أَظهرهُما: يقعان معاً؛ لأن المعية تقتضي الضم والمقارنة فصار كما لو قال: أنت طالق طلقتين، وعلى هذا فوقت وقوعهما تمام الكلام.
والثاني: يقعان على الترتيب، لترتيب اللفظين ويبنى على الوجْهَيْن فيما إذا قال ذلك لغير المدخول بها، فإنْ قلْنا بالأول، وقَعَ عليها طلقتان أيْضاً، وإن قُلْنا بالثاني، فلا يقع إلاَّ واحدة، كما لو قال أنت طالقٌ طلقةً: فطلقةً، ويُحْكَى، هذا عن المُزَنِيِّ في "المنثور".
ولو قال: أنْتِ طالقٌ طلقةٌ تحت طلقة، أو تحتها طلقة، أو فوق طلقة، أو فوقها طلقة، فالَّذي ذكره الإِمام وصاحب الكتاب أن هذه الصِّلاَت تقْتَضي الجمع كالمعية، والجواب فيها كالجواب في "مع" وفي "التتمة" ما يقتضي الجزم بأنَّه لا يقع في غيْر المدخول بها إلاَّ طلقة؛ لأن وصْف الطَّلاق بالفوقية والتحتية مُحَال، فيلغو اللفظان، ويصير كما لو قال: أنتِ طالقٌ طالقٌ أو أنتِ طالقٌ طلقة طلقة، وفي المدخول بها وجْه آخر أنَّه لا يَقَع إلاَّ طلقة، كما لا يلزم به في الإِقْرار إلاَّ درْهَم، وهذا ما اختاره القاضي ابن كج، والحناطي.
ولو قال: لزوجته المَدْخُول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً قبْل طلقة، أو طلقةً بعدها طلقةٌ، فمضمون هذَيْن اللفظيْن إيقاع طلقة، وتعقيبها بأُخْرى، فيَقَعَان كذلك، ولو كانَتْ غير مدخول بها وقَعَت واحدةً، وحَصَلَت البينونة.
ولو قال، وهي مدخولٌ بها: أنْتِ طالقٌ طلقةً بعْد طلقة، أو قبلها طلقةٌ، فمضمون اللفظين إيقاعُ طلقة تسبقها طلقة، فيقَعَ عليها طلقتان متعاقبتان، وهذا هو الصَّحيح المشهور، وفي كتاب القاضي ابن كج -رحمه الله-: أنَّه لا يقَع إلا طَلْقة؛ لجواز أن يكُون المَعْنَى قبلها طلقْة مملوكةٌ أو ثابتة قال: وهذا عند الإِطلاق، ولو قال: أردتُّ ذلك، صدق بيمينه لا محالة، وإذا قلْنا بالصحيح، ففي كيفية تعاقبهما وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: أنه تقع أولاً الطلقة المنجزة الَّتي بَدَأ بها في اللفظ، ثم تعقبها الطلقة المضمّنة، ويلغو قوله: "قبلها" كما لو قال أنْتِ طالقٌ أمْسِ، يقع في الحال، ويلغو قوله: "أمس".
والثاني: أنَّه تقَع أولاً الطلقة المضمّنة بقوله "طلقة وقبلها طلقة" ويتلوها الطلقة المنجّزة؛ لأن المعنى يَقْتَضِي ذلك، ويُحْكَى هذا عن القاضي أبي الطيِّب -رحمه الله- وهو أرْجَع عنْد "صاحب الشامل"، وغيره، وليس المراد أن المضمّنة تتقدَّم على تمام اللَّفْظ بل يقعان بعد تمام اللفظ لكن تقع المضمنة أولاً، وتقع المنجَّزة في لحظ عقبها، ولو خاطب بإحدى اللفظين التي لم يَدْخُل بها، فإن قلْنا: تَقَع المنجّزة أولاً، ثم تَقَع أخرى، فهاهنا تَقَع واحدة، ولا يعقبها شيء، وإن قلنا: تقع المضمّنة أولاً فتقع واحدة أو لا يقع شيْء؟ فيه وجهان بناهما القاضي الحُسَيْن على الخلاف في مسألة دَوْر
الطَّلاق، إِن صَحَّحْنا الدَّوْر لم تقع هاهنا؛ لأن شَرْط وقوع واحدة وقوعُ أُخْرَى قبلها، ولو وقَعَت واحدة قبلها [لم تقع] إن أبطلْنا الدَّوْر أوقعْنا طلقة بقوله: "أنْتِ طالقٌ طلقة" وألغينا قوله "قبلها طلقة" ولم يرتض الإِمام -رحمه الله- هذا البناء، وقال: المعنى المانِعُ من الوقوع هاهنا أنَّه أوقَع طلْقَةً مسبوقة بطلْقَةٍ, ولا يُتَصَوَّر في غيْر المدخول بها وقوع طلقة مسبوقة بطلقة وإذا لم تقع طلقة مسبوقة بطلقة وجب ألاَّ يقع شيْء، إلاَّ إذا كان الواقع غيرها أوقعه، وهذا المعنى لا يختلف بيْن أن نصحِّح الدَّوْر، أو لا نصحِّحه، فليس الوجهان مبنين عَلَى تَصْحِيح الدور وإبطاله، ولكن وجْه المنع ما بيَّنَّا، ووجْه وقوع واحدة أن مقْصُوده توْزِيع الطلْقَتَين على زمانين لا أن تصير طلقةً وصفا لطلقة ولذلك يُحْكَم بوقوع طلقة فيما إذا قال لها: أنتِ طالقٌ طلقةً: قبْل طلقة، أو بعدها طلقة، ولا نقول: لا يقع شيْء؛ لأنَّه وصَف الطلقة المُوقَعَة باستعقاب أخرى، فإذا لم يَقَع أخرى، ولم يحصل الوصْف، وربما فرق بين الطرفين بأنه قال: أوَّل وَلَد تلدينه، فهُوَ حُرٌّ، فولدت ولداً، يُعْتَق، وإن لم تَلِدْ بعده، ولو قال: الثاني من أولادِكِ حُرٌّ، لم يكن بُد من أوَّل، وكيف ما قدر البناء والتوجيه؟! فالأصح عَلَى ما ذكَره الشيخ أبو عليٍّ وغيره أنه تقع طلقة، ووجَّهه بعْضهم بأن قوله: "أنتِ طالقٌ" إيقاع طلقة، فلا يرتفع بقوله: "قبلها طلقة"، وحكى الشيخ أبو عليٍّ.
رحمه الله.
وجْهاً آخر: أنَّه تقع طلْقَتَان، ويلغو قوله: "قبلها" ويصير كأنه قال: أنتِ طالقٌ طلقتين، ولو قال للمدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلها طلقة، وبعدها طلقة، طُلِّقَت ثلاثاً.
ولو قال: طلقة قبلها وبعدها طلقة فكذلك؛ لأن الطلقة الواحِدَة تَتَوزَّع على ما قبلها وبعدها، فيُكَمِّل النقصان، وفي "شرح الشيخ أبي عليٍّ".
-رحمه الله- وجْه آخر: يقع طلقتان:
إحداهما: المنجزة.
وأخرى: تقع بعدها ويلغو قوله: "قَبْلها" والظاهر الأوَّل.
ولو خاطَب غيْر المدخول بها بإحدى هاتَيْن اللفظتين، خرج ممَّا سَبَق وجْهان في أَنها تُطلَّق واحدة ولا تُطلَّق شيئاً، ومهما قال أردتُّ بقولي: "بعدها طلقة" أي سأطلقها طلقة من بعد، لم يُقْبَل في الظاهر ويُدَيَّن.
ولو قال: أردتُّ بقولي قبلها طلقة أن زوجاً آخر طلَّقها، أو طلقتها في نكاح آخر، فَعَلَى ما سيأتي فيما إذا قال: أنْت طالقٌ في الشَّهْر الماضي وفسر به.
وقوله في الكتاب "أنت طالقٌ طلقة قبل طلقة، أو قبلها طلقةٌ، وقَعَتْ اثْنِتَانِ بَعْد الدخول، وقَبْلَ الدخول، تَقَع واحدة على وجْه؛ ولا يقع شيْءٌ على وجْه" ظاهرٌ في جريان القولَيْن في قوله: "طلقة قبل طلقة" وقوله: "قبلها طلقة" لكن الوجهَيْن فيما إذا قال: "طلقة قبلها طلقة" أمَّا في قوله "طلقة قبل طلقة" يقع واحدة وجهاً واحداً؛ على ما تبيَّن في الشرح، فليضم في لفظ الكتاب ما نحتاج إِليه، ثم ليعلَّم قوله: "تقع واحدة"
وقوله: "لم يقع شيْء" كلاهما بالحاء؛ لأن عنْد أبي حنيفة إذ قال لغَيْر المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلها [طلقة] أو طلقةً بعد طلقةٍ تقع طلقتان؛ لأنه أوقع واحدة وأقر بأخرى من قبل.
فُرُوعٌ: إذا قال لامرأته المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلها طلقة، أو طلقةً بعدها طلقة تَقَع طلقتان على الترتيب.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً، فالظاهر أنَّه تقع الثلاث عنْد فراغه من قوله ثلاثاً، وفيه وجْه أنَّه تبين بالفراغ من وقوع الثلاث بقوله: "أنتِ طالقٌ".
قال الإِمام: وهذا الخلاف مأخوذٌ من الخلاف فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ، وماتَتْ قبْل أن يقولَ: ثلاثاً، إن قلنا هُنَاك: لا يقع شيْء، فهاهنا تقع الثلاث بالفراغ من قوله: "ثلاثاً، وإن قلْنا هناك: يقع الثلاث 1، فتبين وقوع الثلاث بقوله: "أنت طالق" قال: وقياس من قال: إنَّه يقع طلقة [إذا أراد بقوله أنت طالق ثلاثاً فماتت قبل قوله: ثلاثاً] بقوله: "هي طالقٌ" أن تقع طلقةً بقوله: [أنت] طالق"، هاهنا، ويتم الثَّلاث بقوله: "ثلاثاً" لكنه ضعيفٌ؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه لو قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، تقع الثلاث، وذلك يدُلُّ على أنَّها لا تَقَع مرتبة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ خمساً أو إحدى عشرة وقع الثلاثة مدخولاً بها أو لم تَكُنْ.
ولو قال: واحدة ومائة وهي غير مدخول بها لم يقع إلا واحدة.
ولو قال إحدى وعشرين، فيقع الثلاث كما لو قال: إحْدى عشرة، أو لا تقع إلا واحدة، كقوله واحدة ومائة فيه وجهان 2:
بالأول قال: أبو حنيفة.
ولو قال: واحدة ونصفاً، لم تَقَع إلاَّ واحدة، ولغا النصف كما لو قال: واحدة وواحدة.
ولو قال: اثنتين إلاَّ نصفاً فلا فَرْق بيْن المدخول بها وغيرها، وفيه وجْهَان مذكوران في "باب الاستثناء".
ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بل ثنتين 3 أو ثلاثاً، فإن كانَتْ مدخولاً بها، وقع الثلاث، وأمَّا في غيْر المدخول بها، فلا تقع إلاَّ طلقة، وتبين بها، فيَلْغو قوله: "ثنتين أو
ثلاثاً".
ولو قال: أنتِ طالقٌ اثنتين بل واحدةً، فإن كانت مدخولاً بها وقع الثلاث، وإلاَّ لمَ تقع إلا اثنتان.
ولوْ قَال أنتِ طالقٌ واحدةً بل ثلاثاً إن دخَلْتِ الدار، فوجهان:
قال ابن الحدَّاد، وهو الأصح، تقع واحدة بقوله: "أنت طَالِق" ويتعلق بدخول الدار، ورد الشرط إلى ما يليه خاصَّة، وهو قوله: "بل ثلاثاً" وقال غيره يتعلَّق الثلاث بالدخول، فيرجع الشرط إليهما جميعاً إلاَّ أن يقُول: أردتُّ تخصيص الشرط بقولي "ثلاثاً" وإن كانت امرأة غير مدخول بها، فعَلَى الوجه الأول تبين بالواحدة الواقعة في الحال؛ فإن نَكَحَها بعْد ذلك، ودخَلَت الدار، فقَدْ قيل: إنَّه على قولَيْ عَوْدِ الحَنِث، والصحيح أنَّه لا يقع الطلاق بحال، ولا يُخَرَّج على القولين؛ لأنها إذا باتت، كان التعليق بالدخول واقعاً في حال البينونة فيلغو، وعلى الوجْه الثاني يتعلَّق الطلقات الثلاث بالدُّخُول، فإذا دَخَلَتْ، فعلى الوجهين السابقين، فيما إذا قال لغَيْر المدخول بها: إنْ دخَلْتِ الدار، فأنْتِ طالقٌ وطالقٌ، فعلى أحد الوجهين لا يَقَع إلا واحدة، وعلى الأظْهَر: يقع الثلاث؛ لتعلُّقها جميعاً بالدُّخُول.
ولو قال لغير المدخول "بها: أنْتِ طالقٌ اثنتين بل ثلاثاً إن دخلْتِ الدار، فعلى قول ابْن الحَدَّاد يقع الطلقتان في الحال، ولا يصح تعليق الثالثة بالدخول؛ لحصول البينونة، وعلى الثاني تتعلق الثلاث بالدخول فإذا دخلَتْ، ففي وجْه تقع اثنتان، وفي الوجه الأَظهر: يَقع الثلاث.
ولو قال: أنتِ طالقٌ تطليقةً قبلها كل تطليقة، أو بعدها كل تطليقة، قال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: قياس المَذْهَب أن يقال: إن كانَتْ مدخولاً بها تَقَع الثَّلاث مع ترتب بيْن الواحدة وباقي الثلاث ويجيء في كيفية الترتيب وفي قوله: "تطليقة قبلها كل تطليقة" وجهان:
أحدهما: أنَّه يقع الواحدة المُوقَعَة في الحال، ويتبين وقوع الزيادة قبْلَها، وهو أشبه بظاهر اللفظ.
والثاني: أنَّه يتنجز ما بأجله قبل الواحدة، ثم تعقبه الواحدة، ولو لم يَكُنْ مدخولاً بها، إن قلْنا: تقع الواحدة ثم الزِّيَادة لم تَقَع إلا واحدة، وإن قلْنا بوقوع ما قبل الواحدة أولاً، وقَعَت الصورة في الدَّوْر (والله أعلم).
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الطَّلاَقِ بِالحِسَابِ): وَهُوَ ثَلاَثةُ أَقْسَامِ: (الأوَّلُ): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً في اثْنَتَيْنِ وَأَرَادَ الحِسَابَ كَانَ كَمَا نَوَى، وَإِنْ أَرَادَ الظَّرْفَ قُبِلَ وَلَمْ يَقَع مَا جَعَلَه ظَرْفاً، وَإِنْ أَرَادَ الجَمْعَ وَقَعَ وَكَانَ في مَعْنَى مَعَ، وَإِنْ أَطلَقَ وَهُوَ مِمَّنْ لاَ يَفْهَمُ الحِسَابَ حُمِلَ عَلَى الظَّرْفِ، وَإنْ كَانَ مِمَّنْ يَفْهَمُ الحِسَابَ وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ الآنَ
فَيُحْمَلُ عَلَى الظَّرْفِ أَوِ الحِسَابِ فِيهِ قَوْلاَنِ وَالجَاهِلُ بِالحِسَاب إِذَا قَالَ: أَرَدتُّ مَا يُريدُهُ الحُسَّابُ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: طَلَّقْتُ مِثْلَ مَا طَلَّقَ زَيْدٌ وَهُوَ لاَ يَدْرِي عَدَدَهُ لَمْ تؤَثِّرُ نِيَّتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَعَذُّرِ إِرَادَةِ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القول في الطلاق بالحساب ترْجَمَه الفَصْل: الطلاق بالحِسَاب وجعله على ثلاثة أقسام:
أحدُها: في الألفاظ المسْتَعْمَل مثلُها في حِسَاب الضَّرْب.
والثاني: في تجزئة الطَّلاق وألفاظها.
والثالث: فيما إذا أشْرك بين نسوة في طلقة أو طلقات، وبيان ما يقتضيه التوزيع.
أمَّا الأول: فإذا قال: أنْتِ طالقٌ طلْقةً في طلقة، أو واحِدَةً في واحدةٍ، سُئِلَ عمّا أراد، فإن قال: أردتُّ طلقةً مع طَلْقَة قُبِلَ، ووقعَتْ طلقتان، وقد تُستَعْمل "في" بمعنى "مع"، كقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: 38] أي مع أمم وإن قال: أردتُّ الظَّرْف، أو الحساب، أو لم أُرِدْ شيئاً لم يقَعْ إلاَّ طلقةً، هي قضيَّة الظرف والحساب.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً في طلقتين، أو واحدةً في اثنتين، وأراد مع اثنتين، وقَع الثَّلاث، وإن أراد الحساب، إن كان عالماً بمُوجِبِ اللَّفْظ في اصْطِلاحَ الحساب، وقَعَت طلقتان، وإن كان جاهلاً، وقال أردتُّ ما يريده الحُسَّاب، فوجهان، عن أبي بكر الصيرفي -رحمه الله- أنَّه "تقع طلقتان؛ أنه أراد ما يريدونه".
وقال أكثرهم: لا يقع إلاَّ طلقة؛ لأن ما لم يُعْلَم لا يصح إرادته، فإذا لم يَكُنْ عارفاً بما يريدونه [لم يكن قاصداً] للعدد، والوجهان كالوجهين فيما إذا أتى العجمي بلفظة الطلاق، وقال: أردتُّ بها ما يريده العربيُّ، وهو لا يَعْرِفُ معْناها، وأُجْري الخلاف فيما إذا قال: طلَّقْتُ امرأَتِي مثْلَ ما طلَّق زيد، وهو لا يدري كم طلق زيد وكذا يكُون الحُكْم لو نوى عدَدَ طلاقِ زَيْد، ولم يتلفَّظ، وإن أطْلَق، ولم ينوِ شيئاً، فإن لم يكُنْ ممَّن يعرف الحساب، لم تقَعْ إلا طلقة وإن كان ممَّن يعرف الحساب فقولان:
أحدهما: أنَّه يحتمل على الحساب، وتقع طلقتان؛ لأنَّه الاستعمال المشْهُور في الأعْدَاد، والرَّجُل عارف به، وأظهرهما: أنَّه لا تقع إلا واحدة؛ لأن الأصْل الظَّرْف، والاستعمال واقعٌ فيه، وإذا اخْتَلَف الإطلاق، أخذ باليقين وهو طلقةٌ، وربَّما شبه القولان بالقولين فيما إذا قال: أنْتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ، ومنْهم من لا يُطْلِق لفْظ القولين في المسألة وينسب التوحيد إلى النص، والتعديد إلى أبي إسحاق؛ وعن الشيخ أبي محمد وغيره رواية قولٍ ثَالِث: أنَّه يقع الثلاث؛ لتلفظه بها، ويجيء هذا القول فيمَنْ لا يعرف الحِسَاب، ولم ينوِ شيئاً، ويعلَّم قوله في الكتاب "وإنْ أرَادَ الحِسَابَ كَانَ كَمَا نَوَى" بالحاء؛ لأن عنْد أبي حنيفة -رحمه الله- لا يقع إلا طلقة، سواءٌ عَرَف الحساب أو
لم يَعْرِف، أراده أو لم يُرده، وقوله فيمَا إذَا "أَطْلَقَ وَهُوَ مِمَّنْ لاَ يَفْهَمُ الحِسَابَ حُمِلَ عَلَى الظَّرْفِ" بالواو؛ للقول المروي: أنَّه يقع الثلاث، ووقوع الثلاث ينفي الحمل على الظرف، وقوله: "فِي إطلاَقِ مَنْ يَفْهَمُ الحِسَابَ "قَوْلاَنِ" يجوز إعلامه بالواو؛ لأن في "أمالي أبي الفرج" طريقة قاطعةٌ بأنَّه لا تقع إلا طلقة، كما يقتضيه مَعْنَى الظرف، ولو قال: أنْتِ طالقٌ واحدةً في ثلاث، فإن قَصَد معنى الحساب، وقَعَ الثَّلاث، إن كان عالماً به، وإلا فَعَلَى الوجهين، وإن لم يَقْصِد شيئاً، فعلى التفصيل والخلاف المذكورين، ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثنتين في اثنتين اثنين، فإن قصد الحِسَاب، وقَع الثلاث، وإن لم يقْصِد شيئاً فيقع طلقتان أو ثلاث، فيه الخِلاَف السَّابِق.
ولو قال أنتِ طالقٌ نصْفَ طلقة في نصف طلقة، وقعت طلقة، وسواءٌ أراد الظَّرْف أو الحِسَاب أو المعية أو لم يقْصد شيئاً، ولو قال: واحدةٌ في نصْف، فكذلك إلا أن يريد المعيَّة فيقع طلقتان ولو قال واحدة وربعاً أو نصفاً في واحدة وربع وقع طلقتان إلا أن يريد المعية فتقع الثلاث.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ من واحدة إلى ثلاث فهل يقع الثلاث أم ثنتان أو واحدة، ويَدْخُل الطَّرْفان أو اثنتان، ويدخل الأول دون الثاني، أو واحدة ولا يدخل واحد من الطرفَيْن فيه ثلاثة أوجه، أمَّا بيَّنَّا في "الإِقْرار"، والأصَحُّ عند صاحب "التهذيب" -رحمه الله- الأَوّل.
ولو قال: ما بَيْن الواحدة والثلاث وقَعَت طلقة على الظاهر، ويجيْء فيه اختلاف سَبَق في نظيره من الإِقْرَار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (القِسْمُ الثَّاني فِي التَّجْزِئَةِ): فَإذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ أَوْ رُبْعَ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَمُلَ، وَلَوْ قَالَ: ثَلاَثةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ أَوْ أَرْبعَةَ أَثْلاَثِ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى وَجْهٍ، وَتَقَعُ ثِنْتَانِ عَلَى وَجْهٍ لِزِيَادَةِ الأَجْزَاءِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ أَوْ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى وَجْهٍ، وَقِيلَ: يَقَعُ ثِنْتَان، وَلَوْ قَالَ: ثُلُثُ وَرُبُعُ وَسُدُسُ طَلقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: ثُلُثُ طَلْقَةٍ وَرُبُعُ طَلْقَةٍ وَسُدُسُ طَلْقَةٍ فَهِيَ أَيْضاً طَلْقَةٌ، وَقِيلَ: هِيَ ثَلاَثُ طَلَقَاتٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: كما أن محَلَّ الطلاق لا يبعَّض، ويكون ذكْر بعضه كذِكْر كلِّه في وقوع الطَّلاَق، كما إذا قال: بَعْضُك طالقٌ، فنفس الطَّلاَق لا يتَبَعِّض ويَكُون ذكْر بعْضِه كذكْر كلِّه؛ لقوته وغَلَبَتِه، سواءٌ أَبْهَمَ بأن قال: أنْتِ طالقٌ بعْض طلْقَةٍ أو جزءاً أو سهماً من طلقةٍ، أو 1 أعلم بأن قال: أنتِ طالقٌ نصْفَ طلقة، أو رُبُع طلقة، وذَكَر الإِمام -
رحمه الله- أن وُقُوع الطلاق علَى سبيل التعبير بالبعض عن الكل، ولا يُتَخَيَّل هاهنا السراية المذكورة فيما إذا قال: بعضُكِ طالقٌ، لكن لا يَظْهَر بينهما فرق محقَّق، وفي كلام الشيخِ أبي حامد وغيْره أنَّه يجوز أن يكون ذلك بطريق السراية، ويجوز أن يلغى قوله: نصْف طَلْقة، ويعمل قوله: أنْتِ طالقٌ، ثم فيه صور:
إحداهما: لو زاد في الأجزاء، فقال: أنْتِ طالقٌ ثلاثَة أنْصَاف طلقة، أو أربعة أثلاث طلقة، ففيه وجْهَان:
أحدهما: أنَّه لا يقَعُ إلا طلقةً؛ لأن الأجزاء المذكورة مضَافَةٌ إلى طلقة، والواحد لا يشتمل على تلْك الأجزاء فتلغو الزيادة، وَيصِير كأنَّه أنْتِ طالقٌ نصْفَيْ طلقة، أو ثلاثة أنصاف طلقة، ويلغو الآخر [والأظهر وقوع طلقتين] ويصير كما لو قال: أنْتِ طالقٌ طلقةً ونصْفَ طلقةٍ أو طلقةً وثلث طلقة، وعلى هذَا القياس قولُه: خمْسَة أرباع طلقة أو نصف وثلثي طلقة 1.
وحكى الحناطي وجْهاً ثالثاً: أنه يقع ثلاث طلقات، ويجعل كل نصْف من طلقة، ولو قال: لفلان عَلَيَّ ثلاثة أنصاف درهْمٍ، فعلى الوجْه الأول: لا يلزمه إلا درْهَمٌ، وعلى [الثاني] يلزمه دِرْهَمٌ ونصف.
الثانية: إذا قال: أنْتِ طالقٌ نصفي طلقة لم يَقَع إلا طلقة إلا أن يريد نصفاً من طلقة، ونصفاً من أخرى، وكذا لَوْ قال: ثلثي طَلْقة أو ربعي طلقة، وأشَارَ في الوسيط إلى خِلاَفٍ في هذه الصورة، فقال: الصحيح أنه تقع واحدة، والكتب ساكتة عن حكايته الخلاف، لكنَّه جَارٍ على قياس الوَجْه الَّذي نقَلَه الحناطي 2؛ فإنَّه إذا حمل قوله: "ثَلاثَة أَنْصَافِ طَلْقَةٍ" على أنَّ كلَّ نصْف من طلقة، فكذلك قوله: نصفي طلقة، ولو قال أنْتِ طالقٌ نصْفَ طلقتين، ففيه وجْهان:
أحدهما: ويُحْكَى عن أبي إسحاق: أنَّه يقع طلقتان؛ لأنَّه أضاف النِّصْف إلى الطلقتين، فقضيته النصْف من هذه، والنصف من هذه، ألا تَرَى أنَّه لو قال: لفلان نصْفُ هذَيْن العبدين، كان إقراراً بالنِّصْف من كل واحد منْهما، وعلى هذا فلو قال: أردتُّ طلقةً واحدة يدَيَّن، وهل يقبل ظاهراً؟ وفيه وجهان: ووجه المَنْع القياس على ما لو قال المُقِرُّ بنصف العبدين: أردتُّ به هذا العبد، بأنه لا يُقْبَل.
وأصحُّهما: أنه لا تقع إلا طلقة؛ لأنَّ نصْف الطلقتين طلْقَةٌ، وحمل اللفظ عليه
صحيحٌ ظاهراً فلا توقع الزيادة على طَلْقَة من غير يقين، ولا ظُهُور.
قال الإِمام -رحمه الله-: وليس كمسألة العبْدَيْن، فإنهما شخْصَان ماثلان لا يتماثلان فإضافة النصْف إليهما إضافةٌ إلى كلِّ واحدٍ منهما، والطَّلْقَتَان يضاهيان العَدَدَ المَحْض، والنِّصْف إذا أُضِيفَ إلى اثنين يَتوَجَّه حمْلُه على واحد.
ولو قال: على نصْف درهمين، قال الشيخ أبو علي -رحمه الله-: لا يلزمه 1 بإجْمَاع الأصحاب -رحمهم الله- إلا درْهَمٌ واحدٌ؛ لأنَّا إن أخذنا نصفاً من درهم، ونصفاً من درهم، فلا يلزم إلا درهمٌ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ بل طلقتين، فعلى الوجه الأول تقع طلقتان، وعلى الثاني طلقةٌ، ولو قال: ثلث درهمين، فالواجِبُ ثلثا درهمٍ بلا خلاف.
ولو قال: نصفي طلقتين، أو ثلثي طلقتين، يقع طلقتان، وحَكَى الشيخ أبو الفرج خلافاً للأصحاب في كيفية وقوعهما، فعن بعْضِهِمْ أَنَّ نصْف الطلقتين طلقةٌ، فنصفاه طلقتان، قال: ومن قال بهذا قال: يقع في قوله: "أنْتِ طالقٌ نِصْفَ طلقتين" طلقةٌ، وعن بعضهم: أن كل نصف من طلقة يكملان، ومن قال بهذا جَعَل إضافة النصْف إلى الطَّلْقَتَيْن؛ كإضافة النصفين إليهما، وأوقع هُنَاك طلقتين.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثةَ أنْصَاف طلقتين، فوجهان:
أحدهما: تقع طلقتان؛ لأنَّ الطلقتين تَشْتَمِلاَن عَلَى ثلاثةِ أنْصَاف، فكأنَّه قال: طلقةً ونصفاً من طلقتين، فيُكَمل؛ ولأن الطلقتين كالشَّيْء الواحد، والواحد لا يكون له إلا نصْفَان، فَيَلْغُو الزيادة، ويصير كأنَّه قال: أنْتِ طالقٌ نصْفَيْ طلقة ونصفَيْ طلقة، أو 2 أنت طالقٌ طلقتَيْنِ.
والثاني: يقع ثلاثُ طلقات؛ لأنَّ نصْف الطلقتين واحدٌ، فنصفاه طلقتان، فثلاثة أنصافهما ثلاث طلقات، ولأن نصْفَيْ طلقتين طلقتان، فثلاثة أنصافهما تكون ثلاثَ طَلَقَات، واختار الوجْهَ الأوَّلَ جماعةٌ وإلى الثاني ذَهَب ابْن الحدَّاد.
قال الشيخ أبو علي: وعليْه أكْثَر الأصْحَاب.
ولو قال على ثلاثة أنْصَاف درهَمَيْن ففيما يلزمه الوجْهَان.
ولو قال: ثلاثة أنصاف الطلاق، ففي "التتمة" أنَّه يقع ثلاث طلقات، وينصرف اللَّفْظ بالألف والكلام إلى الجنْس، ونقل الحناطي وجْهَيْن في أنَّه تقع واحدة أو ثلاث، كما لو قال: ثلاثة أنصاف طلقة.
الثالثة: لو قال: أنْتِ طالقٌ نصْفَ وثلث طلقة أو ثلث وربع، وسدس طلقة، لم تقعْ إلا طلقة؛ لأنهما جميعاً أجزاء واحد، ولو كَرَّرَ لفظ الطلقة؛ فقال: ثلث طلقة وربع طلقة، وسدس طلقة، فوجهان أطلقهما صاحبُ الكِتَابِ -رحمه الله-:
أحدهما: أنَّه لا تقع إلا طلقة؛ لأن لفظة الطلقة، وإن كُرِّرَتْ، فهي مُحْتَمِلة للتأكيد والأجزاء، وإن كانت متغايرةً، فهي مضافةٌ والمضافُ تَبَع للمضاف إليه، وأصحُّهما، وهو الذي أورده من أورد المسألة: أنَّه يقع ثلاث طلقاتٍ؛ لأنَّه أضاف كل جُزْء إلى طلقة، وعطف البعض على البَعْض، فاقتضى ذَلِك تغاير الطلقات، فقَدْ سبق أن الصلات المتغايرة إذا دَخَلَت في الطَّلَقَات مَنَعَت من التأكيد، فكذلك الأجزاء المتغايرة، ولو لَمْ يُدْخِل الواو فيهما فقال: أنْتِ طالقٌ ثلث طَلْقَةٍ، ربع طلقة، سدس طلقة، لم تَقَع إلا طلقةً، وفرقوا بأنَّه إذا لم يُدْخِل الواو، كان الكل بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ، وإذا أدخلها فلِكُلِّ واحدة حكْمها، فيقع بقوله: ثلث طلقةٍ طلقةٌ، وأخرى بقوله: وربع طلقة، ولهذا لو قال: أنْتِ طالقٌ طالقٌ لم تقَعْ إلا واحدة، ولو قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، وقعَتْ طلقتان، ولو زادت الأجزاء [ولم يدخل الواو] فقال: أنْتِ طالقٌ نصْف طلقة، ثلث طلقة، وربع طلقة، ففي أمالي أبي الفَرَج -رحمه الله- أنَّه على الوجهَيْن فيما إذا قال: ثلاثة أنْصَافِ طلقة، ولو لم تتغاير الأجزاء وتكررت الواو، فقال: أنتِ طالقٌ نصْف طلقة، ونصف طلقة، ونصف طلقة، وقعت طلقتان، ويرجع في الطلقة الثالثة؛ لقصد التأكيد أم التجديد؟ كما لو قال: أنتِ طالقٌ، وطالقٌ، وطالقٌ، ولو قال: أنتِ نصْف طلقة أو ثلث طلقة، كان كقوله أنْتِ طلقة، أو أنت الطلاق، ولو قال: أنتِ طَالِقٌ نصْفَ ثلث سدس، ولم يقل: طلقة، وقَعَت طلقة بقوله: أنْتِ طالِقٌ.
وقوله في الكتاب: "ولو قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ أو نِصْفَي طَلْقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى وَجْهٍ وَقِيلَ يَقَعُ ثِنْتَانِ" وذكر بعض الشارحين أن الوجهَيْن فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ نصْفَ طلقتين، وفيما إذا قال: أنتِ طالقٌ نصْفَيْ طلقة، لا خلاف أنه لا تقع إلا طلقةٌ واحدةٌ، فربَّما حل النظم، فأفرد الصورة بالذكر، وأخرجهما عن جنْس الوجهَيْن، وكذلك لما ذكرنا أن الأئمة -رحمهم الله- لم ينقلوا خلافاً فيها, لكنه أطْلَق الخلاف هاهنا وفي "الوسيط" أمكن تنزيل وجْهٍ على قياس المنقول، فيما إذا قَال: أنْتِ طالقٌ ثلاثَةَ أنْصَاف طلقة، لم يبعد تركه بحاله، ولفظ الكتاب في قوله أنْتِ طالقٌ، ثلث طلقة، وربع طلقة، وسدس طلقة، يقتضي ترجيح الوجه الذَّاهب إلى وقوع طلقة، والظاهرُ المَشْهُور وقوع ثلاث طلقات، على أن الإِمام لم ينقُلْ وجه الاقتصار على طَلْقَة على ما أطْلَقَه صاحبُ الكِتَاب، ولكن قال: مِنْ أصحابنا من قال: إذا نوى صَرْفَ هذه الأجزاء إلى
طَلْقةٍ واحدةٍ قُبِلَ ذَلِك [منه] 1، وإن تعدَّدت الألفاظ، فخصص التنزيل علَيْه بما إذا فسر كلامه به [والله أعلم].
قَالَ الغَزَالِيُّ: (القِسْمُ الثَّالِثُ فِي الاشْتِرَاكِ): فَإِذَا قَالَ لأَرْبَع نِسْوَةٍ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ طَلْقَةً طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً، وَكَذَا لَوْ قَالَ: ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً أَوْ أَرْبَعاً، فَإِنْ أَوْقَعَ خَمْسَ طَلَقَاتٍ طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَيْنِ، فَإِنْ أَوْقَعَ تِسْعَ طَلَقَاتٍ طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلاَثاً، وَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً فَطَلْقَةٌ للاشْتِرَاكِ، فَإِنْ خَصَّصَ بِوَاحِدَةٍ فَنِيَّتُهُ لاَ تقْبَلُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ أَرْبَعَ طَلَقَاتٍ ثُمَّ خَصَّصَ بِوَاحِدَةٍ حَتَّى يَتَعَطَّلَ الرَّابِعَةُ لَمْ يُقْبَلُ عَلَى وَجْهٍ، وإنْ قُبِلَ التَّخْصِيصُ فِي الثَّلاَثِ، وَلَوْ قَالَ لِثَلاَثٍ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ طَلْقَةً وَقَالَ لِلرَّابِعَةِ: أَشْرَكْتُكِ مَعَهُنَّ وَنَوَى الطَّلاَقَ وَقَعَتْ عَلَى الرَّابِعَةَ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: تَقَعُ ثِنْتَانِ لأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ عَلَى نِصْفِ الثَّلاَثِ وَهِيَ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليس الفصْل قسماً برأسه في الحقيقة وإن أفرد بالذِّكْر، ولكن صورةٌ من لواحق التجزئة والتبعيض، والفقه مسألتان:
إحداهما: قال لنسائه، وهن أربع: أوقعت عليكُنَّ طلقةً، فتقع على كل واحدةٍ منهن طلقة؛ لأنَّه يَخُصُّ كل واحدة بربع طلقة، وبعض الطلاق يُكَمّل، ولو قال طلقتين أو ثلاثاً أو أربعاً، فكذلك يقع على كل واحدة طلقة فقط إلا أن يريد توزيع كل طلقة عليهن فيقع في طلقتين على كل واحدة طلقتان، وفي ثلاث ثلاث وفي أربع 2 كذلك، وعنْد الإِطلاق لا يعمل اللفظ على هذا التقدير؛ لبعده عن الفَهْم؛ ألا ترى أنَّه إذا قال: أُقَسِّم هذين الدرهمين على هؤلاء الأربعة، "لم يُفْهَم منْه الأمر بقسمه كل درهْم عليهم، ولو قال: أوقعتُ عليكن خمْسَ طلقاتٍ طُلِّقت كلُّ واحدة منهن طلقتين، إلا أن يريد التوزيع وكذلك في السِّتِّ والسبع والثماني، فإن أوقع تسعاً طُلِّقَت كلُّ واحدة منْهن ثلاثاً، ولو قال: أوقَعْتُ بينكنَّ طلقة، فهو كقوله: أوقعتُ عليكن طلقةً، فيقع على كل واحدة طلقة، فإن قال: أردتُّ بعضَهُنَّ دون بعض، فَيُدَيَّن وهل يُقْبَل ظاهراً؟ فيه وجهان:
أظهرهما: وهو الذي أورده جماعة أنَّه لا يُقْبَل؛ لأن ظاهر اللفظ يقتضي الشركة، لقوله عليكن، والثاني: يُقْبَل؛ لأنَّه إذا كانَت الطلقة فيهن كان الطَّلاَق بينهن؛ ولأن مِثْل هذا اللفظ يطلق للحَصْر في الجملة، كما يقول: من يتهم واحداً من الجمع بالسرقة،
السرقة بين هؤلاء، يريد الحَصْر فيهم، ولا يريد التشريك بينهم، والوجهان على ما في "النهاية" و"التهذيب" وغيرهما مخصوصان بما إذا قال: أوقعتُ بينكن، أمَّا في قوله: "عليكن" وقال: يُقْبَل هذا التفسير، ويعمم الطلاق، واعْلَمْ أنا ذكَرْنا فيما إذا قال: كلُّ امرأة لي طالقٌ أو نسائي طوالقُ وجْهاً عن ابْنِ الوكيل، وغيره: أنه لو قال: أردتُّ بعضهن، يُقْبَلُ، وذلك الخلاف يَجْري لا محالَة في قوله: أوقَعْتُ عليكن طلقةً، فكان المراد هاهنا أنَّا إذا أجبنا بظاهر اللَّفْظ، وقُلْنا: لا يُقْبَل التخصيص في قوله: نسائي طَوَالِقُ، وفي قوله: أوقعْتُ عليكنَّ طلقةً، ففي قوله: أوقَعْت بينكنَّ هذان الوجهان، وإذا قلنا: لا يُقْبَل فذلك فيما إذا أخرج بعضهن عن الطلاق، أمَّا إذا فضل بعضَهُن على بعض مثل أن يقول: أوقعْتُ بينكنَّ ثلاث طلقات، ثم قال: أردتُّ إيقاع طلقتين على هذه وقَسَّمْت الأخرى على الباقيات، فوجهان:
أظْهرهما: أنَّه يُقْبَل، وبه قال الشيخ أبو علي -رحمه الله- ونسبه القاضي ابن كج -رحمه الله- إلى نص الشَّافعي -رضي الله عنه- لأنَّه لم يخرج واحدة عن الطلاق، والعَدَد المذكور يكون بينَهُنَّ، وإن تفاوتن في القدر الذي يلحقُهُنَّ، وهذا كَمَا أنَّه يصحُّ أن يُقَال: هذه الدار بَيْن فلان، وفلان، وإن تفاوتا في القَدْر والمستحَقِّ.
والثاني: عن رواية أبي الحُسَيْن بن القَطَّان: أنَّه لا يُقْبَل، ويجب استواؤهن، وإن قلْنا: يُقْبلَ، فذلك فيما إذا لم يتعطل شيْء من الطَّلاَق، وإن تعطَّل كما إذا قال: أوقعتُ بينكُنَّ أربع طلقات، ثم خصَّصهما جميعاً بواحدة منهن، فوجهان:
أحدهما: يُقْبَل أيضاً لأنا نفرِّع على قوْل التخصيص، وإذا قلنا: التخصيص فهَذَا من موجباته، ولواحقه ولكنه قال: لواحدة: أنْتِ طالقٌ أربعاً.
وأقربهما المَنْع؛ لأنَّه خَاطَب بعَدَد من الطلاق مَنْ يَقْبَل ذلك العدد، فيبعد تعطيلُه، وإحباطُهُ، وحيث قلنا: لا يُقْبَل، فذلك في النفي عن مَنْ يُنْفَى عنها، وأمَّا في الإِثبات في حق من يثبت، فيؤاخذ بموجب إقراره حتَّى إذا أوقع بين أرْبَعٍ طلقات، ثم قال: أردتُّ أن تقع على هذه طلقتان، وعلى هذه طلقتان، وتبقى الأخريان على النكاح، فَيَلْحَقُ كلَّ واحدة من الأولتَيْنِ طلقتان، والخلاف في الأخيرتين، فإن لم يُقْبَلْ ما يقوله، وقع على كل واحدة منْهما طلقةٌ وفيما إذا خصَّص الأربع بواحدة، وقلنا بعدم القبول، فيَقَع على الَّتِي طلقها ثلاثاً بإقراره، وعلى الأخريين طلقتان، وإذا قال: أوقعتُ بينَكُنَّ خمْسَ طلقات، لبعضكن أكثر مما لبعض، فلا يجيْء الخِلاَف في أنَّه يُصَدَّق ويفضل بعضهن، ويجيْء في تصديقه في إخراج بَعْضِهِنَّ.
ولو قال: أوقعتْ عليكُنَّ نصْفَ طلقة: أو ثلثها، وَقَعَ على كل واحدة طلقة، ولو قال: أوقعتُ بينكن خُمْسَ طلقة، وسدس طلقة، وثلث طلغة، فيبنى على الخلاف، السابق فيما إذا خَاطَبَ به واحدةً، فإن قلْنا: لا يَقَعُ به إلا طلقة واحدة، فكذلك هاهنا
فتطلق كل واحدةٍ واحدةً، وإن قلْنَا بالصحيح، وهُوَ وقوع الثلاث، فهاهنا يقع [على] 1 كل واحدةٍ ثلاثُ طلقات؛ لأن تغاير الأجزاء، وعطْفَ بعضها على بَعْض يشعر بقِسْمة كل جزء بينهن.
قال الإِمام -رحمه الله- ويُحْتَمَل أن يجعل كما لو قال: أوقعتُ بينكن ثلاثَ طلقات، والقسمة المستوية في ذلك لا توجب إلا طلْقَةً، ولو قال: أوقعتُ بينَكُنَّ طلقةً وطلقةً وطلقةً، فيجوز أن يقال: هو كما لو قال: ثلاثَ طلقات، فتطلق كل واحدة طلقةً ويجوز أن يُقَالَ تُطَلَّق كلَّ واحدة ثلاثَ طلقات؛ لأن التفصيل يشعر بقسمه كل طلقة عليهن.
المسألة الثانية: إذا طَلَّقَ إحْدَى امرأتيه، ثم قال للثانية أشركْتُكَ مَعَها، أو جعلتك شريكَتَها أو أنت كهي، أو مثْلُها، ونوى طلاقها، طُلِّقَت، إلا لم تُطَلَّق، وكذا لو طَلَّق رجُلٌ امرأته، فقال آخر لامرأته: أشركتُكِ مَعَها، أو أنت كهي، ونوى، ولو كانَتْ تحته أرْبَعٌ فقال لثلاث منهن: أوقعْتُ عليكنَّ أو بينكن طلقةً، فطلقن واحدةً واحدةً، ثم قال: للرابعة: أشركتُك معَهُنَّ، ونوى الطلاق، فيُنْظَر؛ وإن أراد طلقة واحدةً تكون كواحدة منهن، طُلِّقَتْ واحدةً، وإن أراد أن تُشارِكَ كل واحدة منهن في طلقتها طُلِّقت ثلاثاً، فإن أطْلَق اللفظ، ونوى الطلاق، ولم ينْوِ واحدة ولا عدداً، ففيه وجهان:
أظهرهما: وبه قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: تُطلَّق واحدة؛ لأن جعْلَها كإحداهن أسبق إلى الفهْم، وأظهر من تقدير توزيع كلِّ طلقة، والثاني عن القَفَّال: أنها تُطَلَّق طلقتين؛ لأنه جعل الواحدة شريكة الثلاث وفي مقابلتهن، وقضيَّة الاشتراك أن يصير ما لحقهن مقسوماً بينهن وقد لحقهن ثلاث طلقات، فيلحقها نصْف الطلاق، وهي واحدةٌ ونصف، فيكمل طلقتين.
ولو قيل بناءً على هذا التوجيه [يلحقها] 2 ثلاث طلقات، ليكون لها مثْل ما لَهُنَّ إذا صارت شريكتهن، لم يكن بأبعد منه، وعلى قياس المسألة، طَلَّقَ اثنتين، ثم قال للأخريين: أشرْكتُكُمَا معَهما، ونوى الطلاق، فإن أراد أن تكون كل واحدة منْهُنَّ كواحدةٌ من الأوليين، طُلِّقت كلُّ واحدة منهن طلقةً، وإن أراد أن تكون كلُّ واحدة كالأوليين معاً في الطلاق أو أن تشارك كل واحدة منهما كل واحدة من الأوليين في طلقتيهما طُلِّقَتا طلقتين طلقتين، وإن أَطْلقَ فتطَلَّق كلُّ واحدة طلقةً، على قياس ما قاله الشيخ أبو عليٍّ، وكذلك هو قياس المنقول عن القَفَّال؛ لأنَّه يجعل الأخريين شريكين في ما للأوليين فيقسم بينهما، وبين الأخريين، والذي لحقهما طلقتان، فيلحق الأخريين نصفها، وهو طلقة، فنُقَسَّم بينهما وتُكَمل.
فَرْعٌ: لو طَلَّق إحْدَى امرأتَيْه ثَلاَثاً، ثُمَّ قال للأخرى: أشركْتُكِ مَعَها، ولم يَنْوِ العدد، حكى إسماعيل البوشنجي أن المسألة جَرَت بين يدي أبي بكر الشاش -رحمه الله
- بمدينة السَّلاَم فأجاب أنَّها تُطلَّق واحدةً، وتَوَقَّف البوشنجي فيه، وقال: قد أوقَعَ على الأُولَى (1) ثلاثاً، والتشريك يقتضي أن يكُونَ لها مثل ذلك، وهذا التردُّد قريب من التردُّد فيما إذا طلق ثلاثاً، وقال للرابعة: أشركْتُكِ مَعَهُنَّ ولم يَنْوِ العَدَد.
البَابُ الرَّابعُ فِي الاسْتِثْنَاءِ
2 قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إِلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَ ثِنْتَانِ، وَشَرْطُ الاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلاً، وَالظَّاهِرُ: أنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ مُقْتَرِناً بِاللَّفْظِ فَلَوْ بَدَا لَهُ عَقِيبَ اللَّفْظِ الاسْتِثْنَاءُ لَمْ يَجُزْ، وَشَرْطُهُ أَنْ لاَ يَكُونَ مُسْتَغْرِقاً، وَفِيهِ فَصْلاَنِ (الأَوَّلُ في المُسْتَغْرِقِ): وَفِيهِ مَسَائِل: (الأُولَى): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ ثَلاَثاً إِلاَّ ثَلاَثاً وَقَعَ الثَّلاَثُ لِبُطْلاَنِ الاسْتِثْنَاءِ، وَلَوْ قَالَ: ثَلاَثاً إِلاَّ ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً فَفِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ يُجْمَعُ مَا فَرَّقَهُ وَيَجْعَلُ مُسْتَغْرِقاً، وَفِي الثَّانِي يُخَصَّصُ البُطْلاَنِ بِالوَاحِدَةِ إِذْ بِهَا يَقَعُ الاسْتِغْرَاقُ، وَعَلَى هَذا الخِلاَفِ يُبْتَنَى قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً فَإنَّهُ إنْ جُمِعَ المُسْتَثْنَى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقاً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَقَعَ الثَّلاَثُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.1
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الاستثناء في الكلام معْهُود، وفي القرآن والسنة، موجودٌ، فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً، وقع ثنتان؛ لأن قوله ثلاثةٌ إلا واحدة، عبارة عما يعبّر عنْه بلفْظ الاثنتين، وإذا قال: ثلاثاً إلا اثنتين، وقَعَت واحدة، وُيشْتَرَط في الاستثناء شيْئَان:
أحدهما: أن يكون مُتَّصِلاً باللفظ، فلو انفصل، لم يؤثِّر الاستثناء، وسكتة التنفس والعي، لا تمنع الاتصال.
قال الإِمام -رحمه الله-: والاتصال المعتبَرُ هاهنا أبلغُ ممَّا يرعى بين الإِيجاب والقَبُول 1، فإن الإِيجاب والقبول صادران من شخصَيْن، والمقصود ألا يتخلَّلهما ما يشعر بإعراضه عن الجواب، والاستثناء والمستثنى منْه صادران من شَخْص واحد، وقد يحتمل بين كلام شخصين ما لا يحتمل بين أبعاض كلامِ الوَاحِد، ولذلك لا ينقطع الاتصال بيْن الإِيجاب والقَبُول بالكلام اليسير على الأصح، وفي الاستثناء يقطع، هذا هو الظَّاهر، وحَكَى القاضي ابن كج -رحمه الله- وجْهاً آخر أنَّ الكلام اليسير الأجنبيَّ بين المستثنى والمستثنى منْه لا يَقْدَح في الاستثناء، ثم هلْ يشْتَرَط مع اتصال اللَّفْظ أن يكُونَ قصد الاستثناء مقْروناً بأول الكلام فيه وجهان:
أحدهما: لا، لو بَدَا لَهُ الاستثناء بعْد تمام المستثنى منْه، فاستثنى، حكم بموجبه، وعن الشَّيْخ أبي محمَّد نسبة هذا الوجْه إلى الأستاذ أبي إسحاق -رحمه الله- وأصحُّهما، وادعى أبو بكر الفارسيُّ الإِجماع علَيْه: أنَّه لا يُعْمَل 2 بالاستثناء، ويقع الطلاق؛ لأن الاستثناء بعْد الفصل مُنْشَأٌ بعد لحوق الطلاق، فيلغو.
وما ذكرنا من الاتصال لفظاً، واقتران القصْد بأول الكلام حكْمُه في الاستثناء بـ"إِلاَّ" وأخواتها وفي التعليق بمشيئة الله تعالى، وفي سائر التعاليق واحد.
والثاني: ألاَّ يكون مستغرقاً؛ ليبقى شيْء من المستثنى منْهُ 3 وإلا فهُو رفْع الطلاق
ونازلاً منزلة قوله: "أنْت طالقٌ طلاقاً لا يَقَعُ عليْك".
قال: "وفيه فصْلان" إلى قوله: "على أصح الوجهين" كما أن إخْرَاج بعْض ما يتناوله الكلام بكلمة "إلا" وما في معناها يُسَمَّى استثناء، فتعليق الطلاق والعتاق وغيرهما بمشيئة الله تعالى يُسمَّى استثناءً، فلما كان الباب مُتَرْجماً بالاستثناء، ووقع اللفظ على النوعَيْن، فيه عقد فصلين:
أحدهما: في الاستثناء بـ"إلا" ونحوها.
والثاني: في التعليق بمشيئة الله تعالى، وأما التعليق بمشيئة النَّاس، فقد أَفْرَد له فصْلاً في قِسْم التعليقات.
قال الإِمام: ولا يبعد عن اللُّغَة تسمية كلِّ تعليق استثناءً لأن قول القائل "أنْتِ طالقٌ" يقتضي وقوع الطلاق من غير تقييد يقصد، فإذا علَّقه بشَرْط، ثناه عن مقتضى إطلاقه، كما أن قوله: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا طلقةً يثنى اللفظة عن مقتضاها، إلا أنَّه اشتهر في عُرْف أهل الشريعة تسمية للتعليق بمشيئة الله تعالى خاصَّة، أمَّا الفَصْل الأول فأهمُّ ما يقع فيه بيانُ ما يكون مستغرقاً من الاستثناء، وما لا يكون فلذلك تَرْجَم المستغرق، وإن كان يشْتَمِل على ما لا يتعلق بالاستغراق كالحُكم في قوله: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا نصفاً، وفيه صور:
إحداها: إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاثاً، فالاستغراق فيه ظاهر، والاستثناء باطلٌ.
ولو عطَفَ بعْض العَدَد على بعض، إما في المستثنى منْه، أو في المستثنى، أو فيهما، فوجهَانِ؛ في أنَّه هل يجْمع بينهما:
أحدهما: يجْمع؛ لأنَّه لو قال: عليَّ درْهَم ودرهم، يلزمه درهمان، كما لو قال: عليَّ درهمان.
وأصحهما: المَنْع، وجْه أجاب ابن الحَدَّاد؛ لأن الجملتين المعطوفتين يفردان الحكم، وإن كان "الواو" للجمع؛ ألا تَرَى أنَّه لو قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، لا يقع إلا واحدة، ولا ينزل منزلة ما لو قال: أنتِ طالقٌ طلقتين، فإذا عُرِف ذلك، فلو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين وواحدةً أو إلاَّ اثنتين وإلا واحدة، فعلى الوجْه الأوَّل يجمع بينهما فيكون الاستثناء مستغرقاً ويقع الثلاث، وعلى الثاني تخْصيص البُطْلاَن بالواحدة التي بها يقع الاستغراق، فيقع طلقة، ولو قال: ثلاثاً إلا واحدةً، واثنتين فعلى الأول: يقع الثلاث، وعلى الثاني: تخصيص البطلان بالثنتين، ويصحح استثناء الواحدة، فتقع طلقتان.
= بصفة صيغتها التردد إذ المشيئة غيب لا يطلع عليها فلم يكن مبني الكلام التناقض وحكمنا بانتفاء الطلاق لأمر اقتضاه الشرع لا لإِخلال الكلام في نفسه.
ولو قال: أنتِ طالقٌ طلقتَيْن وواحدةً إلا واحدةً فعلى الوجه الأوَّل يَجْمَع بينهما، فتكون الواحدة مستثناة عن الثلاث، فتقع طلقتان، وعلى الثاني: لا يَجْمَع، وتكون الواحدة مستثناةً عن الواحد، فيقع الثلاث، وحكى الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله- طريقةً قاطعةً بِرَدِّ الاستثناء إلى الواحدة، وإيقاع الثلاث بخلاف ثلاثاً إلاَّ اثنتين وواحدةً فرْقاً بأن ضم أحد الاستثنائين إلى الآخر هناك يوقع الثلاث، وفيه تغليظٌ عليه، واحتياط الضمِّ ها هنا تخفيفٌ وترك الاحتياط، فلا يصار إلَيْه.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ واحدةً واثنتين إلا واحدةً، صَحَّ الاستثناء على الوجهَيْن، ولو قال: ثلاثاً إلا واحدةً واحدةً واحدةً، فعلى الوجْهِ الأوَّل: يقع الثلاث، فكأنَّه استثنى الثلاث من الثلاث، ويُحكَى هذا عن أبي حنيفة -رحمه الله- وعلى الثاني: يصحُّ استثناء اثنتين، ولا يصحُّ استثناء الثالثة، ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً وواحدةً إلا واحدةً، أو قال: طلقةً وطلقةً وطلقةً إلا طلقةً، فعلى الأول: تقع طلقتين، كما لو قال: ثلاثاً إلا واحدةً، وعلى الثَّاني، يقع الثلاث، وكان استثناء الواحِدَة من الواحدة، ولو قال: واحدة، وواحدة، وواحدة إلا واحدة، وواحدة، وواحدة، وقَع الثلاث على الوجهين معاً لأنَّه إن جُمَعَ، فهو استثناء ثلاثة من ثلاث وإنْ لم يجْمَع فهو استثناء كُلِّ واحدةٍ من واحدةٍ ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بل واحدةً ثم واحدةً إلا واحدة، فلا جَمع؛ لتغاير الألْفَاظ، والاستثناءُ باطلٌ، ونقل الحناطي وجهاً آخر يصحُّ الاستثناء، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً وواحدةً.
قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: لا يَختَلِف الأصحابُ أنَّه يجمع بينهما، ويصحان، ولا يقع إلا ما يبقى بعد الاستثنائين، وهو طَلْقةٌ، ونقل القاضي ابن كج -رحمه الله- فيه وجهَيْن:
أحدهما: هذا.
والثاني: أنَّه يقع الثلاث، ويجعل قوله "وواحدة" عطفاً على قوله: "إلاَّ واحِدَةً" 1 وثلاثٌ إلاَّ واحدة اثنتان؛ فكأنه قال: اثنتين وواحدة 2.
وقوله في الكتاب "وَعَلَى هَذَا الخِلاَفِ يبتنى قولُه: أنْتِ طالقٌ طلقتين وواحدةً إلا واحدةً" يجوز إعلامه بالواو؛ للطريقة التي حكاها الشيخ أبو عليٍّ عَلَى أن هذه الصورة لا تبنى على ذلك الخلاف، ويقطع فيها بوقوع الثلاث.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): الاسْتْثَنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ وَمِنَ الأِثْبَاتِ نَفْيٌ، فَلَوْ قَالَ: أنْتِ
طَالِقٌ ثَلاَثاً إِلاَّ ثِنْتيْنِ إلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَ ثِنْتَانِ مَعْنَاهُ إِلاَّ ثِنْتَيْنِ لاَ تَقَعُ إِلاَّ وَاحِدَةٌ مِنَ الثِّنْتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إِلاَّ ثَلاَثاً إِلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَتْ ثِنْتَانِ لأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنِ الاسْتِغْرَاقِ بِقَوْلِهِ إِلاَّ وَاحِدَةً، وَقِيلَ: يَقَعُ الثَّلاَثُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بيَّنَّا في الإِقرار أن الاستثناء من الإِثبات نفي، ومن النفي إثبات فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، وقعت طلقتان، والمعنى ثلاثاً يقعْنَ إلا ثنتين لا يقعان إلا واحدةً تَقَعُ مِن الثِّنْتَيْن، فتنضم هي إلى الباقية من الثَّلاث، ويقعان، وأبْدَى الحناطي وجْهاً آخر على سبيل الاحتمال: أن الاسثتناء الثاني ينصرف إلَى أول اللفظ أيْضاً، وعلى هذا فيكون الحُكْم كما لو قال: إلا اثنتين وواحدة، ولو قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدةً، ففيه ثلاثةُ أوجُه:
أحدها: أنَّه تقع ثنتان؛ لأنَّ الاستثناء الأوَّل فاسِدٌ؛ لاستغراقه، فينصرف الاستثناء الثَّانِي إلى أوَّل الكلام، ويصير كأنَّه قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثةً إلا واحدةً.
والثاني: وهو اختيار القاضي ابن كج -رحمه الله-: أنَّه تقع واحدة؛ لأنَّه لما عَقَّب الاستثناء بالاستثناء، خَرَج الأول عن أن يَكُونَ مستغرقاً، وكان ذلك استثناء ثلاث إلا واحدة من ثلاث، وثلاث إلا واحدة ثنتان، فكأنَّه قال: ثلاثاً إلا اثنتين.
والثالث 1: ويُحْكَى عن أبي عليٍّ الطُبَرِيِّ -رحمه الله-: أنَّه تقع الثلاث؛ لأن الاستثناء الأَوَّل مستغرق لاَغٍ، والثاني مرتَّب على ما هو لغْوٌ، فيلغو أيضاً ونظْمُ الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الأوَّل، لكن الأصحَّ على ما ذكَره الإِمام، وصاحب الكتاب -رحمهما الله- الوَجْهُ الثاني، ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاَثاً إلا اثنتين، فعلى الوجه الأوَّل تقع طلقة واحدةً، وعلى الثاني اثنتان، وعلى الثالث الثلاث، حكاه في "الشامل" عن ابن أبي هريرة ولو قال: ثلاثاً إلاَّ اثنتين إلا اثنتين، يقع واحدةً ويلغو الاستثناء الثاني، وحكى الحناطي فيما لو قال: ثلاثاً إلا واحدةً إلا واحدةً وجهَيْن:
أحدهما: وقوع الثلاث.
والثاني: وقوع اثنتين، وفيما لو قال: اثنتين إلا واحدةً إلا واحدة وجْهَيْن:
أحدهما: وقوع ثنتين.
والثاني: وقوع واحدة، كأن الأول يوجَّه بأن المعنى إلا واحدةً لا يقع إلا واحدة تقع، فتنضم إلى ما بقي من صدْر الكلام.
والثاني: بأن الاستثناء الثاني باطل؛ لاستغراقه، فيبقى الاستثناء الأول، وحَكَى فيما لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدةً وجهَيْنِ:
أحدهما: وقوع ثنتين.
والثاني: وقوع واحدة، قال: ويُحْتَمَل أن يقع الثلاثُ، وقد يوجه الأول بأن الاستثناء الأوَّل باطلٌ؛ لاستغراقه، فيَلْغُو ويبقى قوله "ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة" والثاني أن المعنى إلا ثلاثاً لا يقع إلا اثنتين يقعان إلا واحدةً لا تقع، فتبقى واحدةٌ واقعةً، وأيضاً فإن المستثنى من الثلاث ثانياً اثنتان إلا واحدة، واثنتان إلا واحدة واحدة، فيبقى منْها اثنتان فيهما المستثنيان عن الثلاثة المذكورة، ولا يبقى إلا واحدة، والثالث بأن الاستثناء الأوَّل باطلٌ، لاستغراقه، وكذا ما بعده لترتبه على البَاطِل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْساً إلا ثَلاَثاً وَقَعَ ثِنْتَانِ، وَقيلَ الزِّيَادَةُ تَلْغُو فَيَبْقَى الاسْتِثْنَاءُ مُسْتَغْرِقاً، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعاً إلا اثْنَتَيْنِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى الأَوْلِ تَقَعُ اثْنَتَانِ، وَلَوْ قَالَ أنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إلاَّ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَقَعَ الثَّلاَثُ لأَنَّهُ أَبْقَى النِّصْفَ فَيَكْمُلُ، وَقِيلَ: اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ كَاسْتِثنَاءِ الوَاحِدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أدرج في هذه الصورة مسألتين:
إحداهما: إذا زاد المُطْلَق على العدد الشرعيِّ من الطَّلاق، واستثنى، فالاستثناءُ يَنْصَرِف إلى العَدَد المذكور، أو إلى المَمْلُوك من الطلاق فيه وجهان:
أصحُّهما: وبه قال: أبي الحدَّاد، وابن القاص أيضاً: أنَّه ينصرف إلى المذكور؛ لأن الاستثناء لفظيٌّ، فيُتَّبَع فيه موجبُ اللَّفْظ، ولا فَرْق في اللغة بين اثنين وبين خمسة إلا ثلاثة.
[والثاني]: ويحكى عن أبوي علي بن أبي هريرة والطَّبَريِّ -رحمهما الله- أنَّه ينصرف إلى المملوك؛ لأنَّ الزيادة لغو لا سبيل إلى إيقاعها؛ فلا عبْرة بِذِكْرها، فإذا قال: أنْتِ طالقٌ خمْساً إلا ثلاثاً، وقَعَتْ ثنتان على الوجْه الأول، وثلاث على الثاني، ولو قال: خمْساً إلا اثنتين، وقَعَت ثلاثٌ على الوجه الأول، وواحدٌ على الثاني، ولو قال: أنْتِ طالقٌ أربعاً إلا اثنتين، وقَعَت ثنتان على الأوَّل، وواحدةٌ على الثاني، ولو قال: أربعاً إلا واحدة، وقَعَت ثلاثٌ على الأوَّل ثنتان على الثاني ولو قال: أربعاً إلا ثلاثاً، وقَعَتْ على الأول واحدة، وثلاثاً على الثاني، ولو قال: ستاً أو سبعاً أو عدداً فوق ذلك إلا ثلاثاً وَقع الثلاث على الوجهَيْن، أما على الأول فلبقاء الثلاث من المستثنى منْه، وأما على الثاني؛ فلأنَّه كما لو قال: ثلاثاً إلاَّ ثلاثاً.
ولو قال: ستاً إلاَّ أربعاً، فعلى الأول: يقع طلقتان، ويُحْكَى ذلك في هذه الصورة عن نَصِّه في البُوَيْطِيِّ، وعلى الثاني يقع ثلاث؛ لأنَّ المعنى: أربعاً تقع إلا ثلاثاً لا تقع، إلا اثنتين يقعان، فتنضمان إلى الواحدة الباقية من الأربَعِ، وعلى الثاني: هُوَ كما لو قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين، وقد سَبَق حكمه.
ولو قال: خمْساً إلاَّ اثنتين إلا واحدةً، فعلى الأول تَقَع الثلاث، وعلى الثاني تقع ثنتان، [كما] 1 لو قال ثلاثاً إلا اثنتين إلاَّ واحدةً.
ولو قال: ثلاثاً وثلاثاً إلاَّ أربعاً، فإنْ جمعنا بين الجُمَل المعطوفة، واعتبرنا الزِّيَادة على العَدَد الشَّرْعِيِّ، فهو كما لو قال: ستّاً إلا أربعاً [و] 2 إلا طُلِّقَتْ ثلاثاً.
فَرْعٌ: لو قال: أنْتِ بائنٌ إلا بائناً، ونوى بقوله: أنت بائنٌ الثَّلاثَ.
قال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله- يبنى هذا على ما لو قَالَ: أنْتِ واحدةٌ، ونوى الثَّلاثَ، تقع الثلاث؛ اعتباراً بالمنوي، أولاً يقع إلا واحدة، اعتباراً باللفظ إن غلَّبنا اللفظ، فإذا الاستثناء لاَغٍ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً إلا واحدةٌ، وإن غلَّبنا المنويَّ صح الاستثناء، ووقَعَتْ طلقتان، كما لو تلفَّظ بالثلاث، واستثنى واحدة، وهذا ما رجَّحه، ونَصَره 3، وفي معشى هذه الصورة ما إذا قال: أنت بائن إلا طالقاً، ونوى بقوله: "أنتِ بائنٌ" الثلاثَ، وما إذا قال: أنتِ طالقٌ إلاَّ طالقاً، ونوى قوله: "أنْتِ طالقٌ الثلاثَ، ويظهر مِنَ الفرع أنَّه لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا طالقاً، يصحُّ الاستثناء، وكقوله: "إلا طلقةً" وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ، وطالقٌ، وطالقٌ، إلا طالقاً، ونوى تَكْرار الجُمَل المعطوفة، وفيه احتمال آخر.
ولو قدم الاستثناء على المستثنى منْه، فقال: أنتِ إلا واحدةً طالقٌ [ثلاثاً]، حكى صاحب "المهذب" عنْ بعض الأصحاب أنَّه لا يصحُّ الاستثناء وتقع الثلاث؛ لأن الاستثناء لاستدراك ما تقدَّم من الكَلاَم قال: ويُحْتَمَل عنْدي أنَّه يصحَّ ولا تقع إلا طلقتان 4، واستشهد بقول الفَرَزْدَق يمدح عبد الملك بن هشام بن عبد المَلِك.
وَمَا مِثْلُهُ في النَّاسِ إِلاَّ مُمَلَّكاً... أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِنُهْ 5
الملك أبو الممدوح.
الثانية: قدْ مرَّ أن إيقاع بَعْضِ طلقة كإيقاع كلِّها.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا نصْفَ طلقة، فوجهان، حكاهما الشيخ أبو علي وغيره.
أصحُّهما: أنَّه تقع الثلاث؛ لأنَّه أبْقَى نصْف طلقة، فتُكَمَّل.
والثاني: أن استثناء النصْف كاستئناء الكُلِّ، كما أن إيقاع النصْف، كإيقاع الكُلِّ، فتقع طلقتان، والظاهر الأوَّل، والتكميل إنَّما يكُونُ في طرق الإِيقاع؛ تغليباً للتحريم.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا طلقةٌ ونصْفاً، فَعَلَى الأصح: تقَعُ طلقتان، وعلى الثاني: طلقة، ولو قال: طلقتين إلا نصْفَ طلقة، فعلى الأول: الأصَحُّ تقع طلقتان، وعلى الثاني طلقة، ولو قال: طلقة إلا نصْفَ طلقة، وقَعَت طلقةٌ بلا خلاف.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين ونصفاً، فإن جعلْنا استثناء النصْف كاستثناء الكُلِّ، فَهُوَ كما لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلاَّ اثنتين وواحدةً، وإن قلْنا بالأصحِّ، ففيه احتمالان للإِمام -رحمه الله-:
أحدهما: يبطل ذكر النصف، ويبقى قولُه: "أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين".
والثاني: أنَّه يجعل ذكر النصف كذكر الكُلِّ؛ لأنَّه يؤثر في الإِيقاع إذا جمعْنا بيْن المستثنين المعطوف أحدهما على الآخر.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين إلا نصف طلقةٍ، قال الإِمام: يَصِحُّ الاستثناءُ الثاني؛ فإنَّه يؤثر في الإيقاع لأن الاستثناء من النَّفْي إثباتٌ، ولو قَالَ: أنتِ طالقٌ واحدةً ونصْفاً إلا واحدة، ذكرَ الحناطي -رحمه الله- نَقلاً أنه تقع طلقة، واحتمالاً، أنَّه تقع طلقتان 1، والوجهان مبنيان على أن الاستثناء ينْصَرِف إلى المذكورين جميعاً أو إلى الثاني، وعلى التقدير الثاني يكون الاستثناء مستغرقاً، فيبطل، ويقع طلقتان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ): فَإذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَقَعْ لأَنَّهُ لاَ يَدْرِي أنَّهُ شَاءَ الله تَعَالَى أَمْ لاَ، وَكَذَلِكَ في العِتْقِ (م)، وَنَصَّ عَلَى أنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شَاءَ اللهُ لاَ يَكُونُ مُظَاهِراً، وَقَدْ قِيلَ بِطَرْدِ هَذَا القَوْلِ فِي = "أبوه" للممدوح، ففصل بين "أبو أمّه"، وهو مبتدأ، و"أبوه" وهو خبره، بأجنبيّ، وهو قوله "حيّ"، كما فصل بين "حيّ"، ونعته، وهو قوله "يقاربه" بأجنبي، وهو "أبوه"، وقدَّم المستثنى على المستنثى منه.
سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَوْ قَالَ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللهُ يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ لأَنَّ الاسْمَ لاَ يَحْتَمِلُ الاسْتِثْنَاءَ، وَلَوْ قَالَ: يَا طَالِقُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إِنْ شَاءَ الله وَقَعَتْ وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ يَا طَالِقُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَيكُونُ قَوْلُهُ يَا طَالِقُ وَصْفاً بِالثَّلاَثِ فَيَرْجعْ الاسْتِثْنَاءُ إِلَى الثَّلاَثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: أنْتِ طالقٌ إن شاء الله، نُظِرَ، إِن سَبَقت الكلمة إلى لسانه، بتعوده لها، كما هو الأدب أو قصد التبرك بذكر الله تعالى، وأراد الإِشَارة إلى أن الأمور كلَّها بمشيئة الله، ولم يقْصِد تعليقاً محقَّقاً لم يؤثر ذلك، ووقع الطلاق وإن قَصَد التعليق حقيقة لم يقع الطلاق، نصَّ عليه في "المختصر" وغيره، وعن رواية صاحبة "التقريب" والشيخ أبي عليٍّ -رحمهما الله- قول آخر: أنَّه يقع الطلاق، ولا يُؤَثِّر الاستثناء، وأخذ بعضُهم هذا القَوْل من نصٍّ رُوِيَ في الظِّهَار: أنَّه لو قال: أنْتِ عَلَيَّ كظَهْر أمِّي إن شاء الله، يكون مظاهراً، ويلْغُو الاستثناء ووجه القول: بأن الاستثناء يَرْفَع الطلاق أصْلاً ورأساً فأَشْبَه الاستثناء المستغرق، وما إذا قال: أنتِ طالقٌ طلاقاً لا يقع عليْكِ، فإنَّ الكلام في الصورتين متناقض غيْر منتظم، وهاهنا التَّعْلِيق منتظم، والصفة المعلَّق عليها قدْ تُعْلَم، وقد تُجْهل، وإذا جُهِلَت لم يُحْكَم بنزول الطلاق، وفَرَّق بعضهم بين الطلاق والظهار بأن الطَّلاق إخبارٌ، والإِخبارُ عن الواقع لا يتعلَّق بالصفات، بخلاف الإِنشاء، وهذا القائِلُ ذَهَب إلى أنَّه لو قال: لِفُلاَنٍ عليَّ عشرة إن شاء الله، يلزمه العشرة، ولا يُعْمَل الاستثناء، وظاهر 1 المَذْهَب، وإن سلم قول في المسألة أنَّه لا يقع الطلاق عند الاستثناء، رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَعْتَقَ أَوْ طَلَّقَ وَاسْتَثْنَى فَلَهُ ثُتيَاهُ" 2 وجهوه بشيئين:
أحدهما: إن المشيئة المعلَّق عليها عَيْبٌ عنا، فإذا لم يُعْلَم حصول الوَصْف المعلَّق عليه، لم يُحْكَم بوقوع الطلاق.
والثاني: إن قوله: "إن شاء الله" يقتضي حصول المشيئة وحدوثها بعد التعليق، كما لو قال: "إن شاء زيد أو دخل الدار" فإن اللَّفْظ يقع على مشيئة، ودخول يحدثان من بعد، ومشيئةُ اللهِ تعالى قديمةٌ لا يُتَصَوَّر حدوثها، وعن الحليمي: أنَّه اختار التوجيه
الثاني، واعترض على الأول بأن قضيته أن يَقَع ثلاثُ طلقات، فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إن شاء الله، ثم قال: أنتِ طالقٌ، فإنا عَرَفْنَا مشيئة الله تعالى، حيْث وقَع الطلاق، كذا حكاه أبو الحسن العَبَّادِيِّ، ولك أن تقول: إنما يَلْزم ذلك، وأن لو كان المعنى "إن شاءَ الله أن تطلقي" أما إذا كان المعنى: إنْ شَاء الله أن تُطَلَّقِي ثلاثاً، فلا يلزم، والظاهر: الثاني؛ لانصراف اللفظ إلى جملة المذكور، ثم مشيئة الله تعالى، وإن كانَتْ قديمة، لكنَّها تتعلَّق بالحادثان، ويصير الحادث عنْد حدوثه مراداً، فقدله: "إن شَاءَ الله تعليق بذلك التعليق المتجدد، ولا فرق بين أن يقول: أنتِ طالق وبيْن أن يقول إن شاء الله فأنتِ طالقٌ وأَلْحَق بهما في "الشامل" ما إذا قال: إن شاء الله، أنتِ طالِقٌ، وذكر الحناطي في هذه اللفظة وجْهاً آخر، ولو قال: أنتِ طالقٌ متى شاء الله، فهو كقوله: إن شاء الله، وكذا يَمْنَع الاستثناء انعقاد التعليق، مثْل أن يقول: أنتِ طالقٌ إن دخلْتِ الدار، وان شاء الله، أو إذا شاء الله، وَيمْنَع العتق إذا قال: أنتَ حرٌّ، إن شاء الله، وانعقادَ اليمين والنَّذْر، وصحة العَفْو عن القِصَاص، والبَيْع، وسائر التصرُّفات.
وقال أحمد: الاستثناء يُؤَثِّر في الطلاق؛ ولا يؤثر في العِتْق؛ لأن العتق محبوب، والطلاق مكروه، فكأنه يشاء العتق دون الطلاق، وروى الإِمام -رحمه الله- وجماعة عن مالك -رحمه الله- مثله، والأثبت عنْه أنَّه لا يؤثِّر الاستثناء في العِتْق، ولا في الطلاق، وإنَّمَا يُؤثِّر في اليمين بالله تعالى، ولو قال: أنتِ طالقٌ إذا شاء الله أو أن شاء الله بفتح الهمزة، ويقع الطلاق في الحال؛ لأنَّه تعليق، وهذا لو قال: إذا شاء زَيْدٌ أو إنْ شاء، ونقل الحناطي في "إن شاء الله" وجْهاً ثانياً أنَّه لا يقع الطلاق، وثالثاً: أنَّه يُفرَّق بيْن الخبير والجاهل باللغة وهذا ما اختاره القاضي الرُّويانيّ -رحمه الله- ولو قال: أنتِ طالقٌ ما شاء الله، ففي "التتمة" وغيره أنَّه يقع الطلاق، ولا يقع أكثر من واحدة 1؛ لأنا لا نَدْري هلْ شَاء أكْثَرَ من ذلك، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثَلاَثاً، وثلاثاً إن شاء الله أو ثلاثاً وواحدةً إن شاء الله أو واحدةً وثلاثاً إن شاء الله، قال ابن الصَّبَّاغ -رحمه الله- الَّذي يقتضيه المَذْهَب أنَّه لا يقع شيْء، وتابعه المتولي [والوجه بناؤه على الخلاف السابق أن والاستثناء بعد الجملتين ينصرف إليهما أم إلى الأخيرة فقط وكذا ذكره الإِمام] وقد ذَكَرنا
أن الظاهر الانصراف إلى الأخيرة وحْدَها، ويوافق هذا البناء ما ذكر في "التهذيب" أنه لو قال: حفْصَة وعمرة طالقتان، وإن شاء الله، فيرجع الاستثناء إلى عمرة وحدها أو إليهما جميعاً؟ والأصحُّ الأول 1.
ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً واثنتين إن شاء الله، ففي "النهاية" تخريجه على الوجهَيْن إن جمَعْنا المُفَرَّق، لم يقع شيْء، وإن لم يُفَرَّق، وقعَتْ واحدة، وعن رواية الشيخ أبي محمد عن القَفَّال أنه لو قال: أنتِ طالقٌ واحدة ثلاثاً إن شاء الله، من غير واو، لم يقع شيْء؛ فإن الواحدة المقدَّمة عائدةٌ في الثلاث، والاستثناء راجِعٌ إلى جميع الكلام، [ولو] 2 قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً ثلاثاً، إن شاء الله، فكذلك الجواب، وفي معناه ما لو قال: أنتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ إن شاء الله، وقصد التأكيد.
ولو قال: يا طالقُ، إن شاء الله، ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه يقَع الطَّلاق ويلغو الاستثناء؛ لأن الاستثناء إنَّما يُعَاد، ويعمل في الأفعال دون الأسماء؛ ألا تَرَى أنَّه لا ينتظم أن يقال: يا أَسْوَد، إن شاء الله، لكن قضية هذا القَدْر من التوجيه أنه يختصَّ الاستثناء بقوله: طلقُتكِ، ولا يدخل في قوله: "أنْتِ طالقٌ وقد يتخيل فرْق بينهما، ويقال يا كذا، يقتضي حصول ذلك الاسم أو الصفة حال النداء ولا يقال للحاصل: إن شاء الله.
وقوله: "أنْت كذا" قد يُسْتَعْمَل عند القرب منْه، فيدفع حصوله، كما يقال للقريب من الرسول: أنْتِ وَاصِلٌ، والمريض المتوقع شفاؤه على القرب: إنَّه صحيحٌ، وحينئذٍ فينظم الاستثناء.
والوجه الثاني، وإليه ميل الإِمام -رحمه الله-: أنَّه لا يقع؛ لأنَّه إنشاء في المعنى، كقوله: "طلقْتُكِ، وأنت طالقٌ"، ولو قال: يا طالقٌ، أنت طالقٌ ثلاثاً إن شاء الله، وقعَت طلقة بقوله: يا طالقُ، ولم يقع شيْء بقوله: "أنْتِ طالقٌ ثلاثاً" للاستثثاء.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً يا طالقٌ إن شاء الله، فالمذكور في الكتاب، هو الذي حكاه الإِمام عن القاضي والأصحاب؛ تَفْريعاً عَلَى أن النداء: لا يدخله الاستثناء أنه لا يقع عليها شيْء أما بقوله: أنت طالقٌ ثلاثاً؛ فلأن الاستثناء مُنْصَرِف إلَيْه لامتناع انصرافَهُ
إلى قوله: يا طالقُ، وتخلُّل هذه الكلمة يَقْدَحُ؛ لأنه ليس أجنبيًّا عن هذه المخاطبة، فأشبه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، يا حفصة إن شاء الله، وأما بقوله: طالقُ فلأن؛ وصْفَها بالطالقية، والصيغة هذه، تشعر بأنه بناه على الطلقات الَّتي أوقعها، فإذا لغت بسبب الاستثناء، لغى الوصف المبنيُّ عليها، ووراء هذا وجْهَان:
أحدهما: وهو المذكور في "التتمة" أنَّه تقع طلقة واحدة بقوله: يا طالقُ، كما في الصورة السابقة.
والثاني: أنَّه تقع الثلاث، ووجهه الإِمام -رحمه الله- بطريقتين:
أحدهما: البناء على أن النداء يدخله الاستثناء، فإن الاستثناء حينئذٍ يتعلَّق بقوله: يا طالقٌ، ومنصرف عن قوله: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، فيقع.
والثاني: أنَّ قوله "طالقٌ" يَقْدَح في اتصال الاستثناء بأوَّل الكلام؛ لأنه فضلة، فيستغنى عنْها بخلاف قوله: "يا حفصة" فإنه جار على الاستقامة وحسن النظم، ولتعلَّم لهذين الوجهين قولُه في الكتاب "لم يَقَعْ شَيْء" بالواو، ويشبه أن يكون الأظهر الوجْه الذاهب إِلى وقوع طلقة واحدة فإن قوله: "يا طالق" كلام مستقل بنفسه؛ فينبغي أن يترتَّب حكمه عليْه تقدَّم أو تأخَّر؛ ويؤيده أنَّه ذكر صاحب "التهذيب" وغيْره أنه لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً يا زانية إن شاء الله، يَرْجِع الاستثناء إلى الطلاق، ويجب الحدُّ بقوله: "يا زانية"، فكما ترتَّب موجب قوله: "يا زانية" عليه كذلك يترتب موجب قوله: "يا طالق" 1.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأ اللهُ أَوْ إِلاَّ أنْ يَشَاءَ اللهُ لَمْ يَقَعْ لِلجَهْلِ بِالمشِيئَةِ، وَلأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ الوُقُوعُ عَلَى خِلاَفِ المَشِيئَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَصَفَهُ بِمُحَالٍ فَيَلْغُو وَيَقَعُ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إِلاَّ أنْ يَدْخُلَ زَيْدٌ الدَّارَ لَمْ يَقَعْ إِلاَّ إِذَا مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَتَبَيَّنَ وُقُوعُهُ أَوَّلاً، فَلَوْ شَكَّ في دُخُولِهِ فَقِيلَ إِنَّهُ يَقَعُ؛ لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ صَارَ مَشْكُوكاً فِيهِ، وَقِيلَ: لاَ يَقَعُ؛ لأَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ وَصَارَ مَشْكُوكاً فِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بين الحكم فيما إذا علّق الطلاق بمشيئة الله تعالى، فأمَّا إذا علَّقه بعدم المشيئة، فقال: أنتِ طالقٌ إن لم يشأ الله، لم يقع الطلاق؛ لأنَّ عَدَم المشيئة غير معلوم، كما أن المشيئة غيْر معلومة؛ ولأن الوقوع بخلاف مشيئة الله تعالى محالٌ، فأشْبَه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ إن صعدت السماء وإن اجتمع السواد والبياض لا يقع الطلاق، وعن صاحب "التخليص" أنَّه يقع؛ لأنه رَبَط الوقوع بما يضاده؛ لأن الوقوع بِخلاَفِ مشيئة الله تعالى محالٌ، فكان كما إذا قال: أنتِ طالقٌ طلاقاً لا يقع عليْكِ، وكذا الحُكْم
لو قال: أنتِ طالقٌ إن لم يشأ الله، أو ما لم يشأ الله، وقرب الخلاف في المسألة من الخلاف في مسألة دَوْر الطلاق؛ من جِهَة أنه لو وقع الطلاق، لكان بمشيئة الله، ولو شاء الله وقوعه لما وقع؛ لأن التعليق بعدم المشيئة، وقد يعكس فيقال: إذا لم يقع لم يشأ اللهُ وقوعه، وإذا لم يشأ حَصَلَت الصفة، فيجب أن يَقَع، لكن لو وَقَع، لَمَا وقع لِمَا تبين فإذن الشرط والجزاء متضادَّان لا يجتمعان، كما أنَّ في مسألة الدَّوْر، وقوع طلقة في الحال، وثلاث قبلها يتضادَّان، فاختلفوا فيه، كما في مسألة الدَّوْر، منْهم من ألغى اللفظ من أصله، ومنهم من ألْغَى ما يجيْء منه التضادُّ والدَّوْر، وليس هذا كالتعليق باجتماع السواد والبياض؛ فإن التضَادَّ هناك بين السواد والبياض، لا بين الشرط والجزاء، وأمَّا التعليق بالصُّعُود فسيأتي الكلام فيه، ثم الصعود مُمْكن في نفسه، والوقوع بخلاف المشيئة غيْر ممكنٍ، ولو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء الله، فعن القفَّال أنَّه حكى عن النَّصِّ أنه لا يقع، واختاره؛ لأن هذه الصيغة أيضاً [إنما] تعليق لعَدَمِ المشيئة لأنها تُوجِبُ حَصْر الوقوع في حال عدم المشيئة، وعن ابن سُرَيْج -رحمه الله- أنَّه يقع الطلاق؛ لأنه أوقعه وجعل الخلاف المخرج عنْه المشيئة، وأنها غيْر معلومة، فلا يحصل الخلاص، وصار كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء زيد ولمْ تعلم مشيئة، فإنه يقع الطَّلاَق، وهذا ما أورده العراقيون، ورجَّحه صاحب "التهذيب" -رحمه الله-.
والأَقوى الأَوَّل وهو الذي صحَّحه الإِمام وغيْره وعليْه جَرَى صاحب الكتاب؛ فسوى بين الصيغتين، والراجح في الصيغة الأولى باتفاق الأصحاب عَدَم الوقوع.
وأما إذا قال: أنْتِ طالقٌ إن لم يشأْ زَيْدٌ، فاعْلَمْ أن تعليق الطَّلاَق بعدم مشيئة الغَيْر ودخولِهِ، وسائرِ أفعاله واحدٌ والحكم فيه أنه إن وُجِدَ منْه الدُّخُول أو المشيئة أو سائر الأفعال المعلَّق عليها في مدة عمره، لم يقع الطلاق، وإن لم يُوجَدْ، حتى مات، وقع الطلاق، إنَّما يقع قبيل الموت، ولا يستند إلى وَقْت التعليق؛ لأن العَدَم المعلَّق عليه حينئذٍ يتحقق، وقد يعرض قبيل الموت ما يمنع حصول ذلك الفِعْل، وتحقُّق اليأس، فيتبين وقوع الطلاق من وقْت حصول اليأس، وكذلك ما إذا علّق على عدم مشيئة تجيء أو غَبِيَ غباوة متَّصِلَةً بالموت، فإنما يحقق عدَم المشيئة من وقْت حدوث العلة المخِلَّة بالمشيئة المعتبرة، وإن مات، وشككنا في أنَّه هل وُجِدَ منْه الصفة المعلَّق عليها فوجهان:
أحدهما: أنه يقع الطلاق؛ لأن الطلاق معلَّق بعدم الدخول، وإذا شككنا في الدخول، فالأصْل العَدَم.
الثاني؛ لا يقع؛ لأنا إذا شككنا في الوصْف المعلَّق عليه، فلا يُرْفَع الطَّلاق بالشك، ويُسْتَصْحب أصل النكاح، والوجهان جاريان سواءٌ كانت الصيغة أنْتِ طالقٌ إن لم يدخل زَيْدٌ الدار أو كانت الصيغة "أنْتِ طالقٌ إلاَّ أن يدخُلَ زيْدٌ الدارَ" والوقوع في
الصورة الثانية أظْهَرُ منه في الصورة الأولى؛ لأن التعليق إيقَاعٌ عنْد الشرط والاستثناء، كأنه استدراكٌ بعد الإيقاع، وقد شَكَكْنا في حصُول حالة الاستدراك، فلو قال: أنتِ طالقٌ اليوم إلا أن يشأ زيْدٌ أو يدخل الدار، فاليوم هاهنا بمثابة العمر ثَمَّ.
واعْلَم أن الأكثرين أجابوا بوقُوع الطَّلاق فيما إذا مَات، وشَكْكنا في حصول الفعل المعلَّق عليه، واحتج به من قال بالوُقُوع فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء الله، وقَالَ: ومشيئةُ الله مبهمةٌ كمشيئة زيْدٍ هاهنا، وكما يقع الطلاق فيما إذا قال: "إلا أنْ يَشَاءَ زَيْدٌ" وأشكل الحال، يقع الطلاق فيما إذا قال "إلا أن يَشَاءَ الله".
والذين لم يقولوا بالوقوع هناك منهم من فَرَّق أن المشيئة صفة طارئة على زَيْدٍ، والأصل عدمها ومشيئة الله قديمةٌ لا مَجَال فيها لهذا الأصْل، وهذا ضعيف؛ لما مرَّ أن الكلام في تعليق المشيئة لا في نفسها وأما الإِمام -رحمه الله-: فإنه اختار في هذه الصُّورة عَدَم الوقوع، كما في قوله: "إلا أن يَشَاءَ اللهُ" وكفى نفسه مؤنة الفَرْق، وهو أوجه 1 وأقوى في المَعْنَى، ويجوز أن يُعَلَّم قوله في الكتاب "فيلغو، ويَقَع" يجوز أن يعلَّم بالحاء؛ لأنه حكي أن الكرخي رَوَى عن أبي حنيفة -رحمه الله-، الوقوع كما حَكَاه القفَّال عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنْه -.
ولْيُعْلَمْ أن قول القائل: "أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء الله، أو إلا أن يشاء زيْدٌ" معناه إلا أن يشاء وقوع الطلاق، كما أن قوله: "أنتِ طالقٌ إن شاء الله" معناه إن شاء وقوع الطلاق وحينئذٍ فالطلاق معلَّق بعَدَم مشيئة الطَّلاق لا بمشيئة عدم الطلاق، وعدم مشيئة الطلاق تحصل، بأن يشاء عدم الطلاق وبأن لا يشاء شيئاً أصلاً أما بعدها بلغها خبر التعليق، أو من غير أن يبلغها الخَبَر، فعلى التقديرين؛ يقَع الطلاق، وإنَّما لا يَقَع إذا شاء زيْدٌ أن يقع، وذكر بعضُهم أن معناه "أنْتِ طالقٌ إلا يشاء زيْدٌ أن لا تُطَلَّقِي" وعلى هذا، فلو شاء أن تطلق تطلق، وكذلك ذكره في "التهذيب" والصحيح 2 الأوَّل إلا أن يقول المعلِّق: أردتُّ الثاني.
البَابُ الخَامِسُ فِي الشَّكِّ فِي الطَّلاَقِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لاَ؟ فَالأَصْلُ عَدَمُ الطَّلاَقِ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: إنْ كَانَ هَذَا غُرَاباً فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غرَاباً فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَأَشْكَلَ لَمْ تَحْرُمْ عَلَى واحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَتُهُ، وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ إنْ كَانَ غُرَاباً فَزَيْنَبُ طَالِقٌ وَإِلاَّ فَغَمْرَةُ فَعَلَيْهِ أن يَمْتَنِعَ عَنْهُمَا، وَلَوْ جَرَى مِنْ شَخْصَيْنِ فِي عَبْدَيْنِ تَصَرَّفَا فِيهِمَا، فَلَوِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا العَبْدَ الآخَرَ صَارَ مَحْجُوراً فِيهِمَا، وَقِيلَ يَتَعَيَّنْ للِحَجْرِ المُشْتَرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شكَّ الرجُل في طلاق امرأته، لم يُحْكَم بوقوع الطلاق؛ لأن الأصْل عَدَمُه وبقاء النكاح، وهذا كما أنَّه يَسْتَصْحِب أصْل التحريم عنْد الشكِّ في النِّكَاح, وأصْلَ الطهارة عنْد الشك في الحَدَث، وبالعكس قال الإِمام -رحمه الله- وهذا إذا انحسم باب الاجتهاد، وطرأ الشك يؤيد أحَدَ طرفي الشَّك باليقين السابق، ويستصحب ما كان، فأما إذا أمكن الاجتهاد؛ كمسائل الاختلاف نحو اختلاف العُلَمَاء في بَقَاء النِّكاح وعدمه مثلاً، فإنا لا نقول: تردُّدُنا في بقاء النكاح يستصحب الأصْل الذي كان، بل الطريق فيها الاجتهاد والاعتماد على الدلائلِ، والشكُّ في الطَّلاق قد يتفق في صورة التنجيز، وقدْ ينشأ في صُورة التعليق من الشك في حصول الصفة الملعَّق عليها، كما إذا قال: إنْ كان هذا الطائر غرابًا فزوجتي طالقٌ، وشَكَّ في أنه هل كان غراباً أو قال: إنْ كان غُرَاباً فزينبُ طالقٌ، وإن كان حَمَاماً، فعَمْرة طالقٌ، وتردَّد في أنه كان غراباً أو حماماً أو جِنْساً آخر، ولو شَكَّ في عَدَدِ الطَّلاق، فيأخذ بالأقَلِّ، = بكل الأشياء إما بوجودها أو عدمها، فعند التحقيق الطلاق معلق في حقه تعالى بمشيئة العدم وفي حق غيره بالقدر الأعم وهو عدم مشبه الطلاق، وأما عجز الكلام وهو المستثنى فالقصد معلق رفع الطَّلاق بمشيئة الطلاق وحيئنذٍ بأن نظر في صدر الكلام.
قلت: علق الوقوع على مشيئة الله لعدم فيكون كقوله إنَّ لم يشأ الله وعلى عدم مشيئة الطَّلاق وعلى هذا فيظهر عدم الوقوع في التعليق بمشيئة الله تعالى وضده في التعليق بمشيئة زيد على ما صححوه وإن نظرت إلى آخر الكلام فيكون الدفع على مشيئة الطلاق فينبغي أن يقع في حق زيد؛ لأنه أوقع الطلاق، وعلق رفعه على ما لم يعلم وجوده فيستمر حكم الإِيقاع، وفي مشيئة الله تعالى أولى بالوقوع؛ لأنه علق الرفع على محال إذ يستحيل وقفه مع مشيئة وقوعه ويظهر بهذا فساد الفرق المذكور، هذا كله على أحد الوجهين وهو أن المعنى إلا أن يشاء الطلاق، وإما على الوجه الصائر إلى أن يشاء عدم الطلاق، فإن روعي معنى التعليق كما في التقدير الأول ونظر إلى صدر الكلام، كان وقوعه معلقاً بمشيئة وقوعه في حقه تعالى، وبعدم مشيئة عدم الطلاق في حق زيد، وحيتنئذٍ فينبغي ألا يقع في الأول، ويجيء في الثاني الخلاف.
انتهى ما أردت منه ولو لم أرَ هذا التحقيق لغيره في الشك في الطلاق.
ويستصحب الأصْل في الزيادة، كما يستصحب عنْد الشك في الطلاق.
وقال مالك -رحمه الله-: إذا شَكَّ في عددِ الطَّلاق بعْد ما تحقَّق أصْلَه، يأخذ بالأكثر كما إذا تحقَّق النجاسة في ثوبة، ولم يَعْرِفْ قدْرها، أخذ بالأكثر؛ ويغسل جميع الثوب، وأجاب الأصْحَاب -رحمهم الله- بأنَّ هناك ليس للنجاسة قدْرٌ معلومٌ حتى يستصحب أصْل العدم فيما عداه، وقد يتيقن التحريم، فوجب استصحابه إلى أن يتيقن الطهارة، وهاهنا قَدْر الطلاق من واحدة أو اثنتين مَعْلُومٌ، فيستصحب أصل العدم فيما عداه، ووزان النجاسة من مسألتنا أن يتحقَّقها في طَرَف من الثوب، ويشُكَّ في إصابتها طرفاً آخر، وحينئذٍ فلا يجبُ غَسْل الموضع المشكُوك فيه، والوَرَعُ في صورة الشَّكِّ الأخذُ بالاحتياط، فإذا كان الشكُّ في أصل الطلاق فيراجعها؛ ليكون على يقين من الحِلِّ، وإن طاب نفساً بالإِعراض عنها طلَّقَها ليحصل الحل لغيره يقيناً، وإن شكَّ في ثلاث طلقات، فإن كان الشكُّ في أنه وَقَع ثلاثٌ أو ثنتان، لم يَنْكِحْها حتَّى تنكح زوجاً غيْره، وإن شك في أنَّه وَقَعَ الثلاث أو لم يَقْع شيء طلقها ثلاثاً؛ لتَحِلَّ لغيره يقيناً.
ولو كانت تحته امرأتان؛ زينب وعمرة، فقال: إنْ كان هذا الطائِرُ غراباً، فزينبُ طالقٌ، وإلا فعمرة، وأشْكَل الحال، فيقع الطلاق على واحدةٍ منهما؛ لحصول إحدى الصفتين، وعليه الامتناع منهما إلى أن يتبين الحال، وعليه البَحْث والبيان، ولو تنازع اثنان في الطائر، فقال أحدهما: إن كان غراباً فامْرأتي طالقٌ، وقال الآخر: إن لم يَكُنْ غراباً، فامرأتي طالقٌ، لم يحكم بطلاق واحدة منهما، بخلاف ما إذا اتَّحَد الشخص، وتعدَّدت المنكوحة؛ قال الإِمام -رحمه الله-؛ لأن الشخص الواحد يمكن حمله على مقتضى الالتباس، وربط [بعض] 1 أمره ببعض، والرجلان يمتنع الجَمْع بينهما في توجيه الخطاب، ومعلوم أن أحدهما لو انفرد بما قال لَمْ يُحْكَم بوقوع طلاقه، فيستحيل أن يتغيَّر حكمه بمقالةٍ تصْدُر من غيره، وهذا كما أنَّا إذا سَمِعْنا صَوْتاً حَدَث بيْن اثنين، ثم قام كلُّ واحد منهما إِلى الصَّلاة لم يكُنْ للآخر أن يعرض عليه، ولو أن الواحد صلَّى صلاتين تيقَّن الحَدَث في أحدهما التبست عليه يؤمر بقضاء الصلاتين، فعُلِمَ أنه إذا كان الشَّخْص واحداً، لم يمتنع توجيه الخِطَاب عليْه بمؤاخذة تتعلق بواقعتين، ولو جَرَى التعليق من اثنين كما ذَكْرنا في العِتَاق، فقال أحدهما: إن كان غُرَاباً فعبدي حُرٌّ، وقال: الآخر: إن لم يكن غُراباً فعبْدي حرٌّ، فكذلك لكل واحد منهما إمْسَاك عبْده، والتصرف فيه، لكن إذا مَلَك أحدُهما عبْدَ الآخر بشراء أو غيره، واجتمع العبدان عنْده، فيُمْنَع من التصرف فيهما لكن يؤمر بتعيين العِتْق في أحدهما؛ لأنَّه قد اتَّحَد المخاطب الآن، فأشْبَه
ما إذا كانا في ملكه عنْدَ التعليقين، وعليه أن يتفحَّص عن سبيل البَيَان، وعن صاحب "التقريب" وجْهٌ آخر: أنَّه يتعيَّن للحَجْر العبْدُ المشتري فلا ينصرف فيه إلى أن يتبين ولا يمنع من 1 التصرف في الأول؛ لأنَّه كان يتصرَّف، فلا ينْقَطِع تصرُّفه بما طرأ، ولو باع الأول ثم اشترى الثاني، قال في "البسيط": لم أره مسطُوراً، والقياس أن ينفذ تصرفه فيه؛ لأن بيع الأول كواقعة قد انقضت، وتصرفه في الثاني واقعةٌ أخرى؛ فهو كما لو صلَّى إلى جهتين باجتهادَيْن 2.
وهذا فيما إِذا لم يَصْدُر منْه غير التعليق السابق، فإن كان قَدْ قال للآخر: حنث في يمينك، فقال: ما حنثتُ أنا في يميني، ثم مَلَك عبْده، فيُحْكَم عليه بعتقه؛ لأنَّه قد أَقَرَّ بديته، ومن أقر بحرية عبْدٍ لغيره، ثُمَّ اشتراه، حكم 3 عليه بعتقه؛ مؤاخذةً له ولا رجوع له بالثمن، إذا كان قد اشتراه؛ لأنَّه عتق لإقراره، والبائع يُكذِّبه، ولو صدر التعليقان من الشريكين في عبد واحد يأتي حكمه في كتاب "العتقَ"؛ إن شاء الله تعالى، فالصورة مذكورة هُنَاك.
فرع: قال إسماعيل البوشنجي: لو قال: أنْتِ طالقٌ بعَدَدِ كلِّ شعْرة على جسد إبليس، فقياس مذهبنا أنَّه لا يقع شيْء؛ لأنا لا ندري هل على جسده شَعرٌ أمْ لا؟ والأصل العَدَمُ، وعن صاحب بعْض أصحاب أبي حنيفة أنَّه تقع طلقة 4.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا وَنَسِيَ فَعَلَيْهِ التَّوَقْفُ إِلى التَّذَكُّرِ، وَلَوْ قَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَخَاطَبَ زَوْجَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُّ الأَجْنَبِيَّةَ قُبِلَ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كان الغَرَض في الفَصْل السابق القَوْلَ في الشَّكِّ في أصْل الطَّلاق، وعدده إمَّا من شخصٍ واحد أو شخصين، والغرَضُ الآن القَوْلُ في الشَّكِّ في محَلِّ الطلاق، وقد يشتمل الفصْل على مسألتين:
إحداهما: إذا طلَّق الرجُل إحدى امرأتيه بعينها، ونسي المطلقة، فعليه، أن يتوقَّف عنْهما, ولا يغشى واحدةً منهما إلى أن يتذكَّر، وهذا قد يتَّفِق فيما إذا خاطَبَ معيَّنة بالطَّلاَق، ثم نَسِيَ، وقد يفرض فيما إذا قال: إحداكما طالقٌ، ونوى معيَّنةً ثم نَسِيَ المنوية، قال الإِمام وغيره: ولا مطالبة بالبيان، والحالة هذه، إن صدَّقناه في النِّسْيان، وإن كذَّبناه، وبادَرَتْ واحدةٌ وقالت: أَنَا المطلَّقة، لم يقنع 1 منه في الجواب بأنْ يَقُول: نَسِيتُ، أو لا أدري، وإن كان ما يقوله محتملاً، ولكِنْ يُطَالَب بيمين جازمة عَلَى أنَّه لم يطلِّقْها، فإن نَكَل، حَلَفت، وقضى باليمين المردودة.
الثانية: إذا حضَرَتْ زوجةٌ وأجنبية، فقال: إحداكما طالقٌ، ثم قال: عنيت الأجنبية، فهل يُقْبَل فيه وجهان، حكاهما الإِمام:
وأصحهما: وهو الذي أوردهَ أكثر الأصحاب، وحكى عن نصه -رضي الله عنه- في "الإمْلاء" أنَّه يُقْبَل قوله بيمينه؛ لأن الكلمة متردِّدة بينهما، محتملة لهذه ولهذه، فإذا قال: عنيتها، صار كما لو قال للأجنبية: أنتِ طالقٌ.
والثاني: لا يُقْبَل، وتطلَّق زوجته، لأنَّه أرْسَل الطَّلاق بين محله، وغير محله فينصرف إلى محلِّه؛ لقوته وسرعة نفوذه، وهذا كما أنَّه لو أوْصَى بطبل من طبوله، وله طبل حَرْبٍ، وطبْل لَهْوٍ تنزل الوصية على طَبْل الحَرْب تصحيحاً لها، والطَّلاق أقوى وأولى بالنفوذ من الوصية، ولو قالت زوجته، وهما حاضرتان: طلِّقْنِي، فقال: طَلَّقْتُكِ، ثم قال: عَنَيْت الأجنبية، لم يُقْبَل، ذَكَره في "التَّهْذيب"، وأمَتُه مع زوجته كالأجنبية مع الزوجة.
= قال صاحب الخادم: وبه أجاب العبادي في الزيادات وصاحب الكافي وهو الصواب ويؤيده نص الشَّافعي على أنه لو قال لها أنتِ طالقٌ كألف أنه يقع واحدة، حكاه ابن بشري في شرح المختصر ولم يقف صاحب المهمات فيها على نقل لكن قال إن ما رجحه النووي هو الصواب؛ فقد جزم الرافعي بأنه لو قال أنتِ طالقٌ وزن درهم ونحوه أنه يقع، ومسألتنا أولى لأن ربط الطلاق بالعدد ممكن بخلاف الوزن ولم يظهر لي وجه الأولوية، بل مسألة الوزن ممكنة محققة بخلاف الشعر فإنا لا يتحقق وجوده.
ولو كان معَها رَجُلٌ أو دابَّةٌ فقال: عنَيْت الرجُلَ أو الدابَّة، لم يُقْبَل؛ لأنَّه ليس لهما محلية الطَّلاق، ولو كانَتْ زوجته تُسَمَّى بزينب، فقال: زينب طالقٌ، ثم قال: أردتُّ جارتي زينب لا زوجتي، فالمشهور أنَّه لا يُقْبَل، وتُطلَّق زوجته ظاهراً، لكن يدين، وفرقوا بيْن هذه الصورة والصورة السابقة؛ بأن قوله: "إحداكما" يتناولهما تناولاً واحداً، ولم يوجد منْه تصريحٌ باسم زوجته، ولا وصْف لها ولا إشارة بالطلاق، وهاهنا صَرَّح باسم زوجته، والظاهر أنَّه تُطلَّق من الزيانب زَوْجَتُه لا غيرها، وعن حكايته الشَّيْخ أبي عاصم واختيار القاضي أبي الطيِّب وغيرهما: أنَّه يُصَدَّق بيمينه، كما في الصورة السابقة؛ لأن التسمية محْتَمَلَة، والأصْل بقاء النكاح، وفرق إِسماعيل البوشنجي، فقال: إنْ قال: زينب طالقٌ، ثم قال: أردتُّ الأجنبية يُقْبَل، وإن قال: طلَّقْتُ زينبَ، وقال: أردتُّ الأجنبية لا يقبل؛ لأن هذا إنشاءٌ للطلاق، والإِنسان إنما يُطَلِّق امرأة نفسه دون الأجنبية وقوله: "أنتِ طالقٌ" إخبارٌ محتملٌ، ولا قوة لهذا الفرق؛ فإن قوله: "أنْتِ طالقٌ" محمولٌ على الإِنْشَاء أيضاً.
وقوله: "طلَّقْتُك" محتملٌ للإِخبار أيضاً، ثم قضيَّته أن يفرق في الصورة الأُولى بين أن يقول: إحداكما طالقٌ 1، يقول: طلَّقْتُ، أو يقول: طَلَّقْتُ إحداكما، وفيما حكَيْنَا عن "التهذيب" أنَّه لو قالت الزوجة: طَلَّقْنِي، فقال: طَلَّقْتُك، وقال: أردتُّ الأجنبية، لا يُقْبَل ما يُشْعِر بأنَّه لو لم يسبق التماس الزوجة، يُقْبَل، وحينئذٍ فيرتفع الفَرْق بين قوله: "طَلَّقْتُك" وأنْتِ طَالِقٌ" ولو كان قد نَكَح امرأة نكاحاً صحيحاً، وأجْرى نكاحاً فاسداً، فقال لهما: إحداكما طالقٌ، وقال: أردتُّ الفاسِدَ نكاحُهَا، فيمكن أن يرتب، ويقال: إن قبِلْنَا التفسير بالأجنبية، فهذه أَوْلَى، وإلا فوجهان؛ لأنها لا تُطَلَّق، لكن لها تعلُّق لا يوجد مثله للأجنبية.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ خَاطَبَ بِهِ زَوْجَتَيْهِ لَزِمَهُ التَّعْيِينُ عَلَى الفَوْرِ وَعَصَى بالتَّأْخِيرِ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا إِلَى البَيَانِ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالتَّعْيِينِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَيْهِمَا يَنْبَنِي وَقْتُ احْتِسَابِ العِدَّةِ، وَلَوْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا وَقُلْنَا: يَقَعُ الطَّلاَقُ بِاللَّفْظِ كَانَ تَعْيبناً، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعْيينِ لَمْ يُؤَثِّرِ الوَطْءُ، ولَوْ مَاتَتَا لَمْ تَسْقُطِ المُطَالَبَةُ بِالتَّعْيينِ لأَجْلِ المِيرَاثِ وَلَكِنْ إِنْ قُلْنَا: يَقَعُ بِالتَّعْيينِ فَيَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قبلَ المَوْتِ عَلَى هَذا الوَجْهِ أَوْ عِنْدَ الإِبْهَامِ للِضَّرُورَةِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدتُّ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ كَانَ إِقْرَاراً بِهِمَا، وَلَوْ قَالَ: عَيَّنْتُ هَذِهِ وَهَذِهِ تَعَيَّنَتِ الأُولَى، وَلَوْ قَالَتْ فِي مَسْئَلَةِ الغُرَابِ: كَانَ غُرَاباً وَأنَا طَالِقٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى البَتِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُن غُرَاباً أَوْ يَنْكُلَ، وَلاَ يَكْفِيهِ اليَمِينُ لاَ عَلَى نَفْيِ العِلْمِ وَلاَ عَلَى النِّسْيَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لزوجتَيْهِ: إحداكما طالقٌ، فأما أن يَقْصِدَ واحدةً بعينها، وإما أن يُرْسِلَ اللفظ، ولا ينوي معيَّنة.
إن قَصَد واحدة بعينها فهِيَ المطلقة، واللفظ الصالِحُ لهما إذا انضمت إلَيْه النية الصادرة المعينة، كان مقتضاها وقوع الطلاق على ما هو سَبِيلُ الكنايات، ويحتاج، والحالة هذه، إلى تبيين الزوج؛ لتعرف المطلَّقة.
وإن أرسل اللفظ ولم يَقْصِد معيَّنة، وقَع الطلاق على واحدة منْهما، ويرجع إلى الزوج في تعينها، والقسمان يشتركان في أحكام، ويفترقان في أحكام، والنَّظَر في النوعَيْن يتعلَّق بحالة الحياة وبما إذا طرأ المَوْت، ونُورِد في هذا الفَصْل ما يتعلَّق بحال الحياة، وفي الذي يليه ما يتعلَّق بحال حدوث الموْت.
أمَّا الأول ففيه مسائل:
الأولى يُؤْمَر الزوج بالتبيين إذا نوى واحدة بعينها، وبالتعيين إذا لم يَنْوِ؛ ليرتفع جنسه عمَّن زال ملْكه عنْه، ويُمْنَع من قربانهما إلى أن يبين أو يعين، وذلك بالحيلولة بينه وبينهما؛ لأن المحْظُور اختلط بالمُبَاح، فيمنع من الكُلِّ، كما لو اختلطت أُخْتُه من الرضاع بأجنبية، مُنِعَ من نكاحهما جميعاً، ويلزمه التعيين أو التبيين على الفور فلو أخَّر عصى، وهذا فيما إذا أَرْسَلَ اللفظ، ولم ينْوِ واحدة، وشُبِّه بما إذا أسلم وتحْته أكثر من العَدَد الشرعيِّ حيث يُؤْمَر باختيار أربع، وإذا وجب البِدَار، والحالة هذه، مع أنه يحتاج إلى ضَرْب من النَّظر والتروي، فَلأَنْ يجِبَ فيما إذا قَصَد واحدة بعينها, ولا حاجةَ إلى النظر والتروي، أوْلَى، فإن امتنع حُبِسَ وعُزِّرَ، ولا يقنع منْه بقوله: "نسيتُ المعيَّنة" وإذا بين في الحالة الأولى، فللأخرى أن تَدَّعِي عليه، أنَّك عنيتني وتُحَلِّفَه، فإن نَكَل، حَلَفَت وطلقتا وإذا عيَّن في الحالة الثانية، فلا دَعْوى؛ لأنَّه اختيار ينشئه، وكأنه طلَّق واحدة؛ ابتداء، وهذا كلُّه في الطلاق البائن، ولو أبهم طلقة رجعيَّة بينهما، فهل يلزمُه أن يبيِّن أو يعيِّن، حكى الإِمام فيه وجهَيْن:
أحدهما: المنع؛ لأن الرجعية زوجة.
والثاني: يلزمه لحصول التحريم، قال: والأصح الأول، ويجوز أن يعلَّم قوله في الكتاب "لزمه التعيين بالميم؛ لأن عن مالك أن في صورة الإِبهام والإِرسال يُطَلَّقَان معاً، وبالألف؛ لأن عند أحمد يُعيِّن المطلقة بالقرعة.
الثانية: يلزمه الانْفَاق عليهما إلى البيان أو التعيين، وإذا بَيَّن أو عيَّن، فلا يسترد المصروف إلى المطلقة لأنها محبوسة عنْده حبْس الزَّوْجَات.
الثالثة: وقوع الطلاق فيما إذا نَوَى طلاق واحدة بعينها، يحصل بقوله إحداكما
طالقٌ وتحسب عدة التي بين الطلاق فيها من وقْت اللفظ، وخرج قول أنَّها تُحْتَسَب من حين البيان، وبُنِيَ القولان على القولين في أن المستفرشة بالنكاح عِدَّتُها من آخر وطئة أو من وقْت التفريق بينهما، ووجْه الشبه أن الأمر ملتبس هاهنا إلى البيان، كما أنَّه ملتبِسٌ هناك إلى التفريق، قال الإِمام: وهذا غير سديدٍ، والصورتان مفترقتان؛ لأن غِشْيَان الواطئ بالشُّبْهة ومخالطته إياها ينافي صورة الانعزال الَّتي أُمِرَتْ بها المعتدَّة، وهاهنا الحيلولة ناجزةٌ إلى أن يوجد البيان.
وأمَّا إذا عيَّن، ولم يكن نوى من الابتداء معيَّنةً، فيقع من وقت التلفظ بقوله: "إحداكما طالق" أو من وقت التعيين؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه يقع من وقت التلفظ، لأنَّه جزم بالطلاق، ونجَّزه، فلا يجوز تأخيره إلا أن محلَّه غيْر متعين، فيؤمر بالتعيين؛ ولأن التعيين يبين التي اختارها للنِّكاح، فيكون اندفاع نكَاح الأخرى باللفظ السابق، كما أن التعيين فيما إذا أسْلَم على أكثر من أربع لما تبين به مَنْ يختارها للنكاح كان اندفاع نكاح الأخريات بالإِسلام السابق.
والثاني: من وقت التعيين لأن الطلاق وقت التعيين؛ لأن الطلاق لا يَنْزِلُ إلاَّ في مَحَلٍّ معين، وربما عبر عن هذا الخلاف بأن التعيين تباع موقع وإيقاع، وقد يعبر عنْه بأن إرسال اللفظ المُبْهِمِ إيقاعُ طلاق، أو التزامُ طلاق في الذِّمَّة.
وعن القاضي الحُسَيْن؛ يُشْبِه بها الخلاف في أن القِسْمَة بيع أو إفراز حتى من حيْث إنَّا إذا جعلناها إفرازاً قلنا: إنه يبين بالآخرة ما كان حقًّا لكل واحد منهما، ويضاهي قولنا: إن المطلقة كانَتْ هذه المعينة، وإذا جعلناها بيعاً قلنا: إن من خَرَج له الجانب الشرقيُّ، باع حصته من الغربي بحصة صاحبه من الجانب الشرقي، وكان ذلك الحصار من قِبَل شائعين في القسمين فبالقسمة ثبت اختصاص كُلِّ واحد منْهما بما خَرَج له، ويضاهيه المصير إلى وقُوع الطَّلاق بالتعيين من غيْر إسنادٍ إلى اللفظ، واضطربوا في الرَّاجِح من الوجهين، فرَجَّح مرجِّحُون الوقوع عنْد التعيين، منْهم الشيخ أبو علي، وقال: ظاهر المذهب أن التعيين إيقاع الطَّلاق؛ لأنَّه وإن أرْسَل الطلاق، فلا يَقَع على واحدة منهما، حتى يُعَيِّن، فإذا عيَّن وَقَع، وكان ذلك بمنزلة قوله: من دخل منْكما الدار فهي طالقٌ، فإذا دخلَتْ إحداهما طُلِّقَتْ عنْد الدخول بالقول السابق.
وذهب الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيِّب والروياني وآخرون إلى ترجيح الوُقُوع عند التلفظ، وقالوا: لولا وقوع الطَّلاق، لَمَا مُنِعَ منهما 1، واستبعدوا التحريم قبْل وقوع الطلاق، والنَّفْسُ إِلى قَبُول هذا أَسْرَعُ، والله أعلم.
وعلى هذا الخلاف يبنى وَقْت احتساب العدة، فإِن قلْنا بالوقوع عنْد التعيين، فمنه وتُحْسَبَ العدة، قال في "الشامل" وهو مذهب أبي حنيفة وأَصحابه، وبهذا الوجه قال ابن أَبي هريرة، وهو عنْد بعضهم مصير منه: إلى أَن الطلاق يَقَع عنْد التعبير.
وقال الشيخ أبو حامد: إن الوُقُوع عنْده باللفظ لكنْ يجوز أن تجب العدَّة بالطَّلاق، ثم يتأخر الاحتساب عنْه، كما أن العدَّة في النكاح الفاسِدِ تجب بالوطء وتحتسب من وقت التفريق، وإن قلنا: إنه يقع من وقْت اللفظ، فعلى الخلاف المذكور فيما إذا نَوَى عنْد ابتداء اللفظ واحدةً معيَّنةً، فيكون الظاهر احتسابَ العِدَّة من يومئذٍ، وبه قال أبو إسحاق -رحمه الله- والاحتساب من وقْت التعيين أرجَحُ عنْد أكثرهم، كيف قُدِّر البناء، وهذا كله في حياة الزوجين، وسنذكر أنهما إذا ماتتا أو إحداهما، تبقى المطالبة بالتعيين؛ ليتبين حكم الميراث وحينَئِذٍ، فإن أوقعْنا الطلاق باللفظ فذَاك، وإن أوقعنا بالتعيين، فلا سَبِيلَ إلى إيقاع الطَّلاق بَعْد الموت، ولا بُدَّ من إسناد بالضرورة، وإلى ماذا يستند، فيه وجهان:
أحدهما: أنه يستند، والحالة هذه، إلى وَقْت اللفظ، ويرتفع الخلاَف إذا وَقَع التعيين بعد الموت.
والثَّاني: إلى ما قبل الموت فيقع الطلاق حينئذٍ؛ لأَن عمرها كان وقْت التعيين فإذا انصرم، أسندنا الطلاق إلى آخر، حالة من حالات إمكان التعيين، وهو كحكمنا فيما إذا تلف المبيع قبْل القبض بارتداده إلى مِلْك البائع قبل التلف، ورجَّح صاحب الكتاب هذا الوَجْه، قال.: "على الأوجه يعني من هذَيْن الوجهَيْن، وجعل في "النهاية" الأصحَّ الوجه المقابل له، وقوله: أو "عند الإِبهام" وهو الوجه الآخر، وإن أراد بالإِبهام إرسال اللفظ المبهم أولاً، وفي بعض النسخ "على هذا الوجه أو عند الإبهام للضرورة" فيه خلافٌ وهو صحيح أيضاً.
الرابعة: لو وَطِئَ إحداهما، نُظِر؛ إن كان نوى واحدةً بعينها، فهي المطلَّقة، وقد تعينت هي بالنية المقترنة باللفظ والوطء لا يكون بياناً لذلك التعيين، وتبقى المطالبة بالبيان، فإن بين الطلاق في الموطوءة، فعَلَيْه الحَدُّ إن كان الطَّلاق بائناً، وعليه المَهْر؛ لجهلها بأنها المطلَّقة، وإن بيَّن في غير الموطوءة، قُبِلَ، فلو ادعت الموطوءة أنَّه أرادها حُلِّفَ، فإن نَكَل، وحَلَفَتْ، حُكِمَ بطلاقها، وعليه المَهْر، ولا حَدَّ للشبهة؛ فإن الطلاق ثَبَت بظاهر اليمين، وإن لم ينوِ واحدةً بعينها، فهل يكون الوطء تعييناً؟ فيه وجهان، ويقال قولان:
أحدهما: أن الوطء يعيِّن الأخرى للطلاق؛ لأنَّ الظاهر أنَّه إنَّما يطأ مَنْ تحلُّ له، وصار كوطْء الجارية المبيعة في زمان الخيار، فإنَّه يكون فسْخاً أو إجازة وبهذا قال أبو
حنيفة والمُزَنِيُّ، وأبو إسحاق، حكاه القاضي أبو الطيِّب عن أبي الحَسَنُ الماسرجسي سماعاً ورجَّحه القاضي ابن كج.
والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة: أنَّه لا يكونَ تَعْييناً، كما لا يكون بياناً؛ لأن ملك النكاح لا يَحْصُل بالفعْل ابتداءً فجاز 1 أن يتدارك بالفعل ولذلك لا تحصل الرجعة بالوطء ونخالف وطء الجارية المبيعة بشرط الخيار وإن ملك اليمين فيحصل بالفعل ابتداء فجاز أن يتدارك بالفعل وفي "الشَّامِل" و"التتمة" 2 أن هذا ظاهرُ المَذْهَبِ، والخِلاف مبنى عند بعْضِهم على أن الطَّلاق يقَع عنْد اللفظ أو عند التَّعْيين إن قلْنا عند اللفظ فالوطء تعين وإن قلنا عند التعيين، فالفعل لا يصلح موقعاً، وهذا ما أورده في الكتاب، وإذا جعلْنا الوطء تعيينًا فهل تكون سائر الاستمتاعات تعييناً؟! فيه وجهان بناءً على الخلاف في أن المباشرة فيما دون الفرج هل تحرم الربيبة فإن جعلنا الوطئ تعييناً للطلاق في الأُخْرَى، فلا مَهْر للموطوءة وإلا فتطالب بالتعيين، فإن عيَّن الطلاق في الموطوءة، وجَب المَهْر، إن قُلْنا بوقوع الطَّلاق عنْد اللفظ، وإن قلْنا بالوقوع عنْد التعيين، حَكَى الفوراني أنَّه لا يجب المهر، وذكر فيه احتمالاً آخر؛ أخذاً من وجوب المَهْر في وطء الرجعية.
فَرْعٌ: ذَكَر صاحب "الشامل" وغيره تفريعاً على أن الوطء تعيين أن الزوج لا يمنع من وطء أيتهما شاء، وإنما يمنع الوطء فيهما إذا لم يجعل الوطء تعييناً ولما أطلق الأكثرون المَنْع منهما جميعاً أشْعَر ذلك بأن الظاهر عنْدَهُم أنَّه ليْس بتعيين.
الخامسة: في صُورة ألفاظ البيان والتعيين إذا كان قد نَوَى واحدةً بعينها، فيحصل البيان بأن يَقُول مشيراً إلى واحدة: المطلقةُ هذه.
ولو قال: الزوجة هذه، تبيَّن الطلاق في الأخرى، وكذا لو قال: لم أُطَلِّقْ هذه، ولو قال: أردت هذه بل هذه، حُكِمَ بطلاقهما جميعاً؛ لأنَّه أقر بطلاق المشار إلَيْها أولاً، ثم رجع، مستدركاً، وأقر بطلاق الثانية فلا يقبل الرجوع عن الإقرار الأول، ويؤاخذ بالثاني كما لو قال: لفلان عليَّ درهمٌ بل دينارٌ.
ولو قال: أردتُّ هذه وهذه، فكذلك الجواب فإنَّه أقر أنَّه طَلَّقهما، وكذا لو حَذَف الواو، فقال: هذه هذه، وأشار بكل لفظة إلى واحدة، أو قال: هذه مع هذه، قال
الإِمام وهذا فيما يتعلَّق بظاهر الحُكْم، فأما بينَه وبيْن الله تعالى، فالمطلقة هي التي نواها لا غير، حتَّى لو قال: إحداكما طالقٌ ونواهما جميعاً قال: الوجْه عنْدنا أنهما لا يطلقان، ولا يجيْء فيه التردُّد المذْكُور فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً، ونوى ثلاثةً؛ لأنَّ حمل إحدى المرأتين عليهما جميعاً لا وجْه له، وهناك يَتطرَّق إلى الكلام تأويلٌ بيناه.
ولو قال: أردتُّ هذه ثم هذه، فالمذكور في "التهذيب" و"التتمة" أنَّه تُطلَّق الأُولَى دون الثانية، ويمثله أجابا فيما إذا قال: أردتُّ هذه فهذه، وعلل ذلك بأن قضيَّة الحرفين الترتيب والتعقيب، فقد أثبت في الثانية طلاقاً على موجب الترتيب، وهو لم يُطلِّقْ إلا واحدةً، وهذا حكاه الإِمام عن القاضي الحُسَيْن -رحمهما الله-، واعترض بأنَّه كيف ما قَدَّر موجب الكلام، ففي قوله: "أردتُّ هذه ثم هذه" اعترافٌ بالطلاق فيهما، فليكن الحكم كما في قوله: أردتُّ هذه وهذه، والحق هو الاعتراض 1.
ولو قال: أردتُّ هذه بعْد هذه، فقياس الأَوَّل أن تطلَّق المشار إليها بائناً وحدها، ولو قال هذه قبل هذه أو بعدها هذه فقياس الأول أن تطلق المشار إليها أولاً وحدها، وقياس الاعتراض الحُكْمُ بطلاقهما في الصورتين.
ولو قال: أردتُّ هذه أو هذه، واستمر الإِشكال والمطالبة بالبيان، ولو كانَتْ تحْته أربعٌ، فقال: إحداكن طالقٌ، ونوى واحدةً بعينها، ثم قال: أردتُّ هذه بل هذه بل هذه بل هذه طُلِّقْن جميعاً، وكذا لو عطف بحرف الواو، ولو عطف بـ"ثمَّ" أو بـ"الفاء" عاد المنقول عن القاضي، والاعتراض.
ولو قال، وهنَّ ثلاثٌ؛ أردتُّ أو طلقتُ هذه بل هذه أو هذه، طُلِّقَت الأولى وإحدى الأخريين، ويؤمر بالبيان، وإن قال: هذه أو هذه بل هذه طُلِّقَت الأخيرة، وإحدى الأولين يؤمر بالبيان، ولو قال: هذه، وهذه، أو هذه فيُنْظَرُ إن فصل الثالثة عن الأوليين بوقفة، أو بنغمة أو أداء فالطلاق متردِّد بين الأوليين وبين الثالثة وحدها، وعليه البيان فإن بين، في الثالثة طُلِّقَت وحْدها، وإن بين في الأوليين أو إحداهما، طُلِّقَتَا؛ لأنَّه جَمَع بينهما بالواو العاطفة، فلا يفترقان، وإن فَصَل الثانية عن الأُولَى تَردَّد الطلاق بيْن الأُوَلى، وإحدى الأخريين، فإن بين في الأولى، طُلِّقت وحدها، وإن بَيَّن في الأخريين أو إحداهما طُلِّقَتا جميعاً، وإن سرد 2 الكلام سَرْداً ولم يفصل احتمل كون الثالثة مفصولة عنهما، واحتمل كونها مضمومة إلى الثانية مفصولة عن الأولى فيسأل ويعمل بما
أظهر إرادته 1.
ولو قال هذه أو هذه وهذه فإن فصل الثالثة عن الأوليين تردد الطلاق بين إحدى الأوليين والأخرى مطلقة وحدها وإن فصل الأخريين عن الأولى فالتردد بين الأولى وحدها وبين الأخريين معاً وإن سرد الكلام ولم يفصل، فهما مُحْتَملان.
ولو قال، وهن أربع، وقد طلق واحدة: أردتُّ هذه أو هذه لا بل هذه وهذه طلقت الأخريان وإحدى الأوليين ولو قال هذه وهذه بل هذه أو هذه، طُلِّقت إحدى الأخريين، والأوليان، ولو قال هذه وهذه وهذه أو هذه، فإن فَصَل الآخرة عن الثلاث يَتردَّد الطَّلاق بيْن الثلاث الأوليات وبين الرابعة، وإن فصَل الثالثة عفا قبلها طُلِّقَت الأوليان وإحدى الأخريين، وإن فَصَل الثانية عن الأُولَى، فينبغي أن يُقَال: تُطَلَّق الأولى، ويتردد الطلاق بين الثانية والثالثة معاً، وبيْن الرابعة وحْدها، فعليه البيان، وإن سرد الكلام سرداً قال: في ""التهذيب" يُطَلَّق الثلاث أو الرابعة، وُيؤْمَر بالبيان، فإن بيَّن في الثلاث أو في بعضهن طُلِّقْن جميعاً، وإن بين في الرابعة طُلِّقت وحْدها، والوجه أن يُقَالَ: صورة السرد تحتمل الاحتمالات الثلاثة، فيراجع، ويحكم بمُوجب ما يبينه على ما سَبَق نظيره، ولو قال: هذه وهذه أو هذه وهذه، فقَدْ يفرض فصْل الأُوَلى عن الثلاث
الآخرة، وضم بعْضها إلى بعْض، فتُطَلَّق الأولى، ويتردد بيْن الثانية وحْدها، وبين الأخريين معاً، وقد يفرض الفَصْل بين الأوليين والأخريين، والضَّم فيهما، فتطلق الأوليان والأخريان، [وقد يفرض فصل] الرابعة عما قبلها، فتطلَّق الرابعة، ويتردَّد الطلاق بين الثالثة وحْدها وبين الأوليين معاً، وإذا قال لواحدة أن المطلقة هذه، ثم قال لا أدري، أهي هذه أو واحدةٌ من الباقيات، فتلْك الواحدة، مطلَّقة بكل حال، وتوقف الباقيات، فإن قال بعْد ذلك: تَحقَّقْتُ أن المطلقة الأُولَى، قُبِل، ولم يُطَلَّق غيرها، وإن عيَّن أخْرى، حُكِم بطلاقها, ولم يُقْبَل رجوعه عن الإقرار الأول، واعلم أن الوقفة التي جعلناها فاصلةً بين اللفظين مع إعمال اللفظين هي الوَقفة اليسيرة، فأمَّا إذا طالَقْ فَقَطَعَت ونظم الكلام كما إذا قال: أردتُّ هذه، ثم قال بعد طول المدة أو هذه وهذه، فهذا الكلام الثاني لغو لا يستقل بالإفادة، وهذا كلُّه فيما إذا نوى عند اللَّفْظ المبهم واحدةً بعينها، أما إذا أرْسَلَه إرسالاً، ولم ينوِ شيئاً، فلما طولب بالتعيين، قال مشيراً إلى واحدة: هذه المطلقة تعيَّنت ويلغو ذكْر غيرها، سواء عطف الثانية عليها "الواو" أو "الفاء" أو "ثُمَّ"، وكذا لو قال: وهذه بَلْ هذه؛ لأن التعيين هاهنا ليْس إخباراً عن ما سَبَق، وإنَّما هو إنشاءُ اختيار، وليس له إلا اختيار واحدةٍ، فيلغو اختيار ما بعدها ولا فَرْق في ذلك بين أن نوقع الطلاق عنْد التعيين، وأسنده إلى وقت إطلاق اللفظ المبهم؛ لأنا، وإن أسندناه، فلا نجعل التعيين اختياراً، وإنما هو إنشاء تتمة، اللفظ، ويخالف الحالة الأولى؛ فإنه يُخْبِرُ هناك عن أمر سابق، ويجوز أن يكون صادقاً في الخبر الثاني دون الأول، فإذا اجتمع الإِقراران، لم يَكُنْ بُدٌّ من المؤاخذة بهما.
السادسة: قد سَبَق أنه إذا قال لزوجَتِه: إن كان هذا الطائر غُرَاباً، فأنْتِ طالقٌ، وأشْكَل الحال، لا يُحْكم بوقوع الطلاق، وأنه لو قال: إنْ كان غراباً، فزينب طالقٌ، وإن كان حماماً فعَمْرةُ، لا يحكم بطلاق واحدة منهما، فلو ادَّعَتِ التي عَلَّق طلاقها بكونه غراباً أنَّها مطلقة، فعليه أن يَحْلِفَ جزماً على نَفْي الطلاق، كما إذا طَلَّق واحدة، ونَسِيَ عيْنَها، وقالت إحداهما: أنا المطلَّقة وقد ذكرناه، وإن قالت كان غراباً فأنا طالقٌ، فعليه أن يَحْلِفَ على البَتِّ أنَّه لم يكن غراباً ولا يكفي أن يقول: لا أعلم كوْنَه غراباً، أو نسيت الحال، ذكره الإِمام، وفَرَّق بينه وبين ما إذا علَّق طلاقها على دخُولِها أو دُخُول غيرها، وأنْكَر حصوله، حيث يكون الحَلِف على نفْي العِلْم بالدخول بأن الدُّخُول هُنَاكَ فِعْل الغير، والحلف على نفْي فعْل الغير يكون على العِلْم، ونفْيُ الغرابية ليس كذلك، بل هو نَفْيُ صفة في الغير ونَفْيُ الصفة كثبوتها في إمكان الاطلاع، وإذا كان الشَّيْء ممَّا يُطَّلَع عليْه في الجملة لم تُغَيَّر القاعدة بأن يفرض بعد رؤيته؛ بأن كان الطيران في الليلة المظلمة، والرجل في كن، لم يَكُن الأمر في مظنة البَحْث والمراجعة.
قال في "البسيط" وفي القلب منه الفَرْق بين نفي الغرابية ونفي الدخول شيء
فليتأمل ويشبه أن يقال إنما يلزمه الحلف على نَفي الغرابية إذا تَعرَّض في الجواب لذلك أما إذا اقتصر على قوله لست، بمطلقة فينبغي أن يكتفي منه بذلك كما ذكَرْنا في جواب البَائِع إذا ادَّعى المشتري العَيْبَ القديم، وأراد الرد، وسيأتي نظائره في مواضعها.
وقوله في الكتاب "ولو خاطب بِه زوجتيه" هذا القدر من التصوير يشتمل على ما إذا نَوَى واحدةً بعينها، وما إذا لم ينوِ واحدةً، وأرسل اللفظ، والمسائل التي ذكَرَها فيها ما يَشْمَل الحالَيْن، ومنها ما يختص بإحداهما، فقوله "لزمه التعيين" يصحُّ إطلاقه في الصورتين، وإن كان اللَّفْظ بصورة الإِرسال أحقُّ؛ لأن التعيين بيانٌ رافع للإبهام والبيان فيما إذا نوى واحدةً معيَّنةً تعيين لواحد من محتمل اللفظ، وكذلك أطْلَقَ في الكتاب التعيين تارةً والبيان أخرى فقال: "لزمه التعيين" ثم قال: "وعليه نفقتهما إلى البيان"، وأما قوله: "ويقع الطَّلاق باللفظ بالتعيين" فهذه المسألة تختص بحالة الإِرسال، وقوله "كان تعييناً" يجوز إعلامه بالألف؛ لِمَا مَرَّ أن عند أحمد -رحمه الله- التعيين بالقرعة فلا يكون الوطء تعييناً، ولا القول.
وقوله: "لم يُؤَثِّر الوطء" معلَّم بالحاءِ؛ لِمَا ذكرنا، وقوله: "ولو ماتتا، لم تَسْقُط المطالبة بالتعيين... " إلى آخره أَخَّرْنا إشباع القول في حالة المَوْت إلَى الفَصْل الثَّاني لهذا؛ لأن الغَرَض الآن الكَلاَم في وقْت الطلاق حالَةَ المَوْت، وليعلَّم قوله "تسقط" بالحاء والواو؛ لما سيأتي وقوله: "أردتُّ هذه وهذه" يعني فيما إذا أرسل اللفظ ولم ينوِ معينة.
وقوله "ولو قالت في مسألة الغراب" في الكتاب ما إذا قال الرجل: إن كان غراباً، فامرأتي طالقٌ، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالقٌ، فأيضاً، أمَّا إذا قال: إنْ كَانَ غراباً، فزينبُ طالقٌ، وإلا فعمرةُ، والتداعي المذكورُ يُمْكِن فرضه في هاتين الصورتين، ويمكن فرضه فيما إذا لم يُوجَد إلاَّ تعليقٌ واحدةٌ من شَخْص واحد.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَمَاتَتَا فَهَلْ لِلوَارِثِ التَّعْيِينُ لأَجْلِ المِيرَاثِ؟ فِبهِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَرَادَ الزَّوْجُ هَذِهِ وَلَيْسَ لَهُ إِنْشْاءُ التَّعْيينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طَرَأَ المَوْت قبْل البيان أو التعيين، فله حالتان:
إحداهما: أن تموت الزوجتان أو إحداهما، ويبقى الزَّوْجُ، فتبقى المطالَبَةُ بحالها بالبيان، أو التعيين، لتبين حال الميراث.
وقال أبو حنيفة: إذا ماتَت سقَطَت المطالَبَةُ بالتعيين؛ بناءً على أن الطَّلاَق يقَعْ عند التعيين، ويستحيل الوقوع 1 بعْد الموت، وإذا ماتَتْ إحداهما، قال؛ يتعين الطلاق في
الأخرى، إلى مَذْهَبِه مال الشيخ أبو محمَّد -رحمه الله- وأقيم ذلك وجهاً، والمَذْهَب المشْهُور الأول، ويوقف له من تركة كلِّ واحدة منهما، أو من تركة الميتة منهما ميراث زَوْج إلى أن يبين أو يعين، فإذا بُيِّن أو عُيِّن، لم يرث من المطلَّقة، إذا كان الطلاق بائناً، سواء قلْنا بوقوع الطلاق عنْد اللَّفْظ أو التعيين، قال صاحب "التتمة" وغيره؛ لأن الإِيقاع سَابِقٌ، وإن كان الوقوع حينئذٍ، وأما الأخرى فيرث منها، ثم إن كان قد نَوَى معينة وبين فقال وَرَثَةُ الأخْرى: هي التي أَرتها للطلاق، ولا وارث لكَ، فلهم تَحْلِيفُه، فإن حَلَف فذاك، وإن نكل حَلَفُوا، وحرم ميراثُها أيضاً باليمين المردودة، وإن لم يَنْوِ معيَّنة، وعَيَّن فلا يتوجه عليه لورثة الأخرى دعوى؛ لأن التعيين يتعلَّق بشهوته واختياره.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أنَّه لمَّا صار إلى انحتام التعيين بموتهما, وَرِثَ الزوْج منْهما جميعاً، لكن قال: يرث من كل واحدةٍ منهما نصْفَ ميراث زَوْج، والشيخ أبو محمَّد في التفريع على ما مال إليه كَمَّلَ له الإِرث منهما.
فرْعٌ: قال القاضي ابن كج: إذا حَلَّفَهُ وَرَثَةُ التي عيَّنها للنِّكَاح وأخذوا جميع المهر، إن كان بَعْد الدخول، وإن كان قبله، أخذوا نصفه، وفي النِّصْف الثاني وجهان:
وجه يأخذونه أيضاً إمضاء للحكم على موجب تصديقه، ووجْه المَنْع أنَّها مطلَّقة قبْل الدخول بقولهم، ولو كذَّبه ورثة الَّتي عيَّنها للطلاق، وغرضهم استقرار جميع المهر، إذا كان قبل الدُّخُول، فلَهُمْ تحليفه، وهم مقرون له بإرْث لا يدعيه.
الحالة الثانية: إذا مات الزَّوْج قبْل البيان أو 1 التعيين، ففي قيام الوارث مقامه طريقان:
أشهرهما: [أن] فيه قولان:
أحدهما: أنَّه يقوم مقامه، كما يَخْلُفُه في سائر الحقوق، كالرد بالعيب، وحق الشفعة وغيرهما، وكما يقوم مقامه في الاستلحاق النسب.
والثاني: المَنْع؛ لأن حقوق النِّكَاح لا يُورث، ولأنَّه إسقاط وارث، فلا يتمكن 2 الوارث منْه، كنفي النسب باللِّعَان، وفي مَحَلِّ القولَيْن طرُقٌ:
أحدها: أن الخلاف فيما إذا كان قَدْ نَوَى واحدة بعينها، أمَّا إذا أرْسَل اللَّفْظ، ولم ينوِ معيَّنة، فليس للوارث التعيين بلا خلاف.
والثاني: أنَّ له البَيَانَ بلا خلاف، والقولان في التعيين وقيل لا يقوم في التعيين والقولان في البيان والفرق على الطريقتين أن البيان إخبارٌ، وقد تعرف إرادة المُوَرِّث،