وَإِنْ مَسَّ رَجُلٌ ذَكرَهُ أَوِ امْرَأَةٌ فَرْجَهُ انْتَقَضَ إِذْ لاَ يَخْلُو عَنْ مَسِّ وَلَمْسٍ، وَإِنْ مَسَّ رَجُلٌ فَرجَهُ أَوِ امْرَأَة ذَكَره لَمْ يَنْتَقِضْ لاحْتِمَالِ أَنَّ المَلْمُوسَ زَائِدٌ، وَلَوْ أَنَّ خُنْثَيَيْنِ مَسَّ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ الفَرْجَ وَمَسَّ الآخَرُ الذَّكَرَ، فَقَدِ انْتَقَضَ طَهَارَةُ أَحَدِهِمَا لاَ بِعَيْنِهِ، وَلكِنْ يَصِحُّ صَلاَةُ كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ، لأَنَّ بَقَاءَ طَهَارَتِهِ مُمْكِنٌ.
قال الرافعي: ما سبق من المسائل فيما إذا اتفق المس، ولم يكن في الماسِّ ولا في الممسوس إشكال في حكم الذُّكورة والأنوثة، فإن كان ففيه مسائل:
إحداها: إن مسّ الخُنْثَى المشكل فرجاً واضحاً فالحكم على ما سبق، وإن مس فرج نفسه نُظِر، إن مس فرجيه جميعاً انتقض وضوءه، لأنه إن كان رجلاً فقد مس ذكره، وإن كانت امرأة فقد مست فرجها، وإن مس أحدهما لم ينتقض وضوءه، لأنه إن مس الذكر فيجوز أن يكون أنثى، وهو سلعة زائدة، وإن مس الآخر فيجوز أن يكون رجلاً وهو ثقبة زائدة، وإن مس أحدهما وصلَّى الصبح مثلاً ثم توضأ، ومس الآخر وصلى الظهر ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أنه يقضيهما جميعاً؛ لأن إحدى صلاتيه وَاقِعَةٌ مع الحدث.
وأظهرهما: أنه لا يقضي واحدة منهما؛ لأن كل صلاة مُفَرَدٌ بحكمها، وقد بني كل واحدة على ظن صحيح فصار كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، وإن مس أحدهما وصلى الصبح، ثم مس الآخر وصلى الظهر من غير وضوء بينهما أعاد الظُّهر؛ لأنه محدث عندها، ومضت الصبح على الصحة.
الثانية: لو مس الواضح فرج مشكل نُظِر، إن مس رجل ذكره انتقض وضوءه؛ لأنه إن كان رجلاً فقد مس الذكر، وإن كانت امرأة فقد لمس امرأة، وإن مست امرأة فرجه انتقض وضوءها أيضاً لمثل هذا المعنى، وهذا إذا لم يكن بين الخُنْثَى والماس محرمية وغيرها، مما يمنع لمسه على أنه ينتقض به الوضوء، فإن كان فلا انتقاض، وإن مس الرجل فرجه لم ينتقض وضوءه؛ لاحتمال أن يكون رجلاً، والممسوس ثقبة زائدة، وإن مسّت المرأة ذكره فكذلك لا ينتقض وضوءها؛ لاحتمال أن يكون الخُنْثَى امرأة، والممسوس سلعة زائدة.
والضابط أن الواضح إذا مس منه ما له انتقض وضوءه، فإن مس ما ليس له فلا.
ثم إذا حكمنا بانْتِقَاض طهارة الواضح فلا نقول: الخنثى ملموس حتى يعود في انتقاض طهارته القولان، بل هو مَمْسُوس حتى لا تنتقض طهارته؛ طرحًا للشك؛ واستصحاباً للطهارة.
والثالثة: لو مس مشكل فرج مشكل آخر نظر، إن مس فرجيه جميعاً انتقض
وضوؤه كما لو مسهما من نفسه، وكذلك لو مس ذكر مُشْكل وفرج مشكل آخر ينتقض وضوؤه أيضاً، لكن هاهنا ينتقض لعلة المس، أو اللمس، وإن مس أحد فرجيه لا غير لم ينتقض وضوؤه؛ لاحتمال كونه عضواً زائداً، ولو مس أحد المشكلين فرج الآخر، ومس الآخر ذكر الأول انتقض طهارة أحدهما، لا بعينه؛ لأنهما إن كانا رجلين فقد أحدث ماس الذكر، وإن كانتا امرأتين فقد أحدثت ماسة الفرج، وإن كان أحدهما رجل والآخر امرأة فقد أحدثا جميعاً بسبب اللمس، فإذاً طهارة أحدهما باطلة لا محالة، لكنه غير متعين، وما من واحد منهما أفردناه بالنَّظر، إلا والحدث في حقه مشكوك فيه، فنستصحب يقين الطهارة، ولا نمنع واحداً منهما عن الصلاة، ونظائر ذلك لا تخفى.
وأما قوله في الكتاب في هذه المسألة: "ولكن تصح صلاة كل واحد منهما وحده" ففي كلمة "وحده" إشكال؛ لأن المفهوم منه أن لكل واحد منهما أن يصلى منفرداً، ويمتنع أن يقتدى بالآخر، كما نقول: إذا اختلف اجتهاد اثنين في إنَائَيْنِ مشتبهين، صلَّى كل واحد منهما وحده، يريد به ما ذكرنا، لكن اقتداء الخُنْثَى بالخنثى ممتنع على الإطلاق، فإن معنى التقييد في هذه المسألة: أن كلمة وَحْدَهُ يشبه أن يكون من سَبْقِ القلم، لا عن قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ؛ لأنه في "الوسيط" لم يتعرض لذلك، وإنما قال: "لكن تصح صلاتهما، ويأخذ كل واحد منهما باحتمال الصّحة"، وإن أتى بها عن قصد، فقد ذكر بعضهم أن فائدة التقييد أنه لا تجزئ صلاة واحد منهما خلف الآخر قطعاً، وإن بان بعد الفراغ كون الإمام رجلاً، بخلاف ما إذا اقتدى الخُنْثَى بالخنثى في غير هذه الصورة، ثم بان بعد الفراغ كون الإمام رجلاً، فإن في وجوب القضاء قولين -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالْيَقِينُ لاَ يُرفَعُ بِالشَّكِّ (م) لاَ فِي الطَّهَارَةِ وَلاَ فِي الْحَدَثِ، وَلَو تَيَقَّنَ أنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ تَوَضَّأَ وَأَحْدَثَ وَلَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا سَبَقَ أَسْنَدَ الوَهْمَ إِلَى مَا قَبْلَهُ، فَإِنْ انْتَهَى إِلَى الْحَدَثِ فَهُوَ الآنَ مُتَطَهِّرٌ لأَنَّهُ تَيَقَّنَ طُهْرًا بَعْدَهُ وَشَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ الطُّهْرِ، وَإنِ انْتَهَى إِلَى الطُّهْرِ فَهُوَ الانَ مُحْدِثٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ مَا قَبْلَ الْحَالَتَيْنِ وَيَتَعَارَضُ الظَّنَّانِ.
قال الرافعي: من القواعد التي يَنْبَنِي عليها كثير من الأحكام الشرعية استصحاب اليقين، والإعراض عن الشَّكِّ، والأصل فيما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمسَجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحاً" 1. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَيَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ إِلْيَتَيْهِ، وَيقُولُ: أَحْدَثْتَ، أَحْدَثتَ، فَلاَ يَنْصَرِفَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحاً" 1 ولا فرق عندنا بين أن يَتَيقَّنَ الطهارة، ويشك في الحَدَثِ بعده، أَوْ يتيقَّن الحدث ويشك في الطهارة بعده، بل يستصحب اليقين في الحالتين، خلافاً لمالك حيث قال: إذا استيقن الطهارة، وشك في الحدث، أخذ بالحدث احتياطاً، وتوضأ إذا كان خارج الصلاة وإن كان في الصلاة فله أن يمضي في صلاته، وما رويناه من الخبر حجة عليه، لأنه مطلق، وحَكَى في "التتمة" وجهاً عن بعض الأصحاب يوافق مذهب مالك.
ومن نظائر الشك في عروض الحدث ما إذا نام قاعداً، ثم تمايل وانتبه، ولم يدر أيهما سبق، فلا ينتقض وضوءه، بخلاف ما إذا عرض الانتباه وكان بعد التَّمَايُلِ يلزمه الوضوء.
ومنها ما إذا شك في أنه لمس الشعر، أو البشرة إذا قلنا: إنه لا أثر للمس الشعر.
ومنها ما إذا مس الخنثى فرجه مرتين، وشك في أن الممسوس ثانياً هو الممسوس أولاً، أو الفرج الآخر.
ومنها ما لو شك في أن ما عرض له رؤيا، أو حديث نفس فلا يلزمه الوضوء في شيء منها، وكذلك القول في الشك في الحدث الأكبر، وهذا كله إذا عرف سبق الطهارة، أما إذا لم يعرف ذلك بأن تيقن أنه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث، ولم يَدْرِ أيهما سبق، أنه الآن على ماذا؟ ففي المسألة وجهان:
أصحهما: قال صاحب التلخيص: والأكثرون يؤمر بإسناد الوَهْمِ إلى ما قبل طلوع الشمس وتَذَكَّر ما كان عليه من الطهارة والحدث، فإن تذكر أنه كانَ محدثاً فهو الآن على الطهارة؛ لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث، وشك في تَأَخُّرِ الحدث المعلوم بعد الطلوع عن تلك الطهارة، وإن تذكر أنه كان متطهراً فهو الآن محدث؛ لأنه تيقن حدثاً بعد تلك الطهارة، وشك في تأخر الطهارة عن ذلك الحدث، ومن الجائز سبقها على الحدث، وتوالي الطهارتين، وهذا إذا كان الشخص ممن يعتاد تجديد الطهارة، فإن لم يكن التجديد من عادته فالظاهر أن طهارته بعد الحدث، فيكون الآن متطهراً، وإن لم يتذكر ما قبلها فلا بد من الوُضُوء؟ لتعارض الاحتمالين من غير تَرْجِيح، ولا سبيل إلى الصلاة مع التردد المَحْضِ في الطهارة؛ ومنهم من قال: يؤمر بالتذكُّر، لكنه إن تذكر الحدث قبل الطلوع فهو الآن محدث أيضاً، وإن تذكر الطهارة فهو الآن متطهر، لأن ما يذكره من قبل معلوم، فيستصحب ويتعارض الظنان الطارئان بعده، لتقابل الاحتمالين، والوجه الثاني، أنه لا نظر إلى ما قبل الطلوع، ويؤمر بالوضوء بكل حال؛ أخْذاً بالاحْتِيَاطِ.
ثم نتكلم في قوله: "واليقين لا يرفع بالشك" في ابتداء هذا الفصل، من ثلاثة أوجه:
أحدها: قد يتوهم أن هذا الكلام متصل بآخر مسألة الخنثيين، وهو قوله: "لأن بقاء طهارته ممكن"، ولا شك أنه صالح لذلك، لكنه لم يقصد تذنيب المسألة به، وإنما أراد افتتاح قاعدة مقصودة في نفسها، وإيراده في "الوسيط" يوضح ذلك، ثم لا يخفى تخريج مسألة الخنثيين على هذه القاعدة.
الثاني: لا نعني بقولنا: اليقين لا يرفع ولا يترك بالشك يقيناً حاضراً، فإن الطهارة والحدث نقيضان، ومهما شككنا في أحد النقيضين فمحال أن نَتَيَقَّنَ الآخر، ولكن المراد أن اليقين الذي كان لا يترك حكمه بالشك، بل يستصحب؛ لأن الأصل في الشيء الدَّوام والاستمرار، فهو في الحقيقة عمل بالظن وطرح للشك.
الثالث: المشهور من معنى الشك التردد في طرفي وجود الشيء وعدمه بصفة التساوي، فإذا حدث له هذا التردُّد في الحدث بعد تيقن الطهارة، أو في الطهارة بعد تيقن الحدث لم يلتفت إليه واستصحب ما كان، وهذا الحكم لا يختص بالشك في طرف الحدث، بل لو كان الحادث ظن الحدث بعد تيقُّن الطهارة فهو كالشك في أنه يجوز له الصلاة؛ استصحاباً ليقين الطهارة، لكن لو ظَنَّ الطهارة بعد الحدث لم يستصحب حكم الحدث [بل له أن يصلي بالظن، فإذاً حكم الشك واحد في الطرفين، وحكم الظن في الحدث] 1 خلاف حكمه في الطهارة.
قال الغزالي: قَاعِدَةٌ تَنْكَشِفُ حَالُ الخُنْثَى بِثَلاَثِ طُرُقٍ: (الأوُلَى): خُرُوجُ خَارج مِنَ الفَرْجَينِ فَإِنْ بَالَ بِفَرْجِ الرِّجَالِ أَوْ أَمْنَى فَرَجُلٌ وَإِنْ بَالَ بِفَرْجِ النِّسَاءِ أَوْ حَاضَ فَامْرَأَةً فَإنْ بَالَ بِفَرْجِ الرِّجَالِ وَحَاضَ بِفَرْجِ النِّسَاءِ قِيلَ: التَّعْوِيلُ عَلَى المَبَالِ؛ لأَنَّهُ أَدْوَمُ وَقِيلَ: مُشْكِلٌ (الثَّانِيَةُ): نَبَاتُ اللِّحْيَةِ وَنُهُودُ الثَّدْيِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِهِمَا كمَا لاَ عِبْرَةَ بِتَأخُّرِ النَّبَاتِ وَالنُّهُودِ عَنْ أَوَانِهِمَا (الثَّالِثَةُ): أَنْ يُرَاجَعَ الشَّخْصُ لِيُحْكَمَ بِمَيْلِهِ فَإِذَا أَخْبَرَ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعه إِلاَّ أَنْ يُكَذِّبَهُ الحِسُّ بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا رَجُلٌ ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا.
قال الرافعي: لما تكلم في صور مَسِّ الخنثى أراد أن يبين ما ينكشف به حال الخُنْثَى، فذكر له طرقًا.
منها: خروج الخارج من أحد الفَرْجَيْنِ، وذلك على قسمين:
أحدهما: خارج لا يوجب الغُسْل، وهو البول، فإذا بال بفرج الرجال فَرَجُلٌ، وإن بَالَ بفرج النساء فامرأة، لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
في الذي له ما للرجال وما للنساء: "يُورَثُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ" 1. وهذا بشرط أن يكون له ما يشبه آلَةَ الرجال، وما يشبه آلة النساء، ويكون بوله من أحدهما.
فأما إذا لم يكونا له، وهو يبول من ثقبة، أو كان له، لكنه لا يبول بهما، فلا دلالة في بوله.
ولو بال بهما جميعاً، ففيه وجهان:
أحدهما: أن دلالة البول قد سقطت.
وأصحهما: أن ما يختص بسبق الخروج، أو تأخر الانقطاع، فالحكم له، فإن وجد أحد المعنيين في أحدهما، والآخر في الثاني، فالأخذ بسبق الخروج أولى، وإن فقد المعينان فيهما سقطت دلالة البول، ولا حكم للكثرة، ولا للتَّزْرِيقِ والتَّرْشِيش في أصح الوجهين.
والثاني بأن الحكم للأكثر، وأنه إن زرق بهما فرجل، وإن رشش فامرأة، وإن زرق بهذا ورشش بذلك فحينئذ تسقط دلالة البول.
والقسم الثاني: خارج موجب للغسل، كالحَيْضِ، والمَنِيِّ، فإذا أمنى بفرج الرجال فرجل، وإن أمنى بفرج النساء، أو حاض فامرأة، وذلك بشرطين:
أحدهما: أن ينفصل في وقت إمكان خروج المني والحيض.
والثاني: أن يتكرر خروجه، ليتأكد الظن.
ولا يتوهم كونه اتفاقياً، ولو أمنى من الفرجين جميعاً فوجهان:
أحدهما: أنه تسقط هذه الدلالة، ويستمر الإشكال.
وأصحهما: أنه لو أمنى منهما على صفة مني الرجال يكون رجلاً، ولو أمنى منهما على صفة مني النساء يكون امرأة؛ لأن الظاهر أن المني الموصوف بصفة مني الرجال ينفصل من الرجال، وكذلك ما هو بصفة مني النساء ينفصل من النساء، نعم لو أمنى من فرج الرجال على صفة مني النساء، أو من فَرْجِ النساء على صفة مني الرجال، أو أمنى من فرج الرجال على صفة منيهم، ومن فرج النساء على صِفَةِ منيهن يستمر الإشكال.
ومن هذا القسم خروج الولد، فيفيد القطع بالأُنوثَةِ حتى يترجح على ما يعارضه من الأمَارَاتِ، أما لو تعارض البول مع الحَيْضِ، أو مع المني، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بمقتضى البول؛ لأنه دائم متكرر، فيكون أقوى دلالة، وأصحهما: أنه يستمر الإشكال ويتساقطان.
ومنها نبات اللِّحية ونُهُود الثدي، وفيهما وجهان:
أحدهما: أن نَبَاتَ اللحية يدل على الذُّكورة، ونهود الثدي على الأنوثة؛ لأن اللِّحىَ إنما تكون للرجال غالباً، وتدلي الثديين للنساء غالباً؛ فيستدل بهما على الذكورة، والأنوثة، وأظهرهما أنه لا عبرة بهما؛ لأنه لا خلاف أن عدم نَبَات اللحية في وقته لا يقتضي الأنوثة، وعدم تدلي الثديين في وقته لا يقتضي الذكورة، ولو جاز الاستدلال بنبات اللحية على الذكورة لجاز الاستدلال بعدمه على الأنوثة؛ لأن الغالب من حال من لا يلتحى في وقته الأنوثة، كما أنِ الغالب من حال من يَلْتَحِي الذكورة.
وأجرى بعضهم الوجهين في نزول اللبن، أيضاً، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه تعد أضلاع الخنثى من جانبيه، فإن نقص عددها من الجانب الأيسر فهو دليل الذكورة، وإن تساوى عددها من الجانبين فهو دليل الأنوثة، وظاهر المذهب أنه لا عبرة بذلك، والتفاوت بين الرجل والمرأة في عدد الأضلاع غير مَعْلُومٍ، ولا مُسَلَّم.
ومنها: أن يراجع الخنثى، فإن قال أميل إلى الرجال استدللنا عى الأنوثة، وإن قال أميل إلى النساء استدللنا به على الذكورة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بميل الرجال إلى النساء، والنساء إلى الرجال بالطبع، وهذا إذا عجزنا عن الأمَارَاتِ السابقة، وإلا فالحكم لها؛ لأنها محسوسة معلومة الوجود، وقيام الميل غير معلوم، فإنه ربما يكذب في إخباره، ومن شرط الاعتماد على إخباره وقوعه بعد العَقْلِ والبلوغ، كسائر الروايات والأخبار، ومن الأصحاب من قال: يكفي وقوعه في سِنِّ التمييز، كالحَضَانة يخيَّر فيها الصبي بين الأبوين في سن التَّمْييز، والمذهب الأول، لأن اختيار الخنثى لازم، فلا حكم له قبل البلوغ، كالمولود إذا تداعاه اثنان لا يصح انْتِسَابُهُ قبل البلوغ، والاختيار في الحَضَانَةِ ليس بلازم، ثم يتعلق بفصل الاختيار فروع:
أحدها: إذا بلغ وهو يجد من نفسه أحد الميلين يجب عليه أن يخبر عنه، فإن أخر عصى.
الثاني: لا يخبر بالتَّشهِّي فإنه غير مخير، ولكن يخبر عما يجده من ميله الجِبلِّي.
الثالث: لو زعم أنه لا يميل إلى الرجال ولا إلى النساء، أو أنه يميل إليهما جميعاً استمر الإشكال.
الرابع: إذا أخبر عن أحد الميلين لزمه، ولا يقبل رجوعه بعد ذلك؛ لاعترافه بموجبه، نعم لو وجدت الدلالة القاطعة بعد إخباره عن الذكورة، وهي الولادة غيَّرْنَا الحكم؛ لأنا تيقنا خلاف ما ظنناه، وكذا لو ظهر حمل بعده تبين بطلان إخباره، كما لو حكمنا بشيء من الدلائل الظاهرة، ثم ظهر به حمل بطل ذلك، وقد ذكر هذا الفرع في
الكتاب، لكن للمتأمل وقفة عند قوله: "فإذا أخبر لا يقبل رجوعه إلا إذا كذبه الحِسِّ" لأن ظاهر الاسْتِثْنَاء يقتضي قبول الرجوع عند الوِلاَدة، وإذا ولدت فلا عبرة بالرُّجُوع، ولا معنى له، بل يبطل الحكم السابق سواء، وجد الرجوع أم لا، وكأنه أراد أن لا يقبل رجوعه، ويجري عليه حكم قوله الأول، إلا أن يكذبه الحس بالولادة، فالاستثناء يرجع إلى إجزاء حكم القول الأول عليه، لا إلى عدم قبول الرجوع، وكذلك أورد إمام الحرمين -رحمه الله- هذه اللفظة.
الخامس: ذكرنا أن الاختيار إنما يرجع إليه عند فقد الأمارات الظاهرة، فلو رجعنا إليه لفقدها، ثم وجد بعض تلك الأمَارَات يجوز أن يقال: لا نُبَالِي به ونستصحب الحكم الأول، إلا أن توجد دَلاَلَةٌ قاطعة (1) وهذا قضية قوله: (إلا أن يكذبه الحس) إذا قدرنا عَوْدَ الاستثناء إلى ما بيَّناه، ويجوز أن يقال: يعدل إلى الأمارة الظاهرة، ويحكم بها كما إذا تداعى اثْنَانِ مَوْلُودًا، ولم يكن قائفًا (2) فانتسب بعد البلوغ، واختار ثم وجدنا القائف تقدم القِيَافَةِ على اختياره -والله أعلم-.
قال الغزالي
###: الفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الحَدَثِ
وَهُوَ المَنْعِ مِنَ الصَّلاَةِ وَمَسِّ المُصْحَفِ وَحَمْلِهِ وَيَسْتَوِي (ح) فِي المَسِّ الجَلْدُ وَالحَوَاشِي وَمَحِلّ الكِتَابَةِ، وَفِي مَسِّ الخَرِيطَةِ وَالصُّنْدُوقِ (ح) وَالعِلاقةِ وَتَقْلِيب الأَوْرَاقِ بقَضِيب وَحَمْلِ صُنْدُوقٍ فِيهِ أَمْتِعَةٌ سِوَى المُصْحَفِ خِلاَفٌ، وَلاَ يَحْرُمُ مَسُّ كِتَاب الفِقْهِ وَالتَّفْسِير وَالدَّرَاهِمِ المَنْقُوشَةِ، إلاَّ مَا كُتِبَ لِلدرَاسَةِ كَلَوْحِ الصِّبيَانِ (و) وَالأصَحُّ أنَّهُ لاَ يَجِبُ علَى المُعَلِّمِ تكْلِيفُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ الطَّهَارَةَ لِمَسِّ اللَّوْحِ وَالمُصْحَفِ.
قال الرافعي: المحدث ممنوع من الصلاة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" 3 وكذلك من الطَّوَافِ، قال -صلى الله عليه وسلم-: "الطَوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَه وَتَعَالَى أَبَاحِ فيه الْكَلاَمَ" 4. وَسَجْدَةُ الشكر والتلاوة كالصلاة في أن المحدث ممنوع منهما، ويحرم عليه12
أيضاً مس المصحف، وحمله، قال الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 1 وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لحكيم بن حزام: "لاَ تَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلاَّ طَاهِراً" 2 وروي أنه قال: "لاَ تَحْمِلِ المُصْحَفَ، وَلاَ تَمَسَّهُ إِلاَّ طَاهِراً" 3 ثم فيه مسائل:
إحداها: إذا كان المصحف مجلداً، فهل يحرم مس الجِلْدِ؟ كمس الموضع المكتوب؟ فيه وجهان:
أصحهما 4: [وهو الذي ذكره في الكتاب] 5 نعم؛ لأنه كالجزء من المصحف، ألا ترى أنه لو باعه دخل الجلد فيه.
والثاني: لا؛ لأنه ظرف ووعاء لما كتب عليه القرآن، فصار كالكِيْسَ والجراب الذي فيه المصحف.
الثانية: لا فرق في حكم المس بين موضع الكتابة وبين الحَوَاشِي، والبياض في خلال السطور، لأن اسم المصحف يقع على جميع ذلك وقوعاً واحداً.
الثالثة: في مس الخريطة والصُّنْدُوق والعِلاَقة 6 وجهان إذا كان المصحف فيها:
أظهرهما: أنه يحرم؛ لأنها متخذة للقرآن منسوبة إليه، فإذا اشتملت على القرآن اقتضى التعظيم أن لا يمس إلا على الطهارة.
والثاني: لا، لأن الظواهر واردة في المصحف وهذه الأشياء غير المصحف، وهذا الخلاف قريب من الخلاف من الجِلْدِ، ولذلك جمع بعض الأصحاب بينهما جميعاً، وحكى فيهما الوجهين، ومنهم من جزم بالجواز في غير الجِلْدِ وخصص الخلاف بالجلد، ومنهم من جزم بالمَنْعِ في الجلد، وخصص الخلاف بما سواه، وكلامه في الكتاب أوفق لهذه الطريقة، أو هو هي، وفي كتب أصحابنا عن أبي حنيفة: = المستدرك (1/ 459) وقال صحيح الإسناد، وقد أوقفه جماعة، وأقره الذهبي، وأخرجه البيهقي في السنن مرفوعاً وموقوفاً (5/ 87) وقال ابن الملقن: بعد غزوه للحاكم من رواية ابن عباس: وهذا من طريق غريب عزيز لم يعثر به أحد من مصنفي الأحكام، وإنما ذكره الناس من الطريق المشهور في جامع الترمذي، وقد أكثر الناس القول فيها إن كان أمرها آل إلى الصحة فهذه ليس فيها مقال.
انظر الخلاصة (1/ 57).
أنه يجوز للمحدث مس غير المكتوب من الحَوَاشِي، وظهر المصحف، وغيرهما: نعم لا يجوز ذلك للجنب والحائض.
وعنه أيضاً: أنه يجوز للمُحْدِث الحمل، والمس مطلقاً، ولا يجوز للجنب والحائض.
وعنه أيضاً: أنه يجوز له حمل المصحف بعِلاقته، وبه قال أحمد، وحكَى بعضهم عن مالك أنه يجوز له حمل المصحف ومسه من غير طهارة، والمشهور أن هذا قول داود، ولا يخفى موضع العلاقة من هذه الاختلافات.
الرابعة: لو وضع المصحف بين يديه وهو يقلب أوراقه بقضيب وغيره، ويقرأ منه، هل يجوز فيه؟ وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه لم يحمل المصحف ولا مسه، فقد حافظ على شرط التعظيم.
وأصحهما: أنه لا يجوز، لأنه حمل بعض المصحف مقصوداً، فإن الورقة بحمله تنتقل من جانب إلى جانب 1.
الخامسة: المَنْعُ من الحَمْلِ حيث كان المصحف هو المقصود بالحمل، فأما إذا حمل صندوقاً فيه ثياب وأمتعة سواه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه حامل للمصحف.
وحكم الحمل لا يختلف بين أن يكون هو المحمول، أو يكون محمولاً مع غيره، ألا ترى أنه لو حمل نجاسة في صلاته لم تصح صلاته، سواء حملها وحدها، أو مع غيرها.
وأصحهما: الجواز؛ لأن المنع من الحمل المُخِلِّ بالتعظيم والإجلال، ويفارق حمل الصندوق والخريطة، فإن ذلك تبع للمصحف، وهنا بخلافه:
السادسة: المصحف مكتوب لدراسة القرآن منه، فحكمه في المس والحمل ما ذكرنا.
وفي لوح الصبيان وجهان:
أصحهما: هو الذي ذكره في الكتاب أنه في معنى المصحف؛ لأنه أثبت فيه القرآن للتعلم منه ولدراسته.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقصد لإثباته الدوام، بل هو كالمِسْوَدَّة التي تتخذ وسيلة، ولا يُعْتَنَى بها، وأما ما أثبت فيه شيئاً من القرآن لا للدراسة، كالدراهم الأحديةِ والعِمَامَةِ المُطَرَّزَةِ بآيات القرآن، والحيطان المَنْقُوشَةِ به وكتب الفقه والأصول والتفسير ففيه وجهان:
أحدهما: أنها كالمصحف في حرمة المس والحمل؛ تعظيماً للقرآن.
وأصحهما: أنه لا مانع، لما روي: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَتَبَ كِتَاباً إِلَى هِرَقْلَ وَكَانَ فِيهِ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية 1 ولم يأمر الحامل بالمحافظة على الطهارة، ولأن هذه الأشياء لا يقصد بإثبات القرآن فيها قراءته، فلا تجري عليها أحكام القرآن، ولهذا يجوز هَدْمُ الجِدَارِ المنقوش عليه، وأكل الطعام، وهذا الوجه هو المذكور في الكتاب 2 وذهب بعض الأصحاب إلى تفصيل في الكتب.
فقال: إن كان القرآن أكثر حرم المس والحمل، وإلا فوجهان ذكروا ذلك في كتاب التفسير، ولا شك في أن غيره في معناه، ومنهم من قال: إن كتب القرآن بخط غليظ والتفسير بخط دقيق وميّز بينهما حَرُمَ الحمل، وإن كان الكل بخط واحد فوجهان:
السابعة: كل ما ذكرناه في العاقل البالغ، أما الصبي المميز هل يجب على الولي والمعلم منعه من مس المصحف وحمله إذا كان محدثاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن البالغ إنما يمنع منه تعظيماً للقرآن، والصبي أنقص حالاً منه، فأولى أن يمنع، وأصحهما لا، لأن تكليفهم استصحاب الطهارة مما يعظم فيه المشقة، والوجهان جاريان في اللوح أيضاً وفيه تكلم في الكتاب، وهو بناء على أن اللوح حكمه حكم المصحف كما تقدم هذه مسائل الكتاب ونختمها بفروع:
الأول: كتابة القرآن على الشيء الموضوع بين يديه من غير مس ولا حمل جائز للمحدث في أصح الوجهين.
الثاني: لا يحرم مس التوراة والإنجيل وحملهما في أصبح الوجهين، وكذا حكم ما نسخ قراءته من القرآن.
الثالث: حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يلحق بالقرآن فيما نحن فيه، لكن الأولى أن يكون على الوضوء إذا مسّه.
قال الغزالي:
الْبَابُ الرَّابعُ فِي الغُسْل
وَمُوجِبُهُ الحَيْضُ وَالنَّفَاس وَالمَوْتُ وَالوِلاَدَةُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ جَفَافٍ عَلَى الأَظْهرَ.
قال الرافعي: عندنا موجبات الغسل أربعة: يشتمل هذا الفصل على ثلاثة منها:
أحدها: الحيض قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 1 ثم وجوبه بخروج الدم، أو بانقطاعه فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بخروجه كما يجب الوضوء بخروج البول، والغسل بخروج المني.
وثانيها: بالانقطاع لقوله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش: "إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَة فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" 2 علق الاغتسال بإدبار الدم:
وثالثها: وهو الأظهر أن الخروج يوجب الغسل عند الانقطاع 3 كما يقال: الوطء يوجب العدة عند الطلاق، والنكاح: يوجب الإرث عند الموت، وكذلك نقول في البول والمني خروجهما يوجب الغسل والوضوء عند الانقطاع، بل عند القيام إلى الصلاة، والنفاس كالحيض في الغسل، ومعظم الأحكام.
الثاني: الموت يوجب غسل التي على ما سيأتي في الجنائز، ولك أن تقول: إن الغسل إما أن يكون مفسراً بما سوى النية، وهو غسل الأعضاء، أو يكون مفسراً به مع النية، والأول ضعيف، فإن النية عندنا من جملة الغسل، ولولا ذلك لعد نجاسة جميع
البدن، ونجاسة موضع منه أشبه بالباقي من موجبات الغسل، وقد امتنع صاحب الكتاب، ومعظم الأئمة منه، فتعين الثاني، وحينئذ، إما أن يكون المعتبر مطلق النية، أو النية من صاحب الأعضاء المغسولة، فإن كان الثاني لم ينتظم عد الموت من موجبات الغسل، وكان إطلاق الغسل في الميت بمعنى آخر، وإن كان الأول فغسل الميت إنما يكون من هذه الجملة، إذا كانت النية معتبرة فيه من جهة الغاسل، ولنا في ذلك وجهان.
سيأتي ذكرهما في باب الجنائز:
الثالث: الولادة فلو ولدت ولداً ولم تر بللاً ولا دماً، ففي وجوب الغسل عليها وجهان:
أحدهما: لا يجب لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" 1 فإنه ينفي وجوب الغسل بغير الإنزال خالفنا في الأسباب المتفق عليها، فيتمسك به فيما عداها، وأظهرهما: الوجوب لأنه لا يخلو عن بلل وإن قل غالباً، فيقام الولد مقامه كالنوم يقام مقام الخروج لمقارنته إياه غالباً، ولأنه يجب الغسل بخروج الماء الذي يُخْلَقُ الولد منه، فبخروج الولد أولى ويجري الوجهان في إلقاء العلقة والمضغة.
قال الغزالي: وَالجَنَابَةُ، وَحُصُولُهَا بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ أَوْ بِإيلاجَ قَدْرِ الحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِ الحَشَفَةِ فِي أَيِّ فَرْج كانَ مِنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ أَوْ مَيِّتٍ (ح) أَوْ بَهِيمَةٍ (ح)، وَبِخُرُوجِ المَنِيِّ، وَخَوَاصُّ صِفَاتِهِ ثَلاَثَةٌ: رَائِحَةُ الطَّلْعِ، وَالتَّدَفَّق بِدَفَعَاتٍ، وَالتَّلَذُّذُ بِخُرُوجِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ لاسْتِكْثَارِ الوِقَاعِ وَجَبَ الغُسْلُ لِبَقِيَّةِ الصِّفَاتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ (ح م) بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ خَرَجَ بَقِيَّتُهُ بَعْدَ الغُسْلِ حَصَلَتْ (م) الجَنَابَةُ إذَا بَقِيَتْ رَائِحَةُ الطَّلْعِ، وَلَوِ انْتَبَهَ وَلَمْ يَرَ إلاَّ الثَّخَانَةَ وَالبَيَاضَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَدْيًا فَلاَ يَلزَمُهُ الغُسْلُ، وَالمَرْأَةُ إذَا تَلَذَّذَتْ بِخُرُوجِ مَاء مِنْهَا لَزِمَهَا الغُسْلُ، وَكَذَا إِذَا اغْتَسَلَتْ وَخَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ بَعْدَهُ فَإنَّهُ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ مَائِهَا.
قال الرافعي: السبب الرابع: الجنابة ولها طريقان: إحدهما إلتقاء الختانين: قالت عائشة -رضي الله عنها-: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَد وَجَبَ الْغُسْلُ 2 فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَاغْتَسَلْنَا"، وفسر الشافعي -رضي الله عنه- التقاء الختانين فقال: المراد منه
تحاذيهما لا انضمامهما فإن التضام غير ممكن لأن مدخل الذكر في أسفل الفرج، وهو مخرج الولد، والحيض، وموضع الختان في أعلاه وبينهما ثقبة البول، وشفرا المرأة يحيطان بها جميعاً، وإذا كان كذلك كان التضام متعذراً لما بينهما من الفاصل.
وهاهنا شبهة وهي أن يقال إن كان موضع ختان المرأة في حيز الداخل بحيث لا يصل إليه شيء من الحشفة فالقول بتعذر التضام واضح، لكن لو كان بحيث إذا أحاط الشفران بأول الحشفة لاقى 1 شيء من الحشفة ذلك الموضع كان التضام ممكناً، فلعل المراد من الخبر ذلك، والله أعلم.
ثم موضع الختان غير معتبر بعينه لا في الذكر ولا في المحل، أما في الذكر فمقطوع الحشفة إذا غيَّب مقدار الحشفة لزمه الغسل، فإنه في معنى 2 الحشفة ومعلوم أن ما أسفل الحشفة ليس موضع ختان، ولكن تغييب قدر الحشفة معتبر فلو غيب البعض لم يجب الغسل، لأن التحاذي لا يحصل به غالباً، وحكى القاضي ابن كج أن تغييب بعض الحشفة كتغييب الكل، وروى وجه أن تغييب قدر الحشفة من 3 مقطوع الحشفة لا يوجب الغسل 4 وإنما الموجب تغييب جميع الباقي إذا كان مثل الحشفة، أو أكثر وأما في المحل فلأن المحل الذي هو موضع الختان قبل المرأة، كما يجب الغسل بالإيلاج فيه يجب الغسل بالإيلاج في غيره كالإتيان في غير المأتى، وهو الدبر 5 يجب الغسل به على الفاعل، والمفعول، وكذا فرج البهيمة خلافاً لأبي حنيفة لنا أنه جماع في الفرج، فأشبه فرج الأدمي بل إيجاب الغسل هاهنا أولى لأنه أحق بالتغليظ، ولا فرق بين الإيلاج في فرج الميت، والإيلاج في فرج الحي، وخالف أبو حنيفة في فرج الميت وكذا قال: في الصغيرة التي لا تشتهي.
لنا أنه قد التقى الختانان فيجب الغسل، ثم كما يجب الغسل بالايلإج في فرج الميت، والبهيمة يجب على من غاب في فرجه فرجها ولا يجب إعادة غسل الميت بسبب الإيلاج فيه على أظهر القولين 6 وإذا عرفت ما ذكرناه فانظر في لفظ الكتاب 7
واعلم أنه إنما عقب قوله: (بالتقاء الختانين) بقوله أو (إيلاج قدر الحشفة) في أي فرج
كان لما بينا أن إلتقاء الختانين غير معتبر 1 بعينه، والإيلاج في كل فرج في معناه، ولو اقتصر على قوله: "والجنابة وحصولها بإيلاج قدر الحشفة" في أي فرج كان حصل الغرض، ودخل فيه التقاء الختانين إلا أن التقاء الختانين هو الأصل الذي ورد فيه الخبر، فقدمه ثم بين أن كل جماع في معناه وفي قوله: "قدر الحشفة" إشارة إلى ما سبق أن المرعي مقدار الحشفة لا عينها: وليكن معلماً بالواو للخلاف الذي حكيناه، ثم قوله: "أو إيلاج قدر الحشفة" يتناول ظاهره ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج، وكذلك التقاء الختانين، لأن المراد منه التحاذي، فهل هو كذلك أم لا تحصل الجنابة حينئذ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه تحصل الجنابة لما سبق من حديث عائشة -رضي الله عنها-، وروى أنها قالت قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" 2 والالتقاء ينتظم بهذه الصورة، ولا يخلو عن قضاء شهوة أيضاً.
والثاني: لا يحصل، لأن اللذة إنما تكمل عند ارتفاع الحجاب.
والثالث: أنه إن كانت الخرقة لينة حصلت الجنابة، وإلا فلا لأن اللينة لا تمنع [من] 3 حصول اللذة بخلاف الخشنة، والخشنة هي التي تمنع وصول بلل الفرج للذكر ووصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر، واللينة ما لا تمنع 4 وكل هذا فيما إذا جرى الإيلاج، وهما واضحا الحال أما إذا كان مشكلين وأولج 5 أحدهما في فرج الآخر فلا جنابة، ولا حدث لجواز كونهما امرأتين أو رجلين وكذا لو أولج كل واحد منهما في فرج الآخر، وإن أولج كل واحد منهما في دبر الآخر، فلا جنابة أيضاً لجواز كونهما امرأتين، ولكن بالنزع يحدثان لأن خروج الخارج من السبيلين ينقض الوضوء 6 وإن أولج أحدهما في دبر الآخر انتقض وضوء المولج في دبره لهذا المعنى، وإن أولج أحدهما في فرج الآخر وأولج الآخر في دبر الأول فلا جنابة أيضاً لاحتمال كونهما امرأتين، لكنهما على هذا التقدير يحدثان بالنزع لخروج الخارج من قبل أحدهما ودبر الثاني، وعلى غير هذا التقدير هما جنبان، فيحكم بثبوت أدنى المحدثين، ولو كان
الإشكال في الفاعل وحده، فلا جنابة أيضاً سواء أولج في فرج بهيمة أو امرأة لجواز كونه امرأة، وينتقض وضوء المرأة بالنزع، وإن أولج في دبر رجل فلا جنابة أيضاً لكن يحدثان، لأن بتقدير الذكورة هما جنبان، وبتقدير الأنوثة قد لمس الخنثى وخرج من دبر الرجل شيء وهما من نواقض الوضوء، فيثبت أدنى الحدثين، ولو كان الإشكال في المفعول وحده فالإيلاج في دبره كهو في دبر غيره، والإيلاج في فرجه لا يوجب جنابة ولا حدثاً لجواز كونه رجلاً، ولو أولج رجل في فرج مشكل، والمشكل في فرج امرأة، فالمشكل جنب، لأنه جامع أو جومع، والرجل والمرأة لا يجنبان لكن ينتقض وضوء المرأة بالنزع.
الطريق الثاني للجنابة خروج المني فهو موجب للغسل للإجماع ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" 1 ولا فرق بين أن يخرج [منيه] 2 من الطريق المعتاد، أو من غيره مثل أن يخرج من ثقبة في الصلب، أو في الخصية كذلك ذكره صاحب التهذيب وغيره، وهو ظاهر ما ذكره في الكتاب، وقال في التتمة حكمه في الجنابة حكم النجاسة المعتادة، إذا خرجت من منفذ غير السبيلين فيعود فيه التفصيل، والخلاف المذكور، ويجوز أن يكون الصلب هاهنا بمثابة المعدة، ثم [قال] 3 يخرج المني من الصلب ثم للمني خواص ثلاث:
أحداها: الرائحة الشبيهة برائحة العجين، والطلع ما دام رطباً فإذا جفت اشتبهت رائحته برائحة بياض البيض.
والثانية: التدفق بدفعات قال الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ 4.
والثالثة: التلذذ بخروجه، واستعقابه فتور الذكر، وانكسار الشهوة، وله صفات أخر نحو الثخانة والبياض في مني الرجل، والرقة، والاصفرار في مني المرأة في حال اعتدال الطبع، لكن هذه الصفات ليست من خواصه بل الودي أيضاً أبيض ثخين كمني الرجل، والمذي رقيق كمني المرأة، لماذا عرفت هذا فنقول: ما ليس من خواصه لا ينفي عدمه كونه منياً ولا يقتضي وجوده كونه منياً ويوضح الطرقين بالمثال.
أما الأول: فلو زالت الثخانة والبياض لمرض وجب الغسل عند وجود شيء من خواصه، ولو خرج على لون الدم لاستكثار الوقاع وجب الغسل أيضاً اعتماداً على الصفات الخاصة به، وحكى وجه أنه لا يجب الغسل هاهنا لأن المني دم في الأصل فإذا خرج على لون الدم لم يقتض غسلاً كسائر الدماء.
وأما الثاني: فلو تنبه ولم ير إلا الثخانة، والبياض فلا غسل عليه، لأن الودي
يشارك المني في هاتين الصفتين فيحتمل أن يكون الخارج (ودياً)، فلا يجب الغسل بالشك بل يتخير بين أن يتوضأ ويغسل المحل الذي أصابه ذلك الخارج، وبين أن يغتسل، ولا يغسله على ما ذكرناه في فصل الترتيب هذا ظاهر المذهب، وقد حكينا وجهاً أنه يلزمه الغسل فلذلك أعلم.
قوله: في الكتاب "فلا يلزمه الغسل" بالواو.
فإن قلنا بظاهر المذهب، وغلب على الظن أنه مني لأن الودي لا يليق بصاحب 1 الواقعة، أو لتذكر وقاع [قبله] 2 تخيله: قال إمام الحرمين يجوز أن يقال: يستصحب يقين الطهارة، ويجوز أن يحمل الأمر على غالب الظن تخريجاً على غلبة الظن في النجاسة، والاحتمال الأول أوفق لكلام المعظم هذا حكم غير الخواص.
فأما خواص المني فلا يشترط اجتماعها بل الخاصة الواحدة كافية في معرفة أن الخارج مني، فلو خرج بغير دفق وشهوة لمرض أو لحمل شيء ثقيل وجب الغسل خلافاً لأبي حنيفة، وكذلك لمالك وأحمد -رحمهما الله- فيما حكاه أصحابنا.
لنا أن الخارج مني لوجود خاصية الرائحة فيه فيوجب الغسل لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" 3. [ولو اغتسل عن الإنزال ثم خرجت منه بقية وجب الغسل لوجود الرائحة] سواء خرجت بعد ما بال، أو قبله خلافاً لمالك حيث قال: في إحدى الروايتين لا غسل عليه في الحالتين وفي رواية أنه خرج قبل البول فهو من بقية المني الأول، فلا يجب الغسل ثانياً وإن خرج بعده فهو مني جديد فيلزمه الغسل، وخلافاً لأحمد حيث قال: إن خرج قبل البول وجب الغسل ثانياً، وإن خرج بعده فلا.
وحكى عن أبي حنيفة مثله وجعل ذلك بناء على المسألة الأولى وهي اعتبار التدفق والشهوة، لأن ما خرج قبل البول بقية ما خرج لشهوة، وما خرج بعد البول خرج بغير شهوة لنا ما سبق وقياس إحدى الحالتين على الأخرى، وقول من قال الخارج بعد البول 4 مني جديد ممنوع بل هو بقية الأول بكل حال -والله أعلم-.
ولا فرق في خروج المني بين الرجال وبين النساء في حكم الغسل: روي أن أم سليم جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "فقالت: إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" 5.
وقوله في الأصل: "والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها لزمها الغسل" يشعر بأن طريقة معرفة المني في حقها الشهوة والتلذذ لا غير.
وقد صرح به في الوسيط فقال: ولا يعرف في حقها إلا من الشهوة وكذلك ذكره إمام الحرمين لكن ما ذكره الأكثرون تصريحاً وتعريضاً التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث.
وقد قال في التهذيب: أن مني المرأة إذا خرج بشهوة أو بغير شهوة وجب الغسل كمني الرجل، فإذا وجب الغسل مع انتفاء الشهوة كان الاعتماد على سائر الخواص ولو اغتسلت المرأة من الجماع، ثم خرج منها المني لزمها الغسل بشرطين:
أحدهما: أن تكون ذات شهوة دون الصغيرة التي لا شهوة لها.
والثاني: أن تقضي شهوتها بذلك الجماع لا كالنائمة والمكرهة.
وإنما وجب الغسل عند اجتماع هذين الشرطين، لأنه حينئذ يغلب على الظن اختلاط منيها بمنيه، وإذا خرج منها ذلك المختلط فقد خرج منها منيها.
أما في الصغيرة والمكرهة والنائمة إذا خرج المني بعد الغسل لم يلزم إعادة الغسل لأن الخارج مني الرجل، وخروج مني الغير من الإنسان لا يقتضي جنابته.
وصورة المسألة في الكتاب، وإن كانت مطلقة لكن في قوله: "فإنه لا ينفك عن مائها" ما يبين اشتراط ما ذكرنا: وحكى وجه آخر أنه لا يشترط إعادة الغسل بحال لأنه لا يتيقن خروج منيها، نعم الاحتياط الإعادة هذا تمام الكلام في طريقي الجنابة ولفظ الكتاب ظاهر في الحصر فيهما، وهو الصحيح وزاد بعض الأصحاب طريقاً آخر للجنابة، وهو استدخال المني قالوا: إذا استدخلت المرأة منيّاً لزمها الغسل كما يجب به العدة إذا كان الماء محترماً: وينسب هذا إلى أبي زيد المروزي وعلى هذا لا يفترق الحال بين القبل والدبر، والمذهب الأول لأن الاستدخال غير متناول بالنصوص الواردة في الباب، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
خاتمة قوله في أول الباب "وموجبه الحيض والنفاس" إلى آخره يقتضي حصر موجبات الغسل في الأربعة الذكورة لكن إلقاء المضغة، والعلقة موجب على الصحيح كما سبق، وهو لا يدخل في لفظ الولادة، فيكون خارجاً عما ذكره واختلفوا في شيئين آخرين:
أحدهما: غسل الميت [فإن منهم] من قال: في القديم يجب به الغسل على الغاسل وإليه ذهب أحمد لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَن مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأُ" 1، والجديد أنه ليس من موجبات الغسل، والحديث إن ثبت محمول على الاستحباب.
والثاني: زوال العقل بالجنون والإغماء حكى بعضهم عن أبي هريرة أن زواله بالجنون يوجب الغسل، وروى آخرون وجهين: في الجنون والإغماء جميعاً: ووجه وجوبه أن زوال العقل يفضي إلى الإنزال غالباً، فأقيم مقامه كالنوم أقيم مقام خروج الخارج، والمذهب المشهور أنه لا يجب به الغسل ويستصحب يقين الطهارة إلى أن يستيقن الإنزال، والقول بأن الغالب منه الإنزال ممنوع 1.
قال الغزالي: ثُمَّ حُكْمُ الجَنَابَةِ حُكْمُ الحَدَثِ مَعَ زَيادَةِ تَحْرِيم قِرَاءَةِ القُرْآنِ والمُكْثِ فِي المَسْجِدِ (ز)، أَمَّا العُبُورُ فَلاَ (م ح) ثُمَّ لاَ فَرْقَ فِي القِرَاءَةِ بَيْنَ آيَةٍ (م) أَوْ بَعْضِهَا (ح) إلاَّ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ الله عَلَى قَصْدِ الذّكْرِ، وَلاَ يَحِلُّ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةٌ لِحَاجَةِ التَّعْلِيمِ (م) وَخَوْفِ النِّسْيَانِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: لما فرغ من بيان موجب الجنابة ذكر حكمها، وأما حكم الحيض والتفاس فيأتي في بابهما ولا يفرض في الموت مثل هذه الأحكام فيقول: كل ما يحرم بالحدث الأصغر يحرم بالجنابة بطريق الأولى لأنها أغلظ ويزداد تحريم شيئين:
أحدهما: قراءة القرآن فيحرم على الجنب أن يقرأ شيئاً من القرآن قاصداً به القرآن سواء كان آية، أو بعض آية خلافاً لمالك حيث جوّز قراءة الآيات اليسيرة للجنب، ولأبي حنيفة حيث جوّز له قراءة بعض الآية وبه قال أحمد في أصح الروايتين: لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْرَأ الْجُنُبُ وَلاَ الْحَائِضُ شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ" 2 وعن علي -رضي الله = وعشرين طريقاً، وقال علي بن المديني وأحمد ومحمد بن يحيى الذهلي: لا يصح في الباب شيء وقال البخاري: الأشبه وقفه على أبي هريرة، وقال البيهقي: إنه الصحيح، وقال الرافعي في شرح المسند: إنه الذي صححه الأئمة.
انظر الخلاصة (1/ 60).
عنه- قال: لم يكن يحجب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القرآن شيء سوى الجنابة 1، ويروى (يحجز)، ولا يستثنى عندنا شيء من الصور إلا إذا لم يجد الجنب ماء، ولا تراباً وصلى على حسب الحال، ففي جواز قراءة الفاتحة له وجهان:
أحدهما: يجوز، والترخيص في الصلاة ترخيص في قراءة الفاتحة إذ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، فعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة.
أصحهما: وهو الأظهر أنه لا يجوز قراءتها كقراءة غيرها ويأتي بالذكر والتسبيح بدلاً كالعاجز عن القراءة 2 حقيقة، أما إذا قرأ شيئاً منه لا على قصد القرآن فيجوز كما لو قال: باسم الله الرحمن الرحيم على قصد التبرك والابتداء، أو الحمد لله في خاتمة الأمر، أو قال: "سُبْحَانَ اللَّهِ الذِي سَخَّرَ لَنَا هذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" 3 على قصد إقامة سنة الركوب، لأنه إذا لم يقصد القرآن لم يكن فيه إخلال بالتعظيم ولو جرى على لسانه ولم يقصد هذا ولا ذاك فلا يحرم أيضاً.
وكما تحرم القراءة على الجنب تحرم على الحائض لما سبق من الخبر، ولأن حدثها أغلظ فيكون الحكم في التحريم أولى.
وعن مالك أنه يجوز لها قراءة القرآن، ورواه أبو ثور عن أبي عبد الله فمن الأصحاب من قال أراد به مالكاً، ونفى أن يكون الجواز قولاً للشافعي ومنهم من قال أراد الشافعي -رضي الله عنه-، وهو قول له في القديم 4 وهذا ما ذكره في الكتاب فقال: ولا يحل للحائض القراءة لحاجة التعليم وخوف النسيان على الأصح أي من القولين وهذه الطريقة أظهر لأن الشيخ أبا محمد قال: وجدت أبا ثور جمع بينهما في بعض المواضع فقال: قال: أبو عبد الله ومالك فثبت نقل قول الجواز وتوجيهه ما أشار إليه، وهو أنها قد تكون معلمة، فلو منعناها عن القراءة والحيض مما يعرض في كل شهر غالباً لانقطعت عن حرفتها، ولأن ترك القراءة يؤدي إلى النسيان لامتداد زمان
الحيض بخلاف الجنابة فإنه يمكن إزالتها في الحال، وهذا القول يجري في النفساء أيضاً.
الثاني: المكث في المسجد وهو حرام على الجنب، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ أُحِلُّ الْمسجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ" 1، ولا يحرم العبور قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ 2 والمعنى الفارق بين المكث والعبور أن العبور في المسجد لا قربة فيه، وفي المَكث قرية الاعتكاف فمنع منه الجنب، ثم قد يعذر في المكث عند الضرورة كما لو نام في المسجد فاحتلم، ولم يمكن الخروج لإغلاق الباب أو الخوف من العسس، أو غيره على النفس أو المال وليتيمم في هذه الحالة تطهيراً وتخفيفاً للحدث بقدر الإمكان، وهكذا إذا وجد تراباً غير تراب المسجد، ولا يتيمم بترابه [لكن لو تيمم به صح والعبور وإن لم يكن حراماً [فمكروه] 3 إلا لغرض كما إذا كان المسجد طريقه إلى مقصده، أو كان أقرب الطريقين إليه ولا فرق في الجواز بين أن يكون له سبيل أخر إلى مقصده، وبين أن لا يكون في وجه إنما يجوز إذا لم يجد طريقاً سواه، وليس له أن يتردد في أكتاف المسجد فإن التردد في غير جهة الخروج كالمكث 4 وليكن قوله: "والمكث في المسجد" معلماً بالألف، لأن عند أحمد يجوز للجنب المكث إذا توضأ، وبالزاي، لأن عند المزني في الرواية المشهورة يجوز له المكث مطلقاً، وقوله: "أما العبور فلا" معلماً بالحاء والميم؛ لأن عندهما لا يجوز له العبور أيضاً إلا أن يحتلم في المسجد فله أن يعبر في الخروج، ولا يكلف قصد الباب الأقرب.
قال الغزالي: وَفَضْلُ مَاءِ الجُنُبِ وَالحَائِضِ طَهُورٌ، وَلاَ بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يُجَامِعَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلَ فَرجَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: فضل ماء الجنب والحائض طهور ولا كراهية في استعماله وقال: أحمد لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل ما استعملته المرأة إذا خلت بالماء، واستعملت بعضه، لنا ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كُنْتُ أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ" 1 تختلف أيدينا فيه قال إمام الحرمين: لو فسر فضل ماء الحائض والجنب بما لم يمساه من الماء فلا يتخيل امتناع استعماله، والذي يتوهم فيه الخلاف ما مسه بدن الجنب والحائض على وجه لا يصير الماء به مستعملاً ولهذا استدل الشافعي -رضي الله عنه- في الباب بأخبار تدل على طهارة بدنهما.
الثانية: يجوز للجنب أن يجامع ثانياً، وأن ينام ويأكل ويشرب لكن يستحب أن لا يفعل شيئاً من ذلك إلا بعد غسل الفرج، والوضوء كما [يتوضأ] 2 به للصلاة، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ" 3 وروي أنه قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُعَاوِدَ فَليَتَوَضَّأ بَيْنَهُمَا وُضُوءاً" 4، والمقصود منه التنظيف ودفع الأذى.
وأعلم أن كلامه في الكتاب يشعر بتخصيص الوضوء وغسل الفرج بالجماع أو تخصيص غسل الفرج به، واستحباب الوضوء بغير الجماع؛ لأنه قال: "لا بأس للجنب أن يجامع ويأكل ويشرب لكن يستحب له أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه عند الجماع"، فإن كان قوله: "عند الجماع" راجعاً إلى جميع ما وصفه بالاستحباب فهو تخصيص للوضوء، وغسل الفرج معاً بالجماع، وإلا فهو راجع إلى غسل الفرج المذكور أخيراً.
وفيه تخصيص لغسل الفرج بالجماع لكن ليسا ولا واحداً منهما مما يختص استحبابه بالجماع، بل هما مستحبان في الأكل والشرب والنوم أيضاً، كذلك ذكره في التهذيب وغيره، وقد روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال: "نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فَلْيَرْقُد" 5 ويروى عنه أنه قال: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ" 6.
قال الغزالي: (أَمَّا كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ) فَأَقَلُّهُ النِّيَّةُ وَاسْتِيعَابُ البَدَنِ بِالْغَسْلِ، وَلاَ يَجِبُ المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ (ح)، وَيَجِبُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ وَإِنْ كثُفَث وَيَجِبُ (م) نَقْضُ الضَّفَائِرِ إِنْ كَانَ لاَ يَصِلُ المَاءُ إلَى بَاطِنِهَا.
قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في موجبات الجنابة وأحكامها، تكلم في كيفية الغسل والقول في كيفيته يتعلق بالأقل والأكمل، أما الأقل فهو شيئان:
أحدهما: النية فهي واجبة عندنا خلافاً لأبي حنيفة، كما في الوضوء وقد ذكرنا مسائل النية في الوضوء ونظائرها في الغسل تقاس بها فلا يجوز أن تتأخر النية عن أول الغسل المفروض، كما لا يجوز أن تتأخر في الوضوء عن أول غسل الوجه، وإن حدثت مقارنة لأول الغسل المفروض صح الغسل لكنه لا ينال ثواب ما قبله من السنن على ما سيأتي بيانها، وإن تقدمت على أول غسل مفروض وعزبت قبله فوجهان كما سبق في الوضوء، ثم إن نوى رفع الجنابة أو رفع الحدث عن جميع البدن أو نوت الحائض رفع حدث الحيض صح الغسل، وإن نوى رفع الحدث مطلقاً، ولم يتعرض للجنابة ولا غيرها صح غسله أيضاً على أظهر الوجهين.
[لأن الحدث عبارة عن المانع من الصلاة وغيرها على أي وجه فرض.
ولو نوى رفع الحدث الأصغر فإن تعمد لم يصح غسله على أظهر الوجهين] 1 وإن غلط فظن أن حدثه الأصغر لم ترتفع الجنابة عن غير أعضاء الوضوء وفي أعضاء الوضوء وجهان:
أحدهما: لا ترتفع عنها أيضاً، لأن الجنابة أغلظ ولم يقصد رفعها.
وأظهرهما: أنها ترتفع عن الوجه واليدين والرجلين، لأن غسل هذه الأعضاء واجب في المحدثين، فإذا غسلها بنية غسل واجب كفى، ولا يرتفع عن الرأس في أصح الوجهين، لأن فرض الرأس في الوضوء المسح فالذي نواه إنما هو المسح، والمسح لا يغنى عن الغسل أما إذا نوى المغتسل استباحة فعل نظر إن كان مما يتوقف على الغسل كالصلاة والطواف وقراءة القرآن فالحكم على ما سبق في الوضوء، ومن هذا القبيل ما إذا نوت الحائض استباحة الوطء في أصح الوجهين:
والثاني: أن غسلها بهذه النية لا يصح للصلاة، وما في معناها كغسل الذمية عن الحيض لتحل للزوج، وإن لم يتوقف الفعل المنوي على الغسل [نُظر، إن لم يستحب له الغسل لم تصح نية استباحته: وإن كان يستحب له الغسل] (2) كالعبور في المسجد،
والأذان وكذا إذا اغتسل للجمعة 1 والعيد، فالحكم على ما ذكرنا في الوضوء، وإن نوى الغسل المفروض أو فريضة الغسل صح غسله، الثاني استيعاب جميع البدن بالغسل، قال -صلى الله عليه وسلم-: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَة، فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأنْقُوا البَشَرَةَ" 2 ومن جملة البشرة ما يظهر من صماخي الأذنين وما يبدو من الشقوق، وكذا ما تحت القلفة من الأقلف، وما ظهر من أنف المجدوع في أظهر الوجهين، وكذا ما ظهر من الثيب بالافتضاض قدر ما يبدو عند القعود لقضاء الحاجة دون ما وراء ذلك في أظهر الوجوه، لأنه صار ذلك في حكم الظاهر كالشقوق.
والثاني: أنه لا يجب غسل ما وراء ملتقى الشفرين كما لا يجب غسل باطن الفم والأنف.
والثالث: يجب عليها غسل باطن الفرج في غسل الحيض والنفاس خاصة، لإزالة دمها ولا يدخل فيها باطن الأنف والفم، فلا تجب المضمضة والاستنشاق في الغسل عندنا خلافاً لأبي حنيفة ذكر إمام الحرمين أن بعض تعاليق شيخه حكاية وجه موافق لمذهب أبي حنيفة: لنا أنهما لا يجبان في غسل الميت ولو وجب في غسل الحي لوجبا في غسل الميت وأيضاً فلو وجب غسل باطن الفم والأنف في الغسل لكانا من الوجه.
ولو كانا من الوجه لوجب غسلهما في الوضوء.
وأما الشعور فيجب إيصال الماء إلى منابتها خفت أو كثفت بخلاف الوضوء لأنه يتكرر في اليوم والليلة مراراً فلو كلف إيصال الماء فيه إلى المنابت لعظمت المشقة.
ويجب نقض الضفائر إن كان لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض: أما الأحكام الشد أو للتبلد ولغيرهما فإن وصل الماء إليها بدون النقض فلا حاجة إليه.
وعن مالك أنه لا يجب نقض الضفائر [ولا إيصال الماء إلى باطن الشعور الكثيفة وما تحتها.
وعن أبي حنيفة أنه إذا بلغ الماء أصول الشعر فليس على المرأة نقض الضفائر] 3: وعن أحمد أن الحائض تنقض شعرها دون الجنب.
لنا الخبر الذي قدمناه، ويستثنى من الشعور ما ينبت في العين، فإن إدخال الماء في العين لا يجب وكذلك باطن العقد التي تقع على الشعرات يسامح به وحكى القاضي
الروياني وجهاً آخر أنه يلزم قطعها 1.
قال الغزالي: وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَغْسِلَ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ أَذىً أَوَّلاً ثم يَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا وَيُؤَخِّرَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إِلَى آخِرِ الغُسْلِ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، ثُمَّ يَتَعَهَّدَ مَعَاطِفَ بَدَنِهِ ثُمَّ يُفِيّضَ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يُكَررَ ثَلاَثًا ثُمَّ يَدْلُكَ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا تَسْتَعْمِلُ فُرْصَةً مِنْ مِسْكٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَمَاءُ الغُسْلِ وَالوْضُوءِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ (ح) وَقَدْ يُرْفَقُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي وَيُخْرَق بِالكَثِيرِ فَلاَ يَكْفِي وَالرِّفقُ أَوْلى وَأَحَبُّ.
قال الرافعي: كمال الغسل [يحصل] 2 بأمور ذكر منها ثمانية:
أحدها: أن يغسل ما على بدنه من أذى أولاً: فإن اعترض معترض فقال: الأذى المذكور إما أن يكون المراد منه الشيء القذر، أو النجاسة، وكيف يجوز الأول وقد فسر الشارحون قول الشافعي -رضي الله عنه- "ثم يغسل ما به من أذى" بموضع الاستنجاء إذا كان قد استنجى بالحجر، وهذا تفسير له بالنجاسة وكذلك فسروا لفظ الأذى في الخبر.
وإن كان الثاني فكيف عطف النجاسة على الأذى في الوسيط، والعطف يقتضي المغايرة، ثم من على بدنه نجاسة لا بد له من إزالة النجاسة أولاً ليعتد بغسله ووضوئه، وإذا كان كذلك كان غسل الموضع عن النجاسة من الواجبات لا من صفات الكمال.
الجواب قلنا: من على بدنه نجاسة لو اقتصر على الاغتسال أو الوضوء، وزالت تلك النجاسة طهر المحل، وهل يرتفع الحدث [فيه] 3، وجهان: حكاهما في المعتمد وغيره.
فإن قلنا: بارتفاع الحدث أمكن عَدَّ إزالة النجاسة من جملة صفات الكمال ولعل من عدَّه منها صار إلى ذلك الوجه.
وإن قلنا: لا يرتفع الحدث وهو الظاهر من المذهب فالأذى المحدود إزالته من جملة صفات الكمال، إنما هو الشيء المستقذر.
وأعلم أنا إذا جرينا على ظاهر المذهب وهو أنه لا يرتفع الحدث إذا كان على بدنه نجاسة حتى يغسل النجاسة أولاً ثم يغسل الموضع عن الحدث، فكما لا يصح عدّ إزالة النجاسة من كمال الغسل لا يصح عدّها من أركانه أيضاً، خلافاً لكثير من أصحابنا حيث قالوا: واجبات الغسل ثلاثة: غسل النجاسة إن كانت على البدن، والنية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة.
لنا أنه لو كان من واجبات نفس الغسل لكان الترتيب معتبراً في أركان الغسل لاشتراط تقديم إزالة النجاسة، وقد اتفقوا على أنه لا ترتيب في الغسل، ولأن الأمر في الوضوء والغُسْل واحد، ولم يعده أحد من أركان الوضوء فإذاً تقديم إزالة النجاسة شرط فيهما، وشرط الشيء لا يعد من نفس ذلك الشيء كالطّهارة وستر العورة لا يعدان من أفعال الصّلاة وأركانها: وأما من جمع بين الأذى والنجاسة وعدَّ إزالتهما من كمال الغُسْل لم ينتظم ما فعله في النّجاسة إلا على قولنا إن الغسلة الواحدة كافية عن الخبث والحدث جميعاً.
ولم يتفق المفسرون لكلام الشافعي -رضي الله عنه- على أن المراد من الأذى النَّجاسة، بل اختلفوا منهم من فسره بها.
ومنهم من فسره بالمني، ونحوه، مما يستقذر: حكى هذا الخلاف القاضي أبو القاسم بن كج وغيره ولعل ذلك بحسب الاختلاف في المَسْئلة المذكورة -والله أعلم-.
الثاني: أنْ يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، روت عائشة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا اغتسل من الجَنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أصول شعره، ثم يفيض الماء على جلده كله 1.
وأعلم أن قوله في الأصل: "ويتوضأ وضوءه للصّلاة وإن لم يكن مُحدثا" يشعر باطّراد الاستحباب فيما إذا كان يغتسل من الجنابة المجردة، وفيما إذا انضم الحدث إلى الجنابة، وإنما يتضح ذلك بتصوير الجنابة المجردة أولاً فنقول من صور ذلك: إتيان الغلام والبهيمة يوجب الجنابة دون الحدث لفقد أسبابه الأربعة.
ومنها: ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج في فرج امرأة تحصل الجنابة على قولنا أن الخرقة الحائلة لا تمنع حصول الجنابة، وقد قدمنا الخلاف فيه ولا يحصل الحدث، لأن اللمس إنما يوجب الحدث إذا لم يكن بين البشرتين حائل.
ومنها: إذا أنزل بفكر ونظر أو احتلم قاعداً ممكَّناً مقعده من الأرض تحصل الجنابة دون الحدث على ما سبق في باب الأحداث، وألحق المسعودي بهذه الصور الجماع مطلقاً، وقال: إنه يوجب الجنابة لا غير، واللمس الذي يتضمنه مغموراً به كما أن خروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال يصير مغموراً به، واستشهد على ما ذكره 2 بأن من جامع في الحجّ يلزمه بدنه، وإن كان متضمّناً للمس، ومجرد اللمس يوجب شاة وعند الأكثرين بالجماع يحصل الحدثان جميعاً، ولا يندفع أثر اللمس الذي يتضمنه
الجماع بخلاف اندفاع أثر خروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال، لأن اللمس يسبق حصول حقيقة الجماع، فيجب ترتيب حكمه عليه، وإذا تم حقيقة الجماع وجب حصول الجنابة أيضاً، وفي الإنزال لا يسبق خروج الخارج الإنزال، بل إذا نزل حصل خروج الخارج، وخروج المنيّ وموجب خروج المني أعظم الحَدَثين فيدفع حلوله حلول الأصغر معه كما سبق.
وأما مسألة المحرم فممنوع على وجه، وعلى التسليم ففي الفدية معنى الزجر والمُؤَاخَذَة، وسبيل الجنايات اندراج المقدمات في المقاصد، ألا يرى أن مقدمات الزِّنا لو تجردت أوجبت التعذير، وإذا أفضت إلى الزنا لم يجب التعزير مع الحد، وأما هاهنا فالحكم منوط بصورة اللمس، ولهذا لا يفرق فيه بين العمد والنِّسيان: وإذا عرفت ذلك فنقول: إن تجردت الجنابة فالوضوء محبوب في الغُسْل عنها، وإن اجتمع الحدث والجنابة فقد حكينا في باب صفة الوضوء الخلاف في أنه هل يكفيه الغسل أم يجب معه الوضوء؟ فإن اكتفينا بالغُسْل فالوضوء فيه محبوب كما لو كان يغتسل عن مجرد جَنَابة، وعلى هذا ينتظم القول باستحباب الوضوء على الاطّراد أما إذا أوجبنا معه الوضوء امتنع القول باستحبابه في الغسل، ولا صائر إلى أنه يأتي بوضوء مفرد وبوضوء آخر، لرعاية كمال الغسل، ولا ترتيب على هذا الوجه بين الوضوء والغسل، بل يقدم منهما ما شاء، ولا بد من إفراد الوضوء بالنِّيَّة، لأنها عبادة مستقلّة على هذا الخلاف أما إذا كان من محبوبات الغسل فإنه لا يحتاج إلى إفراده بنية: ثم الوضوء المَحْبُوب في الغُسْل هل يتمه في ابتداء الغسل أم يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل؟ فيه قولان:
أظهرهما: أنه يتمه ويقدم غسل الرجلين مع سائر أعضاء الوضوء، لما سبق من حديث عائشة فإنها قدمت الوضوء على إفاضة الماء، والوضوء ينتظم غسل الرجلين.
وثانيهما: أنه يؤخره إلى آخر الغسل، وبه قال أبو حنيفة: لأن ميمونة وصفت غسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهَ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جَسَدِهِ، ثمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجلَيْهِ" 1. ولا كلام في أن أصل السنة يتأدّى بكل واحد من الطّريقين، إنما الكلام في الأولى.
الثالث: يتعهد من بدنه الموضع الذي فيه انعطاف والتواء، كالأُذُنَيْن فيأخذ كفًّا من الماء، ويضع الأذن برفق عليه ليصل إلى معاطفه، وزواياه كغضون البطن إذا كان سَمِيناً، وكذلك بفعل بِمَنَابت الشّعر، فيخلل أصول الشعر ومنابته، وكل ذلك قبل إفاضة
الماء على الرأس، وإنما بفعل ذلك ليكون أبعد عن الإسْرَافِ في الماء، وأقرب إلى الثِّقة بوصول الماء.
الرابع: يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الأيمن، ثم على الشق الأيسر، ويروى ذلك في صفة غسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 1.
الخامس: يكرر غسل البدن ثلاثاً كما في الوضوء، بل أولى، لأن الوضوء مبني على التُّخفيف، فإن كان ينغمس في الماء انغمس ثلاث مرات، وهل يستحب تجديد الغسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو ضوء.
وأظهرهما: لا، لأن الترغيب في التجديد إنّما ورد في الوضوء، والغُسل ليس في معناه؛ لأن موجب الوضوء أغلب وقوعاً واحتمال عدم الشّعور به أقرب فيكون الاحتياط فيه أتمّ.
السّادس: يدلك ما وصل إليه يده من بدنه، يتبع بها الماء، والفائدة ما ذكرناه في التعهد.
وقال مالك: يجب الدّلك، لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَّا أَنَا فَأحْثِي عَلَى رَأسي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ مِنَ الْمَاءِ، فَإِذَا أنا قَدْ طَهُرْتُ" 2. رتَّب الطَّهارة على إفاضة الماء، ولم يتعرض للدّلك.
السّابع: إذا اغتسلت الحائض تَتَعَهَّدُ أثر الدم بِمِسْكِ أَوْ طِيْب آخر، بأن تجعله على قُطْنَةٍ وتدخلها في فرجها، روى عن عائشة أن امرأة جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسأله عن الغُسْلِ من الحَيْضِ، فقال: "خُذِي فُرْصَةَ مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا"، فلم تعرف ما أراد فاجتذبتها، وقال: تتبعي بها آثار الدّم 3، والفرصة: القطعة من كل شيء، ذكره ثعلب، ويروى: "خُذِي فرْصَةً مُمْسِكَة".
قال العراقيين 1: الفُرْصَةُ القطعة من الصوف أو القطن، فالأولى المِسْكُ، فإن لم تجده استعملت طِيْباً آخر، فإن لم تجد فَطِينًا لقطع الرّائحة الكريهة، فإن لم تجد كفى الماء، والنُّفَسَاء كالحائض في ذلك.
الثّامن: ماء الوضوء والغسل غير مقدر.
قال الشّافعي -رضي الله عنه-: "وقد يخرق بالكثير فلا يكفي، ويرفق بالقليل فيكفي".
والأحبّ أن لا ينقص ماء الوضوء عن مُدِّ، وماء الغسل عن صَاع، لما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيغْتَسِلُ بِالصَّاعِ" 2 وروي أنه قال: "سَيَأْتِي أَقْوَامٌ يَسْتَقِلُّونَ هَذَا فَمَنْ رَغِبَ فِي سُنَّتِي وَتَمَسَّكَ بِهَا بُعِثَ مَعِي فِي حَضِيرَةِ القُدْسِ" 3.
والصَّاع والمُدُّ معتبران على التّقريب، دون التحديد، -والله أعلم- وحكى بعض مشايخنا عن أبي حنيفة أنه يتقدر ماء الغسل بِصَاعٍ فلا يجوز أقل منه، وماء الوضوء بِمُدٍّ، وربما حكى ذلك عن محمد بن الحسن، لنا أن ثبتت الرواية عنهما ما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ بِنِصْفِ مُدٍّ" 4 وروى أيضاً: "أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ تَوَضَّأَ بِثُلُثِ مُدٍّ" 5.
ونختم الباب بكلامين:
أحدهما: إن أدخل كلمةٌ "ثمَّ" في معظم هذه الآداب، وهي على حقيقتها في الترتيب إلا في قوله: "ثم يدلك" بعد قوله: "ثم يُكَرِّر ثلاثاً"، فإن الدّلك لا يكون متأخراً عن التَّكْرار ثلاثاً، بل الدلك في كل غسلة معها.
الثاني: أن كَمَالَ الغُسْلِ لا ينحصر فيما ذكره بل له مندوبات أخر.
منها: ما بيناه في فضل سنن الوضوء.
ومنها: أن يستصحب النية إلى آخر الغسل.
ومنها: أن لا يغتسل في الماء الراكد، ومنها أن يقول في آخره: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ 1.
قال الغزالي: