العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 243-282

أشهرهما، وبه قال ابن سريج وابن الوكيل والاِصْطَخْري: أنه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يَبْرأ ولا يرد عليه بحال، وبه قال أبو حنيفة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤْمِنُون عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" 1. وأيضا فإن خيار العيب إنما يثبت لاقتضاء مطلق العقد السلامة فإذا صرح بالبراء فقد ارتفع الإِطْلاَق.
وثانيها: أنه لا يبرأ عن عيب ما؛ لأنه خيار ثابت بِالشَّرْع فلا ينفى بالشَّرْط كسائر مقتضيات العَقْد، وأيضاً فإن البراءة من جملة المرافق، فلتكن معلومة كالرَّهْن والكَفِيل، والعيوب المطلقة مجهولة، وبهذا القول قال أحمد في رواية، وعنه في رواية أخرى: أنه لا يبرأ عما لا يعلمه دون ما يعلمه.
وثالثها، وهو الأصح ويروى عن مالك: أنه لا يبرأ في غير الحَيَوَان بحال، ويبرأ في الحيوان عما لا يعلمه دون ما يعلمه، لما روي: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- بَاعَ عَبْداً مِنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتِ -رضي الله عنه- بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ، فَأصَابَ زَيْدٌ بِهِ عَيْباً، فأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- فَلَمْ يَقْبَلهُ، فَتَرَافَعَا إِلَى عُثْمَانَ -رضي الله عنه- فقَالَ عُثْمَانُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَتَحْلِفُ أَنَّكَ لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ؟ فَقَالَ: لاَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَبَاعَهُ ابْنُ عمَرَ -رضي الله عنهما- بِأَلْفِ دِرْهِمٍ" 2. فرّق عثمان وزيد -رضي الله عنهما- بين أن يكون العيب معلوماً أو لا يكون، والفرق بينهما من جهة المعنى أن كتمان المعلوم يلتبس، [فلا يبرأ منه] والفرق بين الحيوان وغيره ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه- قال: الحيوان يغتذي بالصِّحة والسِّقم ونُحُول طَبَائعه وقل ما يبرأ من عيب يَخْفى أو يظهر.
معناه: أنه يغتذي ويأكل في حالتي صحته وسقمه ونحول طبيعته، وقل ما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر، فيحتاج البائع إلى هذا الشرط فيه ليثق بلزوم البيع.
= الحسن وزفر.
لا يدخل في البراءة إلا العيب الموجود وقت العقد.
وفرعوا على ذلك أن للمشتري الحق في أن يرد المبيع بعيب حدث قبل القبض وبعد العقد.
لأن المتبادر من شرط البراءة هو انصرافه إلى الموجود حين الشرط فقط فيقتصر عليه، ويبقى ما عداه على الأصل وقال أبو حنيفة وأبو يوسف.
يدخل في البراءة الموجود وقت العقد والحادث قبل القبض.
وفرعوا على ذلك أنه ليس للمشتري الحق في أن يرد بعيب حدث قبل القبض.
لأن الغرض من شرط البراءة هو إلزام البيع بإسقاط حق المشتري في وصف السلامة وهو يتناول الموجود حين العقد والحادث قبل القبض.
ينظر الخيار للشيخ مندور.

والطَّرِيق الثاني، وبه قال ابْنُ خَيْرَان وأَبو إِسْحَاق: القطع بالقول الثالث، ونصه في "المختصر"، واختلاف العراقيين بهذا أشد إِشْعاراً، وزاد القاضي المَاورْدِيّ طريقة ثالثة حكاها عن ابن أبي هريرة، وهي أنه يبرأ في الحيوان من غير المعلوم دون المعلوم، ولا يَبْرَأُ في غير الحيوان من المعلوم، وفي غير المعلوم قولان، ويخرج من منقول الإمام طريقة رابعة، وهي إثبات ثلاثة أقوال في الحيوان وغيره، وثالثها الفرق بين المعلوم وغير المعلوم.
ولو قال: بِعْتُك بشرط أَلاَّ ترد بالعيب جرى فيه هذا الاخْتِلاف، وزعم صاحب "التتمة": أنه فاسد قطعاً مفسد للبيع.
ولو عين بعض العيوب، وشرط البراءة عنه، نظر إن كان مِمَّا لا يُعاين مثل أن يقول: بشرط براءتي من الزنا والسرقةُ والإباق، برئ منها بلا خلاف؛ لأن ذكرها إعلام واطِّلاع عليها، وإن كان مما يعاين كالبَرَص، فإن أراه قدره وموضعه فكمثل، وإن لم يره فهو كشرط البراءة مطلقاً لتفاوت الأغراض باختلاف قدره وموضعه هكذا فصّلوه، وكأنهم تكلَّموا فيما يعرفه في المبيع من العيوب.
فأما ما لا يعرفه ويريد البراءة عنه لو كان فقد حكى الإمام تفريعاً على فساد الشرط فيه، مخرجاً على ما ذكرنا من المعنيين في التَّعليل.
التفريع: إن بطل هذا الشرط، ففي العقد وجهان: أحدهما: يبطل كسائر الشُّرُوط الفَاسِدة.
وأظهرهما: أنه يصحُّ لاشتهار القِصَّة المذكورة بين الصَّحابة -رضي الله عنهم- وعدم إنكارهم -رضي الله عنهم- وأيضاً فإنه شرط يؤكد العقد، ويوافق ظاهر الحال، وهو السلامة عن العيوب، وإن صح فذلك في العُيُوب الموجودة عند العقد.
أما الحادثة بعده وقبل القبض، فيجوز الرَّدُّ بها.
ولو شرط البراءة عن العُيُوب الكائنة، والَّتي تحدث ففيه وجهان: أصحهما، ولم يذكر الأكثرون غيره: أنه فاسد، فإن أفرد ما سيحدث بالشَّرط فهو بالفساد أوْلى، وإن فرعنا على القول الثاني، فكما لا يَبْرَأُ عما علمه وكتمه كذلك لا يَبْرَأُ عن العيوب الظَّاهرة من الحيوان لسهولة البحث عنها والوقوف عليها، وإنما يَبْرَأُ من عيوب باطن الحيوان الَّتِي لا يعلمها.
ومنهم من اعتبر نفس العلم ولم يفرق بين الظاهر والباطن، وهل يلحق ما مأكوله في جوفه بالحيوان؟ قيل: نعم لعسر الوقوف.
وقال الأكثرون: لا لتبدُّل أحوال الحيوان، هذا فقه الفصل.
وأما لفظ الكتاب، فاعلم: أنه لما عد أنواع خيار النقيصة، أراد أن يبين ما يسقطه فقال: هذه أسباب الخيار، أما دوافعه ومسقطاته وإنما جمع بين هاتين اللفظتين؛ لأن

منها ما يدفع كشرط البراءة، ومنها ما يسقط بعد الثّبوت كالتقصير، وإنما قال: "أعني في خيار النَّقيصة"؛ لأن هذه الأمور لا تعلّق لها بخيار التَّروي، على أن جميعها لا يشمل أنواع خيار النقيصة أيضاً، فإن شرط البراءة لا مدخل له في خيار الخُلْف، وخيار التَّصْرِية.
ثم لا يخفى أن إيراد الكتاب إنما يتمشى على طريقة إثبات الأقوال، وأنه أدرج فيه الخلاف وفي أن فساد الشرط هل يتعدى إلى فساد العقد؟ وقوله: "ويصح في الحيوان ويفسد في غيره"، إنما يخرج على الطريقة التي نقلها الإمام، ومواضع العلامات سهلة المدرك على العارف بما قدمنا -والله أعلم-.
قال الغزالي: (الثَّانِي): هَلاَكُ المَعْقُودَةِ عَلَيْهِ، فَلَوِ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ العَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلاَ رَدَّ إِذْ لاَ مَرْدُودَ، فلَوْ كَانَ العَبْدُ قَائِماً وَالثَّوْبُ الَّذِي هُو عِوَضُهُ تَالِفاً رُدَّ العَبْدُ بِالعَيْب وَرَجَعَ إِلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ، وَالعِتْقُ وِالاسْتِيلاَدُ كَالهَلاكِ، وَهَل يَجُوزُ أَخْذُ الأَرْشِ بالتَّراضِي مَعَ إِمْكَانِ الرَّدِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وإذَا عَجَزَ عَنِ الرَّدِّ فَلَه الأَرْشُ، وَهوَ الرُّجُوعُ إلَى جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ يُعْرَفُ قَدْرُهُ بِمَعَرِفَةِ نِسْبَةِ قَدْرِ نُقْصَانِ العَيْبِ مِنْ قِيمَةِ المَبِيعِ فَيَرْجِعُ مِنَ الثَّمَنِ بِمثْلِ نِسْبَتِهِ، وَزَوَالُ المِلْكِ عَنِ المَعِيب يَمْنَعُهُ مِنَ الرَّدِّ فِي الحَالِ، وَلاَ يَمْنَعُ طَلَبَ الأَرْشِ فِي الحَالِ لِتَوَقُّعِ عَوْدِ المِلْكِ عَلَى الأًصَحِّ، وَلَوْ عَادَ المِلْكُ إِلَيْهِ ثُمَّ أطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فلَهُ الرَّدُّ عَلَى الأَصَحِّ، فالزَّائِلُ العَائِدُ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ.
قال الرافعي: من موانع الرَّد: أن لا يتمكّن المشتري من رد المبيع، وذلك قد يكون لهلاكه وقد يكون مع بقائه.
وعلى التقدير الثاني، فربما كان لخروجه عن قبول النقل من شخص إلى شخص، وإنما كان مع قبوله للنقل.
على الثاني فربما كان لزوال ملكه، وربَّمَا كان مع بقائه لتعلق حق مانع.
وكلام الكتاب يتعرض أكثر هذه الأحوال، فنشرح ما تعرض له، ونضم الباقي إليه مختصرين، وبِاللَّه التوفيق.
الحالة الأولى والثانية: إذا هلك المبيع في يد المشتري، بأن مات العبد أو قتل أو تلف الثوب أو أكل الطعام، أو خرج عن أن يقبل النَّقْل من شخص إلى شخص، كما إذا أعتق العبد أو ولد الجارية أو وقف الضيعة، ثم عرف كونه معيباً فقد تعذَّرَ الرد لفوات المردود، ولكن يرجع على البائع بالأَرْش 1، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا أَرْشَ له إذا هلك بنفسه بالقتل ونحوه.

لنا القياس على العِتْق والموت بجامع أنه عيب اطلع عليه بعد اليأس عن الرد، والأَرْش جزء من الثَّمن نسبته إليه نسبة ما ينقص العيب من قيمة المبيع لو كان سليماً إلى تمام القيمة، وإنما كان الرجوع بجزء من الثمن؛ لأنه لو بقي كلّ المبيع عند البائع، كان مضموناً عليه بالثمن، فإذا احتبس جزء منه كان مضموناً بجزء من الثمن.
مثاله: إذا كانت القيمة مائة دون العيب وتسعين مع العيب، فَالتَّفَاوت بالعشر، فيكون الرجوع بعشر الثمن؟ وإن كان مائتين فبعشرين، وإنْ كان خمسين فبخمسة، والاعتبار بأي قيمة؟ نقل عن نصه في موضع أن الاعتبار بقيمة يوم البيع.
وعن رواية ابن مِقْلاص: أن الاعتبار بقيمة يوم القبض، فمنهم من جعلهما قولين، وأضاف إليهما ثالثاً وهو أصحها وهو أن الاعتبار بأقل القيمتين منهما.
وجه الأول: أن الثمن يومئذ قابل المييع.
ووجه الثاني: أنه يوم دخول المبيع في ضمانه.
ووجه الثالث: أن القيمة إن كانت يوم البيع أقل، فالزيادة حدثت في ملك المشتري، وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص، نقص من ضمان البائع.
والأكثرون قطعوا باعتبار أقلّ القيمتين، وحملوا كل نصّ على ما إذا كانت القيمة المذكورة أقل، وإذا ثبت الأَرْش، فإنْ كان الثمن بعد في ذمة المشتري فيبرأ عن قدر الأَرْش بمجرد الاطلاع على العيب أو يتوقف على الطالب، فيه وجهان: أظهرهما: الثاني، وإن كان قد وفاه وهو باق في يد البائع، فيتعيّن لحق المشتري أو يجوز للبائع إبداله؛ لأنه غرامة لحقته، فيه وجهان: أظهرهما: الأول، ولو كان المبيع باقياً والثمن تالفاً جاز الرد ويأخذ مثله إنْ كان مثلياً، وقيمته إن كان متقوماً أقل ما كانت من يوم البيع إلى القبض؛ لأنها إنْ كانت يوم العَقْد أقل فالزيادة حدثت في ملك البائع، وإنْ كانت يوم القبض أقل، فالنقصان من ضمان المشتري، ويشبه أن يجيء فيه الخلاف المذكور في اعتبار الأرْش، ويجوز الاسْتِبْدال عنه كما في القرض، وخروجه عن ملكه بالبيع ونحوه كالتَّلف.
= منها: إذا كان المبيع ربوياً وعلم غيبه بعد تلفه وكان قد اشتراه بجنسه؛ فإنه يمتنع أخذ الأرش على الصحيح بل يفسخ ويسترد الثمن ويغرم بدله.
ومنها: إذا لم تنقص القيمة بالعيب أما لو خرج خصياً.
ومنها: لو باعه بشرط الرهن على الثمن وأقبضه إياه ثم هلك أو تغيب ثم بأن عيب قديم بالرهن فلا أرش.
جزم به الرافعي في الكلام على بيع وشرط.
قال: والأصح لا فسخ أي الرهن لتعذر رده كما أخذه.

ولو خرج وعاد، فهل يتعيّن لأخذ المشتري أو للبائع إبداله؟ فيه وجهان: أصحهما: أولهما، وإن كان الثمن باقياً بحاله، فإن كان معيناً في العقد أخذه، وإن كان في الذمة وبعده، ففي تعيينه لأخذ المشتري وجهان، وإن كان ناقصاً، نظر إن تلف بعضه أخذ الباقي بدل التالف، وإن رجع النقصان إلى الصفة كالشَّلَل ونحوه لم يغرم الأَرْش في أصح الوجهين، كما لو زاد زيادة متصلة يأخذها مجاناً.
فرع: لو لم تَنْقص القيمة بالعيب، كما لو خرج العَبْد خَصِيّاً فلا أرش كما لا رد.
فرع آخر: لو اشترى عبداً بشرط العتق، ثم وجد به عيباً بعدما أعتقه.
نقل القاضي ابن كج عن أبي الحسين بن القطان: أنه لا أَرْش له هاهنا، لأنه وإنْ لم يكن معيباً لم يمسكه، ونقل عنه وجهين فيما إذا اشترى من يعتق عليه ثم وجد به عيباً، قال: وعندي له الأَرْش في الصورتين.
الحالة الثالثة: إذا زال ملكه عن المبيع ثم عرف العيب فلا رد في الحال، وهل يرجع بالأَرْش إن زال الملك بعوض كالهِبَة بشرط الثواب والبيع؟ فقولان: أحدهما: نعم، لتعذر الرد، كما لو مات العبد وأعتقه، وهذا مخرج خرجه ابن سريج، وفي رواية البُويطي ما يقتضيه، وعلى هذا لو أخذ الأَرْش ثم رده عليه مشتريه بالعيب، فهل يرده مع الأرْش ويسترد الثمن؟ فيه وجهان: أصحهما وهو المنصوص: أنه لا يرجع بالأَرْش، ولم لا يرجع؟ قال أبو إسحاق وابن الحداد: لأنه استدرك الظّلاَمة، وروّج المعيب كما رّوج عليه.
وقال ابن أبي هريرة؛ لأنه لم ييأس من الرد، فربما يعود إليه ويتمكّن من رده، وهذا أصح المعنيين عند الشيخ أبي حامد والقَاضي أبي الطَّيب، ورأيته منصوصاً عليه في اختلاف العراقيين، وإن زال الملك بغير عوض فعلى تخريج ابْنِ سُرَيج يرجع بالأَرْش، وعلى المنصوص فيه وجهان مبنيان على المعنيين، إنْ علَّلنا بالأول يرجع؛ لأنه لم يستدرك الظُّلاَمة، وإن عللنا بالثاني فلا؛ لأنه ربما يعود إليه.
ومنهم من حكى القَطْع بعدم الرجوع هاهنا، وأيد به المعنى الثاني.
ولو عاد الملك إليه بعد ما زال، نظر أزال بعوض أولاً بغير عوض.
القسم الأول: أن يزول بعوض كما لو باع، فينظر هل عاد بطريق الرد بالعيب أو غيره؟ [وفيه قسمان]: القسم الأول: أن يعود بطريق الرد بالعيب، فله أيضاً رده على بائعه؛ لأنه زال التَّعذر الَّذِي كان وتبين أنه لم يستدرك الظّلاَمة، وليس للمشتري الثَّاني ردّه على البائع

الأول؛ لأنه ما تلقى الملك منه، ولو حدث به عيب في يد المشتري الثاني ثم ظهر عيب قديم، فعلى تخريج ابن سريج: للمشتري الأول أخذ الأَرْشِ من بائعه كما لو لم يحدث عيب، ولا يخفى الحكم بينه وبين المشتري الثَّاني، وعلى الأصح ينظر إنْ قبله المشتري الأول مع العيب الحادث، خير بائعه فإن قبله فذاك، وإلاَّ أخذ الأَرْش منه.
وعن أبي الحسين: أنه لا يأخذه واسترداده رضا بالمعيب وإن لم يقبله، وغرم الأرْش للثَّاني ففي رجوعه بالأَرْش على بائعه وجهان: أحدهما: لا يرجع، وبه قال ابن الحَدَّاد؛ لأنه ربما قبله بائعه، لو قبله هو فكان متبرعاً بغرامة الأرش.
وأظهرهما: أنه يرجع، لأنه ربما لا يقبله بائعه فيتضرر.
قال الشيخ أبو علي: يمكن بناء هذين الوجهين على ما سبق من المعنيين إن عللنا بالأول، فإذا غرم الأرض زال استدراك الظّلامة فيرجع، وإن عللنا بالثاني فلا يرجع؛ لأنه ربما يرتفع العَيْب الحادث فيعود إليه.
قال: وعلى الوجهين جميعاً لا يرجع ما لم يغرم للثاني، فإنه ربما لا يطالبه الثَّاني بشيء، فيبقى مستدركاً للظلامة.
ولو كانت المسألة بحالها، وتلف المَبِيع في يد المشتري الثَّاني، أو كان عبدًا فأعتقه، ثم ظهر العيب القديم رجع الثَّاني بالأَرْش على الأول، والأول بالأرش على بائعه بلا خلاف لحصول اليأس عن الرد، لكن هل يرجع على بائعه قبل أن يغرم المشتري؟ فيه وجهان مبنيان على المعنيين، وإن عللنا باستدراك الظلامة فلا يرجع ما لم يغرم وإن علّلنا بالثاني يرجع، ويجري الوجهان فيما لو أَبْرأه الثاني هل يرجع هو على بائعه؟ القسم الثاني من الأول: أن يعود إليه لا بطريق الرَّد، كما إذا عاد بِإِرْث أو اتِّهَاب أو قبول وَصِية أَوْ إِقَالة، فهل له رده على بائعه؟ فيه وجهان ذوا مأخذين: أحدهما: البناء على المعنيين السَّابقين، إنْ عللنا بالأول لم يرد، وبه قال ابن الحداد؛ لأن استدراك الظّلاَمة قد حصل بالبيع، ولم يبطل ذلك الاستدراك بخلاف ما لو رد عليه بالعيب.
وإن عللنا بالثاني يرد لزوال العذر وحصول القدرة على الرد، كما لو رد عليه بالعيب.
والثاني: أن الملك العائد هل ينزل منزلة غير الزائل؟ ففي جواب: نعم؛ لأنه عين ذلك المال وعلى تلك الصفة.
وفي جواب: لا؛ لأنه ملك جديد والملك نقص لذلك، وهذا أصل يخرج عليه مسائل: منها: لو أفلس بالثمن وقد زال ملكه عن المَبِيع وعاد، هل للبائع الفسخ؟

ومنها لو زال ملك المرأة عن الصَّدَاق وعاد ثم طلقها قبل المسيسِ، هل يرجع في نصفه أو يبطل حقه من العين كما لو لم يعد؟ ومنها: لو وهب من ولده وزال ملك الولد وعاد، هل للأب الرجوع؟ ولو عاد إليه بطريق الشراء، ثم ظهر عيب قديم كان في يد البائع الأول، فإن عللنا بالمعنى الأول، لم يرد على البائع الأول لحصول الاستدراك ويرد على الثاني، وإن عللنا بالثاني فإن شاء رد على الثاني، وإن شاء رد على الأول، وإذا رد على الثاني فله أنْ يرده عليه، وحينئذ يرد هو على الأول، ويجيء وجه: أنه لا يرد على الأول بناء على أن الزائل العائد كالذي لم يعد، ووجه: أنه لا يرد على الثاني؛ لأنه لو رد عليه لرد هو ثانياً عليه، وسنذكر نظيره.
القسم الثَّاني: أن يزول بلا عوض، فينظر إن عاد لا بعوض أيضاً، فجواز الرد مبني على أنه: هل يأخذ الأَرْش لو لم يعد؟ إن قلنا: لا، فله الرد؛ لأن ذلك لتوقع العود.
وإنْ قلنا: يأخذ، فهل ينحصر الحق فيه أو يعود إلى الرد عند القدرة؟ فيه وجهان، وإن عاد بعوض كما لو اشتراه، فإن قلنا: لا رد في الحالة الأولى فكذلك هاهنا، ويرد على البائع الأخير.
وإنْ قلنا: يرد، فهاهنا يرد على الأول أو على الأخير، أو يتخير فيه ثلاثة أوجه خارجه مما سبق.
فرع: باع زيد شيئاً مِنْ عمرو ثم اشتراه منه، وظهر به عيب كان في يد زيد، فإن كانا عالمين بالحال فلا رد، وإن كان زيد عالماً فلا رد له ولا لعمرو أيضاً لزوال ملكه ولا أَرْشَ له على الصحيح لاستدراك الظلامة أو لتوقع العود، فإن تلف في يد زيد، أخذ الأرش على التعليل الثاني، وهكذا الحكم لو باعه من غيره، وإن كان عمرو عالماً فلا رد له ولزيد الرد، وإن كانا جاهلين فلزيد الرد إن اشتراه بغير جنس ما باعه أو بأكثر منه، ثم لعمرو أن يرد عليه وإن اشتراه بمثله فلا رد لزيد في أحد الوجهين؛ لأن عمراً يرده عليه، فلا فائدة فيه، وله ذلك في أصحهما؛ لأنه ربما يرضى به فلا يرد، ولو تلف في يد زيد ثم عرف به عيباً قديماً، فحيث يرد لو بقي يرجع بالأرش، وحيث لا يرد لا يرجع.
الحالة الرابعة: إذا تعلَّق به حق كما لو رهنه ثم عرف العيب فلا رد في الحال، وهل يأخذ الأرش؟ إن عللنا باستدراك الظلامة فنعم، وإنْ عللنا بتوقع العود فلا، وعلى هذا فلو تمكَّن من الرَّد رد، ولو حصل اليأس أخذ الأَرْش، ولو كان قد أجر ولم نجوِّز بيع المستأجر فهو كالرَّهْن، وإن جوزناه فإن رضي البائع به مسلوب المنفعة مدة الإِجارة رد عليه، وإلا تعذَّر الرد، وفي الأرش الوجهان، ويجريان فيما لو تعذر الرد بغصب أو

إباق، ولو عرف العيب بعد تَزْوِيج الجارية أو العبد، ولم يرض البائع بالأَخْذ، قطع بعضهم بأن المشتري يأخذ الأرش هاهنا.
أما على المعنى الأول فظاهر.
وأما على الثاني؛ فلأن النكاح يراد للدوام، فاليأس: حاصل واختار القاضي الرُّويَانِيُّ وصاحب "التتمة" ما ذكروه، ولو عرفه بعد الكتابة، ففي "التتمة" أنه كالتزويج.
وذكر الماوردي: أنه لا يأخذ الأرش على المعنيين، بل يصبر؛ لأنه قد استدرك الظلامة بالنجوم، وقد يعود إليه بالعجز فيرده.
والأظهر: أنه كالرهن، وأنه لا يحصل استدراك بالنُّجُوم.
وقوله في الكتاب: "فله الأَرْش، وهو الرجوع إلى جزء من الثمن" لا يعود وقوله: هو إِلَى الأَرْش، فإن الأرش ليس هو الرجوع إلى الثمن، وإنما هو جزء من الثمن، بل المعنى أن استحقاق الأرش هو الرجوع إليه.
وقوله: "ولا يمتنع طلاب الأَرْش في الحال لتوقّع عود الملك"، معناه: أنا لا نقول بامتناع طلب الأَرْش بسبب هذا التوقع، لا أنه تعليل لعدم الامتناع، ثم اعلم: أن طريقة الجمهور بناء طلب الأرش في الحال، والرد عند العود على المعنيين كما حكيناها مهذبة، وصاحب الكتاب وشيخه بنيا الرد عند المآل على أن الزَّائل العائد كالَّذي لم يزل أو كالذي لم يعد، وبنيا أخذ الأرش في الحال على الرد في المآل، إن لم يَجُز الرد في المآل جاز أخذ الأرش في الحال، وإن جاز ففي الأرش في الحالة للحيلولة وجهان كالقولين في شهود المآَل إذا رجعوا، هل يغرمون للحيلولة؟ ومثل هذا التصرف محمود في الفقه، لكن الذهاب إلى أنَّ طلب الأَرْش في الحال جائز خلاف المذهب المشهور.
فاعرف ذلك، وقد أجاب صاحب الكتاب فيما إذا وجد بالشِّقْصِ عيباً بعد أخذ الشّفيع بأنه لا أرش له، على خلاف ما رجحه هاهنا والخلاف واحد -والله أعلم-.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ): القصير بَعْدَ مَعْرِفَةِ العَيْبِ سَبَبُ بُطْلاَنِ الْخِيَارِ وَفَوَاتِ المُطَالَبَةِ بالأَرْشِ لِتَقْصِيرِهِ، وتَرْكُ التَّقْصِيرِ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فِي الوَقْتِ إِنْ كَانَ حَاضِراً، وَإِنْ كَانَ غَائِباً أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ حَاضِرَيْنِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَضَرَ عِنْدَ القَاضِي.
قال الرافعي: الرَّد بالعَيْبِ على الفور 1، ويبطل بالتأخير من غير عذر؛ لأن

الأصل في البيع اللزوم، فإذا أمكنه الرَّد وقصّر لزمه حكمه، ولا يتوقف على حضور الخَصْم وقضاء القاضي، وقال أبو حنيفة: إن كان قبل القبض، فلا بد من حضور الخصم ولا يشترط رضاه، وإن كان بعده، فلا بد من رضاه أو قضاء القاضي، لنا ما مر في خيار الشرط.
إذا تقرر ذلك فالمبادرة إلى الرد معتبرة بالعادة، فلا يؤمر بالعَدْوِ والرَّكض ليرد، ولو كان مشغولاً بصلاة أو أكل أو قضاء حاجة، فله التأخير إلى أن يفرغ، وكذا لو اطلع حين دخل وقت هذه الأمور فاشتغل بها فلا بأس، وكذا لو لبس ثوباً أو أغلق باباً، ولو وقف عليه ليلًا، فله التأخير إلى أنْ يصبح 1. وإذا لم يكن عذر، فقد ذكر حجة الإسلام هاهنا وفي "الوسيط": أنه إن كان البائع حاضراً يرد عليه، وإن كان غائباً تلفَّظ بالرد، وأشهد عليه شاهدين، فإن عجز حضر عند القاضي وأعلمه الرد، ولو رفع إلى القاضي، والمردود عليه حاضر.
قال في "الوسيط": هو مقصر، وأشار في "النهاية" إلى خلاف فيه، وقال: هذا ظاهر المذهب، لكنه ذكر في الشّفْعَة: أن الشفيع لو ترك المشتري، وابتدر إلى مجلس الحكم واسْتَعْدَى عليه، فهو فوق مطالبة المشتري؛ لأنه ربما يحوجه آخراً إلى المرافعة، وحكيا معاً وجهين فيما إذا تمكَّن من الإشهاد فتركه، ورفع إلى القاضي، وفي الترتيب المذكور إشكال؛ لأن الحضور في هذا الموضع، إما أن يعني به الاجتماع في المجلس أو السكون في البلدة.
فإن كان الأول، فإذا لم يكن البائع عنده، ولا وجد الشهود لم يسع إلى القاضي، ولا يسعى إلى البائع، واللائق بمن يمنع من المبادرة إلى القاضي، إذا وجد البائع أن = ليس معقوداً عليه، وإنما يثبت الفور فيما يؤدي رده إلى رفع العقد إبقاه للعقد.
قال في المهمات: واستفدنا من ذلك أن كل حق ثبت في الذمة لا يجب فيه الرد على الفور سواء كان مبيعاً كما إذا أسلم بلفظ البيع أو كان ثمناً للمبيع أو دين سلم.
انتهى.
واعلم أنه يستثنى مما ذكر الشيخ مسائل: منها: الجاهل به لقرب عهده بالإسلام.
ومنها: إباق العبد المبيع في يد البائع قبل القبض، فإن المشتري إذا اطلع عليه فأخر الرد لم يبطل حقه بل لو صرح بإسقاطه قبل قبضه لم يسقط على الأصح.
ومنها: لو وجبت زكاة المال على المشتري ثم اطلع على عيب قديم فليس له الرد بالعيب قبل إخراج الزكاة إذ للساعي الأخذ من عينها ولا يبطل حق الرد بالتأخير قبل الأداء لعدم تمكنه منه.
كما ذكروه في كتاب الزكاة.

يمنع منها إذا أمكنه الوصول إليه.
وإن كان الثاني، فأي حاجة إلى أن يقول: شاهدين حاضرين، ومعلوم أنَّ الغائب عن البلد لا يمكن إشهاده على التفسيرين يكون حضور مجلس الحكم مشروطاً بالعجز عن الإشهاد بعيد.
أما على الأول: فلأن حضور مجلس الحكم قد يكون أسهل عليه من إحضار من يشهده، أو الحضور عنده.
وأما على الثاني: فلأنه لو اطلع على العيب وهو حاضر في مجلس الحكم ينفذ فسخه ولا يحتاج إلى الإشهاد، بل يتعين عليه ذلك إن أراد الفسخ، فظهر أنَّ التَّرتيب الذي يقتضيه ظاهر لفظ الكتاب غير مرعي.
واعلم بعد ذلك: أَنَّ القول في كيفية المُبَادرة وما يكون تقصيراً وما لا يكون، إنما يبسط في "كتاب الشفعة"، وأذكر هاهنا ما لا بد منه، فأقول: الذي فهمته من كلام الأصحاب أن البائع إذا كان في البلد رد عليه بنفسه أو بوكيله، وكذا لو كان وكيله حاضراً، ولا حاجة إلى المرافعة، ولو تركه ورفع الأمر إلى مجلس الحكم فهو زيادة توكيد.
وحاصل هذا: تخييره بين الأمرين، وإن كان غائباً عن البلد رفع الأمر إلى مجلس الحكم 1. قال القاضي الحسين في "فتاويه" يدَّعي شراء ذلك الشيء من فلان الغائب بثمن معلوم، وأنه أقبضه الثمن، ثم ظهر العيب، وأنه فسخ البيع ويقيم البَيِّنة على ذلك في وجه مسَّخر 2 ينصبه القاضي، ويحلفه القاضي مع البينة؛ لأنه قضاء على الغائب، ثم يأخذ المبيع منه ويضعه على يدي عدل، والثمن يبقى دَيْنًا على الغائب فيقضيه القاضي من ماله، فإن لم يجد له سوى المبيع باعه فيه، إلى أن ينتهي إلى الخَصْم أو القاضي في الحالتين، لو تمكن من الإشهاد على الفسخ هل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان: منقول صاحب "التتمة" وغيره منهما: اللزوم 3، ويجري الخلاف فيما إذا أخر بعذر مرض أو غيره، ولو عجز في الحال عن الإِشْهَاد، فهل عليه التَّلفظ بالفسخ؟ فيه وجهان:

أصحهما: عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا حاجة إليه، وإذا لقي البائع فسلم عليه لم يضر، ولو اشتغل بمحادثته بطل حقه، ولو أخر الرد مع العلم بالعيب، ثم قال: أخرت لأني لم أعلم أن لي حق الرد فإن كان قريب العهد بالإسلام، أَوْ نَشَأَ في بادية لا يعرفون الأحكام قتل قوله، ومكن من الرد، وإلاَّ فلا، ولو قال: لم أعلم أنه يبطل بالتأخير قبل قوله؛ لأنه مما يخفى على العَوَام 1. وحيث بطل حق الرد بالتقصير يبطل حق الأَرْش أيضاً.
وليس لمن له الرد أنْ يمسك المبيع ويطلب الأَرْش خلافاً لأحمد، وليس للبائع أيضاً أن يمنعه من الرد ليغرم له الأَرْش، ولو رضي بترك الرَّد على جزء من الثمن أو على مال آخر، ففي صحة هذه المصالحة وجهان: أحدهما وبه قال أبو حنيفة ومالك وابن سريج: أنها تصح كالصلح عن حق القِصَاص على مال.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه خيار فسخ فأشبه خيار الشرط والمجلس، وعلى هذا يجب على المشتري رد ما أخذ، وفي بطلان حقه من الرد وجهان: أحدهما: يبطل؛ لأنه أخر الرد مع الإمكان وأسقط حقه.
وأصحهما: المنع، لأنه نزل عن حقه على عوض، ولم يسلم له العوض فيبقى على حقه، ولا يخفى أن موضع الوجهين ما إذا كان يظن صحة المصالحة.
أما إذا علم فسادها بطل حقه بلا خلاف -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيتْرُكُ الانْتِفَاعَ في الحَالِ، وَيَنْزِلُ عَنِ الدَّابَّةِ إِنْ كَانَ رَاكِباً، وَيَضَعُ عَنْهُ إكَافَهُ وَسَرْجَهُ فَإنَّهُ انْتِفَاعٌ، وَلاَ يَحُطُّ عِذَارَهُ فَإِنَّهُ في مَحَلِّ المُسَامَحَةِ إلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْهِ القَوْدُ فَيُعْذَرَ في الركُّوبِ إِلَى مُصَادَفَةِ الخَصْمِ أَو القَاضِي.
قال الرافعي: كما أن تأخير الرَّد مع الإمكان تقصير، فكذلك الاسْتِعْمال والانتفاع والتَّصرف لإشعارها بالرِّضا والاختيار، فلو كان المبيع رقيقاً فاستخدمه في مدّة طلب الخصم أوالقاضي بطل حقه، وإن كان بشيء خفيف كقوله: اسقني، أو ناولني الثوب، أو أغلق الباب، ففيه وجه: أنه لا أثر له؛ لأن مثل هذا قد يؤمر به غير المملوك، وبهذا

أجاب القاضي الماوردي وغيره، ولكن الأشهر: أنه لا فرق 1. ولو ركب الدابة لا للرد بطل حقه، وإن ركبها للرد أو للسقي فوجهان: أظهرهما: البطلان أيضاً؛ لأنه ضرب انتفاع كما لو وقف على عيب الثوب فلبسه للرد.
نعم لو كانت جموحاً يعسر قودها وسوقها فيعذر في الركوب.
والثَّاني وبه قال أبو حنيفة وابن سُرَيْجٍ في "جوابات الجامع الصَّغير": أنه لا يبطل؛ لأنه أسرع للرد، وعلى الأول لو كان قد ركبها للانتفاع فاطَّلع على عيب بها لم يَجُز استدامته وإن توجه للرد، ولو كان لابساً فاطلع على عيب الثَّوْب في الطريق فتوجَّه للرد ولم ينزع فهو معذور؛ لأن نزع الثوب في الطريق غير معتاد، كذا قاله الماوردي.
ولو علف الدابة وسقاها في الطريق لم يضر، وكذا لو حلب لبن البَهِيْمَة في الطريق؛ لأنه مما حدث في ملكه، ولو كان عليها سَرْج أو أَكَاف فتركهما عليها بطل حقه؛ لأنه استعمال وانتفاع 2، ولولا ذلك لاحتاج إلى حمل أو تَحْمِيل 3، ويعذر بترك العِذَار أو اللِّجَام لأنهما خفيفان، ولا يعد تعليقهما على الدَّابة انتفاعاً؛ ولأن القَوْد يعسر دونهما.
وسئل الشخ أبو حامد عما لو أنعلها في الطَّريق، فقال: إن كانت تمشي بلا نَعْلٍ بطل حقه، وإلا فلا.
ولك أن تعلّم قوله في الكتاب: "ويترك الانتفاع" بالواو، وكذا قوله: "ينزل عن الدابة"، وقوله: "ويضع"؛ لأن القاضي الرُّوياني نقل جواز الانتفاع في الطريق مطلقاً، حتى روي عن أبيه جواز وطء الجارية 4 الثيب.
وقوله: "إلاَّ أن يعسر عليه القود"، راجع إلى قوله من قبل: "إن كان راكباً" وإن تخلل بينهما كلام آخر، -والله أعلم-.

قال الغزالي: الرَّابِعُ العَيْبُ الحَادِثُ مَانِعٌ مِنَ الرَّدِّ، وَطَرِيقُ دَفْعِ الظُّلاَمَةِ أَنْ يَضُمَّ أَرْشَ الحَادِثِ إلَى المَبِيعِ وَيرُدَّهُ، أَوْ يُغَرِّمَ البَائِعُ لَهُ أَرْشَ العَيْبِ القَدِيم، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي تَعْيِينِ أَحَدِ المَسْلَكَيْنِ، فَالأَصَحُّ أَنَّ طَالِبَ أَرْشِ القَدِيمِ أَوْلَى بَالإِجَابَةِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ العَيْبِ الحَادِثِ غُرْمٌ دَخِيلٌ لَمْ يَقْتَضِهِ العَقْدُ.
قال الرافعي: إذا حدث بالمبيع عيب في يد المشتري بجناية أو آفة، ثم اطَّلع على عيب قديم فلا يمكن الرَّد قهراً 1 لما فيه من الإضرار بالبائع، ولا يكلف المشتري القناعة به، لما فيه من الإضرار به، ولكن يعلم المشتري البائع بالحال، فإن رضي به معيباً قيل للمشتري: إما أن ترده، وإما أن تقنع به معيباً ولا شيء، وإن لم يَرْضَ فلا بد من أن يضم المشتري أَرْشَ العيب الحادث إلى المبيع ليرده، أو أن يغرم البائع للمشتري أَرْشَ العيب القديم ليمسكه رعاية للجانبين، فإنْ توافقا على أحد هذين المَسْلَكين فذاك 2، وإن تنازعا فدعا أحدهما إلى الرد مع أَرْش العيب الحادث، ودعا الآخر إلى الإِمْسَاك وغرامة أَرْش العيب القديم، فحاصل ما اشتمل كلام الأصحاب عليه وجوه اختصرها الإمام: أحدها: أن المتبع رأى المشتري، ويجبر البائع على ما يقوله؛ لأن الأصل أن لا يلزمه تمام الثمن إلاَّ بمبيع سليم، فإذا تَعذّر ذلك فوضت الخِيرَةَ إليه، ولأن البائع ملبس بترويج المبيع، فكان رعاية جانب المشتري أولى، ويروى هذا الوجه عن مالك وأحمد، وعن أبي ثور: أنه نَصُّه في القديم.
والثاني: أن المتبع رأي البائع؛ لأنه إما غَارِم أو آخِذٌ ما لم يرد العقد عليه.
والثالث وهو الأصح: أنَّ المتبع رأى من يدعو إلى الإمساك والرجوع بأرْشِ العيب القديم، سواء كان هو البائع أو المشتري لما فيه من تقرير العقد، وأيضاً فالرجوع بأَرش العيب القديم يستند إلى أصل العقد؛ لأن قضيته إلاَّ يستقرَّ الثمن بكماله إلا في مقابلة السليم، وضم أَرْش العيب الحادث إدخال شيء جديد لم يكن في العقد، فكان الأول أولى، فعلى هذا لو قال البائع: رده مع أَرْش العيب الحادث، فللمشتري أنْ يأتي وَيغْرم ويأخذ أرش العيب القديم ولو أراد المشتري أن يرده مع أرش العيب الحادث

فللبائع أن يأتي ويغرم أرش القديم وما ذكرناه من إعلام المشتري البائع يكون على الفَوْر، حتى لو أخَّره من غير عذر بطل حقُّه من الرَّد والأَرْش، إلاَّ أنْ يكون العيب الحادث قريب الزوال غالباً كالرَّمد والحُمَّى، فلا يعتبر الفور في الإِعْلاَم على أحد القولين، بل له انتظار زواله ليرده سليماً عن العيب الحادث من غير أَرْش، ومهما زال الشَّيء الحادث بعد ما أخذ المشتري أَرْش العيب القديم، فهل له الفسخ ورد الأرش؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وأخذ الأَرْش إسقاط للرد.
والثاني: نعم، والأَرْش للحيلولة ولو لم يأخذه ولكن قضى القاضي بثبوته، فوجهان بالترتيب، وأولى بجواز الفسخ.
ولو تراضيا ولا قضاء فَوَجْهَان بالترتيب وأولى بالفسخ، وهو الأصح في هذه الصورة، وأما بعد الأخذ فالأصح المنع، وكذا بعد الحكم عند صاحب "التهذيب".
ولو عرف العيب القديم بعد زوال الحادث رد.
وفيه وجه ضعيف، ولو زال العيب القديم قبل أخذ أَرْشِه لم يأخذه، وإن زال بعد أخذه ورده، ومنهم من جعله على وجهين، كما لو ثبت سنّ المجنيِّ عليه بعد أخذ الدِّيَة، هل يرد الدِّيَة؟.
واعلم: أن كل ما يثبت الرَّد على البائع لو كان في يده يمنع الرد إذا حدث في يد المشتري، وما لا رَدَّ به على البائع لا يمنع الرَّد، إذا حدث في يد المُشْتري، إلاَّ في الأقل، فلو خمس العبد ثم عرف عيبًا قديمًا فلا رَدَّ وإن زادت قيمته، ولو نسي القرآن أو الحرفة ثم عرف به عيباً، فلا رد لِنُقْصَان القيمة، ولو زوجها ثم عرف بها عيباً فكذلك، قال الرُّوْيَاني: إلاَّ أن يقول الزوج: إن ردّك المشتري بعيب فأنت طالق، إن كان ذلك قبل الدخول فله الرد لزوال المانع بالرد.
ولو عرف عيب الجارية المشتراة من ابنه أو أبيه بعد ما وطئها وهي ثيب، فله الرد وإنْ حرمت على البائع؛ لأن القيمة لا تنقص بذلك، وكذا لو كانت الجَارِيَة رضيعة، فأرضعتها أُم البائع أو ابنته في يد المشتري ثم عرف بها عيباً، وإقرار الرقيق على نفسه في يد المشتري بدَيْن المعاملة، أو بدَيْن الإتلاف مع تكذيب المولى، لا يمنع من الرد بالعيب القديم، وإن صدقه المولى على دَيْن الإتْلاَف منع، فإن عفا المقرّ له بعد ما أخذ المشتري الأَرْش، هل له الفسخ ورد الأرش؟ فيه وجهان جاريان فيما إذا أخذ الأَرْش لرهنه أو كتابته العبد، أو إباقه أو غصبه، ونحوها إن مكَّناه من ذلك ثم زال المانع من الرد.
قال في "التهذيب":

أصحهما: أنه لا فسخ.
فرع: حدث في يد المُشْتَرِي نكتة بياض بِعَيْن العبد، ووجد نُكْتة قديمة ثم زالت إحداهما، فقال البائع: الزائلة القديمة فلا رد ولا أَرْش، وقال المشتري: بل الحادثة ولي الرد، يتحالفان على ما لا يقولان، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضى بموجب يمنيه، وإن حلفا استفاد البائع بيمينه دفع الرد، واستفاد المشتري بيمينه أخذ الأرش، فإن اختلفا في الأرش فليس له إلاَّ الأقل لأنه المستيقن.
وقوله في الكتاب: "فالأصح أن طالب أَرْش القديم" يغني من الأوجه الثلاثة، ويجوز أن يعلّم قوله: "أولى" بالميم والألف، لما حكينا من مذهبهما، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِنْ كَانَ المَبِيعُ حُلِيًّا وَقَدْ قُوبِلَ بِمِثْلِ وَزْنهِ فَبِضَمِّ الأَرْشِ إِلَيْهِ أَوِ اسْتِرْدَادِ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ لِلْعَيْبِ القَدِيمِ يُوقِعُ في الرِّبَا، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُفْسَخُ العَقْدُ لِتَعَذُّرِ إِمْضَائِهِ وَلاَ يُرَدُّ الحُلِيُّ بَلْ يُغَرَّمُ بالذَّهَبِ إِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ، أَوْ عَلَى العَكْسِ حَذَراً مِنْ رِبَا الفَضْلِ وَهُوَ الأَصَحُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ يُبَالِي بِذَلِكَ إِذ المَحْذُورُ الزِّيَادَةُ في المُقَابَلَةِ في ابْتِدَاء عَقْدِهِ.
قال الرافعي: إذا اشترى حُلِيًّا من ذهب أو فضة وزنه مائة مثلاً بمائة من جنسه، ثم اطلع على عيب قديم وقد حدث عنده عيب آخر، ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما، وبه قال ابن سريج: أنه لا يرجع بالأَرْش؛ لأنه لو أخذ الأَرْش لنقص الثَّمن عن المائة فتصير المائة مقابلة بما دونها، وذلك رِباً ولا يرده مع أَرْش العيب الحادث؛ لأن المردود حينئذ يزيد على المائة المستردة، وذلك رِباً فيفسخ العقد لتعذُّر مصابه، ولا يرد الحُلِي على البائع لتعذر رده دون الأَرْش ومع الأرش فيجعل بمثابة ما لو تلف، ويغرم المشتري قيمته من غير جنسه معيباً بالعيب القديم سليماً عن العيب الحادث.
والثاني، وبه قال الشيخ أبو حامد: أنه يفسخ البيع، ويرد الحُلِي مع أَرْش النُّقْصَان الحادث ولا يلزم الرِّبا، فإن المقابلة بين الحُلِي والثمن وهما متماثلان.
والعيب الحادث مضمون عليه كعيب المَأْخُوذ على جهة السَّوم فعليه غرامته.
والثالث عن صاحب "التقريب" والدَّارِكِي: أنه يرجع بأَرْش العيب القديم كما في غير هذه الصورة، والمماثلة في مال الرِّبَا إنما تشترط في ابتداء العقد وقد حصلت، والأَرْش حتى ثبت بعد ذلك لا يقدح في العقد السابق.
واعلم: أنَّ الوجه الأول والثَّاني متفقان على أنه لا يرجع بِأَرْش العَيْب القديم وأن

يفسخ العقد، وإنما اختلافهما في أنه يرد الحُلِي مع أرش النقص أو يمسكه ويرد قيمته، وأما صاحب الوجه الثالث فقياسه تجويز الرَّدِّ مَعَ الأَرْش أَيضًا، كما في سائر الأموال، وإذا أخذ الإرْش فقد قيل: يجب أَنْ يكون مِنْ غير جنس العوضين، كيلا يلزم ربا الفَضْل.
والأظهر: أنه يجوز أَنْ يكون من جنسهما؛ لأن الجنس لو امتنع أخذه لامتنع أخذ غير الجنس، لأنه يكون بيع مال الربا بجنسه مع شيء آخر، وذلك من صور "مُدّ عَجْوة".
ثم إن صاحب الكتاب رأى الأصح: الوجه المنسوب إلى ابن سريج، وهو غير مساعد عليه بل اختيار القاضي الطَّبري وصاحب "المهذب" ومعظم العراقيين: إنما هو الثاني، واختيار الإمام وغيره: الثالث.
وذكر الإمام: أن أبعد الوجوه ما قاله ابن سريج.
وقوله: "فبضم الأَرْش إليه أو استرداد جزء من الثمن يوقع في الربا" قيل ذكر الخلاف، إنما كان يحسن كل الحسن أن لو كان ذلك متفقاً عليه وكان الاختلاف في طريق الخَلاَص وليس كذلك، بل صاحب الوجه الثاني لا يرى ضم الأَرْش إليه موقعًا في الربا، وصاحب الثالث لا يرى الاسترداد موقعًا فيه، والأحسن في النظم أن يذكر قول ابن سريج أولاً، ويعلل تعذر الإِمْضَاء بذلك.
وقوله: "وقيل إنه لا يبالي بذلك" يمكن تنزيله على الوجه الثَّاني وعلى الثالث.
ولو عرف العيب القديم بعد تلف الحُلِي عنده، فالَّذِي أورده صاحب "الشَّامِل" و"التتَّمة": أنه يفسخ العقد ويسترد الثمن، ويغرم قيمة التالف، ولا يمكن أخذ الأَرْش للربا.
وفيه وجه آخر: أنه يجوز أخذ الأَرْش، قال في "التهذيب" وهو الأصح: وعلى هذا ففي اشتراط كونه من غير الجِنْس ما مر، ولا يخفى أَنَّ المَسْأَلة لا تختصّ بالحُلِيّ والنقدين، بل تجري في كل مال من أَموال الربا بيع بجنسه، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا أَنْعَلَ الدَّابَة وَأَرَادَ رَدَّهَا بِالعَيْبِ فَلْيَنْزِعِ النَّعْلَ، وَإِنْ كَانَ نَزْعُ النَّعْل يَعِيبُهَا فَلْيَسْمَحْ بِالنَّعْلِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى البَائِعِ أَرْشٌ وَلاَ قِيمَةُ النَّعْلِ، وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ بِمَا زَادَ في قيمَتِهِ فَطَلَبَ قِيمَةَ الصَّبْغِ لَهُ وَجْهٌ، وَلَكِنَّ إِدْخَالَ الصَّبْغِ وَهُوَ دَخِيلٌ في مِلْكِ البَائِعِ كَإدْخَالِ أَرْشِ العَيْبِ الحَادِث.
قال الرافعي: في الفصل صورتان: الأولى: إذا أنعل الدَّابة المُشْتَراة، ثم وقف على عيب قديم بها، ينظر إن لم يعبها نَزْع النّعْل فله النزع والرّد وإن لم ينزع والحالة هذه لم يجب على البائع القبول، وإن كان النزع يخرم ثقب المَسَامير، ويتعيَّب الحافر به فنزع بطل حقه من الرد والأَرْش،

وكان تعيُّبه بالاختيار قطعاً للخيار، وفيه احتمال للإمام، ولو ردها مع النَّعْل أجبر البائع على القبول، وليس للمشتري طلب قيمة النَّعل، فإنه حقير في معرض رد الدَّابة، ثم ترك النَّعْل من المشتري [هل هو] تمليك، حتى يكون للبائع لو سقط أو إعراض حتى يكون لِلْمُشْتري؟ فيه وجهان: أشبههما: الثاني.
الثانية: لو صَبَغَ الثَّوب بما زاد في قيمته ثم عرف عيبه، فإن رضي بالرَّدِّ من غير أن يطالب بشيء، فعلى البَائِعِ قبوله ويصير الصّبْغ مِلْكاً له، فإنه صفة الثَّوْب لا تزايله وليس كالنَّعْل، هذا لفظ إمام الحرمين قال: ولا صائر إلى أنه يرد الثوب ويبقى شريكًا بالصّبغ، كما يكون مثله في المغصوب، ولاحتمال يتطرق إليه، وإن أراد الرَّدَّ وأخذ قيمة الصّبْغ، ففي وجوب الإجابة على البائع وجهان: أظهرهما: لا تجب لكن يأخذ المشتري الأَرْش.
ولو طلب المشتري أَرْش العيب، وقال البائع: رد الثوب لأغرم لك قيمة الصبغ ففيمن يجاب منهما؟ وجهان: الَّذِي أورده ابن الصَّبَّاغ والمَتَوَلِّي: أنَّ المُجَاب البدع، ولا أرش للمشتري.
ولما حكى الإمام الخلاف في الطَّرفين ذكر أن الصّبْغ الزائد قد جرى مجرى أَرْش العيب الحادث في طرفي المطالبة، ومعناه: أنه إذا قال البائع: رد مع الإرْش، وقال المشتري: بل أمسك وآخذ الأرش، ففيمن يجاب؟ وجهان.
وكذا إذا قال المشتري: أردّه مع الأرش، وقال البائع بل أَغْرم الأرش، وهذا ظاهر للمتأمل في الوجوه الثلاثة المذكورة هناك، إذا أفرد أحد الجانبين بالنظر، ووجه المشابهة بين الصَّبْغ الزَّائد وأَرْش العيب الحادث ما أشار إليه صاحب الكتاب، وهو أن إدخال الصّبْغ في ملك البائع مع أنه دخيل في العقد كإدخال الأَرْش الدخيل، ثم ظاهر لفظ الكتاب يقتضي عود الوجوه الثلاثة هاهنا حتى يقال: المجاب منهما في وجه من يدعو إلى فضل الأمر بالأَرْش القديم، وقد صرح به في "الوسيط"، ولكن رواية الوجه الثَّالث لا تكاد توجد لغيره، وبتقدير ثبوته فقد بيّنا، ثم إن الأصح: الوجه الثالث، وهاهنا قضية إيراد الأئمة: أنه لا يجاب المشتري، إذا طلب الأَرْش كما مر.
وقوله: "فطلب قيمة الصَّبْغ له وجه" المعنى الذي ينبغي أن تنزل عليه هذه الكلمة أن طلب قيمة الصبغ ليس كطلب قيمة النَّعل، فإن النَّعْل تابع بالإضافة إلى الدَّابة حقير والصَّبْغ بخلافه، فإن هذا الطلب متجه وذاك مستنكر.
ولو قصر الثوب ثم وقف على العيب، فيبنى على أنَّ القَصَارة عين أو أثر؟ إن قلنا بالأول، فهي كالصبغ.
وإن قلنا بالثاني رد الثوب ولا شيء له، كالزيادات المُتَّصلة، وعلى هذا فقس نظائره، -والله أعلم-.

قال الغزالي: وَلاَ يُرَدُّ البِطِّيخُ (ح و) وَالْجوزُ وَالبَيْضُ بَعْدَ الكَسْرِ وَإِنْ وَجَدَهُ مَعِيباً بَلْ يَأَخُذُ أَرْشَ العَيْبِ، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ الرَّدَّ (م ح وز) وَضَمَّ أَرْشِ الكَسْر إِلَيْهِ.
قال الرافعي: إذا اشترى ما مأكوله في جوفه كالبَطِّيخ والرَّانج والرُّمَّان والجَوْز واللَّوز والبندق 1، والبَيْض فكسره ووجده فاسداً، ينظر إن لم يكن لفاسده قيمة، كالبيضة المَذِرَة التي لا تصلح لشيء، والبطيخة الشَّديدة التَّغير رجع المشتري بجميع الثمن نص عليه، وكيف سبيله؟ قال معظم الأصحاب: يتبين فساد البيع لوروده على غير متقوّم.
وعن القفال في طائفة: أنه لا يتبين الفساد، لكنه على سبيل استدراك الظّلاَمة، فكما يرجع بجزء من الثمن عند انتقاص جزء من المبيع يرجع بكله عند فوات كل المَبِيع، وتظهر ثمرة هذا الخِلاَف في أن القُشُور البَاقِية بمن تَخْتَصّ، حتى يكون عليه تطهير الموضع عنها.
وإن كان لفاسده قيمة كالرَّانج وبَيْض النَّعَام والبَطِّيخ إذا وجده حَامِضاً أو مدوداً 2 بعض الأطراف، فللكسر حالتان.
إحداهما: أَنْ لا يوقف على ذلك الفساد، إلاَّ بمثله ففيه قولان: أحدهما، وبه قال أبو حنيفة والمزني: أنه ليس الرد قهراً، كما لو عرف عَيْبَ

الثَّوْب بعد قطعه، وعلى هذا هو كسائر العُيُوب الحَادِثة، فيرجع المشتري بِأرْش العَيْب القديم، أو يضم أَرْش النقصان إليه ويرده كما سبق.
وقوله في الكتاب: "بل يأخذ الأَرْش" إن لم يتراضيا على الرد مع الأرش؛ لأنه لا يعدل عنه بحال.
والثاني: له ذلك، وبه قال مالك وكذا أحمد في رواية؛ لأنه نقص لا يعرف العيب إِلاَّ به، فلا مينع الرد كالمُصَرَّاة، وإيراد الكتاب: يقتضي ترجيح القول الأول، وبه قال صاحب "التهذيب"، لكن القاضي الماوردي والشيخ أبا حامد ومن تابعه رجحوا الثَّاني، وبه قال القاضي الرُّوياني وغيره.
وإذا فرعنا على الثَّاني، فهل يغرم أَرْش الكسر؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، وهو الذي أورده في الكتاب، كما يرد المصراة ويغرم.
والثاني: لا؛ لأنه لا يعرف العَيْب إلاَّ به فهو معذور فيه، والبائع بالبَيْع كأنه سلَّطه عليه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" وغيره.
فإن قلنا بالأول غرم ما بين قيمته صحيحاً فاسد اللُّب ومكسوراً فاسد اللب، ولا نظر إلى الثمن.
الحالة الثانية: أنْ يمكن الوقوف على ذلك الفساد بأقل من ذلك الكَسْر، فلا رد كما في سائر العيوب.
وعن أبي إسْحَاق: أن بعض الأصحاب طرد القولين.
إذا عرفت ذلك فكسر الجَوْز ونحوه، وثقب الرَّانج من صور الحالة الأولى، وكسر الرَّانج وتَرْضِيض بيض النعام من صور الحالة الثانية، وكذا تقوير البَطِّيخ الحامض إذا أمكن معرفة حموضته بِغَرْز شيء فيه، وكذا التَّقْوير الكبير إذا أمكن معرفتها بالتَّقْوِير الصغير، والتَّدْويد لا يعرف إلا بالتَّقْوير، وقد يحتاج إلى الشَّقِّ ليعرف، وقد يستغنى في معرفة حال البَيْض بالقَلْقَلَة عن الكسر، وليست الحموضة بعيبَ في الرُّمَّان بخلاف البَطَّيخ، فإن شرط في الرمان الحلاوة فَبَانَ حامضا بالغرز رده، وإن بَانَ بالشَّقِّ فلا.
فرع: إذا اشْتَرَى ثوباً مطوياً، وهو مِمَّا ينقص بالنَّشْر، فنشره ووقف على عيب به لا يوقف عليه إلا بالنَّشْر وفيه القولان، كذا أطلقه الأصحاب على طَبَقَاتهم، مع جعلهم بيع الثوب المَطْوِي من صور بيع الغائب، ولم يتعرض الأئمة لهذا الإشكال فيما رأيته إِلاَّ من وجهين: أحدهما: ذكر إمام الحرمين: أن هذا الفَرْع مبني على تَصْحِيح بيع الغائب.
والثَّاني: قال صاحب "الحاوي" وغيره: إنْ كان مطوياً أكثر من طَاقَيْن لم يصح

البَيْع إِنْ لم نجوِّز خيار الرؤية 1، وإنْ كان مطويّاً على طاقين يصح البيع؛ لأنه يرى

......................... = المشروعة.
وعدم الضرر جاء من ثبوت الخيار للمشتري إذا رآه لأنه إذا لم يعجبه فسخ البيع واسترد الثمن إن كان قد دفعه.
وأما المالكية: فمذهبهم يتلخص في دعويَين: الأولى: صحة بيع الغائب المجهول على خيار الرؤية.
والثانية: صحة بيع الغائب الموصوف بدون شرط خيار الرؤية وللمشتري الخيار إذا رآه قد تخلف وصفه.
وهم في الدعوى الأولى لم يجعلوا خيار الرؤية من مقتضيات العقد على الغائب كما فعل الحنفية؛ لأن مقتضى العقد إنما يعرف بالشرع ولم يرد دليل صحيح على أن خيار الرؤية مقتضى العقد على الغائب.
وهم من أجل ذلك لم يعتمدوا حديث: "مَنِ اشْتَرَى شَيْئاً لَمْ يَرَه... الخ".
وكل ما يمكن أن يؤخذ من كتبهم في الاستدلال على هذه الدعوى.
هو أنه لو لم يشرط خيار الرؤية، لكان هذا البيع بيع غرر مثار للشحناء والنزاع لجهالة المبيع وهذا بخلاف ما لو شرط المشتري أنه بالخيار إذا رآه لانقطاع النزاع بسبب هذا الشرط لأن المشتري حينئذ يكون هو وحده حر التصرف إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه.
وأما الدعوى الثانية فهي ذات شقين: الأول منهما صحة بيع المعين الغائب الموصوف.
والثاني منهما أن الخيار للمشتري إذا رآه في حال تخلف الوصف فحسب.
أما الشق الأول: فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ إذ هو عام يتناول كل بيع، فلا يجوز إخراج شيء منه إلا بالدليل ولم يدل دليل من كتاب ولا من سنة ولا من قياس صحيح على إخراج بيع الغائب الموصوف من حكم هذا العموم، وليس هو من بيوع الغرر المنهي عنها، لأن الوصف يقوم مقام الرؤية في العلم بالبيع.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُنْعَتُ المَرْأةُ لِلزَّوْجِ حَتَّى كَأَنَّه يَنْظُرُ إِلَيْهَا" فجعل النعت منزلاً منزلة الرؤية.
وكذلك يستدل له بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ إذ بالوصف يتحقق الرضا بخلاف غير الموصوف لأنه لا رضا إلا بعد العلم وهو كما يعتمد الرؤية يعتمد الوصف.
ومن الدليل عليه أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تَبِيْعُوا الحَبُّ فِي سُنْبُلهِ حَتَّى يَبْيَضَّ فِي أَكْمَامِهِ" لأن الحب في سنبله مستور فهو منزل منزلة الغائب، وبياضه إنما يعرف بالفرك.
فإذا جاز بيعه وهو في سنبله على صفة ما فرك منه جاز بيعه على الوصف كذلك بدون الفرك ما دام المبيع هو غير ما فرك في الحالين.
ويمكن أن يستدل له بالقياس على السلم بجامع أن كلا منهما مبيع موصوف غير مرئي.
وأما الشق الثاني: فبالقياس له على خيار العيب فكما يثبت للمشتري الخيار إذا اطلع على عيب قديم بالمبيع لم يعلم به حين العقد كذلك يثبت له الخيار، إذا تخلف وصف وصف به المبيع لأن العيب ما هو إلا تخلف وصف السلامة ولما كان مذهب الحنابلة هو عين الدعوى الثانية من مذهب المالكية كانت الأدلة المتقدمة صالحة لتأييد مذهب الحنابلة.
وأما الظاهرية: فالذي يعنينا من مذهبهم هو قولهم إن الغائب الموصوف إذا ما تخلف وصفه فالبيع فيه باطل وقد استدلوا له بأن المشتري إنما عقد على موصوف بصفة كذا فإذا ما تخلف الوصف كان ذلك المبيع غير المعقود عليه في حقيقة الأمر فيكون البيع باطلاً لو ردده على غير محل.
وأما الشافعية: فاستدلوا لمذهبهم الجديد أعني لبطلان بيع الغائب مطلقاً موصوفاً أو غير موصوف بالسنة والقياس أما السنة: =

......................... = فأولاً: قوله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" لأن عند تستعمل في حالين في الحاضر القريب، وفيما هو في حوزة الشخص وملكه وإن كان بعيداً.
والحديث صالح لشمول الحالين معاً فيحمل عليهما فكما لا يجوز أن تبيع الحاضر غير المملوك لك لا يجوز أن تبغ الغائب وإن كان ملكك لأن كلا منهما يصدق عليه أنه ليس عندك في الجملة.
وثانياً: ما صح ثبوته عنه -صلى الله عليه وسلم- من النهي عن بيع الغرر.
وهذا النوع من البيوع فيه غرر كبير لأنه لا عين مرئية ولا صفة مضمونة في الذمة.
والوصف مهما بولغ فيه فلن يقوم مقام الرؤية.
وكيف يكون هذا وقد شاع في الناس هذا المثل السائر -ليس الخبر كالعياق- وقولهم -ليس من رأى كمن سمع- فالقول بأن الوصف كالرؤية في تحصيل العلم تشكيك في مقام الضرورة.
أما السلم فإنما صح للدليل الصحيح، ولأن الذمة فيه ضامنة فإذا جاء المسلم فيه على ما وصف فالأمر ظاهر، وإلا فالمسلم إليه مجبر على غيره مما يتحقق فيه الوصف.
وأما الغائب المذكور فالذمة غير ضامنة له لكونه معيناً.
وأما القياس -فقالوا إنه في معنى بيع حبل الحبلة كل منهما معين مجهول والوصف في الغائب لا يرفع الجهالة أو لا يرفع منها إلا قليلاً لا يسوغ صحة البيع.
ثم ما يدرينا؟ لعل الغائب يمنع مانع من تسلمه، فيكون غير مضمون العاقبة كحبل الحبلة أيضاً.
نوقشت أدلة الحنفية من السنة: أولاً: بأن حديث -من اشترى شيئاً لم يره- المسند منه في رجاله عمر الكردي.
يقول الدارقطني فيه كان يضع الأحاديث والراوي عنه داهر بن نوح.
وهو مجهول غير معروف.
والمرسل منه -فضلاً عن أن في حجية خلافاً- في رجاله أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.
فإذا كان حال الحديث ما ذكرنا فكيف ينهض حجة على حكم من الأحكام؟.
وثانياً: بأن قصة مبايعة عثمان وطلحة لو صلحت دليلاً فهي لا تدل لدعوى الحنفية كاملة أعني سواء كان الغائب موصوفاً أو غير موصوف لأن هذه قصة عين وهي لا تدل على العموم، إذ من الجائز أن يكونا قد تواصفا الأرض نعم هي تدل لصحة بيع الغائب الموصوف بيقين؛ لأن الأرض إن كانت قد وصلت فالأمر واضح، وإن لم تكن قد وصلت فصحة بيع الموصوف أولى.
ونوقشت أدلتهم من المعقول: أولاً: بأن القياس على النكاح غير صحيح؛ لأن النكاح مبناه على المساهلة والمكارمة.
ومبنى البيع على الشح والمكايسة؛ ولأن في إلزام رؤية المرأة هتكاً لحرمتها وجرحاً لشعورها فقد يردها ولا يخطبها.
وثانياً: بأن القياس الثاني أعني القياس على صحة بيع المعين الحاضر المشار إليه إذا جهل وصفه كثوب لا يعلم عدد زرعانه وهو مشار إليه فهو فضلاً عن كونه دليلاً على جزء الدعوى لكون المقيس عليه لا خيار فيه إن سلم كونه دليلاً فضلاً عن ذلك لا يدل على صحة بيع الغائب غير الموصوف.
لأن الحاضر المشار إليه تقوم الرؤية فيه مقام الوصف أعني الوصف الذي يريده المشتري ككونه بلون خاص أو ذا نقش خاص وعدم سؤاله عن ذرع الثوب قد يكون لأن ليس مقصوداً له أو لأن الأمر فيه ليس كبيراً وأخيراً هو المقصر بعدم السؤال أو الذرع لكون الثوب مهيئاً لديه حاضراً.
وثالثاً: وأما معقولهم القائل مال مقدور التسليم ولا ضرر في بيعه لثبوت خيار الرؤية للمشتري.
=

........................ = فيقال لهم أثبتوا أولاً وقبل كل شيء أن خيار الرؤية على النحو الذي ذهبتم إليه مشروع ثم انفوا بعد ذلك حصول شيء من الضرر معه، فإنكم لن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
وها أنتم قد رأيتم مبلغ الأدلة التي سقتموها لتدعيم هذا الرأى.
ونوقشت أدلة المالكية: أولاً: من حيث استدلالهم لصحة بيع الغائب المجهول على خيار الرؤية بانتفاء الغرر.
بأن عليهم قبل كل شيء أن يأتونا ببيع يصح شرعاً ثم ليشترطوا بعد ذلك من الشروط ما لا يورث غرراً في البيع، وأما أن يأتونا ببيع لا يصح لولا الشرط فهذا قلب للموضوع.
لأن الشروط في الأصل منهي عنها في البيع لكونها تورث غرراً فيه، لأنها قد لا تتحقق أو تورث ضرراً بأحد العاقدين.
بدليل أنه نهى عن بيع وشرطين وبيع وسلف، وإنما جوزت للحاجة.
فهي منظور فيها أنها متممة لمقصود البيع منفصلة عنه لا أنها داخلة في صحة ومتوقف عليها.
وثانياً: من حيث قياسهم بيع الغائب الموصوف على السلم، بأنه قياس مع الفارق لأن الذمة ضامنهَ المسلم فيه والغائب المذكور غير مضمون فيها لكونه معيناً.
نعم بإثبات الخيار للمشتري قياساً على خيار العيب يتم هذا القياس، لكون الغرر الذي جاء من عدم ضمان الذمة له مدفوعاً بإثبات الخيار للمشتري.
ونوقش: دليل الظاهرية على بطلان بيع الغائب الموصوف إذا ظهر تلف الوصف لكونه غير المبيع.
بأن البيع كان يبطل حقاً لو كانت الأوصاف مقصودة أصالة في البيع مع أنها لم تقصد إلا تبعاً لقصد العين فأمرها بالنسبة للعين ثانوي في الغالب، فإبطال البيع بتخلفها قد يكون فيه إضرار بالمشتري نفسه الذي أبطلتم العقد من أجله.
فالنظر يقضي في مثل هذه الحالة أن يترك الأمر للمشتري يقدره بمقاييس المنفعة العائدة عليه من البيع.
وليس هذا نظراً فحسب بل مقاييس الشريعة دالة عليه.
أليس لو اشترى مصراة وهو يظنها حلوباً فتخلف ظنه فالبيع صحيح مع تخلف وصف الحلابة الذي ظنه؟ فما الفرق بين هذا وبين تخلف الوصف الذي شرطه؟ هذا مع بأن البائع في التصرية هو الذي حمله على الظن الذي ظنه ببب تصرية كما أنه في شرط الوصف حمله على ظن صدقه وأن الأمر كما وصف.
ونوقشت: أدلة الشافعية من السنة: أولاً: بأن حديث: "لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" مراد منه ما ليس ملكك بدليل قصته وهي ما: "روي أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، إن الرجل يطلب منى سلعة ليست عندي، فأبيعها منه ثم أدخل السوق فأستجيدها فأشريها فأسلمها إليه، فقال عليه السلام: "لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" لا سيما وهذا اللفظ قد ورد في سؤال السائل نفسه مراداً منه ما ليس ملكه، والأصل مطابقة الجواب السؤال.
على أن الشافعية أنفسهم يقولون لو رأى العين الغائبة قبل البيع بمدة لا تتغير فيها عادة، فالبيع صحيح مع أنها ليست عنده بالمعنى الذي ذكروا.
وثانياً: بأن حديث النهي عن بيع الغرر لا يشمل الغائب الموصوف؛ لأن بالوصف ترتفع الجهالة وبإثبات الخيار للمشتري إذا تخلف الوصف يزول الضرر الذي يلحق المشتري نعم العلم بالوصف أدنى مرتبة من العلم بالرؤية، ولكن المقصود من المبيع يعرف بالوصف؛ لأنه إنما يذكر الأوصاف التي يراها كافية في تحقيق طلبته، وهذه المعرفة لا تفترق كثيراً عن المعرفة بالرؤية، ونوقشت أدلتهم من المعقول بأن القياس على حبل الحبلة لو صح فإنما يجري في بيع الغائب المجهول، أما =

......................... = الموصوف فلا يجري فيه هذا القياس فهو دليل فقط على جزء الدعوى.
والذي نختاره: من هذه المذاهب، ونراه أقوى من حيث الحاضر المستور فالمراد بالحاضر المستور ما يصح بيعه لولا الستر، والمراد بالستر ما ليس بخلقي كعدل فيه ثياب، وإناء فيه زيت أو صبرة من القمح مثلاً حيث باطنها مستور بظاهرها.
فلا يدخل في بيع حبل الحبلة، أو الدهن في السمسم أو الجوز في قشره مثلاً.
والحاضر المستور إما مستور كله وإما مستور بعضه.
فإن كان مستوراً كله كثياب في عدل مقفل عليها فحكمه حكم بيع الغائب في الفصل المتقدم لأنه في معناه.
وإن كان مستوراً بعضه دون بعض فلا يخلو، الأمر من أن يكون المكشوف دالاً على المستور أو غير دال عليه.
فإن كان الأول وذلك في المثلى كصبرة من الأرز يعاين ظاهرها فهذا قد اتفق الفقهاء والشافعية منهم على صحة بيعه، فإن خرج الباطن أقل جودة من الظاهر فللمشتري الخيار إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه.
وإنما اتفقوا على الصحة في هذه الصورة لأنه كالمرئي جميعه كما أن الظاهر دليل على الباطن.
وإن كان الثاني وهذا في المتقوم فهو كالمستور كله؛ لأن الظاهر لا يغني عن الباطن شيئاً، ولا يقوم مقامه.
وعمى المشتري ينزل منزلة غياب المبيع بالنسبة له لو كان مبصراً لأن المبيع بالنسبة في الحالين غير مرئي.
وعدم الرؤية هو مناط اختلاف المذاهب في حكم بيع الغالب.
ولا فرق بين أن يكون عدم الرؤية راجعاً لوصف في المبيع كغيبته وستره أو لوصف في العاقد كعماه.
ولذا فالمذاهب في صحة بيع الأعمى وشرائه هي المذاهب في صحة بيع الغائب وعدم صحته.
إلا أنا مع ذلك سنبين ذلك بعض بيان.
فنقول: مذهب الحنفية هو صحة بيعه وشرائه، وله الخيار إذا اشترى لأنه يصدق عليه أنه اشترى ما لم يره فيكون داخلاً في عموم الحديث.
وسواء عندهم كان المقصود من المبيع مما يدرك بحاسة البصر، أو مما يدرك بغيرها من الحواس الشم أو الذوق.
فما يدرك بحاسة البصر يكون له الخيار فيه إذا وصف له وما يدرك بحاسة الشم يكون له الخيار فيه إذا شمه كالمسك.
وهكذا سائر الحواس.
وإنما كان الأمر كذلك لأن المراد بالرؤية العلم بالمقصود من المبيع.
فتكون من باب عموم المجاز.
إذ هناك مبيعات لا يكتفي فيها بمجرد الرؤية كما لو اشترى طيباً مثلاً لا بد من شم رائحته حتى يثبت له خيار الررية اتفاقاً.
وظاهر أن الخيار إنما يثبت للأعمى بما ذكر إذا لم يوصف له قبل البيع أو لم يشمه.
أو يذقه، وهكذا؛ لأن هذا منه منزل منزلة الرؤية.
ومذهب المالكية والحنابلة أن المبيع إن كان مما يدرك المقصود منه بغير الرؤية كالروائح والمذوقات صح بيعه وشراؤه منه إن شمه أو ذاقه ولا خيار له لأنه كالبصير في ذلك وإن كان مما يدرك المقصود منه بالرؤية فلا يصح بيعه ولا شراؤه حتى يوصف له ويكون له الخيار إذا اشترى وتخلف الوصف كالبصير في المبيع الغائب الموصوف وأما الشافعية فلم يصححوا له بيعاً ولا شراء مطلقاً كمذهبهم في بيع الغائب بل عليه أن يوكل.
نعم إذا رأى المبيع فعمي فعقد عليه في ظرف مدة لا يتغير فيها غالباً فعقده هذا صحيح كما لو رأى البصير المبيع ثم غاب عليه فعقد عليه في ظرف هذه المدة.
وعرف الناس في معاملاتهم يشهد برجحان مذهب المالكية والحنابلة.
رؤية قبل البيع أما الغائب الذي سبقت رؤيته فإن كانت المدة الفاصلة بين العقد والرؤية طويلة من شأن المبيع أن يتغير فيها غالباً فحكم البيع هنا هو حكم في الغائب الذي لم ير قبل البيع، لأن هذه الرؤية تعتبر كلا رؤية لعدم الوثوق ببقاء المبيع بحاله.
وإن كانت المدة الفاصلة مدة قصيرة لا يتغير فيها المبيع =

.........................12345678 = غالباً فالمذاهب هنا مجمعة على صحة البيع؛ لأن الأصل هو بقاء المبيع على حاله التي كان عليها حين الرؤية.
ومع هذا فإن وجد المشتري المبيع على صفته التي رآه عليها قبل العقد فالبيع لازم له فلا يجوز له رد المبيع وهذا محل وفاق حتى عند الحنفية أيضاً، وليس كالغائب لأنه يصدق عليه أنه اشترى ما رأى فليس من مشمولات الحديث وإن وجده قد تغير فهو بالخيار.
وهذا طبعاً عند غير الظاهرية، وأما هم فيكون البيع باطلاً عندهم كمذهبهم في تخلف الوصف.
وهل هذا الخيار خيار رؤية أم خيار خلف الوصف؟ عند الحنفية من القبيل الأول.
لأنه بالتغير ثبت أن تلك الرؤية السابقة لم تقع معلمة بأوصافه عند البيع فكان وجود الرؤية وعدمها سيان فكأن العقد وقع على مغيب لم تسبق رؤيته فكان الخيار خيار رؤية.
وعند الأئمة الثلاثة من القبيل الثاني؛ لأنه ما أقدم على شرائه إلا وهو يعلم أنه على الوصف الذي رآه عليه من قبل فلما ظهر تخلفه كان له الخيار لهذا.
وفي الحق لو ذهب غير الحنفية مذهبهم في إثبات خيار الرؤية لاتفقت وجهة نظرهم مع الحنفية.
فكل بني على مذهبه في خيار الرؤية.
قد ظهر من هذا:

........................ = عند المالكية أعني ليخف غرره باشتراط الخيار له فيما يجهله بخلاف البائع فالمفروض فيه دائماً هو علمه بما يبيع فليست هناك حاجة ملحة لشرطه له.
وعند الحنابلة الوصف مقصود منه مصلحة المشتري فكان له الخيار وحده إذا تخلف لوقوع الضرر عليه نعم يتجه أن يقال إذا ظهر المبيع موصوفاً بصفات أعلى مما وصف بها يكون للبائع الخيار كذلك قياساً على المشتري في الأولى.
ولكنهم لم يعطوه هذا الحق قياساً على ما لو باع سليماً يظنه معيباً حيث لا يكون له الخيار إذا ما تبين جلية الأمر.
ثم إن قصة عثمان وطلحة -سواء أكانا قد تواصفا المبيع أو لم يتواصفاه- دالة على أن الخيار للمشتري وحده لقول الراوي لما تحاكما إلى جبير: "فقضى على عثمان أن البيع جائز، وأن النظر لطلحة لأنه ابتاع مغيباً".
نعم قال الحنابلة لو قلنا بصحة بيع الغائب غير الموصوف فباع ما لم يره كان له الخيار كالمشتري قائسين له على خيار الشرط، وخيار العيب ثبت كل منهما للمشتري والبائع فكذلك هذا الخيار.
ولا وجه لهذا القياس، لأن المعنى الذي لأجله كان الخيار للمشتري في خياري العيب والشرط موجود لدى البائع.
ولا كذلك هنا.
فضلاً عن أن البائع لو فسخ فلاحتمال الزيادة وهي غير موجبة للفتح في جانبه كما لو باع سليماً على ظن أنه معيب.
"خيار الرؤية يجعل البيع قبل الرؤية غير لازم" وذلك لعدم تمام الرضا بالبيع من المشتري وهو يلزم عدم لزوم البيع كخيار الشرط.
ويكون غير لازم من جهة المشتري وفي قول عند المالكية من جهتهما معاً.
ولكنه ضعيف.
فللمشتري أن يفسخ البيع إن أراد بمقتضى عدم اللزوم لا بمقتضى خيار الرؤية فإنه معلق بالرؤية ولم توجد بعد.
ويستمر له هذا الحق ما دامت لم توجد الرؤية حتى ولو أجاز البيع؛ لأن هذه الأجازة غير معتبرة شرعاً لأن الرضى لا يتحقق قبل الرؤية.
وقد أورد الكمال في فتح القدير إشكالاً على ثبوت حق الفسخ للمشتري قبل الرؤية حاصلة.
أن إثبات قدرة الفسخ والإجازة -التي هي عبارة عن الخيار- معلق بالرؤية ولما كان البيع في الأصل يقتضي اللزوم فقبل الرؤية يلزم مقتضاه، وهو اللزوم حتى توجد الرؤية وعندها تثبت قدرة الفسخ والإجازة معاً.
وهذا كلام مقبول لدى العقل وبالنسبة لقواعد المذهب غير مقبول.
لأن هذا الخيار يمنع تمام الحكم عند الحنفية فلو لزم البيع قبل الرؤية لاستلزم تمام الحكم لأنه لا معنى للزوم شيء لم يتم حكمه بعد.
هذا وأما حكم البيع قبل الرؤيةَ عند الحنابلة.
في الغائب الموصوف فهو اللزوم، فليس للمشتري أن يفسخ قبل الرؤية بل ولا بعدها ما دام المبيع قد جاء على الوصف لتمام البيع قبل الرؤية وبعدها بالرضا الناشئ عن العلم بالبيع بواسطة وصفه.
وإنما ثبت له الخيار إذا رآه متخلفاً وصفه بالقياس على ما لو ظهر المبيع معيباً بعيب عند البائع.
"متى ينتهي خيار الرؤية؟ " إن للمشتري حقّ فسخ البيع قبل الرؤية بموجب عدم لزومه وهذا الحق يستمر إلى حين رؤية المبيع.
ثم لو رآه فرضي به فور الرؤية أو تصرف فيه تصرفاً دالاً على الرضا به فقد لزمه المبيع وانقطع الخيار الذي ثبت له بموجب الرؤية.
وهذا لا خلاف فيه.
ولكنه إن رأى المبيع فسكت ولم يتصرف فيه فما حكم خيار الرؤية؟ أينقطع الخيار ويلزمه المبيع؟ أم لا ينقطع ولا يلزمه المبيع حتى يرض به صراحة بالقول أو دلالة بالفعل؟ هنا تختلف المذاهب.
فالشافعية بناء على المذهب القديم القائل بصحة بيع الغائب مع ثبوت خيار الرؤية.
والحنابلة بناء على رواية عندهم بهذا المعنى أيضاً.
عند كل منهما قولان: =

......................... = القول الأول: أن خيار الرؤية ينقطع فور رؤية المشتري المبيع إذا لم يفسخ البيع.
والقول الثاني: أنه لا ينقطع حتى ينفض مجلس الرؤية.
وعلى كل من القولين فخيار الرؤية في المذهبين مؤقت بالرؤية أو بمجلسها.
ومذهب الحنفية مقابل لهذا المذهب.
فخيار الرؤية عندهم غير مؤقت بل يثبت بالرؤية ويمتد إلى أن يرضى المشتري بالمبيع صراحة أو دلالة.
وهناك قول لبعض مشايخ المذهب أن خيار الرؤية مؤقت بعد الرؤية بزمن يتمكن فيه من الفسخ.
فإذا لم يفسخ لزمه البيع وانقطع الخيار، وهذا الرأي موافق للقول الأول من المذهب الأول.
أما المذهب الأول: فقد علل القول الأول منه بأن هذا الخيار يسمى خيار رؤية فوجب أن يكون عندها هكذا علله بعضهم وهو لعمري يصلح دليلاً على أن خيار الرؤية لا يكون قبل الرؤية، وإنما يكون بعدها وهذا كاف في التسمية.
وعلله آخرون -بأن سبب ثبوت هذا الخيار هو جهالة أوصاف المبيع بدليل أنه لو رآه قبل البيع لم يثبت.
والجهالة تزول بالرؤية فيسقط الخيار لزوال سببه كخيار العيب يسقط بزوال العيب.
وكان ينبغي -بناء على هذا- ألا يملك الفسخ بعد الرؤية متصلاً بها لزوال سببه، إلا أنه ملكه لدفع الضرر عن نفسه ضرورة.
وهذه الضرورة تزول بمضي وقت يتمكن فيه من الفسخ ولم يفسخ ويكفي في نقص هذا التعليل.
أن سبب ثبوت هذا الخيار ليس هو الجهالة من حيث هي، بل من حيث هي منبئة عن عدم الرضا.
وبالاطلاع على المبيع، وإن علمت أوصافه فلم يوجد الرضا بعد.
لأنه في الغالب يحتاج إلى روية وإمعان ومراجعة.
وأما محاولة دفعه كما فعل الزيلعي بأن جهالة الوصف ليست علة لثبوت هذا الخيار بدليل أنه لم يثبت قبل الرؤية لتعلقه بالرؤية فهي محاولة غير مجدية.
لأنها - أولاً: على خلاف رأي المشايخ في المذهب في أن سبب خيار الرؤية هو جهالة الوصف وقد يعبرون عن ذلك في بعض الأحيان بعدم الرؤية والمؤدي واحد؛ لأن المراد جهالة الوصف بسبب عدم الرؤية.
وثانياً: من حيث عدم ثبوت الخيار قبل الرؤية لأن الرؤية شرط في ثبوته لا سبب والشيء كما لا يتقدم على سببه لا يتقدم على شرطه.
وعلله قوم آخرون بأنه خيار تعلق بالرؤية فكان على الفور كخيار الرد بالعيب.
وهذا في نظرنا أحسن تعليل وأوجه دليل.
إذ كل من خياري العيب والرؤية سببه موجود حين البيع وهو في الأول العيب، وفي الثاني الجهالة وكل منهما شرطه الرؤية والاطلاع، وخيار العيب يسقط فور الاطلاع على العيب فكذا ينبغي أن يسقط خيار الرؤية فور الاطلاع على المبيع.
يؤيد هذا أن خيار العيب هو من جهة أخرى يثبت لجهالة المبيع عند العقد عليه كذلك.
إذ بظهور العيب يتبين أن تلك الرؤية الحاصلة عند العقد لم تكن رؤية كاملة.
فهما أيضاً من جهة السبب في حقيقة الأمر سيان.
وإن اختلفت العبارة.
وكل ما يرد على هذا الدليل هو أنه دليل مذهبي لأن خيار العيب عند الشافعية -أصحاب هذا الدليل- فوري.
بينما هو عند الحنفية كخيار الرؤية.
فكل منهما في الواقع قد بني على مذهبه في خيار العيب.
هذا هو دليل القول الأول من مذهبي الشافعية والحنابلة، وأما دليل القول الثاني منهما، وهو أن الخيار يتقدر بمجلس الرؤية فلو قام عنه قبل أن يفسخ فقد لزمه البيع.
فهو أن العقد على الغائب إنما يتم بالرؤية فيصير كأنه عقد عندها فيثبت خيار كخيار المجلس.
هذا ولبعض الشافعية ههنا كلام في تبيان منشأ القولين في المذهب -المذهب القديم- نحكيه لطرافته قال ما =

......................... = حاصله إذا قلنا بصحة بيع الغائب فبيع بشرطه فهل العقد قبل الرؤية تام أو غير تام؟ قال بعضهم ليس بتام لأن تمامه بالرضا، وهو معدوم قبل الرؤية وعلى هذا يثبت لكل منهما حق فسخ البيع، وقال بعضهم هو تام فليس لواحد منهما حق فسخه، ولكن يثبت لهما خيار المجلس ما داما مجتمعين ثم قال فالخلاف في خيار الرؤية مبني على هذا فمن ذهب إلى أنه ليس بتام أثبت للمشتري خياراً كخيار المجلس عند الرؤية ومن قال هو تام جعل الخيار فور الرؤية؛ لأن خيار المجلس ثبت لهما قبل الرؤية.
أما المذهب الثاني: وهو عدم توقيت خيار الرؤية وهو مذهب الحنفية فقد استدلوا له بالحديث والمعقول.
أما الحديث فحديث خيار الرؤية نفسه -من اشترى شيئاً لم يكره فهو بالخيار إذا رآه، لأنه قد جعل المشتري بالخيار بعد مطلق الرؤية لم يقيدها بفورية أو غيرها فلا جرم قلنا بثبوت هذا الخيار له بعد الرؤية ودوامه إلى أن يرضى بالبيع فينقطع.
فدعوى الفورية أو غيرها زيادة على النص.
وأما المعقول -فهو أن خيار الرؤية ثبت حكماً لانعدام الرضا فيبقى إلى أن يوجد ما يبطل عدم الرضا، وليست الرؤية وحدها بكافية في إبطاله، إنما يكون ذلك بصريح الرضا أو دلالته.
ويرد على قولهم إن الحديث مطلق فتقييده بفورية أو غيرها زيادة على النص.
إنهم أول من ناقض نفسه في هذا حيث أسقطوا خيار المشتري إذا تصرف قبل الرؤية في المبيع تصرفاً لا يمكن رفعه أو يوجب حقاً للغير مع أن الحديث عام في ثبوت الخيار بعد الرؤية للمشتري سواء وجد منه مثل هذا التصرف أم لم يوجد.
ولكنهم قالوا نخصه بما إذا لم يوجب موجب شرعي سقوط الخيار كالتصرف المذكور.
وحاصله تقدير مخصص بالعقل.
فنقول ونحن كذلك نقيد إطلاق الحديث بالعقل من وجهين: الوجه الأول: أن الخيارات شرعت رخصة على خلاف القياس بدائع الحاجة.
وما كان كذلك يتقدر بمقدار ما يدفع تلك الحاجة ورؤية المقصود من المبيع كافية في دفع تلك الحاجة، فالزيادة عليها زيادة من غير موجب.
الوجه الثاني: الأصل في عقد البيع هو اللزوم ووقت الخيار مستثنى من أوقات لزومه، والأصل عدم التوسع في الاستثناء من غير مقتض يقتضيه.
والقول بثبوت الخيار للمشتري إلى ما شاء الله حتى يحصل منه الرضا بالبيع هو في حقيقة الأمر هدم لهذا الأصل فضلاً عن كونه يضر بالبائع ضرراً بليغاً والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ".
ويرد على معقولهم بأن خيار الرؤية -وإن ثبت حكماً لانعدام الرضا كما يقولون- فالمقصود منه دفع مضرة المشتري، وثبوت الخيار له إلى أن يرضى فيه مضرة بالبائع كذلك، والضرر لا يزال بالضرر.
والواقع أن القول بانقطاع الخيار فور الرؤية فيه إجحاف كبير بالمشتري وبامتداده إلى أن يرضى بالبيع فيه ضرر بالغ بالبائع.
ونرى أن تقديره بمجلس الرؤية ميزان عادل.
أما وقد ثبث: أن خيار الرؤية غير مؤقت عند الحنفية وأنه يمتد من الرؤية إلى أن يوجد ما يبطله من المشتري فيتم البيع في حقه، فما هو هذا الذي يبطل الخيار؟ يبطله: أولاً: الرضا الصريح، وذلك بالقول كرضيت البيع، وأجزته وأسقطت حقي من الخيار.
وهكذا.
وثانياً: الرضا دلالة -كالتصرف فيه بتصرف دال على الرضا بالبيع وإمضائه في العرف والعادة.
ثم هذا التصرف إن كان لا يمكن رفعه كالأعتاق والتدبير، أو كان يمكن رفعه ولكن يوجب حقاً للغير كالبيع المطلق أو بشرط الخيار للمشتري وحده، لأن عقدة البيع أصبحت بيده وحده =

جميع الثوب من جانبيه وهذا أحسن، لكن المَطْوي على طاقين لا يرى من جانبيه، إلاَّ أحد وجهي الثوب، وفي الاكْتِفَاء به تفصيل وخلاف قد سبق، ووراء ما ذكروه تنزيلان: أحدهما: أن يفرض رؤية الثوب قبل الطَّي، والطي قبل البيع، ويستمر الفَرْع.
والثَّاني: أن ما ينتقص بالنَّشْر مرة ينتقص بالنَّشْر مرتين فوق ما ينتقص به مرة واحدة، فلو نشر مرة وبيع وأعيد طَيّه ثم نَشَرَهُ المشتري، وزاد النقصان بذلك انتظم الفرع، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَلَهُ أَنْ يُفْرِدَ (ح) أحَدُهُمَا بِرَدِّ نَصِيبِهِ، = بعد أن خرج المبيع عن ملك البائع وكالرهن والإجارة فمثل هذا التصرف، وإن أبطل خيار الرؤية فهو كذلك يبطل حق الفسخ الثابت للمشتري قبل الرؤية إن صدر منه قبلها وبمقتضى هذا يلزم العقد في حقه ولا يكون له خيار الرؤية فيما بعد.
وقد يبدو هذا عجيبًا لأول وهلة.
وذلك لأن الحنفية يقررون كما سبقت الإشارة إليه أنه لو رضي بالبيع صراحة قبل الرؤية فحقه من الفسخ لا ينقطع فإذا كان هذا حال الرضا الصريح، فما بالهم أبطلوه بالرضا دلالة وهو دون الصريح؟.
ولكن سرعان ما يزول هذا العجب إذا علمنا أن الحنفية يسقطون حق المشتري في الفسخ في هذه الحالة لا من حيث دلالة فعله على الرضا بدليل أنه لو تصرف تصرفاً يمكن رفعه ولا يوجب للغير حقاً وهو مع ذلك دال على الرضا بالبيع عادة كركوبه الدابة المشتراة قبل أن توصف له إذا كان أعمى، فإن حقه من الفسخ لا يسقط.
وإنما يسقطونه من حيث زوال سلطنته على المبيع على وجه لا يمكن تداركه شرعاً.
بيان ذلك.
أن التصرف المذكور تصرف صدر عن أهله في محله لملكه للمبيع في الجملة فينفذ وبعد نفوذه يتعذر فسخه لأن الفرض أنه لا يمكن رفعه أو يوجب للغير حقاً فكان من ضرورة صحة التصرف المذكور قبل الرؤية سقوط حق المشتري في الفسخ ولزوم البيع في حقه على الدوام.
أما إذا كان هذا التصرف يمكن رفعه، ولا يوجب حقاً للغير كالبيع بشرط الخيار له وكالمساومة والهبة من غير إقباض فإنه إن صدر قبل الرؤية فلا يبطل حقه في الفسخ لأنه دون الرضا الصريح والفسخ غير متعذر.
وإن صدر بعد الرؤية أبطل خيار الرؤية لدلالته على الرضا بالبيع.
ثالثاً: تعيب المبيع أو هلاكه لكونه لا يعرى عن مقدمة عيب إذا ما أصابه شيء من ذلك، وهو عنده لامتناع الرد بسبب العيب وقد سبق توجيه هذا في خيار الشرط.
رابعاً: مما يبطل خيار الرؤية أيضاً عند الحنفية موت المشتري صاحب الخيار بناء على أصلهم من عدم توريث خيار الرؤية.
وقصارى القول فكل ما يبطل خيار الشرط عندهم يبطل خيار الرؤية.
وقد ذكروا ضابط ما يبطل خيار الشرط فقالوا -هو أن يفعل في المبيع ما لا يمحتن به أو يمتحن به ولكن لا يحل في غير ملك أو يحل ولكن فعله مرة ثانية- وليس كل ما يبطل خيار الرؤية يبطل خيار الشرط.
فإنه لو قبض المبيع، وهو يراه بطل خيار الرؤية لدلالت هذا القبض عادة على الرضا، ولكنه لا يبطل خيار الشرط لأن الاختبار الذي هو مقصود من شرط الخيار لا يمكن عادة إلا مع القبض.
ومن هذا يظهر أن الحنفية توسعوا فيما يبطل خيار الرؤية فراراً من تضرر البائع بثبوته للمشتري حتى يحصل منه ما يدل على الرضا بتوسعهم هنا فيما يدل عليه ينظر بقية كلام شيخنا في الخيار من الفقه الإسلامي.

وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلاَنِ عَبْداً مِنْ وَاحِدٍ فَلأَحَدِهِمَا أَنْ يُفْرِدَ نَصِيبَ نَفْسِهِ بالرَّدِّ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْن.
قال الرافعي: المبيع في الصّفْقة الواحدة إمَّا شيء واحد أو شيئان، فإن كان الثَّاني كما لو اشترى عبدين فخرجا مَعِيبَيْن فله ردهما، وكذا لَوْ خرج أحدهما معيباً، وأما إفراد المعيب بالرد فقد ذكرناه في "تفريق الصّفقة".
وإن كان الأول كما لو اشترى داراً أو عبداً فخرج معيباً فليس له رد بعضه، إن كان الباقي قائماً في ملكه لما فيه من تَشْقِيص ملك البائع عليه، فإن رَضِيَ البائع جاز في أصح الوجهين، وإن كان الباقي زائلاً كما إذا عرف العيب بعد بيع بعض المبيع، فقد حكى الشيخ أبو علي في رَدِّ البَاقي طريقين: أحدهما: أنه على قولين بناء على تفريق الصَّفْقة.
وأصحهما: القطع بالمنع 1، كما لو كان الباقي قائماً في مِلْكه، وعلى هذا فهل يرجع بالأَرْش؟ إما للقدر المبيع فكما ذكرنا فيما إذا باع الكل، وإما للقدر الباقي فوجهان: قال في "التهذيب": أصحهما: أنه يرجع لتعذُّر الرد، ولا ينتظر عود الزَّائل ليرد الكل، كما لا ينتظر زوال العيب الحادث، والوجهان جاريان فيما إذا اشترى عَبْدَين، وباع أحدهما ثم عرف العيب ولم نجوِّز رد الباقي، هل يرجع بالأرش؟ ولو اشترى عبدًا ومات وخلف ابنين فوجد بهما عيباً، فالأصح وهو قول ابن الحَدَّاد: أنه لا ينفرد أحدهما بالرَّد؛ لأن الصَّفقة وقعت مُتّحدة، ولهذا لو سلم أحد الابنين ونصف الثمن لم يلزم البائع تسليم النِّصف إليه.
وفيه وجه: أنه ينفرد؛ لأنه رد جميع ما ملك.
هذا كله فيما إذا اتَّحَد المُتَعَاقدان.
أما إذا اشترى رجل عبداَ من رجلين وخرج معيباً فله أن يفرد نصيب أحدهما بالرد؛ لأن تعدد البائع يوجب تعدُّد العقد، وأيضاً فلا يَتَشَقَّص على المردود عليه ما خرج عن ملكه.
ولو اشترى رجلان عبدًا من واحد فقولان: أصحهما: أنَّ لأحدهما أَنْ ينفرد بالرد: لأنه رد جميع ما ملك كما ملك، وبهذا قال أحمد، وكذا مالك في رواية 2.

والثَّاني: يحكى عن رواية أبي ثور وبه قال أبو حنيفة: أنه ليس له الانفراد؛ لأن العبد خرج عن ملك البائع كاملاً، والآن يعود إليه بعضه، وبعض الشيء لا يشتري بما يخصه من الثَّمن لو بيع كله.
التفريع: إن جوزنا الانفراد فانفرد أحدهما فتبطل الشّركة بينهما، ويخلص للمُمْسك ما أمسك وللراد ما استرد، أو تبقى الشَّركة بينهما فيما أمسكه الممسك واسترده الرَّاد.
حكى القاضي الماوردي فيه وجهين: أصحهما: أولهما.
وإن منعنا الانفراد فذاك، فيما ينتقص بالتبعيض؟ أما ما لا يَنْتَقص كالحبوب، ففيه وجهان مبنيان على أنَّ المانع ضَرَر التَّبعيض أو اتِّحاد الصَّفقة 1. ولو أراد المَمْنوعُ من الرَّد الأَرْش.
قال الإمام: إنْ حصل اليأس مِنْ إمكان رد نصيب الآخر بأنْ أعتقه وهو معسر فله أخذ الأَرْش، وإن لم يحصل نظر إن رَضِيَ صاحبه بالعيب فيبنى على أنه لو اشترى نصيب صاحبه وَضَمَّه إلى نصيبه وأراد أن يرد الكل ويرجع بنصف الثمن، هل يجبر على قبوله كما في مسألة النعل؟ وفيه وجهان: إن قلنا: لا، أخذ الأرش.
وإن قلنا: نعم، فكذلك في أصح الوجهين، لأنه توقع بعيد، وإن كان صاحبه غائباً لا يعرف الحال، ففي الأرش وجهان من جهة الحَيْلُولة النَّاجِزَة.
ولو اشترى رجلان عبداً من رجلين، كان كل واحد منهما مشترياً ربع العبد من كل واحد من البائعين، فلكل واحد ردّ الربع إلى أحدهما.
ولو اشترى ثلاثة من ثلاثة كان كل واحد منهم مشترياً تُسع العبد من كل واحد من البائعين.
ولو اشترى رجلان عبدين من رجلين، فقد اشترى كل واحد من كل واحد ربع كل واحد فلكل واحد رَدّ جميع ما اشْتَرى من كل واحد عليه.
ولو رَدّ ربع أحد العبدين وحده ففيه قولا التَّفْرِيق.
ولو اشترى بعض عبد في صفقة وباقيه في صفقة، إمَّا من البائع الأول أو غيره فله

رد أحد البَعْضَيْن خاصّة لتعدّد الصّفقة، ولو علم بالعيب بعد العقد الأول، ولم يمكنه الرد فاشترى الباقي، فليس له رد الباقي وله رد الأول عند الإمكان، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا تَنَازَعَا فِي قدَمِ العَيْبِ وَحُدُوثِهِ فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائعِ إِذَ الأَصْلُ لُزُومُ العَقْدِ فَيَحْلِفُ أَنِّي بِعْتُهُ وَأَقْبَضْتُهُ وَمَا بِهِ عَيْبٌ.
قال الرافعي: إذا وجد بالمَبِيع عيباً، فقال البائع: إنه حدث عند المشتري، وقال المشتري: بل كان عندك، نظر إنْ كان العيب ممَّا لا يحتمل حدوثه بَعْدَ البَيْع كالإِصْبُع الزائدة، وشَين الشَّجَّة المُتَدمِّلة، والبيع جرى أمس، فالقول قول المُشْتَرِي من غير يمين، وإن لم يحتمل تقدُّمه كالجِرَاحة الطَّريّة، وقد جرى البيع والقبض منذ سنة، فالقول قول البائع من غير يمين، وإنْ كان مِمَّا يحتمل حدوثه، قدمه كالبَرَص وهو المراد من مسألة الكتاب، فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن الأصل لزوم العَقْد واستمراره 1، وكيف يحلف؟ ينظر في جوابه لدعوى المشتري، فإذا ادَّعى المُشْتري بأن بالمبيع عيباً كان قبل البيع أو قبل القبض، وأراد الرَّدّ فقال في الجواب: ليس له الرد علي بالعيب الذي يذكره، أَوْ لا يلزمني قبوله حلف على ذلك، ولا يكلف التَّعَرض لعدم العيب يوم البيع ولا يوم القبض لجواز أنه أقبضه معيباً وهو عالم به، أو أنه رضي به بعد البيع، لأنه لو نطق به لصار مدعياً مطالباً بالبينة، ولو قال في الجواب: ما بعته إلاَّ سليماً أو مَّا أقبضته إلاَّ سليماً، فهل يلزمه أن يحلف كذلك، أو يكفيه الاقْتِصَار على أنه لا يستحق الرَّد، أو لا يلزمني قبوله؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنه يكفيه الجواب المُطْلق كما لو اقتصر عليه في الجواب.
وأظهرهما: أنه يلزمه التَّعرض لما تعرض له في الجواب لتكون اليمين مطابقة للجواب، ولو كان له غرض في الاقْتِصَار على الجواب المطلق، لوجب الاقتصار عليه في الجواب، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وهذا التفصيل والخلاف جاريان في جميع الدَّعَاوَى والأجوبة.

إذا تقرَّر ذلك فاعلم: أنَّ لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه- في المسألة: أن القول قول البائع مع يمينه على البَتّ لقد باعه بريئاً من هذه العيوب.
واعترض المُزَنِيّ فقال: ينبغي أنْ يحلف لقد أقبضته بريئاً من العيب؛ لأن ما يحدث قبل القبض يثبت الرد كالسابق على البَيْع.
وتكلَّم الأَصْحاب على اعتراضه بحسب الخِلاَف المذكور، فمن اعتبر كون اليمين على وفق الجواب قال: أراد الشافعي -رضي الله عنه- ما إذا ادعى المشتري عيباً سابقاً على الرد وأراد الرد به، وقال البائع في الجواب: بعته وما به هذا العَيْب فيحلف كذلك.
ولو قال المُشْتَري: قبضته معيباً، ونفاه البائع في الجواب حلف كما ذكره المُزَنِيُّ، وإذا اقتصر في الجواب على أنه لا يستحقّ الرد لم يلزمه ذكر هذا ولا ذاك.
ومن قال: تكفي اليَمين على نفي الاسْتِحْقاق بكل حال، قال: لم يقصد الشَّافعي -رضي الله عنه- أن الآن على ماذا يحلف ولأي وقت يتعرض، ولكن أراد أن يبين أنه يحلف على البَتِّ، فلا يقول مثلاً: بِعْتُه وما أعلم به عيباً، ولكن يقول: بعته وما به عيب، ويجوز اليمين على البَتِّ إذا اختبر حال العبد، واطَّلع على خفايا أمره، كما يجوز بمثله الشَّهَادة على الإعسار وعدالة الشهود وغيرهما.
وعند عدم الاخْتِبار يجوز الاعتماد على ظاهر السَّلاَمة إذا لم يعرف ولا ظَنّ خلافه.
وقوله في الكتاب: "بعْتُه وأقبضته، وما به عيب" محمول على ما إذا نفى في جواب المشتري العيب في الحالتين، واعتبرنا موافقة اليَمِين للجواب لفظاَ ومعنى، وَإِلاَّ فَمَدَار الرد التعيُّب عند القبض، حتى لو كان معيباً عند البيع وقد زال العيب، فلا رد له بما كان، بل مهما زال العيب قبل العلم أو بعده وقبل الرد سقط حقّ الرّد.
ولو زعم المشتري أن بالمبيع عيباً وأنكره البائع فالقول قوله 1؛ لأن الأصل السلامة ودوام العقد، ولو اختلفا في بعض الصِّفَات أنه هل هو عيب؟ فالقول قول البائع أيضاً مع يمينه، وهذا إذا لم يعرف الحال من غيرهما.
وقال في "التهذيب": فإن قال واحد من أهل العلم به: إنه عيب ثبت الرد به.
واعتبر صاحب "التتمة" شهادة اثنين، ولو ادعى البائع علم المشتري بالعيب أو تقصيره في الرد، فالقول قول المشتري، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ يَمْتنعُ الرَّدّ بِوَطْءِ الثَّيِّبِ (ح)، وَالاسْتِخْدَامِ، وَلاَ بِالزَّوَائِدِ (ح)

المُنْفَصِلَةِ، بَلْ تُسَلَّمُ (م) الزَّوَائِدُ لِلْمُشْتَرِي إِنْ حَصَلَتْ بَعْدَ القَبْضِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَصَلَتْ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَالحَمْلُ المَوْجُودُ عَنْدَ العَقْدِ يُسَلَّمُ أيْضاً لِلمُشْتَرِي عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: أصل مسائل الفصل: أن الفسخ يدفع العقد عن حينه 1 لا من أصله؛ لأن العقد لا ينعطف حكمه على ما مضى، فكذلك الفسخ.
هذا هو المذهب الصحيح، وفيما إذا انْفَسَخ قبل القَبْض وجه: أنه يرد العقد من أصله لأن العقد ضعيف بعد فإذا فسخ فكأنه لا عقد، وفي "التَّتمة" ذكر وجه: أنه يرفع العقد من أصله مطلقاً تخريجاً من القول بوجوب مَهْرِ المِثْل، إذا فسخ النِّكَاح بعيب حدث بعد المَسِيْس.
إذا عرف ذلك فالمَسَائِل ثلاث: إحداها: لا خلاف أنّ الاستخدام لا يمنع من الرد من العيب، وأما الوطء فالجارية إما بكر أو ثيب، فإن كانت ثَيِّباً فوطء المشتري لا يمنع الرَّد بالعيب، وإذا رد لم يضم إليه مهراً وله قال مالك، وهو رواية عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: يمنع.
لنا أنه معنى لا يوجب نقصاً ولا يشعر برضا، فأشبه الاسْتِخْدَام.
ووطء البَائِع والأجنبي بالشُّبْهَة كَوَطْء المشتري لا يمنع الرَّد، ووطئهما عن طواعية منها زِنا وذلك عيب حادث 2 هذا إذا وطئت بعد القبض، وإن وطئها المُشْتري قبل القبض، لم يمنع الرَّد ولا يصير قابضاً لها، ولا مَهْرَ عليه إنْ سلمت وقبضها، وإنْ تلفت قبل القبض فهل عليه المهر للبائع؟ فيه وجهان مَبْنيان على أنَّ العقد إذا انفسخ بتلف قبل القبض ينفسخ مِنْ أصله أو من حينه، وفيه وجهان:

أصحهما: الثَّانِي، وبه قال ابن سُرَيْجٍ.
وإن وطئها أجنبي وهي زانية، فهو عيب حدث قبل القبض 1، وإن كانت مكرهة فَلِلْمُشْتري المهر، ولا خيار له بهذا الوَطْء، ووطء البائع كوطء الأجنبي، لكن لاَ مَهْرَ عليه إن قلنا: إن جناية البائع قبل القبض كالآفَةِ السَّمَاوية.
وأما البِكْر، فافْتِضَاضُهَا بعد القبض نقص حادث 2، وقبله جناية على المَبِيع قبل القبض، فَإِن افْتَضَّهَا أجنبي بِغَيْرِ آلة الافْتِضَاض فعليه ما نقص من قيمتها، وإن افْتض بآلته فعليه المَهْر وأَرْش البكَارة، ويدخل فيه أو يفرد؟ فيه وجهان: أصحهما: يدخل، فعليه مَهْرُ مثلها 3 بكراً.
والثاني: يفرد، فعليه أَرْشُ البكارة، ومهر مثلها ثيباً، ثم المشتري إنْ أجاز العقد، فالكل له، وإلاَّ فقدر أَرْش البكَارة للبائع لعودها إليه ناقصة والباقي للمشتري.
وإن افتضها البائع، فإن أجاز المشتري فلا شيء على البائع، إن قلنا: إن جنايته كالآفة السَّمَاوية.
وإن قلنا كجناية الأجنبي فالحكم كَمَا فِي الأجْنَبي، وإن فسخ المشتري فليس على البائع أَرْشُ البكارة، وهل عليه مهر مثلها ثيباً إن افتض بآلته؟ يبنى على أن جنايته كالآفة السَّمَاوية أَمْ لا فإن افتضها المُشْتَري استقر عليه من الثمن بقدر ما نقص من قيمتها، فإن سلمت حتى قبضها فعليه الثمن بكماله، وإنْ تلفت قبل القبض فعليه بقدر نقصان الافْتِضَاض من الثمن، وهل عليه مهر مثل ثيّب إن افتضها بآله الافتضاض؟ يبنى إلى أَنَّ العقد ينفسخ من أصله أو من حينه هذا هو الصحيح.
وفيه وجه: أن افتضاض المشتري قبل القبض كافْتِضَاضِ الأَجْنَبِيّ.
المسألة الثانية: الزِّيَادة في المبيع ضربان: متّصلة ومنفصلة.
أما المتصلة كالسَّمن، وتعلّم العبد الحرفة والقرآن، وكبر الشّجرة، فهي تابعة لرد

الأصل ولا شيء على البائع بسببها 1. وأما المنفصلة كما إذا أجر المبيع وأخد أُجْرَتَه، وكالولد والثمرة وكسب العبد ومهر الجارية إذا وطئت بالشُّبهة، فإنها لا تمنع الرد بالعيب وتسلّم للمشتري، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الولد والثمرة يمنعان الرَّد بالعَيْب، والكسب والغَلّة لا يمنعانه، لكن إنْ رَدّ قبل القبض ردهما الأصل، وإن رد بعده بَقِيَا لَهُ.
وقال مالك: يرد مع الأصل الزِّيَادة الَّتِي هي مِنْ جنس الأصل وهي الولد، ولايرد ما كان من غير جنسه كالثمرة.
لنا ما روي: "أَنَّ مَخْلَدَ بْنَ خفَافٍ ابْتَاعَ غُلاَماً اسْتَغَلَّهُ ثُمَّ أَصَابَ بِهِ عَيْباً، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رضي الله عنه- بِرَدِّهِ وَغَلَّتِهِ، فَأَخْبَرَهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِي مِثْل هَذَا أَنَّ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، فَرَدَّ عُمَرُ -رضي الله عنه- قَضَاءَهُ، وَقَضَى لِمَخْلَد بِالْخَرَاجِ" 2. ومعنى الخبر: أن ما يخرج من المَبِيْع من فائدة وَغلّة، فهو للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان مِنْ ضَمَانه، ولا فرق بين الزَّوَائِدِ الحادثة قبل القبض، والزوائد الحادثة بعده مهما كان الرد بعد القبض، وإن كان الرد قبله ففي الزوائد وجهان بناء على أن الفسخ والحالة هذه رفع للعقد من أصله أو من حينه.
والأصح: إنها تسلم للمشتري أيضاً.
وقوله في الكتاب: "وكذلك إن حصلت قبل القبض على أقيس الوجهين"، يقتضي كون الزوائد الحاصلة قبل القبض على وجهين، وإِنْ كان الرَّد بعد القبض لكنه ليس كذلك، كذا قاله الإمام وغيره.
ومَوْضع الوجهين ما إذا كان الرد قبل القبض.
فاعرف ذلك.
واعلم أنه لو نقصت البَهِيمة أو الجارية بالولادة امتنع الرَّد لِلنَّقص الحادث، وإن لم يكن الوَلَدُ مانعاً، وتكلموا في إفراد الجارية بالرد، وإن لم تنقص بالولادة من جهة أنه تفريق بين الأم والولد.
فقال قائلون: لا يجوز الرد، ويتعين الأَرْش إلاَّ أن يكون الوقوف على العيب بعد بلوغ الولد ستّاً لا يحرم بعده التَّفريق.
وقال آخرون: لا يحرم التفريق هاهنا للحاجة، وسنذكر نظيره في "الرَّهْن" -إن شاء الله تعالى-.

المسألة الثالثة: عرفت حكم الولد الحادث بعد البيع.
فأما إذا اشترى جارية أو بهيمة حاملاً، ثم وجد بها عيباً، فإن كانت حاملاً بعد ردِّها كذلك، وإن وضعت الحمل ونقصت بالولادة فلا رد، وإنْ لم تنقص ففي رد الولد معها قولان بناء على أَنَّ الحمل هل يعرف ويأخذ قسطاً من الثَّمَن أم لا؟ والأصح نعم، ويخرج على هذا الخلاف: أنه هل للبائع حبس الولد إلى اسْتِيفاء الثمن؟ وأنه لو هلك قبل القبض هل يسقط من الثمن بحصَّته؟ وأنه هل للمشتري بيع الولد قبل القبض؟ فإن قلنا: له قسط من الثمن جاز الحبس وسقط الثمن، ولم يُجزِ البَيْع، وإلاَّ انعكس الحكم.
ولو اشترى نَخْلَة وعليها طلع غير مؤبّر، ووجد بها عيباً بعد التَّأبير، ففي الثمرة طريقان: أظهرهما: أنه على القولين في الحَمْل تَشْبيهاً للثمرة في الكِمَام بالحمل في البطن.
والثَّاني: القطع بأنها تأخذ قسطاً من الثمن؛ لأنها مشاهدة متيقنة، ولو اشترى جارية أو بَهِيمة حائلاً فحبلت، ثم اطلع على عَيْب، فإن نَقُصَت بالحمل فلا رد إنْ كان الحمل في يد المُشْتَري، وإن لم تَنْقُص أو كان الحملَ في يد البائع فله الرد، وحكم الولد مَبْنِي على الخلاف السابق.
إن قلنا: إنَّه يعرف ويأخذ قسطاً من الثّمن يبقى للمشتري، فيأخذه إِذَا انفصل.
وحكى القاضي المَاورْدِيُّ وجهاً آخر أنه للبائع لاتصاله بالأم عند الرد.
وإن قلنا: إنه لا يعرف ولا يأخذ قسطاً فهو للبائع 1، ويكون تبعاً للأم عند

الفسخ، كما يكون تبعاً لها عند العقد، وأطلق بعضهم القول بأن الحمل الحادث نقص، إما في الجواري فلأنه يؤثر في النشاط والجمال وإما في البَهَائم فلأنه ينقص لحم المأكول، ويخلُّ بالحمل عليها والركوب.
ولو اشترى نَخْلَة واطلعت في يده ثم اطَّلع على عَيْب، فلمن الطّلع؟ فيه وجهان 1. ولو كان على ظهر الحيوان صوف عند البيع فجَزَّه ثم عرف به عيباً رد الصُّوف معه، فإن استجز ثانياً وجَزّه ثم عرف العيب لم يرد الثَّاني لحدوثه في ملكه، وإنْ لم يُجَزَّ ردّه تبعاً 2. ولو اشترى أرضاً فيها أصول الكُرَّات ونحوه، وأدخلناها في البيع فنبتت في يد المشتري، ثم عرف بالأرض عيباً يردُّها، ويبقى النَّابت للمشتري، فإنها ليست تبعاً للأرض، أَلاَ ترى أن الظاهر منها في ابتداء البيع لا يدخل فيه؟ -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالإقَالَةُ فَسْخٌ (م) عَلى الجَدِيدِ الصَّحِيحِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ الرَّدُّ بِالعَيْبِ عَلَى حُضُورِ الخَصْمِ وَقَضَاءِ القَاضِي (ح).
قال الرافعي: الإقَالة بعد البيع جائزة، بل إذا ندم أحدهما على الصَّفقة استحب للآخر أن يقيله.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَقَالَ أَخَاهْ الْمُسْلِمَ صَفْقَةً كَرِهَهَا، أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَة يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
والإقالة: أن يقول المُتَبَايعان: تقايلنا أو تفاسخنا، أو يقول أحدهما: أقلتك فيقول الآخر: قبلت، وما أشبه ذلك، وفي كونها بيعاً أو فسخاً 3 قولان: = الخامس: أنا لو لم نقل بالرجوع في الفلس لانتفت فائدة التقديم وعدم المضاربة لأنا لو أبقينا الحمل للمفلس فقد أثبتنا للغرماء المزاحمة مع البائع فيما بيده بخلاف المشتري فإنه لا مزاحمة فلهذا قلنا يتبع الولد في الفلس دون الرد بالعيب.

أحدهما، وبه قال مالك: أنها بيع؛ لأنها نقل ملك بعوض بإيجاب وقبول، فأشبهت التَّولية.
وأصحهما: أنها فسخ، إذ لو كانت بيعاً لصحت مع غير البائع، وبغير الثمن.
وذهب بعضهم إلى أن القولين في لفظ الإِقَالة.
فأمَّا إذا قالا: تفاسخنا، فهو فسخ لا محالة.
= وأما الإقالة فلا تكون إلا حيث يكون العقد لازماً لهما.
نعم تشبه الإقالة الخيار من جهة أنهما لا يدخلان إلا عقود المعاوضات المالية اللازمة القابلة للفسخ.
ثم الإقالة جائزة شرعاً؛ لأن العقد حقهما وآثارة المترتبة عليه وقف عليهما فلهما رفعه.
بل هي مندوبة لأنها غالبا لا تكون إلا تحت ضغط الحاجة والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول "مَنْ أَقَالَ نَادِماً بَيْعَتَه أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ".
وقد اختلف في الإقالة هل هي فسخ أو بيع؟ فالشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة على أنها فسخ، ومالك على أنها بيع؛ إلا في الطعام والشفعة والمرابحة، وأبو يوسف على أنها بيع فإن لم تحتمل البيع فهي فسخ فإن لم تحتمله فهي باطلة.
ومحمد على أنها فسخ فإن لم تحتمل الفسخ فهي بيع فإن لم تحتمله فهي باطلة.
وجهة من قال إنها فسخ هي أن الفسخ معناها اللغوي والأصل مطابقة المعنى الشرعي للمعنى اللغوي حتى يقوم الدليل على خلافه.
فإن لم تحتمل الفسخ كانت باطلة، ولا تحمل على البيع لأن البيع ضد الفسخ، واللفظ لا يحتمل ابتداء ضده حتى يحمل عليه عند تعذر معناه الحقيقي.
وقال محمد: بل تحمل على البيع إذا تعذر الفسخ؛ لكونها تحتمل البيع في الجملة، إذ هي بيع في حق ثالث حيث يجوز له المطالبة بالشفعة فيها كما هو مذهب الحنفية.
ولكن أبا حنيفة يجيب بأنا جعلناها بيعا في حق ثالث للضرورة، وهي ثبوت حكم البيع بها من نقل الملك ببدل فلئن صرفت عن معنى البيع في حقهما فلا تصْرف عنه في حق غيرهما إذا اقتضاه أمر آخر.
وأيضاً اعتبرت بيعاً في حق ثالث لئلا يفوت مقصود الشارع من شرع الشفعة في بعض الصور إذ هي قد شرعت لدفع ضرر الخلطة أو الجوار وهو موجود في الإقالة.
ووجهة من قال إنها بيع هي أنه رأى حد البيع منطبقاً عليها؛ لأنها مبادلة المال بالمال على التراضي وهو حد البيع ولأنها تبطل بهلاك السلعة قبل القبض ويرد المبيع فيها بالعيب وهذه هي أحكام البيع، وعلى هذا فهي بيع حقيقة لانطباق حده وحكمه عليها.
ويزيد أبو يوسف على هذا: إنها وضعت في الأصل للفسخ ثم حملت على البيع لما ذكر، فإن لم تحتمله كانت مستعملة فيما وضعت له وهو الفسخ.
ويرد على من قال إنها بيع بأن حد البيع ليس مبادلة المال بالمال تراضياً فحسب بل مع زيادة ابتداء، والموجود في الإقالة المبادلة على سبيل العود.
وبأنه لا يلزم من ثبوت لازم شيء لشيء أن يكون إياه لجواز أن يكون لازم حقيقتين مختلفتين أي أنه لازم عام.
وفائدة الخلاف في كونها بيعاً أو فسخاً تظهر في الإقالة من المبيع قبل قبضه فمن قال: هي بيع لا يصححها؛ لأن بيع المبيع قبل قبضه لا يجوز، ومن قال هي فسخ جعلها صحيحة لأن برفع العقد يعود المبيع إلى ملك صاحبه.
ومع ذلك فلا بد في الإقالة من أن تكون بالثمن فلا يزاد عليه أو ينقص منه لأن حقيقتها هي المبادلة بالثمن الذي اتفق عليه أولاً؟ قاله شيخنا الشيخ مندور.

واعلم: أن القول الثاني مَنْصُوص في الجديد، وأما الأول فمنهم من حكاه وجهاً، والأكثرون نقلوه عن نَصِّه في القديم، وعن أبي حنيفة: أن الإِقَالة فسخ في حق المُتَعَاقدين بيع في حق غيرهما.
التفريع: إن كانت بيعاً تجدّد بها الشّفْعة، وإن كانت فَسْخاً فلا، خلافاً لأبي حنيفة.
ولو تقايلا في الصّرف وجب التَّقابض في المجلس، إن كانت بيعاً وإن كانت فسخاً فلا، وتجوز الإقَالة قبل القَبْض المبيع إن كانت فَسْخاً، وإن كانت بيعاً فهي كبيع المبيع من البائع قبل القبض، وتجوز في السّلْم قبل القبض إنْ كانت فَسْخاً، وإن كانت بَيْعاً فلا، ولا تجوز الإِقَالة بعد تَلَفِ المبيع إن كانت بَيْعاً، وإن كانت فسخاً فوجهان: أحدهما: المنع كالرَّد بالعيب.
وأصحهما: الجواز، وهو اختيار أبي زيد، كالفسخ بالتحالف، فعلى هذا يرد المشتري على البائع مثل المبيع إن كان مِثْلياً، وقيمته إن كان متقوماً.
ولو اشترى عَبْدين وتلف أحدهما، ففي الإِقَالة في الثاني وجهان بالترتيب، إذ القائم تُصَادفه الإِقَالة فيستتبع التَّالف.
وإذا تقايلا، والمبيع في يد المشتري بعد، لم ينفذ تصرف البائع فيه إن كانت بيعاً، ونفذ إنْ كانت فسخاً، فإن تلف في يده انفسخت الإِقَالة إن كانت بيعاً وبقي البيع بحاله، وإن كانت فسخاً فعلى المشتري الضَّمان؛ لأنه مقبوض على حكم العوض، كالمأخوذ قَرْضاً أو سَوْماً، والواجب فيه إن كان مُتقوّمًا أقل القَيمَتَيْن من يوم العَقْد والقبض، ولو تعيّب في يده فإن كان بيعًا تخير البائع بين أن يُجيز الإقالة ولا شيء له، وبين أَنْ يفسخ ويأخذ الثمن، فإن كان فسخاً غرم أَرْش العيب، ولو استعمله بعد الإقالة، فإن جعلناها بيعاً فهو كالمبيع يستعمله البائع، وإن جعلناها فسخاً فعليه الأُجْرة، ولو عرف البائع بالمبيع عيباً كان قد حدث في يد المشتري قبل الإقالة فلا رد له إنْ كانت فسخاً، وإن كانت بيعًا فله رده، ويجوز للمشتري حبس المبيع لاسترداد الثمن على القولين.
ولا يشترط ذِكْر الثَّمن في الإِقَالة، ولا تصحّ إلاَّ بذلك الثمن، فلو زاد أو نقص فسدت وبقي البيع بحاله حتى لو أقاله على أن ينظر بالثمن، أو على أنْ يأخذ الصِّحاح عن المُكسرة لم يجز، ويجوز لِلْورثة الإقَالة بعد موت المُتَبَايعين، وتجوز الإِقَالة في بعض المبيع كما تجوز في كله.
قال الإمام هذا إذا لم تلزم جهالة.
أما إذا اشترى عبدين، وتَقَايلا في أحدهما مع بقاء الثاني لم يجز، على قولنا: إنه بيع للجهل بحصة كل واحد منهما.

جارٍ التحميل