العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 309-348

إحداها: يشترط في تعليم القُرْآن لِتَصبحَّ صَدَاقاً -شيئان: أحدهما: العِلْمُ بالمَشْرُوطِ تعليمه بأحد طريقين: الأول: بَيْانُ القَدْرِ المُتَعَلَّمِ، بأن يقول: جَمِيعُ القرآن، أو السَّبْعُ الأُوَلُ أو الأُخَرُ، وفي بعض الشروح إِشَارَةٌ إلى وَجْهٍ آخر أنه لا يُشْتَرَطُ تَعْيينُ السبع، ولو عَيَّنَ بالسُّوَرِ والآيات، فعلى ما ذكرنا في الإِجَارَةِ، وبَيَّنَّا هناك الخلاف في أنه هل يشترط أن يَقُولَ بِقِرَاءَةِ نَافِعٍ، وأبي عَمْرو، أو غيرهما، والذي أَجَابَ به القاضي ابْنُ كَجٍّ هاهنا أنه لا يُشْتَرَطُ، قال: ولو شَرَطُ حَرْفَ أبي عمرو عَلَّمَهَا بِحَرْفِهِ، فإن عَلَّمهَا بحرف الكِسَائِيِّ، فيستحقُّ أُجْرَةَ المِثْلِ، أو لا شيء له حكى فيه وجهين، وحكى قولين في أنها بِمَ تَرْجِعُ على الزَّوْج أحدهما بِمَهْرِ المِثْلِ، والثاني بِقَدْرِ التَّفَاوُتِ بين أُجْرَةِ التعليم بالحَرْفِ المشروط، وأُجْرَةِ التَّعْلِيمِ بالحرف الآخَرِ، فإن لم يكن تَفَاوُتٌ، لم يرجع بشيء، ثم قال: ولا مَعْنَى لهذا الاخْتِلاَفِ، بل الوَاجِبُ، أن يقال يُعَلِّمُهَا حَرْفَ أبي عَمْرٍو، وهو مُتَطَوِّعٌ بما علم، ثم العِلْمِ بذلك يُشْتَرَطُ في حَقِّ الزوج والوَلِيِّ، فإن لم يكن لهما، أَو لأحدهما مَعْرِفَةٌ بالقرآن، وسُوَرِهِ، وأَحْزَابهِ، قال أبو الفَرَج الزَّازُ الطريق التَّوْكِيلُ، إلا فيرى المُصْحَفَ، ويقال: تَعَلَّمْ من هذا المَوْضِعِ إلى هذا الَمَوْضِع، ولك أن تقول: ما يَنْبَغِي أن يكون هَذَا طَرِيقاً؛ لأن لا يفيد مَعْرِفَةً بحال ذلك المُشَارِ إليهَ صُعُوبَةً وسهولة 1 مأخذ.
والثاني: تَقْدِيرُهُ بالزّمَانِ؛ بأن يُصْدِقَهَا تَعْلِيمَ القُرْآنِ شَهْراً أو سَنَةً، فيجوز كما لو اسْتَأْجَرَ خَيَّاطاً ليخيط له شَهْراً، وكما يَخيطُ هناك ما شَاءَ المُسْتَأْجر، يعلمها هاهنا المدة المذكررة ما شاءت المرأة، ولو جَمَع بين الطريقين، فقال: عَلَى أن أُعَلِّمَهَا مُدَّة شَهْرٍ سورة البقرة، فهو كما لو قال: اسْتَأجَرْتُكَ لِتَخِيطَ هذا الثَّوْبَ اليَوْمَ، وفيه خلاف تقدم في "الإِجارة".
والثاني: أن يكون المَشْرُوطُ تَعْلِيمُهُ قَدْراً، فيه كُلْفَةٌ، فإن لم يكن فيه كُلْفَةٌ، كما إذا شَرَطَ التَّعْلِيمَ لَحْظَة لَطِيفَةً، أو تعليم قَدْرٍ يَسِيرٍ، وإن كان آيَةً واحدة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] وكقوله: ﴿والفَجْرِ﴾ [الفجر: 1] لم يَصِحَّ الإِصْدَاقُ، وهو كبيع حَبَّةٍ من الحِنْطَةِ.
ولو أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ الفَاتِحَةِ، وهو متعين للتعليم، ففي صِحَّةِ، الصَّدَاقِ، وجهان، كنظيره في الإِجَارَةِ، والأصَحُّ الصِّحَّةُ، ولو نَكَحَهَا على أدَاءِ شهادة لها عنده، أو نَكَحَ كِتَابِيَّةً على أن يُلَقِّنَهَاَ كَلِمَةً الشَّهَادَةِ لم يَجُزْ قاله في "التهذيب"، ثم في إِصْدَاقِ التَّعْلِيمِ صُوَرٌ: إحداها: لو كان الزوج لا يُحْسِنُ ما شرط تعليمه، فإن الْتَزَمَ التَّعْلِيمَ في الذِّمَّةِ

جاز، ويأمر غيره بِتَعْلِيمِهَا، أو يَتَعَلَّمُ ويُعَلِّمُهَا، وإن كان الشِّرْطُ أن يُعَلِّمَهَا بنفسه، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يَصِحُّ الصَّدَاقُ؛ لأنه يمكنه أن يَتَعَلَّمَ ويُعَلِّمَ، فصار كما لو أَصْدَقَهَا أَلْفاً، وهو لا يملك شَيْئاً.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن المَنْفَعَةَ المَعْقُودَ عليها غَيْرُ مَقْدُورٍ على تسليمها، ولو شرط أن يَتَعَلَّمَ، ثم يعلمها لم يَجُزْ أيضاً؛ لأن العَمَلَ مستحقٌّ عليه مُتَعَلِّقٌ بعينه، والأَعْيَانُ لا تقبل التَّأْجِيلَ.
وفي "التتمة" تَفْرِيعاً على الوجه الأول أنها إن أَمْهَلَتْهُ إلى أن يَتَعَلَّمَ فذاك، وإلا فهو مُعْسِرٌ بالصَّدَاقِ، ولو أراد الزَّوْجُ أن يُقِيمَ غيره مَقَامَهُ في تعليم المَشْرُوطِ جاز، إن كان الالْتِزَامُ في الذِّمَّةِ، وإلا لم يَجُزْ، ولو أَرَادَتْ هي أن تُقيمَ غيرها مَقَامَهَا في التَّعَلّمِ، ففي إِجْبَارِ الزوج عليه وجهان: أحدهما: يُجْبَرُ كما لو اسْتَأْجَرَ للرُّكُوبِ، له أن يُرْكِبَ غيره، وهذا أَرْجَحُ عند الإِمام.
وأظهرهما: عند الأكثرين المَنْعُ؛ لتَفَاوُتِ طِبَاع الناس، واخْتِلاَفِهِمْ في التلقُّن سرعة وَبُطئاً، ومنهيم من نَصَبَ الخِلاَف في جَوَازِ الإبْدَالِ مع التَّرَاضِي، فإن فض عَقْدٌ مُجَرِّدٌ، وأُبْدِلَتْ مَنْفَعَةٌ بِمَنْفَعَةٍ جاز لا مَحَالَةَ، كما إذَا اسْتَأْجَرَ داراً أو قَبَضَهَا، ثم اسْتَأْجَرَ بمنفعتها دَابَّةً.
ولو أَصْدَقَهَا تعليم ولدها لم يَصِحَّ الصَّدَاقُ، كما لو شرط الصَّدَاقَ لولدها، وبمثله أَجَابَ صاحب "التهذيب" فيما لو أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ غُلاَمِهَا، واسْتَثْنَى ما إذا وجب عليها تَعْلِيمُ الوَلَدِ، وخِتَانُ العَبْدِ، فشرطته عليه صَدَاقاً، قال: يجوز.
وفي "التتمة" أنه يَجُوزُ أن يُصْدِقَهَا تَعْلِيمُ الغُلاَم، ولا يجوز أن يُصْدِقَهَا تعليم الوَلَدِ، وهذا أَوْلَى.
الثانية: إذا تَعَذَّرَ التَّعْلِيمُ بأن تعلمت المَشْرُوطَ من غيره، أو كانت بَلِيدَةً لا تَتَعَلَّمُ، أو لا تتعلم إلا بتكلُّفٍ، عَظِيمٍ، وكان الوَقْتُ يَذْهَبُ في تعليمها فوق ما يُعْتَادُ، أو ماتت هي أو مات الزَّوْجُ، والشَّرط أن يُعَلِّمَهَا بنفسه، ففي الواجب القولان المذكوران، فيما لو تَلِفَ الصَّدَاقُ قبل القَبْضِ، فعلى الأَصَحِّ يجب مَهْرُ المِثْلِ، وعلى الآخر أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ.
ولو اختلف الزَّوْجَانِ، فقال الزوج: عَلَّمْتُكِ ما الْتَزَمْتُ، وأنكرت، فإن لم تُحْسِنْهُ، فالقول قَوْلُهَا وإن أَحْسَنَتْهُ وقالت: تعلمت من غيرك، فالقول قولها؛ لأن الأَصْلَ بَقَاءُ الصَّدَاقِ، وربما تَعَلَّمَتُ من غيره.
وقوله: "لأنها تَدَّعِي عليه بَدَلَ الصَّدَاقِ، والأصل عَدَمُهُ" فيه وجهان:

أرجحهما: عند ابْنِ الصَّبَّاغِ، والمتولي أولهما، وبناء الوجهين فيما ذكر بعضهم على قول تَعَارُضِ الأَصْلِ والظاهر.
الثالثة: لو أَصْدَقَهَا تعْلِيمَ سُورَةٍ، وعلمها، ثم طَلَّقَهَا، فإن دَخَلَ بها، فَذَاكَ، وإلا رَجَعَ عليها بنِصْفِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ، كما لو أَصْدَقَهَا عَيْناً وأَقْبَضَهَا، فَتَلِقتْ عندها، ثم طلقها قبل الَدخول يرجع إلى نِصْفِ قِيمَةِ العَيْنِ، وإن طَلَّقَهَا قبل أن يُعَلِّمَهَا، فإنها تَسْتَحِق تعليم الكُلِّ، إن جرى الدخول، وتعليم النِّصْفِ، إن لم يجر، وهل يوفي ذلك أم يقال: إنه فات، وتَعَذَّرَ بالطَّلاَقِ؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يوفي بأن يُعَلِّمَهَا من وَرَاءِ حِجابٍ من غير خَلْوَةٍ، ويجوز ذلك، كما يجوز سَمَاعِ الحديث كذلك، وهذا ما أورده صاحب "التتمة".
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، والمنصوص عليه في "المختصر" أنه إذا طَلَّقَهَا تَعَذَّرَ التعليم؛ لأنها صارت مُحَرَّمَةً عليه، ولا يُؤْمَنُ الوُقُوعُ في التُّهْمَةِ، والخَلْوَةِ المُحَرَّمَةِ، لو جَوَّزْنَا التعليم، وليس كسماع الحديث، فإنَّا لو لم نُجَوِّزهُ لَضَاعَ، وللتعليم بَدَلٌ يُعْدَلُ إليه، فعلى أصح القولين الرجوع إلى جميع مَهْرِ المثال، إن كان الطَّلاَقُ بعد الدُّخُولِ، وإلى نِصْفِهِ إن كان قبل الدخول.
والثاني: الرجوع إلى أُجْرَةِ التعليم، أو نِصْفِهَا 1. الرابعة: لو نكح كِتَابِيَّةً على أن يُعَلِّمَهَا شَيْئاً من القرآن يَصِحُّ الصَّدَاقُ، إن كان يتوقع منها الإِسْلاَمُ، وإلا فيفسد؛ لأنه لا يَجُوزُ تعليمها خَوْفاً من أن يَصْدُرَ منها ما لا يَليقُ بحرمته، ومال مَائِلُونَ إلى الجَوَازِ مُطْلَقاً، ولو نكح مُسْلِمَةً أو ذِمِّيَّةً على تعليم التَّوْارَةِ والإِنْجِيلِ، لم يجزه؛ لأن ما في أيديهم مُبَدَّلٌ لا يجوز الاشْتِغَالُ به، والوَاجِبُ والحالة هذه مَهْرُ المِثْلِ، إذ لا قيمة للمسمى، ولو نَكَحَ ذمِّيُّ ذِمِّيَّةً على تَعْلِيم التَّوْرَاةِ، أو الإِنجيل، ثم أسلما، أو ترافعا بعد التعليم لم نُوجِبْ شَيْئاً آخر، ولو كان قبل التَّعْلِيم وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، كما في الخَمْرِ المقبوض، وغير المَقْبُوضَةِ إذا جعلت صَدَاقاً.

فإن أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ غَيْرِ القرآن من الفِقْهِ والأَدَبِ والطِّبِّ والشِّعْرِ ونحوها، فإن كان غير محظور صَحَّ الصَّدَاقُ، وإن كان مَحْظُوراً لم يَصِحَّ، وذلك كالهَجْوِ والفُحْشِ وفيما روى القَفَّال الشَّاشِيُّ عن أحمد بن عبد الله بن سيف السجستاني أنه سئل المزني هل يجوز النِّكَاحُ على تَعْلِيمِ الشعر؟ فقال: إن كان مِثْلَ قَول القائل [الوافر]: يُرِيدُ المَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ... وَيأْبَى الله إِلاَّ مَا أَرَادَا يَقُولُ المَرْءُ فَائِدَتِي وَزَادِي... وَتَقْوَى اللهِ أَكْرَمُ مَا اسْتَفَادَا الخامسة: فيجوز لو نكح امْرَأَةً على أن يَرُدَّ عَبْدَهَا الآبقَ، أو جَمَلَهَا الشَّارِدَ وكان الموضع مَعْلُوماً، جاز، وإن كان مَجْهُولاً، فعن أبي الطيب بن سَلَمَةَ، وأبي حَفْصٍ الوَكِيلِ إثبات قول إنه يَجُوزُ كما في الجَعَالَةِ، والصَّحِيحُ أنه لا يَجُوزُ، ويجب مَهْرُ المِثْلِ، بخلاف الجَعَالَةِ، فإنها عَقْدٌ جائز للحاجة، وإنما احتملت الجَهَالَةُ فيه لذلك، فإن رَدَّهُ في صورة الجَهْلِ، فله أَجْرُ مِثْلِ الرَّدِّ، ولها عليه مَهْرُ المِثْلِ، وإذا صَحَّ الصَّدَاقُ، وطلقها بعد رَدِّ العَبْدِ، وقبل الدخول اسْتَرَدَّ منها نِصْفَ أُجْرَةِ المِثْلِ، وإن طلقها مثل رَدِّهِ، فإن كان الطَّلاَقُ بعد الدخول، فعليه الرَّدُّ، وإن كان قبله فعليه الرَّدُّ إلى نِصْفِ الطريق، ثم يُسَلِّمُهُ إلى الحاكم، فإن لم يكن هناك حاكم، أو لم يكن مَوْضِعاً يمكن تَرْكُهُ فيه، ولم يَتَبَرَّعْ بالرَّدِّ إليها قال في "التتمة": [يؤمر بِرَدِّ إليها، و] 1 له عليها نِصْفُ أجرته، ولو تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِرَدِّ الغير، أو بِرُجُوعِهِ بنفسه، أو بموته، فقد فَاتَ الصَّدَاقُ قبل القَبْضِ، فعلى أَصَحِّ القولين الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ، وعلى الثاني الرجوع إلى أُجْرَةِ الرَّدِّ.
السادسة: إذا نكحها على خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَعْلُومٍ جاز، وله أن يَخِيطَهُ بغيره، إذا التزم في الذِّمَّةِ، وإذا نكح [على] 2 أن يخيطَ بنفسه، وعجز عن الخِيَاطَةِ بأن يَدُهُ، أو مات ففيما عليه؟ قولان.
أصحهما: مَهْرُ المِثْلِ.
والثاني: أُجْرَةُ الخِيَاطَةِ، ولو تلف ذلك الثوب، فيتلف الصَّدَاقُ، أو يأتي بثوب مِثْلِهِ؟.
فيه وجهان ذكرناهما في "الإجَازَةِ" قال في "التهذيب": الأَصَحُّ تَلَفُ الصَّدَاقِ، وهو يُوَافِقُ ما سبق في الإِجَارَةِ أن العراقيين مَالُوا إلى تَرْجِيحِهِ، وحينئذٍ فَيَعُودُ القَوْلاَنِ فيما عليه، وإن طلقها بعد الخِيَاطَةِ، وقبل الدخول، فله عليها نِصْفُ أُجْرَةِ المِثْلِ، وإن طَلَّقَهَا قبل الخِيَاطَةِ، فإن دخل بها، فَعَلَيْهِ الخِيَاطَةِ، وإن لم يدخل خَاطَ نِصْفَهُ، فإن تَعَذَّرَ الضَّبْطُ عاد القولان في أنه يجب مَهْرُ المِثْلِ، أو الأجْرَةُ.

"

فرع

" قال في "التتمة" لو كان له عليها أو على عبدها قِصَاصٌ، فنكحها وجعل النُّزُولَ عن القِصَاصِ صَدَاقاً لها، يجوز، ولو جعل النُّزُولَ عن الشُّفْعَةِ، أو حَدِّ القَذْفِ صَدَاقاً لم يجز؛ لأن ذلك مما لا يُقَابَلُ بالعِوَضِ، ولا يجوز أن يَجْعَلَ طَلاَقَ امْرَأَةٍ صَدَاقاً لأخرى، ولا أن يَجْعَلَ بُضْعَ أَمَتِهِ صَدَاقاً لمنكوحته.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (قَاعِدَةٌ) مَهْمَا أَثْبَتْتَا الخِيَارَ بِسَبَبِ زَيادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَلاَ مِلْكَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ، وَهَذَا الخِيَارُ لَيْسَ عَلَى الفَوْرِ بَلْ كَخِيَارِ رُجُوعِ الوَاهِبِ، فَإِنْ كَانَ لَهَا الخِيَارُ فَامْتَنَعَتْ حُبِسَ عَنْهَا عَيْنُ الصَّدَاقِ كَالمَرْهُونِ وَبَاعَ القَاضِي مِنَ الصَّدَاقِ مَا يَفِي بِنِصْفِ القِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ لاَ يُشْتَرِيَ النِّصْفُ بِنِصْفِ القِيمَةِ الوَاجِبَةِ فَيُسَلَّمُ إِلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الصَّدَاقِ وَبُمَلَّكُ إِذَا قَضَى لَهُ بِهِ، وَإِذّ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ فَهِيَ أَقَلُّ قِيمَةٍ مِنْ يَوْمِ الإِصْدَاقِ إِلى يَوْمِ القَبْضِ إِلاَّ إِذَا وُجِدَ التَّلَفُ في يَدِهَا بَعْدَ الطَّلاَقِ فَيُعْتَبَرُ يَوْمُ التَّلَفِ.
قَالَ الرَّافِعِي: في القاعدة مَسْأَلَتَانِ يُحْتَاجُ إلى معرفتها في الأُصُولِ المتقدمة.
إحداهما: إذا ثَبَتَ الخِيَارُ للمرأة بِسَبَب زِيَادَةٍ في الصَّدَاقِ، أو الزوج بسبب نقصان فيه أَوْلَهُمَا لاجتماع المعنيين فلا يملك الزَّوْجُ الشَّطْرَ قبل أن يَختَارَ من له الخِيَارُ الرُّجُوعَ بالعين إذا كان الخيار لأحدهما، وقبل أن يَتَوَافَقَا عليه، إن كان الخِيَارُ لهما.
وإن قلنا: إن الطَّلاَقَ يُشَطِّرُ الصَّدَاقَ بنفسه، وإلا لما كان للِتَّخْييِرِ، واعتبار التَّوَافُقِ معنى، وليس هذا الخِيَارُ على الفَوْرِ، بل هو كَخِيَارِ الرجوع في الهِبَةِ لا يَبْطُلُ بالتأخير، لكنه إذا تَوَجَّهَتْ طِلْبَةُ الزوج لا تتمكَّنُ المَرْأَةُ من التَّأْخِيرِ، بل تُكَلَّفُ اخْتِيَارَ أحدهما، والزوج لا يُعَيِّنُ في الطَّلَبِ العَيْنَ، ولا القيمة، فإن التَّعَيْينَ يَنَاقِضُ تَفْوِيضَ الأمر إلى رأيهما، ولكن يُطَالِبُهَا بحَقِّهِ عندها، فإن امتنعت قال الإِمام: لا يَقْضِي القاضي فيها على حَبْسِهَا لِبَذْلِ العين، أَو القيمة، بل يَحُبِسُ عَيْنَ الصَّدَاقِ عنها، إذا كانت حَاضِرَةً، ويمنعها من التَّصَرُّفِ فيها؛ لأن تَعَلُّقَ حَقِّ الزوج بالصداق فوق تَعَلُّقِ حَقِّ المُرْتَهِنِ بالمَرْهُونِ، والغُرَمَاء بالتركة، فإذا أَصَرَّتْ على الامْتِنَاعِ، فإن كان نِصْفُ القيمة الوَاجِبَةِ دون نِصْفِ العَيْنِ للزيادة الحَادِثَةِ، فيبيع ما يَفِي بالوَاجِب من القيمة، وإن لم يَرْغَبْ في شراء البَعْضِ، باع الكل، وصَرَفَ الفَاضِلَ عن القِيمَةِ الواجبة إليها، وإن كان نِصْفُ العَيْنِ مِثْلَ نِصْفِ القيمة الواجبة، ولم تُؤَثِّرِ الزِّيَادَةُ في القيمة، ففيه احتمالان للإِمام: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يُسَلَّمُ نِصْفُ العين إليه، إذ لا فَائِدَةَ في البَيْعِ ظاهراً، فإذا سلم إليه أَفَادَ قَضَاؤُهُ ثُبُوتَ المِلْكِ له.

الثاني: أنه لا يُسَلَّمُ العين له، بل يبيعه فلعله يجد من يَشْتَرِيهِ بِزِيَادَةٍ.
وقوله في الكتاب: "فإن كان لا يَشْتَرِي النصف بنصف القِيمَةِ الواجبة"، لا ينبغي أن يُخَصَّصَ بما إذا باع النَّصْفَ وَحْدَهُ، بل الحكم فيما إذا بَاعَ النِّصْفَ وحده، وما إذا باع الكُلَّ وَاحِدٌ، والنظر إلى عَدَمِ زِيَادَةِ ثَمَنِ النصف على نِصْفِ القيمة الواجبة.
الثانية: إذا وَجَبَ الرجوعُ إلى القِيمَةِ إما لِهَلاَكِ الصَّدَاقِ، أو لخروجه عن مِلْكِهَا، أو لزيادة فيه أو نُقْصَانِ، فالمُعْتَبَرُ الأَقَلُّ من قيمته يوم الإصْدَاقِ.، وقيمته يوم القبض، لأنه إن كان قيمته يَوْمَ الإِصْدَاقِ أَقَلَّ، فالزيادة بعد ذلكَ حَادِثَةٌ على ملكها ولا تَعَلُّقَ للزوج بها، وإن كان قِيمَةُ يوم القَبْضِ أَقَلَّ، فما نَقَصَ قبل ذلك، فهو من ضَمَانِهِ، فكيف يرجع عليها بما هو مَضْمُونٌ عليها نعم لو تَلِفَ الصَّدَاقُ في يَدِهَا بعد الطَّلاَقِ، وقلنا إنه مَضْمُونٌ عليها، فتعتبر قيمته يوم التَّلَفِ؛ لأن الرجوع قد وَقَعَ إلى عين الصَّدَاقِ، ثم تَلِفَ مِلْكُهُ تحت يد مضمنة، وذكر الإِمام احْتِمَالاً فيما إذا كانت العَيْنُ قائمةً، وحدثت زِيَادَةٌ أنه كان يَجُوزُ أن يُعْتَبَرَ قيمة يوم الطَّلاَقِ، لا يوم الإِصداق، ولا يوم القَبْضِ؛ لأنه يوم ارْتدَادِ الشَّطْرِ إليه، فيقال: ما قيمة هذه العَيْنِ اليوم لو لم يكن فيها زِيَادَةٌ؟!.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في التَّصَرُّفَاتِ المَانِعَةِ للِرُّجُوعِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: (إِحْدَاهَا): لَوْ زَالَ مِلْكُهَا بِجِهَةٍ لاَزِمَةٍ كَبَيْع وَهِبَةٍ وَعِتْقٍ تَعَيَّنَتِ القِيمَةُ، فَإِنْ عَادَ المِلْكُ فَالمِلْكُ العَائِدُ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لاَزَمٌ كَرَهْنٍ وَإِجَارَة تَعَيَّنَتِ القِيمَةُ، فَإِنْ صَبَرَ إِلَى الانْفِكَاكِ فَلَهُ نِصْفُ العَيْنِ وَلَكِنْ لَوْ بَادَرَتْ إِلَى تَسْلِيمِ القِيمَةُ القَبُولُ لِمَا عَلَيْهَا مِنَ الغَرَرَ بفَوَاتِ العَيْنِ بِآفَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفَصْلِ بَيَانُ حكم التَّشْطِيرِ بعد ما تَصَرَّفَتِ المرأة [في الصداق] 1 وفيه مسائل: إحداها: إذا أزَالَتْ مِلْكَهَا عنه بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ مع القبض، أو إعْتَاقٍ لم يملك الزَّوْجُ بالطلاق قبل الدخول نَقْضَ ذلك التَّصَرُّفِ، بل يكون زَوَالُ مِلْكِهَا كالهَلاَكِ، ويرجع الزَّوْجُ إلى نصف بدله، وهو المِثْلُ إن كان مِثْلِيّاً أو القِيمَةِ إن كانِ مُتَقَوّماً، فإن لم يَزُلِ المِلْكُ، لكن تَعَلَّقَ به حق الغير، فإن لم يكن حَقّاً لاَزِماً، كما إذا أَوْصَتْ به أو رَهَنَتْهُ أو وَهَبَتْهُ من غَيْرِ قَبْضٍ، فللزوج أن يرجع في نِصفه؛ لأن مِلْكَهَا بَاقٍ، وليس للغير فيه حَقٌّ متأكّد.
وفي "الشامل" وغيره نَقْلُ وَجْهٍ أنه لا يَرْجعُ في نِصْفِ الموهوب، وإن لم يوجد قَبْضٌ كيلا يَبْطُلَ تَصَرُّفُهَا في مِلْكِها، وحق هذا أنَ يُطْرَدَ في الرَّهْن والوَصِيَّةِ، ولو باعت

بشرط الخِيَارِ، وطَلَّقَهَا في مدة الخِيَارِ، حكى أبو سَعْدٍ المتولي وغيره أنا إن جَعَلْنَا المِلْكَ للبائع، فهو كالهِبَةِ، قبل القبض، وإن قلنا: للمشتري، فلا رُجُوعَ له العَيْن، وإن كان الحق لاَزِماً، بأن رَهَنَتْهُ، وأقبضته، فليس للزَّوْجِ الرُّجُوعُ إلى نصفه لِتَعَلُّقِ حَقِّ المُرْتَهِنِ بعينه، وإن أَجَّرَتْهُ فقد نَقَصَ الصَّدَاق عما كان لاسْتِحْقَاقِ الغير مَنْفَعَتَهُ، فإن شاء رجع إلى نِصْفِ القيمة في الحال، وإن شاء رجع إلى نِصْفِ العَيْن مَسْلُوبَةَ المَنْفَعَةِ مُدَّةَ الإِجارة 1. ولو قال: أَصْبِرُ إلى انفكَاكِ [الرَّهْن] 2 أو انقضاء مُدَّةِ الإِجارة، فإن قال: أَتَسَلَّمُهُ، ثم أسلمه إلى المُرْتِهِنِ، أو المستأجرة، فليس لها الامْتِنَاعُ منه، وإن قال: لا أتسلمه، وأصبر، فلها ألا تَرْضَى به، وتدفع إليه نِصْفَ القيمة؛ لما عليها من خَطَرِ الضَّمَانِ، هذا إذا قلنا إن الصَّدَاقَ في يدها مَضْمُونٌ بعد الطلاق، وهو الأَرْجَحُ، وبه أجاب هاهنا.
وإن قلنا: لا ضَمَانَ أو أَبْرَأَهَا عن الضمان، وصَحَّحْنَا هذا الإبْرَاءَ فقد حُكِيَ وجهان، في أنه هل يَجِبُ عليها الإجابة [أم لا] 3 لأنه قد يَبْدُو له، فَيُطَالِبُهَا بالقِيمَةِ، وتخلو يَدَهَا عن القِيمَةِ يومئذٍ، فانَ لم تُوجِبِ الإِجَابَةَ، ولم يطالبها إلى أنه انْفَكَّ الرَّهْنُ أو انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجارة، فقد حُكِيَ وجهان، فيَ أنه هل يَتَعَلَّقُ بالعين لزوال المانع أو القيمة لأنه المَانِعَ الذي كان بالعين نقل حقّه إلى القيمة، فلا يرجع إليها.
وتَزْوِيجُ جَارِيةِ الصَّدَاقِ كالإِجارة، ولو زال مِلْكُهَا، وعاد، ثم طلقها قبل الدُّخُولِ، فوجهان: أحدهما: أن حَقَّ الزَّوْجِ يَتَعَلَّقُ بالعين، وكأنه لم يَزُلْ.
والثاني: أن حَقَّة يَنْتَقِلُ إلى البَدَلِ؛ لأن المِلْكَ الآنَ مُسْتَفَادٌ من جهة أخرى، لا من جِهَةِ الصَّدَاقِ، وهذا كالخلاف في أن المَوْهُوبَ إذا خَرَجَ عن مِلْكِ الولد، ثمِ عاد هل يرجع الوالد فيه؟.
فيما إذا خَرَجَ المَبِيعُ عن مِلْكِ المشتري، ثم عاد، وقد أَفْلَسَ بالثَّمَنِ، واختار ابْنُ الحَدَّادِ انْتِقَالَ حَقِّ الزوج إلى البَدَلِ، وساعده الشيخ أبو عَلِيٍّ.
وقال أكثرهم: الأَصَحُّ هاهنا أن حَقَّ الزَّوْجِ يَتَعَلَّقُ بالعين، بخلاف مسألة الهِبَةِ؛ لأن الرُّجُوعَ في الهِبَةِ يَخْتَصُّ بالعَيْنِ، واختص بذلك المِلْك، ورجوع الزوج لا يَخْتَصُّ بالعَيْنِ، بل يَتَعَلَّقُ بالبَدَلِ، فالعين العائدة أَوْلَى بالرجوع من بَدَلِ الفَائِتَةِ هذا إذا زَالَ المِلْكُ بجهة لاَزمَةٍ، فإن زال بجهة غير لاَزِمَةٍ، كما إذا بَاعَتْ بشرط الخِيَارِ، وقلنا بزوال

المِلْكِ، وفَسْخِ البيع، ثم طَلَّقَهَا، فالخلاف بالتَّعَلُّقَ بالعَيْنِ مُرَتَّبٌ، وأولى بأن يَثْبُتَ.
ولو كاتَبَتْ عَبْدَ الصَّدَاقِ، وعَجَّزَ نَفْسَهُ، ثم طلقها، فعن القاضي الحُسَيْنِ: إجْرَاؤُهُ مُجْرَى الزَّوَالِ اللازم وقال الإِمام: ينبغي أن يُرَتَّبَ هذا على زَوَالِ المِلكِ؛ لأن المُكَاتَبَ عَبْدٌ بقَي عليه دِرْهَمٌ، ولا شَكَّ أن عُرُوضَ الرَّهْنِ، وَزَوَالَهُ قبل الطلاق لا يُؤَثِّرُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْداً فَدَبَّرَتْهُ لَمْ يَقْدِرِ الزَّوْجُ عَلَى إِبْطَالَ التَّدْبِيرِ بِحُكْمِ الرُّجُوعِ لأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ فَهِيَ كَزَيادَةِ مُتَّصِلَةٌ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ قَطْعاً وَهْوَ القِيَاسُ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى النَّصِّ فِي أَنَّ تَعْلِيقَ العِتْقِ هُوَ كَالتَّدْبِيرِ وَوَصِيَّةُ العَبْدِ بِالعِتْقِ هَلْ هِيَ كَالتَّدْبِيرِ؟ وَأَنَّ التَّدْبِيرَ هَلْ يَمْنَعُ رُجُوعَ الوَاهِبِ وَرُجُوعَ البَائِعِ؟.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ عَبْداً فَدَبَّرَتْهُ، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول، نقل المُزَنِيُّ عن نصه أنه لا يرجع في نِصْفِ المُدَّبَرِ، بل يَعْدلُ إلى نِصْفِ القيمة، ثم اخْتَارَ تَمْكِينَهُ من الرجوع في نِصْفِهِ.
وللأصحاب في المسألة ثَلاَثَةُ طرق: أحدها: أن في تَمْكِينِهِ من الرجوع قولين؛ بنَاءً على أن التَّدْبيرَ تَعْلِيقُ عِتْقِ بِصِفَةٍ أو وصية إن قلنا: وصية، فله الرُّجُوعُ إلى نصفه، كما لو أَوْصَتْ به لإِنسان، ثم طَلَّقَهَا.
وإن قلنا: تعليق عتق بِصِفَةٍ.
عدل إلى القيمة؛ لأن التَّعْلِيقَ حَقٌّ لاَزِمٌ لاَ رُجُوعَ عنه، فمنع الارتداد إلى الزَّوْجِ، بخلاف الوصية.
الثاني: قضية نَصِّهِ في "الأم" القَطْعُ بأنه لا يرجع، سواء جعل التدبير وَصِيَّة له، أو تَعْلِيقَ عِتْقٍ؛ لأن التَّدْبِيرَ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ، فليس للزوج تَفْوِيتُهَا، كالزيادات المُتَّصِلَةِ، ولأن العَبْدَ بالتدبير قد ثبَتَ له حَقُّ الحرية، والرجوع يُفَوِّتُهُ بالكلية، وإذا لم يرجع الزَّوْجُ إلى العَيْنِ لا يُفَوَّتُ حقه بالكلية، بل ينتقل إلى البَدَلِ.
والثالث: القَطْعُ بأنه يرجع.
أما إذا كان وَصِيَّةً، فظاهر، وأما إذا كان تَعْلِيقاً، فلأن التَّعْلِيقَ يرتفع بإزالة المِلْكِ، والطَّلاَق يَتَضَمَّنُ إِزَالَةَ المِلْكِ، وأيضاً فإن التَّدْبِيرَ لا يمنع إِزَالَةَ المِلْكِ اختياراً، فَأَوْلَى ألا يمنع الرُّجُوعِ القَهْرِيّ، وحمل هؤلاء قَوْلَهُ: "لا يرجع" عَلى أنه لا يَتعَيَّنُ الرُّجُوعُ إلى نِصْفِ العبد، بل له أن يَعْدِلَ إلى نِصْفِ القيمة، لأن التَّدْبِيرَ يَبْقَى في النصف الآخر، وذلك مما يوجب نُقْصَانَ القِيمَةِ وبهذا أجاب صاحب "التتمة" وغيره، لكن أبا عبد الله الحناطِيَّ ذَكَرَ وَجْهاً آخر: أنه يَرْجِعُ إلى النصف، وينقض التَّدْبِيرُ في الكل، وسواء ثَبَتَ الخِلاَفُ أم لا، فالظاهر ما صَرَّحَ به القاضي الرُّويَانِيُّ، والموفق بن طَاهِرٍ، وَدَلَّ عليه كَلاَمُ غيرهَما: أن التدبير يَمْنَعُ الرجوع؛ لأن ما فيه من غَرَضِ القُرْبَةِ لا يتقاعد عن الزِّيَادَاتِ المُتَّصِلَةِ التي لا تُؤَثِّرُ في القِيمَةِ، وتعلق بها نوع غرض، ثم الحكاية عن شَرْحِ

أَبي إِسْحَاقَ، وغيره: أن الخِلاَفَ فيما إذا كانت المرأة مُوسَرَةً تَتَمَكَّنُ من أَدَاءِ القيمة، فإن لم تكن، فله الرجوع إلى نِصْفِ العبد، لا مَحَالَةَ، وَيتَعَلَّقُ بالاختلاف المذكور.

"

فروع

" أحلما: إذا مَكَّنَاهُ من الرُّجُوع، فالمَفْهُومُ من كلام عَامَّتِهِمْ أنه يَسْتَقِلُّ به، ولا حَاجَةَ إلى أن تقدم المرأة رُجُوعاً عنَ التَّدْبِيرِ.
وقال الحناطي: يحتمل أن يقال: يُجْبَرُ على الرجوع عنه، وإِعْطَاءِ الزَّوْج النِّصْفَ، فإن امتنعت، تام الحاكم مَقَامَهَا، وفَسَخَ عليها.
والثاني: لو رَجَعَتْ عن التدبير بالقَوْلِ، وجَوَّزْنَا، ثم طلقها، و

فَرَّعْ

نَا على أن التدبير يمنع الرُّجُوعَ، فطريقان: أحدهما: القَطْعُ بأنه يتمكَّنُ من الرُّجُوعِ إلى نصفه؛ لأن المِلْكَ لم يَزُلْ عنه.
والثاني: أنه كما لو دَبَّرَتْهُ، ثم بَاعَتْهُ ثم ملكته ثانياً، ثم طَلَّقَها الزوج قبل الدخول، وفيه الخِلاَفُ السَّابِقُ في عَوْدِ المِلْكِ بعد زَوَالِهِ والظاهر التمكُّنُ، ومع هذا التمكُّنِ لو تَرَكَهُ، وطَلَبَ نِصْفَ القيمة، أُجِبتَ إليه خَوْفاً من أن يقضي قَاضٍ بِبُطْلانِ الرجوع، والبيع.
وبعض الشارحين لـ"المختصر" ذكر هذا، ولو طَلَّقَهَا وهو مُدَبَّرٌ، وقلنا: إن حَقَّ الزوج في القِيمَةِ، فرجعت عن التدبير بلفظ الرجوع، وجَوَّزْنَاهُ، أو بِإزَالَةِ المِلْكِ عنه، ثم عاد إليها قبل أَخْذِ القِيمَةِ، ففي الرجوع إلى نِصْفِ العَبْدِ وجهان، حكاهما الشيخ أبو حَامِدٍ؛ لأن المانع قد ارْتَفَعَ، ويجري الوَجْهَانِ فيما إذا طَلَّقَهَا، والصَّدَاقُ نَاقِصٌ، ثم زال النُّقْصَانُ قبل أخذ القيمة، هل يَعُودُ حَقُّهُ إلى العَيْنِ، وفيما إذا طلقها، ومِلْكُهَا زَائِلٌ عن الصداق، ثم عاد قبل أَخْذِ القِيمَةِ، ففي وجه: هو كما لو زَالَ، وعاد قبل الطَّلاَقِ.
والثالث: رَتَّبُوا تَعْلِيِقَ العِتْقِ بِالصِّفَةِ على التدبير، واختلفوا في كَيْفِيَّةِ الترتيب، فجعل بَعْضُهُم التَّعْلِيقَ أَوْلَى بأن يمنع الرُّجُوعِ، وقال: إن منع التَّدْبِيرُ، فالتعليق أَوْلَى، وإن لم يمنع التَّدْبِيرُ، ففي التَّعْلِيقِ وجهان، والفَرْقُ أن التَّعْلِيقَ لا يجوز الرُّجُوعُ عنه باللفظ، وفي التَّدْبِيرِ خِلاَفٌ، فكان التَّعْلِيقُ أَوْلَى.
وعكس آخرون، فقالوا: [إن لم يمنع التدبير] 1 فالتعليق أَوْلَى بألا يَمْنَعَ الرُّجُوعَ، وبه أجاب الشيخ أبو محمد في "الفروق" وفرق بأن التَّدْبِيرَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، وتعليق العِتْقِ ليس عَقْدَ قُرْبَةٍ، وإنما يقصد به مَنْعُ أو حَثٌّ، وإِيراد الكتاب إلى هذه الطريقة أَقْرَبُ،

وكلام صاحب "التهذيب" يُوافِقُ الأول، وقال: المذهب أنه يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، ولو أوصت للعبد بِعِتْقِهِ، فهل هو كالتَّدْبِيرِ في منع الرُّجُوعِ فيه وجهان: أحدهما: نعم لِتَعَلُّقِ العتق به.
وأظهرهما: وبه أجاب الشيخ أبو حَامِدٍ لا؛ لأن الإِيصَاءَ ليس عَقْدَ قُرْبَةٍ، بخلاف التدبير.
والرابع: هل يمنع التَّدْبيرُ رُجُوعَ البائع، فيما إذا بَاعَ عَبْداً بثوب، وتَقَابضا، ودَبَّرَ المشتري العَبْدَ، ثم وَجَدَ البَائِعُ بالثوب عَيْباً، وكذلك هل يَمْنَعُ رجوع الواهب فيه وجهان؛ تَفْرِيعاً على قَوْلَنَا: إنه يمنع التَّشَطُّرَ.
أحدهما: أنه يمنعهما، كما يمنع التشطُّرَ.
وأصحهما: لا، بل له الرجوع، ويَنْتَقِضُ التدبير لِقُوَّةِ الفَسْخِ، ولذلك تمنع الزِّيَادَاتُ المُتَّصِلَةُ التَّشَطُّرِ، ولا تمنع الفَسْخَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ) لَوْ أَصْدَقَهَا صَيْداً وَالزَّوْجُ مُحْرِمُ عِنْدَ الطَّلاَقِ لَمْ يَمْتَنِعُ رُجُوعُ النِّصْفِ عَلَى وَجْهِ لأَنَّهُ مِلْكٌ قَهْرِيٌّ كَالإِرْثِ، ثُمَّ إنْ غَلَّبْنَا حَقَّ اللهِ تعَالَى وَجَبَ الإِرْسَالُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نِصْفِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سَبَقَ في "كتاب الحج" ذِكْرُ الخِلاَفُ أن المُحْرِمَ إذا اشترى صَيْداً بِرِياً، أو اتَّهَبَهُ هل يملكه، والخِلاَفُ في أن من أَحْرَمَ وفي مِلْكِهِ صَيْدٌ، هل يَزُولُ مِلْكُهُ عنه؟ وأن الإِحرام لا يمنع مِلْكَة بالإِرْثِ، وفيه شيء ضعيفٌ إذا تَذَكَّرْتُ ذلك، فلو أَصْدَقَهَا صَيْداً، ثم أحْرَمَ، ثم ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ، فيعود الصَّدَاقُ إلى مِلْكِهِ؛ لأنه لا اخْتِيَارَ له، فَأَشْبَهَ لإِرْثَ، وليجيء فيه الوَجْهُ المذكور في الإرْثِ، وإن طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، وهو مُحْرِمٌ، وهذه مَسْأَلَة الكتاب، فَيَنْبَنِي على أن نِصْفُ الصَّدَاقِ يَعُودُ إلى الزَّوْجِ ينفس الطَّلاَقِ، أم باختيار التَّمَلُّكِ، وهذا أَصْلٌ قد تَقَدَّمَ.
فإن قلنا باخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فليس له اخْتِيَارُ الصَّيْدِ ما دام مُحْرِماً، وإن فَعَلَ كان كما لو اشْتَرَى صَيْداً.
وإن قلنا بنفس الطَّلاَقِ، ففي عَوْدِ النِّصْفِ إليه وجهان: أحدهما: لا يَعُودُ وينتقل حَقَّة إلى القِيمَةِ؛ لأن المُحْرِمَ لا يَتَمَلَّكُ الصَّيْدَ بالاختيار، والطَّلاَقُ يَتَعَلَّقُ باختياره.
وأظهرهما: أنه يَعُود؛ لأن الطَّلاَقَ لا يَنْشَأُ لاجْتِلاَبِ المِلْكِ، وإنما العَقْدُ فيه الفِرَاقُ، وعَوْدُ النِّصْفِ إلى الزوج رَتَّبَهُ الشَّرْعُ عليه قَهْراً، فكان كالإِرْثِ.
وفي: "الشامل" "والتتمة": بِنَاءُ عَوْدِ المِلكِ في النصف؛ على أن المِلْكَ في الصَّيْدِ

هل يَزُولُ بالإِحْرَام، إن قلنا: يزول، فلا يَعُودُ النصف إليه، بل يَنْتَقِلُ حَقُّهُ إلى القيمة، وإن قلنا: لا يَزُولُ، فَيَعُودُ، ولا بدّ من اطِّرَادِ الخِلاَفِ، هذا في عَوْدِ الكُلِّ بالرِّدَّةِ، وإذا عاد الكُلُّ بالرِّدَّةِ، إليه، فيجب عليه إِرْسَالُهُ، فإن المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من إِمْسَاكِ الصَّيْدِ هكذا ذكر الشيخ أبو عَلِيٍّ، وغيره في هذه المَسْأَلَةِ، وهو وَجْهٌ قد ذَكَرْنَاهُ في كتاب "الحج"، تَفْرِيعاً على أن المحرم يَرِثُ الصَّيْد باختياره وقد حَكَمْنَا أن بَعْضَهُمْ قال: يَزُولُ مِلْكُهُ، كم ورث، وهو المذكور في الكتاب هُنَاكَ، ولا فَرْقَ بين البَابَيْنِ، وإذا عاد النِّصْفُ بالطَّلاَقِ، وقلنا بوُجُوبِ الِإرْسَالِ، ولم نَقُلْ بِزَوَالِ المِلْكِ، ولا يكن إِرْسَالُ النِّصْفُ إلا بِإِرْسَالِ الكل، فخرج مُخَرِّجُونَ وُجُوبَ الإِرْسَالِ على الأَقْوَالِ، فيما إذا ازْدَحَمَ حَقُّ اللهِ -تعالى- وحق الآدَمِيِّ، إن قَدَّمْنَا حَقَّ الله -تعالى- وَجَبَ عليه الإرْسَالُ، وغُرِّمَ نصف القيمة لها، وإن قَدَّمْنَا حَقَّ الآدَمِيِّ لم يَجُزِ الإرْسَالُ، وعليه نِصْفُ الجَزَاءِ لو تَلِفَ في يده، أو في يدها، وإن سَوَّيْنَا فَالخِيَرَةُ إلهما، فَإِن اتَّفَقَا على الإِرْسَالِ، غُرِّمَ لها النصف، وإلا بقي مُشْتَركاً بينهما، وهو في ضَمَان نِصْفِ الجَزَاءِ، وفيه كَلاَمَانِ: أحدهما: أنه قد يُسْتَبْعَدُ التخريج على الأَقْوَالِ المذكورة؛ لأن الأَقْوَالَ فيما إذا ازْدَحَمَ حَقُّ الله تعالى -وحَقُّ الآدَمِيِّ على مَحَلٍّ وَاحِدٍ، كازْدِحَامِ الزَّكَاةِ والدُّيُونِ في التركة، وهاهنا النِّصْفُ الذي تمْلِكُهُ المَرْأَةُ لا ازْدِحَامَ فيه، فإنها غير مُحْرِمَةٍ، وليس على المُحْرِمِ إِرْسَالُ مِلْكِ الغَيْرِ، وإذا تَضَمَّنَ إِرْسَالُهُ مِلْكَ نَفْسِهِ تَفْوِيتَ مِلْكِ الغير، وَجَبَ أن يُمْنَعَ منه، وهذا ما ذكره الشَّيْخُ أبو علي في الشَّرْحِ والثاني: لأنا إذا أَوْجَبْنَا الإرْسَالَ، كان هذا شبِيهاً بِسِرَايَةِ العِتْقِ إلى نصيب الشريك، فَيَخْتَصّ بالمُوسِرِ كالسِّرَايَةِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ فِي هِبَةِ الصَّدَاقِ مِنَ الزَّوْجِ) وَذلِكَ يَنْفَذُ في الدَّيْنِ بِلَفْظِ العَفْوِ وَالإِبْرَاءِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى الَقبُولِ، وَيَنْفَذُ بِلَفْظِ الهِبَةِ وَيَحْتَاجُ إِلَى القَبُولِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَفْظِ العَفْوِ وَالإِبْرَاءِ لاَ يُزِيلُ المِلْكَ في العَيْنِ، وَلَيْسَ لِلوَلِيِّ العَفْوُ عَنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الجَدِيدِ، وَفِي القَدِيمَ لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُجْبِراً وَلَمْ تَكُنْ مُسْتَقِلَّةً وَجَرَى بَعْدَ الطَّلاَقِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل مَعْقُودٌ لِبَيَانِ حُكْم الشَّطْرِ، فيما إذا وَهَبَتِ الصَّدَاقَ من الزَّوْج، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول، وهو مُصَدَّرٌ بِبَيَانِ قاعدتين مُسْتَمَدَّتَيْنِ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]. ومعنى الآية: أن الصَّدَاقَ يُنَصَّفُ بالطَّلاَقِ قبل الدُّخول، إلا أن تَعْفُو الزَّوْجَةُ

وتَتَبَرَّعَ بحقها، فيعود جَمِيعُ الصَّدَاقِ إلى الزَّوْجِ، واختلفوا فيمن بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، فقال في القديم: المُرادُ منه الوَلِيُّ، والمعنى إلا أن تَعْفُو المَرْأَةُ إن كانت من أَهْلِ العَفْوِ، أو وَليُّهَا إذا لم تكن من أَهْلِ العَفْوِ، فيعود جَمِيعُ الصَّدَاقِ إلى الزَّوْج، وبهذا قال مَالِكٌ، ويروى عن ابن عَبَّاسِ -رضي الله عنهما-، وَوُجِّهَ بأن أَوَّلَ الآية خَطَابٌ للأزواج، فلو أراد بمن بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الأَزْوَاجَ، لما عَدَلَ من المُخَاطَبَةِ إلى الغيبة بل قال إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ تعفوا أنتم.
وقال في الجديد: المُرَادُ منه الزَّوْجُ، والمعنى: أو يَعْفُو الزَّوْجُ عن حَقَّهِ فَيَخْلُص لها جَمِيعُ الصَّدَاقِ، ولا يَنْتَصِفُ، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن عَلِيٍّ -كرم الله وَجْهَهُ- ووجه القِيَاسُ البَيِّنُ، وهو أن الوَلِيَّ لا يُسْقِطُ حَقَّ المولى عليه، إذا عُرِفَ ذلك، فالقَاعِدَةُ الأولى في ألفاظ التَّبَرُّع من الزَّوْجِ، أو الزوجة، والواجب عند الطَّلاَقِ قبل الدُّخُولِ، إما أن يكون دَيْناً أو عَيْناً، والدَّيْنُ قد يكون في ذِمَّةِ الزَّوْجِ، بأن أَصْدَقَهَا في الأَصْلِ دَيْناً، وقد يكون في ذِمِّيِهَا بأن أَقْبَضَهَا الصَّدَاقَ، وكان عَيْناً أو دَيْناً، فَتَصَرَّفَتْ فيه، واسْتَهْلَكَتْهُ، فينظر إن تَبَرَّعَ مستحق الدَّيْنِ بإِسْقَاطِهِ، نَفَذَ بلفظ العَفْوِ والإِبْرَاءِ والإِسْقَاطِ والتَّرْكِ.
وحكى الحناطي وَجْهَيْنِ في أن لَفْظَ التَّرْكِ صَرِيحٌ أو كِنَايَةٌ، ولا حَاجَةً [في هذه الألفاظ] 1 إلى قبول مَنْ عليه على المَذْهَب.
وفيه وجه مذكور في باب الضَّمَانِ، وينفذ بلفظ الهِبَةِ والتَّمْلِيكِ، وفيهما وجه آخر حكاه ابن كج 2 والظَّاهِرُ الأَوَّلُ، وهل يحتاج اللَّفْظَانُ إلى القَبُولِ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو اسْتُعْمِلاَ في الأَعْيَانِ.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" -المَنْعُ؛ اعتماداً على حَقِيقَةِ التَّصَرُّفِ، وهي الإِسْقَاطِ، وإن تبرع من في ذمته بالنِّصْفِ الآخر، فالطريق أن ينقله ويملكه ويقبله صَاحِبه، ويقبضه، فإنه ابْتِدَاءٌ هِبَةٍ منه، فلا يَنْتَظِمُ لَفْظُ العَفْوِ والإِبْرَاءِ من جِهَتِهِ، نعم لو كان الصَّدَاقُ في ذِمَّةِ الزوج، وقلنا: إِنه لا يَتَشَطَّرُ بنفس الطَّلاَقِ، ولكن له اخْتِيَارُ التَّمَلُّكِ، فإذا قال: عَفَوْتُ سقط خِيَارُهُ، كما لو عَفَا عن الشُّفْعَةِ تسقط، ويبقى جَمِيعُ الصَّدَاقِ في ذِمَّتِهِ، وأما إذا كان الصَّدَاقُ عَيْناً، فالتَّبرُّعُ فيها هِبَةٌ ممن المَالُ في يده.
فأما إن كان في يد المُتَبَرِّعِ، فلا بدّ من الإِيجَابِ والقَبُولِ والقبض، وإن كان في يَدِ الآخر، فهو هِبَةٌ المَالُ في يده فتعتبر مدة إِمْكَانِ القبض، وهل يحتاج إلى إذْنٍ جَدِيدٍ في القَبْضِ بهذه الجهة؟ فيه خلاف قد سَبَقَ في "كتاب الرَّهْنِ"، وإذا كانت العَيْنُ عند

الطَّلاَقِ في يَدِ الزَّوْجِ، فذلك قد يكون بعد ما قَبَضَهَا، وقد يكون باسْتِمْرَارِ يده التي كانت قَبْلَ الإِصْدَاقِ، وعلى التقدير الثَّانِي يزيد النَّظر في أن تَبَرُّعَهَا كَهِبَةِ المَبِيع من البائع، قبل الَقَبْضِ إذا قلنا: إن الصَّدَاقَ في يده مَضْمُوناً ضَمَانَ العَقْدِ والتبرع في العَيْنِ تَنْفُذْ بلفظ الهِبَةِ والتَّمْلِيكِ، ولا يَنْفُذُ بلفظ الإِبْرَاءِ والإِسْقَاطِ، وفي لفظ العَفْوِ وجهان: أحدهما: أنه لا مَجَالَ له في الأَعْيَانِ، كالإِبْرَاءِ، وهذا ما أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب.
والثاني: وهو الأَصَحُّ عند الشَّيْخِ الفَرَّاءِ والمُتَوَلِّي أنه يجوز اسْتِعْمَالُهُ في الصَّدَاقِ، لظاهر القُرْآنِ، فَطَرَدَ الحناطي وَجْهَيْنِ في الإبْرَاءِ والإِسْقَاطِ، وهذا في تَبَرُّعِ الزَّوْجَةِ على الزَّوْجِ، وفي تَبَرُّع الزوج عليها إذا مَلَّكْنَاهُ النِّصْفَ بنفس الطَّلاَقِ، أما إذا قلنا: إن له خِيَارَ التَّمَلُّكِ، فيعتبر لَفَظُ العَفْوِ في إِسْقَاطِ الخِيَارِ، ويبقى الجَمِيعُ على ملكها.
القاعدة الثانية: اختلف قَوْلُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- في أن الوَلِيَّ هل له العَفْوُ عن صَدَاقِ مُوَلِّيَتِهِ؛ بناءً على الخِلاَفِ السَّابِقِ، في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] فالجديد المنع، والقديم أن له ذلك، ولكن بشروط: أحدها: أن يكون الوَلِيُّ أباً أو جَدّاً، فأما غَيْرُ الأب والجد، فليس له العَفْوُ؛ لِقَصَوُّرِ شفقته، ولأنه لا يَلِي التَّصَرُّفَ النَّافِعَ في مَالِهَا، فَأَوْلَى ألا يَلِيَ إِسْقَاطَهُ.
والثاني: أن تكون المُوَلِّيَةُ بِكْراً عَاقِلَةً صَغِيرَةً، أما الثَّيِّبُ فلا يجوز العَفْوُ عن صَدَاقِهَا؛ لأن الوَلِيَّ لا يَسْتَقِلُّ بنكاحها، فليست بيده عُقْدَةُ النكاح، وفيه وجه آخر والظَّاهِرُ الأول.
وفي المجنونة وجهان: أحدهما: الجَوَازُ؛ لإِطْلاَقِ الآية.
وأظهرهما: وهو الجَوَابُ في "التهذيب" وغيره المَنْعُ؛ لأنه يُرْجَى في العَفْوِ عن صَدَاقِ العَاقِلَةِ تَرْغِيب الخَاطِبِينَ فيها، وَتَخْلِيصُهَا ممن هي في نِكَاحِهِ؛ ليَتَزَوَّجَهَا مَنْ هو خَيْرٌ منه، والمجنونة لا تَكَادُ يُرْغَبُ فيها، فلا مَعْنَى، لإِسْقَاطِ حَقِّهَا الثابت لأَمْرٍ لا يكاد يحصل.
قال في "التتمة": وكذا البَالِغَةُ المَحْجُورُ عليها بالسَّنَةِ، وأما العَاقِلَةُ البالغة البِكْرُ، ففيها وجهان: أحدهما: جَوَازُ العَفْوِ عن صَدَاقِهَا؛ لأن الأب والجَدَّ يَسْتَقِلاَّنِ بنِكَاحِهَا استقلالهما بنكاح الصَّغِيرَةِ.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن التَّصَرُّفَ والنَّظَرَ في مالها إليها، لا إلى الوَلِيِّ، وبنى أبو الفَرَجِ الزاز الوَجْهَيْنِ على اختلاف الأَصْحَابِ، في أنه لو مَلَكَ العَفْوَ في الصغيرة، فمن قَائل إن المَهْرَ مَالٌ اكْتَسَبَهُ لها، فإذا أَسْقَطَهُ فكَأنه لم يكتسب، ومن مُعَلِّل بأن مَالَهَا تحت

يَدِهِ، ونَظَرِهِ، فيأتي فيه بما يَسْتَصْوِبُهُ، ويراه مَصْلَحَةً لها، ويقرب من هذا وَجْهَانِ 1، ذكرهما صاحب "التتمة" فيما إذا زَوَّجَهَا الأَبُ، ومات، وأراد الجَدُّ العَفْوَ، ففي وجه لا يَجُوزُ؛ لأن المَالَ لم يَحْصُلْ بِكَسْبِهِ، وفي وجه يجوز؛ لأنه تحت تَصَرُّفِهِ، وفيه نَظَرٌ.
والثالث: أن يكون بَعْدَ الطَّلاَقِ، أما العَفْوُ قبله، فلا يَصِحُّ؛ لأن الزوج قد يَدْخُلُ بها بَعْدَ العَفْوِ، فيفوت مَنْفَعَةَ البُضْعِ عليها بلا عِوَضٍ، وفيما علق عن الإِمام أن الشَّيْخَ أبا محمد جَوَّزَ العَفْوَ قبل الطَّلاَقِ، إذا رأى الوَلِيُّ المَصْلَحَةَ فيه.
والرابع: أن يكون قبل الدُّخُولِ، أما بعده فلا يجوز العَفْوُ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ البُضْعِ عليها باسْتِيفَائِهِ.
الخامس: أن يكون الصَّدَاق دَيْناً في ذِمَّةِ الزَّوْجِ، أما إذا أَصْدَقَهَا عَيْناً أو دَيْناً وَقَبَضَتْهُ لم يكن له العَفْوُ، لاحْتِوَاءِ اليَدِ عليه، وكَمَالِ الملك في العَيْنِ.
وعن الشيخ أبي محمد التَّسْوِيَةُ بين العَيْنِ والدَّيْنِ، ولو أراد الوَلِيُّ مُخَالَعَةَ الصغيرة على نِصْفِ الصَّدَاقِ الذي يَسْتَحِقُّهُ، فيبنى ذلك على جَوَازِ العَفْوِ، إن جَوَّزْنَاهُ صحت المُخَالَعَةُ هكذا ذكر صاحب "التهذيب" 2 وغيره.
وفي "الوسيط": حِكَايَةُ وجهين في صِحَّةِ الخُلْعِ، مع.
التَّفْرِيعِ على صِحَّةِ العفو.
وقال: الظاهر المَنْع والأشبه الأَوَّلُ.
وقوله في الكتاب: "له ذلك إِن كان مجبراً" يفيد التَّخْصِيصَ بالأب والجد، وبحالة البَكَارَةِ، فإن الإِجْبَارَ حينئذٍ يَتَحَقَّقُ.
وقوله: "ولم تكن مُسْتَقِلَّةُ" أي: بأمر مَالِهَا، وتخرج عنه البِكْرُ البَالِغَةُ، حتى لا يجوز العَفْوُ عن مَهْرِهَا، على ما ذكرنا أنه أَصَحُّ الجوابين فيها، لكن يدخل فيه المَجْنُونَةُ، وقد تَقَدَّمَ أنه لا يجوز العَفْوُ عن مَهْرِهَا أيضاً، ولم يَتَعَرَّضْ في الشروط لكون الطَّلاَقِ قبل الدخول، ولا بدّ منه.
وأما كَوْنُهُ دَيْناً، فيمكن أن يُسْتَفَادَ من لفظ الكتاب فإنه قال: "وفي القديم له ذلك" وهو رَاجِعٌ إلى المذكور أَوَّلاً، وهو قوله: "العفو عن صَدَاقِ الصغيرة"، ولفظ العَفْوِ يَخْتَصُّ بالدَّيْنِ، على الوجه الذي أَوْرَدَهُ في الكتاب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ إِذَا وَهَبَتْ مِنَ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلاَقِ فَفِي رُجُوعِهِ بِنِصْفِ القِيمَةِ

قَوْلاَنِ، وَإِنْ رَجَعَ بِالإِبْرَاءِ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَرْجِعَ، وَإنْ كَانَ دَيْناً فَوَهَبَتْ مِنْهُ فَقَوْلاَنِ وَأَوْلَى بالرُّجُوعِ، فَإنْ مَنَعْنَا الرُّجُوعَ جَعَلْنَا الهِبَةَ كَالتَّعْجِيلِ إِلَيْهِ بِالصَّدَاقِ وَيَجْرِي القَوْلاَنِ في الرُّجُوعِ بِحُكمِ الفُسُوخِ بَعْدَ اتِّهَابِ المَرْجُوعِ فِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وَهَبَتِ الصَّدَاقَ المُعَيّنَ من زوجها، طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، فقولان: القديم: وَاحَدُ قولي الجديد، وبه قال مَالِكٌ، وأبو حنيفة، وكذلك أحمد في أصح الروايتين: أنه لا يَرْجِعُ عليها بشيء 1؛ لأنها عَجَّلَتْ له ما يَسْتَحِقُّهُ بالطلاق، فلا تبقى المُطَالَبَةُ عند الطلاق، فهذا كما أن من عَجَّلَ [الزكاة قبل الحول لا يطالب به عند الحول، وكالمديون إذا عجل] 2 الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ لا يُطَالِبُ به عن المَحَلِّ، وهذا ما اختاره المُزَنِيُّ.
والثاني: أنه يَرْجِعُ عليها بِنِصْفِ بَدَلِهِ، إما المِثْلُ أو القِيمَةُ 3 لأنه مِلْكٌ جديد، حَصَلَ له قبل الطَّلاَقِ، فلا يمنع الرُّجُوعَ عند الطلاق، كما لو انْتَقَل إليه مِنْ أَجْنَبِيِّ، أو باعه منه، ولأنها صَرَفَتِ الصَّدَاقَ بِتَصَرُّفِيهَا إلى جِهَةِ مَصْلَحَتِهَا، فأشبه ما إذا وَهَبَتْهُ من أَجْنَبِيِّ.
وأصح القولين عند صاحب "التهذيب" الأول، وأكثرون على تَرْجِيحِ الثاني؛ منهم العِراقِيُّونَ، والإِمام، والقاضي الرُّوَيانِيُّ، وهذا إذا [كانت] 4 قد قَبَضَتِ العَيْنَ المُصْدَقَةَ، ثم وَهَبَتْهَا منه، وإن وَهَبَتْ قبل القَبْضِ زاد نظران: أحدهما: أنا إذا قُلْنَا: الصَّدَاقُ مَضْمُونٌ في يَدِ الزوج ضَمَانَ العَقْدِ [كان ما] 5 وهبته قبل القَبْضِ كَهِبَةِ المَبِيعِ من البائع، وبَيْعِهِ منه قَبْلَ القَبْضِ، وفيه خلاف، ثم هذه تكون هِبَةَ الشَيْءِ ممن في يَدِهِ، وفيما يلزم به هذه الهِبَةُ ما سَبَقَ في موضعه.
والثاني: حَكَى الحناطي طَرِيقَةً قَاطِعَةً في هذه الحَالَةِ أنه لا يرجع عليها بِشَيْءٍ، كما سَنَذْكُرُهُ فيما إذا كان الصَّدَاقُ دَيْناً، فَأَبْرَأَتْهُ عنه؛ لأنه لم يدخل في يدها شَيْءٌ، والظاهر التَّسْوِيَةُ بين حَالَتَيْ وجود القَبْضِ وعدمه في طَرْدِ القولين، ولو كان الصَّدَاقُ دَيْناً، فَأَبْرَأَتْهُ عنه تَرَتَّبَ ذلك على هِبَةِ العَيْنِ إن قلنا: لا يرجع في العَيْنِ فههنا أَوْلَى، وإن قلنا: يرجع هناك، فهاهنا قولان، وإن شئت قلت في صورة الإِبْرَاءِ طريقان:

أحدهما: طَرْدُ قَوْلَي الهِبَةِ.
والثاني: القَطْعُ بعدم الرُّجُوعِ 1، والفرق أنها لم تَأْخُذْ منه مالاً، ولم تَتَحَصَّلْ على شيء، ثم اتفق المُثْبتُونَ للقولين، على أن الظَّاهِرَ هاهنا عَدَمُ الرجوع، ولو وَهَبَتِ الدين منه، فهذه الصُّورَةُ أَوْلَى بالرجوع من صُورَةِ الإِبْرَاءِ نظر إلى لَفْظِ الهِبَةِ، والظاهر اعتبار الحَقِيقَةِ، وأن الحُكْمَ كما في لَفْظِ الإبْرَاءِ، ولو قبضت الدَّيْنَ، ثم وَهَبَتْهُ منه، ثم طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، فالحكم كما في هِبَةِ العَيْنِ، قال في "التتمة": هذا إذا قلنا: إنه لو طَلَّقَهَا والمَقْبُوضُ في يدها وملكها، يتعين حقه فيه، أما إذا قلنا: لا يَتَعَيَّنُ، فله الرُّجُوعُ قَوْلاً واحداً.
وعند أبي حنيفة: إن كان ذلك من المِثْلِثَّاتِ، رجع، وإن كان من المُتَقَوّمَاتِ لم يرجع، فَرْقاً بأن المُسْتَوْفَى من المْتَقَوّمَاتِ عَيْبهُ الصداق؛ لأن المتقومات لا مِثْلَ لها، وفي المِثْلِيَّاتِ المُسْتَوْفَى مِثْلُ الصَّدَاقِ لا عَيْنُهُ.
ولو وهبت له الصداق، ثم ارْتَدَّتْ قبل الدُّخُولِ، أو فَسَخَ أَحَدُهُمَا بِعَيْبِ الآخر، قبل الدخول، ففي الرجوع في الكل مِثْلُ الخِلاَفِ المذكور في الرُّجُوعِ في النِّصْفِ عند الطلاق.
ولو باع عبداً بِجَارَيةٍ، ووهب الجَارِيةَ من بائعها، ثم وَجَدَ بَائِعُهَا بالعَبْدِ عَيْباً وأراد رَدَّهُ بالعَيْبِ، ففي تَمَكُّنِهِ منه، ومن المُطَالَبَةِ بقيمة الجَارِيةِ وَجْهَانِ مَأْخُوذَانِ من مسألة هِبَةِ الصَّدَاقِ قبل الطَّلاَقِ، ويجريان في تمَكُّنِهِ من طَلَب الأَرْشِ، إذا اطَّلَعَ على عَيْبِ العَبْدِ بعد هَلاَكِهِ، أو كان به عَيْبٌ حَادِثٌ مَانِعٌ من الرَّدِّ، ولو أَبْرَأَ السَّيِّدُ المُكَاتَبَ عنَ النُّجُومِ، وعُتِقَ، فهل له مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ بالإِيتاء؟.
فيه مِثْلُ هذا الخِلاَفِ، وإذا وَهَبَ المشتري المَبِيعَ من البائع، ثم أَفْلَسَ بالثَّمَنِ، فللبائع المُضَارَبَةُ مع الغُرَمَاءِ، بلا خلاف؛ لأن المَوْهُوبَ غير المستحقِّ، وهو الثَّمَنُ، وفي الصورة المتقدمة الموهوب أولاً هو المُسْتحقّ ثَانِياً، فجعلت الهِبَةُ تَعْجِيلاً على قول، وطَرَدَ الحناطيُّ الخِلاَفَ في مسألة المُفْلِسِ.
ولو ادعى عَيْناً في يد إِنْسَانٍ، وأقام شَاهِدَيْنِ، وحُكِمَ له بالمُدَّعَي، وسلم إليه، فوهَبَه من المُدَّعَى عليه، ثم رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عن الشهادة، وقلنا بِتَغْرِيمِ شُهُودِ المَالِ، ففي تَغْرِيمِ المدعى عليه الشَّاهِدَيْنِ، والصورة هذه -طريقان مَنْقُولاَنِ في "التتمة".
أحدهما: أنه على وجهين؛ أَخْذاً من مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ.
الثاني: القَطْعُ بالمَنْعِ؛ لأن المدعى عليه لا يَقُولُ بحصول المِلْكِ بالهِبَةِ، بل يَزْعُمُ دَوَامَ المِلْكِ السابق والذي كان، وفي الصداق زَالَ مِلْكُهُ حَقِيقَةَ، وعاد بالهَبَةِ 2.

وقوله: "ففي رُجُوعِهِ بِنِصْفِ القيمة" أي إن كان الصَّدَاقُ شَيْئاً مُتَقَوّماً، فإن كان مِثْلِيّاً، فالخلاف في الرُّجُوع بِنِصْفِ المثل.
وقوله: "فإن منعنا الرجوع جَعَلْنَا الهِبَةَ كالتعجيل" ليس لِتَفْرِيعِ الحُكْمِ على منع الرجوع، وإنما الغَرَضُ التَّنْبِيهُ على مَأْخَذِ القَوْلِ.

"

فرع

" حكى أبو سعد المتولي وَجْهَيْنِ فيما إذا وَهَبَتِ الصَّدَاقَ من الزوج على أنه لو طَلَّقَهَا كان ذلك عما يستحق بالطَّلاَقِ.
أحدهما: أنه تَفْسَدُ الهِبَةُ، ويبقى الصَّدَاق على مِلْكِهَا، فهذا طَلَّقَ تَشَطَّرَ.
والثاني: تَصِحُّ الهِبَةُ، ولا رُجُوعَ له [بالطلاق] 1 كما لو عجل الزَّكَاةَ، وقال: هذه زَكَاتِي المُعَجَّلَةُ، وليكن الوَجْهَانِ مَبْنِيَّيْنِ على أن الهِبَةَ المطلقة، هل تمنع الرُّجُوعَ؟ إن قلنا: تمنع، فهذا تَصْرِيحٌ بمقتضى الهِبَةِ، فتصح، ولا رُجُوعَ وإن قلنا: لا تمنع فَسَدَتِ الهِبَةُ بالشرط الفَاسِدِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا) لَوْ وَهَبَتْ مِنْهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإنْ قُلْنَا: الهِبَةُ لاَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فَفِي كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهِ بالنِّصْفِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): أَنَّ لَهُ النِّصْفَ البَاقِيَ وَتَنْحَصِرُ هِبَتُهَا في نَصِيبِهَا (وَالثَّانِي): أَنَّهُ يَشِيعُ فَلَهُ نِصْفُ مَا بَقِي وَرَبُعُ قِيمَةِ الجُمْلَةِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نِصْفِ قِيمَةِ الجُمْلَةِ حِذَاراً مِنَ التَّبْعِيضِ، وَإِنْ قُلْنَا: الهِبَةُ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فَعَلَى قَوْلٍ انْحَصَرَتِ الهِبَةُ في نَصِيبِهِ فَلاَ رُجُوعَ، وَفِي قَوْلٍ في نَصِيبِهَا فَلَهُ بَاقِي الصَّدَاقِ، وَفِي قَوْلٍ يَشيعُ فَلَهُ نِصفُ البَاقِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وهبت منه نِصْفَ الصَّدَاقِ، ثم طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بني ذلك على ما إذا وَهَبَتِ الكُلَّ، إن قلنا: إن هِبَةَ الكُلِّ لا تمنع الرُّجُوعَ بالنِّصْفِ فهبة البعض أَوْلَى ألا تَمْنَعَ، إلى ما يرجع؟.
فيه ثَلاَثَةُ أقوال، كما ذكرنا فيما إذا أَصْدَقَهَا عَبْدَيْنِ، وتَلِفَ أحدهما عندها، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول.
أحدهما: أن له النِّصْفَ الباقي؛ لأنه اسْتَحَقَّ النِّصْفَ بالطلاق، وقد وجده، فَيَأْخُذُهُ، وينحصر هاهنا في نصيبها.
وأظهرهما: أن له نِصْفَ الباقي، وهو الرُّبُعُ، وله مع ذلك رُبُعُ بَدَلِ الجملة؛ لأن الهِبَةَ وَرَدَتْ على مُطْلَقِ النصف، فَيُشِيعُ.

والثالث: أنه يَتَخَيَّرُ، إن شَاءَ أخذ نِصْفَ بَدَلِ الجملة، وترك الباقي لها، وإن شاء أَخَذَ نِصْفَ الباقي وهو الربع مع رُبُعِ بَدَلِ الجملة؛ لأنه لا بدّ من الإشَاعَةِ، وهي تفضي إلى تَبْعِيضِ حَقِّهِ، وهذه الأقوال هي بِعَيْنِهَا الأقوال التي جَرَتْ في الزَّكَاةِ، فيما إذا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَأَخْرَجَتْ واحدة منها للزَّكَاةِ، ثم طلقها قبل الدخول وإن قلنا: إن هِبَةَ الكُلِّ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فهاهنا ثَلاَثَةُ أقوال أيضاً: أصحهما: عند صاحب "التهذيب"، وهو المَنْصُوصُ في "المختصر"، وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يرجع بشيء أيضاً، وحَقُّهُ هو الذي عَجَّلته.
والثاني: أن الهِبَةَ تَنْزِلُ على خَالِصِ حَقِّهَا، ويرجع الزوج بجميع النِّصْفِ الباقي.
والثالث: ويُحْكَى عن "الإِملاء"، وبه قال المزني: أنه يرجع عليها بِنِصْفِ الباقي عندها، ويُجْعَلُ النِّصْفُ المَوْهُوبُ مَشاعاً فكأنها عَجَّلَتْ نصف حقه، وَوَهَبَتْ منه نِصْفَ حقها الخالص لها.
والقول الثاني تَفْرِيعاً على أن الهِبَةَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ كالأول تَفْرِيعاً على أنها لا تَمْنَعُ، فيحصل في المسألة خَمْسَةُ أقوال، فلو كانت قد وَهَبَتْ منه الثُّلُثَ، فإن قلنا: الهبَةُ لا تمنع الرُّجُوعَ، فله من الباقي النِّصْفُ على القَوْلِ الأول، ونِصْفُ الباقي ربع 1 بدل المَوْهُوب على الثاني، وَيتَخَيَّرُ بين نِصْفِ الباقي ربع 2 بَدَلِ الموهوب، وبين نصف بَدَلِ الجملة عَلى الثَّالِث.
وإن قلنا: يمنع، فعلى الأَوَّلِ يرجع بِرُبُع الباقي ليتمَّ له النِّصْفُ، وعلى الثاني يرجع بِنِصْفِ الجملة من البَاقِي، فيحصل علىَ خَمْسَة أَسْدَاسٍ، وعلى الثالث يرجع بنصف الباقي لا غَيْرَ.
وإن كان الصَّدَاق دَيْناً فَأَبْرَأَتْهُ عند نِصْفِهِ، ثم طلقها.
قال في "التتمة": إن قلنا: لو أَبْرَأَتْهُ عن الجَمِيعِ يرجع عليها فهاهنا يَسْقُطُ عنه النصف الباقي أيضاً.
وإن قلنا: لا يرجع بشيء، فهاهنا وجهان: أحدهما: أنه لا يَسْقُطُ عنه شيء، فيكون منا أَبْرَأَتْهُ مَحْسُوباً من حقه، كأنها عَجَّلَتْهُ.
والثاني: يبرأ عن نِصْفِ الباقي.
وإذا أَبْرَأَ المشتري 3 عن نِصْفِ الثمن، ثم وَجَدَ المشتري بالمَبِيعِ عَيْباً، وأراد

الرَّدَّ، فالحكم كما ذَكَرْنَا في الإِبْرَاءِ عن نصف الصَّدَاقِ، ولو أَبْرَأَهُ عن عُشْرِ الثمن، وَاطَّلَعَ علي عَيْبِ قديم، ثم حَدَثَ عنده عَيْبٌ وأرش العَيْبِ القديم العُشْرُ، فالظاهر أنه يُطَالِبُ بالأرْشِ، ولا يَنْصَرِفُ ما أبرأ عنه إلا الأَرْشِ.
ولا يخفى أن لفظ "القِيمَةِ" في قوله في الكتاب: "وربع قيمة الجملة" وفيما بعد ذلك مَحْمُولٌ على ما إذا كان الصَّدَاقُ مُتَقَوّماً، وإن كان مُثْلِيّاً، فالرجوع إلى المِثْلِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: اخْتَلَعَتِ المَرْأَةُ قَبْلَ المَسِيسِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ مُطْلَقاً فَفِي قَوْلِ يَنْزِلُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَبْقَى لَهَا، وَعَلَى قَوْلٍ يَشِيعُ فَيفَسْدُ نِصْفُ الصَّدَاقِ وَيُبْنَى البَاقِي عَلَى تَفْرِيق الصَّفْقَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مَرَّ في أَوَّلِ الباب أن الخُلْعَ قبل الدُّخُولِ يُشَطِّرُ، فإن خَالَعَ امْرَأَتَهُ قبل الدخول على شيء وَرَاءَ الصَّدَاقِ [فله المُسَمَّى، ولها عليه نِصْفُ المَهْرِ، وإن خَالَعَهَا على جميع الصَّدَاقِ] 1 فقد خَالَعَ على مَالِهِ ومالها لِعَوْدِ النصف إليه بالخلع فتحصل البَيْنُونَةُ، وتَبْطُلُ التَّسْمِيَةُ في نَصِيبِهِ، وفي نصيبها قَدْ لا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إن لم نُصَحِّحْ، فيبقى لها عليه نِصْفُ الصَّدَاقِ، وفيما له عليها قولان: أصحهما: مَهْرُ المِثْلِ.
والثاني: مِثْلُ الصَّدَاقِ، أو قيمته، وربما وَقَعَ ذلك في صُورَةِ التَّقَاصِّ، وهذان القَوْلاَنِ المَذْكُورَانِ في أَنَّ الصَّدَاقَ إذا فَسَدَ يكون الرُّجُوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، أو بَدَلِ المُسَمَّى، لا فَرْقَ في ذلك بين الصَّدَاقِ وبدل الخُلْعِ.
وإن صَحَّحْنَا التَّسْرِيَةَ في نصيبها، قال الإِمام وغيره: يثبت للزَّوْج الخِيَارُ إذا كان جَاهِلاً بالحال من التَّشْطِيرِ والتفريق، فإن فَسَخَ عاد القَوْلاَنِ في أن الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ أو بَدَلِ المُسَمَّى، وإن أجاز، فعلى القَوْلَيْنِ المذكورين في "البيع" في أن المُشْتَرِي إذا أجَازَ البَيْعَ فيما يَصِحُّ العَقْدُ فيه، يُجْبَرُ بكل الثمن أو بالقِسْطِ، إن قلنا: يُجْبَرُ بالكل، فلا شيء له سِوَى النِّصْفِ الذي صَحَّ الخُلْعُ فيه، ولا يرجع عليها بشيء آخَرَ.
وإن قلنا: يجبر بالقِسْطِ، فقد بَطَلَ نِصْفُ البَدَالِ، فيرجع عليها بِنِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ في أَصَحِّ القولين، وبنصف مِثْلِ الصَّدَاقِ، أو قيمته في القَوْلِ الآخر، وإن خَالَعَهَا على نِصْفِ الصَّدَاقِ، نظر إن قيد وقال: خَالَعْتك بالنصف الذي يَبْقَى لك بعد الفِرَاقِ، فهو صَحِيحٌ.
وِيبْرَأُ عن جَمِيعِ الصَّدَاقِ إن كان دَيْناً وِيعود إليه المِلْكُ في جَمِيعِهِ، إن كان عَيْناً، وإن أَطْلَقَ، فقولان؛ بناءً على أن تَصَرُّفَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ في النصف المُطْلَقِ من

العين المشتركة بالسَّوِيَّة ينزل على النصف الذي له أو يشيع؟.
أحد القولين: أنه يَنْزِلُ على نصيبها، ويكون الحكم كما لو قَيَّدَ بنصفها.
وأصحهما: عند أكثرهم -أنه يشيع لإِطْلاَقِ اللَّفْظِ، فكأنه خَالَعَهَا على نِصْفِ نصيبها، ونِصْفِ نصيبه، فَيَبْطُلُ في نِصْفِ نصيبه، وفي نِصْفِ نصيبها القولان إن لم نُصَحِّحْ، فيبقى لها عليه نِصْفُ الصَّدَاقِ، وله عليها مَهْرُ المِثْلِ، في أصح القولين ومثل نِصْفِ الصَّدَاقِ، أو قيمته في الآخر، وقد يُتَصَوَّرُ بصورة التَّقَاصِّ.
وإن صَحَّ في نصف نَصِيبِهَا، فلها عليه رُبَعُ الصَّدَاقِ، ويسقط الباقي بحُكْمِ التَّشْطِيرِ، وعوض الخُلْعِ، ثم أحد القولين أنه لا يستحقُّ لِعِوَضِ الخُلْعِ، إلا الربع الذي الخُلْعُ فيه.
وأظهرهما: أن له مع ذلك نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ، على أصح القولين، وربع مثل الصَّدَاق، أو قيمته على القول الثَّانِي، وقد يَقَعُ في التَّقَاصِّ، ومن الأصحاب من يحذف النَّظَرَ إلى خِلاَفِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، ويقول: كل الصَّدَاقِ لها، إلى أن يحصل الفِرَاقُ [فيصح لها أن تجعل كله أو نِصْفَهُ عِوَضاً، إلا أنه إذا تَمَّ الخُلْعُ، وحصل الفِرَاقُ] (1) يسقط النصف، فهو كما لو خَالَعَهَا على عَيْنٍ، وتَلِفَ نصفها قبل القَبْضِ، فيكون الرُّجُوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ في قول، وإلى بَدَلِ التَّالِفِ في قول، هذا اخْتِصَارُ ما ذكره الأصحاب في المَسْأَلَةِ، وقد تَعَلَّقَتْ بأصول مختلف فيها: أحدها: القولان في الحَصْرِ والشُّيُوعِ.
والثاني: القولان في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
والثالث: إن فَرَّقْنَاهَا، وأثبتنا الخِيَارَ فيما صَحَّ العَقْدُ فيه، فالإِجَازَةُ تكون بالجَمِيعِ أْو ببعضه.
والرابع: أن بَدَلَ الخُلْعِ إذا فَسَدَ يكون الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ، أو بَدَلِ المذكور.

" فَرْعٌ"

عن ابن سُرَيْجٍ أنها لو قالت: خَالِعْنِي على ألا تَبِعَةَ لك في المَهْرِ عَلَيَّ، يَصِحُّ، ويكون معناه على ما سلّم لي من المَهْرِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في المُتْعَةِ) وَكُلُّ مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ المَسِيسِ لاَ تَسْتَحِقُّ شَطْرَ المَهْرِ فَتَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ، وَاِن اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ المَهْرِ بِالمَسِيسِ فَتَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ عَلَى1

أَحَدِ القَوْلَينِ مَهْمَا طُلِّقَتْ، وَفِي مَعْنَى الطَّلاَقِ كُلُّ فِرَاقِ يُوجِبُ التَّشْطِيرَ فَإِذَا لَمْ يُشَطِّرِ اقْتَضَى المُتْعَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المُتْعَةُ 1 اسْمٌ للمال الذي يَدْفَعُهُ الرَّجُلُ إلى امْرَأَتِهِ، لِمُفَارَقَتِهِ إياها، والفُرْقَةُ نوعان: فُرْقَةٌ تحصل بالمَوْتِ، فلا توجب مُتْعَةً بالإجْمَاعِ، والمعنى فيه: أن الزَّوْجَ لم يُوحِشْهَا، وإنما اخْتُرِمَ، وسبب وُجُوبِ المتْعَةِ إِيحَاشُهَا وابتدالها.
وفُرقَة تحصل في الحَيَاةِ، كما إذا طَلَّقَهَا، فينظر إن طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، وقد وَجَبَ لها مَهْرٌ بتسمية صَحِيحَةٍ، أو فاسدة في العَقْدِ، أو بِفَرْضٍ بعد العقد، إذا كانت مُفَوِّضَةً، فلا مُتْعَةَ؛ لأنه لم يَسْتَوْفِ مَنْفَعَة بُضْعِهَا، وتشطر المهر، كان لما لِحَقَهَا من

الابْتِدَالِ، فلا حَاجَةَ إلى شيء آخر.
وعن ابن سُرَيْجٍ وغيره إِثبات قول آخر: أن لها المُتْعَةَ لإطْلاَقِ قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] وإن لم يجب لها شَيْءٌ بالتَّسْمِيَةِ في العقد، أو الفَرْضِ بعده، فلها المُتْعَةُ قال: الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236]. وعن مَالِكٍ أن المُتْعَةَ لا تجب، وإنما هي مُسْتَحَبَّةٌ، فإن طَلَّق بعد الدخول، ففي المُتْعَةِ قولان: القديم: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ: أنها لا تجب؛ لأنها تَسْتَحِقُّ المَهْرِ، والحالة هذه، إما المسمى، أو مَهْرِ المِثْلِ، وبه غُنْيَةٌ عن المُتْعَةِ.
والجديد: أنها تَجِبُ لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241]. وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿افَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد دخل بهن.
وعن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أن لكل مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً، إلاَّ التي فَرَضَ لها، ولم يدخل بها، فَحَسْبُهَا نِصْفُ 1 المَهْرِ، وليست كالمُطَلَّقَةِ قبل المَسِيسِ المُسْتَحِقَّةِ لِشَطْرِ المَهْرِ؛ لأنه لم يسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا، فيكفي شَطْرُ المَهْرِ للإِيحَاشِ والابْتِدَالِ، وهاهنا اسْتَوْفَتْ مَنْفَعَةَ البُضْعِ، والمَهْرِ في مقابلتها، فيجب للإِيحَاشِ شيء آخر.
وعن أحمد رِوَايَتَانِ كالقولين، ومهما حَصَلَتِ الفُرْقَةُ من جِهَةِ الزوج لا بِسَبَبٍ منها، أو حصلت من جهَةِ أجنبي، فهو كالطَّلاَقِ، في اقْتِضَاءِ المُتْعَةِ، وذلك كما إذا ارْتَدَّ أو أسْلَمَ، أو لاَعَنَ أَو أسلم، وتحته نِسْوَةٌ، فَفَارَقَ بعضهن اقْتِصَاراً على العَدَدِ الشَّرْعِيِّ، وكما إذا وَطِئَ أبوه أو ابْنُهُ زَوْجَتَهُ بالشُّبْهَةِ، أو أرضعت أُمُّهُ أو ابنته زَوْجَتَهُ الصغيرة 2، فانْفَسَخَ النكاح والخُلْعُ، وإن كان يَتِمُّ بها، فهو كالطلاق، كما إنه في اقْتِفَاءِ التَّشْطِيرِ كالطلاق.
وحَكَى في "الوسيط" فيه تَرَدُّداً للأصحاب، والمشهور أنها تَجِبُ، وكذا الخُلْعُ مع الأجنبي، وكذا لو فوَّضَ الطلاق إليها، فَطَلَّقَتْ نفسها، أو عَلَّقَ طَلاَقَهَا بفعل لها، فَأَتَتْ

به، أو آلَى منها فَطَلَّقَهَا بعد المُدَّةِ بطلبها (1) وحكى الحناطي وَجْهاً آخر في التَّعْلِيقِ بِفَعْلِهَا، وفي صورة الإِيلاَءِ.
ولو ارْتَدَّ الزوجان مَعاً ففي المُتْعَةِ وجهان كالوجهين في الشَّطْرِ إذا ارْتَدَّا معاً قبل الدخول والأصح: المَنْعُ، وإن كانت الفُرْقَةُ من جِهَةِ المَرْأَةِ، أو بسبب فيها لم تَجِب المُتْعَةُ، كما لا يجب نِصْفُ المَهْرِ قبل الدُّخُولِ، وذلك كَرِدَّةِ المرأة، وِإسْلاَمِهَا، وفسخها بِإعْسَارِ الزوج، أو بِعِتْقِهَا، والزوج رَقِيقٌ، وكَالفَسْخِ بِالغُرُورِ، وفَسْخِهِ بعَيْبِهَا وَفَسْخِهَا بِعَيْبِهِ.
حكى المُزَنيُّ أن لها المُتْعَةَ إذا فَسَخَتْ بالعُنَّةِ، واعترض عليه، فمن الأصحاب من جعله قَوْلاً آخر، وقال: هي مَعْذُورَةٌ في الفَسْخ.
والأكثرون لم يثبتوه، وقالوا: الاعْتِرَاضُ صَوَابٌ، والنقل سَهوٌ.
ولو زوج الذِّمِّي ابنته الصغيرة من ذِمِّيِّ، ثم أسلم أَحَدُ أبويها، وارتفع النِّكَاحُ حكمنا بإسلامها، فلا مُتْعَةَ لها، كما لو أسْلَمَتْ بنفسها، ولو اشترى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، فالنَّصُّ في رواية المزني أنه يسقط المُتْعَة على ما قَدَّمْنَا في الفَصْلِ الخامس من القسم الخامس من "كتاب النِّكاح" وهو الظَّاهِرُ.
وعن "الإِملاء" أن لها المُتْعَةَ؛ لأن سَبَبَ الفُرْقَةِ حَصَلَ من الزوج وغيره، فأشبه الخُلْعَ.
ومن أبي إِسْحَاقَ: أنه إن استدعى الزوج الشراء، وَجَبَتِ المُتْعَةُ، وإن اسْتَدْعَاهُ السيد لم تجب.
ويستوي في المُتْعَةِ المُسْلِمُ والذمي، والحُرُّ والرقيق، والحرة والرقيقة، وهي في كَسْبِ الزوج الرقيق ولسيد الزوجة الرقيقة كالمَهْرِ.
وقوله في الكتاب: "وكل مُطَلَّقَةٍ قَبل المَسِيسِ تَسْتَحِقُّ شَطْرَ المَهْرِ" هي المُفَوِّضَةُ قبل الفرض.
وقوله: "فَتَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ" مُعَلَّمٌ بالميم.
وقوله بعد ذلك: "فتستحق المتعة" مُعَلَّمٌ بالحاء، ويجوز أن يُعَلَّمَ بالألف أيضاً لإِحدى الروايتين عن أحمد.
وقوله: "وفي معنى الطَّلاَقِ كُلُّ فراق يوجب التَّشَطُّرَ" أي: إذا اتَّفَقَ قبل الدخول "فإذا لم يَتَشَطَّرْ" لوقوعه في صورة التفويض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمِقْدَارُهَا كُلُّ مَا جَازَ أنْ يَجْعَلَ صَدَاقاً، وَقِيلَ: مَا يَرَاهُ القَاضِي لاَئِقاً بِحَالِهِمَا مِنْ ثَوْبٍ أَوْ خَاتَمٍ، وَينْبَغِي أنْ يُحَطَّ عَنْ شَطْرِ المَهْرِ كَمَا يُحَطُّ التَّعْزِيرُ عَنِ الحَدِّ.

" القَوْلُ في قَدْرِ المُتْعَةِ"

قال الرَّافِعِيُّ: الكلام في قَدْرِ المُتْعَةِ: في المُسْتَحَبِّ منه، وفي الوجب أما1

المُسْتَحَبُّ: فقد قال في "المختصر": اسْتُحْسِنَ قَدْرُ ثلاثين درهماً.
وعن القديم أنه يمتعها ثَوْباً بِقَدْرِ ثلاثين دِرْهَماً.
وعن بعض كتبه: أنه يمتعها بخادم وإلاَّ فَبِمِقْنَعَةٍ، وإلاَّ فَبِقَدْرِ ثلاثين دِرْهماً، وليس ذلك اخْتِلاَفَ قول، بل نزلها الأصحاب على دَرَجَاتِ الاسْتِحْبَابِ، وقالوا: أقل القَدْرِ المُسْتَحَبِّ ثلاثون دِرْهَماً، وحملوا المِقْنَعَةَ على الصّنْف الذي يزيد قِيمَتُهُ على ثلاثين، وفي بعض الشروح نص قول آخر، وهو أنه يُمَتِّعُهَا الخَادِمَ، إن كان مُوسِراً، وإن كان مُعْسِراً فبمقنعةٍ، وإن كان مُتَوسِّطاً فبقدر ثلاثين درهماً، والمِقْنَعَةُ في هذا النص مَحْمُولَةٌ على النَّازِلَةِ التي لا تبلغ الثلاثين، وذِكْرُ الثلاثين قد وَرَدَ عن ابن عُمَرَ، وابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهم-.
وأما الواجب، فإن تَرَاضَيَا على شيء فذاك.
وحكى الحناطي وَجْهاً أنه ينبغي أن يُحَلِّلَ كل واحد منهما صَاحِبَهُ، فإن لم يَفْعَلا لم تَبْرَأْ ذِمَّةُ الزَّوْجِ، ولها رَفْعُ الأَمْرِ إلى الحَاكِمِ ليقدر مُتْعَةً، والظاهر الأول، وإن تَنَازَعَا فوجهان: أحدهما: أن الوَاجِبَ أَقَلُّ ما يُتَمَوَّلُ، ويكفي ذلك متْعَةً، كما أنه يَجُوزُ أن يكون صَدَاقاً.
وأصحهما: أن الحاكم يُقَدِّرُهُ باجتهاده؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وبم يعتبر الحاكم وإلام ينظر فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وبه قال أبو إسْحَاقَ أن الاعْتِبَار بحال الزَّوْجِ للآية.
والثاني: بحال المَرْأَةِ؛ لأن المُتْعَةَ كالبَدَلِ للمهر، ألا ترى أن المُتْعَةَ في المُفَوِّضَةَ إنما تَجِبُ إذا لم يجب نِصْفُ المَهْرِ، والمهر مُعْتَبَرٌ بحالها وعَصَبَاتِهَا، فكذلك المُتْعَةُ.
والثالث: أنه ينظر إلى حالهما مَعاً؛ قال في "الوسيط"؛ وهو الصَّحِيحُ 1، ورَجَّحَهُ غيره أيضاً، وهو ظَاهِرُ لفظ "المختصر"، وهل يجوز أن تزيد المُتْعَةُ على شَطْرِ المَهْرِ فيه وجهان: أحدهما: ويحكى عن صاحب "التقريب" لا؛ لأنها بَدَلٌ عن شَطْرِ المَهْرِ، فلا يزاد عليه.
وأظهرههما: نعم، لإِطْلاَقِ الآية، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره 2.

وحكى الحناطي وَجْهاً ثالثاً وهو أنها لا تبلغ الشَّطْرَ أيضاً، بل تَنْقُصُ عن شَطْرِ المَهْرِ، كما يحط التعزير عن الحَدِّ، ويوافقه قَوْلُهُ في الكتاب: "وينبغي أن يحطَّ عن شَطْرِ المهر" ولم يذكر في "الوسيط" هكذا، لكن قال: لا يُزَادُ على شَطْرِ المَهْرِ ثم قضية ما ذكره في "الوسيط" اعْتِبَارُ نِصْفِ المسمى، وإن لم يسم شيئاً، اعتبر نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ.
وقال أبو حنيفة: تَتَقَدَّرُ المُتْعَة ثلاثة أبواب: دِرْعٌ وخِمَارٌ ومِقْنَعَةٌ، إلا أن يكون نِصْفُ مَهْرِ مِثْلَها أَقَلَّ من ذلك.
وعن أحمد في رواية أنها تَتَقَدَّرُ بما تُجْزِئُ فيه الصلاة، وفيه رواية: يُقَدِّرُهَا الحَاكِمُ.

البَابُ الخَامِسُ في التَّنَازع،

وَفِيهِ مَسَائِلٌ قَالَ الغَزَالِيُّ: (إِحْدَاهَا): إِذَا تَنَازَعَا في قَدْرِ المَهْرِ أَوْ صِفَتِهِ تَحَالَفَا كَمَا فِي البَيْعِ وَيَجْرِي ذَلِكَ بَعْدَ انْقِطَاعِ النِّكاحِ وَبَعْدَ المَوتِ؛ لأَنَّ الصَّدَاقَ كَعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ بنَفْسِهِ، وَيَحْلِفُ الوَارِثُ النَّافِي عَلَى نَفْيِ العِلْمِ وَالمُثْبِتُ عَلَى البَتِّ، وَفَائِدَةُ التَّحَالُفِ انْفِسَاخُ الصَّدَاقِ وَالرُّجُوعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَلَهَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَتْهُ أَقَلَ منْ مَهْرِ المِثْلِ، وَلَوِ ادَّعَتِ التَّسْمِيَةَ وأَنْكَرَ الزَّوجُ أَصْلَ التَّسْمِيَةِ تَحَالَفَا، وَقِيلَ: القَوْلُ قَوْلُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الباب القَوْلُ في التَّنَازُعِ في الصداق، وَيشْتَمِل على مسائل: منها: إذا اختلف الزَّوْجَانِ في قَدْرِ الصَّدَاقِ، أو في صِفَتِهِ، كالصحة والتكسُّر والحلول والتأجيل، وكَقَدْرِ الأَجَلِ، تَحَالَفَا، كما في البَيْعِ، ولا فَرْقَ بين أن يَكُونَ هَذَا الاختلاف قبل الدُّخُول أو بعده.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك: إن كان بَعْدَ الدُّخُولِ، فالقول قول الزوج مع يمينه، وإن كان قبل الدخول، فعن أبي حَنِيْفَةَ القَوْلُ قَوْلُهَا في قَدْرِ المَهْرِ، وقول الزوج فيما زاد.
وعند مالك يَتَحَالَفَانِ، وُيفْسَخُ النِّكَاحُ؛ بناءً على أصله أن فساد الصَّدَاقِ يُوجِبُ فَسَادَ النكاح.
وعن أحمد: أن القول قَوْلُ الزوج، إلا أن يدعي ما يستنكر في العَادَةِ، وكما يجري التَّحَالفُ مع قيام الزوجية يجري التَّحَالُفُ بعد انْقِطَاعِهَا؛ لأن الصَّدَاقَ كَعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ بنفسه، وأثر التَّحَالُفِ يظهر فيه، لا في النكاح.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أن بعد انْقِطَاع النكاح لقَوْل قَوْلُ الزوج مُطْلَقاً، ويجري التَّحَالُفُ فيما إذا مَاتَ الزَّوْجَانِ، واختلفَ الوَارِثَانِ في الصدق، أو أَحَدُ الزوجين، ووقع = فرضه الحاكم، ويشهد له من كلام الأصحاب نظائر، منها أن الحاكم لا يبلغ بحكومة عضو مقدّرة ومنها ألا يبلغ بالتعزيز الحد.

الاخْتِلاَفُ بين وَارِثهِ، وبين الآخر، لكنه إذا كان الاخْتِلاَفُ بين الزَّوْجَيْنِ، فاليمين في طَرَفِ النَّفْيِ والإثبات على البَتّ، والوَارِثُ يَحْلِفُ في النَّفْيِ على نَفْي العِلْمِ، وفي الإِثبات علىَ البَتِّ، كما هو دَأْبُ اليمين على فعل الغير، فيقول وَارِثُ الزوج: وَاللهُ لا أعلم أن مُوَرِّثِ ينكحها بألف، إنما نَكَحَهَا بخمسمائة، ويقول وَارِثُ الزوج: واللهِ لا أعلم لأنه نَكَحَ مورثتي على خمسمائة، وإنما نكحها بألف هذا هو المشهور، وأَحْسَنَ بعض الشارحين، فقال: عندي يَحْلِفُ على البَتِّ في النَّفْيِ والإِثبات جميعاً؛ لأن القَاطِعَ بأن النِّكَاحَ جَرَى بخمسمائة قاطع بأنه ما جَرَى بألف، فإذاَ ثبت بأنه نكح بخمسمائة، فلا معنى لقوله: لا أَعْلَمُ لأنه ما نَكَحَهَا بألف.
وعند أبي حنيفة إن مات أَحَدُ الزوجين، ووقع الاخْتِلاَفُ بين وَارِثهِ، وبين الآخر، فالحكم كما في اخْتِلاَفِ الزوجين.
وإن مَاتَا معاً، فالقول قَوْلُ وَرَثَةِ الزوج بلا تَفْصِيلٍ.
وكَيْفِيَّةُ اليمين ومن به البدَايَةُ على ما مَرَّ في البَيْعِ.
وإذا تَحَالَفَا فيفسخ الصداق، ثم تَرْجِعُ المَرْأَةُ إلى مَهْرِ المثل، وقد ذكرنا في البَيْعِ وَجْهاً أنه يُفْسَخُ البيع بنفس التَّحَالُفِ، فليجيء مثله هاهنا، [وليكن] 1 القول فيمن يَتَوَلَّى الفَسْخَ، وفي الانفساخ بَاطِناً على ما مَرَّ في البَيْعِ، وقد صرح بجميع ذلك الحناطيُّ.
ولا يَخْتَلِفُ الرُّجُوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، بين أن يكون زَائِداً على ما تَدَّعِيهِ المَرْأَةُ، كما إذا ادَّعَتْ أن الصَّدَاقَ ألف، وادَّعى الزوج أنه خمسمائة، ومهر مثلها ألفان، وبين ألا يكون زَائِداً؛ لأن التَّحَالُفَ يسقط ما يَدَّعِيَانِهِ، ويصير كأنه لم يَجُرِ ذِكْرُ هذا، ولا ذاك.
وقال أحمد بن خَيْرَانَ؛ إذا كان مَهْرُ المثل زَائِداً على ما ادَّعَتْهُ، فليس لها إلا ما ادَّعَتْهُ، ويحكى هذا عن ابن الوَكِيلِ أيضاً.
والصحيح الأَوَّلُ هذا في الظاهر.
وأما في الباطن، فإن قلنا: إنه لا يَنْفَسِخُ، لم يَخْفَ ما يحلُّ لها.
ولو ادَّعَتِ المرأة مَهْراً مُسَمَّى، وأنكر الزوج أصل التسمية، فوجهان: أحدهما: أن القَوْلَ قَوْلُ الزوج مع يَمِينِهِ؛ لأن الأَصْلَ عدم التسمية.
وأصحهما: وبه قال القاضي الحسين أنهما يَتحَالَفَانِ؛ لأن الزَّوْجَ إذا لم يدع التَّفْوِيضَ، فكأنه يقول: الواجب مَهْرُ المِثْلِ، وهي تقول: الواجب ألف بالتسمية، فَحَاصِلُهُ الاختلاف في قَدْرِ الصَّدَاقِ [فيتحالفان] 2 وإنما يَحْسُنُ وضع المسألة إذا كان ما

تَدَّعِيهِ أَكْثَرَ من مَهْرِ المثل 1. ولو أنكرت هي التَّسْمِيَةِ، وادَّعَى الزوج تَسْمِيَّةَ المهر، فالقول قولها، أو يَتَحَالَفَانِ؟.
القياس مجيء الوجهين.
ولو ادَّعى أحدهما التَّفْوِيضَ، وادعى 2 الآخَرُ تَسْمِيَةَ مَهْرٍ، فإن أوجبنا المَهْرَ في المُفَوِّضَةِ بالعقد فهو كما لو ادَّعَى أحدهما السُّكُوتَ، والآخر التَّسْمِيَةَ.
وإن لم نوجبه بالعَقْدِ، فالأصل عدم التسمية من جَانِبٍ، وعدم التَّفْوِيضِ من جانب.
ولو ادَّعَى أحدهما التَّفْوِيضَ، وادعى الآخر أنه لم يَجْرِ لَلمهر تعرض، فَيُشْبهُ أن يكون القَوْلُ قول الثاني.
ولو أن المُخْتَلِفَيْنِ في الصَّدَاقِ، حلف أحدهما، ونَكَلَ الآخر، حكمنا بيمين الحَالِفِ، ولو أقام أحدهما البَيِّنَةَ حُكِمَ بموجبها.
ولو أقاما بَيِّنَتَينِ، وهما مختلفتان في قَدْرِ الصَّدَاقِ، فعن ابن سُرَيْجٍ، وجهان 3: أحدهما: أن بَيِّنَةَ المرأة أَوْلَى لاشتمالها على الزِّيَادَةِ.
والثاني: أنهما مُتَعَارِضَتَانِ، فإن قلنا بالتَّسَاقُطِ، فكأن لا بَيِّنَةَ، فَيَتَحَالَفَانِ، وإن قلنا: يُقْرَعُ، فهل يحتاج من خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ إلى اليمين ذكروا فيه وجهين.
أما لفظ الكتاب فقدله: "تَحَالَفا" ليعلّم بالحاء والميم والألف.
وقوله: "بعد انْقِطَاع النكاح" بالحاء، وقوله: "ويحلف الوارث النَّافِي على نَفْيِ العلم، والمُثْبِتُ على البَتِّ" إن حُمِلَ على صورة مَوْتِ الزوجين، لم يحسن مَوْقُعُهُ؛ لأنه لا يَخْتَصُّ حينئذٍ أَحَدُ الوارثين بالنفي، والآخر بالإِثْبَاتِ، بل يَكُونُ كل واحد منهما نَافِياً، ومُثْبِتاً، فليحمل قوله: "الوَارِثُ النافي" على صورة مَوْتِ الزوج، واختلاف وَارِثِهِ مع الزوجة.
وقوله الوارث "المثبت على" صورة موت الزوجة، واختلاف وَارِثهَا مع الزوج، ولو قال: ويحلف الوارث في النَّفْي على العِلْمِ، وفي الإثبات على البَتِّ لشمل ما إذا مَاتَ الزَّوْجَانِ، أو مات أحدهما.

وقوله: "وفائدة التَّحَالُفِ انْفِسَاخُ الصداق" هذا اللَّفْظُ يُوافِقُ القول بالانْفِسَاخِ عند التَّحَالُفِ، والظاهر الفَسْخُ دون الانْفِسَاخِ، لكنه لم يقصد الآن القَوْلَ في أنه يفسخ أو ينفسخ، وإنما قَصَدَ بَيَانَ أَثَرِ التَّحَالفِ، وما يؤول إليه الأمر آخراً، وهو مَهْرُ المِثْلِ، وانْفِسَاخُ التَّسْمِيَةِ، إما بالفسخ، أو دونه.
وقوله: "وإن كان ما ادعته أَقَلَّ من مَهْرِ المثل" مُعَلَّمٌ بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ المَهْرِ أَوْ سَكَتَ وَاعْتَرَفَ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَثْبُتْ بِحَلِفِهَا مَهْرُ المِثْلِ عَلَيْهِ في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ بَلْ يَتَحَالَفَانِ، وَكَذَا مُجَرَّدُ قَوْلهِ: هذا ابْنِي منها لا يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ وإنْ كَانَ ظَاهِراً في الإِقْرَارِ بِالوَطْءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَتِ النِّكَاحَ وَمَهْرَ المثل، واعترف الزَّوْجُ بالنكاح، وأنكر المَهْرَ، أو سَكَتَ عنه، ولم يَدَّعِ التَّفْوِيضَ ولا إِخْلاَءَ النكاح [عن] 1 ذكر المَهْرِ حكى صاحب الكتاب فيه وجهين: أحدهما: وُينْسَبُ إلى القاضي الحسين أنه يَثْبُتُ لها المَهْرُ، إذا حلفت؛ لأن الظَّاهِرَ معها، فإن النكاح يوجب مَهْرَ المِثْلِ، إذا لم تَجْرِ تَسْمِيَةٌ صحيحة.
وأَظْهَرُهُمَا: عند صاحب الكتاب: أنه لا يثبت مَهْرُ المِثْل بيمينها، ولكن يَتَحَالَفَانِ أما أنه لا يثبت مَهْرُ المِثْلِ بيمينها فلأن النكاح قد يَجْرِي بِأَقَلّ ما يُتَمَوَّل، وليس من لَوَازِمِهِ وُجُوبُ مَهْرِ المثل وأما التحالف [فلأن إِنْكَارَ أَصْلِ المَهْر أَبْلَغُ من إنكار بَعْضِهِ، وذلك يوجب التَّحَالُفَ] 2 وهذا لا يكاد يُتَصَوَّرُ، فإنا حيث نَقُولُ بالتحالف نُحَلِّفُ كُلَّ واحد منهما على إِثْبَاتِ ما يَزْعمُهُ، ونَفْي ما يَزْعُمُ صاحبه، والمَفْرُوضُ من جِهَةِ الزوج في المسألة إِنْكَارٌ مُطْلَقٌ، فأي معنى للِتَّحَالُفِ، ولم يذكر القاضي الرُّويَانِيُّ هذا الخلاف هكذا، لكن قال: قال مَشَايخُ "طبرستان": القول قَوْلُ الزوج وعليها البَيِّنَةُ، والحق ألا يُسْمَعَ إِنْكَارُهُ؛ لاعترافه بما يَقْتَضِي المَهْرَ، ولكن يُطَلَّقُ البَيَانَ، فإن ذكر قدراً وذكرت زِيَادَةً تَحَالَفَا، وإن أَصَرَّ على الإِنْكَارِ رُدَّتِ اليَمِينُ عليها، وقُضِيَ لها بها قال: ورأيت جَمَاعَةً من المحققين بـ"خراسان" و"العراق" يُفْتُون بهذا، وهو القَوِيمُ.
ولو ادَّعَتْ زَوْجِيَّة ومَهْراً مُسَمَّى يساوي مَهْرَ المِثْلِ وقال الزوج: لا أدري، أو سكت.
قال الإِمام: ظاهر ما ذكره القَاضِي أن القَوْلَ قَوْلُهَا؛ لما مَرَّ أن النِّكَاحَ يَقْتَضِي مَهْرَ المِثْلِ، ولك أن تقول: هب أن النِّكَاحَ يَقْتَضِي مَهْرَ المِثْلِ، إذا لم يكن تسمية، لكنه لا يَقْتَضِي شَيْئاً آخر يساوي مَهْرَ المِثْلِ، فلا يلزم تَصْدِيقُهَا فيه قال: والذي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ

المذهب أن دَعْوَاهَا مُتَوَجِّهَةٌ (1) بذلك المِقْدَارِ، ولا يُسْمَعُ منه التَّرَدُّدُ، بل يَحْلِفُ على نَفْيِ ما تدعيه، فإن نَكَلَ، رُدَّتِ اليَمِينُ عليها، وقُضِيَ بيمينها، وهذا مثل ما سَبَقَ في دَعْوَى مَهْرِ المِثْلِ.
ثم حكى عن القاضي على قِيَاسِ الوَجْهِ المَنْسُوب إليه، أنه إذا قال: هذا ابني من فُلانَةَ، فتَسْتَحِقُّ مَهْرَ المِثْلِ، إذا حَلَفَتْ؛ لأنه أقر بالوَطْءِ ظاهراً؛ لأن اسْتِدْخَالَ المَاءِ بعيد، والوطء المُحْتَرَمُ هو الذي يَحْصُلُ منه الوَلَدُ النسيب (2) ظاهراً، وأنه يَقْتَضِي المَهْرَ، وقياس ظاهر المذهب أن يُؤْمَر بالبيان، إذا أنكر ما تدعيه، وإن أَصَرَّ على الإِنْكَارِ رُدَّتِ اليمين عليها.

" فَرْعٌ"

عن "التتمة" مات الزوج، وادَّعَتِ الزَّوْجَةُ على الوَارِثِ أن الزوج سَمَّى لها أَلْفاً، فقال الوارث: لا أعلم كم سَمَّى؟ فلا يَتَحَالَفَانِ، ولكن يحلف الوَارِثُ على نَفْي العلم، وإذا حلف قُضِيَ لها بِمَهْرِ المِثْلِ 3. قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا تَنَازَعَ وَلِيُّ الصَّبِيَّةِ وَالزَّوْجُ في مِقْدَارِ المَهْرِ تَحَالَفَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ الوَلِيَّ مَقْبُولُ الإِقْرَارِ فَلاَ بُعْدَ فِي أَنْ يَحْلِفَ، وَكَذَا الوَصِيُّ وَالقَيِّمُ وَالوَكِيلُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ، وَلَو ادَّعَى عَلَى رَجُل أنَّهُ أَتْلَفَ مَالاً لطفْلٍ فَأَنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ وَنَكَلَ لَمْ يُرَدَّ اليَمِينُ عَلَى الوَلِيِّ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ لَكِنْ يَتَوقَفَّ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيَحْلِفَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وَقَعَ الاخْتِلاَفُ بين وَلِيِّ الصغيرة والمجنونة، وبين الزوج، فقال الوَلِيَّ: زَوَّجْتُهَا بِألْفٍ، وقال الزوج: بل بخمسمائة فوجهان: أظهرهما: في المذهب، وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: أنهما يَتَحَالَفَانِ 4؛ لأن12

الوَلِيِّ هو المَالِكُ لِلْعَقْدِ، والمُسْتَوْفِي لِلصَّدَاقِ، فكان اخْتِلاَفُهُ مع الزوج كاختلاف البَالغَةِ مع الزوج، ولأن إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ في النكاح والصداق، وإذا قُبِلَ إِقراره لم يَبْعد تحليفه.
والثاني: أنهما لا يتحالفان؛ لأنا لو حَلَّفْنَا الوَلِيَّ، لكان مُثْبِتاً حتى الغير بيمينه، ورَتَّبَ الإِمَامُ [الخلاف] في المَسْأَلَةِ، على قولين، حكاهما فيما إذا باعِ الوَلِيُّ مَالَ الطِّفْلِ، واختلف الوَلِيُّ والمشتري في كَيْفِيَّةِ البيع، هل يتحالفان وقال: الأصَحُّ المَنْعُ، ويعللُ القول الآخر بمعنيين: أحدهما: أن الولي يثبت بالحَلِفِ قَوْلَ نفسه.
والثاني: أنه يَتَعَلَّقُ به العُهْدَةُ، فإن الولي في عُهْدَةِ ما تبِيعُ للصبي، فإن قلنا: لا يَحْلِفُ في البَيْعِ، ففي النكاح أَوْلَى وإن قلنا: يحلف هناك، ففي النِّكَاحِ خِلاَفٌ مَبْنِيٌّ على المعنيين، إن عَلَّلْنَا بأنه يثبت قَوْلَ نفسه، فكذلك هاهنا، وإن عَلَّلْنَا بالمعنى الثاني، فلا؛ لأن النِّكَاحَ ليس عَقْدَ عُهْدَةٍ، فإن قلنا: لا يحلف الوَلِيُّ، فيوقف إلى أن تَبْلُغَ الصبية، فَيَتَحَالَفَانِ، ويجوز أن يَحْلِفَ الزوج، ويوقف يمينها إلى بلوغها.
وإن قلنا: يحلف الوَلِيُّ، فذلك إذا ادِّعَى زِيَادَةً على مَهْرِ المِثْلِ، والزوج مُعْتَرِفٌ بمهر المثل بأن كان مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفاً، والزوج يَزْعُمُ أنه نَكَحَهَا بألف، وقال الولي: بألفين.
وأما إذا ادَّعَى النِّكَاحَ بما دُونِ مَهْرِ المثل، فلا حَاجَةَ إلى التَّحَالُفِ؛ لأنه يثبت مَهْرَ المثل، وإن نَقَصَ الوَليُّ، ولو ذكر الزوج قَدْراً يزيد على مَهْرِ المِثْلِ، وادعى الولي أَكْثَرَ من ذلك، فلا يَتَحَالَفَانِ كيلا يَرْجِعَ الوَاجِبُ إلى مَهْرِ المثل، بل يأخذ الوَليُّ ما يقوله الزوج.
ولو ادَّعَى الوَلِيُّ مَهْرِ المِثْلِ أو أكثر، وذكر الزَّوْجُ أكثر من ذلك حكى الحناطي وجهين في أنهما يَتَحَالَفَانِ، أو يؤخذ بما يقوله الزَّوْجُ، والخلاف الذي ذَكَرْنَاهُ في اختلاف الزَّوْج، وولي الصغيرة، يَجْرِي فيما إذا اختلفت المَرْأَةُ ووليُّ الزوج الصغير، وفيما إذا اختلفَ وَلِيَّا الزَّوْجَيْنِ الصغيرين.
ولو بلغت الصغيرة قبل التَّحَالُفِ، فَتَحْلِفُ هي، ولا يَحْلِفُ الوَلِيُّ.
وادعى صاحب "التهذيب" الوِفَاقَ فيه، لكن في "التتمة" وغيره أنا إذا جَوَّزْنَا لِوَلِيِّ الصغيرة أن يَحْلِفَ، ففي نكاح البِكْرِ البالغة، إذا وَقَعَ الاخْتِلاَفُ بين الولي والزوج، اخْتِلاَفْ للأصحاب في أنه يَحْلِفُ الوَلِيُّ، أو المنكوحة، والصحيح أنها التي تَحْلِفُ لأنها من أَهْلِ اليمين وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ وغيره: أنه يَحْلِفُ الوَلِيُّ؛ لأنه العَاقِدُ، = فهو حلف للغير فلا تقبل، وأما هنا فهو حلف على أن العقد من الولي وقع هكذا أو الحق فيه وقع تبعاً وضمناً لا قصداً بخلاف المذكور في الدعاوى.

ومن قال بهذا لا يُسَلِّمُ في الصغيرة إذ بلغت أن اليَمِينَ تكون عليها، والخِلاَفُ في أن الوَلِيَّ هل يَحْلِفُ يجري في الوكيل [في النكاح] 1 وكذلك في البَيْعِ إذا اخْتَلَفَ وَكِيلُ البَائِعِ مع المشتري، أو وَكِيلُ المشتري مع البائع أو اخْتَلَفَ الوكيلان.
ومنهم من رَتَّبَ، وقال: إن لم نحلف الولي، فالوكيل أَوْلَى، وإن حَلَّفْنَاهُ، ففي الوَكِيلِ وجهان: والفَرْقُ قُوَّةُ الوِلاَيَةِ.
وإذا نَكَلَ الوَلِيُّ على قولنا: إنه يحلف، فَيقْضَى بيمين صاحبه، أو يُوقَفُ إلى أن تَبْلُغَ الصَّبِيَّةُ، وتفيق المَجْنُونَةُ، فلعلها تَحْلِفُ، فيه وجهان نقلهما الحناطي 2 وغيره.
وجميع ما ذَكَرْنَا فيما يَتَعَلَّقُ بإِنشاء الولي، فأما ما لا يَتَعَلَّقُ به، كما إذا ادَّعَى على إِنْسَانٍ أنه أَتْلَفَ مَالَ الطِّفْلِ، وأنكر المدعى عليه، ونَكَلَ عن اليمين فوجهان: أحدهما: أن الوَلِيَّ يَحْلِفُ اليمين المَرْدُودَةَ إِتْمَاماً للخصومة، واسْتِخْرَاجاً لحق الصَّبِيِّ.
وأظهرهما: المَنْعُ؛ لأنه لا يَتَعلَّقُ بِتَصَرُّفِ الولي، وإنشائه، وعلى هذا فلا يُقْضَى بالنُّكُولِ، بل يُتَوَقَّفُ إلى أن يَبْلُغَ الصبي، فلعله يَحْلِفُ.
وفي وجه لا تُعْرَضُ اليمين [على المدعى] 3 عليه وَيُتَوَقَّفُ في أصل الخُصُومَةِ وأفتى القَفَّالُ يقولنا: إن الولي لا يَحْلِفُ فيما لا يَتَعَلَّقُ بإِنشائه، فقال: إن قَيِّمَ الصبي إذا ادَّعَى على إِنْسَانِ دَيْناً وَرِثَهُ الصبي، وأقام عليه بَيِّنَةً، فقال الخصم: كنت قَضَيْتُهُ أو أَبْرَأَنِي مُوَرِّثُهُ، فلا يحلف الولِيُّ، ويحلف الصبي، إذا بلغ على نَفْي العلم بذلك 4، ولو أَقَرَّ القَيِّمُ بما يقول الخَصْمُ انْعَزَلَ، وأقام الحاكم قَيِّمَهاً آخر، ولو ادَّعَى أن هذا القَيِّمَ قَبَضَةُ، وأنكر، فيحلف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ) لَو ادَّعَتْ أَلْفَيْنِ في عَقْدَيْنِ جَرَيَا في يَوْمَيْنِ وَأَقَامَت البَيِّنَةَ

عَلَيْهِمَا لَزِمَ وَقَدَّرْنَا تَخَلَّلَ طَلاَقٍ بَعْدَ المَسِيسِ، وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُبَيِّنَ جَرَيَانَ المُسْقِطِ بِإِظْهَارِ طَلاَقٍ قَبْلَ المَسِيسِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ادعت على رَجُلٍ أنه نَكَحَهَا يوم الخَمِيسِ بألف، ويوم السبت بألف، وطالبته بالأَلْفَيْنِ ليُسْمَعُ دعواها؛ لإِمكان ثُبُوتِ المَهْرَيْنِ بأن يَطَأَهَا في النِّكَاحِ الأول، ويُخَالِعُهَا، ثم يَنْكِحُهَا في اليوم الثاني، وإذا ثبت العَقْدَانَ، إما بالبَيِّنَةِ، أو بإقراره، أو بيمينها 1 بعد نُكُولِهِ، لزمه الألْفَانِ، ولا يحتاج إلى التَّعَرُّضِ لِتَخَلُّلِ الفُرْقَةِ، ولا لحصول الوَطْءِ في النكاح الأول.
أما تَخَلُّلُ الفُرْقَةِ، فلأن جَرَيَانَ العَقْدِ الثاني يَدُلُّ على حصولها، فلو قال الزوج: كان النِّكَاحُ الأول بحاله، وإنما جَدَّدْنَا لَفْظَ العَقْدِ إِشْهَاراً لم يُلْتَفَتْ إلى قوله، كما لو قال لغيره: بعْ هذا العَبْدَ مِنِّي، ثم ادَّعَى أنه ملكه لم يُلْتَفَتْ إليه ويجعل الاسْتبَاحَةُ إقراراً له بالمِلْكِ، ولا يُعْتَدُّ بقوله: إِني طلبت منه صُورَةَ البَيْعِ، وأما التعرض لِلْوَطْءِ، فلأن المَهْرَ المُسَمَّى في كل عَقْدٍ يَجِبُ بذلك العَقْدِ، والأصل اسْتِقْرَارُهُ إلى أن يدعي الخَصْمُ مُسْقِطاً، فإذا ادَّعَى أنه لم يُصِيبْهَا في النِّكَاح الأول صُدِّقَ بيمينه؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ الإِصَابَةِ، ولا يطالب من المَهْرِ الأَوَّلِ إلا بالشَّطْرِ، وتكون عنده بِطَلْقَتَيْنِ.
ولو ادعى في النِّكَاحِ الثاني الطَّلاَقَ قبل الإِصَابَةِ أيضاً صُدِّق بيمينه وقَنِعَ منه بِشَطْرِ المهر الثاني أيضاً، وشَبَّهُوهُ بأن المُودِعَ بعد ثبوت الإِيدَاعِ مُطَالَبٌ بالوَدِيعَةِ، ومَحبِوسٌ إليها ما دام يسكت فإذا ادَّعَى تَلَفاً أَوَ ردّاً صُدِّقَ بيمينه، وانْقَطَعَتِ الطّلْبَةُ وهل تحلف المَرْأَةُ على نَفْي ما تقوله إذا ادعى جريان لفظ العقد من غَيْرِ فُرْقَةٍ، أو تُصَدَّقُ بغير يَمِينٍ؟ قال في "العدة": فيه وجهان: أصحهما: الأول.
ولو ادَّعَى على غيره أنه اشْتَرَى منه كذا يوم الخَمِيسِ بألف، ثم يوم الجُمُعَةِ بألف، وطَالَبَهُ بالثَّمَنَيْنِ، لزمه الثمنان إذا أثبت العَقْدَيْنِ، كما ذكرنا في المَهْرَيْنِ.
وقوله في الكتاب: "وقدرنا تَخَلُّلَ طلاق بعد المَسِيسِ" يعني أن النَّكَاحَ الثاني يَدُلُّ

عَلى حُصُولِ الفرقة، فيقدرها، والأصل في المَهْرِ الثَّابِتِ الدَّوَامُ، وأنه يَفْتَقِرُ إلى المَسِيسِ، فيقدره فإن ادَّعى الزَّوْجُ المُسْقَطَ، فعليه إِظْهَارُهُ لحُجِّتِهِ، وهو اليَمِينُ، والشيء يثبت تَارَةً بالبَيِّنَةِ، وأخرى باليمين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): إِذَا كَانَ في مِلْكِهِ أَبُوهَا وَأُمَّهَا فَقَالَ: أَصْدَقْتُكَ أَبَاكَ فَقَالَتْ: بَلْ أُمِّي تَحَالَفَا علَى الأَصَحِّ لأَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ وَأَصْلُ العَقْدِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ الرُّجُوعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَيُعْتَقُ الأبُ بِإقْرَارِهِ وَوَلاَؤُهُ مَوْقُوفٌ إِذْ لاَ يَدَّعِيهِ أَحَدُهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: رجل في مِلْكِهِ أَبَوَا امْرَأَةٍ حُرَّةٍ، فنكحها على أحدهما معيناً، ثم اخْتَلَفَا، فقال: أَصْدَقْتُكِ أباك، فقالت: بل أُمِّي، ففيه وجهان: أصحهما: عند صاحب الكتاب، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ أنهما يَتَحَالَفَانِ، كما لو اخْتَلَفَا في جِنْسِ الثمن، فقال البائع: بِعْتُكَ بِدَنَانِيرَ، وقال المشتري: بل بدَرَاهِمَ.
والثاني: أنه لا تَحَالُفَ؛ لأن الصَّدَاقَ كَعَقْدٍ مستقلّ بنفسه، ولم يَتَّفِقَا على صَدَاقٍ واحد، والوجهان هما الوَجْهَانِ المذكوران، فيما إذا اختلف المُتَبَايِعَانِ فقال البائع: بِعْتُكَ هذا العَبْدَ، وقال المشتري: بل هذا العَبْدَ الآخَر، أو هذه الجَارِيَةَ، على ما بَيَّنَّا في البَيْعِ في باب التَّحَالُفِ، فإن قلنا: لا تَحَالُفَ، فيصدق الزَّوْجُ بيمينه، في أنه لم يُصْدِقْهَا أُمَّهَا، وتَحْلِفُ هي على أنه لم يُصْدِقهَا الأَبَ، ولها مَهْرُ المِثْلِ، ويعتق الأب بإقْرَارِ الزوج بيمينه أنه أَصْدَقَهَا الأَبَ لِتَضَمُّنِهِ الإِقْرَارَ بأنه عتق عليها، ولا غُرْمَ على المَرْاْةِ؛ لأنها لم تُفَوِّتْ على الزوج شَيْئاً، فإنما عُتِقَ الأب بإِقراره، فصار كما لو قال الرجل لولد عَبْدِهِ: بعت لك أباك، وأنكر، يُعْتَقُ العَبْدُ بإقراره، وإن قلنا بالتَّحَالُفِ، فإن حَلَفَا عُتِقَ الأب بإِقْرَارِ الزوج، ولَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وليس عليها قِيمَةُ الأبَ، وَوَلاَؤُهُ مَوْقُوفٌ 1؛ لأن الزَّوْجَ يَدَّعي أن الوَلاَءَ لها، وهي مُنْكِرَةٌ، وإن حلفت المَرْأَةُ دونه، عُتِقَ الأبوان جميعاً، أما الأَبْ فبإِقْرَارِهِ، وأما الأم فلأنا نَحْكُمُ بكونها صَدَاقاً بيمين الزَّوْجَةِ، فَيُعْتَقُ عليها، وليس عليها قِيمَةُ واحد منهما، وإن حَلَفَ الزَّوْجُ دونها وِقَّتِ الأم، وعُتِقَ الأب لإِقْرَارِهِ، ولحكمنا، بيمينه بأنه هُوَ الصَّدَاقُ، وولاؤه مَوْقُوفٌ، وإن لم يَحْلِفْ واحد منهما عُتِقَ الأب بالإِقرار، ولا تَتَمَكَّنُ من طَلَبِ المَهْرِ، لأَن من ادَّعَى شَيْئاً، وَنَكَلَ عن اليمين بعد

الرَّدِّ عليه كان كما لم يَدَّعِ شَيْئاً، ولو قال الزوج: أَصْدَقْتُكِ أباك، ونِصْفَ أمك، وقالت: بل أَصْدَقْتَنِيهِمَا جَمِيعاً، فلا خلاف في التَّحَالُفِ؛ لأن الاخْتِلاَفَ هاهنا في قَدْرِ الصداق، فإذا حَلِفَا، فلها مَهْرِ المِثْلِ، وُيعْتَقُ الأب، وعليها قِيمَتُهُ لاتِّفَاقِهِمَا على أنه عُتِقَ عليها بِحُكْم الصَّدَاقِ، لكن لما تَحَالَفَا بَطَلَ عَقْدُ الصَّدَاقِ، ولا سبيل إلى رَدِّ العِتْقِ، فيعدل إلى القِيمَةِ، كما لو اشترى عَبْداً، وأَعْتَقَهُ، ثم اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ، وتحالفا وأما الأُمُّ فَتُعْتَقُ عليها نِصْفُهَا، ويقتصر العِتْقُ عليه إن كانت مُعْسِرَةً، وإن كانت مُوسِرَةً، فَيُعْتَقُ الباقي أيضاً بالسَرَايَةِ، وعليها قِيمَةُ ما يُعْتَقُ منها، ويجيء خِلاَفُ التَّقَاصِّ؛ لأن مَهْرَ المَثْلِ الواجب لها، والقيمة الواجبة عليها من جِنْسٍ وَاحِدٍ.
ولو حلف الزَّوْجُ دون المَرْأَةِ عُتِقَ الأب، ونصف الأم، ولا يَسْرِي إذا كانت مُعْسِرَةً، ولا شيء لها، ولا عليها لأَنَّا حَكَمْنَا بيمينه أن الأب ونصف الأُمِّ جُمْلَةُ الصَّدَاقِ.
ولو حَلَفَتْ هي دون الزَّوْجِ فيحكم بأن كليهما صَدَاقٌ، ويُعْتَقَانِ، ولا شيء عليها.
ولو قالت هي: أَصْدقَنِي جَمِيعَ أمي، ونصف أبي، وقال الزوج: بل جَمِيعَ الأَبِ، ونصف الأم، فيتحالَفَانِ أيضاً، ماذا حَلَفَا، فلها مَهْرِ المِثْلِ، ويعتق جميع الأب نصفه لاتِّفَاقِهِمَا على أنها ملكته، ونصفه بِإِقْرَارِ الزوج، وعليها قِيمَةُ ما عُتِقَ منه باتِّفَاقِهمَا، وأما الأم فَيُعْتَقُ نِصْفُهَا باتِّفَاقِهِمَا، ويَسْرِي إلى الباقي، إن كانت مُوسِرَةً، وعليها قِيمَةُ ما يُعْتَقُ منها، ويجيء الكلام في التَّقَاصِّ.
ومن صورة التَّنَازُعِ بين الزوجين أن يَخْتَلِفَا في أداء المَهْر، فالقول قَوْلُهَا مع يَمِينِهَا، سَوَاءً كان [الاختلاف] 1 قبل الدخول، أو بعده، خِلاَفاً لِمَالِكٍ، فيما بعد الدُّخُولِ، ولو اتَّفَقَا على قَبْضِ مَالٍ، فقال الزوج: دفعته صَدَاقاً، وقالت: بل هَدِيَّةً، فقد أَطْلَقَ مُطْلِقُونَ أن القَوْلَ قَوْلُ الزوج مع يَمِينِهِ؛ لأنه أَعْرَفُ بكيفية إِزَالَةِ مِلْكِهِ وبنّيته وتصرفه.
وفَصَّلَ مُفَصِّلُونَ، فقالوا: إن كان الاخْتِلاَفُ في اللَّفْظِ، فقال الزوج: ذكرت عند الدَّفْعِ أنه صَدَاقٌ، وقال: بل قلت: إنه هَدِيَّةٌ، فالجواب هكذا.
أما إذا اتَّفَقَا على أنه لم يَجْرِ لفظ، واختلفا في نِيَّتِهِ لم يُلْتَفَتْ إلى ما تقوله، والقول قوله بلا يَمِينٍ، وأشبه أن يكون هذا بِنَاءً على أن المُعَاطَاةَ لا تَكْفِي في الهَدَايَا.
أما إذا اكْتَفَيْنَا بها، وهو الصَّحِيحُ، وجب أن نَقْبَلَ دَعْوَاهَا، وأن يحتاج الزَّوْجُ إلى اليمين، ثم لا فَرْقَ بين أن يكون المَقْبُوضُ من جِنْسِ الصَّدَاقِ، أو من غَيْرِ جِنْسِهِ، ولا بين الطَّعَامِ وغيره.

وعن أبي حَنِيْفَةَ أن القول فيما لا يُدَّخَرُ قولها، وعنه أن القَوْلَ في الطَّعَامِ قولها وعن مالك مِثْلُهُ، وإذا حلف الزَّوْجُ، فإن كان المَقْبُوضُ من جِنْسِ الصَّدَاقِ وقع عنه، وإلا فإن رَضِيَا بِبَيْعِهِ بالصَّدَاقِ فذاك، وإلا اسْتَرَدَّهُ، وأدى الصداق، فإن كان تَالِفاً فله البَدَلُ عليها، وقد يَقَعُ في التَّقَاصِّ، ولو بعث إلى بيت من لا دَيْنَ له عليه شَيْئاً، ثم قال: بَعَثْتُهُ بِعِوَضٍ، وأنكر المَبْعُوثُ إليه، فالقول قوله، وكان يجوز أن يْسَوّى بينه، وبين مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ، فيقال: إنه أَعْرَفُ بكيفية إِزَالَةِ مِلْكِهِ، أو يقال: كما أن الأصْلَ أن لا عِوَضَ على المَبْعُوثِ إليه، فالأصل أن يَبْقَى الصَّدَاقُ، ولا يصير عِوَضاً عن المَبْعُوثِ.
ولو ادعى الزَّوْجُ دَفْعَ الصَّدَاقِ إلى وَلِيَّ الصَّغَيرَةِ، أو المجنونة أو السَّفِيهَةِ، فالدعوى مَسْمُوعَةٌ وإن ادَّعَى دَفْعَهُ إلى وَلِيِّ البَالِغَةِ الرَّشِيدَةِ، لم تُسْمَعِ الدعوى، إلا أن (1) يدعي إذنها ولا فَرْقَ بين البِكْرِ والثَّيِّبِ.
وفي البِكْرِ وَجْهٌ آخر، والخلاف مَبْنِيٌّ على أن الوَلِيَّ هل يَمْلِكُ قَبضَ مَهْرِ البِكْرِ البالغة الرَّشِيدَةِ، والصحيح منعه، وفيه قَوْلٌ أو وجه آخر؛ لأنه يَمْلِكُ بُضْعَهَا، فيملك عِوَضَهُ، وربما بني ذلك على جَوَازِ عَفْوِهِ عن مَهْرِ الصغيرة.
ومنهم من لم يُثْبِتْهُ، وقَطَعَ بالأول، وإذا قلنا به فلو رَاجَعَهَا، فسكتت لم يُسْتَفَدْ بسكوتها [الإِذن في] (2) القَبْضِ، وقياس القول أو الوجه الضعيف أنه يملك القبض إن نَهَتْ عنه، كما في تَزْوِيجِهَا.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: له قَبْضُ مَهْرِهَا ما لم تَنْهَ عنه، ولو وَقَعَ الاختلاف في عَيْنِ المَنْكُوحَةِ، فهو اخْتِلاَفٌ في عقدين القول في كل واحد منهما قول النَّافي.
وإن كان الاخْتِلاَفُ في قَدْرِهَا، فقال الزوج نكحت هاتين بألفين، وقالت إحداهما أو وليها: بل نَكَحَتْ هذه وَحْدَهَا بألف، فهذا اختلاف في حق المتفق على نكاحها في قَدْرِ المَهْرِ، والقول في الأخرى قَوْلُ المنكر ذكر ذلك أبو الفَرَجِ الزَّازُ.

" فَرْعَانِ": "

نختم بهما الكتاب".
الأول: أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ جَارَيةً وَوَطِئَ تلك الجَارِيَةَ مع العِلْم بأنها الجَارِيَةُ المُصْدَقَةُ، فإن كان بعد الدُّخُولِ، فعليه الحَدُّ، ولا يُقْبَلُ، قوله: إني لا أعَلم أنها تَمْلِكُهَا بعد العَقْدِ والدخول، إلا أن يكون قَرِيبَ العَهْدِ بالإِسْلاَم، وإن كان قبل الدخول، وقال: لم أعلم أنها تَمْلِكُ الصَّدَاقَ قبل الدخول، لم يَجِبِ الحَدُّ عليه، وعَلْلُوهُ بشيئين: أحدهما: أن مِثْلَ هذه الأَحْكَامِ لا يَبْعَدْ أن تَخْفَى على العَوَامِّ.12

والثاني: اختلاف العُلَمَاءِ، فإن مَالِكاً قال: لا تَمْلِكُ قبل الدخول إلا نِصْفَ الصَّدَقِ، فإن كان عَالِماً بأنها تَمْلِكُ الصَّدَاقَ قبل الدخول، فعلى التَّعْلِيلِ الأول يَلْزَمُ الحَدُّ، وعلى الثاني لا يلزم (1)، وحيث يجب الحَدُّ، فلو أَوْلَدَهَا، فالولد رَقِيقٌ، وعليه المَهْرُ إن كانت مُكْرَهَةً، وحيث لا يجب، فالوَلَدُ نَسِيبٌ حُرٌّ، وعليه قِيمَتُهُ يوم السُّقُوطِ.
والثاني: خَالَعَ امْرَأَتَهُ المَدْخُولَ بها، ثم نَكَحَهَا في العِدَّةِ، وطَلَّقَهَا قبل الدخول في النكاح الثَّاني يُشَطَّرُ المَهْرُ وبه قال أحمد.
وعند أبي حَنِيْفَةَ يجب جَميعُهُ والله أعلم.

بَابُ الوَلِيمَةِ وَالنَّثْرِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالوَلِيمَةُ هِيَ مَأْدَبَةُ العُرْسِ، وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةُ، وَقِيلَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَفِي وُجُوبِ الإِجَابَةِ إِلَيْها قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الباب شَيْئَان: أحدهما: الكَلاَمُ في الوَلِيمَةِ: روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "أَوْلَم على صَفيَّةَ بِسَوِيقٍ وتَمْرٍ" 2 وأنه قال لعبد الرحمن بن عَوْفِ -رضي الله عنه- وقد تَزَوَّجَ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" 3. والوَلِيمَةُ على ما ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- والأصحاب -تَقَعُ على كل دَعْوَةٍ تُتَّخَذُ لِسُرورٍ حَادِثٍ منْ إِمْلاَكِ وخِتَانٍ وغيرهما لكن استعمالها على الإطْلاَقِ في العُرْسِ أَشْهَرُ، وفي غيره يُقَيِّدُ، فيقال: وَلِيمَةُ الخِتَانِ وغيره 4، ويقال لدعوةَ الخِتَانِ: إِعْذَارٌ،1

واللفظ في الأَصلِ لِلْخِتَانِ نَفْسِهِ يقال: أَعْذَرَ الغُلاَمَ، أي: حَتَنَهُ ولدعوة الوِلاَدَةِ: عَقِيقَةٌ، ولَسَلاَمَةِ المرأة من الطَّلْقِ: خرْسٌ، وقيل: الخُرْسُ طَعَامُ الولاَدَة، ولمَدومِ المُسَافِرِ: نَقِيعَةٌ، ولإحْدَاثِ البِنَاءِ؛ وَكِيرَةٌ، ولما يُتَّخَذُ في المُصِيبَةِ: وَضِيمَةٌ، ولما يُتَّخَذُ من غير سبب مَأْدُبَةٍ 1. وفي وَلِيمَةِ النكاح قولان، أو وجهان 2: أحدهما: أنها واجبة، لظاهر الأَمْرِ، حيث قال: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" وبهذا قال ابن خَيْرَانَ.
وأصحهما: أنها مُسْتَحَبَّةٌ، كالأُضْحِيَةِ، وكسائر الوَلاَئِم، والحديث مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبَابِ، ومنهم من قَطَعَ بالاسْتِحْبَاب، ويُحْكَى ذلك عن القَفَّالِ، وفي سائر الوَلاَئِمِ المشهور الاسْتِحْبَابُ 3، ولا تَتَأَكَّدَ تَأَكُّدَ وَليمَةِ النكاح، وفي "التتمة" أن من الأصحاب من خَرَّجَ في وجوب سَائِرِ الوَلاَئِم قَوْلاً؛ لأن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال بعد ذكرها: ولا ارَخِّصُ في تركها.
وعن أحمد أن سائر الوَلاَئِمِ لا تستحب.
وأما الإِجَابَةُ إلى الدعوة، ففي وَلِيمَةِ العُرْسِ تجب الإِجَابَةُ إن أَوْجَبْنَاهَا، وإن لم نُوجِبْهَا، فقولان، ويقال: وجهان: أشهرهما: الوجوب، وإلى ترجيحه ذهب أَصْحَابُنَا العراقيون، وتابعهم القاضي = متابع للبغوي، وقال صاحب التقريب هي طعام العرس، وكذا قال الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والإِمام والجرجاني وغيرهم ولم يذكروا الأملاك بالكلية وهو الذي حكاه ابن فارس في المقاييس عن أهل اللغة ثم حكي عن ابن عبد البرّ طعام العرس وزاد الأملاك قال وهو يقتضي أنها حقيقة فيهما، وكذا قال صاحب المحكم قال: أعني صاحب الخادم وعدل في الروضة عن قوله الأملاك إلى النكاح وظاهره أنهما واحد ولا شك أن المراد بالعرس البناء، والأملاك العقد إلى آخر ما ذكره.
والمنقول عن النص وليمة العرس والأملاك.

الرُّويَانِيُّ وغيره، وربما سَكَتُوا عن ذِكْرِ غيره، ووجهه ما روي عن ابن عُمر: -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا" 1 ويروى: "مَنْ دُعِيَ وَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" 2. والثاني: أنها مُسْتَحَبَّةٌ، ويروى هذا عن مالكٍ وأحمد؛ لأن الضِّيَافَةَ للأكل، وهو إِما تَمَلُّكٌ لمال الغير، أو إِتلاف لماله بإِذنه، وعلى التقديرين، فالمَصِيرُ إلى إِيجَابِهِ بعيد، فلتحمل الأحاديث على الاسْتِحْبَابِ، وتأكيد أمر الإِجَابَةِ، وفي إجابة سائر الوَلاَئِمِ طريقان: أحدهما: طَرْدُ القولين، وبه قال الشيخ أبو حَامِدٍ.
والثاني: القَطْعُ بعدم الوُجُوبِ.
والأظهر فيها عدم الوجوب، وإن ثبت الخِلاَفُ، وإذا قلنا بوجوب الإِجَابَةِ، فهي فَرْضُ عَيْنٍ، أو على الكِفَايَةِ؟ فيه وجهان: أحدهما: فَرْضُ عَيْنٍ؛ لما سبق من الخَبَرِ قال في "الشامل": وهذا ظاهر المذهب.
والثاني: فرض كفاية؛ لأن المَقْصُودَ أن يَظْهَرَ الحَالُ، ويشتهر، وذلك حَاصِلٌ بحضور البَعْضِ، ثم إنما تَجِبُ الإِجَابَةُ، أو تستحب بشروط منها أن يَعمَّ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ الدَّعْوَةَ بأن يَدْعُوَ جميع عَشِيرَتِهِ، أَو جيرانه أو أهل حِرْفَتِهِ أَغْنِيَائِهِمْ وفُقَرَائِهِمْ، دون ما إذا خَصَّصَ الأَغْنِيَاءَ الإحضار روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "شَرُّ الوَلاَئِم وَلِيمَةُ العُرْسِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وُيترَكُ الفُقَرَاءُ" 3. ومنها: أن يَخُصَّهُ بالدعوة بِنَفْسِهِ، أو بأن يَبْعَثَ إليه غيره، وأما إذا فتح باب الدَّارِ،

ونَادَى ليحضر من يُرِيدُ، أو بعث رَسُولاً ليحضر من شَاءَ أو دَعَا إِنْسَاناً، وقال له: احضر معك من شِئْتَ، فقال لغيره: احضر، فَلاَ تجب الإِجَابَةُ، ولا تُسْتَحَبُّ؛ لأن الامْتِنَاعَ والحالة هذه لا يُورِثُ التَّأَذِّي والوحشة ومنها ألا يكون إِحْضَارُهُ لِخَوْفٍ منه، أو لِطَمَعٍ في جَاهِهِ أو ليعاونه على بَاطِلٍ، بل يكون لِلتَّقَرُّبِ، وللِتَّوَدُّدِ.
ومنها: أن يدعوه مُسْلِمٌ، وإن دعاه ذِمِّيٌّ؛ فوجهان: أحدهما: أنه كما لو دعاه مُسْلِمٌ لإِطلاق الأَخْبَارِ.
وأصحهما: على ما ذكر المُحَامِلِيُّ أنه لا يجب، ولا يكون الاسْتِحْبَابُ في إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، كالاستحباب في إجابة دَعْوَةِ المسلم؛ لأنه قد يَرْغَبْ عن طعامه لِنَجَاسَتِهِ، وتَصَرُّفَاتِهِ الفاسدة، وتُكْرَهُ مُخَالَطَةُ الذمي ومُوَدَّاتِهِ 1. منها: أن يدعي في اليوم الأَوَّلِ، أما إذا أَوْلَمَ ثلاثة أيام، فَالإِجَابَةُ في اليوم الثاني لا تَجِبُ، بلا خِلاَفٍ، ولا يكون اسْتِحْبَابُهَا كالاسْتِحْبَاب في اليوم الأول، إذا اقْتصَرْنَا فيه على الاسْتِحْبَابِ، وفي اليوم الثالث يُكْرَهُ.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الوَلِيمَةُ في اليَوْمِ الأَوَّلِ حَقٌّ، وَفِي الثَّانِي مَعْرُوفٌ، وفي الثَّالِثِ رِيَاءْ وَسُمْعَةٌ".
ولو اعْتَذَرَ المَدْعُوُّ إلَى صَاحِب الدَّعْوَةِ فَرَضِيَ بتَخَلُّفِهِ زال الوُجُوبُ، وارتفعت كَرَاهِيَةُ التَّخَلُّفِ.
ولو دَعَاهُ اثنان فَصَاعِداً، أجاب الأسْبَقُ، فإذا جاءا مَعاً، أجاب الأَقْرَبُ رَحِماً، ثم الأقرب دَاراً، كما في الصَّدَقَةِ 2، وقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اجتمع دَاعِيَانِ، فأجب أَقْرَبَهُمَا إليك بَاباً، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا إليك بَاباً أقْرَبُهُمَا لَكِ جَوَاراً، فإن سبق أَحَدُهُمَا فأجب الذي سَبَقَ".
وأقل الوَلِيمَةِ ما ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغ وغيره للمتمكن شَاةٌ وبه يشعر قوله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن عَوْفٍ -رضي الله عنه-: "أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" وإن لم يتمكَّنْ اقْتَصَرَ على ما يَقْدِرُ عليه، كما أَوْلَمْ -صلى الله عليه وسلم- على صَفيَّةَ بِسَوِيقٍ وتَمْرٍ، وكان في السَّفَرِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ إِنَّمَا يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ في الدَّعْوَةِ مُنْكَرٌ، وَلاَ عَلَى حِيطَانِ الدَّارِ صُورَةٌ وَلاَ فُرُشُ حَرِيرٍ، وَلاَ فِي الجَمْعِ مَنْ يُتَأَذَّى بِحُضُورِهِ، وَلاَ بَأْسَ بِصُوَرِ الأشْجَارِ وَلاَ بِصُوَرِ الحَيَوَانِ إِذَا كَانَ عَلَى الفُرُشِ، فَأمَّا عَلَى الثَّوْبِ المَلْبُوسِ وَالسِّتْرِ وَالوِسَادَةِ الكَبِيرَةِ المَنْصُوبَة فَلاَ يَجُوزُ، وَدَخُولُ مِثْلِ هَذَا البَيْتِ حَرَامٌ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ، وَصَنْعَةُ التَّصْوِيرِ حَرَامٌ إلاَّ في ثِيَاب الفُرُشِ فَفِيهِ خِلاَفٌ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الشروط: ألا يَكُونُ هناك من يُتَأَذَّى بحضوره، ولا يَلِيقُ به مُجَالَسَتُهُ، فإن كان، فَيعْذَرُ في التَّخَلُّفِ، وأشار في "الوسيط" إلى وجه آخر فيه.
ومنها: ألا يكون هناك مُنْكَرٌ كَشُرْبِ الخَمْرِ والمَلاَهِي، فإن كان، نظر إن كان الشَّخْصُ ممن إذا حَضَرَ رَفَعَ المُنْكَرَ، فليحضر إجَابَةً للدعوة، وإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ، وإلا فوجهان: أحدهما: أن الأَوْلَى ألا يَحْضُرَ، ويجوز أن يَحْضُرَ ولا يَسْتَمِعَ، ويُنْكِرَ بقلبه، كم لو كان [يُصَوَّتُ] 1، بالمنكر في جِوَارِهِ، فلا يَلْزَمُهُ التَّحَوُّلُ، وإن كان يَبْلُغُهُ الصَّوْتُ، وعلى هذا جرى العراقيون من الأصحاب.
وأصحهما: أنه لا يجوز له الحُضُورُ، وإلى ترجيحه ذَهَبَ القاضيان ابْنُ كَجٍّ، والروياني؛ لأنه الرّضْا بالمنكر، والتَّقْرِيرِ 2 عليه، ويروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ يَقْعُدَنَّ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الخَمْرُ".
وإن لم يعلم حتى حَضَرَ فنهَاهم، فإن لم يَنْتَهُوا، فليخرج، في جَوَازِ العُقُودِ وجهان 3، فإن لم يُمْكِنْهُ الخُرُوجُ، كما إذا كان باللَّيْل، وفي الخروج خَوْفٌ، فيقعد كَارِهاً، ولا يسمع، وإذا كانوا يَشْرَبُونَ النَّبيذَ المُخْتَلَفِ في حِلِّهِ، فلا ينكر.
قال القاضي ابْنُ كَجٍّ: "لأنه في مَوْضِع الاجْتِهَادِ 4 والأولى أن يكون الحضور ممن يعتقدُ التحريم، كما في المنكر المُجْمَعِ عَلى تَحْرِيمِهِ، وقيل بخلافه.
ومن المنكرات فُرُشُ الحرير 5 وَصُوَرُ الحيوانات على السُّقُوفِ، والجُدْرَانِ،

جارٍ التحميل