العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 244-283

مال، أو بأن الحق مؤجل، أو أقر وكيل المدعى عليه بالحق المدعي لم يقبل، سواء أقر في مجلس الحكم، أو غيره، وبهذا قال أَحْمَدُ وقال أبُو حَنِيفَةَ: تقبل إذا أقر في مجلس الحكم وسلم أنه لا يقبل في دعوى النكاح، والطلاق، والقصاص، والعفو.
القياس على ما سلمه وأيضاً فإنه لا يصالح، ولا يبرئ, لأن اسم الخصومة لا يتناولها، فكذلك الإقرار، ثم وكيل المدعي إذا أقر بالقبض، أو الإبراء انعزل عن الوكالة، وإن لم يلزم إقراره الموكل، وكذلك وكيل المدعى عليه إذا أقر بالحق؛ لأنه بعد الإقرار ظالم في الخصومة بزعمه، وأطلق القاضي ابْنُ كَجٍّ وجهين في أنه هل تبطل وكالته بالإقرار، وهل يشترط في التوكيل بالخصومة بيان ما فيه الخصومة من دم أو مال عين أو دين أرش جناية أو بدل مال، حكى العبادي فيه وجهين كالوجهين في بيان من يخاصم معه (1).

فرع

نقل في "النهاية" أن الوكيل بالخصومة من جهة المدعى عليه لا يقبل منه تعديل بينة المدعي؛ لأنه كالأقرار في كونه قاطعاً للخصومة، وليس للوكيل قطع الخصومة بالاختيار.
وقال المصنف في "الوسيط": لا شك أن تعديله وحده لا ينزل منه منزلة قرار الموكل بعد التهم، لكن رده مطلقاً بعيد؛ لأن التعديل غير مستفاد من الوكالة، إلا أن يوجه بأنه بالتعديل مقصر في الوكالة، وتارك حق النصح.
الثانية: تقبل شهادة الوكيل على موكله، ولموكله في غير ما هو وكيل فيه، كما لو شهد له بعبد، وقد وكله ببيع دار، وإن شهد فيما هو وكيل فيه، نظر إن كان ذلك قبل العزل لم تقبل؛ لا يثبت لنفسه محل ولاية التصرف، وإن كان بعده، فإن كان قد خاصم فيه لم تقبل أيضاً؛ لأنه متهم بتمشية قوله، واظهار الصدق، وإن لم يخاصم فوجهان: أحدهما: لا يقبل، كما لو شهد قبل العزل.
وأصحهما: ويحكى عن أَبِى حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى: أنه تقبل؛ لأنه ما انتصب خصماً، ولا يثبت لنفسه حقَّاً، فأشبه ما لو شهد قبل التوكيل، هذه هي الطريقة المشهورة.
وقال الإمام رحمة الله تعالى: قياس المراوزة أنه يعكس، فيقال: إن لم يخاصم1

تقبل شهادته، وإن كان قد خاصم، فوجهان، ورأى هذا التفصيل فيما إذا جرى الأمر على تواصل، فأما إذا طال الفصل، فالوجه القطع بقبول الشهادة مع احتمال فيه، ويجوز أن يعلّم لما ذكرنا قوله في الكتاب: "ثم يشهد" بالواو وكذا قوله: "وإن كان قد خاض... " إلى آخره في حكم المكرر؛ لإن فيما قبله ما يغني عنه.
الثالثة: لو وكل رجلين بالخصومة، ولم يصرح باستقلال كل واحد منهما، فأصح الوجهين: أن كل واحد منهما لا يستقل بها، بل يتساويان ويتناصران، كما لو وكل رجلين ببيع، أو طلاق، أو غيرهما أو وصى إلى رجلين.
والثاني: أن لكل واحد منهما الاستقلال لعسر الاجتماع على الخصومة، ويقرب منهما بحفظه، بل يحفظانه في حرز بينهما، وعلى الثاني ينفرد به كل منهما الوجهان فيما إذا وكَّل رجلين بحفظ متاع، فعلى الأصح لا ينفرد واحد منهما فإن قبل القسمة قُسِمَ ليحفظ كل واحد منهما بعضه واعلم أنه إذا ادعى عند القاضي أنه وكيل فلان في خصومة فلان، فإن كان المقصود بالخصومة حاضراً وصدقه ثبتت الوكالة، وله مخاصمته، وإن كذبه، فأقام البينة على الوكالة ولا يحتاج إلى أن يدعي حقَّا لموكله على الخصم، وعند أبي حنيفة لا تسمع البينة على الوكالة حتى يدعي عليه حقَّا لموكله فينكر، وإن كان غائباً، وأقام المدعي البينة على الوكالة سمعها القاضي، واتبعها, ولا يعتبر حضور المقصود بالخصومة في إثبات الوكالة، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، حيث قال: لا تسمع البينة، إلاَّ في وجه الخصم.
قال الإمام رحمة الله تعالى: هو بناء على امتناع القضاء على الغائب (1)، ثم حكى عن القاضي الحُسَيْنِ أنه لا بد وأن ينصب القاضي مسخراً (2) ينوب عن الغائب، ليقيم المدعي البينة في وجهه، ثم استبعدوه، وقال: لا أعرف لهذا أصلاً، مع ما فيه من مخالفة الأصحاب، وحكى أيضاً عنه أن القضاة اصطلحوا على أن مَنْ وكل في مجلس القاضي وكيلاً بالخصومة يختص التوكيل بالخصومة في ذلك المجلس.
وقال الإمام رحمه الله تعالى: والذي نعرفه للأصحاب بأنه يخاصمه في ذلك المجلس، وبعده، ولا يعرف للقضاة العرف الذي ادعاه.

فرع

وكل رجلاً عند القاضي بالخصومة عنه، وطلب حقوقه، فللوكيل أن يخاصم عنه12

ما دام حاضراً اعتماداً على العيان، فإذا غاب وأراد الوكيل الخصومة عنه، بناء على اسم وسبب يذكره، فلا بد من إقامة البينة، على أن فلان بن فلان وكله أو على أن الذي وكله هو فلان ابن فلان كذا ذكره أصحابنا العراقيون، والشيخ أَبُو عَاصِمٍ العَبَّادِيُّ، وعبارة العَبَّادِيِّ أنه لا بد، وأن يعرف الموكل شاهدان يعرفهما القاضي، ويثق بهما ذكره في مختصر صنعه في "أدب القضاة"، ووراء ذلك شيئان: أحدهما: روى الإمام رحمه الله تعالى عن القاضي الحسين أن الحكام عادتهم التساهل في هذه البينة بالعدالة الظاهرة، وترك البحث والاستزكاء تسهيلاً على الغرماء.
والثاني: قال القاضي أبو سعد بن أبي يوسف في شرح "مختصرالعبادي": يمكن أن يكتفي بمعرِّف واحد إذا كان موثوقاً به، كما ذكر الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ أن تعريف المرأة في تحمل الشهادة عليها يحصل بمعِّرف واحد؛ لأنه إخبار وليس بشهادة.
1 وأما ما أدرجه في خلال مسائل الخصومة فمسألتان: إحداهما: لو وكله في الصُّلْح عن الدم على خمر، ففعل حصل العفو، كما لو فعله الموكل بنفسه وهذا لأن الصُّلْح على الخمر، وإن كان فاسداً فيما يتعلق بالعوض، ولكنه صحيح فيما يتعلق بالقصاص، فيصح التوكيل فيما لو فعله بنفسه ليصح، لا أن نصحح التوكيل في العقد الفاسد، ولو وكله بالصلح عن القصاص على خمر، فصالح على خنزير، ففيه جوابان عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أشبههما: أنه لغو ويبقى القصاص على ما كان؛ لأنه مستبدّ بما فعل غير موافق لأمر الموكل.
والثاني: أنه كما لو عفا على خمر, لأن الوكالة بالصلح ثابتة، والخمر لا تثبت، وإن ذكرت، وإِنما تثبت الدية فلا فرق فيما يصح، ويثبت بين أن يذكر الخمر، أو الخنزير، وعلى هذا لو صالح على ما يصلح عوضاً أو على الدية نفسها يجوز، ولا خلاف في أنه لو أجرى هذا الاختلاف بين الموجب والقابل في المصالحة يلغو لعدم انتظام الخطاب والجواب، ولو وكله بأن يخالع زوجته على خمر، فخالع على خمر، أو خنزير، فعلى ما ذكرنا في الصُّلْح عن الدم.

الثانية: لو وكله ببيع أو شراء فاسد، مثل أن يقول: بيع أو اشتر إلى وقت العطاء، أو قدوم زيد لم يملك الوكيل العقد الصحيح؛ لأن الموكل ما أذن فيه، ولا الفاسد لأن الشرع ما أذن فيه.
وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يملك الصحيح والله أعلم.
قال الغزالي: السَّابِعَةُ إِذَا سَلَّمَ إِلَيهِ أَلْفَاً وَقَالَ: اشْتَرِ بِعَيْنِهِ شَيْئًا فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَقَعْ عَنِ المُوَكِّلِ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ فِي الذِّمَّةِ وَسَلَّم الألْفَ فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: لو سلَّم إليه ألفاً، وقال: اشْتَرِ كذا بعينه، فاشترى في الذمة لينقد ما سلمه إليه في ثمنه، لم يصح الشراء للموكل؛ لأنه أمره بعقد ينفسخ لو تلف ما سلمه إليه، وقد لا يريد لزوم ألف آخر، والوكيل أتى لعقد لا ينفسخ لو تلف ما سلم إليه، ويلزم الرد ولو قال: اشتر في الذمة، وسلم هذا في ثمنه، فاشترى بعينه، فوجهان: أحدهما: أنه يصح للموكل؛ لأنه زاد خيراً حيث عقد على وجه لو تلف المسلم إليه لم يلزمه شي آخر.
واصحهما: المنع, لأنه ربما يريد حصول ذلك المبيع لو سلم ما يسلمه إليه أو تلف، ولو سلمه إليه، وقال: اشتر كذا, ولم يقل بعينه، ولا قال: في الذمة فوجهان: أحدهما: أنه كما لو قال: اشتر بعينه, لأن قرينة التسليم تشعر به.
وأظهرهما: أن الوكيل يتخير بين أنْ يشتري بعينه، أو في الذمة؛ لأنه على التقديرين يكون إتياناً بالمأمور، ويجوز أن يكون غرضه من تسليمه إليه مجرد انصرافه إلى ثمن ذلك الشيء.
1 قال الغزالي: ثُمَّ الوَكِيلُ مَهْمَا خَالَفَ فِي البَيْعِ بَطَلَ تَصَرُّفُهُ، ومَهْمَا خَالَفَ فِي الشِّرَاءِ بِعَينِ مَالِ المُوَكِّلِ فَكَمِثْلِ، فَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَقَعَ عَنِ الوَكِيلِ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِالإِضَافَةِ إِلِيَ المُوَكِّلِ فَفِي وُقوعِهِ عَنِ الوَكِيلِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: لما تكلم فيما أراد من صور مخالفة الوكيل الموكل، وموافقته بين حكم البيع، والشراء إذا وقعا مخالفين لأمر الموكل.

أما البيع فهذا قال: بع هذا العبد، فباع عبداً آخر، فهو باطل؛ لأن المالك لم يَرْضَ بإزالة ملكه عنه.
وأما الشراء، فإن وقع بعين مال الموكل، فهو كالبيع، أو اشترى في الذمة، نظر إن لم يسم الموكل، فهو واقع عن الوكيل؛ لأن الخطاب صار معه، وإنما ينصرف إلى الموكل بشرط كونه مرافقاً لإذنه وإذا لم يوافق لغت النية، وكان كأجنبي يشتري لغيره في الذمة، وهذا كله جواب على الجديد في منع وقف العقود وإلغاء تصرُّف الفضولي أما على القديم، فسبيل الوكيل فيه سبيل الأجانب ويتوقف الشراء في الذمة على إجازته إن شاء وقع عنه، وإلاَّ فعن الوكيل، وكذا القول في مخالفة الموكل في البيع، على ما ذكرنا في أول البيع وكذا الشراء بعين ماله والبيع ينعقدان موقوفين على ذلك القول، فيجوز أن يعلم قوله: "وقع عن الوكيل" وقوله: "بطل تصرفه" بالواو وكذلك القول، وإن سمي الموكل فوجهان: أحدهما: أنه يبطل العقد رأساً؛ لأنه صرح بإضافته إلى الموكل، وامتنع إيقاعه عنه فيلغو.
وأظهرهما: أنه يقع عن الوكيل، وتلغو تسمية الموكل، وهذا لأن تسمية الموكل غير معتبرة في الشراء، فإذا سماه، ولم يمكن صرف العقد إليه، صار كأنه لم يسمه، هذا فيما إذا قال البائع: بعت منك، فقال المشتري: اشتريته لفلان، يعني موكله.
فأما إذا قال البائع: بعت من فلان -يعني موكله- وقال المشتري: اشتريته لفلان -يعني موكله- فظاهر المذهب بطلان العقد؛ لأنه لم تجر بينهما مخاطبة، يفارق النكاح، حيث يقع من الزوج، ووكيل الزوج على هذه الصيغة، بل لا يجوز إلا كذلك؛ لأن للبيع أحكاماً تتعلق بمجلس العقد، كالخيار وغيره، وتلك الأحكام إنما يمكن الاعتبار فيها بالمتعاقدين، والنكاح سفارة مخضة.

فرع

: من فتاوى القَفَّال: إن وكيل المتهب بالقبول يجب أن يسمى موكله، وإلاّ وقع عنه لجريان الخطاب معه، ولا ينصرف بالنية إلى الموكل؛ لأن الواهب قد يقصده بالتبرع بعينه.
وما لكل أحد تسمع النفس بالتبرع عليه 1، ويخالف الشراء؛ فإن المقصود فيه حصول العوض، والله أعلم.

قال الغزالي: الحُكْمُ الثَّانِي: للِوَكَالَةِ العهدة فِي حَقِّ الوَكِيلِ، وَيَدُهُ يَدُ أَمَانة فِي حَقِّ المُوَكِّلِ حَتَّى لاَ يَضْمَنَ سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلاً بِجُعْلِ أَوْ بِغَيْرِ جُعْلِ، ثُمَّ إِنْ سَلَّمَ إِلَيهِ الثَّمَنَ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِهِ مَهْمَا وُكِّلَ بِالشِّراءِ، وإِنْ لَمْ يسَلِّمِ الثَّمَنَ وأَنْكَرَ البَائِعُ كَوْنَهُ وَكِيلاً طَالَبَهُ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فَفِيِهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، وَالظَّاهِرُ: أنَّهُ يُطَالِبُهُ به دُونَ المُوَكِّلِ، وَفِي الثَّانِي: يُطَالَبُ المُوَكِّلُ دُونَهُ، وفِي الثَّالِثِ: يُطَالِبُهُمَا، ثُمَّ إِنْ طُولِبَ الوَكِيلُ، فالصحيح رجوعه على الموكل وَكَذَلِكَ لَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ في يَدِهِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مَا اشْتَرَاهُ مُسْتَحِقَّاً، فَالمُسْتَحِقُّ يُطَالِبُ البَائِعَ، وَفِي مُطَالَبَتِهِ الوَكِيلَ وَالمُوَكِّلَ هَذِهِ الأَوْجُهُ، وكَذَا الوَكيلُ بِالبَيْعِ إِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ وَتَلَفَ في يَدِهِ فَخَرَجَ المبيع مستحقاً فرجع المُشْتَرِي بالثَّمَنِ عَلَى الوَكِيلِ أَوْ عَلَى المُوَكِّلِ فَفيهِ هَذَا الخِلاَفُ.
قال الرافعي: ترجم الحكم بالعهدة، ولكنه قدم على السلام من العهدة أصلاً آخر، جعله من "الوسيط" حكماً برأسه، واشتمل الحكم على مقصودين: أحدهما: أن يد الوكيل يد أمانة، فلو تلف المال من يده من غير تعدّ منه، فلا ضمان عليه، سواء كان وكيلاً بجُعل، أو بغير جعل، وإن تعدى فيه، كأن ركب الدابة أو ليس الثوب ضمن، وهل ينعزل عن الوكالة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها أمانة، فترتفع بالتعدي كالوديعة.
وأصحهما: لا، وبه قطع بعضهم؛ لأن الوكالة أمانة، وإذن في التصرف والأمانة حكم يترتب عليه، فلا يلزم من ارتفاع هذا الحكم بطلان أصل العقد، وهذا كما أن الرَّهْن لها كان المقصود منه التوثيق، ومن حكمه الأمانة لا يلزم من ارتفاع حكم الأمانة فيه بطلان أصل الرَّهْن، وتخالف الوديعة، فإنها ائتمان محض، فلا تبقى مع التعدي، فعلى هذا يصح تصرفه وإذا باع وسلم زال عنه الضمان؛ لأنه أخرجه من يده بإذن المالك، وهل يزول الضمان بمجرد البيع فيه وجهان: أحدهما نعم لزوال ملك الموكل بالبيع.
وأصحهما: لا؛ لأنه ربما يرتفع العقد بتلفه قبل قبض المشتري، فيكون التلف على ملك الموكل، والثمن الذي يقبضه لا يكون مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعدَّ فيه، ولو رد المشتري البيع عليه بعيب عاد الضمان، ولو دفع إلى وكيله دراهم ليشتري بها طعاماً مثلاً، فتصرف فيها على أن تكون قرضاً عليه صار ضامناً، وليس له أن يشتري للموكل بدراهم نفسه ولا في الذمة، ولو فعل كان ما اشتراه له دون الموكل.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- يكون للموكل، ولو عادت الدراهم التي أنفقها

إلى يده، فأراد أن يشتري بها للموكل، فهو على الخلاف المذكور في أن الوكيل هل ينعزل بالتعدي؟.
الأصح: أنه لا ينعزل، ولا يكون ما اشتراه مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعدَّ فيه، ولو رد ما اشتراه بعينه، واسترد الثمن عاد مضموناً عليه، ومتى طالب الموكل برد ماله، فعليه أن يخلي بينه وبينه، فإن امتنع، صار ضامناً كالمودع المقصود.
الثاني: الكلام في العهدة، ونقدم عليه أصلين: أحدهما: أن الوكيل بالشراء إذا اشترى لموكله ما وكله بشرائه، فالمِلْكُ يثبت للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل أم يثبت للموكل ابتداء؟ فيه وجهان لابن سُرَيْجٍ: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- أنه يثبت للوكيل أولاً، ثم ينتقل إلى الموكل؛ لأن الخطاب جرى معه، وأحكام العقد تتعلّق به.
وأصحهما: أنه يثبت للموكل ابتداء، كما لو اشترى الأب للطفل يثبت الملك للطفل ابتداء، ولأنه لو ثبت للوكيل لعتق عليه أبواه إذا اشتراه لموكله، ولا يعتق.
الأصل الثاني: أن أحكام العقد في البيع والشراء تتعلق بالوكيل، دون الموكل حيث يعتبر رؤية الوكيل دون الموكل، ويلزم بمفارقة الوكيل مجلس العقد، ولا يلزم بمفارقة الموكل، إن كان حاضرًا، وتسليم رأس المال في السلم والتقابض، حيث يشترط التقابض يعتبران قبل مفارقة الوكيل، والفسخ بخيار المجلس، وخيار الرؤية إن أثبتناه ثبت للوكيل دون الموكل، حتى لو أراد الموكل الإجازة كان للوكيل أن يفسخ، كذا ذكره في "التتمة"، وفرق بينه وبين خيار العيب، حيث قلنا: لا رد للوكيل إذا رضي الموكل بما لا يكاد تسكن النفس إليه.
إذا تقرر ذلك، في الفصل مسائل: إحداها: إذا اشترى الوكيل بثمن معين نظر إن كان في يده طالبه البائع به، وإلاَّ فلا، وإذا اشترى في الذمة، فإن كان للموكل قد سلم إليه ما يصرفه إلى الثمن طالبه البائع، وإن لم يسلم، نظر إن انكر كونه وكيلاً، أو قال: لا أدري، هل هو وكيل طالبه به، وإن اعترف بوكالته فمن الذي يطالبه البائع بالثمن؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المطالب الوكيل لا غير؛ لأن أحكام العقد تتعلق به والإلتزام وجد منه.
والثاني: أن المطالب الموكل لا غير؛ لأن العقد له والوكيل سفير ومعبر.
والثالث: أنه يطالب من شاء منهما نظراً إن المعينين، وهذا أظهر عند صاحب "التهذيب"، والإمام وغيرهما، وإن يرجح صاحب الكتاب الأول.

التفريع: إن قلنا بالأول، فهل للوكيل مطالبة الموكل قبل أن يغرم؟ فيه وجهان، لأن بعضهم قال يثيبت الثمن للبائع على الوكيل، وللوكيل مثله على الموكل بناء على أن الوكيل يثبت له الملك، ثم ينتقل إلى الموكل، فعلى هذا للوكيل مطالبته بما ثبت له، وإن لم يؤدّ ما عليه.
وقال آخرون: ينزل الوكيل منزلة المحال عليه، الذي لا دين عليه، فعلى هذا ففي رجوعه قبل الغرم وجهان كالمحال عليه والأصح المنع، وإِذا غرم الوكيل للبائع، فقياس تنزيله منزلة المحال عليه الذي لا دين عليه، خلاف المذكور هناك في أنه هل يشترط في الرجوع كون الأداء بالإذن وشرط الرجوع؟ وذكر في "النهاية" أن المذهب القطع بالرجوع وإلاَّ لخرج المبيع عن أن يكون مملوكاً للموكل بالعوض، وفي ذلك تغيير لوضع العقد.
وإن قلنا بالوجه الثالث، فالوكيل كالضمامن، والموكل كالمضمون عنه فيرجع الوكيل إذا غرم، والقول في اعتبار شرط الرجوع، وفي أنه هل يطالبه بتخليصه قبل الغرم، كما سبق في "الضمان".
وحكى الإمام أن ابن سُرَيْجٍ فرع على الخلاف في المسألة، فقال: لو سلم دراهم إلى الوكيل ليصرفها إلى الثمن الملتزم في الذمة ففعل ثم ردها البائع عليه بعيب.
فإن قلنا بالوجه الثاني والثالث، فعلى الوكيل رد تلك الدراهم بأعيانها إلى الموكل، وليس له إمساكها وإبدالها.
وإن قلنا بالوجه الأول، فله ذلك؛ لأن ما دفعه إليه على هذا الوجه، كأنه أقرضه منه لتبرأ ذمته، فإذا عاد إليه، فهو ملكه، وللمستقرض إمساك ما استقرضه، ورد مثله فهو ملكه، ولك أن تقول: لا خلاف أن للوكيل أن يرجع على الموكل في الجملة، وإنما الكلام في أنه متى يرجع؟ وبأي شيء يرجع؟ وإذا كان كذلك، فيتجه أن يكون تسليم الدراهم دفعاً له، وبه التراجع لا إقراضاً.
المسألة الثانية: للوكيل بالبيع إذا قبض الثمن، إِما بإذن صريح، أو بالإذن في البيع على رأي، وتلف المقبوض في يده، وخرج المبيع مستحقّاً، والمشتري معترفٌ بالوكالة، فحق رجوعه بالثمن يكون على الوكيل؛ لأنه الذي يتولى القبض، وحصل التلف في يده، أو على الموكل؛ لأن الوكيل سفير، ويده يده أو على من شاء منهما فيه الأوجه الثلاثة السابقة.
فإن قلنا: حق الرجوع على الموكل، فإذا غرم لم يرجع على الوكيل، وكذا إذا جعلناه على الوكيل، فغرم لا يرجع على الموكل قاله الإمام.

وإن قلنا: يرجع على مَنْ شاء منهما فثلاثة أوجه: أشهرها: أنه إن غرم الموكل لم يرجع على الوكيل، وإن غرم الوكيل رجع على الموكل, لأن الموكل قد غر الوكيل، والمغرور يرجع على الغَارّ دون العكس.
والثاني: أن واحداً منهما لا يرجع على الآخر، أما الموكل فلأنه غارم، وأما الوكيل فلحصول التلف في يده.
الثالث: أن الموكل يرجع على الوكيل، دون العكس لحصول التلف في يد الوكيل، والذي يعني به من هذه الأختلافات أن المشتري يغرم من شاء منهما، والقرار على الموكل، ولذلك اقتصرنا على هذا الجواب في عزل الراهن، وإن كان يطرد فيه الخلاف.
الثالثة: وهي مقدمة على الثانية في الكتاب: الوكيل بالشراء إذا قبض المبيع، وتلف في يده، ثم تبين أنه كان مستحقاً لغير البائع، فللمستحق مطالبة البائع بقيمة المبيع، أو مثله لأنه غاصب، ومن يده خرج المال، وفي مطالبة الوكيل، والموكل الأوجه الثلاثة.
قال الإمام رحمه الله تعالى: وألا قيس في المسألتين أنه لا رجوع له إِلا على الوكيل لحصول التلف عنده، ولأنه إذا ظهر الاستحقاق بانَ فساد العقد، وصار الوكيل قابضاً ملك الغير، بغير حق، ويجرى الخلاف في القرار في هذه الصورة أيضاً.
الرابعة: ولم يذكرها في الكتاب: الوكيل بالبيع إذا باع بثمن في الذمة، واستوفاه ودفعه إلى الموكل، فخرج مستحقّاً أو معيباً، ورده فللموكل أن يطالب المشتري بالثمن، وله أن يغرم الوكيل, لأنه مسلماً للمبيع قبل أخذ عوضه، وفيما يغرمه وجهان.
أحدهما: قيمة العين؛ لأنه فوت عليه العين.
والثاني: لأن حقه انتقل من العين إلى الثمن بالبيع، فإن قلنا بالأول، فإذا أخذ منه القيمة طالب الوكيل المشتري بالثمن، فإذا أخذه دفعه إلى الموكل، واسترد القيمة والله أعلم.
الخامسة: دفع إليه دراهم ليشتري له بعينها عبداً، ففعل، وتلف في يده قبل التسليم انفسخ البيع، ولا شئ على الوكيل، وإِن تلف قبل الشراء ارتفعت الوكالة، ولو قال: اشتر في الذمة، واصرفها إلى الثمن الملتزم، فتلف في يد الوكيل بعد الشراء لم ينفسخ العقد، لكنه ينقلب إلى الوكيل، ويلزمه الثمن، أو يبقى للموكل، وعليه أن يأتى بمثلها فيه وجهان: قال القَفَّالُ: ووجه ثالث يحتمل، وهو أن يعرض الحال على الموكل، فإن رغب

فيه، وأتى بمثل تلك الدراهم، فالشراء له، وإِلاَّ وقع للوكيل، وعليه الثمن، ولو تلف قبل الشراء لم ينعزل، فإن اشترى للموكل فهل يقع له أم للوكيل؟ فيه الوجهان: (1) وقوله في الكتاب: "فالصيحح رجوعه به على الموكل" ليس الوجه الآخر أنه لا يرجع أصلاً، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط الرجوع بشرط الرجوع، وكون الأداء بالإذن كما تَقَدّم؟ وقوله: "لو تلف الثمن في يده بعد أن خرج ما اشتراه" الجمع بين اللفظين موحش، فالوجه أن تطرح لفظة "ما اشتراه".

فرع

إذا اشترى الوكيل شراءً فاسداً وقبض وتلف المبيع، إما في يده، أو بعد تسليمه إلى الموكل فلمالك مطالبته بالضمان، ثم هو يرجع على الموكل، ولو أرسل رسولاً ليستقرض له فاستقرض، فهو وكيل كوكيل، وفي مطالبته المشتري ما في مطالبة وكيل المشترى بالثمن، والظاهر أنه يطالب، ثم إذا غرم رجع على الموكل.
قال الغزالي: الحُكْمُ الثَّاِلثُ: للوَكَاَلةِ الجَوَازُ مِنَ الجَاِنبَيْن فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِ المُوَكّل إيَّاهُ فيِ حَضْرَتِهِ، وَكَذَا فيِ غَيْبَتِهِ (ح) قَبْلَ بُلُوغِ الخَبَرِ فيِ أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، كَمَا يَنْعَزِلُ بِبيعِ المُوكَلِّ وَإِعْتَاقِهِ، وَيَنْعَزِلُ بَعْزلِ نَفْسِهِ، وَبَردَّهِ الوَكَالَةَ، وَجُحُودُهُ مَعَ العِلْم رَدٌّ لَهَا، وَمَعَ الجَهْلِ أَوْ لِغَرضَ فيِ الإِخْفَاءِ لَيْسَ بَرِدٍّ، وَينْعزِلُ بِخُرُوجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرّفُ كَالَموْتِ والجُنُونِ، وَكَذَا الإغْمَاءُ عَلَى الأَظْهَرِ، وَفيِ انْعِزَالِ العِبْدِ بِالَعتْقِ وَالكتَابَةِ وَالَبَيْعِ خِلاَفٌ، لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الإسْتِخْدامِ، وَالأَمْرُ فيِ حَقِّهِ مِنَزَّلٌ عَلَى الخِدْمَةِ.
قال الرافعي: الوكالة جائزة من جانب الموكل والوكيل جميعاً؛ لأنها إذن وإنابة، وقد يبدو للموكل في الأمر الذي أناب فيه، أو في نيابة ذلك الشخص، وقد لا يتفرغ له الوكيل، فالإلزام يصير بهما جميعاً، ولارتفاعهما أسباب.
فمنها: أن يعزله الموكل في حضرته، إما بلفظ العزل، أو بأن يقول: رفعت الوكالة أو فسختها وأبطلتها، أو أخرجته عنها فينعزل سواء ابتدأ بالتوكيل، أو وكل بمسألة الخصم، كما إذا سألت المرأة زوجها أن يوكل بالطلاق، أو الخلع، أو المرتهن1

الراهن أن يوكل ببيع الرَّهْن، أو الخصم الخصم أن يوكل في الخصومة، ففعل المسؤول التوكيل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا كان التوكيل بمسألة الخصم لم ينعزل، وإن عزله في غيبته، ففي انعزاله قبل بلوغ الخبر إليه قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا ينعزل، كما أن القاضي لا ينعزل ما لم يبلغه الخبر، وحكم الفسخ لا يلزم المكلفين قبل بلوغ الخبر، ولأن تنفيذ العزل قبل بلوغ الخبر إليه يسقط الثقة بتصرفه.
وأصحهما: الإنعزالِ؛ لأنه رفع عقد لا يحتاج فيه إلى الرضا، فلا يحتاج إلى العلم كالطلاق، ولأنه لو جن الموكل إنعزل الوكيل، وإن لم يبلغه الخبر، وكذا لو وكله ببيع عبد، أو إعتاقه، ثم باعه الموكل، أو أعتقه نفذ تصرفه، وانعزل الوكيل، وإن لم يشعر بالحال ضمناً لنفوذ تصرنه وإذا لم يعتبر بلوغ الخبر في العزل الضمني، ففي صريح العزل أولى.
وأما انعزال القاضي، فمنهم من طرد الخلاف فيه، وعلى التسليم، وهو الظاهر، فالفرق تعلق المصالح الكلية بعمله.
وأما الفسخ، فلا فرق بينه وبين ما نحن فيه؛ لأن حكم الفسخ، إما إيجاب امتثال الأمر الثاني، وإما إخراج الأول عن الاعتداد به، فيما يرجع إلى الإيجاب والإلزام، ولا يثبت قبل العلم لاستحالة التكليف بغير المعلوم، وهذا النوع لا يثبت في الوكالة أصلاً ورأساً؛ لأن أمر الموكل غير واجب الامتثال.
وأما النوع الثاني، فهو ثابت هناك أيضاً قبل العلم حتى يلزمه القضاء، ولا تبرأ ذمته بالأول.
وعن أحْمَدَ روايتان كالقولين.
وعن أصحاب مالك اختلاف في المسألة.
فإن قلنا: لا ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه، فالمعتبر أخبار مَنْ تُقْبَلُ روايته، دون الصبي والفاسق.
وإذا قلنا بالانعزال أن يشهد الموكل على العزل؛ لأن قوله بعد تصرف الوكيل: كنت قد عزلته غير مقبول.
ومنها: إذا قال الوكيل: عزلت نفسى أو أخرجتها عن الوكالة أو رددت الوكالة انعزل.
وقال بعض المتأخرين: إن كانت صيغة التوكيل "بع" أو "أعتق" ونحوهما من صيغ الأمر لم ينعزل برد الوكالة، وعزله نفسه؛ لأن ذلك إذن وإباحة، فأشبه ما إذا أباح الطعام لغيره لا يرتد برد المباح له.
وقد أورد الإمام -رحمه الله تعالى- هذا الكلام على سبيل الاحتمال، ولا يشترط

في انعزال الوكيل بعزله نفسه حضور الموكل، خلافاً لأبي حنيفة.
ومنها: ينعزل الوكيل بخروجه، أو خروج الموكل عن أهليّة تملك التصرفات بالموت، أو بالجنون، وفي الجنون الذي يطرأُ أَو يزول عن قرب حكاية تردد عن صاحب "التقريب"، وضبط الإمام موضع التردد، بألاَّ يكون امتداده، بحيث تعطل المهمات ويحوج إلى نصب قوام، فليلتحق حينئذ بالإغماء، وفي الإغماء وجهان: أظهرهما: وبه قال في الكتاب: أنه كالجنون في اقتضاء الانعزال.
والثاني: وهو الأظهر عند الإمام -رحمه الله تعالى- وبه قال في "الوسيط": أنه لا يقتضي الانعزال، واحتج له بأن المغمى عليه لا يلتحق بمن تولى عليه، والمعتبر في الانعزال التحاق الوكيل، أو الموكل بمن يولى عليه، وفي معنى الجنون الحجر بالسفه، أو الفلس في كل تصرف لا ينفذ من السفيه والمفلس، وكذا لو طرأ الرِّقُّ بأن وَكَّلَ حربياً فاسترق.
ومنها: خروج محل التصرف عن ملك الموكل 1، كما إذا باع العبد الذي وكله ببيعه، وقد مر ذلك وإن وكَّلَهُ ببيع شيء آخر، ثم أجره.
قال في "التتمة": ينعزل الوكيل, لأن الإجارة إن منعت البيع لم يبق مالكاً للتصرف، وإن لم تمنعه، فهو علامة الندم؛ لأن من يريد البيع لا يؤاجر لقّلة الرغبات بسبب الإجارة، وكذا تزويج الجارية، وفي طحن الحِنْطَةِ الموكل ببيعها وجهان: وجه اقتضائه الانعزال بطلان اسم الحِنْطةِ وإشعاره بالإمساك، والعرض على البيع، وتوكيل وكيل آخر لا يقتضي الانعزال.
ومنها: لو وكل السيد عبده ببيع أو تصرف آخر، ثم أعتقه أو باعه، ففي انعزاله وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ مبنيان على أنه توكيل محقق، أو استخدام وأمر: إن قلنا بالأول ففي الإذن بحاله؛ لأنه صار أكمل حالاً مما كان.
وإن قلنا بالثاني ارتفع الإذن لزوال الملك، وعلى الثاني فلو قال العبد عزلت نفسي، فهو لغو.
وفصّل بعضهم، وقال: إنْ كانت الصيغة: وكلتك بكذا، بقي الإذن وإن أمره به ارتفع الإذن بالعتق، والبيع، وإن حكمنا ببقاء الإذن في صورة البيع، فعليه استئذان المشتري؛ لأن منافعه صارت مستحقة له، والكتابة كالبيع والإعتاق في جريان الوجهين،

ولو وكل عبد غيره بإذن المالك للعبد، فباعه مالكه، ففي ارتفاع الوكالة وجهان أيضاً.
وجه الارتفاع بطلان إذنه ملكه، وعلى الثاني يلزمه استئذان المشتري، ولو لم يستأذن في الصورتين بعد تصرفه لدوام الإذن، نفذ وإن ترك واجباً.
قال الإمام رحمه الله تعالى: وفيه احتمال 1. بقي علينا مما في متن الكتاب مسألة غفلنا عنها إلى الآن، وهي أن الوكيل لو جحد الوكالة، وأنكرها هل يكون ذلك رداً للوكالة؟ روى في "الوسيط" فيها أوجها: أصحها، وهو المذكور في الكتاب: أنه إن كان لنسيان، أو غرض في الإخفاء لم يكن رداً وإن تعمد ولا غرض من الإخفاء فهو رد، ولم أعثر على المسألة في "النهاية"، ولكنه أورد قريباً من هذه الأَوجه في إنكار الموكل التوكيل هل يكون عزلاً أوْ لاَ 2. اعلم أن قولنا: إن الجواز من أحكام الوكالة يراد به الوكالة الخالية عن الجُعْل، فأما إذا شرط فيها جُعْلاً معلوماً، واجتمع شرائط الإجارة، وعقد العقد بصيغة الإجارة، فهو لازم، وإِن عقد بصيغة الوكالة، فيمكن تخريجه على أن الاعتبار بصيغ العقود أو بمعانيها، هذا شرح مسائل الكتاب، وبختمه بصور نوردها على الاختصار: لو وكل رجلاً بالبيع، فباع ورد عليه المبيع بعيب، أو أمره بشرط الخيار، فشرط ففسخ البيع لم يكن له بيعه ثانياً، خلافاً لأبي حنيفة رحمة الله تعالى، ولو قال: بيع نصيبي من كذا، أو أقسم مع شركائي، أو خذ بالشفعة، فأنكر الخَصْمُ ملكه، هل له الإثبات؟ يخرج على الوجهين في أن الوكيل بالاستيفاء، هل يثبت؟ ولو قال: بع واشترط الخيار، فباع مطلقاً لم يصح، ولو أمره بالبيع، وأطلق لم يكن للوكيل شرط الخيار للمشتري، وكذا ليس للوكيل بالشراء شرط الخيار للبائع، وفي شرطهما الخيار لنفسهما، أو للموكل وجهان 3، فإن إطلاق العقد يقتضي عقداً بلا

شرط، ولو أمره بشراء عبد، أو بيع عبد لم يكن له أن يعقد على بعضه لضرر التبعيض، ولو فرضت فيه غبطة، كما إذا أمره بشراء عبد بألف فاشترى نصفه بأربعمائة، ثم نصفه الآخر بأربعمائة، فكذلك، ولا ينقلب الكل إليه بعد انصراف العقد عنه، وفيه وجه ضعيف، ولو قال؛ اشتراه بهذا الثوب، فاشتراه بنصف الثوب صح؛ لأنه إذا رضي بزوال كل الثوب في مقابلته، فهو بزوال بعضه أشد رضا, ولو قال: بيع هؤلاء العبيد، واشْتَرِ لي خمسة أَعْبُدٍ، ووصفهم، فله الجمع والتفريق، إذ لا ضرر ولو قال: اشترهم صفقة واحدة لم يفرّق، ولو فرق لم يصح للموكل، ولو اشترى خمسة من مالكين لأحدهما ثلاثة، وللآخر اثنان دفعة واحدة، وصححنا مثل هذا العقد، ففي وقوع شرائهم عن الموكل وجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ يقع حملاً لكلامه على الأمر بتملكهم دفعة واحدة وأظهرهما: المنع؛ لأن إذا تعدد البائع لم تكن الصفة واحدة.
ولو قال؛ بع هؤلاء إلا عبُدَ الثلاثة بألف لم يبع واحداً منهم بما دون الألف لجواز ألاَّ يشتري الباقيان بالباقي من الالف، ولو باعه بألف صح، ثم هل يبيع الآخرين فيه وجهان: أصحهما: نعم، ولو قال: بع من عبيدي من شئت أبقى بعضهم، ولو واحداً.
ولو وكلَّه باستيفاء دينه على زيد، فمات زيد نظر إن قال: وكلتك في طلب حقي من زيد لم يطالب الورثة، وإن قال: بطلب حقي الذي على زيد طالبهم 1. ولو أمره بالبيع نسيئة، فباع لم يلزمه التقاضي بعد حلول الأجل، ولكن عليه بيان المعامل حتى لا يكون مضيعاً لحقه، وكذلك لو قال: ادفع هذا الذهب إلى صائغ فقال: دفعته، فطالبه الآمر ببيانه.
قال القَفَّالُ: عليه البيان، ولو امتنع كان متعدياً 2 حتى إذا بينه من بعد، وكان قد تلف في يد الصائغ يلزمه الضمان.
قال القَفَّالُ: والأصحاب كانوا يقولون: لا يلزمه البيان 3. ولو قال لغيره: بع عبدك من فلان بألف، وأنا أدفعه إليك، فباعه منه.

قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يستحق البائع الألف على الآمر، دون المشتري، فإِذا غرم الآمر رجع على المشتري 1، ولو قال لغيره: اشتر عبد فلان لي بثوبك هذا، أو بدراهمك، ففعل حصل الملك للأمر، ويرجع المأمور عليه بالقيمة، أو المثل.
وفيه وجه: أنه أذا لم يجر شرط الرجوع لا يرجع، ومتى قبض وكيل المشتري المبيع، وغرم الثمن من ماله لم يكن له حبس المبيع ليغرم الموكل له.
وفيه وجه: أن له الحبس، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- بناء على أن الملك يحصل للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل، ولو وكله باستيفاء دينه من زيد، فقال زيد للوكيل: خذ هذه العشرة، وَاقْضِ بها ديني عن فلان، يعني موكله، فأخذها صار وكيل زيد في قضاء دينه حتى يجوز لزيد استردادها ما دامت في يد الوكيل، ولو تلف عنده بقي الدَّين بحاله.
ولو قال زيد: خذها عن الدين الذي تطالبني به لفلان، فأخذها كان قبضاً للموكل، وبرئت ذمة زيد، وليس له الاسترداد، ولو قال: خذها قضاء عن دين فلان، فهذا محتمل للوجهين جميعاً.

ولو تنازع الموكل وزيد، فالقول قول زيد مع يمينه 1. ولو دفع عشرة إلى رجل، وقال: تصدق بها على الفقراء، فتصدق بها، ونوى نفسه لغت نيته، وكانت الصدقة للآمر.
ولو وكل عبداً ليشتري له نفسه، أو مولى آخر من سيده.
ففي وجه: لا يجوز؛ لأن يده يد السيد، فأشبه مالوا وكل إنساناً ليشتري له من نفسه والأظهر الجواز، كما يجوز توكيله في الشراء من غير سيده، وعلى هذا فعن صاحب "التقريب" أنه يجب أن يصرح بذكر الموكل، فيقول: اشتريت نفسي منك لموكلي فلان، وإلا فقوله: اشتريت نفسي -صريح في اقتضاء العتق لا يندفع بمجرد النية.
ولو قال العبد لرجل: اشتر لي نفسي من سيدي، ففعل.
قال صاحب "التقريب": يجوز، ويشترط التصريح بالإضافة إلى العبد، فلو أطلق وقع الشراء للوكيل؛ إذ البائع لا يرضى بعقد يتضمن الإعتاق قبل توفير الثمن.
ولو قال لغيره: أسلم لي في كذا وأدِّ رأس المال من مالك، ثم ارجع عليَّ.
قال ابْنُ سُريْجٍ: يصح، ويكون رأس المال قرضاً على الآمر، وقيل: لا يصح؛ لأن الإقراض لا يتم إلاَّ بالإقباض ولم يوجد من المستقرض قبض 2. وإذا أبرأ وكيل المسلم المسلم إليه لم يلزم إبراؤه الموكل، لكن المسلم إليه لو قال: لا أعرفك وكيلاً، وإنما التزمت لك شيئاً فأبرأتني عنه نفذ في الظاهر، وتعطل بفعله حق المسلم، وفي وجوب الضمان عليه قولاً الغرم بالحيلولة.
والأظهر: وجوبه، لكن لا يغرم مثل المسلم فيه، ولا قيمته كيلا يكون اعتياضاً عن المسلم، وإنما يغرم له رأس المال وحكاه الإمام عن العراقيين، وشهد له الحَسَنُ، ورأيت في "تعليق الشيخ أَبي حَامِدٍ" أنه يغرم للموكل مثل المسلم فيه.
ولو قال: اشتر لي طعاماً بكذا، نص الشَّافعي -رضي الله عنه- أن يحمل على الحنطة اعتباراً بعرفهم.
قال القاضي الروياني: وعلى هذا لو كان "طبوستان" لم يجز التوكيل؛ لأنه لا عرف فيه لهذا اللفظ عندهم، فيكون التوكيل في مجهول.

ولو قال: وكلتك بإبراء غرمائي لم يملك الوكيل إبراء نفسه، فإن كان قد قال: وإن شئت تبرئ نفسك، فافعل، فعلى الخلاف السابق في أنه هل يجوز توكيل المديون بإبراء نفسه؟ ولو قال: فرّق ثلثي مالي على الفقراء، وإن شئت أن تضعه في نفسك، فافعل فعلى الخلاف فيما إذا أذن للوكيل في البيع من نفسه (1) والله اعلم.

البَابُ الثَّالِثُ في النِّزَاعِ

قال الغزالي: وَهُوَ في ثَلاثةِ مَوَاضِعَ: (الأَوَّلُ) في أَصْلِ الإِذْنِ وَصِفَتهِ وَقَدْرِهِ، وَالقَوْلُ فِيِهَ قَوْلُ المُوَكِّلِ، فَإِذَا اشْتَرَى جَارِيةً بِعِشْرِينَ فَقَالَ: مَاَ أَذِنْتُ إِلاَّ في الشِّراءِ بِعَشَرةً وَحَلَفَ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعِيْنِ مَالِ المُوَكِّلِ وَصَدّقَهُ البَائِعُ في أَنَّهُ وَكِيلٌ فَالَبَيْعُ بَاطِلٌ وَغَرَمَ الوَكِيلُ العِشْرِينَ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ في الذِّمَّةِ واعْتَرَفَ البَائِعُ بالوِكَاَلَةِ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أَنْكَرَ البَائِعُ الوكالة لَمْ يَقْبَلْ، فَإنْ أَنْكَرَ الَوكَاَلَةَ وَبَقَيِتِ الجَارِيةُ في يَدِ الوَكِيلِ فَلْيَتَلطَّفِ الحَاكِمُ بِالمُوَكِّلِ حَتى يَقُولَ لِلوكَيِلِ: بعْتُكَ بِعِشْرِيِنَ، فَإنْ قَالَ: إنْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكَ فَقَدْ بِعْتُكَ بَعِشْرِينَ صَحَّ عَلَىَ النَّصِّ، فَإِنِ امْتَنِعَ وَالوَكِيلُ صَادِقٌ في البَاطِنِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لاَ تَحِلُّ لَهُ وَلاَ يَمْلِكُهَا، وَلكَنْ لَهُ بَيْعُهَا وَأَخْذُ العِشْرِينَ من ثَمَنِهَا لأَنَّهُ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهَ، وِمَنْ لَه الحَقُّ لاَ يَدَّعِي عَيْنَ المَالِ فَيُقْطَعُ بَجَوازِ أَخْذِهِ.
قال الرافعي: الاختلاف في الوِكَالَةِ:1

منها: أصل العقد، فهذا قال: وكلتني في كذا، فأنكر، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن، ولو توافقا على أصل العقد، واختلفا في بعض الكيفيات، أو المقادير، كما إذا قال: وكلتني بيع كله، أو بيعه نسيئه، أو بشرائه بعشرين وقال الموكل: لا بل، بيع بعضه، أو بيعه نقداً أو بشرائه بعشرة، فالقول قول الموكل أيضاً؛ لأن الأصل عدم الإذن فيما يدعيه الوكيل، والموكل أعرف بحال الإذن الصادر منه، ولأنه لما كان القول في أصل العقد قوله، وجب أن يكون في الصفة والمقدار كذلك، كما أن الزوجين إذا اخلتفا في عدد الطلاق كان القول فيه قول الزوج؛ لأنهما لو اختلفا في أصله كان القول فيه قوله، وفرقوا بينه وبين ما إذاَ قطع الخياط ثوب غيره قباء وقال: كذلك أمرتنى، وقال المالك: بل أمرتك أن تقطعه قميصاً، حيث كان القول قول الخياط على قول، مع أنهما لو اخلتفا في أصل الإذن كان القول قول المالك، بأن المالك هناك يريد إلزام الخياط الأرش، والأصل عدمه وهاهنا الموكل لا يلزم الوكيل غرامة، وإن لزمه الثمن، وإنما يلزمه بحكم إطلاق البيع على ما سيأتي.
إذا تقرر ذلك، فلو وكله بشراء جارية، فاشتراها الوكيل بعشرين، وزعم أن الموكل أذن فيه، وقال الموكل: ما أذنت إلا في الشراء بعشرة، وحلفناه فحلف، فينظر في الشراء أكان بعين مال الموكل أم في الذمة؟ إن كان بعين مال الموكل، فإن ذكر في العقد أن المال لفلان والشراء له، فهو باطل؛ لأن المال في يده لم يتعلق به حق الغير قبل الشراء، فيقبل إقراره فيه، وحينئذ يكون العقد واقعاً بمال الغير وقد ثبت بيمين مَنْ له المال أنه لم يأذن في الشراء الذي باشره الوكيل، فيلغو، فإن لم يذكره في العقد وقال بعد الشراء: إني اشتريت له، فإن صدقه البائع، فالعقد باطل أيضاً، وإذا أبطل الشراء كانت الجارية باقية على ملك البائع، وعليه رد ما أخذه، وإن كذبه البائع، وقال: إنما اشتريت لنفسك، والمال لك حلف على نفي العلم بالوكالة، وحكم بصحة الشراء للوكيل في الظاهر، وسلم الثمن المعين إلى البائع، وغرم الوكيل مثله للموكل.
وإن كان الشراء في الذمة، نظر إن لم يسم الموكل، ولكن نواه كانت الجارية للوكيل، والشراء له ظاهراً، وإن سماه، فإن صدقه البائع بطل الشراء، لاتفاقهما على كونه للغير، وثبوت كونه بغير إذنه بيمينه وإن كذبه البائع، وقال: أنت مبطل في تسميته، فيلزم الشراء الوكيل، ويكون كما لو اقتصر على النية، أو يبطل الشراء من أصله؟ فيه وجهان، سبق ذكرهما في أخوات هذه الصورة: والأظهر: وبه قال أبو إسْحَاقَ: صحته ووقوعه للوكيل ظاهراً، وحيث صححنا الشراء، وجعلنا الجارية للوكيل، وزعمه أنها للموكل قال المُزَنِيّ عن الشَّافعي -رضي الله عنه-: يستحب في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالموكل فيقول له: إن كنت أمرته أن

يشتريها بعشرين، فقل: بعته إياها بعشرين، ويقول الآخر: قد قبلت، فيحل له الفرج.
قال الأئمة: إن أطلق الموكل، وقال: بعتكها بعشرين، وقال الوكيل: اشتريت صارت الجارية له ظاهراً وباطناً وإن علق، كما ذكره المزني ففيه وجهان: أحدهما لا يصح البيع للتعليق، والتعليق مما حكاه المُزَنِيُّ من كلام الحاكم لا من الموكل.
وأصحهما: الصحة؛ لأنه لا يتمكن من البيع إلاَّ بهذا الشرط، فلا يضر التعرض له، كما لو قال: هذا زكاة مالي الغائب، إن كان سالماً يجزئه؛ لأنه إنما يقع زكاة عن الغائب بهذا الشرط، وسواء أطلق البيع، أو علق فلا يجعل ذلك إقراراً بما قاله الوكيل، وتكذيباً لنفسه، وإن امتنع الموكل من الإجابة، أو لم يرفق الحاكم به، نظر إن كان الوكيل كاذباً لم يحل له وطؤها, ولا التصرف فيها بالبيع وغيره، وإن كان الشراء بعين مال الموكل, لأن الجارية حينئذ تكون للبائع، وإن كان الشراء في الذمة ثبت الحل لوقوع الشراء عن الوكيل ضرورة كونه مخالفاً للموكل.
وذكره في "التتمة" أنه إذا كان كاذباً والشراء بمال الموكل، فللوكيل بيعها، إما بنفسه، أو بالحاكم؛ لأن البائع حينئذ يكون أخذ مال الموكل لا عن استحقاق، وقد غرم الوكيل للموكل، فله أن يقول للبائع: رد مال الموكل، أو أغرمه إن كان تالفاً، لكنه قد تعذر ذلك بسبب اليمين، فله أخذ حقه من الجارية التي هي ماله، ولو كان الوكيل صادقاً، ففيه أوجه: أحدها: ويحكى عن الاِصْطَخْرِيِّ أنها تكون للوكيل ظاهراً وباطناً حتى يحل له الوطء، وكل تصرف، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله بناء على أن الملك يثبت للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل، فإذا تعذر نقله منه بقي على ملكه.
ومنهم من خص هذا الوجه بما إذا كان الشراء في الذمة، ولم يطرده في الحالين، وإليه مال الإمام رحمه الله تعالى.
وثانيها: أنه إن ترك الوكيل مخاصمة الموكل، فالجارية له ظاهراً وباطناً، وكأنه كذب نفسه، وإلاَّ فلا.
وثالثها، وهو الأصح: أنه لا يملكها باطناً بل هي للموكل، وللوكيل الثمن عليه، فهو كمن له على رجل دين لم يؤده فظفر بغير جنس حقه من ماله، فيجيء الخلاف أنه هل له بيعه وأخذ الحق من ثمنه؟.
والأصح: أن له ذلك، ثم يباشر البيع بنفسه، أو يرفع الأمر إلى القاضي حتى يبيعه؟ فيه وجهان:

الأصح: هاهنا أن له بيعها بنفسه؛ لأن القاضي لا يجيبه إلى البيع.
ولأن المظفور بما له في سائر الصور يدعي المال لنفسه، وتسلط غيره عليه قد يستبعد وهاهنا الموكل لا يدعي المال لنفسه.
وإذا قلنا: إنه ليس له أن يأخذ الحق من ثمنها، فتوقف في يده حتى يظهر مالكها، أو يأخذها القاضي، ويحفظها فيه وجهان نذكرها في نظائره.
ولو اشترى جارية، فقال له الموكل: ما وكلتك بشرائها، وإنما وكلتك بشراء غيرها، وحلف عليه بقيت الجارية المشتراة في يد الموكل، ويتلطف كما مر.
قوله في أول إلباب: "القول فيه قول الموكل" إطلاق لفظ الموكل على المشتري في الصورتين بالخلاف في صفة الإذن، أو قدره قويم حسن، لكنه في صورة الاختلاف في أصل الإذن غير مستحق، وكيف نحن نصدقه بأنه غير موكل.
قوله: "صح على النص" المراد منه ما حكيناه من كلام المُزَنِيِّ وهو ظاهر في تصحيح البيع يأبى عن قبول التأويل المذكور.
وقوله: "ولكن له بيعها وأخد العشرين من ثمنها" معلّم -بالواو- لما مر.
وقوله: "لا يملكها" بالحاء.
وقوله: "لأنه ظفر بغير جنس حقه" -إشارة إلى ما ذكرنا من أن الظافر هاهنا أولى بالتمكن.

فرع

لو باع الوكيل بالبيع نسيئة، وقال: كنت مأذوناً فيه، وقال الموكل: ما أذنت لك إلاَّ في بيعه نقداً، فالقول قول الموكل كما مر، ثم لا يخلو إما أن ينكر المشتري الوكالة، أو يعترف بها.
الحالة الأولى: أن ينكر الوكالة، أو يقول: إنما عرفت البائع مالكاً، فالموكل يحتاج إلى البينة، فإن لم تكن بينة، فالقول قول المشتري على نفي العلم بالوكالة، فإن حلف قرر المبيع في يده، وإلا ردت على الموكل؛ فإن حلف حكم ببطلان البيع، وإلاَّ فهو كما لو حلف المشتري، ونكل الموكل عن يمين الرد في خصومة المشتري لا يمنعه من الحلف على التوكيل، فإذا حلف عليه، فله أن يغرم الوكيل قيمة المبيع، أو مثله إن كان مثليًّا، والوكيل لا يطالب المشتري بشيء حتى يحل الأجل، مؤاخذة له بموجب تصرفه، فإذا حل نظر إن رجع عن قوله الأول، فصدقه الموكل، فلا يأخذ من المشتري إلا أقل الأمرين من الثمن، أو القيمة؛ لأنه إن كان الثمن أقل، فهو موجب عقده وتصرفه، فلا يقبل رجوعه فيما يلزم زيادة على الغير، وإن كانت القيمة أقل، فهو الذي غرمها، فلا يرجع إلاَّ بما غرم؛ لأنه قد اعترف آخراً بفساد العقد، فإذا لم يرجع وأصر

على قوله الأول، فيطالبه بالثمن بتمامه، وإن كان مثل القيمة، أو أقل، فذالك وإن كان أكثر، فالزيادة في يده للموكل ينكرها، فيحفظها، أو يلزم دفعها إلى القاضي فيه خلاف مذكور في موضعه، وسأل الإمام نفسه هاهنا، وقال: إذا أنكر الموكل التوكيل بالبيع نسيئةً كان ذلك عزلاً للوكيل على رأى، فكيف يملك التوكيل بعد استيفاء الثمن؟ وأجاب عنه بأنه إنما استوفى الثمن؛ لأن الموكل ظلمه بتغريمه في زعمه واعتقاده، والثمن على المشتري ملكه، فإن كان من جنس حقه، فقد ظفر بجنس حقه من مال من ظلمه، وإن كان من غير الجنس، فيأخذه أيضاً، ولا يخرج على القولين بالظفر بغير جنس الحق في غير هذه الصورة, لأن المالك يدعيه لنفسه، ويمنع الغير عنه، والموكل لا يدعي الثمن هاهنا، وأول مصرف يقرض له التسليم إلى الغارم الوكيل، وهذا ما أراد صاحب الكتاب بقوله في مسألة الجارية، فيقطع بجواز أخذه، والمذهب المشهور تخريجه على الخلاف في ذلك الأصل، على ما مر، ولك أن تعلّم قوله: "ويقطع بجواز أخذ" بالواو وعليك أن تعلم أن الظاهر خلافه.
الحالة الثانية: أن يعترف المشتري بالوكالة، إن صدقه الموكل، فالبيع باطل، وعليه رد المبيع إن كان باقياً، وإن تلف، فالموكل بالخيار إن شاء غرم الوكيل لتعديه، وإن شاء غرم المشترى لتفرغ يده على يد مضمونه، وقرار الضمان على المشتري لحصول الضمان في يده.
نعم يرجع بالثمن الذي دفعه إلى الوكيل لخروج المبيع مستحقّاً، وإن صدق الوكيل، فالقول قول الموكل، فإن حلف أخذ العين، وإن نكل حلف المشتري، وبقيت له.
قال الغزالي: (الثَّاني) في المَأْذُون فَإذَا قَالَ: تَصَرَّفْتُ كَماَ أَذِنْتَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ فَقَالَ المُوَكِّلُ بَعْدُ لَمْ تَتَصَرَّفْ فَقَولاَنِ: (أَحَدهُمُاَ): القَوْلُ قَوْلُ الوَكِيلِ؛ لأَنَّهُ أَمِينٌ وَقَادِرٌ عَلىَ الإِنْشَاءِ وَالتَّصَرُّفِ إلَيْهِ (وَالآخَرُ): لا فَإنَّهُ إِقْراَرٌ عَلىَ المُوَكِّلِ مُلْزمٌ والأَصْلُ عَدَمُهُ، وَأَمَّا إِذَا ادَّعَى تَلَفَ المَاَلُ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ لأَنَّهُ يَبْقى دَفْعُ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَا اِذا ادَّعَي رَدَّ المَالَ سَوَاءٌ كَانَ بِجُعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جُعْلٍ، وَذَكَرَ العِرَاقِيُّونَ في تَصْدِيِقِ الوَكِيلِ بِالجُعْلِ وَجْهيَنْ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: الأولى: إذا وكله ببيع، أو هبة، أو صلح، أو طلاق، أو إعتاق، أو إبراء، فقال الوكيل: تصرفت كما أذنت، وقال الموكل: لم تتصرف بعد، نظر إن جرى هذا الخلاف بعد انعزال الوكيل لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه غير مالك للتصرف حينئذ، وإن وقع قبله قولان:

أحدهما: أنه يصدق الوكيل بيمينه؛ لأنه ائتمنه، فعليه تصديقه، ولأنه مالك لإنشاء التصرف، ومن يملك الإنشاء يقبل إقراره كالولي المجبر إذا أقر بنكاح موليته، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- إلاَّ في النكاح إذا اختلف فيه الوكيل والموكل، فالقول قول الموكل.
والثاني: أن القول قول الموكل؛ لأن الأصل العدم، ولأن الوكيل مقر عليه بزوال الملك عن السلعة، فوجب إلاَّ يقبل، بخلاف ما إذا ادعى، الرد أو التلف، فإنه يبغي دفع الضمان عن نفسه، لا إلزام الموكل شيئاً، وما الأصح من القولين؟ وما كيفيتهما.
أما الأول: فكلام أكثر الأصحاب ترجيح تصديق قول الموكل، وهو اختيار ابن الحَدَّادِ 1 ورجحه الشيخ أبُو عِليٍّ من جهة القياس.
وأما الثاني: فإن قول تصديق الموكل منقول عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه- في مواضع، واختلف الناقلون القول الآخر، فذكر الرُّوَيانِيُّ وغيره أنه منصوص عليه في "الرَّهْن الكبير".
قال الشيخ أبُو عَليٍّ إنه مخرج خرجه ابْنُ سُرَيْجٍ على هذه الطريقة، وربما أبدلوا لفظ القولين بالوجهين.
وفي المسألة وجه ثالث، وهو أن ما يستقل به الوكيل، كالطلاق والإعتاق، والإبراء يقبل فيه قوله مع يمينه، وما لا يستقل كالبيع، لا بد فيه من البينة، ولو صدق الموكل في البيع ونحوه، ولكن قال: كنت عزلتك قبل التصرف، وقال الوكيل: بل كان العزل بعد التصرف، فهو كما لو قال الزوج: راجعتك قبل انقضاء العدة، وقالت: انقضت عدتي قبل أن تراجعني، ولو قال الموكل: قد باع الوكيل، وقال الوكيل: لم أبع فإن صدق المشتري الموكل حكم بانتقال الملك إليه، وإلا فالقول قوله.
الثانية: دعوى الوكيل تلف المال مقبول مع يمينه، كما في المودع، وكذا دعواه الرد على اختلاف، ذكرناه في "الرَّهْن" والظاهر القبول أيضاً.
وقد ذكر صاحب الكتاب حكم دعواه الرد مرة في "باب الرَّهْن" إلا أن لفظه في حكايته طريقة العراقيين هناك جواب على أحد وجهيهم، وهو أن الوكيل بالجُعل غير مصدق، وهاهنا نص على الوجهين، كما ذكرناهما في شرح طريقتهم هناك، وقد بينا، ثم إن تسويته بين دعوى التلف والرد في نقل الخلاف على خلاف ما أورده الجمهور، ولفظه هاهنا صالح لما ذكره هناك، ولما هو الحق أن يفصل بين قوله، وكذا إذا ادعى

رب المال عما قبله، وكل من ذكرناه هاهنا، وهناك فيما إذ ادعى الأمين الرد على من ائتمنه، أما إذا ادعى الرد على غيره، فقد ذكره صاحب الكتاب في "الوديعة" وستأتي إن شاء الله تعالى، ومن مسائله دعوى القيم الرد على اليتيم الذي كان يقوم بأمره، وهي مذكورة في هذا الباب من بعد.
ومنها: أن يدعي الوكيل الرد على رسول الملك؛ لاسترداد ما عنده، فلا خلاف في أن الرسول إذا أنكر القبض كان القول قوله مع يمينه، وأما الوكيل فالمذهب أنه لا يلزمه تصديق الوكيل, لأنه يدعي الرد على مَنْ لم يأتمنه، فليقم البينة.
وفي وجه عليه التصديق, لأنه معترف برسالته، ويدِ رسوله يده، فكأنه ادعى الرد عليه.
قال الغزالي: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلَفَ في يَدِي وَكَاَنِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّسِلْيِمِ فَالقَوْلُ قَولُهُ لَأَنَّ المُوكَلَ يُرِيد أَنْ يَجْعَلَهُ خَائِنًا بالتَّسْليِمِ قَبْلَ الاستيفاء، فأَمَّا إِذا كان قَبل التَّسْليِمِ فِالقَوْلُ فِيهِ قَولُ المُوَكِّلِ وَالأَصْلُ بَقَاءُ حقِّهِ.
قال الرافعي: إذا وكل وكيلاً باستيفاء دَيْنٍ له على إنسان، فقال: استوفيته، وأنكر الموكل، نظر إن قال: استوفيته، وهو قائم في يدي، فخذه فعليه أخذه، ولا معنى لهذا الاختلاف ولو قال: وتلف في يدي، فالقول قول الموكل مع يمينه على نفي العلم باستيفاء الوكيل, لأن الأصل بقاء حقه، فلا يقبل قول الوكيل والمديون إلاّ ببينة، هذا ظاهر المذهب وجعله بعضهم على الخلاف المذكور فيما اختلفا في البيع ونحوه، وعلى الأول، فإذا حلف الموكل أخذ حقه ممن كان عليه، ولا رجوع له على الوكيل لاعترافه أنه مظلوم، ولو وكله بالبيع، وقبض الثمن، أو البيع مطلقاً، وقلنا: الوكيل بالبيع يملك قبض الثمن، واتفقا على البيع، واختلفا في قبض الثمن، فقال الوكيل: قبضته، وتلف في يدي، وأنكر الموكل، فهذه مسألة الكتاب، وفي معناها ما إذا قال: قبضته ودفعته إليك، فأنكر الموكل القبض، ففي المصدق منهما طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف المذكور في البيع، وسائر التصرفات.
وأظهرهما: أن هذا الاختلاف إنْ كان قبل تسليم المبيع، فالقول قول الموكل، كما في المسألة السابقة، وإن كان بعد تسليمة، فوجهان: أحدهما: الجواب هكذا؛ لأن الأصل بقاء حقه.
وأصحهما: وبه قال ابْنُ الحَدادِ: أن القول قول الوكيل؛ لأن الموكل ينسبه إلى الخيانة قبل قبض الثمن، ولزوم الضمان، والوكيل ينكر، فأشبه ما إذا للموكل: طالبتك برد الثمن الذي دفعته إليك، أو بثمن المبيع الذي قبضته، فامتنعت مقصراً إلى أن تلف، فقال الوكيل: لم تطالبني، ولم كن مقصراً، فإن القول قوله، وهذا التفصيل فيما إذا أذن

في البيع مطلقاً، أو حالاً، فإن أذن في التسليم قبل قبض الثمن، أو أذن في البيع بثمن مؤجل، وتنازعا في القبض بعد الأجل فهاهنا لا يكون خائناً بالتسليم قبل القبض، والاختلاف كالاختلاف قبل التسليم، فإذا صدق الوكيل، فحلف فهل تبرأ ذمة المشتري؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنا قبلنا قول الوكيل في قبضه الثمن، فاكتفى بموجبه.
والثاني: لا؛ لأن الأصل عدم الأداء، وإنما قبلنا من الوكيل في حقه لائتمانه إياه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، والأول أصح عند الإمام، وعلى الأول، فإذا خلف الوكيل، وبرأنا المشتري، ثم وجد المشتري بالمبيع عيباً، فإن رده على الموكل، وغرم الثمن لم يكن له الرجوع على الوكيل لاعترافه بأن الوكيل لم يأخذ شيئاً، وإن رد على الوكيل، وغرمه لم يرجع على الموكل، والقول قوله مع يمينه في أنه لم يأخذ شيئاً، ولا يلزم من تصديقنا الوكيل في الدفع عن نفسه بثمنه، أن تثبت بها حقّاً على غيره، ولو خرج المبيع مستحقّاً.
قال في "التهذيب": يرجع المشتري بالثمن على الوكيل؛ لأنه دفعه إليه، ولا رجوع له على الموكل لما مر، ولو اتفقا على قبض الوكيل الثمن، فقال الوكيل: دفعته إليك، وقال الموكل: بل هو باقٍ عندك، فهو كما لو اختلفا في رد المال المسلم إليه، والظاهر أن القول قول الوكيل، ولو قال الموكل: قبضت الثمن، فادفعه لي، وقال الوكيل: لم أقبضه بعد، فالقول قول الوكيل مع يمينه، وليس للموكل طلبه 1 الثمن، فهو متعدٍ بفعله وللموكل أن يغرمه قيمة المبيع والله أعلم.
قال الغزالي: "الثَّاَلثُ" إِذا وَكَّلَهُ بقَضَاءِ الدَّيْنِ فَلْيَشْهَدْ فَإِنْ قَصَّرَ ضَمِنَ بِتَرْكِ الإِشْهَادِ، وَكَذا قَيِّمُ اليَتيِمِ لاَ يُصَدَّقُ (و) في دَعْوَى رَدِّ المَالِ، قَالَ الله تَعَالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، وَمَن يُصَدَّقُ في الرَّدِّ إِذَا طُولِبَ بِالرَّدِّ هَلْ لَهُ التَّأخِيرُ بِقَدْرِ الإِشْهِادِ؟ وَجْهِانِ.
قال الرافعي: ذكر في أول الباب أن نزاع الموكل والوكيل في ثلاثة مواضع: وثالثها في "الوسيط": النزاع في القبض، وهو ما سبق في الفصل المتقدّم على هذا الفصل وهاهنا جعل الثالث مما يشرع فيه الآن، وترتيب "الوسيط" أحسن؛ لأن أكثر المسائل من هذا الموضع إلى آخر الباب لا تعلق له بالاختلاف، وفي الفصل ثلاث صور:

إحداها: إذا دفع إليه مالاً، ووكله بقضاء دينه، ثم قال الوكيل: دفعته إلى رب الدَّين وأنكر رب الدين، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه لم يأتمن الوكيل حتى يلزمه تصديقه، والأصل عدم الدفع، فإذا حلف طالب الموكل بحقه، وليس له مطالبة الوكيل، وهل يقبل قول الوكيل على الموكل؟ فيه قولان: أحدهما: نعم خرّجه ابْنُ سُرَيْجٍ، ويحكى عن أَبي حنيفة؛ لأن الموكل قد ائتمنه، فأشبه ما إذا ادعى الرد عليه.
وأصحهما: لا، بل لا بد من البينة, لأنه أمره بالدفع، إلى من لم يأتمنه، فكان من حقه الإشهاد عليه، فعلى الأول يحلف الوكيل، وتنقطع مطالبة المالك عنه، ولا يغنيه تصديق المدفوع إليه عن اليمين، وعلى الأصح ينظر إن ترك الإشهاد على الدفع، فإن دفع بحضور الموكل، فلا رجوع للموكل عليه في أصح الوجهين، وإن دفع في غيبته فله الرجوع، ولا فرق بين أن يصدقه الموكل على الدفع أو لا يصدقه وعن أبي الطَّيب وجه: أنه لا يرجع عند التصديق، وإن اختلفا، فقال الوكيل: دفعت بحضرتك، وأنكر الموكل، فالقول قول الموكل مع يمينه، وإن كان قد أشهد عليه، ولكن مات الشهود، أو جنوا أو غابوا، فلا رجوع، وإن كان قد أشهد شاهداً واحداً، أو فاسقين فيه خلاف، وكل ذلك على ما ذكرنا في رجوع الضامن على الأصيل.
فهذا عرفت ذلك علمت قوله: "ضمن بترك الإشهاد"، وتنزيله على الحالة التي يجب التنزيل عليها, ولو أمره بإيداع ماله، ففي لزوم الإشهاد وجهان مذكوران في "الوديعة".
الثانية: إذا ادعى قيم اليتيم أو الوصي دفع المال إليه بعد البلوغ، فظاهر المذهب أنه لا يقبل قوله، بل يحتاج إلى البينة؛ لأن الأصل عدم الدفع، وهو لم يأتمنه حتى يكلف تصديقه واحتج له أيضاً بأن الله -تعالى- قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمر بالإشهاد، ولو كان قوله مقبولاً لما أمر، لكن يجوز أن يكون الأمر بالإشهاد إرشاداً أو ندباً إلى التورع عن اليمين.
وعن رواية ابن المرزبان وغيره وجه آخر: أنه يقبل قوله مع يمينه, لأنه أمين.
الثالثة: إذا طلب المالك مَنْ في يده المال بالرد، فقال: لا أرد إلا بالإشهاد ينظر إن كان ممن يقبل قوله في الرد، كالمودع والوكيل، ففيه وجهان: أشهرهما: وهو الذي أورده العراقيون: أنه ليس له ذلك؛ لأن قوله في الرد مقبول، فلا حاجة إلى البينة.
والثاني: ويروي عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ رحمه الله: أن له الامتناع كيلا يحتاج إلى اليمين، فإن الأمناء يتحرزون عنها ما أمكنهم.

وفيه وجه ثالث: أنه إن كان التوقف إلى الاشهاد يورث تأخيرًا أو تعويقًا في التسليم لم يكن له الامتناع، وإلًّا فله ذلك، وإن كان ممن لايقبل قوله كالغاصب، فإن كان عليه بينة بالأخذ، فله الامتناع إلى الإشهاد؛ لأنه يحتاج إلى بينة الأداء إن توجهت عليه بينة الأخذ، وإن لم تكن عليه بينة بالأخذ فوجهان: وأصحهما عند صاحب "التهذيب": أن له أن يمتنع إلى الإشهاد؛ لأن قوله في الرد غير مقبول والثاني: المنع؛ لأنه يمكنه أن يقول: ليس عندي شيء، ويحلف عليه، هذا ما أورده المشايخ العراقيون، والمديون في هذا الحكم، كمن لا يقبل قوله في رد الأعيان.
قال الغزالي: وَلِمَنْ عَلَيهِ الحَقُّ (ح وز) أَنْ لاَ يُسْلِم إِلَى وَكِيلِ المُسْتَحِقّ إِلاَ بالإِشْهَادِ وإنِ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ في يَدِه تَرِكَةٌ وَأَقَرَّ لإِنْسَانِ بَأنَّه لاَ وَارِثَ سِوَاهُ لَزِمَهُ (و) التَّسْليمُ، وَلَمْ يجُز لَهُ تكلِيفُهُ شَهَادَةٌ (و) عَلَى أَنْ لاَ وَارِثَ سِوَاهُ، ولَوِ اعْتَرَفَ لِشَخْصٍ بِأنَّهُ اسْتَحَقَّ أَلْفًا, عَنْ جِهَةِ الحِوَالَةِ ولَكِنْ خَافَ إِنْكَارَ المُحِيلِ فَهُوَ كَخَوْفِ إِنْكَارِ المُوكِّل فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: إذا كان له دَيْن في ذمة غيره، أو عين في يد غيره، فأتى ذلك الغير إنسان، وقال: أنا وكيل بقبضة، فله حالتان: إحداهما: أن يصدقه في دعوى الوكالة، فله دفعه إليه، وإذا دفع، ثم ظهر المستحق، وأنكر الوكالة، فالقول قوله مع يمينه، فإذا خلف، فإن كان الحق عينًا أخذها، فإن تلفت فله تغريم من شاء منهما, ولا رجوع للغارم منهما على الآخر؛ لأنه مظلوم بزعمه، والمظلوم بزعمه، والمظلوم لا يؤاخذ إلاَّ من ظالمه.
قال في "التتمة": هذا إذا تلف من غير تفريط منه، فإن تلف بتفريط من القابض، فينظر إن غرم المستحق القابض فلا رجوع، وإن غرم الدافع، فله الرجوع؛ لأن القابض وكيل عنده، والوكيل يضمن بالتفريط، والمستحق ظلمه بأخذ القيمة منه، وماله في ذمة القابض، فيستوفيه بحقه.
وإن كان الحق دينًا، فله مطالبة الدافع بحقه، إذا غرمه.
قال المتولي: إن كان المدفوع باقيًا، فله استرداده، وإن صار ذلك للمستحق في زعمه؛ لأنه ظلمه بتغريمه، وذلك مال له ظفر به، وإن كان تالفًا، فإن فرط فيه غرم، وإلاَّ فلا، وهل للمستحق مطالبة القابض، ينظر إنْ تلف المدفوع عنده فلا؛ لأن المال للدافع بزعمه، وضمانة له، وإن كان باقيًا فوجهان: عن أَبي إِسْحَاقَ أن له مطالبته بتسليمه إليه؛ لأنه إنما دفعه ليدفعه إلى المستحق،

فكأنه انتصب وكيلاً في الدفع من جهته، وبهذا أجاب الشيخ أَبُو حَامِدٍ في "التعليق".
وقال الأكثرون: لا مطالبة؛ لأن الآخذ فضولي بزعمه، والمأخوذ ليس حقًّا له، وإنما هو مال المديون، فلا تعلق للمستحق به.
فإن قلنا بالأول، فأخذه برئ الدافع عن الدين، وهل يلزم من عنده الحق دفعه إليه بالتصديق أم له الامتناع إلى قيام البينة على الوكالة نص أنه لا يلزمه إلاَّ بعد البينة، ونص فيما إذا أقر بِدَيْنٍ أو عَيْنٍ من تركة إنسان أنه مات، ووارثه فلان أنه يلزمه الدفع إليه، ولا يكلف البينة، وللأصحاب طريقان: أحدهما: ونقل عن أَبي إسْحَاقَ: أن المسألتين على قولين في قول يلزم الدفع إلى الوكيل والوارث؛ لأنه اعترف باستحقاقه الأخذ، فلا يجوز له منع الحق عن المستحق.
وفيه قول: لا يلزمه الدفع إلى واحد منهما إلاَّ بالبينة.
في الصورة الأولى، فلاحتمال إنكار الموكل الوكالة.
واما في الثانية: فلاحتمال استناد إقراره بالموت إلى ظن خطأ.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب تقرير النصين، والفرق حصول اليأس بزعمه عن عَودِ الموت، وصيرورة الحق للوارث، وعدم الياس عن إنكار الموكل الوكالة، وبقاء الحق له.
الثانية: ألا يصدقه، فلا يكلف الدفع إليه فإن دفع، ثم حضر الموكل، وحلف على نفي الوكالة، وغرم كان له أن يرجع على القابض ديناً كان أو عينًا: لأنه لم يصرح بتصديقه، وإنما بين الأمر له على ظاهر قوله فإذا تبين خلافه غرم ما غرم.
ولو أنكر الوكالة، أو الحق، وكان الوكيل مأذونًا في إقامة البينة وقلنا: إن الوكيل بالقبض مطلقاً يملك إقامة، البينة، فله أن يقيم البينة، ويأخذ فإن لم تكن بينة، فهل له التحليف ينبني على أنه إذا صدقه، هل يلزمه الدفع إليه؟ إن قلنا: نعم، فله تحليفه، فلعله يصدق إذا عرضت اليمين عليه.
وإن قلنا: لا ينبني على أن النكول ورد اليمين كإقامة البينة من المدعي، أو كالإقرار من المدعى عليه.
إن قلنا بالأول، فله تحليفه طمعًا في أن ينكل، فيحلف الوكيل.
وإن قلنا بالثاني فلا, ولو جاء رجل، وقال لمن عليه الدَّين: أحالني عليك فلان، فصدقه، وقلنا: إذا صدق مدعي الوكالة لا يلزمه الدفع إليه فوجهان.
أحدهما: أنه لا يلزم أيضاً؛ لأنه قد ينكر صاحب الحق، كما ينكر صاحب الوكالة.
وأصحهما: اللزوم لاعترافه بانتقال الحق إليه، كالوارث، وينبني على الوجهين أنه

لو كذبه، ولم تكن بينة هل له تحليفه؟ إن ألزمناه الدفع إليه له تحليفه، وإلا فكما سبق.
ولو قال: مات فلان، وله عندي كذا فهذا وصية، فهو كما لو قال هذا وارثه، ولو قال: مات، وقد أوصى به لهذا الرجل، فهو كما لو قال، أقر بالحوالة، وإذا أوجبنا الدفع إلى الوارث والوصي، أو لم نوجب فدفع، ثم بَانَ أن المالك حي ثُم غرم الدافع، فله الرجوع على المدفوع إليه، بخلاف صورة الوكالة؛ لأنه صدقه على الوكالة، وإنكار صاحب الحق لا يرفع بتصديقه، وصدق الوكيل لاحتمال أنه وكله، ثم جحد، وهل هنا بخلافه؟ والحوالة في ذلك كالوكالة.
وقوله في الكتاب: "ولمن عليه الحق أن لا يسلم إلى وكيل المستحق له إلاَّ بالإشهاد".
كان الأحسن أن يقول: إلى من يدعي الوكالة عن المستحق، ولفظ الإشهاد هاهنا بعيد عما هو المراد إن أراد به البينة؛ لأن المفهوم من الإشهاد ما استعمل اللفظ له في المسائل قبل هذا الفصل، ويمكن أن يراد إشهاد الوكيل على الموكل.
قوله: "وإن اعترف به معلم -بالواو لما نقلناه من طريقة القولين، والحالان عند أبي حنيفة يجب دفع الدين إلى من أقر بوكالته، ولا يجب دفع العين، وفرق بينهما بأنه في الدَّين أقر بثبوت المطالبة لمدعي الوكالة في ماله، وفي العَيْنِ يقر بمال الغير، فلا يلتفت إليه وبالزاي؛ لأن أَبَا إسْحَاقَ الشِّيْرَازِيَّ وغيره حكموا عن المُزَنِيِّ أنه يلزمه تسليم الحق إليه، ولم يفرقوا بين الدَّين والعين.
وقوله في مسألة الوارث: (لزمه التسليم) معلم -بالواو- لما مَرَّ والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوِ ادْعَي عَلَى الوكَيِلِ قَبْضَ الثَّمَنِ فَجَحَدَ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ بَيِّنةٌ بِالقَبْضِ فَادَّعَى تَلفَاً أَوْ رَدّاً قَبْلَ الحُجُودِ لِلْقَبْضِ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ لأَنَّهُ خَاِئنٌ وَلاَ بيتة (و) لأَنَّه لاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَلَوِ ادَّعَى بَعْد الجُحُودِ رَدّاً سُمِعَ الدَّعْوَى (و) وَلاَ يُصَدَّقُ لأَنَّهُ خَاِئنُ، وَلكَنْ تُسْمَعُ البَيِّنَةُ، وَلَوِ ادَّعَى التَّلَفَ صُدِّقِ لِيَبْرَأَ مِنَ العَيْنِ وَلكنَّهُ خَاِئنٌ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ.
قال الرافعي: إذا ادعى على إنسان أنه دفع إليه متاعًا ليبيعه، ويقبض ثمنه وطالبه برده، أو قال: بعته وقبضت الثمن، فسلمه إلى، فأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي بينه على ما ادعاه فادعى المدعى عليه إن كان قد تلف أورده، فينظر في ضيغة جحوده، إن قال: مالك عندي شيء أو لا يلزمني تسليم شيء إليك قبل قوله في الرد والتلف؛ لأنه إذا كان قد تلف أورده كان صادقًا في إنكاره، ولم يكن بين كلاميه، تناقض، وإن أقام عليه بينة سمعت بينته وإن كان صيغة جحوده أنك ما وكلتني، أو ما دفعت إلى شيئاً، أو ما قبضت الثمن، وهذه صورة مسألة الكتاب، فينظر أن ادعى التلف، أو الرد قبل أن يجحد لم يصدق؛ لأنه مناقض لقوله الأول، ولزمه الضمان، وإن أقام بينة على ما ادعاه، فوجهان:

أولهما: أنها تسمع؛ لأنه لو صدقه المدعي لسقط عنه الضمان، فكذلك إذا قامت الحجة عليه، وأيضاً فلما يذكر في "الوديعة".
والثاني، وهو الأظهر عند الإمام، وهو الذي أورده في الكتاب: أنها لا تسمع؛ لأن جحوده الأول كذّب هذه البينة، وعلل في الكتاب عدم سماع البينة بعدم سماع الدعوى ويجيء فيه نحو الإمام، فإنه قال: كل بينة تقام، فإن قيامها يستدعي دعوى من يقيمها، فإن فسدت الدعوى استقلت البينة، وهي غير مسموعة من غير دعوى، لكن من يقول بسماع الدعوى كيف يسلم عدم سماع الدعوى.
إذ الدعوى قد تسمع بمجرد تحليف عدم سماع الدعوى ليس متفقًا عليه حتى يقلل به من أحد الوجهين في البينة؛ فإن من يسمع البينة يسمع الدعوى لا محال، فإذًا الخلاف في سماع البينة، يجري في سماع الدعوى، بل يجوز أن تكون الدعوى مسموعة جزماً مع الخلاف في سماع البينة، إذ الدعوى قد تسمع الخصم لما سبق في "باب الرَّهْن" وقبله وإن ادعى الرد بعد الجحود لم يصدفه لصيروته خائنًا، لكن لو أقام بينه، فالمشهور في هذا الباب أنها تسمع لا غايته أن يكون كما الغاصب في ابتداء الأمر، ومعلوم أنه لو أقام بينة على الرد تسمع، ورأى الإِمام أن يكون سماع بينة على الوجهين السابقين رأى الإمام رحمه الله تعالى أن يكون سماع البينة على الوجهين السابقين لتناقض دعوى الرد والجحود، وهو حسن موافق، لما ذكرناه في "باب الوديعة" وإن ادعى التلف بعد الجحود صدق بيمينه لتنقطع عنه المطالبة برد العين، ولكن يلزمه الضمان لخيانته، وهذا كما إذا ادعى الغاصب التلف والله أعلم.

فرع

لو قال: بع هذا، ثم هذا لزمه رعاية الترتيب كذا قاله القَفَّالُ، ولو جعل للوكيل بالبيع جعلاً، فباع استحقه، وإِن تلف الثمن في يده؛ لأن استحقاقه بالعمل، وقد عمل آخر وإذا ادعى خيانة عليه لم تسمع حتى يتبين القدر الذي خان به، بأن يقول: بعت بعشرة، وما دفعت إليّ إلا خمسة، وإذا وَكَّلَ بقبض دَين أو استرداد وديعة، فقال المديون: أو المودع دفعت، وصدقه الموكل، والوكيل منكر، هل يغرم الدافع بترك الاشهاد؟.
فيه وجهان، كما لو ترك الوكيل بقضاء الدين الأشهاد، ومن قال: أنا وكيل في بيع أو نكاح، وصدقه من يعامله صح العقد، فلو قال الوكيل بعد العقد: لم أكن مأذونًا فيه، لم يلتفت إلى قوله، ولم يحكم يبطلان العقد، وكذا لو صدقه المشتري بحق من يوكل عنه، إِلاَّ أن يقيم المشتري بينة على إقراره، بأنه لم يكن مأذونًا من جهته في ذلك التصرف، والله أعلم.

قال الغزالي:

" كتاب الإقرار وَفِيهِ أَرْبعَةَ أبْوابٍ":

البَابُ الأَوَّل في أَركانه

وَهىَ أَرْبَعَةْ: (الَرُّكْنُ الأَوَّلُ) المِقرُّ وَهوَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُطْلَقٍ وَمَحْجُورٍ، فَالمُطْلَقُ يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ بِكُلِّ ما يُقْدَرُ عَلىَ إِنْشَائه، وَالمَحْجُوُرُ عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَشْخَاصٍ، الصَّبِيُّ وإقْراَرُهُ مَسْلُوبٌ مُطْلَقًا، نَعَمْ لَوِ ادَّعَى أنَّهُ بَلَغَ بِالاحْتِلامِ في وَقْتِ إِمْكاَنِه يُصَدَّقُ إِذْ لاَ يُمْكنُ مَعْرِفَتُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَوِ ادَّعَى البُلوُغَ بِالسِّنِّ طُوِلبَ بالبَيِّنِةِ، وَالمجْنُونُ وِهُوُ مَسْلُوبُ القَوْلِ مُطْلقًا وَالسَّكْرَانُ وَهُوَ مُلْتِحَقٌ بِالمَجْنُوِنِ أَو الصَّاحي؟ فِيِهِ خِلاَفٌ مَشْهُورُ، وَالمُبَذِّرُ والمُفْلِسُ وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُاَ.
قال الرافعي: الإقرار أصله الاثبات من قولك: قَرَّ الشيء يقر وقررته إذا أقر به القرار، ولم يسم ما يسوغ فيه إقرارًا من حيث إنه افتتاح إثبات، ولكن لأنه إخبار عن ثبوت، ووجوب سابق 1. والأصل فيه من حيث الكتاب قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] قال المفسرون: شهادة المرء على نفسه إقراره، وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "قُولُوا الحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُم" 2 وقال -

صلى الله عليه وسلم- لأنيس "أغديا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
1 ولا شك أن في الإقرار مقرًّا ومقرًّا به، وصيغة تترتب عليها المؤاخذة، وهذه الأمور سماها في الكتاب أركانًا له ثم المقر به قد يكون مالاً، وقد يكون غيره، وعلى التقديرين فإما أن يعقب الإقرار بما يرفعه أو لا يعقب، وإذا لم يكن المقر به مالاً قد يكون عقوبة من قصاص أو حد، وقد يكون نسباً، أو غيره، فجعل أبواب الكتاب أربعة.
الأول في الأركان.
والثاني: في الأقارير المجملة.
والثالث: في تعقب الإقرار بما يرفعه.
والرابع: في الإقرار بالنسب، وأما ما عدا النسب، فما يقع في قسم ما عدا المال، فلم يورده قدماء الأصحاب في هذا الباب، فنجري على أمثالهم.
والركن الأول: من الباب الأول المقر، وهو إما مطلق، أو محجور.
أما المطلق وهو المنفك عن أنواع الحجر، فإقراره صحيح.
وقوله: "ينفذ إقراره بكل ما يقدر على إنشائه" 2 كالدخيل في هذا الركن، فإن الكلام فيه في المقر، وهذا لا يضبط المقر به، والضبط ما ينفذ إقرار المقر فيه على أنه يحتاج إلى استثناء صور أقربها بناء على أن الوكيل إذا قال: تصرفت كما أذنت لي، فقال الموكل: لم تتصرف، لم يقبل قول الوكيل، على أحد القولين مع قدرته على الإنشاء، = لنبي -صلى الله عليه وسلم- فوجدت في قائم سيفه رقعة فيها: "صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك" قال ابن الرفعة في "المطلب": ليس فيه إلا الانقطاع إلا أنه يقوى بالآية وفيما قال نظر, لأن في إسناده الحسين بن زيد بن علي، وقد ضعفه ابن المديني وغيره، روى أحمد.
والطبراني.
وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي -صلى الله عليه وسلم- بخصال من الخير -فذكرها- وفيها: وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرًا.

وكذا لو قال: استوفيت ما أمرتني باستيفائه، ونازعه الموكل.
ومنها: أن إنشاء نكاح البنت إلى وليها، فإقراره غير مقبول، ويمكن أن يزاد فيه، فيقال: ينفذ إقرار الإنسان في التصرفات المتعلّقة به التي يستقل بإنشائها أو يقال: ما يقدر على إنشائه ويؤاخذ المقر بموجب الإقرار به، ولا يلزم نفوذه في حق الغير، فتخرج المسائل.
وأما المحجور، فقد ذكرنا في "كتاب الحجر"، أقسامه، فمنها حجر الصبي، وأقاريره لا غية، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، حيث قال: إن كان مميزًا مأذونًا من جهة الولي، صح إقراره، كتصرفاته 1 ولنا قول في صحة تدبيره، ووصيته، فعلى ذلك القول يصح إقراره بهما, ولو ادعى أنه بلغ بالاحتلام، أو ادعت الجارية البلوغ بالحيض في وقت إمكانها، وقد سبق بيانه صدقا، وإن فرض ذلك في خصومة لم يحلفهما؛ لأنه لا يعرف ذلك إلاَّ من جهتهما، فأشبه ما إذا علق العتق على مشيئة الغير فقال: شئت يصدق من غير يمين، وأيضاً فإنهما إن صدقاء، فلا تحليف، وإن كذبا، فكيف يحلفان؟ واعتقاد المكذب أنهما صغيران، قرب الإمام رحمه الله تعالى المسألة من الدائرات الفقهية، فإن في تحليفه تصديق الصبي، وبتصديق الصبي لا يحلف، فإذًا لو حلف لما حلف، هذا ما نقله صاحب الكتاب وشيخه، وبه قال الشيخ أبو زيد، وعلى هذا فإذا بلغ مبلغاً تيقن بلوغه.
قال الإمام رحمه الله تعالى الظاهر أنه لا يحلف أيضاً على أنه كان بالغًا حينئذ؛ لأنا إذا حكمنا بموجب قوله، فقد أنهينا الخصومة نهايتها، فلا عود إلى تحليفه.

وفي "التهذيب" وغيره أنه إذا جاء واحد من الغُزَاةِ يطلب سهم المقاتلة، وذكر أنه احتلم، حلف وأخذ السهم، فإن لم يحلف، فوجهان عن صاحب "التلخيص 1 " تخريجًا أنه لايعطى.
وقال غيره: يعطى؛ لأن الظاهر استحقاقه بحضور الواقعة.
ولو ادعى البلوغ بالسن طولب بالبينة لإمكانها، نعم لو كان غريبًا خامل الذكر، فيلحق بدعوى الاحتلام، أو يطالب بالبينة، لامكانها من جنس 2 المدعي، وينظر في الإثبات لتعذر معرفة التاريخ, كما في صبيان الكفار، فيه ثلاثة احتمالات للإمام رحمه الله تعالى.
والظاهر: الثاني؛ لأنه إذا أمكن إقامة البينة كلف إقامتها, ولم ينظر إلى حال المدعي وعجزه، هذا فقه المسألة 3. ولفظ الكتاب يشعر بأنه عد دعوى الاحتلام إقرارًا، فإن قوله: "نعم لو ادعى أنه بلغ بالاحتلام إقرارًا" كالاستدراك لقوله قبله وإقراره مسلوب مطلقاً، لكن عدها إقرارًا بعيد، فإن المفهوم من الإقرار بالإخبار عن ثبوت حق عليه للغير، ونفس البلوغ ليس كذلك، ولهذا يطالب مدعي البلوغ بالسن بالبينة، واختلفوا في تحليف مدعي البلوغ بالإحتلام، والمقر لا يكلف البينة، ولا اليمين، نعم لو قال: أنا بالغ، فقد اعترف بثبوت الحقوق المَنُوطَةِ بالبلوغ، فهو من هذا الوجه يكون متضمنًا للإقرار، لا أن نفسه إقرار، وبتقدير كونه إقرارًا، فليس ذلك كإقرار الصبي، بأنه إذا قال: أنا بالغ يحكم ببلوغه سابقًا على قوله، فلا يكون إقراره إقرار الصبي، حتى يحتاج إلى الاستدراك.
ومنهما: حجر المجنون، وهو مسلوب القول أيضاً، انشاءًا أو إقرارًا بلا استثناء، والسكران بين الصاحي، والمجنون، فبأيهما يلحق في إقراره وتصرفاته؟.
فيه طرق للأصحاب تبسط في "كتاب الطلاق 4 ".

ومنهما: حجر المبذر وحجر المفلس، وقد بينا حكم إقرارهما في بابيهما.
ويقبل إقرار المفلس المحجور عليه في النكاح، دون السفيه المحجور اعتبارًا للإقرار بالإنشاء.
قال الإِمام رحمه الله تعالى: وإقرار السفيهة بأنها منكوحة فلان، كإقرار الرشيدة، إذ لا أثر للسفه في النكاح من جانب المرأة.
قال: وفيه احتمال من جهة ضعف قولها، وخبل عقلها، والعلم عند الله تعالى عز اسمه.
قال الغزالي: وَالرَّقِيقُ وَإِقْرَارُهُ مَقْبُولٌ بِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ عُقَوَبةَ، وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقةِ مَالٍ وَوَجَبَ عَلَيْهِ القَطْعُ فَفي قَبُولهِ في وُجُوبِ المَالِ قَوُلاَنِ، وَلَوْ أَقَرَّ بإِتْلاَفِ مَالٍ وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ بَل يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ، وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا فَاَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةِ قَبْلُ وَأَدَّى مِنْ كَسْبِهِ، وَلَو لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى مُعَامَلَةٍ بَلْ أَطْلقَ فَفِي القَبُولِ خِلاَفٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الحَجْرِ بِدَيْنٍ أَسْنَدَهُ اِلَى حَالَ الإذْنِ فَالظَّاهِرُ رَدُّهُ لأَنَّهُ في الحَالِ عَاجِزٌ عَنْ إِنْشَائِهِ.
قال الرافعي: أحد المحجورين الرقيق، وإذا أقر إما أن يقر بما يوجب عليه عقوبة، أو بغيره.
أما القسم الأول: كالإقرار بالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، وما يوجب القصاص في النفس، والطرف، فذلك مقبول، ويقام عليه موجب ما أقر به، خلافاً لِأَحْمَدَ وَالمُزَنِيِّ حيث قالا: لا يقبل إقراره على نفسه بالعقوبات؛ لأنه ملك السيد، والإقرار في ملك الغير لا يقبل.
ويروى عن أَحْمَدَ: أنه لا يقبل إقراره بما يوجب القتل، ويقبل بما يوجب سائر العقوبات.
لنا ما روي أَنَّ عَلِيًّا -رضي الله عنه- قطع عبداً بإقراره 1، وأيضاً فإنه لو ظهر الحال بالبينة لأقيمت عليه العقوبات، فإذا ظهر بالإقرار كان أولى؛ لأنه أبعد عن التهمة، فإن كل نفس مجبولة على حب الحياة، والاحتراز عن الآلام.
وإذا أقر بسرقة مال توجب القطع قُبِلَ في القطع وفي قبوله في المال قولان إذا كان المقر بسرقته تالفًا: أحدهما: أنه يقبل ويتعلق الضمان برقبته؛ لأن إقراره لما تضمن عقوبة القطع انقطعت التهمة عنه.

وأصحهما: أنه لا يقبل، كما لو أقر بمال، ويتعلق الضمان بذمته إلَّا أن يصدقَ السيد، فيقبل، وإن كان المقر بسرقته باقيًا، نظر إن كان في يد السيد لم ينزع من يده إلاَّ بتصديقه، كما لو أقر حُرُّ بسرقته، ودفعه إليه، وإن كان في يد العبد، فطريقان عن ابْنِ سُرَيْجٍ أن في انتزاعه القولين في التالف.
فإن قلنا: لا تنزع ثبت بدله في ذمته.
ويروى هذا عن أبي حَنِيْفَةَ رحمه الله تعالى ومالك رحمه الله تعالى ويروى عنهما أنه لا يوجب القطع أيضاً، والحالة هذه.
ومن الأصحاب مَنْ قطع بنفي القبول في المال، كما لو كان في يد السيد؛ لأن يده يد السيد، ويخالف ما لو كان تالفًا؛ لأن غاية ما في الباب ذوات رقبته على السيد، إذا بيع في الضمان، والأعيان التي تفوت عليه لو قبلنا إقراره فيها لا ينضبط، فيعظم ضرر السيد، ومنهم من عكس، وقال: إنْ كان المال باقياً في يد العبد قبل إقراره، بناء على ظاهر اليد، وإن كان تالفًا لم يقبل؛ لأن الضمان حينئذ يتعلّق بالرقبة، وهو محكوم بها للسيد.
وإذا اختصرت قلت في قبول إقراره بالمال أربعة أقوال: يقبل مطلقاً، لا يقبل مطلقاً، يقبل إذا كان المال باقيًا، يقبل إذا كان المال تالفًا، وقد أوردها صاحب الكتاب مجموعة هكذا في السرقة، واقتصر هاهنا على القولين الأولين.
ولو أقر، ثم رجع عن الإقرار كان كما لو أقر بسرقة لا توجب القطع، ولو أقر بالقصاص على نفسه فعفا المستحق على مال، أو عفا مطلقاً، وقلنا: إنه يوجب المال، فوجهان: أصحهما: عند صاحب "التهذيب": أنه يتعلق برقبته، وإن كذبه السيد؛ لأنه إنما إقر بالعقوبة، والمال يؤخذ بالعفو، ولا ينظر احتمال أنه واطأه المستحق على أن يقر، ويعفو المستحق لتفوت الرقبة على السيد؛ لأن هذه التهمة ضعيفة؛ إذ المستحق ربما يموت أو لا يفي، فيكون المقر مخاطرًا بنفسه.
والثاني: أن الجواب هكذا إن قلنا: موجب العمد القصاص.
أما إذا قلنا: موجبه أحد الأمرين، ففي ثبوت المال قولان، بناء على الخلاف في ثبوت المال، إذا أقر بالسرقة الموجبة للقطع، وينسب هذا إلى صاحب "الإفصاح".
وأما القسم الثاني: فإذا أقر بدين خيانة من جهة غَصْبٍ، أو سرقة لا توجب القطع، أو إتلاف هنا فصدقه السيد تعلّق برقبته، كما لو قامت عليه بينه، فيباع فيه إلاَّ أن يختار السيد الفداء، وإذا بيع فيه، وبقي شيء من الدَّين، فهل يتبع به إذا عتق؟

فيه قولان مذكوران في "الجنايات" (1). وإنْ كذبه السيد لم يتعلّق برقبته، ولكن يتعلق بذمته يتبع به إذا عتق، ولا يخرج على الخلاف، فيما إذا بيع في الدَّين، وبقي شيء؛ لأنه إذا ثبت التعلق في الذمة، فكان الحق الحصر فيها، وتعينت محلاًّ للأداء.
وفي "النهاية" أن القياسيين خرجوه على ذلك الخلاف، وقالوا: الفاضل عن قدر الدَّين غير متعلق بالرقبة، كما أن أصل الحق غير متعلّق بها هاهنا.
ولو أقر بدين معاملة، نظر إنْ لم يكن مأذونًا له في التجارة، فلا يقبل إقراره على السيد، ويتعلق المقر به بذمته يتبع به إذا أعتق، ولا فرق فيه بين أن يصدقه السيد، أو يكذبه، وإن كان مأذونًا له في التجارة قبل وأدى من كسبه، وما في يده إلاَّ إذا كان مما لا يتعلق بالتجارة، كالقرض، فلو أطلق المأذون الإقرار بالدَّين، ولم يبين جهته، فينزل على جهة دين المعاملة، أو لا ينزل على ذلك لاحتمال أنه أراد دين الإتلاف فيه وجهان: وأظهرهما: الثاني، ولا فرق في دَيْن الإتلاف بين المَأْذُونِ وغيره، ولو حجر عليه، فأقر بعد الحجر بِدَيْن معاملة أسنده إلى حال الإذن، ففيه وجهان مبنيان على القولين، فيما لو أقر المفلس بدين لزمه قبل الحجر يقبل، هل في مزاحمته الغرماء.
والأظهر: هاهنا المنع لعجزه عن الإنشاء في الحال، وتمكن التهمة.
وإذا عرفت ما ذكرناه لم تخفف عليك المواضع التي ينبغي أن تعلم بعلامات الاختلاف، ورأي الإمام رحمه الله تعالى: أن يخرج وجوب القطع في مسألة الإقرار بالسرقة، إذا لم نقبله في المال على الخلاف فيما إذا أقر الحر بسرقة مال زَيْدٍ، هل يقطع قبل مراجعة زيد؟ وذلك لارتباط كل واحد منهما بالآخر، وعلى هذا يجوز إعلام قوله: "ووجب عليه القطع" بالواو.

فرع

قال في "التتمة": من نصفه حر، ونصفه رقيق إذا أقر بدين جناية لم يقبل فيما يتعلّق بالسيد، إلا أن يصدقه، ويقبل في نصفه، وعليه قضاؤه مما في يده، وإن أقر بدين معاملة، فمتى صححنا تصرفه قبلنا إقراره عليه، وقضيناه مما في يد، ومتى لم نصححه فإقراره كإقرار العبد.1

فرع آخر

إقرار السيد على عبده بما يوجب عقوبته مردود، وبدين الجناية مقبول، إلاَّ أنه إذا بيع فيه 1، وبقي شيء لم يتبع به بعد العتق، إلاَّ أن يصدقه، وكذا إقراره بدين المعامله لا يقبل على العبد 2 والله أعلم.
قال الغزالي: وَالمَرِيِضُ وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ, عَنِ الإقْرَارِ في حَقِّ الأَجَانِبِ، وَفِي حَقِّ الوَارِثِ أيْضَاً عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ وَهَبَ مِنَ الوَارِثِ فِي الصِّحَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ لِعَجزِهِ عَنِ الإِنْشَاءِ فِي الحَالِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرقٍ فَمَاتَ وَأَقَرَّ وَارِثُهُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرَقٍ فَيَتَزَاحَمَانِ، أَوْ يُقَدَّمُ إِقْرَارُ المُوَرِّثِ لِوُقُوعِ إِقْرارِ الوَارِث بَعْدَ الحَجْرِ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنِ مَالِه في المَرَضِ لِشَخْصٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرَقٍ سَلَّمِ العَيْنَ لِلْأَوَّلِ وَلاَ شيء لِلثَّانِي لأنَّهُ مَاتَ مُفْلِسًا، وَإِنْ أَخَّرَ الإِقْرَارَ بِالعَيْنِ فَكَمِثْلٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَّرَ أنه إذا تأخّر يَتَزَاحَمَانِ.
قال الرافعي: ومن المحجورين المريض مرض الموت، وفي إقراره مسألتان إحداهما: يصح إقراره بالنكاح بموجبات العقوبات، وكذا لو أقر بَديْن، أو عين لأجنبي، وفي إقراره للوارث طريقان: أحدهما: أنه على القولين: أحدهما: أنه لا يقبل، وبه قال أَبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله، ولأنه موضع التهمة يقصد حرمان بعض الورثة، فأشبه الوصية للوارث.
وأصحهما: القبول، كما لو أقر الأجنبي وكما لو أقر في حال الصحة، والظاهر أنه لا يقر إلاَّ عن حقيقة، ولا يقصد حرمانًا فإنه انتهى إلى حال يصدق فيها الكاذب ويتوب الفاجر.

والثاني: القطع بالقبول وحمل قول الشَّافعي -رضي الله عنه-، فيمن أجاز الإقرار لوارث أجازه، ومن أبى رده على حكايته مذهب الغير، وهذه الطريقة أصح عند صاحب الكتاب.
والأكثرون رجحوا طريقة القولين ونقلوا عن "الإملاء" نصه على المنع.
وفي "تعليق الشيخ أَبِي حَامِدٍ"، أنه رجع إليها بعد ما كان يقول بطريق القطع بالقبول.
وقال مالك رحمه الله: إن كان المقر منهما لم يقبل إقراره، وإلاَّ قبل، ويجتهد الحاكم فيه، واختاره القاضي الروياني لفساد الزمان.

التفريع

إن قلنا: لا يقبل، فالاعتبار في كونه وراثًا بحال الموت، أم بحال الإقرار؟ قيل: فيه وجهان.
وقيل: قولان: الجديد: أن الاعتبار بحال الموت، كما في الوصية، وهذا لأن المنع من القبول كونه وارثًا، والوراثة تتعلق بحالة الموت، وبهذا قال أبو حنيفة.
والقديم وبه قال مالك رحمه الله أن الاعتبار بحال الإقرار؛ لأن التهمة حينئذ تمكن.
والأول: أظهر في المذهب وأشهر.
وبالثاني: قال أَبُو إِسْحَاقَ، واختاره القاضي الروياني.
فعلى الأول: لو أقر لزوجته، ثم أبانها، أو لأخته، ثم ولد له ابن صَحَّ الإقرار، ولو أقر لأجنبية، ثم نكحها، أو لاخته، وله ابن فمات لم يصح.
وعلى الثاني: الحكم فيهما بالعكس، ولو أقر في المرض بأنه كان قد وهب من وارثه، وأقبض في الصحة، أشار الإمام رحمه الله إلى طريقين.
أحدهما: القطع بالمنع لذكره ما هو عاجز عن إنشائه في الحال.
والثاني: أنه على القولين في الإقرار للوارث، ورجح صاحب الكتاب هاهنا عدم القبول، واختار القاضي الحُسَيْنُ القبول 1؛ لأنه قد يكون صادقًا فيه، فليكن ذلك له طريقًا إلى إيصال الحق إلى المستحق.
ولو أقر لوارثه ولأجنبي معاً، هل يصح في نصفه للأجنبي إذا لم يقبل؟ فيه قولان لابن سُرِيْجٍ، الظاهر الصحة.
المسألة الثانية: أقر في صحته بِدَيْنٍ لإنسان، وفي مرضه بدين لآخر، فهما سواء،

كما لو ثبتا بالبينة، وكما أقرّ بهما في الصحة، أو المرض 1. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقدم ما أقر به في الصحة حتى لو لم يفضل عنه شيء، فلا شيء له.
ولو أقر في صحته، أو مرضه بدين، ثم مات، فأقر وارثه عليه بدين آخر، فوجهان: أحدهما: أنهما سواء يتضاربان في التركة، كما لو ثبت الدَّيْنَانِ بالبينة، وكما لو أقر بهما في حياته، فإن الوارث خليفته وإقراره كإقراره.
2 والثاني: أنه يقدم ما يقر به المورث؛ لأنه بالموت تعلّق بالتركة، فليس للوارث صرف التركة عنه، والوجهان جاريان فيما لو أقر لوراث بِدَيْنٍ عليه، ثم أقر لآخر بدين آخر عليه، وهما مبنيان على أن المحجور عليه بالفلس، إذا أقر بدين أسنده إلى ما قبل الحجر، هل يقبل إقراره في زحمة الغرماء؟ وفيه قولان، والتركة كمال المحجور عليه من حيث إن الورثة ممنوعون من التصرف فيها، وهذا معنى قوله في الكتاب: "لوقوع إقرار الوارث بعد الحجر" وإطلاقه القولين في المسألة خلاف رواية الجمهور، فإنهم جعلوها وجهين، ويمكن تنزيلهما على أنهما مخرجان من مسألة المفلس.
وقوله في تصوير المسألة: "بدين مستغرق" قيد الاستغراق غير محتاج إليه، بل الخلاف ثابت فيما إذا زادت التركة على قدر الدَّين الأول.
ففي وجه يوزع عليهما.
وفي وجه يوفي الأول بتمامه، ويصرف الفاضل إلى الثاني، ولو ثبت عليه دَيْنٌ في حياته بالبينة، ثم مات فأقر وارثه عليه بدين، جرى الخلاف أيضاً، فإذاً ليس من الشرط أن يكون ثبوت الدين الأول بالإقرار وما الأظهر من الخلاف؛ أشار بعضهم إلى ترجيح وجه التقديم.
وقال في "التهذيب" التسوية أصح، وهو موافق لما مر في مسألة المفلس، وإن ثبت عليه دَيْنٌ في حياته، أو موته، ثم ترد بهيمة في بئر كان قد احتقرها في محلّ عدوان، ففي مزاحمة صاحب البهيمة رب الذين القديم ما سبق، فيما إذا جنى المفلس

بعد الحجر عليه، قاله في "التتمة"، وإذا مات، وخلّف ألف درهم، فجاء مدعٍ وادعى أنه أوصى له بثلث ماله، فصدقه الوراث، ثم جاء آخر، وادعى عليه ألف درهم دينًا، فصدقه الوراث قيل يصرف الثلث إلى الوصي لتقدمها.
وقيل: يقدم الدين على الوصية كما هو وضع الشرع فيهما، وهذا يخرج على قولنا بأن إقراري الوارث والموروث يتساويان، ولو صدق مدعي الدَّين أولاً صرف المال إليه على قياس الوجهين جميعًا، ولو صدق المدعيين معًا، فالحكاية عن أكثر أنه يقسم الألف بينهما أرباعًا؛ لأنَّا نحتاج إلى الألف للدَّين، وإلى ثلث الألف للوصيه، فيتزاحم على الألف وثلث الألف، فيخص الوصية بثلث عائل، وهو الربع.
وعن الصيدلاني: أنه تسقط الوصية، ويقدم الدَّين، كما ثبتا بالبينة، وهذا هو الحق سواء قدمنا عند ترتيب الإقرارين الأول منهما، أو سوينا بينهما, ولو أقر المريض بعين ماله لإنسان، ثم أقر بدين لآخر مستغرق، أو غير مستغرق سلمت العين وللمقر له بها, ولا شيء للثاني؛ لأنه مات المقر، ولا يعرف له مال، ولو أقر بالدَّين أولا، ثم أقر بعين ماله فوجهان: أصحهما: أن الحكم، كما في الصورة الأولى؛ لأن الإقرار بالدَّين لا يتضمن حجرًا في العين، ألا ترى أنه تنفذ تصرفاته فيه؟ والثاني: وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: أنهما يتزاحمان؛ لأن لأحد الإقرارين قوة السبق، وللآخر الإضافة إلى العين، فاستويا, ولا يخفى أن التعرض للاستغراق في المسألة اتفاق غير محتاج إليه، والله اعلم.
ويشترط في المقر الاختيار، فإقرار المكره على الإقرار باطل، كسائر تصرفاته 1.

جارٍ التحميل