الحَلْقِ.
وقال أَبُو حَنِيفةَ -رحمه الله-: إنما يفسد إذا جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أشْوَاطٍ، وأما بعد ذلك فَلاَ.
ويجوز أن يُعَلَّم لذلك قوله في الكتاب: (قبل السعي) وقوله: (قبل الحلق) كلاهما بالحاء.
واعلم أن التفصيل الذي ذكره في أن الجِمَاعَ يفسدها قَبْلَ الحَلْقِ أو لا يُفْسِدُهَا إلا إذا وقع قَبْلَ السَّعْي مبنياً على الحَلْقِ، هل هو نُسُك ضرب من البَسْطِ والإيضَاحِ، إلا فَإذَا عرفنا في هذا الموضوع أن الجِمَاعَ قبل التَّحَلُّلِ مفسد، وعرفنا من قبلَ الخلاف فِي أن الحَلْقَ هل هو نُسُكٌ أَم لاَ، لا يشتبه علينا التفصيل المذكور.
واللواط، وإتيان البهيمة في الإفساد كالوَطْءِ في الفَرْجِ، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- فيهما ولمالك -رحمه الله- في إِتْيَانِ البَهِيمَةِ، وروى ابْنُ كِجٍّ وَجْهاً كمذهب مالك.
قال الغزالي: ثُمَّ يَجِبُ المُضِيُّ في فاسِدِهَا بَإِتْمَامِ مَا كَانَ تَتِمَّةً لَوْلاَ الإفْسَادُ، ثُمَّ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ إن أَفْسَدَ، وَإِنْ كانَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ فَشَاةٌ وَقِيلَ: بَدَنَةٌ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ شَيْءٌ، وَالجِمَاعُ الثَّاني بَعْدَ الإفْسَادِ فِيهِ شَاةٌ، وَقِيلَ: بَدَنَةٌ، وَقِيلَ: لاَ شَيْءَ بَلْ يَتَدَاخَلُ.
قال الرافعي: سائر العِبَادَاتِ لا حرمة لَهَا بَعْدَ الفَسَادِ، ويصير الشَّخْصُ خَارِجاً مِنْهَا لكن الحَجِّ والعُمْرَة وإن فسدا يجب المُضِيُّ فِيهِمَا، وذلك بإتمام ما كان يفعله، لولا عروض الفَسَادِ، وروى عن عمر 1 وعلي 2 وابْنُ عَبَّاسٍ 3 وأبي هريرة 4 -رضي الله عنهم- أنهم قالوا: "مَنْ فَسَدَ حَجُّهُ مَضَى فِي فَاسِدِهِ، وَقَضَى مِنْ قَابِلٍ".
ومن نتائج الفَسَادِ الكفارة، وهي بدنة، والقول في كيفية وجوبها، وما يقوم مقامها مذكور في بَابِ الدِّمَاءِ.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إِنْ جامع قبل الوقوف لا تجب الفِدْيَة، وإنما يجب فيه دم شَاةٍ، وهذا مع تسليمه حصول الفَسَادِ، والحالة هَذِه، ولذلك أعلم قوله: (وعليه بدنه إن أفسد) بالحاء، والعمرة كالحَجِّ في وُجُوبِ البَدَنَةِ.
وعن أبي إسحاق: أن بعض أصْحَابِنَا ذهب إلى أن لا يَجِب فِي إِفْسَادِهَا إِلاَّ شاة، لانخفاض رتبتها عَنْ رُتْبَةِ الحَجِّ، ثم في الفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: لو جامع بين التحللين وفرعنا على الصَّحِيحِ، وهو أن لا يُفْسِد ففيما يجب؟ فيه قولان:
أظهرهما: شاة، لأنه لا يتعلق فَسَاد الحَجِّ بِهِ، فأشبه المُباشَرة فيما دُونَ الفَرْجِ.
واختار المزني هذا القول، وأشار في "المختصر" إلى تخريجه للشافعي -رضي الله عنه-، وقيار: إنه حَكَاهُ فِي غير "المختصر" عن نصه.
والثاني: أن الواجب بدنهُ، لأنه وَطْءٌ محظورٌ في الحَجِّ، فأشبه الوَطْءَ قَبْلَ التحلل، وبهذا قال مَالِك وأحمد، ونقل الإمام بدل القولين وجهين، ووجهًا ثَالِثاً، وهو أنه لاَ يَجِب فيه شَيْءٌ أَصْلاً، وهو ضَعِيف؛ لأن الوطء لا ينقص عن سَائِرِ محظورات الإحْرَامِ، وهي بين التحللين موجبة للفدية على ظَاهِرِ المَذْهَب، وإذَا عرفت ذلك عَلَّمْتَ قوله: (فشاه) وقوله: (لا يجب شيء) بالميم والألف، وقولهَ: (بدنه) وقوله: (لا يجب شيء) بالزاي.
الثانية: إذا فسد حَجُّه بالجِمَاعِ ثم جامع ثانياً، فينظر إن لم يفد عن الأول ففي وجُوبِ شَيْءٍ للثَّانِي قولان:
أحدهما: لا يجب، بل يتدخلان كما لو جَامَع في الصَّوْمِ مرتين لا تَجِب إلاَ كَفَّارةٌ وَاحِدَةٌ.
وأصحهما: أنه لا تداخل لبقاء الإحْرَامِ، ووجوب الفدية بارتكاب سَائِرِ المَحْظُورَاتِ بِخِلاَفِ الصَّوْمِ، فإنه بالجماع الأول قد خرج عنه، وإن فدى عن الأول فلا تَدَاخل على المَشْهُورِ، ومنهم من طرد القولين، وبعضهم خصص القولين في الحالين بما إذا طَالَ الزَّمَانُ بَيْنَ الجِمَاعَيْنِ، واختلف المجلس، وقطع بالتداخل فيما إذا لم يكن كذلك، وحيث قلنا: بعدم التَّدَاخُلِ ففيما يَجِب بالجِمَاعِ الثَّانِي قولان:
أحدهما: بدنه كما في الجِمَاعِ الأول.
وأظهرهما: شاة؛ لأنه محظور لا يتعلق به فساد النُّسُكِ، فأشبه سائر المحظورات، وإذا اختصرت هذه الاختلافات قلت في المسألة ثلاثة أقوال على ما ذكره في الكتاب:
أظهرها: أن الجِمَاعَ الثاني يوجب شَاةً، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ -رحمه الله-.
والثاني: أنه يوجب بَدَنه.
والثالث: أنه لا يوجب شيئاً وبه قال مالك.
وعند أحمد -رحمه الله- إن كَفَّرَ عن الأوَّلِ وجب للثاني بَدَنَةٌ، ويجوز أن يُعَلَّم لهذه المذاهب قوله: (فيه شاة) بالميم، والألف، وقوله: (بدنة) بالميم والحاء، وقوله: (لا شيء) بالحاء والألف.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا أَتَمَّ الفَاسِدَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ، وَيتَأَدَّى بِالقَضَاءِ مَا كَانَ يَتَأَدَّى
بِالأَدَاءِ مِنْ فَرْضِ إسْلاَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كانَ تَطَوُّعاً فَيَجِبُ القَضَاءُ وَلاَ يَتَأدَّى بِهِ غَيْرُ التَّطَوُّعِ، وَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَى الفَوْرِ وَجْهَانِ، وَكَذَا في الكَفَّارة وَقَضَاءِ الصَّوْمِ إِذَا وَجَبَا بعُدْوَانٍ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ فَلاَ يَضِيقُ، وَقَضَاءُ الصَّلاَةِ المَتْرُوكَةِ عَمْداً عَلَى الفَوْرِ لِتَعَلُّقِ القَتْلِ بِهِ، وَإذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَانٍ لَزِمَهُ في القَضَاءِ أَنْ يُحْرَمِ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ.
قال الرافعي: إفساد الحَجِّ يقتضي القضاء بالاتفاق، وقد روينا عن كِبَارِ الصَّحَابَةِ -رضي الله عنه- أنهم قالوا: "وَقَضَى مِنْ قَابِل"، ولا فرق في وجوب القَضَاءِ بين حَجِّ الفَرْضِ، وحَجِّ التَّطَوُّع، فإن التطوع يصير بالشُّروعِ فَرْضاً أيضاً، وقضاء كُلِّ حَجَّةٍ يجزئ عَمَّا كان يُجْزِئ آداؤها لَوْلاَ الفَسَاد فَلاَ يتأدى بالفَرْضِ غيره، ولا بالتطوع غيره.
ولو أفسد القضاء بالجماع لزمته الكَفَّارة، ولم يلزمه إلا قَضَاء واحد؛ لأن المقضي وَاحِدٌ، ويتصور القَضَاء في عَامِ الإفْسَادِ بأن يحصر بعد الإفساد، ويتعذر عليه المضي في الفَاسِدِ فيتحلل، ثم يتفق زوال الحَصْر، والوقت باقٍ فيشتغل بالقضاء.
هذا أصْلُ الفَصْلِ، ويتعلق به صور:
إحداها: في كيفية وجوب القضاء وجهان:
أحدهما: أنه على التَّرَاخِي، كما كان الأداء عَلَى التَّرَاخِي.
وأصحهما: أنه على الفَوْرِ؛ لأنه لزم، وتضيق بالشّرُوع، ويدل عليه ظَاهِر قول الصَّحَابَةِ -رحمه الله عنهم- أنه يقضي من قَابِل، وعن القَفَّالَ: إجراء هذا الخلاف في كل كَفَّارَةٍ وجبت بعْدوَان؛ لأن الكَفَّارَةَ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ على التَّرَاخِي كَالْحَجِّ.
وأما الكفارة الواجبة من غير عدوان فَهِى عَلَى التَّرَاخِي لاَ مَحَالَة، وأجرى الإمامُ - رحمه الله- الخلاف في المتعدي بترك الصَّوْمِ أيْضاً، والكلام في انقسام قضاء الصَّوْمِ إلى الفَوْرِ والتَّرَاخِي، والخلاف فيه قد مَرَّ في كِتَابِ الْصَّوْمِ.
قال الإمام: والمتعدي بترك الصَّلاة يلزمه قَضَاؤُهَا على الفَوْرِ بِلاَ خِلاَفٍ عَلَى المَذْهَبِ؛ لأن المصمم على ترك القَضَاءِ مَقْتُول عِنْدَنَا، ولا يتحقق هَذَا إلاَّ مَعَ توجه الخِطَاب بمبادرة القَضَاءِ وهذا ما أورده المُصَنِّف حُكْماً وتوجيهاً، وفي التوجيه وقفة؛ لأن أكثرَ الأَصْحَاب لم يعتبروا فيما يناط به القتل ترك القَضَاءِ على ما عرفت في باب تَارِكِ الصَّلاَةِ.
وأما الحكم فاعلم أن في وجوب الفور وجهين في حَقِّ المتعدي.
أحدهما -وبه أجاب في الكتاب-: أنه يجب، لأَنَّ جواز التأْخِيرِ نوع تَرْفِيهٍ
وتخفيف، والمُتَعَدِّي لا يستحق ذَلِك، ويحكى هذا عن أبي إسحاق وهو الأشبه على ما ذكرنا في ترك الصَّوْم.
والثاني: أنه لا يجب إذ الوقت قد فات واستوت بعده الأوقات، وربما رجح العراقيون هذا الوجه.
وأما غير المتعدي فالمَشْهُورُ أنه لا يلزمه الفَوْر في القَضَاءِ، روي أن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "فَاتَتْه صَلاة الصُّبْحِ فَلَم يُصَلِّهَا حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْوَادِي" 1.
ونقل في "التهذيب" وجهاً أنه يلزمه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 2.
الثانية: إن كان قد أحرم في الأَدَاءِ قبل الميقات مثل إن أحرم من الكوفة أو من دوَيْرَةِ أَهْلِهِ لزمه أن يخرج في القَضَاءِ من ذلك المَوْضِعِ، لأن ما بين ذلك الموضع مسافة لزمه قطعها مُحْرِماً في الأَدَاءِ، فيلزمه في القَضَاءِ كما بين الميقات ومكَّة، ولو جاوزه أراقَ دَماً كما لو جاوز المِيقَات الشَّرْعِي.
وإن كان قد أحرم بَعْدَ مجاوزة المِيقَاتِ نظر إن جاوزه مسيئاً لزمه في القضاء أن يحرم من الميقات الشَّرْعِي، وليس له أن يُسِيءَ ثَانِياً، وهذا معنى قول الأصحاب يحرم في القضاء من أغلظ الموضعين عليه من الميقات، أو من حيث أحرم في الأَدَاءِ، وإن جاوزه غير مُسِيئٍ بأن لم يرد النُّسُك، ثم بَدَا لَهُ فأحرم، ثم أفسد فقد حكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ فيه وجهين:
أحدهما -وهو الذي أورده صاحب "التهذيب"-: أن عليه أن يحرم في القَضَاءِ من المِيقَاتِ الشَّرْعِي، لأنه الوَاجِب فِي الأَصْلِ.
وأصحهما: عند الشيخ أَبِي عَلِيٍّ: أنه لا يلزمه ذلك، بل له أن يحرم من ذلك الموضع سُلُوكاً بالقضاء مَسْلَك الأَدَاءِ، وهذا لو اعتمر المتمتع من الميقات ثم أحرم بالحَجِّ من مَكَّة وأفسده لا يلزمه في القَضَاءِ أن يحرم من المِيقَاتِ، بل يكفي أن يُحْرِمُ مِنْ جَوْفِ مَكَّة.
ولو أفرد الحَجَّ ثم أحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ من أدْنَى الحِلِّ ثم أفسدها يكفيه أن يحرم في قَضَائِهَا مِنْ أدْنَى الحِلِّ، والوجهان مفروضان فيما إذا لم يرجع إلى المِيقَات فما فوقه.
أما إذا رجع ثم عاد فَلاَ بُدَّ مِنَ الإحْرَامِ مِنَ المِيقَاتِ.
واعلم قوله في الكتاب: (لزمه في القضاء أن يحرم من ذلك المكان) بالميم والحاء؛ لأن مالكاً وأبا حنيفة -رحمهما الله- قالا: يحرم في قَضَاءِ الحَجِّ من الميقات، وفي قضاء العُمْرَةِ مِن التَّنْعِيمِ.
ولا يجب أن يحرم بالقَضَاءِ في الزمان الذي أحرم فيه
بالأَدَاءِ، بل له التَّأْخِير عنه مئل أن يُحْرِم بالأَدَاءِ فِي شَوَّال، له أن يُحْرِمَ بالقَضَاءِ فِي ذِي القِعْدَةِ، وفرقوا بَيْنَ الزَّمَانِ والمكان بأن اعتناء الشرع بالميقات المَكَاني أَكْمَل، ألا ترى أن مَكَانَ الإِحْرَام يتعين بالنَّذْرِ، وزمانه لا يتعين حتى لو نذر الإحْرَامَ بِالْحجِّ في شَوَّالٍ له أن يُؤَخِّره، وظني أن هذا الاستشهاد لا يسلم عن النِّزَاعِ.
الثالثة -ولم يذكرها في الكتاب-: لو كانت المَرْأَةُ مُحْرِمَةٌ أيضاً نظر إن جَامَعَهَا وهي نائمةٌ أو مُكْرَهَةٌ لم يفسد حَجُّهَا، وإلا فَسَدَ، وحينئذ يَجِبْ عَلَى كُلِّ وَاحدٍ منهما بَدَنة أو لا يجب إلا بدنة واحدة؟ فيه قولان: والأصح الثَّانِي.
ثم تلك البدنة تختص بالرّجُل، أن يُلاَقِيها وهو متحمل عنها؟ فيه قولان كما سبق في الصَّوْمِ، وقطع قاطعون بلزوم البَدَنَةِ عليها بِخِلاَف الصَّوْمِ؛ لأن هناك يَحْصُل الفِطْرُ قَبْلَ تمام حقيقة الجِمَاعِ، وغير الجماع لا يوجب الكَفَّارة.
وإذا خرجت الزوجة لِلْقَضَاءِ فهل يَجِب على الزَّوْجِ ما زاد من النفقة بِسَبَبِ السَّفَرِ؟ فيه وجهان: قال في "العدة": ظاهر المذهب منهما الوجُوبِ.
وإذا خَرَجَا معاً للقضاء فليفترقا في المَوْضِع الذي اتفقت الإِصَابة فيه كَيْلاَ تدعوه الشَّهْوَةُ إِلَى المُعَاوَدَةِ، فإن معهد الوصال مشوق، وهَلْ يَجِب؟ فيه قولان:
القديم: نعم، وبه قال أحمد؛ لما روى عن ابْنِ عَبَّاس -رضي الله عنهما- أنه قال: "فَإذَا أتَيَا الْمَكَانَ الذِي أَصَابَا فِيهِ مَا أَصَابَا تَفَرَّقَا" 1.
والجديد: لا، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، كما لا يجب في سَائِرِ المَنَازِلِ، ويستحب أن يَتَفَرَّقَا مِنْ حِينَ الإحْرَامِ، وذهب مالك إلى وجوبه.
قال الغزالي: وَلَو أَفْسَدَ القَارِنُ فَفِي لُزُومِ دَمِ القِرَانِ وَجْهَانِ، وَتَفُوتُ العُمْرَةُ بفساد القِرَانِ، وَهَل تَفُوتُ بِفَوَاتِ الحَجِّ فِي القِرَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَوَجْهُ الفَرْقِ أن التَّحَلُّلَ عَنِ الفَائِتِ بِأعْمَالِ العُمْرَةِ.
قال الرافعي: يجوز للمفرد بأحد النسكين إذا فسده أن يقضيه مع الآخر قَارِناً، وأن يتمتع بالعُمْرَةَ إلَى الحَجِّ، ويجوز للمتمتع والقَارِنِ القَضاء عَلَى سَبِيلِ الإفْرَادِ، ولا يسقط دَمُ القَرَانِ بالقَضَاءِ عَلَى سَبِيلِ الإِفْرَادِ خلافاً لأحمد -رحمه الله-.
إذا عرفت ذلك فَفِي الفَصْل مسألتان:
إحداهما: إذا جامع القَارِن لم يخل إما أن يُجَامع قبل التَّحَلُّلِ الأَوَّل أو بعده.
الحالة الأولى: أن يجامع قبله فيفسد نسكاه، ويجب عليه بدنة واحدة لاتحاد الإحْرَام، وهل يلزم دَمُ القَرَانِ معَ البَدَنَة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يتمتع بِقَرَانِه، وقد ذَاقَ وَبَالَ الإِفْسَادِ فيكتفي به.
وأظهرهما: ولم يورد المعظم سواه؛ نعم؛ لأنه لزم بالشّروع فلا يسقط بالإِفْسَادِ.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- لا بدنة إلا مَعَ الإِفْسَاد كما سبق، ويلزمه شَاتَانِ لأنهما نُسُكَانِ، ثم إذا اشتغل بقضائهما فإن قرن، أو تمتع فَعَلَيْهِ دَمٌ آخر، وإلا فقد أشار الشَّيْخُ أَبُو عَلِي -رحمه الله تَعَالى- إِلَى خلاَفٍ فيه 1، ومال مالك إلى أنه لا يَجِب شَيْءٍ آخر.
الثانية: أن يجامع بعد التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ فَلاَ يفسد واحد من نُسُكَيْهِ، واحتج له بأن عروض المفسد بعد التحلل من العبادة لا يُؤَثِّر، ألا ترى أنه إذَا سلم التسليمة الأولى من الصَّلاَةِ، ثم أتى بِمُفْسِدٍ لم تفسد صَلاتُه، ولا فرق بين أن يكَون قد أَتَى بأعْمَالِ العُمْرَةِ، أو لم يَأْتِ بهَا، وعن الأودني أنه إذا لم يأت بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ العُمْرَةِ تَفسد العُمْرَة، والمذهب الأَوَّل؛ لأن العُمْرَة في القَرَانِ تتبع الحَجِّ فِي الحُكْم، ولهذا يَحِلُّ لِلْقَارِنِ معظم محظورات الإحرام بعد التحلل الأَوَّلِ وإن لم يأت بأعْمَالِ العُمْرَةِ.
ولو قدم القارن مَكَّة وَطَافَ وَسَعَى، ثم جامع بَطَل نُسُكَاهُ جَمِيعاً، وإن كان ذلك بَعْدَ أَعْمَالِ العُمْرَةِ.
ثم الواجب في هذه الحالة بدنة أو شاة؟ فيه قولان قد سَبَقَا.
المسألة الثانية: القارن إذا فاته الحَجُّ لفوات الوُقوفِ، هل يقضي بفوات عمرته؟ فيه قولان: وقال الإمام وصاحب الكتاب وَجْهَان:
أظهرهما: نعم، اتباعاً العمرة للحج كما تفسد بِفَسَادِهِ، وَتَصِحَّ بِصِحَّتِهِ.
والثاني: لا، لأن وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ، ويخالف الفساد؛ لأن من فاته الحَجّ يتحلل بعمل عمرة فلا معنى لتفويت عمرته مع إتيانه بِهَا، واتساع وقتها، وإذا قُلْنَا: بفواتهما فعليه دَمٌ وَاحِدٌ للفوات، ولا يسقط عنه دَمُ القَرَانِ، وإذا قَضَاهُمَا فالحكم على ما ذكرناه في قضائهما عند الإِفْسَادِ، وإن قرن أو تمتع فعليه دَمٌ ثَالِثٌ، وإلا فَعَلَى الخلاف.
قال الغزالي: وَالجِمَاع دَاِئرٌ بَيْنَ الاسْتِمْتَاعَاتِ وَالاسْتِهْلاَكَاتِ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِالاسْتِمْتَاعِ كَانَ النِّسْيَانُ عُذْراً فِيهِ.
قال الرافعي: جميع ما ذكرنا في جماع العامد العالم بالتحريم فأما إذا جامع ناسياً، أو جَاهِلاً بالتحريم ففي فساد حجه قولان:
القديم -وبه قال أبو حنيفة، ومالك المزني -رحمه الله-: أنه يفسد؛ لأن سبب مُعَلَّقٌ بِه وجوب القَضَاءِ، فأشبه الفوات في استواء عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ.
والجديد: أنه لا يفسد إلا أن يُعَلَّم فيدوم عليه، ووجهه أن الحَجّ عبادة تتعلق الكَفَّارَةِ بإفْسَادِهَا، فيختلف حكمها بالعَمْدِ والسَّهْوِ، كالصوم وفارق الفوات؛ لأن الفوات يتعلق بارتكابِ مَحْظُورٍ، ولا يخفى افتراق الطرفين في الأُصُولِ.
وقوله: (والجماع دَائِرٌ بين الاستمتاعات والاستهلاكات إلى آخره)، أشار به إلى ما ذَكَرَهُ الأئمة أن معنى الاستمتاع بَيِّنٌ في الجِمَاع، وفيه مشابهة الاستهلاك، ولهذا يضمن به المهر بالقولان مبنيان على أن أي المعنيين يرجح إن رجحنا معنى الاستمتاع فرقنا بينهما كما في الطّيبِ وَاللِّبَاسِ، وهو الأصَح.
وقوله: (كان النسيان عذراً فيه) مُعَلَّمٌ بالحاء والميم والزاي، لما عرفته من مذهبهم، ولو أكره على الوَطْءِ، فمنهم من جعل الفساد على وجهين بناء على القولين في النَّاسِي، وعن أبي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رحمه الله- القطع بالفساد ذهاباً إلى أن إكراه الرجل على الوطء ممتنع ولو أحْرَمَ عَاقِلاً، ثم جن فجامع ففيه القولان في جِمَاعِ النَّاسِي 1 -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيفْسَدُ الحَجُّ بِالرِّدَّةِ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ، فَلَوْ عَادَ إلى الإسْلاَمِ لَمْ يَلْزَمِ المُضِيُّ فِي الفَاسِدِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الرِّدَّةِ مُحْبِطَةٌ.
قال الرافعي: لما تكلم فيما يفسد الحج، وهو الجماع أراد أن يبين أن المُفْسِدَ هل هوَ مُخْتَصِرٌ فيه أم لا؟ وفقه الفَصْل أن الأصحاب اختلفوا في أن عروض الرِّدَّةِ في الحَجِّ والعمرة يفسدهما على وجهين:
أحدهما: أنها لا تُفْسِدُهُمَا، لكي لا يعتد بالمأتي به في زمان الرِّدَّة على ما مَرَّ نظيره في الوُضُوءِ والأذان.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنها تفسدهما كما تُفْسِدُ الصَّوْمَ والصَّلاةَ، ولا فرق على الوجهين بين أن يطول زَمَانُهَا أو يقصر، وإذا قلنا: بالفساد فوجهان:
أظهرهما: أنه يبطل النُّسُكُ بالكُلِّيَّةِ، حتى لا يمضي فيه لاَ فِي الردة ولا إذا عَادَ إلى الإِسْلاَمِ، لأن الرِّدَّةَ محبطَةٌ لِلْعِبَادَةِ.
والثاني: أن سَبِيلَ الفَسَادِ هَاهُنَا كَسَبِيلِهِ عند الجماع، فيمضي فيه لَوْ عَادَ إلى الإسْلاَم، لكن لا تجب الكَفَّارة كما أن إفساد الصَّوْمِ بالردة لا تتعلق به الكفارة، ومن قال بالأول فرق بينها وبين الجماع بمعنى الإحْبَاطِ، وأيضاً فإن ابتداء الإحْرَامِ لا ينعقد مع الرِّدَّةِ بِحَالٍ، وفي انعقاده مع الجِمَاعِ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ينعقد على الصِّحَّة، فإن نزع في الحَالِ فذاك، إلا فَسَدَ نُسُكُه، وعليه البَدَنَةُ والقَضَاءُ، والمُضِيُّ فِي الفَاسِدِ.
والثاني: أنه ينعقد فاسداً، وعليه القضاء، والمُضِيَّ فيه مكث أو نزع، ولا تَجِب الفِدْيَةُ إِنْ نَزَعَ في الحَالِ، وإن مكث وجبت، وَهَلْ هِيَ بَدَنَةٌ أو شَاةٌ؟ يخرج على القولين في نَظَائِرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
الثالث: أنه لا ينعقد أصْلاً كما لا تنعقد الصَّلاة مع الحَدَثِ.
قال الغزالي
###: النَّوْعُ السَّادِسُ مُقَدِّمَاتُ الجِمَاعِ كَالقُبْلَةَ وَالمُمَاسَّةِ،
وَكُلُّ مَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مِنْهَا يُوجِبُ الفِدْيَةَ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل (م)، وَلاَ تَجِبُ البَدَنَةُ إِلاَّ بِالجِمَاعِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالإنْكَاحُ لاَ يَنْعَقِدَانِ مِنَ المُحْرِمِ (ح) وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل مَسْألَتَانِ:
إحداهما: ليس للمُحْرِم التقبيل بالشَّهْوَةِ وَلاَ المباشَرَةِ فيما دُون الفَرْجِ، كالمفاخَذَةِ واللمس بالشَّهْوَةِ قبل التَّحَلُّل الأَوَّلِ، فإن الاعتكاف يحرم جميع ذلك ومعلوم أن الإحرام أولى بِتَحْرِيمِهِ فِيهِ، وَفي حِلِّهَا بعد التحلل الأول مَا مَرَّ مِنَ الخِلاَفِ، وحيث ثبت التَّحْرِيمُ وَبَاشَرَ شيئاً مِنْها عَمْداً وجبت عَلَيْهِ الفِدْية، روي عن علي 1 وابْنِ عَبَّاسٍ 2 -رضي الله عنهما-: "أَنَّهُمَا أَوْجَبَا بِالْقُبْلَةِ شَاةً" وإن كان ناسياً لم يلزمه شَيْءٌ بِلاَ خِلاَف؛ لأنه استمتاعٌ مَحْضٌ، ولا يُفْسِد شَيْءٌ مِنْهَا الحَجِّ، ولا يوجب البَدَنة بِحَالٍ سواء، أنزل أو لَمْ يَنْزِل، وبه قَالَ أَبُو حَنيفَة.
وعند مالك: يفسد الحَجِّ إذا أنزل، وهو أظهر الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
لنا أنه اسْتِمْتَاعٌ لا يتعلق به الحد فلا يفسد الحج كما لو لم ينزل، وليكن قوله: (ولا تلزم البدنة إلا بالجماع) معلماً بالميم والألف لما روينا عنهما، وأيضاً فلأن عند أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ في أنه تَجِبَ بَدَنَةٌ أو شاةٌ تفريعاً على عَدَم الفَسَادِ في صورة الإنزال، وأيضاً فلأنه روى عنه هذا الخِلاَف في صُورَةِ عَدَم الإِنْزَالِ، وقد نَجِد فِي النُّسُخِ إعلام قوله: (أو لم ينزل) بالميم، لأن صَاحِبَ الكِتَاب حَكى في "الوسيط" عن مذهب مالك أنه لا يَجِبُ الدَّمُ عند الإنزال، والأغلب على الظَّنِّ أنه وَهِمَ فيه:
فرعان:
الأول: الاستمناء باليَدِ يُوجِبُ الفدية في أَصَحِّ الوَجْهَيْن.
الثاني: لو بَاشَرَ دُونَ الفَرْج، ثم جامع هَلْ تدخلُ الشَّاةُ فِي البَدَنَةِ أو يجبان جميعاً؟ فيه وجهان:
المسألة الثانية: لا ينعقد نِكَاحُ المُحْرِمِ، ولا إنكاحه ولا نِكَاح المحرمة، ولا يستحب خِطْبَةُ المُحْرِمِ، وَخِطْبَةُ الْمُحْرِمَةِ، والقول في هذه المَسْألة، والخِلاَف فيها وتفاريعها يأتي في كِتَابِ النِّكَاحِ -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-.
قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ بَاشَرَ هَذِهِ المَحْظُورَاتِ كُلَّهَا فَهَلْ يَتَدَاخَلُ الوَاجِبُ؟ قُلْنَا: إِنِ اخْتَلَفَ الجِنْسُ كَالاسْتِهْلاَكِ وَالاسْتِمْتَاعِ لَمْ يَتَدَاخَلْ، وإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فِي الاسْتِهْلاَكِ كَالقَلْمِ وَالْحَلْقِ لَمْ يَتَدَاخَل أَيْضاً، وَجَزَاءُ الصُّيُودِ لاَ يَتَدَاخَلُ، وَإِنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ وَالزَّمَان فِي الاسْتِمْتَاعِ تَدَاخَلَ، كمَا إِذَا لَبِسَ العِمَامَةَ وَالسَّرَاوِيل وَالخُفَّ عَلَى التَّوَاتُرِ المُعْتَادِ فَيَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وإن تَخَلَّلَهُ زَمَانٌ فاصِلٌ فَقَوْلاَنِ فِي الاتِّحَادِ، وَمَهْمَا تَخَلَّلَ التَّكْفِيرُ تَعَدَّدَ، وَانِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فِي الاسْتِمْتَاعِ كَالتَّطَيُّبِ وَاللُّبْسِ، فَالأَصَحُّ التَّعَدُّدُ، وَإِنْ كَانَ العُذْرُ شَامِلاً كَمَا إِذَا حَلَقَ وَتَطَيَّبَ بِسَبَبِ شَجَّةٍ أَوْ تَطَيَّبَ مِرَاراً بِسَبَبِ مَرَضٍ وَاحِدٍ فَفِي التَّداخلِ وَجْهَانِ، وَلَوْ حَلَقَ ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ فِي ثَلاثةِ أَوْقَاتٍ وَقُلْنَا: لاَ أَثَرَ لِتَفْرِيقِ الزَّمَانِ فَالوَاجِبُ دَمٌ وَإِلاَّ فَثَلاثَةُ دَرَاهِمِ عَلَى قَوْلٍ، أَوْ ثَلاثَةُ أَمْدَادٍ عَلَى قَوْلٍ.
قال الرافعي: الغرض الآن الكلام فيما إذا وجد من المحرم من مَحْظُورَاتِ الإحْرَام شيئان فَصَاعِداً، وبيان أنه متى تتعدد الفِدْيَة، ومتى تَتَدَاخَل، ولو أَخَّرَ هَذَا الفَصْلَ أن يذكر النَّوع السَّابعَ أَيْضاً لكان أحْسَنَ فِي التَّرْتِيب.
وجملة القول فيه أن المَحْظُورَاتِ تنقسم إلى اسْتِهْلاَك كَالْحَلْقِ، واستمتاع كالتطيب وإذا بَاشَرَ محظورين، فأما أن يكون أحدُهُمَا مِنْ قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، والآخر من
الاستمتاع، أو يكونا معاً من قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، أو من قِسْمِ الاسْتِمْتَاعِ.
الحالة الأولى: أن يكون أحدهما من هذا، والآخر من ذاك، فينظر إن لم يستند إلى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَحَلْقِ الرَّأْسِ ولبس القميص تعددت الفِدْيَة ولا تداخل؛ لأن السَّبَبَ مُخْتَلِفٌ، ولا تداخل عند اخْتِلاَفِ السَّبَبِ، كما في الحدود، وإن استند إلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَمَا إِذَا أصاب رَأْسَهُ شَجَّةٌ، واحتاج إلَى حَلْق جَوَانِبِهَا وسترها بضماد فيه طيب فوجهان: أصحهما: أنه لا تداخل أيضاً؛ لاخْتِلاَفِ أَسْبَابِ الفدْيَةِ.
والثاني: أنها تتداخل؛ لأن الدَّاعِيَ إلى جَمِيعِهَا شَيْءٌ وَاحِد.
الحالة الثانية: أن يكون كِلاَهُمَا مِنْ قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، فلا يخلو إما أن يكونوا مما لا يقابل بالمثل، أو بما يقابل به، أو أحدهماَ مِنْ هَذَا، والآخر مِنْ ذَاكَ، فأما الضَّرْبُ الأَوَّلُ، فينظر إن اختلف نَوْعُه كَالْحَلْقِ، والْقَلْم، فَلاَ تَدَاخل، ويجب لِكُلِّ واحدٍ فِدْيَة، سواء وجد علي سبيل التفرق أو التوالي في مَكَانٍ وَاحِدٍ، أو مكانين كالحدود لا تتداخل إذا اختلفت أسبابها، ولا فرق بين أن يوجد النوعان بفعلين أو في ضمن فعل واحد، كما لو لبس ثوباً مُطَيَّباً بلزمه فِدْيَتَانِ.
وفيه وجه أنه لاَ يَجِب إلاَّ فِدْيَة وَاحِدَة.
وإن اختلف النوع كما إذا كَانَ الموجودُ مِنْهُ الحَلْق لا غير فقد سَبَقَ أن حُكْمَ ثلاث شعرات يقابل بِدَمٍ وَاحِدٍ، ولو حلق جميع الرأس دفعة واحدة في مَكَانٍ وَاحِدٍ لم يلزمه إلاَّ فِدْيَة واحدة؛ لأنه يُعَدَّ فعلاً واحداً.
وكذا لو حلق شَعْرَ رَأْسِهِ وبدنه على التَّوَاصُلِ.
وعن الأنماطي: أنه يلزمه فِديَةٌ لِشَعْرِ الرَّأْسِ، وَفِدْيَةُ لِشَعْرِ البَدَنِ.
ولو حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ في مكانين أَوْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، ولكن في زمانين متفرقين فَفِي التَّدَاخُلِ طريقان:
أحدهما -وبه قال القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أنه كما لو اتحد نوع الاستمتاع، واختلف المكان والزمان وستعرفه.
وأصحهما -وبه قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: القَطْعُ بِعَدَم التَّدَاخُلِ، لأنه إتْلاَف، فيضمن كل واحد ببدله كما في قَتْلِ الصّيودِ، ويخالف ما إِذَا حَلق شَعْره، أو قلم أظافره دفعةً وَاحِدَةً، فإن وجوب الفدية الواحدة لَيْسَ عَلَى سَبِيل التداخل، بل لأن الموجودَ فِعْلٌ واحِدٌ.
ولو حلق ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ في ثلاثة أمكنة أَوْ ثَلاثَةِ أوقاتٍ مُتَفَرِّقَةِ.
فإنْ قلنا: إنَّ كُلَّ شَعْرَةٍ تقابل بثلث فلا فرق بين أَخْذِهَا دفعة واحدة، أو في دفعات.
وإن قلنا: إن الشَّعرَةَ الوَاحِدَةَ تقابل بِمُدٍّ أو دِرْهَمٍ، والشَّعرَتَيْنِ بِمُدَّينِ أو درهمين، فينبني على الخِلاَف الَّذِي ذَكَرْنَاهُ الآن، وإن لم نعدد الفِدْيَة فيما إذا حَلَقَ الرأس في دفعتين، أو دفعات، ولم نجعل لتفريق الزَّمَانِ أثراً فالواجب فِيهَا دَمٌ، كما لو
أخذَهَا دفعةً وَاحِدَةً، وإن عددناها وجعلنا التَّفْرِيقَ مؤثراً قَطَعْنَا حُكْمَ كُلِّ شَعْرَةٍ عَنِ الآخرين، وأوجبنا فيها ثلاثة دَرَاهِم على قَوْلٍ، وثلاثة أمْدَادٍ عَلَى قَوْلٍ.
والضَّرْبُ الثَّانِي: ما يقابل بمثله، وهو إتْلاَف الصّيُودِ، فتتعدد فديتها، سواء فدى عن الأول، أو لم يفد، اتحد المكان أو اختلف، وإلَى أو فَرَّق؛ لأن سَبِيلَهَا سَبِيلُ ضَمَانِ المُتْلَفَاتِ، وحكم الضَّرْبِ الثَّالِثِ حُكْمُ الضَّرْبِ الثَّانِي بِلاَ فَرْقٍ.
الحالة الثالِثة: أن يكون كِلاَهُمَا مِنْ قِسْمِ الاستمتاع فلا يخلو إما أن يَتَّحِدَ النَّوْع أو يختلف.
القسم الأول: أن يتحد كَمَا لَوْ تَطَيَّبَ بأنْوَاعٍ مِنَ الطِّيب، أو لبس أنواعاً مِنَ المَخِيطِ كَالعَمَامَةِ، والقميص، والسَّرَاوِيلِ، والخُفّ، أو نوعًا وَاحداً مَرَّةً بعد أخرى، فينظر إن فَعَل ذَلِك في مَكَانٍ وَاحِدٍ على التوالي فَلاَ تعدد؛ لأن جَمِيعَهُ يعد خُطَّة وَاحِدَة.
قال الإمام: ولا يقدح في التوالي طول الزَّمَان في مضاعفة القميص، وتكوير العمامة، ويشبه هذا بالرضعة الوَاحِدَة في الرَّضَاعَةِ، والأكلة الواحدة في اليَمِين، وهذا ما أشَارَ إليهِ صَاحِبُ الكِتَابِ بقوله: (على التتابع المعتاد).
وإن فعل ذلك في مكانين أو مَكَانٍ وَاحِدٍ، ولكن تخلل زَمَانٌ فَاصِل، فينظر إن لم يتخلل التَّكْفِير بينهما فقولان:
الجديد -وبه قال أبو حنيفة-: أنه يَجِب للثَّانِي فدية أخرى، كما في الإتْلاَفِ.
والقديم: أنه لا يجب، وتتداخل؛ لأن الفِدْيَةَ تَجِب لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، ويفرق فيها بين العَامِدِ، والنَّاسِي فأشبهت الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ لِلْحُدُودِ.
فَإِنْ قُلْنَا: بالأَّوَّلِ فذلك إِذَا لم يجمعها سبب واحد.
أما إذا تطيب أو لبس مراراً لِمَرَض وَاحِدٍ: فوجهان: كما ذكرنا في الحَالَةِ الأُولَى:
وأصحهما: التعدد أيضاً.
وإن تخلل بينهما تكفير فلا خِلاَفَ فِي وُجُوبِ فِدْيَة أُخْرَى، كَمَا فِي بَابِ الحدود.
وإن كان قد نوى بما أخرجه المَاضِي، والمستقبل جَمِيعاً فيبنى على أن تقديم الكفارة على الجنب المَحْظُورِ، هَلْ يَجُوزُ أم لا؟
من قلنا: لا: فلا أثر لِهَذِهِ النِّية.
وإن قلنا: نعم: فوجهان:
أحدهما: أن الفديةَ ملحقَةٌ بِالْكَفَّارَة في جواز التَّقْدِيمِ، فَلاَ يَلْزَمُهُ للثَّاني شَيْءٌ.
والثاني: المنع: كما لا يجوز للصَّائِم أن يُكَفِّرَ قَبْلَ الإِفْطَارِ.
والقِسْمُ الثَّانِي: أن يَخْتَلِفَ النوع، كما إذَا لَبِسَ وَتَطَيَّبَ، فوجهان فِي تعدد الفِدْيَة، وإن اتحد المَكَانُ، وتواصَلَ الزَّمَانُ.
أحدهما: أنها لا تتعدد؛ لأن المَقْصد وَاحد.
وهو الاستمتاع، ويحكى هذا عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةٍ.
وأصحهما: التَّعَدُّد؛ لتباين السَّبَبِ، ومنهم من نظر إلى اتحاد السَّبَبِ، وتعدده، كما قدمنا نظيره، وما ذكرنا كله في غَيْرِ الجِمَاع، أما إذا تكرر مِنْهُ الجِمَاعَ فقد ذكرنا حكمه من قبل.
هذا شَرْحُ الفَصْلِ، ولا تلمني على ما لحق مسائله من التقديم والتَّأخِير، فالَّذِي أوردته أحسن ما حَضَرَنِي مِنْ طُرُقِ الشَّرْحِ، وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (وجزاء الصيود لا يتداخل أيضاً)، بالحاء، لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- أنها لا تتداخل إذَا قتلها، إلا عَلَى قَصْدِ رَفْضِ الإِحْرَامِ.
فأما إذا قَتَلَهَا قَاصِداً رفض الإِحْرَام لَمْ يَجِبِ إِلاَّ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
قال الغزالي
###: النَّوْعُ السَّابعُ إتْلاَفُ الصَّيْدِ،
وَيَحْرُمُ بِالْحَرَمِ وَالإِحْرَامِ كُلُّ صَيْدِ مَأْكُولٍ لَيْسَ مَائِيّاً مِنْ غَيْرِ فَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأنَسَاً (م) أَوْ وَحْشِيًّا مَمْلُوكَاً أو مُبَاحاً (م)، وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِأَجْزَائِهِ وَلبَيْضِهِ، وَمَا لَيْسَ مَأْكُولاً فلاَ جَزَاءَ فِيهِ (ح) إلاَّ إِذَا كَانَ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ، وَصَيْدُ البَحْر حَلاَلٌ.
قال الرافعي: من محظورات الإحرام الاصطياد.
قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 1 وقال الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ 2 3.
ولا يختص تحريمُه بِالإحْرَامِ، بل سَبَبٌ آخر، وهو كونه في الحَرَم، ولما اشترك السببان فيما يقتضيانه من التحَريم والجزاء، ومعظم المَسَائِلِ جَرَتْ العادةَ بخلط أحَدِهِمَا بِالآخر، وذكر ما يَشْتَرِكَانِ فيه، وما يختص به كُلُّ وَاحِدٍ منهما في هَذَا المَوْضِعِ، فقد جعل صاحب الكتاب الكلام في السَّبَبِ الأول في نظرين:
أحدهما: في الصيد المحرم، وفيما يجب به ضمانه.
والثاني: في أن الضَّمَانَ مَاذَا؟
أما الأول فالصَّيْدُ المُحَرَّمُ كل مأكول متوحش لَيْس مَائِياً، هذه عبارة صَاحِبِ الكِتَاب في "الوَسِيط"، واستغنى هاهنا بلفظ الصيد عن المتوحش، فإنه لا يقع عن الحَيَوَانَاتِ إلا نسية، وبين ما يدخل في الضَّابِطِ المَذْكُورِ، ويخرج عنه بصور:
إحداها: لا فرق بين المستأنس والوَحْشِي؛ لأنه وإن استأنس لا يبطل حكم توحشه الأصلي، كما أنه لو توحش إنسي لا يحرم التَّعرض لَهُ إِبقَاءٌ لِحُكْمِهِ الأَصْلِي.
وقال مالك: لا جزاء في المستأنس، ولا فرق في وجوب الجزائين بين أن يكون الصَّيْدُ مملوكاً لإنسان، أو مباحاً، نعم يجب في المملوك مع الجَزَاء، ما بين قِيمَتِهِ حَياً ومذبوحاَ لِحَقِّ المَالِكِ 1 وعن المزني: أنه لا جزاء في الصيد المملوك.
لنا ظَاهِرُ القُرْآنِ.
الثَّانِية: كما يحرم التعرض للصَّيْدِ، يحرم التعرض لأجزائه بالجرح والقَطْع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الحرم: "لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" 2.
ومعلوم أن القطع والجرح أعْظَم من التنفير، وإذا جرحه ونقصت الجِرَاحَةُ مِنْ قِيمَتِهِ، فسيأتي القول فيما يجب عليه في النَّظَرِ الثَّانِي، وإن بَرِئ ولم يبق نقصان ولا أثر، فهل يلزمه شَيْءٌ؟ فيه وجهان:
هذا كالخلاف فيما إذا جرحه فانْدَمَلَت الجِرَاحَةُ، ولم يبق نَقْصٌ وَلاَ شَيْنٌ، هل = القولين، وسع ذلك يجب جزاؤه، واحترز بالبري عن البحري، فإنه لا يحرم للآية السابقة، ولا فرق فيه بين أن يكون البحر في الحرم أم في الحل كلما هو مقتضى إطلاق الرافعي وغيره، لكن في البحر عن الصيمري تحريم الاصطياد منه يعني من بحر الحرم، والبحري هو الذي لا يعيش إلا في البحر، فإن عاش في البحر والبر فهو كالبري تغليباً للتحريم.
قاله في الخادم.
يجب شَيْءٌ؟ فيجري الخِلاَف فِيمَا نُتِفَ رِيشُهُ فَعَادَ كَمَا كَانَ.
الثالثة: بَيْضُ الطَّائِرِ المأكول مضمون بقيمته، خلافاً لمالك حيث قال: فيه عشر قيمة البائض، وللمزني حيث قال: لا يضمن أصْلاً، لنا: ما روي عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-"قَضَىَ فِي بَيْضِ نَعَامٍ أَصَابَة الْمُحْرِمُ بِقِيمَتِهِ" 1.
فإن كانت مَذِرَةً، فلا شَيْءَ عليه بِكَسْرِهَا 2؛ كما لو قدّ صيداً ميتاً إلا في بيض النعامة ففيها قيمتها؛ لأن قِشْرَهَا مُنْتَفَعٌ بِهِ.
قاله في الشَّامِلِ.
ولو نفر طَائِراً عن بيضته التي احتضنها ففسدت فعليهِ القيمة.
ولو أخذ بَيْضَ دَجَاجَةً فأحضنها صيداً فَفَسَدَ بَيْضُه، أو لم يحضنه ضمنه؛ لأن الظَّاهِرَ أن الفَسَادَ نَشَأَ مِنْ ضَمِّ بَيْضِ الدَّجَاجَةِ إلَى بَيْضِهِ.
ولو أخذ بَيْضَةَ صَيْدِ، وأحضنها دجاجة فهو في ضمانها إلى أن يخرج الفَرْخُ، ويصير ممتنعاً، حتى لو خَرَجَ، ومات قبل الامتناع، لزمه مثله من النَّعَم، ولو كَسَرَ بَيْضَةً، وفيها فَرْخٌ ذو رُوحٍ فَطَارَ وسلم، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وإن مات، فعليه مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ.
ولو حَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ، فقد قَالَ كثير من أئمتنا مِنَ العِرَاقيين وغيرهم: إنه يضمن، وحكوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -رحمه الله- أنه إنْ نقص الصَّيْدُ بِهِ ضَمِنَهُ وإِلاَّ فَلاَ، واحتجوا عليه بأنه مأكول انفصل من الصَّيْدِ فأشبه البَيْضَ، وذكر القَاضِي الرّويَانِي في التَّجْرِبَةِ أنه لا ضَمَانَ في اللَّبَنِ، بِخِلاَفِ البَيْضِ، فإنه بعرض أن يخلق مِنْهُ مثله.
الرابعة: مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ مِنَ الدَّوَابِّ والطيور صنفان: مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مَأْكُولٌ، وما أَحَدُ أَصْلِيْةِ مَأْكْولٌ.
أما الصِّنْفُ الأول فلا يحرم التعرض له للإحْرَام، ولو قتله المُحْرمُ، لم يلزمه الجَزَاء، وبه قال أحْمَدُ، وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَقْتُلُ الْمَحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ" 3.
ومعلوم أن الأَسَدُ والنِّمْرَ والفَهْدَ سِبَاعٌ عَادِيَةٌ.
وقال أَبُو حنيفة -رحمه الله- يجب الجَزَاءُ بِقَتْلِ غَيْرِ المَمْلُوكِ مِنَ الصَّيْدِ، إِلاَّ الذِّئب، والفَوَاسِق الخَمْسِ، وقال مالك: -رحمه الله- ما لا يهتدي بالإيزاء، يجب الجزاء فيه كالصَّقْرِ والبَازِي.
ثم الحيوانات الدَّاخِلة فِي هذا الصنف عَلَى أَضْرُب:
منها: ما يستحب قَتْلُها لِلْمُحْرِمِ، وغيره، وهي المؤذيات بطبعها، نحو الفواسق الخمس، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَمْسُ فَوَاسِقَ يَقْتُلْنَ فِي الْحَرَم، الْغُرَابُ وَالْحِدْأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" 1.
وروى أنه قال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ، فَذَكَرَهُنَّ" 2.
وفي معناها الحيَّة، والذئب، والنسر، والعقاب، والبق، والبرغوث، والزنبور 3.
ولو ظهر القمل على بَدَنِ المُحْرِمِ أو ثيابه لم يكره تنحيته، ولو قتله لم يلزمه شيء.
ويكره له أن يفلي رَأْسَه وَلحْيَته وإن فعل فأخرج مِنْهَا قَمْلَةً فقتلها تَصَدَّقَ، وَلَوْ بِلُقْمَةٍ، نَصَّ عليه، وهو عند الأكثرين محمول على الاستحباب، ومنهم من قال: إنه يجب ذَلِكَ لِمَا فيه من إِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الرَّأْسِ.
ومنها: الحيوانات الَّتِي فيها منفعة وَمَضرَّة، كالفَهْدِ، والصفر، والبازي، فلا يستحب قتلها لما يتوقع من المنفعة، ولا يكره لما يخاف منْ المَضرَّةِ.
ومنها: التي لا تظهر فيها منفعة، ولا مَضَرة، كالخنافس، والجعلان، والسرطان، والرحمة، والكلب الذي ليس بعقور، فيكره قتلها 4.
ولا يَجْوزُ قَتْلُ النَّحْلِ، والنمل، والخطاف، والضفدع 5، لورود النَّهْي
عن 1 قتلها، وفي وجوب الجَزاء بَقَتْلِ الهُدْهُدِ، والصرد، خلاف، مبني على الخلاف في جَوَازِ أَكْلِهَا.
والصِّنف الثَّانِي: ما أحد أصلية مأكول، كالمتولد بين الذِّئْب، والضبع، وبين حمار الوحش، وحِمَار الأَهْلِ، فيحرم التعرض له، ويجب الجزاء فَيه احتياطاً 2، كما يحرم أكْلُهُ احْتِيَاطاً.
واعلم أن الصنف الأول يخرج عن الضَّابِطِ المذكور، بقيد المأكول، لكن الصِّنْف الثاني يدخل فيه، ويخرم الضبط، والوجه أن يزاد فيه فيقال: كل صيد هو مأكول، أو في أصله مأكول.
الخامسة: الحيوانات الإنسية كالنَّعَمِ، والخَيْلِ والدَّجَاجِ، يجوز للمُحْرِم ذَبْحُهَا، ولا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وأما ما يتولد من الوَحْشِي، والإنْسِي، كالمتولد من اليَعْقُوبِ، والدجاجة، أو الظبي، والشَّاةِ فيجب في ذبحه الجَزَاء احتياطاً كما في المتولد من المأكول وغير المأكول وطريق إدْرَاجِهِ في الضَّابِطِ يُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ.
السادسة: إنما يحرم صَيْدُ البَرِّ على المُحْرِمِ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ 3 الآية، قال الأصحاب: وصيد الحبر الذي لا يعيش إِلاَّ فِي البَحْرِ، أما ما يَعِيشُ فِي البَرِّ، وَالبَحْرِ، فهو كالبَرِّ، والطيور المَائِية التي تغوص في المَاء وتخرج من صُيودِ البَرِّ، لأنها لو تركت في المَاءِ لهلكت، والجراد من صَيْدِ البَرِّ، يجب الجزاء بِقَتْلِهِ، وبه قال عمر 4، وابْنُ عَبَّاسٍ 5 -رضي الله عنهما-؛ وحكى الموفق ابْنُ طَاهِرٍ، وغيرُه قولاً غريباً: أنه من صُيودِ البَحْرِ، لأنه يَتَوَلَّدُ من روث السَّمَكِ -والله أعلم-.
= وقال في المهمات: المراد بالنمل هنا إنما هو النمل الكبير المعروف بالسليماني كذا قاله الخطابي، وكذلك البغوي في شرح السنة المسمى: "بالاستقصاء" نقلاً عن الإيضاح للصيمري فقال: إن الذي يؤذي منه يجوز قتله.
قال: بل يستحب لأنهم سألوا ابن عباس عنها فقال: تلك ضالة لا شيء فيها.
انتهى ما أردته من المهمات.
قال الغزالي: وَيُضْمَنُ هَذَا الصَّيْدُ بالمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ وَاليَدِ، وَالسَّبَبُ كَنَصْب شَبَكَةٍ أَوْ إِرْسَالِ كَلْبٍ أَوْ انْحِلاَلِ رِبَاطِهِ بنوع تَقْصِيرِ في رَبْطِهِ أَوْ تَنْفِيرِ صَيْدِ حَتَّى يَتَعَثَّرَ قَبْلَ سُكُونِ نِفَارِه، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ إِذَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ، وَلَوْ حَفَرَ المُحْرِمُ بِئْراً فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَن ما يَتَرَدَّى فِيهِ، وَلَوْ حَفَرَ في الحَرَمِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا حَيْثُ لاَ صَيْدَ فَعَرَضَ صَيْدٌ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قد عرفت أن الصيد المحرم أي: صَيْدٍ هُوَ، والغرض الآن بيان الجِهَات التي يضمن بها ذَلِك الصَّيد، وهي ثلاثة:
الأولى: مباشرة الإتْلاف 1، وهي ثلاثة:
والثانية: التسبب إليه، وموضع تفسيره وضبطه كتاب الجنايات، وتكلم هَاهُنَا في صور:
إحداها: لو نصب شَبَكَةَ في الحَرَم أو نصب المُحْرِمُ شَبَكَةَ، فتعقل بِهَا صَيْدٌ وَهَلَكَ، فَعليْهِ الضَّمَانُ، سواء نَصَبَها فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، أو ملك غيره، لأن نصب الشبكة يقصد بها الاصْطِيَادُ، فهو بمثابة الأَخذِ باليَدِ 2.
الثانية: لو أرسل كلباً فأتلف صَيْداً، وجب عليه الضَّمَانْ 3 لأن إرسَالَ الكَلْبِ يسبب إِلَى الهَلاَكِ ولو كان الكلب مربوطاً فحل رباطه فَكَذَلِك، لأن السبع شَدِيدُ الضَّرَاوَةِ بالصَّيْدِ، فيكفي في قَصْدِ الصَّيْدِ حَلُّ الرِّبَاطِ، وإن كان الإصطياد لا يتم إلا بالإغْرَاء.
ولو انحل الرباط لتقصيره في الرَّبْطِ نزل ذلك منزلة الحَلّ، وحَكى الإمام -رحمه الله- في هذه الصورة تردد الأئمة، فليكن قوله: (أو انحلال رباطه) معلماً بالوَاوِ لذلك، وحيث أوجبنا الضَّمانَ في هذه المسائل، فذلك إذا كان ثمَّ صيدٌ، فإن لم يكن فأرسل الكلب أو حل رباطه فظهر صيْدُ فوجهان:
أحدهما: أنه لا يضمن، إذا لم يوجد منه قَصْدُ الصَّيْدِ.
وأرجحهما: على ما رَوَاة الإِمَام: أنه يضمن لِحُصول التَّلَفِ بسبب فعله، وجهله لا يقدح فيه، كما سنذكره في حَفْر البِئر 1.
الثالثة: لو نفر المُحْرِمُ صيداً فتعثَّر فَهَلَكَ، أو أخذهُ سَبْعٌ أو انصدم بِشَجَرٍ، أو جبل وجب عليه الضَّمان، سواء قصد تنفيره أو لم يقصد، ويكون في عهدة المنفر إلى أن يعود الصَّيْد إلى طبيعة السُّكُون والاستقرار، فلو هلك بعد ذلك فلا شيء عليه، ولو هلك قبل السكون النفار، ولكن بآفة سماوية، ففي الضَّمَانِ وجهان:
أحدهما: يجب، ويكون دوام أثر النفار كاليد المضمنة.
وأشبههما: أنه لا يجب، لأنه لم يهلك بسببٍ من جِهَةِ المُحْرِمِ، وَلاَ تَحْتَ يده.
الرّابعة: لو حفر المُحْرم، أو حفر في الحرم بئراَ في محل عدوان، فتردى فيها صَيْدٌ وهلك، فعليه الضَّمَان ولو حفره في ملكه أو في مَوَاتٍ، فأما في حق المحرم، فظاهر المَذْهَب أنه: لا ضمان: كما لو تردت فِيهَا بَهِيمة، أو آدمي، ونقل صاحب "التتمة" وجهاً غريباً: أنه يجب الضمان.
وأما في الحَرَمِ، فوجهان مشهوران:
أحدهما: أنه لا ضمان، كَمَا لو حَفَر المُحْرِمُ في مِلْكِهِ.
والثاني: يجب؛ لأن حُرْمَةَ الحَرَمِ لا تَخْتَلِف، وصار كما لو نصب شَبَكَةٌ في الحَرَمِ في ملكه، وأومأ صاحب "التهذيب" -رحمه الله- إلى تَرْجِيحِ الوَجْهِ الأول، لكن الثَّانِي أشْبَه، ويحكى ذلك عن الربيع وصاحب "التلخيص"، ولم يورد في "التتمة" غيره 2.
قال الغزالي: وَلَوْ دَلَّ حَلاَلاً عَلَى صَيْدٍ عَصَى وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْه، وَفي تَحْرِيمِ الأَكْلِ عَلَيْهِ مِنْهُ قَوْلاَنِ، وَمَا ذَبَحَهُ بِنَفْسِهِ فَأكلَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَهَلْ هُوَ مَيتَةٌ في حَقِّ غَيْرِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا صَيْدُ الحَرَمِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو دَلَّ الحلالُ محرماً على صَيْدٍ فقتله وجب الجَزَاءُ على المُحْرِمِ وَلاَ
شَيْءَ عَلَى الحَلاَلِ، سواء كان الصَّيْدُ فِي يَدِهِ، أو لم يكن.
نعم، هو مُسيءٌ بالإعَانة على المعصية، ولو دل المُحْرِم حلالاً على صَيْدٍ فقتله نظر إن كان الصَّيْدُ بيَدِ المُحْرِمِ وجب عليه الجزاء؛ لأن حِفْظَهُ واجب عليه، ومن يلزمه الحِفْظ يلزمه الضَّمَان إذا ترك الحفظ كما لو دَلَّ المودع السَّارق على الوَدِيعَة، وإن لم يكن في يده وهو مسألة الكتاب فلا جزاء عَلَى الدَّالِ، ولا على القاتل، أما القاتل فلأنه حَلاَل، وأما الدَّال فكما لو دَلَّ رجلاً على قَتْلِ إِنْسَانٍ لا كفارة على الدَّالِ، وساعدنا مالك -رحمه الله- على ذلك.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- إن كانت الدَّلالَةُ ظَاهِرةٌ فلا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وإن كانت خفية ولولاَها لما رأى الحَلاَلُ الصيدَ يَجِب الجزاء، وسلَّم في صَيْدِ الحرم أنه لا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِ.
وعن أحمد: أن الجزاء يَلْزَم الدَّالَ، والقَاتِلَ بينهما.
وقوله في الكتاب: (وفي تحريم الأكل منه عليه قولان) صريح في إثبات الخلاف في أن المحرم هل يجوز له أن يأكل من الصَّيْدِ الذي دل عليه الحَلاَل حتى قتله؟ لكن الوجه أن تغير هذه اللفظة، ويجوز أن يجعل مكانها: وفي وجوب الجزاء عليه عند الأكل منه قولان، أما التغيير فلأنك إذا بحثت لم تر نقل الخلاف في جواز الأكْلِ للمحرم، والصورة هذه لا لغير صاحب الكتاب، ولا له في "الوسيط" وغيره، بل وجدتهم جازمين بِحُرْمَةِ الأَكْلِ على المُحْرِمِ مما صيد له أو بإعانته بسلاح وغيره، أو بإشارته ودلالته محتجين عليه بما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَحْمُ صَيْدِ الْبَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ فِي الإِحْرَامِ مَا لَمْ تَصْطَادُوهُ، أَوْ لَمْ يُصْطَدْ لكم" 1.
وبما روي أن أبا قتادة -رضي الله عنه- خرج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فتخلف عن بعض أصحابه وهو حلال وهم محرمون فرأوا حُمُرَ وَحْشٍ فاسْتوَى على فرسه ثم سأل أصحابه أن يناولوه سوطاً فأبوا، فسألهم رُمْحَه فابوا فأخذه وحمل على الحمر فعقر منها أَتَانَاً، فأكل منها بعضُهمِ وأَبَى بَعْضُهُم فلما أتو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سألوه فقال "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا، قَالُوا: لاَ، قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" 2.
أشعر ذلك بالتحريم إذا كان الاصْطِيَاد بإعانته، أو دلالته، أو له، وعجيب أن يكون نَقْلُ القَوْلَيْنِ صَوَاباً ثم يغفل عَنْهُ كل من عَداهُ مِنَ الأَصْحَابِ، وهو أيضاً في غير هذا الكتاب.
وأما جواز التبديل بما ذكرت فلأن القَوْلَيْنِ في أنَ ما صيد للمحرم أو بدلالته أو بإعانته لو كل منه هل يلزمه جزاؤه؟ مشهوران.
أحد القولين وهو القديم وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنه يَلْزَمُهُ القِيمَةِ بِقَدْرِ مَا أَكَلَ؛ لأن الأكْلَ فعل محرم في الصيد فيتعلق به الجزاء كَالقَتْلِ، ويخالف ما لو ذَبَحَه، وأكله حيث لا يلزم بالأكل جزاء؛ لأن وجوبه بالذَّبْحِ أغنى عن جَزَاءٍ آخر.
والجديد: أنه لا يلزم؛ لأنه ليس بِنَامٍ بعد الذبح، ولا يؤول إلى النماء، فلا يتعلق بإتلافه الجَزَاء، كما لو أتلف بيضة مذرة.
واعلم أن هذه المسألة مذكورة في الكتاب من بعد، وتبديل اللفظ بها يفضي إلى التكرار، لكني لا أدري على ماذا يحمل إن لم يحتمل التكرار؟
ولو أمسك محرمٌ صيداً حتى قَتَلَهُ غيره، نظر إن كان حلالاً فيجب الجَزَاء على المُحْرِمِ لِتَعَدِّيهِ بالإمساك والتعريض لِلْقَتْلِ، وهل يرجع بهِ على الخِلاَف؟
قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لا؛ لأنه غير ممنوع من التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدَ.
وقال القاضي أَبُو الطَّيبِ: نعم.
هذا ما أورده في "التهذيب" وشبهه بما إذا غصب شيئاً فأتلفه متلف في يده يضمن الغاصب، ويرجع على المتلف، وإن كان محرماً أيضاً فوجهان:
أظهرهما: أن الجزاء كله على القاتل؛ لأنه مباشرٌ، ولا أثر للإِمْسَاكِ مع المبَاشَرَةِ.
والثاني: أن لكل واحد من الفعلين مدخلاً في الهَلاَك، فيكون الجزاء بينهما نصفين، وقال في "العدة": الصحيح أن الممسك يضمنه باليد، والقاتل يضمنه بالإتْلاَف، فإن أخرج الممسك الضَّمان رجع به على المتلف، وإن أخرج المتلف لم يرجع على المُمْسِك 1.
المسألة الثانية: إذا ذبح المُحْرِمُ صَيْداً لم يحل له الأكل منه، وهل يحل الأكل منه لغيره؟ فيه قولان:
الجديد: وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله-: أنه ميتة، لأنه ممنوع من الذبح لمعنى فيه فصار كذبيحة المجوسي، فعلى هذا لو كان مملوكاً وجب مع الجَزَاءِ القِيمَةُ لِلْمَالِكِ.
والقديم: أنه لا يكون ميتة، ويحل لغيره الأكل منه، لأن من يَحِل بذبحه الحيوان الإنسي يحل بذبحه الصَّيْد كَالْحَلاَلِ، فعلى هذا لو كان الصيد مملوكاً فعليه مع الجَزَاءِ ما بين قيمته حياً ومذبوحاً لِلْمَالِكِ، وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، وفي صَيْدِ الحَرَمِ إذا ذبح طريقان:
أظهرهما: طرد القولين، والآخر: القَطْعُ بِالمَنْعِ.
والفرق أن صَيْدَ الحَرَم منع منه جميع النَّاسِ في جَمِيعِ الأحْوَالِ فكان آكد تحريماً، وليكن قوله: (وكذا صَيْدُ الحَرم) مُعَلَّماً بالواو لمكان الطَّرِيقة الأُخُرى.
قال الغزالي: وَإِثْبَاتُ اليَدِ عَلَيْهِ سَبَبُ الضَّمَانِ، إلاَّ إِذَا كَانَ في يَدِهِ فَأَحْرَمَ، فَفِي لُزُومِ رَفْع اليَدِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَلزَمُ فَفِي زَوَالِ مِلْكِهِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَلْزَمُ فَلَوْ قَتَلَهُ ضَمِنَ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ إِتْلاَفٍ، وَلَو اشْتَرَي صَيْداً وَقُلْنَا: إِنَّ الإِحرَامَ لاَ يَقْطَعُ دَوَامَ المِلْكِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ كَمَا في العَبْدِ المُسْلِمِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرِثُ ثُمَّ يَزُولُ مِلْكُهُ.
قال الرافعي: الثالثة من جهات الضمان إثبات اليَدِ.
ويد المُحْرم على الصيد إما أن يقع ابتداؤها في حَالِ الإحْرَام، أو يكون ابتداؤها سَابِقاً على الإحْرَامِ.
أما إثبات اليد عليه ابتداء في حال الإحرام فهو حرام غير مُفِيدٍ لِلْمِلْكِ، فإذا أخذ صيداً ضمنه كما يضمن الغاصب ما يتلف في يده، بل لو تولد تَلَف الصيد بما في يده لَزِمَهُ الضَّمان كما لو كان راكب دابة فأتلفت صيداً بِعَضِّهَا، أو رَفْسِهَا، وكذا لو بَالَتْ في الطَّريق فزلق به صَيْد، وهلك كما لو زلق به آدمي، أو بهيمة.
= فيه كالعاقل، أجيب بأنه وإن كان إتلافاً فهو حق لله -تعالى- ففرق فيه بين من هو من أهل التمييز وغيره.
ومنها: ما لو أخذ الصيد تخليصاً من سبع أو مداوياً له، أو ليتعهده فمات في يده.
ومنها: لو صال عليه فقتله دفعاً فلا ضمان في الجميع.
أما لو انفلت بعيره فأصاب الصَّيد، فلا شيء عليه، نص على ذلك كله.
وأما إذا تقدم ابتداء اليَد على الإِحْرَام، فإن كان في يَدِهِ صَيْدٌ مملوك له ثم أحرم فهل يلزمه رفع اليد عنه؟ فيه قولان:
أحدُهما: لا، كما لا يلزمه تَسْرِيحُ زَوْجَتِهِ وإن حرم ابتداء النكاح عليه.
والثاني: نعم؛ لأن الصَّيْدَ لا يراد للدَّوَام، فتحرم استدامته كالطَّيب واللَّبَاسِ، ويحرم عليه النِّكَاح فإنه يقصد للدوام، وهذا أَصحُّ القولين على ما ذكرهَ المُحَامِلِي، والكرخِي، وغيرهما من العِرَاقِيينَ.
واعلم: أنا نعني برفع اليَدِ الإِرْسَال، والإطْلاَق الكُلِّي.
وقال مالك وأبو حنيفة، وأحمد -رحمهم الله- يجب رفع اليد المتأبدة عنه، ولا يجب رفع اليد الحُكُمِيَّة، والإرسال المُطْلَق.
التفريع: إن لم نوجب الإرْسَال فهو على مِلْكه، له بيعه وهبته، لكن لا يجوز له قتله، ولو قتله يجب الجزاء كما لو قَتَلَ عبدَه يلزَمُه الكَفَّارة، ولو أرسله غيره لزمه القيمة للمالك، وإن قتله فكذلك فإن كان محرماً لزمه الجَزَاءُ أيضاً، ولا شَيْءَ على المَالِك كَمَا لو مات.
وإن أوجبنا الإرْسَال فهل يزول مِلْكُه عنه؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: لا، كما لا يبين زوجته.
والثاني: نعم، كما يزول حِلّ الطِّيب، واللباس، وهذا أصحِ عند العراقيين، وعكس بعض الأصحاب الترتيب فوضع القولين في زَوَالِ الملك أولاً، ثم قال إن قلنا: لا يزول الملك ففي وجوب الإرْسَال قولان، والأمر فيه قريب التفريع إن قلنا يزول ملكه فأرسله غيره، أو قتله فلا شيءَ عليه، ولو أرسله المُحْرِم فأخذه غيره ملكه، ولو لم يرسله حتى تحلل فَهَلْ عليه إرْسَالُه؟ فيه وَجْهَان:
أحدهما: وهو المنصوص نعم، لأنه كان مستحق الإرْسَال فلا يرتفع هذا الاستحقاق بتعديه بالإمساك.
والثاني: ويحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يجب، ويعود ملكاً له كالعصير إذا تَخَمَّر، ثم تَخَلَّل، وحكى الإمام -رحمه الله- على هذا القول وجهين في أنه يزول بِنَفْسِ الإحْرَام، أو الإحرام يوجب عليه الإرْسَال، فإذا أرسل حينئذ يَزُول، والأول أشْبَهُ بِكَلاَم الجُمْهُور.
وإن قلنا: لا يزول ملكه عنه فليس لغيره أخذه، ولو أخذه لَمْ يَمْلِكْهُ، ولو قَتله ضَمِنَه، وهو بمثابة المتفلت من يده، وعلى القولين جميعاً لو مات الصَّيْد في يده بعد إمكان الإرْسَال لزمه الجزاء؛ لأنهما مفرعان على وجوب الإرْسَال، وهو مقصر
بالإِمْسَاك.
ولو مات الصَّيْدُ قبل إِمْكَانِ الإِرْسَال فقد حكم الإمام -رحمه الله- وجهين في وجوب الضَّمَان، وقال: المذهب وجوبه، ولا خلاف في أنه لا يَجِب تقديم الإرْسَالِ على الإحْرَام.
قوله في الكتاب: (ففي لزوم رفع اليد قولان) يجوز أنَ يُعَلَّم لفظ القولين بالواو، لأن القاضي ابْنَ كِجٍّ روى عن أبي إسحاق طريقة قاطعة بأنه لا لزوم، وحيث قال بالإرسال أراد به الاستحباب.
وقوله: (لأنه ابتداء إتلاف) أراد به أنا على هذا القول، وإن جوزنا استدامة اليد، والملك، فلا يجوز الإتْلاف؛ لأن الإتْلاَفَ ليس باسْتِدَامَةٍ، وإنما هو ابتداء فِعْلٍ، وكان الأحسن في التعبير عن هذا الغَرَضِ أن يقول؛ لأن الإتْلاَفَ ابتداء، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو اشترى المُحْرِمُ صَيْداً، أو اتهبه أو أُوصي له فَقَبِلَ يفرع ذلك على الخلاف الذي سبق.
إن قلنا: إن الملك يزول عن الصَّيْدِ بالإحْرَامِ لا يملكه بهذه الأَسْبَاب؛ لأن من مُنِع من إدامة الملك فهو أولى بالمَنْعِ من ابتدائه.
وإن قلنا: لا يزول ففي صِحَّة الشراء والهبة قولان بناء على القولين فيما إذا اشترى الكَافِرُ عبدًا مسلمًا، ويدل على المنع ما روى أَنَّ الصَّعْبَ بنَ جُثَامَةَ.
أَهْدَى لِرَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حِمَاراً وَحْشِيّاً فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ" 1 فإن صححنا هذه العقود فذاك، وإلا فليس له القبض، فإن قبض فهلك في يده فعليه الجزاء لِلَّه تعالى، والقيمة للبائع، وإن رده عليه سَقَطَتِ القِيمَةُ، ولا يسقط ضَمَانُ الجَزَاء إلا بالإرْسَالِ؛ وإذا أرسل كان كما إذا اشترى عبداً مرتداً فقتل في يده، وفي أنه من ضمان من يتلف؟ خلاف سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى" 2.
الثانية: إذا مات له قريب، وفي مِلْكِهِ صَيْدٌ هَلْ يَرِثُهُ؟ إن جوْزنا الشِّراء وغيره من الأسباب الاختيارية نعم، وإلا فَوَجْهَان، والأظهر ثبوته؛ لأن لا اختيار فيه، وعلى هذا فقد ذكر الإمام وصاحب الكتاب أنه يزول مِلْكُه عقيب ثُبُوتِه بناء على أن المِلْكَ يزول عن الصَّيْدِ بالإحْرَام، وفي "التهذيب" وغيره ما ينازع في زواله عقيب ثبوته؛ لأنهم
قالوا: إذا ورثه فعليه إرْسَاله، فإن بَاعَهُ صَحَّ، ولا يسقط عنه ضمان الجَزَاءِ حتى لو مات في يَدِ المُشْتَرِي يجب الجَزَاءُ على البَائِعِ، وإنما يسقط عنه إذا أرسله المشتري.
وإن قلنا بأنه لا يرث فالملك في الصَّيْدِ لسائر الورقة، وإحرامه بالإضافة إلى الصَّيْدِ مانع من مَوَانِعِ الميراث.
كذا أورده أبو سَعِيد المتولي، وذكر أبو القَاسِم الكَرْخُي على هذا الوجه أنهُ أحق به، فيوقف حتى يتحلل فيتملكه 1.
ولو اشترى صيداً من إِنْسَانٍ ووجد به عيباً وقد أحرم البَائِع، فإن قلنا: يملك الصيد بالإرْثِ يُرَدُّ عليه، وإلا فوجهان؛ لأن منعَ الردِ إضرارٌ بالمشتري.
ولو باعَ صَيْداً وهو حَلالٌ، وأحرم ثم أفلس المشتري بالثمن لم يكن له الرُّجوعُ على الأَصَحِّ؛ كالشراء والاتّهاب بخلاف الإِرْث، فإنه قهري.
ولو ستعار المحرم صيداً أو أودع عنده كان مضموناً بالجزاء عليه، وليس له التعرض له، فإن أرسله سقط عنه الجَزَاءُ، وضمن القيمة للمالك، وإن رَدَّهُ إلى المالك لم يسقط عنه ضَمَانُ الجزاء ما لم يرسله المالك 2 وحيث صار الصيد مضموناً على المحرم بالجزاء، فإن قَتَلَهُ حَلاَلٌ في يده فالجزاء على المحرم، وإن قتله محرم آخر، فهل الجزاء عليهما أو على القاتل، ومن في يده طريق؟ فيه وجهان 3.
قال الغزالي: وإنْ أخَذَ صَيْداً لِيُدَاوِيَهُ كَانَ وَدِيعَةً (ح)، وَالنَّاسِي كَالعَامِدِ فِي الجَزَاءِ لاَ في الإِثْمِ، وَلَوْ صَالَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَلاَ ضَمَانَ في دَفْعه، وَلَوْ أَكَلَهُ في مَخْمَصَةٍ ضَمِنَ، وَلَوْ عَمَّتِ الجَرَادُ المَسَالِك فَتَخَطَّاهُ المُحْرِمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: في هذه البقية صور:
إحداها: لو خلَّص المحرم صيداً من فَمِ هِرَّةٍ أو سبع، أو مِن شِقِّ جِدَارٍ أو أخذه
ليداويه ويتعهده فمات في يده، هل يضمن؟ فيه قولان كما لو أخذ المَغْصُوبَ مِنَ الغَاصِبِ ليرده على المالك فهلك في يده.
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- يضمن؛ لأن المستحق لم يرض بيده، فتكون يَدُه يَدَ ضَمَانٍ.
والثاني: لا يضمن، لأنه قصد المَصْلَحة، فتجعل يَدُه ودَيِعَة، والقولان معاً منصوصان في عيون المسائل، وإيراده يقتضي تَرجِيح الثَّانِي مِنْهُمَا، وهو المذكور في الكِتَاب.
الثانية: الناسي كَالْعَامِد في وجوب الجَزَاءِ 1، في الإثم، أما افتراقهما في الإثم فلما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" 2 الخبر.
وأما استواؤهما في وجوب الجزاء، فلأن الإتْلاَف يوجب الضَّمَان على العَامِدِ والخَاطِئِ على نسق واحد، بدليل الضَّمَانات الواجبة للآدميين، وخرج بعض الأصحاب في وجوب الضَّمان على النَّاسي قولين؛ لأنه حكى عن نَصِّه قولان فيما إذا أحرم ثُمَّ جُنَّ، وقتل صيداً.
أحدهما: وجوب الضمان لما ذكرنا.
والثاني: المنع؛ لأن الصَّيْدَ على الإباحة، وإنما يخاطب بترك التعرض له من هو أهل للتكليف والخِطَاب.
وقد ذكرنا هذا الخِلاَف مرة في النوع الرَّابع من المَحْظُورَاتِ.
وقوله في الكتاب (والناسي كالعامد) يجوز إعلامه بالواو لذلك، وبالألف أيضاً، لأن أبا نَصْر بنَ الصَّبَّاغِ ذكر أن في رواية عن أحمد لا جزاء على المُخْطِئِ بِحَالٍ.
الثالثة: لو صال الصيد على محرم، أو في الحرم فقتله دفعاً فلا ضمان عليه؛ لأنه بالصيال التحق بالمُؤْذِيَاتِ.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه يجب، ولو ركب إنسانُ صيداً وصالَ على مُحْرِم ولم يمكن دفعه إلا بقتل الصيد فقتله، فالذي أورده الأكثرون أنه يجب عليه الضَّمَان؛ لأن الأذى هَاهُنا ليس من الصَّيْدِ.
وحكى الإمام أن القَفَّالَ -رحمه الله- ذكر فيه قولين:
أحدهما: أن الضمان على الراكب، ولا يطالب به المحرم.
والثاني؟ أنه يطالب المحرم ويرجع بما غرم على الرَّاكِبِ.
وإن ذبح صَيْداً في مخمصة أوكله ضمن؛ لأنه أهلكه لمنفعةِ نَفْسِهِ مِن غير إِيذَاءٍ من الصَّيْدِ.
ولو أكره مُحْرِم أو محل في الحرم على قتل صَيْدٍ فقتله فوجهان:
أحدهما: أنا الجزاء على المُكْرِه.
والثاني: على المُكْرِهَ، ثم يرجع على المُكْره، وعن أبي حنيفة: أن الجزاء في صيد الحرم على المكره، وفي الإحرام على المكره 1.
الرابعة: ذكرنا أن الجراد مما يضمن بالقيمة وبيضه مضمون بالقيمة كأصله، فلو وطئها عَامِداً، أو جاهلاً ضمن، ولو عمت المسالك ولم يجد بداً من وَطْئِها فوطئها فَفِي الجَزَاء قولان، وقال الإمام وصاحب الكتاب وجهان:
أحدهما: يجب لأنه قَتَلَها لِمَنْفَعَةِ نَفسِهِ فصار كما لو قتل صيداً في المَخْمَصَةِ.
وأظهرهما: لا يجب؛ لأنها ألجأته إليه، فأشبه صُورةَ الصِّيَالِ.
وحكى الشَّيْخ أبو محمد -رحمه الله- طريقة أخرى قاطعة بأنه لا جَزَاء، فيجوز أن يُعَلَّم قوله: (وجهان) بالواو لذلك.
ولو باض صيد في فراشه، ولم يمكنه رفعه إلا بالتعرض للبَيْضِ ففسد بذلك ففيه هذا الخلاف.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي في الجَزَاءِ فَالَوَاجِبُ في الصَّيْدِ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ (ح) أَوْ طَعَامٌ بمِثْلِ قِيمَةِ النَّعَمِ، أَوْ صِيَامٌ يَعْدِلُ الطَّعَامَ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ، فَإِنَّ انْكرَ مدًا كَمَّلَ وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيّاً كَالْعَصَافِيرِ وَغَيْرِهَا فَقَدْرُ قِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً، وَالعِبْرَةُ في قِيمَةِ الصَّيْدِ بِمَحَلِّ الإِتلاَفِ، وَفِي قِيمةِ النَّعَمِ بَمَحَلِّ مَكَّةَ؛ لأَنَّهُ مَحَلُّ ذَبْحِهِ.
قال الرافعي: الصيد ينقسم إلى مِثْلِي ونعثي به ماله مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، وإلى ما ليس بِمِثْلِي.
أما الأول فجزاؤه على التخيير والتعديل، فيتخير بين أن يذبح مِثْلَه فيتصدق به على مَسَاكِينِ الحَرَمِ، إما بأن يفرق اللَّحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، ولا يجوز أن يخرجه حياً، وبين أن يقوم المثل دراهم، ثم لا يجوز أن يتصدق بالدراهم، ولكن إن شاء اشترى بها طَعَاماً وتصدق به على مَسَاكِينِ الحَرَم، وإن شاء صام عَنْ كُلِّ مُدٍّ من الطَعَامِ يوماً، حيث كان قال الله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ
مِنْكُمْ} 1. إلى قوله (صياماً).
أما الثاني: وهو ما ليس بمثلي كَالْعَصَافِيرِ وغيرها من الطيور على ما ستعرف ضروبها ففيه قيمته، ولا يتصدق بِهَا، بل يجعلها طَعَاماً، ثم إن شاء تصدق بها، وإن شاء صَامَ عَنْ كُلِّ مُدّ يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صَامَ يوماً، لأن الصَّوْمَ لا يتبعض، وإذا تأملت هذا التفصيل عرفت أن للجزاء ثلاثة أركان في القِسْمِ الأول، الحيوان والطعام، والصيام وركنين في الثَّاني، وهما الطعام والصيام وهي أو هما على التخيير في ظاهر المذهب، وعن رواية أبي ثَوْر قول أنها على الترتيب، وهو أضعف الروايتين عن أحْمَدَ، وقال مالك -رحمه الله- إن لم يخرج المثل عن المِثْلِي يقوم الصيد لا المثل.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- لا يجب المِثْلُ، بل عليه قيمة الصَّيْدِ، فإن شاء تَصَدَّق بها، وإن شاء اشترى بها شيئاً من النَّعَمِ التي تجزئ في الأضحية فذبح، وإن شاء صَرَفَهَا إلى الطَّعَامِ، فأعطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أو صاعاً من غيره، أو صام عَنْ كُلِّ نَصْفِ صَاعٍ من بر أو صاعٍ مِنْ غَيْرِهِ يوماً.
وعن أحمد أنه لا يخرج الطعام، وإنما التقويم بالطَّعام لمعرفة قَدْرِ الصِّيَام، وحكاية هذه المذاهب تنبئك أن قوله: في الكتاب (مثله من النعم) ينبغي أن يكون مُعَلَّماً بالحاء.
وقوله: (أو طعام) بالألف.
وقوله: (مثل قيمة النعم) بالميم.
وقوله: (لكل مد يوم) بالحاء.
وقوله: (على التخيير) بالألف والواو،
وإذا لم يكن الصيد مثلياً فالعبرة في قيمته بمَحَلِّ الإتلاف، وإن كان مثلياً وأراد تقويم مِثْله من النَّعَم ليرجع إلى الإطْعَام، أو الصيامَ فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ.
هذا نَصُّه، ونقل بعض الشَّارِحِينَ فيه طريقين:
أصحهما: الجريان على ظَاهِر النصين.
أما اعتبار قيمة محل الإتْلاَفِ في الحالة الأولى فقياساً على كل مُتلف متقوم.
وأما اعتبار قيمة مكَّة في الأخرى، فلأن مَحَلَّ ذبح المثلَ مكَّةُ لو كان يذبح، فإذا عدل عنه عدل بقيمته في مَحَلِّ الذبح.
والطريق الثاني: أنهما على قولين، وحيث اعتبرنا قيمة محل الإتلاف فقد ذكر الإمام احتمالين في أن المعتبر في الصرف إلى الطَّعَامِ سعر الطَّعَامِ في ذلك المكان أيضاً، أو سعر الطَّعَامِ بمكة، والظاهر منهما الثاني.
قال الغزالي: وَالمِثْلِيُّ كَالنَّعَامَةِ فَفِيهِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ، وفي الضِّبُعِ كبْشٌ، وَفِي الأَرْنَبِ عنَاقٌ، وَفي الظَّبْي عَنْزٌ، وَفِي اليَرْبُوعِ جَفْرةٌ، وَفِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَيَحْكُمُ بالمُمَاثَلَةِ عَدْلاَنِ، فَإنْ كَانَ القَاتِلُ أَحَدَهُمَا وَهُوَ مُخْطِئٌ غَيْرُ فَاسِقٍ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ، وَفِي الحَمَامِ شَاةٌ، وَفِي مَعْنَاهُ القُمْرِيُّ وَالفَوَاخِتُ وَكُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ، وَمَا دُونَهُ فِيهِ القِيمَةُ، وَمَا فَوْقَهُ فِيهِ قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا القِيمَةُ قِيَاساً، وَالثَّاني: إِلْحَاقُهُ بِالحَمَامِ.
قال الرافعي: من المهم في الباب معرفة أن المثل ليس معتبراً على التَّحْقِيق، وإنما هو معتبر على التَّقْرِيب، وليس معتبراً في القيمة، بل في الصورة والخلقة؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- حكموا في النَّوْعِ الواحد من الصيد بالنواع الواحد من النَّعَمِ مع اختلاف البِلاَد، وتفاوت الأزمان واختلاف القِيَم بحسب اختلافها، فعلم أنهم اعتبروا الخِلْقَة والصُّورة.
إذا تقرر ذلك فالكلام في الدَّواب، ثم في الطيور أما الدواب فما ورد فيه نَصٌّ، فهو متبع، وكذلك كل ما حكم فيه عَدْلاَن من الصَّحَابَةِ أو التابعين، أو من أهْلِ عصر آخر من النَّعَمِ أنه مثل للصيد المقتول يتبع حكمهم، ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم.
قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 1 وقد حَكَمَا.
وعن مَالِكٍ أنه لا بد من تحكيم عَدْلَيْنِ من أهْلِ العَصْرِ، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَنَّهُ قُضَىَ فِي الضَّبعِ 2 بِكَبْشٍ" 3 وعن الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم قضوا في النَّعَامَةِ ببدنة، وفي حمار الوَحْشِ وبقر الوحش بِبَقَرَةٍ، وفي الغَزَالِ بعَنزٍ، وفي الأرْنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة، وعن عثمان 4 -رضي الله عنه- أنه حكم في أم حُبَيْنٍ
بُحلاَّنٍ، وعن عطاء 1 ومجاهد 2 أنهما حكمًا في الوبر بِشَاةٍ.
قال الشافعي -رضي الله عنه- إن كانت العرب تأكله ففيه جفرة، لأنه ليس بأكبر بدلاً منها، وعن عطاء 3 أن في الثَّعْلَبَ شَاة، وعن عمر -رضي الله عنه- 4 أن في الضب جدياً، وعن بعضهم أن في الإبل بقرة.
واعرف هاهنا شيئين:
أحدهما: تفسير ما يشكل من هذه الألفاظ.
أما العناق: فهو اسم الأنثى من ولد المعز.
قال أهل اللغة: وهي عناق من حين تولد إلى أن ترعى، والجفرة هي: الأنثى من ولد المعز، تفطم، وتفصل عن أمها، وتأخذ في الرعي، وذلك بعد أربعة أَشْهُر، والذَّكَرْ جفر، هذا معناهما في اللغة، ويجب أن يكون المراد من الجفرة هاهنا ما دُونَ العِنَاق، فإن الأرنب خير من اليربوع.
وأم جبين دابة على خلقة الحرباء عظيمة البَطْن، ومنه ما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ مُمَازِحًا لِبِلاَلٍ -رضي الله عنه- وَقَدْ تَدَحْرَجَ بَطْنَهُ: أُمَّ حُبَيْنٍ" 5.
قال الشيخ أبو محمد: وأرى هذا الحيوان من صغار الضَبِّ حتى يفرض مأكولاً.
واعلم أن في حِلٍّ أم حبين تردداً نذكره في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى، والقول يوجوب الجَزَاءِ مُفَرَّعٌ على الحِلِّ.
وأما الحُلاَّن فمنهم من فسره بالحمل، ومنهم من فسره بالجدي، والحُلاَّم كالحلان.
والوبر دابة كالجَرَادِ، إلا أنها أنبل وأكرم منها، وهي كحلاء من جنس بنات عرس تكون في الفلوات، وربما أكلها البدويون، والأنثى وبرة.
الثاني: قد نجد في كتب بعض الأصحاب أن في الظبي كَبْشاً، وفي الغزال عَنْزاً، وهكذا أورد أَبُو القَاسِمِ الكَرَخِي، وزعم أن الظبي ذَكَرُ الغزَالِ، وأن الغَزَال الأُنثى، قال الإمام: والذي ذكره هؤلاء وَهْمٌ بل الصَّحِيح أن في الظَّبْي عنزاً، وهو شديد الشَّبَه به، فإنه أجرد الشَّعْرِ، متقلص الذَّنَب وأما الغزالَ فهو وَلَدُ الظَّبْيِ، فيجب فيه ما يَجِبْ فِي الصِّغَار، فهذا هو القول فيما وردَ فِيه نَقْلٌ.
وأما ما لم ينقل فيه عن السلف شيء فيرجع فيه إلى قَوْلِ عَدْلَيْنِ 1، قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2 وليكونا فقيهين كَيِّسَيْنِ، وهل يجوز أن يكونَ قَاتِلُ الصيد أحَدَ الَحَكَمَيْنِ؟ أو يكونا قَاتِلا الصَّيْدِ الحَكَمَيْنِ؟ إن كان القتل عمداً عدواناً فَلاَ؛ لأنه يورث الفِسْق، والحكم لا بد وأن يكون عدلاً وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فوجهان:
أحدهما: وبه قال مالك: أنه لا يجوز، كما لا يجوز أن يكون المُتْلِف أحد المُقَوِّمَيْنِ.
وأصحهما: أنه يجوز: لما روي "أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ ضُبّاً فَسَأَلَ عَنْهُ عُمَرَ -رضي الله عنه- فَقَالَ: احْكُمْ فِيهِ، فَقَالَ؛ أَنْتَ خَيْرٌ منِّي وَأَعْلَمُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَنَا أَمُرْتُكَ أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ، وَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تُزَكِّيَنِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرَى فِيهِ جَدْياً، قَالَ عُمَرُ -رضي الله عنه- فَذَلِكَ 3 فِيهِ".
وأيضاً فإنه حق الله تعالى، فيجوز أن يكون المؤمن عليه أميناً فيه، كما أن رب المال أمين في الزكاة.
ولو حكم عدلان بأن له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له، فالأخذ بقول الأولين أَوْلى، قاله في "العدة" 4. وأما الطيور فتنقسم إلى حمام وغيره، أما الحمام ففيه شَاة، روي ذلك عن 5 عمر، وعثمان 6، وعلي 7، وابن عمر 8، وابن عباس 9 وعاصم بن عمر 10،
وعطاء 1، وابن المسيب 2، وغيرهم، -رضي الله عنهم- وعلام بُنِي ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن إيجابها لما بَيْنَهُمَا مِنَ الشَّبَهِ، فإن كل واحد منهما يألف البيوت، ويأنس بالناس.
وأصحهما: أن مستنده توقيفُ بَلَغَهُمْ فِيهِ.
وأما غيره، فإن كان أصغر من الحمام في الجنة كالزُّرزور، والصَّعْوَة، والبلبل، والصَنبرة 3، والوَطْوَاط، فالواجب فيه القيمة قياساً 4 وقد روى عن الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم حكموا في الجراد بالقيمة ولم يقدروا.
وأن كَانَ أكبرُ مِنَ الحَمَامِ، أو مِثْلاً لَهُ ففيهما قولان:
أحدهما: أن الوَاجِبَ شَاةٌ، لأنها لما وجبت في الحَمَام، فلأن تجب فيما هو أكبر منه كان أولى.
والثاني: وهو الجديد وأحد قوليه في القديم: أن الواجب القيمة، قياساً، كما لو كان أصغر.
وعن الشيخ أبي محمد: أن بناء القولين على المأخذين السَّابقَيْنِ، إن قلنا: وجوب الشاة توقيف صرف، ففي الأكبر أيضاً شاة استدلالاً، وإن قلنا: إنه مأخوذ من المُشَابَهَةِ بِينهما فَلاَ، وقوله في الكتاب: (ففيها بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، إلى آخرها) يجوز إعلامها بالحَاءِ، لأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يوجب المثل في شَيْءٍ من الصيود.
وقوله: (وفي الصغير صغير) أراد به أن كل جنس من الصيود المثلية، يعتبر فيما يجب فيه من النَّعَمِ المماثلة في الصِّغَرِ والكِبَرِ، ففي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وفي الكبير
كبير، لظاهر قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 1، والكلمة مُعَلَّمة بالميم، لأن عند مالك الوَاجِبُ الكَبِير، وإن كان الصَّيْدُ صغيراً، وقوله: (وهو مخطئ غير فاسق) قد عرفت مما مرّ أنه لم يذكره.
وقوله: (وفي الحمام شاة) معلم بالميم؛ لأن مالكاً إنما يُوجِبُ الشَّاة في حمامة الحَرَمِ، وأما حمامة الحِلَّ، إذا قتلها المُحْرِم فالواجب عنده فيها القيمة.
وقوله: (وفي القمري والفواخت وكل ما عب وهدر) ظاهره يقتضي خروج هذه الطيور عن تَفْسِيرِ الحمام، وإلحاقها به في الحكم لكن المشهور، أن اسم الحمام يقع على كل ما عب وهدر فمنه صِغَارٌ وَكِبَارٌ، ويدخل فيه اليَمَام، وهي التي تألف البيوت، والقمري، والفاختة، والداس، والفاس، والقطا.
والعب هو: شرب الماء جرعاً، وغير الحمام من الطيور تشربه قطرة قطرة، والهدير هو ترجيعه صوته وتغريده، والأشبه: أن ما له عب فله هدير، ولو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم ذلك.
يدل عليه نَصُّ الشافعي -رضي الله عنه- في "عيون المسائل"، قال: و"ما عب في الماء عباً فهو حمام، وما شرب قطرة قطرة كالدجاج، فليس بحمام".
قال الغزالي: فُرُوعٌ يَجُوزُ مُقَابَلَةُ المَرِيضِ بالمَرِيضِ، وَفِي مُقَابَلَةِ الذَّكَرِ بالأنْثَىَ مَعَ التَّسَاوِي في اللَّحْمِ وَالقِيمَةِ ثَلاَثةُ أقْوَالٍ، في الثَّالِثِ تُؤْخَذُ الأُنْثَى عَنِ الذَّكَرِ كَمَا في الزَّكاةِ بِخِلاَفِ عَكْسِهِ.
قال الرافعي: رسم المسائل المذكورة في هذا الموضع إلى رأس السَّبَبِ الثَّانِي فروعاً، ونحن نشرحها واحداً واحداً.
أحدها: المريض من الصّيود يقابل بالعوراء، وإن اختلف الجنس فلا، كالعوراء بالجرباء، وإن كان عور أحدهما باليمين، وعور الأخرى باليسار ففي الإجزاء وَجْهَان:
أصحهما: ولم يورد العراقيون غيره: الإجْزَاء لتقارب الأمْرِ فيه، ولو قابل المَرِيض بالصَّحيح، أو المعيب بالسَّليم، فقد زادَ خَيْراً.
وقال مالك: إن ذلك وَاجِب، ويفدى الذَّكر بالذَّكَر، والأنثى بالأنثى، وهل يفدى الذَّكر بالأُنْثَى وبالعكس؟ أما فداء الذَّكَرِ بالأُنْثَى فقد ذَكَرُوا أن إشارة النَّصِّ مختلفة فيه، وللأصْحَابِ فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: المنع، لأنهما مُخْتَلِفَان في الخِلْقَة، وذلك مما يقدح في المِثْلِيَّةِ.
وأصحهما: الجواز، كما في الزَّكاة، ولأن هذا اختلاف لا يقدح في المقصود الأصلي، فأشبه الاختلاف في اللَّون.
والطريق الثاني: تنزيل النصين على حالين إن أراد الذبح لم يجز؛ لأن لحم الذَّكر أطيب، وإن أراد التقويم جَازَ؛ لأن قيمة الأنثى أكثر.
وقيل: إن لم تلد الأنثى جاز، وإن ولدت فَلا، لأن الولادة تُفْسِدُ اللَّحْم، وإذا جوزنا ذَبْحَ الأنثى عن الذَّكَرِ، فهل هو أولى؟ قال بعضهم: نعم؟ لأن لحم الأُنْثَى أَرْطَب، وقال القَاضِي أَبُو حَامِدٍ: لا؛ لأن لَحْمَ الذكَرِ أَطْيَبُ.
وأما فداء الأنثى بالذَّكَرِ ففي جوازه وَجْهَان، ويقال: قولان كما سبق، وحكى الإمام طريقة أخرى أن فداء الذكر بالأنثى جَائِزٌ، لاَ محالة كما في الزَّكَاةِ، وإنما التردد في عَكْسِهِ، وإذا اختصرت هذه الاختلافات خرج منها ثلاثة أقوال كما ذكر في الكِتَاب، وإذا تأملت ما حكيناه من كلام الأصحاب وجدتهم طاردين للخِلاَف مَعَ نقصان اللَّحْمِ.
وقال الإمام -رحمه الله-: إن كان ما يخرجه ناقصًا في طِيب اللَّحْمِ، أو في القيمة لم يجزه بلا خِلاَف، والخلافُ مخصوصٌ بما إذا لم يكن فيه واحَد من النقصانين، وإلى هذا أشار صاحب الكتاب بقوله: (مع تساوي اللحم والقيمة).
قال الغزالي: وَلَوْ قَتَلَ ظَبْيَةَ حَامِلاً أَخْرَجَ طَعَاماً بِقِيمَةِ شَاةٍ حَامِلٍ حَتَّي لاَ تَفُوتَ فَضِيلَةُ الحَمْلِ بالذَّبْحِ، وَقِيلَ: يَذْبَحُ شَاةً حَائِلاً بِقِيمَةِ الحَامِلِ، وَإِنْ أَلْقَتِ الظَّبْيَةُ جَنِيناً مَيِّتاً فَلَيْسَ فِيهِ إلاَّ مَا يَنْقُصُ مِنَ الأُمِّ، وَإِنِ انْفَصَلَ حَياً ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.
قال الرافعي: الفرع الثاني: إذا قتل صيداً حاملاً من ظبية وغيرها، قابلناه بمثله من النَّعَم حَامِلاً، لأن الحمل فضيلة مقصودة فلا سبيل إلى إهمالها، لكن لا تذبح الحَامِل؛ لأن فضيلة الحَامِل بالقيمة لتوقع الولد 1، وإلا فلحم الحَائِلِ خَيْرٌ من لَحمِهِ، فإذا ذبح فاتت فضيلته من غير فائدة تحصل للمساكين، فيقوم المثل حاملاً، ويتصدق بقيمته طعاماً، وفي وجه يجوز أن يذبح حائلاً نفيساً بقيمة حَامِلٍ وسط، ويجعل التفاوت بينهما كالتفاوت بين الذَّكَرِ والأُنْثَى.
ولو ضرب بَطْنَ صَيْدٍ حَامِل فألقى جنيناً ميتاً، نظر إن ماتت الأم أيضاً فهو كما لو
قتل حَامِلاً 1، وإن عاشت ضمن النقص الذي دَخَلَ على الأُم، ولا يضمن الجنين بخلاف جنين الأَمَة يضمن بقمية عُشْرِ الأم؛ لأن الحمل يزيد في البهائم فيمكن إيجاب ما بين قيمتها حائلاً وحاملاً، وينقص في قيمة الآدميات فلا يمكن اعتبار ذلك، وإن ألقت جنيناً حياً، ثم ماتا ضمن كل واحد منهما بانفراده، وإن مات الولد وعاشت الأم ضمن الولد بانفراده، وضمن النقص الذي دخل على الأم.
قال الغزالي: وَإِنْ جَرَحَ ظَبْياً فَنَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ العُشْرُ فَعَلَيْهِ الطَّعَامُ بِعُشْرِ ثَمَنِ شَاةٍ كَيْلاَ يَحْتَاجَ إلَى التَّجْزِئَةِ وَقِيلَ: عُشْرُ شَاةٍ.
قال الرافعي: الفرع الثالث: قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر".
إن جرح ظبياً فنقص من قميته العشر، فعليه عشر من ثمن شَاة، وقال المُزَنِي تخريجاً عليه عُشْرُ شَاةٍ.
واختلف الأصْحَاب في ذلك فقال الأكثرون: الأمر على ما قاله المُزَنِي، لأن كل الظبية مُقَابَل بالشَّاةِ، فيقابل بعضها ببعضها تحقيقاً للمماثلة، وهؤلاء رفعوا الخلاف وقالوا: إنما ذكر الشافعي -رضي الله عنه- القيمة، لأنه قد لاَ يَجِدْ شريكاً في ذَبْحِ شَاةٍ، ويتعذر عليه إخراج العشر بقسطه من الحَيَوَان، فأرشده إلى ما هو الأَسْهل، فإن جزاء الصيد على التخيير، فعلى هذا هو مخير بين إخْرَاجِ العُشْرِ، وبين أن يصرف قيمته إلى الطَّعَام ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مُدٍّ يوماً، ومنهم من جَرَى على ظَاهِرِ النَّصِّ، وقال: الواجب عشر القيمة، وأثبت في المسألة قولين المنصوص وما أخرجه المزني -رحمه الله- وهذا ما أوْرَدَهُ في الكتاب.
أما وجه التخريج فقد، عرفته.
وأما وجه المنصوص فهو أنَّا لو أوجبنا العُشْرُ لاحتاج إلى التجزئة والتَّقْسِيط، وفيه حرج وعسر، فوجب أن نعدل إلى غَيْرِهِ كما عدلنا عن إيجاب جُزْءٍ من بعير في خَمْسٍ من الإبِلِ إلى شَاةٍ، ولا يلزم من مقابلة الجملة بالمثل مقابلة الجزء بجزء من المثل، ألا ترى أَنه لو أتلف حنطةً على إنسان لَزِمَة مِثْلُهَا، ولو بَلَّها ونقص قيمتها لا يجب عليه إلا مَا نقص، فعلى هذا لو لم يرد الإطْعَام ولا الصِّيَام، ما الذي يخرج؟ حكى القاضي ابْنُ كِجٍّ: عن بعضهم أنه إن وجد شريكاً أخرجه ولم يخرج الدراهم وإلا فعليه إخْرَاجُهَا.
وعن أبي هريرة أن له إِخْرَاجها وإن وَجَدَ شَرِيكاً.
وعن أبي إسْحَاقَ: أنه مخير بين إخْرَاجِ العُشْرِ، وبيى إخراج الدَّرَاهِمِ فهذه ثلاثة أوجه.
ونقل أبو القَاسِم الكَرَخِي وغيره: أنه لا يجزئه إخْرَاجُ عُشْرِ الْمِثل، وقال في "التهذيب": لا يتصدق بالدَّرَاهم، ولكن يصرفها إلى الطَّعَام ويتصدق به، أَو يصوم عن كل مُدٍّ يوماً.
وهذا ما أشار إليه في الكتاب، حيث قال: (فعليه الطعام بعشر ثمن المثل) والأشبه من هذا كله تفريعاً على المنصوص إن أثبتنا الخلاف تعين الدراهم، -والله أعلم-.
وقوله: (بعشر ثمن شاة) أراد بالثمن القيمة كما في لفظ الشافعي -رضي الله عنه-.
واعلم: أن جميع ما ذَكَرْنَاهُ فيما إذا كان الصَّيْدُ مثلياً، فأما إذا جَنَى عَلَى صَيْدٍ غير مثلي فلا كلام في أن الواجب ما نقص من القيمة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ أَزْمَنَ صَيْدا فَتَمَامُ جَزَائِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مَعِيباً، وَلَوْ أبْطَلَ قُوَّةَ المَشْي وَالطيَّرَانِ مِنَ النَّعَامَةِ فَفي تَعَدُّدِ الجَزَاءِ وَجْهَانِ:
قال الرافعي: ما ذكرنا في الفرع الثالث مصور فيما إذا اندمل الجُرْح وبقي الصيد ممتنعاً إما بعدوه كالغَزَالِ، أو بطيرانه كالحَمَامِ، فأما إذا اندمل الجرح وصار الصيد زمناً فهذا هو الفرع الرابع، وفيما يلزم به وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنه يلزم به جَزَاءٌ كَامِلٌ، لأنه بالأزمان صَارَ كالمُتْلف، ولهذا لو أزمن عبداً يلزمه تمام قيمته.
الثاني: ويحكى عن ابْنِ سُرَيجٍ: أنه يجب عليه قدر النّقْصَان؛ لأنه لم يهلك بالكلية، ألا ترى أن الباقي مَضْمُون لو قتله محرم آخر، فعلى هذا يجب قِسْطٌ مِنَ المِثْلِ، أو من قيمة المِثْل فيه الكلام السابق.
ولو جاء محرم آخر وقتله إما بعد الانْدِمَال أو قبله فعليه جزاؤه زمناً لما ذكرنا أن المعيب يقابل بمثله، ويبقى الجزاء على الأول بحاله، ومنهم من قال: إن أوجبنا جزاءاً كاملاً عاد هَاهُنَا إلى قدر النقصان؛ لأنه يبعد إيجاب جزاءين لمتلف واحد، ولو عاد المزمن وقتله نظر إن قتله قبل الاندمال فليس عليه إلا جَزَاءٌ واحد، كما لو قطع يَدَيْ رَجُلٍ ثم حزّ رقبته قبل الاندمال لا يلزمه إلا دِيَة واحدة، وخرج ابْنُ سُرَيْجٍ -رحمه الله- ثمّ أن أرش الطرف ينفرد عن دِيَةِ النفس، فيجيء مثله هاهنا.
وإن قتله بعد الاندمال، أفرد كل واحد منهما بحكمه، ففي القتل جزاؤه زمناً، وفيما يجب بالإزمان؟ الخلاف السابق، وإذا أوجبنا بالإزمان جزاءاً كاملاً، فلو كان للصيد امتناعان كالنعامة بها امتناع بشدة العدو، وامتناع في الجناح فأبطل أحد امتناعيه ففيما يلزمه؟ وجهان:
أحدهما: أنه يتعدد الجزاء لتعدد الامتناع.
وأصحهما: أنه لا يتعدد؛ لاتحاد المنع، وعلى هذا فَمَا الَّذِي يجب؟ قال الإمام:
الغالِبُ على الظَّنِ أنه يعتبر ما نَقَص، لأن امتناع النعامة في الحقيقهّ واحد إلا أنه يتعلق بالرِّجل، والجناح فالزائل بعض الامتناع.
ولو جرح صيداً فَغَابَ، ثم وجد ميتاً ولم يدرِ أنه مات بجراحته، أو بِسَبَب حَادِثٍ فالواجب جَزَاءٌ كَامِلٌ أو ضمان الجُرْحِ فقط، كما لو علم أنه مات بسبب آخر؟ فيه قولان 1 -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ حَلَّ لَهُ إلاَّ إِذَا صِيدَ لَهُ (ح) أَوْ صيدَ بِدَلاَلتِهِ فلاَ يَحِلُّ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ، فَإِنْ أَكَلَ فَفِي وُجُوبِ الجَزَاءِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ ذَبَحَهُ لَمْ يَتَكَرَّرِ الجَزَاءِ (ح) بِالأَكْلِ.
قال الرافعي: الفرع الخامس: قد مر أن المُحْرِم يحرم عليه الاصطياد والأكل من صيد ذبحه، وأنه يحرم عليه الأكل أيضاً مما اصطاد له حَلاَلٌ، أو بإعانته، أو بدلالته، فأما ما ذبحه حلالٌ من غير إعانته ودلالته فلا يحرم الأكْلُ منه، لما روينا من حديث أبي قتادة 2 وغيره، وقوله في الكتاب: (إذا صيد له) مُعَلَّمٌ بالحَاءِ، لأن عند أبي حنيفة إذا لم يعِن، ولم يأمر به لم يحرم عليه؛ ولا عبرة بالاصطياد له من غير أمره، ولم يحك حجة الإسلام -رحمه الله- هاهنا خلافاً في حل ما صيد بدلالته، وحكي قَبْلُ في هذا قولين، والحق ما فعله هاهنا، وتكلمنا على المَذْكُور من قبل، وشرحنا في أثناء الكَلاَمِ المسألة التي أوردها هاهنا، وهي قوله: (فإن أكل) أي مما صِيدَ لَهُ، أو بدلالته ففي وجوب الجزاء قولان: ولو أكل المحرم من صيد ذبحه بنفسه لم يلزمه الأكل شيء آخر، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يلزمه القيمة بقدر ما أكل، وسلم في صيد الحرم أنه لا يلزم في أكْلِه بعد الذَّبْحِ شيء آخر.
لنا: قياس الأول على الثاني.
قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرَكَ المُحْرِمُونَ في قَتْلِ صَيْدٍ وَاحِدٍ أَوْ قَتَلَ القَارِنُ صيداً أوْ قَتَلَ المُحْرِمُ صَيْداً حَرَمِيّاً اتحد (ح) اتحد الجَزَاءُ لاِتِّحَادِ المُتْلَف.
قال الرافعي: الفرع السادس: إذا اشترك محرمان، أومحرمون في قَتْلِ صَيْدٍ لم يلزمهم إلاَّ جزاء وَاحد، وبه قال أَحْمد خلافاً لأبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- حيث قَالاً: يجب على كل واحد جزاءٌ كَامِلٌ.
لنا أن المقتول واحد فيتحد جزاؤه كما لو اشتركوا في قَتْلِ صَيْدٍ حَرَمِيٍّ، ويفارق ما إذا اشترك جماعة في قتل آدمي حيث يجب على كل واحد منهم كفارة كاملة على
الصَّحيح؛ لأن كفارة الصَّيْدِ تتجزأ، ألا ترى أنها تختلف بصغر المَقْتُولِ وكبره، ويجب إِذَا جرح الصيد بقدر النقصان، وكفارة الآدمي لا تختلف بِصِغَرِ المقتول وكبره، ولا تَجِب في الأَطْرَافِ.
ولو اشترك محل ومحرم في قتل صيد، فعلى المحرم نصف الجزاء، ولا شيء على المُحِل.
ولو قتل المحرم القارنُ صيداً لم يلزمه إلا جزاء واحد، وكذا لو باشر غيره من مَحْظُورَاتِ الإحْرَام، وبه قال مالك وكذا أحمد في أظهر الروايتين خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه جزاآن.
لنا ما سبق في الصُّورة الأُولَى.
ولو قتل المحرم صيداً حرمياً لم يلزمه إلا جَزَاء واحد لاتحاد المتلف، وهذا كما أن الدية لا تتغلظ مراراً باجتماع أسباب التغليظ.
قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّانِي للتَّحْرِيم: الحَرَمُ وَجَزَاؤُهُ كَجَزَاءِ الإحْرَامِ (ح)، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ رَمىَ مِنَ الحِلِّ إلَى الحَرَمِ أَوْ بِالعَكْسِ، وَلَوْ قَطَعَ السَّهْمُ في مُرُورِهِ هَوَاءَ طَرَفِ الحَرَمِ فَوَجْهَانِ، وَلَو تَخَطَّى الكَلْبُ طَرَفَ الحَرَم فَلاَ جزَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ، وَلَوْ أَخَذَ حَمَامَةٌ فِي الحِلِّ فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الحَرَم أَوْ بِالعَكسِ ضَمِنَ الفَرْخَ.
قال الرافعي: صيد حَرَم مَكَّةَ حرامٌ على المُحِل والمُحْرِم روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ، لاَ يُخْتَلَى خلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، قَالَ الْعَبَّاسُ: إِلاَّ الإِذْخَرُ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُ لبِيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ: إِلاَّ الإذْخَرُ" 1.
والقول في الصَّيْدِ المحرم، وفيما يجب به الجزاء، وفي أن الجزاء مَاذَا يُقَاسُ بِمَا سَبَقَ فِي الإحْرَام إلا أن المحرم لَيْسَ له ذبح الصيد الذي يملكه، وفي وجوب إرْسَاله إذا أحرم الخِلاَف الذي مَرّ، ولو أدخل المحرم صيداً مملوكاً له كان له أن يمسكه ويذبحه كيف شاء كالنعم؛ لأنه صيد الحَلِّ دون الحرم.
وقال أبو حنية وأحمد -رحمهما الله- ليس له ذَبْحُه، ولو ذبح.
فعليه الجَزَاءُ.
واعلم قوله في الكتاب: (وجزاؤه كجزاء الإحرام) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا مدخل للصيام في جَزَاءِ صَيْدِ الحَرَم.
لنا أنه صيد مضمونٌ بالجَزَاءِ، فكان جزاؤه كجزاء الصَّيْدِ في حق المُحْرِم.
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو رَمىَ مِنَ الحِلِّ إلى صَيْدِ في الحَرَمِ فقتله فعليه الضَّمَان؛ لأنه أصاب الصيد في موضع آمن، ولو رمى من الحَرَمِ إلى صَيْدٍ في الحل فقتله فعليه الضمان
أيضاً؛ لأن الصَّيْدَ مُحَرَّمٌ على من في الحَرَمِ، وكذا الحكم في إرْسَالِ الكَلْبِ.
وكذا لو رمى حَلاَلٌ إلى صَيْدٍ فأحرم قبل أن يُصِيبَه، أو رمي مُحْرِمٌ إلى صَيْدٍ فتحلل قبل أن يَصِيدَه، وجب الضَّمَانُ في الحالتين.
ولو رمى إلى صَيْدٍ بعضه في الحل، وبعضه في الحَرَم، وجب الضَّمَانُ أيضاً تغليباً للحُرْمَة، والاعتبار بالقوائم، ولا نظر إلى الرأس، ولو رمى من الحل إلى صيد في الحِلِّ ولكن قطع السهم في مروره هواء الحرم، ففي وجوب الضَّمَانِ وجهان:
أحدهما: لا يجب لوقوع الطرفين في الحِلِّ، فصار كما لو أرسل كلباً في الحِلِّ إلى صَيْدٍ في الحِلِّ فتخطى طرف الحرم.
والثاني: يجب، لأنه أوصل السَّهْم إليه في الحَرَم، ويخالف مسألة الكَلْبِ؛ لأن للكلب فِعْلاً واختياراً، والسَّهم لا اختيار له، ولهذا قالوا: لو رمى إلى صَيْدٍ في الحل فعدَا الصَّيْدُ ودخل الحرم فأصابه السَّهم وجب الضَّمان، وبمثله لو أرسل كلباً لا يَجِب، ولو رمى إلى صَيْدٍ في الحِلِّ فلم يصبه، وأصاب صيداً في الحَرَم وجب الضَّمَان، وبمثله لو أرسل كلباً لا يجب فدل على الفرق، ويشبه أن يكون هذا أَظْهر الوَجْهَيْنِ، ولم يورد صاحب "العدة" غيره.
ثم في مسألة إرْسَالِ الكَلْبِ وتخطيه طَرَفِ الحرم إنما لا يجب الضَّمَان إذا كان للصَّيْدِ مَفَرٌ آخر، فأما إذا تعين دُخُوله الحَرَم عندَ الهرب، فالضَّمَانُ واجب لا محالة، سواء كان المُرْسِل عالماً بالحال أو جاهلاً، غير أنه لا يأثم إذا كان جاهلاً.
الثانية: لو أخذ حمامة في الحِلِّ، أو قتلها فهلك فرخها في الحرم، ضمن الفَرْخَ؛ لأنه أهلكه بَقَطْع من يَتَعَهَّده عنه، فأشبه ما لو رَمَى من الحِلِّ إلى الحَرِم، ولا يضمن الحَمَامة؛ لأنها مَأخوذة الحِلِّ، وعلى عكسه لو أخذ الحمامة من الحرم أو قتلها فهلك فَرْخها في الحِلِّ ضمن الحمامة والفَرْخَ جَمِيعاً، أما الحمامة فلأنها مأخوذة من الحَرَمِ وأما الفرخ فكما لو رمى من الحرم إلى الحِلِّ، ولما جَمَعَ صَاحِبُ الكِتَاب بين الطرفين اقتصر في الحكم على ما يشتركان فيه وهو ضمان الفرخ، وسكت عن ضَمَانِ الحمامة.
ولو نفر صيداً حرمياً قاصداً أو غير قَاصِدٍ تعرض للضَّمَانِ، حتى لو مات بسبب التنفير بصَدْمة أو أخذ سبع لَزِمَهُ الضَّمان، ولو دخل الحل فقتله حلال فعلى المنفر الضَّمان أيضاً، قاله في "التهذيب" بخلاف ما لو قتله مُحْرِمٌ يكون الجزاء عليه تقديماً للمباشرة.
فرع: لو دخل الكافرُ الحَرم وقتل صيداً وجب عليه الضَّمَان؛ لأن هذا ضَمَان يتعلق بالإتلاف فأشبه ضَمَان الأَمْوال.
وقال الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِي: يحتمل عندي أن لا يجب، لأنه غير ملتزم حرمة الحرم.
قال الغزالي: وَنَبَاتُ الحَرَمِ أَيْضًا يَحْرُمُ قَطْعُهُ أَعْني مَا يَنْبُتُ بنَفْسِهِ دُونَ مَا يُسْتَنْبَتُ، وَيُسْتَثنَى عَنْهُ الإِذْخِر لِحَاجَةِ السُّقُوفِ، وَلَو اخْتَلَى الحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ جَازَ (ح) عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، كمَا لَوْ سَرَّحَهَا فِيهِ، وَلَوِ اسْتَنْبَتَ مَا يَنْبُتُ أَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنبَتُ كَانَ النَّظَرُ إِلَى الجِنْسِ (و) لاَ إِلَى الحَالِ حَتَّى لَوْ نَقَلَ أَراكَاً حَرَمِيّاً وَغَرَسَهُ في الحِلِّ لَمْ يَنْقَطِع حُكْمُ الحَرَمِ، ثُمَّ في قَطْعِ الشَّجَرَةِ الكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ (م ح) وفي الصغيرة شاة (م ح)، وَفِيمَا دُونَهُمَا القِيمَةُ كَمَا في الصَّيْدِ، وَفي القَديمِ لاَ يَجِبُ (ح) في النَّبَاتِ ضَمَانٌ.
قال الرافعي: قطع نبات الحرم حرام كاصطياد صيده للخبر الذي قدمناه، وهل يتعلق به الضمان؟ فيه قولان:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: نعم؛ لأنه ممنوع من إتلافه لِحُرْمَةِ الحُرَمِ، فيجب به الضَّمَانُ كَالصَّيْدِ.
والثاني: ويحكي عن القديم: لا، وبه قال مَالِك، لأن الإحْرَام لا يوجب ضمان الشَّجرة فكذلك الحرم.
إذا عرفت ذلك فنفصِّل ونقول: النبات شجر وغيره؛ أما الشجر فيحرم التعرض بالقطع، والقلع لِكُلِّ شجر رطبٍ غير مُؤذٍ حَرَمِي، فيخرج بقيد الرطب الشّجر اليابس فلا شيء في قطعه، كما لو قدّ صيداً ميتاً نصفين، وبقيد غير المؤذي العَوْسَج، وكل شجرة ذَات شَوْكٍ فإنها بمثابة الفواسق وسائر المؤذيات فلا يتعلق بقطعها ضَمَان.
هذا هو المشهور، ونقل صاحب "التتمة" وجهاً آخر أنها مضمونة، وزعم أنه الصَّحِيح لإطْلاَقِ الخَبَرِ، ويفارق الحيوانات، فإنها تقصد بالأذية ويخرج بقيد الحرمي أشْجَار الحِل، ولا يجوز أن يقطع شجرة من أشْجَارِ الحَرَمِ، وينقلها إلى الحِلِّ محافظة على حرمتها، ولو نقل فعليه الرَّدُّ بخلاف ما لو نقل من بقعة من الحرم إلى أخرى لا يؤمر بالرد، وسواء نقل أشجار الحرم وأغصانها إلى الحِلِّ أو الحرم، فينظر إن لم ينبت فعليه الجَزَاء، وإن نبت في الموضع المنقول إليه فلا جَزَاءَ عَلَيْهِ، ولو قلعها قَالِعٌ لزمه الجَزَاءُ استبقاءً لِحُرْمَةِ الحرم، وعلى عكسه لو قَلَعَ شجرةً من الحِلِّ وغرسها في الحَرَمِ فنبتت فلا يثبت لها حُكْمُ الحَرَمِ، بخلاف الصَّيْدِ يدخل الحرم، فَيَجبُ الجَزَاءُ بالتَّعَرُّضِ لَهُ؛ لأن الصَّيْدَ ليس بأصل ثَابتٍ، فالوجه اعتبار مكانه، والشَّجَر أَصْل ثابت فله حكم منبته، حتى لو كان أصْلُ الشَّجَرَةِ في الحَرَمِ وأغصانها في الحل فقطع من أغصانها شيئاً فعليه ضَمَانُ الغُصْنِ، ولو كان عليه صيد فأخذه فلا جزاء عليه، وعلى عكسه لو كان أصلها في الحل، وأغصانها في الحَرَم، وقطع غصناً منها فَلاَ شَيْءَ، ولو كان عليه صيد فأخذه فعليه الجَزَاء.
وإذا قطع غصناً من شَجَرة حَرَمِيَّةٍ، ولم يخلف فعليه ضَمَانُ النُّقْصَان، وسبيله سبيل جرح الصّيد، وإن أخلف في تلك السنة لكون الغصن لطيفاً كالسِّواك وغيره فلا ضمان، وإذا وجب الضمان فلو نبت مكان المقطوع مثله ففي سقوط الضَّمان قولان كالقولين في السِّنِّ إذا نبت بعد القلع.
ويجوز أخذ أوراق الأشْجَار، لكنها لا تهش حذراً من أن يصيب لحاها.
وأما الشجرة التامة فتضمن ببقرة إن كَانَتْ كبيرة، وبِشَاةٍ إن كانت دونها، يروى ذلك عن ابْنِ الزُّبَيْرِ 1، وَابْنِ عَبَّاسٍ 2 -رضي الله عنهم- وغيرهما، ومثل هذا لا يطلق إلا عن توقيف.
قال الإمام: ولا شك فإن البدنة في معنى البَقَرة، وأقرب قولٍ في ضبط الشجرة المضمونة بالشَّاة أن تقع قريبة من سبع الكبيرة، إن الشَّاة من البقرة سبعاً، فإن صغرت جداً فالواجب القيمة.
والأمر في ذلك كله على التعديل، والتخيير كما في الصَّيْدِ، وهل يعم التحريم والضمان ما ينبت بنفسه من الأشْجَار، وما يستنبت أم يختص بالدرب الأول؟ ذكروا فيه قولين:
أحدهما: التعميم، لأن لفظ الخَبَر مطلق.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- التخصيص بالدّرب الأول تشبيهاً للمستنبتات بالحيوانات الإنسية وبالزرع والأول أصح عند أئمتنا العراقيين، وتابعهم الأكثرون، ومنهم من قطع به لكن الإمام، وصاحب الكتاب أجابا بالثَّانِي، وإذا قلنا: به زاد في الضَّابِطِ قيداً آخر، وهو كون الشجر مما ينبت بنفسه، وعلى هذا يحرم قطع الطرفاء والأراك والعضَاة وغيرها من أشجار البَوَادي، وأدرك في "النهاية" العوسج فيها، لكنه ذُو شَوْكٍ، وفيه ما كتبناه، ولا تحرم المستنبتات مثمرة كانت كالنخل والكرم، أو غير مثمرة كالصنوبر، والخلاف، ومما يتفرع على هذا القول، أنه لو استنبت بعض ما ينبت بنفسه على خلاف الغالب، أو نبت بعض ما يستنبت الأم ننظر، حكى الإمام عن الجمهور أن النظر إلى الجنس والأصل فيجب الضمان في الصُّورةَ الأولى، ولا يجب في الثَّانية، وعن صاحب "التلخيص" أن النظر إلى القصد والحال فيعكس الحكم فيهما، والأول هو الذي أورده في الكتاب.
وأما غير الأشجار فإن حشيش الحرم لا يجوز قطعه للخبر، ولو قطعه فعليه قيمتُه إن لم يَخْلُف، وإن أخلف فَلاَ، ولا يخرج على الخلاف المذكور في الشَّجَرَة، فإن الغالب هاهنا الإخلاف فأشبه سِنَّ الصبي.
ولو كان يابساً فلا شيء في قطعه كما ذكرنا في الشَّجَرِ، لكن لو قطعه فعليه