العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 61-100

"وَقَدِمَ علَيْهِ قَوْمٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَأنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يُسْلِمُوا بَعْدُ" 1. وهل يدخلها بغير إذن أحد من المسلمين؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه ببذل الجزية فصار من أهل دار الإسلام، والمسجد من المواضع العامة فيها فصار كالشوارع، وهذا أظهر عند القاضي الروياني، وجماعة.
والثاني: وهو الأصح عند الأكثرين ولم يذكر صاحب "التهذيب" و"التتمة" سواه؛ أنه ليس له ذلك ولو فعله عزر، ووجهه: أنه لا يؤمن أن يدخل على غفلة من المسلمين فيلوثه، ويستهين به، ولأنه ليس من أهل [ما] 2 بني المسجد له "وكان المسجد مختصاً بالمسلمين" اختصاص دار الرجل به، وذكر في "التهذيب": أنه لو جلس الحاكم في المسجد يحكم فللذِّمِّي الدخول للمحاكمة، ويتنزل جلوسه فيه منزلة التصريح بالإذن، وإذا استأذن في الدخول بعض المسلمين لنوم، أو أكل ينبغي أن لا يأذن له، وإن استأذن لسماع القرآن، أو علم؛ أذن له رجاء أن يسلم، هذا كله إذا لم يكن جنبًا، فإن كان جنبًا فهل يمكن من المكث في المسجد أم يجب منعه؟ فيه وجهان: أحدهما: يمنع؛ لأن المسلم ممنوع عند الجنابة لحرمة المسجد، فالكافر أولى بأن يمنع.
وأصحهما: أنه لا يمنع: "لأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَدْخُلُونَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ويُطِيلُونَ الْجُلُوسَ، وَلاَ شَكَّ بِأنَّهُمْ كَانُوا يُجْنِبُونَ" 3، ويخالف المسلم، فإنه يعتقد حرمة المسجد، فيؤخذ بموجب أعتقاده، والكافر لا يعتقد حرمته، ولا يلتزم تفاصيل التكليف، فجاز أن لا يؤخذ به، وهذا كما أن الكافر لا يحد على شرب الخمر؛ لأنه لا يعتقد تحريمه والمسلم يحد، وأما الكافرة الحائض فتمنع حيث تمنع المسلمة؛ لأن المنع تم لخوف التلويث ولهذا يمنع من به جرح يخاف منه التلويث، وكذا الصبيان والمجانين يمنعون من دخوله 4.

وقوله: (والكافر يدخل المسجد) يعني به غير مساجد الحرم وإن كان اللفظ مطلقاً، وقوله: (فإن كان جنبًا منع) أي: من المكث، فإنه الذي يمنع منه المسلم دون أصل الدخول ثم إيراده يشعر بترجيح هذا الوجه، لكن الوجه الثاني أرجح على قضية كلام أكثر الأصحاب، وأوفق لكلام الشافعي -رضي الله عنه- وصرح بترجيحه الشيخ أبو محمد، والقاضي الروياني -والله أعلم-.

الْبَابُ اَلسَّادِسُ فِي السَّجْدَاتِ

قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثةٌ: الأُولَى سَجْدَةُ السَّهْوِ، وَهِيَ سُنَّةٌ (ح م) عِنْدَ تَرْكِ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ أَوِ الجُلُوسِ فِيهِ أَوِ القُنُوتِ أَوِ الصَّلاَة عَلَى الرَّسُولِ فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ أَوْ عَلَى الآلِ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي إِنْ رَأَيْنَاهُمَا سُنَّتَيْنِ، وَسَائِرُ السُّنَنِ تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، وَأَمَّا الأَرْكَانُ فَجَبْرُهَا بِالتَّدَارُكِ، فَإنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ هَذِهِ الأَبْعَاضِ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.

القول في سجود السهو

: قال الرافعي: السجدات ضربان: أحدهما: سجدات طلب الصلاة، ولا يخفى أمرها.
والثاني: غيرها وهي ثلاث: إحداها: سجدة السهو، وليست بواجبة، وإنما هي سنة خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال بوجبها مع تسليم أن الصلاة لا تبطل بتركها، وبعض أصحابنا يرويه عن الكرخي، وعن مالك أنه إن كان السهو لنقصان يجب السجود، ويروى عن أحمد وأصحابه الوجوب مطلقاً.
لنا أن الصلاة لا تبطل بتركها، فلا تجب كالتشهد الأول، وأيضاً فإن سجود السهو = بإغلاقه في غير وقت الصلاة، والبصاق في المسجد خطيئة فإن خالف فبصق، فقد ارتكب النهي، فكفارتها دفنه في رمل المسجد.
وترابه ولو مسحه بيده، أو غيرها كان أفضل، ويكره لمن أكل ثوماً، أو بصلاً أو غيرهما، مما له رائحة كريهة دخول المسجد بلا ضرورة ما لم يذهب ريحه، ويكره غرس الشجر فيه فإن غرس قطعه الإمام قال الصيمري: ويكره حفر البئر فيه، ويكره عمل الصنائع.
ولا بأس بالأكل والشرب فيه والوضوء، إذا لم يتأذَّ به الناس، ويقدم في دخول المسجد رجله اليمنى، وفي الخروج اليسرى، ويدعو بالدعوات المشهورة.
ولحائط المسجد من خارجه حرمة المسجد في كل شيء.
الروضة (1/ 403، 404).

مشروع لترك ما ليس بواجب، ويدلُّ ما ليس بواجب لا يكون واجباً، ثم إنه جعل الكلام في سجود السهو قسمين: أحدهما: فيما يقتضيه.
والثاني: في محله وكيفيته.
أما مقتضيه فشيئان ترك مأمور، وارتكاب منهي.
أما ترك المأمور: فاعلم أن المأمورات تنقسم إلى أركان وغيرها، أما الأركان فلا تنجبر بالسجود؛ بل لا بد من التدارك، ثم قد يقتضي الحال بعد التدارك السجود على ما سيأتي.
وأما غير الأركان فتنقسم إلى الأبعاض وهي التي عددناها في أول صفة الصلاة، إلى غيرها، فالأبعاض مجبورة بالسجود، أما التشهد الأول فلما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الظُّهْرَ بِهِمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوَلَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ" 1. ولو قعد ولم يقرأ يسجد أيضاً، فإن القعود مقصود للذكر، وأما الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول إذا استَحْببناها وهو الصحيح؛ فلأنه لو تركها في التشهد الأخير عامداً بطلت صلاته، فيسجد لها في التشهد الأول كالتشهد، وأما الصلاة على الآل في التشهد الثاني فإن قلنا بوجوبها فهي من الأركان يجب تداركها، وإن قلنا: إنها سُّنة فهي من الأبعاض وتجبر بالسجود، وكذلك الحكم لو جعلناها سُّنة في التشهد الأول، وقد سبق بيان الخلاف فيه، وأما القنوت فلأنه ذكر مقصود في نفسه فيشرع لتركه سجود السهو كالتشهد الأول.
ومعنى قولنا: "مقصود في نفسه" أنه شرع له محل مخصوص به، ويخرج عن سائر الأذكار، فإنها كالمقدمة لبعض [الأذكار] 2 كدعاء الاستفتاح، أو كالتابع كالسورة، وأذكار الركوع، والسجود، وأما موضع القنوت فإنما شرع فيه التطويل للقنوت، وحيث لا يقنت يمنع من تطويله، فهذا حكم الأبعاض إذا تركتِ سهواً، وإن تركت عمداً فهل يشرع لها السجود؟ فيه: فيه وجهان:

أحدهما: لا، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ؛ لأن الساهي معذور، فيشرع له سبيل الاستدراك ومن تعمد الترك فقد التزم النقصان، وفوت الفضيلة على نفسه.
وأصحهما: نعم؛ لأن الخلل عند تعمد الترك أكثر، فيكون الجبر أهم، وصار كالحلق في الإحرام لا فرق فيه بين العمد والسهو.
وأما الأبعاض من السنن فلا يجبر بالسجود، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يسجد لترك تكبيرات العيد، وترك السورة، وكذلك لو أسر في موضع الجهر، أو جهر بثلاث آيات في موضع الإسرار.
ولمالك حيث قال: يسجد لترك كل مسنون ذِكْراً كان أو عملاً، وعن أبي إسحاق أن للشافعي -رضي الله عنه- في القديم قولاً مثل ذلك، حكاه ابن الصباغ، قال: وهو مرجوع عنه، وحكى ابن يونس القزويني 1 عن عبد الباقي 2 أن الداركي 3 ذكر وجهاً فيمن نسي التسبيح في الركوع والسجود أنه يسجد للسهو.
وعند أحمد: لا يسجد لترك تكبيرات العيد والسورة، وعنه في تبديل الجهر بالإسرار وعكسه روايتان: أصحهما: أنه لا يسجد، وقال في تكبيرات الانتقالات، وتسبيح الركوع، والسجود، والتسميع، والتحميد: يسجد لتركها.
لنا ظاهر ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ سَهْوِ إِلاَّ فِي قِيَامٍ عَنْ جُلُوسٍ، أَوْ جُلُوسٍ عَنْ قِيَامٍ" 4.

وعلى أبي حنيفة القياس على دعاء الاستفتاح، وسائر المسنونات، وكذلك عن أحمد.
وعلى مالك ما روي: "أَنَّ أنسًا جَهَرَ فِي الْعَصْرِ، فَلَمْ يُعِدْهَا، وَلَمْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ" 1. فهذا هو الكلام في ترك المأمورات، ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب قوله: (وهي سُّنة) ينبغي أن يعلّم بالحاء والميم والألف، وكذا قوله: (وسائر السنن لا تجبر بالسجود) ولا بأس بإعلامه بالواو أيضاً؛ لما سبق حكايته، وليس المراد من قوله: (سنة عند ترك التشهد الأول...) إلى آخرها تخصيص الاستحباب بترك هذه الأمور؛ لا بمعنى أنها لا تشرع إلا عند تركها، ولا بمعنى أن في سائر الأسباب تجب، بل حيث تشرع سُّنة، وأراد في هذا الفصل ذكر شيئين: أحدهما: أن سجدة السهو سنة.
والثاني: أن الكلام فيما يقتضيها من ترك المأمورات، ثم وصل أحدهما بالآخر فقال: هي سنة عند كذا وكذا، وهذا بَيِّنٌ من كلامه في "الوسيط".
وقوله: "عند ترك التشهد" إلى قوله: (لا يجبر بالسجود) مذكورة في أول الباب الرابع؛ نعم زاد هاهنا ذكر الصلاة على الآل وما عداها مكرر، وأحقَ الموضعين بذكره هذا الباب.
وقوله: (إن رأيناهما سنتين) المقابل لهذا الرأي في الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول عدم الشرعية إيجاباً واستحباباً، وفي الصلاة على الآل في التشهد الثاني الإيجاب دون عدم الشرعية.
وقوله: (وأما الأركان فجبرها بالتدارك) فمعناه أنه لا بد من جبرها من التدارك؛ لأن كل الجبر يحصل به؛ لأنه قد يؤمر مع التدارك بسجود السهو على ما سيأتي بيانه.
وقوله: (لم يسجد على أظهر الوجهين) خلاف ما ذكره جمهور الأئمة، فإنهم حكوا أن الأظهر في المذهب أنه يسجد، منهم أصحابنا العراقيون، وصاحب "التهذيب"، وغيرهم، ومن الأئمة من لم يذكره سواه كالشيخ أبي حامد، والصيدلاني، وعبر بعضهم عن الخلاف في المسألة بالقولين، وجعل المنصوص أنه يسجد، والثاني من تخريج أبي إسحاق المروزي.
قال الغزالي: وَلَوِ ارْتَكَبَ مَنْهِيًّا تَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِعَمْدِهِ كَالأكْلِ وَالأَفْعَالِ الكَثِيرَةِ

فَلْيَسْجُدْ عِنْدَ ارتِكَابِهِ سَهْوًا، وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ سِتَّةٌ: (الأَوَّلُ) إِذَا قَرَأَ التَّشَهُّدَ أَوِ الْفَاتِحَةَ فِي الاعْتِدَالِ مِنَ الرُّكُوعِ عَمْدًا بَطُلَت صَلاتُهُ وَإِنْ سَهَا سَجَدَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ تَطْوِيلِ رُكْنٍ قَصِيرٍ وَنَقْلِ رُكْنٍ، وَلَوْ وَجَدَ أَحَدَ المَعْنَييْنِ دُونَ الثَّانِي، فَفِي البُطْلاَنِ بِعَمْدِهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ تَبْطُلُ فَفِي السُّجُودِ بِسَهْوِهِ وَجْهَانِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ الجَلْسَةَ بَين السَّجْدَتَيْنِ رُكْنٌ طَوِيلٌ.
قال الرافعي: المقتضى الثاني لسجود السهو ارتكاب المنهي والمنهيات قسمان: أحدها: ما لا تبطل الصلاة بعمده، كالالتفات والخطوة والخطوتين.
والثاني: ما تبطل بعمده نحو الكلام، والركوع الزائد، وما أشبه ذلك، فقال الأصحاب: ما لا تبطل الصلاة بعمده لا يقتضي السهو به السجود، وما تبطل الصلاة بعمده يقتضي سهوه السجود، أما الأول فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فَعَلَ الْفِعْلَ الْيَسِيرَ فِي الصَّلاَةِ، وَرَخصَ فِيهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ، وَلاَ أَمَرَ بِهِ" 1. وأما الثاني فلما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الظُّهْرِ خَمْساً، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ" 2 وقد ذكر الطرف الثاني في الكتاب صريحاً، وأشار به إلى الأول، ولا شك في جريان هذا الضابط من الطرفين في أغلب الصور، ومنهم من وفي بطرده على الإطلاق كما سنفصله.
والطرف الثاني المذكور في الكتاب، وهو أنَّ ما تَبْطُلُ الصَّلاَةُ بعمده يسجد عند ارتكابه سهواً يرد عليه شيئان: أحدهما: أن الفعل الكثير سوى الأكثرون بين عمده، وسهوه في إبطال الصلاة كما سبق، فجلى ما ذكروه الفعل الكثير منهي عنه تبطل الصلاة بعمده، ولا يسجد عند سهوه، بل تبطل الصلاة أيضاً، وكذلك الأكل والكلام الكثير عمدهما يبطل الصلاة، وكذلك سهوهما في أصح الوجهين كما قدمنا.
والثاني: أنه لو أحدث عمداً بطلت صلاته، ولو أحدث سهوًا فكذلك تبطل، ولا يسجد للسهو، فأدرج صاحب "التهذيب" في هذا الضابط ما يخرج عنه الثاني فقال: ما يوجب عمده بطلان الصلاة يوجب سهوه سجود السهو إن لم تبطل الطهارة، وإذا أحدث فعمده وسهوه يستوي في إبطال الطهارة، وأما الأول فما احترز عنه، بل أدخل العمل في أمثلة، هذا الضابط، ولم يحسن فيه مع تسويته في فصل العمل بين العمد والسهو من كثيره، ولو قيل: ما تبطل الصَّلاة بعمده يسجد عند ارتكابه سهواً إذا لم

تبطل الصلاة لخرجت المسائل كلها، وقد ذكر أبو سعيد المتولي هذه اللفظة، وقيداً آخر، وبذلك القيد قصد الاحتراز، لكن فيها غُنْيَة عنه، ثم تكلَّم في الكتاب في ستة من مواضع السهو منها ما يتعلق بترك المأمور.
ومنها ما يقع في قسم أرتكاب المنهي، وهذا الفصل يشتمل على أولها، وهو يتضمن مسائل يقتضي الشرح أن نفصلها أولاً، ثم نطبق نظم الكتاب عليها.
أحدها: الاعتدال عن الركوع ركن قصير، أمر المصلى فيه بالتخفيف، ولهذا لا يسن تكرير الذكر المشروع فيه بخلاف التسبيح في الركوع والسجود، وكأنه ليس مقصوداً لنفسه وإن كان فرضاً، وإنما الغرض منه الفصل بين الركوع والسجود، ولو كان مقصودًا لنفسه لشرع فيه ذكر واجب؛ لأن القيام هيئة معتادة فلا بد من ذكر يصرفها عن العادة إلى العبادة كالقيام قبل الركوع، والجلوس في آخر الصلاة، لما كان كل واحد منهما هيئة تشترك فيه العادة والعبادة وجب فيها شيء من الذّكر، وبهذا الفقه أجاب أصحابنا أحمدَ بْنَ حنبل -رحمه الله- حيث قال: بوجوب التسبيح في الركوع والسجود كالقراءة في القيام والتشهد في القعود، فقالوا: الركوع والسجود لا تشترك فيهما العادة والعبادة؛ بل هما محض عبادة فلا حاجة إلى ذكر مميز بخلاف القيام والقعود، فإن قيل 1: لو كان الغرض الفصل لما وجبت الطمأنينة فيه، فالجواب أن الطمأنينة إنما وجبت ليكون على سكينة وثبات، فإن تناهى الحركات في السرعة يخل بهيئة 2 الخشوع والتعظيم، ويخرم الأبهة.
إذا عرف ذلك، فلو أطاله عمداً بالسكوت أو بالقنوت أو بذكرٍ آخر ليس بركن فهل تَبْطُل صلاته؟ فيه وجهان حكاهما صاحب: "النهاية" وغيره.
أحدهما: لا؛ لما روي عن حذيفة قال: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةً فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَالنِّسَاءَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي [رَكْعَةٍ] 3 ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَامَ قَرِيباً مِنْ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ" 4. والثاني: أنها تبطل إلا حيث ورد الشرع بالتطويل بالقنوت، أو في صلاة التسبيح؛ لأن تطويله يعتبر لموضوعه، فأوجب عمده بطلان الصلاة، كما لو قصر الأركان الطويلة ونقص بعضها، وهذا الوجه هو الذي أورده في "التهذيب"، وذكر إمام الحرمين أنه ظاهر المذهب أيضاً، وحكي وجهاً ثالثاً عن القفال أنه إن قنت عامداً في اعتداله بطلت صلاته، وإن طَوَّلَ بذكر آخر لا يقصد القنوت لم تبطل، ويقرب من هذا كلام الشيخ أبي

إسحاق في "المهذب"، فإنه عد من المبطلات تطويل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت، واحتج إمام الحرمين للوجه الأظهر بأنه لو جاز تطويله لبطل معنى الموالاة فإن سائر الأركان قابلة للتطويل، فإذا طوله أيضاً لم تبق الموالاة، ولا بد من الموالاة في الصَّلاَةِ، ولمن ذهب إلى الوجه الأول أن يقول: إن كان معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها، فلا يلزم من تطويله وتطويل سائر الأركان فوات الموالاة، وإلا فلا أسلم اشتراط الموالاة بمعنى آخر.
المسألة الثانية: لو نقل ركنًا ذِكْرياً عن موضعه إلى ركن آخر طَوِيل، كما لو قرأ الفَاتِحَة أو بعضها في الرُّكُوع أو الجلوس آخر الصلاة، أو قرأ التشهد أو بعضه في القيام عمداً، فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو نقل الأركان الفعلية إلى غير موضعها.
وأصحهما: لا، لأن نقل الأركان الذكرية لا يغير هيئة الصلاة؛ ولهذا قلنا: لو كرر الفاتحة أو التشهد عمداً لا تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف الركوع والسجود، وقطع قاطعون بهذا الوجه الثاني، ويجري الخلاف فيما لو نقله إلى الاعتدال ولم يطل بأن قرأ بعض الفاتحة، أو التشهد.
الثالثة: لو اجتمع المعنيان فطول الاعتدال بالفاتحة، أو التشهد، فقد ذكر في "النهاية" ما يخرج منه طريقان: أظهرهما: طرد الوجهين فيه، ولا يخفى أن الأصح بطلان الصلاة لما ذكرنا.
والثاني: القطع بالبطلان؛ لانضمام نقل الركن إلى التطويل.
الرابعة: الجلوس بين السجدتين ركن طويل أم قصير؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه طويل حكاه إمام الحرمين عن ابن سريج، والجمهور؛ تشبيهاً بالجلوس بين السجدتين.
والثاني: أنه قصير، حكاه عن الشيخ أبي علي، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد في "الفروق" وتابعه صاحب "التهذيب" وغيره وهو الأصح لمثل ما ذكرناه في الاعتدال؛ فإن قلنا بالأول فلا بأس بتطويله، وإن قلنا بالثاني ففي تطويله عمداً الخلاف المذكور في الاعتدال.
الخامسة: إذا قلنا: في هذه الصور ببطلان الصَّلاة؛ فلو فرضنا السهو بذلك الشيء سجد سهواً، وحصل الوفاء بما سبق أن ما يبطل عمده يسجد لسهوه إذا لم يبطل، وإذا قلنا بعدم البطلان فهل يسجد عن الارتكاب سهواً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كالالتفات، والخطوة، والخطوتين، وسائر ما لا يبطل عمده

الصلاة، وعلى هذا يحصل الوفاء بالطرف الثاني أيضاً، وهو أن ما لا يبطل عمده الصلاة، لا يقتضي سهوه السجود.
وأصحهما: نعم، أما في تطويل الركن القصير فكما لو قصر الركن الطويل فلم يتم الواجب، وعدل إلى غيره سهواً؛ وأما في نقل الركن فكما لو نقل الركوع إلى غير محله سهواً، وهذا لأن المصلي مأمور بالتحفظ وإحضار الذهن حتى لا يتكلم، ولا يزيد في صلاته ما ليس منها، وهذا الأمر مؤكد عليه تأكد التشهد الأول، فإذا غفل فطول الركن القصير أو نقل الركن، فقد ترك الأمر المؤكد، وغير شعار فاقتضى الحال الجبر بالسجود، وكترك التشهد الأول، والقنوت، وعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة 1 على قولنا: ما لا تبطل الصلاة بعمده لا يقتضي سهوه السجود، فهذه هي المسائل أما ما يتعلق بلفظ الكتاب.
فقوله: (إذا قرأ التشهد، أو الفاتحة في الاعتدال من الركوع عمداً) هو صورة المسألة الثالثة.
وقوله: (بطلت صلاته) يجوز أن يكون جواباً على الطريقة القاطعة بالبطلان، ويجوز أن يكون جواباً على الأصح مع إثبات الخلاف، وعلى التقديرين فليكن معلماً بالواو.

واعلم أن الحكم بالبطلان في هذه الصورة قد نقل عن الشافعي -رضي الله عنه-، وذكر الشيخ أبو محمد وغيره أن الأصحاب اختلفوا في معناه، منهم من قال: إنما بطلت الصَّلاَة لتطويل الركن القصير، فلم يحكم بالبطلان إذا قرأ الفاتحة في القيام، أو الركوع، ومنهم من قال: إنما بطلت لنقل الركن، فحكم بالبطلان [حيث وجد النقل].
وقوله: "ولو وجد أحد المعنيين دون الثاني" [إن وجد التطويل] 1 وحده، فهو صورة المسألة الأولى، والأظهر فيها البطلان، وإن وجد النقل وحده فهو صورة المسألة الثانية، والأظهر فيها عدم البطلان، ويجوز أن يعلم قوله: (وجهان) بالواو إشارة إلى طريقة القاطعين بعدم البطلان في الصورة الثانية وقوله: (فإن قلنا: لا تبطل) هو المسألة الأخيرة.
وقوله: (والأظهر...) إلى آخره هو المسألة الرابعة، لكن الحكم بأنها قصيرة أظهر على ما سبق، ولا يتضح فرق بين الاعتدال والجلسة.
قال الغزالي: (الثَّانِي) مَنْ تَرَكَ أرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ سَهْوًا لَمْ يَكْفِهِ أَنْ يَقْضِيهَا فِي آخِرِ صَلاَتهِ بَلْ لاَ يُحْتَسَبُ لَهُ مِنَ الأَرْبَعِ إِلاَّ رَكْعَتَانِ، وَلَوْ تَرَكَ مِنَ الأُولَى وَاحِدَةً وَمِنَ الثَّانِيَةِ ثِنْتَيْنِ وَمِنَ الرَّابِعَةِ وَاحِدَةً فَلْيَسْجُدْ سَجْدَةً وَاحِدَةً ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيْنَ تَرَكَهَا فَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَرَكْعَتَانِ أَخذاً بِأَشَقِّ التَّقْدِيرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَرْعٌ: لَوْ تَذَكَّرَ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ نَسِيَ سَجْدَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَكُنْ قد جَلَسَ بَعْدَ السَّجْدَةِ الأُولَى فَلْيَجْلِس ثُمَّ لْيَسْجُدْ، والقِيَامُ لاَ يَقُومُ مَقَامَ الجَلْسَةِ، وَإِنْ كَانَ قَد جَلَسَ بَعْدَ السَّجْدَةِ الأُولَى فَيَكْفِيهِ أَنْ يَسْجُدَ عَنْ قِيَامِهِ، فَإنْ كَانَ قَصَدَ بِتِلْكَ الجَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةَ، فَفِي تأدِّي الفَرْضِ بِنيَّةِ النَّفْلِ وَجْهَانِ، ثُمَّ لاَ يَخْفِى أنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْو فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
قال الرافعي: قاعدة الفصل أن الترتيب في أركان الصلاة واجب الرعاية، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرتب، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 2 فلو ترك الترتيب عمداً بطلت صلاته، ولو تركه سهواً لم يعتد بما فعله بعد الركن المتروك حتى يأتي بما تركه، فإن تذكر الحال قبل فعل مثله في ركعة بعدها فكما تذكر يشتغل به، وإن تذكر بعد فعل مثله في ركعة أخرى تمت الركعة الأولى به، ولغى ما بينهما، هذا إذا عرف عين المتروك وموضعه إن لم يعرف أخذ بأدنى الممكن، وأتى بالباقي وفي الأحوال كلها

يسجد للسهو إلا إذا وجب الاستئناف بأن ترك ركنًا، وأشكل عينه عليه، وجوز أن يكون ذلك الركن هو النية، أو التكبير، وإلا إذا كان المتروك هو السلام فإنه إذا تذكر ولم يطل الفصل يسلم، ولا حاجة إلى سجود السهو، وقد ذكر في الكتاب مسألتين مما يترتب على هذه القاعدة.
إحداهما: لو تذكر في الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، فلا يخلو: إما أن يتذكر قبل أن يسجد في الثانية، أو بعد أن يسجد فيها، فأما الحالة الأولى فيشتمل عليها الفرع المرسوم في الكتاب آخرًا ولا بأس أن تقدمه، فنقول: إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، فلا بد من الإتيان بها كما تذكر، ثم ننظر إن لم يجلس عقيب السجدة المفعولة، فهل يكفيه أن يسجد عن قيام أم يجلس مطمئناً ثم يسجد؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يخر ساجداً، والقيام يقوم مقام الجلسة بين السجدتين؛ لأن الغرض منها الفصل بينهما، وقد حصل ذلك بالقيام.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يجب أن يجلس مطمئناً، ثم يسجد؛ لأنه وإن كان المقصود الفصل، فالفصل واجب بهيئة الجلوس، فلا يقوم القيام مقامها كما لا يقوم مقام الجلوس للتشهد، وإن جلس عقيب السجدة المفعولة نظر إن قصد به الجلسة بين السجدتين ثم غفل ولم يسجد الثانية فمن قال، في الصورة الأولى: يكفيه أن يسجد عن قيامه فهاهنا أولى، ومن قال: ثم يجلس ثم يسجد اختلفوا هاهنا فقال أبو إسحاق وغيره: يجب أن يجلس هاهنا أيضاً لينتقل منه إلى السجود؛ كما لو قدر المريض على القيام بعد القراءة يجب عليه أن يقوم ليركع عن قيام، وظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب أنه يكفيه أن يسجد عن القيام، كما لو ترك أربع سجدات من أربع ركعات ثم تذكر تحتسب له ركعتان، كما سيأتي، وإن كانت السجدة التي في الثانية والتي في الرابعة واقعتين عن قيام، وإن قصد بتلك الجلسة الاستراحة لظنه أنه أتى بالسجدتين جميعاً فوجهان مذكوران في الكتاب.
أحدهما: لا يحسب ذلك الجلوس، ويجب أن يجلس ثم يسجد؛ لأنه قصد بتلك الجلسة السُّنة، فلا تنوب عن الفرض كما في سجدة التلاوة لا تقوم مقام سجود.
الفرض، وبهذا قال ابْن سُرَيْجٍ وبه يقول أبو إِسْحَاقَ أيضاً لينتقل من الجلوس إلى السجود.
والثاني: أنه يكفيه أن يسجد عن قيام، ولا يضر اعتقاده أنه يجلس للاستراحة كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يظن أنه الأول ثم تذكر يجزئه ذلك، وما الأظهر من هذين الوجهين؟ قال في "التهذيب": المذهب هو الأول؛ لكن الأكثرين منهم العراقيون والقاضي الروياني رجحوا الوجه الثاني.

والوجهان في المسألة كالوجهين فيما إذا أغفل المتوضئ لمعة في المرة الأولى، وانغسلت في الثانية، أو الثالثة، هل يجزئه؟ وقد ذكرنا في "باب الوضوء" أن الأصح عند المعتبرين الإجزاء بخلاف ما إذا انغسلت في تجديد الوضوء، لأن قضية نيته في ابتداء الوضوء أن لا يقع شيء عن السنة حتى يرتفع الحدث، كذلك هاهنا قضية نيته السابقة أن لا يكون الجلوس عن الاستراحة إلا بعد الفراغ من السجدتين، ولو تردد في أنه جلس بعد السجدة المفعولة أم لا؟ فالحكم كما إذا علم أنه لم يجلس.
وقوله في الكتاب: (فليجلس ثم ليسجد) ينبغي أنه يعلم بالميم؛ لأن عند مالك أن ذكر الحال بعد أن ركع في الثانية واطمأن فلا يعود إلى السجود، بل تلغى الأولى وتصير الثانية أولاه، وإنما يعود للسجود إذا تذكر قبل الركوع وبالألف أيضاً؛ لأن عند أحمد إن ذكر بعد الشروع في القراءة لا يعود إلى السجود، بل تلغى الأولى ويعتد بالثانية، وإنما يعود إذا ذكر قبل الشروع في القراءة.
لنا أن ما أتى به من الأولى وقع صحيحاً فلا يبطل بترك ما بعده كما إذا تذكر قبل الركوع عند مالك، وقبل القراءة عند أحمد، ويجوز أن يعلم بالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمة الله عليه-: يكفيه أن يسجد في آخر صلاته سجدة فتلحق بموضعها، ولا يرجع إلى السجود، وكذلك الحكم عنده لو ترك سجدة عمداً، حكاه القاضي الروياني، وغيره، وليعلم قوله: (فليجلس) بالواو أيضاً، وكذلك قوله: (والقيام لا يقوم مقام الجلسة) إشارة إلى الوجه الذي ذكرناه أنه يسجد عن قيام ولا يجلس.
وفي قوله: (فليجلس ثم ليسجد) ما يفيد أصل الفرض 1، ويبين أن القيام لا يقوم مقام الجلسة، لكن عقبه به إيضاحاً وتنبيهاً على ما يتمسك به صاحب الوجه البعيد.
وقوله: (بعد السجدة الأولى) في موضعين من الفرع إنما سماها أولى بالنسبة إلى ما سيفعله من بعد، وإلا فليس قبل التذكر إلا سجدة واحدة.
الحالة الثانية: أن يتذكر الحال بعد أن يسجد في الثانية، فينظر إن تذكر بعد السجدتين معاً، أو في الأخرى منهما فقد تم بما فعل ركعته الأولى، ولغى ما بينهما، ثم إن كان قد جلس في الأولى على قصد الجلسة بين السجدتين فتمامها بالسجدة الأولى، وكذا إن كان قد جلس على قصد الاستراحة وأقمناها مقام الجلسة بين السجدتين، وإن لم يجلس أصلاً، أو جلس على قصد الاستراحة ولم يكتف بها، فإن قلنا: إذا تذكر في القيام والحالة هذه يجلس ثم يسجد، وهو الأصح، فتمام الركعة الأولى هاهنا بالسجدة الثانية، وإن قلنا: ثم يسجد عن قيام فتمامها بالسجدة الأولى،

وينبني على هذا الخلاف ما إذا تذكر بعد السجدة الأولى، فإن قلنا: بالأول فركعته غير تامة فيسجد سجدة ثم يقوم إلى ركعة ثانية، وإن قلنا بالثاني فركعته تامة، فيقوم إلى أخرى هذه مسألة.
والثانية: إن تذكر في جلوس الركعة الرابعة أنه ترك من صلاته الرباعية أربع سجدات، فلا يكفيه أن يقضيها فيأتي بأربع سجدات ولاءً ويسلم؛ لأن الترتيب يقتضي أن لا يعتد بشيء بعد الركن المتروك حتى يأتي به في ركعة أخرى، ثم ترك السجدات الأربع من الصلاة الرباعية قد يقتضي الاحتساب بثلاث ركعات إلا سجدتين، وقد يقتضي الاحتساب بركعتين ناقصتين بسجدة، فهذه ثلاثة أوجه، والثالث أسوأها، والمصنف ذكر لكل واحد من الوجهين الأخيرين مثالاً دون الوجه الأول، ونحن نذكرها جميعاً على الاختصار، فلو ترك ثنتين من الثالثة، وثنتين من الرَّابِعَةِ صحت له الركعتان الأوليان، وصحت الركعة الثالثة أيضاً، لكن لا سجدة فيها وفيما بعدها حتى يتم بها فيسجد سجدتين ويقوم إلى ركعة رابعة، فهذه الصورة من صور الوجه الأول؛ وكذلك لو ترك واحدة من الأولى وواحدة من الثانية وثنتين من الرابعة، وكذا ترك واحدة من الثانية، وواحدة من الثالثة، وثنتين من الرابعة.
وأما الوجه الثاني فمن صوره أن يترك من كل ركعة سجدة، فيحصل له ركعتان؛ لأن الأولى تتم بالسجدة التي في الثانية، ويلغى ما بينهما، وكذلك تتم الركعة الثالثة بالسجدة التي في الرّابعة.
ومنها ترك ثنتين من الثانية وثنتين إما من الأولى أو الثالثة، ومنها: ترك ثنتين من الثانية وواحدة من الأولى وأخرى من الثالثة، ومنها ترك ثنتين من الثانية، وواحدة من الثالثة، وأخرى من الرابعة، ومنها ترك ثنتين من الأولى، واثنتين من ركعتين بعدها متواليتين، ومنها ترك واحدة من الأولى، وواحدة من الثانية، واثنتين من الثالثة، ومنها ترك واحدة من الثانية، واثنتين من الثالثة، وواحدة من الرابعة، فيحصل في هذه الصور كلها ركعتان، ويقوم إلى ركعتين أخريين.
وأما الوجه الثالث: فمن صوره: أن يترك من الأولى واحدة ومن الثانية ثنتين، ومن الرابعة واحدة، فالحاصل ركعتان إلا سجدة، وذلك لأن ما بعد السجدة في الركعة الأولى غير محسوب حتى تتم هي، وليس في الثانية ما يتمها فتتم بسجدة من الثالثة، وتلغى سجدتها الأخرى؛ لأن الركعة إذا تمت فالواجب بعدها القيام، وتحتسب ركعته الرابعة، وليس فيها إلا سجدة فيسجد أخرى ليتمها، ويقوم إلى ركعتين أخريين، ومنها لو ترك من الأولى ثنتين، وواحدة من الثانية، وأخرى من الرابعة، وكذلك كل صورة ترك فيها ثنتين من ركعة، وثنتين من ركعتين أخريين غير متواليتين.

إذا عرفت ذلك فإن عرف السَّاهِي موضع الأربع المتروكة، فالحكم ما بينا، وإن لم يعرف أخذ بالأسوأ ليخرج عن العهدة بيقين، والأسوأ أن يأتي بسجدة وركعتين، وحكى إمام الحرمين عن أبيه أنه كان يقول: يلزمه في سورة الإشكال أن يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعتين أخريين لاحتمال أنه ترك ثنتين من الثالثة، وثنتين من الرابعة، أو على سورة أخرى من صور الوجه الأول، ولو كان كذلك لكان عليه أن يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعة أخرى فيجب أن يسجد سجدتين لجواز أن يكون الترك على وجه يقتضي ذلك، ثم لا يجزئه إلا ركعتان لجواز أن يكون الترك على وجه آخر فيصلي ركعتين أخريين ليكون آتيا بكل ما تعذر وجوبه، واعترض عليه بأن السجدة الثانية غير معتد بها، فإنه إذا سجد سجدة واحدة والإشكال مستمر حصل له مما فعل ركعتان قطعاً، ولا شك أنا نأمره بركعتين أخريين فالزيادة لغو والله أعلم.
ثم جميع ما ذكرناه فيما إذا كان قد جلس عقيب السجدات كلها على قصد الجلسة بين السجدتين، أو على قصد الاستراحة، وأقمناها مقام الجلسة المفروضة، وإذا فرعنا على أن القيام يقوم مقام الجلسة، فأما إذا لم يجلس في بعض الركعات، أو في شيء منها إلا في الرابعة وفرعنا على الصَّحِيح، وهو أن القيام لا يقوم مقام الجلسة لم يحسب ما بعد السجدة المفعولة إلى أن يجلس حتى لو تذكر أنه ترك من كل ركعة سجدة، ولم يجلس إلا في الأخيرة، أو جلس بنية الاستراحة، أو جلس في الثانية على قصد التشهد الأول، وقلنا: الفرض لا يتأدى بالنفل فلا يحصل له مما فعل إلا ركعة ناقصة بسجدة؛ لأنه لم يأت بعدها بجلوس على قصد الفرضية، ثم هذا الجلوس الذي نذكر الحال فيه يقوم مقام الجلسة بين السجدتين، فيسجد سجدة، ويقوم إلى ثلاث ركعات، فهذا ما يتعلق بترك أربع سجدات من صلاة رباعية.
ولو تذكر أنه ترك منها سجدة واحدة فإن علم أنه نسيها من الأخيرة سجدها، واستأنف التشهد إن كان قد تشهد، وإن علم أنه تركها من غير الأخيرة فعليه أن يقوم إلى ركعة أخرى، وإن أشكل أْخذ بالاحتمال الأخير، وإن تذكر ترك سجدتين منها فإن كانتا من الركعة الأخيرة كفاه أن يأتي بسجدتين، وإن كانتا من غير الأخيرة فإن كانتا من ركعة واحدة فعليه أن يقوم إلى ركعة، وإن كانتا من ركعتين فقد يكفيه أن يقوم إلى ركعة، وقد يلزمه أن يقوم إلى ركعتين؛ لأنه ترك واحدة من الأولى وواحدة من الثالثة، وإن أشكل أخذ بهذا الأسوأ، وإن تذكر ترك ثلاث سَجَدَات فقد يقتضي ذلك حصول ثلاث ركعات إلا سجدة فيسجد سجدة، ويقوم إلى ركعة، وذلك مثل أن يكون اثنتان من الأولى أو الثانية أو الثالثة وواحدة من الرابعة، وقد يكون بحيث يحصل له ثلاث ركعات إلا سجدتان مثل أن تكون واحدة من الأولى واثنتان من الرابعة، وقد يكون بحيث لا يحصل له إلا رَكْعَتَان، مثل أن يكون الثَّلاَثُ من الثَّلاَثِ الأوليات فإن أَشْكَل

أخذ بهذا الأَسْوَأ 1، وإن تذكر ترك خمس، فقد يحصل ركعتان سوى سجدتين بأن تكون واحدة من الأولى، وثنتان من الثَّانية، وثنتان [من الرابعة، وقد لا يحصل إلا ركعة، مثل أن تكون واحدة من الأولى، وثنتان من الثانية، وثنتان] 2 من الثالثة، فإن أشكل الحال فقد قال في "المهذب" يلزمه سجدتان وركعتان.
وقال غيره: لا؛ بل ثلاث ركعات وهو الصحيح، ولا وجه للأول، ولو ترك ست سجدات فلا يحصل له إلا ركعة، ولو ترك سبعاً فلا يحصل إلا ركعة ناقصة بسجدة، وحكم الثمان لا يخفى، ونعود إلى ما يتعلق بألفاظ الكتاب سوى ما تقدم.
قوله: (من ترك أربع سجدات من أربع ركعات) عني به ما إذا ترك كل سجدة من ركعة، وإن كان اللفظ مطلقاً، وقد صرح به في "الوسيط" وهذه الصورة من جملة الصور التي تقتضي ترك السجدات الأربع فيها الاحتساب بركعتين على ما سبق ذكرها، ولو اقتصر في الحكم على قوله: (لم يكفه أن يقضيها في آخر صلاته) لأمكن إجراؤه على إطلاقه، فإنه لا يكتفي قضاء السجدات في آخر الصلاة بحال، ولكن لما عقبه

بقوله: "بل لا يحتسب له من الأربع إلا ركعتان" تعذر إجراؤه على الإطلاق، ثم شرط الاحتساب بالركعتين أن يجلس عقيب السجدات كما سبق، وإن لم يتعرض له لفظ الكتاب.
وقوله: (لم يكفه) معلم بالحاء، لأن أبا حنيفة يقول في الصورة المرادة: يكفيه أن يسجد أربع سجدات، ولا يسلم، وليس ذلك؛ لأن الترتيب في أفعال الصلاة ليس بشرط عنده، فإنه سلم أنه لو ترك ثماني سجدات لم يكفه الإتيان بها في آخر الصلاة، بل لا يحتسب له إلا ركعة بلا سجدة، كما هو مذهبنا، لكنه اكتفى هاهنا بالسجدات؛ لأن عنده إذا تقيدت الركعة بسجدة واعتد بها، حتى لو ترك من كل ركعة سجدة قصداً كفاه فعلها في آخر الصلاة أيضاً.
لنا أنه لو وقع الاعتداد بالركعة المقيدة بسجدة لما وجب فعل السجدات في آخر الصلاة كركعة المسبوق لما أعتد بها لم يجب تدارك القيام والقراءة منها.
وقوله "في آخر صلاته" إنما [سماها] 1 آخر الصلاة على تقدير أنا لو كان قضاؤها كافياً أو بالإضافة إلى ظن المصلي أولاً؛ وإلا فليس الجلوس الذي فرضنا فيه التذكر آخر صلاته في الحقيقة، ثم هذه اللفظة إشعار بأنه أراد تصوير الكلام فيما إذا تذكر سهوه قبل أن يسلم من صلاته، وإلا فالسجدات لو قضيت لا تكون في آخر صلاته، بل بعد آخرها، وأما الحكم لو تذكر في السهو في المسائل المذكورة بعد السلام إن لم يطل الفصل فهو كما لو تذكر قبل السَّلاَم بلا فرق، وإن طال وجب الاستئناف، ومعنى طول الفصل سيأتي.
وقوله: (إلا ركعتان) يجوز أن يعلم بالميم والألف؛ لأنهما لا يصححان إلا الركعة الأخيرة، وهي ناقصة بسجدة، فيسجد سجدة ويقوم إلى ثلاث ركعات.
وروي عن مالك: أن صلاته تبطل.
فأما قوله: "ولو ترك من الأولى واحدة... " إلى آخره فهي من الصور التي يقتضي ترك السجدات الأربع فيها الاحتساب بركعتين إلا سجدة.
وفوله في الصورة الثَّالثه: (ولم يدر من أين تركها) يوضح أنه أراد بالصورة الأولى ما إذا دري من أين ترك، وهو مَا بَيَّنَّاه.
وقوله: (فعليه سجدة واحدة)، يجوز أن يُعَلَّم بالواو ولما حَكَيْنَاه عن الشَّيْخ أبي محمد -رحمه الله-.

وقوله: (أخذ بأسوأ التقديرين المذكورين وأسوأ التقديرين) 1 ما إذا ترك سجدة من الأولى، وثنتين من الثانية، وواحدة من الرابعة، ولا يجب عند الإشكال الحمل على هذه الصورة بعينها، فإن لها أخوات في معناها كما بَيَّنا، وإنما الواجب الحمل عليها، أو على شيء منها.
وقوله في آخر الفصل: (ثم لا يخفى أنه يسجد للسهو في جميع ذلك) أي: في جميع مسائل الفصل، ويمكن عدّها من قسم ترك المأمور؛ لأن الترتيب مأمور به، وتركه عمداً مبطل، فإذا سها سجد، ومن قسم ارتكاب المنهي أيضاً؛ لأنه إذا ترك الترتيب فقد زاد في الأفعال والأركان.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: إِذَا قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ نَاسِيًا فَإنْ انْتَصَبَ لَمْ يَعُدْ إِلَى التَّشَهُّدِ، لِأَنَّ الفَرْضَ لا يُقْطَعُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ عَادَ جَاهِلاً لَمْ تَبْطُلْ لَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْو، وإنْ كَانَ مَأْمُومًا وَقَعَدَ إِمَامُهُ جَازَ الرُّجُوعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ القُدْوَةَ فِي الجُمْلَةِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّقَدُّمُ بِهَذَا القَدْرِ مُبْطِلاً، وَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ الانْتِصَابِ فَيَرْجِعُ ثُم يَسْجُدُ للسَّهْو إِنْ كَانَ قَدِ انْتَهَى إِلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ لِأَنَّهُ زَادَ رُكُوعاً.
قال الرافعي: قد سبق أن فوات التشهد الأول يقتضي سجود السهو، وفي هذا الفصل يتبين أنه متى يفوت، وإلى متى يجوز تداركه بالعود إليه، وإذا عاد إليه هل يحتاج إلى سجود السَّهْوِ أم لا؟ فنقول: إذا نَهَضَ من الركعة الثانية ناسياً للتشهد، أو جلس ولم يقرأ التشهد، ونهض منه ناسياً، ثم تذكر فلا يخلو إما أن يتذكر بعد الانتصاب أو قبله.
الحالة الأولى: أن يتذكر بعد الانتصاب، فلا يجوز له العود إلى التشهد خلافاً لأحمد، حيث قال: يجوز ما لم يشرع في القراءة، والأولى أن لا يعود، وحكى القاضي ابن كج عن أبي الحسين [عن بعض 2 الأصحاب] مثل ذلك.
لنا ما روي عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَينِ فَلَم يَسْتَتِمَّ قَائِماً، فَلْيَجْلِسْ، وَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِماً فَلاَ يَجْلِسْ وَيسْجُدْ سَجْدَ السَّهْوِ" 3 ولأن القيام فرض، والتشهد الأول سُّنة لما سبق، والفرض لا يقطع بالسُّنَّة، فلو خالف وعاد؛ نظر إن تعمده وهو عالم بأنه لا يجوز العود بطلت صلاته،

وإن عاد ناسياً لم تبطل، وعليه أن يقوم كما تذكر، وإن عاد جاهلاً بعدم الجواز؟ ففيه وجهان منقولان في "التهذيب" وغيره.
أحدهما: أنه لا يعذر وتبطل صلاته لتقصيره بترك التعلم.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: يعذر ولا تبطل صلاته كالناسي، لأنه مما يخفى على العوام، ولا يمكن تكليف كل واحد تعلمه، وعلى هذا يسجد للسهو لما زاد في صلاته سهواً، وكذلك في سورة النسيان، وهذا الذي ذكرناه في المنفرد والإمام في معناه، فلا يرجع بعدم الانتصاب إلى التشهد، ولا يجوز للمأموم أن يشتغل به، ولو فعل بطلت صلاته، نعم لو نوى مفارقته ليتشهد جاز، وكان مفارقاً بالعذر، ولو انتصب مع الإمام، ثم عاد الإمام لم يجز للمأموم أن يعود؛ بل يخرج عن متابعته، لأنه إما مخطئ بالعود فلا يوافقه في الخطأ، أو عامداً فصلاته باطلة، وهل يجوز أن ينتظره قائماً حملاً على أنه عاد ناسياً، حكى في "التهذيب" فيه وجهين، وقد سبق في التنحنح نظيره، ولو قعد الإمام للتشهد الأول، وقام المأموم ساهياً، أو نهضاً، ثم تذكر الإمام فعاد قبل الانتصاب، والمأموم قد انتصب: هل يعود المأموم في الصورتين؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن متابعة الإمام فرض بخلاف متابعة الإمام والمنفرد فإنهما لو رجعا لرجعا من فرض إلى سنة.
والثاني: أنه لا يعود، بل يصبر إلى أن يلحقه الإمام، لأنه حصل في ركن القيام، وليس فيما فعله إلا تقدم الإمام بركن، وأنه غير مبطل، وإن كان عمداً فلا حاجة إلى الرجوع، وقوله في الكتاب: (لأن القدوة في الجملة واجبة، وإن لم يكن المتقدم بهذا القدر مبطلاً) إشارة إلى توجيه الوجهين، وفي بعض النسخ: "لأن القدوة في الكملة واجبة".
الثاني: لا، لأن سبق الإمام بركن لا يبطل، وهما قريبان، ويجوز أن يعلم قوله: (وإن لم يكن المتقدم مبطلاً) بالواو؛ لأن في وجه المتقدم على الإمام يبطل الصلاة ولو بركن واحد، وقد أورده في الكتاب في الصلاة بالجماعة، والذي ذكره هاهنا مفرع على ظاهر المذهب، وصاحب "النهاية" قد صرح بذلك، ثم ذكر أن الخلاف في المسألة في جواز الرجوع وعدم الجواز، ولا خلاف في أنه لا يجب الرجوع، لأنه لو قام قصداً لم يقض ببطلان صلاته، ووافقه المصنف فقال: (جاز الرجوع على أحد 1 الوجهين) ففرض الخلاف في الجواز، لكن الشيخ أبا محمد 2 ومن تابعه نقلوا الوجهين في أنه هل يجب الرجوع؟ وقالوا:

أصحهما: الوجوب، ولو لم يرجع بطلت صلاته؛ لأن متابعة الإمام فرض، ولم يورد صاحب "التهذيب" الأوجه الوجوب، ثم قطع إمام الحرمين بأن في صورة قصد القيام ليس له أن يعود، كما لو ركع قبل الإمام، أو رفع رأسه قبله عمداً لا يجوز أن يعود، ولو عاد بطلت صلاته؛ لأنه زاد ركناً عمداً، ولو فعل ذلك سهواً كما لو سمع حساً فظن أن الإمام ركع فركع، ثم تبين أنه لم يركع بعد، أو ظن أنه اعتدل عن الركوع فاعتدل، ثم بَانَ أنه لم يعتدل بعد، فقد ذكر في "النهاية" وجهين في أنه هل يجوز له أن يرجع؛ لأنه غالط فيما فعل، وصاحب "التهذيب" وآخرون حكوا الوجهين في هذه المسألة في وجوب الرجوع أيضاً، وقالوا في وجه: تبطل صلاته لو لم يرجع، وفي وجه: يتخير بين أن يرجع أو لا يرجع وهو الأصح، وللنزاع في سورة قصد القيام أيضاً مجال ظاهر؛ لأن أصحابنا العراقيين أطبقوا على أنه لو ركع قبل الإمام عمداً فينبغي أن يرجع ليركع مع الإمام فاستحبوا الرجوع فضلاً عن الجواز، وربما تعود المسألة في باب الجماعة.
وقوله: (لم يعد إلى التشهد) معلم بالألف والواو لما قدمنا، وكذا قوله: (بطلت صلاته) وقوله في الجاهل: (لم تبطل) معلم بالواو.
الحالة الثانية: أن يتذكر قبل الانتصاب، فقد نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه يرجع إلى التشهد، وحكى الروياني خلافاً للأصحاب في أنه ما الذي أراد بالانتصاب؟ فمنهم من قال: أراد الاعتدال والاستواء، ومنهم من قال: أراد به أن يصير إلى حالة هي أرفع من حد أقل الركوع، والأول ظاهر اللفظ وهو الذي ذكره الجمهور، ويدل عليه حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-، وبالثاني فسر المسعودي كلام الشافعي -رضي الله عنه- وبه قال الشيخ أبو محمد، وهذا الاختلاف يرجع إلى شيء وهو أن من قام في صلاته منحنياً فوق حد أقل الركوع هل يجزئه ذلك أم لا؟ فيه وجهان حكيناهما في ركن القيام، فمن قال: لا يجزئه وهو الأصح قال، هاهنا: له أن يعود، ومن قال: يجزئه قال: إذا صار في ارتفاعه إلى هذا الحد لا يعود؛ لأنه حصل في حد الفرض.
وقوله في الكتاب: (فيرجع) معلم بالميم؛ لأن عند مالك إن كان إلى الانتصاب أقرب لم يرجع، وعن ابْنِ المُنْذِر عنه أنه إذا فارقت إليتاه الأرض لم يرجع، وبالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة إن كان إلى القيام أقرب لم يعدد، ذكره القدوري 1، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً؛ لأن مراده من الانتصاب الاستواء، ومن ذهب إلى التفسير الثاني لا يطلق

الرجوع إذا لم يستو، ثم إذا عاد قبل الانتصاب فهل يسجد للسهو؟ حكى الشيخ أبو حامد وأصحابنا العراقيون فيه قولين: أظهرهما: عندهم أنه لا يسجد؛ لأنه روي في حديث المغيرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وإنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَ قَائِماً جَلَسَ، وَلاَ سَهْوَ" 1، ولأنه عمل قليل، فلا يقتضي سجود السهو.
والثاني: وبه قال أحمد واختاره القاضي أبو الطيب أنه يسجد، لما روي أن أنساً - رضي الله عنه- "تَحَرَّكَ لِلْقِيَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَجَلَسَ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ" 2 ولأن ما أتى به زيادة من جنس الصلاة، فأشبه ما إذا زاد ركوعاً، وقال كثير من الأصحاب: إن صار أقرب إلى القيام منه إلى القعود ثم عاد سجد السهو، وإن كان يعد أقرب إلى القعود، لم يسجد، ويحكى هذا عن القفال أيضاً، ووجهه: أنه إذا صار إلى القيام أقرب فقد أتى بفعل يغير نظم الصلاة، ولو أتى به عمداً في غير موضعه لبطلت صلاته، فيقتضي سهوه السجود، وهذا كالتوسط بين القولين، وحمل للقولين على الحالين، وذكر في "النهاية" هذه العبارة، وزاد أنه لو عاد من حد يكون نسبته إلى القعود كنسبته إلى القيام لا يسجد أيضاً، وذكر عبارة أخرى عن الشيخ أبي محمد وآخرين وهي: أنه لو عاد قبل أن ينتهي إلى حد الراكعين فلا يسجد، وإن عاد بعد أن ينتهي إلى حد الراكعين يسجد؛ لأنه زاد ركوعاً سهواً، وهذه العبارة هي التي ذكرها في الكتاب، وليس المراد من حد الركوع هاهنا أقل الركوع؛ فإن المرتفع إذا انتهى إلى حد أقل الركوع فقد جاوز أكمله، وزاد ركوعاً، ولم يبلغه فهو في حد الراكعين أيضاً، نص عليه في "النهاية"، وهذا الخلاف في الوجه الذي حكيناه عن بعضهم في تفسير الانتصاب، حيث يعتبر أقل الركوع؛ لأن النظر ثم إلى الحصول في حد فرض القيام والعبارة الأولى أوفى بالغرض، فإن الثانية لا تجزى إلا إذا انتهض منحنياً، ومن الجائز أن لا ينحني في انتهاضه فيحتاج إلى الرجوع إلى العبارة الأولى، وهما متقاربتان، وليستا على التنافي، بل من قال بالأولى قال: بأنه إذا انتهى إلى حد الراكعين وعاد يسجد للسهو، ومن قال بالثانية سلم بأنه إذا عاد بعد ما صار أقرب إلى القيام من غير انحناء يسجد، وليكن قوله: (ثم يسجد [للسَّهْوِ] 3) معلماً بالواو لمكان طريقة القولين المطلقين في العود قبل الانتصاب، والظاهر التفصيل، وبه أجاب صاحب "التهذيب" والروياني في "الحلية" وجميع ما ذكرناه من الحالتين في ما إذا ترك التشهد الأول، ونهض ناسياً، فأما إذا فعل ذلك عمداً، ثم عاد قبل الانتصاب والاعتدال فإن عاد بعدما

صار إلى القيام أقرب بطلت صلاته، وإن عاد قبله لم تبطل، ذكره في "التهذيب"، ولو كان يصلي قاعداً فافتتح القراءة بعد الركعتين فإن كان على ظن أنه فرغ من التشهد وجاء وقت الثالثة لم يعد بعد ذلك إلى قراءة التشهد في أصح الوجهين، وإن سبق لسانه إلى القراءة وهو عالم بأنه لم يتشهد فله أن يعود إلى قراءة التشهد، وترك القنوت يقاس بما ذكرنا في التشهد، فإذا نسيه ثم تذكر بعد وضع الجبهة [على الأرض] 1 لم يجز العود، وإن كان قبله فله العود، ثم إن عاد بعد بلوغه حد الراكعين يسجد للسهو، وإن كان قبله فلا.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) إِذَا تَشَهَّدَ فِي الأَخِيرِ قَبْلَ السُّجُودِ تَدَارَكَ السُّجُودَ وَأَعَادَ التَّشَهُّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لأنَّهُ زَادَ قُعُودًا طَوِيلاً، وَلَوْ تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ تَذَكَّرَ لَمْ يَسْجُدْ لِهذَا السَّهْوِ، لِأَنَّهُ رُكْنٌ طَوِيلٌ فَلَمْ يُوجَدْ إِلاَّ نَقْلُ التَّشَهُّدِ وَهُوَ غيْرُ مُبْطِلٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وإنْ جَلَسَ عَنْ قِيَامٍ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ لَكِنْ طَوَّلَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ تَذَكَّرَ عَلَى القُرْبِ فَلاَ لِأَنَّ قَدْرَ جَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ فِي مِثْلِ هذَا الوَقْتِ عَمْداً لاَ يُبْطِلُ الصَّلاةَ.
قال الرافعي: صورة المسألة الأولى أن يجلس في الركعة الأخيرة عن قيامه ظاناً أنه إذا أتى بالسجدتين فتشهد، ثم تذكر الحال بعد التشهد، فيجب عليه تدارك السجدتين وإعادة التشهد؛ مراعاةً لترتيب الصلاة، ويسجد للسَّهْوِ والحالة هذه؛ لمعنيين: أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه زاد قعوداً طوِيلاً في الصَّلاَةِ، ولو فعل ذلك عَمْداً لَبَطَلَتْ صلاته، فإذا فعله سَهْواً سجد.
والثاني: أنه نقل ركن التَّشهد عن مَوْضِعِهِ إلى غير موضعه، وذلك يقتضي سجود السَّهْوِ على أظْهُرِ الوجهين، كما تقدَّم، ويتفرع على هذا ما لو جلس بعد السجدتين في الركعة الأولى، أو الثالثة وقرأ التَّشَهُّدَ، أو بعضه، ثم تذكر سجد للسهو، نص عليه الشافعي -رضي الله عنه- لأنه نقل ركن التشهد إلى غير موضعه ولو لم يقرأ شيئاً، فإن طوّل سجد للسهو، لأنه زاد قعوداً طويلاً، وإن لم يطول فلا لانتفاء المعنيين، والتطويل بأن يزيد على قدر جَلْسَة الاستراحة.
وأعلم أن الحكم المذكور لا يختص بالركعة الأخيرة، بل لو اتفق له ذلك في الركعة الثانية من صلاة رباعية أو ثلاثية فكذلك يتدارك السجود ويعيد التشهد، ويسجد للسهو إلا أن إعادة التشهد هاهنا تكون مسنونة، ولو اتفق ذلك في ركعة لا يعقبها تشهد فإذا تذكر تدارك.

المسألة الثانية: لو سجد في الركعة الأخيرة سجدة وتشهد على ظن أنه فرغ من السجدتين، ثم تذكر فلا شك في أنه يتدارك السجدة الثانية، ويعيد التشهد، وهل يسجد للسهو؟ قال في الكتاب: [لا يسجد] 1 بناء على شيئين: أحدهما: أن الجلوس بين السجدتين ركن طويل، فلم يوجد منه زيادة قعود طويل.
والثاني: أن نقل الركن الذكري عن موضعه لا يقتضي السجود، فتكون قراءة التشهد هاهنا بمثابة ما لو أتى بذكرٍ آخر، ويحكى هذا عن ابن سريج، لكن كل واحد من هذين الأصلين مختلف فيه، والظاهر أن الجلسة بين السجدتين ركن قصير وأن نقل الركن الذكري عن موضعه يقتضي السجود على ما بيناه من قبل، فإذًا الظاهر في المسألة أنه يسجد للسهو، وبه قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ وَغَيْرُهُ، وذكر في "التهذيب" أنه المذهب، ولو كانت المسألة بحالها وطول لا بالتشهد فهاهنا لا نقل، لكن الظاهر أنه يسجد للسهو أيضاً تفريعاً على قولنا: إن الجلسة بين السجدتين ركن قصير.
واعرف من لفظ الكتاب [في المسألة] 2 أموراً ثلاثة.
أحدهما: قوله: (لم يسجد لهذا السهو) ليس جواباً ينفي السجود [جزماً؛ لأنه ذكر الخلاف فيما جعله علة لنفي السجود حيث قال] 3 (لأنه ركن طويل) ولم يوجد إلا نقل التشهد، وهو غير مبطل، يعني إذا كان عمداً على أحد الوجهين، والخلاف في العلة يوجب الخلاف في المعلول، فتبين بذلك أنا إذا قلنا: إن عمده مبطل يسجد للسَّهْو، فإذًا لا حاجة إلى إعلام قوله: (لم يسجد) بالواو؛ لأنه بمثابة قوله: "لم يسجد على أحد الوجهين".
الثاني: قوله: (أحد الوجهين) يجوز أن يرجع إلى النقل وحده، ويجوز أن يرجع إليه، وإلى قوله قبله: "ركن طويل" فإن الخلاف ثابت فيهما، فإن كان الأول فليعلم قوله: (ركن طويل) بالواو.
الثالث: لفظ الكتاب يشعر بأن الحكم بأن عمده غير مبطل مع قولنا: الجلسة ركن طويل يقتضي نفي السجود هاهنا، لكنه قد ذكر من قبل إنا وإن لم نجعل عمد النقل مبطلاً ففي السجود لسهوه وجهان، فإذًا القول بنفي السجود هاهنا بناء على الأصلين جواب على أنه إذ ما لم يبطل عمده لا يسجد لسهوه، فالأظهر أنه وإن لم يبطل عمده يسجد لسهوه كما تقدم.

المسألة الثالثة: لو جلس عن قيام ولم يتشهد، ثم تذكر اشتغل بالسجدتين، وبما بعدهما على ما يقتضيه ترتيب صلاته، ثم إن طال جلوسه سجد للسهو لما سبق أن زيادة القعود الطويل عمداً مبطلة، وإن لم يطل بل كان في حد جلسة الاستراحة لا يسجد للسهو؛ لأن العمد منه في غير موضعه لا يبطل الصلاة بخلاف الركوع والسجود والقيام يبطل عمدها الصلاة وإن قصر زمانه، وذلك لأن الجلوس معهود في نفس الصلاة من غير أن يكون ركناً كجلوس التشهد الأول، وجلسة الاستراحة، وهي لا تقع في نفس الصلاة إلا أركاناً، فيكون تأثيرها في تغيير نظم الصلاة أشد، والمسألتان الأخيرتان لا اختصاص لهما بالركعة الأخيرة كما ذكرنا في المسألة الأولى، لكن هذا السهو حيث يكون بين يديه تشهد أقرب وقوعاً وإذا كان التشهد فرضاً يجب عليه إعادته بعد تبين الحال، فلذلك كانت مسائل الكتاب مصورة في الركعة الأخيرة.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) إِذَا قَامَ إِلَى الخَامِسَةِ نَاسِياً بَعْدَ التَّشَهُّدِ فَإِنْ تَذَكَّرَ جَلَسَ وَسَلَّمَ، وَالقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ يَتَشَهّدُ لِرِعَايَةِ الوَلاَءِ بَينَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلاَمِ وَكَيْ لاَ يَبْقَى السَّلاَمُ فَرْداً غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِرُكْنٍ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ.
قال الرافعي: إذا قام إلى الخامسة في صلاة رباعية، ثم تذكر قبل أن يسلم فعليه أن يعود إلى الجلوس ويسجد للسهو، سواء تذكر في قيام الخامِسة، أو ركوعها، أو سجودها، وإن تذكر بعد الجلوس فيها سجد للسَّهْوِ ويسلم.
وقال أبُو حَنِيفَةَ: إن تذكر قبل أن يسجد في الخامسة يعود إلى الجلوس، وإن تذكر بعد ما سجد فيها فإن لم يكن قعد في الرَّابِعَةِ بَطَلَ فرضُه وتحولت صَلاتُه نفلاً، وعليه أن يضم إليها ركعةً سادسةً، وإن كان قد قعد في الرابعة ضم إليها ركعة أخرى، وتكون أربُع رَكَعَاتٍ من صلاته فرضاً، وركعتان نَفْلاً.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى الظُّهْرَ خَمْساً.
فقيل له أتزيد في الصلاة، قال: "وَمَا ذَاكَ" قالوا: صليت خَمْساً، فسجد سجدتين بعدما سَلَّمَ" 1. والاستدلال أنه لا يخلو إما أن كان قد قعد في الرابعة، أو لم يقعد، فإن قعد فيها لم يضم إلى صلاته ركعة أخرى، وإن لم يقعد فيها لم يعد الصلاة.
وقوله في الكتاب: (جلس وسلم) بعد سجود السهو، وهل يتشهد بعدما تذكر الحال؟ نظر إن تذكر بعد الجلوس والتشهد في الخامسة فلا حاجة إلى إعادته بحال، وإن تذكر قبل الجلوس فيها فجلس، أو بعد الجلوس فيها، وقبل التشهد، فإن لم يكن

تشهد في الرابعة فلا بد وأن يتشهد الآن، وإن كان قد تشهد فيها وهذه الحالة هي المذكورة في الكتاب، فهل يحتاج إلى إعادة التشهد؟ فيه وجهان: أصحهما: وبه قال معظم الأصحاب: لا؛ لأنه أتى به في موضعه، فأشبه ما إذا قام إلى الخامسة من السجود ثم تذكر فإنه يقعد ويتشهد، ولا يحتاج إلى العود إلى السجود.
والثاني: وبه قال ابن سريجَ: أنه يجب إعادته، وينسب هذا إلى نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- لأنه قال في "المختصر": وإن ذكر أنه في الخامسة سجد، وإن لم يسجد قعد في الرابعة، أو لم يقعد فإنه يجلس للرابعة، ويتشهد، ويسجد للسهو، حكم بأنه يجلس ويتشهد سواء قعد في الرابعة، أو لم يقعد، وذكر ابْن سُرَيْجٍ لهذا الوجه الثاني معنيين: أحدهما: رعاية الموالاة بين التشهد والسَّلام، فإن تشهده في الرابعة قد انقطع بالركعة الزائدة فلا بد من إعادته ليليه السَّلام.
والثاني: أنه لو لم يعد التشهد لبقي السلام فرداً غير متصل بركن قبله ولا بعده، والكتاب يشتمل على هذين المعنيين معاً، وفرع ابن سريج عليهما ما إذا ترك الركوع ثم تذكره في السجود [فإن] 1 قلنا بالمعنى الأول، يجب أن يعود إلى القيام ويركع منه، وإن قلنا بالمعنى الثاني كفاه أن يقوم راكعاً، فإنه لا يبقى فرداً لاتصاله بالسجود وما بعده، والأول مثل ما حكيناه عن أبي إسحاق فيما إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، وكان قد جلس بعد السجدة المفعولة أنه يجلس ثم يسجد.
قال أصحاب الوجه الأول: أما لفظ الشافعي -رضي الله عنه- فإنما يتعرض للقعود، ولم يقل تشهد أو لم يتشهد، فالمراد ما إذا قعد ولم يتشهد.
أما المعنيان فضعيفان، أما الأول فلأن الفصل بالنسيان لا يقدح في الموالاة، لأنه إذا أعاد التشهد فإما أن يكون المعتد به تشهده الأول، أو يكون هو الثاني، فإن كان المعتد به الأول فلا معنى للأمر بالثاني، ثم المحذور هو انقطاع الموالاة بين التشهد والسلام يبقى بحالة، وإن كان المعتد به الثاني فلا موالاة بينه وبين ما قبله من الأركان، فلم يحتمل انقطاع الموالاة بين التشهد وما قبله، ولا يحتمل بين التشهد والسلام.
وأما المعنى الثاني فهو مفرع على انقطاع الموالاة، وإلا فالسلام ليس فرداً؛ بل هو متصل بما قبله.

وهذا كله إذا كان قد تشهد على قصد التشهد الأخير، وهو المراد من مسألة الكتاب، فأما إذا تشهد على ظَنِّ أنه التشهد الأول عاد الوجهان في تأدي الفرض بنية النفل 1 إن قلنا: يتأدى ففيه الخلاف المذكور، وإن قلنا: لا يتأدى فيجب إعادة التشهد بلا خلاف.
وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أنه لم قال: القياس أنه لا يتشهد، والنص أنه يتشهد لكن في اللفظ شيئين: أحدهما: أنه سلم أن النص أنه يتشهد، وأصحاب الوجه الأول لم يسلموا ذلك بل منهم من يمنع دلالته عليه، ومنهم من أوله.
والثاني: أن قوله في مقابلته القياس: أنه لا يتشهد إنما يذكر مثله في إبداء الشيء على سبيل الاحتمال، وهو منقول منصوص عليه من جهة معظم الأصحاب، والله أعلم.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِذَا شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ أَخَذَ بِالأَقَلِّ (ح) وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلاَمِ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُومَ إِلَى التَّدَارُكِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ، وَالثَّانِي: أنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ الفَرَاغِ لِمَا فِيهِ مِنَ العُسْرِ، وَإِنْ لَمْ يَشُكَّ إِلاَّ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ، فَالقِيَاسَ 2 أنَّهُ لاَ يُتَلَفَّتُ إِلَيْهِ.
قال الرافعي: ليس في هذا الموضع السادس سهو محقق، فكأنه أراد بقوله أولاً: (ومواضع السهو ستة مواضع سجود السهو) ثم ليس ذلك على سبيل العصر، بل الصور المفردة التي يشرع فيها السجود تزيد على أضعاف هذا العدد، ويمكن التقسيم الجملي على وجه ينتقص عنه.
وقوله: (إِذَا شك في أثناء الصلاة) يعني في عدد الركعات، وسبب الأخذ بالأقل وسجود السهو قد ذكره في الكتاب بعد هذا، وأعاد المسألة كما سنشرحها، وليعلم قوله: (أخذ بالأقل) بالحاء والألف لما سيأتي، وإن وقع الشك في عدد الركعات، أو في ترك ركن من الأركان بعد السلام، فينظر إن لم يطل الزمان ففيه قولان: أحدهما: أنه يشتغل بالتدارك ويسجد للسهو كما لو وقع الشَّكُّ في أثناء الصَّلاَةِ؛ لأن الأصل أنه لم يفعله، وأيضاً فلأنه لو تيقن بعد السلام ترك ركن، أو ركعة ولم يطل

الفصل يتدارك كما لو كان ذلك قبل السلام، فكذلك يتساويان في حكم الشَّكِّ؛ وأظهر هما أنه لا عبرة بهذا الشك، لأن الظاهر أن ختم الصلاة كان على تمام الركعات والأركان، ولو اعتبر الشك الطارئ بعد الفراغ لعسر الأمر على الناس، وفي المسألة طريق آخر وهو القطع بهذا القول الثاني، فليكن قوله: (فقولان) معلماً بالواو لذلك، ولفظ الكتاب وإن لم يصرح بوضع القولين فيما إذا لم يطل الزمان لكنه اشتمل على ما يبين ذلك.
ألا ترى أنه قال بعد القولين: (فإن لم يشك إلا بعد طول الزمان) فأفهم أنهما فيما إذا لم يطل، وإن طال الزمان ثم شك ففيه طريقان حكاهما في "النهاية".
أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: القطع بأنه لا عبرة بالشِّكِّ بعده؛ لأن الإنسان بعد طول المدة تكثر تردداته وشكوكه فيما مضى من أفعاله، ولو اعتبر ذلك لكان الطريق أن يؤمر بالقضاء، ومثل هذا الشك غير مأمون في القضاء أيضاً.
وقوله: "على الصحيح" أي: من الطريقين، وبه قال الشيخ أبو محمد، ويجوز أن يريد من القولين جواباً على الطريقة الأولى، وإذا لم يفصل بين طول الزمان وقصره، قلت: في الشَّكِّ الطارئ بعد الفراغ طريقان: أحدهما: أنه لا يعتبر بحال.
والثاني: وهو المذكور في "الوسيط" فيه ثلاثة أقوال: أصحها: الفرق بين أن يطول الزمان فلا يعتبر، وبين أن لا يطول فيعتبر.
فإن قلت: وبم يضبط الزمان الطويل، ويميز عن غير الطويل؟ وهذا البحث يحتاج إليه هاهنا، وفيما إذا تيقن أنه ترك [ركعة] 1 أو ركناً بعد السلام؛ فإن الحكم فيه يختلف بطول الزمان وقصره على ما سبق؟ فالجواب: أنه حكي عن البويطي أن الطويل ما يزيد على قدر ركعة، وبه قال أبو إسحاق المرْوزي.
وعن ابن أبي هريرة أن الطويل قدر الصلاة التي كان فيها، والأظهر أن الاعتبار فيه بالعرف والعادة، ويحكى ذلك عن [الأم] 2 وإذا جوزنا البناء فلا فرق بين أن يتكلم بعد السلام ويخرج من المسجد ويستدبر القبلة، وبين أن لا يفعل ذلك.
وقيل: القدر الذي نقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفصل محتمل فإن زاد فلا، والمنقول أنه قام ومضى إلى ناحية المسجد، وراجع ذا اليدين، وسأل الصحابة فأجابوا.

قال الغزالي: قَوَاعِدُ أَرْبَعٌ، الأُولَى: مَن شَكَّ فِي تَرْكِ مَأمُورٍ سَجَدَ لِلسَّهْوِ إِذِ الأَصْلُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلُهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ لَمْ يَسْجُدْ لِأَنَّ الأَصْلَ العَدَمُ، وَلَو شَكَّ فِي أنَّهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَوْ فِي أنَّهُ سَجَدَ وَاحِدَةٌ أَوْ ثِنْتَيْنِ لِلسَّهْوِ، فَالأَصْلُ العَدَمُ إِلاَّ فِي مَسْأَلَةٍ، وَهُوَ أنَّهُ لَو شَكَّ أنَّهُ صَلَّى ثَلاَثاً أَوْ أَرْبَعًا أَخَذَ بِالأَقَلِّ قِيَاسًا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ جَبْراً وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ أنَّهُ لَمْ يَرْدْ، وَقِيلَ: إِنَّ عِلَّتَهُ أنَّهُ أَدَّى الرَّابِعَةَ عَلَى تَرَدُّدٍ حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَ قَبْلَ السَّلاَمِ أنَّهِا رَابِعَةٌ سَجَدَ أَيْضًا، وَقِيلَ لاَ يَسْجُدُ عِنْدَ زَوَالِ التَّرَدُّدِ.
قال الرافعي: هذه القواعد أصول في الباب لا بد من معرفتها، والأولى منها مبنية على أصل كثير الولوج في أبواب الفقه، وهو أنا إذا تيقنا وجود شيء، أو عدمه ثم شككنا في تغيره، وزواله عما كان فإنا نستصحب اليقين الذي كان، ونطرح الشك، إذا تذكرت ذلك.
فلو شك في ترك مأمور ينجبر تركه بالسجود وهو الأبعاض، فالأصل أنه لم يفعله فيسجد للسهو.
قال في "التهذيب": هذا إذا كان الشَّك في ترك مَأْمُورٍ مفصل، فأما إذا شك في الجملة في أنه هل ترك مأموراً أم لا؟ فلا يسجد كما لو شك هل سها أم لا؟ ولو شك في ارتكاب منهي مثل شكه في أنه تكلم ناسياً أم لا، أو سلم ناسياً أم لا، فالأصل أنه لم يفعل، ولا سجود عليه، ولو تيقن السَّهْوَ وشك في أنه هل سجد للسَّهْوِ أم لا فيسجد؟ لأن الأصل أنه لم يسجد، ولو شك في أنه سجد للسهو سجدة أو سجدتين فيأخذ بأنه لم يسجد إلا واحدة ويسجد أخرى، لأن الأصل في الثانية العدم 1. ولو شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً أخذ بالأقل، وأتى بالمشكوك فيه، وسجد للسهو، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: إن كان هذا الشك أول ما عرض له بطلت صلاته، وإن كان يعرض له كثيراً تحرى وبنى على غالب ظنه، فإن لم يغلب على ظنه شيء بنى على اليقين.
وعن أحمد رواية أن الإمام يتحرى خاصة، ويعمل بغالب ظنه، والظاهر عنه مثل مذهبنا.
لنا ما روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي- قال: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثاً أَمْ أَربَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا

اسْتَيقَنَ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلاتُهُ تَامّةٌ كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَيْنِ نَافِلَةً، وَإِنْ كَانَتْ صَلاتُهُ نَاقِصَةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ تَمَاماً، والسَّجْدَتَانِ تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ" 1. وعن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةٌ صَلَّى أَمْ اثْنَتَيْنِ، فَلْيَبْن عَلَىِ وَاحِدَةٍ، وَإنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أوْ ثَلاثَاً، فَلْيَبْن عَلى ثِنْتَيْن، فإنْ لَمْ يَدْرِ ثَلاَثاً صَلَّى أَمْ أْرْبَعاً؟ فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلاَثٍ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمِ" 2. وعندنا لا مجال للاجتهاد في هذا الباب، ولا يجوز العمل بقول الغير أيضاً.
وفيه وجه: أنه يجوز الرجوع إلى قول جمع كثيرين كانوا يرقبون صلاته، وكذلك إذا قام الإمام إلى ركعة يظنها رابعته، وعند القوم أنها خامسة، فنبهوه لا يرجع إلى قولهم.
وفي وجه: وإن أكثر عددهم رجع إلى قولهم، والمشهور الأول لأنه تردد في فعل نفسه، فلا يرجع إلى قول غيره فيه، كالحاكم إذا نسي حكمه لا يأخذ بقول الشهود عليه.
إذا عرف ذلك، فالبناء على الأصل مستمر على الأصل الذي تقدم؛ لأن الأقل فيما سوى القدر المستيقن العدم، وأما الأمر بسجود السهو فمخالف لذلك الأصل؛ لأنه إذا بني على اليقين، وأتى بركعة أخرى فقد تمت صلاته خالية عن السهو بالزيادة ظاهراً، فلماذا يسجد؟ حكى إمام الحرمين خلافاً في تنزيله قال: قال شيخي، وطائفة: المعتمد فيه ما روينا من الخبر، ولا اتجاه له من جهة المعنى.
وقال الشيخ أبو علي: المقتضى للسجود تردده في أمر الركعة الأخيرة، فإن كانت زائدة فزيادتها تقتضي السجود، وإلا فالتردد فيها أهي أصلية مفروضة، أم زائدة يوجب ضعف النية، ويحوج إلى الجبر بالسجود، قال: ويتفرع على هذا الخلاف ما لو زال تردده قبل السَّلاَمِ، وعرف أن الركعة الأخيرة هي الرابعة حقاً، وأنه ما زاد شيئاً، هل يسجد للسهو؟ قطع الشيخ أبو محمد بأنه لا يسجد، فإن المتبع الحديث، والحديث ورد في دوام الشَّكِّ والتردد.
وقال الشيخ أبو علي: يسجد؛ لأن تلك الركعة تأدت على التردد، وضعف النية فيها، فزوال التردد بعد ذلك لا يغني عن الجبر الذي مال إليه إمام الحرمين كلام شيخه وأنه لا يسجد عند زوال التردد، واعترض على كلام الشيخ أبي علي، وقال إنه منقوض

بما إذا لم يدر الرجل أقضى الفائتة التي كانت عليه أم لا؟ فإنا نأمره بقضائها، ولا يسجد للسهو إذا قَضَاها، وإن كان هو متردداً في أنها هل هي مَفْرُوضَة عليه من أول الصَّلاَةِ إلى آخرها أم لا؟ وفي لفظ الكتاب ما يشعر بموافقته الإمام على اختياره، فإنه أسند سجود السهو في المسألة إلى الخبر، ثم قال: وقيل: إن عليه كذا، وقد بَيَّنَّا أن هذا السِّياق يشعر بترجيح الأول، لكن المنقول عن القفال يوافق ما نسبه في المسألة إلى الشيخ أبي علي، ولم يورد صاحب "التهذيب" وكثيرون سواه، وضبطوا صور عروض الشك وزواله، فقالوا: إن كان ما فعله من وقت عروض الشك إلى زواله ما لا بد منه على كل احتمال فلا يسجد للسهو، فإن كان زائداً على بعض الاحتمالات سجد للسهو.
مثاله: لو شك في قيام من صلاة الظهر أن تلك الركعة ثالثة أو رابعة فركع وسجد على هذا الشَّك، وهو على عزم القيام إلى ركعة أخرى أخذاً باليقين، ثم تذكر قبل القيام إلى الأخرى أنها ثالثته، أو رابعته فلا يسجد للسَّهْوِ؛ لأن ما فعله في زمان الشَّكِّ لا بد منه على التقديرين جميعاً، وإن لم يتذكر حتى قام إلى الأخرى سجد للسَّهْوِ، وإن تذكر أنها كانت ثالثته، وهذه رابعة لأنه كان احتمال الزيادة، وكونها خامسة ثابت حين قام 1. وقوله في الكتاب: (فالأصل العدم إلا في مسألة) -يعني- أنه يعمل بقضية هذا الأصل إلا في هذه المسألة، فلا يعمل به، لأن هذه المسألة تغاير ما قبلها في نفس الأصل حتى لا يكون الأصل فيها العدم، وليس الغرض استثناء هذه الصورة الفردة؛ بل نظائرها في معناها كما إذا شك في ترك ركن سوى النية والتكبير يبنى على اليقين، ويسجد للسهوِ، وتَرْكُ الأَصْلِ في هذه الصورة ليس في الأخذ بالأقل، ولكنه في الأمر بسجود كما بَيَّنَّا، ولذلك قال: (أخذ بالأقل قياساً، ومسجد للسهو جبراً)، والصورة المستثناة قد ذكرها وحكمها في الفصل السابق على هذا الفصل فهي معادة هاهنا، لكن هذا الموضع أحق بذكرها، ولذلك زاد هاهنا الكلام في سبب سجود السَّهْو، وفرع عليه وكأنه قصد بذكرها في الفصل السابق التدرج منعاً إلى الشك بعد السلام، ولو اقتصر على ذكرها في هذا الموضع وعقبها بمسألة الشَّكِّ بعد السلام لم يكن به بأس.
وقوله آخراً: (وقيل: لا يسجد عند زوال التردد) تفريع على إسناد سجود السهو إلى الجبر، وليس شيئاً مستأنفاً، ولو قال: وعلى الأول لا يسجد عند زوال التردد لكان أوضح.

قال الغزالي: الثَّانِيَةُ: إِذَا تكَرَّرَ منه 1 السَّهْوُ فَيَكْفِي سَجْدَتَانِ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّدُ سُجُودُ السَّهْوِ فِي حَقِّ المَسْبُوقِ إِذَا سَجَدَ لِسَهْوِ الإِمَامِ فَإنَّهُ يُعِيدُ فِي آخِر صَلاَةِ نَفْسِهِ، وَكَذا إِذَا صَلَّوا صَلاَةَ الجُمُعَةِ ثُمَّ بَانَ لَهُمْ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّ الوَقْتَ خَارجٌ تَمَّمُوهَا ظُهْراً وَأَعادُوا السُّجُودَ، وَلَوْ ظَنَّ الإِمَامُ سَهْواً فَسَجَدَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لاَ سَهْوَ فَقَدْ زَادَ سَجْدَتَيْنِ فَيَسْجُدُ لِهذَا السَّهْوِ سَجْدَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وَقِيلَ: هُمَا جَابِرَتَانِ لِأَنْفُسِهِمَا كَشَاةٍ مِنْ أَرْبعِينَ شَاةً تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغيْرَهَا.
قال الرافعي: لا يتكرر سجود السهو بتكرر السهو وتعدده، بل يكفي سجدتان في آخر الصلاة، سواء تكرر نوع واحد، أو وجد نوعان فصاعداً، ووجهه الخبر والمعنى.
أما الخبر فهو حديث ذي اليدين فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، وَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ، وَمَشَى، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى سَجْدَتَيْنِ" 2. وأما المعنى: أن سجود السهو مؤخر إلى آخر الصلاة، ولولا أنه يتداخل لأمر به عند السهو، كسجود التلاوة يأتي عند التلاوة.
قال الأئمة: "ولا يتعدد سجود السهو إلا في مواضع" قالوا: ونعني بذلك صورة السجود، وإلا فالمعتمد به سجدتان بلا استثناء، فمنها المسبوق إذا سجد مع الإمام لسهوه يعيد في آخر صلاة نفسه على اختلاف يأتي من بعد، والغرض هاهنا الإشارة إلى أنه من المستثنيات، واقتصر على ذكر الأصح، وهو أنه يعيد في آخر صلاة نفسه، ويجوز أن يعلم قوله: (يعيد) بالواو للخلاف الذي يأتي ذكره، ومنها: لو سها الإمام في صلاة الجمعة، فسجدُوا للسهْوِ، ثم تبَيَّن لهم قبل أن يسلموا خروج وقت الظُّهْرِ، فعليهم إتمامها ظهراً، ويعيدون سجود السهو؛ لأن محل السجود في آخر الصلاة، وقد تبين أن الأول لم يقع في آخر الصلاة، وهذا تفريع على ظاهر المذهب، وفي المسألة قول آخر يأتي ذكره في الجمعة أنهم لا يتمونها ظهراً؛ بل يستأنفون، فعلى ذلك القول لا تستمر المسألة، ولا بأس لو أعلمت قوله: (تمموها ظهراً) بالواو؛ لمكان ذلك القول.
ومنها لو ظن أنه سها في صلاته فسجد للسهو، ثمَ بَانَ قبل أن يسلم أنه لم يسه، فهل يسجد؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه يسجد؛ لأنه زاد سجدتين سهواً، فيجبر هذا الخلل بالسجود.

والثاني: وبه قال الشيخ أبو محمد: لا يسجد؛ لأن سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة، فيجبر نفسه كما يجبر غيره، وهذا كوجوب شاة في أربعين إذا أخرج واحدة تزكي نفسها وغيرها، فإنها من جملة الأربعين، فهذه الصور الثلاث هي المذكورة في الكتاب.
وقوله: (وإنما يتعدد سجود السهو) يشعر بالحصر فيها، ولكن وراءها صوراً أخرى منها: لو شرع المسافر في الصلاة بنية القصر فسها وسجد للسهو، ثم نوى الإتمام قبل أن يسلم، أو صار مقيماً بانتهاء السفينة إلى دار الإقامة يجب عليه أن يتم الصلاة ويعيد السجود في آخر صلاته؛ لأن محله آخر الصلاة.
ومنها: لو سجد للسَّهو، ثم سَهَا قبل أن يسلم بكلام، أو غيره هل يسجد للسهو؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابن القاص: نعم؛ لأنه وإن جبر ما قبله وما فيه فلا يجبر ما يقع بعده.
وأصحهما: لا يسجد، كما لو تكلم في سجود السهو أو سلم بينهما.
والمعنى فيه أنه لا يؤمن من وقوع مثله في السجود ثانياً أو بعده فيتسلسل، ولو سجد للسهو ثلاثاً سهواً لا يسجد لهذا السَّهْوِ، وكذلك لو شك في "أنه سجد للسهو سجدة، أو سجدتين فأخذ بالأقل، وسجد أخرى كما أمرناه به، ثم تحقق أنه كان قد سجد سجدتين لا يسجد ثانياً للمعنى الذي ذكرناه، وعبروا عن هذا الوجه بالأصح وعن الأصح في الثالثة من صور الكتاب بأن قالوا: السهو في سجود السهو لا يقتضي السجود، والسهو بسجود السهو يقتضي السجود.
ومنها لو ظن أن سهوه ترك القنوت، فسجد للسهو، ثمَ بَانَ له قبل أن يسلم أن سهوه شيء آخر.
هل يسجد ثانياً؟ فيه جوابان للقاضي الحسين: أحدهما: نعم؛ لأنه قصد بالأول جبر ما لا حاجة إلى جبره وبقي الخلل بحاله.
وأظهرهما: لا؛ لأنه قصد جبر الخلل، وأنه يجبر كل خلل.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ إِذَا سَهَا المَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدْ بَلِ الإِمَامُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ كَمَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَدُعَاءَ الْقُنُوتِ وَالْجَهْرَ وَالْقِرَاءَةَ عَنِ المَسْبُوقِ وَالتَّشَهُّدَ الأَوَّلَ عَنِ المَسْبُوقِ بِرَكْعَة، وَلَو سَهَا بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ لَمْ يَتَحَمَّلْهُ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ الإِمَامَ سَلَّمَ فَقَامَ لِيَتَدَارَكَ ثُمَّ جَلَسَ قَبْلَ سلاَمِ الإِمَامِ، فَكُلُّ مَا جَاءَ بِهِ سَهْوٌ وَلاَ سُجُودَ عَلَيْهِ، فَإِذَا سَلَّمَ الإمَامُ فَلْيَتَدَارَكِ الآنَ، وَإن تَذَكرَ فِي القِيَامِ أَنَّ الإِمَامَ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَلْيَرْجِع إِلَى الْقُعُودِ أَوْ

لِيَنْتَظِر قَائِماً سَلاَمَهُ ثُمَّ لْيَشْتَغِلْ بِقِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ بَعْدَهُ.
قال الرافعي: إذا سها المأموم خلف الإمام لم يسجد، ويتحمل الإمام سهوه؛ لما روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإمَامِ سَهْوٌ، وَإِنْ سَهَا الْإمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ" 1. ولحديث معاوية بن الحكم الذي رويناه في فصل الكلام، فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَم يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ مَعَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ خَلْفَهُ" 2. وشبه في الكتاب تحمله سهو المأموم بأمور أخر يتحملها.
أحدها: سجود التلاوة؛ فإن المأموم لو قرأ آية سجدة لا يسجد على ما سيأتي.
والثاني: دعاء القنوت على ما سبق.
والثالث: الجهر، فإن المأموم لا يجهر في الصلاة الجهرية ولو كان منفرداً لجهر، ويجوز أن يعلم هذا بالحاء، لأن عند أبي حنيفة لا يجهر المنفرد، وإذا كان كذلك فلا معنى للتحمل.
والرابع: القراءة يتحملها عن المسبوق الذي أدركه في الركوع، وكذلك يتحمل عنه اللبث في القيام، لا يتحمل عنه أصل القيام فإنه لا بد له من إيقاع التكبيرة في حد القيام.
والخامس: التشهد الأول يتحمله عن المسبوق الذي لحقه في الركعة الثانية، فإنه إذا قعد الإمام للتشهد الأول يتابعه، وهو غير محسوب للمسبوق من صلاته، وموضع تشهده الأول آخر الركعة الثالثة للإمام وهو لا يقعد فيه، بل يقوم مع الإمام، فهذه الخمسة هي المذكورة في الكتاب.
ومنها: القنوت في صلاة الصبح إذا لحق المسبوق في الركعة الثانية، على ما ذكرنا في التشهد الأول 3. ومنها قراءة السورة على التفصيل المتقدم.
ومنها قراءة الفاتحة في الجهرية على القول القديم.
ولو سها المأموم بعد سلام الإمام لم يتحمله الإمام، لانقطاع رابطة الاقتداء، وذلك في المسبوق إذا سها فيما يتفرد بتداركه، وكذلك المأموم الموافق لو تكلم ساهياً

عقيب سلام الإمام والمنفرد إذا سها في صلاته، ثم دخل في جماعة وجوزنا ذلك على ما سيأتي، فلا يتحمل الإمام سهوه ذلك، ولو ظن المأموم أن الإمام قد سلم فسلم، ثم بان له أنه لم يسلم بعد فيسلم معه، ولا سجود عليه فإنه سهو في حالة الاقتداء، ولو تيقن في التشهد أنه ترك الفاتحة أو الركوع من ركعة سهواً فإذا سلم الإمام فعليه أن يقوم إلى ركعة أخرى، ثم لا يسجد للسهو؛ لأن سهوه كان خلف الإمام، ولو سلم الإمام فسلم المسبوق سهواً، ثم تذكر بني على صلاته وسجد للسهو؛ لأن سلامَهُ وقع بعد انفراده، ولو ظن المسبوق أن الإمام سلم بأن سمع صوتاً خَيَّلَ إليه ذلك، فقام ليتدارك ما عليه وكان ما عليه ركعة مثلاً فأتى بها، وجلس ثم علم أن الإمام بعد لم يسلم وأن ظنه كان خطأ فهذه الركعة غير معتد بها؛ لأنها مفعولة في غير موضعها، فإن وقت التدارك ما بعد انقطاع القدوة إما لخروج الإمام عن الصلاة أو لقطع المأموم القدوة حيث يجوز ذلك ولم يوجد واحد من الأمرين، وإنما ظن زوال القدوة فتبين خلافه، فإذا سلم الإمام يقوم إلى التدارك، ثم لا يسجد للركعة التي سها بها لبقاء حكم القدوة، وهذه المسألة منقولة عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، والعبارة عنها في الكتاب تحتاج إلى إضمارات، فقوله: (ولو ظن أن الإمام سلم) يعني المسبوق، وقوله: (فقام ليتدارك ثم جلس...) إلى آخره أي وتدارك ثم جلس قبل سلام الإمام، وعلم أن الإمام لم يسلم بعد، وكل ما جاء به سهو، ولو كانت المسألة بحالها فسلم الإمام وهو قائم، فهل يجوز له أن يمضي في صلاته، أم يجب عليه أن يعود إلى القعود ثم يقوم؟ حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه وجهين، إن جوزنا المضي فلا بد من استئناف القراءة، وفرعوا على الوجهين ما لو سلم الإمام في قيامه، لكنه لم ينتبه لذلك حتى أتم الركعة، إن جوزنا المضي فركعته محسوبة، ولا يسجد للسهو، وإن قلنا: عليه القعود، لم يحسب ويسجد للسهو لزيادته في الصلاة بعد تسليم الإمام، ولو كانت المسألة بحالها وتبين له في القيام أن الإمام لم يسلم بعد، فقد خيره في الكتاب بين أن يرجع إلى القعود، وبين أن ينتظر قائماً سلام الإمام وذكر إمام الحرمين -قدس الله روحه- في هذه المسألة أنه إن آثر أن يرجع، وهو الوجه، وإن بدا له أن يتمادى ويقصد الانفراد قبل أن يتحلل الإمام، فهو مبنى على أن المقتدي إذا أراد الانفراد ببقية الصلاة، وقطع القدوة، هل له ذلك؟ إن منعناه تعين عليه الرجوع، وإن جوزنا الانفراد فوجهان: أحدهما: يجب الرجوع، لأن نهوضه غير معتد به فليرجع ثم ليقطع القدوة إن شاء.
والثاني: لا يجب؛ لأن الانتهاض ليس مقصوداً لعينه، وإنما المقصود نفس القيام، وما بعده فصار كما لو قصد عنه أبتداء النهوض إذا عرفت ذلك فالمفروض في المسألة إذا لم يرجع إلى القعود حالتان:

أحدهما: أن يقطع القدوة.
والثانية: أن لا يقطعها؛ بل ينتظر قائماً إلى أن يسلم الإمام، والذي نقلناه عن الإمام كلام في الحالة الأولى، وفيه ما يقتضي وجوب الرجوع في الحالة الثَّانية، وامتناع الانتظار، وما في الكتاب كلام في الحالة الثانية؛ لأنه إذا قطع القدوة، وجوزناه فلا ينتظر سلام الإمام، بل يشتغل بتدارك ما عليه، وليس تجويز الانتظار قائماً إلى سلام الإمام صافياً عن الإشكال لما فيه من المخالفة الظاهرة بخلاف سبقه الإمام بركن، فإن المسبق اليسير إلى ما سينتهي الإمام إليه لا يعد مخالفة محضة، وبتقدير أن يكون قيام المسبوق كالسبق بركن، فقد ذكرنا من قبل وجهين فيما إذا غلط المأموم فسبق الإمام بركن هل يجب عليه العود أم يجوز له أن ينتظر فيه؟ فليكن قوله: (ولينتظر قائماً) معلماً بالواو، وعلى كل حال فلو كان قد قرأ قبل تبين الحال لم يعتد بقراءته، بل عليه الاستئناف فلذلك قال: (ثم ليشتغل بقراءة الفاتحة بعده).
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ يَسْجُدُ المَأْمُومُ مَعَ الإمَامِ إِذَا سَجَدَ لِسَهْوِهِ (ح) فَإِنْ تَرَكَ الإِمَامُ سَجَدَ المَأْمُومُ عَلَى النَّصِّ لِأَجْلِ سَهْو (ز) الإِمَامِ، وَلَوْ سَجَدَ المَسْبُوقُ مَعَ الإِمَامِ، فَهَلْ يُعِيدُ فِي آخِرِ صَلاَةِ نَفْسِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ يَلْتَفِتَانِ إِلَى أَنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ أَوْ لِمُتَابَعَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الإِمَامُ سَجَدَ فِي آخِرِ صَلاَةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ، وَسَهْوُ الإِمَامِ قَبْلَ اقْتِدَائِهِ يَلْحَقُة عَلَى الأَظْهَرِ كَمَا بَعْدَ اقْتدَائِهِ.
قال الرافعي: إذا سها الإمام في صلاته لحق سهوه المأموم، لما روي في الخبر الذي تقدَّم، وإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه، ولأنه لما تحمل سهو المأموم لزمه سهو نفسه، ويستثني صورتان: إحداهما: أن يتبين له كون الإمام جنباً، فلا يسجد لسهوه، ولا يتحمل هو عن المأموم أيضاً.
والثانية: أن يعرف سبب سهو الإمام، ويتيقن أنه مخطئ في ظنه، كما إذا ظن ترك بعض الأبعاض، والمأموم يعلم أنه لم يترك فلا يوافق الإمام إذا سجد.
إذا ثبت هذا الأصل، فينظر إن سجد الإمام وافقه المأموم فيه، ولو تركه عمداً بطلت صلاته، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ" 1، وسواء عرف المأموم سهوه أو لم يعرفه، فإذا سجد سجدتين في آخر صلاته، وجب على المأموم متابعته؛ حملاً على

أنه سها وإن لم يطلع على سهوه، بخلاف ما لو قام إلى ركعة خامسة لا يتابعه حملاً على أنه ترك ركناً من ركعة؛ لأنه وإن تحقق الحال ثم لم يكن له متابعته لإتمامه الصلاة يقيناً 1. ولو لم يسجد إلا سجدة واحدة سجد المأموم أخرى حملاً على أنه نسي، وإن ترك الإمام السجود لسهوه وسلم، فهل يسجد المأموم؟ نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه يسجد؛ لأن صلاة المأموم كملت بسبب اقتداءه بالإمام، فإذا تطرق نقص إلى صلاة الإمام، تعدى إلى صلاة المأموم وخرج بعض أصحابنا على أصول الشافعي-رضي الله عنه-، منهم أبو حفص ابن الوكيل: أنه لا يسجد؛ بل يتابعه في السلام، كما لو ترك الإمام التشهد الأول، أو سجود التلاوة، لا ينفرد المأموم بهما وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله-، وكذلك أحمد -رحمه الله- في إحدى الروايتين والمزني، وقد أشار في "المختصر" إلى تخريجه على أصل الشافعي -رضي الله عنه-؛ لأنه ينفرد به مذهباً، وظاهر المذهب هو الأول، وأجابوا عن التشهد الأول وسجدة التلاوة بأنهما يقعان في خلال الصلاة، فلو انفرد بهما لخالف الإمام، وهاهنا سجود السهو يقع بعد سَلاَمِ الإمام وخروجه من الصَّلاة.
قال في "النهاية": وعبر عن هذا الخلاف؛ بأن المقتدي يسجد لسهو الإمام أو لمتابعته، إن قلنا: لسهوه يسجد، وإن لم يسجد الإمام، وإن قلنا: لمتابعته فلا، ولو سلم الإمام ثم عاد إلى السجود نظر إن سلم المأموم معه ناسياً يوافقه في السجود، فلو لم يفعل هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان مبنيان على أن من سلم ناسياً قبل السجود ثم عاد إلى السجود هل يعود إلى حكم صلاته أم لا؟ وسيأتي ذلك، وإن سلم المأموم عمداً مع ذكر السَّهْوِ فلا يلزمه متابعته، وإن لم يسلم المأموم وعاد الإمام ليسجد فإن عاد بعد أن سجد المأموم للسهو لم يتابعه؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالسُّجُود، وإن عاد قبل أن يسجد المأموم فأصح الوجهين أنه لا يجوز أن يتابعه، بل يسجد منفرداً.
والثاني: أنه يلزمه متابعته، وتبطل صلاته لو لم يفعل، ولو سبق الإمام حدث بعد ما سها أتم المأموم صلاته، وسجد لذلك السهو، تفريغاً على ظاهر المذهب 2 وإن كان الإمام حَنَفِيًّا فسلم قبل أن يسجد للسَّهْوِ لم يسلم معه المأموم بل يسجد قبل السلام ولا ينتظر سجود الإمام؛ لأنه فارقه بسلامه، وهذا تفريع على أن اقتداء الشافعي بالحنفي

جائز وسيأتي، ولو كان المأموم مسبوقاً وسها الإمام بعد ما لحقه وسجد في آخر صلاته فيجب على المسبوق أن يسجد معه رعاية للمتابعة، كما يوافقه في سائر الأفعال التي لا تحتسب له، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" 1. وحكى الصَّيْدَلاَنِيُّ عن بعض أصحابنا أنه لا يسجد معه؛ لأن موضع سجود السَّهْوِ آخر الصلاة، والصَّحِيحُ المنصوص هو الأول، وعليه فرع في الكتاب قوله: (ولو سجد المسبوق مع الإمام فهل يعيد في آخر صلاة نفسه؟) فيه قولان: أصحهما: نعم؛ لأن سهو الإمام اقتضى خللاً في صلاته فيحتاج إلى جبره بالسجود ومحل الجبر بالسجود آخر الصلاة وما أتى به كان لمتابعة الإمام.
والثاني: لا وهو اختيار المزني -رحمه الله-؛ لأنه إنما يسجد لمتابعة الإمام؛ وإلا فليس من جهته سهو وقد ارتفعت المتابعة بسلام الإمام، فهذا إذا ما سجد الإمام وسجد المسبوق معه، فإما إذا لم يسجد الإمام فلا شك في أن المسبوق لا يسجد في آخر صلاة الإمام إذ لا متابعة، وليس هو محل السجود بالإضافة إلى المسبوق، وهل يسجد في آخر صلاة نفسه؟ فيه الخلاف الذي قدمناه في المأموم الموافق هل يسجد إذا لم يسجد الإمام فليكن قوله: (سجد في آخر صلاة نفسه) معلماً بالحاء والألف والزاي أيضاً، وكل هذا في سهو الإمام بعد اقتدائه، فإما إذا سها قبل اقتداء المسبوق به فهل يلحقه حكمه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنه لم يكن بينهما رابطة الاقتداء 2 حينئذ كما لو في تداركه بعد سلام الإمام لا يتحمله الإمام، فعلى هذا قال في "النهاية" إن لم يسجد الإمام فلا يسجد هو أصلاً، وإن سجد فالظَّاهِرُ أنه لا يسجد معه.
وقال بعضهم: يسجد متابعةً لكن لا يسجد في آخر صلاته.
والوجه الثاني -وهو الأظهر-: أنه يلحقه حكمه؛ لأنه دخل في صلاة ناقصة، فعلى هذا إن سجد الإمام سجد معه، وهل يعيد في آخر صلاة نفسه؟ 3 فيه القولان، وإن لم يسجد الإمام سجد هو في آخر صلاته على النص، وإذا قلنا: إن المسبوق يعيد السجود في آخر صلاته فلو اقتدى بالمسبوق بعد ما أنفرد مسبوق آخر وبذلك المسبوق بعد ما انفرد مسبوق ثالث، فكل واحد منهم يسجد لمتابعة إمامه ثم يسجد في آخر

صلاة نفسه، ولو سها المسبوق في تداركه فإن قلنا لا يسجد لسهو الإمام في آخر صلاته فليسجد لسهوه سجدتين، وإن قلنا: يسجد لسهو الإمام في آخر صلاته فكم يسجد؟ فيه وجهان: أحدهما: أربع سجدات لتغاير الجهتين.
وأصحهما: سجدتان كما لو سها سهوين، ولو انفرد المصلي بركعة من صلاة رباعية وسها فيها ثم اقتدى بِمُسَافرٍ وجوزنا الاقتداء في أثناء الصَّلاَةِ وسَهَا إمامُه ثم قام إلى ركعته الرابعة وسها فيها فكم يسجد في آخر صلاته؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: سجدتان.
والثاني: أربع نظراً إلى سهوه في حالتي الجماعة والانفراد.
والثالث: ستٌ باعتبار الأحوال، فإن كان قد سجد الإمام فلا بُدَّ وأن يسجد معه، ويكون قد أتى على الوجه الثالث بثمان سجدات، وكذا المسبوق بركعة إذا اَقتدى بمسافرٍ وسَهَا الإمام وسجد، وسجد معه المسبوق ثم صار الإمام مقيماً قبل أن يسلم فأتم وأعاد سجود السَّهْوِ وأعاد معه المسبوق ثم قام إلى الركعة الرابعة وسها فيها؛ وقلنا: إنه يسجد أربع سجدات فقد أتى بثمان سَجَدَاتٍ، فإن سَهَا بعدها بكلام ونحوه وفَرَّعْنَا على قول صاحب "التلخيص" صارت السَّجَدات عَشْراً، وقد يزيد عدد السجود على هذا تفريعاً على الوجوه الضعيفة 1. قال الغزالي: أَمَّا مَحَلُّ السُّجُودِ وَكيْفِيَّتُهُ فَهُمَا سَجْدَتَانِ (ح م) قَبْلَ السَّلاَمِ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَامِداً قَبْلَ السُّجُودِ فَقَدْ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ سَلَّمَ نَاسِياً 2 فَطَالَ الزَّمَانُ فَقَدْ فَاتَ، وَإِنْ تَذَكَّرَ عَلَى القُرْبِ فَإِنْ عَنَّ لَهُ أَنْ لاَ يَسْجُدَ فَقَدْ جَرَى السَّلاَمُ مُحَلَّلاً، وإنْ عَنَّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَادَ إلَى الصَّلاَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَبَانَ أَنَّ السَّلاَمَ لَمْ يَكُنْ مُحَلَّلاً.
قال الرافعي: ذكرنا أن الكلام في سجود السهو يقع في قسمين: أحدهما: في مقتضيه وقد تم.

والثاني: في محله وكيفيته، وهما سجدتان بينهما جلسة يُسَنَّ في هيئتها الافتراش، وبعدهما إلى أن يسلم يتورَّك، وكتب الأصحاب سَاكِتَةٌ عن الذكرِ فيهما، وذلك يُشْعِرُ بأن المحبوب فيهما هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة كَسَائِرِ ما سكتوا عنه من واجبات السّجود ومحبوباته، وسمعت بعض الأئمة يحكي أنه يستحب أن يقول فيهما: "سُبْحَانَ مَنْ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَسْهُو" 1 وهو لائق بالحال 2. وفي محلهما ثلاثة أقوال: أصحها: أنه قبل السلام.
روي عن عَبْدِ اللهِ ابْنِ بَحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرِ فَقَامَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْأُوَلَتَيْنِ لَم يَجلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ" 3، ولحديث أبي سعيد وعبد الرَّحْمن -رضي الله عنهما- المذكورين في الشَّكِّ في عدد الركعات.
والثاني: وبه قال مالك والمزني -رحمهما الله-: أنه إن سَهَا بزيادَةِ فِعْلٍ سَجَدَ بعد السَّلاَمِ، وإن كان بنقصان سجد قبل السَّلاَم، أما أنه يسجد في الزيادة بعد السلام فلقصة ذي اليدين فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ وَمَشِيَ فَلَمَّا بَنَى عَلَى صَلاَتِهِ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ".
وأما أنه يسجد في النقصان قبل السلام فلحديث عبد الله ابن بحينة.
والثالث: أنه مخير إن شاء قدم، وإن شاء أخر؛ لثبوت الأمرين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذان القولان الأخيران منقولان عن القديم، والأول هو الجديد الصحيح، وقد نقل عن الزُّهْري: "أَنَّ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْسُّجُودُ قَبْلَ السَّلاَمِ" 4. ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب وحكى القاضي ابْنُ

كِجَّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ طريقة أخرى أنه ما الأفضل، وفي قول: الأفضل التقديم، وفي قول: الأفضل التأخير، ففي قول: هما سواء.
وقال أبو حنيفة: السجود بعد السلام بكل حال، واختلفت الرواية عن أحمد، فروي عنه مثل القول الثاني، وروي مثل القول الأول، وروي أنه قبل السلام إلا في موضعين: أحدهما: أن يسلم ساهياً وقد بقي عليه شيء من صلاته كالركعة ونحوها.
والثاني: أن يكون إماماً ويشك في عدد صلاته ويتحرى على أحد الروايتين لهم فإنه يسجد بعد السلام.
والرواية الثالثة: أظهر عند أصحابه.
وقد عرفت من هذه الاختلافات الحاجة إلى إعلام قوله: (قبل السلام) بالحاء والميم والألف والزَّاي.
التفريع إن قلنا يسجد قبل السَّلاَم، فلو سلم قبل أن يسجد لم يخل: إما أن يسلم عامداً ذاكراً للسهو أو يسلم ناسياً، فإن سلم عامداً ففيه وجهان: أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه فوت السجود على نفسه؛ لأن محل السجود قبل السَّلاَمِ وقد قطع الصَّلاةَ بالسلام.
والثاني: أنه كما لو سلم ناسياً إن طال الفَصْلُ ولم يسجد وإلا سجد كالنوافل التي تقضي لا فرق فيها بين العمد [والنسيان] 1 ولا خلاف في أنه وإن سجد لا يكون عائداً إلى الصَّلاة بخلاف ما لو سلم ناسياً وسجد ففيه خلاف سيأتي، فإن سلم ناسياً فينظر إن طال الزمان ففيه قولان: "الجديد": وهو الذي ذكره في الكتاب؛ أنه لا يسجد؛ لفوات محله وتعذر البناء بطول الفصل كما لو ترك ركناً وتذكر بعد طول الفصل لا يبنى.
"والقديم": أنه يسجد؛ لأنه جبرانُ عِبَادَةٍ فيجوز أن يتراخى عنها كجبرانات الحَجِّ.
وعن مالك: أنه إذا ترك السجود ناسياً سجد متى تذكر ولو كان بعد شهر، ولهذا أعلم قوله: (فقد فات) بالميم مع القاف، وإن لم يطل الزمان بل تذكر على القرب فإن بدا له أن لا يسجد فذاك، والصلاة ماضية على الصِّحَّةِ وحصل التحلل بالسلام؛ لأنه لما لم يكن له رغبة في السجود عرفنا أنه وإن لم يعتره نسيان لكان يسلم ولا يسجد.

وقال في "النهاية": ورأيت في أدراج كلام الأئمة تردداً في ذلك، والظاهر أنه إذا أراد أن يسجد، قلنا: له سَلِّمْ مرة أخرى؛ لأن ذلك السلام غير معتد به، فإنك لو أردت أن تسجد لحكمنا بأنك في الصلاة، وهذا يوجب أن يكون قوله: (فقد جرى السلام محللاً) معلماً بالواو، وإن أراد أن يسجد فقد حكى إمام الحرمين فيه وجهين: أحدهما: لا يسجد؛ لأن السلام ركن جرى في محله، والسجود يجوز تركه قصداً، فلو قلنا: يسجد لاحتجنا إلى إخراج السلام عن الاعتداد به، فإنا نفرع على أن محل السجود قبل السلام، وذلك مما لا وجه له، وإلى هذا الوجه مال الإمام وصاحب الكتاب في "الفتاوى".
والثاني: أنه يسجد، وبه قطع الجمهور، ونَصَّ عليه الشافعي -رضي الله عنه- لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَسَلَّمَ، فَقِيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ"، وإذا قلنا: إنه يسجد هاهنا -وهو الصحيح- أو قلنا: يسجد إذا طال الفصل تفريعاً على القديم فقد اختلفوا في أنه هل يعود إلى حكم الصلاة على وجهين: أحدهما: لا؛ لأن التحلل قد حصل بالسَّلام بدليل أنه لا يجب إعادة السلام والعود إلى الصلاة، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: أنه يعود إلى حُكْم الصَّلاَةِ، وبه قال أبو زيد، وذكر القفال أنه الصحيح، وتابعهما إمام الحرمين، والمصنف قطع في "الفتاوى" بذلك إذا قلنا: إنه يسجد، وهكذا ذكر القاضي الروياني وغيره، ووجهه أنه سلم ناسياً لسهوه ولو كان ذاكراً لما سلم لرغبته في السجود، وعلمه بأن محل السجود قبل السَّلام؛ فالنسيان يخرجه عن كونه محللاً كما يخرجه عن كونه محللاً إذا سلم ناسياً لركن ثم تذكر، ويتفرع على الوجهين مسائل: منها: لو تكلم عامداً، أو أحدث في السجود بطلت صلاته على الوجه الثاني؛ وعلى الأول لا تبطل.
ومنها: لو كان السَّهْوُ في صَلاَة جُمعَةٍ وخرج وقت الظهر في السجود فاتت الجمعة على الوجه الثاني، وعلى الأول: لا.
ومنها: لو كان مسافراً يقصر ونوى الإتمام في السجود لزمه الإتمام على الثاني، وعلى الأول: لا.
ومنها: هل يكبِّر للافتتاح؟ وهل يتشهد؟ 1 إن قلنا بالوجه الثاني فلا يفعل ذلك،

جارٍ التحميل