والأوَّلُ نوعان:
أحدُهُمَا: لا يُسَوَّغ تركُهُ، فإذا قتل الإمَامُ مُوَرِّثه حَدّاً بالرَّجْم، أو في المُحَارَبَةِ، ففيه قوْلاَن أو وجْهَانِ:
أحدُهُمَا: عن تخريج ابْنِ سُرَيْجٍ وغيره: أنه لا يوجِب الحرْمَانَ؛ لأن الإمام مأْمورٌ به محمولٌ عليه، ويحكَى هذا عن ابن خَيْرَان.
والثاني: يوجِبَهُ لإطْلاقِ الأخبار، وفيه وجْهٌ آخرُ أنَّه يُفْرَقُ بَيْنَ أن يَثْبُتَ بالإِقْرار، فلا يُحْرَمُ؛ لأنه غير متَّهَمٍ وبيْن أن يَثْبُتَ بالبينة، فيحرم؛ لاحتمال مواطأةِ الشُّهود، وبه قال أبو إِسْحَاق.
والنوع الثاني: ما يُسَوَّغ تركه؛ كقتل المورِّث قِصَاصاً، ففيه خلافٌ مرتب على الخلاَفِ في قَتْل الإمَامِ حَدّاً، وهذا أَوْلَى باقتضاء الحرمان؛ لأنه مخيَّر 1 [في الترك والقتل]، فإذا قَتَل؛ فقد يُتَّهَم بقصْد جلْب الميراث.
والقسْم الثاني: ما لا يوصَفُ بكَوْنه مستحقاً مقْصُوداً؛ كقتل الصائل والباغي، فإنَّ المقصُودَ الدفْعُ والردُّ إلى الطاعةِ لا القَتْلُ بخصوصه، ففي تعلّق الحرمانِ بقَتْل الصائل خلافٌ مرتَّب على الخلافِ في القِصَاص، وهذا أَوْلَى باقتضاءِ الحرْمَانِ؛ لأنه غير مستحقِّ، والتهمةُ منقدحةٌ؛ لاحتمال الزيادةِ علَى القَدْر المحتاجِ إلَيْه في الدفع، وكذا قتل العادِلِ البَاغِيَ.
وأما قتْلُ الباغي العادلَ، فإنْ قلنا: الباغي يضْمَنُ؛ فلا ميراثَ لَهُ.
وإن قلْنا: لا يضمَنُ؛ فوجْهَان مرتَّبان على الخلافِ في العكس، وهذا أَوْلَى بالحرمان؛ لأنا لا نطلِقُ له قتْلَ العادل.
وإذا جمعتَ بيْنهما، قلْتَ: في جريان التوارث ثلاثةُ أقوالٍ أو أوْجُهٍ ثالِثُها؛ أن العادل يرثُ من الباغِي ولا ينْعَكِسُ.
واعلم أن ظاهر قول الشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ومذهَبُه في الصُّور جميعاً إنَّمَا هو الحرْمَان، وبه قال الإمامُ أحْمَدُ.
قال القاضي الرُّويانيُّ، لكن الأخبار والقياسَ أَبَّ مَا لاَ يوجِبُ الضَّمانَ لا يوجِبُ الحرمان، ولا يبعد تخصيص الأخْبار بالقياس 2.
وقال أبو حنيفة: ما لا يوجِبُ الكفَّارة منْ أنواعِ القَتْل لا يوجِبُ الحرمان، واستثنَى علَى أصْله القتْلَ العَمْد.
= أمر آخر يقول "واعط محمداً لفقره" فلما علمنا العلة وأردنا تعميم محل الاعطاء فهل نقول إنه مأمور بإعطاء كل فقير سواء كان محمداً أو غيره؟ وبعبارة أخرى هل لنا أن نخصص العام الأول بهذا القياس ونقول إن مراد الناهي بلفظ العام غير الفقراء ويكون المخرج نوعين أحدهما بالنص وهو "محمد" والثاني بالقياس وهو غيره من الفقراء..
هذا هو محل النزاع بين الأصوليين..
وكان من أثر اختلاف الأصوليين في دلالة العام اختلافهم في جواز تخصيص العام من الكتاب أو السنة المتواترة بالقياس إذا لم يخصصا بدليل مستقل مقارن قطعي الثبوت، ونذكر هنا أمر آخر كان سبباً من أسباب الخلاف بينهم في جواز التخصيص بالقياس وهو وجود الضعف في القياس الناشئ من احتياجه في الغالب إلى الاجتهاد في أمور -كون حكم الأصل معللاً، وتعيين علته، ووجودها في الأصل، ووجودها في الفرع، وخلوها عن المعارض فيهما، وكل ذلك بعد معرفة حكم الأصل- والأمور الاجتهادية يتطرق إليها احتمال الخطأ، وهذا بخلاف الخبر فإن محل الاجتهاد فيه -أن كان- أمران، عدالة الراوي وكيفية الدلالة لهذين الأمرين وقع الخلاف بين علماء الأصول في جواز تخصيص العام بالقياس وعدم جوازه وذهبوا فيه مذاهب شتى..
فذهب الأئمة الأربعة والأشعري وأبو هاشم من المعتزلة إلى الجواز ألا أن الذين قالوا بأن دلالة العام على أفراده قطعية شرطوا لذلك أن يكون العام مخصصاً بغير القياس بدليل متصل مقارن قطعي الدلالة -أن كان العام كذلك.
وذهب أبو علي الجبائي من المعتزلة إلى تقديم العام على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً وسواء كان العام مخصوصاً أو لا، ونقله القاضي في التقريب عن الأشعري..
وذهب ابن سريج إلى الجواز أن كان القياس جلياً وهو ما كان الجامع فيه وصفاً مناسباً للحكم لا أن كان خفياً وهو قياس الشبه كقياس طهارة الخبث على طهارة الحدث في تعين الماء للطهارة بجامع أن كلا طهارة تراد للصلاة فإن هذه العلة غير مناسبة للحكم بذاتها ألا أن يتوهم، فيها المناسبة لأن الشارع رتب عليها تعين الماء في الطهارة الحدثية.
وقيل الجلي ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع كقياس الأمة على العبد في تقويم البعض على معتق بعضه الآخر ليعتق الكل أو ما كان تأثير الفارق فيه ضعيفاً كقياسهم العمياء على العوراء في عدم الأجزاء في الضحية بجامع النقص، والخفي ما كان تأثير الفارق فيه قوياً كقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد..
وقيل يجوز أن كان أصله وهو المقيس عليه مخرجاً من ذلك العام بنص وقيل يجوز أن كان المقيس عليه مخرجاً من العام أو ثبتت علة القياس بنص أو إجماع وإلا اعتبرت القرائن فإن ظهر ما يرجح القياس خصص العام وإلا عمل به وألغى القياس وهو مختار ابن الحاجب..
وذهب الإمام حجة الإسلام الغزالي إلى أن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن رجح الأقوى فإن تعادلا فالوقف..
وذهب القاضي أبو بكر وأمام الحرمين إلى الوقف..
والحاصل من جملة هذه المذاهب أنها راجعة إلى القول، بالجواز مطلقاً وعدمه مطلقاً وإلى التفصيل والوقف..
ولو شهِدَ علَى مورِّثه بما يوجِبُ القِصَاصَ أو الحَدَّ، وقتل بشهادَتِهِ، ففي إرثه الخلافُ المذكورُ فيما إذا قتَلَهُ قِصَاصاً، ولو شهِدَ علَى إحصانه، وشَهِدَ غيره على الزِّنَا، فهلْ يُحْرَمُ شاهدُ الإحْصَان؟
قال ابن اللَّبَّانِ وآخرون: فيه مثْلُ ذلك الخلاف، ويُشْبِه أن يجيء فيه طريقةٌ قاطعةٌ بأنه لا يُحْرَمُ.
ولو شَهِدَ علَى عدالةِ شُهُودِ الزِّنَا علَى موَرِّثه، ففيه الخلاف:
" فَرْعٌ"
يمكن أن يَرِثَ المقتُولُ من القاتِلِ بأنْ جرح 1 مورِّثه، ثم مات قَبْل أن يموتَ المجْرُوح مِنْ تِلْكَ الجرَاحةِ، والله أعْلَم.
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: انْتِفَاءُ النَّسَبِ بِاللِّعَانِ يَقْطَعُ التَّوَارُثَ بَيْنَ المُلاَعِنِ وَالوَلَدِ، وَكَذَا كُلُّ من يُدْلِي بالمُلاَعِنِ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ نَسَبُهُ، وَيَبْقَى الإِرْثُ بَيْنِ الأُمِّ وَالوَلَدِ، وَلَوْ نَفَى بِاللِّعَانِ تَوْأمَيْنِ فَهُمَا يَتَوَارَثَانِ بِأُخُوَّةِ الأُمِّ لاَ بِالعُصُوبَةِ إِذِ الأبُوَّةِ مُنْقَطِعَةٌ، وَوَلَدُ الزِّنَا كَالمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ، فَلاَ يَرِثُ مِنَ الزَّانِي، وَتَرِثُهُ الأُمُّ وَيَرِثُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أكثرُ الأصْحَابِ لا يعُدُّون هذا مِنْ موانِع الإرْث؛ لأنَّهم يعْنُونَ بالمانِعِ ما يجامِعُ سبَبَ الإرْث منْ نَسَبٍ وغيره؛ كالرِّقِّ، واختلاف الدِّين، وتساهَلَ صاحبُ الكتاب في "الوسيط" في تسميته مَانِعاً.
وأما هاهنا، فلم يأْت بلَفْظِ المَانِعِ، ولكن قال: "وما يَنْدَفِع به الميراثُ ستَّةٌ"، والاندفاعُ قد يكُونُ للمَانِعِ، وقد يكون للسبب 2، فحَسُنَ الجمْعُ بين النوعَيْن 3.
وفقه الفصل مسأَلَتَانِ:
المسألة الأولَى: اللِّعَانُ، يقْطَعُ التوارُثَ بين الملاعِنِ والوَلَدِ؛ لأنه يقطع النَّسَب بينهما، وكذلك يقطُعَ التوارُثَ بين الوَلَد، وكلِّ من يُدْلِي بالمُلاَعِنِ، كأبيه وأمِّهِ وأولادِهِ.
وفي "السلسلة" للشيخ أبي 1 محمَّد ذكْرُ وجْهٍ مخُرَّج: أنَّ اللَّعَان لا يَقْطَع التوارث بين الوَلَد والمُلاَعِنِ، وبناءُ الخلاف في الوجْهَيْن في أنَّ الملاعن، هلْ له أن ينْكِح بنت الملاعَنَةَ التي نفاها، إذا لم يكُنْ قد دَخَلَ بأمها؟ إن قلْنا: له ذلك؛ كنكاحِ بنْتِ الزِّنَا، فلا يَرِثُ.
وإن منَعْنَا منْه؛ لأن نسبها يعرض الثُّبُوت مِنْ حيثُ إنَّه قد يكذب نفْسَه، فيَرِث.
قال: وبهذا قال مالك -رحمه الله- ولم نر لغيره نِسْبَةَ هذا المذهب إِلى مالِكٍ، ولا حكاية هذا الوجه، والله أعْلَم.
وأما الولَدُ مع الأمِّ, فإنهما يتوارَثَانِ توارُثَ سائر الأولاد والأمَّهَات؛ والتوأمان المتعيان باللِّعَان، كيف يتوارَثَانِ؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: وهو المذكور في الكتاب، وبه قال أبو إسْحَاق: أنهما لا يتوارثان إلاَّ بأُخُوَّة [الأمِّ؛ لانقطاع نسَبِهِمَا عنِ الأَب.
والثاني: يتوارَثَانِ 2] بأُخُوة الأبِ والأمِّ، وبه قال مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأنَّ اللعانَ إنَّما يؤثِّر في حقِّ المتلاعنَيْن دون غيرهما.
وإذا قلْنا بالأَوَّل، فلا عصَبَةِ للوَلَدِ المنفيِّ إلاَّ من صُلبه أو من جهة الولاءِ؛ بأن يكون عتيقاً أو أمُّه عتيقةٍ، فيثبت الولاءُ لمولاها علَيْه، وعصبة الأمِّ لا يكونون عصبةً له، خلافاً لأحمد -رحمة الله عليه- فيما إذا لم يكُنْ له مُنْ صلْبِهِ عصبةٌ، حتى إذا خلَّف أُمُّهُ، وخالاً، قال: للأمِّ الثلثُ والباقي للخَالِ، وُيرْوَى هذا المذْهَبُ عن أبي حنيفة، ولا يكاد يثْبُتُ له.
لَنَا: أنهم ليْسُوا عصبةٌ له في تحمّل العقل والولاية فكذلك في المِيرَاثِ.
ولو نفى الولَدِ باللِّعَان، ثم استلْحَقَهُ، لحِقه فإنْ كاَن بعْد مَوْت الوَلَد، فكذلك، وتنقض القسْمَة، لو قسمت تركتُهُ، حتى لو كان علَى أمِّه ولاء، فأخذ موْلاَها ميراثه، كان للمستلحق الاسترْدَادُ، ولا فَرْقَ في اللُّحُوق بيْن أن يخلِّف الميت ولداً أو لا يُخَلِّف.
وقال أبو حنيفةَ: إذا لَمْ يُخَلِّف ولداً، لم يلحقه الاستلحاقُ بعْد الموت.
المسألةُ الثانيةُ: ولَدُ الزِّنَا كالوَلَدِ المنفيِّ باللعان, لأنَّ الوجه الذي حكاه الشيخ أبو محمَّد لا مساغ له ههنا، وَأَنَّ ولد الزنا لا يلْحَقُ الزانِيَ بالاستلحاق، وأنَّ التوأمَيْنِ من الزنا لا يتوارَثَان إلاَّ بإخْوَة الأمّ.
وعن "الحاوِي" وجهٌ ضعيفٌ؛ أنَّهما يتوارَثَان أيضاً بأُخُوَّة الأبِ والأُمِّ، وحكاه الحناطي أيضاً 1.
قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ إِذَا اسْتُبْهَمَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ فِي المَوْتِ، كَمَا إِذَا مَاتَ قَوْمٌ مِنَ الأَقَارِبِ فِي سَفَرٍ، أَوْ تَحْتَ هَدَّمٍ، أَوْ غَرَقٍ، فَيُقَدَّرُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ لَمْ يُخَلَّفْ صَاحِبَهُ، وَإِنَّمَا خَلَّفَ الأَحْيَاءِ إِذْ عَسْرَ التَّوْرِيثُ لِلْاشْتِبَاهِ، وَكَذَلِكَ نَفْعَلُ إِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى تَرْتِيبٍ وَلَكِنْ عَسُرَ مَعْرِفَةُ السَّابِقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ماتَ المتوارِثَانِ بغَرَقٍ أو حَرَقٍ أو تَحْت هَدْمٍ أو في بلادِ الغُرْبة أو وُجِدا مقتولَيْنِ في معْركَةٍ؛ فله صُوَرٌ خَمْسٌ:
إحداها: أن يعرف تلاحقُ موْتِهِمَا وعيْن السابق منْهما، وحكمهما بيِّن.
والثانيةُ: أن يعلم التلاحقُ، ولكنْ لا يعلم عيْن السابِقِ منهما.
والثالثة: أنْ يُعْلَم وقوعُ الموتَيْنِ معاً.
الرابعة: ألاَّ يُعْلَم أتلاحقا أمْ وقعاً معاً.
ففي هذه الصُّور الثلاث لا يُوَرَّث أحدُهما من صاحِبِه، بل يُجْعَلُ ما لكلِّ واحدٍ منهما لسائر ورثته، لو لم يخلِّفِ الآخر.
وقال أحمد -رحمه الله-: يَرِثُ كلُّ واحد من الآخر تَلِيدَ 2 ما له دُون طَرِيقِهِ.
والمرادُ من التَّلِيد: ما كانَ لَهُ، ومِنَ الطَّريق: ما وَرِثَهُ من الآخر.
لنا: أن كلَّ واحدٍ منهما لا تتحقَّق حياته عنْد مَوْت صاحبِهِ، فلا يُورث منه؛ كالجنين، إذا انْفَصَل ميِّتاً بعْد موت مُوَرِّثه.
واحتجَّ الشيخُ أبو حامِدٍ بأنَّا إذا ورثنا كلَّ واحدٍ منهما منْ صَاحِبِه، فقد حكَمْنا بالخطأِ يقيناً؛ لأنهما إِنْ ماتا معاً، ففيه توريثُ مَيِّت من ميِّت، وإِنْ ماتا علَى الترتيب، ففيه توريث مَنْ تقدَّم موْتُه عَمَّن تأخَّر موته.
ولا بُدَّ هاهنا من التعرُّض لأُمُورٍ:
أحدها: إيضاحُ المذهَبَيْنِ بالمثال.
أخَوَانِ غريقان غَرِقَا: مالُ كلِّ واحدٍ منهما لموْلاَه.
وعن أحمَدَ: مالُ كلِّ واحدٍ منهما لأَخيه، ثم يتلقَّاه منْه موْلاَه.
أخٌ وأُخْتٌ غَرِقَا، وخلَّفَ الأخُ زوجةٌ وبنتاً، والأخت زوجاً وبنتاً، فيجعل كأَنَّ الأخ ماتَ عَنْ زوجةٍ وبنْتٍ لا غير، والأخْتُ عن زَوْجٍ وبنت لا غَيْرُ.
وعنْدَ أحْمَدَ يميت الأخ أولاً، وتورث الأختُ من تليد مالِهِ، فيكون للزوجةِ منْه الثمُنُ، وللبنْتِ النصفُ، والباقي للأختِ، وهذا الباقِي يقسَّم علَى ورثتها الأَحْيَاء خاصَّة، بم يميت الأُخْت أوَّلاً، ويورث الأخَ من تليد مالِهَا، فيكون للزوْجِ منْه الربُعُ، وللبنْتِ النصْفُ، والباقي للأخ، وهذا الباقي للأحْياءِ مِنْ ورثَتِهِ خاصَّة.
الأمر الثاني: رأى الإمامُ تخصيصَ الخِلاَف فيما إذا سَبَق موْتُ أحدهما، وأشْكَل السَّبْق، واستبعد المَصِير إلَى توريث أحدِهِما من الآخر، إذا عُلِمَ وقوعُ الموتَيْنِ معاً، لكن الشيخ أبا حَامِدٍ في آخرين حَكَوُا الخلافَ في الصُّوَر الثَّلاَثِ جميعاً.
[الأمر] الثالثُ: نقل ابن اللَّبَّان عن بعض المتأخِّرين فيما إذا تلاحَقَ الموتَانِ، ولم يُعْلِمَ السابقُ، أنَّ القياسَ أن يُعْطَى كلُّ وارث ما يتيقن له، ويوقَفُ المشكوك فيه.
قال أبو حاتم القَزْوِينِيُّ، وبه قال شيخُنَا أبو الحَسَنِ -يعني ابْنَ اللَّبَّان- وحكاه عن ابن سُرَيْجٍ.
الصورةُ الخامِسَةُ: أن يُعْلَم من سبق موْتُه، ثم يُشْكِل الحال، وتلتبس الحالِ، فيُوقَفُ الميراثُ، حتى يتبين أو يَصْطَلَحا؛ لأنَّ التذكُّر غير ميؤوسٍ منه هذا ظاهر المذهب.
وفيه وجهٌ آخَرُ: أنَّه كما لو لَمْ يُعْلَمِ السابقُ منهما، وإلَيْه ميلُ الإمام.
وهذه الصُّوَر الخَمْس، كما ذكرنا في الجمعَتَيْنِ المقامتين في بلدةٍ واحدةٍ.
قال الإمامُ: لكنْ هناك قولانِ فيما إذا عُلِم السَّبْقُ، ولم يتعين السابقُ، وههنا بحزم بمَنْع التوارُثِ؛ لأنَّ الأمْرَ بتدارُكِ الصلاة هين, ووقْفُ الميراثِ أبداً لا مَعْنَى له.
وقوله في الكتاب: "وكذلك نفعل إن علمنا أنهم ماتُوا على تَرْتِيب ولكن عسر "معرفة السابق" يمكن حملُهُ على جهة اللفْظِ علَى ما إذا علِمْنا الترتيبَ، ولم يتعيَّن لنا السابقُ، وعلَى ما إذا لم يتعيَّن لنا السابقُ، ثم عرض نسيانٌ والتباسٌ، لكنِ الأقربُ الحَمْلُ على الثَّاني؛ لأن الأوَّل عين قوله أولاً "إذا استبهم التقدُّم والتأخُّر في الموت" 1 إِلاَّ أنْ يؤول ذلك في استبهام الترتِيبِ والمعيَّة، بأن يرد التقدُّم 2 والتأخُّر إلَى موت
الواحِدِ منهما علَى معْنَى أنه إذا استبهم أنَّ موته تقدَّم أو تأخَّر، حتَّى وقع مع موت الآخر، لكنه تكلف.
وإذا كان المُرَاد المَحْمَل الثَّانِيَ، جاز أن يُعْلَمَ بالواو؛ [لما سبق، وكذلك قولُه: "وإنما خلَّف الأَحياء" يصح إعلامه بالواو] (1)؛ للوجْه الذي حكاه ابن اللَّبَّانِ، فأما إذا أوقَفْنا بعْضَ المالِ، لم يكُنْ كما لو لَمْ يخلِّف إلاَّ الأحياءَ.
قال الغَزَالِيُّ: السَّادِسُ مَا يَمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ فِي الحَالِ، وَهُوَ الإِشْكَالُ إمَّا فِي الوْجُودِ أَوْ فِي النَّسَبِ أَوْ فِي الذُّكُورَةِ (أَمَّا الإِشْكَالِ فِي الوُجُودِ) فَصُورَتُهُ الأَسِيرُ وَالمَفْقُودُ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَلاَ يُقَسَّمُ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَوْتِهِ أَوْ تَمْضِ (و) مُدَّةٌ يَحْكُمُ الحَاكِمُ فِيهَا بِأَنَّ مِثْلَهُ لاَ يَعِيشُ فَيُقَسَّمُ عَلَى وَرَثَتِهِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ الحُكْمِ، وَإِنْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ حَاضِرٌ تَوَقَّفْنَا فِي نَصِيبِهِ وَأَخَذْنَا فِي حَقِّ الحَاضِرِينَ بِأَضَرِّ الأَحْوَالِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَخْذَاً بِأَسْوَإِ الأَحْوَالِ، فَمَنْ كَانَ يَنْقُصُ حَقُّهُ بِمَوْتِهِ قَدَّرْنَا فِي حَقِّ مَوْتَهُ، وَمَنْ كَانَ يَنْقُصُ حَقُّهُ بِحَيَاتِهِ قَدَّرْنَا فِي حَقِّهِ حَيَاتَهُ، وَقَدْ قيل: يُقَدَّرُ المَوْتُ فِي حَقِّ الكُلِّ، وَقِيلَ: يُقَدَّرُ الحَيَاةُ في حَقِّ الكُلِّ، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ خِلاَفُهُ غَيَّرْنَا الحُكْمُ.
"
أسباب تمنع صرف المال إليه في الحال للشك في استحقاقه
"
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَوَّلُ ما نذكره أن عدّ هذا من المَوَانِع أو الدَّوَافِعِ غيرُ مُتَّجَهٍ؛ لأن امتناع الصَّرْف في الحال ليس إلاَّ التوقُّفَ إلَى زوال الشَّكِّ في الاستحقاق علَى ما ستعرفه، وحينئذٍ إنْ تبين أنَّه ليْسَ بمستحقٍّ، فذاك، وإلاَّ، صرف إليه، والتوقُّف ليس حُكُماً بعدم التوْرِيث.
والمقصود أن الموصوف بسبب الإرْث قد يمتنع صرْفُ المال إليه للشَّكِّ في استحقاقه، وهذا الشكُّ قد يكُونُ بعروض الشك في وجودِهِ، وقد يكُونُ للشَّكِّ في نسَبِهِ أو للشَّكِّ في الذكورة.
أما مع الشَّكِّ في الوجودِ أو دُونه، فهذه أربعةُ أسْبَاب:
أما الشكُّ في الوجود، فكمن مات وله قريبٌ مفقودٌ، لا نُعْلَمُ حياتُهُ ولا موتُهُ، ولما جرَى ذكْر المفقود، وتكلَّم في توريث الغَيْر منْه، ثم في تورِيثِه من الغير، وإن كان الشكُّ في الوجود لا يَقَعُ إلاَّ في توريثه من الغَيْر، أمَّا التوريثُ منْه، فالمقْصُودُ الذي1
انْقَطَعَ خَبَرُه، وجُهِلَ حالُهُ، إما في سَفَر أو حَضَرٍ، في قتالِ أو عنْد انكسارِ سفينةٍ، وغيرهما, وله مالٌ حاضِرٌ، وفي معناه الأسيرُ، إذا انقطع خَبَرُهُ.
قال صاحبُ الكِتَابِ "ولا يقسَّم ما لم تقم بينة علَى موْتِهِ أو تَمْضِ مُدَّةٌ يحكم الحاكم فيها بأنَّ مثله لا يَعِيشُ".
فأمَّا القسْمةُ عنْد قيامِ البَيَّنَة على موته فجائز.
وأما إذا لم تَقُمْ؛ فعنِ الأستاذِ أبي مَنْصُورٍ وغيره، أن الصَّحيح أنَّه لا يقسم ماله، ولا مُدَّة ينتهي إليها؛ لاختلاف أعْمَارِ الناس في جميع الأعصار.
وقد نصَّ الشافعيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- على أنَّ زوجَةَ المفْقُود تَصْبِرُ إلَى أن يعرفَ حالُهُ، فكذلك ههنا.
والأكثرون أجَابُوا بما ذكَرَهُ في الكتَابِ منْهم ابنُ اللَّبَّان وصاحب "الشامل" و"المهذب" وأبو الحسن العبَّادِيُّ، ولعلَّه الأظهر.
وعلَى هذا؛ فالبحثُ والنَّظَر في أمور:
أحدها: ليستْ هذه المدَّةُ مقدَّرة عند الجمهور، قالوا: وهُوَ الظاهر من مذهب أبي حنيفَة ومالك -رحمهما الله- ومِنْ أصحاب مالكٍ من يُقَدِّرها بسبعينَ سَنَةً، ومِنْ أصحابِ 1 أبي حنيفَة مَنْ يقدِّرها بمائَةٍ وعشرِينَ سنَةً، ويرويه عنه.
ومن أصحاب مالك من يقدرِّها بتسعين سنة، ومن فرائض بعْضِ المتأخِّرين أن مِنْ أصحابنا مَنْ قال به.
وعن أحمدَ أنَّه ينتظر أربع سنين، فإذا مضَتْ، ولا أثر، قُسِّم ماله، ونكحت زوجته، فيجُوزُ أنْ يُعْلَم قولُهُ: "لا يقسَّم" بالألف كذلك.
والثاني: أنَّه تعتبر مدة يقطع بأنَّه لا يَعيشُ أكْثَرَ منها أو مدَّة يغْلِبُ على الظنِّ أنه لا يعيشُ أكثر منها، منهم من اكتفَى بغالب الظنِّ، ومنهم من أطْلَقَ لفْظ القطع واليقين.
هذا ابن اللَّبَّانِ يقُولُ: كان الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لا يقسِّم مالَهُ، حتى يُعْلَمَ موْتُهُ أو تمْضِيَ مدَّةٌ يُتَيَقَّنُ فيها بمَوْتِهِ، والأشْبَهُ الأوَّل، ويجوز أن يُحْمَلَ الثاني علَيْه؛ لأنه قد يتساهَلُ في إطْلاق لفظ اليقِينْ على الظَّنِّ الغالب؛ ألا ترَى إلى قَوْلَ الشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في أمْرأةِ المفْقُود، وأنَّها لا تُنْكَحُ ما لَمْ يَأتها يقينُ وفاتِهِ، ومعْلومٌ أن قيام البيِّنة على الوفاةِ كافٍ، وأنَّها لا تفيدُ القَطْع.
الثالث: لعلَّك تقولُ: من الأصحابِ مَنْ يقول: لا يقسَّم مالُهُ حتَّى تمضي مدةٌ،
يُعْلَمُ موْتُهُ فيها, ولا يتعرَّض لحكْم الحاكِم، كما نقل عن ابنِ اللَّبَّانِ.
ومنْهم مَنْ يعتبر الحُكْم علَى ما ذكره في الكتابِ، فَكيْفَ الحَالُ فيه؟ والذي ينبَغِي أنْ يُقَال في الجوابِ: إن القسمة، وإن كانَتْ بالقَاضِي، فقسمته تتضمَّن الحكْمَ بالمَوْت، وإنِ أقتسَمُوا بأنْفُسِهِم، فيجوز أن يقدَّر فيه خلافٌ، إن اعتبرنا القطْع، فلا حاجة إلَيْه، وإلا، فلا بدَّ منه؛ لأنَّه في مَحَلِّ الاجتهاد.
وأيضاً، فإنَّهم حكَوُا؛ تفريعاً على القول القديم من امرأةِ المفقود، وجْهَيْن في أنها، هلْ تحتاجُ إلَى حُكْمِ الحاكمِ؛ لتنكح أمْ يكْفِي مُضي المدة؟
والظاهرُ اعتبارُ الحُكْم.
الرابع: إذا مضَتِ المدَّةُ المعتبرةُ وقُسِّم ماله، فهل لزوجته أن تَنْكِحَ؟ والجوابُ من مفهومِ كلامِ الأئمَّة -رحمهم الله- دَلاَلَةً وتصريحاً أن لَهَا ذلِكَ، وأنَّ المنْعَ على الجديدِ مخْصُوصٌ بما قبل هذه المدة، ألا تَرَى أنَّهم ردُّوا على القوْلِ القديمِ حيْث اكتفى بأربعِ سنين، بأنه، إذا لم يَجُزْ الحكم بمَوْتِهِ في قَسْمة أموالِهِ وعِتْقِ أمهات أولادِهِ، لم يَجُزِ الحكم به في فِرَاقِ زوْجَتِهِ.
فأشعر بأنَّهم رأَوُا الحكمَيْنِ متلازِمَيْنِ.
وعلَى هذا؛ فالعبدُ المنقطعُ الخَبَرِ بعْد هذه المدَّة لا تجبُ فطرته، ولا يجزئُ عن الكفَّارة بلا خلافٍ، وموضعُ القَوليْن ما قبل ذلك.
ولا يبْقَى للاستناد مُتَمَسَّكٌ في نصِّه الجديدِ في مسْألة المَفْقُود.
وقوله: "فيقسّم على ورثته الموجودِينَ عند الحُكْم" معناه أنَّا ننْظُرُ إلى مَنْ يَرِثُه حينَ حَكَم الحاكمُ بموته، ولا يُوَرَّثُ من مات قبْل الحُكْم، ولو بلحظة؛ لجواز أن يكونَ مَوْت المفقود بَيْنَ موْتِهِ وبيْنَ حُكْم الحاكم.
وأشار العَبَّادِيُّ في "الرَّقْم" إلى أنَّه لا يشترطُ أنْ يقع حكْمُ الحاكمِ بَعْد المدة، فقال: "يضرب الإمامُ لَهُ مدَّة لا يعيشُ في الغالب أكْثَرَ من تلْك المدة، فإذا انتهتْ، فكأنه مات ذلك اليَوْمَ" هذا لفْظُه.
وأمَّا توريثُه، فإذا مات للمفقودِ قبْل الحكْمِ بموته قريبٌ حاضِرٌ، نُظِرَ: إنْ لم يكُنْ له إلا المفقودُ، توقَّفْنا إلى أن يتبيَّن أنه كان حياً عنْ مَوْت الحاضر أو ميتاً، وإن كان له غير المفقُودِ، توقَّفْنا في نصيب المفْقُود، وأخذنا في حقِّ محل واحدٍ من الحاضِرِينَ بالأسْوإِ، فمن يسقط منهم بالمفقود لا يُعْطَى شيئاً إلى أن يتبيَّن حاله 1، ومن ينقص
حقُّه بحياته، يُقَدَّر في حقه حياتُهُ، ومن ينقص حقُّه بموته، يُقدَّر في حقِّه موتُهُ، ومن لا يختلفُ نصيبه بحياته وموته، أُعْطِيَ نصيبَهُ.
ونوضِّح ذلك بالمثال:
زوْجٌ مفقودٌ وأختانِ لأبٍ وعمٌّ حاضِرْونَ [فإن كان حيّاً، فللأختين أربعةٌ من سبعةٍ، ولا شيء للعَمِّ، وإن كان ميتاً] 1 فلهما اثنانِ منْ ثلاثةٍ، والباقي للعمِّ، فيقدَّر من حقِّهم حياته.
أخٌ لأبٍ مفقود، وأخٌ مِنَ الأبوَيْنِ، وجَدٌّ حاضرٌ: فإنْ كان حيّاً، حصَل للأخ من الأبوين الثلثانِ، وللجَدِّ الثلثُ، وإن كان ميِّتاً، فالمال بينهما، بالسويَّةِ، فيقدَّر في حق الجدِّ حياتُه، وفي حقِّ الأخ موتُهُ، حتى لا يأخُذَ إلاَّ النصف أخٌ من الأبوين مفقودٌ وأختانِ من الأبويْنِ، وزَوْجٌ حاضِرُونَ، إن كان حياً، فللزوج النَّصْفُ، له والباقي بينهم؛ فيحصل للأختينِ ربُعُ المال.
وإن كان ميِّتاً، حصَلَ للزَّوْج ثلاثةٌ من سبعة، وللأختَيْنِ أربعة من سبعةٍ، فيقدَّر في حقِّ الزوْجِ موْتُه حتَّى لا يأخذ إلاَّ ثلاثةً من سبعة، وفي حقِّ الأختَيْنِ حياتُهُ، حتى لا يصرف إليهما إلاَّ قدْرُ الربع.
ابنٌ مفقودٌ وبنْتٌ، وزوجٌ حاضران: للزوْجِ الربعُ بكلِّ حالٍ، فيسلَّم إليه.
هذا ظاهرُ المَذْهَبِ في المسْألة، ووراءه وجْهان:
أحدهما: أنا نقدِّر موْتَهُ في حقِّ الكلِّ؛ لأنَّ استحقاقَ الحاضِرِينَ معْلومٌ، واستحقاقه مشكوكٌ فيه، فإنْ ظهر خلافُهُ، غَيَّرْنَا الحكم.
والثاني: أنَّا نقدِّر حياته في حق الكلِّ، لأنَّ الأصل بقاءُ حياتِهِ، فإنْ ظهر خلافُهُ، غيَّرنا الحكْمَ.
وقوله في الكتاب: "وأخذنا من حق كلِّ واحدٍ من الحاضِرِينَ بِأَضَرِّ الأحوال؛ فمن كان ينقص حقُّه بموته" إلى آخره كافٍ مُغْذٍ بين ذلك، والله أعْلَم.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الإِشْكَالُ فِي النَّسَبِ فَهْوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى عَرْضِهِ (ح) عَلَى القَائِفِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المَفْقُودِ.
= حياً استحقت، وإن كان ميتاً لم تستحق فيقدر في الأُولى موته، وفي الثانية حياته، فإن قيل ما مثال من ينقص حقه بتقدير موته.
قلنا: مثاله بنتان وأبوان وزوجة وابن غائب، فإن قدرنا موته كانت المنبرية بعينها لأن قدرنا حياته كان للزوج الثمن وللأب السدس ولاُم السدس، والباقي ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولكن الأحوط هو الأول لأن به ينقص نصيب الأب والأُم والزوجة.
"
القول في الشك في النسب
"
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أشكلَ نَسَبُ المولدِ بأنْ وطئَ اثنانِ فَصَاعداً امرأةً بالشبهةِ، فأتَتْ بولَدٍ، يمكنُ أنْ يكون منْ هذا، ومِنْ هذا، أو تداعى اثنانِ فصاعداً مجْهُولاً، فسيأْتِي في موضعه -إن شاء الله تعالى- أنَّه لا يُلْحَقُ بهما جميعاً، بل يعرض على القَائِفِ، فلو مات في زمان الإِشكال، وقَفْنا ميراث الأب، وإنْ مات أحدُهُما، توقَّفْنا في مِيرَاثِ المولود منه، ونأخذ في نَصِيبِ كُلِّ مَنْ يرثُ معه، لو ثبت نسبَهُ بالأَسْوَإِ، كما مَرَّ في توريث المفقود.
ويجُوزُ إعْلامُ المسألةِ بالحاء؛ لأنَّ عند أبي حنيفةَ لا حُكْم للقائف، ولا إشكال في النَّسَب، بل يلحق بالاثنَيْن فصاعداً، ويرث كلَّ واحد منهما ميراثَ ابْنٍ كاملٍ، ويرثان منه ميراثَ ابنٍ واحدٍ، لو مات قبلهما.
فإنْ ماتَ أحَدُهما، ثم مات المولُودُ، ورِثَ الأخيرُ منْه ميراثَ أبٍ كاملٍ، قال: ولو أقام اثنانِ البيِّنَة، كلُّ واحدٍ علَى أنه ابنُهُ مِنِ امرأته، وكان ابناً للرجلَيْن والمرأتَيْن، والتوارُث بينه وبين المرأتَيْن كهُوَ بيْنَةُ وبين الرجلَيْن، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الاِشْكَالُ فِي الذُّكُورَة وَالوُجُودِ جَمِيعاً فَبِأَنْ يُخَلِّفَ المَيِّتُ زَوْجَةً حَبْلَى فَنَأْخُذُ بِأَضَرِّ الأَحْوَالِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الوَرَثَةِ، وَأَقْصَى المُحْتَمَلِ (و) مِنْ حَيْثُ العَدَدُ أن يُقَدَّرُ أَرْبَعَةُ أَوْلاَدٍ.
"
ميراث الحمل
"
قَالَ الرَّافِعِيُّ: والمقصودُ بيانُ ميراثِ الحمْل؛ ونعني به كلَّ حمل، لو كان منفصلاً، لَوَرِثَ منه إمَّا مطلقاً أو عَلَى تقْدِير.
وهذا الحمْلُ قد يكُونُ منَ الميِّت، ويرث لا محالَةَ، وقد يكُونُ مِنْ غيره، كما لو كانتْ أُمُّه حاملاً منْ غير أبيه أو مِنْ أبِيهِ، والأبُ ميِّت أو محجوبٌ برقِّ وما في معناه، وكذا زوْجَة ابنه أو أخيهِ أوِ جَدِّه، والحملُ من غيره قد لاَ يَرِثُ إلاَّ علَى تقدير الذُّكُورة كَحَمْلِ امْرأةِ الأخِ والجَدِّ، وقد لا يرثُ إلاَّ علَى تقدير الأنوثة؛ كما إذا مات عَنْ زوجٍ وأختٍ من الأبَوَيْنِ وحمل من الأب، وفيه فصلان:
الفَصْلُ الأَوَّلُ: فيما بعد الانفصال، وإنَّما يرث بشَرْطَيْنِ:
أحَدُهُمَا: أن يعلم وجوده عنْد المَوْتِ، فإذا كان الحَمْل منْه، وانْفَصَلَ لما بين موته وبَيْن أكثر مدة الحمل، ورث لثُبُوتِ نسبه، إن انفصلَ لِمَا بعْدَ ذلك، لم يَرِثْ، وإن
كان منْ غيره، نُظِرَ: إن لم يكنْ لها زوْجٌ يَطَؤُها 1، فالحكْمُ كما لو كان الحَمْلُ منه، ولم يذْكُرُوا ههنا الوجْهَيْنِ فيما إذا أوصَى لحملِ امرأةِ، وانفصل الولَدُ لستَّةِ أشهرٍ فأكثر، وليسَتْ هي ذاتَ زوْجٍ أنه، هلْ يستحق؟ وسببه أنَّ النسبِ ثابت، والميراث يتبع النسب، والوصيَّة بخلافه، وإن كان لها زوْجٌ يَطَؤُهَا، فإنِ انفصَلَ قبْل تمامِ ستَّةٍ أشهرٍ من وقت الموت، فقد عُلِمَ وجوده، حينئذ، وإن انفصَلَ لستةِ أشْهُرٍ فأكثر، لم يرثْ؛ لاحتمال أنَّ العلوق حصَلَ بعْده، إلاَّ أن يعترف سائر الورثة بوجودِهِ عنْد الموت.
وإذا ماتَ حُرٌّ عن أبٍ رقيقٍ تحته حرَّةٌ حاملٌ، فإن ولدَتْ قبل ستة أشهرٍ مِنْ يوْمِ الموْتِ، ورث المولودُ من أخيه، والأب الرقيقُ لا يَحْجُبُ.
وإنْ ولدَتْ لستةِ أشْهر فصاعداً، لاحتمال حُدُوث العُلُوق بعْد الموت إلاَّ إذا تطابَقُوا علَى وجوده يومَئِذٍ، وينبَغِي أنْ يمسك الأَبُ عن الوطءِ حتَّى يظهر الحال.
قال الإِمَامُ: ولا نقُولُ بتحْريمه.
والثاني: أن ينفصل حيّاً، فإنِ انفصَلَ ميتاً، فكأن لا حَمْلَ، سواءٌ كان يتحرَّك في البطْن أو لا يتحرَّك، وسواءٌ انفصَلَ ميتاً بِنَفْسِهِ 2 أو بجناية جانٍ.
وإنْ كانَتِ الجنايةُ توجِبُ الغرَّةَ، وتصرف الغرة إلَى ورثة الجنينِ, لأن إِيجاب الغرة لا يتعيَّن له تقدير الحيَاةِ؛ ألا ترَى إلَى قولِ الأصحابِ أنَّ الغرَّةَ إِنَّما وجبَتْ لدَفْعِ الجاني الحياةَ مع تَهَيُّؤِ الجنينِ لها، وبتقديرِ أنْ يكون وجُوبَ الغرة علَى تقدير الحياة، فالحياة مقدرةٌ في حقِّ الجاني خاصَّةً، فتقدر في توريث الغرة خاصَّةً، وإنما تشترط الحياةُ عنْد تمامِ الانفصال.
فلو خرج بعْضُه حيّاً، ومات قبل تمام الانفصال، فهو كما لو خَرَج ميتاً، وكذا في سائر الأحكام، حتَّى لو ضرب ضارَبٌ بطْنَها بعْد خروجِ بعْضِهِ، وانفصل ميتاً، فالواجبُ الغُرَّة دون الدِّيَة، هذا ظاهرُ المَذْهَب، وعن القَفَّال وغيره: أنَّه إذا خَرَج بعْضُه حياً، وَرِث؛ وإنْ كان عند الانفصالِ مَيِّتاً، وبه قال أبو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ.
وعند أبي حنيفة أنه إذا خَرَج أكْثَرُه حَيّاً، ثم مات، وَرِث، ولو ماتَ عَقِيبَ انفصالِهِ حيّاً بحياةٍ مستقرَّةٍ، فنصيبُهُ لورثَتِهِ، وتعلم الحياةُ المستقرَّة بصراحة، وهو الاستهلاَلُ، وكذلك بالبكاءُ والعُطَاس والتَّثَاؤُبِ وامتصاصِ الثَّدْيِ؛ لدلالتها علَى الحياةِ
دَلاَلَةَ الاستهلال وقال مالكٌ: الاعتبارُ بالاستهلاَلِ لا غَيْرُ
وحكى الإمامُ اختلافَ قول في الحركَةِ والاختلاج، ثم قال: وليْسَ موْضع القولَيْنِ ما إذا اقبض اليد وبَسَطَها، فإنَّ هذه الحركةَ تَدُلُّ على الحياة قَطْعاً، ولا الاختلاج الذي يقع مثلُه؛ لاِنْضِغَاط وتقلُّصٍ، عصب فيما أَظُنُّ 1، وإنما الاختلاف فيما بيْن هاتَيْن الحركَتَيْنِ، والظاهرُ كيف ما قُدِّرَ الخلافُ أن ما لا تعلم به الحياةُ، [و] يمكن أن يكون مثلُهُ لانتشار، بسبب الخروجِ من المَضِيقِ، أو لاستواء عن التواء فلا عبرة به كما لا عبرة بحركة المذبوح.
ولو ذُبح رجُلٌ، وهو يتحرَّك، فمات أبُوهُ في تلْك السَّاعة، لم يرثِ المذبُوحُ منه.
وفي "تجربة" الرُّويَانِيَّ وجه آخر ضعيفٌ، أنَّه يرث، وحكَى الحناطيُّ قريباً منه عن المُزَنِيِّ 2.
الفَصْلُ الثَّاني: فيما قبل الانْفِصَالِ، ومهما ظهرت مخايلُ الحَمْل، فلا بُدَّ من التوقُّف -كما سنفصله- وإنْ لم تظهر مخايلُهُ، وادعت المرأةُ، ووصفت علاماتٍ خفيَّةً، ففيه تردُّد للإمام.
والظاهر الاعتمادُ علَى قوْلِهَا 3، وطرد التَّرَدُّد فيما إذا لم تدَّعه، لكنها قريبةُ العَهد بالوطء، واحتمالُ الحَمْلِ قريبٌ.
إذا عرف ذلك، فإن لم يكُنْ للميِّتِ وارِثٌ سوى الحَمْل المرتَقَبِ، وقفنا المَالَ إلى أن ينْفَصِلَ.
وإن كان له وارثٌ آخَرُ، فَعَنْ أبي حنيفةَ ومَالِكِ، أنه يوقَفُ أيضاً، ولا يُصْرَفُ شيْءٌ منْه في الحالِ إلَى سائر الورثةِ.
قال في "الإبانة" وبه قال بعض أصحابنا وحكاه الشيخ أبو خلف الطَّبَرِيُّ قولاً عن رواية الرَّبِيعِ.
والظاهر من مذْهَبِنَا ومذْهَبِ أبي حنيفة: أنَّه لا يوقَفُ الجميع، ولكن يُنْظَر في الظَّاهِرين من الورثة فيمن يحجبه الحمل، إذا انفصل حَيّاً؛ إِما مطلقاً؛ كأولاد الأمِّ، إذا كان الحَمْلُ من الميِّت أو على بَعْضِ التقديرات؛ كأولاد الأبِ والأُمِّ لا يُدْفَعُ إلَيْه شيْءٌ، ومن لا يَحْجُبُهُ الحَمْل، وله مقدَّر لا ينقص منه، دُفِعَ إلَيْه، فإن أمكن العول دُفِعَ إلَيْه ذلك القَدْر عائلاً.
مثالُهُ: زوْجَةٌ حامِلٌ وأبوانِ، يُدْفَعُ إلى الزَّوْجة ثُمُنٌ عائل، وإلى الأبوَيْنِ سدُسَانِ عائلاَنِ؛ لاحتمالِ أنْ يكُونَ الحَمْلُ بنْتَيْنِ، فإن لم يكُنْ له نصيبٌ مقدَّرٌ؛ كالأولاد، فهل يُصْرَفُ إليهم شَيْءٌ؟ يبنَى علَى أنَّه، هَلْ لِأَقْصَى عددِ الحَمْلِ ضبْطٌ؟ والأصحابُ فيه مختلفُونَ؛ فعن شَيْخَي المَذْهَبِ أبِي حَامِدٍ والقَفَّال: أنه لا ضَبْطَ لذلك، وبه قال أصحابُنَا العراقيُّون والصَّيْدَلاَنِيُّ والقاضي حُسَيْنٌ؛ لأن الشافعيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: أخبرني شيخ باليَمَنِ أنَّه وُلِدَ له خمْسَةُ أولادِ في بَطْنٍ واحدٍ.
وعن ابن المِرْزُبَانِ أن امرأةً بالأنبار أَلْقَتْ كيساً، فيه اثْنَا عَشَرَ ولداً، وذكر صاحب "التهذيب" أن هذا أصَحُّ.
وقال آخَرُونَ: أقصى الحمْل أربعةٌ، وهذا ما أوردَهُ صاحب الكتاب والقاضي ابن كَجٍّ، وجعله الفرضيون قياسَ قَوْل الشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وأَرَادُوا به أنَّ الشافِعِيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يتبع في مثْل ذَلِكَ الوُجُودِ، وأكثر العدد الذي وُجدَ أربعةٌ.
لكن هذا يشكل بما نقله الأَوَّلُون.
وروى عبْدُ الله بْنُ المبَارَكِ عن أبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مثْلَ الوَجْهِ الثاني.
فلو قلْنا بالأَوَّل: فلو خلَّف ابْناً وأمَّ وَلَدٍ حاملاً، لم يُصْرَفُ إلى الابْنِ شيْءٌ، ولو خلَّف ابْناً وزوجةً حاملاً، فلها الثمُنُ، ولا يُدْفَعُ إلى الابْنِ شيْءٌ، وعلى الثاني له الخُمُسُ أو خُمُس الباقي على تقدير أنَّهم أربعةٌ ذكورٌ.
وعلى هذا؛ فهل يُمَكَّنُ الذين صرف إليهم حصَّتهم مِنَ التصرُّف فيها؟ عن القفَّال: أنهم لا يُمَكَّنُون منْه؛ لأنَّه قد يَهْلِكُ الموقوف للحَمْل، فيحتاج إلى استِرْدَادِ، والحاكمُ، وإن كان يَلي أمْرَ الأطْفَال، لكنه لا يَلِي أمْرَ الأجنَّة، فلا يمكن حمْل ما جَرَى على القسمة.
والظاهرُ التمكن، ولَو مُنِعُوا من التصرُّف، لما دفع إليهم.
ثم الموقوفُ للحَمْلِ على الوجْهِ الثَّاني، قدْ يكُونُ بتَقْدِير الذُّكُورة أكثر كما إِذا خلَّف ابْناً وحَمْلاً.
وقد يكُونُ بتَقْدِيرِ الأنونة أكْثَرَ كما لو خَلَّفت زوجاً وأُمّاً حامِلاً من أبيها، فإنْ كان الحَمْلُ ذَكَراً أو ذُكُوراً، فإنما يحصل لهم سدس المال أو ثلثه، وإن كان اثنين فتعول المسألةُ، ويكون لهما أربعةٌ من ثمانيةٍ، فيقف أربعة من ثمانية، ويدفع إلى الأُمِّ سهْماً، وإلى الزوج ثلاثةً، فنأخذ بأَضَرِّ الاحتمالات في كلِّ صورةٍ علَى ما ذكَرَهُ في الكتاب.
وقوله: "وأقصى الحَمْل منْ حيْثُ العدد" مُعْلَمٌ بالواو؛ لما بيناه، وبالألف؛ لأن عند أحمد -رحمه الله- الأقصى اثنان.
فرعان
:
الأوَّلُ: ماتَ الكافرُ عنِ امرأةٍ حاملٍ، ووقَفْنا الميراث للحمل، فأسلَمَتْ، ثم ولَدَتْ، ورِثَ الولدُ، وإن كان مَحْكوماً بإسْلاَمه, لأنه كان مَحْكُوماً بكُفْره يوْمَ المَوْتِ.
الثاني: ماتَ عَنِ ابنٍ وزوجةٍ حاملٍ، فولَدَتِ ابناً وبنْتاً، فاستهلَّ أحدُهُمَا، ووُجِدا ميِّتَيْنِ، ولم يدر المستهِلَّ أيُّهما، يعطي كلّ وارث أقلّ ما يصيبَه، ويوقَفُ الباقِي، حتَّى يصطلحوا أو تقوم بينة.
وهذا الفَرْعُ ونظائرُهُ يُعْرَفُ بـ"مسائل الاستهلالِ" ولها حسَابٌ دقيق، نورده في فصول الحِسَابِ، إن شَاءَ الله تعالَى.
قال الغَزَالِيُّ: وَكذَلِكَ لَوْ خَلَّفَ وَلَداً خُنْثَى فَنَأْخُذُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ البَاقِينَ (ح و) بِأَسْوَإِ الاحْتِمَالاَتِ أَخْذاً بِالمُسْتَيْقَنِ وَتَوَقفاً فِي مَحَلِّ الشَّكِّ.
"
القول في ميراث الخنثى
"
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخُنْثَي: هُو الَّذِي لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، أو لَيْسَ لَه واحدٌ منهما، وَلَه ثُقْبَةٌ يَبُولُ مِنْها، وَقَدْ مَرَّ فِي "كِتَابِ الطَّهَارَةِ" الطُّرقُ الَّتي تُعْرَفُ بِها ذُكورتُه وأُنُوثَتُهُ.
وإِذَا ماتَ مدَّةِ الإشْكالِ مورِّثٌ لَهُ، فَيُنْظَرُ: إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ ميراثُه بذكورَتِهِ وأُنوثَتِه؛ كأَولادِ الأمِّ، والمُعْتَقِ، وَرِثَ ولا إشْكالَ.
وإن اخْتَلَفَ؛ فَيوخَذُ في حَقِّ الخُنْثَى، ومَنْ مَعَهُ مِنَ الوَرَثَةِ باليقينِ، وَيُوقَفُ المشْكُوكُ فيه، فَإِنْ كَانَ يرِثُ علَى أحدِ تَقْدِيرِي الذُّكُورَةِ، والأُنُوثَةِ دونَ الآخَرِ، لم يُدْفَعْ إلَيْه شَيْءٌ، وَوَقَفَ ما يرِثُه علَى ذلك التَّقْدِيرِ، وكذَلِك فيمنْ يرِثُ مَعَهُ علَى أحدِ التَّقْدِيرَيْن دونَ الآخَرِ، وإنْ كانَ يرثُ علَى التَّقْديرَيْنِ، لكنَّه يرِثُ علَى أحَدِ التَّقديرَيْنِ أقَلَّ، دُفِعَ إليه الأقلُّ، ووُقِفَ البَاقي، وكذلك في حقِّ من يرث معه علَى التقديرَيْنِ، ويختلف قَدْرُ ما يأخُذُهُ، وإن كان مَنْ مَعَه، يرث على التقديرَيْنِ، ولا يختلفُ ما يأْخُذُهُ، دفع إليه حَقُّه.
وقال أبُو حنيفةَ: يُؤخَذُ في حقِّ الخُنثى باليَقينِ، ولكنْ لا يُوقَفُ البَاقِي، بل يُعْرَفُ إلَى سائرِ الورثةِ, لأنَّ سَبَبَ استحقاقِهِمْ ثابتٌ، فَلاَ يُحْجَبُون بإشكالِ حالِ الخُنْثَى، وبهِ
قَالَ بعضُ أصحابِنا، فيما رَوَاهُ الأستاذُ أبو منصورٍ (1)، ورَأَيْتُ ابْنَ اللَّبَّانِ نَسَبَه إلَى تخريجِ ابنِ سُرَيْجٍ، وحكَى وجهَيْنِ في أنَّه، هَلْ يُؤْخَذُ من سائرِ الوَرَثَةِ ضمينٌ.
وعنْ مالكٍ، وبعضِ أصْحابِهِ: أنَّه يُؤْخَذُ بذكُورَةِ الخُنْثَى.
وقالَ أحمدُ: له نِصفُ نَصيبِ الذَّكَرِ، ونصْفُ نَصيبِ الأُنْثَى.
لَنَا: أنَّه أَشْكَلَ أمره فَيُوقَفُ ما تَردد فيه، كالمفقودِ، ويجوزُ أنْ يُعْلَم؛ لِمَا ذكَرْنا قولُه: " [فَنَأْخُذُ] في حَقِّه" بالميمِ والأَلِفِ، وقولُه: "في حقِّ الحاضرين" بالحاءِ والواوِ.
وكانَ ينبغِي أنْ يقول بدلَ "الحاضرين" الواضحين، أو الباقين، وهُوَ المرادُ، فكأنَّ اللِّسَانَ، أو القَلَمَ سَبَقَ إلَى ذكْر الحاضرِينَ؛ لِمَا مرَّ في المفقود.
[أمثلة توضح مسائل الخنثى]
ولا بُدَّ من إيضَاحِ ال
فَصْلِ
بالأمْثِلةِ:
بنْتَانِ وولدُ ابْنٍ خُنْثَى وَأَخٌ للبنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، ويُوقَفُ البَاقِي.
وَلَدٌ خُنْثَى، وأخٌ أو عَمٌّ: للخُنثَى النصفُ، وُيوقَفُ البَاقِي، ولا يُدْفَعُ إلى الأخِ والعمِّ شيْءٌ.
ولدُ خنثَى وابْنُ: يُدْفَعُ إلى الخُنْثَى الثلثُ، وإلى الابْنِ النِّصْفُ، وُيوقَفُ الباقِي بينهما.
وَلَدٌ خُنْثَى وابنانِ: يُدفَعُ إلى الخُنثَى الخُمُسُ، والابنان الثُّلثانِ 2.
ولدٌ خنثى وبنتُ وعمٍّ: يدفعُ إلى الوَلَدَيْنِ الثُّلُثَانِ بالسويَّة وُيوقَفُ الباقِي بين الخُنْثَى والْعَمِّ.1
زَوْجٌ، وَأَبٌ، وولدٌ وخُنْثَى: للزَّوْجِ الرُّبُعُ، وللأَبِ السُّدُسُ، وللخُنْثَى النِّصْفُ، وُيوقَفُ الباقِي بيْن الأَبِ والخُنْثَى.
زوجٌ، وأمٌّ, وولدُ أَبٍ خُنثَى: للزَّوْج النصفُ عائِلاً؛ لأنَّ علَى تَقْديرِ الأُنُوثَةِ تَعولُ المسالةُ إلى ثَمَانِيةٍ، فللأم الثلثُ عَائِلاً، ويُدْفَعُ إلى الخُنْثَى السُّدُسُ التَّامُّ مِنَ المَالِ.
وإذَا اجتمعَ وَلَدَانٍ خُنْثَيَانِ، فَلَهُمَا الثُّلثَانِ، وُيوقَفُ البَاقِي.
ثلاثةُ أولادٍ خَنَاثَى وعمٌّ: لِكُلِّ واحدٍ مِنْهم خُمُسُ المالِ، لاحتمالِ أنَّه أُنْثَى، والآخرانِ ذَكَرَانِ وُيوقَفُ البَاقِي إلَى تَمامِ الثُّلُثَيْنِ بَيْنَهم، وباقي المالِ بينَهُمْ وبَيْنَ العَمِّ.
ابْنُ وخُنْثِيَانِ: يُدْفَعُ إلى الابْنِ الثُّلُثُ، وإلَى كلِّ واحدٍ مِنْهُمَا الخمسُ، فتكونُ القِسْمَةُ من خمسةَ عَشَرَ، ويُوقَفُ سَهْمٌ ونِصفٌ بينَ الخُنْثَتَيْنِ، والبَاقِي بَيْنَهُمَا وبَيْنَ الابْنِ.
ولدٌ خُنْثَى وولدُ ابنٍ خُنْثَى وعمٌّ: للولدِ النصْفُ، وَيُوقفُ السُّدُسُ بَينَهما والبَاقي بَيْنهما وبَيْنَ العمِّ.
بنتٌ وبنتُ ابنٍ، وولدُ ابْنٍ خُنْثَى وعمٌّ: للبنتِ النَّصْفُ ولوَلَدَي الابنِ السدسُ بالسَّويَّةِ والبَاقِي بينهما وبيْنَ العمِّ.
ثلاثةُ أولادِ [ابنِ] خناثى بعضُهُم أسفلُ مِن بعضٍ، وعمٌّ:
للأَعْلَى النِّصْفُ، ويُوقَفُ السدسُ بينَه وبَيْنَ الأَوْسَطِ، والبَاقِي بينَ الكلِّ.
ثمَّ أَتَى الإمَامُ [رحمه اللَّهُ] من ميراثِ الخُنْثَى بمباحَثَاتٍ مُفِيدَةٍ:
إحداها: أنَّ المالَ الموقوفَ، إلَى متَى يُوقَفُ؟ فإِنْ لَم يكنْ له غايةٌ، أفْضَى إلى تَعْطِيلِه، وإبطالِ فائدتِه وأجابَ بأنَّه لا بدَّ من التوقُّفِ؛ ما دَامَ الخُنْثَى باقياً، والبيانُ مُتَوقَّعَاً، فإذَا ماتَ، فعنِ الأُسْتاذِ أبِي منصورٍ: أنَّ أبَا ثَوْرٍ حَكَى عنِ الشَّافِعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قولاً أنَّه لا يُوقَفُ بعدَ ذَلك، بلْ يُرَدَّ إلى وَرَثَةِ الميَّتِ الأول، وشبهه بوجه ذُكِرَ فيما إذا أسلمَ الكافِرُ على أكثرَ من أربعِ نِسوةٍ، وماتَ قبلَ الاختيار: أنَّ الرَّبعَ أَوِ الثُّمُنَ يُقَسَّمُ بينَ جميعِهِن، ولا يُوقَفُ، والمشْهُورُ في الصورَتَيْنِ خلافُه.
الثَّانيةُ: لو اصطلحَ الذين وُقِفَ المالُ بينهم على تساوٍ، أو تَفَاوتٍ 1 جازَ قال الإمامُ: ولا بدَّ أن يجريَ بينهم تواهبٌ، وإلاَّ، بقيَ المالُ على صُورَةِ التَّوقُّفِ، وهذَا التَّواهبُ لا يكونُ إلاَّ عنْ جهالةٍ، لكنَّها تَحْتَمَلُ للضَّرُورَةِ.
ولو أخرجَ بعضُهم نفسه من البَيْنِ، وَوَهبَه لهم عَلَى جهلٍ بالحالِ 1 جازَ أيضاً.
الثالثةُ: لو قَالَ الخُنثى في أثناءِ الأمْرِ: أنَا رجلٌ أو امرأةٌ، فالَّذي ذكرَه الإمامُ: أنَّه يُقْضَى بقولِه، ولا نَظَر إلى التُّهْمَةِ؛ فإنَّه لا اطلاعَ على الحال إلاَّ مِن جِهَتِه وهَذَا ما حكاه أبو الفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ عن نِصِّهِ هاهُنَا قال:
وَنصَّ فِيما إذا جُنِيَ عليهِ، واخْتَلَفَ الجَانِي والخُنْثى من ذكورَتِه، أنَّ القولَ قولُ الجانِي، فَمِنْهُمْ من نَقَل وخَرَّجَ، ومنهم من فَرق؛ بأنا عَرَفْنَا هُنَاك أصلاً ثابِتاً، وهُوَ بِراءَةُ ذمَّة الجَانِي، فلا نَرفَعُهُ بِقَولِه، وهَاهُنَا بِخِلافِه، وإذَا قَبلْنَا قوله؟ حلَّفْنَاهُ عَلَيه 2.
هذا شرحُ ما ذَكَرَ فِي موانَعِ الإرْثِ، وَدَوَافِعِه، ومما عُدَّ منها، أنْ يلزمَ من التوريثِ نَفْيُه، فيصيرَ الدَّوْرُ مانعاً.
مثالُه: بإقرارُ الأخُ بابْنٍ لأَخِيهِ الميِّتِ ثَبَتَ نَسَبَه ولا يرثُ، والمسألةُ بِما فِيها مِنَ الخلافِ، قَدْ مَرَّتْ في "بابِ الإقرارِ".
ولَوْ أوْصَى بعبده لأبِي العَبْدِ، فماتَ الأَبُ قبلَ القَبولِ وقَبلها أخوه؛ يُعْتَقُ العبدُ ولا يرِثُ، وهِيَ مذكورةٌ في "كتابِ الوصيَّةِ" ومرةً أُخْرَى في أواخِر النِّكاحِ.
ولو اشْتَرَى المريضُ أباهُ، عَتَقَ، ولم يرِثْ 3، وَهِيَ مَذكورةٌ في النِّكاح أيضاً.
ولو ادَّعى مدَّع نَسَباً على وَرَثَةِ ميِّتٍ، فانكَرُوا ونَكَلُوا عن اليمينِ حَلَفَ وَورِثَ معَهُمْ، إنْ لمْ يَحْجُبْهم، وإنْ حَجَبَهُم، فَوَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الأُستاذُ أبو منصورٍ:
أصحُّهُما: أنَّه لا يرِثُ، وإلاَّ، بَطَلَ نُكُولُهُم ويمينُه، وبِهَذا، أجابَ الاستاذُ أبو إسْحَاقَ الإسْفَرَايِينِيُّ.
ولو ملَكَ أخَاه ثمَّ أقرَّ في مرضِ موتِه، أنَّه كانَ قَدْ أعتَقَه في الصَّحَةِ، قال في "التَّهذيبِ": كانَ العتق نافذاً وهلْ يرثه؟
إنّ صحَحَّنَا الإقرارَ للوارثِ، وَرِثَه، وإلاَّ لم يرِثْه؟ لأنَّ تَوريثَه يوجبُ إبطالَ الإقرارِ بحرِّيتِه، وإذا بطَلَتِ الحريَّةُ؟ بطَلَ الإرثُ، فأثبتْنا الحريَّةَ، وأسقْطنَا الإرثَ، ذكرَه في الإقرارِ.
" فَصْلٌ"
ثمّ إنَّ صاحبَ الكتاب، اشتغلَ بعدَ في الفصْلِ المعقودِ في الحسابِ، ولمْ يأتِ فيه بما يُقنِعُ، بلْ أحالَ مُعظَمَ ما فيهِ على "الوسيطِ"، وأهْمَلَ أيضًا أبوابًا يُعْتَنَى بِها من الفَرائِضِ مِنها:
بابٌ في تَوريثِ المُطَلَّقاتِ، وبابٌ في الردِّ، وبابٌ في ذَوِي الأَرْحَام، وبابٌ في المسائلِ المَلَقَّبَاتِ، وبابٌ في مسائلِ المعاياة، وبابٌ في النَّسَبِ، ونحنُ لا نَطِيبُ قَلْبًا بإخلاءِ هَذَا الشَّرْحِ عَنْها، لكنْ نؤخِّرُ توريثَ المطلَّقاتِ إلى كتابِ الطَّلاقِ، فإنَّ طرقًا منه مذكور في الكتابِ هناك وَنَتَكلَّمُ أولًا في الردِّ وذَوِي الأَرْحام، ليتمَّ القولُ في الفتاوَى والأحكام، ثمّ نشرع في الحسابِ فنشرح ما في الكتاب، ونَضُّمُّ إليه ما يقعُ الاكتِفاءُ به، ثمّ نَخْتُم بفصولٍ في المُلقّباتِ والمعاياةِ والنَّسَبِ وبالله التوفيق الكلامُ في الردّ وذَوِي الأرحامِ أصل المذهبِ فيهمَا، وما اختارَه الأصحابُ -رحمهم الله- لضرورة فسادِ بيتٍ المالِ قد ذكرنَاهما في أول الكتَابِ.
وإذا قُلنا بالردّ، فحظِّ الفَتوَى منه، أنه إن لمْ يكنْ مِمَّن يُرَدُّ إليه من ذوِي الفروضِ إلاَّ صنفٌ واحدٌ، فإن كان شخصًا واحدًا، دُفِعَ إليهِ الفرضُ، والبَاقي بالردِّ وإن كانوا جماعةً، فالباقي بينَهُم بالسَّويَّة فإنِ اجتمعَ صِنْفانِ أو ثلاثةٌ، فالفاضلُ منَ الفروضِ يردُّ عليهم بقدِرِ سِهَامِهم.
وأمّا الحساب والتصحيحُ عند الردِّ، فيأْتِيَ من فُصولِ الحسابِ.
"
القول في ميراث ذوي الأرحام
" وأمّا توريثُ ذوي الأرحامِ، فالذاهِبُونَ منَّا إليهِ، اختَلَفُوا في كَيفِيَّتِهِ، فأخذَ بعضُهُم بمذهب أهلِ التَّنزيلِ 1.
....................... = ومن السهل معرفة ذوي الأرحام بعد ما عرفت أصحاب الفروض والعصبات فكل من خرج عنهما ممن يستحق المال فهو من ذوي الأرحام.
وقد اختلف الصحابة والتابعون والفقهاء في توريثهم إذا كان بيت المال موجودًا ومنتظمًا:
فذهب الشَّافعي إلى أنه لا ميراث لهم وقال إن بيت المال أولى منهم وهو قول زيد بن ثابت وإحدى الروايتين عن عمر وعليه مالك وأكثر أهل المدينة والأوزاعي وأكثر أهل الشام.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن ذوي الأرحام أولى بالميراث من بيت المال وهو قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وإحدى الروايتين عن عمر.
ومن التابعين عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وشريح والشعبي وطاوس.
ومن الفقهاء أهل العراق وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه.
استدل الأولون بوجوه:
الأول: ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" فأشار -صلى الله عليه وسلم- إلى ما في القرآن من المواريث وليس فيه لذوي الأرحام شيء: ولو كان لهم حق لبينه.
وما كان ربك نسيًّا فمن جعل لهم حقًا فقد زاد على النص.
والزيادة على النص لا تثبت بخبر الواحد أو القياس:
الثاني: ما رواه عطاء بن يسار: "أتى رجل من أهل البادية فقال يا رسول الله -إن رجلًا هلك وترك عمة وخالة.
فقال اللهم رجل ترك عمة وخالة -ثم سكت هنيهة- ثم قال لا أرى نزل علي شيء لا شيء لهما".
وروى زيد بن أسلم عن علي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ركب إلى قباء يستخير الله تعالى في العمة والخالة فنزل عليه أن لا ميراث لهما.
وأيضًا -روى عمران بن سليمان- أن رجلًا مات فأتت بنت أخته النبي -صلى الله عليه وسلم- في الميراث.
فقال: "لا شيء لك -اللهم من منعت ممنوع، اللهم من منعت ممنوع".
الثالث: أن مشاركة الأنثى لأخيها أثبت في الميراث من انفرادها.
ألا ترى أن بنات الابن يسقطن مع البنتين وإن شاركهن ذكر ورثن وصرن له عصبة.
فلما كان بنات الأخوة والأعمام يسقطن مع أخواتهن كان أولى أن يسقطن بانفرادهن.
واستدل الآخرون على مذهبهم بما يأتي:
"1" قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فلا يجوز منعهم من الميراث وقد جعلهم الله أولى به.
وأجيب عن هذا:
"1" أن المقصود بالآية نسخ التوارث بالحلف والهجرة ولم يرد بها أعيان من تستحق الميراث.
"2" أن قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ دليل على أن ما سوى ذلك البعض ليس بأولى لأن التبعيض يمنع الاستيعاب.
"3" أنه تعالى قال: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وكان ذلك مقصورًا على ما فيه وليس لهم فيه ذكر فدل على أن ليس لهم في الميراث حق.
"4" أن قوله تعالى: ﴿أَوْلَى﴾ محمول على ما سوى الميراث من الحضانة وما جرى مجراها إذ ليس في الآية ذكر ما هم به أولى.
"ب" ما رواه طاوس عن عائشة ورواه غيره عن عمر رضي الله عنهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: =
..................... = "الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له".
وما رواه المقداد بن معديكرب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:- "الخال وارث من لا وارث له".
والجواب عنه:-
"1" أن هذا الكلام موضوع في لسان العرب للسلب والنفي لا للإثبات وتقديره أن الخال ليس بوارث كما تقول العرب الجوع طعام من لا طعام له.
والدنيا دار من لا دار له.
والصبر حيلة من لا حيلة له يعني أنه ليس طعام ولا دار ولا حيلة.
"2" أنه جعل الميراث للخال الذي يعقل ولا يعقل إلا إذا كان عصبة ونحن نقول بإرث الخال إذا كان عصبة -والنزاع في خال ليس بعصبة.
"حـ" روي أنه توفي ثابت بن الدحداح ولم يدع وارثًا فرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فسأل عنه عاصم بن عديّ.
"هل ترك من أحد؟ فقال ما نعلم يا رسول الله ترك أحدًا -فدفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماله إلى ابن أخته".
وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "العم والد إذا لم يكن دونه أب والخالة والدة إذا لم تكن دونها أم".
وردّ هذا:-
بأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما أعطى ابن أخت أبي الدحداح لمصلحة رآها لا ميراثًا.
لأنه لما قيل لا وارث له.
دفعه إليه على أنه يجوز أن تكون عصبة خاصة قد يخفى سببها فلا يصح ادعاء العموم فيها:
ونظيره ما رواه عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس، أن رجلًا مات ولم يدع وارثًا إلا غلامًا له كان أعتقه فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
هل له أحد؟ قالوا لا إلا غلامًا له كان أعتقه "فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هل له أحد؟ قالوا لا إلا غلامًا" فجعل -صلى الله عليه وسلم- ميراثه له.
ومعلوم أنه لا يستحق ميراثًا لكن فعل ذلك لمصلحة رآها.
ونظيره أيضًا -ما رواه عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: مات رجل من خزاعة فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بميراثه.
فقال: "التمسوا له وارثًا أو ذات رحم" فلم يجدوا له وارثا ولا ذات رحم فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أعطوه الكل من خزاعة" فميز -صلى الله عليه وسلم- بين الوارث والرحم فدل على أنه غير وارث ثم أمر بدفع ميراثه إلى الكل من قومه لأنه رأى المصلحة في إعطائهم.
أما الجواب عن حديث "العم والد... الخ".
فهو محمول على ما سوى الميراث من الحضانة وإلا فليست الخالة كالأم عند عدمها في الميراث.
إذا كان هناك وارث.
"د" ولأن كل من أدلى بوارث كان وارثًا كالعصبات.
وأجيب عنه:
بالنقص بنت المولى في الولاء فإنها لا ترث مع ادلائها بعاصب وارث.
"هـ" قالوا ولأن ذوي الأرحام شاركوا المسلمين في الإِسلام وفضلوهم بالرحم فوجب أن يكونوا أولى منهم بالميراث كالمعتق لما شارك المسلمين في الإِسلام وفضل عنهم بالعتق صار أولى منهم =
وهَذا الَّذي أوردَه القاضِي ابنُ كجٍّ، وصاحبُ "المهذب" والإمامُ -رحمهم اللهُ- ورجَّحوا هذا المذهبَ، بأنَّ القائلين بِه ممن يُوَرِّثُ ذَوِي الأرحام في الصَّحابَةِ -رَضِيَ الله عَنهُمْ- ومَنْ بَعْدَهُم أكثرُ.
= بالميراث.
وكالأخ الشقيق لما شارك الأخ للأب وفضله بالأم كان أولى بالإرث:-
والجواب:
النقص بنت المولى -لأنها قد فضلتهم بكونها بنت عاصب مع التساوي في الإِسلام ثم لا تقدم عليهم.
على أن المسلمين قد فضلوهم بالتعصيب لأنهم يعقلون فكانوا أولى بالميراث.
"و" قال تعالى:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾... الآية فقالوا إن العمات والخالات وأولاد البنات والأخوال من الأقربين فوجب دخولهم فيها.
غاية ما في الباب أن قدر ذلك غير مذكور في هذه الآية -لكنا نثبت استحقاقهم لأصل النصيب بها- وأما المقدار فمستفاد من سائر الدلائل.
وأجيب عن هذا بما يأتي:-
"1" قال تعالى في آخر الآية: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي مقدرًا وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر فثبت أنهم غير داخلين في هذه الآية.
"2" إن هذه الآية خاصة بالأقربين.
فليتم قلتم أن ذوي الأرحام من الأقربين مع أنه لا يصح ذلك؟ لأنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر أو من كان أقرب من جميع الأشياء والأول باطل لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه فإن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد وأقله الانتساب إلى آدم عليه السلام.
ولا بد أن يكون هو أقرب إليه من ولده إليه فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل.
ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وما ذاك إلا الوالدان والأولاد.
فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام ولا يقال لو حمل الأقربون على هذا المعنى فيعم الوالدين للزم التكرار لأنا نقول -الأقرب جنس يندرج تحته نوعان -الوالد والولد- فذكر سبحانه النوع ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار.
"3" إن أصل الفرض الحزُّ والقطع.
ثم إن أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل ظني.
فقالوا لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع وأما الوجوب فهو عبارة عن السقوط يقال وجبت الشمس إذا سقطت.
ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط فلهذا السبب خُصَّ لفظ الفرض عندهم بما عرف وجوبه بدليل قاطع -ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون.
وهذا يقضي عليهم بأن الآية لم تتناول ذوي الأرحام لان توريثهم ليس من باب ما عرف بدليل قاطع بالإجماع.
فلم يكن توريثهم فرضًا والآية إنما تناولت التوريث المفروض.
فلزم القطع بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام.
هذا والحق أن الوجوب في اللغة هو الثبوت وأما مصدر الواجب بمعنى الساقط والمضطرب إنما هو الوجبة والوجيب.
وإن كان استعمال الفرض فيما ثبت بقطعي والواجب فيما ثبت بظني شائع مستفيض كقولهم الوتر فرض والصلاة واجبة.
ينظر الميراث للشيخ وهبة إبراهيم.
ومنهم مَن أخَذَ بمذهب أهل القَرابةِ، وبه قَالَ أبو حنيفةَ، وهذا ما أوردَه صاحبُ "التَّهذيب" وأبو سعَد المُتَوَلِّي، وإنَّما سُمِّيَ الأولونَ أهْلَ التنزيلِ؛ لأنَّهم نَزَّلُوا كلَّ فرعٍ مَنزِلةَ أصلِهِ.
وسُمِّيَ الآخرون أهلُ القرابةِ؛ لأنهم يُورِّثُونَ الأقربَ فالأقْربَ، كالعَصَباتِ 1.
والمذهبانِ متَّفِقانِ على أنّ مَنِ انفردَ مِن ذَوِي الأرحامِ، يجوزُ جميعُ المالِ، وإنَّما يظهرُ الاختلافُ عندَ اجتماعِهم، ولا بُدَّ من ذكرِ المذهَبَينِ على اختصارٍ، لاختلافِ اختِيارِ الأصحاب، والوجهُ [بناؤهما] من كلِّ صِنْفٍ منهم عندَ الانفراد، ثُمَّ فيما إذا اجتمعَ منهُم صنفانِ فصَاعِدًا.
أمَّا البيانُ الأوَّلُ مِنَ الأَصْنافِ؛ أولادُ البناتِ وبناتُ الابْنِ.
أمَّا أهلُ التَّنزيلِ، فَيُنَزِّلُونَهم منزلةَ البناتِ وبناتِ الابْنِ، ويُقَدِّمُون منهم من سبَقَ إلى الوارِثِ، فإنِ استوَوْا في السَّبْقِ إلى الوارِثِ، قُدِّرَ كأنَّ الميِّتَ خَلَّفَ مَن يَدْلونَ بِهِ منَ الوَرَثَةِ، واحِدًا كانَ أو جَماعةً، ثمَّ يُجعَلُ نصيبُ كل واحدٍ منهم للمُدْلِينَ بهِ عَلَى حَسَبِ ميرَاثِهِم، لو كانَ هُوَ الميتَ.
وقالَ أهلُ القَرابَةِ: إنِ اخْتلفتْ درجاتُهُم فالأقرَبُ إلى الميِّتِ أَولَى ذَكَرًا كانَ أَوْ أُنْثَى، فَنُقَدَّمُ بنتُ البنتِ علَى بنْتِ بنْتِ البنْتِ، وعلى ابْنِ بنتِ البنتِ، وإن لَمْ تَخْتَلِفْ، فإنْ كَانَ فيهِم مَن يُدلِي بوارِثٍ، فَهُو أَوْلَى، فَتُقَدَّم بنتُ بنتِ الابنِ علَى بِنْتِ بِنْتِ البِنْتِ؛ لأنَّها تُدْلِي بِوارِثَة هَذا إذا أَدْلَى بنفسه بالوارث.
أمّا إذَا أدْلَى بواسطةٍ، كبِنْتِ بنتِ بنت الابْنِ، مع بِنْتِ بنْتِ بنت البنتِ.
فلأصحاب أبِي حنيفَة، فيهِ اختلافٌ، والصحيحُ عندَهُم، أنه لا تَرْجِيحَ.
وقضيةُ مَا أورَدَه أصحابُنا، الترجيحُ كَما لَوْ أدْلَى بِنَفْسِهِ، وإن استوَوْا في الإدْلاَءِ، وَرِثوا جَميعًا، وكَيفَ يَرِثُونَ؟ قَالَ أبو يوسفَ: والنَّظَرُ إلى أبْدانِهم دُونَ مَنْ يتوسطُ بينهم مِنَ الآباءِ والأمَّهاتِ؛ فإن كَانُوا ذُكُورًا، أو إِنَاثًا، سُوِّيَ بينهم، فإنِ اختَلفوا فللذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنْثَيَينِ.
وقالَ محمَّد: يُنظَرُ من المتوسِّطِينَ بينَهُم، وبينَ الميِّت، مِن ذَوِي الأرحامِ، فإنِ اتَّفقُوا، ذكورَةً وأُنوثَةً، فالجَوابُ كذلِكَ، وإنِ اختَلَفُوا فإمّا أن يكونَ الاختلافُ في بطْنٍ واحدٍ أو أَكْثَرَ.
إنْ كانَ في بَطنٍ واحدٍ، قَسَّمْنَا المالَ بينَ أعلى بطون الاختلافِ وجَعَلْنَا كلَّ ذكَرٍ بعدِد أولادِه الذين يُقَسِّمُ ميراثُهُم ذُكورًا، وكُلُّ أُنثَى بِعَدَدٍ أولادِها الّذينَ يُقَسَّمُ ميراثُهم إناثًا، ويقسِّمُ المالُ بينَ الذُّكُورِ والإنَاث الحاصِلينَ من هَذا التَّقدِيرِ، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
ثُمَّ ما أصاب كل واحدٍ مِنَ الصَّنْفَينِ، يُقَسَّمُ عَلَى أولادِه؛ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وإنْ كانَ الاختلافُ في أكثرَ من بطنٍ واحدٍ، قَسَّمنَا المالَ بَينَ أعلَى بطونِ الاختلافِ، كما ذَكَرْنَا، فَمَا أصابَ كلّ واحدٍ مِنَ الصِّنْفين، قُسِّمَ عَلَى أولاده الَّذين فيهِمْ الاختلافُ، على النّحْوِ المذكورِ في البطْنِ الأَوَّلِ.
وهَكَذا يُفْعَلُ حتَّى تنتهيَ القِسْمَةُ إلى الأحياءِ.
قَالَ الناقِلُونَ: كلُّ واحدٍ مِن أبى يوسفَ ومحمدٍ، يدَّعِي أنّ قولَه قولُ أبِي حنيفَة، والأكثرونَ صدَّقوا محمدًا، إلاَّ أنَّ مُتأخِّرِي أصحابِهم، يُفْتُونَ بقولِ أبِي يوسُفُ.
وكذلِك ذَكَر صاحِبُ "التهذيب" والتَّتِمَّةِ، إنَّه أظهرَ الرِّوايتَينِ، والقولان متفقان على تفضِيل الذَّكَرِ على الأُنْثَى؛ عَنْدَ القِسمَةِ عليهم، وفي "التَّتِمَّة" وجهٌ آخرُ؛ أنَّه يسَوَّى بينَ الذَّكر والأُنْثَى، وهو اختيارُ الأُستاذ أبِي إِسحاقَ الإِسْفَرَايينيِّ، احتجاجًا بأنَّ الأصلَ في التَّوريثِ بالرَّحِمِ أولادُ الأمِّ، ولا فرقَ بينَ ذكورِهِم وإناثِهِم.
ولْنَضْرِب أمثلةً تُوضِّحُ الغَرضَ:
"
فرع في أمثلة توضح الفرض
"
بنتُ بنتٍ، وبنتُ بنتِ ابنٍ: المُنَزِّلُونَ يجعلَون المالَ بينَهما أرْباعًا بالقَرض والردِّ، كما يكونُ بينَ البنتِ وبنتِ الابنِ.
وأهلُ القَرابةِ يجعلونَ الكلَّ لبنْت البنْتِ؛ لقْربِها.
بنتُ ابنِ بنتٍ، وبنتُ بنتِ ابنٍ؛ المالُ للثانيةِ بالاتِّفاقِ، أمَّا على التَّنزيلِ؛ فلأنَّ السَّبقَ إلى الوارثِ هُوَ المعتبرُ.
وأمّا على المذهبِ الثَّانِي فلأنه المُعتَبَر عند استواء الدَّرَجَةِ.
بنتُ بنتٍ، وابن وبنت من بنتٍ أُخْرَى:
المنزِّلون يجعلونَ المالَ بينَ بِنْتَي الصُّلْب؛ تَقْدِيرًا بالفُرْضِ والردِّ، ثم يقولونُ: نصف البنتِ الأُولى لِبِنتِها، ونصف الأُخْرَى لولديها أثْلاَثًا.
وأهل القَرابةِ يجعلونَ المالَ بينَ ثَلاثَتِهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ومحمدٌ لا
يخالفُ في هذِه الصورةِ، إنّما يخالفُ فِيما إذا اختلفت الأُصولُ الذين هُم منْ ذَوِي الأَرْحامِ.
ابنُ بنتٍ، وبنتُ بنتٍ أُخرَى وثلاثُ بناتٍ بنْتٍ أُخرَى: المنزِّلُونَ يَقُولُونَ: للابْنِ الثُّلُثُ، وللبِنتِ المُفرَدَة كَذَلِكَ، وللثَّلاَثِ الثُّلُثُ أثلاثًا.
وأهلُ القَرابةِ يَجعَلُونَ المالَ بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
بنتُ بنتِ بنتٍ، وبنتُ ابن بنتٍ:
عندَ المنزِّلينَ وأبِي يُوسُفَ: المالُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.
وعند محمَّدٍ: ثُلثُ المالِ للأُولَى، وثُلُثَاه للثَّانيةِ، أنَّه يُقَسَّم بين بنتِ البنتِ وابنِ البنتِ كذلِكَ، فَتُجعَلُ حِصَّة كُلِّ واحدٍ لبنتِه.
بنتا بنْتِ، وثلاثُ بناتِ ابْن بِنْتٍ أُخْرَى:
عَنْدَ المنزِّلينَ: النصفُ للبِنْتَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، والنِّصْفُ للثَّلاَثِ أثْلاَثًا.
وعندَ أبي يُوسُفَ: المالُ بيْنَ الخَمْسِ بِالسَّوِيَّةِ.
وعنْدَ محمَّدٍ: يُقَسَّمُ المالُ بيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثَى المُتَوَسِّطَيْنِ، ويُقَدَّرُ الذَّكَرُ ثلاثة ذكورٍ بعَدَدِ فُرُوعِهِ، والأُنْثَى اثْنَتَيْنِ بعَدَدِ فروعها، فيكون عَلَى ثَمانية حصص الذَّكرُ ستَّةٌ، وهي لبناتِه بالسَّوِيَّة، وحِصَّةُ الأُنْثَى سهمانِ، هُمَا لبنتيها.
بِنْتُ بِنْتِ بنْتٍ وبنتُ بنتُ ابنِ بنتٍ وابنُ ابْنِ ابْنِ بنتٍ: عند أبي يوسُف: المالُ بينهم على أربعةٍ، وقالَ محمدٌ -رحمه الله-: يُقسَّم المالُ أولًا بَيْنَ أعْلَى بَطْنَي، الاختلاف، وفيه ابنانِ وبنْتٌ، وكُلُّ واحدٍ منهم يُعَدُّ واحدًا: لأنَّ الفُروعَ آحادٌ، فيكونُ المالَ بَينَهُمْ على خمسةٍ: حصَّةُ البنتِ سهمٌ، هُوَ لبنتِ بنتِها، وحصَّةُ الذّكَرَيْنِ أربعة أسهم، يُقسَّمُ عَلَى ولدَيْهِما للاختلافِ، وَهُمَا: ابنٌ وبنتٌ عَلَى ثَلاثَةٍ وأربعةٍ، لا تنقسم عَلَى ثلاثةٍ، فتضربُ ثلاثةٌ في خمسةٍ، تكونُ خمسةَ عَشَرَ، كان للبنتِ، في القسمَةِ الأُولى سَهمًا، فَلَها الآنَ ثلاثةٌ، وكانَ لِكلِّ واحدٍ من الابْنَيْنِ سَهْمَانِ، فيكون الآنَ سِتَّةٌ، يُجْمَعُ بينَهُما؟ فيكونُ اثنَي عشر يقسم بينَ ولدَيهِمَا، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
فإذن لبنتِ بنته البنتِ ثلاثةٌ مِن خمسةَ عشرَ، وللأخرَى أربعةٌ من خمسةَ عَشَرَ، وللابنِ الثمانِيَةُ الباقيةُ.
ومن الأصنافِ: بناتُ الإخوةِ، وبنو الإخوةِ للأمِّ وأولاد الأخَوَاتِ:
فالمنزِّلُون يُنَزِّلُونَ كلَّ واحدٍ منهم منزلةَ أبيهِ أو أمِّهِ، ويرفعونَهم عندَ التسفل بطنًا بَطْنًا، فمَنْ سَبَقَ إلَى وارثٍ، قدَّمُوه، فإنَ استَوَوْا في الانتهاء إلى الوارث، قُسِّمَ المَالُ
بَيْنَ الأُصُولِ، فما أَصَابَ كُلَّ واحدٍ منْهم قُسِّمَ بَيْنَ فُرُوعِهِ.
وقال أهلُ القرابةِ: إنِ اختلفوا في الدَّرَجَةِ، قُدِّم منهمُ الأقربُ إلى الميِّتِ من أيِّ جهةٍ كانَ حتَّى تُقَدَّمُ بنتُ الأُختِ للأب أو الأمِّ على بنتِ 1 ابْنِ الأخَ منَ الأبِ عَلَى بنْتٍ ابن الأُختِ من الأَبوَيْنِ، وإن لم يختلَفوا في الدَّرَجَةِ، فالأقربُ إلى الوارثِ أَوْلَى من أيِّ جهة كان، حتى تتقدَّم بنت [ابن] الأخِ من الأبِ عَلَى بنْتِ ابْنِ الأختِ من الأبوَيْنِ.
فإنِ استَوَوْا فيه أيضًا، فعند أبِي حنيفَة وأبِي يُوسُفَ: يُقدَّمُ من كانَ من الأبوَيْنِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ مِنَ الأَبِ، ثُمَّ منَ كان من الأُمِّ؛ رعايةً لقوَّةِ القرابةِ، ولا يُنظَرُ إلى الأُصولِ.
ومَنْ يسقطُ منهم عنْدَ الاجتماعِ ومَن لا يَسْقُطُ.
وعند محمدٍ: يُقدِّمُ من كَانَ مِنَ الأبوَينِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنَ الأب، ولا يُقَدَّمُ منْ كانَ من جهةِ الأُمِّ؛ اعتبارًا بالأُصولِ، ثُمَّ أولادُ الإخْوَةِ والأَخَواتِ من الأُمِّ، يُسَوَّى بينهم في القِسمَةِ عندَ الجُمهورِ منَ المنزلين وأهْلِ القَرَابَةِ.
قال الإِمامُ: وقياسُ قولِ المُنَزَّلِينَ تفضيلُ الذَّكَرِ علَى الأُنْثَى؛ لأنَّهم يُقَدِّرون أولادَ الوارثِ، كأنَّهم يرثونَ مِنْه، وأَمَّا أولادُهم من الأبَوَيْنِ ومن الأَبِ فيُفَضَّلُ ذكورُهم عَلَى إنَاثِهِم عندَ المنزِّلِينَ.
وعِندَ أبِي حنيفةَ روايتانِ:
أظهرُهما، وبه قَالَ أبوُ يوسُفَ: أنَّ الجَوابَ كَذَلِك.
والثَّانِيَةُ: وبِها قَالَ محمدٌ: أنَّه يُقَسِّمُ المالُ بَينَ الأُصُولِ أوَّلًا وُيؤخذُ عَدَدُهُم من الفُرُوع، فما يصيب كلِّ واحدٍ منهم، يُجْعَلُ لفروعِهِ كما ذَكَرْنَا في أَوْلاَدِ البَناتِ.
الأَمثلة:
بنتُ أُختٍ، وابْنَا أُخْتٍ أُخْرَى، وهما من الأَبَوَيْنِ أَوْ مِنَ الأَبِ: عندَ المنزِّلِينَ: نِصْفُ المالِ للبِنْتِ والنِّصْفُ الآخَرُ لِلابْنَيْنِ، وأهْلُ القَرَابَةِ قَالُوا: المالُ بينهُم عَلَى خَمسَةٍ: ثلاثُ بَناتٍ إخوَةٍ متفرقين.
قال المنزِّلُونَ ومحمَّدٌ: السُّدُسُ لبنْتِ الأخ من الأُم، والبَاقِي لبنتِ الأخ من الأبوَينِ؛ اعتِبَارًا بالآباءِ.
وقالَ أبو حنيفةَ وأَبُو يُوسُفَ: الكُلُّ لبنتِ الأخ مِنَ الأبَوَيْنِ.
ثلاثةُ بني أخواتٍ مُتَفَرْقَات:
قال المنزِّلون ومحمَّدٌ: المالُ بَيْنهم عَلَى خَمْسَةِ كما يكُون بيْن أمَّهَاتِهم بالفرضِ والرَّدِّ.
وقالَ أبو حنيفةُ وأَبُو يوسُفَ: الكلُّ لابْنِ الأُختِ مِنَ الأبَوَيْنِ، ولو كانَ بدَلَهُمْ ثلاثُ بنات أخوات متفرقات كان جوابَ الفريقَيْنِ كَذَلِكَ.
ولو اجتمعَ البنونَ الثَّلاثةُ والبناتُ الثلاثُ:
قال المنزِّلونَ: المالُ بينَ أُمَّهاتِهِمْ عَلَى خمسةٍ بالفَرْضِ والرَّدِّ: نصيبُ الأُخْتِ مِنَ الأَبَوَيْنِ لوِلدَيها أَثْلاَثًا، ونصيبُ الأخت من الأَبِ كذلِك، ونصيبُ الثَّالِثَةِ لولديها بالسَّوِيَّةِ.
وقالَ أبو حنيفةَ وأبوُ يُوسُفُ: الكلُّ لولَدَيَ الأُخْتِ مِنَ الأبوَيْنِ.
وقال محمَّدٌ: يُجْعَلُ كأَنَّ في المَسْأَلةِ ستَّ أخَواتٍ؛ اعتبارًا بعدَدِ الفُرُوع، فيكونُ للأُخْتِ مِنَ الأمِّ الثُّلُثُ، بتَقْدِيرِها أُخْتَيْنِ، وللأختِ مِنَ الأبُوَيْنِ الثُّلُثَانِ؛ بتقدِيرَها أُخْتَيْنِ، فَحِصَّةُ كلِّ واحدةٍ لِوَلدَيْهَا، هذِهِ بالتَّفْضِيلِ، وتِلْكَ بالسَّوِيَّةِ.
قَالَ الإمامُ -رحمه الله تَعالَى- قَدْ نَظَرَ محمَّدٌ -رحمه الله تَعالَى- هاهنا إلى الأُصُولِ الوارِثينَ، وَفِي [أولادِ] البَنَاتِ، لَمْ يَنْظُرْ إلى الوَارِثينَ، وإنَّمَا نَظَر إلَى بُطُونِ الاخْتِلافِ مِنْ ذَوِي الأَرْحامِ كمَا تَقَدَّمَ.
ابنُ أُخْتٍ مِنَ الأبُوَيْنِ وَبِنْتُ أَخٍ كَذَلِك:
عند المنزِّلِينَ ومحمَّدٍ؛ الثُّلثانِ لبنْتِ الأَخِ، والثُّلُثِ لاِبْنِ الأُخْتِ.
وقالَ [أبُو حنيفَة] وأبُو يوسف ومحمد بالعَكْسِ.
ومِنَ الأَصْنافِ: الأَجدَادُ الفَاسِدُونَ، والجدَّاتُ الفَاسِدَات: المنزِّلُونَ يُنَزِّلُونَ كلَّ واحدٍ منهمْ مَنزِلَةَ وَلَدِهِ بَطْنًا بَطْنًا، ويُقَدِّمُون مِنْهُم مَنِ انْتَهَى إلى الوارِثِ أوَّلًا، فإنِ استويا في الانْتِهاءِ قُسِّمَ المالُ بينَ الوَرَثَةِ الَّذينَ انْتَهَوْا إِلَيْهِم وقُسِّمت حِصَّةُ كلِّ وارثٍ بينَ المُدْلِينَ بِهِ.
وقالَ أهلُ القَرابَةِ: إِنِ اخْتَلَفَتْ دَرجَاتُهم، فالمالُ للأقْرَب مِنْ أيِّ جهةٍ كانَ حتَّى يتقدَّمَ أَبُ الأمِّ عَلَى أبِي أمِّ الأَب، وأمُّ أبِي الأمِّ عَلَى أبِي أبِي أبِي الأمِّ، وإنْ تَساوَوْا في الدَّرَجَةِ، فلا يُقَدَّمُ هاهنا بالسَّبْقِ إلى الوَارِثِ على المَشْهُورِ مِنْ مَذْهَب أبِي حنيفةَ ومِنْ أصْحَابِه مَنْ قَدَّمَ بِهِ، فإنْ لَمْ يُقَدَّم بِهِ أو قُدِّمَ، واسْتَوَوْا في السَّبْقِ إلىَ الوَارِثِ نُظِرَ: إنْ كانَ الكلُّ مِن جهةِ أبِي الميِّتِ، فروايةُ أبِي سُلَيمانَ الجَوْزَجانِيِّ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّه يُجْعَلُ ثُلُثَا المالِ لِمَن هُوَ من جهةِ أبِ الأَبِ، وثُلُثُه لِمَنْ هُوَ من جهةِ أُمِّ الأَبِ.
وَعلى روايةِ عِيسَى بْنِ أَبانَ: المالُ كلُّه لمن هُوَ مِنْ جهةِ أبيه، وَيسقُطُ مَن هُوَ مِنْ جِهةِ الأُمِّ، وإنْ كانَ الكلُّ مِن جهةِ أمِّ الميِّت، اطَّردتِ الروايتانِ في أنَّه يَسقُطُ مَن هُوَ من قِبَلِ أمها، أو يُجعَلُ المالُ بينَ من [هوَ من قِبَلِ أبِيها]، ومَنْ هُوَ من قِبَلِ أمِّها أثْلاثًا؟ وإن
كانَ بعضُهم من جهةِ أبي الميِّتِ، وبعضُهُم من جِهةِ أمِّه، قُسِّم المالُ بينَ الجِهَتينِ أثْلاَثًا، وجُعِلَ كُلُّ قِسْم كأنَّه كلُّ الترَّكَةِ، وأَهلُ كُلِّ جهةٍ كأنَّهم كُلُّ الورثةِ، فتجيء فيهِ الروايتانِ، ثُمَّ قِسمَةُ الثُّلُثَينِ علَي مَنْ في جهَةِ الأَبِ، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقسمةُ الثُّلثِ عَلَى مَن في جهةِ الأُمِّ كمثل كذَلِكَ أوردَه في "التَّهْذيب".
الأَمْثِلَةُ: أُمُّ أبي الأُمِّ، وأبُو أُمِّ الأُمِّ:
عندَ المنزِّلِينَ: المالُ لأبي أُمِّ أم الأم؟ لأنَّه أسبَقُ إلى الوَارِثِ، وعلَى رِوايةِ الجَوزَجانِيِّ: الثُّلثانِ لأُمِّ أَبِي الأُمِّ والثُّلُثُ لأبِي أُمِّ الأُمِّ.
وعلَى روايةِ عِيسَى: الكلُّ لأمِّ أبِي الأمِّ.
أبُ أمِّ أبٍ، وأبُو أبِي أُمٍّ:
عندَ المُنزِّلِينَ: المالُ للأَوَّلِ، وعلى روايةِ عِيسَى: للثَّانِي.
وعلَى رِوايةِ الجوزجانِيِّ: الثُّلُثانِ للثَّانِي، والثُّلثِ للأوَّلِ.
أبُ أبِي أمٍّ، وأبي أمِّ أبٍ:
قَالَ المنزِّلون: المالُ للثَّانِي، وكذلِكَ الجوابُ عنْدَ مَن رجَّحَ بالسَّبْقِ إلى الوارِثِ مِن أهلِ القَرابَةِ، وأمَّا علَى الظَّاهِرِ عِنْدَهُم، فالثُّلثانِ للثَّانِي، والثُّلثُ للأوَّلِ.
أبُ أُمِّ الأمِّ، وأبُ أُمِّ الأَبِ:
عِنْدَ المنزِّلين: المالُ بينَهُما نصفان، كَمَا يَكونُ بَيْنَ أمِّ الأمِّ، وأمِّ الأَب فَرْضًا وردًا.
وعندَ أهل القَرَابَةِ: الثُّلثُ للأوَّلِ، والثُّلُثانِ للثَّاني.
أبُ أبِي الأمِّ، وأمُّ أبِي الأُمِّ، وأبُ أُمِّ أُمِّ الأمِّ: عند المنزِّلين: المالُ للثَّالِثِ.
وعلى رواية عِيسَى: للأوَّلين.
وعلَى رِوايةِ الجَوْزَجَانِيِّ: الثلُثانِ بين الأوَّلين ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، والثُّلُثُ للثَّالِثِ.
أبو أبِي أُمِّ أب، وأُمُّ أبِي أُمِّ الأَبِ، وأبو أبِي أَبِي الأمِّ، وأَمُّ أبِي أَبِي الأَمِّ.
قَالَ المنزِّلُونَ: المالُ للأَوَّلَيْنِ.
وقالَ أهلُ القَرابَةِ: الأَوَّلاَنِ من جهةِ الأَب، والآخَرانِ مِن جهةِ الأمِّ، فَيُجعَلُ المالُ أَثْلاَثًا بَيْنَ الجِهَتَيْنِ.
ثُمَّ عَلَى روايةِ الجَوْزَجَانيِّ: الثُّلُثانِ بين الأَوَّلَيْنِ أَثْلاثًا، والثُّلُثُ بَيْنَ الآخرين.
وعلَى روايةِ عِيسَى: الثُّلُثانِ للأوَّلِ مِنَ الأَوَّلَيْنِ، لِأَنَّهُ أبُو أبي أُمِّ الأَبِ، والثَّانِي أمُّه والثُّلثُ للأوَّلِ مِنْ الأَخِيرَيْن؟ لأنَّه أبو أبِ أبِ الأمِّ، والثَّانِي أمُّهُ 1.
ومنَ الأَصْنافِ؛ الخالاَتُ والأَحْوالُ والعمَّاتُ والأعمامُ من الأُمِّ.
نزّلَ المنزِّلونَ الأَخوالَ والخالاتِ منزلةَ الأُمِّ، وقَسَّمُّوا المالَ بينهم إِذا انْفَرَدُوا عَلَى حَسَبِ ما يأخُذُونَ من تَرِكَةِ الأُمِّ، لو كانَت هِيَ الميِّتَةَ.
واختلفُوا في العمَّاتِ والعمِّ للأمِّ، منهُمْ مَن نزَّلَهُم مِنزلةَ الأبِ، وهُوَ الأظْهَرُ، ومِنْهم مَنْ نزَّلَهُمْ منزلةَ العمِّ؛ لمُوافَقَةِ الاسْمَيْنِ، وهؤلاءِ اختلفُوا: فَقَيل: العمَّاتُ مِنَ الجهاتِ منزَّلاتٌ منزلةَ العمِّ مِنَ الأبَوَيْن.
وقيلَ: كُلُّ عمَّةٍ تُنَزَّلُ منزلَةَ العمِّ الَّذي هُوَ أخُوها، ثُمَّ مَنْ جَعَلَ العمَّاتِ بمِنزلةِ الأَب، أَوْ بمنْزِلَةِ العمِّ مِنَ الأَبوَيْنِ علَى افْتِراقِهم، قَالَ: إذَا انفرَدْنَ، قُسِّمَ المالُ بينَهُنَّ علَى حَسَبِ اسْتِحْقاقِهِنَّ، لو كانَ الأَبُ هُوَ الميِّتَ.
ومن نزَّلَهُنَّ منزلةَ الأَعْمَامِ المتفرِقِين قَدَّمَ العمَّةِ مِنِ الأبوَيْنِ، ثمَّ العمَّةَ مِنَ الأبَ، ثُمَّ العمَّةَ منَ الأُمِّ، وإِذا اجتمعَتِ العمَّاتُ والخَالاَتُ والأخْوَالُ؛ فالثُّلُثَانِ للعمَّاتِ والثُّلُثُ للأخْوالِ والخَالاَتِ، وُيعْتَبَرُ في كُلِّ واحدٍ مِنَ النَّصِيبَيْنِ ما اعْتُبِرَ في جَمِيعِ المالِ، لو انفردَ أحد الصَّنْفَينِ.
وأَمَّا أهلُ القرابةِ، فإنَّهُم قالُوا: إذا انفردَتِ الخالاَتُ، فإنْ كُنَّ مِنْ جِهَةٍ واحدةٍ، قُسِّمَ المالُ بَيْنَهُن بالسَّوِيَّةِ، وإنْ اختَلَفَتِ الجهةُ، فالخالةُ منَ الأبوَيْنِ مُقَدَّمَةٌ ثمَّ الحالةُ منَ الأَبِ، والأخْوَالُ المُنْفَرِدُونَ كالخَالاَتِ.
وإذا اجْتَمَعَ الأخَوالُ والخالاتُ: فإنْ كانُوا من جِهَةٍ واحدةٍ، قُسِّمَ المالُ بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإنْ كانُوا من جِهَة الأمِّ، وإن اخْتَلَفَتِ الجهاتُ، فمَنْ اختصَّ بقَرابةِ الأبوَين أَوْلَى، ثمَّ مَنِ اخْتَصَّ بقرابةِ الأبِ.
العمَّاتُ المنفرداتُ كالخَالاَتِ.
وإذا اجتمعَ الأعمامُ مِن الأب 1 والعمَّاتُ من الأمِّ، فالمالُ بَيْنَهُنَّ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وإذا اجتمعتِ العمَّاتُ والخالاتُ، فللعماتِ الثُّلثانِ، وللخالاتِ الثُّلُثُ، سواءٌ اتفقت جِهةُ العمَّاتِ والخالاتِ، أو اخْتَلَفَتْ علَى المَشْهُورِ عندهم وعن أبِي يُوسُفَ -رحمه الله- أنه إن اختلفَتِ الجهةُ، فالمالُ لِأقوَى الصِّنْفَيْنِ جهةً، ثمَّ إذا قُسِّمَ المَالُ أَثْلاَثًا اعْتُبِرَ في كلِّ واحدٍ مِنَ النصيبَيْنِ ما يُعْتَبَرُ من جميع المالِ عند انفرادِ الصِّنْفِ المصْرُوفِ إليهِم.
الأَمْثِلَةُ:
ثَلاثُ خالاتٍ متفرقات:
عندَ المنزِّلين: المالُ بينهمُ علَى خمسةٍ؛ كمَا لَوْ وَرِثْنَ مِنَ الأُمِّ.
وعَنْدَ أهلِ القَرابَةِ: هُوَ للخالة منَ الأَبوَيْنِ، وبمثله أَجَابُوا في ثلاثةِ أخوالٍ مُتَفَرِّقين.
والمنزِّلون قالوا: للخالِ منَ الأمِّ السُّدُسُ، والباقِي للخالِ منَ الأَبوَينِ [﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾].
ولو اجتمع الأخوال متفرقين.
[فالمنزِّلون قالوا: للخَالِ منَ الأمِّ السُّدسُ، والبَاقِي للخالِ منَ الأَبَوَيْن] (1).
ولو اجتمعَ الأخْوالُ المفترِقُون والخالاتُ والمُتَفرِقَاتُ:
قَالَ أهلُ القَرابَةِ: المالُ كلُّه للخالِ والخالةِ مِنَ الأَبوَينِ، [﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾] (2).
وقال المنزِّلُونَ: ثُلُثَا المالِ لهُما كذَلِك، وثُلُثُ المالِ للخَالِ والخَالةِ منَ الأُمِّ كذَلِكَ.
قال الإمَامُ: وتفضِيلُ الخالِ منَ الأمِّ علَى الخالةِ منَ الأمِّ مُشْكِلٌ مخالِفٌ للتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذُّكُورِ والإنَاثِ من أولادِ الأخ للأم.
ثلاثةُ أخوالٍ متفرقينَ، وثلاثُ عمَّاتٍ متفرقات عندَ المنزِّلِينَ: ثُلثُ المالِ بينَ الخالِ منَ الأبَوَيْنِ والخالِ منَ الأمِّ عَلَى ستَّةٍ، واحدٌ للثَّانِي، والباقِي للأوَّلِ، وقِسْمَةُ الثُلُثَينِ تخرَّجُ على الخلافِ في تَنْزِيلِ العَمَّاتِ.
إنْ جُعِلْنَ كالأعْمَامِ، فالثَّلثانِ للعمَّةِ مِنَ الأبوَيْنِ، وإنْ نُزِّلْنَ منزلةَ الأَب، فالثُّلثانِ بَيْنَهُنَّ عَلَى خَمسةٍ، كما يَرَيْنَ منَ الأَبِ، وقالَ أهلُ القرابةِ: الثُّلَثانِ للعمَّةِ منَ الأَبوَيْنِ، والثُّلثُ للخَالِ من الأَبوَيْنِ.
" فَرْعان"
الأولُ:
أحدُهُما: أولادُ الأخْوالِ والخالاتِ والأعمَامِ والعمَّاتِ من الأُمِّ.
عندَ المنزِّلِينَ: بمنزلة آبائِهِم وأُمَّهاتِهِم عندَ الانْفِرَادِ والاجتماعِ، ومن تَسَفَّلْ منهُمْ، رُفِعَ بطْنًا بطْنًا، فإنْ سَبَقَ بعضُهُم إلَى وارِثٍ، قُدِّمَ، وإنِ استَوَوْا فيه، قُسِّمَ المالُ بينَ الَّذين يُدْلِي بِهِم هؤلاَءِ؛ عَلَى حَسَب استحقاقِهِم من المَيِّتِ، فما أصابَ كلَّ واحدٍ مِنْهُمْ يُقَسَّمُ بينَ المُدْلِينَ به عَلَى حَسَبِ استِحْقَاقِهم مِنْهُ كما لو كانَ هُوَ الميِّتَ.
وقَالَ أهلُ القرَابَةِ: الأقربُ يُسْقِطُ12
الأَبْعَدَ بكلِّ حالٍ، فإِنِ استَوَوْا في الدَّرَجَةِ، نُظِرَ: إنِ انْفَرَدَ أولادُ الأخْوالِ والخَالاتِ:
فإمَّا أن تَخْتلفَ الجهةُ، فَيُقَدَّمَ الَّذينَ هُمْ مِنَ الأَبوَيْنِ، ثمَّ الَّذينَ هُم مِنَ الأَبِ، ثُمَّ يأْخُذُ الَّذينَ هُمْ مِنَ الأُمِّ وإما لم يختلفَ، فَيرِثُون جَميعًا.
ثمَّ النَّظَر عندَ أبي يوسُفُ إِلَى أبْدَانِهم، وعندَ محمدٍ إلَى وقوعِ الاخْتِلاَفِ في آبَائِهِم وأجدَادِهِمْ، علَى مَا سَبَقَ من أولادِ الأَخَوَاتِ وبناتِ الإخْوَةِ، وأولادُ العمَّاتِ عندَ الانْفِرادِ كأولادِ الخَالاَتِ والأَخْوَالِ.
وإنِ اجتمَعَ الصِّنْفَانِ؛ فَثُلثَا المالِ لِأَوْلاَدِ العَمَّاتِ، وثُلُثُه لِأَوْلاَد الأَخْوَالِ والخَالاتِ، عَلَى ما ذكرْنَا في آبَائِهِم، وُيعْتَبَرُ في كلِّ واحدٍ مِنَ النَّصِيبَيْنِ ما يُعْتَبَرُ في جَميعِ المَالِ.
وإذَا اجتمعَ مَعَ هَؤلاَءِ بناتُ الأعْمَامِ منَ الأَبوَيْنِ أو مِنَ الأَبِ ولمْ تختلفِ الدَّرَجَةُ فبناتُ الأعْمَامِ أَوْلَى لِسَبْقِهِنَّ إلى الوارثِ.
الثَّاني: أخوالُ الأمّ وخالاَتُها:
عندَ المنزِّلينَ: بمثابةِ الجَدَّةِ أُمِّ الأُمِّ، وأَعْمَامُهَا وعمَّاتُهَا بمثابةِ الجدِّ أبي الأمِّ، وأخوالُ الأَب وخالاتُهُ بِمَثَابَةِ الجَدَّةِ أُمِّ الأَبِ، وعمَّاتُهُ عنْدَ مَن نَزَّلَ عمَّةَ الميِّتِ مَنْزِلَةَ أبيه بمنزلة الجدِّ أبِي الأَبِ.
وعندَ مَن نزَّلَ عمَّةَ الميِّتِ منزلةَ عَمِّهِ، بمَثَابَةِ عَمِّ الأَبِ، فَيُقَسَّمُ المَالُ بَيْنَهُمْ، ومَا أَصَابَ كُلَّ واحدٍ مِنهُم يُجعَلُ للمُدْلِينَ بِهِ علَى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، لو كان هُوَ الميِّتَ.
وعلَى هَذا القِيَاس، يَجْعَلُونَ كُلَّ خالٍ وخَالَةٍ منزِلَة الجدَّةِ، الَّتِي هِيَ أخْتُهُمَا، وكلَّ عَمٍّ وعمَّةٍ بمنزلةِ الجِدِّ الَّذي هُوَ أَخُوهُمَا.
وأمَّا أهلُ القَرابَةِ، فإنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ في أَخْوالٍ الأُمِّ وخالاَتِهَا، مَا اعتَبَرُوه في أَخْوَالِ الميِّتِ وخالاَتِه، وكذلِك في عمَّاتِها؛ إذا انفَرَدْنَ، وإنِ اجْتَمَعَ أعمَامُها وعمَّاتُها، فالمَالُ بَيْنَهُمْ، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ على المشْهُورِ.
وفيهِ روايةٌ أُخْرَى: أنَّهُمْ، إنْ كَانُوا مِنَ الأَبوَيْنِ أو مِنَ الأَبِ، قُدِّمَ الأَعْمَامُ.
ولو اجتمَعَ أعمامُها وعمَّاتُها وأخْوَالُها وخالاتُها فالثُّلثُ للخَالاَتِ والأَخْوَال، والثُّلُثانِ للأعمامِ والعمَّاتِ، كَمَا في عُمُومَةِ الميِّتِ وخئولتة، وخؤولَةُ الأَبِ وعمُومَتُه، كخؤلَةِ الأُمِّ وعُمُومَتِها عندَ الانفرادِ والاجْتِمَاعِ.
ولو اجْتَمَعَ قَرابَاتُ الأَبوَيْنِ، فَلِقَرابَةِ الأَب الثُّلُثانِ ولقَرابَةِ الأُمِّ الثُّلُثُ، ثُمَّ يُقَسَّمُ كلُّ نَصيبٍ بينَهُم؛ كَما يُقَسَّمُ جميعُ المالِ، لو انفردُوا فثلثا الثلثين لعمَّاتِ الأبِ، وثُلثه
لأَخْوالِه وخَالاَتِه، وكذَلِكَ الثُّلثُ، ولا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ قَرابَةُ الأَبِ مِن جِنْسِ قَرابةِ الأُم، أو لا يكُونَ، حتَّى لو خَلَّفَ عمَّ أمِّهِ وخالةَ أبيهِ، يكُونُ الثُّلثانِ للخَالةِ، والثُّلُثُ للعمِّ.
ولَوْ خلَّفَ ثَلاثَ عمَّاتٍ مُتَفَرِّقاتِ، وثَلاثَ خَالًا متفرقات لِأبِيهِ، ومثلَهُنَّ لأُمِّهِ، فعلَى الصَّحيحِ -من قولِ أهل القَرَابَةِ-: ثُلثَا الثُّلُثَيْنِ لعمة الأبَ مِنَ الأبَوَيْنِ، وثُلثُهُما لخالةِ الأبَ منَ الأَبوَيْنِ، وَثُلُثُ الثَّلُثِ لِعَمَّةِ الأُمِّ مِنَ الأَبوَيْنِ، وثُلُثُهُ لخالَةِ الأُمِّ منَ الأَبوَيْنِ، وَيسقطُ البواقي.
وعند المنزِّلينَ: نصْفُ سُدُسِ المالِ بَيْنَ خالاَتِ الأَب، ومثْلُهُ بينَ خالاتِ الأُمِّ؛ لنزولهنَّ منزلةَ الجدَّتين، والبَاقي لعمَّاتِ الأَب دونَ عمَّاتِ الأم؛ لأنَّ عمَّاتِ الأبَ كأب الأَبِ وعمَّات الأمِّ كأب الأمِّ.
هَذا تَمَامُ البيانِ الأَوَّلِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِهِ كيفِيَّةُ تَوْرِيثِ الأَصْنَافِ، ومَنْ يَتَقَدَّمُ ويتأخَّرُ مِنْ أَشْخَاصِ كُلِّ صِنْفٍ.
البَيَانُ الثَّاني: في تَرتِيبِ الأَصْنَافِ:
قَالَ المُنزَّلُونَ: كل واحدٍ منْ ذَوِي الأَرْحامِ يُنَزَّلُ منزلةَ الوارِثِ الَّذي يُدْلِي بِهِ، ثُمَّ يُنظرُ في الوَرَثَةِ لو قُدِّرَ اجتماعُهُم، فإن كانُوا يَرِثُونَ، وَرِثَ المُدْلُونَ بِهِم، وإنْ كَانَ يَحْجُبُ بعضُهُم بعضًا، جَرَى الحُكمُ كَذَلِكَ في ذَوِي الأَرْحَامِ.
وقالَ أهلُ القَرابَةِ: ذَوُو الأَرْحامِ -وإنْ كَثرُوُا- يَرْجَعُونَ إلَى أربَعَةِ أَنْوَاعٍ.
المنتمونَ إلى الميِّتِ، وهُمْ؛ أولادُ البنَاتِ، وبناتُ الابْنِ، والمُنْتَمِي إلَيْهِمُ الميِّتُ وَهُمُ: الأجدادُ والجدَّاتُ الفاسِدَاتُ، والمنتَمُونَ إلَى أَبَوَي الميِّتِ، وهُمْ أوْلاَدُ الأَخَواتِ وبَناتُ الإخوَةِ، والمُنْتَمُونَ إلى أجداده وجدَّاتِهِ، وَهُمُ: العُمُومَةُ والخؤولة.
ومذهَبُهُم الظَّاهِرُ تَقديمُ النَّوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِث، فَما دامَ يُوجَدُ أحدٌ من فرُوعِ الميِّتِ -وإنْ كَانَ من غايَةِ السَّفَلِ- فَلا شَيءٍ لِأُصُولِه مِن ذَوِي الأَرْحامِ، وإنْ قَرُبُوا.
وعلَى هذا القِياسِ.
وعن أبِي حَنِيْفَةَ روايةٌ أُخْرَى، وهِيَ تَقْدِيمُ النَّوعِ الثَّانِي على الأَوَّلِ.
وقدَّمَ أبُو يوسُفَ ومحمدٌ النَّوعَ الثَّالثَ علَى الثَّانِي.
واتَّفَقُوا عَلَى أنَّ مَنْ كَانَ مِنَ العُمومَةِ والخُؤولة، وأولاَدِهِم ومِن وَلَدِ جَدٍّ أو جَدَّةٍ [أقربَ إلَى الميِّتِ فَهِيَ أَوْلَى بالميراثِ، فإن بُعْدَ ممنْ هُوَ من ولدُ جَدٍّ أو جَدَّة] 1 أبْعدُ [مِنْهُ].
وإذَا اجْتَمَعَ الأَجْدَادُ والجدَّاتُ مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ معَ الخَالاَتِ والأَخْوَالِ والعمَّاتِ،
فعَلَى أصْلِ أبِي حَنيفَةَ: تُقَدَّمُ الجدودة، وعندَ صاحِبَيْهِ: إنْ كانتِ العمومَةُ أو الخؤولة منْ وَلَدِ جَدٍّ أَو جَدَّةٍ، تُساوِي الجَدَّ والجدَّة الموجُودَيْنِ في المَسْألَةِ، أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمَا، فالأَجداد والجدَّاتُ أوْلَى، وإنْ كانُوا من أصلٍ أقرب مِنْهُمَا، فَهُمْ أوْلَى وعن أحمد -رحمة الله عليه- تقديمُ الخالِ على جميعِ ذَوِي الأَرْحَامِ.
وفي البَاقِينَ، مذْهَبَهُ مَذْهَبُ المنزِّلينَ في كُلِّ فَصْلٍ.
" فَرْعانِ"
الأَوَّلُ: قَدْ يجتمعُ في الشَّخْص الواحِدِ مِنْ ذَوِي الأَرْحام قَرَابَتانِ، إمَّا في أولاَدِ البنَاتِ؛ بأنْ يكُونَ للرِّجُلِ بِنْتَانِ، لإحْداهُما ابْنُ وللأُخْرى بنتُ، فينكِحُ الابن بِنْتُ خالَتِهِ، فتَلِدَ لَهُ بنتًا، فَهِيَ بنْتُ بنْتِ الرَّجُلِ وبنتُ ابْن بِنْتِه، أوْ في أولادِ الإخْوَةِ والأخَوَاتِ؛ بأنْ يَنْكِحَ أَخُو زَيد لأَمِّهِ أُخْتَه لأبِيهِ؛ فَتَلِدَ له بنْتًا، فَهِيَ بنْتُ أُخْتِ زَيْدٍ لأَبِيهِ، وبنتُ أُخْتِه لأُمِّه، أَوْ فِي أَوْلاَدِ الأَخْوَالِ والعَمَّاتِ؛ بأنْ يَنكِحُ خالُ الرَّجُلِ عمَّتَه، فتلدْ بنْتًا، فَهِيَ بنتُ خالِهِ وبِنْتُ عمَّتِهِ.
فالمنزِّلُونَ يُنَزَّلُونَ وُجُوهَ القَرَابَةِ؛ فإِن سَبْقَ بَعْضِ الوجوهِ إلى وارثٍ يُقدَّمُ بذَلِك الوَجْهِ عَلَى غَيرِه، وإلاَّ قدَّرُوا الوُجُوهَ أشْخَاصًا، ووَرِثُوا بها عَلَى ما تَقْتَضِيهُ الحالُ.
وأمّا أهلُ القَرابَةِ، فَعِندِ محمدٍ: يُورَّثُ صاحبُ القَرَابَتَينِ بالجِهَتَيْنِ جَمِيعًا.
وقالَ أبُو يُوسُفَ: إنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ في أوْلاَدِ البَنَاتِ، جُعِلَتِ الوجوهُ كَوَجْهٍ وَاحدٍ، ولَمْ يُوَرَّث بِها.
وإنِ اتَّفَقَ في أَولاَدِ الإِخوَةِ والأَخَواتِ وُرِّثَ بالجِهَةِ التي هِيَ أقوى.
وإن اتَّفَقَ في أولاَدِ الخؤولة والعُمُومَةِ، وُرِّثَ بالقَرابَتَيْنِ مَعًا؛ لأنَّهما مُخْتَلِفَانِ، وهذا أظْهَرُ عِنْدَهُمْ.
وعَلَى هَذا؛ فلو خَلَّفَ بنْتَ أَخٍ لأمٍّ هِيَ بنتُ أُخْتٍ لِأَبٍ كَمَا صَوَّرْنا، [وبنْتَ أختٍ أُخْرَى، أوْ بِنْتَ أخٍ أُخْرَى؛ وَرِثَتْ بإحْدَى 1 القَرابَتَيْنِ، وَهِيَ أنَّها بنْتُ الَأُخْتِ منَ الأَبِ.
ولو خَلَّفَ بنتَ خالٍ، هِيَ بنتُ عمَّةٍ، كَمَا صَوَّرْنا، وبنتَ عَمَّةٍ أُخْرَى] 2 فالثُّلُثُ لبنْتِ الخَالِ، والثُّلُثَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ.
ولو كان معَهُمَا بنْتُ خالٍ أُخْرَى، فالثُّلُثَانِ لَهَا، لأَنَّهَا بِنْتُ العمَّةِ، والثُّلُثُ بينَهما بالسَّوِيَّةِ.
الثَّاني: إذا كانَ معَ ذَوِي الأَرْحَامِ الزَّوْجُ أو الزَّوْجَةُ:
قال أهلُ القرابةِ: يخرِجُ نصيبُ مَنْ وُجِدَ منهما، ويُقَسَّمُ البَاقِي علَى ذَوِي الأَرْحامِ، كَما يُقَسَّمُ الجميعُ، لَوِ انْفَرَدُوا فالمخرج للزَّوْج أوْ الزَّوجة كَدَيْنٍ يُقَدَّمُ مِنَ التَّرِكَةِ.
وللمنزِّلين قولاَنِ: أظْهَرُهُما أنَّ الجوابَ كَذَلِكَ.
والثَّاني: أنَّ الباقِيَ بعدُ فَرضِ الزَّوْج أَوْ الزَّوْجَةِ يُقَسَّمُ بينَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ سِهامِ الَّذينَ يَدْلِي بِهم ذوو الأرْحامُ من الوَرَثَةِ مع الزَّوجَ أو الزَّوْجَةِ.
يُعْرَفُ القائِلُونَ بالأَوَّلِ بأصحاب اعتبارِ مَا بَقِيَ، والقَائِلونَ بالثَّاني بأصحاب اعتبارِ الأَصْلِ.
مثالُه:
زوجةٌ وبنتُ بِنْتِ، وبنتُ أختٍ مِنَ الأَبَوَيْنِ:
عندَ أهلِ القَرابةِ: للزَّوجَةِ الرُّبُعُ، والباقِي لبنتِ البِنْتِ، وأصحابُ القولِ الأوَّلِ من المنزِّلينَ جَعَلُوا لها الرُّبُعَ، والبَاقِيَ بينَ بنتِ البنتِ، وبنتِ الأُخْتِ بالسَّوِيَّةِ.
ومَنْ قَالَ بالثَّانِي، قَالَ إِذا نزَّلناهُمَا، فكأن في المسألةِ زَوْجَةً وبنتًا وأُخْتًا، ولو كانَ كَذَلِكَ، لكانتِ المَسْألَةُ من ثَمانِيةٍ: نصيبُ الزَّوْجَةِ مِنْهَا واحدٌ، يَبْقَى سَبْعَةٌ، فنَحْفَظُها، ثمَّ نخرجُ نصيبَ الزَّوجَةِ بتَمامِهِ، يَبْقَى ستَّةٌ، نُقَسَّمُ بينهما أَسْبَاعًا.
ولَوْ خَلَّفَت زَوْجًا وبنْتَ بِنْتٍ وخالةً وبِنْتَ عمٍّ.
عندَ أهلِ القَرابةِ: للزَّوجِ النِّصْفُ [والباقِي لبنتِ البِنْتِ.
وعلى القولِ الأَوَّلِ للمُنزِّلِينَ: للزَّوْجِ النِّصْفُ] (1)، ولبنتِ البنْتِ نِصفُ البَاقي، وللخالةِ سُدُسُ الباقِي، والبَاقِي لبِنتِ العمِّ.
وقالَ أصحابُ القول الثَّانِي: إذا نَزَّلنَا، حَصَلَ في المَسْأَلَةِ مَعَ الزَّوْج بنتٌ وأُمٌّ وعَمٌّ، وحينئذٍ فهي من اثْنَيْ عَشَرَ، نُسْقِطُ نَصِيبَ الزَّوْج يَبْقَى تِسْعَةٌ فنحفظُها، ثُمَّ نُخْرِجُ النِّصْفَ التَّامَّ للزَّوْجِ، وَنُقَسِّمُ بينهمُ الباقِيَ، وهُوَ سِتَّةٌ علىَ التِّسْعَةِ المحْفُوظَةِ، والله أعلم.
الكلامُ في حِسابِ الفَرائِضِ.
قَالَ: قال الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أُصُولِ الحِسَابِ
وَمُقَدَّراتُ الفَرائِضِ سِتٌّ، النِّصْفُ1
ونِصْفُهُ وَهُوَ الرُّبْعُ وَنِصْفُ نِصْفِه وَهُوَ الثُّمُنُ، والثُّلُثانِ وَنصْفُهُما وَهُوَ الثُّلُثُ وَنصْفُ نِصْفِهِمَا وَهوَ السُّدُسُ، أَمَّا مُسْتَحِقُّوهَا، فالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةٍ مِنَ الوَرَثَةِ في أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، والرُّبُعُ فَرْضُ اثْنَيْنِ، والثُّمُنُ فَرْضُ واحِدَةٍ، والثُّلُثانِ فَرْضُ أَرْبَعَةٍ، والثُّلُثُ فَرْضُ اثْنَيْنِ، والسُّدُسُ فَرْضُ سَبْعَةٍ، وإِذَا تأَمَّلْتَ مَا سَبَقَ عَرَفْتَ التَّفْصِيلَ، وَأَمَّا مَخَارجُ هَذِهِ المُقَدَّرَاتِ فَسْبَعَةٌ، الاثْنَانِ، والثَّلاَثَةُ والأَرْبَعَةُ، والسِّتَّةُ، والثَّمَانِيَةُ، والاثْنَا عَشَرَ، والأَرْبَعُ والعِشْرُونَ، وَزادَ آخَرُونَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وَسِتَّةَ وَثَلاِثينَ، وَذَلِكَ يُحْتاجُ إلَيْهِ في مَسَائِل الجَدِّ حِينَ يَطْلَبُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ إِخْرَاجِ سَهْمِ ذِي فَرْضٍ، وَلا يُخْرجُ الثُّلُثُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثَةٍ، والسُّدُسُ إِلاَّ مِنْ سِتَّةٍ، والثُّمُنُ إِلاَّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، والسُّدُسُ والرُّبُعُ مَعًا إلاَّ مِنَ اثْنَى عَشَرَ، والثُّمُنُ والسُّدُسُ مَعًا إلاَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ (أَمَّا العَوْلُ) فَداخِلٌ من جُمْلَةِ هَذِهِ الأَعْدَادِ عَلَى ثَلاثَةٍ، عَلَى سِتَّةٍ فَتَعُولُ إلَى سَبْعَةِ، وَإِلَى ثَمَانِيَةٍ، وإِلَى تِسْعَةٍ، وإِلَى عَشَرَةٍ، وَلا يَزِيدُ عَلَيهِ، وَاثنا عَشَرَ تَعُولُ بِالإِفْرَادِ إِلَى ثَلاَثةَ عَشَرَ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَسَبْعَةَ عَشَرَ، وَلا تَعُولُ إلى أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَسِتَّةَ عَشَرَ، والأَرْبَعُ والعِشْرُونَ تَعُولُ مَرَّةً واحِدَةً إلى سَبْعَةٍ وعَشْرِينَ فَقَطْ، ومَعْنَى العَوْلِ الرَّفْعُ وَهُوَ أنْ يَضِيقَ المال عَنِ الأَجْزاءِ فَيُرْفَعَ الحِسَابُ حَتَّى يَدْخُلَ النُّقْصَانُ عَلَى الْكُلِّ عَلَى وَتِيرَةٍ واحِدَةٍ، كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَهُوَ ثَلاَئةٌ مِنْ سِتَّةٍ إِذْ المَسْأَلَةِ مِنْ سِتَّةِ، وَلِلأُخْتَيْنِ أَرْبَعَةُ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ سَبْعَةً فَتُرْفَعُ السِّتَّةُ إِلَى سَبْعَةٍ أمَّا تَصْحِيحُ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ فَإنْ كَانَ الوَرَثَةِ كُلُّهُمْ عَصَبَاتٍ فَالْمَسَأَلَةُ مِنْ عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ، تَصِحُّ، فَإنْ كَانَ فِيهِمْ أُنْثَى نُقَدِّرُ كَأَنَّ كل ذَكَرِ أُنْثَيَانِ، وَإِن كَانَ فِيهِمْ ذُو فَرْضٍ وَعُرِفَتِ المَسْألَةِ بِعَوْلِها ثُمَّ عِنْدَ القِسمَةِ انْكَسَرَ عَلَى فَرِيقٍ أَوْ عَلَى فَرِيقَيْنِ فَطَرِيقُ التَّصْحِيحِ ذَكَرْناهُ في المَذهَبِ البَسِيطِ والوَسِيطِ جَمِيعًا وَهَذَا الوَجِيزُ لا يَحْتَمِلُ استِقْصاءَهُ.
[في أُصولِ الحسابِ ومقدَّراتِ الفَرائِضِ ستَّةٌ:
النصفُ ونصفُه -وهُوَ الرَّبُعُ-، ونِصْفُ نصفِه وهُوَ الثُّمُنُ] 1. مقصودُ الحِسابِ في هَذا الفنِّ شَيْئَانِ:
أحدُهُما: تَصْحِيحُ المسَائِلِ.
والثَّاني: قِسمَةُ التَّرِكَةِ علَى الوَرَثَةِ.
المَقصَدُ الأَوَّلُ: التَّصْحِيحُ.
وله مقدِّمَاتٌ أوردَ بعْضُها في الكتَابِ، ولم يُورِدْ طَرِيقَ التَّصْحِيحِ:
أحداها: الفروضُ المقدَّرَةُ في كِتاب الله تَعالى ستَّةٌ: النِّصفُ ونِصفُه وهو الرُّبُعُ، ونصفُ نصفِه، وهو الثُّمُنُ، والثُّلُثانِ وَنِصفُهُما وهو الثُّلثُ، ونصفُ نصفهما وهو السُّدُسُ.
وقدْ تَفَضَّلَ من قبلُ بيانُ مُسْتَحقِّيهَا، وإذا جمعتهم قلت النصفُ فرضُ خَمْسةٍ وهم الزَّوجُ ولبنتُ وبنتُ الابْنِ والأُخْتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ والأخْتُ منَ الأَبِ 1.
والرُّبُعُ فَرْضُ اثْنَيْنِ وَهُمَا: الزَّوْجُ والواحدةُ والعددُ منَ الزَّوْجَاتِ 2، والثُّمُنُ فرضُ الواحدةِ والعددِ منَ الزَّوْجَاتِ.
والثَّلثَان فرضُ أرْبَعةٍ وَهُمْ: الإناثُ اللَّوَاتِي تَأخُذُ الواحدةُ منهنَّ النِّصفُ.
والثُّلثُ فرضُ اثْنَينِ وهُمَا: الأُمُّ والاثنانِ مِنْ أولادِ الأُمِّ هَكَذا بقولُه بعضُهم، وعلَى ذَلِك جَرَى في الكِتَابِ.
ومنهمُ منْ يقولُ: فرضُ ثلاثةٍ، ويزيد الجدُّ معَ الإخْوَةِ في بعضِ الأحْوالِ وهُوَ الأصَحُّ.
والسُّدسُ فرضُ سبعةٍ وَهُمْ: الأمُّ، والجدَّةُ، والأَبُ، والجدُّ وبنتُ الابنِ معَ بنتِ الصُّلْبِ والأختُ من الأَبِ مَعَ الأخْتِ من الأَبَوَيْنِ، والواحدةُ مِنْ أَولادِ الأُمِّ.
الثانية: كلُّ عَدَدَيْنِ؛ فَهُمَا إمَّا مُتَمَاثِلانِ كثَلاثةٍ وثلاثةٍ وخمسةٍ وخمسةٍ، أو غيرُ مُتَماثِلَيْنِ.
فإمَّا أنْ نَفْني الأكثر بالأقَلِّ إِذَا أسْقِطَ منه مرَّتَينِ فصَاعِدًا كالثلاثةِ مع التِّسْعَةِ والخمسةِ مع العَشَرَةِ، أو لاَ نفْنِي به فإن كانَ الأوَّلُ، سُمِّيا مُتَداخِلَينِ، والمَعْنَى أَنَّ أَحدَهُمَا داخلٌ والآخرُ مدخولٌ فيه.
وإن كانَ الثَّاني فإمَّا أنْ يفنيهما جميعًا عدد ثالثٍ كالستَّةِ معَ العَشَرَةِ يفنيهما الاثْنَانِ، وكالتِّسْعَةِ معَ اِلاثْنَي عشرَ يفنيهما الثَّلاثةُ.
أو لا يُفْنَيَهُما عَددٌ آخرُ وإنَّما يفنيانِ بالواحدِ؛ إن كانَ الأوَّلُ سُمِّيَا مُتَوَافِقَيْنِ، وإن كانَ الثَّاني سُمِّيَا متَبايِنَيْنِ.
فإذن كلُّ عددَيْنِ فهما إمّا مُتَماثِلاَن أَو مُتَداخِلاَن أو مُتَوافِقانِ أو مُتَبايِنَانِ.
وكلُّ متداخلَينِ فهما مُتَوافِقانِ؛ لأن الأقلَّ إذَا أفْنَى الأكْثَرَ، كانَا متوافِقَيْنِ بإجْزَاءِ مَا في العَدَدِ الأقلِّ منَ الآحادِ.
مثالُه: الخمسةُ تفنى العشرَةَ فَهُما متوافِقانِ بالأخْمَاسِ.
وإذا أردتَّ أنْ تُعْلِمَ أنَّ العدَدَيْنِ هلْ يدخُلُ في الآخرَ، فأسْقِطِ الأقلَّ منَ الأَكْثَرِ [مرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا، أوْ زدْ علَى الأقلِّ مثْلَه مرَّتَيْنِ فصَاعِدًا، فإنْ فَنِيَ الأَكْثَرُ بالأقلِّ، أو سَاوَى الأقلُّ أكثرَ بزِيَادةِ الأَمْثَالِ، فَهُمَا مُتَداخِلاَنِ وإلاَّ، فَلاَ.
وإذا أردت أن تُعْلِمَ، هلْ هما متوافِقَان، فأسْقِطِ الأَقَلَّ مِنَ الأكْثَرَ مَا أمْكَنَ، فَمَا بَقِيَ، فأسْقِطْهُ مِنَ الأَقَلِّ] 1 فإنْ بَقِيَ منْهُ شَيْءٌ فأَسْقِطْهُ مِمَّا بَقِيَ مِنَ الأَكْثَرَ، ولاَ تَزَالُ تَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَفْنَى العددُ المنقُوصُ مِنهُ آخرًا، فإنْ فنِيَ بواحدٍ فلا مُوافَقَةِ بينَهُما، وإنْ فَنِيَ بعددٍ، فهُمَا مُتوافقَان بالجزْءِ المأْخُوذِ منْ ذَلِكَ العددِ، إنْ فَنِيَ باثْنَيْنِ فَهُمَا متوافِقَانِ بالنِّصْفِ، وإنْ فَنِيَ بثلاثَةٍ، فبالثُّلثِ، وإنْ فَنِيَ بعَشَرَةٍ، فبالعُشْرِ، وإنْ فَنِيَ بأحدَ عَشَرَ، فبِأَجْزَاءِ أحدَ عشرَ، وعلَى هَذا القِياسُ.
مثَالَهُ: واحدٌ وعِشْرُون وتِسْعَةٌ وأرْبَعُون:
تُسقِطُ الأقلَّ منَ الأكثرِ مرتين يبْقى سبْعَةً، وتسقِطُ السبعةَ مِنَ الأقلِّ ثلاثَ مراتٍ يَفْنَى بِها؛ فَهُمَا مُتَوافِقَانِ بالأَسْباعِ.
مائةٌ وعِشرُونَ ومائةٌ [و] 2 خمسةٌ وسِتُّون:
تُسْقِطُ الأقلَّ من الثَّانِي، تَبْقَى خمسةٌ وأربَعُون، فأسقِطُ هَذا العدَدَ منَ المائةِ والعِشْرينَ مرَّتَيْنِ، يبقى ثلاثون، أسقِطْه مِنَ الخمسةِ والأرْبَعِين، تَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، أَسْقِطْه منَ الثَّلاثين مرَّتَيْنِ، يَفْنَى به الثَّلاثُونَ، فهما مُتَوافِقان بأجزاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ ومهْما حصَلَ التَّداخلُ، انقَسَمَ الأكثرُ علَى الأقلِّ قِسْمَةً صحيحةً، وكانَ الأقلُّ غيرَ زائدٍ علَى نصفِ الأكثرِ.
وإذا أفنى عددَين أكثرَ مِنْ عددٍ واحدٍ، فهُما مُتوافِقَان بأجْزَاءِ مَا في تِلكَ الأعدادِ منَ الآحادِ.
مثالُه: اثنا عشرَ وثَمانِيَةَ عشرَ: تُفْنَيهُما الستَّةُ والثَّلاثَةُ، والاثنانِ فَهُما مُتَوافِقَان بالأسداسِ والأثلاثِ والأنصافِ، والعملُ والاعتبارُ في مثلِ ذلكَ بالجزءِ الأقلِّ، فَيُعْتَبَرُ في هَذا المِثالِ السُّدُسُ، وفِي المتوافِقَيْن بالأخماسِ والأعْشَارِ العشرِ.
وعلَى هَذا القياسِ.
الثَّالِثَةُ: في أُصُولِ مَسَائِلِ الفَرائِضِ.
أصلُ المسالَةِ: هُوَ العددُ الَّذِي يَخْرُجُ منه سِهَامُهَا.
ومسائلُ الفرائضِ نَوْعَانِ:
أحدُهُما: أن يكونَ الورثَةُ كلُّهم عَصَبَاتٍ، فإنْ كانُوا ذكُورًا أو إناثًا [فالقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ بالسَّوِيَّةِ، وصورتُه في الإنَاثِ الممحضات: أنْ تُعتِقَ نسوةٌ رقيقًا يَمْتَلِكْنَه عَلَى التَّسَاوِي.
وإنْ كانُوا ذُكورًا وإنَاثًا] 1، قدَّرْنا كلَّ ذَكَرِ اثْنَيْنِ، وقسَّمْنَا المالَ، وَأَعْطَينا كلَّ ذَكَرٍ سَهْمَيْنِ وكلَّ أنْثَى سَهْمًا، فعدَدُ الرؤوس 2 في هَذا النَّوْعِ هُوَ أصلُ المسْأَلَةِ.
والثَّاني: المسائِلُ الَّتي ورثتها أصحابُ فُرُوض أو بعضُهُم صاحِبَ فرْضٍ، فالأصول في هَذا النَّوْعِ سَبعَةٌ عندَ المتقدِّمِين، ومنَ المتَأخِّرينَ من يقولُ: تِسْعَةٌ، أمَّا السَّبْعَةُ المتفقُ عَلَيْهَا فَهِيَ: اثنانِ وثلاثةٌ وأربعةٌ وستةٌ وثمانيةٌ واثْنَا عَشَرَ وأربعةٌ وعشرُونَ، وهَذا لأنَّ الفروضَ السِتَّةَ كُسُورٌ مضافَةٌ إلى الشَّيْءِ المعْدُودِ واحِدًا، وهُوَ التَّرِكَةُ.
ولا يخلُوا إمَّا أنْ يقعَ في المسألةِ واحدٌ مِنْهَا أو اثنانِ فصَاعِدًا: إنْ لَم يقعْ فيها إلاَّ واحدٌ، فالمخرجُ المأخوذ منْهُ ذَلِك الكَسْرُ هو أصلُ المسألةِ، فالنِّصفُ منِ اثنَيْنِ والثُّلثُ من ثلاثةٍ والرُّبُعُ من أربعةٍ.
وعلَى هَذا، وإنْ وَقَعَ فِيها اثْنَان فَصَاعِدًا.
فإنْ كَانَا من مخرَجٍ واحدٍ، فهو أصلُ المسألة، وإن كانا مختلفي المخرَج، أخذنا المخرَجَيْنِ، ونظَرْنَا فيهما فإنْ كانا متداخلَيْنِ كما إذا اجتمَع الثلُثُ والسُّدُسُ، فأكثر المخرِجَيْنِ أصْلُ المسألة، وإن كانا متوافِقَينِ، كما إذا اجتمع السدُسُ والثُمُن، ضَرَبنا وَفْقَ أحدِ المخرجَيْنِ في جميع الآخر، تحصل أربعةٌ وعشرون، فهو أصلُ المسألة.
وإن كانا متبايِنَينِ، كما إذا اجتمعَ الثّلُث والرُّبُعُ ضربْنَا أحَدَ المخرَجَيْنِ في الآخرِ، وجعلْنا الحاصلَ -وهو اثنا عَشَرَ- أصْلَ المسألة.
وإذا فصَّلْتَ، قُلْتَ: كلُّ مسألةٍ فيها نصفٌ، وما بَقِيَ كزَوْج وأخٍ، أو نِصْفَان، كزَوْج وأخت، فهي مِنَ اثْنَينِ وكل مسألة فيها ثلثانِ وما بَقي؛ كأختينِ من الأبوين وعمٍّ أو ثُلُثٌ، وما بَقِيَ؛ كأمٍّ وعمٍّ.
أو ثلثانِ وثلثُ، كأختَيْن من الأبوَيْنِ وأختَيْن من الأمِّ، فهي من ثلاثةٍ.
وكلُّ مسألةٍ فيها ربُعٌ، وما بَقِيَ؛ كزَوْج وابنٍ، أو زوجةٍ وأبٍ.
أو ربعٌ ونصْفٌ وما بقي؛ كزوجٍ وبنتٍ وأخٍ، فهي من أربعة.
وكلُّ مسألةٍ فيها سدُسٌ، وما بقي كأمٍّ وابن؛ أو سدسٌ ونصفٌ وما بقي، كأمٍّ وبنتِ عَمٍّ أو سدسٌ، وثلث وما بَقِيَ؛ كأمِّ وولدَيْ أُمٍّ وعمٍّ.
أو نصْفٌ وثلثان؛ كزوْجٍ وأختين، أو نصفٌ وثلثٌ وما بَقِيَ؛ كأمٍّ وزوجٍ وعَمٍّ،
فهي من ستَّةٍ.
وكلُّ مسألةٍ فيها ثُمُنٌ وما بَقِيَ؛ كزوجة وابن، أو ثُمُنٌ ونصْفٌ وما بَقِيَ؛ كزوجةٍ وبنتٍ وعمٍّ، فهي من ثمانية.
وكلُّ مسألةٍ فيها ربُعٌ وثلثانِ وما بَقِيَ؛ كزوج وبنتين وعمٍّ، أو ربُعٌ وثلُثٌ وما بقي؛ كزوجة وأمٍّ وأخ فمن ستة أو ربُعٌ وسُدَسٌ وما بَقِيَ؛ كزوج وأمٍّ وابنٍ، فهي مِنِ اثْنَي عَشَرَ.
وكلُّ مسألةٍ فيها ثمُنٌ وثلثانِ وما بَقِيَ؛ كزوجةٍ وبنتَيْنِ وأخٍ، أو ثُمُنٌ وسُدُسٌ وما بقي؛ كزوجة وأمٍّ وابن، فهي من أربعة وعشْرِينَ.
وإذا تأمَّلتَ، عرفْتَ أن الأصلَيْنِ الآخرَيْنِ منَ السَّبْعة لا يتولَّدان إلا مِنْ فرَضَيْنِ مختلفَيْنِ، وأن الأصْل الأوَّل لا يكونُ إلاَّ عنْد اتحاد الفرْضِ، وما عداها قد يتَّفق مع الاتِّحاد وقد يختلف مع الاختلاف.
وأمَّا الأصْلاَنِ المختلَفُ من وضْعِهِما، فهما ثمانيةَ عَشَرَ، وضعفهما ستةٌ وثلاثُونَ، زادَهُمَا بعْضُ المتأخِّرين عَلَى قول زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في الجَدِّ والإِخوةِ، حيْثُ كان ثلث الباقِي بعْد الفَرْض خيرًا له من القسمة.
والثمانيةَ عَشَرَ أصْلُ كلِّ مسألةٍ فيها سدُسٌ وثلث ما بقي وما يبقَى؛ كأمِّ وجدَّةٍ وإِخوةٍ 1.
والسنَّةُ وثلاثونَ أصْلُ كلِّ مسألةٍ فيها ربُعٌ وسدُسٌ وثلُثُ وما بقي وما يبقَى؛ كزوجةٍ وأمٍّ وجدٍّ وإِخوةٍ.
والمتقدِّمون قالُوا: لا يَزِيدُ علَى الأُصُول المستخْرَجَةِ من الفُرُوض المذْكُورة في كتابِ اللهَ تعالَى.
وتصحيح المسألَتَيْنِ بالضرب:
فالأُولَى: من ستةٍ: للأم سهم يَبْقَى خمسةٌ، ونحنُ نحتاجُ إلَى ثُلُثِ ما يبْقَى، ولَيْس للخَمْسة ثُلُثٌ صحيحٌ، فنَضرِبُ مخرج الثُّلُثِ في أصْل المسْألة، تصير ثمانيةَ عشَرَ.
والثانيةُ: مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، تخرج بالفَرْض خمسةٌ، وليس للباقي ثلثٌ صحيحٌ، فيضربُ مخْرَج الثلث في اثْنَيْ عَشَرَ، تصير ستةً وثلاثين واستصوب الإمامُ وصاحبُ "التتمة" صنيع المتأخِّرين؛ لأنَّ ثلث ما يبقَى، والحالة هذه، فرْضٌ مضموم إلى السُّدُس والرُّبُع، فلتكن الفريضةُ من مخرجها.
واحتج صاحبُ "التتمة" بأنَّهم اتَّفَقُوا في زَوْج وأبوَيْنِ عَلَى أن المسألةَ مِنْ سِتَّةٍ، ولوْلاَ إقامةُ الفريضةِ من الثُّلُث وثُلُثِ ما يبقَى، لقالوا: هيَ مِنِ اثْنَيْنِ، للزوج واحدٌ، يبقى واحدٌ، وليْسَ لهُ ثلُثٌ صحيحٌ؛ فنضرب مخْرَجَ الثلثِ في اثنَيْنِ، تصير ستَّة:.
واعلَمْ أنَّه قد يتَّفق في صورة الجَدِّ والإِخوة نصْف ما يبقى؛ كزوجٍ أو بنتٍ وجدٍّ وإخوةٍ، فيجوزُ أنْ يقدَّر اتِّفاقهم عَلَى أنَّه منْ ستَّةٍ، كما حُكِيَ في زوْج وأبوَيْنِ، ويجوزُ أن يقدَّر في أصله الخلافُ 1.
الرَّابِعَةُ: في العَوْل 2.