بهذا الباب؛ لأن أهم الصلوات الوظائف الخمس، وأهم ما يعرف منها مواقيتها، لأنها بدخول الوقت تجب وبخروجه تفوت.
وفي الباب ثلاثة فصول:
أولها: في وقت الرفاهية.
والثاني: في وقت العذر، وفي كلام الشافعي -رضي الله عنه- أن الوقت وقتان: وقت مقام ورفاهية، ووقت عذر وضرورة.
قال الشارحون: المقام: الإقامة، والرفاهية: الفسحة والدعة، يقال: فلان رَافِهُ إذا كان حاضرًا غير ظاعن، وفلان في رَفَاهِيَةٍ من عَيْشِهِ أي خفض ودَعَةٍ، واتفقوا على أن الغرض بهما في كلامه شيء واحد، وهو وقت المترفه الذي ليس به عذر ولا ضرورة، وهو الوقت الأصلي للصّلوات، واختلفوا في العذر والضرورة، فمنهم من قال: وقت العذر غير وقت الضرورة، فالعذر ما يرخص في التقديم والتأخير من غير إلجاء إليه وهو السفر والمطر، والضرورة ما تدفع وتلجئ إليه وذلك في، الصبي يبلغ والمجنون يفيق، والكافر يسلم، والحائض والنفساء ينقطع دمهما.
وعلى هذا قالوا: الأوقات ثلاثة، لكن الشافعي -رضي الله عنه- جعلهما على قمسين، وجعل وقتاً في حيز، ووقتين في حيز؛ لما بينهما من التناسب، ومنهم من
قال: العذر والضرورة وَاحِدٌ، وأراد به وقت الصبي يبلغ ومن في معناه.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن صاحب الكتاب جعل الفصل الأول في وقت الرفاهية، والثاني في وقت الضرورة، وسماها وقت العذر، كأنه وافق الفرقة الصائرة إلى أن المراد بالعذر والضرورة واحد.
فأما الفصل الأول فالأصل فيه ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ بَاب الْبَيْتِ مَرَّتَيْن فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَت الشَّمْسُ" (1)، وروي "حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرُ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْر ظِلِّهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بقَدرِ ظِلِّهِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ لِلْقَدَرِ الأَوَّلِ لَمْ يُؤَخِرْهَا، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ ذهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الفَجْرَ حِينَ أَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَال يَا مُحَمَّدُ: هذَا وَقْتُ الْأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ"، ويروى مثل ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وأبي هريرة وأبي موسى وجابر وأنس وغيرهم -رضي الله عنهم- (2).
ولهذا الحديث بدأ الأئمة بصلاة الظهر.
القول في وقت صلاة الظهر
: ووقتها يدخل بالزَّوَال، وبيانه: أن الشمس إذا طلعت وقع ظل كل شخص في جانب المغرب طويلاً، ثم ما دامت الشَّمس ترتفع فالظل ينقص حتى إذا بلغت كبد السماء وهي حالة الاستواء انتهى نقصانه، وقد لا يبقى له ظل أصلاً، وذلك في بعض البلاد "كمكة" و"صنعاء اليمن" في أطول أيام السنة، وإذا بقي فهو مختلف المقدار12
باختلاف البلاد والفصول، ثم إذا مالت الشمس إلى جانب المغرب فإن لم يبق ظل عند الاستواء حدث الآن في جانب المشرق، وإن بقي شيء زاد الآن وتحول إلى المشرق.
فحدوثه أو زيادته هو الزوال، ثم إذا صار ظل الشاخص مثله من أصل الشاخص إن لم يبق شيء من الظل عند الاستواء أو من نهاية القدر الباقي في حالة الاستواء إن بقي شيء فقد خرج وقت الظهر.
وقوله في الكتاب: "وهو عبارة عن ظهور زيادة الظل" يريد به أغلب الأحوال وهو بقاء الظل في حالة الاستواء وإن قل.
فأما إذا لم يبق شيء عند الاستواء فالزوال بظهور الظل، ولا معنى للزيادة، لكنه نادر لا يكون إلا في يوم واحد من السنة في بعض البلدان.
وقوله: "ويتمادى وقت الاختيار إلى أن يصير ظل الشخص مثله من موضع الزيادة" جار على الغالب أيضاً كما بيناه، فإذا كان الشاخص ذراعين مثلاً والباقي من ظله عند الاستواء ربع ذراع فإنما يخرج الوقت إذا صار الظل ذراعين وربع ذراع.
وأراد بوقت الاختيار ما اشتمل عليه بيان جبريل عليه السلام بعد وقت الفضيلة ألا تراه يقول: في "وقت العصر ووقت الفضيلة في الأول ما بعده وقت الاختيار" وفسر بعضهم وقت الاختيار بما يشتمل عليه بيان جبريل من غير التقييد بكونه بعد وقت الفضيلة، وعلى هذا فوقت الاختيار ينقسم إلى وقت الفضيلة وإلى ما بعده، وليكون قوله: "إلى أن يصير ظل الشخص مثله" معلماً بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يبقى وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشيء مثله ثم يدخل وقت العصر، وبالميم أيضاً؛ لأن عند مالك يبقى وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشخص مثله، ولكن إذا صار ظل الشيء مثليه دخل وقت العصر، وفي مصير الظل مثله إلى مصيره مثليه وقت لكل واحدة من الصلاتين، هكذا روى مذهبه طائفة من أصحابنا.
وروى آخرون أنه قال: يدخل وقت العصر بمصير الظل مثليه، ولا يخرج وقت الظهر حتى يمضي قدر أربع ركعات، وهذا القدر هو المشترك بين الصلاتين، ويروى هذا عن المزني أيضاً، فليضف الزاي إلى الحاء والميم.
قال الغزالي: وبِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ (ح ز) وَيتَمَادَى (م) إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الفَضِيلَةِ في الأَوَّلِ وَمَا بَعْدَهُ وَقْتُ الاخْتِيَارِ إلى مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيهِ، وَبَعْدَهُ وَقْتُ الجَوَازِ إِلَى الاصْفِرَارِ، وَوَقْتُ الكَرَاهِيَةِ عِنْدَ الاصْفِرَارِ.
القول في وقت صلاة العصر
: قال الرافعي: إذا صار ظل الشيء مثليه فقد دخل وقت العصر، لما روينا من
حديث ابن عباس، وقد يوهم الخبر اشتراكًا بين الظهر والعصر في قدر من الوقت كما حكيناه عن مالك؛ لأنه قال: صلّى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مِثليه، [وصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظلُّ كلَّ شيء مثليه] 1 وأوَّله الشافعي -رضي الله عنه- على أنه ابتدأ العصر من اليوم الأول حين صار ظل الشّيء مثليه، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثليه.
ودليل التأويل ما روي عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ" 2. ثم يمتد وقت العصر إلى غروب الشمس؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَد أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ" 3. وفيه وجه آخر، وإليه ذهب أبو سعيد الإصطخري: أنه لا يمتد إلى غروب الشمس، بل آخر وقت العصر إذا صار ظل الشيء مِثْلَيْهِ، لأنه لو زاد عليه لبينه جبريل عليه السلام، وعلى ظاهر المذهب وقت الاختيار إلى مصير الظل مِثْلَيْهِ، وبعده وقت الجواز بلا كراهية إلى اصفرار الشمس، ومن اصفرار الشمس إلى الغروب، وقت الكراهية، ومعناه أنه يكره تأخيرها إليه.
روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرَنَي الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لاَ يَذْكُرً اللهَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً" 4.
وأما ما يتعلق بألفاظ الكتاب، فقوله: "وبه يدخل وقت العصر" ينبغي أن يعلم بالحاء؛ لما قدمناه، وقوله: "ويمتد إلى غروب الشمس" بالواو للوجه المنسوب إلى الإصطخري.
فإن قلت: قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر": "ثم لا يزال وقت الظهر قائماً حتى يصير ظل كل شيء مثله، فإذا جاوز ذلك بأقل زيادة، فقد دخل وقت العصر ظاهراً"، هذا يقتضي اعتبار زيادة على مصير الظل مثله، ليدخل وقت العصر، وذلك ينافي قوله: "وبه يدخل وقت العصر" فهل في ذلك اختلاف قول أم وجه أم كيف الحال؟ فالجواب أنه لا خلاف في دخول وقت العصر حتى يخرج وقت الظهر عندنا.
وكلام الشافعي محمول على أن خروج وقت الظهر لا يكاد يعرف إلا بزيادة الظل على المثل وإلا فتلك الزيادة من وقت العصر.
وقوله: ووقت الفضيلة في الأول لا يختص به العصر، بل وقت فضيلة جميع الصلوات أول أوقاتها على ما سيأتي، لكن اجتماع الأوقات الأربعة الفضيلة، والاختيار، والجواز، والكراهية من خاصية وقت العصر والصبح وما عداهما.
أما ذات وقتين: الفضيلة والاختيار كالظهر، وأما ذات ثلاث أوقاتِ الفضيلة، والاختيار، والجواز، كالعشاء، والعصر أول الصلاتين المخصوصتين بالأوقات الأربعة في الترتيب المذكور، فهذا هو الداعي إلى تقسيم وقت العصر إلى الفضيلة وغيرها.
قال الغزالي: وَوَقْتُ المَغْرِبَ يَدْخُلُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَيمْتَدُّ (م) إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ فِي قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ: إِذَا مَضَى بَعْدَ الغُرُوبِ وَقْتُ وُضُوءٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَقَدْرِ خَمْسَ (و) رَكَعَاتٍ فَقَدِ انْقَضَى (ح) الوَقْتُ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام صَلاَّهَا فِي الْيَومَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلاَةٍ فَمَدَّ آخِرَ الصَّلاَةِ إلَى وَقْتِ غُرُوبِ الشَّفَقِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: لا خلاف في أن وقت المغرب يدخل بغروب الشمس، والاعتبار بسقوط قرصها، وهو ظاهر في الصحارى.
وأما في العمران، وقلل 1 الجبال، فالاعتبار بأن لا يرى من شعاعها شيء على أطراف الجدران وقلل الجبال، ويُقبل 2 الظلام من المشرق، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَقْبَلَ الظَّلاَمُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إلَى الْمَشْرِقِ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا- وَأَشَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ - فَقَد أَفْطَرَ الصَّائِمُ" 3. وإلى متى يمتد وقت المغرب؟ فيه [قولان] 4 القديم: أنه يدوم وقتها إلى غيبوبة الشفق، لما روي عن بريدة "أَنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ فَقَالَ: صَلِّ مَعَنَا هذَيْنِ"، يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: "وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ " 5.
وروي في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَوَقْتُ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ" 6.
ويعبر عن هذا القول بأن للمغرب وقتين كسائر الصلوات، وفي "الجديد" إذا مضى قدر وضوء وستر عورة وآذان وإقامة وخمس ركعات فقد إنقضى الوقت؛ لأن جبريل عليه السلام صلاها في اليومين في وقت واحد، ولو كان لها وقتان لبين كما في سائر الصلوات؛ ثم معلوم أن ما لا بد منه من شرائط الصَّلاَةِ لا يجب تقديمه على الوقت،
فيحتمل التأخير بعد الغروب قدر ما يشتغل بها، والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل 1، ويحتمل أيضاً أكل لقم يكسر بها سورة الجوع 2.
وفي وجه: ما يمكن تقديمه على الوقت كالطهارة، وستر العورة يسقط من الاعتبار.
وفي وجه: لا يعتبر خمس ركعات، وإنما يعتبر ثلاث ركعات، ويعبر عن هذا القول بأن للمغرب وقتاً واحداً يعتبر تقديره بالفعل، وعلى هذا القول لو شرع في المغرب في الوقت المضبوط فهل يجوز أن يستديم صلاته إلى أن ينقضي هذا الوقت؟ إن قلنا: إن الصلاة التي وقع بعضها في الوقت وبعضها بعد الوقت أداء، وأنه 3 يجوز تأخيرها إلى أن يخرج عن الوقت بعضها - فله ذلك لا محالة، وإن قلنا: لا يجوز ذلك في سائر الصلوات، ففي المغرب وجهان: أحدهما: المَنْعُ كسائر الصلواتِ.
وأصحهما: أنه يجوز مدها إلى غروب الشفق، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "قرأ سورة الأعْرَافِ في المغرب" 4 فظاهر المذهب القول الجديد.
واختار طائفة من الأصحاب القول الأول، ورجحوه، وعندهم أن المسألة مما يفتى فيها على القديم 5.
وإذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب وعلم قولَه: (ويمتد إلى غروب الشفق) بالميم، لأن مذهب مالك مثل القول الجديد في أظهر الروايتين، وقوله: (فقد انقضى الوقت) بالحاء والألف؛ لأن مذهبهما مثل القول القديم، ولفط (الوضوء) بالواو، وكذا قوله: (وقدر خمس ركعات) لما حكينا من الوجهين، وادعى القاضى الروياني أن المذهب: اعتبار الثلاث دون الخمس، وقوله) (وعلى هذا، فلو مد آخر الصلاة إلى غروب الشفق، فوجهان) فيه، إشارة إلى أن الوجهين مبنيان على قولنا أن من سائر الصلوات لا يجوز الإتيان بها، بحيث يقع بعضها بعد الوقت، لا ما إذا جوزنا ذلك، فلا اختصاص للامتداد بغروب الشفق، مهما كان الشروع في الوقت المضبوط.
قال الغزالي: وَوَقْتُ العِشَاءِ يَدْخُلُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَهُوَ الحُمْرَةُ (ح) الَّتِي تَلِي الشَّمْسَ دُونَ البَيَاضِ والصُّفُرَةِ، ثُمَّ يَمْتَدْ وَقْتُ الاخْتِيَارِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ عَلَى قَوْلٍ، وَإِلَى النِّصْفِ عَلَى قَوْلٍ، وَوَقْتُ الجَوَازِ اِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ.
القول في وقت صلاة العشاء
:
قال الرافعي: إذا غاب الشفق دخل وقت العشاء، لما روينا من [خبر] 1 جبريل عليه السلام: "والشَّفَقُ هُوَ الْحُمْرَةُ" 2 وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة والمزني، حيث قال: هو البياض الذي يعقب الحمرة، ويروى عن أحمد أن الاعتبار في الصحراء بالحمرة، وفي البنيان بالبياض.
لنا: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: في الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ فَإذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الصَّلاَةُ".
وإلى متى يمتد وقت الاختيار؟ فيه قولان.
أصحهما: إلى ثلث الليل لبيان جبريل عليه السلام.
والثاني: إلى نصف الليل.
وبه قال أبو حنيفة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرتُهُمْ بالسَّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ، وَلَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" 3. وعن أحمد روايتان، كالقولين ثم يستمر وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني.
وفيه وجه آخر: أنه إذا ذهب وقت الاختيار على اختلاف القولين فقد ذهب وقت الجواز أيضاً، أما على قول: "الثلث" فلحديث جبريل عليه السلام حيث قال: "الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ".
وأما على قول النصف فلما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَقْتُ الْعِشَاءِ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ" 4، إلى هذا الوجه ذهب الإصطخري، وكذلك أبو بكر الفارسي فيما حكى المعلق عن الشيخ أبي محمد، والمذهب الأول.
واحتجوا له بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصَّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِرَكْعَةٍ" 5.
وبما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، أَنْ تُؤَخَّرَ صَلاَةٌ حَتَّى يَدْخُلُ وَقْتُ صَلاَةٍ أُخْرَى" (1).
ظاهره يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الأخرى، ولا يخفى عليك مما ذكرناه المواضع المستحقة للعلامات من ألفاظ الكتاب، وأن قوله: "ووقت الجواز إلى طلوع الفجر المراد منه الفجر الثاني" وقوله: في تفسير الشفق "دون البياض والصفرة" لا كلام في أن البياض خارج عن تفسير الشفق عندنا، وأنه لا يعتبر غروبه.
وأما الصفرة فقد ذكر إمام الحرمين في "النهاية": أن أول وقت العشاء يدخل بزوال الحمرة والصفرة، والشمس إذا غربت تعقبها حمرة ثم ترق إلى أن تنقلب صفرة ثم يبقى بياض.
قال: وبين غيبوبة الشمس إلى زوال الصفرة كما بين الصبح الصادق إلى طلوع قرن الشمس، وبين زوال الصفرة إلى انمحاق البياض يقرب مما بين الصبح الصادق والكاذب، ونقل صاحب الكتاب في "البسيط" هذا الكلام، لكن الذي يوافق إطلاق المعظم ما ذكره في هذا الموضع، وهو الاكتفاء بغيبوبة الحمرة.
ولفظ الشافعي -رضي الله عنه- دال عليه، ألا تراه يقول في "المختصر": وإذا غاب الشفق وهو الحمرة فهو أول وقت العشاء، ثم غروب الشفق ظاهر في معظم النواحي.
أما الساكنون بناحية تقصر لياليهم ولا يغيب عنهم الشفق فيصلون العشاء، إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلدان إليهم، ذكره القاضي حسين في "فتاويه".
قال الغزالي: وَوَقْتُ الصُّبْحِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ الصَّادِقِ الُمْستَطِيرِ ضَؤْءُهُ لاَ بِالفَجْرِ الكَاذِبِ الَّذِي يَبْدُو مُسْتَطِيلاً كَذَنَبِ السِّرْحَانِ، ثُمَّ يَنْمَحِقُ أَثَرُهُ ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ الاخْتِيَارِ إلَى الإِسْفَارِ، وَوَقْتُ الجَوَازِ اِلَى الطُّلُوعِ.
القول في صلاة الصبح
:
قال الرافعي: يدخل وقت الصبح بطلوع الفجر الصادق ولا عبرة بالفجر الكاذب.
والصادق هو المستطير الذي لا يزال ضوؤه يزداد ويعترض في الأفق، سمى مستطيراً لانتشاره قال الله تعالى: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ 2 والكاذب يبدو مستطيلاٍ ذاهباً في السماء، ثم ينمحق وتصير الدنيا أظلم مما كانت والعرب تشبهه بذنب السرحان، لمعنيين:1
أحدهما: طوله.
والثاني: أن الضوء يكون في الأعلى دون الأسفل كما أن الشعر يكثر على أعلى ذنب الذئب دون أسفله وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَغُرَّنَّكُمُ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ" 1. ويتمادى وقت الاختيار إلى الإسفار، لحديث جبريل عليه السلام.
وهل يزيد الوقت عليه؟ قال أبو سعيد الإصطخري: لا، والمذهب أنه يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" 2 ثم من الإسفار إلى طلوع الحمرة جواز بلا كراهية، ووقت طلوع الحمرة وقت الكراهية فيكره تأخير الصلاة إليها من غير عذر، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وكذلك [أورده] 3 في "التهذيب" فيحصل للصبح أربعة أوقات كما للعصر.
وقوله: "ووقت الجواز إلى الطلوع" إن كان المراد منه ما تشترك فيه حالة الكراهية وحالة عدمها فلا مخالفة بينه وبين ما حكيناه، ولكنه خص اسم الجواز بما لا كراهة معه في فصل العصر، ألا تراه يقول: "وبعده وقت الجواز إلى الاصفرار ووقت الكراهية عند الاصفرار" فيشبه أن يريد بالجواز هاهنا مثل ذلك أيضاً، وحينئذ يكون ما ذكره مخالفاً لما حكيناه والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ يُقَدَّمُ (وح) أَذَانُ هَذِهِ الصَّلاَةِ عَلَى الوَقْتِ فِي الشِّتَاءِ لِسَبْعِ بَقين مِنَ اللَّيْلِ، وَفي الصَّيْفِ بِنِصْفِ سُبْعٍ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ وَقْتُ أَذَانِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ اخْتِيَارِ العِشَاءِ، ثُمَّ لْيَكُنْ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ يؤَذِّنُ أحَدُهُمَا قَبْلَ الصُّبْحِ والأخَرُ بَعْدَهُ.
قال الرافعي: صلاة الصبح تختص في حكم الأذان بأمور، ذكر منها هاهنا شيئين:
أحدهما: أنه يجوز تقديم آذانها على دخول الوقت خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" 4 والمعنى فيه إيقاظ النُّوَامِ، فإن الوقت وقت النوم والغفلة ليتأهبوا للصلاة.
وقال الشيخ يحيى اليمني في "البيان": ذكر بعض أصحابنا أنه إذا جرت عادة أهل بلد بالأذان بعد طلوع الفجر لم يقدم فيها الأذان على الوقت كيلا يشتبه عليهم الأمر، وهذا التفصيل غريب، وليكن قوله: "ثم يقدم" معلماً بالواو مع الحاء لذلك، ثم في القدر الذي يجوز به التقديم وجوه، ذكر منها في الكتاب وجهين:
أحدهما: أنه يقدم في الشتاء لِسُبُعٍ بقي من الليل، وفي الصيف لِنْصِف سُبُع [بقي من الليل، وروي عن سعد القرظي 1 قال: "كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ"] 2 3 وهذا القدر لا يعتبر تحديداً، وإنما يعتبر تقريباً، والغرض أن يتأهب الغافلون لأسباب الصلاة وفي التنبيه قريباً من السحر ما يحصل هذا المقصود.
والثاني: أنه إذا خرج وقت اختيار العشاء إما الثلث وإما النصف على اختلاف القولين فقد دخل وقت أذان الصبح؛ لأنه لا يخاف اشتباه أحد الأذانين بالآخر فإن الظاهر أن العشاء لا تؤخر عن وقت الاختيار.
والوجه الثالث: أن وقته النصف الأخير من الليل، ولا يجوز قبل ذلك، وإن قلنا: إن وقت اختيار العشاء لا يجاوز ثلث الليل وشبه ذلك بالدفع من "المزدلفة" والمعنى فيه ذهاب معظم الليل.
والرابع: حكاه القاضي أبو القاسم بن كج وآخرون: أن جميع الليل وقت له كما أنه وقت لنية صوم الغد.
واحتج له بإطلاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ بلاَلاً يُؤَذِّنْ بِلَيْلٍ" وأظهر الوجوه أنما هو الأول، ولم يفصل في "التهذيب" بين الصيف والشتاء، واعتبر السبع على الإطلاق تقريباً، وكل هذا في الأذان.
أما الإقامة فلا تقدم على الوقت بلا خلاف.
وهذا الفصل ليس من أحكام الأذان إلا أن الشافعي -رضي الله عنه- ذكره في هذا الموضع لتعلقه بالمواقيت وتأسى به الأصحاب.
الثاني: يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان يؤذن أحدهما قبل الصبح والآخر بعده كما كان لمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأول أولى بالإقامة، وإن لم يكن إلاَّ مؤذن واحد فيؤذن مرتين، مرة قبل الصبح، وأخرى بعده، ويجوز أن يقتصر على مرة واحدة، إما قبل الصبح أو بعده، أو بعض الكلمات قبل الصبح وبعضها بعده، فإذا اقتصر على مرة فالأولى أن تكون بعد الصبح على المعهود في سائر الصلوات 1.
قال الغزالي: قَاعِدَةٌ، تَجِبُ الصَّلاَةُ بأَوَّلِ (ح) الوَقْتِ وُجُوباً مُوَسَّعاً (ح)، فَلَوْ مَاتَ فِي وَسَطِ الوَقْتِ قَبْلَ الأَدَاءِ عَصَى عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَخَّرَ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُ الصَّلاَةِ عَنِ الوَقْتِ فَفِي كَوْنهِ أَدَاءً ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثُ يُجْعَلُ القَدْرُ الخَارجُ قَضَاءً (ح).
قال الرافعي: الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعاَ، ومعنى كونه موسعاً أن له أن يؤخرها إلى آخر الوقت ولا يأثم.
وعند أبي حنيفة تجب بأخر الوقت، لكن لو صلى في أول الوقت سقط الفرض.
لنا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ 2 والأمر للوجوب.
ولو أخر من غير عذر ومات في أثناء الوقت فهل يعصى؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه ترك الواجب.
وأصحهما: لا (لأنه أبيح له التأخير) 3، بخلاف ما لو أخر الحج بعد الوجوب فمات بعد إمكان الأداء يعصى؛ لأن آخر الوقت غير معلوم، وأبيح له التأخير بشرط أن يبادر الموت، فإذا مات قبل الفعل أشعر الحال بتقصيره وتوانيه وفي الصلاة آخر الوقت معلوم فلا ينسب إلى التقصير ما لم يؤخر عن الوقت.
ولو وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضها بعد خروج الوقت، فقد حكى صاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه ولم يفرق بين أن يكون الواقع في الوقت ركعة أو دونها.
أحدها: أن الكل أداء اعتباراً بأول الصلاة.
والثاني: أن الكل قضاء اعتباراً بالآخر، فإنه وقت سقوط الفرض بما فعل.
والثالث: أن الواقع في الوقت أداء وفي الخارج قضاء كما أنه لو وقع الكل في الوقت كان أداء وإذا وقع خارجه كان قضاء.
والذي ذكره معظم الأصحاب الفرق بين أن يكون الواقع في الوقت ركعة فصاعداً أو دونها واقتصروا على وجهين:
أصحهما: أنه إن وقع في الوقت ركعة فالكل أداء، وإلا فالكل قضاء، وبه قال ابن خيران؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" 1.
وأيضاً فإن للركعة من التأثير ما ليس بغيرها.
ألا ترى أنه تدرك الجمعة بركعة، ولا تدرك بما دونها.
والوجه الثاني: أن ما وقع في الوقت أداء والخارج عنه قضاء، وأورد إمام الحرمين الأوجه الثلاثة المذكورة في الكتاب ولكن بعد الفرض في الركعة، ثم قال: إن الأئمة ذكروا الركعة فيما يقع في الوقت، وكان شيخي يرد ذلك إلى تفصيل المذهب فيما يدرك به أصحاب الضرورات الفرض.
قال: والذي ذكره غير بعيد.
وإذا عرفت ذلك، فإن كان صاحب الكتاب أراد بالبعض الذي [أطلقه] 2 الركعة، فذاك وإلا فهو جري على المنقول عن الشيخ أبي محمد.
ثم فيما يدرك به أصحاب الضرورة الفرض قولان: أحدهما: ركعة.
والثاني: تكبيرة.
ففرض الخلاف في مطلق البعض تكون جواباً على هذا القول الثاني، وليكن قوله: "يجعل القدر الخارج قضاء" معلماً بالألف؛ لأن القاضي الروياني روى أن عند أحمد إذا وقعت ركعة من الصلاة في الوقت فالكل أداء، كما هو الصحيح عندنا، ولا بأس بإعلامه بالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة لو طلعت الشمس -في خلال صلاة الصبح- بطلت، ولا يعتد بها لا قضاء ولا أداء، وسلم أنه لو غربت الشمس في خلال الصلاة من عصر يومه لا تبطل الصلاة.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ وَإذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ" 3. ومتى قلنا الخارج عن الوقت قضاء، أو قلنا الكل قضاء لم يجز للمسافر قصر تلك الصلاة على قولنا أن القصر لا مدخل له في القضاء، وهل يجوز تأخير الصلاة إلى حد يخرج بعضه عن الوقت؟ إن قلنا إنها مقضية، أو أن بعضها مقضي
فلا، وإن قلنا مؤداة فقد حكى إمام الحرمين عن أبيه ترديد الجواب في ذلك، ومال إلى أنه لا يجوز، وهذا هو الذي أورده في "التهذيب" من غير ترديد وبناء على خلاف، ولو شرع فيها وقد بقي من الوقت ما يسع الجميع لكن مدها بطول القراءة حتى خرج الوقت.
لم يأثم، ولا يكره أيضاً في أظهر الوجهين.
قال الغزالي: ثُمَّ تَعْجِيلُ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ (ح) عِنْدَنَا، وَفَضِيلَةُ الأَوَّليَّةِ بِأنْ يَشْتَغِلَ بِأسْبَابِ الصَّلاَة كَمَا دَخَلَ الوَقْتُ، وَقِيلَ: تَتَمَادَى الفَضِيلَة اِلَى نِصْفِ وَقْتِ الاخْتِيَارِ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ العِشَاءِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، ويُسْتَحَبُّ الإبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ إِلَى وُقُوعِ الظِّلِّ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ السَّاعي إِلَى الجَمَاعَةِ، وَفِي الإبْرَادِ بِالجُمُعَةِ وَجْهَانِ لِشِدَّةِ الخَطَرِ في فَوَاتِهَا.
قال الرافعي: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَآخِرُ الْوَقْتِ عَفْوُ اللهِ" 1 قال الشافعي -رضي الله عنه-: "رضوان الله إنما يكون للمحسنين "والعفو" يشبه أن يكون للمقصرين.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاَةُ لِأوَّلِ وَقْتِهَا" 2. وبم تحصل فضيلة الأولية؟ حكى الإمام فيه ثلاثة أوجه:
أقربها: عنده وهو الذي ذكره صاحب "التقريب" أنها تحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة كالطهارة والأذان فإن دخل الوقت، فإنه لا يعد حينئذ متوانياً ولا مؤخراً.
والثاني: يبقى وقت الفضيلة إلى نصف الوقت؛ لأن معظم الوقت باقٍ ما لم يمض النصف، فيكون موقعاً للصلاة في حد الأول، وإلى هذا مال الشيخ أبو محمد واعتبر نصف وقت اختيار.
والثالث: لا تحصل الفضيلة إلا إذا قدم [قبل الوقت] ما يمكن تقديمه من الأسباب لتنطبق الصلاة على أول دخول الوقت، وعلى هذا قيل: لا ينال المتيمم فضيلة الأولية 3، وعلى الأول: لا يشترط تقديم ستر العورة كالطَّهَارَةِ، وعن الشيخ أبي محمد اشتراطه؛ لأن ستر العورة لا تختص بالصلاة، والشغل الخفيف كأكل لُقَمٍ وكلام قصير لا يمنع إدراك الفضيلة، ولا يكلف العجلة على خلاف العادة 4. ولنتكلم في الصلاة
واحدة واحدة.
أما الظُّهْرُ فيستحب فيها التعجيل، إلا إذا اشتد الحر، وظاهر المذهب، أنه يستحب الإبراد به، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحُرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" 1. ومن الأصحاب من قال الإبراد رخصة 2، فلو تحمل القوم المشقة،3
وصلوا في أول الوقت، فهو أفضل.
والأول المذهب، ثم الإبراد المحبوب أن يؤخر إقامة الجماعة عن أول الوقت في المسجد (4) الذي يأتيه الناس من بُعد بقدر ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه الساعون إلى الجماعة.
فلا ينبغي أن يؤخر عن النصف الأول من الوقت ولو كانت منازل القوم قريبة من123 = له، وإن أقدم عليها لم يأثم، وإن أخذ بالعزيمة وبذل نفسه حبسة في دينه، فامتنع عن إجراء كلمة الكفر مراعاة لحقه تعالى صورة ومعنى، لأن الممتنع مطيع لربه مظهر الصلابة في الدين، فهو جهاد، فيكون أفضل وأولي.
المسجد، أو حضر جمع في موضع، ولا يأتيهم غيرهم: فلا يبردون بالظهر.
وفيه قول آخر: أنهم يبردون بها، ولو أمكنهم المشي إلى المسجد في ركن، أو في ظل، أو كان يصلي منفردًا في بيته، فلا إبراد أيضاً.
وفي وجه يستحب الإبراد، فمن قال الإبراد -في هذه الصور- احتج بإطلاق الخبر، ومن منع قال: المعنى المقتضي للإبراد دفع المشقة، والتأذي بسبب الحر، وليس في هذه الصور كبير مشقة، وهذا هو الأظهر.
وهل يختص الاستحباب بالبلاد الحارة أم لا؟ فيه وجهان:
منهم من قال: لا، وبه قال الشيخ أبو محمد؛ لأن التأذي في إشراق الشمس حاصل في البلاد المعتدلة أيضاً، وهذا بخلاف النهي عن استعمال الشمس يختص بالبلاد الحارة على الظاهر؛ لأن المحذور الظني لا يتوقع مما يشمس في البلاد المعتدلة.
ومنهم من قال: باختصاصه بالبلاد الحارة، وبه قال الشيخ أبو علي؛ لأن الأمر هَيِّنٌ في غيرها، وهذا أظهر وحكاه القاضي ابن كج عن نص الشافعي -رضي الله عنه-.
وهل يلحق صلاة الجمعة بالظهر في لإبراد؟.
فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كالظهر في سائر الأيام.
والثاني: لا، لشدة الخطر في فواتها، فإنها إذا أخرت ربما تكاسلوا فيها، وإذا حضروا فلا بد من تقديم الخطبة، ولأن النَّاسَ يبكرون إليها فلا يتأذون بالحر، وهذا أظهر.
وأما العصر والمغرب، فالأفضل أن يعجلهما في جميع الأحوال.
وأما العشاء، ففيها قولان:
أظهرهما: أن تعجيلها أفضل كسائر الصلوات، لعموم الأخبار.
والثاني: أن تأخيرها أفضل ما لم يجاوز وقت الاختيار لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ" 1.
وأما الصبح، فيستحب فيها التعجيل أيضاً مطلقاً؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ النِّسَاءُ يَنْصَرفْنَ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُنَّ مُتَلَفِّعَات بِمُرُوطِهِنَّ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ" 2. وينبغي أن يعرف مما يتعلق بنظم الكتاب سببين 3:
أحدهما: أن كلمة "عندنا" في قوله: "ثم تعجيل الصلاة أفضل عندنا" على خلاف عادة الكتاب، ثم ليس فيه كبير فائدة، فإنا إذا أطلقنا الكلام أطلقناه بما عندنا لا بما عند
غيرنا، وغايته الإشارة إلى خلاف في المسألة، لكن لا يعرف به المخالف من هو، وأنه ماذا يقول، ولا نعني عن الرموز التي هي عادة الكتاب، فليكن قوله: "هو أفضل" معلماً بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة الأفضل في صلاة الصبح الإسفار بها، وفي العصر التأخير ما لم تتغير الشمس، وفي العشاء التأخير ما لم يجاوز ثلث الليل، وساعدنا في المغرب على استحباب التعجيل، وكذلك في الظهر إذا لم يشتد الحر، وليكن معلماً بالميم أيضاً، لما روي عن مالك، أنه يستحب تأخير الظهر إلى أن يصير الفيء قدر ذراع، وفي العصر أيضاً يستحب التأخير قليلاً.
والثاني: أن قوله: "تعجيل الصلاة أفضل" يشمل الصلاة كلّها.
وقوله بعد ذلك: "يستحب تأخير العشاء على قول، ويستحب الإبراد" استثناء في الحقيقة عما أطلقه أولاً وإن لم يكن لفظه لفظ الاستثناء.
وينبغي أن يعلم قوله: "ويستحب الإبراد" بالواو للوجه الصائر إلى أنه رخصة.
قال الغزالي: فَرْعٌ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الوَقْتُ يَجْتَهِدُ وَيسْتَدِلُّ بِالأَوْرَادِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ وَقَعَتْ صَلاتُهُ فِي الوَقْتِ أَوْ مَا بَعْدَهُ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ قَبْلُ قَضَى عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَكذَا فِي طَلَبِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالقَادِرُ عَلَى دَرْكِ اليَقِينِ بِالصَّبْرِ هَلْ لَهُ المُبَادرَةُ بِالاجْتِهَادِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا اشتبه عليه وقت الصلاة بغيم، أو حبس في موضع مظلم، أو غيرهما اجتهد، واستدلَّ عليه بالدرس والأعمال والأوراد وما أشبهها.
ومن جملة الأمارات صياح الديك المجرب إصابة صياحِهِ الوقت، وكذلك أذان المؤذنين في يوم الغيم، إذا كثروا، وغلب على الظن لكثرتهم أنهم لا يخطئون.
والأعمى يجتهد في الوقت كالبصير.
وإنما يجتهدان إذا لم يخبرهما عدل عن دخول الوقت عن مشاهدة.
فلو قال رأيت الفجر طالعاً والشفق غارباً، فلا مساغ للاجتهاد ووجب قبول قوله.
ولو أخبر عن اجتهاد فليس للبصير القادر على الاجتهاد تقليده، والأخذ بقوله، وهل للأعمى ذلك؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، ويسوغ له الاجتهاد، والتقليد جميعاً، ويترتب على هذا الاعتماد على أذان المؤذن، فإن كان بصيراً لم يعتمد عليه في يوم الغيم، لأنه يؤذن عن اجتهاد، ويعتمد عليه في يوم الصحو، إذا كان المؤذن عدلاً عالماً بالمواقيت، لأنه يؤذن عن مشاهدة، وإن كان أعمى فهل يعتمد عليه؟ فيه الوجهان المذكوران في جواز التقليد له وحكى في "التهذيب" وجهين في تقليد المؤذن من غير فرق بين الأعمى والبصير.
وقال: الأصح الجواز، واحتج عليه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤَذِّنُونَ أمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى
صَلَوَاتِهِمْ" 1. ويحكى: أن ابن سريج ذهب إليه والتفصيل أقرب، وهو اختيار القاضي الروياني وغيره 2. وإذا لزم الاجتهاد فصلى -من غير اجتهاد- لزمه الإعادة وإن وقعت صلاته في الوقت، وإن لم يكن دلالة أو كانت ولم يغلب على ظنه شيء أخَّرَ إلى أن يغلب على ظنه دخول الوقت.
والاحتياط أن يؤخر إن لم يغلب على ظنه أنه لو أخر عنه خرج الوقت.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- في يوم الغيم يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء وحكم الفجر - كما ذكر في يوم غير يوم الغيم، وهل يجتهد إذا قدر على الصبر إلى استيقان دخول الوقت؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه لا يجتهد؛ للقدرة على الإيقاع في الوقت يقيناً.
وأظهرهما: أنه يجتهد؛ إذ لا قدرة على اليقين في حالة الاشتباه، وهذا كالخلاف فيما إذا اشتبه عليه إناءان ومعه ماء طاهر بيقين.
فإن قلت: وما من حالة إلا ويمكن الصبر فيها إلى درك اليقين، فإن الأوقات في المضي والاشتباه إنما يقع في أوائلها، فإذا صبر زال الاشتباه.
قلنا: يجوز أن يكون محبوساً في مطمورة 3، لا يعرف شيئاً من الأوقات أصلاً، ولا يدري أن الساعة التي هو فيها ليل أو نهار ويجوز في حق غيره أيضاً ألا يحصل له يقين أصلاً، بأن لا يعرف في يوم إطباق الغيم هل دخل وقت الظهر أم لا؟ ولا يعرف أنه إن دخل هل بقي أم لا؟.
ثم إذا اجتهد وصلى، فإن لم يتبين الحال فذاك، وإن تبين نظر: إن وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه، وما فعله بعد الوقت قضاء، أو أداء فيه جهان:
أصحهما: أنه قضاء، حتى لو كان مسافر يجب عليه إعادة الصلاة تامة إذا قلنا لا
يجوز قصر القضاء، فإن وقعت صلاته قبل الوقت نظر: إن أدرك الوقت، أعاد، وإلا فقولان، وكل ذلك خلافاً ووفاقاً يجري فيما إذا اشتبه شهر رمضان على الأسير فاجتهد وأخطأ، وأصح القولين وجوب الإعادة، وهما مبنيان على أن المفعول بعد الوقت قضاء كما في غير حالة الاشتباه، أو أداء قائم مقام الواقع في الوقت؛ لمكان العذر، فإن قلنا بالأول لم يعتد بما تقدم على الوقت، وإن قلنا: بالثاني اعتد به.
الفَصْلُ الثَّانِي فِي وَقْتِ المَعْذُورِينَ
قال الغزالي: وَنَعْنِي بِالعُذْرِ مَا يُسْقِطُ القَضَاءَ كَالْجُنُونِ وَالصِّبَا وَالحَيْضِ وَالكُفْرِ، وَلَهَا ثَلاَثةُ أَحْوَال: الأُولَى أَنْ يَخْلُو عَنْهَا آخِرَ الوَقْتِ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ كَمَا لَوْ طَهُرَتِ الحَائِضُ قَبْلَ الغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ يَلْزَمهَا العَصْرُ (ز) وَكَذَا بِقَدْرِ تكْبِيرَةٍ (م ز) عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ.
القول في وقت أصحاب الأسباب المانعة من وجوب الصلاة:
قال الرافعي: ذكرنا في أول الباب أن الغرض من هذا الفصل هو الكلام في الوقت الذي سماه الشافعي -رضي الله عنه- وقت الضرورة، سواء قلنا إنه ووقت العذر شيء واحد أم لا، والمراد من وقت الضرورة الوقت الذي يصير فيه الشخص من أهل لزوم الصلاة عليه بزوال الأسباب المانعة من اللزوم، وهي الصِّبا، والجنون، والكفر، والحيض، وفي معنى الجنونِ الإغماءُ، وفي معنى الحيضِ النفاسُ.
ثم لهذه الأسباب أحوال ثلاثة، لأنها إما ألاَّ تستغرق وقت الصلاة، أو تستغرقه، وإن لم تستغرقه، فإما أن يوجد في أول الوقت ويخلو عنها في آخره، أو يكون بالعكس من ذلك:
الحالة الأولى: أن يوجد في أول الوقت، ويخلو عنها آخره، كما لو طهرت عن الحيض أو النفاس في آخر الوقت، فننظر إن بقي من الوقت قدر ركعة فصاعداً لزمها فرض الوقت.
واحتجوا عليه بقوله -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ".
والمعتبر في الركعة أخف ما يقدر عليه أحد، وإنما يلزم فرض الوقت بإدراك قدر ركعة بشرطٍ وهو أن تمتد السلامة عن الموانع، قدر إمكان فعل الطهارة وتلك الصلاة، أما لو عاد مانع قبل ذلك فلا.
مثاله: إذا بلغ الصبي في آخر وقت العصر، ثم جن، أو فاق المجنون ثم عاد
جنونه، أو طهرت حائض ثم جنت، أو أفاقت مجنونة ثم حاضت، فإن مضى في حال السلامة، قدر ما يسع أربع ركعات بعد الطهارة لزم العصر، وإلا فلا، هذا إذا كان الباقي من الوقت مقدار ركعة، أما إذا كان الباقي مقدار تكبيرة، أو فوقها ودون ركعة، ففي لزوم فرض الوقت به قولان في الجديد:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة، نعم؛ لأنه أدرك جزءاً من الوقت، فصار كما لو أدرك قدر ركعة؛ ولأن الإدراك الذي تعلق به الإيجاب - تستوي فيه الركعة وما دونها.
ألا ترى أن المسافر إذا اقتدى بمقيم في جزء يسير من الصلاة لزمه الإتمام كما لو اقتدى به في ركعة ثم اللزوم على هذا القول، إنما يكون بالشرط الذي ذكرناه فيما إذا بقي قدر ركعة.
والقول الثاني: وبه قال المزني أنه لا يلزم به فرض الوقت، لأن الإدراك في الخبر منوط بمقدار ركعة، وصار كما إذا أدرك من الجمعة ما دون ركعة، لا يكون مدركًا لها، هذا مذهبه في القديم.
ويحكي عن مالك مثل ذلك، وقد نقل الناقلون عن الجديد اللزوم، والقديم منعه اقتصاراً من قولي الجديد، على ما يقابل القديم.
وقوله في الكتاب: "ونعني بالعذر ما يسقط القضاء" أي: إذا استغرق الوَقْتَ، واستبشع بعضهم عد الكفر من الأعذار، وقال: الكافر غير معذور بكفره ولا معنى للاستبشاع بعد العناية، وتفسير العذر بما يسقط القضاء، ولا شك أن القضاء ساقط عن الكافر، ويجوز أن يعد عذراً بعد الإسلام؛ لأنه غير مؤاخذ بما تركه في حال الكفر.
وقوله: (وكذا بقدر تكبيرة) معلم بالميم والزاي.
قال الغزالي: وَهَل يَلْزَمُهَا (ح) الظُّهْرُ بِمَا يَلْزَمُ بِهِ العَصْرُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: فَعَلَى قَوْلٍ يَلْزَمُ (م ح)، وَعَلَى الثَّانِي لاَ بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُتَصَوَّرَ الفَرَاغُ مِنَ الطُّهْرِ فِعْلاً ثُمَّ يُفْرَضُ لُزُومُ العْصَرِ بَعْدَهُ، وَهَذِهِ الأرْبَعَةُ فِي مُقَابَلَةِ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ.
قال الرافعي: ما ذكرناه من لزوم فرض الوقت، بإدراك ركعة، أو بما دونها على أحد القولين -يشمل الصلوات كلها، ثم الصلوات التي يتفق في آخر وقتها زوال العذر إما أن تكون صلاة لا يجمع بينها وبين ما قبلها، أو صلاة يجمع بينها وبين ما قبلها- على ما سيأتي كيفية الجمع في بابه-.
فالقسم الأول: هو الصبح والظهر والمغرب، فلا يلزم بزوال العذر في آخر وقت الواحدة من هذه الصلوات سوى تلك الصلاة.
والقسم الثاني: هو العصر والعشاء، فيجب على الجملة بإدراك وقت العصر الظهر، وبإدراك وقت العشاء المغرب، خلافاً لأبي حنيفة والمزني.
قال صاحب "المعتمد" وقول مالك يشبه ذلك.
لنا ما روي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما قالا: في الحائض تطهر قبل طلوع الفَجْر بِرَكْعَةٍ يَلْزُمُهَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ 1. وأيضاً فإن وقت العصر وقت الظهر في حالة العذر، ففي حالة الضرورة -وهي فوق العذر- أولى.
لماذا عرفت ذلك، فينبغي أن يعرف أن صاحب الكتاب إنما فرض الكلام في وقت العصر حيث قال في الفصل السابق: "كما لو طهرت الحائض قبل الغروب" لأن العصر من القسم الثاني، فأراد أن يرتب لزوم الظهر عليه بعد بيان حكم العصر، فقال: "وهل يلزمها الظهر بما يلزم به العصر.... " إلى آخره.
وشرح ذلك أن الشافعي -رضي الله عنه- بعد الجزم بأن الظهر قد يلزم إدراك وقت العصر اختلف قوله: في أنه بماذا يلزم فأصح قوليه: أنه يلزم بما يلزم به العصر، وذلك ركعة على قول، وتكبيرة على قول:
ووجهه: أنا جعلنا وقت العصر وقتاً للظهر، ومعلوم أنه لو أدرك من وقت الظهر ركعة أو تحريمة يلزمه الظهر، فكذلك إذا أدرك من وقت العصر، لأنا لا نعتبر إمكان فعل الصلاتين، فيكفي إدراك وقت مشترك.
والقول الثاني: أنه لا يلزم بل لا بد من زيادة أربع ركعات بعد ذلك القدر؛ لأنَّا إنما نجعلها مدركة للصلاتين حملاً على الجمع، وإنما يتحقق سورة الجمع، إذا تمت إحدى الصلاتين وبعض الأخرى في الوقت.
ثم الأربع الزائدة تقع في مقابلة الظهر أو العصر؟ فيه قولان: وليسا بمنصوصين لكنهما مخرجان، ولذلك عبر الصيدلاني وغيره عنهما بوجهين:
أصحهما: أن الأربع في مقابلة الظهر؛ لأنها السابقة، وعند الجمع لا بد من تقديمها وجوباً أو استحباباً على ما سيأتي في موضعه؛ ولأنه لو لم يدرك إلا قدر ركعة أو تحريمة -لما لزمه الظهر- على هذا القول الذي عليه تفرع وإذا زال قدر الأربع لزم الظهر، فدل على أن هذه الزيادة في مقابلة الظهر.
والثاني: أنها في مقابلة العصر لأن الظهر هاهنا تابعة للعصر في الوقت واللزوم،
فإذا اقتضى الحال الحكم بإدراك الصلاتين وجب أن يكون الأكثر في مقابلة المتبوع، والأقل في مقابلة التابع.
وفائدة هذا الخلاف الأخير لا يظهر في هذه الصورة، وإنما يظهر في المغرب والعشاء، وذلك أن في لزوم المغرب بما يلزم به العشاء قولين، كما في لزوم الظهر بما يلزم به العصر، أصح القولين: أنه يلزم به.
والثاني: لا بد من زيادة على ذلك.
فإن قلنا في الصورة الأولى: الأربع في مقابلة الظهر كفى هاهنا قدر ثلاث ركعات للمغرب، زيادة على ما يلزم به العشاء، وإن قلنا إنها في مقابلة العصر وجب أن يزيد قدر أربع ركعات.
وقوله في الكتاب: "حتى يتصور الفراغ من الظهر فعلاً، ثم يفرض لزوم العصر بعده".
المراد منه ما قدمناه أن سورة الجمع، إنما يتحقق إذا تمت إحدى الصلاتين، وبعض الأخرى (في الوقت) وتعيين الظهر ولزوم العصر بعده 1، كأنه مبني على أن الظهر لا بد من تقديمه عند الجمع.
قال الغزالي: وَهَل تُعْتَبَرُ مُدَّةُ الوُضُوءِ مَعَ الوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: وهل يعتبر مع القدر المذكور للزوم الصلاة الواحدة أو صلاتي الجمع إدراك زمان الطهارة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأن الصلاة إنما تمكن بعد تقديم الطهارة.
وأصحهما: لا، لأن الطهارة لا تختص بالوقت، ولا تشترط في الإلزام، وإنما تشرط في الصحة ألا ترى أن الصلاة تلزم على المحدث ويعاقب على تركها.
وإذا جمعت بين الأقوال التي حكيناها حصل عندك في القدر الذي تلزم به كل صلاة من إدراك آخر وقتها أربعة أقوال:
أصحها: قدر تكبيرة.
وثانيها: هذا مع زمان طهارة.
وثالثها: قدر ركعة.
ورابعها: هذا مع زمان طهارة، وفيما يلزم به الظهر مع العصر؟ ثمانية أقوال، هذه الأربعة.
وخامسها: قدر أربع ركعات مع تكبيرة.
وسادسها: هذا مع زمان طهارة.
وسابعها: قدر خمس ركعات.
وثامنها: هذا مع زمان طهارة.
وفيما يلزم به العشاء مع المغرب -مع هذه الثمانية- أربعة أخرى.
أحدها: ثلاث ركعات وتكبيرة.
والثاني: هذا مع زمان طهارة.
والثالث: أربع ركعات.
والرابع: هذا مع زمان طهارة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِنْ زَالَ الصِّبَا بَعْدَ أَدَاءِ وَظِيفَةِ الوَقْتِ فَلاَ يَجِبُ (ح وز) إِعَادَتُهَا، وَكَذَا يَوْمُ الجُمُعَةِ وَإِنْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الظُّهرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ بالسِّنِّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا وَقَعَ عَنِ الفَرْضِ.
قال الرافعي: جميع ما ذكرنا فيما إذا كان زوال العذر قبل أداء وظيفة الوقت؟ وهكذا يكون حال ما سوى الصِّبا من الأعذار، فإنها كما تمنع الوجوب تمنع الصحة.
فأما الصِّبا فيجوز أن يزول بعد أداء وظيفة الوقت، أو في أثنائها، لأنها لا تمنع الصحة وإن منع الوجوب، فإذا صلى الصبي وظيفة الوقت ثم بلغ وقد بقي شيء من الوقت إما بالسن أو بالاحتلام، فيستحب له أن يعيد وهل يجب عليه الإعادة؟ ظاهر المذهب -وهو المذكور في الكتاب- أنه لا يجب، لأنه أدى وظيفة الوقت وَصَحَّت منه فلا تلزمه الإعادة، كالأمة إذا صلت مكشوفة الرأس ثم عتقت والوقت باق -لا تعيد، وخرج ابن سريج أنه يجب الإعادة لأن ما أداه في حال الصغر واقع في حال النقصان، فلا يجزئ عن الفرض بعد حصول الكمال في الوقت، والمفعول مع النقصان كغير المفعول، وهذا مذهب أبي حنيفة والمزني، ورواه القاضي الروياني- عن مالك.
قال: وعن أحمد روايتان، ولا فرق عند ابن سريج، بين أن يكون الباقي من الوقت حين بلغ قليلاً أو كثيراً.
وعن الإصطخري أنه إن بلغ، والباقي من الوقت ما يسع لتلك الصلاة لزمت الإعادة، وإلا فلا.
ولو بلغ في أثناء الصلاة -وإنما يكون ذلك بالسن- فقد قال الشافعي -رضي الله عنه- "أحببت أن يتم ويعيد، ولا يتبين لي أن عليه الإعادة".
واختلفوا في معناه بحسب الاختلاف فيما إذا بلغ بعض الصلاة.
فقال جمهور الأصحاب: يجب الإتمام وتستحب الإعادة، أما وجوب الإتمام فلأن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب فيها فيلزمه إتمامها، وقد تكون العبادة تطوعاً في الابتداء ثم يجب إتمامها كحج التطوع، وكما إذا ابتدأ الصوم وهو مريض، ثم شفي، وكما لو شرع في صوم التطوع ثم نذر إتمامه يجب عليه الإتمام.
وأما استحباب الإعادة فليؤدي الصلاة في حال الكمال، ومعنى قوله: "أحببت أن يتم ويعيد" عند هؤلاء، هو استحباب الجمع بينهما، وهذا الوجه هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال: "وقع عن الفرض".
وقال ابْنُ سُرَيجٍ: الإتمام يستحب والإعادة واجبة وهذا خلاف قوله، ولا يبين لي أن عليه الإعادة، والإصطخري جرى على التفصيل الذي سبق.
وقال: إذا كان الباقي قدراً لا يسع للصلاة أشبه ما إذا بلغ في أثناء صوم يوم من رمضان لا يجب عليه القضاء؛ لأن الباقي لا يسع صوم يوم.
واعلم أن مسألة الصوم قد سلم فيها أبو حنيفة.
والمزني نفى القضاء، تعليلاً بما ذكره الإصطخري، واختلف سائر أصحابنا في تعليله، منهم من ساعدهم على هذا التعليل، وقال: بقية اليوم لا يسع الصوم ولا يمكن إيقاع بعضه في الليل بخلاف الصلاة يمكن إيقاع بعضها بعد خروج الوقت، ومنهم من علل بأن الصوم المأتي به صحيح واقع عن الفرض، وينبني على هاتين العلتين ما إذا بلغ وهو مفطر، فعلى التعليل الأول: لا قضاء عليه، وعلى الثاني: يجب.
وعن ابْن سريج: أنه يجب القضاء في الصوم كما في الصلاة بلغ مفطراً أو صائماً، هذا في غير الجمعة من الصلوات، أما إذا صلى الظهر يوم الجمعة، ثم بلغ -والجمعة غير فائتة بعد- هل يلزمه حضورها؟ من قال في سائر الصلوات تلزم الإعادة أولى أن يقول باللزوم هاهنا، ومن نفى الإعادة في سائر الصلوات، اختلفوا هاهنا على وجهين:
أحدهما: -وبه قال ابْن الحداد-: أنه يجب عليه الجمعة لأنه لم يكن من أهل الفرض حين صلى الظهر، وقد كمل حاله بالبلوغ بخلاف سائر الصلوات؛ لأنه بالبلوغ لا ينتقل إلى فرض أكمل مما فعل هاهنا ينتقل إلى الجمعة وهو أكمل من الظهر، ألا ترى أنها تتعلق بأهل الكمال، وبخلاف المسافر والعبد إذا صليا الظهر ثم أقام المسافر، وعتق العبد، وأدركا الجمعة لا تلزمهما جمعة، لأنهما حين صليا الظهر، كانا من أهل الفرض.
والوجه الثاني: وهو الأصح أنها لا تلزم كسائر الصلوات، ومنعوا قوله: "إنه ليس من أهل الفرض"؛ لأنه مأمور بالصلاة مضروب على تركها، ولا يعاقب أحد على ترك التطوع.
وعن الشيخ أبي زيد يُخَرَّج هذا الخلاف على الخلاف في أن المتعدي بترك الجمعة، هل يعتد بظهره قبل فوات الجمعة (لأن الصبي مأمور بحضور الجمعة، فإذا بلغ، ولم يصل الجمعة كان مؤدياً للظهر قبل فوات الجمعة) 1. ولا يخفى بعد حكاية هذه المذاهب، الحاجة إلى إعلام قوله: (فلا يجب إعادتها) بالحاء والميم والألف والزاي وبالواو أيضاً لما ذكره ابن سريج، والإصطخري، وكذا إعلام قوله: "وقع عن الفرض" بهذه العلامات، وكذا إعلام قوله: "وكذا يوم الجمعة" ما سوى الواو من العلامات.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَخْلُوَ أَوَّلُ الوَقْتِ، فَإذَا طَرَأَ الحَيْضُ وَقَدْ مَضَى مِنَ الوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الصَّلاةَ لَزِمَتْهَا وَلاَ يَلْزَمُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لاَ يَلْزَم مَا لَمْ تُدْرِكْ جَمِيعَ الوَقْتِ فِي صُورَة الطَّرَيَانِ، وَأَمَّا العَصْرُ فَلاَ يَلْزَمُ بِإدْرَاكِ أَوَّلِ الظُّهْرِ، لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لاَ يَصْلُحُ لِلْعَصْرِ فِي حَقِّ المَعْذُورِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ فِعْلِ الظُّهْرِ.
قال الرافعي: هذه الحالة الثانية عكس الأولى، وهي: أن يخلو أول الوقت عن الأعذار المذكورة، ثم يطرأ منها في آخر الوقت ما يمكن أن يطرأ منها -وهو الحيض، والنفاس، والجنون والإغماء، فأما الصِّبا فلا يتصور عروضه (والكفر) 1 وإن تصور عروضه، لكنه ردة 2 لا تسقط القضاء- كما سيأتي، فإذا حاضت في أثناء الوقت، نظر في القدر الماضي من الوقت إن كان قدر ما يسع لتلك الصلاة استقرت في ذمتها وعليها القضاء إذا طهرت، لأنها أدركت من الوقت ما يمكن فيه فعل الفرض، فلا يسقط بما يطرأ بعده، كما لو هلك النصاب بعد الحول وأمكن الأداء فلا تسقط الزكاة.
وعن مالك أنه لا تلزمها تلك الصلاة ما لم تدرك آخر الوقت، وبه قال أبو حنيفة.
قال الكرخي في "مختصره": وإن كانت طاهرة فحاضت في آخر الوقت، فلا قضاء عليها.
وخرج ابن سريج مثل ذلك على أصل الشافعي -رضي الله عنه- وقال: لا يلزم القضاء ما لم تدرك جميع الوقت، أخذاً مما لو سافر الرجل في أثناء الوقت، يجوز له القصر، وإن مضى من الوقت ما يسع الصلاة الثانية.
واعلم أن في تلك المسألة أيضاً تخريجاً مما نحن فيه، لأنه لا يقصر، وقد ذكر الاختلاف في المسألتين جميعاً في الكتاب في "باب صلاة المسافرين" نشرحه في موضعه -إن شاء الله تعالى- ثم على ظاهر المذهب المعتبر أخف ما يمكن من الصلاة، حتى لو طولت في صلاتها، فحاضت في أثنائها والماضي من الوقت يسمع تلك الصلاة لو خففت لزمها القضاء، ولو كان الرجل مسافراً فطرأ عليه جنون أو إغماء بعد ما مضى من وقت الصلاة المقصورة ما يسع ركعتين -لزمه قضاؤها، لأنه لو قصر لأمكنه أداؤها، ولا يعتبر مع إمكان فعل الصلاة زمان إمكان الطهارة من الوقت؛ لأن الطهارة يمكن تقديمها على الوقت إلا إذا لم يجز تقديم طهارة صاحب الواقعة على الوقت كالتيمم، وطهارة المستحاضة وإن كان الماضي من الوقت دون ما يسع لتلك الصلاة- لم تلزم تلك الصلاة.
وقال أبو يحيى البلخي 3 من أصحابنا: إذا أدرك من أول الوقت قدر ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين المذكورين في آخر الوقت لزمه القضاء، اعتباراً لأول
الوقت بآخره، حكاه أبو علي صاحب "الإفصاح" فمن بعده عنه، وخطأه فيما قال؛ لأنه لم يدرك من الوقت ما يتمكن فيه من فعل الفرض، فأشبه ما لو هلك النصاب بعد الحول، وقبل إمكان الأداء، ويخالف آخر الوقت؛ لأنه إذا أدرك جزءاً من الوقت أمكن البناء على ما أوقعه فيه بعد خروج الوقت، ثم ذكرنا في الحالة الأولى أن من الصلوات ما إذا أدرك صاحب العذر آخر وقتها لزمه التي قبلها معها، كالظهر يلزم بإدراك آخر وقت العصر، والمغرب يلزم بإدراك آخر وقت العشاء، وأما هاهنا فالعصر لا يلزم بإدراك وقت الظهر، ولا العشاء بإدراك وقت المغرب خلافاً لأبي يحيى البلخي، حيث قال: "إذا أدرك من وقت الظهر ثماني ركعات، ثم طرأ العذر لزمه الظهر والعصر، كما لو أدرك ذلك من وقت العصر، لزمه الصلاتان معا".
والفرق على ظاهر المذهب أن الحكم بلزوم الصلاتين إذا أدرك وقت العصر مأخوذ من الجمع بينهما عند قيام سببه، ولأن كل واحدة منهما مؤداه في وقت الأخرى، ومعلوم أن وقت الظهر إنما يكون وقتاً للعصر على سبيل تبعية العصر للظهر، ألا ترى أنه إذا جمع بالتقديم لم يجز له تقديم العصر على الظهر، فإذا لم يفعل الظهر فليس وقتها بوقت العصر، وأما وقت العصر فليس وقتاً للظهر على سبيل تبعية الظهر للعصر.
ألا ترى أنه إذا جمع بالتأخير جاز له تقديم الظهر على العصر، بل هو أولى على وجه، ومتعين على وجه كما سيأتي في "باب الجمع" وكان وقت العصر وقتاً للظهر من غير التوقف على فعل العصر، فلهذا المعنى افترق الطرفان.
جئنا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "فإذا طرأ الحيض، وقد مضى من الوقت مقدار ما يسع للصلاة" وليس المراد منه مطلق الصلاة، بل المراد أخف ما يمكن من الصلاة بصفة العصر، إن وجد المعنى المجوز للقصر على ما بيناه.
قوله: (لزمتها) معلم بالحاء والميم، لما قدمناه، ولا حاجَة إلى إعلامه بالواو إشارة إلى تخريج ابن سريج؛ لأن قوله بعد ذلك، وقيل: لا يلزم ما لم يدرك جميع الوقت في صورة الطريان، وهو ذلك التخريج.
ثمن اعلم أن الحكم بلزوم الصلاة إذا أدرك من الوقت ما يسعها لا يختص بما إذا كان المدرك من أول الوقت، بل لو كان المدرك من وسطه لزمت الصلاة أيضاً.
ونظيره ما إذا أفاق مجنون في أثناء الوقت، وعاد جنونه في الوقت، أو بلغ صبي ثم جن أو أفاقت مجنونة، ثم حاضت.
وقوله: "لا يلزم بأقل من ذلك" معلم بالواو للوجه المشهور عن البلخي.
وقد حكاه القاضي ابن كج عن غيره من الأصحاب أيضاً، وكذلك قوله: "فأما العصر فلا يلزم بإدراك أول الظهر" وليس لفظ الأول في قوله: "بإدراك أول الظهر" لتخصيص
الحكم به، فإن العصر لا يلزم بإدراك آخر وقت الظهر أيضاً؛ بل بإدراك جميعه، وإنما جرى لفظ الأول في مقابلة الآخر في الحالة الأولى.
وقوله: "لأن وقت الظهر لا يصلح للعصر... " إلى آخره المراد منه ما شرحناه في الفرق بين الأول والآخر، وأراد بالمعذور هاهنا الذي يجمع لسفر أو مطر، بخلاف ما في أول الفصل، فإنه أراد بالمعذور، ثم صاحب الضرورة على ما سبق إيضاحه.
واعلم أن الأخيرة من صلاتي الجمع، وإن لم يلزم بإدراك وقت الأولى، لكن الأولى منهما قد يلزم بإدراك وقت الأخيرة، كما أنها تلزم بإدراك آخر وقتها.
مثاله: إذا أفاق المغمى عليه في أول وقت العصر قدر ما يسع للعصر، والظهر جميعاً لزمتاه، فإن كان مقيماً، فالمعتبر قدر ثماني ركعات، وإن كان مسافراً يقصر كفى قدر أربع ركعات، ويقاس المغرب والعشاء في جميع ما ذكرناه بالظهر والعصر والله الموفق.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّالِثَةُ، أَنْ يَعُمَّ الْعُذْرُ جَمِيعَ الوَقْتِ فَيَسْقُطَ القَضَاءُ، وَلاَ تَلْتَحِقُ الرِّدَّةُ بِالكُفْرِ بَلْ يَجِبُ (م ح) القَضَاءُ عَلَى المُرْتَدِّ (م ح)، والصَّبِيُّ يُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينٍ، ويُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ الْعَشْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ علَيْهِ قَضَاءٌ، والإِغْمَاءُ فِي مَعْنَى الجُنُونِ (ح) قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِسُكْرِ أَوْ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ لاَ يُسْقِطُ القَضَاءَ، وَلَوْ سَكِرَ ثُمَّ جُنَّ فَلاَ يَقْضِي أَيَّامَ الجُنُونِ، وَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ قَضَى أَيَّامَ الجُنُونِ، وَلَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ سَكِرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لاَ يَلْزَمُهَا قَضَاءُ أَيَّامِ الحَيْضِ، لِأَنَّ سُقُوطَ القَضَاءِ عَنِ المَجْنُونِ رُخْصَةٌ وَعَنِ الحَائِضِ عَزِيمَةٌ.
قال الرافعي: قوله: أن يعم العذر جميع الوقت فيه شيئان:
أحدهما: أنه فسر العذر قبل بما يسقط القضاء، والمراد ما إذا استغرق جميع الوقت كما تقدم فكأنه قال: إن يعم ما يسقط القضاء فيسقط، وغير هذا أجود منه، وليس في قولنا إذا وجد ما يسقط القضاء يسقط القضاء [وليس] في مثل هذا المقام كثير فائدة.
والثاني: أن قوله: "جميع الوقت" ليس المراد منه الأوقات المخصوصة بالصلوات وكيف وقد ذكرنا أنه إذا زالت الضرورة في آخر وقت العصر لزم الظهر أيضاً مع أنه عم العذر جميع وقت الظهر، فإذاً المراد منه وقت الرفاهية والضرورة جميعاً.
وغرض الفصل أن الأسباب المانعة من لزوم الصلاة -وقد عددناها من قبل- مسقطة للقضاء.
أما الحيض فإنه يمنع وجوب الصلاة وجوازها، ويسقط القضاء على ما سبق في "كتاب الحيض".
وأما الكافر الأصلي مخاطب بالشرائع على أشهر وجهي أصحابنا في الأصول، لكن إذا أسلم لا يجب عليه قضاء صلوات أيام الكفر لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 1 المعنى فيه أن إيجاب القضاء ينفره عن الإسلام، والردة لا تلحق بالكفر بل يجب على المرتد قضاء صلوات أيام الردّة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: الردة تسقط قضاء الصلوات أيام الردة والصلوات المتروكة قبلها أيضاً.
لنا أنه التزم الفرائض بالإسلام فلا يسقط عنه بالردة كحقوق الأدميين.
فأما الصبي فلا تجب عليه الصلوات قال -صلى الله عليه وسلم-: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ" 2 فلا يؤمر أحد ممن لا تجب عليه الصلاة بفعلها سوى الصبي فإنه يؤمر بها إذا بلغ سبع سنين، ويضرب على تركها إذا بلغ عشراً لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ واضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" 3.
قال الأئمة: فيجب على الآباء والأمهات تعليم الأولاد الطهارة والصلاة والشرائع بعد السَّبْعِ، والضرب على تركها بعد العشر، وذكروا في اختصاص الضرب بالعشر معنيين:
أحدهما: أنه زمان احتمال البلوغ بالاحتلام فرُبَّمَا بلغ ولا يصدق.
والثاني: أنه حينئذ يقوى ويحتمل الضرب.
واحتج بعض أصحابنا بهذا على أنه لا يجوز أن يختن الصبي قبل العشر؛ لأن ألم الختان فوق ألم الضرب، ويؤمر بالصَّوْمِ أيضاً إن أطاقه كما يُؤمر بالصَّلاَةِ، وأجرة تعليم الفرائض من مال الطفل، فإن لم يكن له مال فعلى الأب، وإن لم يكن فعلى الأم.
وهل يجوز أن تعطى الأجرة من مال الطفل على تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض من القرآن والأدب؟ فيه وجهان 1.
وأما المجنون فلا صلاة عليه أيضاً؛ للخبر، والأصل أن من لا تجب عليه العبادة لا يجب قضاؤها، وإنما خالفنا ذلك في حق النائم والناسي؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 2، والإغماء في معنى المجنون يستوي قليله وكثيره في إسقاط القضاء إذا استغرق وقت العذر والضرورة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تسقط الصلاة بالإغماء ما لم يزد على يوم وليلة، ولأحد حيث قال: إنه لا يسقط القضاء قَلَّ أو كثرَ.
لنا القياس على المجنون، ولا يلحق بالجنون زوال العقل بسبب محرم كشرب مسكر، أو دواء مزيل للعقل، بل يجب عليه القضاء؛ لأنه غير معذور وهذا إذا تناول الدواء وهو عالم بأنه مزيل للعقل من غير حاجة كما إذا شرب المسكر وهو عالم 3 أنه مسكر، أما إذا لم يعلم أن الدواء مزيل للعقل، وأن الشراب مسكر فلا قضاء عليه كما في الإغماء، ولو عرف أن جنسه مسكر لكن ظن أن ذلك القدر لا يسكر لقلته فليس ذلك بعذر.
ولو وثب من موضع لحاجة فزال عقله فلا قضاء عليه، وإن فعله عبثًا قضى، ثم في الفصل فرعان:
أحدهما: لو ارتد ثم جن قضى أيام المجنون وما قبلها إذا أفاق وأسلم تغليظاً على المرتد.
ولو سكر ثم جن قضى بعد الإفاقة صلوات المدة التي ينتهي إليها السكر لا محالة.
وهل يقضي صلوات أيام المجنون؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن السكران يغلظ عليه أمر الصلاة كما يغلظ على المرتد، وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يقضي أيام المجنون.
والفرق أن من جن في ردته مرتد في جنونه حكماً، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعاً.
الثاني: لو ارتدت المرأة ثم حاضت أو سكرت فلا تقضي أيام الحيض، ولا فرق بين اتصالها بالرّدة واتصالها بالسكر، بخلاف المجنون، حيث افترق الحال بين اتصاله بالردة وبين اتصاله بالسكر.
والفرق أن سقوط القضاء عن الحائض ليس من باب الرخص والتخفيفات بل هو عزيمة، فإنها مكلفة بترك الصلاة، والمجنون ليس مخاطباً بترك الصلاة، كما ليس مخاطباً بفعلها، وإنما أسقط القضاء عنه تخفيفاً، فإذا كان مرتدًّا لم يستحق التخفيف، ومما يوضح الفرق أنها لو شربت دواء حتى حاضت لا يلزمها القضاء، بخلاف ما لو شربت دواء يزيل العقل، وكذلك لو شربت دواء حتى ألقت الجنين ونفست، لا يجب عليها قضاء الصلوات على المذهب الصحيح؛ لأن سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء عزيمة.
فالحاصل أن من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء، فإذا لم يؤمر كان تخفيفاً.
ومن أمر بالترك فامتثل الأمر، لا يتوجه أن يؤمر بالقضاء (1)، وهذا يشكل لفصل الصوم، فإن الحائض مأمورة بترك الصوم ثم تؤمر بالقضاء؛ إلا أن ذلك معدول به عن القياس اتباعاً للنص.
والمواضع المستحقة للعلامات من الفصل بينة، والذي لا بأس بذكره قوله: "ولو ارتد ثم جن قضى أيام المجنون" ينبغي أن يعلم: قوله: "قضى" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا قضاء في الرّدة فكيف يؤثر في إيجاب قضاء أيام المجنون؟
الفَصْلُ الثَّالِثُ
في الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ
قال الغزالي: وَهِيَ خَمْسَةٌ، بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الطُّلُوعِ إِلَى أَنْ يَرْتَفِعَ قُرْصُ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الاسْتِوَاءِ إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ تَمَامِ الغُرُوبِ.
قال الرافعي: الأوقات المكروهة خمسة: وقتان: تعلق النهي فيهما بالفعل، وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشَّمْسُ.
روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" 2 ووجه تعلق النهي فيهما بالفعل أن صلاة التطوع فيهما مكروهة لمن صلى الصبح 3 والعصر دون من لم يصلهما، ومن صلاهما، فإن عجلهما في أول الوقت طال في حقه وقت الكراهية، وإن أخرهما قصر.
وثلاثة أوقات: يتعلق النهي فيهما بالزمان:1
[الأول]: وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح ويستولي سلطانها بظهور شعاعها، فإن الشعاع يكون ضعيفاً في الإبتداء.
[الثاني]: وعند استواء الشمس حتى تزول.
[الثالث]: عند اصفرار الشمس حتى يتم غروبها؛ لما روي: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإذَا ارْتَفَعَت فَارَقَهَا، ثُمَّ اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوب قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرُبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى عَنِ الصَّلاَةِ فِي هذِهِ الأَوْقَاتِ".
وقوله: "ومعها قَرن الشيطان"، قيل: معناه قوم الشيطان وهم عبدة الشمس يسجدون لها في هذه الأوقات، نهى عن الصلاة فيها لذلك.
وقيل: معناه أن الشيطان يقرب رأسه من الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجد للشمس ساجدًا له، ولك أن تُعَلِّم قول المصنف "إلى أن يرتفع قرص الشمس" بالواو؛ لأن من الأصحاب من قال: يخرج وقت الكراهية بطلوع القرصة بتمامها، ولم يعتبر الارتفاع.
وإيراده في "الوسيط" يشعر بترجيح هذا الوجه، وظاهر المذهب الوجه الأول، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا" 1.
واعلم أن حالة الاصفرار داخلة في الوقت الثاني، وهو ما بعد العصر حتى تغرب الشمس، لكن في حق من صَلَّى العصر -وحالة الطلوع إلى الارتفاع- متصلة بما بعد الصبح في حق من صلى الصبح، وذكر بعضهم في العبارة عن الوقت الأول من أوقات الكراهية أنه ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وعلى هذا فتنقص أوقات الكراهية عن الخمسة، وربما انقسم الواحد منها إلى متعلق بالفعل، وإلى متعلق بالزمان.
قال الغزالي: وَذَلِكَ في كُلِّ صَلاَةٍ لاَ سَبَبَ لَهَا بِخِلاَفِ الفَائِتَةِ وَصَلاة الجَنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلاَوَةِ وَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَفِي الاسْتِسْقَاءِ تَرَدُّدٌ، وَرَكْعَتَا الإحْرَامِ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَأخِّرٌ.
قال الرافعي: الأوقات المكروهة لا ينهى فيها عن الصلاة على الإطلاق، بل عن بعض أنواعها، وما ورد فيها من النهي المطلق محمول على ذلك البعض، فالغرض من هذا الفصل بيان ما ينهى عنه من الصلوات في هذه الأوقات وما لا ينهى عنه.
وقوله: "وذلك في كل صلاة لا سبب لها" أي النهي والكراهة.
وقول الأصحاب في هذا المقام: صلاة لا سبب لها، وصلاة لها سبب، ما أرادوا
به مطلق السبب.
إذ ما من صلاة إلا ولها سبب، ولكن أرادوا بقولهم: "صلاة لها سبب" أن لها سبباً متقدماً على هذه الأوقات أو مقارناً لها، وبقولهم: صلاة لا سبب لها أي ليس لها سبب متقدم ولا مقارن، فعبروا بالمُطْلَقِ عن المُقَيَّدِ، وقد يفسر قولهم: "لا سبب لها" بأن الشارع لم يخصها بوضع وشرعية، بل هي التي يأتي بها الإنسان ابتداء وهي النوافل المطلقة، وعلى هذا التفسير فكل ما لا سبب له مكروه ولكن كل ما له سبب ليس بجائز.
ألا ترى أن ركعتي الإحرام لهما سبب بهذا التفسير.
وهما مكروهتان كما سنذكر إن شاء الله، ولفظ الكتاب يوافق التفسير الأول؛ لأنه خص النهي والكراهة بما لا سبب له من الصلوات، ثم إنه عد أنواعاً من الصلوات التي لها سبب، فمنها الفائتة فلا تكره في هذه الأوقات، لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ، أَوْ نَسِيَهَا، فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا لاَ وَقْتَ لَهَا غَيْرُهُ" 1.
ويستوي في الجواز قضاء الفرائض والسُّنَنِ والنوافل التي اتخذها وِرْداً له.
ومنها صلاة الجنازة.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا عَلِيُّ لاَ تُؤَخِرْ أَرْبَعَاً" 2. وذكر منها: الجنازة إذا حضرت.
ومنها: سجود التلاوة.
فلا يكره في هذه الأوقات؛ لأن سبب سجدة التلاوة قراءة القرآن، وهي مقارنة لهذه الأوقات، فلا يؤخر عن وقتها، وفي معناه سجود الشكر، فإن سببه السرور الحادث فليس ذكرهما في هذا الموضع، لكونهما من أنواع الصلاة، لكن لأنهما كالصلاة في الشرائط والأحكام.
ومنها تحية المسجد، فإن اتفق دخوله في هذه الأوقات -لغرض في الدخول- كاعتكاف، ودرس علم، وقراءة فيه لم تكره التحية بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" 3، ولأن سبب التحية هو الدخول في المسجد، وقد اقترن بهذه الأوقات، ولو دخل في هذه الأوقات ليصلي التحية لا لحاجة في الدخول فهل يكره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لما سبق، وأقيسهما نعم، كما لو أخر الفائتة ليقضيها في هذه الأوقات، ويدل عليه ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَغُرُوبِهَا" 1، ومنهم من لا يفصل ويجعل في التحية وجهين على الإطلاق، وينسب القول بالكراهية إلى عبد الله الزبيري -رضي الله عنه- وليكن قوله: وتحية المسجد" معلماً بالواو، لما حكيناه.
ومنها: ركعتا الطواف فلا يكرهان في هذه الأوقات؛ لأنهما يؤديان بعد الطواف، فسببهما موجود في هذه الأوقات.
ومنها صلاة الاستسقاء وفيها وجهان: عبر عنهما المصنف بالتردد.
أحدهما: إنما يكره؛ لأن الغرض منها الدعاء والسؤال وهو لا يفوت بالتأخير، فأشبهت صلاة الاستخارة، وهذا هو الذي ذكره صاحب "التهذيب" وآخرون.
وأظهرهما: لا تكره؛ لأن الحاجة الداعية إليها موجودة في الوقت، ومن قال بهذا قد يمنع الكراهة في صلاة الاستخارة أيضاً، ومن هذه الصلوات صلاة الخسوف فإنها لو أخرت عن هذه الأوقات فربما انجلت الشمس، وفاتت الصلاة.
ومنها: إذا تطهر في هذه الأوقات جاز له أن يصلي ركعتين، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لبلال: "حَدَّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي إلا أَنِّي لَمْ أَتَطَّهَّرَ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلاَّ صَلَّيْتُ بِذلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِيَ أَنْ أُصَلِّي" 2. وهل يلحق ركعتا الإحرام بهذه الصلوات؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لحاجته إلى الإحرام في هذه الأوقات بالحج أو العمرة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: لا؛ لأن سببهما الإحرام وهو متأخر عنهما، وقد يتفق بعدهما، وقد يعوق دونه عائق؛ ولك أن تعلم قوله: "وذلك في كل صلاة لا سبب لها"، بالحاء؛ لأنه يقتضي حصر النهي في الصلاة التي لا سبب لها في الأوقات الخمسة جميعاً.
وعند أبي حنيفة: الوقتان اللذان يتعلق النهي فيهما بالفعل يكره فيهما التطوع ولا يكره فيهما الفرض، ولا بأس بأن يصلي فيهما على الجنازة، ويقضي فوائت الفرائض، ويسجد للتلاوة والسهو، ولكن لا يصلي المنذورة ولا ركعتي الطواف والتطوعات.
وأما في الأوقات الثلاثة فلا تجوز صلاة ما إلاَّ عصر اليوم عند غروب الشمس، فلو دخل في تطوع قال: يقطعه ويقضيه في الوقت المأمور به، فلو مضى فيه أساء وأجزأه، وإن صلى فيها فرضاً أو واجباً أعاد إلا عصر يومه، وصلاة الجنازة، وسجدة
التلاوة، ولك أن تعلمه بالميم والألف أيضاً؛ لأنه روي عن مالك: أنه يقضي الفرائض في الأوقات الخمسة، ولا يصلي فيها النافلة، سواء كان لها سبب أو لم يكن، وبه قال أحمد، واستثنى على مذهبه ركعتا الطواف وصلاة الجماعة مع إمام الحي، وأبو حنيفة يكره إعادتها في الجماعة.
لنا ما تقدم، وأيضاً ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُمَا فَقَالَ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ" 1.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- "رَأَى قَيْسَ بنَ فَهْدٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَقَالَ: مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ" 2 ويتبين مما نقلناه أنه لو علم الفائتة وما بعدها بالحاء لجاز.
قال الغزالي: وَقَدْ وَرَدَ الخَبَرُ بِاسْتِثْنَاءِ يَوْمِ الجُمُعَةِ عَن الكَرَاهِيَةِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذلِكَ بِمَنْ يَغْشَاهُ النُّعَاسُ عِنْدَ حُضُورِ الجُمُعَةِ، وَوَرَدَ أَيْضًا بِاسْتِثْنَاءِ مَكَّةَ فَلاَ يُكْرَهُ فِيهَا صَلاَةٌ وَلاَ طَوَافٌ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ.
فَرْعٌ: لَوْ تَحْرَّمَ بِالصَّلاَةِ فِي وَقْتِ الكَرَاهِيَةِ انْعَقَدَتْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَالصَّلاَةِ فِي الحَمَّامِ.
قال الرافعي: الصلاة المنهى عنها في الأوقات الخمسة على التفصيل الذي وضح، لا ينهى عنها على الإطلاق عندنا بل يستثنى عنها زمان ومكان.
أما الزمان فهو يوم الجمعة، فيسثنى وقت الاستواء يوم الجمعة، ولا تكره فيها التطوعات خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ صَلاَةٍ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" وهل يستثنى باقي الأوقات الخمسة يوم الجمعة فيه وجهان:
أحدهما: نعم كوقت الاستواء، تخصيصاً للجمعة وتفضيلاً وقد روي: "إِنَّ جَهَنَّمَ لاَ تُسَجَّرُ 3 يَوْمَ الْجُمُعَةِ".
وأصحهما: لا؛ لأن الرخصة قد وردت في وقت الاستواء فيبقى الباقي على عموم النهي.
فإن قلنا بالوجه الأول جاز التنقل في وقت الاستواء وغيره، وإن قلنا بالثاني فهل يجوز ذلك لكل واحد.
فيه وجهان:
أحدهما: نعم لمطلق قوله: "إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" وإيراد المصنف يقتضي ترجيح هذا الوجه، لأنه حكم بالاستثناء.
ثم رُوي عن بعضهم تخصيص الاستثناء بمن يغشاه النعاس، وبترجيحه قال صاحب "التهذيب" وغيره.
واحتجوا عليه أيضاً بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "كَرِهَ الصَّلاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: "إنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" 1.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز التنفل لكل أحد؛ لأن المعنى المرخص لا يشمل الكل، وذكروا في الترخيص معنيين.
أحدهما: أن الناس عند الاجتماع يوم الجمعة يشق عليهم مراعاة الشَّمْسِ والتمييز بين حالة الاستواء وما قبلها وما بعدها، فخفف الأمر عليهم بتعميم الترخيص.
والثاني: أن الناس يبتكرون إليها فيغلبهم النوم فيحتاجون إلى طرد النعاس بالتنفل كيلا يبطل وضوءهم فيفتقرون في إعادة الوضوء إلى تخطي رقاب الناس، فعلى هذين المعنيين جميعاً المتخلف القاعد في بيته وقت الاستواء لعذر أو غير عذر ليس له التنفل فيه، وأما الذي حضر الجمعة، فقضية المعنى الأول تجويز التنفل له مطلقاً، وقضية المعنى الثاني تخصيص الجواز بالذي يبتكر إليها ثم يغلبه النعاس، أما الذي لم يبتكر ولم يُؤْذِهِ النعاس فلا يجوز له ذلك، وقول صاحب الكتاب: "وقيل: يختص ذلك بمن يغشاه النعاس عند حضور الجمعة" يوافق المعنى الثاني من جهة اعتبار غشيان النعاس، ولكن قضية تجويز التنفل بمن يغشاه النعاس وإن لم يبتكر إليها، وفي كلام غيره ما يقتضي اعتبار التبكير وكون غلبة النعاس لطول الانتظار.
واعلم أن قوله: "وقد ورد الخبر باستثناء يوم الجمعة عن الكراهية" ظاهره يقتضي استثناء جميع الأوقات الخمسة كما حكيناه وجهاً عن بعض الأصحاب، ولكن قوله: "وهل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس؟ " يبين أنه أراد بالأول وقت الاستواء لا غير، وفيه اشتهر الخبر وهو الأصح في المذهب، وأما المكان فقد روي عن أبي ذر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاةَ
الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ إِلاَّ بِمَكَّةَ" 1.
واختلف الأصحاب في هذا الاستثناء ومنهم من قال: مكة كسائر البلاد في أوقات الكراهة والاستثناء لركعتي الطواف، فإن له أن يطوف متى شاء وإذا طاف بالبيت يصلي ركعتي الطواف؛ لأنها صلاة لها سبب، والأصح وهو المذكور في الكتاب أن مكَّة، تخالف سائر البلاد لشرف البقعة وزيادة لفضيلة الصلاة فلا يحرم فيها عن استكثار الفضيلة بحال ويدل عليه ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مَنْ وَليَ مِنْكُمْ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شيَئاً فَلاَ يَمْنَعَنَّ أَحَداً طَافَ بِهذَا الْبَيْتِ أَوْ صَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" 2.
وليكن قوله: "فلا يكره فيها صلاة" معلماً بالواو للوجه الأول وبالحاء والميم، لأن عندهما لا فرق بين مكة وسائر البلاد، ثم ليس المراد من مكة نفس البلد بل جميع الحرم للإستواء في الفضيلة.
وفي وجه: يختص بالاستثناء المسجد الحرام، وما عداه كسائر البلاد، والمشهور الصحيح الأول، ومتى ثبت النهي والكراهة فلو تحرم بالصلاة في الأوقات 3 المنهية هل ينعقد، أم لا؟ هذا هو الذي رسمه فرعاً في الكتاب، وفيه وجهان:
أحدهما: نعم كالصلاة في الحمام، لا خلاف في انعقادها مع ورود النهي.
وأظهرهما: لا كما لو صام يوم العيد لا يصح، وعلى هذين الوجهين يخرج ما لو نذر أن يصلي في الأوقات المنهية، إن قلنا: تصح الصلاة فيها، يصح النذر، وإن قلنا: لا تصح فلا يصح النذر كما لو نذر صوم يوم العيد: فإن صححنا النذر فالأولى أن يصلي في وقت آخر، كمن نذر أن يضحي شاة بسكين مغصوب يصح نذره ويذبحها بسكين غير مغصوب.
وأما إذا نذر صلاة مطلقاً فله أن يفعلها في الأوقات المكروهة فإنها من الصلوات التي لها سبب كالفائتة، وتختم الفصل بشيئين:
أحدهما: أن قوله في أول الفصل: "في الأوقات المكروهة وهي خمسة" يقتضي العصر في الخمسة المذكورة، وهو المشهور، والحصر في الخمسة حكم بإثبات الخمسة ونفي الزائد لكن في كلام الأصحاب حكاية وجهين في أن بعد طلوع الفجر هل يكره ما سوى ركعتي الفجر من النوافل أم لا؟
أحدهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، إِلاَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ" 1.
والثاني: لا، وبه قال مالك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" 2. والمفهوم من صلاة الصبح هو الفريضة، فالتخصيص بالفريضة يدل على عدم الكراهة قبلها.
والوجه الثاني: هو الذي يوافق كلام معظم الأصحاب حيث قالوا بأن النهي في الوقتين يتعلق بالفعل، وإلا فإذا ثبتت الكراهة من طلوع الفجر لم يختلف زمان الكراهة بتقديم الصبح وتأخيرها طولاً وقصرًا، وهذا استدلال بين على ترجيح هذا الوجه، وصرح به الشيخ أبو محمد وغيره.
لكن ذكر صاحب "الشامل" أن ظاهر المذهب هو الوجه الأول، ولم يورد في "التتمة" سواه، وإن قلنا: به دخل وقت الكراهية بطلوع الفجر، فإن عد ما قبل صلاة الصبح وقتاً بانفراده -زاد الأوقات المكروهة على خمسة، وإن جعل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقتاً واحداً، وأدرجنا وقت الاصفرار فيما بعد صلاة العصر- كما سبق، عادت الأوقات المكروهة إلى أربعة وأن نضم حالة الطلوع إليه فتعود الأوقات المكروهة إلى ثلاثة، والشيخ أبو إسحاق الشَّيرَازِيُّ في آخرين ما أطلقوا الوجهين في الكراهة، من حين طلوع الفجر لكن نقلوا الوجهين في كراهة التنفل بعد ركعتي الفجر، وذلك يقتضي الجزم بنفي الكراهة قبل أن يصلي ركعتي الفجر.
وما يتعلق بالحصر على بينته، لا يختلف بالطريقتين:
الثاني: إذا فاتته راتبة أو نافلة اتخذها وِرْداً فقد ذكرنا أنه يجوز أن يقضيها في أوقات الكراهة ويدل عليه ما سبق من حديث أم سلمة.
ثم إذا فعل ذلك، فهل له أن يداوم على تلك الصلاة في وقت الكراهة فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دَاوِمْ عَلَىَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ" 3. وعليه حمل ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:
"مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْتينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ" (1). وأصحهما: أنه لا يجوز لعموم الأخبار الناهية وما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان مخصوصاً به فإنه كان يداوم على عمل، وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ، وَينْهِي عَنْهَا" (2). فإن قلنا: بالأول فهذه الحالة، مما تستثنى عن عموم إخبار النهي.
الْبَابُ الثَّانِي فِي الأَذَانِ
وَفِيهِ ثَلاَثةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ سُنَّةٌ عَلَى أَظْهَرِ الرَّأْيَيْنِ فِي الجَمَاعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَوَاتِ الرِّجَالِ فِي كُلِّ مَفْرُوضَةِ مُؤَدَّاةٍ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي المَسْجِدِ المَطْرُوقِ قَوْلاَنِ، وَفِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ أَنَّهَا تُقِيمُ وَلاَ تُؤَذِّنُ وَلاَ تَرْفَعُ الصَّوْتَ بِحَالٍ، وَفِي المُنْفَرِدِ فِي بَيْتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ إِنَّمَا يُؤَذِّنُ إِذَا انْتَظَرَ حُضُورَ جَمْعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُؤَذِّنُ فَفِي إِقَامَتِهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يُؤَذِّنُ فَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلاَ أَذَانَ فِي غَيْرِ مَفرُوضَةٍ كَصَلاَةِ الخُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ وَصَلاَةِ الجَنَازَةِ وَالعِيدَينِ، بَل يُنَادِي لَهَا الصَّلاة جَامِعَةً، وَفِي الصَّلاَةِ الفَائِتَةِ المَفْرُوضَةِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ يُقِيمُ وَلاَ يُؤَذِّنُ (ح) وَلَو قَدَّمَ العَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ أَخَّرَ الظُّهْرِ إلَى العَصْرِ يُؤَدِّيهِمَا بِإقَامَتَيْنِ (ح) بِلاَ أَذَانٍ (و) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظُّهْرَ كَالفَائِتَةِ فَلاَ يُؤَذَّنُ لَهَا.
قال الرافعي: لا شك أن الأذان دعاء إلى الصلاة إعلام للوقت، ولكن لا يدعى به12 = الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس وفيه: ثم لم يعد لهما، وهو من رواية جرير عن عطاء بن السائب، وإنما سمع منه بعد الاختلاط، نعم في البخاري ومسلم من حديث عائشة "ما تركهما قط عندها" وفي رواية "ما تركهما حتى لقي الله".
إلى كل صلاة، بل إلى بعض الصلوات، وليس دعاء على أي وجه اتفق بل له كيفية مخصوصة، ولا يدعو به كل أحد بل بعض الناس، فتمس الحاجة إلى بيان الصلاة التي هي محل الأذان، وبيان كيفية الأذان وصفات المؤذن؛ فتكلم في هذه الأمور في ثلاثة فصولها وافتتح القول في الأول يذكر الخلاف في أنه سنة أم فرض كفاية؟ ولو قدم هذه المسألة على الفصول أجمع، وقصر كلام الفصل الأول على بيان الصلوات التي تشرع فيها الأذان سُّنة كان أم فرضا كان أليق بترجمة الفصل، وكذلك فعل في "الوسيط"؛ واختلفوا في الأذان والإقامة أهما سنتان أم فرضاً كفاية؟ على ثلاثة أوجه:
أصحهما: أنهما سنتان لأنهما للإعلام، والدعاء إلى الصلاة، فصار كقوله: "الصلاة جامعة" في العيدين ونحوهما، ولأَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-: "جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَأَسْقَطَ الأَذَانَ مِنَ الثَّانِيَةِ" 1. والجمع سنة، فلو كان الأذان واجباً لما تركه لسنة.
والوجه الثاني: أنهما فرضا كفاية لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإذَا حَضُرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ" 2.
وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه من شعائر الإسلام فليؤكد بالفرضية، وهذان الوجهان هما اللذان أرادهما المصنف بالرأيين.
والثالث: أنهما مسنونتان في غير الجمعة، وفرضا كفاية في الجمعة؛ لأنها اختصت بوجوب الجماعة فيها فاختصت بوجوب الدعاء إليها، وبالوجه الثالث قال ابن خيران، ونسبه القاضي ابن كج والشيخ أبو حامد إلى أبي سعيد الإصطخري، ونسب آخرون إلى أبي سعيد الوجه الثاني دون الثالث، فإن قلنا: هما سُّنة فلو اتفق أهل بلدٍ على تركها، هل يقاتلون عليه فيه وجهان:
أصحهما: لا، كسائر السنن.
والثاني: نعم ينسب إلى أبي إسحاق المروزي، لأنه من شعائر الإسلام فلا يمكن من تركه، وإن قلنا: هما فرضا كفاية فإنما يسقط الحرج بإظهارهما في البلدة أو القرية بحيث يعلم جميع أهلها أنه قد أذن فيها لو أصغوا؛ ففي القرية الصغيرة يؤذن في موضع واحد، والبلدة الكبيرة لا بد منه في مواضع ومحال، فلو امتنع قوم منها قوتلوا، ومن قال: بافتراضهما في صلاة بالجمعة خاصة فقد اختلفوا؛ منهم من قال: الأذان الواجب هو الذي يقام بين يدي الخطيب فإنه الذي يختص الجمعة فلا يبعد إيجابه كالجماعة والخطبة وغيرهما، وهذا ما حكاه الشيخ أبو محمد عن أحمد بن سيار من
أصحابنا 1؛ قال الشيخ: ووجدت لفظ الوجوب في هذا الأذان لفظا للشافعي -رضي الله عنه- فلعله أراد توكيد أمره.
ومنهم من قال: يسقط الوجوب بالأذان الذي يؤتى به لصلاة الجمعة وإن لم يكن بين يدي الخطيب.
ولك أن تعلم قوله: "مشروع سنة" بالألف؛ لأن بعض أصحاب أحمد ذكر: أن الأذان والإقامة فرضان على الكفاية عندهم وبالميم؛ لأن في تعاليق الشيخ أبي حامد أن مالكاً يقول بوجوب الأذان، ويلزم الإعادة ما بقي من الوقت، فإن ذهب الوقت وصلى من غير أذان جاز.
ونعود بعد هذا إلى بيان محل الأذان وقد ضبطه المصنف فقال: "محله الجماعة الأولى من صلاة الرجال في كل مفروضة مؤداة" وفيه خمسة قيود: أولها الجماعة فالمنفرد في الصحراء أو في العصر هل يؤذن؟ الجديد: أنه يؤذن لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَأذِّنْ وَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ صَوْتَكَ حَجَرٌ وَلاَ شَجَرٌ وَلاَ مَدَرٌ إِلاَّ شَهِدَ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 2.
وحكى عن القديم: أنه لا يؤذن، لأن المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد، وقال بعض أصحابنا: إن كان يرجو حضور جمع أذن وإلا فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان ينتظر حضور غلمانه ومن معه في البادية.
هذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان المؤذنين، فأما إذا بلغه بالخلاف فيه مرتب على هذا فالخلاف، وأولى بأن لا يؤذن كآحاد الجمع، فإن قلنا: لا يؤذن المنفرد فهل يقيم فيه وجهان:
أحدهما: لا كالأذان، وأصحهما نعم؛ لأنها للحاضرين فيقيم لنفسه، وإذا قلنا: يؤذن فهل يرفع الصوت؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لحديث أبي سعيد.
والثاني: إن انتظر حضور جمع رَفَع، وإلا فلا، ولا شك في أنه إذا أذن يقيم.
واعلم أن هذا الترتيب يشتمل عليه كلام إمام الحرمين وهذا الذي اقتبسه منه