختلف قدر النصيبين؛ لم يحكم إلاَّ بِعِتقِ أقلهما ولو تبادلا 1 النصيبين، فإن لم يحنث واحد منهما صاحبه، واعترفا بِالإِشْكَالِ فلا يحكم على واحد منهما بعتق شيء والحكم بَعْدَ المبادلة كالحكم قبلها، وإن حنث واحد منهما الآخَرَ؛ حُكِمَ بعتق الكل؛ لأن كل واحد يزعم أن نصيب الآخر قد عتق ثم اشتراه، وكان كمن أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه يحكم بعتقه بإقراره السابق، ويكون وَلاَؤُه موقوفاً؛ لأن كُلَّ واحد منهما يقول: لم يعتق عليّ منه شيء وإنما عتق نصيب صاحبي.
وإن حَنَّثَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ولم يُحَنِّثْهُ صَاحِبُهُ؛ حكم بعتق ما صار لِلْمُحْنِثِ وولاؤه موقوف، ولا يحكم بعتق النصيب الآخر، وإن كانا موسرين فإن قلنا: تَتَعَجَّلُ السِّرَايَة عتقَ الْعَبْدُ؛ لأَنَّا نَتَحَقَّقُ حَنَثَ أحدهما وإن لم نتمكن من التعيين فيعتق نصيبه ويسري إلى الباقي، والولاء موقوف، ولكل واحد منهما أن يدعي قيمة نصيبه على الآخر ويحلفه على الْبَتِّ أنه لم يَحْنَثْ وإن قلنا: لا تَحْصُلُ السِّرَايَةُ إلاَّ عند أداء القيمة، فلا يحكم بعتق شيء منه على واحد منهما والحكم كما في المُعْسِرَيْنِ.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ: فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ واحد منهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه، وأراد طلب القيمة حلّفه على ما ذكرنا، وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً فإن قُلْنَا بِتَعْجِيلِ السِّرَايَةِ عتق نَصِيبُ المُعْسِرِ بكل حال؛ لأنه إِمَّا حَانِثٌ أو صاحبه حانث، والعتق سَارٍ إليه ولا يعتق نصيب الشريك الموسر للشك وإن [أخرناهما] 2 إلى أداء القيمة لم نحكم بعتق واحد من النصيبين في الحال، وللمعسر أن يدعي التقويم على الموسر ويحلفه.
فرعان: من القبيل الذي نحن فيه من "المُوَلَّدَاتِ": أحدهما: إذا قال أحد الشريكين: أَعْتَقْنَا الْعَبْدَ معاً وأنكر الآخر فإن كانا موسرين أو كان القائل 3 موسراً فقد أطلق ابْنُ الحَدَّادِ أنه يحلف المنكر وجرى على إطلاقه جَمَاعَةٌ.
وقال الشيخ: إنما يحلف عندي إذا قال المقر: أنت أعتقت نصيبك [وأنا لم] 4 أعتق وأراد طلب القيمة فيحلف أنه لم يعتق معه؛ ليأخذ القيمة فإن المقر أقر بما يوجب القيمة وادعى معه ما يسقطها وهو المُوَافَقَةُ فِي الإِعْتَاقِ فيدفع يمينه المسقط 5، فأما إذا قال: لم تَعْتِق نصيبك ولا أنا أَعْتَقْتُ فَلاَ مُطَالَبَةَ بالقيمة ولا يحتاج إلى اليمين ويحكم بعتق جَمِيعِ الْعَبْدِ بإقرار الشريك المُوسِرِ إن أَثْبَتْنَا السِّرَايَة بنفس الإِعْتَاقِ، وإن أخرنا إلى

أداء القيمة؛ فلا يُعْتَقُ نصيب المنكر وليس يدعى قيمة بأحدها، وإذا حلف المنكر في التَّصْوِيرِ المذكور؛ أخذ القيمة من المقر ويحكم بعتق جميع العبد، وَوَلاَءُ نصيب الشريك موقوف فلو مات المُعْتِقُ ولا وارث له سوى السيد المقر؛ أَخَذَ نِصْفَ مَالِهِ بالولاء على نصفه وهل له أن يأخذ من النصف الآخر قدر نصف القيمة الذي غرمه للمنكر؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ -لأَنَّه إن صدق في قوله أعتق شريكي معي [فالشريك] 1 ظالم يأخذ القيمة، والنصف الآخر له، وقد ظَفَرَ بِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُ وإن كذب وكان مقراً 2 بإعتاقه فجميع المال له بالولاء على جميعه.
والثاني: لا -لاختلاف الجِهَةِ فإنه يزعم الأخذ من جهة أنه مال ظالمه والشريك ينكره، وهو يَزْعُمُ أنه له بالولاء وهو ينكره والاختلاف في الجهة يمنع الأخذ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
وإن رجع المُنْكِرُ عن إنكاره وصَدَقَ المُقِرُّ رَدَّ ما أخذه 3 من القيمة، وإن رجع المُقِرُّ واعترف بأنه أعتقه قبل وكان جميع الولاء له وقد يقال: أنه قد أَقَرَّ بأنه لا ولاء له على النصف 4 فكيف يُقْبَلُ رجوعه عنه؟ والجواب: أن الولاء يَلُو النَّسَب، ولو [نفى] 5 وَلَداً بِاللَّعَانِ ثم استلحقه ورجع قُبِلَ؛ فكذلك الولاء.
والثاني: عَبد بين ثلاثة -شهد اثنان من مالكيه أن الثالث أَعْتَقَ نصيبه.
فالثالث: إما مُعْسِرٌ أو مُوسِرٌ.
إن كان مُعْسِراً قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وحكم بعتق نصيب المشهود عليه، وَيَرِقُّ الباقي، وإن كان موسراً فالأظهر وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ أن شهادتهم باطلة؛ لأنهما [يجران] 6 نفعاً إلى أنفسهما بِإِثْبَاتِ القيمة عليه، فلا يعتق [نصيبه] 7 ولا يلزمه القيمة لنصيبهما ويعتق نصيبهما لاعترافهما بِسِرَايَةِ العتق.
وعن بعض الأصحاب: أنه تُقْبَلُ شَهَادَتهمَا في عتق نصيبه وإنما ترد في إلزام القيمة الذي هو منشأ التهمة، والحكم بعتق نصيبهما على الأول مفرع على أن السِّرَايَةَ تتعجل، أَمَّا إذا توقفت على أداء القيمة فلا يعتق شيء من العبد، ولكن يَنْفَدُ تَصَرُّفُهُمَا فيه؛ لإقرارهما بأن نصيبهما مستحق [العتق] 8 على الشريك.
هكذا حكاه الشيخ أَبُو عَلِيٍّ عن بعض الأصحاب وصححه، ويجوز أن يقال: قَدْ مَرَّ أَنَّ تَعَذُّرَ حُصُولِ القيمة

بِالإِعْسَارِ وغيره يرفع الحجر من الشريك [والتعذر] 1 حاصل هاهنا.
هذه فروع أُخَر تَتَعَلَّقُ بِالسِّرَايَةِ: الأول: إن قلنا السِّرَايَةُ تحصل بنفس الإعتاق؛ فله حكم الأحرار في الميراث والشهادات والحدود والجنايات، وإن لم يؤد القيمة، وإن أخرناها إلى أداء القيمة؛ فله حكم الْأَرِقَّاءِ فيها حتى يؤدي، وَإِنْ تَوَقَّفْنَا تَوَقَّفْنَا في هذه الأحكام أيضاً.
الثاني: عن "الأُمِّ": أن العبد المُشْتَرَكَ إذا أعطى أحد مالكيه خمسين ديناراً لِعِتْقِ نَصِيبِهِ مِنْهُ فَأَعْتَقَهُ يرجع الشريك عليه بنصف الخمسين وبنصف قيمة العبد، وَيَرْجِعُ المعتق على العبد بخمسة وعشرين.
قال ابْنُ الصَّبَّاغِ: وينبغي أن يكون هذا فيما إذا لم يقع العتق على عين الخمسين، وإنما سموه خمسين، ثم دفعها عليه، وإلاَّ فإذا وقع العِتْقُ على العين يجب أن يكون الرجوع بقيمة ما أعتق بالعوض المستحق قال: ويحتمل أن يريد ما إذا كانت قيمة العبد خمسين فَيَسْتَوِي العوض والقيمة، ولو كان المعتق قد قال: إن سلمت لي هذه 2 الخمسون فأنت حر لم يُعْتَقْ؛ لأنها لم تسلم له.
الثالث: لو أعتق شركاً له في جارية [حبلى] وَهُوَ مُوسِرٌ ولم تقوم عليه حتى ولدت؛ عتق مَعَهَا وَلَدُهَا تفريعاً على أن العتق يسري في الحال، فأما إذا أخرنا السِّرَايَةَ إلى دفع القيمة فَعَنْ نَصِّهِ: أنه ينبغي ألاَّ يعتق الولد معها؛ لأنه إنما يُعْتَقُ بعِتْقِهَا إذا كان حملاً.
فَأَمَّا بعد الوِلاَدَةِ فلا.
قال القاضي أَبُو حَامِدٍ: معناه: أن نصيب اَلذي لم يُعْتَقْ من الولد مملوك، فأما نصيب المعتق فيجب أن يعتق.
قال ابْنُ الصَّبَّاغِ: عندي أنه أراد أن نصيب الذي لم يعتق من الولد، لا يعتق بدفع قيمة نصيبه من الجارية، وَعَتَقَهَا؛ لِأنَّهُ لا يتبعها بعد الوضع.
وإلا فقد عتق من الولد نصيب المعتق، وهو موسر فيجب أن يسرى.
الرابع: وَكَّلَ أحد الشريكين [الآخر] 3 في عتق نصيبه، فقال الوَكِيلُ لِلْعَبْدِ: أَعْتَقْتُ نصفك.
فإن قال: أَرَدْتُ نَصِيبِي قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ وإن قال: أردت نصيب شريكي قُوِّمَ عَلَى الشَّرِيكِ نَصِيبُهُ، وإن أطلق فيعتق عن المُوَكَّلِ؛ لأنه أعتق بعد أمره بالإعتاق، أو عن الوكيل؛ لأن إعتاقه عن نفسه يستغني عن النية، وحكى في "الشَّامِلِ" وجهين، ولهذا التفات 4 إلى أن النصف المطلق يحمل على ملكه أو يشيع 5.

الخامس: على 1 طريقة الصَّيْدَلاَنِيِّ: أنه إذا كان للمريض نصفاً عبدين مُتَسَاوِيَي الْقِيمَةِ ولا مال له غيرهما فقال: "أعتقت نَصِيبِي مِنْ سَالِمٍ ومن غَانِمٍ" وقلنا: تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بنفس اللَّفْظِ يعتق ثُلُثَا نصيبه من سالم وهو ثلث ماله ولا يعتق من الآخر شيء.
ولو قال: نصيبي من هذين حُرٌّ عتق ثلثا نصيبه من أحدهما فَيَقْرَعُ بَيْنَهُمَا فمن خرجت له القرعة؛ عتق ثلثا 2 نصيبه منه، وهو ثُلُثُهُ وإن كان نصفا العبدين ثلث ماله فقال أعتقت نصيبي من سالم ومن غانم عتق سَالِمٌ بالمباشرة والسِّرَايَة ولا يعتق من الآخر شيء.
ولو قال: نصيبي منهما حر عتق النصفان وَلاَ سِرَايَةَ.
السادس: اشْتَرَى أَمَتَهُ حَامِلاً من الزوج زوجها وَابْن لَهَا حُرٌّ [معها] 3 وهما مُوسِرَانِ فالحكم كما ذكرنا فيما لو أوصى مَالِكُهَا بوصية لهما.
وقَبِلاَ الوصية معاً، وقد ذكرناه في "الوَصَايَا"، ومُخْتَصَره أن الأمة تُعْتَقُ على الابن، والحمل يعتق عَلَيْهِمَا ولا يقوّم.
السابع: شَهِدَ شاهدان على زَيْدٍ بأنه أَعْتَقَ نصيبه من العبد المشترك 4 وهو مُوسِرٌ، وحكم القاضي بشهادتهما ثم رجعا فشهادتهما تثبت عتق نصيبه، وتوجب عليه قيمة نصيب شريكه، فَيَغْرَمَانِ بالرجوع قيمة نصيبه لا مَحَالَةَ؛ لأن شهود العتق يَغْرَمُونَ إذا رجعوا، وهل يَغْرَمَانِ له قيمة نصيب الشريك التي غَرِمَهَا؟ فيه قولان -لأن في وُجُوبِ الْغُرْمِ على شهود المال اختلاف قول سبق في موضعه.
واعْتَرَضَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فقال: إنهما لم يشهدا 5 على المال مقصوداً، ولكن تضمنته الشهادة، وكما تضمنت المال تضمنت إِعْتَاقَ نصيب الشريك، فإن اقتضى تضمنها إثبات المال التخريج على القولين اقْتَضَى تَضَمُّنُهَا الإِعْتَاقَ [للجزم] 6 بوجوب الْغُرْمِ ثم الجواب الذي تقدم فيما إذا ساعد الشريك الشهودَ، وأخذ القيمة وَعَتَقَ جميع العبد إما بنفس الإعتاق، أو عند أَخْذِ الْقِيمَةِ، فَأمَّا إذا أَكْذَبَهُمْ وَقَالَ: لم يَعْتِقْ زَيْدٌ نَصِيبَهُ فإن قلنا: تَتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ عَتِقَ الْكُلُّ ولا يلزمه للشريك شيء، وإن قلنا تتأخر إلى أداء القيمة: قال الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: يجبر على أخذ القيمة [ليكمل] 7 العتق، ثم يَلْزَمُهُ رَدُّ ما أَخَذَ إِن كان مُصِراً على تكذيب الشهود، وكما لو جاء المُكَاتِبُ بالنجم الأخير فقال السيد هذا حَرَامٌ غصبته من فلان يجبر على أخذه ثم يرده على من أَقَرَّ له.
ولو شهد شاهدان على أحد الشريكين بأنه أعتق نصيبه وآخران على الشريك الثاني

بأنه أعتق نصيبه وهما مُوسِرَان فإن أُرِّخَتِ البَيِّنَتَانِ عتق الكل على الأول وإنْ أَثْبَتْنَا السِّرَايَةَ في الحال، وعليه قيمة نصيب الآخر، وإن أَخَّرْنَا إلى أداء القيمة؛ فعلى الخلاف في أن إِعْتَاقَ الثاني قبل أداء القيمة هل يَنْفُذُ؛ إن قلنا لا، وهو الأَظْهَرُ أخذت قيمة نصيبه من الأول ليعتق.
وإن لم يُؤَرِّخَا عتق الْعَبْدُ كُلُّهُ, ولا تقويم؛ لأنا لا نعلم هل سبق أحدهما الآخر, وبتقدير السبق لا يعلم السابق, فلو رجع الشاهدان على أحد الشريكين شهادتهما لم [يغرما] (1) شيئاً؛ لأنا لا ندري أن العتق في النصف الذي شهد به حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمَا أو بشهادة الآخرين بالسِّرَايَةِ فلا توجب شيئاً بالشك وإن رَجَعُوا جميعاً فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك، لقيام الاحتمال في الطريقين.
وأظهرهما: أنهم يَغْرَمُونَ قِيمَةَ العبد؛ لأنه إذا لم يَكُنْ تَارِيخ فَالحُكْمُ [بعتق] (2) ألْعَبْدِ يتعلَّق بشهادة أَرْبَعَتِهِم ويقدر كأن [الإعتاقين] (3) وقعا معاً، والفرع من "المولدات" -رحم الله من ولدها.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: (الخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ:) عِتْقُ القَرَابَةِ:

وَمَنْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ أَحَدُ أَبْعَاضِهِ أَعْنِي أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ عُتِقَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهلِ التَّبَرُّعِ سَوَاءٌ دَخَلَ قَهْراً بِالإِرْثِ أَوِ اخْتِيَاراً بِالعَقْدِ، فَلاَ يَعْتِقُ مِنْ عَدَا الأَبْعَاضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَنْ مَلَكَ أَبَاهُ أَوْ أُمُّه أو أحد أصوله من الأجداد والجدات، أو ملك واحداً من أَوْلاَدِهِ وأولاد أولاده 4 عتق عليه، رُوِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهُ فَيَعْتِقَهُ" 5 يعني بالشراء، وفهم من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92] الآية.
ومن قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] أن الوِلاَدَةَ والعبودية لا يجتمعان ولا فرق بين أن يدخل في مُلْكِهِ قهراً بِالْإِرْثِ أو اختياراً بعقد إما بعوض كالشراء، أو لا بعوض كالهِبَةِ، والوصية، وَفَرْقٌ بين عتق القريب وبين السِّرَايَةِ، حيث لم تَثْبُتِ السِّرَيَةَ إلاَّ عند الاختيار، بأن123

العتق صلة وإكرام 1 للقريب، فلا يَسْتَدْعِي الاختيار، وَالسِّرَايَةُ تُوجِبُ التَّغْرِيمَ والمُؤاخذة، وإنما يليق ذلك بحال الاختيار، وَلاَ يَعْتِقُ غَيْرَ الأَبْعَاضِ مع الأصول والفروع.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدَ -رحمهما الله-: يُعْتَقُ كل ذي رحم محرم بالمِلْكِ كالأخ، وابن الأخ، والعم والخال، وَأَلْحَقَ مَالِكٌ الأخوة وَالأخَوَاتِ بالوالدين والمولودين، وَسَلَّمَ أبُو حَنِيْفَةَ أن المُكَاتِبَ إذا مَلَكَ أخاه، لم يُكَاتِبْ عَلَيْهِ، فقال الأصحاب -رحمهم الله-: قريب لا يُكَاتِبُ عَلَى المُكَاتِب فلا يعتق على الحُرِّ كَبَنِي الْأَعْمَامِ.
وَلْيُعْلَمْ لما تَبَيَّنَ قوله في الكتاب: "ولا يعتق من عدا الأَبْعَاضِ" بِالحَاءِ والميم والألف.
وقوله: "إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ" قصد به الاحتراز عن الصبي والدين يذكرهم في الفصل التالي لهذا الفصل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يَشْتَرِي الطِّفْلُ قَرِيْبَهُ وَلَكِنْ يَتَّهِبُ الوَليُّ لَهُ إِذَا لَمْ يَكُن بِحَيْثُ تَجِبُ النَّفَقَةُ فِي الحَالِ، وَإِنْ قَبِلَ لَهُ هِبَةَ نِصْفِ قَرِيْبةِ لَمْ يَصِحّ حَذَراً مِنَ السِّرَايَةِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ وَلاَ يَسْرِي، وَالمَرِيضُ إِذَا اشْتَرَى قَرِيبَهُ عُتِقَ إِنْ وَفَّى بِهِ ثُلُثَهُ وَإِلاَّ لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ مَلَكَة بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ فَيُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ المَالِ أَوِ الثُّلُثِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: مِنْ رَأْسِ المَالِ عُتِقَ عَلَى المَحْجُورِ المُفْلِسِ أَيْضاً وَالمَدْيُونِ وَالمَرِيْضِ، وَلَوِ اشْتَرَاهُ بِمُحَابَاةٍ فَقَدْرُ المُحَابَاةِ يُخَرَّجُ عَلَى الوَجْهَيْنِ وَالبَاقِي لاَ يعتق، وَلَوْ قَهَرَ الحَرْبيُّ حَرْبِيّاً مَلَكَهُ وَصَحَّ بَيْعُهُ مِنَ المُسْلِمِ، فَإِنْ قَهَرَ أَبَاهُ فَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ لَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا دَوَامُ القَهْرِ المُبْطِلِ لِلْعِتْقِ إِنْ فُرِضَ وَدَوَامُ القَرَابَةِ الدَّافِعَةِ لِمِلْكِ القَهْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: إحداهما: ليس لمولى الصبي والمجنون أَنْ يَشْتَرِيَ لهما قريبهما القرابة التي تقتضي العتق، فإن فعل فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ.
ولو وهب للصبي قريبه أو أوصى له به؛ نُظِرَ إن كان الصبي مُعْسِراً فيجوز له قَبُولُهُ، فإذا قَبِلَهُ عَتِقَ على الصبي؛ لأنه لا ضَرَرَ فيه على الصبي، وفيه جمال ومنفعة، وقد يوسر فَيُنْفِقُ على الصبي، ولا نظر إلى أن الصَّبِيَّ قد يُوسَرُ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ في ماله وإنما يعتبر الحال وهل يجب عليه الْقَبُولُ؟ قال الإِمام: هذا [فيه] 2 تَرَدُّدٌ [وقضية] 3 لَفْظُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: الوجوب، وعلى ذلك يجري

جارٍ التحميل