وهذا عادة أهل اللسان: فإذاً جملة القُلَّتَيْنِ خَمْسُ قِرَب واختلفوا في تقدير ذلك بالوزن على ثلاثة أوجه:
أحدها: ذهب أبو عبد الله الزبيري -رحمة الله عليه- إلى القلتين ثلاثمائة مَنٍّ 1, لأن القلة ما يقله البعير، ولا يُقِل الواحد من بعران العرب.. غالباً أكثر من وسق، الوَسْقُ سِتُّونَ 2 صاعاً، وذلك مائة وستون مَنّاً، فالقلتان ثلاثمائة وعشرون يحط منها عشرون للظروف والحبال، يبقى ثلاثمائة وهذا اختيار القَفَّال، والأشبه عند صاحب الكتاب 3.
والثاني: أن القلتين أَلْفُ رَطلٍ؛ لأن القربة قد تسع مائتي رطل، فالاحتياط الأخذ بالأكثر، ويحكى هذا عن أبي زيد.
والثالث: هو المذهب أن القلتين خمسمائة رطل مائتان وخمسون مَنّاً بالبغدادي؛
لأِن القِرْبَةَ الوَاحِدَةَ لا تزيد على مائة رطل في الغالب ويحكى هذا عن نص الشافعي -رضي الله عنه- ثم ذلك معتبر بالتقريب أم بالتحديد؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو الذي ذكره في الكتاب: أنه معتبر بالتقريب؛ لأن ابن جريج رد القُلَّة إلى القرب تقريباً، والشافعي -رضي الله عنه- حمل الشيء على النصف احتياطاً وتقريباً، وَالقِلاَلُ في الأصل تكون متفاوتة أيضاً كما نعهده اليَوْمَ في الحبَابِ وَالكِيزَانِ.
والثاني: أنه معتبر بالتحديد كَنِصَابِ المشرفة 4 ونحو ذلك.
فإن قلنا: بهذا، لم نسامح بنقصان شيء.
وإن قلنا بالأول فنسامح بالقدر الذي لا يتبين بنقصانه تفاوت في التغير بالقدر المعين من الأشياء المغيرة، وعند أبي حنيفة وأصحابه لا اعتبار بالقِلاَلِ، وإنما الكثير هو الذي إذا حرك جانب منه لم يتحرك الثاني.
هذه رواية ولهمَ رِوَايَاتٌ سِوَاهَا 5.
قال الغزالي: فُرُوعٌ خَمْسَةٌ: الأَوَّلُ- مَا لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنَ النَّجَاسَةِ اضْطَرَبَ فِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ، وَالأَقْرَبُ أَنَّ مَا انْتهَت قُلَّتُهُ إِلَى حدٍّ لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مَعَ
مُخَالَفَةِ لَوْنِهِ للون مَا يَتَّصلُ بِهِ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ للتَّحفُّطِ عَنْهُ، وَمَا يُدْرَكُ عِنْدَ اختِلاَفِ اللَّوْنِ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُعْفَى عَنْهُ لاَ فِي الثَّوْب وَلاَ فِي المَاءِ.
قال الرافعي: النجاسة التي لا يدركها الطَّرْفُ كَنُقْطَةِ الخَمْرِ وَالبَوْلِ التي لا تبُصر وَالذُّبَابَةِ تقع على النجاسة ثم تطير عنها، هل تؤثر كالنَّجَاسَةِ المُدْرَكَةِ أم يعفى عنها؟ لفظة في المختصر يشعر بأنها لا تؤثر، ونقل عن الأُمِّ أنَّه لا فرق بينها وبين النجاسة المدركة؛ وعن الإملاء التسوية بينهما في الثوب.
واختلف الأصحاب فيه على سبعة طرق:
أحدها: أن في تَأثِيرِهَا في الماء والثوب قَوْلَيْنِ.
والثاني: أنها تؤثر فيهما بلا خلاف.
والثالث: لا تؤثر فيهما بلا خلاف.
والرابع: تؤثر في الماء وفي الثوب قولان.
والخامس: تؤثر في الثوب وفي الماء قولان.
والسادس: تؤثر في الماء دون الثوب بلا خلاف 1.
السابع: تؤثر في الثوب دون الماء بلا خلاف.
فهذا هو اضطراب النص ومقالات الأصحاب، وأما التوجيه فمن ألحق هذه بما يدركه الطرف، قال: الظواهر المقتضية لاحتساب النجاسة عامة تتناول التي يدركها الطرف والتي لا يدركها، ومن سامح بهذه النجاسة، علل بتعذر الاحْتِرَازِ فإن الذُّبَابَ يقع على النجاسات، ثم يطير ويقع في الماء، وعلى الثياب فأشبه دَمَ الَبَراغِيتِ، وسائر ما يتعذر الاحتراز عنه.
ومن قال: تُؤَثِّرِ في الماء دون الثوب، فرق من وجهين:
أحدهما: أن صون الماء بتغطية رأس الإناء ممكن بخلاف الثياب.
والثاني: أن الذبابة إذا ارتفعت عن النجاسة، جَفَّ ما نجس منها بالهواء، فلا يؤثر في الثوب ويؤثر في الماء، فلو كان الثوب رَطْباً، كان كالماء، ومن قال: يؤثر في الثوب دون الماء، قال: الماء أقوى على دفع النجاسات، بدليل الماء الكثير.
وأما ما ذكره حجة الإسلام -رحمه الله- من أنه إن انتهت القُلَّةُ إلى حد لا يدرك مع مخالفة لونه للون ما يتصل به، فهو معفو عنه في الماء وغيره وإلا فلا.
فَهَذَا تَفْصِيلٌ لاَ نَرَاهُ لغيره،
ووجهه في غير الوجيز 1: بأن قال: إذا بلغت القُلَّةُ الحَدُّ المذكور، كانت هذه النجاسة، كما تحملها الرياح من النجاسات مثل الذَّرِّ وتبثها على المياه والثياب، ومعلوم أن ذلك مما لا يبالي به فكذلك هاهنا ولك أن تقول: غير هذا التفصيل أجود منه؛ لأن الكلام فيما لا يدركه الطرف، لقلته لا للموافقة في اللون، وما لا يدرك لقلته لا يدرك اختلف اللون أو اتفق.
فأحد القسمين، وهو أن يكون بحيث يدرك عند اختلاف اللون، خارج عن صورة المسألة وإنما صورتها القسم الثاني، ثم القول فيه بالعفو اختيار القول المنقول في عدم تأثير هذه النجاسة في الماء والثوب جميعاً.
وظاهر المَذْهَب عند المعظم خلافة، ثم في عبارة الكتاب بسط وتطويل، ولا يخفى إيراد الغَرَض فيَ أقصر منها لمن يبتغي الإيجاز.
قال الغزالي: الثَّانِي- قُلَّتَانِ نَجِسَتَانِ غَيْرُ مُتَغَيِّرَتَيْنِ إذَا جُمعَتَا لاَ تَغَيُّرِ عَادَتَا طَاهِرَتَينِ فَإذَا فُرِّقَتَا بَقِيَتَا عَلَى الطَّهارَةِ وَلَمْ يَضُرَّ التَّفْرِيقُ إلاَّ إذَا كَانتِ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً فَبَقِيَتْ 2 في إحْدَى القُلَّتَيْنِ.
قال الرافعي: الماء القليل النجس إذا كُوثِرَ حتى بلغ قلتين، هل يعود طهورًا؟ نُظِر إن كوثر بغير الماء فلا؛ بل لو كمل الماء الناقص عن القلتين بِمَاءِ وَرْدٍ وصار مستهلكًا فيه، ثم وقعت فيه نجاسة تنجس وإن لم يتغير، وإنما لا تقبل النجاسة قلتان من محض الماء على ما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْن لَم يَحْمِل خَبَثًا" 3، وإن كُوثِرَ بالماء نُظِر إن كان مستعملاً ففي عَوْدِ الطهورية وجهان:
أحدهما: لا يعود لاِنْسِلاَبِ قوة المستعمل، والتحاقه بسائر المائعات.
وأظهرهما: تعود، لأن الأصل فيه الطهورية، والضعف الذي عرض له ليس بأكثر من أن تعرض له النجاسة.
ولو كُوثِرَ الماء النجس بماء نجس ولا تغير، عادت الطهورية، ومأخذ هذا الخلاف كمأخذ الخلاف في أن المستعمل هل يعود بالكثرة طهورًا؟ وإن لم يكن مستعملاً عادت الطُّهُورِيَّةُ، فإن الأصل في الماء الطهورية، والنجاسة عرضت لعلة القلة، فإذا كثر عمل الأصل عمله، ثم التفريق بعد عود الطهورية لا يضر كما لو كان الماء قُلَّتَيْنِ عند وقوع النجاسة فيه، ولم يتغير ثم فرق ولا فرق بين أن يقع التَّكْمِيلُ بماء طاهر، أو نجس في عود الطهورية.
وصورة مسألة الكتاب ما إذا كان كل واحد من المُكَمِّلِ وَالمُكَمَّلِ نجساً، ثم لا يخفى أن عود الطهورية إنما يكون بشرط عدم التغير في المجموع، وهل يشترط أن لا يكون فيه نجاسة جامدة؟ فيه خلاف التباعد، ولو كوثر الماء القليل بما يغلب عليه ويغمره، ولكن لم يبلغ قُلَّتَيْنِ فهل تزول نجاسته؟ فيه وجهان:
أظهرهما: [أنه] 1 لا تزول 2: وإن قلنا: بالزوال، فهو طاهر غير طهور، وذلك بشروط
أحدها: أن يكون التكميل بماء طاهر لا ينجس.
والثاني: أن يورد الطاهر على النجس.
الثالث: أن يكون المُكمَّل أكثر من المكمِّل مما لا يكون فيه نجاسة، وكل ذلك فيما إذا بلغ قُلَّتَيْنِ بخلافه.
ويشترط أيضاً أن لا يكون فيه نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ لا محالة.
وقوله: في الكتاب "جمعتا" عادتا طاهرتين، في لفظ الجمع إشارة إلى ما ذكره الأصحاب أن المعتبر في المُكَاثَرةِ الضَّمُّ وَالجَمْعُ دون الخَلْطِ، حتى لو كان أحد البعضين صافياً والآخر كدراً، وانضما تزول النجاسة من غير توقف على الاختلاط المانع من التميز، وقوله: "عادتا" معلم بالألف لما روى عن أحمد، وعن أصحابه، أنه لا تعود الطهارة.
وليس المراد من قوله "عادتا طاهرتين"، مجرد الطهارة، بل مع الطهورية.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ كَثِيرٍ يَجُوزُ الاغْتِرافُ مِنْ جَوَانِبِها عَلَى القَوْلِ القَدِيمِ وَهُوَ الأَقْيَسُ، وَيجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا بِقَدْر القُلَّتَينِ فِي القَوْلِ الجدِبدِ.
قال الرافعي: إذا وقع في الماء الكثير الراكد نجاسة جامدة كَالمَيْتَةِ، فهل يجوز الاغْتِرَافُ مما حوالى النجاسة، أم يجب التباعد عنها بقدر القلتين؟ فيه قولان: القديم: وهو ظاهر المذهب على خلاف الغالب، أنه يجوز الاغتراف من أي موضع شاء، ولا حاجة إلى التباعد؛ لأنه طاهر كله، فيستعمله المستعمل كيف شاء.
والدليل على أنه طاهر كله، قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ" 3 الخبر والجديد: أنه
يبعد عن النجاسة بقدر قلتين، ثم يغترف؛ لأن ما دون القلتين مما يجاور النجاسة، لو كان وحده لكان مجتنباً، فكذلك إذا كان معه غيره، وأثره الكثرة دفع النجاسة عما وراء ذلك القدر، وقال مَنْ نصر المذهب: ذلك القدر المجتنب لو كان وحده محكوم له بالنجاسة في حالة الانفراد، فإما أن يكون محكوماً له بالنجاسة هاهنا أيضاً أو لا يكون، وإن لم يكن فقد تَغَيَّرَ حُكْمُهُ عما كان عليه وحده، وإن كان فلينجس ما يجاوره بمجاورته، كما ينجس هو بمجاورة النجاسة، وهكذا حتى تنتشر النَّجَاسَةُ إلى الكُلِّ.
لا يقال: هذا مائع، وذلك جامد، وحكم النجاسة الجامدة أخف، ألا ترى أن النجاسة المائعة لو وقعت في ماء كثير، وانغمرت فيه، جاز استعمال الكل، لأنَّا نقول: إذا كان حكم النجاسة المائعة ما ذكرتم، فنأخذ حكم الطهارة هاهنا أيضاً؛ لاتصاله بالماء الكثير، وحصوله فيه، لماذا كان طاهرًا واجب أن يجوز الاغتراف والاستعمال.
واعلم أن من أصحابنا العِرَاقِيِّينَ مَنْ حَكَى خلاف التباعد وجهين، ونَقْلُ القولين أثبت؛ فإن فرعنا على وجوب التباعد، فلا يكفي أن يبعد في البحر بقدر شبر على حد العمق في حساب القلتين، بل يتباعد بقدر القُلَّتَيْنِ في أبعاد متماثلة طولاً وعرضاً وعمقاً، فإن كان الماء في موضع لا يتأتى فيه ذلك، كما لو وقف في موضع مُنْبَسِطاً من غير عمق يتباعد فِي الطُّولِ وَالعَرْضِ قدر ما يبلغ قلتين في ذلك العمق.
وقال الإمام محمد بن يحيى 1 -رضي الله عنه- لا يغني التباعد بقدر قلتين في هذه الصورة؛ بل يبعد إلى حيث يعلم أن النَّجَاسَةَ لا تنتشر إليه كما يعتبره أبو حنيفة - رحمة الله عليه- في بعض الروايات في الماء الكثير، ولو كان الماء قُلَّتَينِ بلا زيادة فعلى الجديد: لا يجوز الاغتراف منه، وعلى القديم: يجوز ذلك في أصح الوجهين، كما في الحالة الأولى والثانية؛ لا, لأن المَأْخُوذَ بَعْضُ البَاقِي، والباقي نجس بالانفصال فكذلك المأخوذ، وينبغي أن يبحث عن القولين في مسألة التباعد، أهما في جواز الاستعمال وعدمه بعد الاتِّفاق على الطهارة، أم في الطهارة والنجاسة؟
وذلك يترتب عليه فإن كان الثاني، فلم يتكلم الأكثرون في الاغْتِرَافِ والاستعمال نفياً وإثباتاً؟ واشتهرت المسألة بالتباعد وَهَلاَّ تَكَلَّمُوا فِي الطَّهَارَةِ والنجاسة على المعهود في نظائره، ثم يتفرع عليه جواز الاستعمال وعدمه، وإن كان الأول فِيِمَ يوجه المنع من الاسْتِعْمَالِ مَعَ الحُكْم بالطهارة؟ ولم يتكلم بعضهم في النجاسة ونفيها، وفرض فيها الخلاف؟ وهل هما طريقتان؟ وهذا موضع نظر وتأمل، ويدل على الاحتمال الأول أخبار القُلَّتَيْنِ، فإنها تنفي نجاسة الماء الكثير، وأيضاً فقد صرح بعض المُعَلِّقِينَ عن الشيخ أبي محمد، بأنه لا خلاف في الطهارة، وإنما الخلاف في جواز الاستعمال 1.
وأما لفظ الكتاب فاعلم أن قضية كلامه في وُجُوب اجتِنَابِ الحَرِيمِ في الفصل الثالث يقتضي أن يكون مراده من قوله هاهنا يجوز الاغتراف من جوارها على القول القديم ما وراء الحريم، وإلا أن المَذهَبَ أنَّ حُكمَ الحريم حكم غيره [كما سيأتي] 2.
قال الغزالي: الرَّابعُ- كُوزٌ فِيهِ مَاءٌ نَجِسٌ غَيرُ مُتَغَيِّر طَرِيقَ 3 تَطْهِيرِهِ أَنْ يُغْمَسَ في مَاءٍ كثِيرٍ فَإِذَا اسْتَوَى عَلَيْهِ المَاءُ صَارَ طَهُوراً لِلاتِّصَالِ بِهِ.
قال الرافعي: إذا غُمِسَ كُوزٌ فيه ماء نجس في ماء طاهر هل يعود طهوراً؟ إن كان الكُوزُ ضَيِّق الرَّأسِ فوجهان: أحدهما: نعم، لحصول الكثرة والاتصال، وأصحهما: لا؛ لأنه لا يحصل به اتصال يفيد تأثير أحدهما في الآخر؛ لأنَّ مَاءَ الكُوزِ كالمودع بطرفيه فيه، وليس معدوداً جزءاً منه، وإن كان واسع الرأس، فعلى هذين الوجهين لكن الأظهر هاهنا الطهارة، لتأثر كل واحد منهما بالآخر عند سَعَةِ رَأْسِ الإِنَاءِ، وحيث يحكم بعود الطهارة فتعود على الفور أم بعد أن تمكث زماناً؟
فيه وجهان: أظهرهما: لا تعود على الفَورِ؛ بل لا بد من مضي زمان يزول فيه التغير، لو كان متغيرًا، ولاَ شَكَّ أن ذلك الزمان يكون في ضيق الرأس أطول منه في واسعه 4. وإذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب، وأعلم قوله: "صار طهورا" بالواو،
للوجه الثاني كعود الطهارة والطَّهُورِيْةَ.
وقوله: "فإذا استوى عليه الماء" أيضاً إشارة إلى الوجه الصائر إلى اشتراط المُكثِ، ثم تنبه لأمور:
أحدهما: قوله: "غير متغير" ليس مذكوراً لِلتَّقْيِيدِ، فإنه لو كان متغيراً فزال التغير بِالاتِّصَالِ، عادت الطهورية أيضاً، وكأنه تعرض لهذا الوصف؛ لأنه حُكِمَ بَعَوْدِ الطُّهُورِيَّةِ بمجرد استواء الماء عليه، وبتقدير التغير لا تعود الطهورية بمجرد استواء الماء؛ بل لا بد من زوال التغير.
الثاني: قوله: "فإذا استوى عليه الماء" ينبه على أنه لو لم يَكُنِ الكُوزُ مَلْآنَ وغمسه فيه فما دام يدخل فيه فلا اتصال، وهو على نجاسته.
الثالث: حكم بالطهورية من غير التعرض للخلاف، فإن كان يختار ذلك سواء ضاق رَأسُ الكُوزِ، أم اتسع فهو معمول بظاهره، وان قال بالمنع عند ضيق الرأس كما حكينا أنه ظاهر المذهب، فَفِي الكَلاَمِ إضمَارٌ تقديره كُوزٌ وَاسِعُ الرَّأسِ فِيهِ مَاءً نَجِسٌ والاحتمال الثاني، هو قضية كلامه في سائر كتبه.
قال الغزالي: الخَامِسُ- فَأرَةٌ وَقَعَتْ فِي بِئْرِ فَتَمَعَّطَ شَعْرُهَا فَالطَّرِيقُ أَنْ يُسْتَقَى المَاءُ المَوْجُودُ فِي البِئْرِ فَمَا يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ إِن رُئِيَ فِيه شَعْرٌ فَنَجِسٌ وَإِلاَّ فَطَهُورٌ إِذَا الاَّصْلُ طَهَارَتُهُ وَوُقُوعُ الشَّعْرِ فِيهِ مَشكُوكٌ فِيهِ وَإِخرَاجُ جَمِيعِهِ هُوَ الغَالِبُ بِاسْتِقَاءِ المَاءِ.
قال الرافعي: مَاءُ البِئْرِ في البئر كغيره في قبول النجاسة وزوالها، لكن ضرورة النزح للاستقاءِ منها قد يخصه لضرب من العسر، فإن كان قليلاً وقد تنجس بوقوع نَجَاسَةٍ فيه فليس من الرأي أن ينزح لينبع بعده الماء الطهور، لأنه وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسًا، وقد يُفْضِي النَّزْحُ إلَى تَنْجِيسِ جُدْرَانِ البئر أيضاً؛ بل ينبغي أن يترك ليزداد فيبلغ حَدَّ الكثرةِ، فإن كانت قليلة الماء لايتوقع كثرته، صُبَّ فيها ماء من خارج حتى يكثر ويزول التغير أيضاً لو كان متغيراً، فإن كان ماؤها كثيراً وقد تنجس بالتغير فتكاثر إلى زوال التغير، أو يترك بحاله حتى يزول التغير بِطُولِ المُكْثِ، أو بازدياد الماء فلو تفتت الشيء النجس فيه كَالفَأرَةِ تمعط شعرها، فقد يبقى على طهوريته لكثرته وعدم التغير، لكن يتعذر استعماله بسبب أنه لا ينزح منه دلو إلا وفيه شيء من أجزاء النجاسة، فينبغي أن يستقى الماء كله لتخرج الشعور في صحبته، فإن [كانت] 1 العَيْنُ فوّارة وتعذر اسْتِقَاءُ الكُلِّ، فينزح بقدر ما يغلب على الظن، إن الشعر قد خرج معه كله، فما يبقى بعد ذلك في البئر وما يحدث فيه فهو طهور، لأنه ماء غير مستيقن النجاسة، ولا مظنون
النجاسة، ولا أثر للشك والتردد في بقاء الشعر فيه، ووقوعه فيما حدث لحصول الظن بإخراج الجميع، ثم إن تحقق شَيْءٌ بعد ذلك على خلاف الغالب اتبعه.
وقيل: لم ينزح إلى الحد المذكور، فإذا غلب على ظنه أنه لا يَخلُو كل دلو عن شيء من النجاسة، ولكنه لم يره، ولا تيقنه فجواز الاستعمال على القولين في الأصل والغالب إذا تعارضا كما سيأتي نظائر ذلك.
واعلم أن فَرْضَ المَسْأَلَةِ في تَمَعُّط الشعور مبنى على نجاسة شعور الحيوانات بالموت، فإن لم ينجسها، فليقع الفرض في سائر الأجزاء.
الفْصَلْ الثَّالِثُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي
قال الغزالي: فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فَطَاهِرٌ إِذِ الأَوَّلُونَ لَمْ يَحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْهَارِ الصَّغِيرَةِ.
قال الرافعي: نشرح مسائل الماء الجاري.
على ما ذكرها، ورواها في الأصل ثم [نورد] 1 فيها [إن شاء الله تعالى] ما ينبغي.
فنقول: الماء الجاري ينقسم إلى: ماء الأنهار المعتدلة، وإلى ماء الأنهار العظيمة.
القسم الأول: ماء الأنهار المعتدلة، والنجاسة الواقعة فيه، إما أن تكون مَائِعَةَ، أو جَامِدَةٌ، فإن كانت مائعة فينظر هل تغير الماء أم لا؟ فإن غيرته فالقدر المتغير نجس، وحكم غيره معه كحكمه مع النَّجَاسَةِ الجامدة، وإن لم تغيره، فينظر إن كان عدم التغير للموافقة في الأوصاف، فالحكم على ما ذكرنا في الراكد، وإن كان لقلة النجاسة وانمِحَاقِهَا فيه لم ينجس الماء، وإن كان قليلاً؛ لأن الأولين كانوا يَسْتَنْجُونَ على شُطُوطِ الأنهار الصغيرة، ولا يرون ذلك تنجيساً لِمِيَاهها، وهذه الحالة هي المرادة في الكتاب.
قال الغزالي: وَإِنْ كانَتْ جَامِدَةً تَجْرِي بِجَرْيِ المَاءِ فَمَا فَوْقَ النَّجَاسَةِ وَمَا تَحْتَهَا طَاهِرٌ لِتفَاصُلِ جَرَيَاتِ المَاءِ، وَمَا عَلَى جَانِبَيْهَا فِيهِ طَرِيقَانِ، قيلَ بِطَهَارَتهِ، وَقِيل بِتَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلِ التَّبَاعُدِ، وإِنْ كانَتِ النَّجَاسَةُ وَاقِعَةٌ فَالحُكْمُ مَا سَبَقَ إِلاَّ أَنَّ مَا يَجْرِي مِنَ المَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَيَنْفَصِلُ عَنْهَا فَهُوَ نَجِسٌ فِيمَا دُونَ القُلَّتَينِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى القُلَّتَينِ أَعْنِي مَا بَيْنَ المُغتَرَفِ وَالنَّجَاسَةِ فَوَجْهَانِ: أَظْهَرَهُمَا: المَنْعُ إِلاَّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي حَوْضِ مُتَرَادّاً فإِنَّ الجَارِي لاَ تَرَادَّ لَهُ فَهِيَ مُتَفَاصِلَةُ الأَجْزَاءِ.
قال الرافعي: أما إذا كانت النجاسة جامدة كَالمَيتَةِ، فإن غيرت شيئاً من الماء فهو نجس، وإن لم تغير فينظر أتجري مع الماء، أم هي واقفة، والماء يجري عليها؟ فإن كانت تجري مع الماء فما فوقها الذي لم يصل إلى النجاسة وما تحتها الذي لَمْ يَصِلْ إليه النجاسة طاهران لتفاصل أجزاء الماء الجاري، فإن كل جَرْيَةٍ منه طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها بخلاف الرَّاكِدِ، فإن أجزاءه مُتَرَادَّةٌ مُتَعَاضِدَةٌ.
وأما ما على يمينها، وشمالها، وفي سمتها إلى العمق، أو وجه الماء.
فيه طريقان:
أحدهما: القطع بالطهارة، لما ذكرنا من تفاصل الأجزاء.
والثاني: التخريج على قولي التباعد كالراكد، والتَّفَاصُلُ إنما يكون في طول النهر لانحدار الماء فيه لا في العَرْضِ، ومنهم من أجرى خلاف التَّبَاعُدِ فيما تحت النَّجَاسَةِ دون ما فوقها؛ لأن ما تحتها مستمد من موضعها.
وفي كلام العراقيين ما يقتضي طرده في جميع الجوانب.
فينبغي أن يعلم قوله: "فيما فوق النجاسة، وما تحتها طاهر" بالواو، إشارة إلى الخلاف المذكور، وإن كانت النجاسة واقفة، والماء يجري عليها، فالحكم كما لو كانت جارية مع الماء، ونزيد هاهنا أن ما يجري من الماء على النجاسة، وهو قليل ينجس بملاقاتها، ولا يجوز الاغْتِرَافُ منها إذا كان بين النجاسة، وموقع الاغْتِرَافِ دُونَ القُلَّتَينِ، فإن بلغ قلتين في الطول فوجهان:
أحدهما: وبه قال صَاحِبُ "التَّلْخِيص"، وأبُو إسْحَاقَ -رحمهما الله، أنه طاهر يجوز الاغتراف منه لحيلولة قدر القلتين، ودفعه النَّجَاسَة، وأصحهما، وبه قال ابن سريج: أنه نجس، وإن امتد الجَدْوَلُ فَرَاسِخَ لما سبق أن أجزاء الماء الجاري مُتَفَاصِلَةٌ، فلا يتقوى البعض منها بالبعض، ولا تندفع النجاسة إلا بأن تجتمع في حَوْضٍ، أو حفرة متراداً، وقد يسأل فيقال: ماء هو ألف قلة، وهو نجس من غير أن يتغير بالنجاسة هذا صورته.
قال الغزالي: هَذَا فِي الأَنْهَارِ المُعْتَدَلَةِ، فَأَمَّا النَّهْرُ العَظِيمُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّبَاعُدُ فِيهِ عَنْ جَوَانِبِ النَّجَاسَةِ بِقَدْرِ القُلَّتَينِ فَلاَ يُجْتَنَبُ فِيهِ إِلاَّ حَرِيمُ النَّجَاسَةِ وَهُوَ الَّذِي تَغَيَّرَ شَكْلُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا الحَرِيمُ مُجتَنَبٌ أيْضاً في المَاءِ - الرَّاكِدِ.
قال الرافعي: بَيَّنَا انقسام الماء الجاري إلى ماء الأنهار المعتدلة، وإلى ماء الأنهار العظيمة وذكرنا حكم القسم الأول، أما النَّهْرُ العَظِيمُ فلا يجتنب فيه إلا حريم النجاسة، ولا يعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في التَّبَاعُدِ عما حَوَالَى النجاسة، وحَكَى في البَسِيْطِ وجهاً آخر: أنه يجري الخلات فيه أيضاً، ولا بد من بيان العظيم، والحريم، وقد أشار إلى تفسيرهما في الكتاب.
أما العظيم، فقد قال: هو الذي يمكن التباعد فيه عن جوانب
النجاسة كلها بقدر القلتين.
والمعتدل ما لا يمكن فيه ذلك، ويدخل فيه الجَدَاوِلُ الصَّغِيرَةُ التي يجري فيها الماء اليسير، والأنهار التي يبلغ ما بين حافتيها قدر قلتين، ولكن لا يمكن التباعد فيها بقدر قلتين من كل جانب، وذكر إمام الحرمين -رضي الله عنه- أن النهر المعتدل هو الذي يفرض تغيره بالنَّجَاسَاتِ المُعْتَادَةِ، والعظيم ما لا يمكن تَغَيُّرُهُ بها 1. قال: والبعرة في النهر المعتدل كالجيفة في الوادي العظيم، وأما الحريم فقد فسّرَه بما يتغير شكله بسبب النجاسة، يعني ما ينسب إلى النجاسة بتحريكه إياها، وانعطافه عليها، أو التفافه بها، ولهذا اعتبر التغير في الشَّكلِ دون الرَّائِحَةِ، وسائر الصفات، وفي وجوب اجتناب الحريم، وجهان حكاهما في البسيط.
أحدهما: أنه لا يجتنب كغيره.
والثاني: وهو الذي ذكره هاهنا أنه يجتنب وإن لم يوجب التباعد [لأنه] في العِيَافَةِ وَالاسْتِقْذَارِ، كالمتغير بالنجاسة.
[ثم قال: "وهذا الحريم مجتنب في الماء الراكد" أيضاً] 2 وذكر في "البسيط" أنه لا يجتنب في الماء الراكد، وفرق بينه وبين الجاري على أحد الوجهين، بأن الراكد لاَ حَرَكَةَ له حتى ينفصل البعض عن البعض في الحكم، فكما يَجُوزُ الاغْتِرَافُ مما بعد من النجاسة يجوز الاغتراف من جوارها، وهذه الاختلافات تقتضي إعلام المُسْتَثْنى والمُستَثْنَى منه، في قوله: "فلا يجتنب فيه إلا حريم النجاسة", لأن منهم من أوجب اجتناب غير الحريم، ومنهم من لم يوجب اجتناب [غير] الحريم أيضاً، وكذلك إعلام قوله: "وهذا الحريم يجتنب أيضاً في الماء الراكد" فهذا شرح ما ذكره، ونعود إلى المَوْعُودِ، ونذكر أموراً من شرط محصل هذا الكتاب أن يعرفها.
أحدهما: حكمه بِطَهُورِيَّةِ القليل من الجاري إذا وقعت فيه نجاسة مائعة، ولم تغيره، كأنه اختيار القول القديم الذي حكاه صاحب التلخيص، وغيره في أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، وذلك القول قد اختاره طَائِفَةٌ من الأصحاب، ووجهوه بشيء آخر سوى ما ذكره في الكتاب، وهو أن الماء الجاري وارد على النجاسة، فلا
ينجس إلا بالتغير، كالماء الذي تزال به النجاسة، لكن المذهب الذي عليه الجمهور، الفرق بين القليل والكثير، كما في الرَّاكِد، ونجاسة القليل بمجرد الملاقاة، وتدل عليه الأخبار الفارقة بين القليل والكثير، فإنها تَعُمُّ الرَّاكِدَ والجاري.
والثاني: لم يتعرض في تفصيل النجاسة الجَامِدَةِ للفرق بين القليل من الماء والكثير، ولا بد منه لأنه لا يمكن أن تكون مَسَائِلُه كلها مفروضة في الكثير وحده، ولا في الكثير والقليل جميعاً، وإلاَّ كان الوجهان في نجاسة الماء الجاري على المَيْتَةِ جاريين في الكثير الذي تبلغ كل جَرْيَةٍ منه قلتين فصاعداً، وهذا محال، ولا يمكن أن تكون كلها مفروضة في القليل وحده، وإلا كان خلاف التباعد جارياً فيما على يمين النجاسة ويسارها مع قلة الماء وهو بعيد؛ بَلِ الوَجْهُ الحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ عند القلة وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" (1) وغيره.
الثالث: قضية كلام الأكثرين تصريحاً، وتلويحاً، أنه لا فرق بين الحَرِيمِ وغيره لا فِي الرَّاكِدِ ولا في الجَارِي على خلاف ما ذكره.
لأنه إما أن يكون طاهراً في نفسه، أو نجساً، إن كان طاهراً، فلا معنى لوجوب الاجتناب، وإن كان نجساً، فيلزم نجاسة ما يجاوره بملاقاته حتى يتعدى إلى جميع [الراكد وإلى جميع] (2) ما في عرض النهر في الماء الجاري.
الْفَصْلُ الرَّابعُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ
قال الغزالي: فَإِنْ كَانَتْ حُكمِيَّةَ فَيَكْفِي إِجْرَاءُ المَاءِ عَلَى مَوْرِدِهَا، وَإنْ كَانَتْ عَيْنِيَّةً فَلاَ بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ عَيْنَها، فَإِنْ بَقِيَ طَعْمٌ لَمْ يَطهُرْ لأنَّ إِزَالَتَة سَهْلٌ، وَإاِنْ بَقِيَ لَوْنٌ بَعْدَ الحَتِّ وَالقَرْضِ فَمَعْفُوٌ عَنْهُ، وَالرَّائِحَةُ كَاللَّوْنِ عَلَى الأَصَّحِّ.12
قال الرافعي: الشيء النجس يَنْقَسِمُ إلَى نَجِسِ العَيْنِ وغيره، أما نجس العين فلا يطهر بحال إلا الخمر تطهر بالتَحَلُّلِ، وجلد الميتة يطهر بالدِّبَاغِ، والعَلَقَةُ والمُضْغَةُ، والدم الذي هو حَشْوُ البيض إذا نجسناها فاستحالت حَيَوَاناً.
وأما غيره فالنجاسة تنقسم إلى حُكْمِيَّةٍ وإِلى عَيْنِيَّةٍ:
أما الحكمية فهي: التي لا تحس مع تَيَقُّنِ وجودها، كالبول إذا جَفَّ على المحل ولم توجد له رائحة، ولا أثر فيكفي إجراء الماء على موردها إذ ليس ثم ما يزال ولا يجب في الإجراء عدد خلافاً لأبي حنيفة حيث شرط في إزالة النجاسة الحكمية الغسل ثلاثاً في رواية.
وفي رواية الشرط أن يغلب على ظن الغَاسِلِ طهارته، ولأحمد حيث قال في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ: يشترط الغسل سَبْعاً في جميع النجاسات كما في نجاسة الكلب.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم- لأسماء -رضي الله عنها-: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء" 1 أمرها بالغسل من غير اعتبار عدد.
وأما العَينِيَّةُ فلا يكفي فيها إجزاء الماء؛ بل لا بد من محاولة إزالة أوصافها الثلاثة: الطعم، واللون، والرائحة، أو ما وجد منها، فإن بقي طعم لم يطهر سواء بقي مع غيره من الصفات، أو وحده، لأن الطعم سَهْلُ الإِزَالَةِ، ويظهر تصويره فيما إذا دَمِيَتْ لَثَتُهُ، أو تنجس 2 فوه بنجاسة أخرى، فغسله فهو غير طاهر ما دام يجد طعمه في
فيه، وإن لم يبق الطعم نظر، إن بقي اللون وَحْدَهُ وكان سهل الإزالة فلا يطهر [حتى يزول] 1 وإن كان عسر الإزالة كَدَم الحَيْضِ يُصِيبُ الثوب، وربما لا يزول بعد المُبَالَغَةِ وَالاسْتِعَانَةِ بِالحَتِّ، وَالقَرْصِ فيطهَر، لما روي "أَنَّ نِسْوَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلْنَهُ عَنْ دَمِ الحَيْضِ، يُصِيبُ الثَّوْبَ، وَذَكَرْنَ أَنَّ لَوْنَ الدَّم يَبْقَى، فَقَالَ الْطَخْنَهُ بِزَعْفَرَانِ" 2، المعنى: أن اللون الباقي لا أثر له، فإن كرهتن رؤيتهَ فَالطَخنَهُ بزعفران.
وعن خولة بنت يسار قالت: "سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن دم الحيض فقال: "اغسِلِيهِ" فقلت: أَغْسِلُهُ فَيَبْقَى أَثَرهُ [فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: [الْمَاءُ] يَكفِيكِ وَلاَ يَضُرُّكِ أَثْرُهُ 3] " وإن بقيت الرائحة وحدها، وهي عَسِرَةُ الإزالة كرائحة الخمر، فهل يطهر المحل؟ فيه قولان: وقيل: وجهان:
والأول أصح، أحدهما: لا، لأن بقاء الرائحة يدل على بقاء العين، فصار كَالطَّعْمِ، وهذا هو القياس في اللون، لكن منعنا عنه الأخبار.
والثاني: وهو الأصح أنه يطهر؛ لأنَّا إنما احتملنا بقاء اللون لمكان المشقة في إزالته، وهذا المعنى موجود في الرائحة، وروى في اللون أيضاً وجه، أنه لا يطهر المحل ما دام باقياً، ذكره في "التتمة" ونسبه إمام الحرمين إلى صاحب التَّلْخيص، فلو أعلمت قوله "فمعفو"، إشارة إلى هذا الوجه لما كان به بأس.
لمان بقي اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ معاً، فلا يطهر المحل لقوة دلالتهما على بقاء العين، وفيه وجه ضعيف، ويتبين لك بما حكيناه أن قوله: "فإن بقي طعم لم يطهر" هذا لا يجري على إطلاقه، لأنه لا فرق بين أن يبقى وحده، أو مع غيره، من الصفات الثلاثة.
وقوله في الرائحة، واللون، غير محمول على إطلاقه؛ بل المراد ما إذا كان كل واحد منهما وحدة.
ثم لك في قوله: "وإن بقي لون بعد الحَتِّ، والقَرْصِ فمعفو" مبحثان:
إحداهما: الاسْتِعَانَةُ بِالحَتِّ وَالقَرْصِ، وهل هي شرط أم لا؟ ظاهر كلامه يقتضي الاشتراط وبه يشعر نقل بعضهم، لكن الذي نص عليه المعظم خلافه، واحتجوا عليه بحديث خولة واقتصروا على الاسْتِحبَابِ.
الثانية: لم قال: فَمَعْفُوٌّ، ولم يقل: فطاهر أهو نجس، لكن يعفى عنه، أم كيف الحال؟ أطلق الأكثرون القول بالطهارة، ويجوز أن يقال: إنه نجس لكن يعفى عنه كما في أثر محل الاستنجاء ودم البراغيث وليس في الأخبار تصريح بالطهارة وإنما تقتضي العفو والمسامحة، وقد تعرض في "التتمة" لمثل هذا في الرائحة، فقال: إن قلنا: لا يطهر فهو معفو عنه، كدم البراغث.
قال الغزالي: ثُمَّ يُسْتَحَبُّ الاسْتِظهَارُ بِغَسْلَةٍ ثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ وَفِي وُجُوبِ العَصْرِ وَجْهَانِ فَإنْ وَجَبَ العَصْرُ فَفِي الاكْتِفَاءِ بِالجَفَافِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قوله: "ثم يستحب الاستظهار" يجوز أن يقرأ بالطاء والظاء - فالاستطهار طلب الطهارة، والاستظهار طلب الاحتياط، وهذا كما قال الشافعي -رضي الله عنه- في المبتدأة المميزة إذا استحيضت "لا يجوز لها أن تستظهر بثلاثة أيام"، قُرِئَ بها جميعاً، والغرض أن التَّثْلِيثَ مستحب في إزالة النجاسة، كما في رفع الحدث، واحتجوا عليه بأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَرَ المُسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِهِ بِأَنْ لاَ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغسِلَهَا ثَلاثًا" 1 لتوهم النجاسة، فعند تحققها أولى، وإنما يَتَأَدَّى الاستحباب إذا وقعت المرة الثانية، والثالثة، بعد زوال النجاسة.
أما الغَسَلاَت المحتاج إليها لإزالة النجاسة فلا بد منها واستحباب الاستظهار يشمل النجاسة الحُكْمِيَّةَ، والعَيْنِيَّةَ، وقد حكينا عن مذهب أحمد أن العدد واجب في إزالة النَّجَاسَاتِ مطلقاً، فينبغي أن يكون قوله: "ثم يستحب" معلماً بالألف، وأما [مسألة] 2 العصر، فقد اختلفوا في حصول الطَّهَارَةِ قبله على وجهين، وبنوهما على أن الغسالة طاهرة، أم نجسة؟ إن قلنا: إنها طاهرة فلا حاجة إلى العصر، وهو الأصح، وإلا فَالغُسَالَة باقية فلا تطهر، وعلى هذا هل يكتفي [قبل العصر] (3) بالجفاف؟ فيه وجهان:
أصحهما نعم: لأن زوال الغُسَالَةِ بِالجَفَافِ أبلغ منه بالعَصْرِ.
والثاني: لا، لأنا بالعصر نَتَوَهَّمُ انتقال أجزاء النجاسة [في صحبة الماء، وعند الجَفَافِ لا يزول إلا بَلَلُ الماء، وتبقى أجزاء النجاسة]، وقد يستدرك على العبارة التي ذكرها في تفريع الوجهين في الجفاف على وجوب العصر، لأن التَّفْرِيعَ على الشيء لا ينبغي أن يرفع الأصل.
ومن قال: تطهر بالجفاف، لا ينتظر منه القول بوجوب العصر، واشتراطه؛ بل الشرط عنده زَوَال البلل، إما بالعصر، أو بالجفاف فالعبارة السليمة أن يقال: إذا غسل المَحِلُّ، ولم يعصر، هل يطهر مع بقاء البلل؟ فيه وجهان: إن قلنا: لا يطهر، فهل يطهر إذا جفّ؟ فيه وجهان.
قال الغزالي: فُرُوعٌ سَبْعَةٌ: الأوَّلُ- إِذَا أُوْردَ الثَّوْبُ النَّجِسُ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ نَجسَ المَاءُ وَلَمْ يَطْهُرِ الثَّوْبُ عَلَى الأَظهَرِ.
قال الرافعي: ما سبق من طهارة المَحِلِّ بالغسل، إما مع العصر، أو دونه فيما إذا كان الماء وارداً على المحل، إما لورود المحل النجس كالثوب يغمس في إجانة فيها ماء، ويغسل فيه، فهل يطهر؟ فيه وجهان: قال ابْنُ سُرَيُج: يطهر كما لو كان الماء وارداً عليه.
وقال الأكثرون: وهو الأصح لا يطهر، لأن الملاقاة بين الماء القليل، والنجاسة يَقتضي نجاسة الماء خالفناه فيما إذا كان الماء وارداً، فإن الوارد عامل، والقوة للعامل، ويدل على الفرق أنه -صلى الله عليه وسلم- منع المُسْتَيْقِظَ من النوم من غَمْس اليَدِ فِي الإنَاءِ قبل الغسل ثلاثاً، ولولا الفرق بين الوارد، والمورود لما انتظم المنع من الغمس والأمر بالغسل، والوجه الأول فيما إذا قص بالغمس إزالة النجاسة، فاما لو ألقته الريح فيه، والماء قليل نجس الماء بلا خلاف، قال الأئمة رحمهم الله: ومن هذا نشأ ظن من نقل عن ابن سريج أن يشترط النِّيَّةَ في إزالة النجاسة.
قال الغزالي: الثَّانِي- إِذَا أَصَابَ الأَرْضَ بَوْلٌ فَأُفِيضَ عَلَيْهِ المَاءُ حَتَّى صَار مَغْلُوباً وَنَضَبَ المَاءُ طَهُرَ (ح).
وَكَذَا إِذَا لَمْ يَنْصُبْ إِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الغُسَالَةِ وَأَنَّ العَصْرَ لاَ يَجِبُ.
قال الرافعي: إذا أصابَ الأرْضَ بَوْلٌ، فصب عليها من الماء ما يغمره، وتستهلك فيه النجاسة، طهرت بعد نُضُوب الماء وقبله وجهان: إن قلنا: إن الغُسَالَةَ طاهرة والعصر لا يجب فنعم.
وإن قلناَ: إنها نجسة، والعصر واجب فلا، وعلى هذا فلا يتوقف الحكم بالطَّهَارَةِ على الجَفَافِ؛ بل يكفي أن يفاض الماء كالثوب المعصور لا يشترط فيه الجفاف، والنُّضُوبُ كَالعَصْرِ.
وقال أبو حنيفة: لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النَّدَاوَةُ وينقل التراب.
لنا ما روى:" أَنَّ أَعْرَابِيّاً بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ"، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ" 1، ولم يأمر بنقل التراب.
وقوله: "حتى صار مَغْلُوباً" إشارة إلى أن المعتبر أن يكون الماء المَصْبُوبُ على
الموضع غالباً على النجاسة، غامراً لها، ولا بأس لو أعلمته أو أعلمت قوله "طهر" بالواو، ولوجهين رويا على خلاف ظاهر المذهب:
أحدهما: يجب أن يكون الماء سبعة أضعاف البول.
الثاني: يجب أن يُصَبَّ على بول الواحد ذَنُوبٌ، وعلى بول الاثنين ذَنُوبَانِ، وعلى هذا أبداً، ثم الخَمْر، وسائرِ النَّجَاسَاتِ المَائِعَةِ، كَالبَوْلِ تطهر الأرض عنها بالمُكَاثَرَةِ، ولا تقدير على ظاهر المذهب.
وقوله: "إذا حكمنا بطهارة الغُسَالَةِ، وأن العصر لا يجب"، لا ضرورة إلى الجمع بينهما؛ بل لو اقتصر على نفي وجوب العصر لحصل الغرض، فإن الخلاف في العصر مبني على الخلاف في الغُسَالَةِ.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- اللَّبَّنُ المَعْجُونُ بِمَاء نَجِسٍ يَطهُرُ إِذَا صُبَّ عَلَيهِ المَاءُ الطَّهُورُ فَإِنْ طُبِخَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ بِإِفَاضَةِ المَاءِ دُونَ بَاطِنِهِ.
قال الرافعي: اللَّبَنُ النجس ضربان:
أحدهما: أن يختلط بالتراب نجاسة جامدة من روث، أو عظام ميتة 1، أو غيرهما، فيضرب منه لبن، فهو نجس، ولا سبيل إلى تطهيره بحال لما فيه من عين النجاسة.
فَلَوْ طُبِخَ فالمذهب الجديد: أنه على نجاسته، وَالنَّارُ لا تطهر شيئاً؛ بل الطَّهُورِيةُ مخصوصة بالماء، وفي القديم قول أن الأرض النجسة تطهر إذا زال أثر النجاسة بالشمس، والرّيْحِ، ومرور الزمان 2، فخرج أبو زيد، والخضري، وآخرون، = تحقيق بالغ إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة، وقد أخرجها الطحاوي مفردة من طريق ابن عيينة عن عمرو عن طاوس، وكذا رواه سعيد ابن منصور عن ابن عيينة فمن شواهد هذا المرسل مرسل آخر رواه أبو داود، والدارقطني من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن المزني وهو تابعي.
قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فبال فيها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء قال أبو داود: روي مرفوعاً يعني موصولاً، ولا يصح.
قلت: وله إسنادان موصولان أحدهما عن ابن مسعود رواه الدارمي والدارقطني ولفظه (فأمر بمكانه فاحتفر وصب عليه دلو من ماء) وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوي قاله أبو زرعة وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة: هو حديث منكر، وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم لا أصل له ثانيهما عن وائلة بن الأسقع رواه أحمد والطبراني وفيه عبيد الله بن حميد الهذلي وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم.
انظر التلخيص 37/ 1.
منه قولاً في تأثير النار، وقالوا: تأثير النار أشد وأقوى من تأثير الشمس.
فعلى هذا يطهر ظاهره بالطبخ، لأن النار تحرق ما عليه من النجاسة، وإن قلنا: بالجديد الصحيح، فلو غسل هل يطهر ظاهره؟ المنصوص في الأم أنه لا يطهر لانْتِشَارِ أجزاء النجاسة والْتِصَاقِهَا بِالمَحِلِّ، وزوال الجميع غير معلوم.
وقال أبو الحسن بن المرزبان 1، والففال: يطهر؛ لأن عين النجاسة قد زالت، فإذا ورد عليه الماء طهر محله النجس، والظاهر الأول.
الضرب الثاني: أن لا يختلط به نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، ولكن يعجن بماء نجس، أو بول، وهو الذي ذكره في الكتاب، فهذا اللبن يمكن تطهيره كسائر الأعيان التي أصابتها نجاسة مائعة، وطريق تطهير ظاهره إفاضة الماء عليه على سبيل غسل سائر الأعيان، وطريق تطهير باطنه أن ينقع في الماء حتى يصل الماء إلى [سائر] 2 أجزائه كالعجين بمائع نجس، إنما يطهر بوصول الماء إلى جميع أجزائه، [هذا] 3 أحكم، 4 ما لم يطبخ فإن طبخ فعلى التخريج الذي سبق يطهر ظاهره، وكذلك باطنه في أظهر القَوْلَيْن، لتأثره بالنار، وعلى الجديد: هو على نجاسته، وإذا غسل طهر ظاهره دون باطنه، لأنه استحجر بالطبخ، فلا يتغلغل الماء فيه، وإنما يطهر الكل إذا دق، حتى صار كالتراب، ثم أفيض الماء عليه، ولو كان رَخْواً لا يمتنع، نفوذ الماء فيه بعد الطَّبْخ، فهو كما قبل الطبخ 5، وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب، فقوله: "يطهر إذا صب عليه المَاء الطهور" ليس
المراد منه طَهَارَةُ الظَّاهِر وحده، بدليل قوله بعده: "فإن طبخ طهر ظاهره دون باطنه"، فإنه بين إرادة طهارة الكل [بإفاضة الماء] 1 في الأول، وحينئذ فمجرد الصَّبِّ لا يكفي؛ بل في الكلام إضمار.
المعنى: إذا صب فيه الماء الطهور حتى ينتقع فيه، ويصل الماء إلى جميع أجزائه.
وفي بعض النسخ: إذا نضب، وهو: عبارة الوسيط، وتقييد الماء بالطَّهُورِيَّةِ في هذا الموضع كالمستغنى عنه لوضوح اشتراط الطهورية في الماء الذي تزال به النَّجَاسَاتِ مطلقاً، وعدم اختصاصه بهذا الموضع، وقوله: "فإن طبخ طهر ظاهره بإفاضة الماء" جاز أن يعلم قوله بإفاضة الماء بالواو، إشارة إلى التَّخْرِيج المذكور، فإن من صار إليه قال بأنه يطهر بالطَّبْخِ، لا بإفاضة الماء عليه؛ وكذلك قولَه: "دون باطنه" لما ذكرنا أن أحد القولين على قاعدة القول المُخَرَّج طهارة الباطن أيضاً.
قال الغزالي: الرَّابعُ- بَوْل الصَّبِيِّ قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ يَكْفِي فِيهِ رَشٌّ المَاءِ (ح م) وَلاَ يَجِبُ الغَسْلُ بِخلاَفِ الصَّبِيَةِ للْحَدِيثِ.
قال الرافعي:- الواجب في إزالة النجاسات الغسل إلا في بول الصبي الذي لم يَطْعَمْ، ولم يشرب سوى اللبن، فيكفي فيه الرَّشُّ، ولا يجب الغُسْلُ 2 خلافاً لأبي حنيفة، ومالك [وأحمد] لنا: ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ وُيرَشُّ عَلَى بَوْلِ الغُلاَمِ" 3.
وعن "أُمِّ قَيْسٍ أَنَّهَا أَتَتْ رَسَولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِصَبِيٍّ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَأَجْلَسَتهُ فِي = عليها سماً نجساً أو غمسها فيه فشربته، ثم غسلت بالماء طهرت، لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر ليس على الأجواف هذا نصه بحروفه.
قال المتولي وإذا شرطنا سقي السكين جاز أن يقطع بها الأشياء الرطبة قبل السقي كما يقطع اليابسة.
ولو أصابت الزئبق نجاسة فإن لم يتقطع طهر بصب الماء عليه، وإن تقطع كالدهن لا يمكن تطهيره على الأصح ذكره المحاملي والبغوي.
وإزالة النجاسة التي لم يعص بالتلطخ بها في بدنه ليست على الفور، وإنما يجب عند إرادة الصلاة ونحوها.
ويستحب المبادرة بها.
قال المتولي وغيره: للماء قوة عند الورود على النجاسة فلا ينجس بملاقاتها، بل يبقى مطهراً فلو صبه على موضع النجاسة من ثوب فانتشرت الرطوبة في الثوب لا يحكم بنجاسة موضع الرطوبة، ولو صب الماء في إناء نجس ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور.
فإذا أداره على جوانبه طهرت الجوانب كلها.
قال: ولو غسل ثوب عن نجاسة فوقعت عليه نجاسة عقب عصره.
هل يجب غسل جميع الثوب أم يكفي غسل موضع النجاسة؟ وجهان: الصحيح: الثاني والله أعلم.
الروضة 1/ 139 - 140.
حِجْرِه فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغسِلْهُ 1. واعلم أنه لا بد من أن يصيب = داود والبزار والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم من حديث أبي السمح قال: كنت أخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام، قال البزار وأبو زرعة ليس لأبي السمح غيره، ولا أعرف اسمه، وقال غيره يقال اسمه إياد؛ وقال البخاري: حديث حسن ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي في حجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبال عليه فقلت: البس ثوباً جديداً وأعطني إزارك حتى أغسله فقال: (إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر) ورواه الطبراني من حديثها مطولاً، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في بول الرضيع: (ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية)، قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا لفظ الترمذي، وقال: حسن، رفعه هشام ووقفه سعيد.
قلت: إسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته وكذا الدارقطني، وقال البزار: تفرد برفعه معاذ ابن هشام عن أبيه، وقد روى هذا الفعل من حديث جماعة من الصحابة، وأحسنها إسناداً حديث علي، وروى أحمد وابن ماجة والطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أم كرز قالت: أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بصبي فبال عليه، فأمر به فنضح، وأتي بجارية فبالت عليه فأمر به فغسل وفيه انقطاع، وقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب فقيل عنه عن أبيه عن جده كالجادة أخرجه الطبراني في الأوسط، وفي الباب عن أم سلمة رواه الطبراني وإسناده ضعيف، فيه إسماعيل بن مسلم المكي لكن رواه أبو داود من طريق الحسن عن أمه أنها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية وسنده صحيح، ورواه البيهقي من وجه آخر عنها موقوفاً أيضاً وصححه، وعن أنس وفي إسناده نافع أبو هرمز وهو متروك، وعن زينب بنت جحش رواه عبد الرزاق، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وعن امرأة من أهل البيت رواه أحمد بن منيع في مسنده.
قال: حدثنا ابن علية ثنا عمارة بن أبي حفصة عن أبي مجلز عن حسين بن علي أو ابن حسين بن علي حدثتنا امرأة من أهلنا، وعن ابن عمر وابن عباس نحو ذلك، وفي أحاديث أكثر هؤلاء أن صاحب القصة حسن أو حسين بن علي، وروى الدارقطني من حديث عائشة قالت: بال ابن الزبير على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذته أخذاً عنيفاً فقال: (إنه لم يأكل الطعام فلا يضر بوله)، وإسناده ضعيف، وأصله في البخاري بلفظ (أتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسل)، وروى الطبراني في الأوسط من حديث الحسن البصري عن أمه أن الحسن أو الحسين بال على بطن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذهبوا ليأخذوه فقال: (لا تزرموا ابني) الحديث، وفي المصنف وصحيح ابن حبان عن ابن شهاب مضت السنة أنه يرش على بول من لم يأكل الطعام من الصبيان.
قال البيهقي: الأحاديث المسندة في الفرق بين بول الغلام والجارية إذا ضم بعضها إلى بعض قويت، وكأنها لم تثبت عند الشافعي حتى قال: ولا يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، قلت: قد نقل ابن ماجة عن الشافعي فرقاً من حيث المعنى، وأشار في الأم إلى نحوه.
انظر التلخيص 1/ 37، 38، 39.
الماء جميع موضع البول، ثم لا يراده ثلاث درجات:
إحداها: النَضْحُ المُجَرَّدُ.
الثانية: النَّضْحُ مع الغَلَبَةِ والمُكَاثَرَةِ.
الثالثة: أن ينضم إلى ذلك الجَرَيانُ، والسَّيَلاَنُ، ولا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة، وهل يحتاج إلى الثانية؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، [والرش، وَالغُسلُ يفترقان في أمر السَّيَلاَن، والتَّقَاطُر، وهل يلحق بول الصبية ببول الصبي؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم] 1، كما يستوي بول الرجل والمرأة في الحكم.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يلحق به، للخبر، ويفرق بينهما من جهة المعنى، بأن بول الصبي، كالماء، وبول الصبية أصفرُ ثَخِينٌ، وأيضاً بأن طبعها أحَرُّ فبولها ألصَقُ بِالمَحِلِّ.
قال الغزالي: الخَامِسُ- وُلُوغُ الكَلْبِ يُغسَلُ سبعاً إِحْدَاهُن بالتَّرَاب وَعَرَقُهُ وَسَائِرُ أجزَائِهِ كَاللُّعَابِ وَفِي إِلْحَاقِ (م) الخِنْزِيرِ بِهِ قَوْلاَنِ: وَالأَظْهَرُ أنَّهُ لاَ يَقومُ الصَّابُونُ والأَشْنَانُ (ز) مَقَامَ التُّرَابِ وَلاَ الغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ نَجِساً أَوْ مُزجَ بالخَلِّ فَوَجهَانِ وَلو ذُرَّ التُّرَابُ عَلَى المَحَلِّ لَمْ يَكْفِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ مَائِع يُعَفَّرُ بِهِ فَيُوصِلُهُ إِلَيهِ.
قال الرافعي: وُلُوغُ الكَلْب ما ولغ فيه، والولوغ: المصدر، وقاعدة الفرع: أنه يغسل من ولوغ الكلب سَبْعاً، إحَداهن بالتراب خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: حكمه حكم سائر النجاسات ولأحمد حيث قال في رواية: يغسل ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ.
لنا ما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُم فَلْيُرِقْهُ، وَليَغسِلُهُ سَبعاً أُولاَهُنَّ، أَوْ إحْدَاهُن بِالتُّرَابِ" 2. ثم فيه مسائل:
إحداها: عَرَقهُ، وسائر أجزائه، وَفَضَلاته كاللُّعَاب، إذا تنجس الشيء بها، وجب العدد وَالتَّعْفِيرُ؛ لأن فمه أنظف من غيره كما سبق، فإذا ورد التَّغْلِيظُ فيه، ففي غيره أولى، وفي وجه أن غير اللعاب كسائر النجاسات، قياساً، وعند مالك -رحمه الله- لا يغسل من غير الولوغ؛ لأن الكلب طاهر عنده، والغُسْلُ من الوُلُوغ تعبد.
الثانية: في إلحاق الخنزير بالكلب في هذا التَّغْلِيظِ قولان: الجديد: أنه يلحق به؛
لأنه حيوان نجس العين، والسؤر كالكلب، فهو أولى بالتغليظ؛ لأنه لا يجوز اقتناؤه بحال، والقديم: أنه لا يلحق به؛ لأن القياس يقتضي الاقتصار على المرة الواحدةِ، وإنما ورد التغليظ في الكلاب فطماً لهم عن عادة مخالطتها، ومنهم من قطع بإلحاق الخِنْزِيرِ بِالكَلْب، ولم يثبت القول القديم ذلك أن تعلم قوله "قولان" بالواو، وتشير إلى هذه الطريقة الثانية.
الثالثة: هل يقوم الصابون والأَشْنَانُ مقام التراب؟ فيه ثلاثة أقوال:
أظهرها: لا لظاهر الخبر؛ ولأنها طهارة متعلقة [بالتراب] 1، فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم.
والثاني: نعم كَالدِّبَاغ يقوم فيه غَيْرُ الشّب وَالقَرَظِ 2 مقامهما، وكالاسْتنْجَاءِ يقوم فيه غير الحِجَارَةِ مقامها.
الثالث: إن وجد التراب لم يعدل إلى غيره، وإن لم يجده جاز إقامة غيره مقامه للضرورة، ومنهم من قال: يجوز إقامة غير التراب مقامه فيما يفسد باستعمال التراب فيه، كالثياب، ولا يجوز فيما لا يفسد كالأواني.
الرابعة: لو اقتصَر على الماءِ، وزاد في عدد الغَسَلاَتِ على السَّبْعِ، هل يطهر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
لظاهر الخبر؛؟ ولأنه غلظ أمر هذه النجاسة بالجمع فيه بين جنسين، فلا يجوز الاقتصار على أحدهما، كَزِنَا البِكْرِ لَمَّا غِلُظَ أمره بالجمع بين الجلد وَالتَّغْرِيب، لا يقتصر على أحدهما.
والثاني: نعم؛ لأن المقصود التطهير، والماء أبلغ في التطهير من التراب، ثم منهم من رتب هذا الخلاف على أن الصابون والأشنان ونحوهما، هل تقوم مقام التراب أم لا؟ إن قلنا: لا، فكذلك الغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ، وإن قلنا: نعم، فهاهنا وجهان؛ لأن ثَمّ استعان بشيء آخر سوى الماء، ومنهم من بَنَاهُ على الخلاف فيما إذا غمس الإناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء كثير، هل يطهر أم لا يعتد بذلك إلا غسلة واحدة؟ ويجب غسله ستاً إحداهن بالتراب، فإن قلنا بالأول طهر بالغسلة الثامنة، وإن قلنا بالثاني فلا، وحكى القاضي الروياني في المسألة وجهاً ثالثاً: أن الغَسْلَةَ الثامنة تقوم مقام التراب عند عدمه، ولا تقوم مقامه عند وجوده، وزهو نظير القول الثالث في المسألة السابقة.
الخامسة: لو كان التراب نجساً ففيه وجهان:
أحدهما: يُجزِئُ كالدَّبْغِ بالشيء النجس فإن المقصود الاسْتِعَانَةُ على القلع بشيء آخر، وأصحهما: لا، كما لو تيمم بالتراب النجس وهذه المسألة تناظر مسألة أخرى وهي: أن الأرض الترابية لو تنجست بإصابة الكلب إياها، هل يحتاج في تطهيرها إلى التراب؟ أم يكفي مَحْض الماء، إن قلنا: يجوز التطهير بالتراب النجس، فلا حاجة إلى تراب آخر، وإن قلنا: لا يجوز، فلا بد من استعمال ترابٍ آخر، والأظهر في هذه المسألة أنه لا حاجة إلى استعمال التراب؛ لأنه لا معنى للتعفير في التراب.
السادسة: لا يكفي ذَرُّ التراب على المحل وإن غسله سبعاً؛ بل لا بد من مائع يمزجه به، ليصل التراب بوساطته إلى جميع أجزاء المحل، ثم ذلك المائع إن كان ماءً حصل الغرض، وإن كان غيره كَالخَلِّ وَمَاءِ الوَرْدِ وغسله ستاً بالماء، فوجهان:
أحدهما: يكفي؛ لأن المقصود من تلك الغَسْلَةِ التراب، وأصحهما: لا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيَغسِلْهُ سَبْعاً إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ".
المعنى: فليغسله بالماء سبعاً، وإلا لجاز الغسل [سبعاً] 1 بغير الماء وبَنى طبقةٌ من الأئمة، ومنهم صاحب الكتاب الخلاف في المسائل [الأربعة] 2 الأخيرة على النظر في أن التعفير لماذا روعي؟ فمنهم من قال: هو تَعَبُّدٌ يتبع فيه ظاهر النقل وقيل: سببه الاستظهار بغير الماء، وقيل: سببه الجمع بين نوعي الطهور فعلى الأول: لا يغني استعمال غير التراب [وعلى الثاني يجوز استعمال غير التراب] 3 والتراب النجس، والممزوج بسائر المائعات، لكن لا تجزى الغسلة الثامنة.
وعلى الثالث يمنع الكل إلا المزج بسائر المائعات، وقد يتوقف المتأمل في بعض هذه التفاريع.
وقوله: في الأصل "بل لا بد من مائع يغيره لِوصله إليه" يجوز أن يقرأ بالياء من التغيير، أي: يغير التراب ذلك المائع، فيوصل المائع التراب إليه، ويمكن أن يجعل الفعل للمائع على معنى أنه يغير التراب عن هيئته فيتهيأ للنفوذ، والوصول إلى جميع الأجزاء، وفي بعض النسخ "يغير به" وكل جائز 4.
قال الغزالي: السَّادِسُ- سُؤرُ الهِرَّةِ طَاهِرٌ فَإِنْ أكَلَتْ فَأَرَةً ثِم وَلَغَتْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ تَلِغَ فِي الحالِ أَوْ بَعْدَ غَيْبَةٍ مُحْتَمَلَةٍ للُولُوغِ فِي المَاءِ الكَثِيرِ وَالأحْسَنُ 1 تَعْمِيمُ العَفْوِ لِلحَاجَةِ.
قال الرافعي: سُؤْرُ الهِرَّةِ طاهر؛ لأنها طاهرة العين، وما هو طاهر العين، فهو طاهر السؤر، ولذلك لما تعجبوا من إصغاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الإناء للهرة قال: "أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، إِنَّهَا مِنَ الطوْافِينَ عَلَيْكُمْ" 2. = يحسب شيئاً؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: واحدة، ويستحب أن يكون التراب في غير السابعة، والأولى أولى.
ولو ولغ في ماء لم ينقص برلوغه عن قلتين فهو باق على طهوريته، ولا يجب غسل الإناء.
ولو ولغ في شيء نجسه فأصاب ذلك الشيء آخر وجب غسله سبعًا.
ولو ولغ في طعام جامد، ألقى ما أصابه وما حوله وبقي الباقي على طهارته وإذا لم يرد استعمال الإناء الذي ولغ فيه لا يجب إراقته على الصحيح الذي قطع به الجمهور.
وفي (الحاوي) وجه أنه يجب إراقته على الفور للحديث الصحيح بالأمر بإراقته، ولو ولغ في ماء كثير متغير بالنجاسة ثم أصاب ذلك الماء ثوبًا قال الروياني: قال القاضي حسين: يجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب، لأن الماء المتغير بالنجاسة كخل تنجس، ولو ولغ حيوان تولد من كلب أو خنزير وغيره أو من كلب وخنزير فقد نقل فيه صاحب (العدة) الخلاف في الخنزير، لأنه ليس كلباً.
والله أعلم.
الروضة 1/ 143.
جعل طهارة العين علة طهارة السؤر، فلو أكلت فأرة، أو تنجس فمها بسببٍ آخر، ثم ولغت في ماء قليل، ونحن نتيقن نجاسة فمها بعد، فهل ينجس؟ فيها وجهان:
أحدهما: لا، لكثرة اختلاطها وعسر الاحتراز، "وَلأنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصْغِيَ للهِرَّةِ لها الإنَاءَ" ولا شك أنه تعتري النجاسة لفيها، ولم يكن بقرب جحر رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ماء كثير ترده الهرة.
وأصحهما: نعم، كسائر النجاسات، والاحتراز وإن عسر، فإنما يعسر عن مطلق الولوغ فأما عن الوُلُوغِ بعد تيقن نجاسة الفم فممنوع.
= وأما حالهما فحميدة روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند ابن معين وأما كبشة فقيل: إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها.
والله أعلم.
وقال ابن دقيق العيد: لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك، وإن كل من خرج له فهو ثقة عند ابن معين، وأما كما صح عنه فإن سلكت هذه الطريقة في تصحيحه أعني تخريج مالك وإلا فالقول ما قال ابن منده.
جعل الرافعي تبعاً للمتولي: الذي أصغى الاناء للهرة هو النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه قال: لما تعجبوا من إصغاء الرسول الاناء للهرة قال: (إنها ليست بنجسة) انتهى.
والمعروف في الروايات ما تقدم نعم روى البيهقي من حديث عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة يصغي الاناء للهرة فتشرب، ثم يتوضأ به، فقيل له في ذلك فقال: ما صنعت إلا ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصنع، وروى ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ من طريق محمد بن إسحاق عن صالح عن جابر قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضع الاناء للسنور فيلغ فيه، ثم توضأ من فضله.
ورواه الدارقطني من طريق أبي يوسف القاضي عن عبد ربه بن سعيد المقبري عن أبيه عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تمر به الهرة فتصغي لها الاناء فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها، وعبد ربه هو عبد الله متفق على ضعفه، واختلف عليه فيه فقيل عنه هكذا، وقيل عنه عن أبيه عن أبي سلمة عن عائشة، ورواه الدارقطني من وجه آخر عن عروة عن عائشة، وفيه الواقدي، وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجه آخر رواه أبو داود من طريق الدراودي عن داود بن صالح بن دينار التمار عن أمه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة قالت: فوجدتها تصلي فأشارت إليّ أن ضعيها فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، وقالت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) ورواه الدارقطني، وقال: تفرد برفعة داود بن صالح، وكذا قال الطبراني والبزار وقال: لا يثبت ورواه الدارقطني والعقيلي من حديث سليمان بن مسافع عن منصور ابن صفية عن أمه عن عائشة، ومن طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الشعبي عن عائشة، وفيه انقطاع، ورواه الدارقطني، وابن ماجة من طريق أخرى عن عمرة عن عائشة قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك، وفيها حارثة بن محمد، وهو ضعيف قال الدارقطني تفرد به عن مصعب، بل ماهان عن الثوري ورواه الخطيب من وجه آخر وفيه سلم بن المغيرة وهو ضعيف.
قال الدارقطني: تفرد به عن مصعب بن عاهان عن الثوري عن هشام عن أبيه عن عائشة والمحفوظ عن الثوري عن حارثة.
انظر التلخيص 1/ 41 - 42 - 43.
وتغطية رأس الإناء هينة، وإصغاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يحتمل أنه كان عند العلم بالطهارة، أو عدم العلم بالنجاسة، وإن لم يتيقن عند الولوغ أن فمها نجس، بعدُ، فإن غابت، واحتمل ولوغها في ماء كثير، أو ماء جارٍ (1) فهل ينجس؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ماء معلوم الطهارة، فلا يحكم بنجاسته بالشك.
والثاني: نعم استصحاباً لنجاسة الفم، إذ لم تتيقن طهارته، والأول: أظهر، وصاحب الكتاب قد جمع بين الحالتين، وجعل المسألة على ثلاثة أوجه، وهو حسن لكن اختار تعميم العفو هو خلاف ما صححه معظم الأصحاب والله أعلم.
فَصْلٌ فِي غسالَةِ النَّجَاسَةِ
قال الغزالي: السَّابعُ- غُسَالَة النَّجَاسَةِ إِنْ تَغَيَّرَتْ فَنَجِسَة وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرُ فَحْكْمُهَا حُكْمُ المَحَلِّ بَعْدَ الغَسْل إِنْ طَهَّرَ فَطَاهِرٌ (ح) وَفِي القَدِيم: هِيَ طَاهِرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ وَقِيلَ حُكْمُهُ حُكْمُ المَحَلِّ قَبْلَ الغَسْلِ وَتَظْهَرُ فَائِدَتُة في رَشَاشِ الغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ.
قال الرافعي: الماء المستعمل في إزالة النجاسة وهو الغُسَالَةُ، إما أن يتغير بعض أوصافهِ بالنجاسة فهو نجس، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِلاَّ مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ"، أو لا يتغير ففيه ثلاثة أقوال:
الجديد: أن حكمه حكم المحل بعد الغسل إن كان نجساً بعد فهو نجس، وإلا فطاهر غير طهور؛ لأن البلل الباقي في المحل بعضه، والماء الواحد القليل لا يتبعض في الطهارة، والنجاسة، وإنما حكمنا بسقوط الطهورية لما سبق في المستعمل في الحدث.
والثاني: وهو مخرج على الجديد، أنه نجس؛ لأنه ماء قليل أصابته نجاسة، والعبارة عن هذا القول أن حكم الغُسَالَةِ حكم المحل قبل استعمالها فيه، كما في المستعمل في الحدث، ومنه خرج.
والثالث: وهو القول القديم: أنه طاهر طهور بكل حال، لما سبق في توجيه [القول] 2 القديم في المستعمل في الحدث، والعبارة عنه أن حكم الغُسَالَةِ حكمها قبل الوُرُودِ على المَحِلِّ، ومنهم من يعبر عن هذا الخلاف بالوجوه؛ لأنها غير منصوصة ويخرج على هذا الخلاف: غسالات الماء المستعمل في إزالة نجاسة الكلب فلو تطاير1
منها شَيْءٌ في المرة الأولى إلى ثوب أو غيره غسل ذلك الموضع على الأول ست مرات؛ لأنه حكم المحل المغسول بعد تلك الغسلة وعلى الثاني يغسل سَبْعاً؛ لأنه حكم المحل قبل تلك الغسلة، وعلى الثالث لا حاجة إلى غسله أصلاً، وعلى هذا لو تطاير من السابعة غسل على القول الثاني مرة ولا يغسل منها أصلاً، فقس المرة الثانية وما بعدها حتى تنتهي إلى المرة السابعة، فيغسل منهما على القول الثاني مرة، ولا يغسل منها أصلاً على الأول والثالث ومتى وجب الغسل عنها نظر هل سبق التعفير المرة المضاف منها أم لا؟ فإن لم يسبق لزم رعايته، وفي وجه: لكل غسلهَ سبع حكم المحل؛ لأنها تزيل سبع النجاسة فيغسل منها مرة، وهذا الوجه يتضمن التسوية بين الغسلة المشتملة على التعفير، وبين سائر الغسلات، وهو إسقاط لأثر التعفير، ولا يخفى عليك بعد هذا أن قوله: "حكمه حكم المحل قبل الغسل"، أي: قبل ذلك لا قبل مطلق الغسل وإن ذكر الغسلة الثانية جرى على سبيل المثال والكناية في قوله: "وتظهر فائدته" تجوز أن يعود القول الثالث، وتجوز أن يعود إلى الخلاف، واستخراج العبارات الثلاث، والأول أحسن وأولى، فهذا شرح ما في الكتاب على النظم، وينبغي أن يتنبه فيه لمسائل:
إحداها: أن ما ذكره من الخلاف مخصوصٌ بالماء القليل إذا غسل به النجاسة، وإن أطلق اللفظ وإلافلا خلاف في أن الكثير لا ينجس إلا بالتغير.
الثانية: أطلق الخلاف فيما إذا لم يتغير، ولو لم يتغير ولكن ازداد وزنه عند الانفصال على ما كان فهو نجس بمثابة ما لو تغير على أصح الوجهين.
الثالثة: الخلاف المذكور في المستعمل [إزالة النجاسة (1) الواجبة]، أما المستعمل في مندوبها ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه طاهر طهور بلا خلاف.
والثاني: أنه كالمستعمل في واجبها فيعود فيه القول الأول، والثالث دون الثاني.
الاجتهاد في الماء المشتبه
البَّابُ الثَّالِثُ في الاجْتِهَادِ
قال الغزالي: مَهْمَا اشْتَبَهَ إِنَاءٌ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ عَنْ عَدْلٍ بإنَاءٍ طَاهِرٍ لَمْ يَجُزْ (و) أَخْذِ أَحَدِ الاِنَاءَينِ إِلاَّ باجتِهَادٍ (ز) وَطَلَبِ عَلاَمَةٍ تَغْلِبُ ظَنَّ الطَّهَارَةِ.1
قال الرافعي: إذا اشتبه عليه إناء طاهر بإناء نجس، واحتاج إلى الطَّهَارَةِ فماذا يفعل؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يستعمل ما شاء من غير اجتهاد ونظر؛ لأن الذي يقصده بالاستعمال غير معلوم النجاسة، والأصل فيه الطهارة.
والثاني: إنما يأخذ أحدهما إذا ظن طهارته، ولكن لا يشترط استناده إلى اجتهاد، وَأَمَارَةٍ؛ بل له أن يأخذ بما سبق وهمه إليه، وكفى ذلك مرجحاً لأصل الطهارة.
والثالثة: وهو المذهب ولم يذكر في الكتاب سواه أنه لا يجوز أخذ أحدهما إلا بالاجتهاد، وطلب علامة تغلب ظن طهارة المأخوذ، ونجاسة المتروك، لأن أصل الطهارة عارضة يقين النجاسة، وعرفنا أن ذلك الأصل، صار متروكاً إما في هذا، أو في ذاك، فيجب النظر في التعيين.
وقال المزني: يتيمم ولا يجتهد، وإن كان الاشتباه في ثوبين صلى فيهما صلاتين، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجتهد في الثياب، ولا يجتهد في الأواني إلا إذا كان عدد الطاهر أكثر.
لنا قياس الأواني على الثياب، وقد أعلموا لفظ الكتاب بالعلامات المشعرة بهذه الاختلافات.
فقوله: "لم يَجُزْ" معلم بالواو، ولفظ "الإنائين" معلم بالحاء.
وقوله: "إلا باجتهاد" بالألف والزاي، ولو كان سبب الاشْتِبَاهِ إخبار عَدْلٍ إياه عن نجاسة أحدهما على الإبهام، وجب الاجتهاد كما لو عرفه بنفسه، وكذلك لو أخبره عن نجاسة أحدهما بعينه، ثم اشتبه عليه، وسبيله سبيل الرواية، وكل من تقبل روايته من ذَكَرٍ وأُنْثَى وعبد وحر يقبل قوله في ذلك، بشرط العدالة، وهل يقبل قول الصبي المميز؟ فيه وجهان 1 ويشترط أن يعلم من حال المخبر أنه لا يخبر إلا عن حقيقة؛ لأن المذاهب مختلفة في أسباب النجاسات، فقد يظن ما ليس بنجس منجساً، ولعلك تقول لفظ الكتاب يقتضي أن يكون إخبار العدل مفيداً لليقين؛ لأنه قال: "تيقن نجاسته، بمشاهدة، أو سماع من عدل" وقول الواحد لا يفيد اليقين، فاعلم أن الفقهاء كثيراً ما يعبرون بلفظ المعرفة واليقين عن الاعتقاد القوي علماً كان أو ظناً مؤكدًا، أو يجري ذلك في لسان أهل العرف أيضاً، وهذا على ذلك المذهب، ولك أن تستفيد من قوله: "لم يَجُز أخذ أحد الإنائين إلا بالاجتهاد".
فائدة وهي: النظر فيما لو خرج أحد الإنائين عن أن يستعمل إما بالانْصِبَابِ أو بِتَقَاطُرِ شيء من الآخر فيه، هل يحتاج إلى الاجتهاد في الثاني؟ الذي يقتضيه لفظ الكتاب أنه يحتاج إليه، وهو الظاهر، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: يتوضأ به من غير تحر.
والثاني: لا يتوضأ به أصلاً، بل يتيمم.
وقوله: إلا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب ظن الطهارة ليس به إلا الإيضاح، ولو اقتصر على قوله لم يجز أخذ أحد الإنائين إلا بالاجتهاد.
أو قال: إلاَّ بطلب علامة لحصل به الغرض.
قال الغزالي: فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَةُ أَحَدِ الإِنَاءَيْنِ بِكَوْنِهِ مِنْ مِيَاهِ مُدْمِنِي الخَمْرِ وَالكُفَّارِ المُتَدَيّنينَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ كَاسْتِيقَانِ النَّجَاسَةِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَينِ وَعَلَيْهِ تَمْتَنِعُ الصَّلاةُ فِي المَقَابِرِ المَنْبُوشَةِ وَمَعَ طِينِ الشَّوَارعِ وَكُلِّ مَا الغَالِبُ نَجَاسَتُة.
قال الرافعي: الشيء الذي لم يتيقن نجاسته، ولكن الغالب في مثله النجاسة يستصحب طهارته، أم يؤخذ بنجاسته، قولان:
أحدهما: يستصحب طهارته تمسكاً بالأصل المتيقن إلى أن يزول بيقين بعده كما في الإحداث.
والثاني: يؤخذ [بنجاسته] 1 عملاً بالظنِّ المستفاد من الغلبة بخلاف الإحداث، فإن عروضها كثر فخفف الأمر فيها بطرح الظن كالشك، ويشهد هذان القولان لقولي تعارض الأصل والظاهز 2، وللمسألة نظائر كثيرة منها ثياب مدمني الخمر وَأَوَانِيهِمْ، وثياب القَصَّابِينَ 3، والصبيان الذين لا احتراز لهم عن النجاسات وطين الشوارع، حيث لا تتيقن نجاسته، والمقابر المَنْبُوشَة، حيث لا تتيقن النجاسة، ومنها أواني الكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسات كالمجوس، يغتسلون بِبَوْلِ البَقَرِ، ويتقربون بذلك، ولا يلحق بهم الكفار الذين لا يتدينون باستعمالها، كاليهود والنصارى، نعم المنهمكون منهم في الخمر والتلوث بالخنزير.
يجري في ثيابهم وأوانيهم القولان لا محالة كمدمني الخمر من المسلمين، وربما أطلقوا نقل القولين فيما إذا غلب على الظن النجاسة ولم يستيقن، ولكن له ما شرط، وهو أن تكون غلبه الظن مستندة إلى أن الغالب في مثله النجاسة، أما لو كان سبب الظن غير ذلك لم يلزم طرد القولين، حتى لو رأى ظَبْيَةً تبول في ماء كثير، وكان بعيداً عن الماء، فانتهى إليه ووجده متغيراً، وشك في أن تغيره بالبول، أم بغيره فهو نجس، نص عليه الشافعي -رضي الله عنه- وأصحابه -رضوان الله
عليهم أجمعين- ثم الظاهر من القولين استصحاب الأصل فإنه أصدق وأضبط من الغالب الذي يختلف باختلاف الزمان، والأحوال، والنقل يعضد ذلك، مثل ما روى "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- حَمَلَ أَمَامَةَ بِنْتَ أَبِي العَاصي فِي صَلاَتِهِ" 1، وكانت هي بحيث لا تحترز عن النجاسات.
إذا تقرر هذا الأصل.
فنقول: إنْ ألحقنا عليه الظن باليقين، فلو اشتبه عليه إناء طاهر بإناء الغالب في مثله النَّجَاسَةِ كان كما لو اشتبه بإناء مُسْتَيقَنِ النجاسة، فيحتاج إلى الاجتهاد كما سبق.
وإن لم نلحقها باليقين فلا حاجة إلى الاجتهاد، ويستعمل أيهما شاء وكليهما أيضاً.
وقوله: "وعليه يخرج امتناع الصلاة في المقابر المَنْبُوشَةِ"، وفي بعض النسخ "وعليه تمتنع الصلاة" أي: على قول إلحاق الغلبة باليقين تمتنع الصلاة في المقابر المنبوشة وكذلك حكم التيمم بترابها، وامتناع الصلاة مع طِيْنِ الشوارع 2 ونحوه ويجوز أن يرجع الكناية 3 في قوله: "وعليه يخرج" إلى الخلاف.
قال الغزالي: ثُمَّ لِلاجْتِهَادِ شَرَائِطُ: الأَوَّلُ- أنْ يَكُونَ لِلْعَلاَمَاتِ مَجَالٌ فِي المُجْتَهَدِ فِيهِ فَيَجُوزُ (ز) الاجتِهَادُ في الثِّيَابِ وَالأوَانِي وَلاَ يَجْوزُ فِي تَمْييزِ المُحَرَّمِ وَالمَيِّتَةِ عَن المُذَكَّاةِ وَالأَجْنَبِيَّةِ.
قال الرافعي: الشرائط 4 جمع شريطة، وحقها أن يقال: الأولى والثانية، فقوله:
"الأوَّل" والثاني محمول على المعنى.
التقدير الشرط الأول والثاني، إذا عرفت ذلك فمن شرائط الاجتهاد: أن يكون للعلامات مجال في المجتهد فيه، فيجوز في الثياب والأواني إذا اشتبه بعضها ببعض؛ لأنها مجال العلامات على ما سيأتي، أما إذا كان الاشتباه فيما لا يتوقع ظهور الحال فيه بالعلامات لفقدها، فلا يجوز الاجتهاد كما لو اختلط محرم له بنسب أو رضاع بأجنبية، أو أجنبيات محصورات، فلا يجوز له نكاح واحدة بالاجتهاد إذ لا علامة تمتاز [بها المحرم عن الأجنبية.
ولو اشتبه عليه مَيْتَةُ وَمُذَكَّاةَ، أو لَبَنُ بِقَرٍ بِلَبَنِ أَتَانٍ 1 فوجهان:
أصحهما: لا يجتهد أيضاً إذ لا علامة] 2.
والثاني: يجتهد إذ الميتة تطفو على الماء.
واعلم أنه لو منع مانع فقد الأمارات في المحرم والأجنبية وادعى إمكان الامتياز بالأمور الخلقية والأخلاق وغيرها لم يبعد، وكذلك في الصورة الثانية؛ ثم إنما ينتظم التعليل لفقد الأمارات إذا اعتبرنا في الاجتهاد النظر في الأمارات أما إذا قلنا: يأخذ بما سبق وهمه إليه فليست العلَّةُ هذا، وإنما العلَّة فيه أن سبق الوَهْم إنما يؤخذ به اعتماداً على أن الأصل في الماء الطهارة، وهاهنا الأصل في الأَبْضَاعِ الحرمة، وليست اللحوم على الإباحة أيضاً ألا تَرَى أنه لو ذبح المُشْرِفُ على الموت وشك في أن حركته عند الذبح كانت حركة المذبوح، أو حياة مستقرة يغلب التحريم، ولك أن تقول في توجيه المنع على قاعدة اعتبار العلامات: [إن فقدت العلامات هاهنا، فقد تعذر الاجتهاد، وإن وجدت فالعلامات] (3) إنما تعتمد عند تأييدها بالأصل لما سيأتي، ولم توجد هاهنا.
قال الغزالي: الثَّانِى- أَنْ يَتَأَيَّد الاجتِهَادُ باسْتِصْحَابِ الحَالِ فَلاَ يَجُوزُ الاجتِهَادُ عِنْدَ اشتِبَاهِ البَوْلِ أَوْ مَاءِ الوَرْدِ (ح) بِالمَاءِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَينِ.
= علامات لازمة دالة على الصحة والتوثق، وفي اصطلاح أهل العلم هو الوصف الظاهر المنضبط الذي يلزم من عدم الحكم أو عدم السبب لحكمه في عدمه تنافي حكمه الحكم أو السبب أو هو: ما يتعلق به الوجود دون الوجوب، ويكون خارجاً عن ماهيته، فشرط الشيء ما يتفق عليه ثبوته، وحصوله له، لا وجوبه، انظر تفصيل الشرط في فتح الغفار 3/ 73، أصول السرخسي 2/ 302، روضة الناظر 31، مسلم الوصول 1/ 61، شرح الكوكب المنير 1/ 451. وشرح مختصر المنتهى 2/ 7، شرح جمع الجوامع 2/ 20، غاية الوصول 13.
قال الرافعي: إذا اشتبه عليه مَاءٌ وَبَولٌ، أو ماء ومَاءُ وَرْدٍ، فهل يجتهد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم اعتماداً على الأمارات كما في الماء النجس.
وأصحهما: لا؛ لأن الاجتهاد وهم أو رجم ظن لا يعتمد إلا إذا اعتضد بأصل الطهارة والطهورية، فعلى هذا يعرض هاهنا في الصورة الأولى ويتيمم، وفي الثانية: يتوضأ بهذا مرة، وبهذا مرة.
وإن قلنا: بالأول فلا شك أن هاهنا لا يكتفي بسبق الوهم لفقد الأصل، فلا بد من الأمارات، وبنى بعضهم الخلاف في الصورتين جميعاً على الخلاف في أَنَّا هل نكتفي في الاجتهاد بسبق الوهم أم يعتبر النظر في الأمارات؟
إن قلنا بالأول فلا يجتهد، وإن قلنا بالثاني فيجتهد.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- أَنْ يَعْجَزَ عَنِ الوُصُولِ اِلَى اليَقِينِ، فَانْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرِ امْتَنعَ الاجتِهَادُ فِي الأَوَانِي وَالثِّيَابِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ.
قال الرافعي: هل يجتهد مع إمكان الطهارة فيه وجهان:
أحدهما: لا, لأن الاجتهاد إنما يصار إليه عند العجز عن درك اليقين، ألا ترى أن في الحوادث لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص؟
وأظهرهما: نعم؛ لأن تركه التطهير بالماء المقطوع بطهارته، والعدول إلى المشكوك في طهارته جائز، وهذا أصل يتخرج عليه مسائل.
منها: ما إذا كان على شَطِّ نَهْرٍ أمكنه التطهر به، والإعراض عن المائين المشتبهين جميعاً، وأمكن غسل الثياب المشتبهة به، وهذه الصورة هي المذكورة في الكتاب.
ومنها: أن يكون عنده قُلَّتَا ماء، إحداهما نجسة من غير تغير ولو جمعهما لبلغ المجموع قلتين.
ومنها: أن يشتبه عليه ماء طهور وماء مستعمل.
ومنها: أن يشتبه عليه ماء، وَمَاءُ وَرْدٍ، فيجري الوجهان في جميع هذه الصورة إلا أن الظاهر في الصورة الأخيرة منع الاجتهاد، لا من جهة هذا الأصل؛ بل للمعنى الذي سبق.
قال الغزالي: الرَّابعُ- أَنْ تَلُوحُ عَلاَمَةُ النَّجَاسَةِ كَحَرَكَةِ المَاءِ أَوْ نُقْصَانِهِ أَوْ انصِبَابِهِ أَو ابْتِلاَلِ طَرَفِ الإِنَاءِ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ بِولُوغِ الكَلْبِ وَيَشتَرِكُ فِي ذِرْكِهِ الأَعْمَى (و) وَالبَصِيرُ فَإنْ لَمْ تَلُحْ عَلاَمَةُ صَبِّ المَاءِ وَتَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَ الصَّبِّ وَجَبَ القَضَاءُ لأَنَّ مَعَهَ مَاءً طَاهِراً بِيَقِينٍ.
قال الرافعي: إن قلنا يأخذه ويستعمله من غير اجتهاد، أو قلنا ما سبق وهمه إلى طهارته أخذ به فلا يحتاج إلى العلامات، وَإنِ اعتبرنا الأمارات والعلامات، وهو
الصحيح، وعليه بني صاحب الكتاب الكلام، فلا بد من أن تلوح علامة النجاسة ليمتاز عنده النجس عن الطاهر.
مثال ذلك: أن يَعرف أن سبب النجاسة وُلُوغُ الكلب، ثم يرى نُقْصَانَ ماء أحد الانائين، أو حركته أو ابتلال طرف الإناء، أو قرب أثر الكلب من أحدهما، فهذه الأمور مُشْعِرَةٌ بكونه نجساً، وقد تدل حركة الماء وابتلال طرف الأناء على النجاسة في غير وُلُوغِ الكلب أيضاً، فإن لم تَلُحْ له علامة، وتحَيَّرَ تَيَمَّمَ لعجزه عن الوضوء، ثم إن كان تيممه بعد صَبِّ الماء في الإنائين فلا قضاء عليه، ويعذر في صبه لدفع القضاء بخلاف ما إذا صب ما [عنده] 1 من الماء الطاهر عَبَثاً وتيمم يقضي على أحد الوجهين، وفي معنى الصَّبُ ما لو جمع بينهما لتنجَسَّا، وإن تيمم قبل ذلك قضى؛ لأن معه ماءً طاهراً بيقين.
وهل يجتهد الأعمى في الأواني؟ فيه قوله:
أحدهما: لا، كما لا يجتهد في القبلة؛ بل يقلد فيهما.
وأصحهما: نعم، وهو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه يعرف باللمس اعوجاج الإناء، واضطراب الغطاء، وسائر العلامات، فصار كالاجتهاد في الوقت.
فعلى الأول من شرائط الاجتهاد كونه بصيراً.
وعلى الثاني لا فرق.
ثم إن عَجَزَ الأَعْمَى ولم يغلب على ظنه شيء، فوجهان:
أظهرهما: أن له أن يقلد 2 بخلاف البصير إذا تَحَيَّرَ فيه هذا آخر الشروط، وإذا تأملتها عرفت أن اشتراط الكل مختلف فيه.
أما الثاني والثالث فظاهر، وأما الأول والرابع فهما مَبنِيَّانِ على اعتبار العلامات، ولعلك تقول: الاجتهاد هو البحث، والنظر 3، وثمرته ظهور العلامات وثمرة الشيء تتأخر عنه، والشرط يتقدم، فكيف جعل ظهور العلامات شرطاً، فالجواب: أن قوله: "ثم للاجتهاد شرائط"، أي: للعمل بالاجتهاد، أو لكونه مفيداً، وما أَشْبَهَ ذَلِكَ.
قال الغزالي: فَرْعٌ: لَوْ أَدَّى اجتِهَادُهُ إِلَى إنَاءِ وَصَلَّى بِهِ الصُّبحَ ثُمَّ أَدَّى عِنْدَ الظَّهْرِ اجتهَادُة إلَى الثَّانِي تَيَمَّمَ وَلا يَسْتَعمِلْ لأَنَّ الاجتِهَادَ لاَ يُنْقَضُ بِالاجتِهَادِ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ
أَنَّهُ يَستَعْمِلُ وَنُورِدُهُ عَلَى جَمِيعِ مَوَارِدِ الأَوَّلِ لأَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ أُخْرَى.
وَعلَى النَّصِّ هَلْ يَقْضِي الصَّلاةَ الثَّانِيَةَ لأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِراً بِحُكمِ الاجْتِهَادِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا غلب على ظَنِّهِ طهارة أحد الإنائين، فالمستحب أن يُرِيقَ الثاني لئلا يتغير اجتهاده [فيشكل [الأمر عليه] 1، فلو لم يفعل وقد صلى الصبح مثلاً بما ظَنَّ طهارته، ثم تغير] 2 اجتهاده عند الظهر إلى طهارة الثاني فلا يخلو إما ألا يبقى من الأول، شيء، أو بقي، فهما حالتان:
إحداهما: ألا يبقى من الأول شيء، وهذه الحالة هي التي تكلم فيها في الكتاب.
فنقول: أولاً لا يجب عليه إعادة الاجتهاد هاهنا إذا حضرته الصلاة الثانية لكن لو أعاد وتغير اجتهاده فظن طهارة الثاني ففيه قولان:
أحدهما: وهو المنصوص أنه لا يستعمله، بل يتيمم، لو استعمله فإما أن يغسل ما أصابه الماء الأول من بدنه، وثيابه فيلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد، أو لا يغسل ذلك فيكون مصلياً مع يقين النجاسة، والثاني خرجه ابن سريج من تغير الاجتهاد في القبلة أنه يتوضأ بالثاني، ولا يتيمم؛ لأن هذه قضية مستأنفة، فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضي، لكن لا بد من إيراد الماء على جميع المواضع التي أصابهما الماء الأول، وغسلها لإزالة النجاسة، ثم يتوضأ بعد ذلك لأن من على بدنه نجاسة وأراد أن يتوضأ، أو يغتسل لم تَكْفِه الغسلة الواحدة عنهما جميعاً، ثم على النص هل تقتضي الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، إذ ليس معه ماء طاهر بيقين
والثاني: نعم؛ لأن معه ماء طاهر بحكم الاجتهاد، وأما الصلاة الأولى فلا حاجة إلى قضائها لا على النص ولا على التخريج.
الحالة الثانية: أن يبقى من الأول شيء، فإن كانت البقية كافية لطهارته، فالحكم على ما ذكرناه في الحالة الأولى إلا في شيئين:
أحدهما: أنه يجب إعادة الاجتهاد للصلاة الثانية؛ لأن معه ماء مستيقن الطهارة.
والثاني: أن الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم يجب قضاؤها؛ لأن معه ماء طاهراً بيقين، إما هذا أو ذاك.
هذا هو النص، وفيه وجه: أنه لا يجب؛ لأن ما معه من الماء ممنوعٌ من استعماله شرعاً، فأشبه الذي حال بينه وبينه سبع.
وإن لم تكن البقية كافية زاد
النظر في أن ما لا يكفيه من الماء هل يجب استعماله أم لا؟ إن قلنا: فكما لو لم يبق شيء من الأول، وإلا فكما لو بقي، ولو صَبَّ الماء الثاني في الحالة الأولى أو صبهما جميعاً في الحالة الثانية، ثم تيمم سقط القضاء بلا خلاف 1.
البابُ الرَّابعُ فِي الأَوانِي
قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثة أَقْسَامِ:
الْقِسْمُ الأَوَّلُ- المُتَّخَذُ مِنَ الجُلُودِ،
وَاسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الجِلْدُ طَاهراً وَطَهَارَتُهُ بِالذَّكَاةِ فِيمَا يُؤكَلُ (ح) لَحْمُهُ أَوْ بِالدِّبَاغِ فِي الجَمِيعِ إِلاَّ الكَلْبَ (ح) والخِنزِيرَ.
قال الرافعي: جعل الأَوَانِيَ على ثلاثة أقسام؛ لأنها إما أنْ تُتَخَذَ من الجُلُودِ، أو العظام، أو من غيرهما، وعلى الأحوال فالأعيان المتخذ منها إما أن تكون نجسة، فلا يجوز استعمالها في الشرب، والطهارة، وسائر وجوه الاستعمال، أو طاهرة فيجوز، ويستثنى الذهب والفضة على ما سيأتي، وهذه الجملة ظاهرة.
نعم الحاجة تمس إلى بيان الطاهر، والنجس من الجلود والعظام، وتمييز أحدهما عن الآخر، وإلى حكم المتخذ من الذهب والفضة فحصر كلام الأقسام الثلاثة في هذه الأمور، وإنما يكون الجلد المتخذ منه الإناء طاهراً في حالتين:
إحداهما: أن يكون جلد المأكول المُذَكَّى فهو على طهارته كاللحم، وسائر الأجزاء، وقد يؤكل الجلد الرُّؤُوس، والمَسْمُوطِ ولا يلحق غير المأكول بالمأكول في ذلك؛ بل جلد غير المأكول نجس وان ذكّي كلحمه 1 خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-.
الثانية: أن يكون مَدْبُوغا، فَالدِّبَاغُ يفيد طهارة الجلد من المأكول وغيره خلافاً لأحمد.
لنا ما رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيهِ السَّلاَمُ مَرَّ بِشَاةٍ مَيَّتَةٍ لِمَيمُونَةَ، فقال: "هَلاَّ اتَّخَذتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغتمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقِيلَ: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُر" 2. = يبقى قدر لو كان الاختلاط به ابتداء منع الجواز، ولو كان له دنَّان فيهما مائع فاغترف منهما في إناء فرأى فيه فأرة لا يدري من أيهما هي تحرّي، فإن ظهر له أنها من أحدهما بعينه فإن كان اغترف بمغرفتين فالآخر طاهر، وإن كان بمغرفة فإن ظهر بالاجتهاد أن الفأرة في الثاني فالأول على طهارته، وإلا فهما نجسان، وقد أكثرت الزيادة في هذا الباب لمسيس الحاجة إليها فبقيت منه بقايا حذفتها كراهة كثرة الإطالة.
والله أعلم.
الروضة 1/ 148 - 150.
ويستثنى جلد الحيوان النجس في الحياة، وهو: الكَلْبُ والخنزير، وفروعهما خلافاً لأبي حنيفة في الكلب.
لنا أن جلدهما لم ينجس بالموت، لما بينا أنهما نجسان في الحياة، والدِّبَاغ إنما يطهر جلداً نجس بالموت، لأن غاية الدّباغ نَزْعُ الفَضَلاَتِ، ودفع الاستحالات، ومعلوم أن الحياة [أبلغ في ذلك] 1 من الدباغ، فإذا لم تفد الحياة الطهارة حتى كان نجساً قبل الموت، فاولى أن لا يفيدها الدباغ.
ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "المتخذ من الجلد فاستعماله جائز بشرط أن يكون الجلد طاهراً"، فاعلم أن هذا كما هو شرط في المُتَّخَذِ من الجلد فهو شرط في المُتَّخَذِ من سائر الأعيان، وإن لم يذكره في سائر الأقسام.
وقوله: "وطهارته بالذّكَاة" ليس على معنى أن الذّكَاة تطهر، فإن التطهير يستدعي سبق النجاسة، وهو طاهر في الحياة وبعد الزكاة 2 وإنما المواد أن الجلد الذي يتخذ منه الأناء لا يكون طاهراً، إلا إذا وجد فيه أحد المعنيين، إما الذّكَاة في المأكول أو الدّباغ.
وقوله: "فيما يؤكل لحمه" ينبغي أن يكون معلماً بالحاء؛ لأن عنده لا حاجة إلى هذا القيد، وموضع باقي العلامات ظاهر بعد ما نقلنا من الخلاف.
وقوله: "إلا الكلب والخنزير" يوجب حصر الاستثناء فيهما، وهو ظاهر المذهب بعد إلحاق فروعهما بهما.
ولنا قول أن الآدمي ينجس بالموت على ما تقدم ذكره، فعلى ذلك القول، هل يطهر جلده بالدباغ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لعموم الخبر؛ ولأنه طاهر في الحياة، فأشبه جلده سائر الجلود.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة، أنه لا يطهر لما فيه من الامتهان، فعلى هذا يلحق جلود الآدمي بالمستثنى، ولك أن تعلم قوله "بالدباغ" مع الألف المشيرة إلى = النسائي وأحمد بلفظ: مر بشاة لميمونة ورواه البزار بلفظ (ماتت شاة لميمونة)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألا استمتعتم بإهابها؟ فإن دباغ الأديم طهوره).
وفي الباب عن أم سلمة رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني في إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف، وفي تاريخ نيسابور للحاكم من طريق مغيرة عن الشعبي عن ابن عباس: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بشاة ميتة لامِّ سلمة أو لسودة فذكر الحديث، وأما حديث: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فرواه الشافعي عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن ابن وعلة عن ابن عباس سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: بهذا، وكذا رواه الترمذي في جامعة عن قتيبة عن سفيان، وقال حسن صحيح، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد عن سفيان بلفظ (إذا دبغ الإهاب فقد طهر)، ورواه ابن حبان بلفظ قتيبة وفي سياقه عن ابن عيينة حدثني زيد بن أسلم سمعت ابن وعلة سمعت ابن عباس وله شاهد عن ابن عمر رواه الدارقطني بإسناد على شرط الصحة، وقال إنه حسن وآخر من حديث جابر رواه الخطيب في تلخيص المتشابه.
انظر التلخيص 1/ 46.
مذهب أحمد بالواو، لا لمصير بعض الأصحاب إلى المنع من الدّباغ، فليس منهم من يقول به، لكن لأن صاحب "التتمة" حكى وجهاً عن رواية ابن القطان 1: أن جلد الميتة لا ينجس، وإنما أمر بالدَّبغ لإزالة الزُّهُومَةِ، فإذا كان طاهراً قبل الدّباغ لم تكن طهارته بالدّبَاغِ.
قال الغزالي: وَكَيْفِيَّةُ الدَّبَاغِ نَزْعُ الفَضَلاَتِ بِالأَشيَاءِ الحَرّيفَةِ وَلاَ يكفِي التَّتْرِيبُ (ح) وَالتَّشْمِيسُ (ح) وَلاَ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ المَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَيجِبُ إِفَاضَةِ المَاءِ المُطْلَقِ عَلَى الجِلْدِ المَدْبُوغِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: ولك في قوله: "وكيفية الدباغ نزع الفضلات"، مباحثتان:
إحداهما: أن تقول: ما الذي أراد بكيفية الدباغ أراد به حقيقته أم غير ذلك؟ وكيف يجوز إرادة الحقيقة، وقد اشتهر في كلام الفقهاء أن مقصود الدباغ نَزْعُ الفضلات وَعدَّ ذلك كلاماً صحيحاً منتظماً، ومقصود الشيء غَيْرُ حقيقته، وإن أراد غير ذلك فما هو؟
والجواب: يجوز أن يكون المعنى والكيفية المعتبرة في الدباغ نزع الفضلات، ويجوز أن يريد بكيفية حقيقته، لكن الدباغ، يطلق بمعنيين يطلق لمعنى الفعل المخصوص في الجلد على الهيئة التي يبتغى بها إصلاح الجلد، ويطلق بمعنى الفعل المصلح، ولهذا يقال: يحصل الدّباغ بكذا، ولا يحصل بكذا، مع وجود الدَّلْكِ والاستعمال على الهيئة التي يبتغي بها الصلاح، فبالمعنى الأول ينتظم أن يقال: مقصود الدباغ نزع الفضلات، والمعنى الثاني: ينتظم أن يقال: حقيقة الدباغ نزع الفضلات.
الثانية: أن يقول كيف اعتبر مجرد النزع؟ والأصحاب يقولون يعتبر عند الشافعي -رضي الله عنه- في الدِّباغ ثلاثة أشياء نَزْعُ الفُصُول، وَتَطْبِيبُ الجِلْدِ، وَصَيرُورَتُهُ بحيث لو نقع في الماء لم يعد الفساد والنتن.
والجواب أنه لا فرق في المعنى، فإنه إذا نزعت الفضلات طاب الجلد وصار إلى
الحالة المذكورة.
وإذا اعتبرنا أحد الأمور المتلازمة فقد اعتبرناها جميعاً، وقوله: "بالأشياء الحريفة" يجوز أن يكون معلماً بالواو لشيئين:
أحدهما: أن هذا اللفظ يعم الشب والقَرَظ الواردين في خبر الدباغ وغيرهما، كالعَفَصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وحكى بعضهم وجهاً: أن يختص الدِّباغ بالشب والقَرَظ كما يختص تطهير ولوغ الكلب بالتراب على الأظهر، والمذهب أنه لا فرق بينهما وبين غيرهما مما يصلح للدباغ، والشث بالثاء كذلك ذكره الأزهري 1، وفي الصحاح 2 أن الشب بالباء شيء يشبه الزَّاجَ، والشَّثُّ بالثاء نَبْتٌ يدبغ به.
الثاني: أنه يعم الطاهر والنجس من آلات الدباغ سواء كان نجس العين كذرق الطائر وغيره، وفيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز الدّباغ بالنجس؛ لأن النجس لا يصلح للتطهير.
وأظهرهما: وهو ظاهر ما ذكره الجواز؛ لأن الغرض إخراج الجلد عن التعرض للعفونة والاستحالة، وهذا يحصل بالطاهر والنجس جميعاً، وهذا في طهارة العين.
ويجب غسله بعد ذلك لا محالة بخلاف المدبوغ بالشيء الطاهر، ففي وجوب غسله [قولان] 3 يأتي [ذكرهما] 4. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن النزع إنما اعتبر ليصير الجلد نظيفاً مصوناً عن الاستحالات والتغيرات فيطهر، كما كان في حال الحياة، ويترتب عليه أن التجميد بالإلقاء في التراب والشمس لا يكفي؛ لأن الفضلات لا تزول؛ ألا ترى أنه إذا نقع في الماء عاد الفساد.
وعن أبي حنيفة: أنه يكفي ذلك، وبه قال: بعض الأصحاب لحصول الجفاف، وطيب الرائحة، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: هل يجب استعمال الماء في أثناء الدباغ مع الأدوية؟ فيه وجهان:
إحداهما: نعم؛ لأن معنى الإزالة في الدباغ [أبلغ] 5 والماء متعين لإزالة النجاسات، وأيضاً فقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلَيَسَ فِي الشَّب وَالْقَرَظِ وَالْمَاءِ مَا يُطَهِّرُه" 6.
وأظهرهما: لا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَد طَهُرَ" 1 والغالب في الدباع الإحالة دون الإزالة، ومعناه أن الجلد بنزع الفضلات يستحيل إلى الطهارة، كالخمر يَستَحِيْلُ خَلاًّ.
الثانية: إذا دبغ الجلد بشيء طاهر فهل يجب.
غسله بعد الدباغ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لإزالة أجزاء الأدوية فإنها نجست بملاقاة الجلد، وبقيت ملتصقة به.
والثاني: لا، لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَقَدْ طَهُرَ" فإن قلنا: يجب فالجلد بعد الدباغ طاهر العين كالثوب النجس بخلاف ما إذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ، ولم يستعمل، فإنه يكون نجس العين، وهل يطهر بمجرد نقعه في الماء أم لا بد من استعمال الأدوية ثانياً؟ فيه وجهان.
وإذا أوجبنا الغسل بعد الدباغ لم يَجُزْ أن يكون الماء متغيراً بالأدوية وإذا أوجبنا الاستعمال في أثناء الدباغ لم يضر كونه متغيراً بها؛ بل لا بد منه فلهذا وصف الماء في المسألة الثانية بكونه مُطْلَقاً، ولم يتعرض لذلك في الأولى.
قال الغزالي: ثُمَّ الجِلْدُ المَدْبُوغُ طَاهِرٌ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ (وم) يَجُوزُ بَيْعُهُ (وم) وَيَحِلُّ أكْلُهُ عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: هل يطهر بالدباغ، باطن الجلد كظاهره أم لا يطهر إلا ظاهره؟ فيه قولان:
الجديد: أنه يطهر الباطن، والظاهر حتى يصلى فيه وعليه ويباع ويستعمل في الأشياء الرطبة، واليابسة لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ" ولقوله: "هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُم بِهِ".
أطلق ولم يفصل بين الانتفاع في الرطب، واليابس؛ ولأن الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعاً.
والقديم: وهو مذهب مالك أنه: لا يطهر باطنه حتى يصلى عليه، ولا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل في الأشياء الرطبة 2 لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلاَ عَصَبٍ" 3. ظاهره المنع مطلقاً خالفنا في ظاهر الجلد جمعاً بينه وبين الأخبار المجوزة للدباغ، وأما الأكل منه، فإن كان جِلْدَ مَأَكُولٍ فقولان:
الجديد: الجواز لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دِبَاغُ الأَدِيمِ ذَكَاتُهُ" 1. = الميتة بإهاب ولا عصب) وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود قبل موته بشهر، وفي رواية لأحمد بشهر أو شهرين قال الترمذي: حسن، وكان أحمد يذهب إليه ويقول: هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن ابن عكيم عن أشياخ من جهينة وقال الخلال لما رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه توقف فيه، وقال ابن حبان: بعد أن أخرجها هذه اللفظة أو همت عالماً من الناس أن هذا الخبر ليس بمتصل وليس كذلك، بل عبد الله بن عكيم شهد كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قرئ عليهم في جهينة وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك، وقال البيهقي والخطابي: هذا الخبر مرسل، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه ليست لعبد الله بن عكيم صحبة، وإنما روايته كتابة، وأغرب الماوردي فزعم أنه نقل عن علي بن المديني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مات ولعبد الله بن عكيم سنة، وقال صاحب الإمام تضعيف من ضعفه لشى من قبل الرجال، فإنهم كلهم ثقات، وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب كما نقل عن أحمد، ومن الاضطراب فيه ما رواه ابن عدي والطبراني من حديث شبيب بن سعيد عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، ولفظه جاءنا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بأرض جهينة إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها فلا تنتفعوا بإهاب ولا عصب، إسناده ثقات، وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في الأوسط، ورواه أبو داود من حديث خالد عن الحكم عن عبد الرحمن أنه انطلق هو وأناس معه إلى عبد الله بن عكيم فدخلوا، وقعدت على الباب فخرجوا إلي وأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم فهذا يدل على أن عبد الرحمن ما سمعه من ابن عكيم لكن إن وجد التصريح بسماع عبد الرحمن منه حمل على أنه سمعه منه بعد ذلك، وفي الباب عن ابن عمر رواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وفيه عدي بن الفضل، وهو ضعيف، وعن جابر رواه ابن وهب في مسنده عن زمعة بن صالح عن أبي الزبير عن جابر، وزمعه ضعيف، ورواه أبو بكر الشافعي في فوائده من طريق أخرى قال الشيخ الموفق إسناده حسن، وقد تكلم الحازمي في الناسخ والمنسوخ على هذا الحديث فشفي، ومحصل ما أجاب به الشافعية وغيرهم عنه التعليل بالإرسال، وهو أن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- والانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن عكيم، والاضطراب في سنده فإنه تارة قال عن كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عن من قرأ الكتاب، والاضطراب في المتن فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بقيد شهر أو شهرين، أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام، والترجيح بالمعارضة بأن الأحاديث الدالة على الدباغ أصح والقول بموجبه بأن الاهاب اسم الجلد قبل الدباغ، وأما بعد الدباغ فيسمى شناً وقربة، حمله على ذلك ابن عبد البر والبيهقي وهو منقول عن النضر بن شميل، والجوهري قد جزم به، وقال ابن شاهين لما احتمل الأمرين وجاء قوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فحملناه على الأول جمعاً بين الحديثين، والجمع بينهما بالتخصيص بأن المنهى عنه جلد الكلب والخنرير، فإنهما لا يدبغان، وقيل: محمول على باطن الجلد في النهي، وعلى ظاهره في الإباحة والله أعلم.
انظر التلخيص 1/ 47، 48.