كِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِ
وأصحهما -وهو المنصوص: نعم، كما لو لم يُوجَدْ إلا المُحَارَبَةُ، والقَطْعَانِ قد جعلا عن المُحَارَبَةِ إِدْرَاجًا لِقَطْعِ السرقة في قطع المُحَارَبَةِ، وقد نقول هذا عن السَّرِقَةِ، وهذا عن المُحَارَبَةِ، لكن العُضوَينِ مَقْطُوعَانِ، لو لم يوجد إلا المُحَارَبَةُ، فزيادة الجِنَايَةِ لا تمنع من المُوَالاَةِ.
وإن اجتمعت عقوبات لله -تعالى- وللآدَمِيِّينَ، كما إِذَا انْضَمَّ حد القَذْفِ إلى هذه العقوبات، فَحَدُّ القذف يُقَدَّمُ على حَدِّ الزنا.
نصَّ عليه، واختلفوا في أنه لِمَ يُقَدَّمُ؟ فعن أبي إِسْحَاقَ في جماعة أنه إنما يُقَدَّمُ؛ لأنه حَقُّ الآدمي، وحقوق الآدميين مَبْنِيَّةٌ على المُضَايَقَةِ، وهذا أَصَحُّ عند الأَئِمَةِ.
وقال ابن أبي هريرة: إنما يُقَدَّمُ؛ لأنه أَخَفُّ، وفيما يقدم في حَدِّ القذف [والشرب] 1 وجهان بِنَاءً على المعنيينن إن قلنا [إن التقديم] 2 هناك؛ لأنه حَقُّ الآدمي، فيقدم حَدُّ القَذْفِ، وإن قلنا: لأنه أَخَفَّ، فيقدم حَدُّ الشرب، ويجريان في حَدِّ 3 الزنا، وقطع الطِّرَفِ قِصَاصًا، والإِمْهَالُ بعد كل عُقُوبَةٍ إلى الانْدِمَالِ على ما ذكرنا ولو كان القَتْلُ الوَاجِبُ بَدَلَ قتل الردة القَتْلُ قصاصًا، فالقول في الترتيب، والإِمْهَالِ، كذلك، وإذا اجتمع الرَّجْمُ للزنا، والقَتْلُ قِصَاصًا، ففي كتاب القاضي ابن كَجٍّ حِكَايَةُ وجهين.
أحدهما: أنه يُقْتَلُ رَجْمًا بإذن الوَلِيِّ لَيَتَأَدَّى الحَقَّانِ.
وأصحهما: أنه يسلم إلى الوَلِيِّ ليقتله قِصَاصًا.
ولو كان القَتْلُ الواجب في المُحَارَبَةِ؛ فهل يجب التَّفْرِيقُ بين الحُدُودِ المُقَامَةِ قبل القَتْلِ؟ فيه وجهان:
أحدهما -ويُنْسَبُ إلى أبي إِسْحَاقَ-: أنه لا يجب؛ لأنه مُتَحَتِّمُ القتل والإهلاك، فلا معنى للإمهال 4، بخلاف قتل الرِّدَّةِ، فإنه يُتَوَقَّعُ عَوْدُهُ إلى الإِسلام، ويخالف القتل قِصَاصًا، فإنه يُتَوَقَّعُ العَفْوُ.
وأصحهما: أنه يجب؛ لأنه قد يَمُوتُ بالمُوَالاَةِ، فتفوت سَائِرُ الحُدُودِ، فإذا اجتمع قَتْلُ المُحَارَبَةِ مع 5 قَتْلِ قِصَاصٍ لا في المُحَارَبَةِ، نظر في الأَسْبَقِ فإن كان القَتْلُ في المُحَارَبَةِ أَسْبَقَ، قتل حَدًّا، ويعدل للقتل الآخر إلى الدِّيَّةِ، وإن كان القَتْلُ الآخر سَبَقَ تخير الوَلِيُّ فيه، فإن عَفَا عنه، قُتِلَ وصُلِبَ لِلْمُحَارَبَةِ وإن اسْتَوَفَى القصاص فَيُعْدَلُ لِقَتْلِ المُحَارَبَةِ إلى الدِّيَةِ.
وهل يصلب؟.
فيه الخلاف المذكور فيما إذا مَاتَ المُحَارِبُ قبل أن يُقْتَلَ، ولو سَرَقَ، ثم قتل في المُحَارَبَةِ، فيقطع للسَّرِقَةِ، ويقتل لِلمُحَارَبَةِ، أو يقتصر على القتل والصَّلْبِ، ويدرج حَدِّ السرقة في حَدِّ المُحَارَبَةِ؟
حكى صاحب "الشَّامل" فيه وجهين.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: إن لم يكن في العُقُوبَاتِ قَتْلٌ، [فيبدأ] 1 بِحَدِّ القذف، ثم يَتَخَيَّرُ في الابتداء بِحَدِّ الزنا، والابتداء بالقَطْعِ، ثُمَّ يُحَدُّ للشرب، وإن كان معها قتل، قنع به، وسقطت سَائِرُ الحُدُودِ إلا حَدَّ القذف، فَيُحَدُّ للقذف، ثم يُقْتَلُ.
ويجوز أن يُعْلَمَ لمذهبه قوله في الكتاب 2: "بالأخف" بالحاء.
المسألة الثانية: من زَنَا وهو بِكْر مِرَارًا، حُدَّ لها حَدًّا وَاحِدًا، وكذا لو سَرَقَ [أو شرب] مِرَارًا، وكيف يُقَدَّرُ أتجب حُدُودٌ، ثم تسقط، وتَعُودُ إلى وَاحِدٍ، ولا يجب إلا وَاحِدٌ وتجعل 3 الزنيات كالحركات في الزَّنْيَةِ 4 الواحدة؟ ذكروا فيه احتمالين 5، وأَيَّدُوا الثاني بأن مَهْرَ المِثْلِ في مُقَابَلَةِ جميع الوَطْئَاتِ المبنيات 6 على شُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ، فالحد أَوْلَى بذلك.
ولو زَنَا أَو شَرِبَ، فأقيم عليه الحَدُّ ثم زنا أو شرب [ثانيًا] 1 أقيم عليه [حدٌ آخر] 2؛ فإن لم يبرأ 3 بَعْدُ من الأَوَّلِ أُمْهِلَ حتى يَبْرَأَ 4، ولو أقيم عليه بَعْضُ الحَدِّ، ثم ارتكب [الجَرِيمَةَ] 5 ثانيًا، دخل الباقي في الحَدِّ الثاني، وإذا زَنَا فَجُلِدَ، ثم زنا قبل التَّغْرِيبِ، جُلِدَ ثانيًا، وكَفَاهُ تَغْرِيبُ وَاحِدٍ، ولو جلد خمسين، فزَنَا ثانيًا جُلِدَ مائة، وَغُرِّبَ، ودخل في المائة الخَمْسُونَ الباقية.
ولو زنا وهو بِكْرٌ، ثم زَنَا قبل إِقَامَتِهِ الحَدَّ عليه، وقد أحصن 6، فهل يكتفي بالرَّجْمِ ويدخل الجَلْدُ فيه، أو يجمع 7 بينهما؟ فيه وجهان:
وجه الأَوَّل: أنها عُقُوبَةُ جَرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، فأشبه ما إذا كان بِكرًا عند الزَّنْيَتَيْنِ، وهذا أَصَحُّ عند الإِمام، وصاحب الكتاب.
ووجه الثاني: أنهما عُقُوبَتَانِ مختلفتان، فلا تَدْخُلُ إحداهما في الأُخْرَى؛ كَحَدِّ الشُّرْبِ، وقَطْعِ السَّرِقَةِ، وهذا أَصَحُّ عند صاحب "التهذيب" وغيره، وعلى هذا فَيُجْلَدُ مائَةً، ويُغَرَّبُ عامًا، ثم يُرْجَمُ، أو يجلد [ويرجم] 8 ويكتفي بالرَّجْمِ عن التغريب؟ فيه وجهان: أظهرهما: الثاني.
ولو زَنَا العَبْدُ، وعُتِقَ قبل إِقَامَةِ الحَدِّ عليه، فَزَنَا ثانيًا، فإن كان بِكْرًا، فيجلد مائة، ويُغَرَّبُ عامًا، ويدخل في حَدِّ الرِّقِّ 9، فإن كان مُحْصَنًا، فيجلد خمسين، ثم يرجم.
هكذا أطلق في "التهذيب"، ويشبه أن يكون على الخِلاَفِ المذكور فيما إذَا زَنَا، وهو بِكْرٌ، ثم زَنَا وهو ثَيِّبٌ.
ولو زنا الذِّمِّيُّ المُحْصَنُ، ثم نقض العَهْدَ، واسترقّ، [فزنا ثانيًا] 10 ففي دُخُولِ الجَلْدِ في الرجم الوجهان المذكوران، فيما إذا زنا [وهو بكر ثم زنا] 11 وهو ثَيِّبٌ.
قال في ""التهذيب": الأَصَّحُّ المَنْعُ، فيجلد أَوَّلًا خمسين لِزِنَاهُ بعد الاسْتِرْقَاقِ، ثم يرجم.
وإن قلنا: إن العَبْدَ يُغَرَّبُ، فيكتفي بالرَّجْمِ عن التغريب، أو يغرب، ثم يُرْجَمُ فيه الخِلاَفُ الذي سَبَقَ [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ) أَنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَلَوْ مِنَ الرُّفْقَةِ إِذَا لَمْ يُضِيفُوا فِي الشَّهَادَة الجِنَايَةَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنْ يَقُولُوا: أُخِذَ مَالُ رُفَقَائِنَا وَمَالِنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَطْعُ الطريق يَثْبُتُ بشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، ولا يثبت بشهادة رَجُلٍ وامرأتين، ولا بد في الشَّهَادَةِ من التفصيل وتعيين 1 قَاطِعِ الطريق، ومن قتله أو أَخَذَ مَالَهُ، وتقاس صُوَرُهُ بما مَرَّ 2 في الشهادة على السَّرقة، ولو شهد اثْنَانِ من الرُّفْقَةِ، نظر إن لم يَتَعَرَّضَا [لِقَصْدِ] 3 المشهور عليه نفسًا ومالاً قبلت شَهَادَتُهُمَا، وليس على القاضي أن يَبْحَثَ عن حَالهما أَهُمَا من الرُّفْقَةِ أم لا؟ فإن بحث 4 فلهما ألاّ يجيبا 5، وأن يقيما على الشَّهَادَةِ، وإن قالا: قطع هذا، أو هؤلاء علينا الطَّريق فأخذوا مَالَنَا، وَمَالَ رُفَقَائِنَا لم تقبل شهادتهما [في حق أنفسهما ولا في حق غيرهما] وهذا هو المشهور المذكور في الكتاب.
وفي شرح القاضي ابن كَجٍّ أن أبا الحُسَيْنِ حَكَى عن بَعْضِ الأَصْحَابِ أن في قَبُولها في حَقِّ غيرهما قولين كالقَوْلَيْنِ فيمن شَهِدَ لنفسه وشَرِيكِهِ ترد شهادته لنفسه، وفي الشريك قولان، وكذا لو قَالَ الشَّاهدان [: إن] 6 فلانًا قَذَفَ أُمَّنَا فُلاَنَة، لا تقبل شَهَادَتُهُمَا في حَقِّ الأُمِّ، وفي الأجنبية قولان، وفَرَّقُوا على ظاهر المَذْهَبِ بأنهما بالشَّهَادَةِ على قَطْعِ الطريق أثبتا 7 أن العَدَاوَةَ بينهما وبين من شَهِدَ عليه بِشَهْرِ السِّلاَحِ عليهما، وقَصْدِهِ نَفْسَهُمَا وَمَالَهُمَا، وشهادة العَدُوِّ علي العَدُوِّ مَرْدُودَةٌ على الإطلاَقِ.
وفي صُوَرَتَي القولين شهادته في حَقِّ نفسه، وفي حَقِّ الأُمِّ مَرْدُودَةٌ لِلتُّهْمَةِ، ولم تُوجَدِ التُّهْمَةُ بالإضافة إلى الأجنبي، فَبَعَّضْنَا الشَّهَادَةَ وقبلناها في حَقِّ الأجنبي على قول ونظير ما نحن فيه من القَذْفِ أن يقولا: قذفنا وفلانة لا تقبل شهادتهما أَصْلًا.
وعن المَاسَرْجِسِيِّ وغيره أنه لو شَهِدَ اثْنَانِ بِوَصِيَّةٍ لهما فيها نصيب أو إِشْرَافٌ لم تقبل شَهَادَتُهُمَا بجميعها، وإن قالا: نشهد بها سوى ما يَتَعَلَّقُ بنا من المَالِ والإشراف قبلت شهادتهما.
فرع: يحسمُ موضع القَطْعِ من يد قَاطِع الطريق ورجله، كما مَرَّ في السارق، ويجوز أن تُحْسَمَ اليَدُ، ثم تقطع الرَّجْلُ، وأنَّ يقطعا جميعًا ثم [يحسما] 8 آخر: في "الرقم" لِلعَبَّادِيِّ بِنَاء وُجُوبِ الكَفَّارَةِ عَلى قاطع الطريق، على أن قتله حَدٌّ مَحْضٌ 9، أو يراعى فيه معنى القِصَاص، إن قلنا بالثاني، فعليه الكَفَّارَةُ 10. والله أعلم.
[وهذا تَمَامُ الكلام في قَطْعِ الطريق] 11.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الجِنَايَةُ السَّابِعَةُ: الشُّرْبُ)
وَالنَّظَرُ فِي المُوجِبِ وَالوَاجِبِ (أَمَّا المُوجِبُ) فَكُلُّ مُلْتَزِمٍ شَرِبَ ما أَسْكَرَ جِنْسُهُ مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ لَزِمَهُ الحَدُّ، فَلاَ حَدَّ عَلَى الحَرْبِيِّ وَالمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ أَيْضًا لِأَنَّهُ لاَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، وَيَجِبُ عَلَى الحَنَفِيِّ إِذَا شَرِبَ النَّبِيذَ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَيَجِبُ لِشُرْبِ النَّبِيذِ المُسْكِرِ جِنْسُهُ وَإِنْ قَلَّ (ح)، وَلاَ يَجِبُ عَلَى المُكْرَهِ وَلاَ عَلَى مَنِ اضْطَرَّهُ العَطَشُ أَوْ إِسَاغَةُ لُقْمَةٍ إلَى شُرْبِ خَمْرٍ إِذْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالخَمْرِ وَلَكِنْ يَسْقُطُ الحَدُّ بِهِ، ويَجُوزُ التَّدَاوِي بِالأَعْيَانِ النَّجسَةِ وَالمَعْجُونِ الَّذِي فِيهِ خَمْرٌ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى حَدِيثِ العَهْدِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ التَّحْرِيمَ، فَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَ الحَدِّ حُدَّ، وَمَنْ شَرِبَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ شَرَابٌ آخَرُ فَلاَ حَدَّ، وَلَو سَكِرَ فَهُوَ كَالمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلاَ يَلْزمُهُ قَضَاءُ الصَّلاَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: شرب الخَمْرِ من كَبَائِرِ المُحَرَّمَاتِ.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ...﴾ إلى آخر الآية [المائدة: 90].
واحتج له أيضًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: 33].
وقيل الإثْمُ: الخمر، واستشهد له بقول الشاعر: [الوافر]
شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي... كَذَاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ
وهذا الاحتجاج مَذكُورٌ في تَعْلِيقِ الشيخ أبي حَامدٍ وغيره.
وعن ابن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" 1 وعنه -أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا، [وَبَائِعَهَا] وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ" 2.
وعن جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، [فَالفَرَقُ] مِنْهُ
حَرَامٌ" 1 والفَرَقُ بفتح الراء مِكْيَالٌ يَسَعُ ستة عشر رَطْلاً.
وعن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال [في خُطبَتِهِ] 2: نَزَلَ 3 تَحْرِيمُ الخَمْرِ وهي من خمسة أشياء: العِنَبِ والتَّمْرِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعَسَلِ 4. ثم قال الأصحاب: عَصِيرُ العِنَبِ الذي إذا اشْتَدَّ، وَقَذَفَ بالزَّبَدِ، فهو حَرَامٌ بالإجماع، وما يروى عن قُدَامَةَ بن مَظْعُوَنٍ، وعمرو بن مَعْدِ يَكرِبَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- في تحليله، فقد ثَبَتَ رجوعهما عنه، ولا فَرْقَ بين قَلِيلِهِ وكثيرِهِ [المُسْكِرِ،] 5 ويفسق شاربه، ويجب 6 عليه الحَدُّ، وإن اسْتَحَلَّهُ كَفَر، ولم يستحسن الإمَامُ إِطْلاَقَ القَوْلِ بتكفير المستحلّ، وقال: كيف يكفر من خَالَفَ الإجماع، ونحن لا نُكَفِّرُ من رَدَّ أصل الإِجْمَاعِ، وإنما نبدعه 7 ونُضَلِّلُهُ 8، وأوَّل ما ذَكَرَهُ الأصحاب على ما إذا صدق المجتمعينَ على [أن] 9 التحريم ثابت 10 في الشَّرْع، ثم حلله، فإنه يكون رَادًا للشرع 11، وهذا إن صَحَّ، فليجر مِثْلُهُ في سائر ما حَصَلَ الإِجْمَاعُ على افْتِرَاضِهِ، أو تحريمه فَنَفَاهُ.
وعَصِيرُ الرُّطَبِ النَّيء كعصير 12 العِنَبِ النَّي كذلك ذَكَرَهُ صاحب "التهذيب" وطائفة.
وحكى الرُّوَيانِيُّ ذلك عن بعضهم، واسْتَغْرَبَهُ، 13 ورأى كَوْنَهُ بِمَثَابَةِ سائر الأَشْرِبَةِ، وأما سائر الأَشْرِبَةِ فهي في التحريم، و [في] وجوب الحَدِّ عندنا كَعَصِيرِ العِنَبِ، لكن لا يكفر مُسْتَحِلُّهَا لمكان الخلاف 14 وساعدنا مَالِكٌ وأحمد على مذهبنا،
وَذَكَرَ الأَصْحَابُ خِلاَفًا في أن اسْمَ الخَمْرِ هل يَتَنَاوَلُهَا، والأكثرون على المَنْعِ 1.
وقال أبو حنيفة: الأَشْرِبَةُ أربعة أَضْرُبٍ:
أحدها: النوع المُجْمَعُ على تَحْرِيمِهِ، وقد بَانَ حُكْمُهُ.
والثَّاني: المَطْبُوخُ من عَصِيرِ العِنَبِ، فإن ذهب أَقَلُّ من ثلثيه 2، فهو حَرَامٌ، لكن لا حَدَّ على شَارِبِهِ، إلا إذا سَكِرَ وإن ذهب ثُلُثَاهُ، فهو حَلاَلٌ إلا القَدْرَ المُسْكِرَ، فيحرم وَيتَعَلَّقُ به الحَدُّ.
وإن طُبِخَ وهو عِنَبٌ، فالمشهور أنه حَلاَلٌ، وفي رواية: هو كطبيخ 3 عَصِيرِهِ.
والثالث: نَقِيعُ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا اشْتَدَّ، فهو حَرَامٌ، لكن لا حَدَّ فيه ما لم يُسْكِرْ، فإن طُبِخَ فهو حَلاَلٌ إلا القَدْرَ المسكر فيحرم، وَيتَعَلَّقُ به الحَدُّ، ولا يُعْتَبَرُ في هذا النوع ذَهَابُ الثلثين.
والرابع: نَبِيذُ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعَسَلِ وغيرهما، فهو حَلاَلٌ نَقِيعًا كان، أو مَطْبُوخًا، ولا تَحْرِيمَ إلا في القَدْرِ المُسْكِرِ [منه] 4 ومن أصحابنا من يَرْوِي عن مذهبهم أنه لا حَدَّ فيه بِحَالٍ.
لنا: ما سَبَقَ من الأخبار 5، وأيضًا فإنها أَشْرِبَةٌ توقع العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ بين النَّاسِ، وتصدُّ عن ذِكْرِ الله -تعالى- وعن الصلاة، فيكون حُكْمُهَا حُكْم الخَمْرِ، وَيتَفَرَّعُ على التحريم النَّجاسَةُ، وامتناع البَيْعِ، وكل شراب حَكَمْنَا بتحريمه، نَجَّسْنَاهُ ومنعنا بَيْعَهُ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: يجوز بَيْعُ مَا سِوَى الخَمْرِ، وإن حُكِمَ بالتحريم في بعض ذلك.
وما لا يُسْكِرُ من الأَنْبِذَةِ لا يحرم، لكن يُكْرَهُ شُرْبُ المُنَصَّفِ، والخَليطَيْنِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عنهما في الحديث.
والمُنَصَّفُ ما عمل من تَمْرٍ ورُطَبٍ، وشَرَابُ الخليطين [ما عُمِلَ] من بُسْرٍ ورُطَبٍ وقيل 6: ما عُمِلَ من التَّمْرِ والزَّبيبِ، وسبب النهي أن الشدة 7 والإِسْكَارَ تَتَسَارَعُ إليه بِسَبَبِ الخَلْطِ 8 قبل أن يَتَغَيَّرَ الطَّعْمُ، فيظن 9 الشَّارِبُ أنه ليس = في تحريم السكر منها، وقد أفتيت بذلك وإلى بعض كتب الحنفية نقل الإجماع على أنه يكفر مستحلها.
وظاهره في الإسكار وما ادعاه من الإجماع ممنوع للإجماع على تحريم الإسكار وهو معلوم من الدين مشهور.
انتهى.
بِمُسكِرٍ، وهو مُسْكِرٌ، وهذا كالنهي عن الظُّرُوفِ التي كانوا يَنْتَبِذُونَ 1 فيها كالدُّبَّاءِ 2، وهو القَرْعُ، والحَنَاتِم وهي الجِرَارُ الخضرُ 3، والنَّقِيرُ وهو أصل الجِذْعِ يُنقَرُ ويُتَخَّذُ منه الإِنَّاءُ، والمُزَفَّت، وهو المَطْلِيُّ بالزّفْتِ وهو القَارُّ، ويقال له: المُقَيَّرُ أيضًا، فإن هذه الظُّرُوفَ لا تَعَلُّقَ، ولا يضربها الهَوَاءُ، فقد [يَشْتَدُّ] 4 ما فيها ولا يطلع عليه؛ بخِلاَفِ الأَسْقِيَةِ 5 التي يضربها الهَوَاءُ [، وتُعَلَّقُ] 6.
إذا عرفت ذلك، فَنَظَرُ الباب في طرفين:
أحدهما: في الشُّرْبِ الموجب لِلْحَدِّ 7.
والثاني: [في] 8 نفس الحَدِّ الواجب [أما] 9 النَّظَرُ الأول، فقد قال في الكتاب: "كل مُلْتَزِمٍ شَرِبَ ما أَسْكَرَ جِنْسُهُ، مختارًا من غير ضَرُورَةٍ وعُذْرٍ لزمه الحَدُّ" وفي هذا الضَّبْطِ قُيُودٌ:
أحدها: كونه مُلْتَزِمًا، وأراد به الْتِزَامَ تَحْرِيم المشروب، واعْتِقَادَهُ، فلا حَدَّ على الحَرْبِيِّ، ولا على الصَّبِيِّ والمجنون، والظاهر أنَّه الذِّمِّيِّ لا يُحَدُّ لِشُرْبِ الخَمْرِ، وأن الحَنَفِيَّ يحدُّ بشرب النَّبِيذِ، وإن كان لا يعتقد تَحْرِيمَهُ، والقول في أَنَّ الذِّمِّيِّ لا يُحَدُّ للشرب، والحنفي يحدُّ قد سَبَقَ مَرَّةً في باب حَدِّ الزِّنَا، وهو مُكَرَّرٌ هاهنا، وأعاد وجوب 10 الحَدِّ على الحَنَفِيِّ مَرَّةً أخرى في "كتاب الشَّهَادَات" مع الكلام في أنه هل يَفْسُقُ بذلك، وتُرَدُّ شَهَادَتُهُ أم لا؟ ويجيء إيضاح شرح الفَصْلَينِ إقامة الحدود ورد الشهادة في "كتاب الشهادات" والله المُيَسِّرُ.
والثاني: أن يشرب ما يُسْكِرُ جِنْسُهُ، فيخرج بلفظ الشُّرْبِ ما لو احْتَقَنَ 11 بالخمر، فلا يجب الحَدُّ، لأن الحَدَّ لِلزَّجْرِ، ولا حَاجَةَ إلى الزَّجْرِ فيه، وفي الاسْتِعَاطِ 12 وجهان:
أشبههما -وهو المذكور في "الشامل"-: أنه الجَوَابَ كذلك.
والثاني: يجب الحَدُّ، كما يحصل [بالإِقْطَارِ،] 1 ويقال: إنه يطرب كالشُّرْبِ.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ وغيره طَرْدُ الوجهين 2 في [الإِحْقَانِ،] 3 وَيتَعَلَّقُ بكون المَشْرُوبِ مُسْكِرًا في جِنْسِهِ صور:
فمنها: أنه يدخل فيه النَّبِيذُ فيجبُ الحَدُّ بِشْرْبِ قليله وكَثِيرِهِ، وقد ذَكَرْنَاهُ مع خِلاَفِ أبي حنيفة -رحمه الله- وَيتَعَلَّقُ [الحَدُّ] 4 بدُرْديِّ الخمر، والثَّمِين منها إذا أَكَلَهُ 5 بخبز 6 وكذا لو ثَرَدَ فيها، وأكل الثَّرِيدَ 7، وكذا لو طَبَخَ اللَّحْمِ بها، وأَكَلَ المَرَقَةَ، وإن أَكَلَ اللَّحْم، فلا حَدَّ؛ لأن عين الخمر 8 لم تَبْقَ فيه، وكذا لوَ عَجَنَ فيه الدَّقِيقَ، وخبز وأَكَلَ الخُبْزَ.
وروى ابن كَجٍّ فيه وَجْهًا آخَرَ، وفي معنى هَذِهِ الصُّوَرِ المَعْجُونُ الذي فيه خَمْرٌ، والظاهر أنه لا حَدَّ فيها لاسْتِهْلاَكِهَا، وعلى هذا قال الإِمَامُ: من شَرِبَ كُوزَ 9 ماء وقعت فيه قَطَرَاتٌ من الخَمْرِ [، والمَاءُ غالب لِصِفَاتِهِ لم يحدَّ لاِسْتِهْلاَكِ الخَمْرِ فيه].
والثالث: كون الشَّارِبِ مُخْتَارًا، فلو أَوْجَرَ الخَمْرَ قَهْرًا، فلا حَدَّ عليه، وإن أُكْرِهَ حتى شرب، فكذلك الجَوَابُ على المشهور.
وفي كتاب ابن كجّ حِكَايَةُ وجهين فيه.
الرابع: ألاَّ يكون في الشرب ضَرُورَةٌ وقصد به التَّعَرض لمسألتين:
إحداهما: هل يَجُوزُ شُرْبُ الخَمر لِدَفْعِ العَطَشِ إذا لم يَجِدْ غيرها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما يجوز شُرْبُ البَوْلِ والدَّمِ كذلك، ويروى هذا عن أبي حنيفة وهو المَذْكُورُ في الكتاب.
والثاني: ويُنْسَبُ إلى مَالِكٍ وأحمد-: لا يجوز [لعموم النهي و] لأن بعضها يَدْعُو إلى بعض، ولأن الخَمْرَ لا تدفع العَطَشَ، بل تُثِيرُ عَطَشًا عَظِيمًا، وإن فُرِضَ تَسْكِينٌ في الحال.
وهذا هو المَنْصُوصُ، وبه قال ابن أبي هُرَيْرَةَ، ورَجَّحَهُ أَكثَرُهُمْ، ولم يُورِدْ صاحب "التهذيب" وجَمَاعَةٌ سواه، والشرب لِدَفْعِ الجُوع، ولِدَفْعِ العَطَشِ.
وعن بعض الأصحاب أنه لا يجوز لِدَفْعِ الجُوعِ، وإن جاز لدفع العَطَشِ؛ لأنها تحرق كَبِدَ الجَائِعِ،
ومن جَوَزَ الشُّرْبَ لِدَفْعِ العَطَشِ، قال بوجوبه كَتَنَاوُلِ المَيتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، ونفي الحَدَّ.
وإذا لم نُجَوِّزْهُ، فليكن الحَدُّ على ما سنذكر فيما إذا شَرِبَهُ لِلتَّدَاوِي، ولم نجوزه.
الثانية: إذا غصَّ بِلُقْمَةٍ، ولم يجد ما يسيغُها سوى الخَمْرِ، فله بَلْ عليه الإِسَاغَةُ بها، ولا حَدَّ 1. وفيما علق عن الشيخ إبراهيم المَرْوَذِيِّ حكاية وجهين فيه، وقد يُوَجَّهُ المَنْعُ بِمُطلَقِ قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ".
وفي التداوي بالخَمْرِ وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو حَنِيْفَةَ-: يجوز؛ لأنَّ المقصود رَفْعُ المَحْظُورِ، فأشبه ما إذا أُكْرِهَ على الشُّرْبِ، وما إذا شَرِبَ لإِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ، ولأنه يجوز التَّدَاوِي بالأعيان النَّجِسَةِ كلحم الحَيَّةِ والسَّرَطَانِ والمَعْجُونِ الذي فيه خمر، وفكذلك التداوي بالخَمْرِ.
والثاني -وبه قال مَالِكٌ، وابن أبي هُرَيْرَةَ-: لا يجوز؛ لأن النَّبِيَّ -عليه السلام- سُئِلَ عن التَّدَاوِي بالخَمْرِ، فقال: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ" 2 ويروى أنه قال: "ذَلِكَ دَاءٌ وَلَيْسَ بِشِفَاءٍ" 3.
وأيضًا فالخمر أُمُّ الخَبَائِثِ، وقليلُها يَدْعُو إلى كثيرها، ولا يؤمن أن يَتَوَلَّدَ منها ما هو شَرٌّ من العِلَّةِ.
واختلفوا في حال الوَجْهَيْنِ في الشُّرْبِ للتَّدَاوِي، مع الوجهين في الشرب للعطش، فجعل بعضهم التَّدَاوِيَ أَوْلَى بالجِوَازِ، وقال: النفع منه مُتَوَقَّعٌ، وأما العَطَشُ، فإنه لا يدفعه، بل يزيده، ولهذا أجاب في "التهذيب" في الشُّرْبِ للعطش بالمنع وأورد في التَّدَاوِي وجهين، وذكر الرُّوَيانِيُّ أن الأظهر في العَطَشِ المَنْعُ، وفي التداوي الجَوَازُ،
وعكس بعضهم، فجعل التَّدَاوِي أَوْلَى بالمنع، وادعى أن تَأْثِيرَهُ في إزالة العَطَشِ مَوْثُوقٌ به [في الحال]، وفي رفع العِلَّةِ غَيْرَ مَوْثُوقٍ به، فإن الطَّبِيبَ وإن تَبَحَّرَ لا يجزم بقضاء على مَرِيضٍ حتى قال بقراط: التجربة خَطَرٌ، والقضاء عَسِيرٌ، ولذلك قال الإِمام: يجوز الشُّرْبُ لدفع العَطَشِ في قول الأصحاب أجمعين.
وقال في التَّدَاوي: قال الأَصْحَابُ: لا يجوز، وبَلَغَنَا عن آحَادٍ من المتأخرين تَشْبِيبٌ بجوازه من غير تَدْوِينٍ في تَصْنِيفٍ، وإنما تَرَامَزُوا به تَرَامُزَ الكَاتِمِينَ، ويوافق صَنِيعُ صاحب الكتاب هذه الطريقة، فإنه أجاب بِجَوَازِ الشُّرْبِ لِدَفْعِ العَطَشِ، ويمنعه للتداوي.
ومن الأصحاب من لم يَتَعَرَّضْ للتَّرْتِيبِ، ورأى الأظهر فيها المنع، وعلى ذلك جَرَى الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ والمحاملي وابن كَجٍّ وغيرهم، ثم الخِلاَفُ في التَّدَاوِي مَخْصُوصٌ بالقَلِيلِ الذي لا يُسْكِرُ، كذلك ذَكَرَهُ صاحب "التهذيب" والرُّوَيَانِيُّ، ولاَ بُدَّ من خبر طَبِيبِ مُسْلِمٍ، ومن خِبْرَتُهُ في نفسه [أو معرفة المتداوي إن عرف] ويشترط ألا يجد ما يقوم مقامها، ويعتبر هَذَانِ الشَّرْطَانِ في تَنَاوُلِ سائر الأَعْيَانِ النَّجِسَةِ.
ولو قال الطبيب: يَتَعَجَّلُ بِأَكْلِهَا الشِّفَاءَ، فوجهان:
أولاهما: الجواز.
ثم ذكر في الكِتَابِ أنه لا حَدَّ على المُتَدَاوِي، وإن حكمنا بأنه لا يَجْوزُ الشُّرْبُ للتَّدَاوِي، ويجعل قصد التداوي شُبْهَةً دارئة للحَدِّ للخلاف في حَلِّ 1 الشرب.
ويُحْكَى هذا عن القَاضِي حسين وفي "النهاية" أن الأَئِمَّةَ المُعْتَبَرِينَ أَطْلَقُوا أَقوَالَهُمْ في الطرف أن التداوي بالخمر حَرَامٌ، وأن المتداوي بها محدود 2.
والخامس: ألا يكون له في الشُّرْبِ عُذْرٌ، وفيه صورتان:
إحداهما: حديث العَهْدِ بالإِسلام إذا ادّعى أنه لم يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الخمر لم يُحَدَّ، وإن قال: علمت التحريم، ولم أعلم أن فيه حَدًا أُقِيمَ عليه الحَدُّ، لأنه إذا علم التَّحْرِيمَ، فَحَقُّهُ أن يمنع.
والثانيةَ: إذا شَرِبَ الخَمْرُ، وهو يَظُنُّ أنه شَرِبَ ما ليس بِمُسكِرٍ في جِنْسِهِ، فلا حَدَّ عليه، وإن سَكِرَ وفَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ، لم يلزمه قَضَاؤُهَا، كالمغمى عليه، وإن عَلِمَ أنه من
جِنْسِ ما يُسْكِرُ، ولكن ظَنَّ أن ذلك القَدْرَ لا يُسْكِرُ، فهذا ليس بعُذْرٍ، ويلزمه قَضَاءُ الصلوات الفائتة في السُّكْرِ.
وأما لفظ الكتاب، فيجوز أن يُعْلَمَ قوله: "مُختَارًا" بالواو وقوله: "ولا يجب على الذِّمِّيِّ" كذلك؛ لأن في وُجُوبِ الحَدِّ على الذمي وَجْهًا للأصحاب على ما هو مُبَيَّنٌ في المَوْضِعِ المُحَالِ عليه، ولا حَاجَةَ إلى إعلام قوله: "ويجب على الحَنَفِيِّ" لأن الخِلاَفَ فيه قد ذكر [حيث] 1 قال: "وقيل: لا يجب عليهما".
وقوله: "وإن قل" ليعلم بالحاء.
وقوله: "ولا [يجب] على المُكْرِه" بالواو، وكذا قوله: "ولا على من اضْطَرَّهُ العَطَشُ".
وقوله: "إذ يَجُوزُ" بالميم والألف والواو.
وقوله: "ولا يجوز التَّدَاوي" بالحاء والواو.
وقوله: "يسقط به الحد" بالواو، وكل ذلك لما سَبَقَ وجهه [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُحَدُّ مَا لَمْ يَظْهر المُوجِبُ لِلْقَاضِي بِشُرُوطِهِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ إِقْرَارٍ، وَلاَ يُعَوَّلُ عَلَى النَّكْهَةِ وَالرَّائِحَةِ، وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ: شَرِبَ مُسْكِرًا أَوْ شَرِبَ مَا شَرِبَ غَيْرُهُ فَسَكِرَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنما يُقَامُ حَدُّ الشرب إِذَا ظَهَرَ الشُّرْبُ بِأَحَدِ طرفين إما [إقرار الشارب] 2، أو شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا، وفي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ إِلْحَاقُ طريق ثَالِثَةٍ بهما، وهو أن يعلم أنه شَرِبَ المُسْكِرَ بأن رأيناه شَرِبَ من شَرَابٍ في إِنَاءٍ شرب منه غَيْرُهُ فَسَكِرَ، وليكن هذا مَبْنِيًّا على أن القَاضِي هل يَقْضِي بِعِلْمِهِ، ولا يعوّلُ على [النَّكْهَةِ] 3، وَوِجْدان [الرَّائِحة منها] 4، ولا على مُشَاهَدَةِ سُكْرِهِ، ولا على تَقَيُّؤِ الخَمْرِ؛ لاحتمال كَوْنِهِ غَالِطًا، أو مُكْرَهًا ثم صِيغَةُ 5 المقرِّ في الإِقْرَارِ والشاهدين في الشَّهَادَةِ إن كانت مُفَصَّلَةً بأن قال: شَرِبْتُ الخَمْرَ، أو [شربت ما] 6 شرب منه غَيْرِي، فَسَكِرَ [منه] وأَنا عالم به مُخْتار، أو فَصَّل 7 الشَّاهِدُ كذلك لم يَخْفَ الحُكْمُ.
وإن قال: شَرِبْتُ الخَمْرَ، أو ما شربه غَيْرِي، فَسَكِرَ منه، واقْتَصَرَ عليه، أو شهد [اثنان على] 8 أنه شَرِبَ الخَمْرَ من غير تَعَرُّضٍ لِلْعِلْمِ والاختيار، فعن رِوَايَةِ أبي الحُسَيْنِ ابن القَطَّانِ أن فيه وَجْهَيْنِ:
أحدهما: أنه لا يكفي 1 لإِقَامَةِ الحَدِّ لاحتمال أنه جَهِلَ كَوْنَهُ مُسْكِرًا، أو أنه كان مُكْرَهًا عليه، وهذا كما أنه لاَ بُدَّ من التَّفْصِيلِ في شَهَادَةِ الزِّنَا، وبهذا قال القاضي أبو حَامِدٍ، واختاره إِمَامُ الحَرَمَيْنِ من غير أن ينقله عن الأَصْحَابِ.
وأشهرهما -وهو ظَاهِرُ النَّصِّ-: أنه يكتفي به، ولا حَاجَةَ إلى التُّعَرُّضِ للعلم والاختيار، ووجه بأن إضافة الشُّرْبِ إليه قد حَصَلَتْ، والأصل عَدَمُ الإِكْرَاهِ، والغَالِبُ من حال الآكِلِ والشَّارِبِ العِلْمُ [بما] 2 يأكل، ويشرب، وصار كما في الإِقْرارِ بِالبَيْعِ والطَّلاَقِ والشهادة عليهما لا يُشْتَرَطُ فيهما التَّعَرُّضُ للاختيار والعلم، وفَرَّقُوا بَيْنُهُ وبين شَهَادَةِ الزنا؛ بأن الزِّنَا يعبر به 3 عن مُقَدِّمَاتِهِ، كما ورد في الخبر: "العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَاليَدَانِ تَزْنيَانِ" 4 فاحْتِيج فيهما إلى الاحْتِيَاطِ.
ومنهم من لم يُثْبِتِ الوَجْهَ الأَوَّلَ، وقطع بالثاني ولْيُعْلَمْ لما حَكَيْنَا قوله في الكتاب: "ويكفي أن يَقُولَ الشَّاهِدُ" بالواو.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه لا بد وأن يُوجَدَ مع الإقرار أو البَيِّنَةِ رَائِحَةُ الخَمْرِ منه.
وفي "أمالي" أبى الفرج 5 السَّرَخْسِيِّ أن عنده يُقَامُ عليه الحَدُّ إذا وُجدَتْ منه الرَّائِحَةُ، وإن لم تَقُمْ بَيِّنَةٌ، ولا إقرار، فإن صَحَّ ذلك أعلم قوله: "ولا يعوّل" 6 بالحاء.
"فروع": ما يُزِيلُ العَقْل من غير الأَشْرِبَةِ كالبَنْجِ [حرام لكن] لا حَدَّ 7 في تَنَاوُلهِ؛ لأنه لا يَلذُّ ولا يَطْرَبُ، ولا يدعو قَلِيلَهُ إلى كَثِيرِهِ.
ولو احْتِيجَ في قَطْعِ اليد المُتَآكِلَةِ -نَعُوذُ بالله منه- إلى أن يُزَالَ عَقْلُهُ، هل يجوز ذلك؟ خُرِّجَ على الخِلاَفِ في التَّدَاوِي بالخمر والنَّدُّ المَعْجُونُ بالخمرِ نَجِسٌ.
قال في "الشامل": ولا يجوز بَيْعُهُ، وكان ينبغي أن يجعل كالثَّوْبِ النَّجِسِ لإمكان تَطْهِيرِهِ بالنَّقْعِ بالماء، ومن تبخر به هل ينجس؟ ذكر فيه وجهين؛ بِنَاءً على الخلاف في دُخَانِ النَّجَاسَاتِ.
قال الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّاني في الوَاجِبِ) وَهُوَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً، وَلَوْ ضُرِبَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ بالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ كفيَ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ رَأَى الإِمَامُ أن يُجْلَدَ ثَمَانِينَ جَازَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلاَ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَانِينِ أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: رَوَى الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بإسناده [عن عبد الرحمن بن
أَزْهَرَ] 1 [أنه] قال: أُتِيَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بشاربٍ، فقال 2: "اضْرِبُوهُ" فضربوه بالأَيْدِي والنِّعَالِ، وأطراف الثِّيَاب؛ وَحَثَوْا عليه التُّرَابَ حتى قال: "ارفعوا 3 " فرفعوا 4 ثم أرسله، فلما كان أبُو بَكَرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- سأل: من حضر ذلك الضَّرْبَ؟ فقومه أربعين ويروى: "فَقَدَّرُوه".
فضرب أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَرْبَعِينَ في الخمر [حَيَاتَهُ] 5 ثم عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ثم تَتَابَعَ النَّاسُ في الخَمْرِ، فاستشار 6، فضربه ثمانين 7.
وروي 8 أن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- اسْتَشَارَ، فقال عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-[وَأَرْضَاهُ] 9: أرى أن يُجْلَدَ ثمانين؛ لأنه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذِيَ، وإذا هَذِيَ 10 افْتَرَى 11 [فَأَرَى عليه حَدَّ المُفْتَرِينَ] فَجَلَدَ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ثَمَانِينَ إذا
عرف ذلك، فَحَدُّ الشرب أَرْبَعُونَ على الحُرِّ، وعشرون على الرَّقيق.
وعند أبي حَنِيْفَةَ ومالك: حَدُّ الشُّرْبِ ثَمَانُونَ، واخْتَارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ.
لنا: ما سبق، وأيضًا فقد رُوِيَ أنه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أمر حتى جُلِدَ الشَّارِبُ أربعين.
وهل يجوز أن يُضْرَبَ بالأيدي، والنِّعَالِ، وأطراف الثِّيَابِ أم 1 يتعين الجَلْدُ بالسَّوْطِ؟ حَكَى الإِمَامُ وغيره فيه وجهين:
أحدهما: أنه يَتَعَيَّنُ الجَلْدُ بالسِّيَاطِ؛ لأنه روي عن عُمَرَ وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- الجَلْدُ بالسَّوْطِ، واسْتَقَرَّ الأَمْرُ عليه، فلا مَعْدَلَ عنه.
وأصحهما: أنه يجوز؛ لأنه المَنْقُولُ عن عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ولم يَثْبُت فيه نَسْخٌ، والذين عَدَلُوا إلى السِّيَاطِ أَخَذُوا بالتَّعْدِيلِ والتقويم.
ويروى عن أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِشَارِبٍ فأمر عشرين رَجُلاً، فَضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ منهم مَرَّتَيْنِ بالجَرِيدِ والنِّعَالِ 2.
ومنهم من رَأَى الضَّرْبَ بالأَيْدِي والنِّعَالِ جائزًا لاَ مَحَالَةَ، وذكروا وجهين في أنه هل يَتَعَيَّنُ، أم يجوز العُدُولُ إلى السِّياطِ؟ هكذا حكاه صاحب "البَيَان" وظاهر المَذْهَبِ أن كُلاًّ منهما جَائِز؛ أما الأول، فلأنه الأَصْلُ، وبه وَرَدَتِ الأَخْبَارُ.
وأما الثاني، فلفعل الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- واسْتِمْرَارِهِمْ عليه.
ولو رأى الإِمَامُ أنه يزيد فيبلغ بها ثَمَانِينَ، ففيه وجهان:
أصحهما: الجَوَازُ؛ لما رَوَيْنَا في القِصَّةِ، وعلى هذا فلو ضَرَبَهُ بين الأربعين والثمانين، فيجوز.
والثاني: المَنْعُ؛ لما روي أن عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- رَجَعَ عن ذلك، وكان يَجْلِدُ في خِلاَفَتِهِ أربعين، وإذا جَوَّزْنَا للإمام أن يبلغ الضَّرَبَات ثَمَانِينَ، فالزيادة على الأربعين حَدٌّ أو تعزير؟ في "تعليق" إبراهيم المَرْوَذِيِّ حكايته وجهين [فيه] 3 عن أبي إِسْحَاقَ المَرْوَذِيّ:
أحدهما: أنه حَدٌّ، لكن أَضْعَفُ من الأربعين الأُولَى، فهي ثابتة 1 بالسُّنَّةِ، وهذه باجتهاد الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-[ورأيهم] 2.
وأظهرهما: عند أكثرهم أن الزِّيَادَةَ تَعْزِيزٌ؛ لأنها لو كانت حَدّاً، لما جاز 3 تَرْكُهَا، ويجوز أن يَتْرُكَهَا، ويقتصر على الأربعين.
رُوِيَ عن عَليٍّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أنه قال: ضَرَبَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وضرب أبو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أربعين سَوْطاً.
و [عن] عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ثَمَانِينَ، وَكُلُّ 4 سُنَّةٌ، واعترض على هذا الوَجْهِ بأن التَّعْزِيرَ لا يبلغ الحَدّ، فكيف يبلغ تَعْزِيرُ الشُّرْبِ مع حَدِّهِ أربعين.
وأُجِيبَ عنه بأن الوَاجبَ للشرب هو الجَلْدُ، والتعزير للجنايات المُتَوَلِّدَةِ منه من الهَذَيَانِ والافْتِرَاءِ، ويجوز أَن يبلغ تَعْزِيرُ الجنايات المتعددة الحَدِّ، وهذا ليس بشَافٍ، فإن الجِنَايَةَ التي يعزر عليها لاَ بُدَّ من تَحَقُقِهَا، ولا معنى لِلتَّعْزِير بالجناية المُتَوَقَّعَةِ، ثم تلك الجنايات والخَبَائِثُ التي 5 تَتَوَلَّدُ من الخمر لا تَنْحَصِرُ، فلتجر الزيادة على الثمانين، وقد منعوا منه، وصَرَّحَ به صاحب الكِتَابِ.
وفي قصة مراجعة الصحابة -رَضِيَ الله عَنهُم- وتبليغهم الضَّرَبَاتِ ثمانين أَلْفَاظٌ مُشْعِرَةٌ بأن الكُلَّ حَدٌّ، وعلى هذا فَحَدُّ الشُّرْب مَخْصُوصٌ من بين سَائِرِ الحدود، بأن يَتحَتم بعضه، [ويتعلّق بعضه] 6 باجتهاد الإِمام، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَكَيْفِيةُ الجَلْدِ أَنْ يُضرَبَ بِسَوْطٍ مُعْتَدِلٍ أَوْ خَشَبَةٍ بَيْنَ القَضِيبِ وَالعَصَا بَيْنَ الرُّطوَيةِ وَاليُبُوسَةِ، وَلاَ يَرْفَعُ يَدَهُ فَوْقَ الرَّأْسِ حَتَّى لاَ يَشْتَدَّ الأَلَمُ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلاَّ عَلَى الوَجْهِ، وَلاَ يَبْقى الرَّأْسُ (ح)، وَلاَ يَشُدُّ يَدَ المَجْلُودِ لِيَتَّقِيَ بِيَدِهِ، وَلاَ يَتلُ لِوَجْهِهِ، وَلاَ يُكَبُّ بَلْ يُجْلَدُ الرَّجُلْ قَائِماً وَالمَرْأَةُ جَالِسَةً وَثِيَابُهَا مَلْفُوفَة عَلَيْهَا، وَيُوَالِيَ بَيْنَ الضَّرْبِ، وَلاَ يُفَرَّقُ عَلَى الأَيَّامِ تَفْرِيقاً يَقَعُ اللَّاحِقُ بَعْدَ زَوَالِ أَلَمِ السَّابِقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقصُودُ الفصل الكَلامُ في كَيْفيَّةِ الجَلْدِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بِحَدِّ الشُّرْبِ، بل الحكمُ في جَلْدِ 7 الزنا والقَذْفِ [والشرب] وَاحِدٌ، وفيه صور:
إحداها: [ليسكن] 1 الجَلْدُ بالسَّوْطِ، والسوطُ المعتاد مُعْتَدِلٌ في الحَجْمِ، وَاقِعٌ بين القَضِيبِ والعَصَا، وبه تُعْتَبَرُ سائر الخَشَبَاتِ، وما يعتبر من التوسط في الحجم، يعتبر في الصفات، فلا يَنْبَغِي أن يكون [رَطْباً] 2 طَرِيّاً؛ لأنه يثقله 3 بشق 4 الجِلْدِ، ويغوص في البَدَنِ 5، ولا أن يكون في غايَةِ اليُبُوسَةِ 6، فإنه لا يُؤْلمُ [لِخِفَّتِهِ،] 7 وأيضاً فيتشظّى.
وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يَجْلِدَ رجلاً، فأتي بسَوْطٍ خَلَقٍ، فقال: "فَوْقَ هَذَا" فأتي بسوط جَدِيدٍ.
فقال: "بَيْنَ هَذَيْنِ" 8 وروي مِثْلُ ذلكَ عن عُمَر وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُما-.
وكذلك ينبغي أن يَضْرِبَ ضَرْباً بين ضربين، فلا يرفع الضَّارِبُ يَدَهُ فوق الرأس؛ بحيث تَبْدُو عَفْرَاءَ الإِبطِ، فإنه يَشْتَدُّ أَلَمُهُ، ولا يضع السَّوْطَ عليه وَضْعاً، فإنه لا يُؤْلِمُ، ولكن يرفع ذِرَاعَهُ ليَسْتَلِبَ السَّوْطُ ثِقَلاً.
روي عن عَلِيٍّ -كَرمَ الله وَجْهَهُ- أنه قال: سَوْطٌ بين سَوْطَيْنِ، وضرب بين ضَرْبَيْنِ.
وعن عمر وعلي وابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-[أنهم] 9 قالوا لِلْجَلاَّدِ: لا ترفع يَدَكَ حتى يُدْمَى بَيَاضُ إِبِطِكَ.
فإن كان المجلود رَقِيقَ الجِلْدِ يَرْمِى بالضَّرْبِ الخَفِيفِ، فلا يُبَالَى به.
الثانية: يُفَرِّقُ السِّيَاطَ على الأَعْضَاءِ، ولا يجمع في مَوْضِع واحد، وَيَتَّقِي الوَجْهَ والمقَاتِلَ 10 كثُغْرَة النَّحْرِ والفَرْجِ، ونحوهما.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال 11: "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ " وأيضاً فالوَجْهُ مَجْمَعُ المَحَاسِنِ، وَأَثَرُ الشَّيْنِ 12 فيه يَعْظُمُ.
ويروى أن عَلِيّاً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال للجلاَّدِ: "أَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّه، واتَّقِ الوَجْهَ والمَذَاكِيرَ".
وفي الرَّأْسِ وجهان:
أحدهما: أنه يتقي 1 أيضاً، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، واختاره المَاسَرْجِسِيُّ، وابن الصَّبَّاغِ، والروياني؛ لأنه [مَقْتَلٌ، و] 2 يخاف منه العَمَى.
وأظهرهما: عند أكثرهم -وهو المذكور في الكتاب: المَنْعُ، لما رُوِيَ عن أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال للجلاَّدِ: "اضْرِبِ الرَّأْسِ، فإن الشَّيْطَانَ فيه.
ويخالف الوَجْهَ فإنه مَسْتُورٌ بالشَّعَرِ، وغيره غالباً، فلا يُخَافُ من ضربه ما يُخَافُ من ضرب الوَجْهِ.
الثالثة: لا تُشَدُّ يَدُ المجلود 3، بل تُتْرَكُ يَدَاهُ مُطْلَقَتَيْن حتى يَتَّقِيَ بهما ولا يُثَلُّ الوَجْهَيْنِ، ولا يُمَدُّ، ولا يُجَرَّدُ عن الثياب، بل يُتْرَك عليه قَمِيصٌ أو قَمِيصَانِ، ولا يترك عليه ما يمنع الأَلَمَ من جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ، أو فَرْوَةٍ.
ويجلد الرَّجُلُ قَائِماً، والمرأة جَالِسَةً، فإنه أَسْتَرُ لها، وتُلَفُّ، أو تُرْبَطُ عليها ثيابها لئلا تَنْكَشِفَ عند الضَّرْب، وَيلِي كَفَّ الثوب عليها امْرَأَةٌ، وأما الجَلْدُ فليس من شَأْنِ النساء [فَيَتَولاَّهُ رَجُلٌ].
الرابعة: يُوَالِي بين الضَّرَبَاتِ، ولا يجوز أن يُفَرِّقَ على الأيَّامِ، فَيضْرِبُ كل يوم سَوْطاً، أو سَوْطَيْنِ؛ لأنه لا يَحْصُلُ به تَنْكِيلٌ، ولا إِيلاَمٌ، ويخالف ما لو حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ فلاناً كذا كذا سَوْطاً، فَفَرَّقَهُ على الأيام، حيث يَبرُّ في يمينه؛ لأن المتبع 4 هناك مُوجِبُ اللفظ، وفي الحدود والتَّكَالِيفِ يُرَاعَى المَقَاصِد، ولا شك أن 5 المقصود من الحَدَّ الزَّجْرُ والتَّنْكِيلُ.
ولو جُلِدَ في حَدِّ الزنا في يوم خَمْسِينَ وَلاَءَ، وفي يوم [بعده] 6 خمسين كذلك، أَجْزَأَ عن الحَدِّ، وبم يضبط ما يجوز من 7 التَّفْرِيقِ، وما لا يجوز.
قال الإِمَامُ: إن كان التَّفْرِيقُ بحيث لا يَحْصُل من كل دفعة أَلَمٌ له وقع كَسَوْطٍ، وسَوْطَيْنِ في كل يوم، فهذا ليس بحَدٍّ، وإن كان يُؤْلِمُ ويُؤَثَّرُ بما له وَقْعٌ، فإن لَم يَتَخَلَّلْ من الزَّمَانِ ما يزول به الألم 8 [الأول] 9 اعتدَّ به، وإن تَخَلَّلَ، ففيه تَرَدُّدٌ؛ ظَاهِرُ كَلاَمِ القاضي الاعْتِدَادُ به والأوجه [والأظهر] المَنْعُ؛ لأن المُوَالاَةَ لو عدلت بالأَسْوَاطِ لَبَلَغَ أَثَرُهَا عَدَداً منها صَالِحاً، ففي تَرْكِ المُوَالاَةِ إِسْقَاطُ جُزْءٍ من الحَدِّ، وهذا ما أراد بقوله في الكتاب: "تَفْرِيقاً يقع اللاَّحِقُ بعد زوال ألم السابق".
"
فرع
"
لا يقام حَدُّ الشرب فى السكر، بل يُؤَخَّرُ إلى أن يُفِيقَ 1. "آخر"
قال: لا تقام الحُدُودُ في المَسَاجِدِ، وتروى هذه اللفظة عن رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في رواية ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- ولأنه يحتمل 2 أن يَتَلَوَّثَ المسجد من جِرَاحَةٍ تَحْدُثُ 3، ويسقط الفَرْضُ لو أُقِيمَتْ، كما لو صلى في مكان مَغْصُوبٍ 4، وكما لا يُجْلَدُ حَدّاً في المسجد، لا يجلد تَعْزِيرًا 5.
قال الغَزَالِيُّ: هَذِهِ هِيَ الجِنَايَات المُوجِبَةُ لِلحَدِّ، وَمَا عَدَاهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا فَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ (والنَّظَرُ فِي التَّعْزِيرِ) فِي قَدْرِهِ وَمُوجِبِهِ وَمُسْتَوْفِيهِ (أَمَّا مُوجِبُهُ) فَهُوَ كُلُّ مَا يَعْصِي بِهِ العَبْدُ رَبَّهُ مِنْ جِنَايَةٍ عَلَى حَقِّ اللهِ تَعَالَى أَوْ حَقِّ الآدَمِيِّ (أَمَّا قَدْرُهُ) فَلاَ يَتَقَدَّرُ أَقَلُّهُ وَأكْثَرُهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُحَطُّ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةَ وَهُوَ أَقَلُّ مَا يَجِبُ فِي الحُدُودِ وَهُوَ حَدُّ شُرْبِ العَبْدِ، وَقِيلَ: بَل تَعْزِيرُ الحُرِّ إِنَّمَا يُحَطُّ عَنْ حَدِّهِ وَهُوَ الأرْبَعُونَ، وَقِيلَ: تَعْزِيرُ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا إِنَّمَا يُحَطُّ عَنْ حَدِّ الزِّنَا لاَ عَنْ حَدِّ الشُّرْبِ وَالقَذْفِ، وَقِيلَ: لاَ يُزَادُ عَلَى عَشْرَةٍ لِوُرُودِ خَبَرٍ فِيهِ صَحَّحَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ أن يُقْتَلُ في التَّعْزِيرِ وَالاسْتِصْلاَح.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَغنَا بتَيْسِيرِ الله وعَوْنِهِ من الكَلاَم في الحُدُودِ، والغَرَضُ الآن القول في التَّعْزِيرِ 6، وَهو مَشْرُوعٌ في كُلِّ معصية ليس فيهَا حَدٌّ، وَلاَ كَفَّارةٌ، سواء كانت من
مُقَدمَاتِ ما فيه [حد] 1 كَمُبَاشَرَةِ الأجنبيّة فيما دون 2 الفَرْجِ، وسَرِقَةِ ما دون النِّصَابِ، = والثالث: التالف به مضمون في الأصح خلافاً لأبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما وشرعاً: تأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة كما نبه عليه المصنف -رحمه الله- وهو مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
والسرقة من غير [الحِرْزِ، والسَّبِّ،] 1 والإِيذَاءِ بما ليس بِقَذْفٍ، أو لم يكن من مُقَدِّمَاتِهِ كَشَهَادَةِ الزُّورِ، والضَّرْبِ غير حَقِّ، والتَّزْوِيرِ، وسائر المعاصي.
روي التَّعْزِيرُ عَن فِعْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي خبر سَرِقَةِ التمر فإذا آوَاهُ "الجَرِين" 2 وبلغت قِيمَتُهُ ثَمَنَ المِحْجَنِ، ففيه القَطْعُ، وإن كان دون ذلك، ففيه غُرْمُ مِثْلِهِ، وجلدات نَكَالاً.
وَعَّزَر 3 عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَن زَوَّرَ كِتَاباً.
وعن علي -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- أنه سُئِلَ عن قول الرجل [لرجل] 4 يا [فاسق] 5 يا خبيث؟ فقال: هي فَوَاحِشُ فيهن تَعْزِيرٌ، وليس فيهن حَدٌّ.
وشرعية التعزير 6 تَشْمَلُ المَعْصِيَةَ التي تَتَعَلَّقُ بحَقِّ الآدَمِيِّ، والتي تَتَمَحَّضُ حقاً الله -تعالى- والنظر بعد هذا في ثَلاَثَةِ فصول:
أحدها: في نفسَ التَّعْزِيرِ، أما جِنْسُهُ من 7 الحبس أو الضرب جَلْداً أو صَفْعاً، فهو إلى رَأْي الإِمام، فيجتهَد، ويعمل ما يَرَاهُ من الجَمْع بينهما والاقتصار على أَحَدِهِمَا، وله أن 8 يَقْنَعَ بالتَبكيتِ 9 وَالتَّوْبِيخِ باللسان على تَفْصِيلَ يأتي من بَعْدُ إن شاء الله تعالى.
وفي "النهاية" أَنَّ الأصحاب قالوا: عليه أن يُرَاعِي التَّرْتِيبَ والتدريج كما يُرَاعِيهِ والدَّافع للصائل فلا يَتَرَقِّى إلى مَرْتَبَةٍ 10، وهو يَرَى ما دونها كَافِياً مُؤَثِّراً.
وأما قَدْرُهُ، فيتعلقِ باجتهاده أيضاً إن خالف جِنْسُهُ 11 جِنْسَ الحَدِّ، كالحبس، وإن = وقال الفارقي: هم أرباب الصيانة الظاهرة إذا بدت منهم صغيرة فالمستحب إخفاؤها عليهم وسترها لأنها أول مرة قال ابن عبد السلام في قواعده: ولو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام لم يجز تعزيرهم عليها بل تقال عثرتهم وتستر زلتهم.
انتهى.
ومنها: لو تلاعنا ثم قذفها بالأولى نهي فإن عاد عزر.
قاله الدارمي.
ومنها: ذكر النووي في شرح مسلم في حديث الحضرمي أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه إنه ظالم أو فاجر أو نحوه في حال المخاصمة يتحمل ذلك منه أي ولا يعزر عليه.
ومنها: المرتد إذا قبلنا توبته لا يعزر أول مرة، وليقتصر على هذه النبذة وإن بقيت صور.
رأى الجَلْدَ فلا بد وأن يَنْقُصَ عن الحَدِّ، كما تَنْقُصُ الحُكُومَةُ عن الدِّيَّةِ، والرَّضْخُ عن السَّهْمِ.
ثم هل يُفَرَّقُ بين مَعْصِيَةٍ ومعصية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وتُقَاسُ كُلُّ معصية بما يُنَاسِبُهَا في الجِنَايَةِ الموجبة للحدود، فَتَعْزِيرُ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا والوَطْءِ الحَرَامِ الذي لا يُوجِبُ الحَدَّ يَنْقُصُ عن حَدِّ الزنا، لاَ عَنْ حَدِّ القَذْفِ والشرب، وتعزير الإيذاء 1 والسَّبِّ بما ليس بِقَذْفٍ يَنْقُصُ عن حَدِّ القَذْفِ، لا عن حد الشرب، وتعزير إِدَارَةِ كَأْسِ المَاءِ على الشُّرْب، تَشْبِيهاً بشاربي الخَمْرِ يَنْقُصُ عن حد الشرب، اعتباراً لكل [نوع بغاية الزَّاجِرِ] 2 المشَروع في جِنْسِهِ، وقرب هذا من قولنا: إن حُكُومَةَ الجِنَايَةِ الواردة على عُضْوٍ تُعْتَبَرُ بِأَرْشِ ذلك العضو، وبهذا الوجه قال القَفَّالُ، واختاره القاضي الرُّوَيانِيُّ في "الحلية".
وذكر الإِمام تفريعاً عليه أن تَعْزِيرَ مقدمات السَّرِقَةِ يعتبر بأغلظ حُدُودِ الجَلْدِ، وهو 3 حد الزنا؛ لأن القَطْعَ أَبْلَغُ من مائة جَلْدَةٍ، وأن تعزير الحُرِّ يعتبر بِحَدِّهِ، وتعزير العبد يُعْتَبَرُ بِحَدِّهِ؛ لأن اعتبار حال المُعَزَّرين أَوْلَى من اعتبار تَنَاسُبِ الجِنَايَتَيْنِ.
هذا أَحَدُ الوجهين وتفريعه.
والثاني: وهو الأظهر عند أكثرهم -أنه لا فَرْقَ بين مَعْصِيَةٍ ومعصية، [ويلحقُ] 4 ما هو من مُقَدِّمَاتِ مُوجِبَاتِ الحد، وربما ليس من مُقَدِّمَاتَها.
وعلى هذا وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو عَلِيٍّ بْنُ أبي هُرَيْرَةَ والطبري: أنه 5 لا يُزَادُ التَّعزيرُ على عَشْرِ جَلَدَاتٍ لما رُوِيَ عن أبي بُرْدَةَ بن نِيَارٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال 6: "لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ العَشْرِ إِلاَّ في حَدٍّ" وبهذا قال صاحب "التقريب".
وقال: الحديث صَحِيحٌ.
وقد اشتهر عن الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال: مَذْهَبِي ما صَحَّ به الحديثُ.
وأظهرهما: أنه تجوز الزِّيَادَةُ على العَشْرِ، وإنما المَرعِيُّ النُّقْصَانُ عن الحَدِّ، والخبر على ما ذكر بَعْضُهُمْ أنه مَنْسُوخٌ، واحتجَّ بِعَمَلِ الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- بخلافه من غير إنْكَارٍ.
وعن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه كتب إلى أبي 1 مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ألا يَبْلُغَ بِنَكَالٍ [أكْثَرَ] 2 من عشرين سَوْطاً -ويروى ثَلاَثِينَ إلى الأربعين وعلى هذا فالمُعْتَبَرُ أولى الحُدُودِ في حَدِّ المُعَزَّرِ، أو في الحدود على الإطلاق؟ فيه وجهان: ظاهر النَّصِّ- وهو الذي رَجَّحَهُ عَامَّةُ الأصحاب: أنه يعتبر الأدنى في حق المُعَزَّرِ، فلا يُزَادُ تَعْزِيزُ الحر على تِسْع وثلاثين جَلْدَةً ليكون دون حَدِّ الشُّرْبِ، وهو أربعون، ولا [يزيد] تَعْزِير العبد على تسع عشرة وَيتَفَاوَتَانِ في غاية التَّعْزِيرِ، كما تَفَاوَتَا في غاية الحَدِّ.
والثاني: أنه يعتبر أَدْنَى الحُدُودِ على الإطلاق، حتى لا يُزَادَ تَعْزِيرُ الحر على تسع عشرة أيضاً.
وفي التهذيب وجه ثالث: وهو أن الاعتبار بحد الأَحْرَارِ، فلا يَبْلُغ حَدُّ الحر، ولا العَبْدِ أربعين، ويَجُوزُ ما دُون ذلك وعند مَالِكٍ: لا حَدَّ للتعزير، بل للإمام أن يَضْرِبَ كما شَاءَ وإن جاوز الحَدَّ، بل جَوَّزَ القَتْلَ لِلتَّعْزِيرِ والاسْتِصْلاحِ، ووجه المذهب ظاهر، وليكن التَّعْزِيرُ بِسَوْطٍ بين سَوْطَيْنِ، وضرب بين ضربين، كما في الحَدِّ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يَجْعَلُ ضَرْبَ التعزير أَشَدَّ، وفي الحُدُودِ ضرب الزنا أَشَدَّ، ثم حد الشرب، ثم حَدّ القَذْفِ.
وقوله في الكتاب: "فيوجب التَّعْزِير" أي: يَقْتَضِيهِ، ويثبته، ولا ينبغي أن يُحْمَلَ على الوجوب بمعنى اللُّزُومِ، ففي تَرْكِ أصل التَّعْزِيرِ كَلاَمٌ سيأتي إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا يُحْمَلُ قوله: "أما موجبه" بعد قوله: "والنظر في مُوجِبهِ وقَدْرِهِ ومُسْتَوْفيه" وقوله بعد ذلك: "وأما أصل الوجوب" يُشِيرُ إلى ما ذكر في "الوسيط"، وهو أن النَّظَرَ في المُوجِبِ، والمُسْتَوْفي، والقَدْرِ، وأَصْلِ الوجوب، فحذف بعض التَّرْجَمَةِ.
واعلم أن في قوله: "وما عداها ومقدماتها، فيوجب التَّعْزِيرَ" فيه غُنْيَةٌ عن قوله: "وأما مُوجِبه... " إلى آخره؛ لأن المقصود ما عَدَا الجِنَايَاتِ الموجبة للحد، وهي التي أَرَادَهَا بقوله: "فهو كُلُّ ما يعصي به العَبْدُ رَبَّهُ... " إلى آخره ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "يحطُّ عن عشرين جَلْدَةً" بالميم، وكذلك الحُكْمُ في سائر الوجوه؛ لما ذكرنا أن عند مَالِكٍ -رحمه الله- لا حَدَّ لأكثره، وكذلك قوله: "ولا يَجُوزُ أن يقتل... ".
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا المُسْتَوْفِي) فَهُوَ الإِمَامُ والأَبُ وَالسَّيِّدُ وَالزَّوْجُ لَكِنَّ الأَبَ يُؤَدِّبُ الصَّغِيرَ دُونَ الكبِيرِ، وَمُعَلِّمُهُ أَيْضاً يُؤَدِّب بِإِذْنِهِ، والزَّوْجُ يُعَزِّرُ عَلَى النُّشُوزِ، وَالسَّيِّدُ يُعَزِّرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَالزَّوْجُ لاَ يُعَزَّرُ إلاَّ في النُّشُوزِ، وَالتَّعْزِيرُ جَائِزٌ بِشَرْطِ سَلاَمَة العَاقِبَةِ، فَإنْ سَرَى ضَمِنَ عَاقِلَةُ المُعَزِّر بخِلاَفِ الحَدِّ، فَلَوْ كَانَتِ المَرْأَة لاَ تَتْرُكُ النُّشُوزَ إِلاَّ بِضَرْبٍ مَخُوفٍ لَمْ نَجزُ تَعْزِيرُهَا أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الأَصْحَابِ من يُخَصِّصُ لفظ التَّعْزِيرِ [بضرب] 1 الإِمام، أو نَائِبِهِ لِلتَّأْدِيبِ في غير الحُدُودِ، ويُسَمِّي ضَرْبَ الزوج زَوْجَتَهُ، والمُعَلِّمُ الصَّبِّيَّ تَأْدِيباً لا تعزيراً.
ومنهم من يُطلِقُ اسْمَ التَّعْزِيرِ على ضَرْبِهِمْ جميعاً، وهو أشهر الاصْطِلاَحَيْنِ، والفصل يشتمل على مسألتين:
إحداهما: مُسْتَوْفِي التعزير على الاصطلاح.
وهو الإِمام والأب والسَّيِّدُ والزَّوْجُ.
أما الإِمام فله بالوِلاَيَةِ العامة إِقَامَةُ العقوبات حَدّاً وَتَعْزيراً، والأب يُؤَدِّبُ الصغير تَعْلِيماً وزَجْراً عن سَيئِ الأَخْلاَقِ، وكذلك يؤدّب المَعْتُوهُ 2 بما يَضْبِطُهُ، ويُشْبِهُ أن تكون الأم ومَنِ الصَّبِي في كَفَالَتِهِ، كذلك، كما ذكرنا في تَعْلِيمِ أحكام الطهارة والصلاة، والأمر بها، والضَّرْب عليها أن الأمَّهَاتِ كالآبَاءِ.
والمُعَلِّمُ يؤدب الصَّبِيَّ بإذن الوَلِيِّ، ونِيَابَته، والزَّوْجُ يُعزِّرُ زَوْجَتَهُ في النُّشُوزِ، وما يتعلَّق بحقه قال [الله] تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] ولا يُعَزِّرُهَا فيما يَتَعَلَّقُ بحق الله -تعالى-.
والسيد يُعَزِّرُ في حَقِّ نَفْسِهِ مَمْلُوكَهُ، فإن مِلْكَهُ وسَلْطَنَتَهُ فوق سَلْطَنَةِ الزَّوْجِ على زَوْجِتِهِ، وهل يُعَزِّرُ في حق الله تعالى؟ فيه وجهان، سَبَقَ ذِكْرُهُمَا في باب الزنا، والأظهر أنه يُعَزِّرُ، وبه أجاب في الكتاب هاهنا، وفي ذلك الباب.
الثانية: إذا أَفْضَى التَّعْزيرُ إلى الهَلاَكِ، وجب الضَّمَان على عَاقِلَةِ المعَزِّرِ؛ لأن المُعَزِّرَ مَأْمُورٌ أن يُؤَدِّبَ على شرط السَّلاَمَةِ، فإن المقصود التَّأْدِيبُ، دون الهلاك، فإذا ضرب وعنده أنه مُقْتَصِدٌ فحصل الهَلاَكُ بَانَ أنه جاوز الحَدَّ المَشْرُوعَ، وكان قَتْلُهُ شَبْه عَمْدٍ، فيجب الضَّمَانُ على عَاقِلَتِهِ، وإن كان الإسْرَافُ ظاهراً، وضربه بما يُقْصَدُ به القَتْلُ غالباً، فالذي أتى به عَمْدٌ مَحْضٌ -هكذا وَجَّهَ الإمَامُ.
وحكى [عن] 3 المحققين بنَاءً على هذه القاعدة أن المُعَزِّرَ إذا عَلِمَ أن التَّأْدِيبَ لا يَحْصُلُ إلا بالضَّرْب المُبَرِّحِ، لم يكن له الضرب [لا المُبَرِّحُ] 4 ولا غَيْرُهُ، أما المُبَرِّحُ، فلأنه مُهْلِكٌ، وليس له الإهْلاَكُ.
وأما غيره، فلأنه غير مُفِيدٍ، وإلى هذا يَرْجِعُ قوله في الكتاب: "فلو كانت المَرْأَةُ لا تترك النُّشُوز... " إلى آخره.
والذي أَطْلَقَهُ الإِمام يَقْتِضِي أن يكون ذِكْرُ الزوج جَارِياً على سبيل المِثَالِ، وسائر المُعَزِّرين في معناه، ويشبه أن يُبْنَى الأَمْرُ في حَقِّ الإِمام على أن أَصْلَ التعزير هل هو واجب عليه؟
وسيأتي إن شاء الله -تعالى- إن أَوْجَبْنَاهُ الْتَحَقَ بالحَدِّ، وحينئذ فَيُشبِهُ أن يقال: يَضْرِبُهُ ضَرْباً [غير] 1 مُبَرِّحِ إِقَامَةً لصورة الوَاجِبِ، وإن لم يفد التَّأْدِيب.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب: فإن سَرَى ضَمِنَ عَاقِلَةُ المُعَزَّر بالحاء والميم والواو؛ لما سنذكر في أول كتاب مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ، فإن المسألة مُعَادَةٌ هناك.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا أَصْلُ الوُجُوبِ فَهُوَ إِلَى رَأْيِ الإِمَامِ وَقَدْ يَرَى الصَّوَابَ في العَفْوِ وَالاقْتِصَارِ عَلَى التَّوْبِيخِ بِالكلام فَلَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا فِي حَقِّ الآدَمِيِّ فَلَيْسَ لَه الإِهْمَال مَعَ الطَّلَبِ وَلَكِنْ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى التَّوْبِيخِ بِاللِّسَانِ دُونَ الضَّرْبِ؟ فيه وَجْهَانِ، وَلَوْ عَفَا المُسْتَحِقُّ لِلعُقُوبَةِ فَهَلْ للإمَامِ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى؟ فِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّق فِي الثَّالِثِ بَيْنَ العَفْوِ عَنِ الحَدِّ والتَّعْزِيرِ، لِأَنَّ أَصْلَ التَّعْزِيرِ مَنُوطٌ بِرَأْيِ الإِمَامِ فَيَجُوزُ أَنْ لاَ يَسْقُطَ بِعَفْوِ غَيْرِهِ بِخِلاَفِ الحَدِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجِنَايَةُ المُتَعَلِّقَةُ بحق الله -تعالى- خَاصَّة، يجتهد الإمَامُ في تَعْزِيرِهَا بما يَرَاهُ من الضَّرْب، والحبس، والاقتصار على التَّوْبِيخِ بالكلام، فإن رَأى الصَّلاَحَ في العَفْوِ المُطْلَقِ، فلهَ ذلك.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أن التَّعْزِيرَ وَاجِبٌ كالحد.
ومنهم من يُفَضِّلُ فيقول: إن غلب على ظَنِّ الإِمام أنه لا يُصْلِحُهُ إلا التَّعْزِيرُ، وجب التَّعْزِيرُ.
واحتج الأصحاب بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَراتِهِمْ إِلاَّ في الحُدُودِ" 2، وبأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَعْرَضَ عن جماعة اسْتَحَقُّوا
التعزير، كالذي [غَلَّ] 1 2 في الغَنِيمَةِ، والذي لَوَى شِدْقَهُ بيده حين حَكَمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- للزبير في شِرَاجِ الحَرَّةِ وأَسَاءَ الأَدَبَ.
وإن تَعَلَّقَتِ الجِنَايَة بِحَقِّ الآدَمِيِّ، فهل يجب التَّعْزِيرُ إذا طلب؟ فيه وجهان:
أحدهما -وهو قَضِيَّةُ إِيرَادِ صَاحِبِ "المهذب" أنه يجب كالقِصَاصِ 3.
والثاني: لا يجب كما [لا] يجب التَّعْزِيرُ في حَقِّ الله -تعالى- وهذا ما أَطْلَقَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ وغيره، وقَضِيَّةُ ما في "التهذيب" تَرْجِيحُهُ.
قال الإِمام: قَدْرُ التَّعْزِيرِ، وما به التعزير -يَتَعَلَّق بِرَأْي الإِمام، ولا يكاد يظهر منه جنَايَةٌ عند الإِمام إلاَّ وهو يُوَبّخُهُ ويلومه 4 عليه، ويُغْلِظُ عليه القَوْلَ فيؤول الخِلاَفُ إلى أنَّه هل يجوز الاقْتِصَارُ على المَلاَمِ والتوبيخ بالكلام، وهذا قوله في الكتاب "ولكن هل يَجُوز له الاقْتِصَارُ على التوبيخ باللِّسَان... " إلى آخره.
وقوله: "دون الضَّرْب" تأكيدٌ وإيضاحٌ، وفيما سواه ما يُغْني عنه.
ولو عَفَا مُسْتَحِقُّ العُقُوبَةِ عن القِصَاصِ، أو الَحد، أو التعزير فهل للإمام التَّعْزِيرُ؟ فيه وجوه:
أحدها: لا؛ لأن المُسْتَحِق قد أَسْقَطَهَا.
والثاني: نعم؛ لأنه لا يَخْلُو عن حَقِّ الله -تعالى- ولانه قد يَحْتَاجُ إلى زَجْرِ غَيْرِهِ، وإلى زَجْرِهِ عن مِثْلِ تلك الجناية.
وأشبههما: الفَرْقُ بين أن يكون العَفْوُ عن الحَدِّ، فلا يعزر، وبين أن يكون عن التعزير، فيعزر؛ لأن الحَدَّ لاَزِمٌ مُقَدَّرٌ، ولا يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الإِمَام، فلا سَبِيل إلى العُدُولِ إلى غيره بغير سُقُوطِهِ، والتعزير يَتعَلَّق أصله بِنَظَرِ الإِمام، فَجاز ألا يُؤَثِّرَ فيه إِسْقَاطُ غَيْرِهِ.
[والله -عَزَّ وَجَلَّ- أعلم].
(كِتَابُ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ)
قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي ضَمَانِ الوُلاَةِ وَالصَّائِلِ وإتْلاَفِ البَهَائِم
ِ (النَّظَرُ الأَوَّلُ في الُوَلاَةِ)
وَإِلى الأِمَامِ تَعْزِيرٌ وَحَدٌّ وَاسْتِصْلاَحٌ (أَمَّا التَّعْزِيرُ) إِذَا سَرَى فَيَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَى كُلِّ مُعَزِّرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ترجمة الكتاب وإن كانت مُطْلَقَةً، فليس المُرَادُ جَمِيعَ الأسباب، بل من مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ ما يذكر في غير هذا المَوْضِع، كالغَصْب والإتْلاَفِ، ولكن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذَكَرَ في هذا الموضع أَشْيَاءً تَتَعَلَّقُ بهذا الضَّمَانِ، فجمعها المُصَنِّفُ -رحمه الله-[في كتاب] 1 ترجَمَه بِمُوجِبَاتِ الضَّمَانِ، وهي ثلاثة:
أحدها: ضَمَانٌ يلزم الوُلاَة 2 بتَصَرُّفَاتِهِم المختصة بهم.
والثاني: ضَمَانُ الصائل.
والثالث: ضَمَانُ ما تُتْلِفُهُ البَهَائِمُ.
أما الأول ففيه نظران:
أحدهما: في موجب الضَّمَانِ.
والثاني: في مَحَلِّهِ.
أما الأول فما يُفْضِي إلى الهَلاَكِ من التَّصَرُّفَاتِ المتعلقة بالوُلاَةِ 3 أنواع منها: التعزير؛ فإن مات منه المُعَزَّرُ 4، وجب ضَمَانُهُ؛ لأنه تَبَيَّنَ بالهَلاَكِ أنه جاوز الحَدَّ 5
المشروع [كما سبق] 1 واحتجَّ له بأنهم حكموا في التي بَعَثَ إليها عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِرَيبَةٍ 2؛ فأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا [بوجوب] 3 دية الجَنِينِ.
وعن عَلِيٍّ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ- أنه قال 4: ليس أَحَدٌ أُقِيمُ عليه حَدّاً، فيموت، فأجد في نفسي منه شَيْئاً أن الحَقَّ قتله إلا حَدَّ الخمر، فإنه [شيء] 5 رأيناه بعد رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فمن مات منه فَدَيْتُهُ إما قال: في بيت المالِ، وإما قال: على عَاقِلَةِ الإِمام -شَكْ فيه الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَدَلَّ على أن ما أُقِيمَ بالرَّأْيِ والاجتهاد إذا أَفْضَى إلى تَلَفٍ، تَعَلَّقَ به الضَّمَان.
وَذُكِرَ وَجْهٌ: أنه لا ضَمَانَ إذا عُزِّرَ لِحَقِّ الآدمي بِنَاءً على أنه وَاجِبٌ إذا طلب المُسْتَحِقُّ، فصار كالحَدِّ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لاَ ضَمَانَ في التعزير، وربما بنى ذلك على أنه يَجِبُ التَّعْزِيرُ عنده.
وعن مَالِكٍ: أنه إذا عَزَّرَهُ تَعْزِيرَ مِثْلِهِ، لم يجب الضَّمَانُ.
وكما يجب الضمان فيما إذا أَفْضَى تَعْزِيرُ الإِمام إلى الهَلاَكِ، يجب في تعزير الزوج والمُعَلمِ، ولا فرق بين أن يَضْرِبَ المعلمُ الصَّبِيَّ بإذن أبيه أو دون إِذْنِهِ.
نعم لو كان مَمْلُوكاً، فضربه بإذن سَيِّدِهِ، قال في "التهذيب": لا ضَمَانَ؛ لأنه لو أمر بِقَتْلِهِ فقتله، لم يجب الضَّمَانُ.
وقوله في الكتاب: "على كل [مُعَزِّر] " 6 المراد: تَعَلّق الضَّمَان به، لا أنه يجب على المُعَزِّرِ نَفْسِهِ، وإنما تجب الدِّيَةُ على عَاقِلَةِ الزوج، والمُعَلِّمِ، وفي حق الإِمام يَجِبُ على العَاقِلَةِ، أو بَيْتِ المال، كما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى.
نعم مَن أَسْرَف وظهر منه قَصْدُ القَتْلِ تَعَلَّقَ به القِصَاصُ، والدِّيَةُ [المُغَلَّظَةُ في ماله].
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا الحُدُودُ المُقَدَّرَةُ) فَمَنْ مَاتَ بِهَا فَالحَقُّ قَبْلَهُ فَلاَ ضَمَانَ، وَمَنْ مَاتَ بِثَمَانِينَ جَلْدَةً فِي حَقِّ الشُّرْبِ فَمَضْمُونٌ نِصْفُهُ، وَإِنْ مَاتَ بِأَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ فَعَلَى قَوْل
يُضْمَنُ نِصْفُهُ، وَعَلَى قَوْلٍ جُزْءٌ مِنْ وَاحِدٍ وَأَرْبعِينَ، وَلَوْ مَاتَ مِنْ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً فَلاَ ضَمَانَ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ لِتَقْدِيرِ الصَّحَابَةِ بِهِ، وَلَوْ مَاتَ مِنَ الضَّرْبِ بِالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ قَرِيباً من أَرْبَعِينَ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ أَمَرَ الجَلاَّدَ فِي الشُّرْبِ بِثَمَانِينَ فَضَرَبَ أَحَداً وَثَمَانِينَ فَفِي قَوْلٍ يَجِبُ شَطْرُ الدِّيَةِ عَلَى الإِمَامِ وَالجَلاَّدِ بِالسَّوَاءِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ الثُّلُثَانِ عَلَيْهِمَا بِالسَّوَاءِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ عَلَى الجَلاَّدِ جُزْءٌ مِنْ وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ، وَعَلَى الإِمَامِ أَرْبَعُونَ مِنْ وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحدود في غير الشُّرْبِ مُقَدَّرَةْ مَنْصُوصٌ عليها، فمن مات منها فالحَقُّ قتله فلا ضَمَانَ، نعم إن أُقِيمَ الحَدُّ في حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو برد مُفْرِطٍ، ففيه خلاف تَقَدَّمَ، والظاهر أنه لا ضَمَانَ [أيضاً] 1 وأما حَدُّ الشرب، فإن ضُرِبَ بالنِّعَالِ، وأطراف الثِّيَاب، فمات منها، ففي وُجُوبِ الضَّمَانِ وجهان، بناءً على أنه هل يَجُوزُ أن يحّدها كذا؟
من قلنا: يجوز -وهو الأصح- فلا ضَمَانَ كما في سائر الحُدُودِ.
وإن قلنا: لا يجوز، وَجَبَ الضَّمَانُ؛ لأنه عَدَلَ عَن الجِنْسِ الواجب في الحد إلى غيره.
ولو ضرب أربعين جَلْدَةً فمات، ففي وجوب الضَّمَانِ قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن التَّقْويمَ بأربعين جَلْدَةً كان بالاجتهاد، وَيدُلُّ عليه حديث عَلِيٍّ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ- أنه شيء أَحْدَثْنَاهُ بعد رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
وأصحهما: أنه لا يَجبُ، كما في سَائِرِ الحُدُودِ، وذلك لأن الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- أَجْمَعَتْ على أن الشَّارِبَ مَضْرُوبٌ أربعين جَلْدَةً، وَعَدَّلَتْ ما كان بهذا القَدْرِ.
وروي أيضاً أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 2 جَلَدَ الشَّارِبَ أربعين، فإن قلنا بالأول، فالأظهر على ما ذَكَرَهُ الإمامُ وغيره: أنه يَجِبُ كل الضمان، وفيه وَجْهَانِ آخران:
أحدهما: أنه يُوَزَّعُ على التفاوت بين أَلَمِ السِّيَاطِ، والضرب بالنِّعَالِ، وأطراف الثياب، وهذا شيء لا يَتَأتَّى ضَبْطُهُ.
والثاني: عن حكايته [ابن] 3 المَرْزبَانِ وغيره وجه: أنه يجب نِصْفُهُ؛ لأن الهَلاَكَ حَصَلَ من إِيلاَمٍ مُسْتَحَقٍّ، وإِيلاَمٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ.
فإن ضرب أكثر من أربعين، كإحدى وأربعين، فمات، بُنِيَ ذلك على أنه هل يجب الضَّمَان لو مات من أربعين؟
إن قلنا: نعم، فكذلك هاهنا، وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن أبا حَفْصِ بن الوَكِيلِ، وعبد الله بن محمد القزويني [أَثْبَتَا] 1 للشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قولين في وجوب جميع الضَّمَانِ في هذه الصورة.
فإن قلنا: يجب ضَمَانُ ما زاد على أربعين؛ لأنه مَبْنِيٌّ على الرأي والاجتهاد، كالتعزير ففي قَدْرِهِ قولان:
أحدهما: النصف؛ لأنه تَلِفَ من مَضمُونٍ، وغير مضمون، فصار كما إذا جَرَحَ نفسه جِرَاحَةً، وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ جِرَاحَاتٍ فمات منهما يجب نِصْفُ الدِّيَةِ.
والثاني: أن الضمان [يُقَسَّطُ] 2 على عَدَدِ السِّيَاطِ، وكلام الأئمة إلى تَرْجِيحِ هذا القول أَمْيَلُ، وفرقوا بين السِّيَاطِ والجِرَاحَاتِ؛ بأن السِّيَاطَ تقع على ظاهر البَدَنِ، فتكون متقاربة، والجِرَاحَاتُ تُؤَثِّرُ في الباطن، وَمَكَانَتُهَا مختلفة لا تكاد تُضْبَطُ، وعلى هذا، فَتُوَزَّعُ الدِّيَةُ على أحد وأربعين جُزْءاً، فيسقط منها أربعون، ويجب جُزْءٌ واحد، وإن ضرب اثنين وأربعين، فمات، فيوزع على اثنين وأربعين، وعلى هذا القِيَاسُ، حتى إذا ضُرِبَ ثمانين، ومات منها التقى القولان، وكان الوَاجِبُ نِصْفَ الدية.
ومن جُلِدَ في القَذْفِ إحدى وثمانين جَلْدَةً، فمات منها، فالضَّمَانُ الواجب نِصْفُ الدية، أو جزء من إحدى وثمانين جزء منها؛ توزيعاً على السِّيَاطِ؟ فيه القولان:
ثم إن كانت الزيادة من الجَلاَّدِ، ولم يَأْمُر الإِمام بذلك، فالضَّمَانُ على اختلاف القَوْلينِ على الجَلاَّدِ.
وإن أَمَرَ الإِمام بذلك، فالضَّمَانُ يتعلق بالإمام وكذا لو قال الإِمام: اضْرِبْ وأنا أَعُدُّ فَغَلِطَ في العَدَدِ حتى زاد على الثمانين، ولو أن الإمَامَ أمر بثمانين في الشُّرْب، فزاد الجَلاَّدُ جَلْدَةً واحدة، ومات المَحْدُودُ، فيبنى على أنَ الضَّمَانَ يُوَزَّعُ على نَوْعَيِ الجَلْدِ المضمون وغير المضمون، أو على عَدَدِ السياط؟ فإن قلنا بالأول فوجهان:
أحدهما: أنه يسقط شَطْرُ الدِّيَةِ، ويجب الشَّطْرُ على الجَلاَّدِ والإمام بالسَّوِيَّةِ؛ لأنه مات من مَضْمُونِ وغير مضمون، فَسَقَطَ حِصَّةُ غير المضمون، والمضمون وُجِدَ من شخصين، فَتُوَزَّعُ حِصَّتُهُ عليهما.
والثاني: أنه يسقط ثُلُثُ الدِّيَةِ، ويجب ثُلُثَاهَا عليهما بالسَّوِيَّةِ؛ لأنه مات من ثلاثة أنواع: من ضرب وَاجِبٍ، وجائز، ومحرم 3، فتسقطُ حِصَّةُ الواجب، وتجب حِصَّةُ الآخرين 4.
وإن قلنا: تُوَزَّعُ الدِّيَةُ على عَدَدِ السِّيَاطِ، فيسقط أربعون جزءاً من إحدى وثمانين جُزْءاً من الدية، ويجب جزء منها على الجلاد، وأربعون على الإِمام.
فهذه ثلاثة أوجه.
وفي "النهاية" حِكَايَةُ وجه رَابعٍ، وهو أنه يَسْقُطُ نِصفُ الدية، ويُوَّزعُ نِصْفُهَا على أحد وأربعين جُزْءاً؛ منها واحد على الجلاد، وأربعون على الإِمام.
قال الإِمام: وهذا جَمْعٌ بين التَّنْصِيفِ، واعتبار عَدَدِ الجَلَدَاتِ، وفيه اختلاط.
وأما لفظ الكتاب فقد قَدَّمْنَا بعض صُوَرِهِ، وأَخَّرْنَا بَعْضاً؛ لحاجة الشرح إليه.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "فَمَضْمُون نصفه" بالواو؛ لما علمت أن القول بِوُجُوبِ النصف مَبْنِيٌّ على أنه لو اقْتَصَرَ على أربعين جَلْدَةً فمات، لم يضمن.
أما إذا قلنا: إنه يضمن، وقلنا: الواجب كُلُّ الضَّمَانِ، ففي [الثمانين] 1 أَوْلَى أن يَكون كذلك.
ويجوز أن يُعْلَمَ بالحاء والميم؛ لما سَبَقَ أن الحَدَّ عندهما ثَمَانُونَ، وحينئذ فالهَلاَكُ المُتَوَلِّدُ منه لا يكون مَضْمُوناً أَصْلاً.
وقوله: "فمَضْمُونٌ نصْفُهُ" معناه: أنه مضمون بِنِصْفِ الضمان؛ لأنه نصفه مضمون، ونصفه مُهْدَرٌ.
ويجوز أن يُعَادَ إعلامه بالحاء والميم على قوله: "يضمن نِصْفه" وقوله: "جزء من واحِدٍ وأربعين جُزْءاً" فيما إذا مات بإحدى وأربعين جَلْدَةً؛ لَما بَيَّنَّا.
وأن يعلم قوله: "على أظهر القولين" بالواو، ولأن القاضي ابن كَجٍّ حكى طريقةً قاطعةً؛ بأنه لا ضَمَانَ في الموت من الأربعين.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا اَلاسْتِصْلاحُ) فَهُوَ بِقَطْعِ سِلْعَةٍ أَوْ خِتَانٍ، وَيَجُوزُ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ نَفْسِهِ سِلْعَةً إِنْ لَمْ يَكُن فِيها خَطَرٌ لإِزَالَةِ شَيْنٍ، وإنْ كَانَ خَطَرٌ لَمْ يَجُزْ لِلشَّيْنِ، وَيَجُوزُ لِخَوْفِ الهَلاَكِ إِنْ كَانَ القَطْعُ أَرْجَى لِلسَّلاَمَةِ بِالظَّنِّ الغَالِبِ، فَإِنْ تَسَاوَى خَطَرُ التَّرْكِ وَالقَطْعِ فَوَجْهَانِ، وَمَنْ به أَلَم لاَ يُطِيقُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَه إِلاَّ أَنْ يَقَعَ فِي نَارٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَنْجُو مِنْهُ إِلاَّ بِإغْرَاقِ نَفْسِهِ وَالغَرَقُ مُهْلِكٌ، فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، وَللْأَبِ أَنْ يَقْطَعَ مِنَ الصَّغِيرِ مَا لِلعَاقِلِ أَنْ يَفْعَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ ذَلِكَ، كمَا لَيْسَ لَهُ الإِجْبَارُ فِي النِّكَاحِ، نَعَمْ لِلسُّلْطَانِ فَصْدُ الصَّغِيرِ وَحِجَامَتُهُ وَمَا لاَ خَطَرَ فِيهِ، فَاِنْ سَرَى مَا لَمْ يَجْزُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ في خَاصِّ مَالِهِ لاَ عَلَى العَاقِلَةِ، وَفِي القَوَدِ قَوْلاَن، وَحَيْثُ يَجُوزُ القَطْعُ فَلاَ
يَضْمَنُ الوَلِيُّ بِسَرايَتِهِ كَالفَصْدِ وَالحِجَامَة والخِتَانِ وَقَطْعِ السِّلعَةِ بِخِلاَفِ التَّعْزِيرِ، وَالخِتَانُ وَاجِبٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ قَطْعُ القُلْفَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَمِنَ المَرْأَةِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ البُلُوغِ، وَالأوْلَى تَقْدِيمُهُ لِلسُّهُولَةِ، وَالبَالِغُ إِذَا امْتَنَعَ فَلِلْسُّلطَانِ قَهْرُهُ بِالخِتَانِ هَذَا كُلُّهُ فِي المُوجِبِ (أَمَّا مَحَلُّ) الضَّمَانِ فَالإِمَامُ فِيهِ كَالأَجَانِبِ فِيمَا يَتَعَدَّى بِهِ، أَمَّا مَا يَخْطِئُ بِهِ في الحُكْم فَيَجِبُ عَلى عَاقِلَتِهِ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى بَيْتِ مَالِهِ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي الكَفَّارَةِ قَوْلانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ عَلَى بَيْتِ المَالِ، وَيَجْرِي القَوْلاَنِ فِيمَا لَوْ ضَرَبَ ثَمَانِينَ في الشُّرْبِ بِالاجْتِهَادِ، وَلاَ يَجْرِي إِذَا أَقَامَ الحَدَّ عَلَى حَامِلٍ فَأُجْهِضَتْ، بَلِ الغُرَّةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ، وَلَوْ أَخْطَأَ بِالقَضَاءِ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ مُقَصِّراً في البَحْثِ فَالضَّمَان لاَ يَكُونُ في بَيْتِ المَالِ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ جَرَى القَوْلاَنِ، وَيُجْعَلُ الشَّاهِدُ كَالغَارِّ عَلَى وَجْهٍ حَتَّى يُخَرَّجَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ عَلَى قَوْلَي الغُرُورِ، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ العَبْدَيْنِ أَوْ بِذِمَّتِهِمَا فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي الرُّجُوعِ عَلَى المُرَاهِقَيْنِ وَجْهَانِ، وَفِي الرُّجُوعِ عَلَى الفَاسِقِينَ إنْ رَأَيْنَا نَقْضَ الحُكْمِ بِظُهُورِ الفِسْقِ بَعْدَ القَضَاءِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يُرْجَعُ فِي الثَّالِثِ عَلَى المُجَاهِرِ دُونَ المُكَاتِمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومما يدخل في تصرف الولاة والأئمة الاسْتِصْلاَحُ بِقَطْعِ سِلْعَةٍ تظهر، وبِالخِتَانِ، وفيه مسألتان:
إحداها: في حكم قطع السِّلْعَةِ من العَاقِلِ المستقل بأمر نَفْسِهِ.
فالسِلْعَةُ غُدَّةٌ تخرج بين اللَّحْم والجِلْدِ تكون بِقَدْرِ الحِمِّصَةِ إلى الجَوْزَةِ فما فوقها، وقد يخاف منها وقد لا يخاف، لكنَها تَشِينُ، واللفظ بكسر الشين، كذلك ذَكَرَهُ صاحب "الصِّحَاح" وغيره من أهل اللُّغَةِ، وعليه جرى المتثبتون من الفقهاء وكذلك المتاع سلعة.
وأما السَّلْعَةُ بالفتح فهي الشَّجَّةُ.
فإن لم يكن في قطعها خَطَرٌ، وأراد العَاقِلُ المستقل 1 قَطْعَهَا لإزَالَةِ الشَّيْنِ، فلا حَرَجَ عليه وله أن يَقْطَعَهَا بنفسه، ولغيره قَطْعُها بإذنه، وإن كان في قطعها خَطَرٌ [نظر إن لم يكن في إبقائها خَطَرٌ] لم يَجُزْ له القَطْعُ [لإزالة الشَّيْنِ،] 2 وإن كان في إِبْقَائِهَا خَوْفٌ أيضاً فإن كان الخَطَرُ في القَطْعِ أَكْثَرَ لم يكن له القَطْعُ، وإن كان الخَطَرُ في الإِبْقَاءِ أَكْثَر،
فله القَطْعُ؛ لزيادة رَجَاءِ السَّلاَمَةِ فيِه.
وفيه وجه لأنه استفتاح [أمر] 1 خطر؛ بخلاف التَّرْكِ والإبقاء، وإن تَعَادَلَ الاحتمالان، وتساوى خَطَرُ القَطْعِ والتَّرْكِ، فوجهان.
أحدهما -وبه قال الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: أنه لا يجوز القَطْع؛ إذ لا فَائِدَةَ فيه، والاحتمالان مُتَسَاوِيَان.
وأشبههما: الجَوَازُ -لأنه لَيْسَ فيه مَزِيدُ خَوْفٍ وَخَطَرٍ، ولا معنى للمنع مما لا خَطَرَ فيه، ومن عَظُمَتْ عليه الآلاَمُ، ولم يُطِقْهَا، وأراد أن يُرِيحَ 2 نَفْسَهُ بِمُهْلِكٍ مُذَفَّفٍ، لم يَجُزْ له ذلك، لكن لو وقع في نَارٍ، وعلم أنه لا يَنْجُو منها، وأَمْكَنَهُ أن يُلْقِيَ نَفْسَهُ في بَحْرٍ، ورأى ذلك أَهْوَنَ من الصَّبْرِ على لَفَحَاتِ النار، فهل له ذلك؟
حُكِيَ فيه اخْتِلاَفُ رَأْيٍ لأبي يوسف ومحمد، ثم وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه افْتِتَاحُ سَبَبٍ مُهْلِكٍ.
وأصحهما على ما ذكر صاحب الكتاب، ويُنْسَبُ إلى الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: الجواز؛ لأنه أَهْوَنُ، وتَآكُلُ بعض الأعضاء كالسِّلْعَةِ التي يُخَافُ منها.
ولو قطع السِّلْعَةَ أو اليَدَ المُتَآكَلَةِ من العَاقِلِ المستقل قَاطِعٌ بغير إذنه، فمات فعليه القِصَاصُ، يستوي فيه الإِمَامُ وغيره؛ لأنه مُتَعَدٍّ، والناس في هذه المَصَالِحِ [موكّلون] 3 إلى آرائهم.
الثانية: المولى عليه لِصِغَرٍ، أو جُنُونٍ، يجوز لِوَلِيِّهِ الخَاصِّ، وهو الأب و 4 الجد أن يَقْطَعَ منه السِّلْعَةَ أو اليَدَ المُتَآكِلَةَ، وإن كان فيه خَوْفٌ وَخَطَرٌ، إذا كان الخوف في الترك أَكْثَرَ، وليس للسُّلْطَانِ ذلك؛ لأن القَطْعَ المخطر يحتاج إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ، وفَرَاغ تام، وشَفَقَةٍ كَامِلَةٍ، وهذا كما أن الأب والجد لهما اسْتِصْلاَحُ [البِكْرِ الصَّغِيرَةِ] 5 بالتزويج، وليس للسلطان أن يُزَوِّجَهَا.
قال الإِمام: وقد ذكرنا عند اسْتِوَاءِ الطرفين [في الخوف] 6 خِلاَفاً في أن العَاقِلَ هل له أن يَقْطَعَ من نَفْسِهِ، والأظهر -والحالة هذه- أنه لا يقطع من طفله والعلم عند الله.
وعلى هذا فقوله: "وللأب أن يَقْطَعَ من الصغير ما للعاقل أن يفعل بنفسه" غير مُجْرَى على إِطْلاَقِهِ.
وما لا خَطَرَ فيه، ولا خَوْفَ غالباً كالفَصْدِ والحِجَامَةِ، وقَطْعِ السِّلْعَةِ، إذا لم يكن فيه خَطَرٌ، فيجوز الإِتْيَانُ به للولي الخاص والسلطان جميعاً؛ لأنهما
يَلِيَانِ مَالَهُ، ويَصُونَانِهِ عن أن يضيع، فصيانة بَدَنِهِ 1 وأَبْدَانِ الحَيَوَانِ 2 في مَعْرِضِ العِلَلِ والتَّغَايرِ بالمُعَالَجَةِ أَوْلَى.
قال الإِمام: ومن أَطْلَقَ من الأصحاب أن السُّلْطَانَ لا يَقْطَعُ سِلْعَةَ الصَّبِيِّ والمجنون، أراد القَطْعَ الذي فيه خَطَرٌ.
هذا ما سَاقَةُ الإمامُ وصاحب الكتاب، وهو الأَقْرَبُ والأَحْسَنُ.
"وفي التهذيب" وجه: أن القَطْعَ المخطر لا يجوز لِلْوَليِّ الخامس أيضاً.
وفي "جمع الجوامع" لِلرُّوَيانِيِّ -رحمه الله- أنه لا يَجُوزُ للسلطان الفَصْدُ والحِجَامَةُ، وَيخْتَصُّ نَظَرُهُ وَتَصَرُّفُهُ بالمال، فيجوز أن يُعْلَمَ لذلك قوله: "وللأب أن يقطع... " بالواو، وكذا قوله: "نعم لِلسُّلْطَانِ".
وليس للأجنبي المُعَالَجَة، ولا القَطْعُ المخطر بحال، ولو فعل، فَسَرَى [ومات به] تعلَّق بفعله القِصَاصُ والضَّمَانُ.
وأما السُّلْطَانُ إذا فعل بالصَّبِيِّ ما منعناه [منه،] 3 وسَرَى إلى نفسه، فعليه الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً في مالهِ لِتَعَدِّيهِ.
وفي طريق يخرج على الخلاف الذي سَيَأْتِي في أن ضَمَانَ ما يخطئ به من أحكامه، وتصرفاته يكون على العَاقِلَةِ، أو في بَيْتِ المَالِ؛ لأنه قصد الإِصْلاَحَ، وهل يجب عليه القِصَاصُ؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه جرح مُتَعَدِّياً جِرَاحَةً مُهْلِكَةً.
والثاني: لا، ووجه بأنه قصد الإصلاح لا الإهلاك، وبأن قطع السلعة مما تقتضيه ولاية الأبوة وإن لم تقتضيه هذه الولاية فتنتهض شبهة، هذا ما يحكى عن اختيار أبي إسحاق وجماعة من الأئمة واستبعدوا وجوب القصاص عليه، وعن صاحب الإفصاح أن القولين فيما إذا كان للمقطوع أب أو جد فإن لم يكونا فلا قود بلا خلاف؛ لأنه لا يجد من يقوم بشأنه فلا بد أن يراعيه السلطان وهذا راجع إلى أن للسلطان قطع السلعة والله أعلم.
ولو قطع الأب أو الجد السلعة حيث لا يجوز قطعها فلا قصاص عليه للبعضية وتجب الدية في ماله، وفي التهذيب وجه أنه لا ضمان على الأب أصلاً لأن ولايته أتم فإنه يعالج الصبي بالفصد والحجامة وإنما قطع السلعة لشفقته عليه.
وقوله في الكتاب: "فإن سرى ما لم يجز فعله فعليه الدية في خاص ماله" مطلق يشمل قطع السلطان وقطع الأب والجد ولو أُخذ بإطلاقه لجاز إعلامه بالواو لهذا الوجه المذكور في التهذيب لكنه أراد السلطان خاصة على ما دل عليه نظم لفظ الوسيط ولا
يه، نعم، يجوز أن يعلم قوله "في خاص ماله" بالواو للطريق الآخر أنها في بيت المال على قول، وما يجوز فعله للأب والجد والسلطان من فصد الصبي وحجامته ومن قطع السلعة للأب إذا أفضى إلى تلف هل يجب فيه الضمان فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالتعزير إذا أفضى إلى التلف.
وأظهرهما وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجب؛ لأن التعرض للضمان يمنعه من المعالجة بالفصد والحجامة فيتضرر الصبي، وليس ما نحن فيه كالتعزير؛ فإن التعزير المشروع هو التأديب الذي لا يهلك فإذا أفضى إلى الهلاك علم أنه عدل عن المُجوَّز وههنا جوزنا الجرح مع كونه مخطراً في نفسه فيمتنع تعلق الضمان به، ونسب الإِمام الوجه الأول إلى القاضي الحسين والثاني إلى عامة الأصحاب، ويجري هذا الخلاف في الختان إذا أفضى إلى التلف وسنعيده على الأثر إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: ظاهر المذهب أن الختان واجب في حق الرجال والنساء، وبه قال أحمد، واحتج له بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أمر رجلاً أسلم بالاختتان" 1 وبأنه قطع عضو يخلف فلا يكون إلا واجباً كقطع اليد والرجل، وأيضاً فإنه جرح يخاف منه فلو لم يجب لم يجز وفيه وجهان آخران:
أحدهما وبه قال أبو حنيفة ومالك أنه سنة مؤكدة لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال "الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء" 2.
والثاني: أنه واجب في [حق] الرجال دون النساء، وحكى القاضي ابن كج في المسألة قولين ولم يذكر التفصيل.
وصفة ختان الرجل أن يقطع الجلدة التي تواري الحشفة ويقال لها: القلفة، حتى يكشف جميع الحشفة، قال الإِمام: ولو بقي مقدار لا ينبسط على وجه الحشفة وجب قطعه حتى لا يبقى جلد متجاف هذا هو المشهور، وقال القاضي ابن كج: عندي يكفي قطع شيء من القلفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها.
وأما من المرأة فيقع القطع على لحمة في أعلى الفرج فوق ثقبة البول، وتشبه تلك اللحمة عرف الديك فإذا قطعت بقي أصلها كالنواة، ويكفي أن يقطع ما يقع عليه الاسم.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لأم طيبة وكانت تخفض "أشمي ولا تنهكي" 3 أي اتركي الموضع أشم وهو المرتفع ولا تبالغي في القطع.
إذا عرفت ذلك ففيه مسألتان:
إحداهما: قال الأصحاب الختان إنما يجب بعد البلوغ لأن الصبي ليس أهلاً لوجوب العبادات المتعلقة بالأبدان فالجراحة المؤلمة أولى ويخالف العدة فإنها تتعلق بمجرد مضي الزمان.
ويستحب أن يُعَجَّلَ فَيُخْتَنُ الطفل في اليوم السَّابع من وِلاَدَتِهِ، إن لم يكن ضَعِيفاً لا يحتمله.
رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- "خَتَنَ الحَسَنَ والحُسَيْن -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- في اليوم السَّابعِ" 1 فإن كان ضَعِيفاً أُخِّرَ إلى أن يحتمله، [حتى] 2 قال الإِمام: لو كان الرَّجُلُ على خِلْقَةٍ من الضَّعْفِ، بحيث لو خُتِنَ، خِيفَ عليه لا يجوز أن يختن، بل ينتظر التمكُّن بأن يَصِيرَ، بحيث يغلب على الظَّنَّ سَلاَمَتُهُ لو ختن.
وعن "تعليقة" القاضي حُسَيْنِ، وهو قَضِيَّةُ ما في "التهذيب": أنه لا يجوز أن يُخْتَنَ الصَّبِيُّ حتى يصير ابْنَ 3 عَشْرٍ؛ لأنه حينئذ أُمِرَ بالضرب على ترك الصَّلاةِ، وأَلَمُ الخِتَانِ فوق أَلَمِ الضَّرْبِ.
وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصَّلاَةِ.
وإذا بلغ الصَّبِيُّ غير مَخْتُونٍ، أمره الإمَامُ بالخِتَانِ، فإن امتنع 4 أَجْبَرَهُ عليه.
الثانية: إذا ختن (1) الإِمام المُمْتَنِعَ فمات، فلا ضَمَانَ؛ لأنه مات من وَاجِبٍ، نعم لو أَوْقَعَ خِتَانَهُ في حَرٍّ شَدِيدٍ، أو في بَرْدٍ شديد، ففي الضَّمَانِ خِلاَفٌ قد تَقَدَّمَ في باب الزنا، والظاهر وُجُوبُهُ.
وأجرى الإِمام هذا الخِلاَفَ فيما إذا وقع خِتَانُ الأب في الحَرِّ الشديد والبرد الشديد، وجعل الأب أَوْلَى بنفي الضَّمَانِ؛ لأن الأب هو الذي يَتَوَلَّى الخِتَانَ (2) في الغالب، فهوَ في حَقِّهِ كالحد في حَقِّ الإِمام.
ومن خَتَنَ صَبِيّاً في سِن لا يَحْتَمِلُهُ، فمات، فعليه القِصَاصُ، سواء فيه الوَليُّ وغيره.
نعم لا قِصَاصَ على الأب والجد للْبَعْضِيَّةِ (3)، ويجب عليهما الدِّيَة، وإن كان في سِنٍّ يحتمله، نظر إن خَتَنَهُ [أبوه] (4) أو جَدُّهُ فمات، ففي [وجوب] (5) الضمان وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن الخِتَانَ غير وَاجِبِ في الحال، فَأَشْبَهَ قَطْعَ السِّلْعَةِ.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لاَ بُدَّ منه، وفي التقديم نظر وفَائِدَةٌ للصبي؛ لأن القَطْعَ والبَدَنُ [غَضٌّ رخص] (6) والمقطوع قَدْرٌ [يَسِيرٌ سَهل] (7) أسهل عليه، وأجرى [الإِمام الوجهين] فيما إذا ختن الإمَامُ الصَّبِيَّ الذي لا وَلِيَّ له، وجعل الظاهر نَفْي الضَّمَانِ إِلْحَاقاً للختان والحالة هذه بالمُعَاَلَجَاتِ.
وإن خَتَنَة أَجْنَبِيٌّ.
قال في "التهذيب": يحتمل أن يُبْنَى ذلك على أن الإِمَامَ إذا خَتَنَ في الحر والبرد، فمات المَخْتُونُ -هل يَضْمَنُ؟ إن قلنا: نعم، فكذلك هاهنا، وإلا فلا ضَمَانَ.
وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرَخْسِيِّ: أنه يُبْنَى ذلك على أن الجُرْحَ اليَسِيرَ هَل يَتَعَلَّقُ به القِصَاصُ؟ وفيه وجهان:
إن قلنا: نعم، فهو عَمْدٌ، إلاَّ شبه عَمْدٍ.
والله أعلم بالصواب.
فرع
إذا أوجبنا الضَّمَانَ بالخِتَانِ في الحَرِّ المُفْرِطِ، أو البَرْدِ المُفْرِطِ، فالواجب جَمِيعُ الضَّمَانِ للتَّعَدِّي أو نصفه؛ لأن أَصْلَ الخِتَانِ واجبٌ، والهَلاَكُ حصل من مُسْتحقٍّ، وغير مستحقٍّ فيه وجهان:1234567
أظهرهما 1: الثاني، وقد سبق مِثْلُهُمَا في إقامة الجلْدِ في الحر، أو البرد المُفْرِطَيْنِ.
"آخر" مُؤْنَةُ الخِتَانِ في مال المَخْتُونِ، وفيه وجه: أنه الوَالِدَ إذا خَتَنَ وَلَدَهُ في الصِّغَرِ كانت المُؤْنَةُ عليه.
هذا تَمَامُ الكلام فيما يوجب الضَّمَانَ من تَصَرُّفَاتِ الإِمام.
قال: هذا كُلُّهُ في الموجب أما ما يتعدَّى الإِمَامُ به من التَّصَرُّفَاتِ، ويقصر فيه، وما يخطئ فيه خطأ لا يَتَعَلَّقُ بالحُكْمِ بأن يَرْمِيَ إلى صيد 2، فَيُصِيبُ [إِنْسَاناً] 3، فَسَبِيلُ ضَمَانِهِ فيه سَبِيلُ سَائِرِ الناس، حتى يجب في مَالِهِ، أو يكون على عَاقِلَتِهِ.
وأما الضَّمَانُ الواجب بِخَطَئِهِ في الأحكام، وإِقَامَةِ الحدود، فهو في بَيْتِ المَالِ، أو على عَاقِلَتِهِ؟ فيه قولان:
أصحهما على ما ذَكَرَ الشيخ أبو حَامِدٍ، والقاضي الروياني [وغيرهما: أنه] 4: على عَاقِلَتِهِ أيضاً لِقِصَّةِ المَرْأَةِ التي بَعَثَ إليها عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأَجْهَضَتْ ما في بَطْنِهَا 5 وقد ذكرناها في الدِّيَاتِ.
ولأنه ضَمَانٌ لما وجب 6 بالخطأ، فيكون على العَاقِلَةِ كَخَطَأِ غيره، وكخطئه في غير الأحكام 7.
والثاني: أنه في بَيْتِ المال؛ لأنه نَاظِرٌ للمسلمين، ويتصرّف لهم، فيكون خطؤه في مَالِهِمْ، وأيضاً فإن الوَقَائِعَ والخَطَأَ فيها مما يكثر، وفي إِيجَابِ ضَمَانِهَا على العَاقِلَةِ إِجْحَافٌ بهم.
فإن قلنا: إن الضَّمَانَ يكون على عَاقِلَتِهِ، فالكَفَّارَةُ تكون في مَالِهِ، كما في خَطَأِ سائر الناس.
وإن قلنا: إن الضَّمَانَ في بيت المَالِ، ففي الكَفَّارَةِ وجهان:
أحدهما: أن الحُكْمَ كذلك لِشُمُولِ الاسْمِ.
والثاني: المنع؛ لأن الكَفَّارَة عِبَادَةٌ يبعد فيها التحَمُّلُ 8، وإلى هذا يرجع قوله في الكتاب "وفي الكَفَّارَةِ قولان مُرَتَّبَانِ، وأَوْلَى بألاَّ يجب على بَيْتِ المال" إذا عرفت ذلك، ففيه صور:
إحداها: إذا ضَرَبَ الإمَامُ ثمانين في حَدِّ الشُّرْبِ بالاجتهاد، ومات المَجْلُودُ منه، ففي مَحلِّ ما يجب من الضَّمَانِ القولان.
الثانية: لو جَلَدَ الحَامِلَ حَدّاً، فَأَجْهَضَتْ جَنِيناً مَيِّتاً، لزمت الغُرَّةُ 1 وفي مَحَلِّهَا القولان، إن لم يعلم أنها حَامِلٌ، وإن علم، فطريقان:
أحدهما: أنه على القَوْلَيْنِ أيضاً؛ لأن 2 إِتْلاَفَ الجنين [لا] 3 يكون عَمْداً مَحْضاً، فيجري مجْرَى غيره من وُجُوهِ الخَطَأِ.
وهذا ما رَجَّحَهُ ابن الصَّبَّاغِ.
وأظهرهما -وهو المذكور في الكتاب: أنه على عَاقِلَتِهِ، ولا يجيء فيه القولان؛ لأن ذلك الخِلاَفَ فيما يخطئ به الإمَامُ في الحكم، وهو هاهنا عَادِلٌ عن الصَّوَاب عَمْداً، ولو انْفَصَل حَيّاً 4، ومات وَجَبَتِ الدِّيَةُ بِتَمَامِهَا، ومحلُّها على ما ذكرنا.
وإن ماتت الحَامِلُ، فقد أطلق في "المختصر" أنه لا يَضْمَنُهَا، وعلل بأنها هَلَكَتْ من حق أقيم عليها.
وفَصَّلَ الشيخ أبو حَامدٍ وغيره، فقال: إن ماتت من الجَلْدِ وَحْدَهُ بأن ماتت قبل الإِجْهَاضِ، فلا ضَمَانَ، وهذا موضع النَّصِّ.
وفي "الشامل" أنه فيه -والحَالَةُ هذه- الخِلاَفَ المَذْكُورَ فيما إذا أقام الحد في حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو برد مفرط، فمات المَحْدُودُ، وإن ماتت من الإِجْهَاضِ وحده 5 بأن أَجْهَضَتْ، ثم ماتت، وأُحِيلَ المَوْتُ على الإجْهَاضِ، وجب تَمَامُ دِيَتِهَا، كما وجب ضَمَانُ الجنين.
وإن قيل: ماتت بالحَدِّ والإجْهَاضِ جميعاً، وجب نِصفُ الدية؛ لأنها ماتت 6 من مَضْمُونٍ وغير مضمون، وهذا ماَ حكاه في "التهذيب" في فصل القصاص من الحامل.
الثالثة: سيأتي في "كتاب الشَّهَادَاتِ" أن القاضي إذا حَكَمَ بقول اثنين، ثم بَانَ له أنهما ذِمِّيَّانِ أو عَبْدَانِ، ينقض الحُكْمُ، وأنهما لو بَانَا فَاسِقَيْنِ، فكذلك الحكم في أَصَحِّ الوجهين، فلو أنه أقام الحَدَّ بشهادة شَاهِدَيْنِ، ثم بَانَا ذِمِّيَّيْنِ، أو عبدين، أو امرأتين، أو مُرَاهِقَيْنِ، أو فاسقين، ومات المحدود، فقد بَانَ بُطْلاَنُ الحكم، فينظر إن قصر في البَحْثِ عن حالهما، فالضَّمَانُ عليه لا تَعَلُّقَ له بِبَيْتِ المال، ولا يَتَعَلَّقُ بالعاقلة أيضاً إن تَعَمَّدَ.
قال الإمَامُ: وإنما يَتَرَدَّدُ نَظَرُ الفقيه في وجوب القِصَاصِ 7، والأظهر الوجوب، فإن الهُجُومَ 8 على القتل 9 مَمْنُوعٌ منه بالإجماع، ويحتمل أن يقال: لا يجب
[الإسْنَادِ] (1) القتل (2) إلى صورة قِيَامِ البَيِّنَةِ، وقرب الصورة مما إذا قتل مُسْلِماً في دار الإِسْلاَمِ على زِيِّ المشركين، هل يجب عليه القِصَاصُ؟
وإن لم يقصر وبَذَلَ المَجهُودَ في البحث، جَرَى القولان في أن الضَّمَانَ على عَاقِلَتِهِ، أو في بَيْتِ المال، ثم إذا ضَمِنَتِ العَاقِلَةُ، أو ضمن بَيْتُ المال فهل يثبت الرُّجُوعُ على الذميين أو العبدين؟ فيه وجهان.
وفي "أمالي" أبي الفَرَج تَخْصِيصُ الوجهين بما إذا غَرَّمْنَا العَاقِلَةَ، والقَطْعُ بمنع الرجوع إذا غَرَّمْنَا بيت المَال، أحد الوجِهين ثُبُوتُ الرجوع؛ لأن تَعَرُّضَهُمْ لِأَدَاءِ الشهادة، وقَصْدَهُمْ لهذا المَنْصِبِ وليسوا أهْلاً له هو الذي جَرَّ التَّلَفَ، فجعل ما صدر منهم تَغريراً للقاضي.
قال الإِمام: وأشبه أصل بما نحن فيه أن المَغْرورَ يغرم (3) قيمة الوَلَدِ، ويرجع بها على [الغَارِّ، وبل] (4) أقوى؛ لأن الشَّهَادَةَ تلجئ القاضي إلى الحُكْمِ، والمغرور متمكّن من أَلاَّ يجيب.
والثَّاني: المَنْعُ؛ لِزَعْم الشهود أنهم صَادقُونَ فيما شَهِدُوا، ولم يوجد منهم فيما أَتَوْا به تعد، وليس هو كالتَّغرِيرِ، فإن المغرور لا يلزمه الشَّرْعُ [بَحْثاً] (5) فقد يَتَبَادَرُ إلى التَّصْدِيقِ [تَحْسِيناً للظَّنِّ بمن] (6) أخبره، والقاضي مَأْمُورٌ بِالإِمْعَانِ في البحث، فإذا تبين الخَلَلُ في حال الشُّهُودِ تَبَيَّنَ أنه أهْمَلَ بعض البَحْثِ الذي كان مَأْمُوراً به، وجعل الإمَامُ الوجه الأول أظهر (7). وقال الرُّوَيانِيُّ وغيره: الأَصَحُّ الثاني، ورُبَّمَا لم يُورِدْ أصحَابنا العراقيون غيره.
"
التفريع
"
إذا أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ طُولِبَ الذِّمِّيَّانِ في الحَالِ.
وفي العَبْدَيْنِ [التَّعَلُّقُ برقبتهما، أو بذمتهما؟] 8 فيه وجهان:
أحدهما: بالرَّقَبَةِ إِلْحَاقاً لِلتَّغْرِيرِ.
وأصحهما: بالذمة؛ لأنه لم يَتَمَحَّضْ لهما جناية 9 وتفويت وفي الرجوع على1234567