كِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِ
وعن أَحْمَدَ: أنه لا يُقْطَعُ حتى يُقِرَّ مرتين.
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لا يُقْطَعُ بالإقْرَارِ إلا إذا أَصَرَّ عليه، فإن رَجَعَ، ففيه طريقان:
أظهرهما: أنه لا يقبل رُجُوعُهُ عن الإِقْرَارِ [في حق] 1 المال، وفي القَطْعِ وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنه لا يقبل أَيضاً؛ لأن قَطْعَ السَّرِقَةِ مُرْتَبِطٌ بِحَقِّ الآدَميِّ؛ لأنه أثبت عِصْمَةً لماله، والرجوع عن الإِقْرَارِ في حَقِّ الآدَمِيِّ لا يُقْبَلُ.
وأصحهما: أنه يقبل، ويسقط القَطْعُ إذا رجع كما يَسْقُطُ حَدُّ الزنا بالرجوع.
ويروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتي بسَارِقٍ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَاْ إِخَالُكَ سَرَقْتَ"، فَقَالَ: بَلَى سَرَقْتُ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ" 2.
ولولا أن الرُّجُوعَ مَقْبُول لما كان لِلْحَثِّ عليه مَعْنى وفَائِدَةً.
والطريق الثاني: أنه يُقْبَلُ رُجُوعُهُ في القَطْعِ، وفي الغُرْمِ قولان، أو وجهان:
أظهرهما: المَنْعُ، كما لو رجع عن الإِقْرَارِ بالغَصْبِ.
والثاني: يقبل؛ لأنه إِقْرارٌ وَاحِدٌ، فإذا قبلنا الرُّجُوعَ في بَعْضِ أحكامه، فكذلك في الباقي.
فإذا قلنا 3 [بِسُقُوط] القَطْعِ بالرجوع، وهوِ الأصَحُّ [فلو] 4 رجع بعدما قُطِعَ [بعض اليد] 5 تُرِكَ الباقي، فإن كان يُرْجَى أن يَبْرَأ، فذاك، وإلا فللمقطوع أن يَقْطَعَ الباقي لئلا يَتَأَذَّى به، ولا يلزم السُّلْطَان ذلك، فإنه [تَدَاوٍ] 6.
ولو أَقَرَّ اثنان بِسَرِقَةِ نِصَابَيْنِ، ثم رجع أحدهما [سقط] القَطْعُ عن الرَّاجِعِ دون الآخر.
والرجوع عن الإِقْرَارِ بِقَطْعِ الطريق كالرجوع عن الإِقرار بالسَّرِقَةِ.
ولو أَقَرَّ باسْتِكْرَاهِ جَارِيَةٍ على الزِّنَا، ولزمه المَهْرُ والحَدُّ جميعاً، ثم رَجَعَ، فقد قال الإِمام: قد يطرد صاحب الطريقة الثانية في الرُّجُوعِ عن الإقرأر بالسَّرِقَةِ طريقته، ويقول: [يسقط] الحَدُّ، وفي المَهْرِ خِلافٌ.
وأما على الطريقةِ الأولى، فيسقط الحَدُّ، وفي المَهْرِ احتمالان عن القاضي الحُسَيْن، أنه على الخلاف في القَطْعِ.
والثاني: القَطْعُ بالسقوط.
والفَرْقُ أن ارْتبَاطَ القطع بالمَالِ أَشَدُّ من ارتباط الحد بالمَهْرِ؛ لأن القَطْعَ لا يَنْفَكُّ عن المُطَالَبَةِ بِرَدِّ المَسْرُوقِ أو عن غَرَامَتِهِ، والحد يَنْفَكُّ عن المَهْرِ في الأكثر.
ويجوز أن يُعْلَمَ [في] الكتاب قوله: "قولان" في الطريقتين بالواو؛ لأن في "النهاية" عن الصَّيْدَلاَنِيِّ وَطَوَائِفَ من المُحَقِّقِينَ طريقة ثالثة، وهي القَطْعُ بسقوط القَطْعِ، وبقاء الغُرْمِ.
وقوله في الإقرار [بالاسْتِكْرَاه] 1 على الزنا: "يسقط الحَدُّ"، مُعْلَمٌ بالواو، وكذلك قوله: "ولا يسقط المَهْر"؛ لما بَيَّنَّاهُ.
المسألة الثانية: إذَا أَقَرَّ ابْتِدَاءً من غير تَقَدُّم دَعْوَى؛ بأنه سَرَقَ من فلان سَرِقَةً تُوجِبُ القَطْعَ، وفلان غَائِبٌ، فهل يُقْطَعُ في الحال، أو ينتظر حُضُور الغائب ومُطَالبته؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو إِسْحَاقَ-: يُقْطَعُ لِظُهُورِ المُوجِبِ بإقراره.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأنه ربما أَباحَ له أَخْذَ المَالِ، وإِذَا حَضَرَ أَقَرَّ به، [فيسقط] الحَدُّ، وإن كَذَّبَهُ السَّارِقُ، والحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، فَأوْلَى أن [يُؤَخَّرَ بها] 2.
ولو أَقَرَّ باسْتِكْرَاهِ جَارِيةِ غَائِبٍ على الزنا، فالأشهر والمذكور في الكتاب أنه يُقَامُ عليه حَدُّ الزنا، ولا يُنْتَظَرُ حُضُورُ المالك؛ لأن حَدَّ الزنا لا يتوقَّفُ على [طلبه].
ولو حضر وقال: كنت أَبَحْتُهَا له لم يَسْقُطْ حَدُّ الزِّنَا بذلك، وقال ابن سُرَيْجٍ: يُنْتَظَرُ حُضُورُ المالك؛ لجواز أن يقر بأنه كان قد وَقَفَ عليه تلك الجَارِيةَ، فيصير شُبْهَةً في سقوط الحَدِّ.
قال الإِمام: وعلى الأَوَّلِ، لو قال مالك الجَارِيَةِ: كنت بِعْتُهَا منه أو وَهَبْتُهَا، وأنكر المُقِرُّ، يجب أن يقال: لا يَسْقُطُ الحَدُّ.
وعلى هذا يَنْطَبِقُ لفظ الكتاب، حيث قال: "لأن مَالِكَ الجَارِيةِ لو قال: [كنت] 1 مَلَّكْتُكَ قبل هذا فَكَذَبَ لم يسقط الحَدُّ".
وعلى قياسه ينبغي ألا يَسْقُطَ الحَدُّ إِذَا أَقَرَّ بِوَقْفِ الجارية، وكذب المقر 2.
وإذا قلنا: لا يقطع حتى يَحْضُرَ الغائب، [فهل] يُحْبَسُ؟ فيه وجوه:
أحدهما: نعم، كما لو أَقَرَّ الغائب أو صَبِيٍّ بالقِصَاصِ يُحْبَسُ.
والثاني: إن قَصُرَتِ المَسَافَةُ، وَتُوُقِّعَ قُدُومُهُ عن [قريب] حُبِسَ، وإلا لم يُحْبَسْ؛ لأن الحَدّ مَبْنِيٌّ على المُسَاهَلَةِ، فلا يُطَالُ له الحَبْسُ.
والثالث: إن كانت العَيْنُ تَالِفَةَ يُحْبَسُ؛ لما عليه من الغُرْمِ، وإن كانت بَاقِيَةً، فَيُؤْخَذُ منه، ثم يُفَرّقُ بين طول المسافة وقصرها ومنهم من أَطْلَقَ في حكاية هذا الوَجْهِ أنه لا يُحْبَسُ إذا أخذت العَيْنُ منه.
ولو أَقَرَّ بِغَصْبِ مَالٍ من غَائِبٍ لا يحبسه الحَاكِمُ، وفرق بينهما بأن الحاكم لا مُطَالَبَةَ 3 له بمَالِ الغَائِب، وليس موجب الغَصْب إِلا ذلك، والسَّرِقَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا القَطْعُ الذي يملك الحَاكِمُ المُطَالَبَةَ به، حتى لو ماتَ المقرّ له بالغَصْبِ، والوَرَثَةُ أَطْفَالٌ، فللحاكم المُطَالَبَةُ والحَبْسُ.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا فِي الحُرِّ، أَمَّا العَبْدُ إِذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ القَطْعَ قُطِعَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي المَالِ؟ فِي أَرْبَعَة أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): أنَّهُ يُقْبَلُ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (وَالثَّانِي): لاَ (وَالثَّالِثُ): أنَّهُ يُقْبَلُ إِنْ كَانَ المَسْرُوقُ فِي يَدِهِ فَإِنْ تَلِفَ فَلاَ (وَالرَّابعُ): أنَّهُ يُقْبَلُ عَلَى المُتْلِفِ إِذْ لاَ يَتَعَلَّقُ بِرَقْبَتِهِ إِلاَّ قَدْرُ قِيمَةِ العَبْدِ، وَأَمَّا الأعْيَانُ فَقَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ إضْرَارٌ بِالسَّيِّدِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ لَمْ يُقْبَل في المَالِ عَلَى السَّيِّدِ قَطْعَاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إقْرَارُ الحر حُجَّةٌ تَثْبُتُ بها السَّرِقَةُ، وَيتَعَلَّقُ بِها القَطْعُ، وَغَرَامَةُ المال.
وأما العَبْدُ، فإن أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ توجب القَطْعَ، فيقبل إِقْرَارُهُ في القَطْعِ، خِلافاً لأحمد والمُزَنيِّ على ما ذكرنا في كتاب الإِقْرَارِ.
وفي قَبُولِهِ في المال أَقْوَالٌ:
أحدها: يقبل لانتفاء التُّهْمَةِ، حيث أَقَرَّ على نَفْسِهِ بما يُوجِبُ القَطْعَ.
وأصحها: المَنْعُ؛ لأنه إِقْرَارٌ على السَّيِّدِ من حيث إِنه يَتَعَلَّق الغُرْمُ بِرَقبَتِهِ إِن كَان المَالُ المُقَرُّ بسرقته تَالِفاً، ويُنْتَزَعُ منه إن كان بَاقِياً.
والثالث: أنه إن كان المَالُ بَاقِياً في يد العَبْدِ قُبِلَ إِقْرَارُهُ؛ لأن ظاهر اليَدِ له، وإن كان تَالِفاً لم يُقْبَل؛ لأنه يَتَعَلَّقُ الغُرْمُ حينئذ بالرَّقَبَةِ، وهي في يَدِ السَّيِّدِ.
والرابع: أنه إن كان تَالِفاً يقبل إِقْرَارُهُ؛ لأن غَايَتَهُ فَوَاتُ رَقَبَتِهِ في الضمان، والأَعْيَانُ التي تُفَوَّتُ لو قبلنا الإقْرَارَ بسرقتها لا تَنْحَصِرُ.
ولو أقر بسَرِقَةِ ما دون النِّصَابِ لم يُقْبَلْ في المال، بلا خِلاَفٍ إلا أن يصدقه السيد.
واعلم أَن الأَقْوَالَ المذكورة مُخْتَصَرَةٌ من تَفْصِيل وطرق للأصحاب في أمثلة ذَكَرْنَاهَا بتوجيهها في باب الإِقْرَارِ.
وليعلم قوله: "قطع" بالألف والزاي؛ لما بَيَّنَّا هناك.
وقوله: "يقبل إن كان المَسْرُوقُ في يَدِهِ" أي: في يَدِ العَبْدِ، فأما إذا كان في يَدِ السَّيِّدِ، أو في يد أَجْنَبِيِّ، فلم يذكروا خِلاَفاً في أنه لا يُقْبَلُ، وقد ذكرناه في الإِقْرَارِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَللْقَاضِي أَنْ يُشِيرَ عَلَى السَّارِقِ تَعْرِيفاً بِإنْكَارِ السَّرِقَةِ، فَيَقُولُ: مَا إِخَالُكَ سرَقْتَ، وَلَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلاَمُ: أَسَرَقْتَ قُل: لاَ، وَبَعْدَ الإقْرَارِ لاَ يَحُثُّهُ عَلَى الرُّجُوعِ، وَإنَّما السَّتْرُ قَبْلَ الظُّهُورِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من رُفِعَ إلى مَجْلِسِ القاضي، واتُّهِمَ بما يُوجِبُ عُقُوبَةً لله تعالى، فللقاضي أن يُعْرِّضَ له بالإِنْكَار، ويحمله عليه سَتْراً لِلْقَبِيحِ، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" 1.
ومن أَقرَّ عنده بما يُوجِبُ العُقُوبَةَ إما ابْتِدَاءً، أو بعد تَقَدُّم دَعْوَى، فَهَلْ يُعَرِّضُ له القاضي بالرجوع؟ نقل الإِمام فيه أَوْجُهاً:
أحدها: أنه لا يَفْعَلُ ذلك، واحتجَّ له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللهِ -تَعَالَى- فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللهِ تَعَالَى" 1. أَشْعَرَ ذلك بالفَرْقِ بين ما قبل الظُّهُوَرِ، وما بعده.
والثاني: أنه له ذلك سَتْراً، كما وأن له أن يُعَرِّضَ بألاَّ يُقِرَّ.
والثالث: الفَرْقُ بين أن يكون عَالِماً بجواز الرُّجُوع عن الإقرار بموجب الحَدِّ، فلا يُعَرِّضُ له، وبين أن يكون جَاهِلاً بالحال، فَيُعَرِّضُ له، ثَم نَسَبَ الإِمام الوَجْهَ الأول إلى الجُمْهُورِ، وبه أجاب صَاحِبُ الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط".
والذي يُوجَدُ لِعَامَّةِ الأصحاب في كتبهم القَدِيمَةِ والجديدة أن للقاضي أن يُشِيرَ عليه بالرُّجُوع تَعْرِيضاً، فيقول في الإقرار بالزِّنَا: لَعَلَّكَ فَاخَذْتَ، أَو قَبَّلْتَ، أَو لَمَسْتَ، وفي شُرْبِ الَخَمْرِ: لَعَلَّكَ لم تَعْلَمْ أن ما شَربْتَ مُسْكِراً، وفي السرقة: لعَلَّكَ غَصَبْتَ، أو أُخَذْتَ بإذن المَالِكِ، أو من غير الحِرْزِ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لِمَاعِزٍ بعدما أَقَرَّ بالزنا 2: "لَعلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أوْ نَظَرْتَ، وأنه قال لمن أَقَرَّ عنده بالسرقة: لاَ إخَالُكَ سَرَقْتَ" 3. قالوا: وهذا إذا كان المقر جَاهِلاً بالحَدِّ، إما لِقُرْب عَهْدٍ بالإِسلام أو لأنه نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عن أَهْلِ العِلْمِ، وحكوا بعد الحُكْمِ بالجَواز وجهين في أنه هل يُسْتَحَبُّ للقاضي ذلك؟ أحد الوجهين: أنه يُسْتَحَبُّ لما ذكرنا.
وأظهرهما: المَنْعُ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-عَرَّضَ وأشار إلى الرُّجُوعِ في بعض الأَحْوَالِ، وتَرَكَهُ في أكثرها، ولو كان مُسْتَحَبّاً لما تَرَكَهُ.
ولا يحمل القاضي على الرُّجُوع والجحود صَرِيحاً بأن يقول: ارْجِعْ عن الإقرار أو اجْحَدْ، ولم يصححوا ما روي أنه [-صلى الله عليه وسلم-] قال: "أَسَرَقْتَ؟ قُلْ: لاَ" 4.
ورأيت في تَعْلِيقِ الشيخ أبي حَامِدٍ وغيره أن أَبا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قاله لِسَارِقٍ أَقَرَّ عنده، وإذا ثَبَتَ الحد بالبَيِّنَةِ، فلا يحمله على الإنْكَارِ.
وأما في حُقُوقِ العِبَادِ فلا يعرض الرجوع عن الإقرار، حتى لا يعرض في السرقة بما يسقط الغرم، إنما [يسعى] 1 في رفع القطع، وهذا [كما أن] 2 في حدود الله تعالى يستحب الستر، وفي حقوق العباد يجب الإظهار، [وهل] 3 للحاكم أن يعرض الشهود بالتوقف في حدود الله تعالى، ففيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن فيه قدحاً في الشهود.
والثاني: نعم؛ لأن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عرض لزياد بالتوقف في الشهادة على المغيرة بن شعبة، فقال: أرى وجه رجل وسيم، لا يفضح رجلاً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 4. وتكلموا في أنه كيف جاز لعمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذلك التعريض لدفع الحد عن المغيرة؟ وفيه إثبات الحد على الثلاثةِ الذين شهدوا صريحاً على المغيرة.
وأجابوا عنه بوجوه:
منها -الحد الذي تعرض له المغيرة الرجم، وحدهم حد القذف، وأنه أهون من الرجم.
ومنها -أنهم كانوا مندوبين إلى الستر ألا ترى أن ماعزاً لما ذكر لهزال أنه زنا، وقال له: بادر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن ينزل الله فيك قرآناً، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
فقال 5: = فخلى سبيلها، ولم أره عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أبي بكر، إلا أن في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا، وسمى أبا بكر وعمر، وعن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد قال: أتي عمر بن الخطاب برجل فسأله أسرقت؟ قل: لا، فقال: لا، فتركه، وروى ابن أبي شبة من طريق أبي المتوكل: أن أبا هريرة أتي بسارق وهو يومئذ أمير، فقال: أسرقت؟ قل: لا، مرتين أو ثلاثاً، وفي جامع سفيان عن حماد عن إبراهيم قال: أتي أبو مسعود الأنصاري بامرأة سرقت جملاً، فقال: أسرقت: قولي: لا.
"هَلاَّ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هُزَّاْلُ".
فلما تركوا المندوب، استحقوا التغليظ.
وقوله في الكتاب "وللقاضي أن يستر على السارق" وقد [يقرأ] "أن يشير" وله وجه.
وقوله "بإنكار السرقة" ليُحمَل على السرقة الموجبة للقطع، ولا [يحثه] على إنكار ما يوجب المال على ما [تبين] 1. وقوله " [يحثه] 2 على" الرجوع ليُعلَم بالواو.
فرع: قال الإِمام في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللهِ" دليل على أنه لا يجب على من قارف موجب حد، أن يظهره للإمام.
وكان يقطع به شيخي وفيه احتمال إذا قلنا: إن الحد لا يسقط بالتوبة.
قال الْغَزَالِيُّ: وَالحُجَّةُ الثَّالِثَةُ لِلسَّرِقَةِ الشَّهَادَةُ وَتَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ، وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأتانِ ثَبَتَ الغُرْمُ دُونَ القَطْعِ، وَلاَ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى السَّرِقَةِ مُطلَقاً بَلْ لاَ بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَكَذَا شَهَادَةُ الزِّنَا أمَّا القَذْفُ المُطْلَقُ فَمُوجِبٌ للْحَدِّ، وَالإِقْرَارُ بِالزِّنَا المُطْلَقِ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: يثبت القطع بشهادة رجلين ثبوت سائر العقوبات وشهادة الزنا هي التي خصت بمزيد العدد، ولا يثبت برجل وامرأتين كسائر العقوبات، وإذا شهد بالسرقة رجل وامرأتان، أو شاهد واحد، وحلف المدعي معه يثبت المال، وإن لم يثبت القطع.
كما لو علق الطلاق أو العتق على الغصب، و [على] 3 السرقة، وشهد رجل وامرأتان على الغصب، أو السرقة ثبت المال.
ولا يُحْكَم بوقوع الطلاق، ووقوع العتق.
هذا هو الظاهر.
ومنهم من قال: في ثبوت المال في السرقة قولان وجه المنع أنه لم يثبت أحد موجبي السرقة، فكذا الثاني.
وربما ألحق بما إذا شهد على القتل العمد رجل وامرأتان، فإنه لا يثبت القصاص، ولا الدية.
وفرق بينهما على المذهب بأن القتل لا يوجب القصاص والدية جميعاً.
وإنما [يوجب أحدهما] 4 فلا يتعين بالشهادة واحد منهما.
والسرقة توجب القطع والغرم جميعاً، فما قامت حجته [بعينهما] 5 ثبت.
المسألة الثانية: لا تُقبَل الشهادة على السرقة مطلقاً؛ لاختلاف المذاهب فيها.
وفي شروط تعلق القطع بها.
فلا بد وأن يبين السارق بالإشارة إلى عينه إن كان حاضر، أو يذكر اسمه ونسبه بحيث يحصل [التمييز] إن كان غائباً 6. ويكفي عند
[حضوره] 1 أن يقول: سرق هذا وفي كتاب القاضي ابن كج وجه ضعيف، أنه يُشتَرط أن يقول: هذا بعينه.
ويجب أن [يبين] قدر المسروق [والمسروق] 2 منه.
وكون السرقة من الحرز بتعيين الحرز، أو صفته.
وعن القاضي أبي الطيب وغيره أن الشاهد يقول أيضاً: ولا أعلم له فيه شبهة.
قال صاحب الشامل: [وليكن] هذا تأكيداً؛ لأن الأصل عدم الشبهة.
ويُشتَرط أن تتفق شهادة الشاهدين، فلو شهد أحدهما أنه [سرق] منه بكرة، والآخر أنه سرق عشية.
أو شهد أحدهما بسرقة كبش أبيض، والآخر بسرقة كبش أسود، فيهما شهادتان على سرقتين مختلفتين، فلا قطع إذ لم تتم حجة أحدهما.
وللمشهود [له] 3 أن يحلف مع أحدهما فيغرمه، والكبش مثال جرى به لفظ 4 الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وصحفه بعضهم فقرأه الكيس، والحكم لا يختلف.
لكن حُكِي عن الإِمام أنه قال: كبشاً أقرن.
وعند أبي جنيفة -رحمه الله- أنه إذا شهد أحد الشاهدين أنه سرق ثوباً أبيض، والآخر أنه سرق ثوباً أسود، يُقطَع.
لاحتمال أنه كان فيه بياض وسواد، فرأى أحدهما السواد.
والآخر البياض.
وسلم أنه لو قال:
أحدهما: ثور، والآخر بقرة، لا يُقْطَع.
ويُقال: يُحتَمل أن المسروق كان خنثى، فرأى أحدهما ما للثور، [ورأى الآخر 5] ما للبقرة.
ولو شهد اثنان أنه سرق كذا غدوة، وشهد آخران أنه سرق.
[كذا] [عشية] 6 فالبينتان متعارضتان، فلا يُحْكَم بواحدة منهما.
وفي الصورة السابقة تمت الحجة، حتى يقال تعارضا، فلو لم تتوارد الشهادتان على معين، ولكن قال بعض الشهود: سرق ثوباً، أو كبشاً غدوة.
وقال بعضهم: سرق ثوباً، أو كبشاً عشية ففي الواحد [والواحد] 7 لا قطع.
وللمشهود له أن يحلف مع أحدهما، ويأخذ الغرم، أو معها أو يأخذ غرم ما شهد به جميعاً.
وفي الاثنين يجب القطع، وغرمهما جميعاً؛ لكمال الحجتين.
ولو شهد واحد بسرقة كبش أبيض والآخر بسرقة كبشين، ثبت الواحد، وتعلق به القطع، إذا بلغ نصاباً.
ولو شهد واحد بسرقة ثوب قيمته ربع دينار، وشهد آخر بسرقة
ذلك الثوب وقومه بثمن دينار، لم يجب القطع.
وثبت غرم الثمن، وللمشهود له أن يحلف مع شاهد الربع، ويغرم.
ولو شهد اثنان بسرقته، وقالا: قيمته ربع دينار [وآخران بسرقته] 1، وقالا قيمته ثمن دينار، لم يجب القطع.
وللمشهود له الثمن.
وعن أبي حنيفة أنه يثبت الربع.
ولو شهد واحدٌ بسرقة ثوب أبيض قيمته ربع، والآخر بسرقة ثوب أسود قيمته ثمن، فلا قطع.
ولا يثبت بها شيء؛ لأنهما شهادتان مختلفتان وله أن يحلف مع أحدهما، وإن شهد اثنان واثنان فقد تمت [الشهادتان] 2، فيجب القطع، وغرم الثمن والربع معاً.
وكما لا بد في الشهادة على السرقة من التفصيل، لا بد في الإقرار بها من التفصيل؛ فلا يقطع من أقر بالسرقة مطلقاً؛ لأنه قد يظن ما ليس بسرقة سرقة.
وأيضاً فاسم السرقة يقع على ما يوجب القطع، وعلى ما لا يوجبه فيحتاط [للحد] 3 وفي الشهادة على الزنا، لا بد من التفصيل أيضاً على ما نبين إن شاء الله تعالى في كتاب الشهادات.
وفي الإقرار به هل يُشتَرط التفصيل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يُؤَاخَذ بظاهر الإقرار، بخلاف الشهادة؛ لأن الشاهد قد يشاهد ويعتمد المخايل والإقرار، لا يصدر إلا عن تحقيق، ويخالف الإقرار السرقة، فإن السرقة تشمل ما يوجب القطع، وما لا يوجبه شمولاً ظاهراً.
واسم الزنا لا يكاد يقع إلا [على] ما يتعلق به الحد، وأولاهما أنه يجب التفصيل احتياطاً للحد، وسعياً في ستر الفاحشة ما أمكن.
قال الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا قَامَتْ شَهَادَةٌ حِسِّيَّةْ عَلَى السَّرِقَةِ في غَيْبَةِ المَالِكِ سُمِعَتْ عَلَى الأَصَحِّ كَمَا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى وَلَكِنَّ النَّصَّ أنَّهُ لاَ يُقْطَعُ حتَّى يَحْضُرَ، وَلَوْ قَامَتْ في الزِّنَا بِجَارِيةٍ حُدَّ دُونَ حُضُورِ المَالِكِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ والتَّخْرِيجِ، وَإِذَا حَضَرَ المَسْرُوقُ مِنْهُ بعْدَ شَهَادَةِ الحِسْبَةِ وَطَلَبَ قُطِعَ، وَلاَ تُسْتَأْنفُ الشَّهَادَةُ لِأَجْلِ الغُرْمِ بَلْ يَثْبُتُ تَابِعاً، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُسْمَعُ فِي السَّرِقَةِ شَهَادَةُ الحِسْبَةِ فَيُعَادُ لِأَجْلِ المَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يُعَادُ لِأجْلِ
القَطْعِ إِذَا سَمِعَ مَرَّةً، وَدَعْوَى السَّارِقِ الْمِلْكَ بَعْدَ البَيِّنَةِ يَدْفَعُ القَطْعَ إنْ لَمْ يُكَذِّبِ الشَّاهِدَ بِأَنْ قَالَ: كَانَ قَدْ وْهِبَ مِنِّي قَبْلَ السَّرَقَةِ وَالشَّاهدُ اعْتَمَدَ الظَّاهِرَ، وَلَوْ نَفَى أَصْلَ مِلْكِ المَسْرُوقِ مِنْهُ وَقُلْنَا لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ المُدَّعِي بَعْدَ البَيِّنَةِ لَمْ يَنْدَفعْ، فَإنْ قُلْنَا: لَهُ تَحْلِيفُهُ احْتَمَلَ دَفْعَ القَطْعِ (النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي الوَاجِبِ) وَهُوَ القَطْعُ وَرَدُّ المَالِ أَو الغُرْم إنْ كَانَ تَالِفاً، ثمَّ يُقْطَعُ اليُمْنَى مِنَ الكُوعِ، فَإنْ عَادَ قُطِعَ رِجْلُهُ اليُسْرَى، فَإِنْ عَادَ فَيَدُهُ اليُسْرَى، فَإنْ عَادَ فَرِجْلُهُ اليُمْنَى، فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ وَلَمْ يُقْتَلْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: الشهادة على السرقة إن ترتبت على دعوى المسروق منه، أو وكيله فذاك 1. وإن شهد الشهود على سبيل الحسبة، ففي سماع شهادتهم اختلاف، حكاه الإِمام مأخوذ من أصل معروف في الشهادات، وهو أن ما يتمحض حقاً لله تعالى: كحد الزنا، يُقبَل فيه شهادة الحسبة، وما يتمحض [فيه] حقاً للآدمي، فالظاهر أن شهادة الحسبة مردودة فيه، والسرقة يتعلق بها القطع، الذي يعصم حق الآدمي، مع كونه حداً لله تعالى.
والغرم الذي يتمحض حقاً للآدمي ففي قبول شهادة الحسبة.
فيها خلاف، والأصح القول لما سنذكر أن [ما] 2 فيه حق مؤكد لله تعالى، تُقْبَل شهادة الحسبة فيه، وإن لم يتمحض حقاً له.
وعلى هذا فإذا كان المسروق منه غائباً 3، فالنص أنه لا يقطع حتى يحضر الغائب، والنص فيما إذا شهد أربعة على الزنا بجارية غائب، أنه يُقَام الحد على المشهود عليه، ولا ينتظر حضور الغائب.
وفيهما ثلاثة طرق للأصحاب:
أحدها: وبه قال ابن سريج: أنه يُنتَظَر حضور المالك في الصورتين؛ لأن الملك ربما انتقل إلى المشهود عليه، أو وقفها المالك عليه.
والشهود استصحبوا ما عرفوا، واعتمدوا ظاهر الحال.
وإذا حضر المالك اعترف بالانتقال.
والحدود يُحتَاطُ لها، ويُسعَى في دفعها [ومن] 4 ذهب إلى هذه الطريقة، غلط من نقل نص الزنا، وربما أوله على أنه لا حاجة إلى حضوره وقت إقامة الحد.
والثاني: أن الصورتين على قولين بالنقل 5 والتخريج.
أحدهما: لا يُقطَعْ، ولا يُقَامُ حد الزنا حتى يحضر المالك لما تبين.
والثاني: يُقْطَعْ، ويُقَام لظهور موجب العقوبة [بالبينة] 1.
وأصحهما وبه قال ابن سلمة، وابن الوكيل والقاضي (أبو حامد) تقرير 2 النصين.
وذكر في الفرق وجوه منها، أن حد الزنا لا يسقط بإباحة الوطء، والقطع يسقط بإباحة الأخذ.
وربما أباح الغائب الأخذ.
وإذا حضر اعترف وعُرف الحال.
ومنها -أن السقوط إلى القطع أسرع منه إلى حد الزنا.
ألا ترى أنه إن سرق مال أبيه لا يُقْطَع، ولو زنا بجاريته يُحَد؟ ومنها- أن [القطع] 3 متعلق حق الآدمي، من حيث إنه [يثبت] 4 لِعِصْمَةِ ماله، فاشترط لذلك طلبه وحضوره والخلاف، قريب من الخلاف الذي سبق فيما إذا أقر بسرقة مال الغائب، أو أقر بالزنا بجارية الغائب، هل يُقْطَع ويُحَد في الحال، أو ينتظر المالك؟
وقد يرتب الخلاف على الخلاف، ويجعل صورة الإقرار أولى بعدم الانتظار، لبعد الأقرار عن التهمة.
وإذا قلنا: لا يُقْطَع، ولا يُحَد، [في الحال] 5 فهل يحبس؟ فيه الخلاف المتقدم فيما إذا أقر بسرقة مال الغائب، أو بالزنا بجاريته.
وأشار الإِمام إلى أن الظاهر عند الأصحاب أنه يُحبَس؛ لما يتعلق بالسرقة من حق الله تعالى.
ومهما 6 لم يُقْطَع بعد شهادة الشهود، إلى أن يَحْضُر المالك؟ فإذا حضر المالك فإن لم يطلب المال أو اعترف بما يسقط القطع، فلا قطع.
وإن طلب، ولم تظهر شهبة، [فالمفهوم] 7 مما ساقه صاحب الكتاب هاهنا.
وفي الوسيط: أنا إن قلنا: إن شهادة الحسبة في السرقة مسموعة، فيُقْطَع.
وهل يجب إعادة الشهادة لثبوت المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن شهادة الحسبة لا تُقْبَل في الأموال.
والثاني: لا، ويثبت الغرم تبعاً للقطع، وهذا ما أورده صاحب الكتاب، والأول أصح عند صاحب التهذيب، وغيره وإن قلنا: إنها غير مسموعة، فلا بد من إعادة البينة للمال.
والظاهر أنها لا تُعاد للقطع، ورتب الإِمام ترتيباً آخر فذكر وجهين في أنه، هل تُعَاد البينة للمال؟ ثم قال: إن قلنا: إنها لا تُعاد، فيُقْطَع.
كان قلنا: تُعَاد.
فالظاهر عند الأصحاب أنه يُقْطَع أيضاً.
ولا حاجة إلى إعادة البينة، وفيه احتمال ولك أن تقول:
العبارة المنطبقة على اختيار الأئمة أصلاً وفرعاً في المسألة أن يقال 1 شهادة الحسبة مقبولة، فيما [يرجع] 2 إلى القطع الذي هو حق الله تعالى.
فيُقْطَع من غير إعادة البينة؛ لأنَّا قد سمعناها أولاً.
وإنما انتظرنا لتوقع 3 ظهور ما يسقط، فلم يظهر شيء.
وفي قبولها فيما يتعلق بالمال الخلاف، في أن شهادة الحسبة؛ هل تُسْمَع في حقوق الآدميين؟ إن قلنا: نعم، فلا حاجة إلى إعادة البينة، كان قلنا: لا، فيحتاج إلى الإعادة.
وليُعْلَم قوله في الكتاب: "ولا تستأنف الشهادة لأجل 4 الغرم" بالواو، وقوله:."إذا سمع مرة"، هذه اللفظة لا ذكر لها في الوسيط وهي مستكرهة؛ لأن التفريع على أن شهادة الحسبة لا تسمع، فكيف يقول مع ذلك: إنها سُمِعت مرة.
ويمكن أن يُقَال: إنا أصغينا إليها، وسمعناها حقيقة، وكنا نتوقف في إمضاء حكمها، توقعاً لمسقط يظهر، فهذا لم يظهر، جرى عليها حكمها.
المسألة الثانية: قد سبق حكاية خلاف في أن السارق إذا ادعى [أن] 5 المسروق ملكه، هل يسقط القطع بدعواه؟ وتبين أن الأظهر أنه يسقط، ثم إنه كرر المسألة هاهنا؛ ليبين موضع الخلاف.
قال الإِمام: ويجري الخلاف فيما إذا ظهرت صورة السرقة؛ بأن سرق من حرز هو بما فيه في يد إنسان، ولم تقم بينة مفصله، فقال السارق هو ملكي، فعلى قولنا: نسقط القطع يبقى النزاع بينهما في المال، والمصدق فيه المأخوذ منه مع يمينه.
كان قلنا: لا يسقط القطع بالدعوى، فإن حلف المسروق منه ثبت القطع مع المال.
ويرجع الخلاف في أنه هل يثبت القطع باليمين المردودة، ويجري أيضاً فيما لو قامت بينة مفصلة يثبت بمثلها السرقة؟ وقال السارق: كان قد أباح لي 6 أخذه، أو باعه، أو وهبه مني، والشهود اعتمدوا ظاهر الحال، أما إذا قال: إنه لم يزل ملكي، وكان قد غصبنيه، أو قال: ما سرقت أصلاً، فهذا يناقض قول الشهود، ويكذبهم.
فهل يسقط به الحد، تفريعاً على أن الدعوى التي لا تكذبهم مسقطة؟ قال الإِمام فيه تردد مفهوم من كلام الأصحاب، وهذا التردد الذي ذكره، قد حكاه [القاضي] 7 ابن كج [كذلك] 8. وقال المذهب أنه: لا يسقط [القطع وعندي أنه يسقط] 9، وإطلاق عامة الناقلين يوافق [ما] عنده.
وقد بني التردد على أن المدعى عليه بعد قيام البينة عليه لو
قال: اعتمد الشهود ظاهر اليد، والمدعي يعلم أنه ملكي، فحلفوه على نفيه.
هل يُجَاب إليه وفيه خلاف
فإن قلنا: ليس له تحليفه لم يندفع القطع، وإن قلنا: له تحليفه فيبعد أن يقطع بيمين المدعي، ويتوجه دفعه.
قال 1 القاضي ابن كج موضع الخلاف في أن القطع هل يسقط بدعوى السارق الملك ما إذا حلف المسروق له على نفي الملك الذي يدعيه؟ أما إذا نكل وحلف السارق فيستحق المال، ويسقط القطع بلا خلاف، ولو نكل السارق أيضاً، فيشبه أن يجيء الخلاف.
فرع: إذا سرق مال صبي، أو مجنون، قال القاضي ابن كج: إن انتظرنا حضور الغائب، واعتبرنا طلبه، فينتظر بلوغ الصبي، وإفاقة المجنون.
وإلا قطعناه في الحال.
آخر إذا قلنا: يسقط القطع بدعوى الملك.
فهل يستفصله القاضي سعياً في سقوط الحد؟ فيه تردد 2 للإمام.
النظر الثالث في الواجب.
يتعلق بالسرقة حكمان:
أحدهما: الغرم فعلى السارق رد المال إن كان باقياً، والضمان إن تلف، يستوي في ذلك الغني والفقير: وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: الغرم، والقطع لا يجتمعان.
فإن قطِع، سقط عنه الضمان.
وإن غرم، سقط عنه القطع.
وقال مالك: إن كان غنياً لزمه الضمان، وإلا، فلا.
لنا أن القطع يجب حقاً لله تعالى، والضمان يجب لحق الآدمي، فلا يمنع أحدهما الآخر.
وصار كرد العين 3 مع القطع، يجمع بينهما بالاتفاق.
الثاني: القَطْعُ: فتقطع يمين السارق والسارقة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وقرأ [ابن مسعود] 4 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أيمانهما والقراءة الشاذة تنزل منزلة أخبار الآحاد.
ورُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- "أَتَى بسارق فقطع يمينه" 5.
فإن سرق ثانياً، قُطِعَت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً قُطِعَت يده اليسرى، وإن
سرق رابعاً قُطِعَت رجله اليمنى.
وبهذا قال مالك لما روي عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في السَّارِق "إنْ سَرَقَ، فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوَا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوَاْ يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُواْ رجْلَهُ" 1 وعند أبي حنيفة، لا تُقْطَع في المرة الثالثة؛ وما بعدها.
وفي تعليقة الشيخ [أبي علي]، وغيره عن أحمد مثله.
فإن سرق بعد استيفاء أطرافه الأربعة، ففي النهاية أنه قد نقل عن القديم قولي: أنه يُقْتَل لما رُوِيَ عن جابر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أُتِيَ بِسَارقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ ثَانِياً فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ ثَالِثاً فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ رَابِعاً فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أَتِيَ بهِ خَامِساً فَقَتَلَهُ" 2 والصحيح المشهور، أَنه يُعزَّر، ولا يقتل.
والحديث منسوخ، أو محمول على أنه قتله [بزنا] 3 أو استحلال وتقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل، بين الساق والقدم.
يُرْوَى عن أبي بكر وعمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أنهما قالا: [إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يده من الكوع] 4 ويُمِدُّ العضو مداً عنيفاً حتى ينخلع 5، ثم يقطع بحديدة ماضية، وليكن السارق جالساً، ويضبط حتى لا يتحرك.
وليعلم لما ذكرنا قوله في الكتاب، "أو الغرم إن كان تالفاً" بالحاء، وقوله: ["فيده اليسرى ورجله اليمنى" بالحاء والألف، وقوله: "ولم يقتل" بالواو [والميم] 6.
قال الْغَزَالِيُّ: وَيُغْمَسُ مَحَلُّ القَطْعِ فِي الزَّيْتِ المَغْلَّي لِتُحْسَمَ السِّرَايَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَدِّ بَل نَظَراً لِلمَقْطُوعِ وَعَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، وإنْ رَأَى الإمَامُ عَلَّقَ يَدَهُ فِي رَقبَتِهِ ثَلاَثاً لِلتَّنْكِيلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى يَدِهِ أصْبُعٌ زَائِدَةٌ قَطَعْنَاهَا، وَإِنْ كَانَت نَاقِصَةً أوْ شَلاَّءَ اكْتَفَينَا بِهَا مَا بَقِيَ أصْبُعٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكنْ إِلاَّ الكَفُّ فَهَلْ يُقْنَعُ بِهِ أَمْ يُعْدَلُ إِلَى الرِّجْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ لاَ يَمِينَ لَهُ إِذَا سَرَقَ قُطِعَ رِجْلُهُ اليُسْرَى، وَإِنْ سَرَقَ فَسَقَطَ يُمْنَاهُ بِآفَةٍ سَقَطَ الحَدُّ، فَلَوْ بَادَرَ الجَلاَّدُ فَقَطَعَ اليَدَ اليُسْرَى عَمْداً فَعَلَيْهِ القِصَاصُ وَالحَدُّ بَاقٍ، وَإِنْ غَلِطَ سَقَطَ بِهِ الحَدُّ عَلَى قَوْلٍ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ وَبَقِيَ الحَدُّ عَلَى قَوْلٍ، وَلَوْ كَانَ عَلَى المِعْصَمِ كَفَّانِ قَطَعْنَا الأصْلِيَّةَ إِنْ أَمْكَنَ وَإلاَّ قَطَعْنَاهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية مسائل:
أحدها: يُحْسَم موضع القطع من اليد، والرجل، بأن يُغْمس في الزيت، أو الدهن المغلي؛ ليسد أفواه العروق، وينقطع الدم.
وهل هو من حق الله تعالى [وتتمة] 1 الحد، أو هو حق المقطوع.
ونظر له حكى الإِمام فيه اختلافاً عن الأصحاب.
[أحد الوجهين]: أنه من [تتمة] 2 حق الله تعالى؛ لأن فيه مزيد 3 إيلام، وما زال الولاة يفعلون ذلك على كراهة من المقطوعين، ولم يراعوا ذلك في قطع الأطراف قصاصاً.
وأصحهما: أنه حق المقطوع؛ لأن الغرض المعالجة، ودفع الهلاك عنه، ينزف [الدم] 4. فإن قلنا بالأول، لم يتركه الإِمام.
وثمن الدهن، ومؤنات الحسم، كمؤنة [الجلاد] 5، وقد سبق الخلاف فيها.
وإن قلنا بالأصح، فالمؤنة على المقطوع.
ولو تركه 6 السلطان فلا شيء عليه، وحينئذ [فيستحب] للسارق أن يَحْسَم، ولا يجب؛ لأن في الحسم ألماً شديداً.
وقد يهلك الضعيف، والمداواة بمثل ذلك لا تجب بحال، وفيه وجه أن الإِمام يجبره عليه، ويُسْتَحَب أن يأمر السلطان بالحسم عقيب القطع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في سارق سرق: "اذْهَبواً بِهِ، فَاقْطَعُوا، ثُمَّ احْسِمُوه" 7. وإنما يفعله بإذن السارق، ويجيء على الوجه الذي قيل: إنه [يجبره السلطان] 8 عليه إذا تركه أن لا يحتاج إلى إذنه.
والسنة أن يعلق اليد المقطوعة ني رقبته، لما رُوي عن فضالة بن عبيد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-[أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ عُلِّقَتْ فِيْ رقْبَتِه] 1 وفيه تنكيل، وزجر له، ولغيره.
ثم الذي يؤخذ في كثر الكتب، إنما يُعلق [في] يده ساعة، وأطلقوا القول باستحبابه، ولم يجعلوه مُفَوَضاً إلى رأي الإِمام، واجتهاده.
ونقل الإِمام فيه ثلاثة أمور مستغربة:
أحدها: أن من الأصحاب من لم ير التعليق، ولم يصح الخبر 2 فيه.
والثاني: أنها تُعَلَّق في رقبته ثلاثاً.
والثالث: أن الأمر فيه إلى رأي الإِمام.
ويجوز أن يُعَلَّم لذلك قوله في الكتاب: "علق اليد" بالواو؛ وكذا قوله: "ثلاثاً".
المسألة الثانية: إذا كانت على يمينه إصبع 3 زائدة، ففي قطعها عن السرقة وجهان:
أحدهما: المنع كما لا يُقْطَع في القصاص ست أصابع بخمس، فعلى هذا هو كمن لا يمين له، فيُقطع رجله اليسرى.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب، أنه تقطع بيمينه، ولا يبالي بالأصبع الزائدة لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولا يشبه القصاص؛ لأنه مبني على المساواة.
والمقصود هاهنا الزجر، والتنكيل.
ولو كانت اليمين شلاء، فيراجع أهل الخبرة.
فإن قالوا: لو قُطِعَتْ لم يرقأ الدم، لم تُقْطَع، وتكون كمن لا يمين له، وإن قالوا: يرقأ الدم، قُطِعَتْ.
واكتفى بها قال الإِمام.
وفيه احتمال لأنه [قدرة فيها]؛ فأشبهت الكف الباقية بلا إصبع.
كما سنذكر إن شاء الله تعالى، [وحده]، ولو كانت ناقصة بإصبع، أو أصابع، اكتفينا بها؛ لحصول [الإيلام]، والتنكيل.
وإن لم يبق إلا الكف، فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك لحصول الإيلام.
والثاني: المنع؛ لأن اليد عبارة عما يبطش، ولم يبق من آلة البطش شيء.
ويجري الوجهان فيما إذا سقط بعض الكف أيضاً، وبقي محل القطع.
وحكى القاضي أبو حامد الوجه الثاني عن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، واختياره عن ابن سريج ونسبة الوجه الأولى إلى النص 1، وهو الأظهر عند الشيخ أبي حامد صاحب الكتاب، وجماعة.
وعن القاضي أبي حامد: إثبات الوجهين جميعاً، فيما إذا كانت يمناه مقطوعة الإبهام، فيجوز أن يُعَلَّم لذلك قوله في الكتاب: "اكتفينا بها [ما بقي] 2 إصبع واحدة".
المسألة الثالثة: من لا يمين له إذا سرق، تقطع رجله اليسرى.
كما ذكرنا فيما إذا سرق فَقُطِعَتْ يمينه، ثم سرق مرة أخرى، ولو كانت يمينه سليمة، وسقطت قبل أن يقطع بآفة، أو بجناية، سقط عنه الحد.
ولم يعدل إلى الرجل؛ لأن القطع تعلق بعينها، وقد زالت.
وفيه وجه أنه يُعدَل إلى الرجل.
كما لو فات محل القصاص، فيُعْدَل إلى بدله، وهو الدية.
ولو سرق مراراً، ولم يقطع اكتفى بقطع يمينه عنهما كمن زنى مراراً أو شرب مراراً، لا يقام الحد إلا مرة واحدة.
المسألة الرابعة: إذا ابتدر مبتدر، فقطع يمين السارق من غير إذن الإِمام، لا يلزمه القصاص؛ لأنها مستحقة القطع.
وإن سرى إلى النفس، فلا ضمان؛ لتولد السراية عن مستحق.
ولكن يعزر المبتدر، [لافتئاته] 3 على الإِمام.
هكذا أُطلِق.
ويشبه أن يُجْعَل وجوب القصاص على الخلاف في قتل الزاني المحصن، ولو قطع يساره [جانٍ] 4 أو قطعها الجلاد عمداً، وجب القصاص على القاطع، ولا يسقط عنه قطع اليمين؛ خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يسقط كيلا يُفَوَّتُ عليه جنس منفعة البطش.
ولذلك قال: لو سرق [ولا يسار له] 5 أو يساره ناقصة بإصبع، لا يُقْطَع يمينه ولو قال القاطع: لم أعلم أنها يساره، حلف، ولزمته الدية.
ولو قال الجلاد 6 للسارق: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها، ففيه طريقان:
أحدهما: قال القاضي أبو الطيب وآخرون، إن 7 قال المخرج: ظننت المخرج يميناً، أو أن اليسار تجزئ عن اليمين، ففي سقوط القطع عن اليمين، وقيام اليسار مقامها قولان:
أحدهما: المنع، كما لو استحق القصاص في اليمين، فأخرج اليسار، فقطعت.
لا يُسقِط القصاص [في اليمين] 1. وُيرْوَى هذا عن رواية الحارث 2 بن سريج القفال.
وأصحهما السقوط.
والحدود لا يُشدد [فيها ما] 3 يشدد به القصاص، على ما مرت المسألة في الجراح، فإن قلنا بالأول، فقال القاطع: عرفت أن المخرج اليسار وأنها لا تجزئ عن اليمين، فعليه القصاص.
وإن قال: ظننت أنه اليمين، وأن اليسار تجزئ عن اليمين، فعليه الدية.
والثاني: قال الشيخ أبو حامد: يُراجَع القاطع أو لا، [إن] 4 قال: علمت أن المخرج اليسار، وأنها لا تجزئ عن اليمين، فعليه القصاص، وبقي القطع في اليمين.
وإن قال: ظننت [أن] المخرج يمينًا أو أن اليسار تجزئ عن اليمين فعليه الدية، وفي سقوط القطع في اليمين القولان.
وإيراد الإِمام يوافق هذه الطريقة، إلا إن القصاص على القاطع.
وإن كان عالمًا بالحال إنما يجب إذا لم يوجد من المخرج قصد بذل وإباحة.
فأما إذا أخرج على قصد البذل والإباحة، فلا يجب القصاص على القاطع؛ [كما تقرر] 5 في الجنايات.
ولو سقطت يسار السارق بآفة بعد وجوب القطع في اليمين، فعن أبي إسحاق: أنه يسقط القطع في اليمين على أحد القولين.
كما في مسألة الجلاد 6، وضعفه كل من نقله، وقالوا: في صورة الغلط يساره مقطوعة بعلة السرقة.
فلو أبقينا القطع في اليمين، لذهبت يداه.
بعلة 7 السرقة الواحدة، وهذا المعنى لم يُوجَد فيما، إذا سقطت اليسار بآفة.
المسألة الخامسة: إذا كان على معصم السارق كفان، فقد نقل الإِمام عن الأصحاب أنهما يُقْطَعَان، ولا يُبَالي باستيفاء الزائدة [كالإصبع الزائدة] 8. واختار أن يفصل، فيُقَال: إن تميزت الأصلية، وأمكن الاقتصار على قطعها، لم تُقْطَع الزائدة.
وإن لم يمكن الاقتصار، فلا يُبَالي بقطعها.
وهذا ما أورده في الكتاب.
وإن أُشْكِل [الحال] 9 فلم [تعلم] 10 الزائدة عن الأصلية، قال الإِمام: الذي رأيته للأصحاب: أنهما يُقْطَعَان؛ ليصير المستحق قطعه مستوفى، ويوافقه ما في فتاوى القفال: أن الكفين الباطشتين يُقْطَعَان جميعًا؛ لأنهما معًا في حكم يد واحدة.
ألا ترى
أنه لا تفرد كل واحدة بدية؟ لكن في التهذيب: أنه تُقْطَعُ أحدهما.
فإن سرق ثانيًا، تُقْطَع الأخرى، ولا يُقْطَعَان بسرقة واحدة، بخلاف الإِصبع الزائدة: لأنه يقع (1) عليها اسم اليد، وهذا أحسن.
قال: وإن كان يبطش بأحدهما، قُطِعَتْ الباطشة دون الأخرى.
فإن سرق ثانيًا، قُطِعَت رجله، وإن صارت الثانية باطشة بقطع الأولى، فإذا سرق ثانيًا، قُطِعَت هي؛ لا الرجل.
فإن سرق ثالثًا، تُقْطَع الرجل.
فروع
: في فتاوى القفال؛ إذا كان ثوب الرجل موضوعًا بين يديه في المسجد، فقال للآخر: احفظ ثوبي.
فقال: نعم، أحفظه، فرقد صاحب الثوب، وقام الآخر، وترك الثوب [فَسُرِق]، فعليه الضمان؛ لأنه ضيعه بالقيام.
فهو كما لو ترك باب الدار مفتوحًا، وقال لغيره: احفظ الدار، فضيعها، يلزمه الضمان.
ولو سرقه المُسْتَحْفَظُ، فلا قطع عليه، ولو أغلق باب داره، أو حانوته، وقال للحارس: انظر إليه، أو احفظه، فأهمله الحارس، فَسُرِقَ منه، فلا ضمان عليه؛ لأنه [محرز] 2 في نفسه، ولم يدخل تحت يده.
ولو سرقه الحارس، قُطِعَ.
وفي فتاوى صاحب الكتاب أن السارق إذا تغفل الحمّاميّ 3، وأخذ الثياب يُعتبر في وجوب القطع، أن يخرجه من الحمام.
وأن الموضوع 4 في الصحراء 5 لا يكفي لوجوب 6 القطع أخذه.
ولا النقل 7 بخطوة، و [لا] نحوها.
والضبط [في] 8 مثل ذلك أن يُقال: الإحراز في مثله بالمعاينة، فإذا [غيبه 9 عن] عينه بحيث لو تنبه لما رآه بأن دفنه في تراب، أو واراه تحت ثوبه، أو حال بينهما جدار، فقد أخرجه من الحرز.
وأنه لو علم قردًا له النزول إلى الدار، وإخراج المتاع، فنقب، وأرسل [القرد] 10 فأخرج المتاع، فينبغي أن لا يجب الحد عليه، ولا يُجْعل [ذلك] 11 كالأخذ بالمحجن؛ لأن للحيوان اختيارًا والحد يسقط بالشبهة.
وفي فتاوى الحسين الفراء: أنه لو وُضِعَ الميت على وجه الأرض، ونُضّدت الحجارة عليه، كان ذلك كالدفن، حتى يجب القطع بسرقة الكفن.
خصوصًا إذا كان1
ذلك حيث لا يمكن الحفر، وأنهم لو كانوا في البحر، فَطَرحَ الميت في الماء، فأخذ [آخذ] (1) كفنه، فلا قطع عليه؛ لأنه ظاهر، فهو كما لو وُضِع الميت على شفير القبر، فأخذ سارق كفنه.
ولو غيبه الماء، فغاص سارق، وأخذ الكفن، لم يُقْطَع أيضًا؛ لأن طرحه في الماء لا يعد إحرازًا.
وهو كما لو وضعه على الأرض، فغيبته الريح بالتراب.
وقد يتوقف في هذا والله أعلم.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الجِنَايَةُ السَّادِسَةُ: قَطْعُ الطَّرِيقِ)
وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثَةِ أَطْرَافٍ: (الأَوَّلُ: صِفَتُهُمْ) وَهِيَ الشَّوْكَةُ وَالْبُعْدُ مِنَ الغَوْثِ، وَمَنْ لاَ شَوْكَةَ لَهُ فَهُوَ مُخْتَلِسٌ فَيُعَزَّرُ، وَمِنَ الشَّوْكَةِ أَنْ يَعْتَمِدَ القُوَّةَ فِي مُغَالَبَةِ المُسَافِرِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الذُّكُورَةُ (ح) وَلاَ شَهْرُ السِّلاَح (ح) وَلاَ العَدَدُ، بَلِ المَرْأَةُ الواحِدَةُ لَوْ غَالَبَتْ بِفَضْلِ قُوَّةٍ فَهِيَ قَاطِعَةُ طَرِيقٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَوْكَةٌ وَلَكِنِ اسْتَسْلَمَ الرِّفَاقُ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ تَقَاوَم الفَرِيقَانِ وَتَقَاَتَلُوا فَأَخَذُوا المَالَ فَهُمْ قُطَّاعٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِ المَالِ بَعْدَ المُقَاطَعَةِ فَهُمْ قُطَّاعٌ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: 33] الآية.
وعند أكثر العلماء، ومنهم حبرَ القرآن 2 ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الآية واردة في حق قُطَّاع الطريق 3 مِن المسلمين دون أهل الكفر والمرتدين.
واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] الآية.
وتوبة الكافر في أيهما تسقط العقوبة عنه؛ لا يختلف بين أن يُوجَد قبل القدرة عليه، أو بعدها.
ولم يقيموا وزنًا لقول من قال: إن المؤمن [من] لا يُحارِب الله ورسوله، وقالوا: لفظ المحاربة ينتظم عند الجرأة بالمخالفة، والعصيان.
ألا ترى أن الله تعالى يقول [للمرابين] 4: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]. ولا بد في الباب من معرفة قُطَّاعِ الطريق، وعقوبتهم وحكم تلك العقوبة، استيفاءً، وسقوطًا.1
فرتب صاحب الكتاب مسائله في ثلاثة أطراف هذه ترجمتها وكذلك فعل الإِمام.
الطرف الأول في صفة قُطَّاع الطريق.
واعتبر فيهم صفتين؛ الشوكة، والبعد عن الغوث.
ولا بد مع ذلك من الإِسلام.
فالكفار ليس لهم حكم القطاع.
وإن أخافوا السبيل، وتعرضوا للأنفس، [والأموال] 1. ومن التكليف، فالمراهقون لا عقوبة عليهم، ويضمنون الأموال، والأنفس، كما يضمنون إذا أتلفوا في غير هذا المعرض.
أحد الصفتين الشوكة؛ فقُطَّاع الطريق طائفة يترصدون في المكامن للرفاق، فإذا وافوهم، برزوا قاصدين الأموال، غير مبالين للأنفس معتمدين في ذلك على [قوة وقدرة] يتغلبون بها.
وفيهم شُرِعَت العقوبات الغليظة التي سنفصلها إن شاء الله تعالى.
وأما الذين لا يعتمدون قوة، ولكن ينتهبون، ويختلسون، ويولون، معتمدين على [ركض] 2 الخيل، أو العَدْو على الأقدام؛ كما يتعرض الواحد، والاثنان، [والنفر] اليسير [لأخذ] 3 القافلة؛ فيسلبون شيئًا، فليسوا هم بقطاع، وحكمهم في القصاص والضمان حكم غيرهم.
ولو خرج واحد، أو شرذمة يسيرة، فقصدهم 4 جماعة ويغلبونهم بقوتهم، فهم قُطَّاعٌ.
وإن لم يكثر عددهم؛ لاعتمادهم على الشوكة والنجدة، بالإضافة إلى الواحد والشرذمة.
كذلك رواه الإِمام عن القاضي حسين.
وعن طرق 5 الأصحاب ويقرب منه ما ذكر القاضي ابن كج أنه إذا قام خمسة، أو عشرة في كهف، أو شاهق جبل، فإن مر بهم قوم لهم شوكة [وعدة لم] 6 يتعرضوا لهم، وإن مر [بهم] 7 قوم قليلو العدد، قصدوهم بالقتل، وأخذ المال، فحكمهم حكم قطاع الطريق، في حق الطائفة اليسيرة.
وإن تعرضوا [للأقوياء] 8 وسلبوا شيئًا، فهم مُخْتَلِسون.
ورأى الإِمام أن [يفصل] القول في الرفقة اليسيرة، وفي الواحد، والاثنين.
فقال: إن كان خروجهم في مثل ذلك الطريق يُعد تضييعًا وتغريرًا بالنفس، والمال، فالمتعرضون لهم لا يجعلون قطاعًا.
وينزل خروجهم، والحالة هذه، كترك 9 المال في موضع [لا] 10 يُعَد حرزًا، في باب
السرقة.
وأقام ما [رآه] وجهًا.
فيجوز أن يُعلم لذلك قوله في الكتاب:
"ومن الشوكة أن يعتمد القوة في مطالبة المسافر" بالواو، ولو كانت الرفقة عددًا يتأتى منهم دفع القاصدين، ومقاومتهم، واستسلموا حتى قتلوا، وأخذت أموالهم، فالقاصدون ليسوا بقطاع؛ لأن ما فعلوه لم يصدر عن شوكتهم وقوتهم، بل الرفقة ضيعوا 1. هكذا، أطلقوه.
ويجوز أن يُقَال: ليست الشوكة مجرد العدد، والعدة؟ بل يُحتَاج مع ذلك إلى اتفاق كلمة، وواحد مطاع، وعزيمة على القتال، واستعمال السلاح.
والقاصدون للرفقة هكذا يكونون في الغالب.
والرفقة لا يجتمع لهم كلمة واحدة، ولا [يضبطهم] 2 مطاع، ولا لهم عزم على قتال، وخلوهم عن هذه الأمور يجرهم إلى التخاذل؛ لا عن قصد منهم [فلا] ينبغي أن يُجْعَلُوا مضيعين ولا أن يخرج القاصدون لهم عن كونهم قُطَّاعًا.
ولو أن الرفقة قاتلوهم، وثالث كل طائفة من الأخرى.
فهل هم قطاع؟ فيه احتمالان؛ ذكرهما الإمَامُ:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يَظْهَرْ منهم غَلَبَةٌ واسْتِيلاَءٌ.
وأظهرهما: نعم، لأنهم 3 في دَرَجَةِ المُقَاوِمِينَ المُقَاتِلِينَ، والحرب سِجَالٌ 4 ولو أصابوا رُفْقَةً دون هَؤُلاَءِ في العُدَّةِ لَغَلَبُوهُمْ، [فالرأي] 5 أن يُجْعَلُوا قَاطِعِينَ، وهذا ما أَجَابَ به في الكتاب، ولا يُشْتَرَطُ فِي قَاطِعِ الطريق الذُّكُورَةُ، بل لو اجتمع نِسْوَةٌ لهن قُوَّةٌ وَشَوْكَةٌ، كُنَّ قَاطِعَاتِ طَرِيقٍ.
وخالف أبو حَنِيْفَةَ فيه، حتى قال: لو كان [في] جَمَاعَةِ القُطَّاعِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ سقط الحَدُّ عن جميعهم.
كذا القِيَاسُ على سائر الجَرَائِمِ، ولا يشترط أيضًا شَهْرُ السَّلاَحِ، بل الخارجون بالعِصِيِّ 6 أو الحِجَارَةِ قُطَّاعٌ، لأنهما آلَاتٌ تَأْتِي عَلى النَفْسِ كالمُحَدّدِ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه لا تكفي العَصَا والحِجَارَةُ، ويشترط شَهْرُ السلاح، وذكر الإِمام أنه يَكْفِي القَهْرُ، وأَخْذُ المال باللَّكزِ والضَّرْبِ 7 بجميع الكَفِّ وفي "التهذيب" نحو منه، وإيراد جَمَاعَةٍ يُشْعِرُ بأنه لاَ بُدَّ من آلَةٍ، ولا يشترط العَدَدُ أيضًا، بل الوَاحِدُ إذا كَان له فَضْلُ قُوَّةٍ يَغْلِبُ بها الوَاحِدَ والاثنين والثلاثة، وتَعَرَّضَ للنفوس والأموال مُجَاهِرًا 8 فهو قاطع.
وليعلم لفظ "الذُّكُورَة" و"شَهْر السَّلاَح" في الكتاب بالحاء؛ لما ذكرنا، ويجوز
إعَادَةُ العَلاَمَةِ على قوله: "فهي قَاطِعَةُ طَرِيقٍ".
واعْلَمْ أن هذه الصِّفَاتِ الثلاثة التي لا تُعْتَبَر في قاطع الطَّرِيقِ لَو تَكَلَّمَ فيها قبل الصِّفَتَيْن المُعْتَبَرَتَيْنِ، أو بعد الفَرَاغِ منهما كان أَحْسَنَ فِي التَّرْتِيبِ مِنْ إِدْخَالِهَا بينهما.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا البُعْدُ عَنِ الغَوْثِ فَيُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ عَلَى قُرْبِ العُمْرَانِ يُعْتَمَدَ عَلَى الهَرَبِ دُونَ الشَّوْكَةِ إِلاَّ أَنْ تَضْعُفَ قُوَّةُ السُّلْطَانِ، فَمَنْ أَخَذَ فِي البَلَدِ مَالاً بِالمُغَالَبَةِ فَهُوَ قَاطِعُ طَرِيقٍ، وَلَوْ دَخَلَ دَارًا بِاللَّيْلِ وَأَخَذَ المَالَ بِالمُكَابَرَةِ وَمَنَعَ مِنَ الاسْتِغَاثَةِ فِي وَقْتِ قُوَّةِ السُّلْطَانِ فَهُوَ سَارِقٌ أَوْ قَاطِعُ طَرِيقٍ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ:
الصفة الثانية: البُعْدُ عن الغَوْثِ، وإنما اعتُبِرَتْ ليحصل 1 التَّمَكُّنُ من الاسْتِيلاَءِ والقَهْرِ مُجَاهَرَةً، وذلك في الأَغْلَبِ إنما يَتَحَقَّقُ في البَوَادِي، والمواضع البَعِيدَةِ عَن العُمْرانِ.
فلو خرج جماعة في المِصْرِ [فحاربوا،] 2 أو أَغَارَ عَسْكَرُ عَلى بلدة، أو قَرْيَةٍ، أو خرج أَحَدُ طرفي البلد على أَهْلِ الطَّرَفِ الآخر، وكان لا يَلْحَقُ بالمقصودين غَوْثٌ لو اسْتَغَاثُوا، فهم قُطَّاعُ الطريق، وإن كان يلحقهم الغَوْثُ لو اسْتَغَاثُوا، فالخارجون عليهم مُنتَهِبُونَ، وليسوا بِقُطَّاعٍ، وامتناع لحوق 3 الغَوْثِ تَارَةً، ويكون لِضَعْفِ السُّلْطَانِ، [وَتَارَةً] 4 لِبُعْدِهِ وَبُعْدِ أَعْوَانِهِ، وقد يغلب الدَّعَّارُونَ في مِثْلِ هذِهِ الحالة في البَلَدِ، فلا يقاومهم أَهْلُ السَّتْرِ والعِفَّةِ، وَيتَعَذَّرُ عليهم الاسْتِغَاثَةُ.
وعند أبي حنيفة [أن] المُحَارَبَةَ إنما تتحقق في البَوَادِي، والمواضع البعيدة عن العُمْرَانِ، ولا يتحقق في مِصْرٍ، ولا قَرْيَةٍ، ولا بين قريتين 5 قريبتين.
وعن مَالِكِ: أنه لا تَثْبُتُ المُحَارَبَةُ حتى يكونوا على ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ مِن العُمْرَانِ.
وعن أحمد: تَوَقُّفٌ فيه.
واحْتَجَّ الأصحاب بعُمُومِ الآية.
قال الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "إن تعرضهم في البَلَدِ أَعْظَم جُرْأَة، وأكثر فَسَادًا، فكانوا بالعُقُوبَةِ أَوْلَى".
ولو دخل جماعة دَارًا بالليل، [وتكاثروا] 6 وكَابَرُوا 7، ومنعوا أصحاب الدار من الاسْتِغَاثَةِ مَع قوة السُّلْطَانِ وحضوره، فوجهان:
أظهرهما: أنهم قُطَّاعٌ -وبه قَالَ القَفَّالُ- وهو المذكور في "التهذيب"؛ لأن المَنْعَ من الاسْتِغَاثَةِ كَالبُعْدِ عن محلِّ الغَوْثِ في التَّغَلُّبِ، واعتماد القوة.
والثاني: المنع؛ لأنهم يَتَبَادَرُونَ خَوْفًا من الشعور بهم، ثم يعتمدون [البَرَارِي] 1؛ لأن الطَّلَبَ يلحقهم.
وعلى هذا فَحِكَايَةُ الإِمام عن بعض الأَصْحَابِ أنهم سُرَّاقٌ، وهذا ما أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب مع الوَجْهِ الذي [قدمنا 2]، قال: "ولا يبعد أن يُجْعَلُوا مُخْتَلِسِينَ لمجاهرتهم بفعلهم" [و] هذا ما يشعر به كلام الرُّوَيانِيِّ وغيره إذا لم نجعلهم قُطّاعًا.
هذا هو الفِقْهُ في الصفتين، وقد يقال: يمكن إدراج 3 الصفة الثانية في الأُولى، فإن الخروج والتَّعَرُّضَ إن كان في العُمْرَانِ، والغَوْثُ مُتَوَّقَعٌ 4 فلا شَوْكَةَ، ولذلك قال في الكتاب: "لأنه على قرب العُمْرانِ يعتمد [على] الهَرَبِ دون الشَّوْكَةِ.
وإن لم يكن الغَوْثُ مُتَوَّقعًا، والشوكة حَاصِلَةٌ، فهم قَاطِعُو طريقٍ.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَفُ الثَّانِي فِي العُقُوَبَةِ) فَإِنْ اَقْتَصَرَ القَاطِعُ عَلَى أَخْذِ نِصَابٍ فَيُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتِ اليَدُ اليُسْرَى وَالرِّجْلُ اليُمْنَى، وَلاَ يُقْطَعُ فِيمَا دُونَ النِّصابِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النِّصَابُ لِواحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةِ الرُّفْقَةِ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى القَتْلِ المُجَرَّدِ فَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، وَلَو اقْتَصَرَ عَلَى الإِرْعَاب وَكَانَ رِدَاءً فَلاَ يَجِبُ (ح) إِلاَّ التَّعْزِيرُ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الأَخْذِ وَالقَتْلِ لَمْ يُقْطَعْ لَكِنْ يُقْتَلْ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى (ح وم) عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبُ وُيُتْرَكُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ حَتَّى يَتَهَرَّى، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يُصْلَبُ ثُمَّ يُقْتَل بِتَرْكِهِ جَائِعًا عَلَى وَجْهٍ، وَبِجِرَاحَةٍ مُذَفَّفَةٍ عَلَى وَجْهٍ ثُمَّ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيهِ بَعْدَ اسْتِنْزَالِهِ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَغَيْرُ مَقصُودٍ، وَلَكِنْ إِنْ هَرَبُوا شَرَّدْنَاهُمْ في البِلاَدِ بِالاتِّبَاعِ، وَقِيلَ: هِيَ عُقوبَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإِرْعَابِ فَيُنْفَى إِلَى بَلَدٍ ثُمَّ يُقَرَّرُ بِهَا أَو يُحْبَسُ، وَقِيلَ: يُقْتَصَرُ عَلَى النَّفْيِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا عَلِمَ الإمَامُ من رَجُلٍ، أو من جماعة أنهم يَرْتَصِدُونَ 5 الرُّفْقَةَ، ويُخِيفُونَ السَّبِيلَ، ولم يأخذوا بَعْدُ مَالًا، ولا قَتَلُوا نَفْسًا، فينبغي للإمام أن يَطْلُبَهُمْ، وُيعَذِّرَهُمْ بالحَبْسِ وغيره، وهذا كما أنه يُعَزِّرُ على مُقَدِّمَاتِ [الزِّنَا والشرب] 6.
قال ابن سُرَيْجٍ: والحَبْسُ -والحالة هذه- في غير مَوْضِعِهِمْ أَوْلَى؛ لأنه أَحْوَطُ، وأبلغ في الزَّجْرِ [والإِيحَاشِ] 1.
وإن أخذ قَاطِعُ الطريق من المال قَدْرَ نِصَابِ السَّرقَةِ، قُطِعَتْ يدُه اليُمْنَى، ورِجْلُهُ اليُسْرَى، فإن عاد مَرَّةً أخرى، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرَى ورِجْلُهُ اليمنى، وإنما يُقْطَعُ مِن خِلاَفٍ لئلَّا يفوت جنس المَنْفَعَةِ.
ولا فَرْقَ بين أن يكون النِّصَابُ لواحد، أو لجماعة الرُّفْقَةِ، وكذلك لا يختلف الحُكْمُ في السَّرِقَةِ بين أن يكون المسروق لواحد، أو لجماعة مهما اتَّحَدَ الحِرْزُ 2، وإن كان المأخوذ دون النِّصاب، فلا قَطْعَ، كما في سرقة ما دون النصاب.
وقال ابن خَيْرَان 3: فيه قَوْلاَنِ كالقولين فيما [إذا] 4 قتل قاطع الطريق هل يُعْتَبَرُ في قَتْلِهِ الكَفَاءَةُ؟ على ما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى.
ولأنه فَارَقَ السَّرِقَةَ في اعتبار الحِرْزِ 5، فَجَازَ أن يُفَارِقَهَا في اعتبار النِّصَابِ.
والمذهب المشهور الأول، واحْتُجَّ له بإطلاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: " [القطع] في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" 6.
وأما القولان في الكَفَاءَةِ، فقد فُرِّقَ بينهما بأن القَطْعَ المُسْتَحِقَّ في السرقة والمُحَارَبَةِ جَميعًا لله -تَعَالَى- فلا يَخْتَلِفُ المُسْتَحِقُّ به، وفي القَتْلِ المُسْتَحق في غير المُحَارَبَةِ الوَلِيُّ، وفي المُحَارَبَةِ المُسْتَحَق لله تَعَالَى، فجاز أن يختلف [الحكم] 7 كما اختلف المُسْتَحِقُّ، وما ادَّعَاهُ من أَنَّ الحِرْزَ لا يُعْتَبَرُ في قَطْعِ الطريق فممنوع.
بل الذي قاله الأَصْحَابُ أنه لو كان المَالُ ضائعًا 8 تسير به 9 الدَّوَابُّ بلا حَافِظٍ، فلا يَجِبُ به القَطْعُ، ولو كانت الجِمَالُ مقطورة، ولم تَتَعَهَّدْ، كما شرطنا فيها، لم يجب القَطْعُ.
وإن قتل قَاطِعُ الطريق قُتِلَ، وهو قَتْلٌ مُختمٌ، ليس سَبِيلُهُ سَبِيلَ القصاص، وإن جَمَعَ بين القَتْلِ، وأَخْذِ المال، فيجمع عليه بين القَتْلِ والصَّلْبِ.
هكذا فَسَّرَ ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما رَوَاهُ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وغيره ونَزَّلَ العُقُوبَاتِ المذكورة في الآية على هذه المَرَاتِبِ، والمعنى "أن يُقْتَلُوا" إن قَتَلُوا أو
يُصَلَّبُوا [ويقتلوا] إن أَخَذُوا المَالَ وقَتَلُوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاَفٍ إن اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ المال.
وكلمة "أو" للتنويع، لا للتَّخْيِيرِ، كما يقال: الزَّانِي يُجْلَدُ أو يُرْجَمُ.
ويعتبر في المال المَأْخُوذِ أن يكون نِصَابًا، ويكون فيه ما ذُكِرَ من الخلاف.
هذا ظاهر المذهب فيمن جمع بين القَتْلِ، وأَخْذِ المَالِ، ووراءه شيئان:
أحدهما: عن أبي الطَّيْبِ سلمة تَخرِيجُ قَوْلٍ أنه تُقْطَعُ يَدُهُ ورِجْلُهُ، ويُقْتَلُ ويُصْلَبُ، الصَّلْبُ لِجَمْعِهِ بين أَخْذِ المال والقَتْلِ، والقَتْلُ للقتل، وقطع العُضْوَيْنِ لأخذ المال.
والثاني: عن صاحب "التقريب" حِكَايَةُ قَوْلٍ: أنه إن قَتَلَ، وأخذ نِصَابًا قُطِعَ وَقُتِلَ ولَم يُصْلَبْ، وإن قَتلَ وَأَخَذَ ما دون النِّصَابِ لم يُقْطَعْ، ولكن يُقْتَلُ للقتل، ويُصْلَبُ تَنْكِيلاً لِأَخْذِ المال الذي لا يوجب القَطْعَ.
وعند أبي حنيفة: يَتَخَيَّرُ الإمامُ فيمن أَخَذَ المَالَ، وقتل بين أن يَجْمَعَ عليه القَطْعَ وَالْقَتْلَ، أو يَجْمَعَ بين القَتْلِ والصَّلْبِ.
ويُرْوَى أن تقتصر على القتل.
وعن مالك: أن الإِمام يَنْظُرُ في الذين شَهَرُوا السلَاحَ، وأخافوا السَّبِيلَ، ويجتهد فيهم فمن رآه ذا رَأْي قَتَلَهُ، ومن رآه قَوِيًّا لا رَأْيَ له قطعه، [ومن رَأَى] 1 أنه لا رَأْيَ له ولا قُوَّةَ، حَبَسَهُ.
وفي كيفية القتل والصَّلْبِ إذا اجتمعا قولان:
أصحهما: أنه يقتل ثم يُصْلَبُ، ولا يُقَدَّمُ الصَّلْبُ على القتل؛ لأن 2 فيه تَعْذِيبًا وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ، والمقصود من صَلْبِهِ بعد القَتْلِ التَّنْكِيلُ وَزَجْرُ الغَيْرِ، وعلى هذا فكم يُتْرَكُ 3 مَصْلُوبًا؟ فيه وجهان:
أظهرهما -ويُنْسَبُ إلى النَّصِّ: أنه يترك ثَلاَثًا لِيَشْتَهِرَ الحَالُ، ويتم النِّكَالُ، وعلى هذا فإذا مضى الثَّلاَثُ نُظِرَ إن [سَالَ صَلِيبُهُ] 4 وهو الوَدَكُ أُنْزِلَ، وإِلاَّ فوجهان، ويقال: قَوْلان:
أحدهما: لا يُنْزَل؛ لأن الصَّلْبَ سُمِّيَ صَلْبًا؛ لِسَيَلاَنِ صَلْبِ المَصْلُوبِ، فيترك إلى أن يَحْصُلَ السَّيَلاَنُ.
وأظهرهما: نعم، ويكتفي بما حصل من النَّكَالِ.
وإن خِيفَ [التَّغَيُّرُ] 1 قبل الثلاث، فهل يُنْزَلُ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، وبه قال المَاسَرْجِسِيُّ وغيره -وحَمَلُوا قول الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه يُصْلَبُ ثلاثًا، على ما إذا كان الهَوَاءُ باردًا، أو مُعْتَدِلًا.
وقالوا: إذا خِيْفَ التَّغَيُّرُ عند شِدَّةِ الحَرِّ يُنْزَلُ قبل تَمَامِ الثلاث.
والوجه الثاني لمن الأصل -وبه قال ابن أَبِي هُرَيْرَةَ: أنه يُتْرَكُ حتى يَتَهَرَّأَ وَيسِيلَ 2 صَدِيدُهُ، ولا يُنْزَلُ بحال، والوجهان مُتَّفِقَانِ على أنه يُصْلَبُ على خَشَبَةٍ أو نحوها.
وفي "جمع الجوامع" للرُّوَيانِيّ عن المَاسَرْجِسِيِّ: أنه المذهب، وأن القاضي ابن أبي هُرَيْرَةَ قال: يُطرَحُ على الأَرْضِ حتى يَسِيلَ صَدِيْدُهُ.
قال الإِمام: وذكر الصَّيْدَلَانِيُّ أنه يُتْرَكُ حتى يَتَسَاقَطَ.
وفي القَلْبِ منه شيء فإني لم أَرَهُ لغيره، والتَّسَاقُطُ يقع بعد سَيَلاَنِ الصَّدِيدِ مُدَّةً طويلة.
وإذا قلنا: ينتظر سَيَلاَنُ 3 الصليب فلا نُبَالِي بِإنْتَانِهِ، إذ لا بد منه ولفظ صاحب "التهذيب" في حكاية وَجْهِ ابن أبي هريرة: أنه يُتْرَكُ حتى يسيل صَدِيدُهُ، إِلاَّ أن يتأذى 4 به الأحيَاءُ، ومما ذكره الإِمَامُ أَقْرَبُ إلى سِيَاقِ ذلك الوجه.
فهذا أَصَحُّ القولين، والطُّرُقُ من تفريعه.
والثاني: أنه يُصْلَبُ أوّلاً حَيًّا، ثم يُقْتَلُ -وبه قال أبو حَنِيْفَةَ؛ لأن الصَّلْبَ شُرعَ 5 عُقُوبَةً له، فَيُقَامُ عليه وهو حَيٌّ، ويُنْسَبُ هذا القَوْلُ إلى رواية صاحب "التلخيص" وغيره.
وفي "النهاية": أن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَكَى هذا المَذْهَبَ عن بعض السلف حكايةً أَشْعَرَتْ بِارْتِضَاءٍ، فصار صائرون من الأصحاب إلى أنه قَوْلٌ للشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والصحيح أنه حِكَايَةُ مذهب الغير، فيخرج مما 6 ذُكِرَ طريقة قاطعة بالقَوْلِ الأول.
وكيف يُقْتَلُ؟ إذا فرع على القول الثاني [مصيرًا] 7 إلى إِثْبَاتِ القولين فيه وجوه:
أحدها: أنه يُتْرَكُ بلا طَعَامٍ، ولا شَرَابٍ إلى أن يَمُوتَ.
والثاني: ويُرْوَى عن أبي حَنِيَفَةَ: أنه يُطْعَنُ، وَيُجْرَحُ حتى يَمُوتَ.
والثالث: أنه يُتْرَكُ مَصْلُوبًا ثَلاَثًا، ثم يُنْزَلُ [ويقتل 1] وتبين في هذا السياق أن الصَّلْبَ في القول الثاني، يُرَادُ به الصَّلْبُ الذي لا يَمُوتُ منه الشخص 2، والخلاف المذكور في أنه يُنْزَلُ عن الخَشَبَةِ بعد ثلاث، أو يترك حتى يَتَهَرَّى؛ تفريعًا على القول الأَوَّلَ جَارٍ مع تفريعنا على أنه يُصْلَبُ، ثم يُقْتَلُ، وقد ذكرنا ذلك في الجَنَائِزِ.
ومن فروع القولين وقد سَبَقَ في الجَنَائِزِ أَنَّا إذا قلنا: إنه يُقْتَل أَوَّلًا، ثم يصلب، وهو الصحيح، فَيُغَسَّلُ بعد القَتْلِ، ويُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه ثم يصلب مُكَفَّنًا.
وإن قلنا: إنه يُصْلَبُ ثم يقتل، فإن قلنا: إنه ينزل فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه [ويدفن]، وإن قلنا: إنه يترك حتى يتهرأ فلا غُسْلَ ولا صلاة، ونقلنا هناك وَجهًا مُطْلقًا أنه لا يُصَلَّى على قاطع الطريق استِهَانَةً به، ولا يبعد أن يجري هذا الوَجْه فيما إذا اقْتَصَرَ المُحَارِبُ على القتل.
أما من لم يأخذ مَالاً، ولا قتل نفسًا 3، ولكنه كَثَّرَ جَمْعَ 4 القاطعين وكان رِدْءًا لهم، وأرعب الرُّفْقَةَ فلا حَدَّ عليهم، كما لا حَدَّ في مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا والشُّرْبِ.
ولو أخذ [بعضهم] 5 أقلَّ من نِصَابٍ، فكذلك الحُكْمُ إذا شرطنا النِّصَابَ، ولا يكمل نِصَابُهُ بما أخذ غيره.
وبم يُعَاقَبُ الرِّدْءُ؟ فيه وجهان:
أصحهما: أن الإِمَامَ يُعَزِّرُهُ باجتهاده بالحَبْسِ أو التَّغْرِيبِ 6 أو سائر وُجُوهِ التَّأْدِيبِ، كما في سائر الجَرَائِمِ.
والثاني: أنه يُغَرِّبُهُ ويَنْفِيهِ إلى حيث يَرَاهُ، وليختر جهة يحتف 7 بها أهل النَّجْدَةِ والبَأْسِ من أصحابه، لِيَأْمَنَ منه، وإذا عين 8 صَوْبًا منعه من أن يَعْدِلَ عنه ويسير حَيْثُ شاء، وعلى هذا فهل يعزر في البَلْدَةِ المَنْفِيِّ إليها بِضَرْبٍ أو حَبْسٍ أو غيرهما، أو يُكْتَفَى بالنَّفْي؟ فيه وجهان واحتج من ذهب إلى أن الرِّدْءَ يُنْفَى بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].
وقال: جعل النَّفْيَ عُقُوبَةً مَقْصُودَةً مع سائر العقوبات المذكورة.
وأصحاب الوجه الأَصَحِّ قالوا: معنى نَفْيِهِمْ من الأرض أنهم إذا هَرَبُوا من حَبْسِ الإمامَ فَيُتْبَعوا ليُسْتَرَدُّوا ويُفَرَّقَ جمعهم (1) وتَبْطُلَ شَوْكَتُهُمْ، ومن ظَفَرْنَا بِهِ نُقِيمُ عليه ما [تؤديه] (2) جِنَايَتُهُ من الحدِّ أو التعزير، ويُرْوَى هذا التنزيلُ عن ابن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وهذا ما أشار إليه بقوله في الكتاب: "وأما النَّفْيُ فغير مقصودٍ... " إلى آخره، ثم ذكر الوَجْهَ الآخر، وهو أن النَّفْيَ عُقُوبَةٌ مقصودةٌ "فيمن اقتصر على الإِرْعَابِ"، والمذهب الظاهر، هو أنه لا يَلْزَمُهُ إلا التعزير، وقد قَدَّمَهُ من قَبْلُ، ولو ضَمَّ أَحَدَهُمَا إلى الآخر لكان أَحْسَنَ وأَوْلَى.
وليعلم قوله "ولا يُقْطَعُ فيما دون النِّصابِ" بـ"الواو".
وقوله: "فلا يجب إلاَّ التَّعزِيرُ" بـ"الحاء".
وقوله: "وإن جمع بين الأَخْذِ والقَتْلِ لم يُقْطَعْ" بالواو؛ لما نُقِلَ عن أبي الطَّيِّبِ بن سلمة.
وقوله: "يُصَلَّى عليه" في الموضعين بالحاء؛ لأن عنده لا يُصَلَّى على قَاطِعِ الطريق وبالواو (3) أيضًا لوجه مثله في الجَنَائِزِ.
وقوله: "ثم يُصْلَبُ" بالحاء؛ لأن عنده يُصْلَبُ ثمَّ يُقْتَلُ، وكلمة "يُصْلَبُ" بالواو؛ لما حكاه صاحب "التقريب" أنه إذا قَتَلَ، وأخذ نِصَابًا يُقْطَعُ ويُقْتَلُ، ولا يُصْلَبُ.
وقوله: "وفيه وجه أنه يُصْلَبُ ثم يُقْتَلُ" المشهور منه القول لا الوَجْهُ، ويجوز أن يعلم بالواو؛ لما نقله الإِمام من القطع (4) بتقديم القَتْلِ على الصَّلْبِ.
وأن يعلم قوله: "بتركه جَائِعًا" بالواو؛ لما مَرَّ وما ذكره في خلال (5) الفصل من غُسْلِ قاطع الطريق والصَّلاَةِ عليه مُكَرَّرٌ قد سَبَقَ ذِكْرُهُ في الجنائز، مع زِيَادَاتٍ، ولو اكْتَفَى بما قَدَّمَهُ لكان جَائِزًا.
"
فرع
" إذا اجتمع عليه القَتْلُ والصَّلْبُ لو مات قبل أن يُقْتَلَ، هل يجب صلبه؟ فيه وجهان:12345
أحدهما -وبه قال القاضي أبو الطَّيبِ-: نعم؛ لأن القَتْلَ والصَّلْبَ مَشْرُوعَانِ حَدًّا، وقد فات أحدهما، فيُسْتَوْفَى الآخر.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأن الصَّلْبَ صِفَةٌ تابعةٌ للقتل، وقد سَقَطَ المَتْبُوعُ، فيسقط التَّابِعُ، وهذا ما يُنْسَبُ إلى رِوَايَةِ الحارث بن سُرَيْجٍ القفال 1 عن النَّصِّ.
والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ هَذِهِ العُقُوبَةِ) وَلَهَا حُكْمَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الظَّفرِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ يَجْرِيَانِ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ ظَهَرَ تَقْوَاهُ فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ الْمَاضِيَةُ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ التَّعْرِيضِ لإِقَامَةِ الْحَدِّ تُبْتُ لاَ يُوثَقُ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ الاسْتِبْرَاءُ وَصَلاَحُ الْحَالِ بِالْعَمَلِ، وَالإِسْقَاطُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: تُبْتُ بَعِيدٌ، ثُمَّ إِنَّمَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ الْحَدُّ دُونَ الْقِصَاصِ وَالْغُرْمِ، وَيَسْقُطُ قَطْعُ الْيَدِ (ح) وَالرِّجْلِ جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذَ نِصَابًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الطرف 2 مُدْرَجٌ في حُكمَيْنِ:
أحدهما: قد ذكرنا أن قَاطِعَ الطريق إِذَا هَرَبَ يُتَّبَعُ، وُيقَامُ عليه ما يَسْتَوْجِبُهُ من حَدٍّ 3 أَو تَعْزِيرٍ، فإن مات قبل القُدْرَةِ عليه، سَقَطَ عنه ما يَخْتَصُّ بِقَطْعِ الطريق من العقوباتِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34].
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ: أن أبا الحَسَنِ حَكَى عن القديم قَوْلًا أنه لا يَسْقُطُ، بِنَاءً على الخِلاَفِ في سقوط سائر الحُدُودِ بالتوبة، والمذهب المشهور الأول.
وإن تاب بعد القُدْرَةِ عليه، ففي سقوط ما يَختَصُّ بقطع الطريق بالتَّوْبَةِ طريقان:
أحدهما: القَطْعُ بأنه لا يسقط، وهو الذي أَوْرَدَهُ أصحابنا العراقيون وغيرهم.
والثاني: أن فيه قولين كالقَوْلَيْنِ في سقوط حَدِّ الزَّانِي، والسارق، وشارب الخمر بالتوبة، وهذا ما حكاه القَاضِي الرُّويَانيُّ عن الصَّيْدَلاَنِيِّ وعليه جَرَى الإِمَامُ، وصاحب الكتاب، وسواء ثَبَتَ الخِلاَفُ، أو لم يَثْبُتْ فالظَّاهِرُ أنه لا يسقط [وبه يشعر 4] التقييد 5 في قوله تَعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34].
وَفُرِّقَ بين الحَالَتَيْنِ من
جهة المعنى بأنه [بعد] 1 القدرة عليه [متعرض] 2 لِلحَدِّ [مُتَّهَمٌ] بِقَصدِ الدفع في [نفسه] 3 بالتَّوْبَةِ، وأما قَبْلَ القُدْرَةِ عليه فهو ممتنع 4 عن طَاعَةِ الإِمام، وتوبته 5 بَعِيدَةٌ عن التُّهْمَةِ، قَرِيبةٌ من الحقيقة.
وهل تُؤَثِّرُ التَّوْبَةُ في إسقاط حَدِّ الزِّنَا، والسرقة، وشرب الخمر في حَقِّ غير قَاطِعِ الطريق، وفي حَقِّ قاطع الطريق قبل القُدْرَةِ عليه، وبعدها؟ فيه قولان، سبق ذكرهما مَرَّةً في جِنَايَةِ الزِّنَا، والأصح على ما ذكره الإِمام، وصاحب "التهذيب" وغيرهما، ويُنْسَبُ إلى الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنها لا تُؤَثِّرُ، واحتج له بأن قوله -تعالى- في آية الزِّنَا: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] مطلق وكذا قوله -عزَّ وجَلَّ- في السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38].
ولم يفرق بين ما قبل التَّوْبَةِ وبين ما بعدها، [و] 6 أيضًا فإن الكَفَّارَةَ لا تسقط بالتوبة، فكذلك الحُدُودُ التي هي كَفَّارَاتٌ.
والثاني -ورَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ من العراقيين أنها تُؤَثِّرُ في إِسْقَاطِهَا؛ لأنها حدود خَالِصَةٌ لله تعالى، فَأشْبَهَتْ حدَّ قَاطِعِ الطَّرِيق، وَيتَفَرَّعُ على ما ذكرناه فرعان:
أحدهما: ما يسقط بالتَّوْبَةِ في حَقِّ قَاطِعِ الطريق قبل القُدْرَةِ عليه يسقط بنفس التَّوْبَةِ، وأما بعد القُدْرَةِ عليه وفي حق الزَّانِي، والسارق، وشارب الخمر، فقد حكى الإِمَامُ وجهين:
أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك، وإِظْهَارُ التوبة كَافٍ 7 كإظهار الإِسلام تحت ظِلاَلِ السُّيُوفِ.
والثاني: أنه لا بد مَعَ التَّوْبَةِ من إِصْلاَحِ العَمَلِ ليظهر الصِّدْقُ فيها، وتحصل الثقة 8، ونَسَبَ الإِمَامُ هذا الوَجْهَ إلى القاضي الحُسَيْنِ، والأَوَّلَ إلى سائر الأصحاب، والذي أَوْرَدَهُ جَمَاعَةٌ من العراقيين، وتابعهم صاحب "التهذيب" والقاضي الرُّوَيانِيُّ ما نسبه إلى القاضي الحسين، وتَمَسَّكُوا له بظاهر القرآن، فإن الله -تعالى- قال في قُطَّاعِ الطريق: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] لم يَتَعَرَّضْ إلا للتَّوْبَةِ، وقال في الزِّنَا: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] وفي السرقة:
﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] فاعتبر الأَصْحَابُ مع التوبة [الإِصْلاَحَ،] 1 ومن جهة المَعْنَى بما سَبَقَ أن توبته قبل القُدْرَةِ لا يَظْهَرُ فيها احْتِمَالُ الخَوْفِ والتَّقِيَّةِ، وفي هذا المُنْتَهَى 2 كلامان:
أحدهما: ذكر الإِمَامُ تَفْرِيعًا على اعتبار إِصْلاحَ العَمَلِ [أن يُمْتَحَنَ] 3 سِرًّا وَعَلَنًا، فإن بَدَا الصَّلاَحُ، أسقطنا الحَدَّ عنه، وإِلَّا حَكَمْنَا [بأنه لم يسقط] ورأى هذا مشكلًا؛ لأنه لا سَبِيلَ إلى حقيقته، وإن خلى فكيف يتبع، وكيف يُعْرَفُ صلاحه؟! وحُمِلَ ذِكْرُ الصَّلاحَ في الآية على اعتباره في العَفْوِ والمغفرة، ويشبه أن يقال: في التفريع عليه: إذا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ امْتَنَعْنَا من إقامة الحَدِّ عليه، فإن ظَهَرَ الصَّلاَحُ من بَعْدُ، أو لم يَظهَرْ ما يخالف التَّوْبَةَ فذاك، وإن ظهر ما يخالفها أقمنا الحَدَّ عليه.
والثاني: حْكَيْنَا في باب الزِّنَا طريقين في مَوضِعِ القولين، في سُقُوطِ الحَدِّ بالتوبة:
أحدهما: تخصيص القَوْلَينِ بما إذا تَابَ قبل الرَّفْعِ إلى القاضي، فإن تاب بعد الرَّفْعِ لم يَسْقُطْ بلا خلافٍ.
والثاني: طَرْدُ القولين في الحَالَتَيْنِ، وقد يرجع هذا الخِلاَفُ إلى الخِلاَفِ في أن التوبة بمجردها تُسْقِطُ الحد، أو يعتبر صَلاَحُ العَمَلِ؟ إن اعتبرنا الصَّلاَحَ، فلا بد من مُضِيِّ زَمَانٍ يظهر به الصِّدْقُ والصلاح، ولا تكفي التَّوْبَةُ بعد الرَّفْعِ.
الفرع الثاني: إذا تاب قَاطِعُ الطريق قبل القُدْرَةِ عليه، فإن كان قد قتل سقط عنه انْحِتَامُ القَتْلِ، وللولي أن يَقْتَصَّ، وله أن يَعْفُوَ، هذا هو الظاهر، وفيه كلامان:
أحدهما: أنه مبنيٌّ على أن عُقُوبَةَ قاطع الطريق لا تَتَمَحَّضُ حَدًّا، بل يَتَعَلَّقُ بها القِصَاصُ، وهو الأَظْهَرُ على ما سَيَأْتِي إن شاء الله تعالى.
أما إذا مَحَّضْنَاهَا حَدًّا فلا يَبْقَ عليه شيء.
والثاني: أنه حَكَى تَخْرِيجَ وَجْهٍ في القِصَاصِ، وفي حَدِّ القذف أنهما يسقطان بالتوبة؛ لأنهما يَسْقُطَانِ بالشُّبْهَةِ كحدود الله تعالى.
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن أبا الحسين نَقَلَهُ قولًا عن القديم في حَقِّ القَذْفِ، وإن كان قد قَتَلَ، وَأَخَذَ المَالَ، سقط الصَّلْبُ، وانْحِتَامُ القَتْلِ، وبقي القِصَاصُ، وضمان
المال، وفي القصاص ما ذكرناه.
وإن كان قد أَخَذَ المَالَ سَقَطَ عنه قَطْعُ الرِّجْلِ، وأما قَطْعُ اليد فقد ذُكِرَ وجهان في أنه هَلْ يُعَدُّ من خَوَاصِّ قطع الطريق؟
عن أبي إِسْحَاقَ أنه ليس من خَوَاصِّهِ؛ لتعلُّقِهِ بأخذ نِصَابٍ في السرقة.
وعن أَبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطبري -رحمهما الله- أنه من خَواصِّهِ؛ لأن قطع اليَد في المُحَارَبَةِ جُزْءٌ من الحَدِّ الوَاجِبِ، والمُوجِبُ له أَخْذُ المال مُجَاهَرَةً، وقطع اليد في السَّرِقَةِ حَدٌّ برأسه، والمُوجِبُ له أَخَذُ المال خُفْيَةً، فقد اخْتَلَفَ المُوجِبُ وَالوَاجِبُ، فإن جَعَلْنَاهُ من خَوَاصِّ قَطْعِ الطريق، سَقَطَ، كقطع الرجل، وهو الأظهر، والجَوَابُ في "التهذيب" وفي الكتاب.
وإن لم نجعله من خَوَاصِّهِ، ففيه الخلافُ المذكورُ في سائر الحدود.
وقوله في الكتاب "يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ قبل الظَّفرِ" يريد به ما يَخْتَصُّ من العقوبة بِقَطْعِ الطريق، ويجوز إعْلاَمُهُ بالواو لما قَدَّمْنَا، وكذا إِعْلاَمُ قوله: "ففيه قولان" لما ذكرنا أنَ بَعْضَهُمْ قَطَعَ بأنه لا تسقط عُقُوبَةُ قاطع الطريق بعد الظَّفَرِ وقوله: "والصحيح أن من ظَهَرَ تَقْوَاهُ... " إلى آخره ترجيح للقول بالسُّقُوطِ بالتوبة على ما قاله جَمَاعَةٌ من الأصحاب مع اعتبار صَلاَحِ الحَالِ.
وأوضحه بأن قوله: "تُبْتُ" عند التَّعَرُّضِ لإقامة الحدّ لا يُوثَقُ به، فيعتبر الاستبراء ليعلم صِدْقُهُ، وصَلاَح سَرِيرَتِهِ، ويمكن إعْلاَمُ قوله: "فينبغي أن يُعْتَبَرَ معه الاسْتِبْرَاءُ بالواو"، إِشَارَة إلى الوجه المكتفي بِإِظْهَارِ التوبة.
وليعلم قوله: "دون القِصَاصِ بالواو".
وكذا لَفْظُ: "قطع اليَد".
وقوله "وإن أَخَذَ نِصَابًا" لفظ النِّصَابِ غير مُحْتَاجٍ إليه في هذا المَقَامِ، فقد عرفنا من قبل أن القَطْعَ إنما يُنَاطُ بالنِّصَابِ، وَلو قال: إذا أخذ المَالَ بدلًا عن قوله: "وإن أَخَذَ نِصَابًا" كان أَحْسَنَ [الْتِئَامًا] 1.
قال الغَزَالِيُّ: (الْحُكْمُ الثَّانِي) أَنَّ القَتْلَ حَقُّ اللهِ تَعَالَى حَتَّى لَوْ عَفَا وَلِيُّ الدَّمِ قُتِلَ حَدًّا، وَهَلْ يَثْبُتُ حَقُّ الْقِصَاصِ مَعَهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ لَمْ يُقْتَلْ بِمَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَإِنْ مَاتَ بَقِيَتِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ قَتَل جَمَاعَةً قُتِلَ بِوَاحِدٍ وَلِلْآخَرِينَ الدِّيةُ، وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ قُتِلَ حَدًّا وَلَهُ الدِّيَةُ، فَلَوْ تَابَ قَبلَ الظَّفَرِ لَمْ يَسْقُط الْقِصَاصُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَدٌّ مَحْضٌ فَلاَ مَدْخَلَ لِلدِّيَةِ فِيهِ وَلاَ لِلْكَفَارَةِ، وَلاَ يَبْقَى قِصَاصٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَاطِعُ الطريق إذا قَتَلَ في قَطْعِ الطريق خَطَأً، بأن رَمَى إلى شَخْصٍ، فأصاب غَيْرَهُ، أو قَتَلَ شِبْهَ عَمْدٍ، لم يلزمه القَتْلُ، وتكون الدِّيَةُ على عَاقِلَتِهِ، وإن قَتَلَ عَمْدًا، فقد سَبَقَ أنه يَنْحَتِمُ قَتْلُهُ.
وما حَالُ هذا القَتْلِ؟ فيه قولان اخْتَلَفُوا في التعبير 1 [عنهما] 2 [فقالت] 3 طَائِفَةٌ: وهو الأَصَحُّ، هذا القَتْلُ فيه معنى [القِصَاصُ؛] 4 [لأنه] 5 قَتْلٌ في مُقَابَلَةِ قَتْل، وفيه معنى الحُدُودِ؛ [لأنه لا] 6 يَصِحُّ العفو عنه، ويَتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ بالسلطان، لا بالوَلِيِّ، وما [المُغَلَّبُ من] 7 [المعنيين؟] 8 فيه قولان.
وقال آخرون: هل يَتَمَحَّضُ [هذا] 9 القتل حَقًّا لله -تعالى- أو فيه حَقُّ الآدمي أيضاً؟ فيه قولان، وهذا هو إيراد الكتاب، وهو تَغْلِيبُ حَقِّ الله تعالى، أو تَمْحِيضُهُ حَقًّا لله -تعالى- لأنه لا يَصِحُّ العَفْوُ عنه، وَيتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ بالإمام، ووجه رِعَايَةِ حَقِّ الآدمي، وهو الأَصَحُّ -أنه لو قَتَلَ في غير المُحَارَبَةِ لثبت القِصَاصُ للآدمي، فيبعد أن [يَبْطُلَ] 10 حَقُّهُ بوقوع القَتْلِ في المُحَارَبَةِ.
ولنا اختلاف قول في أنه إذا اجتمع حَقُّ الله -تعالى- وَحَقُّ الآدمي تغلَّبَ حَقُّ [الآدمي أم] 11 لا؟ فكيف يَنْتَظِمُ هنا إِبْطَالُهُ بالكُلِيِّة.
ويقال [بناء على] 12 هذا القَوْل: إن أَصْلَ القَتْلِ في مُقَابَلَةِ القتل [والتحتم] 13 حَقُّ الله تعالى، وَيتَفَرَّعُ على الخلاف المذكور [صُوَرٌ:] 14 منها إذا قَتَلَ قَاطِعُ الطريق من لا يُكَافِئُهُ، كالأَبِ يَقْتُلُ الابْنَ، والمسلم يَقْتُلُ الذِّمي، والحُرُّ العَبْدَ، فإن لم يُرَاع معنى 15 القِصَاصِ وحَق الآدمي قتلناه حَدًّا، ولم نُبَالِ بعدم الكَفَاءَةِ، وإن رَاعَيْنَاهُ لم نقتله به، وأوجبنا الدِّيَةَ، أو القيمة.
ولو قتل قَاطِعُ الطريق عبد نفسه فعن ابن أبي هريرة والقَاضِي حسين تَخْرِيجُهُ على الخلاف.
وعن أبي إسحاق القَطْعُ بأنه لا يقتل، كما أنه لا يُقْطَعُ إذا أَخَذَ مَالَ نفسه 16، وهذا ما اختاره الصَّيْدَلاَنِيُّ.
ومنها: لو مات قَاطِعُ الطريق، فإن رَاعَيْنَا معنى القِصَاصِ أخذنا الدِّيَةَ من التَّرِكَةِ، وإلا لم نُوجِبْ في التَّرِكَةِ شَيْئًا.
ومنها: إذا قَتَلَ الوَاحِدُ في قَطْع الطريق جَمَاعَةً، فإن رَاعَيْنَا معنى [القِصَاصِ] 1 قُتِلَ بواحد، وللباقين الدِّيَةُ، وإن قَتَلَهُمْ على [الترتيب قُتلَ] 2 بالأول، ولو عفا وَلِيُّ الأَوَّلِ لم يَسْقُطْ قاله في "التهذيب"، وإن لم نُراعِ معنى القِصَاصِ قُتِلَ بهم، ولم تَجِبِ الدِّيَةُ.
[ومنها: لو عفا] 3 الولي على مالٍ، فإن رَاعَيْنَا معنى القِصَاصِ، سَقَطَ القِصَاصُ، وَوَجَبَ المَالُ، وقُتِلَ حَدًّا كمرتد، استوجب القِصَاصُ [وعُفِيَ عنه] 4، وإن لم نُرَاعِهِ، فالعَفْوُ لَغْوٌ.
ومنها: لو تاب 5 قبل [الظَّفَرِ به لم] 6 يَسْقُطِ القِصَاصُ إن رَاعَيْنَا 7 معنى القِصَاصِ، ويسقط الحَدُّ، وإلا فلا شيء عليه وهذا قد مَرَّ.
ومنها: لو قتل القاتل [-يعني: قاطع الطريق-] 8 بمُثَقَّلٍ أو قطع عُضْوٍ، فإن رَاعَيْنَا معنى القِصَاصِ [قتلناه] 9 بمثل ما قَتَلَ، وإلا فَيُقْتَلُ بالسَّيْفِ كالمُرْتَدِّ.
ومنها: لو قتله قَاتِلٌ بغَيْرِ إذْنِ الإِمام، فإن رَاعَيْنَا معنى القِصَاصِ فعليه الدِّيَةُ لورثته، [ولا] 10 قِصَاصَ؛ لأن قتله متحتم 11، وَيجِيءُ فيه وجه آخر، وإن لم نراعه 12 فليس عليه إلا التَّعْزِيرُ لافْتِئَاتِهِ 13 على الإِمام.
قال الغَزَالِيُّ: (فُرُوْعٌ، الأَوَّلُ) الْجُرْحُ السَّارِي يُوْجِبُ قَتْلًا مُتَحَتَّمًا، وَلَوْ قَطَعَ عُضْوًا فَهَلْ يَتَحَتَّمُ قَطْعُهُ؟ فِيْهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَينَ مَا عُهِدَ حَدًّا كالقَطْعِ وَبَيْنَ مَا لَمْ يُعْهَدْ كَالْجِذْعِ وَفَقْءِ الْعَيْنِ، (الثَّانِي): أَنَّهُ يُوَالِي بَيْنَ قَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ، وَمَنِ اسْتُحِقَّ يَسَارُهُ بِالْقِصَاصِ وَيَمِينُهُ بالسَّرقَةِ قُدِّمَ الْقِصَاصُ وَيُمْهَلُ حَتَّى يَنْدَمِلَ ثُمَّ يُقْطَعُ الْيُسْرَى 14 لِلسَّرِقَةِ، وَلَوِ اسْتُحِقَّ يَمِينُهُ بِالْقِصَاصِ ثُمَّ قَطَعَ الطَّرِيقَ قُطِعَ يَمِينُهُ لِلقِصَاصِ تَقْدِيمًا لِحَقِّ الآدَمِيِّ وَقُطِعَ رِجْلُهُ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ، لِأَنَّ المُوَالاَةُ مُسْتَحَقَّةٌ لَوْ قَدَرْنَا عَلَى قَطْعِ يَمِينِهِ حَدًّا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قاطع الطريق إذا جَرَحَ جُرْحًا سَارِيًا فقد قَتَلَ، وقد بَانَ حُكْمُهُ، وإن
جَرَحَ جُرْحًا واقفًا [، نظر إن] 1 كان فيما لا قِصَاصَ فيه كالجَائِفَةِ، فلا يقابل 2 بمثله كما في حَقِّ غير قَاطِعِ الطَّرِيقِ، والواجب فيه المَالُ، فلا يدخل التحتم فيه كَبَذْلِ النفس 3 الواجب بالقَتْلِ الخَطَأِ، وإن كان يَجِبُ فيه القِصَاصُ كَقَطْعِ اليد أو الرِّجْلِ، فيقابل بمثله.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا يقتص منه، ويُسْلَكُ بالطَّرَف 4 مَسْلَكَ المَالِ، وعنه: لا يضمن قَاطِعُ الطريق إذا أَتْلَفَ المَالَ، ويكتفي بِحَدِّهِ، كما لا يجتمع القَطْعُ والغُرْمُ على السَّارِقِ واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بأن قَاطِعَ الطريق متعدّ لا شُبْهَةَ 5 له في طرف الرُّفْقَةِ ولا في مالهم، فَلَزِمَهُ ضَمَانُها، وهل يَتَحَتَّمُ القِصَاصُ في الجِرَاحَةِ 6؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم -كما يَتَحَتَّمُ القَتْلُ [عند القَتْلِ] 7.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن التَّحَتُّم تَغْلِيظٌ لحق الله -تعالى- فَيَخْتَصُّ بالنَّفْسِ كالكَفَّارَةِ.
وعن أبي منصور [بن مَهْرَانَ] 8 أن الفَرْقَ بين النَّفْسِ والطَّرَفِ -أن الغالب أن قَاطِعَ الطريق يَقْصِدُ المَالَ أو النَّفْسَ لِعَدَاوَةٍ اشتدت بين قوم وقوم فَشُرِعَتْ 9 في كل واحد منهما عُقُوبَةٌ مُتَحَتِّمَةٌ، وأما الجِرَاحَاتُ، فإنها لا تُقْصَدُ بِقَطْعِ الطريق في الغالب؛ فلم يُشْرَعْ فيها، التَّحَتُّمُ، وبقي الوَاجِبُ فيها على أصل التخيير، وهذان القولان أَطْلَقَهُمَا مُطْلِقُونَ في كل عُضْوٍ، يجري فيه القِصَاصُ.
ومنهم من قَطَعَ بالتحتم في القَطْع الذي يُشْرَعُ حُدًّا، وهو قَطْعُ اليَدَيْنِ والرجلين، وَخَصُّوا 10 القولين بما لا يُشْرَعُ حدًا كَجَدْعِ الأَنْفِ والأُذُنِ، وَفَقْءِ العَيْنِ، ويخرج من الطريق عند الاختصار ثَلاَثَةَ أقوال أو أوجه، كما في الكتاب.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب "ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ" بالواو لِقَطْعِ مَنْ قَطَعَ في اليدين والرجلين بالتحتم [وأيضًا] 11 في "جمع الجوامع" للقاضي الرُّوَيَانِيِّ أن القاضي الطَّبَرِيَّ قال: لا يُعْرَفُ للشَّافِعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إلا أنه لا يتحتَّم، وهذا كالقَطْعِ بِنَفْسِ التَّحَتُّمِ.
وذكر ابن الصَّبَّاغ تَفْرِيعًا على الخِلاَفِ في أَن الجِرَاحَاتِ هل تَتَحَتَّمُ أنه لو قطع يَدَهُ، ثم قَتَلَهُ في المُحَاَرَبَةِ، فإن قلنا: الجِرَاحَةُ لا تَتَحَتَّمُ، فالحُكْمُ كما لو قَطَعَ في غير
الْمُحَارَبَةِ، ثم قتله في المُحَارَبَةِ، وسيأتي ذلك في الفَرْعِ الذي يَلِي هذا الفَرْعِ.
وإن قلنا: يَتَحَتَّمُ، فيقطع ثم يقتل، ولو قَطَعَ يَدَ إنسان في المُحَارَبَةِ، وأَخَذَ المَالَ، نظر إن قطع يَمِينَهُ فإن قلنا: [لا] 1 يَتَحتم، وعَفَا أَخَذَ دِيَة اليَدِ، وقطعنا يَمِينَ المُحَارِبِ وَرِجْلَهُ اليسرى حَدًّا، وإن لم يَعْفُ أو قلنا بالتحتم قُطِعَتْ يمينه بالقِصَاصِ، وتقطع رِجْلُهُ حَدًّا، كما لو قطع الطريق ولا يَمِين له.
وإن قطع يساره فإن قلنا: لا يتحتم، وعَفَا، أخذ الدِّية، وقطعت يده اليمنى، ورِجْلُهُ اليُسْرَى، وإن لم يَعْفُ أو قلنا بالتحتم قُطِعَتْ يساره، ويؤخر قَطْعُ اليمين والرجل اليُسْرَى إلى انْدِمَالِ اليَسَارِ ولا نوالي بين عُقُوبَتَيْنِ.
وقوله: "والثاني أنه يوالي" في الفَرْعِ الثاني إلى آخر الفَرْعِ، يوالي على قاطع الطريق بين قَطْعِ اليد والرجل، فإن قَطْعَهُمَا جميعًا عُقَوبَةٌ واحدة كالجلدات 2 في الحَدِّ الواحد، وإن كان مَقْطُوعَ اليمين، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليسرى، ولا تجعل اليَدُ اليُسْرَى بَدَلًا عن اليمنى كالسَّارِقِ [فإن] كانت يَدُهُ نَاقِصَةَ بإصبع 3 تُقْطَعُ يَدُهُ النَّاقِصَةُ، ولا تُقْطَعُ رجله، ويكتفي بما بقي من مَحَلِّ الحَدِّ، وإن كان مَفقُودَ اليَدِ اليمنى، والرِّجْلِ اليسرى، فحينئذ تُقْطَعُ يده اليسرى، ورِجْلُهُ اليمنى.
ولو قطع يَسَارَ إنسان واستحقت يَسَارُهُ قِصَاصًا، وسرق تُقْطَعُ يَسَارُهُ قصاصًا، ويُمْهَلُ إلى الاندمال، ثم تُقْطَعُ يمينه عن السَّرِقَةِ، ولا يوالي بينهما، فإنهما عُقُوبَتَانِ مختلفتان، وُيقَدَّمُ القِصَاصُ؛ لأنه حَقُّ آدَمِيِّ، والعقوبة التي هي حَقُّ الآدمي آكد من العُقُوبَةِ التي هي حَقُّ الله -تعالى- لأنها تسقط بما لا تَسْقُطُ به عقوبة الآدميين، فقدم الآكد وكذلك فَارَقَتِ العُقُوبَاتُ الحُقُوقَ المالية، حيث تَرَدَّدَتِ الأَقْوَالُ في أنه يُقَدَّمُ حق الله -تعالى- أو حَقّ الآدمي، أو يستويان؛ لأنهما اسْتَوَيَا في التَّأَكُّدِ، وَعَدَمِ السقوط بالشبهات 4 وتعارض فيهما حاجة الآدمي، والتَّأَكُّد بالإضافة إلى الله -تعالى- ومصرفه الآدَمِيّ أيضًا، فَتَرَدَّدَ القَوْلُ فيها.
هكذا ذكر الفرق الإمَامُ وغيره.
ولو وجب قَطْعُ اليد اليمنى، والرجل اليُسْرَى بقطع الطَّرِيقِ، وقطع اليد اليسرى بالقِصَاصِ، فكذلك يُقَدَّمُ قَطْعُ اليسرى قِصَاصًا، ثم تُمْهَلُ إلى الاندمال، ثم يقطع العضوان 5 لِقَطْعِ الطريق.
ولو قَطَعَ يَمِينَ إنْسَانٍ، واستحقَّتْ يَمِينُهُ قِصَاصًا، وقطع الطريق فإن عَفَا مُسْتَحِقُّ
القِصَاصِ، قُطِعَتْ يَمِينُهُ، ورجله اليسرى حَدًّا، وإلا فَيُقَدَّمُ القِصَاصُ، وتقطع الرِّجْلُ اليسرى عن الحَدِّ، وتقطع بعد القِصَاصِ عن اليمين في الحال، أو تُمْهَلُ إلى الاندمال 1؟ فيه وجهان:
أصحهما -وهو المَذْكُورُ في الكتاب: أنها تُقْطَعُ بلا إمْهَالٍ؛ لأن المُوَالاَةَ بين العُضْوَيْنِ مستحقة لولا القِصَاصُ، وما يخاف من المُوَالاَةِ لا يختلف بين أن يكون قَطْعُ اليمين عن الحد أيضًا، أو عن القِصَاصِ.
والثاني: يُمْهَلُ إلى الانتقال؛ لأن اليَمِينَ إذا لم تُقْطَعْ حَدًّا، فالمستحق عن جِهَةِ الحَدِّ، قطع الرجل لا غير، فَأَشْبَهَ ما إذا اسْتَحَقَّ طرفان 2 عن جهتين.
وإن اسْتَحَقَّتْ يَدُهُ اليمنى، والرجل اليسرى بالقِصَاصِ، وقطع الطريق، نظر إن عفا المُسْتَحِقُّ عن القصاص، قُطِعَ العُضْوَانِ عن الحد، وإن اقتصَّ 3 فيهما سَقَطَ الحد لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ الذي تَعَلَّقَ به، ولو قطع العضوين في قَطْعِ الطريق، وأَخْذِ المال أيضًا، فإن قلنا: الجِرَاحَةُ في قطع الطريق لا تَحتمُ، فالحُكْمُ كما لو قطع العضوين، لا في قَطْعِ الطريق، وقطع الطريق أيضًا.
وإن قلنا بالتَّحَتُّم قطعناهما قِصَاصًا، وسقط الحَدُّ.
كذلك ذكر الشيخ أبو حَامِدٍ، وابن الصَّبَّاغِ وغيرهما، وسووا بين أن يقطع العضوان 4 قبل أَخْذِ المَالِ أو بعده.
وقال الشيخ أبو [إسْحَاقَ] 5 الشيرازي: إن قلنا بالتَّحَتُّمِ، فإن تَقَدَّمَ أَخْذُ المال، واقتصَّ في العُضْوَيْنِ، سَقَطَ الحَدُّ.
وإن تقدم قَطْعُ العُضْوَيْنِ، ثم أخذ المال، فلا يسقط بالقِصَاصِ حَدُّ قَطْعِ الطريق، بل تُقْطَعُ يَدُهُ اليسرى، ورِجْلُهُ اليمنى؛ لأن اليَدَ اليُمْنَى والرجل اليسرى مُسْتَحِقَّانِ بَالقِصَاصِ، وكأنه قطع الطريق، وليس له يَمِينٌ ولا رجل يُسْرَى.
ولو قَطَعَ الرِّجْلَ اليسرى، واليَدَ اليمنى من إِنْسَانٍ، ولزمه القِصَاصُ فيهما، وقطع الطريق بما يوجب قَطْعَ اليَدِ اليمين، والرِّجْلِ اليسرى، فإنْ عَفَا مُسْتَحِقُّ القِصَاصِ، قطعت يَدُهُ اليمنى، ورِجْلُهُ اليسرى حَدًّا، وإلا اقتصَّ منه، ثم أمهِلَ [إلى] 6 الانْدِمَالِ، ثم يقام عليه الحَدُّ، وإن قَطَعَ اليَدَ اليمنى، والرجل اليسرى في قَطْعِ الطريق أيضًا، فإن قلنا بأن الجِرَاحَاتِ لا تحتمُ، وَعَفَا مُسْتَحِقُّ القصاص، أُقِيمَ عليَه الحَدُّ، وإن طلب القِصَاصَ وقلنا بالتَّحَتُّمِ، فيكون الحكم، كما لو قَطَعَ اليَدَ اليسرى، والرجل اليمنى لا في قَطْعِ الطريق.
وقد بَانَ.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ): إِذَا اجْتَمَعَتْ عُقُوبَاتٌ لِلآدَمِيِّينَ كَحَدِّ القَذْفِ والقَطْعِ والقَتْلِ وَطَلَبُوا جَمِيعًا جُلِدَ ثُمَّ قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقُّ القَتْلِ غَائِبًا لَمْ يُبَادَرْ إِلَى القَطْعِ بَعْدَ الجَلْدِ خَوْفاً مِنَ الْهَلاَكِ بِالْمُوَالاَةِ، وإنْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ حَقَّهُ اسْتَوْفَى الجَلْد وَتَعَذَّرَ القَتْلُ إِذْ فِيهِ تَفْوِيتُ القَطْعِ فَعَلَى مُسْتَحِقِّ القَتْلِ الصَّبْرُ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَقْطَعَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجْتَمَعَتْ على شَخْصٍ عُقُوبَاتُ الآدميين؛ كَحَدِّ القذف، والقطع قِصَاصًا [والقتل قصاصًا] 1 نظر [إن حَضَرَ] 2 المستحقُّون، وطَلَبُوا تَوْفِيَةَ حقوقهم جميعًا، جُلِدَ ثم قطع، ثم قتل، ويُبَادَرُ إلى القَتْلِ بعد القَطْعِ، ولا يُبَادَرُ إلى القطع بعد الجَلْدِ إن كان مُسْتَحِقُّ القَتْلِ غائبًا؛ لأنه قد يهلك بالمُوَالاَةِ، فيفوت قِصَاصُ النَّفْسِ، وتذهب النَّفْسُ هَدرًا، وإن كان حاضرًا وقال: لا تُؤَخِّرُوا القَطْعَ لي فإني أُبَادِرُ إلى القَتْلِ بعد القطع، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يُبَادر إليه؛ لأن التَّأْخِيرَ كان لحقه 3، وقد رَضِيَ بالتقديم.
وأظهرهما: المنع؛ خَوْفًا من أن تَهْلِكَ النفس بالمُوَالاَةِ.
ورأى الإِمام تَخْصِيصَ الوجهين بما إذا خِيفَ مَوْتُهُ بالمُوَالاَةِ بحيث يَتَعَذَّرُ قِصَاصُ النفس لانْتِهَائِهِ إلى حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، ورأى أن يقطع بالمُبَادَرَةِ إذا أمكن اسْتِيفَاءُ القِصَاص بعد القطع وإن لم يَجْتَمِعُوا على الطَّلَبِ، فإن أَخَّرَ مستحق النفس حَقَّهُ، جلد فإذا بَرِئَ قطع، وإن أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ حَقَّهُ، جُلِدَ، وَيَتَعَذَّرُ القَتْلُ بحق مُسْتَحِقِّ الطرف، فعلى مستحق النَّفْسِ الصَّبْرُ إلى أن يَسْتَوْفِي مُسْتَحِقُّ الطرف حَقَّهُ.
قال في "الوسيط": ولو مُكِّنَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ من القَتْلِ، وقيل لمستحق الطرف: بَادِرْ، وإلا ضَاعَ حَقُّكَ لفوات مَحِلِّهِ، لم يكن بعيدًا، ولو بَادَرَ مستحق النفس، وقَتَلَهُ كان مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ، ويرجع مُسْتَحِقُّ الطرف إلى الدية.
واعلم أن تَقْدِيمَ القَطْعِ على القَتْلِ إذا حضر المُسْتَحِقَّانِ قد سبق ذِكْرُهُ في الكتاب في الطَّرَفِ الثاني في حُكْمِ القِصَاصِ الواجب، ورَوَيْنَا هناك عن مَالِكٍ أنه يكتفي بالقتل عن القَطْعِ.
ويجوز أن يُعْلَمَ لذلك قَوْلُهُ هاهنا: "ثم قطع" بالميم.
ولو أخر مُسْتَحِقُّ الجَلْدِ حَقَّهُ، فقياس ما سَبَقَ أن يَصْبِرَ الآخَرَانِ، وإذا اجتمع على وَاحِدٍ حُدُودُ قَذْفٍ لجماعة، فَيُحَدُّ لكِل واحد منهم حَدًّا، ولا يوالي بينها، بل إذا حُدَّ
لِوَاحِدٍ أُمْهِلَ حتى يَبْرَأَ 1 جِلْدُهُ، ثم يُحَدُّ للآخر.
هكذا أَوْرَدَهُ صاحب "التهذيب" وغيره، لكن قد مَرَّ في القِصَاصِ أنه يوالي في قَطْعِ الطرف قِصَاصًا، وقياسه أن يُوَالي بين الْحُدُودِ، وذكروا تَفْريعًا على الأَوَّلِ وَجْهَيْنِ في أنه لو وَجَبَ على العَبْدِ حَدّانِ [لقذف] 2 شخصين، هل يوالي بينهما؟
أصحهما: عند صاحب "التهذيب" المَنْعُ؛ لأنهما حَدّانِ.
والثاني: يوالي؛ لأنهما جميعًا كَحَدٍّ يُقَامُ على الحُرِّ وقال الرُّوَيانِيُّ: هذا أَقْرَبُ إلى المَذْهَبِ، وأما ترتيب حُدُودِ القَذْفِ، فينبغي أن يُقَال: إن قذفهم على الترتيب حُدَّ الأول فالأول، وإن قَذَفَهُمْ بكلمة واحدة وقلنا بِتَعَدُّدِ الحد، وهو الأَصَحُّ فَيُقْرَعُ بينهم.
قال الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعُ): إِذَا اجْتَمَعَ حُدُود للهِ تَعَالَى كَحَدِّ الشُّرْبِ وَالقَذْفِ وَالزِّنَا وَقَطْعِ السَّرِقَةِ وَالقَتْلِ فَالْبِدَايَةُ بِالأَخَفِّ ثُمَّ يُمْهَلُ إِلَى الانْدِمَالِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ القَتْلُ فَلاَ إِمْهَالَ، وَلَوِ اجْتَمَعَ حَدُّ القَذْفِ وَحَدُّ الشُّرْبِ قُدِّمَ حَدُّ القَذْفِ لِأَنَّه حَقُّ الآدَمِيِّ، وَعَلَى وَجْهٍ يُقَدَّمُ حَدُّ الشُّرْبِ لِأَنَّه أَخَفُّ، وَمَنْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ ثُمَّ زَنَى وَهُوَ ثَيِّبٌ انْدَرَجَ جَلْدُهُ عَلَى الأَصَحِّ تَحْتَ الرَّجْمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا اجتمع على وَاحِدٍ حُدُودٌ لله -تعالى- بأن شَرِبَ 3 وَزَنَا، وهو بِكْرٌ وسرق، ولزمه القَتْلُ بالرِّدَّةِ، فيقدم الأَخَفُّ فالأَخَفُّ، ويجب رِعَايَةُ هذا الترتيب، والإِمْهَال؛ سَعْيًا في إقامة الجَمِيعِ، وَأَخَفُّهَا حَدُّ الشرب، فيقام [به] ثم يُمْهَلُ حتى يبرأ 4، ثم يُجْلَدُ للزنا، ويُمْهَلُ، ثم يُقْطَعُ، فإذا لم يَبْقَ إلا القَتْلُ قُتِلَ، ولم يؤخّر.
وفيما علق عن أبي بكر الطُّوسِيِّ وجه أنه إذا كان في العُقُوبَاتِ [قتل] 5 يوالي بينها، بلا إِمْهَالٍ، والمذهب المشهور الأَوَّلُ.
وإن اجتمع معها أَخْذُ المَالِ في المُحَارَبَةِ، قطعت يَدُهُ ورجله بعد جَلْدِ 6 الزنا، وهل يوالي بين قَطْعِ اليدِ والرِّجْلِ، أو يؤخّر قطع الرجل إلى أن يَنْدَمِلَ قطع اليد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن اليَدَ مَقْطُوعَةٌ عن السَّرِقَةِ، والرجل عن المُحَارَبَةِ، ولا مُوَالاَةَ بين الحَدَّيْنِ.