كِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِ
البَابُ الأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا
قال الغزالي: وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ: مُتَعَلَّقُ العَقْدِ وَهُو الأشْجَارُ إِذْ عَلَيْهَا يُسْتَعْمَلُ العَامِلُ بِجُزْء مِنَ الثِّمَارِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ عَامِلُ القِرَاضِ، إِلاَّ أَنَّ المُسَاقَاةَ لاَزِمَةٌ مُؤَقَّتَةُ يَسْتَحِقُّ (و) الثِّمَارَ فِيَها بِمُجِرَّدِ الظُّهُوِرِ بِخِلاَفِ القِرَاضِ، وَأَصْلُهَا مَا رُوِىَ أَنَّهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ سَاقَىَ أهل خَيَبر علَى النِّصْفِ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ.
قال الرافعي: صورة المُسَاقاة أن يعامل إنساناً على نخلة ليتعهَّدها بالسَّقْى والتربية، على أن ما رزق الله -تعالى- من ثمرة تكون بينهما 1.
ولفظ المساقاة مأخوذ من السَقْي؛ لأن أنفع الأعمال وأكثرها مؤنة أو تبعاً السقى خاصة "بالحجاز"؛ لأن أهلها يسقون من الآبار، والمعتمد في جوازها أن ابن عمر -رضي الله عنه- روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (عَامَل أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ) 2. ومن جهة المعنى أن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها، ولا يتفرغ له، ومن يحسن ويتفرغ قد لا يملك الأشجار، فيحتاج ذلك الاستعمال، وهذا إلى العمل، ولو تعاقدا عقد الإجارة للزم المالك غرم الأجرة في الحال، وربما لا يحصل له من الأشجار شيء، ويتهاون العامل، فلم يبذل المجهود في تعهدها؛ لأنه لا يتحصل من فوائدها على شيء، فدعت الحاجة إلى تجويز هذا العقد، وبه قال مالك وأحمد، وخالف فيه أَبُو حَنِيْفَةَ وقد يقيس الأصحاب المساقاة على القراض في الحجاج معه.
ومسائل الكتاب مذكورة في بابين.
أحدهما: في أركان العقد.
الجزء: 6 - الصفحة: 50
والثاني: في أحكامه كما ذكر في القراض.
وأما التفاسخ والتنازع، فلم يفرد لها باباً؛ لأن حظهما هين في هذا العقد إمَا التفاسخ فلأنه لأزم، وسبيل الفسخ فيه سبيل الإقالات، وإما التنازع فلأنه معلوم مما ذكره في القراض، وقد أشار إليه إشارة خفيفة في آخر الكتاب.
الباب الأول في الأركان: وهي كأركان القراض، إلا أنه ترك ذكر العاقدين اكتفاء بما مَرَّ في القراض، فبقيت أربعة:
إحداها: الأشجار وهي كرأس المال في القراض؛ لأنها محل العمل، والتصرف كالمال هناك.
وقوله: "متعلق العقد" يمكن أن يطابق فيه فيقال: العقد كما يتعلق بالأشجار يتعلّق بالثمار، ولذلك عد الثمار ركنًا للعَقْد، وليس للترجمة اختصاص بالأشجار، نعم لو قال: متعلّق العمل كان قريبًا.
وقوله: "إلاَّ أن المُسَاقَاة لازمة .... " إلى آخره لا يخفى على الناظر أن لفظ الكتاب أنه ليس استثناه محققاً، ثم الغرض منه بيان أن العقدين يشتركان في أكثر، ويفترقان في الأقل، وذكر في افتراقهما مسائل:
إحداها: المساقاة ليس لأحد المتعاقدين فسخها، بخلاف القراض؛ لأن العمل في المُسَاقاة يقع في أعيان تبقى بحالها، وفي القراض لا تبقى الأعيان بعد العمل والتصرف، فكان القراض شبيهاً بالوكالة والمساقاة بالإجارة، وأيضاً فإنا لو حكمنا بالجواز، فربما يفسخ المالك بعد العمل، وقبل ظهور الثمار، وحينئذ فإما أن نقطع حق العامل عنها أو لا نقطع.
إن قطعناه ضاع سقاء العامل مع بقاء تأثيره في الثمار، وإنه ضرر، وإِن لم نقطعه لم ينتفع المالك بالفسخ، بل يتضرر لحاجته إلى القيام ببقية الأعمال، ويخالف القراض، فإن الربح ليس له وقت معلوم، ولا تأثيره بالأعمال السابقة، فلا يلزم من فسخه ما ذكرناه.
الثانية: المساقاة لا بد من تأقيتها كالإجارة، وسائر العقود اللازمة، وهذا لأنها لو تأبدت لتصور من ليس بمالك بصور المالكين، وفيه إضرار بالمالكين، وأيضاً فإن المُسَاقاة تفتقر إلى مدة يقع فيها التعهُّد، وخروج الثمار، ولحصول الثمار غاية معلومة يسهل ضبطها، والقراض يخل به التأقيت؛ لأن الربح ليس له وقت معلوم، فربما لا يحصل في المدة المقدرة.
الثالثة: هل يملك العامل نصيبه من الثمار بالظهور؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين في ربح مال القراض.
وأظهرهما: القطع بأنه يملك.
الجزء: 6 - الصفحة: 51
والفرق أن الربح وقاية لرأس المال عن الخسران، فلا يملك الربح حتى يسلم رأس المال عن الخسران المحوج إلى الجُيْران، والثمار ليست وقاية للأشجار 3.
قال الغزالي: وَلِلأَشْجَارِ ثَلاَثُ شَرَائِطَ: الأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ نَخِيلاً أَوْ كَرْماً، وَفِيمَا عَدَاهَمُا مِنَ الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ قَوْلاَنِ، وَكُلُّ مَا يَثْبُتُ أَصْلُهُ فِي الأَرْضِ فَشَجَرٌ إِلاَّ البَقْلَ (و) فَإِنَّهُ يَلتْحِقُ بِالزَّرْعِ وَالبِطِّيخِ وَالبَاذِنْجَانِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ وَأَمْثَالِهِ.
قال الرافعي: المُسَاقاة على النخل وردت بها السُنَّة والكَرْم في معناها.
وأما غيرها من أنواع النبات، فينقسم إلى ماله سَاقٌ وإِلى غيره.
القسم الأول: ماله ساق، وهو على غربين: الأول ماله ثمر كالتين والجوز واللوز والمشمش والتفاح ونحوها، وفيها قولان:
القديم وبه قال مَالِكٌ وأحمد: أنه تجوز المساقاة عليها للحاجة عليها كالنخل والكرم، وأيضاً فقد روي أنه-صلى الله عليه وسلم -: (عَامَلَ أَهْلَ خَبْيَرَ بِالشَّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ) 4 والجديد: المنع؛ لأنها أشجار لا زكاة في ثمارها، فأشبهت الأشجار الواقعة في الضرب الثاني، وتخالف النخيل والكرم؛ لأن ثمارها لا تكاد تحصل إلاَّ بالعمل وسائر الأشجار يثمر من غير تعهد وعمل عليها، ولأن الزكاة تجب في ثمرتها، فجوزت المساقاة سعياً في تثميرها ليرتفق بها المالك والعامل والمساكين جميعاً، ولأن الخرص يتأتى في ثمرتها لظهورها وتدلي عنها قيدها، وثمار سائر الأشجار تنتشر وتستتر بالأوراق، فإذا تعذر الخرص تعذر تضمين الثمار للعامل، وربما لا يثق المالك بأمانته فإذًا تجويز المساقاة عليها أهم، وفي شجر المُقل وجهان تفريعاً على الجديد.
عن ابن سُرَيْجٍ تجويز المُسَاقاة عليها تخريجاً لظهور ثمرتها.
الجزء: 6 - الصفحة: 52
وقال غيره بالمنع؛ لأنه لا زكاة فيها 5.
والضرب الثاني: ما لا ثمرة له كالدُّلْب 6 والصنوبر، وما أشبههما فلا تجوز
المُسَاقَاة عليها.
وعن الشيخ أبي علي وآخرين أنا إذا جوزنا المساقاة على غير النَّخِل والكرم من الأشجار المثمرة، ففي المساقاة على شَجَرِ الفْرصَاد وجهان تنزيلاً لأوراقها منزلة ثمار الأشجار المثمرة، وكذلك في ضجر الخلاّف لأغصانها التي تقصد كل سنة أو سنتين.
والقسم الثاني: ما لا ساق لها من النبات، فلا تجوز المساقاة عليه، ومنه البِّطِّيْخ، والقِثَّاء، وقصب السكر والباذنجان والبقول التي لا تثبت في الأرض ولا تجزّ إلاَّ مرة.
وأما ما يثبت في الأرض ويجزّ مرة بعد أخرى، نقل صاحب "التتمة" في وجهين:
الأصح المشهور: المنع؛ لأن المساقاة جوزت رخصة على خلاف القياس، فلا تتعدى إلى غير موردها، ومن هذا القبيل الزروع على تنوعها، فلا يجوز أن يعامل على الأرض ببعض ما يخرج من زرعها 7 على ما سنشرحه في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
وقوله في الكتاب: "وفيما عداه من الأشجار المثمرة قولان" فيه لفظان "الشجرة" و"الأثمار".
أما الأثمار ففي التقييد به بيان أنه إذا لم يكن الشجر مثمراً لم تجز المساقاة عليه جزماً، وليس ذلك محل القولين.
وأما الشجر فقد بينه بقوله: "وكل يثبت أصله فشجر" أي هو الذي يجري فيه القولان.
وأما ما لا ثبات له، فلا يقع عليه اسم الشجر، وليس ذلك موضع القولين.
وقوله: "إلاَّ البقل" يعني أنه مع ثبوت عروقه في الأرض لا يقع عليه اسم الشجر، ولا يجري فيه القولان، فكان اسم الشجر مخصوصاً بذي الساق في عرف اللسان، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6].
قيل في التفسير: النجم مالا ساق له من النبات، والشجر ماله ساق، فلا يبعد إعلام قوله: "إلاَّ البقل" بالواو للوجه المروي في "التتمة".
قال الغزالي: وَلاَ يُجَوّزُ (و) هَذِهِ المُعَامَلَةَ عَلَيْهِ لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَنِ المُخَابَرَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ البِذْرُ مِنَ العَامِلِ، وَعَنِ المُزَارَعَةِ وَهِيَ (و) أَنْ يَكُونَ البِذْرُ مِنَ
الجزء: 6 - الصفحة: 53
المَالِكِ، نَعَمِ يْجَوُزُ ذَلِكَ عَلَى الأَرَاضَيِ المُتَخَلَّلَةِ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالكَرْم تَبَعاً لِلمُسَاقَاةِ بِشَرْطِ اتِّحَادِ العَامِلِ وَعُسْرِ إِفْرازِ الأَرَاضِي بِالعَمَلِ، فَلَوْ وَقَعَتْ مُتَغَايِرةٌ بِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ أَوْ بِتَفَاوُتِ الجُزْءِ المَشْرُوطِ مِنَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ أَوْ بِكَثْرةِ الأَرَاضِي وَإِنْ عَسُرَ إِفْرَازُهَا بِالعَمَلِ أَوْ بْكَوْنِ مِنَ العَايلِ فَفي بَقَاءِ حُكْمِ التَّبعِيَّةِ فِي الصَّحَّةِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: المُخَابرة من الخبير وهو الأَكَّار ويقال: هى مشتقة من الخبار، وهي الأرض الرّخوة، ثم ذهب بعض الأصحاب إلى أن المخابرة المزارعة عبارتان عن معبر واحد، ويوافقه قوله في الصِّحاح 8: والخبير الأَكَّار 9، ولفظ المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، والصحيح وهو ظاهر نص الشَّافعي -رضي الله عنه- أنهما عقدان مختلفان فالمخابرة هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من العامل، والمزراعة هي هذه المعاملة، والبذر من مالك للأرض، وقد يقال: المخابرة اكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها، والمزارعة اكتراء العامل ليزرع الأرض ببعض ما يخرج منها، وهذا المعنى لا يختلف 10 ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "وهي أن يكون على العامل" -وكذا؛ "وهي أن يكون البذر من المالك" - بالواو- إشارة إلى قول من قال: هما عبارتان عن معبر واحد، فإن عند ذلك القائل ليس واحداً من هذين الخصوصين بداخل في واحد من اللفظين، بل هما عبارتان عن مُجَّرد المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، وقد اشتهر في الأخبار النهي عن المخابرة.
(قال ابن عمر: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رَافِعُ بْنُ خُدِيْجٍ أن النبي -صلى الله عليه وسلم-نهى عنه فتركناها لقول رَافِعٍ) 11.
الجزء: 6 - الصفحة: 54
وعن جَابِرٍ وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (نَهَى عَنِ المُخَابَرةِ) 12 وأما المزارعة، فعن رواية ثابت بن الضَّحَّاَك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ) 13.
وقال كثيرون: لم يرد فيها نهي، لكنها شبهت بالمخابرة فأبطلت، وساعدنا على إبطال المخابرة والمزارعة معاً مالك وأبو حنيفة، وأبطل أحمد المخابرة، دون 14 المزارعة، فيجوز أن يعلم لذلك قوله في الكتاب: "ولا يجوز هذه المعاملة عليه" كذلك بالواو؛ لأن ابن سريج فيما حكاه المسعودي جوز المزارعة 15.
إذا تقرر ذلك فمهما أفردت الأرض مخابرة، أو مزارعة، فالعقد باطل، ثم إن كان البذر للعامل، فالريع له، وللعامل أجرة مثل عمله، وأجرة مثل الآلات والثيران إن كانت له؛ وإن كان البذر للعامل فالريع له ولمالك الأرض أجرة مثل الأرض على العامل، وإن كان البذر بينهما فالريع بينهما ولكل واحد منهما على الآخر أجرة مثل ما انصرف من المنافع المستحقة له إلى جهة المزارعة، وإذا أراد أن يكون الزرع بينهما على وجه مشروع من غير أن يرجع أحدهما على الآخر شيء، نظر إن كان البذر بينهما، والأرض لأحدهما، والعمل والآلات للثاني، فعن الشَّافعي -رضي الله عنه- أن صاحب الأرض يعير نصف أرضه من العامل، ويتبرع العامل بمنفعة بدنه ومنفعة الآته، فيما يتعلق بصاحب الأرض.
وقال المُزَنِيُّ: يكري صاحب الأرض نصف أرضه من العامل بعشرة مثلاً، ويكري العامل ليعمل على نصيبه بنفسه والآته بعشرة، ويتقاصَّان.
= (13612) كتاب المزارعة الحديث (447) المخابرة والمزارعة متقاربتان وهما المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع كالثلت والربع وغير ذلك من الأجزاء المعلومة (النووي شرح صحيح مسلم 10/ 193).
الجزء: 6 - الصفحة: 55
قال الأصحاب يكريه نصف أرضه بنصف منافع العامل، ومنافع الآته المصروفة إلى الزراعة، فهذه ثلاثة طرق:
والثالث: أحوطها وإن كان البذر لأحدهما خاصة فإن كان لصاحب الأرض أقرض نصف البذر من العامل، واكنزي منه نصف الأرض بنصف عليه، ونصف منافع الآلات، وحينئذ لا شيء لأحدهما على الآخر إلاَّ ردِّ العوض وإن شاء استأجر العامل بنصف البذر، ونصف منفعة تلك الأرض ليزرع له النصف الآخر، وأعار منه نصف الأرض، وإِن شاء استأجر بنصف البذر ونصف منفعته تلك الأرض ليزرع ما يبقى من ذلك البذر في تلك الأرض، وإِن كان البذر للعامل، فإن شاء أقرض نصف البذر من صاحب الأرض، واكترى منه نصف الأرض بنصف عمله، ومنافع الآلات، وإن شاء اكترى نصف الأرض بنصف البذر، ويتبرع بعمله، ومنافع الآلات، وإن شاء اكترى منه نصف الأرض بنصف البذر، ونصف عمله، ونصف منافع الآلات، ولا بد في هذه الإجارات من رعاية الشرائط كرؤية الأرض والآلات، وتقدير المدة وغيرها، هذا إذا أفردت الأرض بالعقد.
أما إذا كان بين النخيل بَيَاضٌ تجوز المزارعة عليه مع المُسَاقاة على النخيل، وعلى ذلك يحمل ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- (سَاقَى أَهْلَ خَيْبرَ عَلَى نِصْفِ التَّمْرِ وَالزَّرْعِ) 16.
وسببه الحاجة لعسر الإفراد، ومداخلة البستان، وشرط فيه اتحاد العامل، فلا يجوز أن يساقي واحداً، ويزارع آخر؛ لأن غرض الاستقلال لا يحصل، ويثترط أيضاً تعذر إفراد النخيل بالسقى، وإفراد البياض بالعمل لانتفاع النخيل بسقيه وتغليته، فإن أمكن الإفراد لم تجز المزارعة على البَيَاض.
واختلفوا في اعتبار أمور أخر:
أحدها: اتحاد الصفقة، واعلم أن لفظ المُعَامَلةُ يشمل المُسَاقَاة والمزارعة، فلو قال: عاملتك على هذه النخيل، والبياض بينهما بالنصف كفى.
وأما لفظ المساقاة والمزارعة، فلا يغني أحدهما عن الآخر بل، يساقى على النخيل، ويزارع على البياض وحينئذ، فإن قدم المساقاة نظر إن أتى بها على الاتصال، فقد اتحدت الصفقة، وتحقق الشرط، وإن فصل بينهما، ففي وجه تصح المزارعة لحصولهما لشخص واحد.
والأصح: المنع؛ لأنها تتبع، ولا يجوز إفرادها، كما لو زارع مع غير عامل المساقاة، كان قدم المزارعة فسدت، فإن التابع لا يتقدم على المتبوع، كما لو باع
الجزء: 6 - الصفحة: 56
بشرط الرَّهْن لا يجوز تقديم شرط الرَّهْن على البيع وفيه وجه: أنها تنعقد موقوفة إن ساقاه بعدها على النخيل بَانَ صحّتها، وإلاَّ فلا.
والثاني: لو شرط للعامل من الثمر النصف ومن 17 الزرع الربع، فأحد الوجهين: أنه لا يجوز، ويشترط تساوي المشروط؛ لأن التفضيل يبطل التبعية، أَلاَ تَرَى أنه لو باع شجرة عليها ثمرة لم يبد فيها الصلاح، وقال: بعتك الشجرة بعشرة، والثمر بدينار لم يجز إلاَّ بشرط القطع.
وأصحهما: الجواز؛ لأن المزارعة وإن جوزت تبعاً للمساقاة، فكل منهما عقد برأسه.
والثالث: لو كثر البياض المتخلل فوجهان، وإن عسر الإفراد.
أحدهما: المنع؛ لأن الأكثر لا يتبع الأقل.
وأشبهما: الجواز؛ لأن الحاجة لا تختلف، ثم النظر في الكثرة إلى زيادة الثمار، والانتفاع، أو إلى مساحة البياض، ومساحة مغارس الأشجار فيه تردد للأئمة 18.
والرابع: لو شرط كون البذر من العامل جاز في أحد الوجهين، وكانت المخابرة تبعاً للمساقاة كالزراعة، ولم تجز في أصحهما: لأن الخبر ورد في المزارعة، وهي أشبه بالمساقاة؛ لأنه لا يتوظف على العامل فيهما إلاَّ العمل وشرط أن يكون البذر من المالك، والثور من العامل أو بالعكس فيه وجهان عن أبِي عَاصِم العَبَّادِيِّ.
والأصح: الجواز إذا كان البذر مشروطاً على المالك؛ لأنه الأصل، فكأنه اكترى العامل وثوره.
قال: وإن حكمنا بالجواز فيما إذا شرط الثور على المالك والبذر على العامل، فينظر إن اشرط الحب والتَّبْن بينهما جاز، وكذا لو شرط الحب بينهما والتَّبْن لأحدهما لاشتراكهما في المقصود، وإن شرط التَّبْن لصاحب الثور وهو المالك، والحب للآخر لم يجز؛ لأن المالك هو الأصل، فلا يحرم المقصود، وإن شرط التَّبْن لصاحب البذر وهو العامل.
فوجهان: وقيل؛ لا يجوز شرط الحب لأحدهما والتبن للآخر أصلاً؛ لأنه شركة مع الانقسام، فأشبه ما إذا ساقاه على الكروم، والأشجار، وشرط ثمار الكروم لأحدهما، وثمار الأشجار للآخر.
واعلم أنهم أطلقوا القول في المخابرة بوجوب أجرة المثل للارض، لكن
الجزء: 6 - الصفحة: 57
في "فتاوى القَفَّال" و"التهذيب" وغيرهما أنه لو دفع أرضاً إلى رجل ليغرس أو يبني، أو يزرع فيها من عنده على أن تكون بينهما على النصف، فالحاصل للعامل، وفيما يلزمه من أجرة الأرض وجهان:
أحدهما: أن الواجب نصف الأجرة؛ لأن نصف الغراس كان يغرسه لرب الأرض بإذنه، فكأنه رضي ببطلان نصف منفعته من الأرض.
وأصحهما: وجوب الجميع؛ لأنه لم يرض ببطلان المنفعة إلاَّ إذا حصل نصف الغراس، فإذا لم يحصل وانصرف كل المنفعة للعامل استحق كل الأجرة، فإذا ما أطلقوه في المخابرة اقتصار منهم على الأصح، ثم العامل يكلَّف نقل البناء والغراس إن لم تنقص قيمتها، وإن نقصت لم يقلع مجاناً للإذن، ويتخير مالك الأرض فيهما تخير المعير، والزرع يبقى إلى الحصاد، ولو زرع العامل البياض بين النخيل من غير عَقْد قلع زرعه مجاناً.
وعن مَالِكِ -رضي الله عنه- أنه إن كان دون ثلث البستان كان تابعاً، وإذا لم نجوز المساقاة على ما سوي النخيل والكروم من الأشجار المثمرة على الإنفراد، ففي جوازها تبعاً للمُسَاقاة كالمزارعة وجهان 19.
قال الغزالي: الثَّانِى أَنْ لاَ تَكُونَ الثِّمَارُ بَارِزَةً، وإن سَاقَى بَعْدَ البُروُزِ (م) فَسَدَ عَلَى القَدِيمِ، وَصَحَ عَلَى الجَديِدِ لأنَّهُ عَنِ الغَرَرِ أَبْعَدُ إذِ العِوَضُ مَوْثُوقٌ بِهِ.
قال الرافعي: لو أخر هذا الشرط إلى الركن الثاني لكان جائزاً أو أحسن.
وفقهه أن في جواز المُسَاقاة بعد خروج الثمار قولين:
رواية البويطي المنع؛ لأن الثمرة إذا ظهرت وملكها رب البستان كان شرط شئ منها كشرط شيء من النخيل، وأيضاً مقصود المساقاة أن تخرج الثمار بعمله.
وفي "الأم" أنه جائز، وبه قال مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وهو الأصح؟ لأن العقد والحالة هذه أبعد عن الغرر، والوثوق بالثمار، فهو أولى بالجواز، وفي موضع القولين ثلاثة طرق جمعها من شرح "مختصر" الجويني:
أظهرها: أن القولين فيما إذا لم يَبْدُ الصلاح فيها، فأما بعده فلا تجويز بلا خلاف؛ لأن تجويز المساقاة لتربية الثمار وتنميتها، وهي بعد الصلاح لا تتأثر بالأعمال.
والثاني: إجراء القولين فيما إذا بدأ الصلاح، وفيما إذا لم يَبْدُ مالم يتناه نضجها، فإن تناهى، ولم يبق إلاَّ الجذَاذ لم يجز بلا خلاف.
الجزء: 6 - الصفحة: 58
والثالث: إجراء القولين في جميع الأحوال، وهذه قضية إطلاق المصنف، فأما إذا كان بين النخيل بياض، تجوز المزارعة عليه تبعاً، فلو كان فيه زرع موجود، ففي جواز المزارعة وجهان، بناء على هذين القولين، [ويجوز إعلام قوله في الكتاب: "فسد" -بالميم والألف- لما ذكرناه من مذهبهما، وتعبيره عن القولين بالقديم] والجديد شيء أَتبع فيه الإمام، ولم يتعرض [الجمهور لذلك، ولا يمكن تنزيل القديم على رواية البُوَيْطىِّ، فإن كتابه معدود] من الجديد.
وقوله: "إذ العوض موثوق به" أي عوض العمل وهو الثمار.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الأَشْجَارُ مَرْئِيَّةَ وَإلاَّ فَهُوَ بَاطِلُ لِلغَرَرِ، وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَى قَوْلَي بَيْعِ الغَائِبِ.
قال الرافعي: هل يشترط في المساقاة رؤية الحديقة والأشجار؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولي بيع الغائب.
وثانيهما: القطع بالاشتراط، وإبطال العقد عند عدم الرؤيةِ؛ لأن المساقاة عقد غرر من حيث إن العوض معدوم في الحال، وهما جاهلان بمقدار ما يحصل، وبصفته فلا يحتمل فيه غرر عدم الرؤية أيضاً، وإيراد الكتاب يقتضي ترجيح هذه الطريقة.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي: الثِّمِارُ وَلْيَكُنْ مَخْصُوصاً بِمَا شَرَطَا عَلَى الاسْتِبْهَامِ مَعْلُوماً (و) بِالجُزْئِيَّةِ لاَ بِالتَّقْدِيِرِ كَمَاَ فِي القِراضِ.
قال الرافعي: ويشترط في الثمار 20 أن تكون مخصوصة بالمتعاقدين، بينهما، ومعلومة وأن يكون العلم بها من حيث الجزئية دون التقدير، وهي بعينها شروط الربح في عقد القراض، فلو شرط بعض الثمار لثالث فسد العقد، وكذا لو قال: بساقيتك على أن كل الثمار لك، أو كلها لي، وفي استحقاق الأجرة عند شرط الكل للمالك وجهان، كما في القراض.
قال المزني: وهو الأصح لا أجرة له؛ لأنه عمل مجاناً.
وقال ابن سريج: يستحقها؛ لأن المساقاة تقتضي العوض، فلا تسقط بالتراضي كالوطء في النكاح، ولو قال: ساقيتك؛ على أن لك جزءاً من الثمار فسد أيضاً، ولو قال: على أنها بيننا، أو على أن نصفها لي، وسكت عن الباقي، أو على أن نصفها لك، وسكت عن الباقي، أو على أن ثمرة هذه النخلة، أو النخلات لك أوْلى، والباقي بيننا، أو على أن صاعاً من
الجزء: 6 - الصفحة: 59
الثمرة لك أوْلى، والباقي بيننا، فكل ذلك كما مر في القراض.
وقوله في الكتاب "شرطا على الاستبهام" أي على الاشتراك، وقد استعمل الاستبهام والمساهمة بمعنى الاشتراك والمشاركة، وإن كان الأصل في الاستبهام الانتزاع 21، وهذا بدل قوله: "في القراض" عند شروط الربح مشروطاً مشتركاً، وقد تقرأ هذه اللفظة على الاستيهام ذهاباً منه إلى أن المراد منه ضد التعيين، والتقدير ليخرج عنه ما إذا شرط ثمرة نخلة بعينها لأحدهما والتقدم بصاع وما أشبهه، لكن الأول أولى؛ لأن هذا معنى قوله: "بالجزئية لا بالتقدير" ويجوز إعلامه -بالواو- لأن صاحب "التتمة" حكى وجهاً في صحّة المساقاة إذا شرط كل الثمرة للعامل لغرض القيام، وتعهد الأشجار وتربيتها.
قال الغزالي: وَلَوْ سَاقَى عَلَى وَدِي غير مَغْرُوسِ لِيَغْرِسَهُ فَهُوَ فَاسِدٌ (و) فَإنَّهُ كتَسَليِمِ البِذْرِ، وإِنْ كَانَ مَغْرُوساً وَقَدَّرَ العَقْدَ بِمُدَّةِ لاَ يُثْمِرُ فِيهَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَوَهَّمُ وُجُودَ الثِّمَارِ فَإِنْ غَلَبَ الوُجُودُ صَحَّ (و)، وَإِنْ غَلَبَ العَدَمُ فَلاَ (و)، وَإِنْ تَسَاوَى الاحْتِمَالاَنِ فَوَجْهَانِ، ثُمَّ إِنْ سَاقَى عَشْرَ سِنِيِنَ وَكَانَتِ الثَّمَرَةُ لاَ تتَوَقَّعُ إِلاَّ فِي العَاشِرَةِ جَازَ فَيَكُونُ ذَلِكَ في مُقَابَلِةَ كُلِّ العَمَلِ كالأَشْهُرِ مِنْ سَنَةٍ واحِدَةٍ.
قال الرافعي: إذا ساقاه على وَدِيٍّ 22 ليغرسه، ويكلون الشجر بينهما، فالعقد فاسد؛ لأنه كتسليم البذر في المزارعة، وإن قال: لتغرسه وتتعهد الشجرة مدة كذا على أن تكون الثمرة الحاصلة بيننا، فهو فاسد أيضاً 23؛ لأنه قد لا يعلق، ولا حاجة إلى احتمال هذا النوع من الضرر، وأيضاً فالغراس ليس من أعمال المساقاة فضمه إليها كضم غير التجارة إلى عمل القراض، وإذا عمل العامل في هذا العقد الفاسد استحق إجرة المثل إن كانت الثمار متوقعة في تلك المدة، وإلاَّ فعلى ما ذكرنا من خلاف المزني، وابن سريج، وفي المسألة وجه أن الحكم كما لو كان الوَدِيّ مغروساً، وساقاه عليه، لأن الحاجة قد تدعو إليه في المساقاة.
وأبعد منه وجه عن حكاية صاحب "التقريب" فيما إذا شرط بعض الشجرة للعامل، ولو ساقاه على وَدِيٍّ مغروس، نظر إن قدر للعقد مِدة لا يثمر فيها في العادة لم تصح المساقاة لخلُوِّها عن العوض، وكالمُسَاقاة على الأشجار التي لا تثمر، وإذا عمل ففي استحقاقه أجرة المثل الخلاف السابق.
الجزء: 6 - الصفحة: 60
قال الإمام: هذا إذا كان عالماً بأنها لا تثمر فيها، وإن كان جاهلاً قطعنا باستحقاق الأجرة، وإِن قدرت بمدة يثمر فيها غالباً صح، ولا بأس بخلو أكثر سِنِيِّ المدة عن الثمرة، مثل أن يساقيه عشر سنين، والثمرة لا تتوقع إلاَّ في العاشرة، وتكون هي بمثابة الأشهر من السَّنَة الواحدة، ثم إن اتفق أنها لم تثمر لم يستحق العامل شيئاً، كما لو قارضه فلم يربح أو ساقاه على النخيل المثمرة، فلم تثمر، فإن قدره بمدة يحتمل أن تثمر فيها، ويحتمل ألا تثمر فوجهان:
أصحهما: المنع، وبه أبو إسحاق؟ لأنه عقد على عوض غير موجود، ولا غالب الوجود فأشبه السلم في معدوم إلى وقت يحتمل أن يوجد فيه، ويحتمل خلافه.
والثاني: يصح، ويكتفي بالاحتمال، ورجاء الوجود، فعلى هذا إن أثمرت استحق وإلاَّ فلا شيء له وعلى الأول يستحق أجرة المثل؛ لأنه عمل طامعاً هذه الطريقة التي ذكرها عامة الأصحاب، وجعلوا توقع حصول الثمرة على ثلاث مراتب، كما فصلنا، ونسب الإمام هذه الطريقة إلى القاضي، وحكى طريقتين أخريين.
إحداهما: أنه إن غلب عدمها في تلك المدة بطل، وإلاَّ فوجهان.
الثانية: أنه إن غلب وجودها صح وإلاَّ فوجهان، فيجوز أن يعلم للأولى قوله "فإن غلب الوجود صح" -بالواو- وللثانية قوله: "فإن غلب العدم فلا".
واعلم أن صور الفصل مبنيّة على تجويز المُسَاقاة أكثر من سنة، وهو الصحيح، وستعرف ما فيه من الخلاف.
فرع
:
دفع إليه وَديّاٌ ليغرسه في أرض نفسه على أن يكون الغراس للدافع والثمار بينهما، فهو فاسد [وللعامل عليه أجرة مثل عمله وأرضه.
ولو دفع إليه أرضه ليغرسها بوديّ نفسه على أن يكون الثمرة بينهما فهو فاسد 24]. أيضاً ولصاحب الأرض أجرتها على العامل.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ مِنَ الصَّيْحَانِىِّ نِصْفَهُ وَمِنَ العَجْوَةِ ثُلُثَهُ لَمْ يَصِحَّ إلا إِذَا عَرَفَ مِقْدَارَ الأَشْجَارِ، وَإِنْ شَرَطَ النِّصْفَ مِنْهُمَا لَمْ يَشْتَرطْ مَعْرِفَةَ الأَقْدَارِ، وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَىَ إحْدَى الحَدِيِقَتَيْنِ لاَ يِعَيْنِهَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَقَيِ بِمَاءِ السَّمَاءِ فَلَهُ الثُّلُثُ أَوْ بِالدَّالِيَةِ فَلَهُ النَّصْفُ فَهُوَ فَاسِدٌ لِتَرَدُّدِهَ بِيْنَ جِهَتَيْنِ:
الجزء: 6 - الصفحة: 61
قال الرافعي: إذا كان في الحديقة نوعان من الثمر فصاعداً كالصّيْحَاني والعَجْوة والدَّقل، فساقى مالكها رجلاً على أن له من الصّيْحَاني النصف، ومن العجوة السدس أو الثلث، نظر إن علما قدر كل نوع جاز، كما لو ساقاه على حديقتين على أن له النصف من هذه، والثلث من هذه، وإن جهلا أو أحدهما قدر كل نوع لم يجز لما فيه الغَرَر، فإن المشروط فيه أقل الجزءين قد يكون أكثر النصيين، ومعرفة كل نوع من الأشجار إنما يكون بالظن والتخمين، دون التحقيق، وإن ساقاه على أن له النصف، أو الثلث من الكل صحت المساقاة، كان جهلا أو أحدهما قدر كل نوع، قال ابْنُ الصَّبَّاغِ: والفرق أن قدر حقه من ثمرة الحديقة هاهنا معلوم بالجزئية، وإِنما المجهول النوع والصفة، وهنالك القدر مجهول أيضاً لاحتمال والفرق اختلاف ثمرة النوعين في القدر، وحينئذ يكون قدر ماله من ثمرة الكل مجهولاً؛ لأن المستحق على أحد التقديرين نصف الأكثر، وثلث الأقل، وعلى الثاني ثلث الأكثر، ونصف الأقل، والأول أكثر من الثاني، ومعلوم أن الجهل بالقدر أشد، ولو ساقاه على إحدى الحديقتين من غير تعيين، أو على أنه إن سقى بماء السماء، فله الثلث، أو بالدَّالِية، فله النصف لم يصح للجهل بالعمل والعوض، وهو كما لو قارضه على أنه إن تصرف وربح كذا، فله النصف، أو كذا فله الثلث، ولو ساقاه على حديقة بالنصف على أن يساقيه على أخرى بالثلث، أو سنة أخرى، أو على أن يساقية العامل على حديقته فهو فاسد، وهل تصح المساقاة؟.
الثانية: قال في "التهذيب" إن عقدها على شرط العقد الأول لم تصح، وإلاَّ فتصح، وقد مر نظيره في الرَّهْن 25.
قال الغزالي: وَلَوْ سَاقَى شَرِيكَهُ في الحَدِيقَةِ وَشَرَطَ لَهُ زِيَادَةَ صَحَّ إِنِ اسْتَبَدَّ بِالعَمَلِ، وَإِنْ شَارَكَ الآخَرَ بِالعَمَلِ فَلاَ.
قال الرافعي: حديقة بين اثنين على السواء ساقى أحدهما الآخر، وشرط له زيادة على ما كان يستحقه بالمِلْك، كما إذا شرط ثلثي الثمرة، فالعقد صحيح، وقد دفع إليه نصيبه بثلث ثمرته، وإن شرط له نصف الثمار أو ثلثها لم يصح؛ لأنه يثبت له عوضاً بالمساقاة؛ إِذ النصف مستحق له بالملك، بل يشترط عليه في الصورة الثانية أن يترك بعض ثمرته أيضاً، وإذا عمل في الصورتين، ففي استحقاقه الأجرة اختلاف المزني، وابن سريج، ولو شرط له جميع الثمرة فسد العقد، وهل له الأجرة؟ فيه وجهان؛ لأنه لم يعمل؛ إلاَّ أنه انصرف إليه 26.
الجزء: 6 - الصفحة: 62
ولو شرط في المُسَاقاة مع الشريك بأن يتعاونا على العمل فسدت، وإن أثبت له زيادة على ما يستحقه بالمالك، كما لو ساقى أجنبيّاً على هذا الشرط، ثم تعاونا، واستويا في العمل، فلا أجرة لواحد منهما على الآخر، وإِن تعاونا فإِن كان عمل من شرط له زيادة أكثر استحق على الآخر الحِصّة من عمله، وإن كان عمل الآخر أكثر، ففي استحقاقه الأجرة خلاف المزني، وابن سريج.
وقوله في الكتاب: "صح إن استبد بالعمل، وإن شارك الآخر في العمل فلا" ليس فيه تعريض للاشتراك، لكنه محمول عليه، معناه: فإن شرط مشاركة الآخر، أما المعاونة من غير شرط، فهي غير ضائرة، وكذا قوله: "إن استبد بالعمل" معناه: أن إفادة العقد بالاستبداد بشرط الاستبداد، أو بإطلاق العقد، ولو ساقى شريكا الحديقة رجلاً، وشرطا له جزءاً من ثمرة الحديقة جاز، وإن لم يعلم العامل نصيب كل واحد منهما، وإن قالا: على أن لك من نصيب أحدنا النصف، ومن نصيب الآخر الثلث من غير تعين لم يجز، فإن عينا فإن علم نصيب كل واحد منهما جاز، وإلاَّ فلا.
فرعان:
الأول: لو كانت الحديقة 27 لواحد، وساقى اثنين على أن لأحدهما نصف الثمرة، وللآخر ثلثها، إما في صفقة، أو في صفقتين جاز إذا يتميز من له النصف، ومن له الثلث.
الثاني: حديقة بين ستة أسداساً، فساقوا عليها واحداً على أن له من نصيب أحدهم النصف، ومن نصيب الثاني الربع، ومن الثالث الثمن، ومن الرابع الثلثين، ومن الخامس الثلث، ومن السادس السدس، فحسابه أن خرج النصف والربع يدخلان في مخرج الثمن، ومخرج الثلثين والثلث يدخلان في مخرج السدس، فتبقى ستة وثمانية، وبينهما موافقة بالنصف نضرب نصف أحدهما في جميع الآخر، يكون أربعة وعشرين، نضربه في عدد الشركاء، وهو ستة، يبلغ مائة وأربعة وأربعين لكل واحد منهم أربعة وعشرين يأخذ العامل ممن شرط له النصف اثنى عشر، ومن الثاني ستة، ومن الثالث ثلاثة، ومن الرابع ستة عشر، ومن الخامس ثمانية، ومن السادس أربعة، فيجتمع له تسعة وأربعون، ويبقى المُلاَّك على تفاوتهم فيه خمسة وسبعون.
قال الغزالي: الرُّكنُ الثَّالِثُ: العَمَلُ وَشَرْطُهُ أَنْ لاَ يُضَمَّ إِلَيْهِ عَمَلٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ المُسَاقَاةِ، وَأَنْ لاَ يَشْتَرِطَ مُشَارَكَةَ المَالِكَ مَعَهُ في اليَدِ بَلْ يَسْتَبِدُّ العَامِلُ بِاليَدِ، ثُمَّ لَوْ شَرَطَ دُخُولَ المَالِك أَيْضاً لَمْ يَضُرَّ (و)، وَأَنْ لاَ يَشْتَرِطَ عَمَلُ المَالِك مَعَهُ بَل يَنْفَردُ بِالعَمَلِ، وَلَوْ
الجزء: 6 - الصفحة: 63
شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غُلاَمُ المَالِكِ صَحَّ عَلَى النَّصِّ، ثُمَّ النَّفَقَةُ عَلَى المَالِكِ إلاَّ إِذا شَرَطَ عَلَى العَامِلِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ، وَوَجْهُ المَنْعِ: أَنَّهُ قَطَعَ نَفَقَةَ المَالِك عَنِ المِلْكِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ العَامِلَ بِأُجْرةٍ عَلَى المِالِكِ وَلَمْ يَبقِ العَامِلِ إلاَّ الَدَّهْقَنَةُ والتَّحَذقُ فِي الاسْتِعْمَالِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: شروط عمل المساقاة قريبة من شروط عمل القراض، وإن اختلفا في الجنس.
منها: أنه لا يُشترط عليه عمل ليس من جنس أعمال المساقاة.
ومنها: أن يستبد العامل باليد في الحديقة ليتمكن من العمل متى شاء، فلو شرط كونها في يد المالك، أو مشاركته في اليد لم تجز، ولو سلم المفتاح إليه، وشرط المالك الدخول عليه فوجهان:
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يضر بحصول الاستقلال، والتمكن من العمل.
ووجه الثاني: أنه إذا دخل كانت الحديقة في يده، وقد يتعوَّق بحضوره عن العمل.
ومنها: أن ينفرد العمل بالعمل، فلو شرط أن يشاركه المالك في العمل فسد العقد، ولو شرط أن يعمل معه غلام الملك، فالنص الجواز، وللأصحاب فيه طريقان:
أحدهما: أنه على وجهين، كما ذكرنا في "القِرَاض"، ومن منع حمل النَّص على ما إذا شرط أن يعمل الغلام ما يتوظف على المالك من الأعمال، كحفر الأنهار، وبناء الحيطان.
وأظهرهما: الجواز جزماً، والفرق بين المساقاة والقراض أن في المساقاة بعض الأعمال على المالك، وله باعتبار ذلك يد ومُدَاخَلة، فجاز أن يشترط فيه عمل غلامه، وفي القراض لا عمل على المالك أصلاً فلا يجوز شرط عمل غلامه، والمسألة مصورة فيما إذا كان الشرط أن يعاونه، ويكون تحت يده.
أما إذا شرط أن يكون التدبر للغلام، ويعمل العامل برأيه، أو أن يعملا ما اتفق رأيهما عليه لم تجز بلا خلاف، ثم إن جوزنا فلا بد من معرفة الغلام بالرؤية، أو الوصف.
وأما نفقته ففى جواز شرطها على العامل وجهان:
أحدهما: المنع لما فيه من قطع نفقة المالك على المِلْك، وبهذا قطع المسعودي.
وأظهرهما: الجواز؛ لأن العمل في المُسَاقاة على العامل؛ ولا يبعد أن يلتزم مؤنة من يعمل معه، ويعاونه كاستئجار من يعمل معه، وعلى هذا فهل يجب تقديرها؟ فيه وجهان:
الجزء: 6 - الصفحة: 64
أحدهما: نعم، فيبين ما يدفع إليه كل يوم من الخبز والإدام.
والثاني: لا، وبه أجاب الشيخ أبو حامد، بل يحمل على الوسط المعتاد؛ لأنه يتسامح بمثل ذلك في المعاملات.
ولو شرط أن تكون النفقة على المالك جاز.
وعن مالك: منعه، وإِن شرطاها في الثمار.
قال في "التهذيب": لا يجوز؛ لأن ما يبقى يكون مجهولاً.
وقال صاحب "الإفصاح": يجوز؛ لأنه قد يكون ذلك من صلاح المال، ويشبه أن يتوسط 28، فيقال: إن شرطاها من جزء معلوم، بأن يتعاقدا بشرط أن يعمل الغلام على أن يكون ثلث الثمار للمالك، وثلثها للعامل، ويصرف الثلث الثالث إلى نفقة الغلام، فهو جائز، وكان المشروط للمالك ثلثاها، وإن شرطاها في الثمار من غير تقدير جزء لم يجز، وإن لم يتعرضا للنفقة أصلاً، فالمشهور أنها على المالك بحكم الملك.
وذكر صاحب "الإفصاح" وراءه احتمالين:
أحدهما: أنها تكون من الثمرة.
والثاني: أنه يفسد العقد.
وفي "المهذب" 29 ذكر وجه أنها تكون على العامل؛ لأن العمل عليه، وليس للعامل استعمال الغلام في عمل نفسه إذا فرغ من عمل الحديقة.
ولو شرط أن يعمل له بطل العقد، ولو كان له برسم الحديقة غلمان يعملون فيها لم يدخلوا في مطلق المساقاة؛ لأنه ربما يريد تفريغهم لشغل آخر.
وعن مالك: أنهم يدخلون فيه.
ولو شرط استئجار العامل من يعمل معه من الثمرة بطل العقد؛ لأن قضية المساقاة أن تكون الأعمال ومؤناتها على العامل، ولأنه لا يدري أن الحاصل للعامل كم هو؟ حتى لو شرط له ثلثي الثمرة ليصرف الثلث إلى الأجراء، ويخلص له الشك، فعن القَفَّالِ أنه يصح، فإذا امتنع شرط الأجرة في الثمرة فأولى أن يمتنع شرط أدائها من سائر أموال المالك، هذا ما ذكره المزني، وعامة الأصحاب.
ونقل صاحب الكتاب وجهين فيما إذا شرط أن يستأجر بأجرة على المالك، وأشار بقوله: "ولم يبق للعامل إلاَّ الدَّهْقَنة وَالتَّحَذُّق في الاستعمال" إلى توجيه الجواز معناه: أن المالك قد لا يهتدي إلى الدَّهْقَنة، واستعمال الأجراء أو لا يجد من يباشر الأعمال، أو من لا يأتمنه، فتدعو الحاجة إلى
الجزء: 6 - الصفحة: 65
أن يساقي من يعرف ذلك لينوب عنه في الاستعمال.
قال الغزالي: وُيشْتَرطُ تَأْقِيتُ المُسَاقَاة لأنَّها لاَزِمَةٌ فَيَضُرُّ التَّأْبِيدُ، وَلْيُعَرِّفِ العَمَلَ جُمْلَةً، ثُمَّ لْيُعَرِّفْ بِالسَّنَةِ العَرَبِيَّةِ، فَإِنْ عَرَّفَ بِإدْرَاكِ الثَّمَارِ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ عَرَّفَ بِالعَرَبيَّةِ فَبِرَزَتِ الثِّمَارُ في آخِرِ المدَّةِ وَلَمْ تُدْرَكْ في المُدَّةِ فَالعَامِلُ شَرَيكٌ فِيهَا.
قال الرافعي: اشتراط التأقيت في المُسَاقاة قد سبق ذكره في أول الباب، ويتعلق هذا الركن به من جهة أن العمل يجب تعريفه ببيان المدة دون التعيين والتفصيل، ثم إن أقت بالأشهر أو السنين العربية فذاك.
وإن أقت بإدراك الثمار فوجهان:
أحدهما: أنه يجوز لأنه قد يتقدم تارة، ويتأخر أخرى، فليقدر بما تقدر به الإجارات والآجال في العقود.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه المقصود من هذا العقد، ألاَ تَرىَ أنه لو أقت بالزمان كان الشرط أن يعلم أو يظن الإدراك فيه فإذا تعرض للمقصود كان أولى، وهذا أصح عند صاحب الكتاب، والأول أصح عند الأكثرين، وهو المذكور في "التهذيب" وإذا قلنا بالثاني، فلو قال: ساقيتك سنة، وأطلق فيحمل على سنة عربية، أو على سنة الإدراك؟ فيه وجهان، زعم الشيخ أبو الفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ أن أصحهما الثاني.
وإذا قلنا بالأول لو أقت بالزمان فأدركت الثمار، وبعض المدة باقية وجب على العامل أن يعمل في تلك البقية، ولا أجرة له، وإن انقضت المدة، وعلى الأشجار طلع أو بلح، فللعامل نصيبه منها، وعلى المالك التعهُّد إلى الإدراك، فإن حدث الطلع بعد المدة، فلا حق له فيه.
وجواز المساقاة أكثر من سنة على الأقوال التي نذكرها في جواز الإجارة أكثر من سنة، وإذا جوزناها فهل يجب أن يبين 30 حصته كل سنة أم يكفي قوله: ساقيتك على النصف لاستحقاق النصف كل سنة؟ فيه وجهان أو قولان كما في الإجارة، وفي "المهذب" طريقة أخرى قاطعة بوجوب البيان؛ لأن الاختلاف في الثمار يكثر، وفي المنافع يقل، ولو فارت بين الجزء المشروط في السَّنتين لم يضر.
وفيه وجه: أنه على الخلاف فيما إذا أسلم في جنس إلى آجال، ولو ساقاه سنين، وشرط له ثمرة سنة بعينها، والأشجار بحيث تثمر كل سنة لم يصح 31؛ لأنها ربما لا تثمر تلك السنة، فلا يكون للعامل شيء أو إلاَّ تلك السنة، فلا يكون للمالك شيء،
الجزء: 6 - الصفحة: 66
ويخالف ما لو ساقاه على وَدِيٍّ عشر سنين، والثمرة لا تتوقع إلاَّ في العاشرة لتكون هي بينهما أنه شرط له سهماً من جميع الثمرة، ولو أنه أثمر قبل سنة التوقع لم يستحق العامل منها شيئاً.
وقوله في الكتاب: "وليعرف العامل عمله" لا ينبغي أن يقرأ على الأمر؛ لأنه حينئذ يكون المراد منه أنه لا يشترط تفصيل الأعمال، وهذا قد ذكره في آخر الباب، فليزم التكرار، وأيضاً فإن المسألة لا تتعلّق بركن العمل، ولكنه معطوف على قوله: لأنها لأزمة المعنى أنه يشترط تأقيت المساقاة للزومها، وليكون التأقيت معرفاً للعمل مقدراً بجملته.
وقوله: "ثم ليعرف بالسنة العربية" المراد ليعرف بالزمان، وذكر العربية يجري على سبيل التمثيل لا لتخصيص التأقيت بها، فإن التأقيت بالرومية وغيرها جائز إذا علماها، نعم فإذا أطلقا لفظ السَّنة انصرف إلى العربية، وكذا سبيل قوله: "وإن عرفت بالعربية".
قال الغزالي: الرُّكَنُ الرَّابعُ: الصِّيغَةُ (و) فَيَقُولُ: سَاقَيتُكَ عَلَى هَذَهِ النَّخِيِلِ بِالنِّصْفِ أَوْ عَامَلتْكَ فَيَقُولُ: قَبِلْتُ، فَلَوْ عَقَدَ بِلفَظ الإِجَارَةِ لَمْ يصحّ عَلَىَ الأَظهَرِ (و) لِفَقْدِ شَرْطِ الإِجَارَة، وَلاَ يُشَتَرَطُ (و) تَفْصِيلُ الأَعَمْاَلِ فَإِنَّ العُرْفَ يُعَرِّفُهَا.
قال الرافعي: يجوز أن يعلم قوله: "الركن الرابع" بالواو للوجه المكتفي به العقود بالتراضي والمُعَاطاة، وكذا في القراض وغيره، ثم أشهر صيغ هذا العقد أن يقول: ساقيتك على هذه النخيل بكذا، أو عقدت معك عقد المساقاة.
قال الأئمة: وتنعقد بكل لفظ يؤدي معناها، كقوله: سلمت إليك نخلي لتتعهدها على أن يكون لك كذا، أو عمل هذه النخيل، أو تعهد نخيلي بكذا، وهذا يجوز أن يكون جواباً على أن مثله من العقود ينعقد بالكتابة، ويجوز أن يكون ذهاباً إلى أن هذه الألفاظ صريحة، ونظيره أنا على رأي يقول: صرائح الرجعة غير محصورة، ويعتبر القبول في المساقاة، ولا تجيء فيها الوجوه المذكورة في القراض والوِكَالَةِ للزومها هكذا قال الإمام، وصاحب الكتاب، ولو تعاقدا بلفظ الإجارة، فقال المالك: استاجرتك لتعهُّد نخلي بكذا من ثمارها، فيه وجهان جاريان في الإجارة بلفظ المساقاة.
أحدهما: الصحة لما بين العقدين من المشابهة، واحتمال كل واحد من اللفظين معنى الآخر.
وأظهرهما: المنع؛ لأن لفظ الإجارة صريح في غير المُسَاقاة، فإن أمكن تنفيذه في موضعه نفذ فيه، وإلاَّ فهو إجارة فاسدة 32، والخلاف نازع إلى أن الاعتبار باللفظ أو
الجزء: 6 - الصفحة: 67
المعنى، ولو قال: ساقيتك على هذه النخيل بكذا ليكون أجرة لك، فلا بأس لسبق لفظ المساقاة، هذا إذا قصد بلفظ الإجارة المساقاة، أما إذا قصد الإجارة نفسها، فينظر إن لم تخرج الثمرة لم يجز؛ لأن الشرط أن تكون الأجرة في الذمة، أو موجودة ومعلومة، وإن خرجت فإن بَدَا الصلاح فيها جاز، سواء شرط ثمرة نخلة معينة، أو جزءاً شائعاً، هكذا أطلقوه، لكن يجئ فيه ما سنذكره في مسألة قفيز الطّحان وأخواتها، فإن لم يَبْدُ فيها الصلاح، فإن شرط له ثمرة نخلة بعينها، جاز بشرط القطع، وكذا لو شرط كل الثمار له، وإن شرط جزءاً شائعاً لم يجز، وإن شرط القطع لما سبق في البيع، وإن عقد لفظ المُسَاقاة فالصحيح وهو المذكور في الكتاب أنه لا حاجة إلى تفصيل الأعمال، بل يحمل في كل ناحية على عرفها الغالب.
وفيه وجه: أنه يجب تفصيلها؛ لأن العرف يكاد يضطرب، وما ذكرناه فيما إذا علم المتعاقدان العرف المحمول عليه، فإن أو أحدهما وجب التفصيل لا محالة.
البَابُ الثَّاني في أَحْكَامِها
قال الغزالي: وَحُكْمُهَا وَجُوُبُ كُلِّ عَمَل يَتَكرَّرُ فَي كُلِّ سَنَةٍ وَتَحْتَاجُ إليهِ الثِّمَارُ مِنَ السَّقُيِ وَالتَّقْليِبِ وَتَنْقِيَةِ الآبَارِ (و) وَالأَنْهَارِ وَتَنْحِيَة الحَشِيشِ المُضِرِّ وَالقُضْبَانِ وَتَصْرِيفِ الجَرِيِدِ وَتَسوِيةِ الجَرِينِ وَرَدِّ الثِّمَارِ إليَهِ، وَمَا لاَ يَتَكَرَّرُ في كُلِّ سَنَةٍ وَيُعَدُّ مِنَ الأُصُولِ فَهُوَ عَلَى المَالِكِ كَحَفْرِ الآبَارِ وَالأَنْهَارِ الجَدِيدَةِ وَبِنَاءِ الحِيطَانِ وَنَصْبِ الدُّولاَبِ وأَمْثَاله وَأُجْرَةِ النَّاطُورِ وَجِدَادِ الثَّمَرَةِ وَرَدْمِ ثَلْمَةٍ يَسِيَرةٍ في طَرَفِ الجَدَارِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: غرض الفصل بيان ما يجب على عامل المساقاة من الأعمال، وما لا يجب، وكل عمل تحتاج إليه الثمار لزيادتها أو إصلاحها ويتكَّرر كل سنة، فهو على العامل، وإنما اعتبر التكرار كل سنة؛ لأن ما لا يتكرر كل سنة يبقى أثره، وفائدته بعد ارتفاع المساقاة، وتكليف العامل مثل ذلك إحجاف به فمن هذا القبيل السقي، وما يتبعه من إصلاح طريق الماء والأجاجين 33 التي يقف فيها الماء، وتنقية الآبار، والأنهار من الحَمَأَة ونحوها، وإِدارة الدولاب، وفتح رأس الساقية، وسدها عند السقي على ما لا يقتضيه الحال، وفي تنقية النهر وجهان اخران:
أحدهما: أنها على المالك كحفر أصل النهر.
= تطلق.
ويقع الظهار بخلاف قوله لأمته: أنت طالق، فهو كنايه في العتق لأنه لم يجد نفاذاً في موضوعه، ومسألتنا من ذلك.
الجزء: 6 - الصفحة: 68
والثاني: عن أبي إسحاق المروزي: أنها على من شرطت عليه من المتعاقدين، فإن لم يذكراها فسد العقد وعنه تقليب الأرض بالمَسَاحى، وتكريتها في المزارعة.
قال في "التتمة": وكذا تقويتها بالزبل، وذلك بحسب العادة، ومنها التلقيح 34 والطَّلع الذي يلقح به على المالك؛ لأنه عين مال، وإنما يكلف العامل العمل.
ومنه تنحية الحشيش المضرّ 35، والقضبان المضرة بالشجر.
وذكر الشَّافعي -رضي الله عنه- تصريف الجريد، والجريد سعف النخل، وحاصل ما قاله الأزهري وغيره في تفسير تصريف الجريد شيئان:
أَحدهما: قطع ما يضر تركه يابساً، وغير يابس.
والثاني: ردّها عن وجوه العناقيد، وتسوية العناقيد بينها لتصيبها الشمس، وليتيسر قطعها عند الإدراك، ومنه تعريش الكَرْم حيث جرت العادة به.
قال في "التتمة": ووضع الحشيش فوق العناقيد صوناً لها عن الشمس عند الحاجة.
وفي حفظ الثمار وجهان:
أحدهما: 36. وهو الذي ذكره ابن الصَّباغ وغيره أنه على العامل، كما أن حفظ المال في المضاربة على العامل، فإن لم يحفظ بنفسه فعليه مؤنة من يحفظ.
وأقيسهما: أَنه على المالك والعامل جميعاً، بحسب اشتراكهما في الثمرة؛ وهذا لأَن الذي يجب على العامل ما يتعلّق باستزادة الثمار وتنميتها، ويجري الوجهان في حفظ الثمار عن الطيور والزَّنَابير بإن يجعل كل عنقود في قَوْصَرَّة، فيلزمه ذلك على الأظهر عند جريان العادة، والقوصرة على المالك.
وفي جذاذ الثمار وجهان:
أحدهما: أَنها لا تجب على العامل؛ لوقوعه بعد كمال الثمار.
وأَصحهما: الوجوب، لأَن الصلاح به يحصل، وهذا ما أَورده الأَكثرون.
وفي "الرقم" طرد الوجهين في تجفيف الثمار، والظاهر وجوبه إِذا اضطردت العادة به أَو شرطاه 37، وإذا وجب التجفيف تهيئة موضع التجفيف وتسويته.
الجزء: 6 - الصفحة: 69
ويسمى البَيْدَر والجرين، ونقل الثمار إِليه، وتقليبها في الشمس من وَجْه إِلى وجه وأمَّا مَا لا يتكرر كل سنة ويقصد به حفظ الأُصول، فهو من وظيفة المالك، وذلك: كحفر الأَنهار والآبار الجديدة،.
والتي انهارت بها الحيطان، ونصب الأَبواب والدولاب ونحوها، وردم الثلم اليسيرة التي تنفق في الجدران فيه وجهان، كما في تنقية الأَنهار، والأَشبه اتباع العرف، وكذلك في وضع الشوك على رؤوس الجدران وجهان، والآلات التي يوفى بها العمل؛ كالفأَس، والمعول، والنجل، والمِسْحاة والثِّيران، والفدان في المزارعة، والثور الذي يدير الدولاب على المالك.
وفيه وجه أَنها على من شرط المتعاقدين، ولا يجوز السكوت عنها، وهذا ما أَورده أَبو الفرج السَّرخسي في "الأَمالي"، ويحكى عن أَبي إِسحاق.
وخراج الأرض الخراجية على المالك، وكذلك كل عَيْن تتلف في العمل بلا خلاف، وكل ما يجب على العامل يجوز له استئجار المالك عليه، ويجيء فيه وجه آخر.
ولو شرط على المالك في العهد بطل العقد، وكذلك ما يجب على المالك لو شرط على العامل بطل العقد، ولو فعله العامل بغير إذن لم يستحق شيئاً، وإن فعل بإذن المالك استحق الأجرة.
واعلم أن جميع ما ذكرناه مبني على الصحيح في أن تفصيل الأعمال لا يجب في العقد، فإن أوجبناه فالمتبع الشرط إلاَّ أنه لا يجوز أن يكون الشرط مغيراً وضعَ العقد هذا فقه الفصل.
وأما ما يتعلق بالكتاب خاصة فليعلم قوله: وتنقية الآبار والأنهار-بالواو واعترض بعض من شرح هذا الكتاب في موضعين من الفصل:
أحدهما: أن لفظ الكتاب، وتصريف الجرين، ورد الثمار إليه.
والشافعي -رضي الله عنه- إنما ذكر تصريف الجريد بالدَّال قال: والصواب أن يكتب.
وتصريف الجريد، وتسوية الجرين، ورد الثمار إليه.
والثاني: أنه جعل الجذاذ من المختلف فيه، وأنه على العامل بالاتفاق، فلك أن تقول: أما الثاني فدعوى الاتفاق وهم، والوجهان مسطوران في "المهذب" و"التهذيب" و"الرقم" وغيرها.
وأما الأول: فقد عرفت أن التجفيف قد يحوج إلى تسوية الجرين، وحمل التصريف على التسوية ليس يبعد فإذًا لا ضرورة إلى تغيير نظم الكتاب، وغايته أن يكون تصريف الجريد مسكوتاً عنه على أن قوله: "وتنحية الحشيش المضر، والقضبان" ما يفيد بعض معناه.
وقوله: "وفي أجرة النَّاظور" المواد منه مؤنة الحفظ، والناظر والناظور حافظ الكروم، والجمع النّواظر ذكر أن النظرة هي الحفظ بالعين، وقد يقال: نَّاطُور بالطاء غير المعجمة.
الجزء: 6 - الصفحة: 70
قال الغزالي: وَإِذَا هَرَبَ العَامِل قَبْلَ تَمَامِ العَمَلِ اسْتَقْرَضَ القَاضِي عَلَيْهِ أَو أسْتَأْجَرَ مَنْ يَعْمَلُ عَليْهِ، فإِنْ عَمِلَ المَالِكُ بِنَفْسِه سَلَّم الثِّمَارَ للعَامِلِ وَكَانَ هُوَ مُتَبَرِّعاً، وكَذَا لَوِ أسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الحَاكِمِ فَكَمِثْلِ (و) إِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى الاسْتِئْجارِ، وَإِنْ أَشْهَدَ فَوَجْهَانِ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ العَقْدَ إِذَا عَجَزَ وَيُسَلمِّ إِلى العَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِ مَا عَمِلَ قَبْلَ الهَرَبِ، فإِنْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيُّ بِالعَمَلِ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ إِذ قْدَ لاَ يَرْضَىَ بِدُخُولِهِ ملْكهُ، وإن عَمِلَ الأَجْنبِيُّ قَبْلَ أن يَشْعُرَ بِهَ المَالِكُ سَلَّمِ الثَّمَارَ لِلعَامِلِ وَكَانَ الأَجْنَبيُّ مُتَبرَّعاً عَلَيهِ لاَ عَلَى المَالِكِ.
قال الرافعي: تصدّر المسأله بقول جملي، وهو أن بناء هذا الفصل، والذي يليه على أن المساقاة لازمة على ما مر لا كالقراض، ثم تقول: إذا هرب العامل قبل تمام العمل، ينظر إن تبرع المالك بالعمل، أو بمؤنته بقي إستحقاق العامل مجاناً، وإلاَّ رفع الأمر إلى الحاكم، وأثبت عنده المساقاة لينفذ في طلبه، فإن وجده أجبره على العمل؛ وإلاَّ استأجر عليه من يعمل، وممّ يستأجر؟ إن كان للعامل مال فمنه، وإلاَّ فإن كان بعد بُدُوِّ الصلاح باع نصيب العامل كله، أو بعضه بحسب الحاجة من المالك، أو من غيره، واستأجر بثمنه، وإن كان قبل بدو الصلاح.
أما قبل خروج الثمرة، أو بعده استقرض عليه من المالك، أو من أجنبي، أو من بيت المال، واستأجر به ثم يقضيه العامل وإذا رجع، أو يقضي من نصيبه من الثمرة بعد بدو الصلاح، أو الإدراك، ولو وجد من يستأجره بأجرة مؤجلة توفي بالأجرة استغنى عن الاستقراض، وحصل الغرض، وإن عمل المالك بنفسه، أو أنفق عليه ليرجع، نظر إن قدر على مراجعة الحاكم فلم يفعل، فهو متبرع لا رجوع له، وإن لم يقدر، فإن لم يشهد عليه لم يرجع أيضاً؛ إلاَّ ألاَّ يمكنه الإشهاد ففيه وجهان، وربما حكى وجه مطلق.
أنه يرجع، فإن أشهد، فأصح القولين أنه يرجع للضرورة.
الثاني: لا يرجع، وإلاَّ صَارَ حاكماً لنفسه على غيره.
وننبه هاهنا لفائدتين
إحداهما: الوجهان في الرجوع إذا لم يمكنه الإشهاد قريبان من الوجهين فيما إذا أشهد للعجز عن الحاكم للعذر والضرورة.
لكن الذي رجحه الجمهور أنه لم يشهد لا يرجع من غير فرق بين الإمكان وعدم الإمكان، ويجوز أن يكون سبيه أن عدم إمكان الإشهاد نادر لا يعتد به.
الثانية: الإشهاد المعتبر أن يشهد على العمل أو الاستئجار، وأنه بذل ذلك بشرط الرجوع.
وأما الإشهاد على ذلك من غير التعرُّض للرجوع فهو كترك الاشهاد، قاله من
الجزء: 6 - الصفحة: 71
"الشامل".
وإذا أنفق المالك بأمر 38 الحاكم ليرجع ففيه وجهان:
وجه المنع: أنه متهم في حق نفسه، فالطريق أن يسلمِّ المال إلى الحاكم ليأمر غيره بالإنفاق، ولو استأجره لباقي العمل ففيه وجهان أيضاً، بناء على ما لو أجر داره، ثم أكراها من المكتري.
ومتى تعذر إتمام العمل بالاستقراض تمم بغيره، فإن لم تخرج الثمرة بعد؛ فللمالك فسخ العقد.
وعن ابن أبي هريرة: أنه لا يفسخ، ولكن يطلب الحاكم من يساقي عن العامل، فربما يفضل لشيء.
والمذهب الأول؛ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه، فأشبه ما إذا أبق العبد المبيع قبل القبض، فإن خرجت الثمرة، فهي مشتركة، فإن بدأ الصلاح فيها بيع نصيب العامل كله، أو بعضه بقدر ما يستأجر به من يعمل، وإن لم يَبْدُ الصلاح فيها وقد تعذر بيع نصيبه وحده 39؛ لأن شرط القطع في الشائع لا يغني.
فإما أن يبيع المالك نصيبه معه يشترط القطع في الكل، وإما أن يشتري المالك نصيبه، فيجوز على أحد الوجهين في أن بيع الثمار قبل بدوّ الصلاح من صاحب الشجرة يستغني عن شرط القطع، فإن لم يرغب في بيع ولا شراء، وقف الأمر حتى يصطلحا.
ويتفرع على ثبوت الفسخ قبل خروج الثمرة فرعان:
أحدهما: إذا فسخ غرم للعامل أجرة مثل ما عمل.
ولا يقال: تتوزع الثمار على أجرة مثل جميع العمل، إذا الثمار ليست موجودة 40 عند العقد حتى يقتضي العقد التوزيع فيها.
والثاني: لو جاء أجنبي وقال: لا تفسخ لأعمل نيابة عن العامل، لم تلزمه الإجابة؛ لأنه قد لا يأتمنه ولا يرض بدخوله ملكه.
نعم لو عمل نيابة عنه من غير شعور المالك حتى حصلت الثمار، سلم العامل نصيبه منها، وكان الأجنبي متبرعاً عليه.
هذا ما ذكروه.
وقيل: إذا وجد من يتبرع بالعمل كان كما ما لو وجد مال لم يستأجر منه، أو وجد من يقرض حتى لا يجوز للمالك الفسخ لكان قريباً.
وقوله: في الكتاب، "ولو عجز عن الحاكم، فكمثل إن لم يشهد" يجوز أن يعلّم -بالواو- للوجه المطلق، وللوجه المخصوص بما إذا لم يشهد لعدم الإمكان.
الجزء: 6 - الصفحة: 72
وقوله: "ثم له أنه يفسخ القعد" مطلق، لكن موضعه ما إذا لم تخرج الثمرة كما قرّرناه.
كذلك أورده أكثرون.
وفي "المهذب" أنه يفسخ، فإذا فسخ نظر إن لم تخرج الثمرة، فللعامل الأجرة، فإن خرجت فهي بينهما.
وهذا يوافق إطلاق الكتاب، لكن لا يكاد يفرض للفسخ بعد خروج الثمار فائدة، ثم هو معلّم -بالواو- لوجه ابن أبي هريرة، والعجز عن العمل بالمرض ونحوه كالهرب.
قال الغزالي: فَإِنْ مَاتَ العَامِلُ تَمَّمُ (و) الوَارِثُ العَمَلَ من تَرِكَتِهِ فإنْ لَمْ يَكُن تَركَةٌ فَلَهُ أن يُتَمِّم مِنْ مَالِهِ لِأَجْلِ الثِّمَارِ، فَإِنْ أَبَى (وم) لِمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ تَرِكَةٌ وَسلَّمَ إِليَه أُجرَةَ العَمَلِ المَاضِي وَفَسَخَ العَقْدَ لِلمُسْتَقْبَلِ.
قال الرافعي: إذا مات مالك الأشجار في أثناء المدة لم تنفسخ المُسَاقاة، بل يستمر العامل على شغله، ويأخذ نصيبه من الثمار، وإن مات العامل في المُسَاقاة إما أن تكون واردة على عين العامل، أو في الذمة.
إن وردت على عينه انفسخت بموته كما لو مات الأجير المعين تنفسخ الإجارة، وإن كانت في الذمة، فقد روى وجه أنها تنفسخ، وكأنه موجه بأنه ربما لا يرضى بيد غيره وتصرفه.
والصَّحيح وعليه يت
فرع
كلام الكتاب أنها لا تنفسخ كالإجارة.
وعلى هذا، فينظر إن خلف العامل تركة يقتسم تمّم الوارث العمل بأن يستأجر منها من يعمل وإلاَّ فإن أتم الوارث بنفسه، أو استأجر من ماله من يتمْ، فعلى المالك تمكينه إن كان أميناً مهتدياً إلى أعمال المُسَاقاة، ويسلم له المشروط، فإن أبي لم يجبر عليه.
وعن رواية القاضي "أبي حامد" وصاحب "التقريب" وجه آخر أنه يجبر عليه لقيامة مقام المورث وحكى هذا عن مَالِكٍ.
والمذهب الأول؛ لأن منافعه خالص حقه، وإنما يجبر على توفية ما على المورث من تركته.
نعم لو خلف تركة وامتنع الوارث من الاستئجار منها استأجر الحاكم، وإن لم يخلف تركه، فلا يستقرض على الميت بخلاف الحي إذا هرب، ومهما لم يتم العمل، فالقول في ثبوت الفسخ، وفي الشركة وفصل الأمر إذا خرجت الثمار كما ذكرنا في الهرب.
واعلم أن ما ذكرناه من انقسام المساقاة إلى ما يرد على العين، وإلى ما يتعلق بالذمة مبني على ظاهر المذهب في النوعين، وتردد بعضهم في صحة المساقاة على العين لما فيه من التضييق.
فرع: نقل صاحب "التتمة" أنه إذا لم تثمر الأشجار أصلاً، أو تلفت الثمار كلها بجائحة
الجزء: 6 - الصفحة: 73
أو غصب فعلى العامل إتمام العمل، وإن تضرر به كما أن عامل القراض يكلف التنضيض وإن ظهر الخسران في المال، ولم ينل إلا التعب.
وهذا أشبه مما ذكره في "التهذيب" أنه إذا هلكت الثمار كلها بالجائحة ينفسخ العقد، إلاَّ أن يزيد بعد تمام العمل، وتكامل الثمار.
قال: وإن هلك بعضها، فالعامل بالخيار بين أن يفسخ العقد، ولا شيء له وبين أن يجيز ويتم العمل، ويأخذ نصيبه من الباقي.
قال الغزالي: وَإِنْ ادَّعَى المَالكُ سَرِقَةً أَوْ خِيَانَةً عَلَى العَامِلِ فَالقَوْلُ قَوْلُ العَامِلِ فَإِنَّهُ أَمِينٌ، فَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ يُنْصَبُ (و) عَلَيْهِ مُشْرِفٌ وَعَلَيْهِ (و) أُجْرتُهُ إِنْ ثَبَتَ بالبَيِّنَةِ خِيَانَتُهُ، وإنْ لِمْ يُمْكَنْ حِفْظُهُ بِالمُشْرِفِ أُزيِلَتْ (م و) يَدهُ وَاسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ.
قال الرافعي: دعوى المالك الخيانة والسرقة على العامل في الثمار، أو السعف لا تقبل حتى يبين قدر ما خان فيه، ويحرَّر الدعوى.
فإذا حررها وأنكر العامل، فالقول قوله مع يمينه.
وقوله في الكتاب: "فإنه أمين" قد يستدرك عليه فإن الأمانة غير مؤثرة في هذا الحكم بل القول قول المدعي عليه في نفي المدعى أميناً كان أو لم يكن فإن ثبتت خيانته بالبينة أو بإقرار، أو بيمين المالك بعد نكوله.
فالذي ذكره المُزَنِيُّ في جواب المسائل التي فرعها على أصل الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" أن يستأجر عليه من يعمل عنه.
وقال في موضع آخر: يضم إليه أمين يشرف عليه، وبه قال مَالِكُ -رضي الله عنه- فجعلهما بعضهم قولين.
والجمهور نزلوهما على حالين: إن أمكن حفظه بضم مشرف إليه قنع به وإلا أُزيلت يده بالكلية، واستؤجر عليه من يعمل عنه، وهذا ما أورده في الكتاب.
ثم إذا استؤجر عليه فالأجرة في ماله؛ لأن العمل مستحق عليه.
أما أجرة المشرف، فكذلك الجواب فيها على المشهور في: "التتمة" أن ذلك مبني على أن مؤنة الحفظ على العامل، وأن المقصود من ضم المشرف إليه الحفظ.
أما إذا قلنا: أن الحفظ عليهما فكذلك أجرة المشرف، وإذا عرفت ما ذكرناه جاز لك إعلام قوله: "أزيلت يده واستؤجر عليه" بالميم، وكذلك بالواو، وصح قوله: "وينصب عليه مشرف" لطريقة القولين وقوله: "وعليه أجرته" لما ذكرناه في "التتمة"
وقوله: "إن ثبت بالبينة خيانته" غير محتاج إليه، إذ لا فرق في وجوب الأجرة
الجزء: 6 - الصفحة: 74
عليه بين أن تثبت خيانته بالبينة، أو بالإقرار، أو اليمين بعد النكول.
ذكر في "الوسيط" أن أجرة المشرف على العامل إن ثبت خيانته بإقراره أو بينته، وإلاَّ فعلى المالك فسوى بين البينة والإقرار.
وقوله: وإلاَّ فعلى المالك فيه إشكال؛ لأنه إذا لم تثبت خيانته فما ينبغي أن يتمكن المالك من ضم المشرف إليه لما فيه من إبطال استقلاله باليد.
قال الغزالي: فَإِنْ خَرَجَت الأَشْجَارُ مُسْتَحَقَّةَ فَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلهِ عَلَى الغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَتَ الثِّمَارُ بَاقِيَةً أَخَذَهَا المُسْتَحِقُّ، فَإِنْ تَلَفَ غُرِّمَ العَامِلُ مَا قبَضَهُ لنَصِيبهِ ضمَانَ (و) المُشْتَرىَ فَإنَّهُ أَخَذَهُ في مُعَاوَضَةِ، وَنَصِيبِ المُسَاقِي، وَكذَا الأَشْجَارُ إِذَا تَلِفَتْ يُطَالَبُ بِهَا الغَاصِبُ، وفي مُطالَبَةِ العَامِلِ بِهَا وَجْهَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ يَدَهُ لَمْ يَثبُتْ عَلَيْهِ مَقْصُوداً بِخِلاَفِ المُودِعِ، فإِنْ طُولِبَ رَجَعَ (و) بِهِ عَلَى الغَاصِبِ رُجُوعَ المودِعِ.
قال الرافعي: الأشجار التي وردت المساقاة عليها إذا خرجت مستحقة أخذها المالك مع الثمار إن كانت باقية، وإن جففاها، ونقصت القيمة بالتجفيف استحق الأرضَ أيضاً، ويرجع العامل على الغاصب الذي ساقاه بأجرة المثل، كما غصب نقرة فأستأجر رجلاً ليضر بها دراهم يأخذها المالك، ويرجع الضراب بالأجرة على الغاصب.
وفيه وجه أنه لا أجرة له تخريجاً على قولي الغرور؛ لأنه هو الذي أتلف منفعه نفسه وتشبيهاً بفوات الثمار بالاستحقاق بفواتها في المساقاة الصحيحة بجائحة، وإن اقتسما الثمار واستهلكاها.
فأما نصيب العامل فالمالك بالخيار بين أن يطالب بضمانة الغاصب، أو العامل وقرار الضمان على العامل؛ لأنه أخذه عوضاً في معاوضة، فأشبه المشتري من الغاصب وذكر في "التتمّة" أن بعض الأصحاب ذكر في المسألة على ما إذا أطعم الغاصب المالك الطعام المغصوب، فيجيء من هذا وجه أن القرار على الغاصب.
وأما نصيب الغاصب فللمستحق مطالبته بها، وفي مطالبة العامل وجهان:
أظهرهما: عند المعظم المطالبة بثبوت يده عليها، كما لا يطالب عامل القراض إذا خرج مال القراض مستحقًّا، وكما يطالب المودع من الغاصب.
والثاني: المنع؛ لأن يده لم تثبت عليه مقصوداً بخلاف المودع، بل يد العامل مستدامة حكماً، وهو نائب في الحفظ والعمل كأجير يعمل في حديقة.
وعلى الوجهين يخرج ما إذا تلفت جميع الثمار قبل القسمة بجائحة، أو عصب فإن أثبتنا يد العامل عليها، فهو يطالب بضمانها وإلاَّ فلا، ولو تلف شيء من الأشجار،
الجزء: 6 - الصفحة: 75
ففيه هذان الوجهان.
وإذا قلنا بأن العامل مطالب بنصيب الغاصب، فهذا غرمة ففي رجوعه على الغاصب الخلاف المذكور في رجوع المودع، والظاهر أنه يرجع، وهذا الذي ذكره صاحب الكتاب ومواضع العلامات في الفصل غير خافية.
ومنها: قوله: "ضمان المشتري" فإنه قصد الإشارة به إلى الاستقرار.
وفيه ما حكاه صاحب "التتمة".
وقوله: "ونصيب المساقي" أراد به هاهنا الغاصب الذي هو في صورة المالك، وقد يسمى العامل مساقياً؛ لأن كل واحد من المفاعلة مفاعل، ولو حذف لفظ الغاصب من قوله: "يطالب به الغاصب" لكان أقرب إلى الفهم؛ لأنه إذا اختلف اللفظ أذهب الوهم إلى اختلاف المعنى، والمراد من المُسَاقي هو الغاصب.
قال الغزالي: وَإِنَ اخْتَلفَ المُتَعَاقِدَانِ في قَدْرِ الجُزْءِ المشْرُوطِ تَحَالَفَا (م) كمَا في القِرَاضِ.
قال الرافعي: إذا اختلف المتعاقدان في قدر المشروط للعامل، ولا بَيَّنة تحالفا، كما ذكرنا في "القراض" ولذا تحالفا وتفاسخا قبل العمل فلا شيء للعامل، وإن كان بعده، فللعامل أجرة مثل عمله.
وعن مالك -رضي الله عنه- أنهما لا يتحالفان بعد العمل، بل القول قول العامل وعن أحمد: أن القول قول المالك، وإن كان لأحدهما بيِّنة قضى بهما، فإن كان لكل واحد منهما بينة، فإن قلنا بالتهاتر وهو الأصح فكما لو لم تكن بينة فيتحالفان.
وإن قلنا بالاستعمال فيقرع بينهما، ولا يجرى قول الوقف، والقسمة؛ لأن الاختلاف في العقد، والعقد لا يوقف ولا يقسم، وقيل يجيء قول القسمه في القدر المختلف فيه، فينقسم بينهما نصفين.
ولو ساقاه شريكان في الحديقة، ثم قال العامل: شرطتما لي نصف الثمار وصدقه أحدهما.
وقال: الثاني بل شرطنا الثلث، فنصيب المصدق يقسم بينه وبين العامل، وفي ونصيب المكذب الحكم بالتحالف.
ولو شهد المصدق للمكذب، أو للعامل قُبِلَت شهادته؛ لأنه لا يجر بها نفعاً، ولا يدفع بها ضرراً، وإذا اختلف في قدر الأشجار المعقودة عليها، أو في رد شيء من المال، أو هلاكه، فالحكم على ما ذكرنا في القراض.
فروع
: أحدهما: أذا بدأ الصلاح في الثمرة، فإن وثق المالك بالعمل؛ تركها في يده إلى وقت الإدراك، فيقسمان حينئذ إن جوَّزناها، أو يبيع أحدهما نصيبه من الثاني، أو يبيعان من ثالث، فإن لم يثق به، وأراد تضمينه التمر أو الزبيب، فيبنى على أن الخرص عبرة
الجزء: 6 - الصفحة: 76
أو تضمين أن جعلتا عبره لم يجز، وإن جعلنا تضمين، فالأصح جوازة كما في الزكاة.
وقد روى النبي -صلى الله عليه وسلم- (أنه خرص على أهل خيبر)
وقيل: لا يجوز لأنه بيع الرطب بالتمر مع تأخر أحد العوضين، ويخالف الزكاة؛ لأنها مبنية على المسامحة، وكذا قضية خيبر؛ لأنه يتسامح في معاملات الكفار ما لا يتسامح في غيرها.
ويجري الخلاف فيما لو أراد العامل تضمين المالك بالخرص.
الثاني: إذا انقطع ماء البستان، وأمكن رده، ففي تكليف المالك السقي وجهان:
أحدهما: لا يكلف كما لا يجبر أحد الشريكين على عمل العمارة 41، وكما لا يجبر المكري على عمارة الدار المكراة.
والثاني: يكلف؛ لأنه لا يتمكن العامل من العمل إلاَّ به، فأشبه ما إذا استأجره لقصارة ثوب بعينة يكلف تسليمه إليه، فعلى هذا لو لم يسع في رده لزمه للعامل أجرة عمله، فإن لم يمكن رد الماء، فهو كما لو تلفت الثمار بجائحة 42.
الثالث: السواقط وهي السقف التي تسقط من النخل يختص بها المالك وما يتبع الثمرة فهو بينهما.
قال الشيخ "أبو حامد": ومنه الشَّمَاريخ.
الرابع: دفع بهيمته إلى غيره ليعمل عليها، وما رزق الله عزّ وجلّ، فهو بينهما فالعقد فاسد؛ لأن البهيمة يمكن إجارتها، فلا حاجة إلى إيراد عقد عليها فيه غرر.
ولو قال: تعهد هذه الأغنام على أن يكون لك دَرّها ونسلها بيننا، فكذلك لأن النماء 43 لا يحصل بعمله.
ولو قال: اعتلف هذه من عندك، ولك النصف من درها، ففعل وجب بدل العلف على صاحب الشاة، والقدر المشروط من الدَّر لصاحب العلف مضمون في يده لحصوله بحكم بيع فاسد، والشاة غير مضمونة؛ لأنها غير مقابلة بالعوض، ولو قال: خذ هذه الشاة، واعلفها لتسمن، ولك نصفها، ففعل فالقدر المشروط منها لصاحب العلف مضمون عليه دون الباقي.
الخامس: قال في "التتمة": إن كانت المساقاة في الذمة، فالمعامل أن يعامل غيره لينوب عنه ثم، إن شرط له من الثمار مثل ما شرط المالك له أو دونه فذاك، وإن شرط
الجزء: 6 - الصفحة: 77
له أكثر من ذلك، فعلى الخلاف في تفريق الصفقة إن جوزناه وجبت للزيادة أجرة المثل، وإن لم نجوزه، فالجميع له، وإن كانت المساقاة على عينه لم يكن له أن ينيب، ويعامل غيره، فلو فعل انفسخت المساقة بشركة العمل، وكانت الثمار كلها للمالك، ولا شيء للعامل.
والعامل الثاني إن كان عالماً بفساد العقد فلا شيء له، وإلاَّ ففي استحقاقه أجرة المثل ما ذكرناه في خروج الثمار مستحقة.
الجزء: 6 - الصفحة: 78