العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 280-319

(1) قال الغزالي: وَلاَ يَجِبُ فِي العُمْرِ إلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالنَّظَرُ فِي المُقَدِّمَاتِ وَالمَقَاصِدِ وَاللَّوَاحِق

ِ القِسْمُ الأَوَّلُ فِي المُقَدِّمَاتِ وَهِيَ الشَّرَائِطُ وَالمَوَاقِيتُ.

قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 2 وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بَنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" 3 الحديث.
ولا يجب الحَجُّ بأصل الشّرْع في العمر إلا مرة واحدة؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه- قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجّ"، فَقَامَ الأَقْرعُ بْنُ حَابِس فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "لَوْ قُلْتَهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْلَمُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوّعٌ" 4. وقد يجب أكثر من مرة واحدة بعارض كالنَّذْر والقضاء؛ وكما أنا نوجب على قول: الإحرام بحج أو عمرة لدخول مكَة على ما سيأتي.
وليس من العوارض الموجبة الرّدة، والإسلام بعدها، فمن حَجَّ ثم ارْتَدَّ ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه الحج، خلافاً1

لأبي حنيفة.
ومأخذ الخلاف أن الرِّدَّة عنده مُحْبِطَةٌ لِلْعمل، وعندنا إنما تحبطه بِشَرط أن يموت عَلَيْها، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ 1 الآية.
وساعد أحمد أبا حنيفة -رحمه الله- في المسألة، ولكن لا من جهة هذا المأخذ، ثم إن المصنف حصر مقصود الكتاب في ثلاثة أقسام: أولها: المقدمات.
وثانيها: المقاصد.
وثالثها: اللّواحق والخواتم.
وفي القسم الأول مقدمتان: إحداهما: في الشَّرَائط والأخرى في المَوَاقيت.
واعلم أنه جعل الميقات على قسمين زَمَاني، ومكاني، ولا شَكَّ أن الميقات الزماني من شرائط صحَّة الحج، فالوجه حمل الشرائط وإن أطلقها على ما سوى الوَقْت، لِئَلاَّ يدخل شيء من أحدى المقدمتين في الأخرى -والله أعلم-.
قال الغزالي: القول الأول: الشَّرَائِط وَلاَ يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ الحَجِّ إِلاَّ الْإِسْلاَمُ، إِذْ يَجُوزِ لِلْوَليِّ أَنْ يَحْرِمَ (ح) عَنِ الصَّبِيِّ وَيحِجَّ بِهِ وَلاَ يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ المُبَاشَرَةِ إِلاَّ الإسْلاَمُ والتَّمْيِيزُ، فَإِنَّ المُمَيِّز لَوْ حَج بِإذْنِ الوَليِّ جَازَ، وَكَذَا العَبْدُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ عَنْ حَجَّةِ الإسْلاَمِ إِلاَّ الْإِسْلاَمُ وَالحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ، وَيَشْتَرِطُ لِوُجُوبِ حَجِّ الإسْلاَمِ هَذِهِ الشَّرَائِطُ مَعَ الْإِسْتِطَاعَةِ.
قال الرافعي: الشَّخْص إما أن يجب عليه الحَجُّ، أو لا يجب.
ومن يجب عليه إما يجزئه المَأتِيُّ به عن حَجَّة الإسلام، حتى لا يجب عليه بعد ذَلِك بحَالٍ أو لا يجزئه.
ومن لا يجزئه إما أن تَصِح مباشرته للحَجِّ أو لا تَصِح.
ومن لا تَصِح مباشرته إما أن يَصِح له الحج أو لا يصح.
فهاهنا أربعة أحكام: أحدها: مطلق صِحَّة الحَجِّ له.
وثانيها: صِحَّتُهُ له مباشرة.
وثالثها: وقوعه عن حَجَة الإسلام.
ورابعها: وجوب حَجَّة الإسلام.

وشروط هذه الأحكام مختلفة أما: الصحّة المطلقة فلها شَوْطٌ واحد وهو الإسلام.
فلا يصح الحج للكافر، كالصوم والصَّلاة وغيرهما.
ولا يشترط فيها التكليف؛ بل يجوز للولي أن يُحْرِمَ عن الصَّبِيّ الذي لا يُميِّز 1، وعن المجنون وأعلم قوله: (إذ يجوز للولي) بالحاء؛ لأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يُجَوِّزُه.
وكذا قوله: (إلا الإسلام) لأنه لا يَصِح الحَجَّ لصبي، وسيأتي جميع ذلك في الفَصْل الحادي عشر من باب أعمال الحج وأما: صِحَّة المباشرة فلها شَرْطٌ زائد على الإسلام وهو التَّمْييز، فلا يَصِحّ مباشرةُ المجنون والصَّبِيّ الذي لا يُمَيِّز، كَسَائِر العبادات.
ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج، ثم القول في أنه يستقل به أو يفتقر إلى إِذْن الولي موضعه الفصل المحال عليه.
وقوله: (بإذن الولي) هذا التقييد دخيل في هذا الموضع فإن المقصود هاهنا صحة مباشرته في الجملة.
ولا يشترط فيها الحرية، بل يَصِح من العبد مباشرة الحج كسائر العبادات.
وأما وقوعه عن حجة الإسلام فله شَرْطان زائدان: أحدهما: البلوغ.
والثاني: الجريمة، والدليل على اعتبارهما، ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ، فَعَلَيْهِ حَجَّة الْإِسْلاَمِ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلاَمِ" 2. والمعنى فيه أن الحَجَّ عبادة عُمْرٍ لا تتكرر، فاعتبر وقوعها في حال الكمال.
وإذا جمعت شرائط هذا الحكم قلت: هي أربع: الإسلام.
والتمييز.
والبلوغ.
والحرية.
فإن اختصرت قلت هي ثلاث: الإسلام والتكليف والحرية.
على ما ذكر في الكتاب.
ولو تكلف الفقير الحَجَّ وقع حَجُّه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر

الطريق وحج.
وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة.
وأما وجوب حجة الإسلام فيعتبر فيه هذه الشرائط، فلا يخاطب بالحَجِّ كافرٌ في كُفْرِهِ وَلاَ عَبْدٌ، ولا صَبِيُّ، ولا مجنون.
وله شرط زائد وهو الاستطاعة، قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وكلام الكتاب من هذا الموضع إلى رأس المقدمة الثانية في المواقيت يتعلق بهذا الشَّرْط.
قال الغزالي: وَالاستطاعة نَوْعَانِ: الأَوَّلُ المُبَاشَرَةُ وَالقُدْرَةُ عَلَيْهَا تَتَعَلَّقُ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالطَّرِيقِ وَالْبَدَنِ (أَمَا الرَّاحِلَةُ) فَلاَ بُدَّ مِنْهَا وَلاَ يَجِبُ (ح م) الحَجُّ عَلَى القَوِيِّ عَلَى المَشَي إِلاَّ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ، وَلاَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ عَلَى الرَّاحِلَةِ مَا لَمْ يَجِدْ مَحْمَلاً أَوْ شِقَّ مَحْمَلٍ مَعَ شَرِيكٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدِ الشَّرِيكَ لَمْ يَلْزَمْهُ.
قال الرافعي: استطاعة الحج نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه، واستطاعة تحصيله بغيره.
النوع الأول: استطاعة المباشرة، وتتعلق بأمور أربعة: أحدها: الراحلة 1، والنَّاس قسمان: أحدهما: من بينه وبين مكَّة مسافة القصر فلا يلزمه الحَجّ، إلا إذا وجد رَاحِلَةً، سواء كان قادراً على المَشْي أو لم يكن، لكن القادر على المَشْي يُسْتَحِبُّ له أن لا يترك الحَجَّ، وفي كون الحج راكَباً أو ماشياً أفضل اختلاف قول قد تعرض له صاحب الكتاب في النذور 2. وقال مالك: القادر على المَشْي يَحُجُّ مَاشِياً لنا ما روي: "أَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ تَفْسيِرِ السَّبيلِ فَقَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ" 3، إذا عُرِف ذلك فينظر إن كان يَسْتَمْسك عَلى الرَّاحِلة من غير مَحْمَلِ ولا يلحقه ضَرَرٌ ولا مشَقَّة شديدة، فلا يعتبر في حقه إلا وُجْدَان الراحلة، وإلا فيعتبر مع وجدان الرَّاحِلة وُجدان المَحْمَل أيضاً.
قال في "الشامل" وعلى هذا لو كان يلحقه مشقة غَلِيظَة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة 4، وذكر المُحَامِلِيُّ وغيره من العراقيين: أن في حق المرأة يعتبر

المحمل، وأطلقوا القول فيه؛ لأنه أسْتَر لها، وأليق بحالها، ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل، فإن وجد مؤنة مَحْمل أو شِقّ محمل وَوَجَدَ شَرِيكاً يجلس في الجانب الآخر لَزِمه الحَجّ، وإن لم يجد الشَّرِيك فلا.
أما إذا لم يجد إلا مؤنة فظاهر، وأما إذا وجد مؤنة المحمل بتمامه فقد علله في "الوسيط" بأن بذل الزيادة خسران لا مقابل له، أي هو مؤنة مُجْحِفة يَعْسُر احتمالها وكان لا يبعد تخريجه على الخلاف في لزوم أجرة البَذْرَقة 1، وفي كلام الإمام إشارة إليه.
والقسم الثاني: من ليس بينه وبين مُكَّة مسافة القَصْر، بأن كان من أهل مكة، أو كان بينه وبينها دون مَسَافَةِ القَصْر، فإن كان قَوِيّاً على المشي لَزِمه الحَجُّ، ولم يعتبر في حقه وجدان الرَّاحِلَة.
وإن كان ضعيفاً لا يقوى على المشي أو يناله منه ضَرَرٌ ظاهر فَلاَ بُدَّ من الرَّاحِلَة، ومن المحمل أيضاً إن لم يمكنه الركوب دونه، كما في حَقِّ البعيد.
ووجدتُ لبعض المتأخرين من أئمة طبرستان تَخْرِيجَ وَجْهٍ في أن القريب كالبعيد مُطْلقاً، والمشهور الفرق، ولا يؤمر بالزَّحْفِ بحَالٍ وإن أمكن، وحيث اعتبرنا وجدان الراحلة والمحمل فالمراد منه أن يملكهما، أوَ يَتَمَكَّن من تحصيلهما مِلْكاً أو استئجاراً بثمن المثل، أو أُجْرَة المِثْلِ.
واعلم: أنه يشترط أن يكون ما يصرفه إلى الراحلة مع المَحْمَل أو دونه فَاضِلاً عما يشترط كون الزَّادِ فاضلاً عنه، وسيأتي ذلك.
وقوله: (أما الراحلة فلا بد منها) قد عرفت أنه غير مُجْرى على إطلاقه لوجوب الحج على القريب المتمكن من المشي.
وقوله: (ولا على من لا يستمسك على الراحلة) أي من غير محمل ونحوه لا مطلقاً، بخلاف قوله بعد هذا: (أما البدن فلا يعتبر فيه إلا قوة يستمسك بها على الراحلة) فإن المراد هناك الاسْتِمْسَاك عليها مُطْلقاً.
وقوله: (ما لم يجد محملاً، أو شِقّ محمل مع شريك) الوجه صرف قوله: (مع شريك) إلى حالتي وجدان المَحْمَل ووجدان الشّق؛ لأنه لو خصص بما إذا وجد الشق لكان ذلك حكماً باللزوم فيما إذا وجد مَؤْنَة المحمل مطلقاً، وهو خلاف ما نقلناه في "الوسيط".
قال الغزالي: (وَأَمَّا الزَّادُ) فَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ مَا يَبْلِغُهُ إلَى الحَجِّ فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ اعني بِهِ المَسْكَنَ وَالَعَبْدَ الَّذِي يَخْدُمُهُ وَدَسْتَ ثَوْبِهِ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ إِلَى الإِيَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ وَلاَ مَسْكَنٌ فَفِي اشْتِرَاطِ نَفَقَةِ الإِيَابِ إِلَى الوَطَنِ وَجْهَانِ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى نِكَاح لِخَوْفِ العَنَتِ فَصَرْفُ المَالِ إِلَيْهِ أَهَمُّ، وَفِي صَرْفِ رَأْسٍ مَالِهِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى التِّجَارَةِ إِلاَّ بِهِ

إِلَى الحَجِّ وَجْهَانِ، وَمَنْ لاَ نَفَقَةَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ وَقَدَرَ عَلَى الكَسْبِ لَمْ يَلْزِمْهُ الخُرُوجُ لِلْمَشَقَّةِ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الكَسْبِ وَالسَّفَرِ.
قال الرافعي: المتعلق الثاني: الزاد.
ويشترط لوجوب الحج أن يجد الزَّادَ وأوعيَته، وما يحتاج إليه في السَّفَرِ إن كان له أهلٌ وعشيرة في مدة ذهابه وإيابه إلى بلدة لأن لم يكونوا ففي اشتراطه لمدة الإيَاب وجهان: أحدهما: لا يشترط؛ لأن البلاد في حق مثل هذا الشَّخْصِ متقاربة.
وأصحهما: أنه يشترط؛ لما في الغربة من الوَحْشة ونزاع النفوس إلى الأوطان، ويجري الوجهان في اعتبار الرَّاحِلة للإياب، وهل يخصص الوجهان بما إذا لم يملك ببلدته مَسْكَناً أم لا؟ أبدى الإمام -رحمه الله- فيه احتمالين ورأى الأظهر التَّخْصِيص.
وأغرب أبو عبد الله الحَنَّاطِيَّ فنقل وجهاً في أن مدة الإياب لا تعتبر في حَقِّ ذِي الأَهْلِ والعَشِيرَة أيضاً.
ثُمَّ في الفَصْلِ مَسَائِل: إحداها: يشترط أن يكون الزَّاد والراحلةُ فاضلاً عن نفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتُهم مدةَ ذَهَابِهِ ورجوعه.
الثانية: في اشتراط كونهما فاضلين عن المَسْكَن والعبد لمن يحتاج إلى خدمته لَزَمَانَتِهِ، أو لمنصبه، وجهان: أظهرهما -عند الأكثرين وهو المذكور في الكتاب-: الاشتراط، فيبقى عليه مسكنه وعبده كما يبقيان عليه في الكفارة 1، ولأنه متعلّق حاجته المهمة، فأشبه دست 2 ثوب يليق بمنصبه، وعلى هذا لو كان معه نقد جاز صرفه إليهما.

والثاني -وبه قال مالك-: لا يشترط، بل عليه بيع المسكن والخادم، والاكتفاء بالاكتراء؛ لأن الاستطاعة مفسرة في الخبر بالزَّادِ والرَّاحِلَة، وهو واجدٌ لهما، وهذا الوجه أصَحُّ عند صاحب "التتمة"، وبه أجاب أبو القاسم الكَرَخِي، وحكاه عن نصّه في "الأم" ومن قال به فرق بين الحَجّ والكفارة بأن العتق في الكفارة له بَدَلٌ معدولٌ إليه، والحَجُّ بخلافه، وهذا الخلاف كالخلاف في اعتبارهما في صدقة الفطر وقد مرّ.
فإن قلنا بالوجه الأول فذلك فيما إذا كانت الدَّارُ مستغرقةً بحاجته وكانت سكنى مثله والعبدُ عبدٌ مثله، فأما إذا أمكن بيع بعض الدار وَوفَّى ثمنه بمؤنة الحَجّ، أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله ولو أبدلهما لَوَفَّى التفاوت بمؤنة الحج لزمه ذلك، هكذا أطلقوه هاهنا، لكن في لزوم بيع الدار والعبد النفيسين المألوفين في الكفارة وجهان، وقد أوردهما في الكتاب، ولا بد من عودهما -والله أعلم 1 -. الثالثة: لو كان له رأس مال يَتِّجِر فيه وينفق من ربحه، ولو نَقَص لبطلت تجارتُه أو كان له مُسْتغلاتٌ ترتفعُ منها نفقتُه، فهل يكلفُ بيعُها؟ فيه وجهان: أحدهما -وبه قال أحمد وابن سُرَيْج-: لا، واختاره القاضي أَبُو الطَّيِّبِ لئلا ينسلخ من ذات يده ولا يلتحق بالمساكين.
وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: نعم، كما يكلف بيعُها في الدَّيْنِ، لأنه فَسَّر الاستطاعة في الخَبِر بالزَادِ، والرَاحِلة، وهو واجدٌ لهما.
ويفارق العبد والمَسْكَن لأنه محتاجٌ إليهما في الحال، وليس كذلك ما نحن فيه وإنما يتخذه ذَخِيرةً لِلْمُسْتَقْبَلِ.
الرابعة: إذا ملك مالاً فاضلاً عن الوجوه المذكورة لكنه كَانَ محتاجاً إلى أن ينكح خائفاً عن العَنَتِ، فَصَرْفُ المَالِ إلى مُؤَنِ النِّكاح أَهَمُّ مِنْ صَرفِه إلى الحَجِّ، هذه عبارة الجمهور وعلّلُوه بأن حاجة النِّكَاح ناجزة، والحج على التَّراخي، والأسبق إلى الفهم من التقديم الذي أطلقوه أنه لا يجب الحَجَّ والحالة هذه، فيصرف ما يملكه إلى مؤونات النِّكَاح، وقد صَرَّح الإمام بهذا المفهوم، لكن كثيراً من العراقيين وغيرهم قالوا: يجب الحَجُّ على من أراد التَّزَوُّجَ، لكن له أن يؤخره لوجوبه على التَّرَاخِي ثُمَّ إن لم يَخَفِ العَنَتَ، فتقديم الحَجِّ أَفْضَلُ، وإن خافه فَتَقْدِيمُ النكاح أولى 2. الخامسة: لو لم يجد مالاً يصرفه إلى الزَّاد لكنه كان كَسُوباً يكتسب مَا يكفيه، وقد

ادخرِ لِأَهْلِهِ النفقةَ فَهَلْ يلزمه الحج تعويلاً على الكسب حكى الإمام عن أصحابنا العراقيين أنه إن كان السَّفَرُ طَوِيلاً لم يلزمه ذلك؛ لأنه قد ينقطع عن الكَسْبِ لِعَارِضٍ، وبتقدير أن لا ينقطع فالجمع بين تَعَبِ الكَسْبِ والسفر تعظم فيه المَشَقَّة.
وإن كان قصيراً، نظر إن كان يكتسب في كُلِّ يوم ما يَكْفِيه ولا يفضل عنه لم يلزمه؛ لأنه ينقطع عن كسبه في أيام الحَجِّ فيتضرر وإن كان كسبه في يوم يكفيه لأيام لَزِمه الخروج، قال الإمام: وفيه احتمال كما أن القدرة على الكسب فِي يَوْمِ الفطر لا تجعل كحصول الصاع في مِلْكِه.
وقوله في الكتاب: (لم يلزمه الخروج) مُعَلَّمٌ؛ لأن عند مالك يلزمه ذلك، وهكذا قال فيمن أمكنه الحَجّ بالسُّؤَالِ في الطريق، ثم لفظ الكتاب مطلق، وقضية ما نقلناه التقييد.
وقوله في أول الفصل: (وأما الزاد فهو أن يملك ما يبلغه إلى الحج) فيه إضمار؛ لأن كونه مالكاً لما يبلغه لا يَصْلُحَ تفسيراً لِلزَّادِ، والمعنى أن القدرة على الزَّادِ هي أن يملك ما يبلغه.
وقوله: (نفقة أهله إلى الإياب) أي إن كان له أَهْلٌ، والمراد من الأهْلِ هاهنا من يلزمه نفقته لا غير، وفي قوله: (فإن لم يكن له أهل) لا يمكن الحمل على هؤلاء فَحَسْبِ، إذ ليس ذلك موضع الوجهين، وإنما الوجهان فيما إذا لم يكن لَهُ عشيرة أصلاً كذا ذَكره الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره؛ لأنه يعظم على الإنسان مفارقة العَشَائر، فلا بد من اعتبار الإياب إذا كان الرَّجُلُ ذَا عِشِيرة.
قال الإمام: ولم يتعرض أحد من الأصحاب للمعارف والأصدقاء؛ لأن الاستبدال بهم متيسر.
وقوله: (ومسكن) يشعر باعتبار فقدان المَسْكَن في حُصولِ الوَجْهَيْنِ، وهو جواب على أظهر الاحتماليِن عند الإمام، كما مَرّ.
واعرف في نظام الكتاب شيئين: أحدهما: أنه لم يصرح باعتبار كونه فاضلاً عن نفقته في نفسه، لكنه مفهوم من كلامه في مَوَاضِعَ.
منها: اعتبار كونه فاضلاً عن نفقة الأهل فإنه يفهم اعتبار كونه فاضلاً عن نفقته بطريق الأولى.
ومنها: قوله: (ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان) ومعلوم أنه في نفقة نفسه لا في نفقة الأَهْلِ، فإنها مجزوم باشتراطها إلى الإِيَاب.
والثاني: أنه لم يعتبر كونه فاضلاً عن الدَّيْنِ، ولا بُدَّ منه، أما إذا كان حالاًّ فلأنه نَاجِز والحج عَلَى التَّرَاخِي، وأما إذا كان مؤجلاً فلأنه إذا صرف ما معه إلى الحَجّ، فقد يحل الأجل ولا يجد ما يقضي به الدَّين، وقد تَحْتَرمه المَنِيَّة فتبقى ذمته مرتهنة.
وفيه وجه أن المدة إن كانت بحيث تنقضي بعد رجوعه من الحج لزمه الحج، ولو كان مَالُه ديناً في ذمة إنسان نظر إن تيسر تحصيله في الحال بأن كان حالاً ومن عليه

مَلِيءُ مقِر، أو عليه بَيِّنَة فهو كالحَاصِل في يده، وإن لم يتيسر بأن كان من عليه منكراً ولا بينة أو كان مؤجلاً فهو كالمعدوم، وقد يتوصل المحتال بهذا إلى دفع الحَجِّ فيبيع ماله نسيئة إذا قرب وقت الخروج، فإن المال إنما يعتبر وَقْتَ خروج النَّاس.
قال الغزالي: (وأمّا الطَّرِيقُ) فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ آمِنًا عَمَّا يَخَافُ فِي النَّفْسِ وَالبُضْعِ وَالمَالِ، فَلَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ بَحْرٌ لَزَمَ الرُّكُوبُ عَلَى قَوْلٍ لِغَلَبَةِ السَّلاَمَةَ؛ وَلَمْ يَلْزَمْ فِي قَوْلٍ لِلْخَطَرِ، وَلَزَمَ عَلَى غَيْرِ المُسْتَشْعِرِ فِي قَوْلٍ دُونَ الجَبَانِ، وإذَا لَمْ نُوجِبْ فَلَوْ تَوَسَّطَ البَحْرَ وَاسْتَوَتِ الجِهَاتُ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى مَكَّةَ وَالانْصِرَافِ عَنْهَا فَفِي الوُجُوبِ الآنَ وَجْهَانِ، وَاسْتِطَاعَةُ المَرْأَةِ كَاَسْتِطَاعَةِ الرَّجُلِ لَكِنْ إِذَا وَجَدَتْ مَحْرَماً أَوْ نِسْوَةً (ح و) ثَقَاتٍ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى المَرَاصِدِ مَنْ يَطْلُبُ المَالَ لَمْ يَلْزمه الحَجُّ، وَفِي لُزُومِ أَجْرَةِ البذرقةِ وَجْهَانِ، وإذَا لَمْ يَخْرُجُ مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ إلاَّ بِأُجْرَةٍ لَزِمَ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْن.
قال الرافعي: المتعلق الثالث: الطريق، ويشترط فيه الأمْنُ في ثَلاثَةِ أشياء، قال الإمام: وليس الأمن الذي نذكره قطعيّاً، ولا يشترط أيضاً الأمن الذي يغلب في الحَضَر، بل الأمن في كل مَكَانٍ بحسب مَا يَلِيقُ به.
فأحد الأشياء الثَّلاثة: النفس، فلو خاف على نَفْسِهِ مِنْ سَبْعٍ، أو عَدُوٍّ في الطريق لم يلزمه الحج؛ ولهذا جاز التَّحَلُّل عن الإحْرام بمثل ذلك، على ما سيأتي في باب الإحْصَار، وهذا إذا لم يجد طريقاً سواه، فإن وجد طريقاً آخر آمناً لزمه سلوكه، أما إذا كاَن مثل مسألة الأول فظاهر، وأما إذا كان أبعد فكذلك إذا وجد ما يَقْطَعه به كما لو لم يجد طريقاً سواه، وذكر في "التتمة" وجهاً أنه لا يلزمه كما لو احتاج إلى بذل مؤنَةٍ زائدة في ذلك الطَّريق.
ولو كان في الطريق بَحْر لَمْ يَخْل إما أن يكون له في البَرِّ طريق أيضاً أو لا يكون، إن كان لزوم الحج، إلا فَقَدْ قَالَ في "المُخْتصر": ولم يبين لي أن أوجب ركوب البحر لِلْحَجِّ ونص في "الأم" على أنه لا يجب، وفي "الإملاء" على أنه إن كان أكثر عيشه في البحر وَجَب، والأصحاب منقسمون إلى مثبتين لِلْخِلاف في المَسْأَلة، وإلى نافين له، وللمثبتين طريقان: أحدهما: أن المسألة على قَوْلَيْنِ مُطلِقاً، حكاه الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُه.
أحدهما: أنه يلزم ركوبه للظَّواهِرِ المُطْلَقَةِ في الحَجِّ.
والثاني: لا؛ لما فيه من الخَوْفِ والخَطَرِ.
وأظهرهما: أنه إن كان الغَالِب منه الهَلاَك إما باعتبار خصوص ذلك البحر، أو

لَهَيَجَانِ الأمواج في بَعضِ الأحوال لم يلزم الرُّكوب، وإن كان الغالب السلامة ففيه قولان: أظهرهما: اللزوم كسلوك طريق البَرِّ عند غلبة السَّلامة.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن عوارض البَحْرِ عَسِرَةُ الدَّفْعِ، وعلى هذا لو اعتدل الاحتمال فيلحق بِغَلَبَةِ السَّلامة، أو بغلبة الهَلاَكِ تردد كلام الأئمة فيه وأما النافون لِلْخِلاَف فلهم طرق: أحدها: القطع بعَدَم اللزوم، وحمل نصه في "الإملاء" على ما إذا ركبه لِبَعْضِ الأغراض فصار أقرب إلى الشَّطِّ الذي يَلِي مَكَّةَ.
والثاني: القطع باللزوم، وهذا قد أشار إليه الحَنَّاطِيُّ وغيره.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق الإصْطَخْرِي أنه إن كان الغَالِب الهَلاَك لم يلزمه، وإن كان الغَالِب السَّلامة لَزِم، واختلاف النَّص محمول على الحالين، وبهذا قال أَبُو حَنِيفة وأحمد -رحمهما الله-.
والرَّابع: تنزيل النَّصَّينِ على حالتين مِنْ وَجْهٍ آخر إن كان الرَّجُل مِمَّنْ اعتاد ركوب البَحْرِ كالمَلاحِين وأهل الجَزَائِرِ لزمه وإلا فلاَ لصعوبته عليه، حكى الطريقة هكذا على هذا العراقيون وطائفة، ونقل الإمَامُ عن بعض الأَصْحَابِ اللزوم عند جُزْأة الراكب وعدَمَه عِنْدَ اسْتِشْعَارِ، وهذا قريب من الطَّريقة الأخيرة، ويشبه أن يكون هُوَ هِيَ، وإنما الاختلاف في العبارة، ثم ذكر أن من الأصحاب من نزل النَّصَّيْنِ على الحَالَتَيْنِ من غير تَرْدِيدِ قَوْلٍ.
ومنهم: من قال: "لا يجب على المستشعر"، وفي غيره قولان: ومنهم: من قال: يجب على غير المستشعر وفيه قولان، والصائرون إلى هذين الطريقين من المثبتين للخلاف.
واتبع حجة الإسلام -رحمه الله- منقول الإمام -قدَّس الله رُوحَه- واستخرج من الطُّرق التي نقلها ثلاثة أقوال: اللزوم مطلقاً، والمَنْع مطلقاً.
والفرق بين الجَبَانِ وغيره، والمستشعر والجبان هاهنا مطلقان بمعنى وَاحِد، ولو قال: على غير المستشعر دون المستشعر أو على غير الجبان دون الجبان لكان أحْسَن وأقربَ إلى الأَفْهَام، وفي لفظ الكتاب ما ينبئك أن الخلاف مخصوص بما إذا كان الغَالِب السَّلامة حيث قال: (لغلبة السلامة) فإن كان الغالبُ الهَلاكَ فالظاهر الجزم بالمنع على ما مر.
التفريع إذا قلنا: لا يجب ركوبه فهل يستحب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لما فيه من التغرير بِالنَّفْسِ.
وأظهرهما: نعم كما يستحب ركوبه للغَزْوِ، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَرْكَبَنَّ

أَحَدٌ البحر إِلاَّ غَازِياً أَوْ مُعْتَمِراً أَوْ حَاجاً" 1 والوجهان فيما إذا كان الغالب السَّلامة.
أما إذا كان الغالب الهلاكَ فَيَحْرُمُ الركوب، هكذا نَقَله الإمام، وحكى تردداً للأصحاب فيما إذا اعتدل الاحتمال وإذا لم نوجب الركوب، فلو توسط البحر هل له الانصراف أم عليه التمادي؟ فيه وجهان، وقيل: قولان، وهما مبنيان عند الأئمة على القولين في المُحْصَر إذا أحاط العَدُوُّ بهِ من الجَوَانِب هل له التحلل؟ إن قلنا: له التحلل فله الانصراف، وإن قلنا: لا، فلا؛ لَأنه لم يستفد بَه الخَلاَص فليس له الانصراف.
قال في "التتمة" وهو المذهب.
وموضع الوجهين ما إذا استوى ما بين يديه وما خلفه في غالب الظَّن، فإن كان ما بين يديه أكثر لم يلزمه التَّمَادِي بلا خلاف على القول الذي عليه تفرع، وإن كان أقل لَزِم، وموضعهما عند التَّساوي ما إذا كان له في المنصرف طريق غير البحر، فإن لم يكن فَلَهُ الانصراف بلا خلاف كَيْلاَ يحتاج إلى تحمل زيادة الأخطار، وجميع ما ذكرناه في حَقَّ الرجل.
أما المرأة ففيها خلاف مرتب على الرَّجل، وأولى بعدم الوجوب، لأنها أشد تأثراً بالأَهْوَال، ولأنها عورة وربما تَنْكَشِف لِلرِّجَالِ لضيق المكان.
وإذا قلنا: بعدم الوجوب فنقول بعدم الاستحباب أيضاً، ومنهم من طرد الخِلاَف، وليست الأنهار العظيمة كجيحون في معنى البحر؛ لأن المقام فيها لا يطول، والخطر فيها لا يعظم، وفيه وجه غريب.
والثاني: البضع.
والغرض من ذكره بيان حكم المرأة في الطَّريق، قال في الكتاب: (واستطاعة المرأة كاستطاعة الرجل، ولكن إذا وجدت مُحْرَماً إلى آخره) يسوي بين استطاعة الرجل واستطاعة المرأة إلا فيما يَتَعَلَّق بالمَحْرَم، وليس الأمر على هذا الإطلاق لِمَا مَرَّ من قول من اعتبر المَحْمَل فِي حَقِّها مطلقاً، وأيضاً فلما ذكرناه الآن في رُكوب البَحْرِ.
وأما ما يتعلق بالمَحْرَم فاعلم أنه: لا يجب عليها الحَجُّ حتى تأمن على نَفْسِها، فإن خرج معها زَوجٌ أو مَحْرَمٌ إما بنسب أو بغيره فذاك، وإلا فننظر إن وجدت نِسْوَةً ثِقَاتٍ يَخْرُجْنَ فعليها أن تَحُجَّ مَعَهُنَّ 2، وهل يشترط أن يكون مع واحدة منهن محرم؟ فيه وجهان:

أحدهما -وبه قال القفال-: نعم، ليكلم الرجال عنهن، ولتستعن التي معها محرم إذا ابتلين بنائبة.
وأصحهما: لا؛ لأن النساء إذا كثرن انقطعت الأطماع عنهن وكفين أمرهن، وإن لم تجد نسوة ثِقَاتٍ لم يلزمها الحَجّ، هذا ظاهر المَذْهَبِ، ووراءه قولان: أحدهما: أن عليها أن تخرج مع المرأة الواحدة، يحكى هذا عن "الإملاء".
والثاني -واختاره جماعة من الأئمة-: أن عَلَيْهَا أن تخرج وحدها إذا كان الطَّرِيق مَسْلُوكاً ويحكى هذا عن رواية الكَرَابِيسِي.
واحتج له بما روى عن عَدِيّ بْنِ حَاتِم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا عَدِيُّ إِنْ طَالَتْ بِكَ الْحَيَاةُ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بالْكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ إِلاَّ اللهَ، قَالَ عَدِيُّ: فَرَأَيْتُ ذَلِكَ" 1. وأيضاً بأن المرأة لو أسلمت في دَارِ الكُفْرِ لَزِمَهَا الخُروجُ إِلَى دَارِ الإسْلاَمِ، وَإِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا، ولمن ذهب إلى الأول أن يقول: أما الحديث: فليس فيه ما يقتضي الوجوب.
وأما التي أسلمت: فخوفها لو أقامت هُنَاك أكثر من خَوْفِ الطَّريق، هذا حكم الحَجِّ الفَرْض، وهل لها الخروج إلى سائر الأسْفَار مع النساء الخُلَّص؟ فيه وجهان؛ لأنه لا ضرورة إليها.
والأصح عند القاضي الرّويَانِي المَنْع، وليعلّم قوله في الكتاب: (ولكن إذا وجدت مَحْرَماً) بالواو؛ للقول الصَّائِرِ إلى أنها تخرج وَحْدَها، وقوله: (أو نسوة ثقات) أيضاً بالواو؛ لأمرين.
أحدهما: القول المكتفي بالواحدة.
وثانيهما: الوجه الشارط لأن يكون مع بَعْضِهِنَّ مَحْرَمٌ وبالحاء؛ لأن عنده إذا لم يكن محرم وزوج فلا يجوز لها الخروج إلا أن تكون المَسَافة بينها وبين مكَّة دون ثلاثة أيام، ويروى عن أحمد مثله.
وفي كون المحرم أو الزوج شرط الوجوب أو التمكن اختلاف رواية عنهما، قال الموفق بْنُ طاهر: ولأصحابنا مثل هذا التَّردد في النِّسْوةَ الثِّقَاتِ، ولم يتعرض في الكِتَاب للزَّوْج، واقتصر على اشتراط المحرم أو النسوة الثقات لكنه كالمحرم بالاتفاق.

وقوله: (مع أمن الطريق) مما يذكر لاستظهار والإيضاح، إلا فقد سبق ما تعرف به اشتراطه.
والثالث: المال، فلو كان يخاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدي 1 لم يلزم الحج وإن كان الرصدي يرضى بشيء يسير إذا تعين ذلك الطَّريق، ولا فرق بين أن يكون الَّذين يخاف منهم مسلمين أو كفاراً، لكن إذا كانوا كفاراً أو أطاقوا مقاومتهم فيستحب لهم أن يخرجُوا ويقاتلوا لينَالُوا ثواب الحج والجِهَادِ جميعاً، وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج والقتال، ويكره بَذْلُ المال للرصديين، لأنهم يحرضون بذلك على التعرض للناس، ولو بعثوا بأمان الحجيج وكان أمانهم موثوقاً به أو ضمن لهم أمير ما يطلبونه وأمن الحجيج لزمهم الخروج، ولو وجدوا من يبذرقهم بأجرة ولو استاجروه لأمنوا في غَالِب الظَّنِّ فهل يلزمهم استأجاره؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه خسران لدفع الظُّلم فأشبه التَّسْلِيم إلى الظالم.
والثاني: نعم؛ لأنه بذل الأجرة بذل مال بحق والمبذرق أهبة من أُهِبَ الطَّرِيق كالرَّالَةِ وغيرها، وهذا أظهر عند الإمام، ورتب عليه لزوم استئجار المَحْرَمِ على المرأة إذا لم يُسَاعدها إِلاَّ بأجرة، وجعل اللّزوم هاهنا أظهر؛ لأن الداعي إلى التزام هذه المؤنة معنى فيها فأشبه زيادة مؤنة المَحْمَل في حق ما يحتاج إليه.
ويشترط لوجوب الحج وجود الزاد والماء في المواضع التي جَرَت العادة بحمل الزَّاد والماء منها، فإن كان العام عام جدب وخلا بعض تلك المنازل عَنْ أَهْلِها أو انقطعت المياه لم يلزمه الحج؛ لأنه إن لم يحمل مَعَه خاف على نفسه، وإن حمله لحقته مؤنة عَظِيمة، وكذلك الحكم لو كان يوجد فيها الزاد والماء ولكن بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ وهو القدر اللائق به في ذلك المَكَان والزَّمان، وإن وجدهما بثمن المثل لزم التَّحْصِيل سواء كانت الأسعار غاليه أو راخصة إذا وَفَّى ماله ويحتمل حملهما قدر ما جرت العادة به في طريق مكَّة حرصها الله لحمل الزَّادِ من الكوفة إلى مكَّة، وحمل الماء مرحلتين أو ثلاثاً إذا قدر عليه ووجد آلات الحمل، وأما عَلَف الدابة فيشترط وجوده في كل مرحلة؛ لأن المؤنة تعظم في حَمْلِهِ لكثرته، ذكره صاحب "التهذيب" "والتتمة" وغيرهما 2.

قال الغزالي: (وَأَمَّا البَدَنُ) فلاَ يُعْتبَرُ فِيهِ إلاَّ قُوَّةٌ يَسْتَمْسِكُ بِهَا علَى الرَّاحِلَةِ، وَيجِبُ عَلَى الأَعْمَى إِذَا قَدَرَ عَلَى قَائِدٍ، وَيَجِبُ عَلَى المَحْجُورِ وَالمُبَذِّر، وَعَلَى الوَليِّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَيُنْصِّبَ عَلَيْهِ قَوَّاماً.
قال الرافعي: المتعلق الرابع: البدن، ويشترط فيه لاستطاعة المباشرة قوة يستمسك بها على الرَّاحلة، والمراد أن يثبت على الرَّاحِلَةِ من غير أن يلحقه مشقة شديدة، فأما إذا لم يثبت أصلاً، أو كان يثبت ولكن بمشقةٍ شديدةٍ فليس له استطاعة المباشرة، سواء فرض ذلك لمرض أو غيره، روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَو سُلْطَانٌ جَائِزٌ فَلَم يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيّاً وإنْ شَاءَ نَصْرَانيّاً 1. والقول في أنه متى يستتيب؟ ومتى لا يستتيب؟ سيأتي من بعد، ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: الأعمى إذا وجد مع الزَّادِ والرَّاحِلَةِ قَائِداً يلزمه الحج بنفسه؛ لأنه مستطيع لَهُ والقائد في حقه كالمَحْرَمِ في حَقِّ المرأة، وبه قال أحمد، وعن أبي حنيفة -رحمهما الله- اختلاف رواية فروى عنه: أنه لا حَجَّ عليه، وهذه عبارة الكَرَخِي في "مختصره"، وروى أنه لا يلزمه الخروج بنفسه ولكن يستتيب.
الثانية: المحجور عليه بالسَّفه كغيره في وجوب الحَجِّ عليه إلا أنه لا يدفع المال إليه لتبذيره بل يخرج الوَلِي معه لينفق عليه في الطَّرِيق بالْمَعْرُوفِ ويكون قَوَّاماً عليه، وبفارق الصَّبي والمجنون إذا أحرم الوَلِي عَنْهُما، فإن في إنفاقه ما زاد بسبب الحجر من مالهما خِلافاً سنذكره؛ لأنه لا وجوب عليهما، وإذا زال ما بهما لزمهما حَجَّة الإسلام، وذكر في "التهذيب": أنه إذا شرع السفيه في حج الفرض أو في حجٍّ نَذَرَهُ قَبْلَ الحَجْرِ بغير إذن الولي لم يكن له أن يحلله فيلزمه أن ينفق عليه إلى أن يفرغ، وإن شَرَعَ في حَجِّ تطوع ثم حُجِرَ عليه فكذلك، ولو شرع فيه بعد الحَجْر كان للولي أن يحلله إن كان مَا يحتاج إليه لِلْحِجِّ يزيد على نفقته المعهودة ولم يكن له كسب وإن لم يزد، أو كان له كسب يَفِي مع قدر النفقة لِلْحَجِّ وجب إتمامه، ولم يكن للولي أن يحلله.
وقوله في الكتاب: (وعلى الولي أن ينفق عليه) أي من مال المحجور.
وقوله: (وينصب عليه قوّاماً) أي إن لم يتول ذلك بنفسه.

وأعلم أن الأئمة شرطوا في وُجُوبِ الحج أمرين آخرين لم يصرح بهما في الكتاب.
أحدهما: إمكان المَسِير وهو أن يبقى من الزَّمان عند وجدان الزَّاد والرَّاحِلة ما يمكنه المسير فيه إلى الحَجِّ السير المعهود 1. أما إذا احتاج إلى أن يقطع في كل يوم أو في بعض الأيام أكثر من مَرْحَلَةٍ لم يلزمه الحَجّ.
والثاني: قال صاحب "التهذيب" وغيره: يشترط أن يجد رفقة يخرج معهم في الوَقْتِ الذي جرت عَادَةُ أهْلُ بَلدِه بالخُروج فيه، فإن خرجُوا قَبْلَه لم يلزمه الخُروجُ مَعَهم، وإن أخَّرُوا الخروج بحيث لا يبلغون إلا بأن يقطعوا أكثر من مرحلة لم يلزمه أيضاً، وفي قوله بعد هذا الفصل (وله أن يتخلف عن أول قافلة) ما يشعر باعتبار وجدان القافلة، ومن أطلق القول باعتباره من الأصحاب فكلامه على غالب الحال، فإن كانت الطرق بحيث لا يخاف الواحد فيها فلا حاجة إلى الرّفقة والقَافِلة، ذكره في "التتمة"، وبهذا الفقه يتبين دخول هذا الشَّرْط تحت اعتبارِ أمْنِ الطَّرِيق، وعن أحمد أن أمن الطَّريق وإمكان السير من شَرَائِطِ الأَدَاءِ دُونَ الوُجوب حتى لو استطاع والطَّريق مخوف أو الوَقْتُ ضَيقٌ استقر الوُجُوب عَلَيْهِ، وروي عن أصحَاب أبي حنيفة -رحمه الله- اختلاف في أن أمْنَ الطَّرِيقِ مِنْ شَرَائِطِ الوجُوب أو الأَداءِ.
قال الغزالي: وَمَهْمَا تَمّت الاسْتِطَاعَةُ وَجَبَ الحَجُّ عَلَى التَّراخِي (م ح ز) وَلَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ أَوَّل قَافِلَةٍ، فَإنْ مَاتَ قَبْلَ حَجِّ النَّاسِ تَبَيَّن عَدَمَ الاسْتِطَاعَةِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الحَجِّ فَلاَ، وَإِنْ هَلَكَ مَالُهُ بَعْدَ الحَجِّ وَقَبْلَ إيَابِ النَّاسِ تَبَيَّنَ أَنْ لا اسْتِطَاعَةَ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الإيابِ شَرْطٌ في الحَجِّ، فَإنْ دَامَتْ الاسْتِطَاعَةُ إلَى إيَابِ النَّاسِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَرَأَ العَضبُ

لَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ عصِياً عَلَى الأَظْهَرِ، وَتَضِيقُ عَلَيْهِ الاسْتنَابَةُ إِذَا طَرَأَ العَضْبُ بَعْدَ الوُجُوبِ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَفي إِجْبَارِ القَاضِي إِيَّاهُ عَلَى الاسْتِنَابَةِ وَجْهَان.
قال الرافعي: ذكر في "الوسيط": أن المسائل المذكورة إلى هذا الموضع كَلاَمٌ في أرْكَانِ الاستطاعة، ومن هاهنا إلى رأس النوع الثاني كلام في أحْكَامها، ولك أن تقول: الاستطاعة إحدى شرائط وجوب الحَجِّ كَمَا مَرَّ، وقد توجد الاستطاعة مسبوقة بسائر الشُّروطِ، وقد يوجد غيرها مسبوقاً بها فلم كانت هذه المسائل أحكام الاستطاعة دون غيرها؟ وبتقدير أن تكون أحكام الاستطاعة فهي أحكام مطلق الاستطاعة كما ستعرفه لا أحكام النَّوْع الأولِ مِنْهَا، وكان ذكرها بعد النَّوعَينِ أحسنَ والحَقُّ أنها ليست بأحكام الاستطاعة ولا سائر الشّروط، لكن مسائل هذا الفَصْلِ تتعلق بكيفية ثبوت الوُجوب بعد استجماع الشَّرَائِطِ وأنه مَتَى تَسْتَقِر؟ ومسائل الفَصْلِ الثَّانِي لا تَعَلَّق لها بالوجوب أيضاً، ومقصود الفَصْلِ أن الحَجَّ يجب على التَّرَاخِي وهو في العُمر كالصَّلاةِ بالإضافة إلى وَقْتِها.
وقال مالك وأحمد والمزنى -رحمهم الله-: إنه على الفَوْرِ، ويروى مثله عن أبي حنيفة -رحمه الله-.
لنا أن فريضة الحَجِّ نزلت سنة خَمْس من الهِجْرَةِ، وأخَّرَه النبي -صلى الله عليه وسلم- مِنْ غير مَانِعٍ، فإنه خرج إلى مَكَّة سَنةَ سَبْع لقضاء العُمْرَةِ وَلَمْ يَحُج، وفتح مكَّة سنة ثَمَانٍ، وبعث أبا بكر -رضي الله عنه- أميراً على الحج سنة تِسْعٍ، وحَجَّ هُوَ سنَةَ عَشْرٍ وَعَاشَ بعدها ثَمَانين يوماً ثم قُبِضَ إلى -رحمة الله تعالى-.
إذا تقرر ذلك فلمن وجب عليه الحجّ بنفسه أو غيره أن يُؤَخِّرَهُ عَنْ أَوَّلِ سنة الإِمْكَانِ.
نعم، لو خشي العضب 1 وقد وجب عَلَيْهِ الحَجّ بنفسه ففي جواز التأخير وجهان: أظهرهما: المنع، وإذا تَخَلَّف فمات قبل حَجِّ النَّاسِ تبين عَدَم الوُجُوب لتبين عدم الاستطاعة والامكان، وعن أَبِي يَحْيَى البلخِي أنه يَسْتَقِر عَلَيْهِ، وذكر في "المذهب": أن أبا إسحاق أخرج عليه نَصَّ الشافعي -رضي الله عنه- فرجع عنه، فلا يُعَلَّم قوله: (تبين عدم الاستطاعة) بالواو، وكذلك وإن مات بعد ما حَجَّ النَّاسُ استقرَّ الوجوبُ عليه ولَزِم الإحْجَاج مِنْ تَرِكَتِهِ.

قال في "التهذيب": ورجوع القافلة لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لو مات بعد انتصاف ليلة النَّحْرِ، ومضى إمكان المَسِير إلى منَى والرّمي بها، وإلى مكَّةَ والطّواف بها استقر الفَرْضُ عليه، وإن مَاتَ أو جنَّ قبل انتصاف ليلة النحر لم يستقر، وإن هَلَك مالُه بعد إِيَابِ النَّاسَ أو مضى إمكان الإياب استقر الحَجّ، وإن هلك بعد حَجِّهم وقبل الإياب وإمكانه فوجهان: أحدهما: الاستقرار كما في صُورة المَوْتِ.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتابَ: أنه لاَ يَسْتَقِر بِخِلاَفِ صُورِ المَوْتِ، لأنه إذا مات استغنى عن المال للرّجُوعِ، وهاهنا نفقة الرّجوع لاَ بُدَّ مِنْها، وهذا حيث نشترط نفقة الإيَاب فإن لم نشترطها تعين الوَجْهُ الأول، وإن أحصر الدين تَمَكَّن من الخروج معهم فتحللوا لم يستقر الفَرْضُ عَلَيْهِ، وإن سلكوا طريقاً آخَرَ فَحَجُّوا استقر، وكذا إذا حَجَّوا في السَّنة التي بَعْدَها إذا عاش وبقي ماله.
وإذا دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات فهل يَعْصى؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق لا؛ لأنا جَوَّزْنَا له التأخير.
وأظهرهما: نعم وإلا ارتفع الحكم بالوجوب، والمجوز هو التأخير دون التَّفْوِيت، والوجهان كالوجهين فيما إذا مَاتَ في وسط الوقت قبل أداء الصَّلاة، لكن الأظهر هُنَاك أنه لا يَمُوت عَاصِياً، وسبب الفرق قد مَرَّ هُنَاك، وبه قال ابْنُ سُرَيج، وفَصَّلَ بَعْضَ الأَصْحَاب فقال: إن كان شيخاً مات عاصياً، وإن كان شاباً فلا، والخلاف جارٍ فيما إذا كان صَحِيحَ البَدَنِ مستطيعاً فلم يحج حتى صَار زَمِناً، والأظهر التَّعْصِيَةُ أيضاً، ولا نظر إلى إمكان الاستنابة فإنها في حكم بدل، والأصل المُبَاشَرة، ولا يجوز تَرْكُ الأصل مع القُدْرَة عليه، ويتفرع على الحكم بالتعصية فرعان.
أحدهما: في تضيق الاستنابة عليه في صورة عُروض الزّمانة وجهان حكاهما الإمام -رحمه الله-.
أظهرهما: عنده وبه أجاب صاحب الكتاب -رحمه الله-: أنَّهَا تتضيق لِخُروجِهِ بتقصيره عند استحقاق التَّرْفِيه.
والثاني: له التأخير، كما لو بلغ معضوباً عليه الاستنابة على التراخي، ولك أن تشبه هذيْنِ الوجهين بوجهين قد مَرَّ ذكرهما في قضاء الصَّوْم إذا تعدى بتفويته، وهل يَكُونُ علي الفَوْرِ؟ وإذا قلنا بالوَجْهِ الأول فلو امتنع وأَخَّر هَل يجبره القَاضِي على الاستنابة ويستأجر عليه؟ فيه وجهان:

أظهرهما: عند الإمام -رحمه الله تعالى-: لا؛ لأن الحُدودَ هي التي تتعلق بِتَصَرُّفِ الإِمَامِ.
والثاني: نَعَمْ؛ تشبيهاً له بزكاة الممتنع، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما تَدْخُلُه النيابة.
الثانية: إذا قلنا: يموت عاصياً فمن أي وقت نحكم بعصيانه؟ فيه وجهان: أحدهما: من أول سَنَةِ الإِمْكَانِ لاستقرار الفَرْضِ عليه يومئذ.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: من آخر سَنَةِ الإمْكَان بجواز التأخير إليها، وفيه وجه ثالث أنا نحكم بموته عاصياً من غير أن نسنده إلى وَقْت معين.
ومن فوائد الحكم بموته عاصياً أنه لو كان قد شهد عند القاضي ولم يقض بشهادته حتى مات فلا يَقْضِ كما لو بأن له فِسْقُه، ولو قضى بشهادته بين الأولى من سني الإمكان وأخراها فإن عصيناه من أخراها لم ينقض ذلك الحكم بحال، وإن عصيناه من أولاها ففي نقضه القولان، فيما إذا بأن الشُّهُودُ فَسَقَه، وقوله في الكتاب (ومهما تمت الاستطاعة) أي مَعَ سَائِرِ الشَّرائط.
وقوله: (أو طُرأ العضب) أصْلُ العضب القطع يقال: عضبت الشيء أعضبته إذا قطعته، سمي معضوباً لأن الزمانة التي عرضت له قطعت حركة أعضائه، وقيل: هو معصوب -بالصاد المهملة- كأنه ضُرِب على عصبه فانعزلت أعضاؤه عن عملها -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ بُدَّ مِنَ التَّرْتِيبِ (م ح) في الحَجِّ فَيَبْدَأُ بِحَجَّةِ الإِسْلاَمِ ثُمَّ بالقَضَاءِ (و) ثُمَّ بالنَّذْرِ ثُمَّ بالتَّطَوُّعِ فَلَوْ غَيَّرَ هَذَا التَّرْتِيبَ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيب وَلَغَتْ نيَّتُهُ، وَإِذَا حَجَّ عَنِ المُسْتَأْجِرِ وَهُوَ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ عَنْهُ دُونَ المُسْتَأْجِرِ (م ح).
قال الرافعي: حُجَّةُ الإسْلاَم في حق من يَتَأَهَّل لَهَا تقدم على حَجَّةِ القَضَاءِ، وصورة اجتماعهما أن يفسد الرقيق حَجَّة ثم يعتق فعليه القضاء، ولا يجزئه عن حَجَّة الإسلام فإن القضاء يتلو تلو الأَدَاء؛ وكذا حجة الإسلام على حَجَّة النذر، ولو اجتمعنا معِ حجَّة الإسلام قدمت هي، ثم القضاء الواجب يأصْلِ الشّرع، ثم المنذورة تقديماً للأهَمِّ فالأهَمِّ.
ومن عليه حجة الإسلام ليس له أن يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وكذا من عليه حجة نذر أو قضاء.
قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله- يجوز التطوع بالحج قبل أداء الفَرْضِ، ويجوز لِمَن عَلَيْهِ الحَجُّ أن يَحُجَّ عن غيره، وأظهر ما روي عن أحمد -رحمه الله- مثل مذهبنا.
لنا: ما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَن شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: أَخِي أَوْ قَرِيبٌ لِي فَقَالَ

أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ -وَفِي رِوَايَةٍ- هَذِهِ عَنْكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ" 1. دل الحديث على أنه لا بد من تقديم فرضِهِ نفسه على ما لو استؤجر له، وفهم منه أنه لا بُدَّ من تقديم فَرْض على ما يُتَطَوَّع به، والعمرة إذا أوجبناها كَالْحَجِّ في جميع ذلك.
وقوله في الكتاب: (ثم بالقضاء ثم بالنذر) اعْلِمَ بالواو؛ لأن الإمام -رحمه الله- أشار إلى تردد في تقديم القَضَاء على النَّذْرِ، وتابعه المصنف في "الوسيط".
والصَّحيح: ما ذكره في، الكتاب.
إذا تقرر ذلك فلو أنه غَيَّرَ الترتيبَ المَذْكُورَ فقدم ما يجِبُ تأخيرُه لَغَتْ نَيَّتُه، ووقع على الترتيب المَذْكُور.
ولو استأجر المعضوب من يحج عن نذره وعليه حَجَّة الإسلام فنوى الأجير النذر وقع عن حجَّة الإِسْلام.
ولو استأجر من لم يحج عن نفسه وهو الذي يسمى ضرورة ليحج عن المستأجر فنوى الحَجَّ عنه لغت إضافته ووقع عن الأجير.
وينبغي أن يُعَلَّم قوله في الكتاب: (وقع عنه دون المستأجر) بالألف، لأن عن أحمد -رحمه الله- رواية أنه لا يقع عنه ولا عن المستأجر، بل يلغى، ولو نذر ضرورة أن يَحُجّ في هذه السَّنة ففعل وقع عن حَجَّةِ الإِسْلاَم وخرج عن نذره، وليس في نذره إلا تعجيل ما كان له أن يؤخره.
ولو استأجره لِلضَّرورةِ لِلْحَجِّ في الذِّمة جَاز، والطريق أن يَحُجَّ عن نفسه ثُمَّ عن المستأجر في سُنَةٍ بَعْدَهَا، وإجارة العين تفسد لأَنَّه يتعين لها السَّنة الأولى، فإن إجازة السنة القابلة لاَ تَجُوز.
وإذا فسدت الإجازة نظر إن ظنه قد حَجَّ فبان ضرورة لم يستحق أجرة لتغريره، وإن علم أنه ضرورة وقال: يجوز في اعتقادي أن يحج الضرورة عن غيره فَحَجَّ الأجير يقع عن نفسه كما تقدَّم، ولكن في استحقاقه أجرة المثل قولان أو وجهان سيأتي

نظائرهما.
ولو استأجر للحج من يحج ولم يعتمر أو للعمرة من اعتمر ولم يحج فقرن الأجير وأحرم بالنسكين جميعاً عن المستأجر أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالآخر عن نفسه فقد حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه قولين: الجديد: هما يقعان عن الأجير؛ لأن نسكي القَرَآن لا يتفرقان لاتحاد الإِحْرَام، ولا يمكن صَرْفُ ما لم يَأْمُر به المُسْتأجِر إليه.
والثاني: أن ما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر عن الأَجِير، وعلى القولين لو استأجر رجلان من حج واعتمر أحدهما ليحج عنه، والآخر ليعتمر عنه فقرن عنهما، فعلى الأول يقعان عن الأجير، وعلى الثاني يقع عن كُلِّ واحدٍ منهما ما استأجره له.
ولو استأجر المعضوب رجلين ليُحجَّا عنه في سنة واحدة أحدهما حُجَّة الإسلام والآخر حجَّة قضاء أو نذر، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن حجة الإسلام لا تتقدم على غَيْرِها.
وأظهرهما: ويحكى عن نصه في "الأم" الجواز؛ لأن غيرها لا يتقدم عليها، وهذا القدر هو المرعي، فعلى الأول إن أحرم الأجيران معا يُصْرَف إحرامهما إلى نَفْسيهِمَا، وإن سبق إحرام أحدهما وقع ذلك عن حُجَّةِ الإِسْلاَم عن المستأجر، وانصرف إحرام الآخر إلى نَفْسِه.
ولو أحرم الأجير عن المستأجر ثم نذر حَجّاً نُظِر إن نذر بعد الوقوف لم ينصرف حَجُّه إليه، ووقع عن المُسْتَأجر، وإن نذر قبله فوجهان: أظهرهما: انصرافه إلى الأجير.
ولو أحرم الرجل بحج تطوعاً ثم نذر حجاً بعد الوقوف لم ينصرف إلى النَّذر وإن كان قبله فعلى الوجهين، -والله أعلم-.
وقد ذكرنا في خلال الكلام ما يتعلق بلفظ الكتاب وبالقيد الذي أوردناه في أول الفَصْلِ يعرف أن قوله: (ولا بد من الترتيب في الحج إلخ) محمول على عن يصح منه حَجَّة الإسلام وإلاَّ فالصبي والعَبْد إذا حَجَّا فقد تقدم في حَقِّهِمَا غير حجة الإسلام على حَجَّة الإسلام.
ولو استأجر المعضوب من يحج عن تلك السنة فأحرم الأجير عن نفسه تطوعاً فقد روى الإمام عن شيخه أن إحرامه ينصرف إلى المستأجر؛ لأن حَجَّة الإجارة في هذه السَّنة مستحقة عليه، والمستحق في الحَجِّ مقدم على غيره، وعن سائر الأصحاب أنه لا ينصرف؛ لأن استحقاقها ليس عن حكم وجوب يؤول، إلى الحَجِّ وإنما يتقدم وَاجِبُ الحَجِّ على تطوعه إذا رجَعَ الوجوب إلى نَفْسِ الحَجّ.
قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ الاسْتِنَابَة، وَالنَّظَرُ في ثَلاَثة أطْرَافٍ: الطَّرْفُ

الأَوَّلُ جَوَازُ الاسْتتَابَةِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ لِلْعَاجِزِ عَنِ المُبَاشَرَة بالمَوْتِ أَوْ بِزَمَانَةٍ (م) لاَ يُرْجَى زَوَالُهَا، وَإنَّمَا يَجُوزُ في حَجَّة الإسْلاَمِ إذَا وَجَبَ بالاسْتِطَاعَةَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الوُجُوبِ أَو امْتَنَعَ الوُجُوبُ لِعَدَمِ الاسْتِطَاعَةِ، وَفِي الاسْتِئْجَار لِلتَّطَوُعِ قَوْلاَن.
قال الرافعي: قد مر أن الاستطاعة نوعان: استطاعةُ مُبَاشَرة، واستطاعة استنابة، وحصل الفراغ عن أولهما وأما الثاني: فتمس الحاجة فيه إلى بيان أنه متى تجوز الاستنابة؟ ومتى تجب؟ ثم هي قد تكون بطريق الاستئجار، وقد تكون بغيره، فهذه أربعة أطراف، وقد تكلم فيها جميعاً لكن اختصر على ترجمة ثلاثة منها الجواز والوجوب والاستئجار.
وأما الاستنابة بغير طريق الاستئجار فقد أدرج مَسَائِلَها في الطرف الثاني.
الأول: في حال جواز الاستنابة.
لا يخفى أن العبادات بعيدة عن قبول النيابة، لكن احتمل في الحج أن يحج الشَّخْصُ عن غيره إذا كان المحجوج عنه عاجزاً عن الحَجِّ بنفسه إما بسبب الموتَ وإمَّا بكبر أو زَمَانَة أو مَرَض لا يُرْجَى زوالةُ.
أما بسب الموت فلما روى عن بريدة قال "أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ، فَقَالَ حجِّي عَنْ أُمِّك" 1. وأما بالكِبَر ونحوه فلما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفأَحجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" 2. ويروي "كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ" 3. والمعتبر أن لا يثبت على الرَّاحِلَةِ أصْلاً أو لا يثبت إلا بمَشَقَّةِ شَدِيدَةٍ، فالمقطوع اليدين أو الرجلين إذا أمكنه الثبوت على الرَّاحِلَة من غير مَشَقَّةِ شديدةٍ لا تجوز النيابة عنه، وكذا لا تجوز النيابة عمن لا يثبت على الرَّاحِلَة لمرض يَرْجُو زوالَه فإنه يتوقع مباشرتُه له، وكذا من وَجَبَ عليه الحَجُّ ثم جُنَّ لم يكن للولي أن ينيب عنه؛ لأنه رُبَّما يفيق فَيَحُجُّ بنفسه، فإن أنساب عنه ومات ولم يفق ففي إجزائه قولان كما لو استناب من يرجو زوال مرضه فَلَمْ يَزُل، وهذا كلّه في حَجَّة الإسْلام، وفي معناها حجة النَّذْرِ، حكى ذلك عن نصه، ويلحق بهما القضاء.

وأما حجَّة التطوع فهل يجوز استنابة المَعْضُوب فيها واستنابة الوارث للميت؟ فيها قولان: أحدهما: لا، لبعد العبادات البدنية عن قَبولِ النِّيابة، وإنما جوزنا في الفَرْضِ للضرورة.
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- نعم؛ لأنها عبادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها كأَداءِ الزَّكاة، ولو لم يكن الميت قد حَجَّ ولا وجب عليه لعدم الاستطاعة ففي جواز الإِحْجَاج عنه طريقان نقلهما الإمام.
أحدهما: طرد القولين؛ لأنه لا ضرورة إليه.
والثاني: القطع بالجَوازِ لوقوعه عن حَجَّةِ الإسلام.
فإن جوزنا الاستئجار للتطوع فللأجير الأجرة المسماة، ويجوز أن يكون الأجير عبداً أو صبياً بخلاف حُجَّة الإسْلاَمِ لا يجوز استئجارهما فيها؛ لأنهما لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، وفي المنذورة الخِلاَفُ المشهور في أنه يسلك بالنذر مسلك الوَاجِبَات أم لا، وإن لم نجوز الاستئجار للتطوع وقع الحجُّ عَن الأَجِير ولم يستحق المسمى، وفي أجرة المثل قولان مَرْوِيان عن "الأم": أحدهما: أنه لا يستحق أيضاً لوقوع الحَجّ عنه.
وأظهرهما: عند المُحَامِلِي وغيره أنه يستحقها؛ لأنه دخل في العَقْدِ طَامِعاً في الأجرة وتلفت منفعته عليه، وإن لم ينتفع بها المستأجر فَصَار كما لو اسْتُؤجِرَ لِحَمْلِ طَعَامٍ مَغْصُوبٍ فحمل يستحق الأُجْرَة 1. وأما لفظ الكتاب فقوله: (وإنما يجوز للعاجز عن المباشرة) ليست اللام في قوله (للعاجز) لإضافة فعل الاستنابة إليه؛ لأن العاجز بالموت لا يتصور منه الاستنابة وإنما المراد كون الاستنابة للعاجز، ثم هي قد تصدر منه وقد تصدر من غيره، ويجوز أن يرقم بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد تجوز الاستنابة للصَّحِيح أيضاً في حَجَّةِ التَّطَوع.
وقوله: (أو بزمانة) معلم بالميم؛ لأن عند مالك لا تجوز النِّيَابة عَنِ الحَيِّ وإنما تجوز عن الميت.

وقوله: (وإنما تجوز في حَجَّة الإسلام) يفهم الحَصْرُ فيها، لكن النَّذر والقَضَاء في معناه كما سبق، ولإفهامه العصر أعلم بالميم والحاء والألف إشارة إلى أنهم يجوزونها في حجة التطوع أيضاً.
وقوله: (أو مات قبل الوجوب إذا امتنع الوُجوب لعدم الاستطاعة) جواب على طريقة نَفْي الخِلاَف في المَسْألة أو على أظهر القولين على الطَّريقة الأخرى فَلْيُعَلَّم بالواو.
واحتج في الجواز بما روى: "أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِنَّ فَرِيضَةَ الحَجَّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كبِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحِجَّ أَفَأحجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" 1. وليس هذا الاحتجاج بقوي؛ لأن هذا الحديث هو حديث الخَثْعَمِيَّة واللفظ المشهور في حديثها: "لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ" 2. وذلك يَدُلُّ على أن اللَّفظة التي نقلها -أن يثبت- محمولة على نفي استطاعة المباشرة وذلك لا ينفي وجوب الحَجِّ، والمسألة فيمن لا وجوبَ عليه، ويجوز أن يحتج له بحديث بُرَيْدَة فإن المرأة قالت: إن أمي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجّ، ولم يفصل الجواب -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا اسْتَأجَرَ المَعْضُوبَ حَيْثُ لاَ يُرجَى زَوَالِهِ فَمَاتَ أَوْ حَيْثُ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ فَشُفِيَ فَفِي وُقُوعِ الحَجِّ مَوْقِعَة قَوْلاَنِ يُنْظَرُ فِي أَحدِهِمَا إلَى الحَالِ وَفِي الآخِرَ اِلى المَآل، إنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لاَ يَقَعُ عَنْهُ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يَقَعُ عَنْ تَطَوُّعِهِ وَيَكُونُ هَذَا عُذْراً فِي تَقْدِيمِ التَّطَوُّعِ كَالصِّبَا والرِّقِّ، ثُمَّ يَسْتَحِقُّ الأَجِيرُ الأُجْرَةَ وَلاَ يَجُوز الحَجُّ عنِ المَعْضُوبِ لِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيَجُوزُ عنِ المَيْتِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ (م ح) وَيَسْتَوِي فِيهِ الوَارِثُ والأجْنَبيُّ.
قال الرافعي: المعلول الذي يرجى زوال علته ليس له أن يَحُجَّ عن نفسه كما مَرَّ فإن أحج نظر إن شفي لم يجزئهُ ذلك قولاً واحداً، وإن مات ففيه قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -يجزئه؛ لأنه تبين أنها كانت غير مرجوة الزَّوال.
الثاني: لا يجزئه؛ استنابة لم تكن جائزة له حينئذ قال الأئمة وهذا أظهر، وعلى عكسه لو كانت غير مرجوة الزَّوال فأحج عن نفسه ثم شفي فطريقان: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب طرد القولين، وبالثاني قَلَ أَبُو حَنِيفة، ويروي الأول عن مَالِك وأحمد -رحمهما الله-.
والثَّاني: القطع بأنه لا يُجْزئه.

والفرق أن الخطأ في الصُّورة الأولى غير مستيقن؛ لجواز أن لا يكون المَرَضُ بحَيْثُ يوجب اليَأْسَ ثم يزداد فيوجبه فيجعل الحكم للمال، وهاهنا الخطأ مستيقن إذ لا يَجوز أن يكون اليَأْسُ حَاصِلاً ثم يزول، والطاردون للقولين في الصُّورتين قالوا: مأخذهما فيهما أن النظر إلى الحال أو إلى المآل إن نظرنا إلى الحال لم يجزه في الصورة الأولى، وأجزأ في الثَّانيَةِ، وإن نظرنا إلى المآل عكسنا الحكم فيهما، وربما شبه القولان بالقولين فيما إذا رأوا سواداً فظنوه عَدُوّاً فَصَلُّوا صلاة الخَوْفِ ثم تبين خِلافَهُ هل تجزئهم الصَّلاة؟ والأظهر عَدَمُ الإِجْزَاء؛ وقد عرفت مما ذكرنا أنه يجوز أن يكون قوله في الكتاب: (قولان) معلَّمان بالواو للطريق الثاني في الصورة الثانية.
التفريع: إن قلنا إن الحجة المأتيَّ بها تُجْزِئه استحق الأُجرة المسماة لا مَحَالة.
وإن قلنا: إنها لا تجزئه فهل تقع عن تطوعه أم لا تقع عنه أصلاً؟ فيه وجهان: أحدهما: حكى الإمام عن شيخه عن القفَّال أن من أئمتنا من قال: إنه يقع عن تَطَوُّعِهِ ويكون العضب النَاجِز بمثابة الرِّق والصِّبَا في كونه عذراً لتقديم التطوع على حَجَّة الإِسْلاَم.
والثاني: أنها لا تقع عنه أصلاً كما لو استأجر ضرورة ليحج عنه وذكر صاحب الكتاب أن الأول هو الصحيح، لكن الإمام والجمهور استبعدوه، فإن قلنا: لا يقع عنه أصلاً فهل يستحق الأجير الأجرة؟ فيه قولان: أحدهما: نعم؛ لأنه عمل له في اعتقاده.
وأصحهما: لا، لأن المستأجر لم ينتفع به، فإن قلنا: بالأول: فماذا يستحق الأجير الأجرة المسماة أم أجرة المثل؟ فيه وجهان مأخذهما أنا هل نتبين فساد الاستئجار أم لا؟ وإن قلنا: إنه يقع عن تطوعه فالأجير يستحق الأجرة، وماذا يستحقه المسمى أو أجرة المثل؟ عن الشيخ أبي محمد أنه لا يمتنع تخريجه على الوجهين؛ لأن الحَاصِلَ غير ما ابتغاه.
الثانية: لا يجزئ الحَجّ عن المَعْضُوب بغير إذنه بخِلاَف قضاء الدَّيْنِ عن الغير؛ لأن الحَجَّ يفتقر إلى النية وهو أهل للإذن وللنية وإن لم يَكن أهلاً للمباشرة، وروي في "التتمة" عن أبي حامد المرورزي -رحمه الله- جواز الحج بغير إذنه، ويجوز الحَجُّ عَنِ المَيِّتِ، بل يجب عند استقراره عليه، سواء أوصى به أو لم يُوصِ خلافاً لأبي حنيفة ومالك حيث قالا: إن لم يوص لم يحج عنه ويسقط فرضه بالموت.
لنا: ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحجَّ وَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحَجَّ أَفَأحَجُّ عَنْهَا فَقَالَ: لَوْ

كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قاضيه؟ قال: نعم، قَالَ: فَاقْضُوا حَقَّ اللهِ -تَعَالَى- فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" 1. ويستوي في الحَجِّ عن الميت الوارث والأَجْنَبِي تشبيهاً بقضاء الدَّيْنِ.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي وُجُوب الاسْتِنَابةِ وَذَلِكَ عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا مِنَ المُكَلَّفِ الحُرِّ بِمَالِ يَمْلكُهُ فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَافِيًا بِأُجْرَةِ الأجِيرِ رَاكباً، فَإنْ لَمْ يَجِدْ إلاَّ مَاشِياً لَمْ يَلْزَمْهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الخَطَرِ عَلَى المَال.
قال الرافعي: قصد بهذا الطرف بيان أن الاستنابة متى تجب على المَعْضُوب.
فأما وجُوبُ الإِحْجَاج عن الميت الذي وجب عليه الحَجُّ فقد تَعَرَّضَ له في كتاب الوصية، والمعضوب تلزمه الاستنابة في الجُمْلَةِ، ولا فرق بين أن يطرأ العَضَبُ بعد الوُجوبِ وبين أن يبلغ معضوباً واجداً لِلْمَال، وبه قال أحمد.
وعند مالك لا استنابة على المعْضُوب بِحَالٍ، لأنه لا نيابة عن الحَيِّ عنده، ولا حج على من لا يستطيعه بنفسه.
وعن أبي حنيفة: أنه لا حَجّ على المعضوب ابتداء لكن لو طَرَأَ العَضَبُ بعد الوُجوبِ لم يَسْقُط، وعليه أن ينفق عَلَى مَن يَحُجَّ عنه.
إذا تقرر ذلك فلوجوب الاستنابة عن المعضوب طريقان يشتمل هذا الفَصْلُ على أَحَدِهِمَا وهو أن يجد مالاً يستأجر به من يَحُجَّ، والشرط أن يكون فاضلاً عن الحَاجَاتِ المذكورة فِيمَا لَوْ كَانَ يحج بِنَفْسِهِ إلا أنا اعتبرنا ثَمَّ أن يكون المَصْرُوف إلى الزَّادِ والرَّاحِلَةِ فاضلاً عن نفقة عِيَالِهِ إلى الإِيَابِ، وهاهنا يعتبر أن يكون فاضلاً عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار، ولا يعتبر بعد فَرَاغِ الأَجِير من الحَجِّ إلى إيابه، وهل تعتبر مُدَّةُ الذِّهَابِ حكى صاحب "التهذيب" -رحمه الله- فيه وجهين: أصحهما: إنها لا تُعْتَبر.
بِخِلافَ ما لو كان يَحُجُّ بنفسه فإنه إذا لم يفارق أهله يمكنه تحصيل نفقتهم.
قال الإمام: وهو كما في الفطرة لا يعتبر فيها إلا نفقة اليَوْم، وكذلك في الكَفَّارَات المُرَتَّبَةِ إذا لم نشترط تَخْلِيف رأس المَالِ، ثم إن وَفَّى ما يجده بأجْرَة أَجِيرٍ رَاكبٍ فذاك، وإن لم يَجِدْ إلا أجرة مَاشٍ ففي لزوم الاستئجار وجهان: أصحهما: يلزم بخلاف ما لو كان يَحُجُّ بنَفْسِهِ، لا يكلف المشي؛ لما فيه من المَشَقَّة ولا مشقة عليه في المشي الذي تَحَمَّلَهُ الأَجِيرُ.

والثَّاني -ويحكى عن اختيار القَفَّالِ-: أنه لاَ يلزم؛ لأن المَاشِي عَلَى خَطَرٍ، وفي بذل المَالِ في أجرته تَغْرِيرٌ به، ولو طلب الأَجِيرُ أكثرَ مِنْ أُجْرَةِ المثل لم يلزم الاستئجار، وإن رَضِيَ بأقل منها لَزِمَه، وإذا امتنع من الاستئجار فهل يستأجر عليه الحاكم؟ فيه وجهان: أشبههما: أنه لا يستأجر، وقوله في الكتاب: (من المكلف الحُر) كالمستغنى عنه في هذا المَوْضِع؛ لأنه قد سَبَقَ بَيَانُ اشْتِرَاط التَّكليف والحُرِّيَةِ فِي وجُوب الحَجِّ، وكلامنا الآن في شَرْطِ الاسْتِطَاعَة، وإذا كُنَّا فِي ذكر أَحَدِ شروط الشَّيْءِ لم نَحتج إلى التَّعرض فيه لِسَائِرِ الشّروط وإلا لا نجر بنا الأمر إلى ذِكرِ كُلِّ شَرْطٍ في كُلِّ شرط -والله أعلم-.
قال الغزالي: وإنْ قَدَرَ بِبَذْلِ الأجْنَبِيِّ مَالاً لَمْ يَلْزَمْهُ القَبُولُ لِلْمِنَّةِ، وإنْ بَذَلَ ابْنُهُ الطَّاعَةَ فِي الحَجِّ عَنْهُ وَجَبَ القَبُولُ (ح)، وَإِنْ بَذَلَ الأَجْنَبِيُّ الطَّاعَةَ أَوْ الابْن المَالَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ الابْنُ مَاشِياً فَفِي لُزُوم القَبُولِ وَجْهَانِ، وَإن كَانَ مُعَوَّلاً فِي زَادِهِ عَلَى الكَسْبِ أَوْ عَلَى السُّؤَالِ فَخِلاَف مُرَتَّبٌ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ.
قال الرافعي: الطريق الثاني: ألا يجد المالَ ولكن يَجِد مَنْ يحصل له الحَجَّ، وفيه صور: إحداها: أن يبذل الأَجْنَبِي مَالاً لِيَسْتأجر به، وفي لزوم قَبُولِهِ وَجْهَانِ حكاهما الحَنَّاطِيُّ وغيره.
أحدهما: يلزم؛ لحصول الاستطاعة بما يبذله.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لاَ يُلْزَم؛ لما فيه من المِنَّةِ الثَّقِيلَةِ.
والثانية: أن يبذل واحداً مِنْ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ وأولادِهم الطَّاعة في الحَجِّ، فيلزمه القبول والحَجّ 1 خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-.
لنا أن وجوب الحَجِّ مُعَلَّقٌ في نَصِّ القرآن بوجود الاستطاعة، وإنَّهَا تارة تكون بالنَّفْس، وتارة بالأعوان والأنْصَار، ألا ترى أنه يصدق ممن لا يحسن البناء أن يقول: أنا مُسْتَطِيعٌ لبناء دَارٍ إذا تمكن منه بالأسباب والأعوان.
إذا تقرر ذلك فيشترط فيه أن لا يكون المُطِيعُ ضرورة ولا معضوباً وأن يكون

موثوقاً بِصِدْقِهِ، وإذا توسم أثر الطَّاعة فَهَلْ يلزمه الأمر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الظَّنَّ قَدْ يُخْطِئ.
وأظهرهما: نعم إذا وثق بالإجابة؛ الحصول لاستطاعة، وهذا ما اعتمده أصْحَاب الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وحكوه عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه-.
ولو بذل المطيع الطاعة فلم يأذن المُطاع فهل ينوب الحاكم عنه؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن مبنى الحَجِّ على التَّراخِي، وإذا اجتمعت الشَّرَائِطُ ومات المطيع قبل أن يأذن فإن مضى وقت إمكان الحَجِّ استقر في ذِمَّتِهِ وإلاَّ فَلاَ، ولو كان له من يطيع ولم يعلم بطاعته فهو كما لَوْ كان له مَالٌ موروثٌ ولم يَعْلَمْ بِهِ، وشبه ابْنُ الصَّبَّاغ ذَلِكَ بما إذا نَسِيَ المَاء فِي رَحْلِهِ ففي سقوط الفرض قولان، وشبهه صاحب "المعتمد" بالضَّال والمَغْصُوبِ وفي وجوب الزَّكاة فيهما خلاف قد مَرَّ.
ولك أن تفرق بين الحَجِّ وغيره فتقول: وجب أن لا يلزم الحج بحالٍ؛ لأنه مُعَلَّق بالاسْتِطَاعة ولا استطاعة عِنْدَ عدم الشُّعور بِالمَالِ والطَّاعَة.
وإذا بذل الوِلد الطَّاعة ثم أراد الرجوع فإن كان بَعْدَ الإحْرَامِ لَمْ يَجِدْ إِلَيهِ سَبِيلاً، وإن كان قَبْلَه رجع على أَظْهَر الوَجْهَيْنِ 1. والثالثة: أن يبذل الأجنبيُّ الطَّاعةَ ففي لزوم القبول وَجْهَان.
أصحهما: وهو ظَاهِر نصه في "المختصر"، أنه يلزم لِحُصُولِ الاسْتِطَاعَة كما لو كان البَاذِلُ الوَلَدَ.
والثاني: لا يلزم؛ لأن الوَلَد بِضْعَةٌ مِنْهُ فنفسه كنفسه بخلاف غيره، والأخ والأب في بَذْل الطَّاعَةِ كالأجْنَبِيّ؛ لأن اسْتِخْدَامَهُمَا ثَقِيلٌ، وفي بعض تعاليق الطبرية حكاية وجه أن الأب كالابن، كما أنهما يستويان في وجوب النفقة وغيره.
الرابعة: أن يبذل الولدُ المالَ ففي لزوم قبوله وَجْهَان: أحدهما: يلزم كما لو بَذَلَ الطَّاعة.
وأصحهما -وبه قال ابنُ سُرَيْج-: لا يلزم؛ لأن المِنَّة في قبول المال أَعْظَم، ألا ترى أن الإنسان يستنكف عن الاستعانة بمالِ الغَيْرِ، ولا يستنكف عن الاستعانة ببدنه في

الأشْغَال، والوجهان صَادِران من القائلين بعدم وُجوب القَبُول من الأجْنَبي، فإن أوجبناه فهاهنا أولى.
وبذل الأب المال للابن كبذل الابْنِ المال للأب أو كبذل الأجنبي؟ ذكر الإمام -قدس الله روحه- فيه احتمالين: أظهرهما: الأول.
فرع: جميع ما ذكرنا في بذل الطاعة مفروض فيما إذا كان رَاكباَ، أما إذا بذل الابن الطاعة على أن يحج عنه ماشياً ففي لزوم القبول وجهان: أحدهما: لا يلزم كما لا يلزم الحج ماشياً.
والثاني: يلزم إذا كان قوياً فإن المشقة لا تناله، وهذان الوجهان مرتبان عند الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ على الوجهين في لزوم استئجار الْمَاشِي قال: وهذه الصُّورة أولى بالمنع؛ لأنه يعز عليه مشي ولده، وفي معناه ما إذا كان المطيعُ الوَالِدَ وأوجبنا القبول، ولا يجيء التَّرتيبُ فِيمَا إِذَا كان المطيعُ الأجنبيَّ، وإذا أوجبنا القبولَ والمطيع ماشٍ فهو فيما إذا كان مَالِكاً للزَّادِ، فإن عوّل على الكَسْبِ في الطريق ففي وجوب القبول وجهان، وأولى بالمنع؛ لأن المكاسب قد تنقطع في الأسفار، فإن لم يكن كسوباً أيضاً وعول على السُّؤَال فأولى بالمنع؛ لأن السَّائِل قد بُرَدّ، فإن كان يركب مفازة لا يجدي فيها كسب ولا سؤال لم يجب القَبُول بلا خلاف إذ يحرم عليه التغرير بالنَّفْس 1. قال الغزالي: وَمَهْمَا تَحَقَّقَ وُجُوبُ الحَجِّ فَالْعُمْرَةُ تَجِبُ (م ح) عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرافعي: في كون العمرة من فَرائض الإسْلام قولان: أصحهما -وبه قال أحمد-: أنها من فرائضه كالحَجِّ، روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَنَّهُ كَقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ" 2. وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ" 3.

والثاني: وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله- أنها سُنَّة؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه-: "أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: لاَ وَإِنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أَفْضَلُ" 1. والأول هو قوله في الجديد، والثاني القديم.
وأشار بعضهم إلى ترديد القول فيه جديداً وقديماً.
وإذا قُلْنَا بالوجوب فهي من شَرَائط مطلق الصِّحة، وصحة المباشرة والوجوب والإجزاء عن عمرة الإسلام على ما ذكرنا في الحَجْ، وفي قوله: (ومهما تحقق وجوب الحج) إشارة إلى أن شرائط وجوب العمرة كشرائط وجوب الحَجِّ، وإن الاسْتِطَاعَة الوَاحِدَة كَافِيَةٌ لهما جميعاً.
قال الغزالي: الطَّرَف الثَّالِثُ فِي الاسْتِئْجَارِ وَالنَّظَرِ فِي شَرَاِئطِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَأَمَّا شُرُوطُهُ فَمَذْكُورَةٌ فِي الْإِجَارَةِ، وَلتُرَاعَ هَهُنَا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: الأَوَّل أَنْ يَكُونَ الأَجِيرُ قَادِراً فَإِنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفاً أَوْ طَالَتِ المَسَافَةُ مَعَ ضِيقِ الوَقْتِ لَمْ يصحَّ، وَلاَ بَأْسَ بِهِ فِي وَقْتِ الأنْدَاءِ وَالثُّلُوجِ فَإِنْ ذَلِكَ يَزُولُ، ثمَّ لُيُبَادِرِ الأجِيرُ مَعَ أَوَّلِ رُفْقَةٍ وَلاَ يُلْزَمُهُ المُبَادَرَةَ وَحْدَهُ الثَّاني أَنْ لاَ يُضِيفَ لحَجَّ إِلَى السَّنَةِ القَابِلَةِ (ح) إلاَّ إِذَا كانَتِ المَسَافَةُ بِحَيْثُ لاَ تُقْطَعُ فِي سَنَةٍ أَوْ كَانَتِ الإِجَارَة عَلَى الذِّمَّةِ.
قال الرافعي: لك أن تعلم لفظ: (الاستئجار) بالحاء والألف، لأن عندهما لا يجوز الاستئجار على الحَجِّ كما في سائر العبادات ولكن يُرْزَق عليه، ولو استاجر كان ثواب النفقة للآمر، وسقط عنه الخطاب بالحج، ويقع الحَجّ عن الحَاجِّ.
لنا: أنه عمل تَدْخُله النيابة فيجزئ فيه الاستئجار كتفريق الزَّكَاة، وعندنا يجوز الحَجُّ بالرزق 2 كما يجوز بالإجارة، وذلك بأن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك، ذكره في "العدة"، وإذا استأجره بالنفقة لم يصح؛ لأنها مجهولة والأجرة لاَ بُدَّ أن تكون معلومةٌ.
واعلم أن الاستئجار في جميع الأعمال على ضربين.
استئجار عين الشَّخْصِ.

وإلزام ذمته العمل.
فنظير الأول: من الحَجِّ أن يقول المعضوب: استأجرتك لِتَحُجَّ عَني، أو يقول الوارث: لِتَحُجَّ عَنْ مَيِّتِي.
ونظير الثاني: أن يقول: ألزمت ذِمَّتُكَ تَحْصِيلَ الحَجِّ.
والضربان يفترقان في أمور ستعرفها.
ثم للاستئجار شروط لا بد منها لِيَصِح، وإذا صَحَّ فله آثار وأحكامٌ وموضع ذكر ما يتعلق منها بمطلق الاستئجار "كتاب الإجارة" وفَصَّل هاهنا ما يتعلق بخصوص الحَجِّ فذكر أنه يراعي في الشّروط أربعة أمور، وهذا الفصل يشتمل على اثنين منها.
وشرحها أن كل واحد من ضربي الإجارة إما أن يعين زمان العَمَلِ فيه، أو لا يعين، وإن عين فأما أن يعين السَّنَة الأولى أو غيرها.
فأما في إجارة العين إن عينا السَّنة الأولى جاز بشرط أن يكون الخُروجُ والحجُ فيما بقي منها مقدوراً للأجير، فلو كان مريضاً لا يمكنه الخروج أو كان الطريق مخوفاً أو كانت المسافة بحيث لا تقطع في بقية السّنة لم يصح العقد؛ لأن المنفعة غير مقدور عليها، وإن عينا غير السنة الأولى بطل العَقْدُ كاستئجار الدَّارِ الشهر القابل.
نعم، لو كانت المسافة شَاسِعة لا يمكن قطعها في سَنَةٍ لم يضر التأخير، والمعتبر السَّنة الأولى من سِنِيِّ إمكان الحَجِّ من ذلك البلد.
وإن أطلقا ولم يعينا الزَّمان فهو محمول على السَّنَةِ الأُولَى فيعتبر فيها ما ذكرنا.
وأما في الإجارة الواردة على الذِّمَّةِ فيجوز تعين السَّنَةِ الأُولَى وغيرها، وهو بمثابة الدَّيْنِ في الذِّمَّة قد يكون حالاًّ وقد يكون مُؤَجَّلاً، وإن أطلقا فهو كما لو عينا السنة الأولى 1. إذا عرفت ذلك عرفت أن الأمرين المذكورين في الفَصْلِ لَيْسَا وَلاَ وَاحِدٍ منهما شَرْطاً في مُطْلَق الإِجَارَة.
أما الثاني: فلا مجال له في الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْهَا، ولا هو بمضطرد في الأول كَمَا صَرَّحَ بِهِ في الكِتَاب.

وأما الأول: وهو قدرة الأجير فلأنه لو كانت الإجارة على الذِّمَّة لم يقدح كَونُه مريضاً بحال؛ لإمكان الاستنابة، ولا يقدح خَوْفُ الطَّريق ولا ضيق الوقت أيضاً إنْ عَيَّنَ غَيْرَ السَّنَةِ الأُولَى.
وأما قوله: (ثم ليبادر الأجير مع أول رفقة) فاعلم أن قضية كلام المُصَنف والإمام تجويز تقديم الإجارة على خروج النَّاس وأن له انتظار خروجهم، ولا يلزمه المبادرة وحده، والذي ذكره جمهور الأصحاب على طبقاتهم ينازع فيه ويقتضي اشتراط وقوع العُقْدِ في زمان خُروجِ النَّاسِ من ذلك البَلد، حتى قال: صاحب "التهذيب": لا يصح استئجار العين إلاَّ في وَقْتِ خروج القَافِلَةِ من ذلك البَلَدِ بحيث يشتغل عُقَيْبَ العَقْدِ بالخُروج أو بأسبابه من شراء الزاد ونحوه، فإن كان قبله لم تصح؛ لأن إجارةَ الزَّمَانِ المُسْتَقبَلِ لا تجوز، وبنوا على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكَّة لم يجز إلا في أشْهُرِ الحَجِّ ليمكنه الاشتغال بالعمل عُقَيْبَ العَقْدِ، وعلى ما أورده المصنف فلو جرى العقد في وقت تراكم الثُّلوج والأنداء فقد حكى الإمام فيه وجهين روى عن شيخه أنه يجوز؛ لأن توقع زَوَالِهَا مَضْبُوط، وعن غيره أنه لا يجوز لتعذر الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف انتظار الرفقة فإن خروجها في الحال غير متعذر، والأول هو الذي أورده في الكتاب، وهذا كله في إجارة العين.
فأما الاجارة الواردة على الذِّمَّة فيجوز تقديمها على الخُروج لا محالة 1. واعلم: أن الكلام في أن الأجير يبادر مع أول رفقة ولا يبادر وحده عند من لا يشترط وقوع العَقْدِ في زمان خُروج النَّاس بتعلق بأحكام العقد وآثاره لاَ بشَرَائِطِهِ، وكان من حق الترتيب أن يؤخره ولا يخلطه بالشَّرَائِطِ.
فرع: ليس للأجير في إجارة العين أن يُنِيب غيْرَه؛ لأن الفعل مُضَافٌ إِلَيْهِ، فإن قال: لتحج عَنِّي بنفسك فهو أوضح، وأما في الإجارة على الذِّمةِ ففي "التهذيب" وغيره أنه إن قال: ألزمت ذمتك لتحصل لي حَجَّةً جاز أن يُنيب غَيْرَه.
وإن قال: لتحج بِنَفْسِك لم يجز؛ لأن الأَعْرَاض تَخْتلف باخْتِلاف أَعْيَان الأُجَرَاءِ

وهذا قد حكاه الإمام عن الصَّيْدَلاَنِيِّ وَخَطَّاَهُ فِيهِ، وقال: ببُطْلاَنِ الإجَارَةِ في الصُّورة الثانية؛ لأن الدَّيْنِيَّة مع الرَّبْطِ بمعين يتناقضان فصار كما لو أسلم في ثمرة بستان بعينه، وهذا إشكال قَوِيّ.
قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُ الحَجِّ مَعْلُومَةً لِلأَجِيرِ، وَفِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ المِيقَاتِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ مِيقَاتٌ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُفْضِي إِلَى مِيقَاتَيْنِ وَجَبَ التَّعيِينُ.
قال الرافعي: أعمال الحج معروفة مضبوطة فإن علماها عند العَقْدِ فذاك، وإن جَهِلاَها أو أحدهما فلا بد من الإعلام.
وهل يشترط تعيين الميقات الذي يحرم منه الأجير؟ قال في "المختصر": نعم وعن "الإملاء" وغيره أنه لا يشترط، وللأصحاب فيه طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين، ويحكى ذلك عن ابْنِ سُرَيْج وأبي إسحاق.
أحدهما: يشترط لاختلاف المواقيت قرباً وبعداً، واخْتِلاَف الأغراض باختلافها.
والثاني: لا يشترط ويتعين ميقات تلك البلدة على العادة الغَارِمة، وبهذا أجاب المُحَامِلِيّ في "المقنع" وذكر ابن عَيْدَان أنه الصَّحِيح، وشبهوا هذا الخِلاَفَ بِالْخلاَفِ في التعرض لمكان التّسليم في المسلم والمَعَالِيقِ في إجارةِ الدَّابة.
والثاني: تنزيل النَّصَّيْنِ على حالين، ولمن قال به طريقان: أظهرهما: حمل النَّصِّ الأول على ما إذا كان للبلد طريقان مختلفَا الميقات، أو كان يفضي طريقها إلى ميقاتين كالعقيق وذات عرق، وحمل الثاني على ما إذا كان لها طريق واحدٌ له ميقات واحد.
والثاني: ويحكى عن ابن خَيْرَان أمن حمل الأول على ما إذا استأجر حيّاً والثاني على إذا ما كان الاستئجار لميت، والفرق أن الحي له غرض واختيار، والميت لا اختيار له، والمقصود تبرئة ذمته، وهي تحصل بالإحرام من أي ميقات كان، فإن شرطنا تعيين الميقات فَسَدَت الإجارة بإهْمَاله، لكن يقع الحَجُّ عن المستأجر؛ لوجود الإذن، ويلزمه أَجْرَةُ المِثْلِ، وإذا كانت الاجَارة لِلْحَجِّ والعمرة فلا بد من بيان أنه يفرد، أو يقرن، أو يتمتع؛ لاختلاف الأغراض بها.
قال الغزالي: الرَّابعُ أَنْ لاَ يَعْقِدَ بِصِيغَةِ الجَعَالَةِ، فَلَوْ قَالَ: مَن حَجَّ عَنِّي فَلَهُ مَائَةٌ فَحَجَّ عَنْهُ إِنْسَانٌ نَقَلَ المُزَنِيُّ صِحَّتَهُ، وَطَرَدَهُ الأَصْحَابُ فِي كُلِّ إِجَارَةٍ بِلَفْظِ الجَعَالَةِ، وَالأَقْيَسُ فَسَادُ المُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إِلى أُجْرَةِ المِثْلِ لِصِحَّةِ الإِذْنِ.

قال الرافعي: حكى الأئمة أن المزني -رحمه الله- نقل في المَنْثُور عن نَصِّه أنه لو قال المعضوب: من حَجَّ عني فله مائة درهم فَحَجَّ عنه إنسان استحق المَائِة، واختلاف الأصحاب فيه على وجهين: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: أن هذا النَّص مقرر وتجوز الجُعَالة على كُلِّ عَمَلٍ يصح إيراد الإِجَارَةِ عَلَيْهِ؛ لأن الجعالَة جَائِزَةٌ مع كون العَمَلِ مَجْهُولاً فأولى أن تجوز مع العِلْمِ به.
والثاني -وبه قال المزني-: أن النَّص مخالفٌ مُؤَوَّل ولا تجوز الجعالة على ما تجوز الإجارة عليه؛ لأن العمل غير معين فيها، فإنما يعدل إليها عند تَعَذُّرِ الإجارة للضَّرُورة، وعلى هذا فلو حَجَّ عنه إنْسَان فالمُسَمَّى سَاقِطٌ لِفِسَادِ العَقْدِ ولكن الحج يقع عن المَعْضُوب، وللعامل أُجْرَةُ المِثْلِ لوجود الإِذْنِ وإن فسد العقد، وكذا الحكم فيما لو قال: من خَاطَ ثَوْبِي فله كَذَا فخاطه إنسان وفيه وجه أنه يفسد الإذن؛ لأنه ليس موجهاً نحو معين.
كما لو قال: وَكَّلْتُ من أراد بِبَيْع دَارِي لا يصح التَّوكيل، فإذا تقرر ذلك فلفظ الكتاب هاهنا يرجح الوجه الصَّائر إلى عدم صِحَّة الجعالة فإنه سماه الأقيس، وجعل عدم العقد بصيغة الجَعَالة من الأمور المَرْعِية، لكنه قد أعاد هذه المَسْألة في باب الجعالة، وإيراده هناك يقتضي ترجيح وجه الصِّحة وكلام الأكثرين إليه أميل.
وقوله: (ألاَّ يعقد بصيغة الجعالة) إن كان المراد منه أن لا يعقد الإجَارة بصيغة الجَعَالة فهذا يوهمِ رجوع المنع إلى الصيغة، وكون الجعالة إِجارةً وليس كذلك بل هما عقدان مُخْتَلِفا الأرْكَانِ وإن كان المراد أنه لا يَعْقِدُ عَلَى الحَجِّ الجعالة ذِهَاباً إلى الوجه الثَّاني فَعَدُّه من شروط الإجارة بَعِيدٌ عن الاصْطِلاحَ؛ لأن الامتناع عن العقد الذي لا يجوز إيراده على الشَّيْءِ لا يعد شرطاً في ما يجوز إيراده عليه، وإلا فليكن الامتناع عن البيع وسائر ما لا يقبله الحَجْ شرطاً في الإجارة.
قال الغزالي: أمَّا أحكامُهُ فَتَظْهِرُ بِأحْوَالِ الأَجِيرِ وَهِيَ سَبْعَةٌ الأُولَى إِذَا لَمْ يَحُجَّ فِي السَّنَةِ الأوُلَى أَنْافَسَخَتِ الإِجَارَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ فَلِلْمُستَأْجِرِ الخِيَارُ كَإِفْلاَسِ المُشْتَرِي وَقِيلَ: تَنْفَسِخُ فِي قَوْلٍ كَاَنْقِطَاعِ المُسْلِمِ فِيهِ، فَإِنْ حَكَمْنَا بِالخِيَارِ فَكَانَ المُسْتَأجِرُ مَيِّتاً فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ فَسْخُ الإِجَارَة فَإنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى أَجِيرٍ آخَرَ فَأَجيرُ المَيِّت أَوْلَى.
قال الرافعي: أحكام مطلق الإجارة تذكر في بابها والتي يختص بالاستئجار على الحَجِّ مثبتة على اختلاف حال الأَجِير في عدم الوَفَاء بالملتزم، وهي فيما ذكر سَبْع أحوالٍ.
ووجه حصرها أن عدم الوفاء إما أن يكون بعدم اشتغاله به في السَّنة الأولى، وهو الحالة الأولى، أو بغير هذا الطريق، وهو إما بالشروع فيه على خلاف قضية

الإجارة أو بعدم الاستمرار عليها بعد الشروع على وفاقها، والأول إما بالمخالفة في المِيقَات وهو الحالة الثانية، أو في الأفعال وهو الثالثة.
والثاني: وهو إما أن يكون بتقصير منه أولاً، والأول إما بالإفساد وهو الرّابعة، أو بتغيير النية وهو الخامسة.
والثَّالث: إما بالموت وهو السادسة، أو بالإحصار وهو السابعة.
وفقه الحالة الأولى أنه إذا لم يخرج إلى الحَجِّ في السنة الأولى إِمَّا بِعُذْرٍ أو بغير عذر فينظر إن كانت الإجارة على العَيْنِ انْفَسَخَتْ، وإن كانت في الذِّمة فينظر إن لم يعينَا سَنَةَ فقد قدَّمْنَا أن الحكم كما لو عَيَّنَا السَّنَةَ الأولى، وذكر في "التهذيب" أنه يجوز التأخير عن السَّنَةِ الأولى والحالة هذه لكن يثبت به الخيار للمستأجر.
وإن عينا سنة إما الأولى أو غيرها فأخر عنها هل تنفسخ الإجارة؟ حكى الإمام -رحمه الله- فيه طريقين.
أظهرهما: أنه على قولين كالقولين فيما لو حل السَّلَم والمُسْلَم فِيهِ منقطع.
أحدهما: ينفسخ لفوات مقصود العقد.
وأصحهما: لا ينفسخ كما لو أَخَّرَ أداء الدَّيْنِ عن محله لا ينقطع.
والثاني: القطع بالقَوْلِ الثَّاني.
وإذا قلنا بعدم الانفساخ فينظر إن صدر الاستئجار من المعضوب لنفسِهِ فله الخِيَار لتعوق المقصود -كما لو أفلس المشتري بالثمن- فإن شاء أجاز ليحج في السَّنة الأخرى، وإن شاء فسخ واسترد الأجرة وارتفق بها إلى أن يستأجر غيره؛ وإن كان الاستئجار لميت في ماله وقد ذكر أصحابنا العراقيون أنه لا خيار لمن استأجر في فسخ العقد؛ لأن الأجرة متعينة لتحصيل الحَجِّ فلا انتفاع باستردادها، وتوقف الإمام فيما ذكروه؛ لأن الورثة يستفيدون باسترداد الأجرة صَرْفَهَا إلى من هو أحرى بتحصيل المقصود، وأيضاً فلأنهم إذا استردوها تمكنوا من إِبْدَالِهَا بِغَيْرِهَا، وأورد صاحب "التهذيب" وغيره أن على الولي مراعاة النظر للميت، فإن كانت المصلحة في فسخ العقد لخوف إفلاس الأجير أو هَرَبهِ فلم يفعل ضمن، وهذا هو الأظهر، ويجوز أن يحمل المنسوب إلى العراقيين على أحد أمرين رأيتهما للأئمة.
الأول: صور بعضهم المَنْع فيما إذا كان الميت قد أوصى بأن يحج عنه إنسان بمائة مَثَلاً ووجهه بأن الوصية مستحقة الصَّرف إلى المعين.
الثاني: حكى الحَنَّاطِيُّ: أن أبا إسحاق ذكر في الشَّرْحِ أن المستأجر للميت أن يرفع الأمر إلى القاضي ليفسخ العقد إن كانت المَصْلَحَةُ تقِّضيه وإن لم يستقل به فإذا نزل

مَا ذَكَرُوه على التأويل الأول ارتفع الخلاف، وإن نزل على الثَّاني هَانَ أمرُه.
ولو استأجر إنسان للميت من مال نفسه تطوعاً عليه فهذا كاستئجار المعْضُوب لنفسه فله الخيار، ولو قدَّم الأَجِيرُ الحَجَّ على السنة المعينة جاز وقد زَادَ خَيْراً.
ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (إن لم يحج في السنة الأولى) أي بأن لم يشرع في أعماله وإلا فيدخل فيه ما إذا مات في أثناء الحج، وما إذا أحصر، وما إذا فاته بعد الشُّرُوع فيه، وهذه الصّورة بأحكامها مذكورة من بعد.
وقوله: (إلا إذا كانت على الذِّمَّة فللمستأجر الخِيار) غير مجرى على إطْلاقةِ؛ لأنه لو عَيَّنَ غير السنة الأولى لم يؤثر تأخيره على السَّنَةِ الأولى.
وقوله: (فللمستأجر الخيار كإفلاس المشتري) جواب على الطريقة الجَازِمةَ بعَدَمِ الانفساخ؛ لقوله بعده: (وقيل: ينفسخ في قول).
وأما قوله: (فإن حكمنا بالخيار وكان المستأجر ميتاً فليس للوارث فسخ الإجارة) فاعلم أنا حكينا فيما إذا كان الاستئجار لميت الوجه المنقول عن العِرَاقيين، والذي يقابله، ووراءه صورة أخرى وهي أن يستأجر المَعْضُوبُ لِنَفْسِهِ ثم يموت وُيؤخِّرُ الأجير الحَجَّ عن السنة الأولى هل يثبت الخيار للوارث؟ ولفظ الكتاب مشعر بهذه الصُّورة بعيد عن الأولى تصويراً وتوجيهاً فإنها فيما إذا كان الاستئجار لميت لا فيما إذا كان المستأجر ميتاً والأولى هي التي تكلم الأئمة فِيهَا وأما الثانية فلم نَلْقَها مَسْطُورة، فإن حمل كلام الكتاب على الأولى وجعل ما ذكره جواباً على ما نقل عن العراقيين فهو بعيد، من جهة اللَّفْظِ، ثم ليكن مُعَلَّمَا بالواو الموجه المقابل له وقد ذكرنا أنه الأظهر، وإن حمل على الثَّانية فالحكم بأن الوارث لا خيار له بعيد من جِهَةِ المَعْنَى والقياس ثبوت الخيار للوارث كما في خِيَارِ العَيْبِ ونحوه.
قال الغزالي: الثانية إِذَا خَالَفَ فِي المِيقَاتِ فأحْرَمَ بِعُمْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بحَجِّ المُسْتأجِرِ في مَكَّة، فَفِي قَوْلِ لاَ تُحْسَبُ المَسَافَةُ لَهُ لأَنَّهُ صَرَفَهُ إِلَيَ نَفْسِهِ فَيَحُطُّ مِنْ أُجْرَتِهِ بِمِقْدَارِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَجِّه مِنْ بَلَدِهِ وَبَيْنَ حَجِّه مِنْ مَكَّةَ فَيَكْثُرَ المَحْطُوطُ، وَعَلَى قَوْلٍ: تُحْسَبُ المَسَافَةُ فَلاَ يُحَطُّ إلاَّ مِقْدَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَجِّ مِنَ المِيقَاتِ وَحَجّ مِنْ مَكَّةَ فَيَقِلُّ المَحْطُوطُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِر عَنْ نَفْسِهِ وَأَحْرَم مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمُ الإِسَاءَة، وَهَلْ يَنْجَبِرُ بِهِ حَتَّى لاَ يُحَطَّ شَيْءٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ ينْجَبِرُ فَفِي احْتِسَابِ المَسَافةِ فِي بَيَانِ القَدْر المَحْطُوطِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ يُحْتَسَبَ لِأنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ عَيَّنَ لَهُ

الكُوفَةَ فَهَلْ يَلزَمُهُ الدَّمُ فِي مُجَاوَزتِهَا إلْحَاقاً لَهَا بالمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَو ارْتَكَبَ مَحْظُوراً لَزِمَهُ الدَّمُ وَلاَ حَطَّ لِأَنَّهُ أتَى بتَمَامِ العَمَلِ.
قال الرافعي: في الفصل صورتان: إحداهما: الأجير للحج إذا انتهى إلى الميقات المعين من المواقيت إما بتعينهما إن اعتبرناه أو بتعيين الشَّرْع فلم يحرم بالحَجِّ عن المُسْتَأجر ولكن أحرم بِعُمْرَة عن نفسه ثم لَمَّا فرغ منها أحرم بالحَجِّ عن المستأجر لم يخل إما أن يحرم به من غَيْرِ أن يعود إلى الميقات أو يعود إلى الميقات فيحرم منه.
الحالة الأولى: أن لا يعود إليه؛ كما إذا أحرم من جوفَ مَكَّةَ فَيَصِحُّ الحَجُّ عن المُسْتَأْجِرِ بحكم الإِذْنِ ويحط شيء من الأجرة المُسَمَّاة؛ لأنه لم يحج من الميقات وكان هو الواجب عليه، وفي قدر المحطوط اختلاف يتعلق بأصْلٍ وهو أنه إذا سار الأجير من بلدة الأجيرة وحَجَّ فالأجرة تقع في مقابلة أعمال الحَجِّ وحدَها أو تتوزع على السَّيْر والأعمال؟ وسيأتي شرحه من بعد فإن أوقَعْنَاها في مقابلة أَعْمَالِ الحَجِّ وحدها وُزِّعَتْ الأجرة المُسَمَّاة على حُجَّةٍ من المِيقَاتِ وحُجَّةٍ من جَوْفَ مَكَّة؛ لأن المقابل بالأجرة المُسَمَّاة على هذا هو الحَجُّ من الميقات فإذا كانت أجْرَة حَجَّة منشأة من الميقات خَمْسة، وأجْرَة حَجَّة منشأَة من جوف مكَّة ديناران فالتفاوت بثلاثة أخماس فيحط من الأجرة المُسَمَّاة ثلاثة أخماسها، وإن وَزَّعنَا الأجرةَ على السَّيْرِ والأَعْمَالِ جميعاً وهو الأظهر فقولان: أحدهما: أن المسافة لا تحتسب له هاهنا؛ لأنه صرفه إلى غرض نفسه حيث أحرم بالعمرة من الميقات، ومن عمل لنفسه لم يستحق أجرة على غيره؛ فعلى هذا توزع الأجرة المسماة على حجة تنشأ من بَلْدَةِ الإجَارَةِ ويقع الإحرام بِهَا مِنَ المِيقَات، وعلى حَجَّةٍ تنشأ من جَوْفِ مَكَّة فيحط بنسبة التفاوت من الأجرة المُسَمَّاة فإذا كانت أجرة الحَجَّة المنشأة من بلدة الإجارة مائة وأجرة الحجة المنشأة من مكَّة عشرة حُط من الأجرة المَسَمَّاة تِسْعَةُ أَعْشَارِهَا.
وأصحهما: أنه يحتسب قطع المسافة إلى الميقات لجواز أن يكون قَصْدُه منه تحصيل الحَجِّ إلا أنه أراد رِبْحَ عُمْرَةٍ في أثناء سَفَرِهِ، فعلى هذا توزع الأجرة المسماة على حجة منشأة من بلدة الإجارة إحرامها من الميقات، وعلى حجة منشأة منها إحرامها من مكَّة، فإذا كانت أجرة الأولى مائة وأجرة الثانية تِسْعِين حَطَطْنَا من المسمى عشرة، وإذا وقفت على ما ذكرنا تَحَصَّلْتَ على ثَلاثَةِ أقوالٍ، والثاني والثَّالث هما اللَّذَان أوردهما الأكثرون منهم صاحب "التهذيب" و"التتمة" وحكاهما ابْنُ الصَّبَّاغِ وجهين مفرعين على توزيع الأجرة على السَّيْرِ والعَمَلِ.
وإما القولان المَذْكُوران في الكتاب فالأول منهما هو الثَّاني في الترتيب الذي ذكرناه.

والثاني: منهما يمكن تنزيله على الثَّالث ليوافق إيراد الأكثرين، وعلى هذا فقوله: (وعلى قول: تحتسب المسافة) أي في الصّورة التي نحن فيها، وقوله: (فلا يحط إلا مقدار التفاوت بين حج من الميقات وحَجّ من مكَّة) أي إحرامه من الميقات أو مكَّة وإنشاؤهما من بَلْدَةِ الإِجَارَة، ذلك إنما أراد القول الذي ذكرناه أولاً وهو واضح من كلامه في "الوسيط"، وكذلك أورده الإمام -رحمه الله- في "النهاية" وعلى هذا فظاهر المذهب غَيْرُ القولين المذكورين في الكتاب.
وقوله: (وعلى قول تحتسب المسافة) أي في الجملة لا في هذه الصّورة، واعرف بعد هَذَا شيئين: أحدهما: أن الحكم بوقوع الحَجِّ الذي أحرم به من مكَّة عن المستأجر ليس صَافِياً عن الإشكال؛ لأن المأمور به حجة يحرم بها من المِيقَات، وهذا الخصوص متعلق الغرض فلا يتناول الإذن غيره، ولهذا لو أمره بالبيع على وجه خاص مقصود لا يملك البيع على غير ذلك الوجه.
الثاني: أن الأجير في المسألة التي نحن فيها يلزمه دم لإحرامه بالحَجِّ بعد مجاوزة الميقات، وسنذكر خلافاً في غير صورة الاعتمار أن إساءة المجاوزة هل تنجبر بإخراج الدَّم حتى لا يحط شيئاً من الأُجْرَة أم لا؟ وذلك الخلاف عائد هَاهنا، نَصَّ عليه ابْنُ عَبْدَانَ وغيره، فإذًا الخلاف في قدر المحطوط مفرع على القول بأصل الحَطِّ، ويجوز أن نفرق بين الصورتين ونقطع بعدم الانجبار هَاهُنَا؛ لأنه ارتفق بالمجاوزة حيث أحرم بالعُمْرَة لنفسه.
الحالة الثانية: ولم يذكرها في الكِتَاب أن يعود إلى الميقات بعد الفراغ من العُمْرَة ويحرم بالحج منه فَهَلْ يحط شَيْءٌ من الأجرة؟ يبنى على الخلاف في الحالة الأولى.
إن قلنا: الأجرة مُوَزَّعَةٌ على السَّيْرِ والعَمَل ولم يحسب السير هاهنا لانصرافه على العمرة فتوزع الأجْرَةُ المسماة على حَجَّةٍ منشأة من بلدة الإجارة إحرامها من الميقات، وعلى حجة من منشأة الميقات، من غير قطع مسافة، فإذا كانت أجرة الأولى عشرين مثلاً، وأجرة الثانية خَمْسَة حططنا من المسمى ثلاثة أرْبَاعه.
وإن قلنا: الأجرة في مقابلة العمل وحده أو وَزَّعْنَا عليه وعلى السَّير واحتسبنا قطع المسافة هاهنا فلا حَطَّ وتجب الأجرة بتمامها، وهذا هو الأَظْهَرُ ولم يذكر كثيرون غيره.
الصُّورة الثانية: إذا شرطا في الإجارة ميقاتاً من المواقيت الشَّرعية أو قلنا: إنه يتعين ميقات بلده فجاوزه غير معتمر ثم أحرم بالحج عن المُسْتأجر نظر إن عاد إليه وأحرم منه فَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، ولا يُحَطّ من الأجرة شَيْءٌ، وإن أحرم من جوف مكة أو بين

الميقات ومكَّة ولم يعد لزمه دم الإسَاءة بالمجاوزة، وهل ينجبر به الخلل حتى لا يُحَط شيء من الأُجْرَة؟ نص في "المختصر" على أنه لا ينجبر بل يرد من الأجرة بقدر ما ترك، ونقل عن القديم أنه يلزمه دم وحجته تَامَّة ولم يتعرض للأجرة، واختلفوا على طريقين.
أظهرهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أن الدَّم يجبر الإساءة الحَاصِلَةَ ويصير كأن لا مخالفة ويستحق تمامَ الأُجْرَةِ.
وأظهرهما: أنه يحط؛ لأنه استأجره لِعَمَل وقد نقص منه فصار كما لو استأجره لبناء أذرع فَنَقَصَ منها، والدم إنما وَجَبَ لِحَقِّ الله تَعَالى فلا ينجبر بها حق الآدمي، كما لو حنى المُحْرِمُ على صَيْدٍ مَمْلُوكٍ يلزمه الضَّمان مع الجزاء.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق القطع بالقول الثَّاني إلا أنه سكت عن حكم الأُجْرةَ في القَدِيم.
فإن قلنا: بحصول الانجبار فهل ننظر إلى قيمة الدَّمِ ونقابلها بقدر تفاوت الأجرة؟ حكى الإمام فيه وجهين: أحداهما: وبه قال ابْنُ سُرَيج نعم حتى لا ينجبر ما زَادَ على قِيمَةِ الدَّمِ.
وأظهرهما: لا؛ لأن المعوّل في هذا القَوْل على انجبار الخَلَل، والشَّرع قد حكم به من غير نظر إلى القِيمَة وإن قلنا بعدم الانجبار وحَطَطْنَا شَيْئاً ففي القدر المَحْطُوطِ وَجْهَانِ مَبْنيَّانِ على الأصْلِ الذي سبقت الإشارة إليه وهو أن الأجْرَة في مقابلة ماذا؟ إِنْ أوقعناها في مقابلة الأعمال وحدها وَزَّعْنا المسمى على حَجَّةٍ من الميقات وحَجَّةٍ من حيث أحرم.
وإن وَزَّعناها على السير والعمل جميعاً -وهو الأظهر- وزعنا المُسَمَّى على حَجَّة مِنْ بلدةِ الإجازة يكون إحرامها من الميقات، وعلى حجة منها يكون إحرامها من حيث أحرم، وعلى هذا يقل المحطوط بخلاف ما لو وَزَّعْنَا على السير والعَمَلِ جَمِيعاَ ثم لم نحتسب بقطع المَسَافة في الصُّورة الأولى فَإنه يُكْثرُ المحطوط، وإذا نسبت هذه الصّورة إلى الأولى ترتب الخلاف في إِدْخَال المَسَافَةِ في الاعْتبار على الخلاف في الأولى، كما ذكره في الكتاب، وهذه أولى بالاعتبار؛ لأنه لم يصرف إلى نفسه، ثم حكى الشيخ أبو محمد -رحمه الله- وجهين في أن النَّظر إلى الفَرَاسِخِ وحدها أم يعتبر مع ذلك السهولة والحزونة؟ والأصح الثاني.
واعلم أن الجمهور أوردوا في مسألة الانجبار على طريقة إثبات الخلاف قولين،

وصاحب الكتاب أطلق وجهين لكن الأمر فيه هَيِّن فإنهما لَيْسَا بمنصوصين، ويجوز أن يعلم قوله: (وجهان) بالواو بطريقةُ نفِي الخِلاَف.
ولو عدل الأجير عن طريق الميقات المتعين إلى طريق آخر ميقاته مثل ذلك الميقات أو أبعد فالمذهب أنه لا شيء عَلَيْهِ، هذا كله في الميقات الشرعي.
أما إذا عينا موضعاً آخر نظر إن كان أقرب إلى مكة من الميقات الشرعي فهذا الشَّرْطُ فاسد مُفْسِدٌ للإجارة إذ ليس لِمَنْ يريد النسك أن يمر على الميقات غير محرم.
وأن كان أبعد كما لو عينا الكوفة فهل يجب على الأجير الدّم في مجاوزتها غير محرم؟ فيه وجهان قد حكاهما المَسْعُودِي وغيره -رحمهم الله-.
أحدهما: لا يجب؛ لأن الدم منوط بالميقات المحترم شرعاً فلا يلحق به غيره، ولأن الدَّم يجب حقّاً لله تعالى، والميقات المشروط إنما يتعين حقاً للمستأجر، والذم لا يجبر حق الآدمي.
وأظهرهما: وهو نصه في "المختصر": أنه يلزمه؛ لأن تعينه وإن كان لحق الآدمي فالشَّارع هو الذي حَكَمَ بِهِ وتَعَلَّق بِهِ حَقَّه.
فإن قلنا: بالأول حط قسط من الأجْرَة لاَ مَحَالَة.
وإن قلنا: بالثاني ففي حصول الانجبار الوجهان، وكذلك لو لزمه الدّم بسبب ترك مَأمُور كَالرَّمْي والمبيت، وإن لزمه بسبب ارتكاب محظور كاللبس والقَلْمِ لم يحط شيء من الأُجْرَة؛ لأنه لم ينقص من العَمَلِ.
ولو شرط على الأجير أن يحرم في أول شوال فأخَّرَه لَزِمَهُ الدّم، وفي الانجبار الخلاف المذكور، وكذا لو شرط أن يحج ماشياً فحج راكباً؛ لأنه ترك شيئاً مقصوداً، حكى الفرعان عن القاضي الحسين، ويشبه أن يكونَا مفرعين على أن الميقات الشرطي كالميقات الشَّرْعِي وإلا فلا يلزم الدّم كما في مسألة تعيين الكُوفة -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّالثَةُ إِذَا أمِرَ بِالقِرَانِ فَأَفْرَدَ فَقَدْ زَادَ خَيْراً، وَإِن قرَنَ فَدَمُ القِرَانِ عَلَى المُسْتَأجِرِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَين وَلَو أُمِرَ بالإِفْرَادِ فَقَرَنَ فَالدَّمُ عَلَى الأَجِيرِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ المُسْتَأجِرِ عَنِ الحَجّ بِالعُمْرَةِ، لِأَنَّ القِرَانَ كالإِفْرَادِ شَرْعاً وَفي حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الأُجْرَةِ مَعَ جَبْرِهِ بالدَّمِ الخِلاَفُ السَّابقُ، وَإِنْ أُمِرَ بِالْقِرَانِ فَتَمَتَّعَ كانَ كَالقِرَانِ عَلَى وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ جُعِلَ مُخَالِفاً لَه وَعَلَيهِ الدَّمُ، وَيَعُودُ الخِلاَفُ في حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الأُجْرَةِ.
قال الرافعي: قد أمر الاستئجار إذا كان لِكِلاَ النسكين فلا بُدَّ من التعرض لجهة أدائهما، ويترتب عليه مسائل ذكر بَعْضَهَا في الكِتَاب وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، ونحن نذكرها

على الاختصار، وإن تغير ترتيب ما في الكتاب منها فليحتمل فإن الشَّرح، قد يدعو إليه.
المسألة الأولى: إذا أمره بالقران لم يخل إما أن يمتثل أو يعدل إلى جهة أخرى، فأن امتثل وجب دم القران، وعلى من يجب فيه وجهان، وقال في "التهذيب" قولان: أصحهما: على المستأجر؛ لأنه مقتضى الإحرام الذي أمر به وكأنه القارنُ بنفسه.
والثاني: على الأجير؛ لأنه قد التزم القران والدم من تتمته فكلف به، فعلى الأول لو شرطا أن يكون على الأجير فَسَدت الإجَارة؛ لأنه جمع بين الإجارة وبيع المجهول كأنه يشتري الشَّاة منه وهي غَيْرُ معينة ولا مَوْصُوفَة، والجمع بين الإِجَارة وبيع المجهول فاسد، ولو كان المستأجر معسراً فالصَّوْم يكون على الأَجِير؛ لأن بعَضَ الصَّوْم ينبغي أن يكون في الحَجِّ، والذي في الحَجِّ منهما هو الأَجِير، هكذا ذكره في "التهذيب".
وقال في "التتمة": هو كما لو عجز عن الهَدْي والصَّوْمِ معًا، وعلى الوجهين يستحق الأجرة بتمامها.
وإن عدل إلى جهة أخرى نظر إن عدل إلى الإفراد فحج ثم اعتمر فقد نقل عن نَصّه في "الكبير" أنه يلزمه أن يرد من الأجرة ما يخص العمرة، وهذا محمول على ما إذا كانت الإِجَارةُ عَلى العين، فإنه لا يجوز تأخير العمل فيها عن الوقت المعين، وإن كانت في الذِّمة نظر إن عاد إلى الميقات لِلْعُمْرَةَ فلا شيء عليه، وقد زادَ خيراً، ولا شيء على المستأجر أَيضاً؛ لأنه لم يقرن، وإن لم يعد فَعَلى الأَجِيرِ دَمٌ لمجاوزته الميقات لِلْعُمْرَةِ، وهل يَحُطّ شيئاً من الأجرة أم تنجبر الإساءَةُ بِالدَّم؟ فيه الخلاف السَّابق، وإن عدل إلى التمتع فقد أشار أَبُو سَعِيدٍ المتولى إلى أنه إِنْ كانت الإجارةُ إجارةَ عَيْنِ لم يقع الحج عن المُسْتَأجر لوقوعه في غير الوَقْتِ المعين، وهذا هو قياس ما تقدَّم، وإن كانت الإِجَارة على الذِّمة فينظر إن عاد إلى الميقات للحَجِّ فلا دم عَلَيْهِ ولا على المسْتَأجر، وإن لم يعد ففيه وجهان: أحدهما: لا يجعل مخالفاً لتقارب الجهتين، فإن في القرآن نُقْصَاناً في الأَفْعَال وإحراماً من الميقات، وفي التمتع كمَالاً في الأفعال، ونقصاناً في الإِحْرَام لوقوعه بعد مجاوزة الميقات، فعلى هذا الحكم كما لو امتثل، وفي كون الدَم على الأجير أو المستأجر الوجهان: وأظهرهما: أنه يجعل مخالفاً؛ لأنه مأمور بالإحْرَام بالنُّسُكَيْنِ مِنَ المِيقَاتِ، وقد تَرَكَ الإحْرَام بالحَجِّ مِنْهُ، فعلى هذا يَجِب عَلَى الأَجير الدّم لإساءته، وفي حَطِّ شَيْءٍ، من الأجْرَة الخِلافُ السَّابِق، وذكر أصحاب الشيخ أَبِي حَامِدٍ أنه يجب على الأَجِير دَمٌ

جارٍ التحميل