كِتَابُ الجعَالَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الآبِقَ فَلَهُ دِرْهَمٌ مَثَلاً، وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَأَرْكَانُهَا أَربَعَةٌ: الأَوَّلُ: الصَّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الإِذْن في الرَّدِّ بِشَرْطِ عِوَضٍ، فَلَوْ رَدَّ إِنْسَانٌ ابْتِدَاءٌ فَهُوَ مُتَبَرِّعُ فلاَ شَيْءَ لَهُ (ح م)، وَكَذَا إِذَا رَدَّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ نِدَاءَهُ فَإِنَّهُ قَصَدَ التَّبَرُّعَ، وَإذَا كَذَّبَ الفُضُولِيَّ وَقَالَ: قال فُلاَنٌ مَنْ رَدَّ فَلَهُ دِرْهَمٌ فَلاَ يَسْتَحقُّ الرَّادُّ عَلَى المَالِكِ وَلاَ عَلَى الفُضُولِيِّ لأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ قَالَ الفُضُولِيُّ: مَنْ رَدَّ عَبْدَ فُلاَنٍ فَلَهُ دِرْهَمٌ لَزِمَهُ لأَنَّهُ ضَامِنُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنَ الأصحاب مَنْ أَوْرَدَ هذا البابَ في هذا الموْضِع، ومنْهمِ صاحِبُ "التَّهذيب" وجمهورُهم أورده في آخر "باب اللُّقَطَةِ" ولكلٍّ مناسبةٌ، فالأول لأنَّ للجَعَالة شبهاً ظاهراً بالإجارة.
والثاني: لأنَّ الحَاجةَ إلى هذا العَقْدِ في الأغلَب تقَعُ في الضَّوَالِّ والعبيد الآبقين، فحَسَنَ وصْلُه باللُّقطَة.
والجَعَالَةُ في اللُّغة 1: ما يُجْعَلُ للإنسان على شيْءٍ يفعله، وكذلك الجُعْل والجَعِيلةَ، وأمَّا في الشَّرْعِ فصورةُ عقْدِ الجَعَالَةِ أنْ يقولَ: مَنْ ردَّ عَلَىَّ عبْدي الآبِقَ أو
الجزء: 6 - الصفحة: 195
دابَّتِي الضَّالَّةَ 2، فله كذا، وهو صحيح، لمسيس الحاجةِ إلَيْه في الأعمال المجهولة واستأنسوا له بقَوْلِهِ تعالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ثم إن صاحب الكتاب أوْدَعَ مسائِلَه فصلَيْنَ:
أَحَدُهُمَا: في أركان الجَعَالَةُ وعدَّها أربعةً أحدها: الصيغةُ الدالَّةُ عَلى الإذْن في العمل بعَوَضٍ يلتزمه، فلو أَبَقَ عبْدٍ إِنسانٍ، أو ضلَّت دابَّتُه، فرده غَيْره بغير إذنه، فلا شيْءُ لهُ سواء، كان الرَّادّ معْرُوفاً بردِّ الضّوَال أو لم يكنْ، خلافاً لمالكٍ حيث قال: إنْ كان معروفاً أنَّه يستحقُّ أُجْرَةَ المِثْلِ، ولأبي حنيفة رضي الله عنه حيثُ قال فلا شيء له، سواء كان الراد معروفاً برد الضوال، أو لم يكن؛ خلافاً لمالك حيث قال: إن كان معروفاً به استحق أجرة المثل، ولأبي حنيفة حيث قال: في العبد خاصةً إن ردَّه من مسافة ما دون ثلاثةٍ أيَّام، استحق أُجرة المثل، وإن ردَّه من مسافةِ ثلاثَةِ أيَّام أو أكثر، فإنْ لم يَكُنْ معروفًا بردِّ الآبقين، لم يستحقَّ شيئاً، وإن كان معْرُوفاً به، استَحَقَّ أربعِينَ درْهماً استحساناً؛ إلاَّ أنْ تكونَ قيمتُهُ أقَلَّ مِنْ أَربَعِينَ، فيستحِقُّ قدر قيمته ناقصاً بدرهم، ولأحمد؛ حَيْثُ قال: يستحقُّ في ردِّ الآبقِ دِيناراً، سواءٌ كان معروفًا بذلك، أو لم يكن.
لنا: أنَّه عملٌ لم يَلْتَزِم له المالك عِوَضاً، فيقع تبرُّعاً كما لو لم يكن معروفاً بالردِّ، وكما لو ردَّ غير العبد.
ولو قال لواحد: رُدَّ آبِقِي، ولك كذا، فردَّه غَيْرُه لم يستحِقَّ شيئاً؛ لأنَّه لم يشتَرِطْ للغير ذلك المعيَّن، نعم، رَدُّ عبده كردِّه في استحقاق الجُعْل؛ لأنَّ يَدَهُ كَيَدِهِ.
ولو قال: من رَدَّه، فله كذا، فردَّه من لم يَسْمعْ نداءه، لم يستحقَّ شيئاً؛ لأنّه قصَدَ التبرُّعَ، فإنْ قَصَدَ العِوَضَ، لاعتقاده أنَّ مِثْلَ هَذَا العملِ لا يحبط ويستحقُّ به الأُجرَة، فكذلك، وعن الشيخِ أَبي مُحَمَّدٍ تردُّد فيه؛ لأنَّه حصل المقصُود، وشَمِلَهُ اللفظ بعمومه،.
والظاهر الأوَّل، ولا عبرةَ باعتقاده، وكذلك لو عيَّن واحداً، فقال: إن ردَّه فلان، فله كذا، فردَّه غير عالم بإذنه والتزامه، وإن أَذِن في الرَّدْ، ولم يلتزم العوضَ،
الجزء: 6 - الصفحة: 196
فلا شيء للرادِّ.
هذا ظاهر النَّصِّ، وفيه الخلاف المذكورُ فيما إذا دَفَع ثوباً إِلى غَسَّالٍ ليغسله، فغسَله، ولم يجْرِ للأُجَرة ذكر.
ولا يشترط أن يكون الملتزمُ مَنْ يقع العمَلُ في ملكه، بل لو قال غيرُ المالك: مَنْ ردَّ عبْدَ فلان، فله كذا، استحقَّه الرادُّ عليه؛ ووجِّه ذلك بأنه التزمه، ولَيْسَ كما إذا التزم الثَّمَنَ في بيْعِ غيره، والثوابَ علَى هبة غيره؛ لأنَّه عِوَضُ تمليك، فلا يُتصوَّر وجوبُه عَلَى غير مَنْ حَصَلَ له المِلْكُ، والجُعْلُ ليْسَ عوضَ تمليكٍ، ولو قال فضوليٌّ: قال فلان: مَنْ ردَّ عبْدي، فله كذا، لم يستحقَّ الرادُّ على الفضوليِّ؛ لأنَّه لم يلتزمْ، وأمَّا المالكُ، فإن كذبَ الفضوليُّ عليه، فلا شيء عليه [أيضاً، وكان مِنْ حقِّه الرادِّ أنْ يثبتَ، وإن صَدَق.
قال في "التَّهذيب": يثْبُت الاستحقاقُ علَيْه، وكان هذا] 3 فيما إذا كان المخبر ممن يعتمد على قوله، وإلاَّ، فهو كما لو رَدَّ غير عالم بإذنه والتزامه 4، ولا فَرْقَ في صيغة المالِكِ بيْن أن يقولَ: منْ ردَّ عبدي، وبيْن أن يقولَ: إنْ ردَّه إنسانٌ، أو إن ردَدتُة، أو: رُدَّه، ولك كذا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: العَاقِدُ.
وَشَرْطُهُ أَهْلِيَّةُ الإِجَارَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعِيينُ العَامِلِ لِمَصْلَحَةِ العَقْدِ وَكَذَلِكَ لاَ يُشْتَرَطُ القَبُولُ (و) قَطْعاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يلتزم الجُعْلِ ينبغي أنْ يكونَ مُطْلقَ التصرُّف، وإليه أشار بقوله: "وشُرطه أهليَّةُ الإجارة" وإنّما خَصَّ الإجارةَ بالذكر؛ لأنَّها أشْبَه بالجعالة من البَيْع وغيره؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منْهما مقابلةُ منفعةٍ بمالٍ، والعاملُ يجوز أَنْ يكون شخْصاً معيَّناً، أو جماعةً معيَّنينَ، ويجوزُ إلاَّ يكونَ كذلك، وقد بان مثالُ القسْمَيْن في الفصْل السابق، وإنَّما احْتُمِلَ إبهامُ العامِل؛ لأنَّ ردَّ الآبق وما في معناه قدْ لا يتمكَّن منه معيَّن، ومن يتمكَّن [منه] ربما لا يكون حاضرًا، وربَّما لا يعرفُه المالكُ، فإذا أطْلَق الاَشْتِراط، وشاع ذلك يسارع من يتمكَّن منه إلى تحصيل العوض 5، فاقتضتَ مصلحةُ العقدْ احتماله، ثم إذا لم يكُنِ العاملُ معيَّناً، فلا يُتَصَوَّرُ للعقْد قَبولٌ، فإنْ كان معيَّناً فلا يُشْترَط قبولُه أيضاً على المشْهور، ويكْفي الإتيانُ بالعمل.
وقال الإمامُ: لا يمتنع أنْ يكونَ كالوَكِيل في اشْتِراط القَبُول.
فيجوز أنْ يُعْلَمَ لذلك قولُه في الكتاب: "لا يُشْتَرط القَبُولُ" بالواو، وقولُه:
الجزء: 6 - الصفحة: 197
"وكذلك" أراد لرعاية مِصْلحة العقْد، وليشترطْ عنْد التعْيين أهليةُ العمل في العامل 6.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ العَمَلُ وَهُوَ كُلُّ مَا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولاً فَإِنَّ مَسَافَةَ رَدِّ العَبْدِ قَدْ لاَ تُعْرَفُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ز) الجَهْلُ بَلْ لَوْ قَالَ: مَنْ خَاطَ ثَوْبِيِ أَوْ مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ دِينَارٌ اسْتُحِقَّ (ز) لأَنَّهُ إِذَا جَازَ مَعَ الجَهْلِ فَمَعَ العِلْمِ أَوْلَى، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إلاَّ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما لا يجوز الإجارةُ علَيْه من الأعمال لكونه مجهولاً تجوز الجَعَالةُ عليه؛ لأنَّ مسافةَ ردِّ الآبق قد لا تعرف فتدْعُو الحاجة إلى احتمال الجَهَالَةِ فيه، كما لا تدْعُو إلى احتمالها في العامِلِ، وإذا كنا نحتمل 7 الجهالةَ في القِراضِ؛ لتحصيل زيادة، فَلأَنْ نحتملها في الجعالة أولَى.
وأمَّا ما تجوز الإجارة عليه، ففي جواز الجَعَالَةِ عليه وجهان، سبق ذكرهما في الحج، والأصَحُّ: الجوازُ، وقدْ ذكرنا هناك ما يقتضي إعْلامَ قوله: "ولا يُشْتَرَطُ الجَهْلُ" بالزاي، وكذا قوله: "اسْتحق".
ولو قال: من ردَّ على مالِي، فله كذا، فردَّه عليه مَنْ كان في يَدِه، نُظِرَ، إن كان في ردِّه كلفةٌ ومؤنةٌ؛ كالعبد الآبق، استحق الجُعْل، وإنْ لم يكنْ كالدراهم والدنانير، فلا، لأنَّ ما لا كلفةَ فيه، لا يُقَابَلُ بالعِوَض.
ولو قال: من دلَّني عَلَى مالي، فدَلَّه مِنَ المالُ في يده، لم يستحقَّ الجُعَلْ؛ لأنَّ
الجزء: 6 - الصفحة: 198
ذلك واجبٌ علَيْه بالشَّرْع، فلا يجوز أخْذُ العِوَض عليه، وإنْ كان في يَدِ غيرِه فدَلَّ عليه، استحق؛ لأنَّ الغالبَ أنَّه يلحقه مشقَّةٌ في البَحْث عنه.
وفيما حكيناه ما ينبئك أنَّ ما يُعْتبر في العَمَلِ لجواز الإجارة يُعْتَبَر لجواز الجعَالَةِ سوى كونه معلُوماً 8، وربَّما فُهِم ذَلك مِنْ قوله: "وهو كلُّ ما يستأجر علَيْه، وإن كان مَجْهولاً".
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: الجُعْلُ وَشَرْطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً مُقَدَّراً كَالأُجْرَةِ فَلَوْ قَالَ: مَنْ ردَّ مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ فردَّ من نِصْفِ الطَّرِيقِ، اسْتَحَقَّ النِّصْفَ أَوْ مِنَ الثُّلُثِ اسْتَحَقَّ الثُّلثُ، وَلَوْ رَدَّ مِنْ مَكَانٍ أَبَعْدَ لَمْ يَسْتَحِقَّ زِيَادَةً لأَنهُ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَإنْ قَالَ: مَنْ ردَّ فَلَهُ دِينَارٌ فَاشْتَرَكَ فِيهِ اثنَانِ فَهُوَ لَهُمَا، فَإِنْ عَيَّنَ وَاحِداً فَعَاوَنَهُ غَيْرُهُ لِقَصْدِ مُعَاوَنَةِ العَامِلِ فَالكُلُّ لِلعَامِلِ، وَإِنْ قَصَدَ طَلَبَ أُجْرَةٍ فَلاَ شَيْءَ لَهُ وَلِلعَامِلِ نِصْفُ دِينَارٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجبُ أن يكون الجُعْلُ المشْروطُ مَعْلوماً كالأُجْرة، فإنَّه لا حاجةَ إلى احتمال الجَهَالة فيه، بخلاف العَمَل، وأيضاً، فإِنَّه لا يكادُ يَرْغَب أحدٌ في العمل، إذا لم يعلَمْ بالجُعْلِ، فلا يَحْصُلُ مقصود العقْدِ، فإن شرط جُعْلاً مجهولاً؛ بأن قال: مَنْ ردَّ آبقي، فله ثوبٌ أو دابَّةٌ، أو إنْ رددتُه، فعلي أن أُرضِيَكَ أو أُعْطِيَكَ شيئاً، فسد العقد والمستحَقُّ بالعمل أُجرة المثل، وكذا لو جَعَلَ الجُعْلَ خمراً أو خنزيراً، ولو جَعَل الجُعْلَ ثوباً مغصوباً، ذكر الإمامُ احتمالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُخرِّجه على القَوليْنِ فيما إذَا جَعَلَ المغْصُوب صَدَاقاً، حتَّى يرجع في قولٍ إلَى قيمة ما يقابل الجُعْل، وهو أجرةُ المِثْل، وفي قول إلَى قيمة المسمَّى.
وثانيهما: القطْعُ بأُجرةِ المِثْل؛ لأنَّ العِوَضَ ركْنٌ في هذه المعاملة؛ بخلاف الصداق، ولو قال: من رَدَّ عبْدِي، فله سَلَبُهُ أو ثِيَابُهُ قال في "التتمة": إن كانتْ معلومةً أو وصفها بما يفيدُ العِلْمَ، فللرادِّ المشروطُ، وإلاَّ، فله أُجْرَةُ المِثْل، فإنْ قال: فله نِصْفُهُ أو رُبْعُهُ، فالجوابُ في "التتمة" الصِّحةٌ، وفي "أمالى" أبي الفرج السرخسيِّ المنعُ، وهو قريبٌ من استئجار المرْضِعة (بجزء) من الرقيق الرَّضيع بعد الفِطَام، ثم في الفصْلِ مسألتان:
الأولَى: لو قال: منْ رَّد عبْدِي من بلَدِ كذا، فله دينارٌ، فيجيء أولاً فيه الخلافُ المذكورُ في أنَّ العَمَلَ المعلومَ، هَلْ يجوزُ فيه الجَعَالة.
إنْ قلْنا: نعم، وهو الأصَحُّ فمَنْ ردَّه من نصف الطريق، استحق نِصْفَ الجُعْلِ،
الجزء: 6 - الصفحة: 199
ومن ردَّه من ثُلثه، استحقَّ الثُّلُثَ، وإن ردَّه مِنْ مكان أبْعَد، لم يستحقَّ زيادة؛ لأنَّهُ لم يلتزم وإنْ قال: إن رددتُّما عبْدِي، ملكما كذا، فردَّه أحَدهُمَا، استحقَّ نصف الجعل؛ لأنه لم يلتزمْ له أكثر من ذلك ولو قال: إنْ رددتُّما عَبْدِي، فرد واحد منهما أحدَ العَبْدَيْنِ 9 لم يستحقَّ إلاَّ الرُّبُعَ.
وفي هذه الصُّورة شُبْهةٌ؛ لأنَّه الالتزامَ معلَّقٌ بالرَّدِّ مِنْ ذلك البلد، وبرد العبدين، ولو توزَّع الجعل في الجعَالَةِ على العَمَل، لا يستحقُّ النصْفَ، إذا ردَّ من ذلك البَلَد إلَى نصْفِ الطَّريقِ، ولما وقَع النَّظَر إلَى كونه المأتى به نافعاً أو غيرَ نافعٍ، كما في الإجارة.
الثانية: قال: من، ردَّ عبْدي، فله كذا، فاشترك في ردِّه اثنان أو جماعةٌ، فالجُعْلُ مشتَرَكٌ.
ولو قال لنَفَرٍ: إنْ رددتُّمْ عبدي، فلكم كذا، فردُّوه، فكذلك، ويقسم بيْنَهُم على عددِ الرؤوس؛ لأنَّ العَمَلَ في أصْلِه مجهُولٌ، ولا نظَر إلَى مقدارِه في التوزيع، قال الإمامُ: لا يبعُدُ أن يُقَال: إنَّما يدفعُ الجُعْلَ إليهم عند تمام العَمَل، وحِيْنَئذٍ، فقد انضبط العَمَل، فيوزَّع على أجور أمْثَالِهِمْ.
ولو قال لزَيْدٍ: إن رددتَّه، فلك دينارٌ، فردَّه بشركة غيره، فلا شيْءَ عليه لذلك الغير؛ لأنَّهُ، لم يلتزِمْ، وأمَّا زيْدٌ فإن قصد الغير معاونَتَه، وإمَّا بعوض أو مجَّانَاً، فله تمامُ الجَعْل؛ لأنَّه قد يحتاج إلَى استعانة بالغير، ومقصود المالك ردُّ العبد بأىِّ وجهٍ أمْكن، فلا يُحْمَل لفظه عَلَى قِصَر العمل على المخاطب، ولا شيْء لذلك الغَيْر على زيد، إلاَّ أنْ يلتزمَ أُجْرَةً، ويستعين به، وإن قال: عملْتُ للمالك، لم يكنْ لزَيْدٍ تمامُ الجُعْلِ.
قال الإمامُ: ويُعْتَرضُ بالنَّظَرِ في أنَّ التَّوزيعَ على الرؤوس أو على قدر العمل؟ ورأْيُ الظاهرِ التوزيعُ على العمل، لكنَّ المشهورَ الأوَّلُ، وعلى ذلك ينطبقُ قولُهُ في الكتاب: "وللعامل نصْفُ دينارٍ".
وليس قوله: "وإنْ قَصَدَ طلبَ أُجْرَة" لتخصيص الحكم به، فإنَّهُ إذا قصد العَمَلَ للمالك، فلا فرْقَ بين أن يقصد الشركة في الجُعْل، وبيْن أنْه يقصدَ التبرعِ، ولا شارَكه اثْنَانِ في الرَّدِّ، فإنْ قصد إعانة زيْدٍ، فله تمامُ الجُعْلِ، وإن قصَدَ العَمَلَ للمالِك، فله ثُلُثُه، وإن قصَدَ أحدُهُما إعانتَه، والآخَرُ العمَلَ للمالِك، فله الثُّلُثَانِ، وقد خَطَر بالبالِ هاهنا أنَّ العاملَ المُعيَّنَ، هل يُوَكِّل الغير؛ لينفرد بالردِّ كما يستعينُ به، وأنَّه إذا كان النداءُ عامَّاً، فوكَّل رَجُلٌ غيْرَه، لِيَرُدَّ له، هل يجُوز؟ ويشبه أنْ يكونَ الأولُ كتوكِيْلِ الوَكِيل.
الجزء: 6 - الصفحة: 200
والثَّاني: كالتَّوْكيل بالاحتطاب والاستقاء 10.
ولو قال لواحدٍ: إِنْ رددَّته، فلك كذا ولآخر: إن رَددتَّهُ، فلك كذا، ولثالثٍ: إن رددَّته، فلك كذا، فاشتركوا في الردِّ.
قال الشافعيُّ رضي الله عنه لكلِّ واحدٍ منْهم ثلثُ ما جعل لهُ اتَّفقتِ الأجْعَالُ أو اختلَفَتْ.
قال المَسْعُودِيُّ: وهذا إذا عَمِل كلُّ واحدٍ منهم لنَفْسه، أمَّا إذا قال أحدُهُم: أَعَنْتُ صاحِبِي، وعمِلْتُ لهما، فلا شَيْءَ لهُ، ولكلِّ واحدٍ منْهُما نِصْفُ ما شَرَطَ له، ولو قال اثنانِ: عَمِلْنا لصاحِبَنا، فلا شيْءَ لَهُمَا ولَهُ جميعُ المَشْروط له، ثم في الحُكْم بأنِ لكلِّ واحدٍ منْهما الثُلُثَ تصريح بالتوزيع على عددِ الرؤوس، وعلى هذا فلو ردَّه اثنان منْهم، فلكلِّ واحدٍ منْهما نِصْفُ المَشْرُوطَ له وإن أعانهم رابعٌ في الردِّ، فلا شَيْءَ لَهُ، ثم إنْ قال: قَصَدتُّ العملَ للمَالِك فلكلِّ واحدٍ من الثلاثةِ رُبُعُ المَشْروط له.
وإنْ قال: أعَنْتُهُمْ جَمِيعاً، فلكلِّ واحدٍ منْهم ثُلُثُ المشْروُط، كما لو لم يكنْ معهم غَيْرُهُمْ.
وإن قال: أَعَنْتُ فُلاَناً، فلَهُ نِصْفُ المشْرُوط له، ولكلِّ واحدٍ منَ الآخرين رُبُعُ المَشْروط له، وعلَى هذا القياس؛ لو قال: أَعَنْتُ فلاناً فلاناً، فلكلِّ واحدٍ منهما رُبُعُ المَشْروط له وثمنه، وللثَّالث رُبُعُ المَشْروط له.
ولوْ قالَ لواحدٍ: إنْ رددته، فلك دِينارُ، وقال لآخر: إن رَدَدتَّه، أرخيتك، أو فلَكَ ثُوْبٌ فردَّه، فللأوَّل نِصْفُ الدينارِ، وللثانِي نِصْفُ أُجْرَةِ المثْل 11.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا أَحْكَامُهَا فَالجَوَازَ مِنَ الجَانِبَينِ كَالقِرَاضِ وَجَوَازُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قَبْل فَرَاغِ العَمَلِ وَوُجُوبُ اسْتِحْقَاقِ الأُجْرَةِ عَلَى تَمَامِ العَمَلِ حَتَّى لاَ يَسْتَحِقُّ بِالبَعْضِ البَعْضَ، بَلْ لَوْ مَاتَ العَبْدُ عَلَى بَابِ الدَّارِ أَوْ هَرَبَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلاَ حَقَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي: في أحكام الجَعَالَةِ؛ فمنْها: الجوازُ، فَلِكلِّ واحدٍ مِنَ المالِكِ والعَامِلِ فَسْخُهُ قبلَ تَمام العَمَل، قالَ في "التتمة": لأَنَّ الجَعَالَةَ تُشْبِهُ الْوَصِيَّةَ مِنْ حيْثُ إِنَّها تعليق استحقاق بشَرْط، والرُّجوعُ عن الوصيَّة جائز، فكذلك هاهنا، وبعد تمام العَمَل؛ لا معنى للفسخ ولا أثر له؛ لأنَّ الدَّيْنَ قد لزم 12، ثم إن اتَّفقَ الفَسْخُ قَبْلَ
الجزء: 6 - الصفحة: 201
الشُّروع في العمل، فلا شيْءَ للعاملِ، وإن كان بعْدَهُ، فإنْ فسَخَ العامِلٌ لم يستحقَّ لما عمل شيئاً؛ لأنَّهُ امتنع باختياره، ولم يَحْصُلْ غرضُ المالِك بما عَمِل، وإنْ فَسَخ المالِكُ، فوجهان مذكوران في "التهذيب":
أَحَدُهُمَا: أنَّه لا شيْء لَلعامل أيضاً، كما لو فسخ بنَفْسِه.
وأَصَحُّهُمَا: أنَّه يستحقُّ أُجْرَةَ المثْل لما عمل كَيْلاَ يحبط سعْيُه بفسخ غيرِه، وهذا ما أورده المعظمُ، وربما عبَّروا عنه بأنَّهُ ليس له الفَسْحُ؛ حتى يَضْمَنَ العامِلُ أُجْرَةً مثل ما عمل.
وذكر الإمامُ فيما إذا فَسَخَ المالِكُ بعْد الشُّروع في العمل، والعاملُ معيَّنٌ أنه لا يبعد تخريجُه على الخلاف في عزْل الوكيل في غيبته، وهذا بعيدٌ عن كلام الأصْحَابِ.
ورَدَّ أبو سعيد المتولِّي هذا التشبيه إلى شيْءٍ آخرَ، وهو أنَّ ما يعمله العامِلُ بعد الفسخِ لا يستحق عليه شيئاً إن كان عالماً بالفسخ، فإن لم يعلمه بني على ذلك الخلاف.
وكما ينفسخ الجعالة بالفسخ تنفسخُ بالمَوْتِ، ولا شيْء للعامِل بما يَعْملُ بعد مَوْت المالِكِ، ولو قَطَعَ بعْضَ المسافة، ثم مَاتَ المَالِكُ، فردَّه إلَى وارثه، استحَقَّ من المسَمَّى بقدر ما عمِلَ في حياته، ذكره أبو الفرج السَّرْخَسِىُّ.
ومنها: أنَّهُ يجوز التصرُّفُ في الجُعْلِ بالزيَادةِ والنُّقْصَانِ، وبغيرِ الجنس قَبْل العمل فلو قال: منْ رَدَّ عبْدي، فلَهُ عَشَرةٌ، ثم قال: من ردَّه، فَلَهُ خمسةٌ، أو بالعكْس، فالاعتبار بالنِّداء الأخيرِ، والمذكورُ فيه هو الذي يستحقُّهُ الرادُّ.
نعم لو لم يَسْمَعِ العاملُ النداءَ الأَخِيرِ قال في "الوسيط": احتمل أَنْ يقال: يرْجِعُ إلَى أُجْرَة المِثْلِ.
ثم قولُه في الكتاب "قبْلَ فَرَاغِ العملِ" يقتضي جوازَ الزيادةِ والنقصانِ، ما لم يتمَّ العملُ، وفي "المهذَّب" وغيره أنَّه يجوزُ ذلَكَ قَبْلَ العملِ، كما قدَّمناه، وهذا يشعر بما قبلَ الشُّروعِ، ولا شَكَّ في جَوَازِ هَذَا التصرُّفِ قَبْلَ الشُّروع، وأمَّا في أثناء العَمَلِ، فالظَّاهرُ تأثَيرُه في الرجُوعِ إلَى أجْرةِ المِثْلِ؛ لأنَّ النداء الأخير فَسْخٌ للأول والفسخ في أثناء العمل يَقْتَضِي الرُّجوعَ إلى أُجْرَةَ المِثْلِ.
ومنها توقُّف استحقاقِ الجُعْلِ على تمام العَمَل حَتى لو سَعَى في طلب الآبق وردِّه، فمات في الطريق، أو على باب دارِ المَالِكِ، أو هرَب أو غصَبَةُ غاصبٌ، أو تركه العامل، أو رَجَع بِنَفْسِهِ فلا شيء عليه للعامل، لأنَّ الاستحقاقَ معلّقٌ بالرجوع 13 وهو
الجزء: 6 - الصفحة: 202
المقصودُ، ويخالف ما إذا استأجرَه ليحج عنه فأتى ببعض الأعْمَال، ومات حيث يستحق من الأُجْرَة بقدر ما عمل في أحدِ القولين، وفرقوا بينهما من وجهين:
أَحَدُهُمَا: أنَّ المقصود من الحج الثوابُ، وقد حَصَلَ ببعض العمل بعض الثواب، وهاهنا لم يحصل شيئاً من المقصود.
والثاني: أنَّ الإجارَةَ لازمةٌ تَجِبُ الأُجْرَة فيها بالعَقْد، وتستقرُّ شيئاً فشيئاً، والجعَالة جائزةٌ لا يثبت شيْءً فيها إلاَّ بالشَّرْط، ولم يوجَدْ، وإذا ردَّ الآبق، لم يكن له حبسه إلى استيفاء الجُعْل؛ لأنَّ الاستحقاقَ بالتسليم، ولا حبس قبل الاستحقاق.
ولو قال: إنْ علَّمتَ هذا الصبيِّ أو علَّمْتَني القرآنَ، فلك كذا، فعلَّمه البعْضَ، وامتنعَ منْ تعليم الباقي، فلا شيءَ له، وكذا لو كان الصبيُّ بليداً لا يتعلَّم كما لو طلب العَبْدَ، فلم يجدْه، ولو مات الصَّبِىُّ في أَثناء التعليم، استحقَّ الأجرة لما علَّمه لوقوعه مَسلَّماً بالتَّعْلِيم؛ بخلافِ ردِّ الآبق، فإنْ تسلَّم العمل بتسليم الآبِق، وهَهُنَا، ليْسَ علَيْه تسْلِيم الصَّبيِّ، ولا هو في يدَهِ، وإن منعه أبُوه منَ التَّعليم، فللمعلِّم أُجْرَةُ المِثْل لما علَّم، قاله في "الشامل".
وقوله "ووجوب استحقاق الأجْرَة" أراد بالأجْرَةِ الجُعْلَ، لما بينهما من التفاوُت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإِنْ أَنْكَرَ المَالِكُ شَرْطَ أَصْلِ الجُعْلِ، أَوْ شَرْطَهُ فِي عَبْدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ سَعْى الْعَامِلِ في الرَّدِّ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ تَنَازَعَا في مِقْدَارِ الجُعْلِ تَحَالَفَا وَالرُّجُوعُ إِلَى أُجْرَةِ المِثْلِ.
قالَ الرِّافِعِيُّ: إذا جاء بَعبْدِه الآبِقِ، وطالبه بالجُعْلِ، فقال: ما اشترطْتُ جُعْلاً، أو قال: شرطْتُهُ عَلَى عَبْدٍ آخر، لا على هذا العَبْد، ولو قال: ما سَعَيْتَ في ردِّه، وإنَّما عادَ العَبْدُ بِنَفْسِهِ، فالقول قولُ المالك؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ الشرطِ والردِّ.
ولو اختلَفا في القدْرِ المشروطِ (1)، تحالَفا، وللعامل أُجْرَةُ المثل (2)، كما لو اختلفا في الإجارة، وكذا لو قال المالِكُ: شرطَّتُ الجُعْلَ عَلَى ردِّ عبدين، فقال العاملُ: بل على ردِّ الذي ردَدتَّ.
فروع
:
الأوَّل: لوْ قَال: مَنْ ردَّ عبْدي إلَي شَهْرٍ، فله كذا.
فعن القاضي أبي الطيِّب: أنَّه1415
الجزء: 6 - الصفحة: 203
لا يجوز؛ لأنَّ تقدير المدَّةِ يُخلُّ بمقْصُود العقْد؛ فإنَّهُ ربما لا يَظْفَرُ به في تلْك المدة، فيضيعُ سعْيُه، ولا يَحْصُلُ غرض المَالِك، وهذا كما أنَّهُ لا يجُوز تقدير مدَّة.
القِراضِ.
الثاني: إذا قال: بعْ عبدي هذا أو اعْمَلْ كذا، ولكَ عَشَرةُ دَرَاهِمَ، ففي بعض التصانِيف أنَّه، إنْ كان العمَلُ مضبُوطاً مُقدَّرًا، فهو إجارةٌ، وإن احتاج إلى تردد أو كان غير مضبوطةِ فهو جعَالة.
الثالث: لَمْ أجدْهُ مسْطُوراً.
يد العامل على ما يحصل في يده إلَى أنْ يرده يدَ أمانةً، ثمَّ لو رفع اليد عن الدابَّة، وخلاَّها في مضيعةٍ، فهو تقصير مضمن ونفقة العَبْد، وعلف الدابَّةِ في مدَّة الرد يجوزُ أنْ يكونَ عَلَى ما ذكَرْنا في مكتري الجمال، إذا هرب مالكها، وخلاَّها عنْده، ويجُوزُ أنْ يُقَالَ: ذاك أمرٌ أمضت إلَيْه ضرورةٌ، وههنا، أثبت العاملُ يده عليه باختياره، فيتكلَّفُ مؤنته، ويؤيد هذا بالعَادَة 16.
الرابع: قال لغَيْره: إنْ أخبرتني بخُرُوجِ فلانٍ من البَلَد، فلك كذا، فأخبره، ففي فتاوى القفَّال: أنَّهُ إنْ كان له غرضٌ في خروجه، استحق وإلا فلا، وهذا يقتضي أنْ يَكُونَ صادقاً، فإنَّ الغَرَضَ حينئذ يَحْصُلُ، بخلاف ما إذا قال: إنْ أخبرتني بكذا، فأنتِ طالقٌ، فأخبرَتْه كاذبةً، وينبغي أيضاً أنْ يُنْظرَ فِي أنَّهُ، هلْ يناله تعبٌ أم لا 17؟ واللهُ أعلمُ.
الجزء: 6 - الصفحة: 204