العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 172-211

قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي الصَّوْمِ وَالفِطْرِ (أَمَّا الصَّوْمُ) فَالنَّظَرُ فِي سَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَسُنَنِهِ (أَمَّا السَّبَبُ) فَرُؤْيَةُ الهِلاَلِ وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةَ وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِ احْتِيَاطاً لِلْعِبَادَةِ بِخِلاَف هِلاَلِ شَوَّالٍ، وَيثْبُتُ بِمَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ عَلَى قَوْلٍ سُلُوكاً بِهِ مَسْلَكَ الأَخْبَارِ، فَإِنْ صُمْنَا بِقَوْلِ وَاحِدٍ وَلَمْ نَرَ هِلاَلَ شَوَّالٍ بَعْدَ ثَلاَثِينَ لَمْ نُفْطِر بِقَوْلهِ السَّابِقِ، وَقِبلَ: نَفْطِرُ لِأَنَّ الأخِيرَ يَثْبُتُ ضِمْنًا لِثُبُوتِ الأَوَّلِ لاَ قَصْداً بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
قال الرافعي: قال الله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ 1 الآيات، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" 2 الحديث، وذكر للأعرابي الذي سأله عن الإسلام: "صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ" 3. وقوله: في صدر الكتاب: (والنظر في الصوم والفطر) لم يعن به مطلق الصَّوْمِ والفِطْر، وإنما عني بهِ صَوْمَ رَمَضَان، والفطر الواقع فيه، ألا ترى أنه قال في آخر الكتاب: (أما صَوْمُ التطوع فكذا) أشار إلى أن ما سبق كلام في الصَّوم المفروض، وأيضاً فإنه قال: (والنظر في سببه) ومعلوم أن المذكور سَبَبُ صَوْمِ رَمَضَان لا سبب مطلق صَوْمِ الفَرْضِ وهو أعم منه، وهو الصوم.
وأيضاً فإن القسم الثاني معقود في مبيحات الإفْطَار وموجباته، وهي مخصوصة = ولو كان نصفه مكاتباً حيث يتصور ذلك في العبد المشترك، إذا جوَّزنا كتابة بعضه باذن الشريك، وجب نصف صاع على مالك نصفه القن، ولا شيء في النصف المكاتب، ومثله عبد مشترك بين معسر وموسر، يجب على الموسر نصف صاع، ولا يجب غيره ينظر الروضة (168، 169)

بِصَوْمِ رَمَضَانَ، إلا أن معظم الكلام المذكور في نَظَرِي الركن، والشرط لا اختصاص له بصومَ رمضان، وكان الأحسن في الترتيب أن يبين صفة الصَّوْم مُطْلَقاً ثم يذكر رُكْنَيهِ وَشُرُوطَهُ ثم يتكلم فيما يخص كل واحد من نوعي الفرض والنفل.
وفقه الفصل: أن صوم رمضان يجب بأحد أمرين: إما استكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال؛ لما روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر رمضان فقال: "لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ" 1. أما استكمال شُعْبَان فظاهر.
وأما رؤية الهِلاَل فالنَّاسُ ضربان: من رأى الهلالَ فيلزمه الصَّوْمُ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ" 2 ومن لم يَرَهُ فِيمَ تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ فِي حَقِّه؟ إن شهد عَدْلاَنِ تثبت، وإن شهد واحد فقولان: أحدهما -وبه قال مَالِك وهو رواية البويطي-: أنها لا تثبت؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا شَعْبَانَ ثَلاَثِيْنَ يَومًا إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ" 3 ولأنه لا يحكم في هلال شَوَّال إلاَّ بقول عَدْلَيْن فكذلك في هِلاَلِ رَمَضَان.
وأصحهما -وهو الذي نَصَّ عليه في أكثر كتبه، وبه قال أحمد في الرواية الصحيحة عنه-: أنها تَثْبُت؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن أعرابياً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أن مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأذِّن فِي النَّاسِ يَا بلاَلُ فَلْيَصُومُوا غَداً" 4. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلاَلَ، فأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَام" 5. والمعنى فيه الاحتياط لأمر الصّومِ، قال عَلِي -رضي الله عنه-: "لأن أصومَ يَوْماً مِنْ شَعْبَانَ أَحَبَّ إِلَّيَ مِنْ أن أفطر يوماً مِنْ

رَمَضان" 1. ونقل الشَّيخ أبو مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي إِسحَاقَ طريقةً قاطعة بقبول قول الواحد، والمشهور طريقة القولين: التفريع: إن قلنا: لا بد من اثنين فلا مدخل لِشَهادة النِّساء فيه، ولا اعتبار بقول العبيد، ولا بد من لفظ الشهادة، وتختص بِمَجْلس القَضَاء، لكنها شهادة حسبة 2 لا ارتباط لها بالدَّعاوي، كذلك حَكَاهُ الإمام.
وإن قبلنا قول واحد فهل هو على طريق الشَّهَادة أم على طريق الرواية 3؟ فيه وجهان:

أصحهما: أنه شهادة إلا أن العَدَد سُومِحَ بِهِ، والبينات مختلفة المراتب.
والثاني -وبه قال أبو إسحاق-: أنه رواية، لأن الشَّهادة ما يكون الشَّاهِد فيها بَرِيئاً، وهذا خبر عما يستوي فيه المخبر وغير المُخْبِرِ، فأشبه رواية الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فعلى الأول لا يقبل فيه قَوْلُ المرأة والعَبْدِ، ويحكى ذلك عن نصه في "الأم"، وعلى الثاني يُقْبل.
وهل يشترط لَفْظُ الشَّهادة 1؟. قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ وَغَيْرُهُ: هو على الوجهين، ومنهم من قدر اشتراطه متفقاً عليه.
واحتج به الوجه الأول، وهل يقبل قول الصّبي المميز الموثوق به على الوَجْهِ الثاني؟ قال الإمام فيه وجهان مبنيان على قبول رواية الصِّبيان، وجَزَمَ في "التهذيب" بعدم القبول مع حكاية الخلاف في روايته، وهو المشهور، وذكر الإمام وابن الصَّبَّاغ تفريعاً على الوَجْهِ الثَّانِي أنه إذا أخبره مَوْثُوقٌ بِهِ عن رؤية الهِلاَل لزم اتباع قوله وإن لمَ يذكر بين يدي القاضي.
وقالت طائفة: يجب الصَّوْمُ بِذَلِكَ إذا اعتقد المخبَر صَادِقاً، ولم يفرعوه على شيء، ومن هؤلاء ابْنُ عَبْدَانَ وَصَاحِبُ "التهذيب" وكذلك ذكره المصنف في "الإحياء" -والله أعلم-.
وعلى القولين جميعاً لا يقبل قول الفاسق، لكن إن اعتبرنا العدد اعتبرنا العَدَالَة البَاطِنَة، وهي التي يرجع فيها إلى أقوال المُزَكِّيين.
= الراوي: وأما الأحكام الي يفترقان فيها فكثيرة لم أر من تعرض لجمعها، وأنا أذكر منها ما تيسر: الأولى: العدد لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة.
الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقاً بخلاف الشهادة في بعض المواضع.
الثالث: لا تشترط الحرية فيها بخلاف الشهادة مطلقاً.
الرابع: لا يشترط فيها البلوغ في قول.
الخامس: تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية، ولو كان داعية.
ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره إن روى موافقة.
السادسة: تقبل شهادة التأنيس من الكذب دون روايته وغير ذلك من الفروق التي ذكرها السيوطي، فارجع إليها إن شئت.
تدريب الراوي (1/ 331 - 334) الفروق (1/ 4).

وإن لم نعتبر العدد، ففي اعتبار العدالة الباطنة وجهان جَارِيان في قبول رواية المَسْتُور.
قال الإمام: وأطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعَدَالَة الظَّاهِرَة، وهو بعيد.
نعم، قد نقول يأمر القَاضِي بالصَّوْمِ بمظاهر العَدَالَة كَيْ لاَ يفوت الصَّوْمُ ثم نبحث بعد ذلك، ولا فرق على القولين بين أن تكون السَّمَاءُ مصحية أو متغيمة 1. وعند أبي حنيفة: يثبت هلالُ رمضانَ في الغَيْم بِوَاحِدِ وفي الصَّحْوِ يعتبر الاستفاضة والاشتهار، ويختلف ذلك باختلاف صِغَرِ الْبَلْدَةِ وَكِبَرِهَا.
قال الرُّوَيانِي: وربما قالوا: يعتبر عدد "القسامة" خَمْسُون رجلاً.
وإذا صمنا بقول واحد تفريعاً على أصَحِّ القولين ولم نَرَ الهِلاَلَ بَعْدَ ثَلاَثِينَ فهل نفطر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنا لو أَفْطَرنَا لَكُنَّا مفطرين بقول وَاحِدٍ، والإفطار بقول واحد لا يَجُوزُ، ألا ترى أنه لو شَهِدَ على هِلاَلِ شوال ابتداء لم نفطر بقوله: والثاني: يفطر؛ لأن الشَّهْرَ يتم بمضي ثلاثين، وقد ثبت أوله بقول الواحد، ويجوز أن يثبت الشيء ضِمْنًا بما لا يثبت به أصْلاً ومقصوداً، ألا ترى أن النَّسَبَ والمِيرَاثَ لا يثبتان بِشَهَادَةِ النِّسَاء، ويثبتان ضِمْناً لِلْوِلاَدَةِ إذا شَهِدْنَ عَلَيْهَا.
واعترض الإمام عليه، بأن قال النسب لا يثبت بقولهن، لكن إذا ثبتت الولادة ثبت النسب بحكم الفِراش القائم، وهاهنا بخلافه.
وللمحتج أن يقول: لا معنى للثّبوت الضمني إلا هذا، وخذ مني مثله هاهنا عندي لا نفطر بقوله، لكن إذا ثبت أول الشَّهْر انتهى بمعنى ثلاثين يوماً وجاء العيد ولا صَوْمَ يَوْمَ العِيدِ.
وما موضع الوجهين؟ نقل في "التهذيب" فيه طريقين: أحدهما: أن الوجهين فيما إذا كانت السَّمَاءُ مصحيةً، إما إذا كانت متغمية فنفطر بلا خلاف، وهذا ما أورده صَاحِب "العدة"، وأوفقهما لكلام صاحب الكتاب، والأكثرين أن الوجهين شَامِلاَن للحالتين، ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوَجْهِ الأَوَّلِ، لكن المعظم رَجَّحُوا الثَّانِي، وحكوه عن نصه في "الأم" وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
ولو صُمْنَا بقول عَدْلَيْنِ، ولم نَرَ الهِلاَل بَعْدَ ثلاثين فإن كانت السماء متغيمة أَفْطَرْنا وَعَيَّدْنَا؛ وإن كانت مصحية فكذلك عند عامة الأصْحَاب، وحكاه في "الشامل" عن نَصِّه في "الأم" وحرملة؛ لأن العدلين لو شهدَا ابتداء على هلال شَوَّال لقبلنا شهادتهما وأفطرنا؛ فلأن نفطر بناء على ما أثبتناه بقولهما أولاً أَوْلَى، وقال ابن الحَدَّادِ: لا نفطر،

وينسب إلى ابْنِ سُرَيجٍ أيضاً، وبه قال مالك؛ لأنا إنما تتبع قولهما، بناء على الظَّنَّ وقد تَيَقَّنَا خِلاَفه، وقد عرفت بما ذكرنا أن في الصُّورتين وجهين إلا أن الإفطار في الثَّانِيَة أظهر منه في الأولى، وفرَّع بعضهم على قول ابن الحدَّادِ فقال: لو شهد اثنان على هِلاَل شَوَّال، ثم لم ير الهِلاَل والسَّماء مصحية بعد ثلاثين قَضَيْنَا صَوْمَ أَوَّلِ يَوْمٍ أفطرنَا فِيهِ؛ لأنه كان كَوْنُه لأنه بَانَ كَونُه من رمضان، لكن لا كفارةَ على من جَامَع؛ لأن الكفارة تَسْقُط بِالشُّبْهَةِ، وعلى ظَاهِر المَذْهب لاَ قَضَاءَ ولا كَفَّارة.
ويتعلَّق بالقولين في اعتبار العَدَدِ مسألة أخرى، وهي: أن الْهِلاَل هل يثبُتُ بالشَّهَادة عَلَى الشَّهَادَة 1؟ وقد حكى الشَّيْخُ أبو عَلِي فيه طريقين: أحدهما: أنه على القَوْلَين في أن حدودَ اللهِ تعالى هَل تَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادة.
وأصَحُّهُمَا: القَطْع بثبوتِه كالزَّكاة، وإتْلاَفَ بواري المَسْجِدِ، والخلاف في الحُدُودِ المبنية على الدفع والدرء.
وعلى هذا فعدد الفُروع مَبْنِيٌّ على القول في الأُصُول إن اعتبرنا العَدَدَ في الأصُولِ فحكم الفُرُوع هاهنا حكمهم في سائر الشَّهَادَات 2، ولا مَدْخَل فيه لِشَهَادَةِ النِّسَاء والعَبِيدِ.
وإن لَم نعتبر العدد فإن قلنا: إن طريقه طريق الرواية فوجهان: أحدهما: أنه يَكْفِي واحد كرواية الأخبار.
والثاني: لا بُدَّ من اثنين.

قال في "التهذيب" وهو الأصح؛ لأنه لَيْسَ بخبر من كُلِّ وجه بدليل أنه لا يَكْفِي أن يقول: أَخْبَرَنِي فلانٌ عن فلانٍ أنه رأى الهلاَل، وعلى هذا فهل يشترط إخبار حُرَّيْنِ ذكرين أم يكفي امرأتان وعبدان؟ فيه وجهان: أظهرهما: الأول.
ونازع الإمامُ في أنه لا يَكْفِي قوله: أخبرني فلان عن فلان على قولنا أنه رواية.
وإن قلنا: إن طريقه طَرِيقُ الشَّهادة، فهل يكفي واحد أم لا بد من اثنين؟ فيه وجهان، المذكور في "التهذيب" منهما هو الثاني.
ولنعد إلى ما في لفظ الكتاب.
قوله: (أما السبب فرؤية الهلال) يشعر ظاهره بالحصر، لكن الحصر غير مراد منه بل استكمال شعبان في معنى رؤية الهلال على ما بَيّناه، والتحقيق أن السَّبب شهود الشهر لا هَذَا ولا ذَاك، ولكنهما طَرِيقان لمعرفة شهود الشَّهْرِ ولا يلحق بهما ما يقتضيه حساب المنجم، فلا يلزمه به شَيْءٌ لا عليه وَعَلَى غَيْرِه.
قال القاضي الرّويَانِي: وكذا من عَرَفَ مَنَازِلَ القمر لا يلزمه الصَّوْمُ بِهِ في أصح الوجهين.
وأما الجواز فقد قال في "التهذيب": لا يجوز تقليد المنجم في حِسَابه لا في الصوم ولا في الإفْطَار.
وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان: وفرض الرُّويَانِي الوجهين، فيما إذا عرف نازل القمر، وعلم به أن الْهِلاَل قد أَهَلَّ وذكر أن الجواز اختيار ابْنِ سُرَيْج والقَفَّالِ وَالْقَاضِي الطَّبَرِي، قال: ولو عرفه بالنُّجُوم لم يجز أن يَصُومَ بهِ قولاً وَاحِداً.
ورأيت في بعض المُسْوَدَّاتِ تعديَةَ الْخِلاَف في جَوَازِ العَمَل بهِ إلى غَيرِ المنجم، -والله أعلم-.
وسنذكر فائدة الجواز حيث حكمنا به من بعد.
وقوله: (وإن كانت السماء مَصْحِيَّة) مُعَلَّم بالحاء.
وقوله: (يَثْبُتُ بشَهَادَةِ وَاحِدٍ) بالميم.
وكذا قوله: (ويثبت بمن تقبل روايته) بما سبق والأغلب على الظَن أنه قصد أن يورد الخلاف في المسألة كما أورده في "الوسيط" وهو حكاية ثلاثة أقوال في قبول قَوْلِ الواحد: أحدها: أنه لا يقبل.
والثاني: بِشَرْطِ أن يكون من أهْلِ الشَّهَادة.
والثَّالث: يُقْبَلُ إذا كان من أهل الرواية، ثم إنه أغفل الأول وأرد الأخيرين، وهما مفرعان على قبول قَوْل الواحد، ولو أعلما بالواو لمكان الأول جاز، ثم الجمهور أوردهما وجهين لا قولين نعم ذكر الصَّيْدَلاَنِي أنهما قولان عن تخريج ابْن سُرَيْج، فيجوز تنزيلهما عليه.

وقوله: (بخلاف هلال شَوَّال) يجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ لأن أبا ثور قال بثبوته بقول واحد، فإن له مذهباً تفرد به، ولكن لأنه حكى عن صاحب "التقريب" أنه ميل القول فيه.
وقال بعد رواية مذهب أبي ثور: وهذا لو قلت به أكُنْ مبعداً.
ووجهه أنه إخبار عن خروج وقت العبادة فَيُقْبَلُ فيه قول الواحد كالإخبار عن دخول وقتها.
وقوله: (لم نفطر) مُعَلَّم بالحاء؛ لما سبق، ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (فنفطر) في الوجه الثاني بالميم؛ لأن مالكاً منع من الإفطار إلا إذا صُمْنَا بقول عَدْلَين، ولم نَرَ الهِلاَل، فأولى أن تمنع إذا صُمْنَا بقول وَاحِدٍ وَلم نره.
واعلم أن صاحب "التهذيب" -رحمه الله-، ذكر تفريعاً على الحكم بقبول قول الواحد أنا لا نوقع به العِتْقَ والطَّلاق المُعَلَّقَينِ بِهِلاَلِ رَمَضَانَ، ولا نحكم بِحُلُولِ الدَّيْنِ المُؤَجَّل بهِ، ولو قال قَائِلٌ: هَلاَّ ثبت ذلك ضمنًا كَمَا سَبَقَ نَظيرِه لَأَحْوَجَ إِلَى الفَرْقِ -والله أعلم-.
قال الغزالي: فَإذَا رُؤيَ الهِلاَلُ في مَوْضِعٍ لَمْ يَلزَمِ الصَّوْمُ فِي مَوضِع آخَرَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ القَصْرِ إِذَا لَمْ يُرَ فِيهِ، وَقِيلَ: يَعُمُّ حُكْمُهُ سائِرَ البِلاَدِ، فَعَلَى الأَوَّلِ لَوْ سافَرَ الصَّائِمُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُرَ فِيهِ الهِلاَلُ بَعْد ثَلاِثينَ صَامَ مَعَهُمْ بِحُكْمُ الحَالِ، وَلَوْ كَانَ أَصْبَحَ مُعَيِّداً وَسَارَت بِهِ السَّفِينَةُ إِلَى حَيْثُ لَمْ ير الهِلاَلَ كَانَ الأَوْلَى أَن يُمْسِكَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ وَيَبْعُد إِجَابُهُ فَإِنَّ فِيهِ تَجزِئَةِ اليَوْمِ، فَإذَا هِلاَلُ شَوَّالِ قَبلَ الزَّوَالِ لَمْ يَجُزْ (ح) الإفْطَارُ إِلاَّ بَعْدَ الغُرُوبِ.
قال الرافعي: في الفَصلِ مسألتان: إحداهما: إذا رُئي الهلالُ فِي بَلْدَة ولم يُرَ في أخرى نظر: إن تقاربت البَلْدَتَانِ فحُكْمُهُمَا حُكْمُ البَلْدَةِ الوَاحِدَةِ، وإن تَبَاعَدَتَا فوجهان: أظهرهما -وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وهو اختيار الشَّيخ أبي حامد-: أنه لا يجب الصَّوْم على أهْلِ البلدة الأخْرَى؛ لما روي عن كريب قال: "رَأَيْنَا الْهِلاَلَ بِالشَّام لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلاَلَ؟ قُلْتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَ قُلْتُ: نَعَمْ وَرَاهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَينَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ.
فَلاَ تَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الْعَدَدَ أَوْ نَرَاهُ، قُلْتُ أَوْ لاَ تَكْتفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوَيةَ؟ قَالَ: هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 1.

والثاني: يجب 1 وهو اختيار القاضي أبِي الطَّيِّبِ، ويروى عن أحمد؛ لأن الأرض مسطحة، فإذا رؤي في بعض البلاد عرفنا أن المانع في غيرِه شَيْءٌ عَارِض؛ لأن الهِلاَلَ ليس بِمِحَلِّ الرُّؤْيَةِ.
وبم يضبط تباعد البلدتين؟ اعتبر في الكتاب مَسَافة القَصْرِ، وكذلك نقله الإمامُ وصَاحِب "التهذيب".
قال الإمام: ولو اعتبروا مسافة يظهر في مثلها تفاوت في المناظر لكان متجهاً في المعنى، وقد يوجد التفاوت مع قصور المسافة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، وقد لا يوجد مع مجاوزتها لها، ولكن لا قائل به، هكذا ذكره، لكن العراقيين والصَّيْدَلاَنِي وغيرهم اعتبروا ما قلناه، وضبطوا التَّبَاعُدَ بِأَنْ يكون حَيْثُ تختلف المَطَالِعُ كـ"العراق" و"الحجاز" و"خراسان" والتَّقارب بأن لا تختلف كـ"بغداد" و"الكوفة" و"الري" و"قزوين"، ومنهم من اعتبر اتحاد الإقليم واختِلاَفه 2. ويتفرَّعُ على الوَجْهين فرعان: أحدهما: لو شرع في الصَّوْم فِي بلدٍ ثُمَّ سَافَرَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ لم ير الهِلاَل فيه في يَوْمِهِ الأول فإن قلنا: لكل بَلْدَةٍ حكمها فهل يلزمه أن يصوم معهم أم يفطر؟ فيه وجهان: أظهرهما: وبه قال القَفَّال وهو المذكور في الكتاب: أنه يَصُومَ مَعَهُمْ؛ لأنه بالانتقال إلى بلدتهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم، وقد روي أن ابن عباس -رضي الله عنهما- أمر كريباً بأن يقتدى بأهل المدينة" 3. والثاني: أنه يفطر؛ لأنه التزم حكم البلدة الأُولى، فَيَسْتَمِر عليه، وشبه ذلك بمن

اكترى دَابَّةَ يجب الكِرَاء بِنَقْد البلد المُنْتَقَلِ عَنْهُ وأوهم في "التهذيب" ترجيح هذا الوجه.
وإن عممنا الحكم سائر البلاد فعلى أهل البلدة المنتقل إليها موافقته إن ثبت عندهم حال البَلْدَة المنقل عنها إما بقوله لَعَدَالَتِهِ أو بطريق آخر، وعليهم قَضَاءُ اليَوْم الأول، ولك أن تقول، قياساً على هذا: لو سَافر من البلدة التي رُئي فِيهَا الهِلاَلُ ليلةً الجُمُعَةِ إلى التي رُؤي فيها الهِلاَلُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ورؤي هِلاَلُ شَوَّالٍ ليلة السَّبْت، فعليهم التعبد معه وإن لم يصوموا إلا ثَمَانيَةَ وَعِشْرِينَ يوماً ويقضُونَ يوماً.
وعلى قياس الوجه الأول لا يلتفتون إلى قوله: رأيت الهلال، وإن قبلنا في الهلال قول عَدْل وعلى عكسه لو سافر من حيث لم يُرَ فيه الهلال إلى حيث رُوئيَ فعيدوا اليوم التاسع والعشرين من صومه فإن عممنا أو قلنا له حكم البلد المنتقل عنه فليس له أن يفطر.
الثاني: رُوئي الهلالُ في بَلَدِ فأصبح الشَّخْصَ معيداً، وسارت به السَّفينة، وانتهى إلى بلدةٍ على حد البُعْدِ فصادف أهلَها صائمين، فعن الشيخ أبي محمد أنه يلزمه إمْسَاك بقية اليوم إذا قلنا: إن لكل بلدة حكمها.
واستبعده 1 الإمام من حيث أنه لم يرد فيه أكثر، ويجزئه اليوم الواحد وإيجاب إمساك بعضه بعيد، وتابعه صاحب الكتاب فقال: "ويبعد إيجابه... " إلى آخره وللشيخ أن يقول: لم لا يجوز أن يجب إمساك بَعض اليوم، ألا ترى أن من أصبح يوم الثلاثين من شعبان مفطراً ثم قامت البينة على رؤية الهلال يجب عليه إمساك بَقِيَّة النَّهَار.
وقوله: (الأولى إمساك بقية النهار) إنما حسن منه، لأنه نفى الوجوب، أما من يوجبه فلا يقول: للمحتوم أنه أولى، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو لقوله.
واعلم أن هذه المسألة يمكن تصويرها على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك اليوم يوم الثَّلاثين مِنْ صَوْمِ أهل البَلْدَتَينِ، لكن أهل البلدة المنتقل إليها لَمْ يروا الْهِلاَل.
والثاني: أن يكون اليوم التاسع والعشرين لأهل البلدة المنتقل إليها لتأخر ابتداء صومهم بيوم وإمساك بَقِيَّة اليوم في الصُّورتين إن لم تعمم الحكم على ما ذَكَرْنَا.
وجواب الشيخ أبي محمد كما هو مبني على أن لكل بلدةٍ حكمها، فهو مبني أيضاً على أن للمنتقل حكم المنتقل إليه، وإن عممنا الحكم فأهل البَلَدِ المنتقل إليه إذا كانوا

يعرفون في أثناء اليوم أنه يوم العيد فهو شبيه بما إذا شَهِد الشهود على رؤية الهلال يوَمَ الثَّلاثين، وقد سَبَقَ بَيَانُهُ في "صلاة العيد" وإن اتفق هذا السفر لعدلين وقد رَاييَا الهلالَ بِنَفْسَيْهِمَا وَشَهِدَا في البلدة للمنتقل إليها فهذا عين الشَّهادة برؤية الهلال في يوم الثَّلاثين في التصوير الأول.
وأما في التصوير الثاني، فإن عَمَّمْنَا الحكم جميع البلاد لم يبعد أن يكون الإصغاء إلى كلامهما على ذلك التفصيل أيضاً، فإن قبلوا قضوا يوماً، وإن لم نعمم الحكم لم يلتفت إلى قولهما.
ولو كان الأمر بالعكس فأصبح الرجل صائماً وسارت به السَّفينة إلى حيث عبدوا فإن عممنا الحكم أو قلنا: له حكم البلدة المنتقل إليها أفطرا وإلا لم يفطر، وقضى يوماً إذ لم يصم إلا ثمانيةً وعشرين يوماً.
المسألة الثانية: إذا رُئي الهلالُ بالنَّهار يوم الثلاثين فهو لليلة المستقبلة، سواء رُئي قبل الزوال أو بعده 1، فإن كان هلال رمضان لم يلزمهم إمْسَاك ذلك اليوم.
وإن كان هلال شَوّال، وهو المذكور في الكتاب لم يكن لهم الإفطار حتى تَغْرُبَ الشمس.
وعند أبي يوسف: إن رُئي قبل الزوال فهو لليلة المَاضِية.
وبه قال أحمد فيما إذا كان المَرْئِي هِلاَلَ رَمَضَان، وإن كان المَرّئِيُّ هِلال شوال فعنه روايتان.
لنا: ما روي عن [شقيق] بن سلمة -رضي الله عنه- قال: "جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ -رَضِيَ الله عَنْهُ- وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ أَنْ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ نَهَاراً فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا" 2. وفي رواية: "فَإِذَا رَأَيْتُم الْهِلاَلَ مِنْ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالأَمْسِ" 3. إذا عرفت ذلك لم يخف عليك أن قوله: (قبل الزوال) ليس لتخصيص الحكم به، لكنه موضع الشَّبهة والخلاف، فلذلك خَصه بالذَّكْرِ فأما بَعْدَ الزَّوَال، فهو متفق عليه، وقد أعلم في النُّسخ قوله: (لم يجز الإفطار) بالحاء؛ لأن الإمام والمصنف في "الوسيط" نسبا قول أبي يوسف إلى أبي حنيفة -رحمهم الله- وهو غير ثابت، نعم يجوز إعلامه بالألف لأحدى الروايتين عن أحمد -والله أعلم-.
قال الغزالي: القَوْلُ في رُكْنِ الصَّوْمِ وَهُوَ النِّيَّةُ والإمْسَاكُ، أَمَّا النِّيَّةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ يَوْمٍ (م) نِيَّةً مُعَيَّنَةَ (ح و) مُبَيَّتةٌ (ح) جَازِمَةً، وَالتَّعْيينُ أَنْ يَنْوِيَ أَدَاءَ فَرْضِ رَمَضَانَ غداً، وقِيلَ: لاَ يتعَرَّضُ لِلْفَرِيضَةِ، وَقِيلَ: يتعَرَّضُ لِرَمَضَانِ هذِهِ السَّنَةِ.

قال الرافعي: ذكرنا اختلاف الأصحاب في أن النية ركن في الصَّلاة أم شرط، ولم يوردوا الخلاف هاهنا والأليق بمن اختار كونها هناك شرطاً أن يقول بمثله، ومنهم صاحب الكتاب، وحينئذ يتمحض نفس الصَّوم كفئاً.
إذا عرفت ذلك، فقوله: (أن ينوي لكل يوم نية معينة مبيتة جازمة) ضابط أدرج فيه أموراً: أحدها: قوله: (أن ينوي) فالنية واجبة في الصَّومُ إذ لا عمل إلا بالنية، ومحلُّها القلب، ولا يشترط النّطق في الصوم بِلاَ خِلاَف.
والثاني: قوله: (لكل يوم) فلا يكفي فيه صوم الشَّهْرِ كله في أوله خلافاً لمالك.
وبه قال أحمد في إحدى الروايتين.
لنا: أن صوم كل يوم عبادة برأسها ألا ترى أنه يتخلل اليومين ما يُنَاقِضُ الصوم، وإذاكان كذلك وَجَبَ إفرادُ كُلِّ وَاحِدٍ بنيةٍ كالصَّلوات.
وإذا نَوَى صوم جميع الشهر هل يصح صوم اليوم الأول بهذه النية؟ فيه تردُّدٌ لِلشَّيْخ أبي محمد، ورأيت أبا الفَضْلِ بنَ عَبْدَان أجاب بصحته، وهو الأظهر.
الثالث: التعيين وهو واجب في صَوْم الفرض، وبه قال مَالِك وأحمد في أصَحِّ الروايتين، خِلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يشترط التعيين في النذر المعين، ولا في صَوْمِ رَمَضَانَ، بل لو نوى صَوم الغد مطلقاً في رمضان، أو نوى النفل أو النذر أو القضاء أو الكفارة وقع عن رمضان إن كان مقيماً، وإن كان مسافراً فكذلك إن أطلق النفل، وإن نوى النذر أو الفضاء أو الكفارة وقع عما نَوَى، وإن نوى النَّغل فروايتان.
لنا: القياس على الكفارة والقضاء، وتعينه شرعاً لا يغني عن تجديد المكلف قَصْده إلى ما كُلِّف به، وكمال التعيين في رمضانَ أن ينوي صَوْمَ الغَدِ عن أداء فَرْضِ رَمَضَانَ هذه السنة لله تعالى.
أما الصوم والتعرض لكونه من رمضان، فلا خلاف في اعتبارهما.
وأما الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى، ففيها الخلاف المذكور في الصَّلاة، وقد أعاد ذكر الخلاف في الفريضة هاهنا.
وأما رمضان هذه السنة فقد حكى الإمام وجهاً أنه لا بد من اعتباره وتابعه المصنف، ويقرب منه حكاية صاحب "التهذيب" وجهين في أنه هل يجب أن يقول: من فَرْضِ هَذَا الشَّهْرِ أَم يكفي أن يقول: من فرض رمضان؟ وقال: الأصح الأول، والإمام زيفه بأن معنى الأداء هو القصد، فإذا خطر الأداءُ بالبَالِ فقد خطر التعرض لِلْوَقْتِ المعين، وقد يزيف أيضاً بأن التعرض لليوم المعين لاَ بُد منه، وأنه يغني عن كونه من هذاس الشَّهر، وهذه السنة فإن هذا اليوم لا يكون إلا كذلك، بل إذا وقع التعرض لليوم المعين لم يَضُر الخَطَأُ في أوصافه.
قال الرّويَانِي في "التجربة" لو نوى لَيْلَةَ الثلاثاء صَوْمَ

الغَدِ، وهو يعتقده يوم الاثنين أو نوى رَمَضَان السنة التي هو فيها وهو يعتقدها سنة ثلاث فكانت سنة اثنتين صح صومه، بخلافِ ما إذا نَوى صَوْمَ يوم الثلاثاء ليلةَ الاثنين، أو رمضان سنة ثلاث في سنة اثنتين لا يصح، لأنه لم يعين الوَقْت.
واعلم: أن لفظ الغد قد اشتهر في كلام الأصحاب في تفسير التعيين، وكيفيته وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين، وإنما وقع ذلك من نظرهم إلى التبييت، ولا يخفى مما ذكرناه قياس التعيين في القضاء والنَّذْرِ والكفارة.
وأما صوم التطوع فيصح بنية مُطْلَق الصَّوْمِ كما في الصَّلاة.
فرع: قال القاضي أبو المكارم في "العدة": لو قال أتسحر لأقوى على الصَوْم لم يَكْف هذا في النية، ونقل بعضهم "عن نوادر الأحكام" لأبي العباس الروياني أنه لو تسحر للصَّوْم أو شَرِبَ لدفع العطش نهاراً أو امتنع من الأكل والشُّرب والجماع مخافة الفجر كان ذلك نيةً للصوم، وهذا هو الحقُ إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحر ليصوم صوم كذا، فقد قصده والله أعلم.
وقوله في الكتاب: (معينة) يجوز أن تقرأ بكسر الياء؛ لأنها تعين الصوم ويجوز أن تقرأ بالفتح كان الناوي يعينها، ويخرجها عن التَّعَلقِ بمُطْلق الصَّوْمِ، ويجوز إعْلاَم هذه اللفظة مع الحاء بالواوْ؛ لأن صاحب "التتمة" حكى عن الحليمي أنه قال: يَصِحّ صوم رمضان بنية مطلقة وبالألف لأن عن أحمد رواية مثله.
قال الغزالي: وَمَعْنَى التَّبِيْيتِ أَنْ يَنْوِيَ لَيْلاً، وَلاَ بالنِّصْفِ الأَخيرِ (و)، وَلاَ يَجِبُ تَجْدِيدُهَا (و) بَعْدَ الأَكْلِ وَلاَ بَعْدَ التَّنَبُّه مِنَ النَّوْمِ، وَيَجُوزُ نِيَّةُ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الزَّوَالِ (م ز)، وَبَعْدَهُ قَوْلاَنِ، وهَذَا بِشَرْطِ خُلُوِّ أَوَّلِ اليَوْمِ مِنَ الأكْلِ، وَفِي اشْتِرَاطِ خُلُوِّ أَوَّلِ اليَوْمِ عَنِ الكُفْرِ وَالجُنُونِ وَالحَيْضِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: الرابع: التبييت وهو شرط في صوم الفرض 1. وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "لا يجب التبييت في صَوْمِ رمضان والنَّذْرِ المُعَيَّنِ، بل يَصِحَّان بنية قبل الزوال".
لنا: ما روي عن حفص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلاَ

صِيَامَ لَهُ" 1. ويروي: "مَن لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ".
ولو نوى مع طلوع الفجر، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز لاقتران النية بأول العبادة، وبهذا أجاب ابْنُ عَبْدَانَ.
وأصحهما: المنع؛ لظاهر الحديث، وهذا هو قضية قوله في الكتاب: (أن ينوي ليلاً) ويتبين به أيضاً أن نية صوم الغد قبل طلوع الشمس لا تصح، وهل تختص النية بالنِّصْفِ الأخير من الليل؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ: نعم، كما يختص رمي جمرة العقبة ليلة النحر بالنصف الأخير، والمعنى فيه تقريب النية من العِبَادة.
وأصحهما: لا؛ لإطْلاَقِ الخَبَرِ، وهذا هو المذكور في الكتاب صَرِيحاً، ودلالة.
أما الصَّريح فظاهر.
وأما الدلالة فقوله: (أن ينوي لَيْلاً) وإذا نوى ثم أكل أو جامع 2 هَلْ تَبْطُلُ نيته، حتى يَحْتَاجَ إلى تجديدها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الأصل اقتران النِّية بالعبادة، فإذا تَعَذَّر اشتراطه فلا أقل من أن يحترز عن تخلل المناقض الذي لا ضرورة إليه بينهما.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا حاجة إلى التجديد؛ لأن الله تعالى أَباحَ الأكْلَ والشَّرَاب إلى طلوع الفجر، ولو أبطل الأكل النيةَ لامْتَنَعَ إلى طلوع الفجر، وينسب الوجه الأول إلى أبي إسحاق، وفيه كلامان: أحدهما: أن الإمام حكى أن أبا إسحاق رجع عن هذا عام حَجَّ، وأشهد على نفسه 3. والثاني: أن ابنَ الصَّبَّاغ قال: هذه النسبة لا تثبت عنه، ولم يذكر ذلك في الشَّرح.
فإن لم يتنقل الوجه إلا عنه، وثبت أحد هذين الكلامين، فلا خلاف في المسألة.

ولو نوى ونام وَتَنَّبَه من نومه، واللَّيْلُ بَاقٍ هل عليه تجديد النية؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم تقريباً للنية من العِبَادة بقدر الوسع؛ ونسب ابْنُ عَبْدَانَ وغيره هذا إلى الشيخ أَبِي إِسْحَاقَ أيضاً.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا حاجة إلى الجديد، لما سبق.
قال الإمام: وفي كلام العراقيين تردد في أن الغفلة هَلْ هِيَ كالنوم؟ وكل ذلك مطرح.
هذا حكم صوم الفرض في التبييت.
أمّا التطوع؛ فتصح نيته من النَّهَار.
وبه قال أحمد، خلافاً لمالك والمزني، وأبي يحيى البَلَخِي.
لنا أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ فَيَقُول "هَلْ مِنْ غِذَاءِ فَإنْ قَالَتْ لاَ قَالَ إِنِّي صَائِمٌ وَيُرْوَى: إِنِّي إِذًا أَصُومُ" 1. وهذا إذا كانت النِّية قبل الزَّوَال 2، فإن كانت بعده ففيه قولان: أحدهما: وهو رواية حَرْمَلَة: أنه يصح 3؛ تسويةً بين أجزاء النَّهَار، كما أن أجزاء الليل مستوية في محلية نية.
وأَصَحَّهُمَا: وهو نَصُّهُ في عامة كُتُبِهِ، أَنَّهُ لاَ يَصِحّ، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لأن النقلَ لاَ يَنْبغِي أن يُخَالِفَ الفَرْضَ، كما في سائِرِ العِبَادَاتِ، إلا أَنا جَوَّزْنَا التَّأْخِيرَ بِشَرْطِ أن يَتَقَدَّمَ عَلَى الزَّوَالِ لِلْحَدِيث، فإنه وَرَدَ في النية قبل الزَّوَالِ، ألا ترى أنه يطلب الغذاء وفرقوا بين ما قبل الزوال وما بعده بأن النية إذا نشأت بعد الزوال فقد فات مُعْظَم النَّهَار، وإذا نشأت قَبْلَهُ فَقَد أَدْركت معظمه، وللمعظمَ تأثِيرٌ إدراكاً وفواتاً كما في إدراك المسبوق الرَّكعَة، وهذا الفرق إنَّما ينتظم ممن يجعله صائماً من أول النَّهَار، أما من يَجْعَله صَائِماً عن وَقْتِ النِّيَّةِ فالنِّيَّةُ عنده مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيع العِبَادَةِ، فَاتَه مُعْظَمُ النَّهَارِ، أو لِم يَفُتْ، وفيه شيْءٌ آخر ذكره الإمام وهو: أن النَّهَار إذا حُسِبَ مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ فالزَّوَال مُنْتَصفه، فتكون النِّية المتقدِّمَة عليه مدركَةُ مُعْظَمَةُ، لكن النَّهَار الشَّرْعِي مَحْسُوبٌ مِنْ طُلُوع الفَجرِ، فيتقدَّم متتصفه على الزَّوَالِ وَلاَ يَلْزَم مِنْ مُجَرَّد التَّقَدُّم عَلَى الزَّوالِ وُجُود النية في المُعْظَم، ثم إذا نوى قبل الزَّوالِ أو بعده، وجَوَّزنَاه فَهُوَ صَائِمٌ من أول النَّهَارِ حتى يَنَال ثَوَاب صَوْمِ الكُلِّ أَوْ مِنْ وَقْتِ النية، فيه وجهان:

أظهرهما: عند الأكثرين أنه صَائِمٌ من أول النَّهَار فَإنَّ صَوْمَ الْيَوْم الواحد لاَ يَنْبَغي، وشبه ذلك بما إذا أدرك الإمَامَ في الرَّكوع يكون مدركاً لثوَاب جَمِيع الرَّكْعةِ.
والثاني: وبه قال أبو إِسْحَاقَ أَنَّهُ صَائِمٌ من وقت النية؛ لأن النية لاَ تَنْعَطف على مَا مَضَى، ولا عَمَلَ إِلاَّ بِالنية، ويقال: إن هذا هو اختيار القَفَّالِ.
فإن قُلنا بالوجه الأوَّلِ فلا بُدَّ من الإِمْسَاك واجتماع شَرَائط الصَّوْمِ في أول النَّهَار.
وإن قلنا: بالثاني، فَفِي اشْتِرَاط خُلُوِّ الأَوَّلِ عن الأَكْلِ وَالجِمَاعِ وَجْهَان: أحدهما: لا يشترط؛ لأن الصَّوْمَ إذا كان مَحْسوباً مِنْ وقت النِّية، كَانَ بِمَثَابَةِ جُزْءٍ من اللَّيْلِ وُينْسَبُ هَذَا إِلَى ابْنِ سُرَيجٍ، وأَبِي زَيْدٍ، وزاد في "العدة" محمد بن جرير الطبري.
وأصَحُّهُمَا: وهو المذكور في الكتابَ: أنه يُشْتَرط وإلاَّ بَطَلَ مَقْصودُ الصَّوْم، ويجوز أن يتقدمَ شْرطُ الشَّيءِ عليه، ألا ترى أنه يُشْتَرط تقدّم الخُطْبَة على صَلاة الجُمُعَةِ، وهل يشترط خُلُو أَوَّلِهِ عَنِ الْكُفرِ وَالْحَيْضِ وَاَلْجُنُونِ أم يجوز أن يَصْومَ الكَافِرُ إِذَا أسلم اليوم الذي أَسْلَم فيه ضُحَى، والحَائِضُ في اليوم الذي طَهُرت، والجنونُ في اليوم الذي أفاق؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع أيضاً لكون النية مسبوقة في اليَوْمِ بما يُنَاقِضُ الصَّوْم، ويجوز أن يُرَتّب الخِلاَف في اشتراط الخُلُوّ عن هذه المعاني على الْخِلافَ في اشتراط الخُلُوِّ عن الأَكْلِ، فإن لم يشترط تَرْكُ الأكْلِ فهذَا أوْلَى، وإنْ شَرَطْنَاه فَوَجْهَانِ والفرق اخلالُ الأكْلِ بِمَقْصُودِ الصَّوْمِ، وهو كسر النَّفس بالتَّجْوِيعِ.
قال الغزالي: وَالمَعْنيُّ بِالجَازِمَةِ أَنَّ مَن نَوَى ليْلَةَ الشَّكّ صَوْم غَدانْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ (ح ز) لأَنَّهَا غَيْر جَازِمةٍ، نَعَمْ لاَ يَضُرُّ التَّرَدُّدُ بَعْدَ حُصُولِ الظَّنِّ بشَهَادةٍ أَو اسْتِصْحَاب كمَا في آخِرِ رَمَضَانَ، أَوِ اجْتِهَادٍ في حَقِّ المَحْبُوسِ في المَطْمُورَة، ثُمَّ إِنْ غَلِطَ المَحْبُوسُ بالتَّأخِيْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ القَضَاءُ، وَإن غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ لَزَمَهُ القَضَاءُ، وَإنْ لَمْ يتبَينَّ إِلاَّ بَعْدَ رَمَضَانَ لمْ يَلْزمْهُ القَضَاءُ على أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَكَانَ الشَّهْرُ بَدَلاً في حَقِّهِ لِلضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعاً وعِشْرِينَ كَفَاهُ وإنْ كَانَ رَمَضَانُ ثَلاَثِينَ قال الرافعي: الخامس: كَوْنُ النية جَازِمةً.
ويتعلق بهذا القيد مَسَائِلُ: منها: إذَا نَوَى لَيْلَة الثلاثين من شَعْبَان أن يَصُوم غداً مِنْ رَمضَان لم يخْلُ إما أن يَعْتَقِدَ كَوْنَهُ مِنْ رَمَضَان أو لاَ يَعتقده، فإن لم يعتقده نظر إن ردَّد نيته فقال: أصومُ عَنْ رمضان إِنْ كانَ مِنْهُ وإلا فأنا مفطره أو أنا مُتَطَوِّعٌ لم يقع صَومُه عَنْ رَمَضان إذا بَان أنه مِنْه؛ لأنه لم يَصُمْهُ على أنه فَرْضٌ وإنما صَامَ عَلَى الشَّك.

وقال أَبو حنيفة، والمُزنَي: يقع عن رَمَضَان إِذَا بَانَ الْيوم منه، كما لو قال: هَذَا زَكَاةُ مَالِي الغَائِب، إِنْ كَانَ سَالِماً، إلا فَهُوَ تَطَوُّعٌ، فبَانَ سَالِماً يُجْزئه.
قال الأَصحَاب: الفرق أن الأصْلَ هُنَاكَ سَلاَمَة المَالِ، فَلَهُ اسْتِصْحَابُ ذَلِكَ الأَصْلِ وهاهنا الأَصْلُ بَقَاءُ شَعبَان، ونَظِير مسألة الزَّكاة مما نحن فيه أن ينوي ليلة الثَّلاثين من رمضان صوم الغَدِ، إن كان من رَمضَان، إلا فهو مفطر، فيجزئه، لأن الأصْلَ بَقَاءَ رَمَضَان.
ولو قال: أصوم غداً مِنْ رمضان، أو تطوعاً أو قال: أصوم أو أفطر، لَمْ يصح صَوْمه، لا في الأول ولا في الآخر، كما إذا قال: أصوم أولاً أصوم، وإن لم يُرَدِّدْ نِيَّتَه وجزم بالصَّوْم عن رمضان [لم يصح أيضاً] فإنه إذا لم يعتقد كَونَه مِنْ رَمضَان لمَ يتَأت مِنْهُ الجزمُ بالصَّوْم عن رمضان حقيقة، وما يعرض حَدِيث نَفْس لا اعتبار به.
وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه: أنه يَصِح صَومُه، هذا إذا لم يعتقد كَونَه من رمضان.
وإن اعتقد كونه من رمضان نظر: إن لم يستند عَقْدُه إلى ما يُثير ظناً فَلاَ عِبْرَة به، وإن استند إلى ما يثير ظنًا كما إذا اعتمد على قول من يثق به من حُرٍّ أو عبد أو أمرأَة أو حبيبين ذَوِي رُشْدٍ، ونوى صومه عن رمضان أجزأَهُ إذا بَانَ أنه من رمضان 1؛ لأن غلبة الظَّن في مِثْلِ هذا لَهُ حكم اليَقِين، كما في أوقات الصلاة، وكما إذا رأى الهلالَ بنَفْسه، وإن قال في نيته والحالة هذه: أصوم عن رمضان، فإن لم يكن من رمضان فهو تَطَوُّع، فقد قال الإمام: ظاهر النَّصِّ أنه لا يعتد بِصَوْمه، إذا بَانَ اليوم من رمضان لمكان التَّردُّدِ، قال: وفيه وجه آخر وبه قال المُزَنِي: أنه يصح لاستناده إلى أَصْلٍ ثم رأى طَرْدَ الخِلاَف فيما إذَا جَزَمَ أيضاً، ويدخل في قسم استناد الاعتقاد إلى ما يثير ظنًا بناء الأمر على الحِسَاب، حيث جوزناه على التَّفصيل الذي سبق -والله أعلم-.
ومنها إذا حكم القَاضِي بشهادة عدلين أو وَاحدٍ إذا جَوَّزنَاهُ وَجَبَ الصَّوْمُ، ولم يقدح ما عساه يبقى من التردد والارتياب.
ومنها: المحبوس في المطمورة إذا - اشتبه عليه شَهْرُ رمضان اجتهد وصامَ شهراً بالاجتهاد، كما يجتهد لِلصَّلاة في القبلة والوقت 2، ولا يغنيه أن يصوم شهراً من غير اجتهاد إن وافق رمضان 3.

ثم إذا اجتهد وصَام شهراً نظر: إن وافق رمضانَ فَذَاك، وإن غلط بالتأخير أجزأه ذلك، ولم يلزم القَضَاء، ولا يضر كونه مأنباً به على نِيِّة الأداء، كما إذا صَلَّى الظهر بنية الأداء على ظَنِّ بقاء وقتها، ثم تبين أن صَلاَته، وقعت في وقت العصر، لا قضاء عليه، وهل يكون صومه المأتى به قَضَاءً أو أداء؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه قضاء لوقوعه بعد الوقت.
والثاني: أنه أداء؛ لمكان العذر، والعذر قد يجعل غير الوقت وقتاً، كما في الجمع بين الصَّلاتين.
ويتفرع على الوجهين، ما لو كان ذلك الشَّهْرُ نَاقِصاً وكان رمضانُ تاماً.
إن قلنا: إنه قضاء لزمه يوم آخر، وإن قلنا: أداء فلا، كما لو كان رمضانَ نَاقِصاً، وإن كان الأمر بالعكس فإن قلنا: إنه قضاء فله إفطار اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا: أداء فلا، وإن وافق صَوْمُه شَوَّال فالصحيح منه تسعة وعشرون إن كان كاملاً، وثمانية وعشرون إن كان ناقصاً، فإن جعلناه قضاء وكان رمضان ناقصاً، فلا شيء عليه على التقدير الأول ويقضى يوماً على التقدير الثاني وإن كان كاملاً قَضَى يوماً على التقدير الأَوَّل، وَيوْمَيْنِ على التَّقدِير الثَّاني، وإن جعلناه أداءً فعليه قضاء يَوْمٍ بكل حَالِ.
وإن وافق ذا الحجة، فالصحيح منه سِتَّة وعشرون يوماً إن كان كاملاً، وخمسة وعشرون يوماً إن كان ناقصًا، فإن جعلناه قضاءً، وكان رمضان ناقصًا قَضَى ثلاثة أَيَّام على التقدير الأوَّلِ، وَيوْمَيْنِ عَلَى التقدير الثَّاني، وإن كان كاملاً قضى أَرْبَعَة أَيَّامٍ على التَّقْدِير الأول، وثَلاَثةً على الثاني، وإن جعلناه أداءً قضى أَرْبَعة أَيَّامٍ بكل حالٍ، وهذا مبني على ظاهر المَذْهَب في أن صوم أيَّامِ التَّشْرِيق غير صحيح بحَالٍ، فإن صححناه على أن للمتمتع أن يَصُومها وأن من له سبب في صومها بمثابة الَمُتَمَتِّع، فذوا الحجة كـ"شوال" ذكر هذا المستدرك ابْنُ عَبدَانَ -رحمه الله-، وإن غلط بالتقديم على رَمَضَان نظر إن أدرك رمَضَان عند تَبَيُّنِ الحَالِ لهُ فعليه أن يَصُومَه بِلاَ خِلاَفٍ، وإن لم يتبين له الحال إلا بعد مُضِيِّ رمضان فقولان: القديم: أنه لا يقضى، كالحجيج إذا أخطأوا فَوقَفوا اليومَ العَاشِرَ يجزئهم.
والجديد: وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله-: أنه يقضى؛ لأنه أتى بالعبادة قَبْلَ وقتها، فلا يجزئه كالصَّلاة، وبنى القفال وأخرون القولين على أنه لو وَافق شَهْراً بَعْدَ رَمَضَانَ وإنَ قَضاءَ أو أداء، إن قلنا: بالأول فعليه القَضَاءِ، لأن القَضَاء لا يسبق الوقت، وإن قلنا بالثاني فلا قضاء؛ لأن ما بعد الوقت إن جاز أن يجعل وقتاً للعذر، = المجموع أنه يلزمه التحري، والصوم ولا قضاء عليه، فلو ظهر أنه كان يصوم الليل ويفطر النهار وجب القضاء كما صرح به في الكفاية عن الأصحاب.

فكذلك ما قبل الوقت يجوز أن يجعل وقتاً للعذر، كما في الجمع بين الصلاتين وعن أبي إسحاق طريقة أخرى قاطعة بوجوب القضاء وإن تبين بعد مُضِيِّ بَعْضُ رمضان، فقد حكى في "النهاية" طريقين: أحدهما: طرد القولين في إجزاء ما مضى.
والثاني: القطع بوجوب الاستدراك إذا أدرك شيئاً من الشَّهر والأول أظهر والطريقان للقائلين بالقولين في الصورة الأولى، فأما أبو إسحاق فَلاَ يفرق بينهما.
إذا عرفت ما ذكرناه فارجع إلى لفظ الكِتَاب.
وأعْلَمْ أَنَّ قوله: والمعنى بالجازمة... الخ) أراد به أنه المقصد من التقييد بهذا القيد، تَفْسِير اللفظ، وأن قوله: (لم يجز) معلم بالحاء والزاي.
وأن قوله: (نعم لا يضر التردد بعد حُصولِ الظَّن)، إشارة إلى أن القادح هو التردد الذي لا يستند احتمال الرمضانية فيه إلى دليل، ولا يترجح في ظَنِّه فأما التَّجْويز الذي يجامع الظَّن بكونه من رمضان فلا عبرة به.
وقوله: "لم يلزمه القضاء" مُعَلَّمٌ بالحاء، والميم، والألف.
وقوله: (على أحد القولين) بالواو، لطريقة أبي إسحاق.
وقوله: (كان الشهر بدلاً في حقه) أراد به المنقول عن القَفَّال معناه أن الشهر المأتى بصومه على هذا القول، إذا أقيم مقام رَمضَان وليس المراد منه أنه قضاء يصير بدلاً عن الفائت؛ لأنا إذا فرعنا عليه، لا نقول بأنه يكفيه شَهْرَه النَّاقص إذَا كَمُلَ رمضان.
ومن المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَة بِقَيْد الجزم ما إِذَا نوت الحائض صَوْمَ الغد قبل أن ينقطع دَمُهَا، ثم انقطع بالليل هل يَصِح صومُها؟ إن كانت مبتدأة يتم لها بالليل أكثر الحيض أو معتادة عادتها أكثر الحيض، وهو يتم بالليل صح إذا كانت معتادة عادة دون أكثر، وكانت تُتِم يالليل فوجهان: أظهرهما: أنه يَصِحّ؛ لأن الظَّاهِرَ استمرار عَادتها.
والثاني: لا؛ لأنها قد تَخْتَلِف.
وإن لم يكن لها عادة وكان لا يتم أكثر الحَيْضِ بالليل، أو كان لها عادات مختلفة، لم يصح الصَّوم.
وأعلم أن ركن النّية، وإن كان لا يختص بصوم الفرض، إلا أن المذكور من مسائلة في الكتاب مخصوص به، لأنه قال: (أما النية فعليه أن ينوي لكل يوم...) إلى آخره ومعلوم أن النية بالقيود المذكورة مخصوصة بالفرض.
فرعان:

أحدهما: لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم 1، لم ينتقل إليه، وهل يبطل ما هو فيه، أم يبقى نفلاً؟ على وجهين، وكذا لَو رفض نية الفَرْض عن الصَّوْم الذي هو فيه 2. الثاني: لو قال إذَا جاء فُلاَنٌ خرجت من صَوْمِي فهل هو خَارجٌ عن الصَّوْم عند مجيئه؟.
فيه وجهان فإن قلنا: نعم، فهل يخرج في الحَال؟ فيه وجهان وكل ذلك كما في الصَّلاة، أورده في "التهذيب" وغيره.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي الإمْسَاكُ عَنِ المُفَطِّرَاتِ، وَهِيَ الجِمَاعُ وَالاسْتِمْنَاءُ وَالاسْتِقَاءُ.
قال الرافعي: لا بد للصًائِمِ مِنَ الإمسَاكِ عَنِ المُفْطِرَاتِ، وهي أنواع: منها: الجماعُ وهو مبطلٌ للصَّومِ بالإِجْمَاع.
ومنها: الاسْتِمنَاء 3، وسيأتي الكلام فيه.
ومنها: الاسْتِقاءة فمن تَقَيَّأَ عامداً أَفْطَر، ومن ذَرَعَهُ الفَيْءُ لَمْ يُفْطِر.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن ذَرَعَهُ الفَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَلْيُقْضِ" 4. وربما روي ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- موقوفاً 5. وعن أبي الدَّرْدَاء -رضي الله عنه- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "قَاءَ فَأفْطَرَ أَي: اسْتَقَاءَ،

قَالَ ثَوْبَانُ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ الْوُضُوءَ" 1. واختلفوا في أنه لِمَ أفطر عِنْد التقيء عمْداً.
قال بعض الأصحاب: إنما أفطر؛ لأنه إذا تقيأ رجع شَيْءٌ مما خرج وإن قَلَّ، فذلك هو الذي أوجب الفطر، إلا لما أفطر؛ لما روي عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: "أَنَّ الفِطرَ مِمَّا دَخَلَ وَالْوُضُوءَ مِمَّا خَرَجَ" 2. ومنهم من قَالَ إن عينه مفطر كالإنزال تحويلاً على ظاهر الخَبَرِ.
قال في "العدة": وهذا أصح، وعليه يتفرع، عد صاحب الكتاب الاسْتِقَاء مفطرة بِرأْسِهَا 3، وإلا فَلَوْ كانت مفطرة من جهة تضمنها رجوع شيء، لكانت من قبيل دخول الدَّاخل؛ وعلى الوجهين يبنى ما إذا تقيأ مَنْكُوساً، أو تحفظ حتى استيقن أنه لم يرجع منه شيء إلى جَوْفِهِ هل يفطر؟ قال الإمام: ولو استقاء عمداً، أو تحفظ جُهْدَه فَغَلَبهُ القيء ورجع شيء، فإن قلنا: الاستقاءة مفطرة وإن لم يرجع منه شيء فهاهنا أولى، وإن قلنا لا يفطر إذا لم يرجع شَيْء، فهو كما في صُورَةِ المبالَغَةِ في المضمضة إذا سَبَقَ الماء إلى جَوْفِه.
ويجوز أن يعلم قوله: (والاستقاءة) بالحاء، لأن عنده الاستقاءة بإطلاقها لا تفطر بل يُشْتَرط أن يكون الخارج مِلْءِ الفَمِ.
قال الغزالي: وَدُخُولُ دَاخِلٍ، وَحَدُّ الدُّخُولِ أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ وَصَلَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى البَاطِنِ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ذِكْرِ الصَّوْمِ فَهُوَ مُفَطِّرٌ، أَمَّا البَاطِنُ، فَهُوَ كُلُّ جَوْفٍ فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ كَبَاطِنِ الدِّمَاغِ وَالبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالمَثَانَةِ فَيُفْطِرُ بِالْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ، وَلاَ يُفْطِرُ بِالاكْتِحَالِ (م) وَالتَّقطِيرِ (م ح و) فِي الأُذُنَيْنِ، وَفِيمَا يَصِلُ إلَى الإِحْلِيلِ وَجْهَانِ، وَلاَ يُقْطِرُ بالفَصْدِ والحِجَامَةِ.
قال الرافعي: من أسباب الفطر دخول الشَّيءِ جَوْفَه، وقد ضَبَطُوا الدَّاخِلَ الذي

يفطر بالعَيْنِ الوَاصِلِ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى البَاطِنِ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ذِكْرِ الصَّوْم، وفيه قيود: منها: البَاطِنُ الوَاصِلُ إِلَيْهِ، وفيما يُعْتَبر فيه وجَهان: مَفْهُومانِ، مِنْ كَلَاَمِ الأَئِمَّة -رحمهم الله- تغريضاً وتصريحاً.
أحدهما: أن المُعْتَبر ما يقع عليه اسْم الجَوْف.
والثاني: يُعْتَبر مَعَهُ أن يكون فيه قوة تحيل الوَاصِل إليه من غذاء، أو دَوَاءٍ، وهذا هو الذي أوردَهُ في الكتاب، ولكن الموافق لتفريع الأكْثَرِين هو الأول على ما سيأتي، ويدُلُّ عليه أنهم جَعَلوا الحَلْقَ كالجَوْفِ في بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بوصول الوَاصِلِ، ذكره في "التهذيب" وحكاه الحَنَّاطِيُّ عن ابن القاص وأورده الإمَام أيضاً أنه إذا جاوز الشَيْءَ الحلقوم أفطر، ومن المعلوم أنه ليس في الحلق قوة الإحالة، وعلى الوجهين معاً باطن الدماغ والبَطْن والأَمْعَاء والمثانة مما يفطر الوَاصِلُ إِلَيْهِ، حتى لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ "مَأمُومَةٌ" أو على بطنه "جَائِفَة" 1 فَوَضَعَ عَلَيْهَا دَوَاءً فوصل إلى جَوْفِهِ، أو إلى خَرِيطَةِ دِمَاغِهِ بَطَلَ صَوْمُه.
قال الإمام وصاحب "التهذيب"؛ وإن لم يصل إلى باطن الأمعاء وإلى بَاطِنِ الخَرِيطَةِ، ولا فرق بين أن يكون الدَّوَاءُ رَطِباً، أو يَابِساً.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يبطل باليَابِسِ، ولم يجعل المثانة مما يفطر الوَاصِل إِلَيْهِ، وفي: "المعتمد" حكاية وجه يوافق في المثانة.
لنا مطلق مَا رُوِي: "أنَّ الْفِطرَ مِمَّا دَخَلَ".
وقياس المثانة على سَائِرِ الأَجْوَافِ، وفيها قوة إِحَالَةِ الدَّوَاءِ.
ثم في الفَصْلِ صُوَرُ: إحداها: الحقنة مُبْطِلَة لِلصَّوْمِ؛ لحصول الوُصْولِ إلى الجَوْفِ المُعْتَبَرِ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنها لا تُبْطِلُهُ وهو غريب، وفيها اختلاف رواية عن مالك.
الثانية: السَّعُوطُ مُبطِلٌ لِلصَّوْمِ أَيْضًا، إِذَا وَصَلَ إِلَى الدِّمَاغ.
وعند مالك: لا يبطل إلاَّ إِذَا نَزَلَ إِلَى الحَلْقِ مِنْهُ شَيْءٌ، واعلم أن ما جاوز الخَيْشُومَ في الاستعاط، فقد حَصَل فِي حَدِّ البَاطِنِ، ودَاخِلُ الفَم وَالأَنْفِ إِلَى مُنْتَهَى الخَيْشُوم، والْغَلْصَةِ 2 له حُكْمُ الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ، حتى لوَ خرج إليه القَيْء أو ابتلَعَ مِنْهُ نُخَامَةً، بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلَوْ أَمْسَكَ فِيهِ شَيْئاً لم يَبْطُل، ولو نجس وجب غسله، وله حكم البَاطِن مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لو ابتلع منه الرِّيق لا يَبْطُلُ صَومُه، ولا يجب غسله على

الجُنُب.
الثالثة: لا بَأْسَ لِلصَّائِم بالاكتحال 1 إذ ليست العَيْنُ مِنَ الأَجْوَافِ، وقد روي أن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ" 2 ولا فرق بين أن يجد في الحَلْقِ مِنْهُ طَعْماً، أو لا يجد، فإنه لا منفذ من العَيْنِ إلى الحَلْق، وما يَصِل إليه يَصِلُ مِنَ المَسَامِ.
وعن مالك وأحمد أنه إذا وجد في الحَلْقِ طَعْماً مِنْهُ أَفْطَرَ.
الرَّابِعَةُ: في بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بالتَّقْطِيرِ فِي الأُذُنِ، بحيث يَصِل إلى البَاطِن فيه وجهان: أحَدهما: وبه قَالَ الشَّيْخَ أبُو مُحَمَّدٍ: أنه يَبْطُلُ كَالسّعُوطِ.
والثاني: لاَ يَبْطُل؛ لأنه لا منفذ من الأُذُنِ إِلَى الدِّمَاغ، وما يصلُ يصل من المَسَام فأشبه الإكْتِحَال، ويروي هذا الوجه عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ، والفَورَانِيّ والقاضي الْحُسَيْنِ، وهو الذَي أورده صاحب الكتاب، لكن الأول أظهر عند أكثر الأصْحَاب، ولهم أن يقولوا: هَبْ أَنَّ الأذُنَ لاَ مَنْفَذَ مِنْهَا إِلَى دَاخِلِ الدِّمَاغ، لكنه نافذ إلى دَاخِلِ قحف الرَّأسِ لا مَحَالَة، والوصول إليه كَافٍ فِي البُطْلاَن، وبَنَى الإمَام هذا الخِلاَف على الوَجْهَيْنِ السَّابقين فيما يعتبر في البَاطِن الذي يصل إليه الشيءَ فإن دَاخِل الأُذُنِ جَوْفٌ لكن ليس فيه قوة الإحالة، وعلى الوجهين تتفرع الصُّورة الخَامِسَة، وهي ما إذا قطر في إحليلة شيئاً، ولم يَصِلْ إلى المثانة، ففي وَجْهٍ يبطل صَوْمُه، وهو الأظْهَرُ، كما لَوْ وَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ، ولم يَصِل إلى المعدة.
وفي وجه، لا يَبْطُل كَمَا لو وضع فِي فمه شَيْئاً، وبهذا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وهو اختيارُ

القَفَّالِ -رحمهما الله- وتَوَسَّطَ بَعْضُ مُتَأخِّرِي الأَصْحَاب، فقال: إن وَصَلَ إلى ما وَرَاء الحَشَفَةِ أفْطَر، وإلا لم يفطر تشبيهاً بِالفَمِ والحَلْقِ.
السَّادِسَة: لا يفسد الصَّومُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامة، لكن يكره خِيفَة الضَّعْفِ.
وقال أحمد: يفسد بالحِجَامة.
وبه قال ابن المنذر وابْن خُزَيمَة مِنْ أَصْحَابِنَا.
لَنَا: ما روي: "أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- احْتَجَمَ، وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ" 1. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثْ لاَ يُفْطِرنَ الصَّائِمَ القَيْءُ وَالْحَجَامَةُ وَالاحْتِلاَمَ" 2. وأما لفظ الكتاب، فقوله: (وهو الداخل) هو المستقيم وفي كثير من النسخ (وحد الدخول)، وذلك يحوج إلى إلحاق وإضْمَار.
وقوله: (فيه قوة محيلة) يجوز إعْلاَمُه بالواو، إشارةً إلى الوجه المكتفي يكون البَاطِن الوَاصِل إليه جوفاً، حتى لو داوى خراجه على لَحْمِ السَّاقِ، والفخذ فأوصل الدَّواء إلى دَاخِلِ اللَّحْمِ، أو غرز فيه حديدة لا يبطل صومه؛ لأنه ليس بجوف، وكذا لو انتهى طرف السِّكين إلىَ مَكَانِ المُخّ، فإنه لا يعد عضواً مجوفاً.
وقوله: و (المثانة) مُعَلَّمٌ بِالحَاءِ، والْوَاوِ، و (الحقنة، والسعوط) والاكتحال بالميم والألف، و (التقطير في الأذن) بالواو و (الحجامة) بالألف، والواو، وقد بَيَّنَّا وجه ذلك كله، -والله تعالى أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ بَتَشَرُّبِ الدِّمَاغِ الدُّهْنِ (ح) بِالمَسَامّ، وَيُفْطِرُ إِذَا وُجِئَ بَطْنُهُ بِالسِّكِّينِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السِّكّينِ خَارِجاً.
قال الرافعي: من القيود المذكورة في الضَّابِط كون الوَاصِل، وَاصلاً من منفذ مفتوح، والقصد به الاحتراز عما إذا طلى رأسه، أو بطنه بالدّهن فوصل إلى جَوْفِهِ بتشرب المسام، فإن ذلك لا يبطل الصَّوم؛ لأنه لم يَصِل من مَنفَذٍ مَفْتُوحٍ، كما لا يبطله الاغتسال والانغماس في الماء، وإن وجد له أثر في بَاطِنِهِ، ولو وجأ نفسه، فَوَصَل السِّكين إلَى جَوْفِهِ، أو وَجَأَه غَيْرُه بِإِذْنِهِ أَفطر، سواء كان بعض السكين خارجاً، أو لم يكن، وكذا لو ابتلع طرف خَيْطٍ، وطرفه الآخر بَارِز يفطر بوصول الطَّرف لوَاصِل، ولا يعتبر الانفصال من الظَّاهِرِ بِالكُلِّيَّةِ.

وخالف أَبو حَنِيفَةَ فِي الْمَسْألَتَيْنِ وَنَظَائِرِهَا، ورأيت الحَنَّاطِي حَكَى وجهين فيمن أَدْخَل طَرَفَ خَيْطٍ في دُبُرِهِ أو في جَوْفِهِ، وبعضه خَارجٌ، فعل يفطر، فيجوز أن يعلم لهذا قوله: (وإن كان بعض السكين خارجاً) مع الحاء بـ (الواو).
فرع: لو ابتلع طرف خيط باللَّيْلِ وطرفه الآخر خارج وأصبح كذلك فإن تركه لم تَصِحّ صَلاتُه، وإن نزعه أو ابتلعه لم يصح صَوْمُه، فينبغي أن يبادر غيره إلى نَزْعَةِ وَهوَ غَافِلٌ، فَإِنْ لَمْ يتفق فالمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلاَةِ، بنزعه، أوِ ابْتِلاعِهِ أولى 1؛ لأن الصَّوْمِ يُتْرَك بِالْعُذْرِ، وَيُقْضَى بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، وذكر في "التتمة" وجهاً آخر، وهو أن الأولى: أن يتركة كذلك، ويصلِّي على حسب حاله؛ لأنه شَارعٌ فِي الصَّوْمِ، فلا ينبغي أن يفسده.
قال الغزالي: (أَمَّا القَصْدُ) فَنَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَو طَارَت ذُبَابَةٌ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقِ إِلَى بَاطِنِهِ أَوْ أُوجِرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ يُفْطِرُ إِلاَّ أَنْ يُوجَرَ المُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ومن القيود كَوْنُ الوُصول عن قصد منه، فلو طَارَت ذُبَابَةٌ أو بَعُوضَةٌ إِلَىِ حَلْقِهِ، أو وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقَ، وَغَرْبَلَةَ 2 الدَّقِيقِ إِلَى جَوْفِهِ، وغير ذلك لم يكن مُفْطِراً، وإن كان إطباق الفَمِ، واجتناب المطروق، ومفارقةُ مَوْضِع الطَّرِيقِ مُمْكِناً، لكن تكليف الصَّائِم الاحتراز عن الأفعال المعتادة التي يحتاج إليها يَجُرُّ عُسْراً شَدِيداً، بل لو أفتح فاه حتى وَصَلَ الغُبَار إِلَى جَوْفِهِ، فقد قال في "التهذيب": أصَحُّ الوَجْهَيْن أنه يقع عفواً، وشَبَّهُوا هَذَا الخِلاَف بالخلاف فيما إذا قَتَلَ البَرَاغِيث عَمْداً، وَتَلَوَّثَتْ يَدُهُ أَنَّهَا هَلْ يَقَعْ عَفواً، ولو ربطت المرأة ووطئت أو أوجر بِالسِّكِّينِ، أو وجئ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ إِفْطَارَ، ونقل الْحَنَّاطِي، وجهين فيما لو أوجر بِغَيْرِ اختياره وهو غَرِيبٌ بمرة.
نعم، لو كان مغمى عليه، فأوجر مُعَالجةً وإصْلاَحاً ففيه وجهان، وفي "النهاية" قولان: أحدهما: أنه يفطر؛ لأن هذا الإيجار لمصلحته فكأنه بإذنه واختياره.

وأصحهما: أنه لا يفطر كإيجار غيره بغير اختياره.
واعلم أن هذا الخِلاَف مُفَرَّعٌ على أَنَّ الصَّوْمَ لاَ يبطل بمطلق الإغْمَاء، إلا فَالإِيجَاء مَسْبُوق بالبُطْلاَن، وهذَا الخِلاَف كالخلاف في المغمى عليه المحرم إذا عُولج بدواءٍ فيه طِيبٌ، هَل تلزمه الفِدْية.
قال الغزالي: وَلَو ابْتَلَعَ دَمًا خَرَجَ مِنْ سِنِّهِ أَوْ سِتاً أَفْطَرَ بِخِلاَفِ الرِّيق إِلاَّ أَنْ يَجْتَمِعَ الرِّيقُ بِالعَلَكِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو رَدَّ النُّخَامَةَ إلَى أَقْصَى الفَمِ ثُمَّ ابْتَلَعَ أَفْطَرَ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى قَطْعِهِ مِنْ مَجْرَاهُ فَتَرَكَ حَتَّى جَرَى بنَفْسِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ سَبَقَ المَاءُ فِي المَضْمَضَةِ إِلَى بَاطِنِهِ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ بَالَغَ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالإِفْطَارِ، وإنْ جَرَى الرِّيقُ بِبَقِيَّةِ طَعَامِ فِي خِلاَلِ الأَسنَانِ فَإِنْ قَصَّرَ فِي تَخْلِيلِ الأَسْنَانِ فَهُوَ فِي صُورَةِ المُبَالَغَةِ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَهُوَ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ، وَالمَنِيُّ إِنْ خَرَجَ بِالاسْتِمْنَاءِ أَفْطَرَ، وَإِنْ خَرَجَ بِمُجَرَّدِ الفِكْرِ وَالنَّظَرِ فَلاَ، وَإنْ خَرَجَ بِالقُبْلَةِ وَالمُعَانَقَةِ مَعَ حَائِلٍ فَهُوَ كَالمَضْمَضَةِ، وَالمُضَاجَعَةِ مُتَجَرِّداً كَالْمُبَالَغَةِ، وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِلشَّابِّ الَّذي لاَ يَمْلِكُ إرْبَهُ، وَخُرُوجُ القَيْءِ كَالْمَنِيِّ، وَلَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً مِنْ مَخْرَجِ الحَاءِ فَفِي إِلْحَاقِهِ بِالاسْتِقَاءِ وَجْهَانِ، وَمَخْرَجُ الخَاءِ مِنَ الظَّاهِرِ، وَفِي إِفْسَادِ القَصْدِ شَرْعاً بِالِإكْرَاهِ قَوْلاَنِ: أصحهما: أَنَّهُ يُفْطِرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَائِمِ.
قال الرافعي: الفصل يجمع مسائل: إحداها: ابتلاع الريق لا يفطر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وبه يحيى الإنسان، وعليه حمل بَعْضُ المُفَسِّرِين قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ 1 وَإنَّمَا لاَ يفطر بِشُرُوطٍ: أحدها: أن يكون الرِّيق صرفاً، أما لو كان مخلوطاً بغيره مُتَغَيِّراً فإنه يفطر بابتلاعه، سواء كان ذلك الغير طاهراً، كما لو كان يَقْتل خيطاً مصبوغاً، فتغير ريقه، أو نجساً كما لو دميت لثته 2 وتغير ريقه، فلو أبيض، ولم يبق تغيره، فهل يفطر بابتلاعه؟ فيه وجهان: أظهرهما: عند الحَنَّاطِي، والقَاضِي الرّوَيانِي لا؛ لأن ابتلاع الرِّيق مباحٌ، وليس فيه عين آخر، وإن كان نَجِساً حكماً.

والثاني: وهو الأظهر عند الأكثرين، أنه يفطر؛ لأنه لا يَجُوزُ لَهُ ابْتِلاَعُه، وَإِنَّمَا يَجُوز لَهُ ابتلاع الطَّاهِرِ.
مِنْهُ، وعلى هذا لو تناول باللَّيْلِ شَيْئاً نَجِساً ولم يغسل فَمَهُ حَتَّى أَصْبَح فابتلع الرِّيق بطل صَوْمُهُ.
الثاني: أن يبتلعه مِنْ معدنه، فلو خرج إلى ظَاهِرِ فمه ثُمَّ رده بِلِسَانِهِ، أو غَيْرِ لِسانِهِ، وابتلعه بَطَل صَوْمُه.
ولو أخرج لِسَانه وعليه الرّيق ثم رده وابتلع ما عليه ففيه وجهان: أظهرهما -وهو المذكور في "النهاية"-: أنه لا يبطل صَوْمُه، لأَنَّ اللِّسَانَ كيفما تَقلَّبَ معدودٌ مِنْ دَاخِل الفم، فلم يفارق ما عليه معدته، ولو بَلَّ الخَيَّاطُ الخَيْطَ بالريق ثم رده إلى الفم على ما يعتاد عند الفتل فإن لم يكن عليه رطوبة تنفصل، فلا بأس 1، وإن كانت وابتلعها ففيه وجهان: عن الشَّيْخِ أبي محمد: أَنه لا يَضُرّ؛ لأن ذلك القدر أقل مما يبقى من المَاءِ في الفم بعد المضمضة.
وقال الأَكثَرونَ: إنه يَبْطُلُ الصَّوْم؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة المَعْدة، وخص في "التتمة" الوجهين بما إذا كان جَاهِلاً بأن ذلك لاَ يَجُوز، فأما إِذَا كَانَ عَالِماً يَبْطُلُ صَوْمُه بِلاَ خِلاَف.
الثالث: أن يبتلعه، وهو على هيئته المعتادة، أما لو جَمَعَه ثم ابتلعه، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يبطل صَوْمُه، لأن الاحتراز عنه هين.
وأصحهما: أنه لا يَبْطُل، وبه قال أبُو حنيفة -رحمه الله- لأنه مِمَّا يَجُوزُ ابتلاعه ولم يخرج من مَعْدته فأشبه ما لو ابتلعه متفرقاً.
فإن قلت: هذان الوَجْهَان إِنْ جَرَيَا في مُطْلِق الجَمْعِ، فَلِمَ قال: إلا أن يجمع الريق بالعلك، وإن اختصا بالجمع بالعلك فلم أطلقتم نقلهما؟ فالجواب: أنهما جاريان في مطلق الجَمْع نقلاً، وتوجيهاً، ولَعَلَّه إنما تعرض للعلك؛ لأن الإمام قد ذكر أن الوجهين في سورة الجمع نَاشِئان مِنْ لفظ الشَّافِعيّ -رضي الله عنه- حيث قال: "وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم"، وكأنه حاذر اجتماع الريق على خلاف العادة، وهذا شيء قد قاله بعض الشَّارِحِين.
وقال آخرون: أراد بقوله: (يحلب الفم أنه يطيب النَّكْهَة، ويزيل الخَلُوف؛ فَلِذَلِكَ كَرِهَهُ، ولو كان العلك جديداً مفتتاً فَوَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ إلى الجوف بطل صَوْمُه، كما لو

وضع سُكَّرَةً فِي فِيه وابتلع الرِّيق بعد مَا ذَابَتْ فيه، وما قدَّمْنَاه فيما إذا كان مغسولاً مستعملاً، أو صلباً لا ينفصل منه شيء.
وقوله: (ولو ابتلع دماً خرج من سنه، أو سناً أفطر) ظاهرٌ، وفيه إشارة إلى أن دَاخِل الفم له حكم الظَّاهِر في هذا، وأن احتمال ابتلاع الريق ليس لمجرد ابتلاعه من الفم، بل لدعاء الضرورة إليه.
المسألة الثانية: النخامة 1 إن لم تحصل في حد الظَّاهِرِ 2 من الفم فلا مبالاة بها، وإن حصلت فيه بانصبابها من الدِّمَاغ في الثُّقْبَةِ النَّافِذَةِ منه إِلَى أقْصَى الفَم فوق الحُلْقُوم نظر إن لم يقدر على صرفه ومَجَّهُ حتى نزل إلى الجَوْفِ لم يضره، وإن رَدَّه إلى قَضَاءِ الفَمِ، أو ارتد إليه ثم ابتلعه أفطر 3، وإن قدر على قطعة من مجراه وَمَجَّه فتركه حتى جرى بنفسه ففيه وجهان حَكَاهُمَا الإِمَام: أحدهما: أنه لا مُؤَاخَذَةَ؛ لأنه لم يفعل شيئاً، وَإنَّمَا أَمْسَكَ عَنِ الفِعْلِ وأوفقهما لكلام الأئمة إن تركه في مَجْرَاه مَعَ القُدْرَةِ عَلَى مَجِّهِ لتقصيره فيفطر.
ونقل عن "الحاوي" وجه مطلق في الإفطار بالنُّخَامة، والوجه تنزيلهما على الحَالَةِ التي حَكَى الإمامُ الخِلاَفَ فِيهَا.
الثالثة: إذا تَمَضْمَضَ فسبق المَاءُ إلى جَوْفِهِ، أو استنشق فَوَصَلَ المَاءُ إِلَى دِمَاغِهِ فقد نَقَلَ المُزَنِيّ أَنَّه يفطر، وقال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى -رحمهما الله- أنه لا يفطر إلا أن يتعمد الأزدراد، وللأصحاب فيه طريقان: أصحّهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والمزني -رحمهم الله-: أنه يفطر؛ لأنه وَصَلَ الماء إلى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ، فإنه الذي أدخل الماء فيه وَأَنْفه.
والثاني: وبه قال أحمد وهو اختيار الربيع -رحمهما الله-: أنَّه لا يفطر؛ لأنه وصل بغير اختياره، فأشبه غبار الطَّرِيق.
والثاني: القَطْع بأنه لا يفطر، حكاه المسعودي وغيره ثم من القائلين به من حمل منقول المزني على ما إذا تَعَمَّد الازدراد، ومنهم منَ حَمَلهُ على ما إذَا بَالَغ، وحمل النَّصّ الثَّاني على ما إذا لم يبالغ، ونفى الخِلاف في الحالتين، وإذا قَلنا بطريقة القولين فما محلهما؟ فيه ثلاثة طرق.

أصحها: أن القولين فِيمَا إِذَا لم يبالغ في المضمضة والاستنشاق فأما إذا لم يبالغ أفطر بلا خلاف.
وثانيها: أن القَوْلَينِ فيما إذا بالغ، أما إذا لم يبالغ فلا يفطر بلا خلاف.
والفرق على الطَّرِيقين أن المُبَالَغَةَ مَنْهِيٌ عَنْهَا، وأصْلُ المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاق مَحْثُوثٌ عَلَيْهِ، فلا يحسن مؤاخذته بما يتولد منه بغير اختياره.
والثالث: طرد القولين في الحالتين، فإذا مَيَّزنَا حَالَةَ المُبَالَغَةِ عن حالة الاقتصار على أصل المَضْمَضَةِ والاستشاق حَصَلَ عِنْدَ المُبَالَغَةِ قولان مُرَتَّبَانِ كما ذكر في الكتاب، وظَاهِرُ المَذْهَب ما ذكرنا عند المُبَالِغَةِ الإفطارُ، وعند عَدَمِ المُبَالَغَةِ الصِّحَةُ، ولا يخفى أن مَحَل الكلام فيما إذا كَانَ ذاكر للصَّوْمِ، أما إذا كان ناسياً، فلا يفطر بحال، وسَبْقُ المَاءِ عند غسل الفَم لنجاسة، كسبقة المضَمضة، والمُبَالَغَة هَاهُنَا لِلْحَاجَةِ ينبغي أن تكون كالسَّبق في المَضْمَضَةِ بِلاَ مُبَالَغَةٍ، ولو سبق الماء من غسله تَبَرُّداً، أو مِنَ المَضْمَضَةِ في الكَرَّةِ الرابعة فقد قال في "التهذيب": إن بالغ بَطَلَ صَوْمُه، وإلا فهو مُرَتَّبٌ على المَضْمَضَةِ، وأولى بالإفطار، لأنه غير مأمور به 1. الرابعة: لو بقي طعام في خَلَلِ أَسْنَانِهِ فابتلعه عمداً، أفطر خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- فيما إذَا كانَ يسيراً، وربما قدر بـ"الحمصة"، وإن جرى به الريق من غير قصد منه فمنقول المزني أنه لا يفطر، ومنقول الربيع أنه يفطر، واختلف الأصْحَاب فمنهم من قال: فيه قولان كما في سورة المَضْمَضَة؛ لأن الطَّعَام حصل في فمه بسبب غير مكره، وهو الأكل باللَّيل فأشبه المضمضة، ومنهم من نفى كون المسألة على قولين، وهو الأَصَح، ثم مِنْ هَؤُلاَءِ من حمل النص على حالين، حيث قال: لا يفطر أراد به ما إذا لم يقدر على تمييزه، ومَجّه، وحيث قال: يفطر أراد ما إذا قدر عليه، فابتلعه، وَتَوَسَّط الإمام من وجه آخر وتابعه صاحب الكتاب، فقال: "إن لم يتعهد تنقية الأسنان، ولم يُخَلّل، فهو كصورة المُبَالَغَةِ في المَضْمَضَةِ"، لأن الغالب في مثله الوُصول إلى الجَوْف، وإن نقاها على الاعتياد في مثله فهو كغبار الطريق، ولك أن تقول: تَركُ التَّخْلِيل إِمَّا أن يكون مَكْرُوها أو لا يكون، وإن لم يكن مكروها فلا يتوجه

إلحاقة بصورة المبالغة، لأن الوصولِ هناك تَوَلَّدَ مِنْ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ، وإن كان مكروهاً فالفرق ثابت أيضاً لأن ما بين الأسنان أقْرَبُ إلى الظَّاهِرِ من الماءِ عند المُبَالَغَةِ، وربما يثبت في خلالها فلا ينفصل، وبتقدير أن ينفصل فالتمكن من أخذه ومَجِّه مما لا يبعد، والماء سَيَّالٌ إِذَا وَجَدَ مُنْحَدَراً أَسْرَع في النفوذ، فكان وصوله إلى الجوف أقرب.
وليكن قوله: (فهو كصورة المبالغة) مُعلماً بالحاء، لأنهما مفترقان عنده فيفطر في صورة المبالغة، ولا يفطر هاهنا.
الخامسة: المَنِي إنْ خَرَج بالاستمناء أفطر؛ لأن الإِيلاَجَ من غَيْرِ إنزال مُبْطِل، فالإنزال بَنَوْع شَهْوَةٍ أولى أن يكون مُفْطِراً، وإن خَرَج بمجرد الفكر 1 والنظر لشهوة لم يكن مفطراً خَلافًا لمالك في النَّظَرِ، وعن أصْحَابِهِ في الفِكْر اختلاف، ولأحمد حيث قال: إن كَرَّرَ النظر حتى أنزل أَفْطَر.
لنا: أنه إنزال من غير مُبَاشَرة، فأشبه الاحتلام، وإن خَرَجَ بمباشرةٍ فيما دُونَ الفَرْجِ أو لمس، أو قبلةٍ أفطر، لأنه أنزل بمباشرة، هذا ما ذكره الجُمهُور، وذكر الإمام أن شَيْخَهُ حكى وجهين فيما إذا ضَمَّ امرأة إلى نفسه وبينهما حائل، قال: "وهو عندي كسبق الماء في سورة المضمضة، وإن ضاجعها متجرداً فالتقت البشرتان، فهي كَصُورة المبالغة في المَضْمَضة واقتدى صاحب الكتاب به، فأورد هذا الترتيب.
وتكره القُبْلَةُ للشباب الذي تحرك القبلة شهوته، ولا يأمن على نفسه، ولا تكره لِغَيْره وإن كان الأولى الاحتراز "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ" 2 وعن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ 3، ومن كرهنا له القبلة فهل ذلك على سبيل التحريم 4 أو التنزيه؟ حكى في "التتمة" فيه وجهان، والأول هو المذكور في "التهذيب" وقوله: (وخروج القيء كالمني)، إشارة إلى ما قدمنا أنه لو

استقاء أفطر، وإن خرج بغير اختياره فلا، ولو اقتلع نخامه من بَاطِنِهِ ولفظها، فقد حكى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فيه وجهين: أحدهما: أنه يفطر به، إلحاقاً له بالاستقاءة.
والثاني: لا، لأن الحَاجَة إليه مما تَكْثُر، فَلْيُرَخَّص فِيهِ، وَبِهَذَا أجاب الحَنَّاطِيّ، وكثير من الأَئِمَّة ولم يذكروا غيره، ثم ذكر صاحب الكتاب أن مخرج "الحاء" من البَاطِن، ومخرج "الخَاءِ" من الظَّاهِر، ووجهه لاَئِح، فإن "الحاء" تَخْرُج من الحَلْقِ، والحَلْقُ من الباطن، و"الخاء" تخرج مما قبل الغَلْصَمه إلا أن المقصد في مثل هذا المقام الضابط الفارق بين الحدَّيْنِ، ويشبه أن يكون قدر مما بعد مخرج الخاء من الظَّاهرِ أيضاً، والله أعلم.
السادسة: ذكرنا من قبل أنه لو أُوجِرَ مكرهاً لَمْ يفطر، فلو أكره حَتَّى أكل بنفسه ففيه قولان.
أحدهما: وبه قال أحمد: لا يفطر، لأن حكم اختياره ساقط، وأكله ليس منهياً عنه، فأشبه النَّاس.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنه يفطر، لأنه أتى بضد الصَّوْم ذَاكِراً له، غايته أنه أتى به لدفع الضَّرر عن نفسه، لكنه لا أثر له في دفع الفِطْر، كما لو أَكلَ أو شرب لدفع الجوع، أو العَطَشِ، وهذا أَصَحُّ عِنْد صَاحِب الْكِتَابِ، ويجري القَوْلاَن فيما لو أكرهت المرأة حتى مكنت، وكذلك فيما إذا أُكْرِه الرَّجُل حَتَّى وَطِئ.
إن قلنا بتصور الإكراه على الوطء.
نعم، لا تجب الكفارة، وإن حَكَمْنَا بالإفْطَار للشُّبْهَة.
وإن قلنا: لا يتصور الإكراه على الوطء بَطَلَ صَومه، ولَزِمَه الكَفَّارة.
وعثد أحمد: يحصل الإفطار بالوَطْءِ مكرهاً، بخلاف مَا قَال في الأكل.
وقوله: (وفي فساد القصد شرعاً) أشار به إلى أن قيد القصد لا بد منه على ما ذكرناه في الضابط والقصد من حيث الحس موجودٌ في حَقِّ المُكْرَه، ولكن في إِلْحَاقِهِ بالعَدَمِ شَرْعاً، وإفساده الخلاف المَذْكُور.
وقوله: (لأنه ليس بصائم) معناه أن الإكراه إنما يؤثر في دَفْع الإثم على ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رُفِعَ عَنْ أمَّتِي الْخَطَأ، والنِّسْيَانُ" 1 الخبر، وحصول الفِطْر لا يتعلق به إثم.
= قال الربيع: فسألت الشافعي كيف أفتى بهذا.
فقال: هذا رجل قد أعرس في هذا الشهر شهر رمضان، وهو حديث السن، فسأل هل عليه جناح أن يقبل أو يضم من غير وطء فأفتيته بهذه الفتيا ولعل الشافعي غلب على ظنه أن ذلك لا يحرك شهوته.

واعلم أن هذا التوجيه يتركَّب على مُقَدِمتين.
إحداهما: أن الإِكْرَاه إنما يُؤَثِّر في دَفْعِ المأثم.
والثانية: أن هذا ليس بمأثم، واقتصر هاهنا على ذكر الثانية، وفي "الوسيط" على ذكر الأولى -والله تعالى أعلم-.
قال الغزالي: فَأمَّا ذِكْرُ الصَّوْم احْتَرَزْنَا بِهِ عَنِ النَّاسِي لِلصَّوْمِ فَإنَّهُ لاَ يُفطِرُ بأكْلٍ وَلاَ جِمَاعٍ (م و)، وَالغَالِطُ الَّذِي يَظُنُّ عَدَمِ طُلُوعِ الفَجْرِ أَوْ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَفْطَرَ وَيَلْزَمُهُ القَضَاءُ في الآخِرِ.
قال الرافعي: ومن القيود المُدْرَجَة في الضَّابِطِ الَّذِي سَبَقَ كَونُ الوصولِ مع ذِكْرِ الصَّوم، فأما إذا أكل ناسياً نظر إن قَلَّ أكله لم يفطر خلافاً لمالك.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ فَليُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" 1. وإن كَثُر ففيه وجهان كالوَجْهِيْنِ في بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالْكَلاَمِ الكَثِير، وَإِنْ أَكَلَ جَاهِلاً بِكَوْنِهِ مُفْطِراً، وكان قريب العَهْدِ بالإسْلاَمِ، أو نشأ ببادية، وكان يجهل مثل ذلك، لم يبطل صَوْمُهُ، إلا فَيَبْطُلُ، ولو جَامَع نَاسياً للصَّومِ فقد نقل المُزَني أن صَوْمَه لاَ يَبْطُلُ، وللأصْحَابِ فيه طريقان: أصَحُّهُمَا: القطع بأنه لا يَبْطُلُ، كما نقله اعتبار بالأكل 2. والثاني: أنه يخرج على قولين كما في جماع المُحْرِمِ نَاسِياً، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا أنكر مَا نَقَلَهُ المُزَنِي، وقال: لا نَصَّ لِلشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- فيه.
ولو أكل على ظَنِّ أن الصُّبْحَ لَمْ يطلع بَعْدُ، أو إن الشَّمْسَ قد غَرُبَتْ، وكَانِ غَالِطاً، فقد روى المُزَنِي أنه لا يجوز صَوْمُه، ووافقه الأصْحَابُ على رِوَايَتِهِ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وأما في الأولى فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ما رواه، وقال: لاَ يُوجَدُ ذَلِكَ في كُتُب الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- ومذهبه: أنه لاَ، يَبْطُلُ الصَّوْمُ إِذَا ظَنَّ أن الصُّبْحَ لَمْ يَطْلُعَ بعد؛ لأن الأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وهو معذورٌ في بِنَاء الأَمْرِ عليه، بخلاف مَا في آخر النَّهَار فإن الأَصْلَ بقاء النَّهار، فالغالطِ فيهِ غَيْرُ مَعْذُور.
ومنهم من صحح ما رواه، وقال: لعلهُ نقله سَمَاعاً، ووجهه بأنه تحقق خلاف ما ظنه، واليقين مُقَدَّمٌ عَلَى، الظَّنِّ، ولا يبعد استواء حكم الغَلَطِ في دخول الوَقْتِ وخروجه

كما في الجُمُعة، وهذا هو الأَصَح [والأشهر] 1 في المذهب.
قال الإمام: فإن قيل: هَلاَّ خرج ذلك على القولين في خطأ القبلة.
قلنا: المخطئ آخراً لا يَكَادُ يُصَادِفُ أمارةً ظَاهِرَةٌ في هُجُوم اللَّيْلِ، واسْتِصْحَابِ النَّهَارِ في معارضة ما يَعِن لَهُ، وهو مع ذلك مُتَمَكِّنٌ مِنَ الصَّبْر إلى درك اليقين، فاقتضى ذلك الفرق بين البابين.
إذا عرفت ذلك وَعُدت إلى لفظ الكتاب فأعْلِمْ قوله: (فإنه لا يفطر) بالميم، وقوله: (ولا جماع) بالألف، لأن عند أحمد جماع النَّاسِي يُفْسِدُ الصَّوْمَ وبالواو، إشارةً إلى طريقة القَوْلَيْنِ، فقد تعرض لِلْخُلاَف فيه في الكتاب في "فَصْلِ الكَفَّارَةِ" وإن لم يذكره في هذا الموضع، ولو جعلت "الواو" على قوله: (لا يفطر) ليشمل الأكل أيضاً لم يبعد، لأنه أطلق القول بأنه لا يفطر النَّاسِي به، وفي الكثير منه الخِلاَف الذي سبق.
وقوله في مسألة الغالط: (فمفطر)، يجوز أن يُعَلَّم بالزَّاي والواو.
أما الزاي فلأن أبا سعيد المتولي حكى ذهاب المزني إلى أنه لا يفطر في الصُّورة الأُولَى، ومنهم من نقل ذِهَابَهُ إِلَيْهِ في الصُّورتين.
وأما بالواو فلأمرين: أحدهما: ما حَكَيْنَا عن بعض الأصحاب في الصُّورة الأولى.
والثاني: أن الموفق بن طَاهِرَ حَكَى عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أنه يجزئه الصَّوم في الطَّرفين.
وقوله: فمفطر، "ويلزمه القضاء" الجمع بينهما ضرب تأكيد، ولا ضرورة إليه، ثم لا يخفى أن الحكم بلزوم القضاء في الصَّوْمِ الواجب، أما في التطوع فيفطر ولا قَضَاء.
قال الغزالي: وَلاَ يَنْبَغِي أنْ يَأكُلَ في آخِرِ النَّهَار إِلاَّ بِيَقِينٍ، فَأمَّا بِالاجْتِهَادِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَفِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَجُوزُ بِالاجْتِهَادِ، وَلَوْ هَجَمَ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الخَطَأ لَزِمَهُ القَضَاءُ في الآخِرِ وَلَمْ يَلْزَمْ في الأَوَّلِ.
قال الرافعي: لما تَكَلَّم في الغالط الذي أَكلَ، ثم تَبَيَّن خلاف ما ظَنَّه أراد أن يبين أن الأكْلَ ثم يجوز.
أما في آخر النَّهار بالأحوط ألا يَأْكُلُ إلاَّ بِتَيَقُّنِ غروب الشَّمْسِ، لأن الأصْلَ بقاء النَّهَار، فيستصحب إلى أن يستيقن خِلافَه، ولو اجتهد وغلب على ظَنِّه دخولُ اللَّيْلِ بِوِرْدٍ وغيره ففي جواز الأكْلِ وَجْهَان: أحدهما: وبه قال الأستاذ أبو إِسحَاقَ الإِسْفَرايني: أنه لا يجوزِ، لقدرته على دَرْكِ اليَقِين بالصَّير.

وأصحهما: الجواز؛ لما روي "أَنَّ النَّاسَ أَفْطَرُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ -رضي الله عنه- ثُمَّ انْكَشَفَ السَّحَابُ، وَظَهَرَتِ الشَّمْسُ".
وأما في أول النَّهار، فيجوز الأَكْل بالظَّنَّ والاجتهاد؛ لأن الأصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، ولو هجم وأكل من غير يقين ولا اجتهاد نظر إن تبين الخَطَأ فالحكم ما ذكرنا في الفَصْلِ السَّابق، وإن تبين الصَّواب فقد استمر الصوم على الصِّحة وليس لأحَدٍ أن يقول إذا أكل شَاكّاً في الغروب، وتبين الغروب، وجب ألا يَصِح صَوْمُه كما لو صَلَّى شاكاً في الوقت، أو في القبلة من غير اجتهاد، وتبين له الصَّواب لا تصح صلاتهُ، لأن هناك ابتداء العبادة وقع في حال الشك فصنع الانعقاد، وهاهنا انعقدت العبادة على الصِّحة، وشك في أنه هل أتى بما يفسدها ثم تبين عدمه ذكر هذا الفرق صَاحِبا "التتمة" و"المعتمد"، وإن لم يتبين الخَطَأ، ولا الصواب، واستمر الإشْكَال، فينظر: إن اتفق ذَلِكَ في آخرِ النَّهَار وَجَبَ القَضَاء؛ لأن الأصْلَ بقاؤه، ولم يبن الأكل على أمر يعارضه، وإن اتفق في أوه فلا قَضَاءِ، لأن الأصْلَ بقاء اللَّيْلِ وجوازُ الأَكْلِ.
وروى بعض أصحابنا عن مالك وجوبَ القَضَاءِ في هَذِه الصُّورة، وتردد ابن الصَّبَّاغ في ثبوتها عنه، ولو أكل في آخر النهار بالاجتهاد وقلنا لا يجوز الأكل بالاجتهاد كما لو أكل من غير يقين ولا اجتهاد 1. قال الغزالي: وَلَوْ طَلَعَ الصُّبْحُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَنَزَعَ انْعَقَدَ (ز) الصَّوْمُ وَلَوِ اسْتَمَرَّ فَسَدَ.
قال الرافعي: إذا طلع الصُّبْحُ وفي فِيهِ طَعَامٌ بأكله فليلفُظُه، فَإِن ابتَلعه فَسَدَ صَوْمُه، ولو لفظها في الحال لكن سبق مِنْه شَيْءٌ إِلَى جوفه بغير اختياره فقد نُقِل عن

"الحاوي" فيه وجهان مخرجان من سَبْق المَاءِ في المَضْمَضةِ 1. ولو طَلَعَ الصُّبْحُ، وهو مجامع فنزع في الحال صومه، نَصّ عليه في "المختصر"، والمسألة تصور على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يحس وهو مجامع بتباشير الصبح، فينزع بحيث يوافق آخر النَّزْعِ ابتداءَ الطُلُوعِ.
والثاني: أن يطلع الصُّبْحُ، وهو مجَامِعٌ ويعلم بالطُّلُوع كما طَلَع وينزع كما علم.
والثالث: أن يمضي زمان بَعْدَ الطُّلُوعِ، ثم يعلم به.
أما هذه الصُّورة الثَّالِثة، فَلَيْسَتْ مُرَادَةً بِالنصّ، بل الصَّوم فيها بَاطِل، وإن نزع كما علم؛ لأن بعض النَّهار قد مضى وهو مشغول بالجماع، فأشبه الغَالِط بالأكل هذا ظَاهِر المَذْهَب، والخلاف الذي مر فيما إذا أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد فبَانَ خلافِه عَائِد هَاهنا بلا فرق، وعلى الصَّحيح لو مكث في هذه الصورة فلا كَفَارَةَ عَلَيهِ، لأن مُكْثَهُ مَسْبُوقٌ بِبُطْلاَنِ الصَّوْمِ.
وأما الصورتان الأوليان، فقد حكى الموفق بن طَاهِر أن أبا إِسْحَاقَ قال "النص محمول على الصُّورة الأولى، إما إذا طلع، وأخرج فَسَد صومه"، ولا شَكَّ في صِحَّة الصَّوْم في الصُّورة الأُولَى، لكِن حمل النَّصِ عَلَيْهَا، والحُكْمَ بِالْفَسَادِ فِي الثَّانِيَةِ مُسْتَبْعَدٌ لاَ مُبَاَلاةَ بهِ؛ بل قضية كلام الأئمة نقلاً وتوجيهاً، أن المراد من مسألة النَّص الصُّورة الثَّانية، وحكوا فيها خلاف مالكٍ وأحمد، والمزني -رحمهم الله- واحتجوا عليهم أن النزع ترك الجماع، فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع، كما لو حلف ألا يلبس ثوباً هُوَ لابسه فانتزعه في الحال لا يحنث.
وقوله: في الكتاب: (انعقد صومه) أُعْلِمَ بالميم والألف والزَّاي، إشارة إلى مذاهبهم، ويجوز أن يُعَلَّمَ "بالواو" أيضاً للمنقول عن أَبي إسْحَاقَ، وقد روى الحَنَّاطِي أيضاً وجهاً في المَسْألة، ولو طلع الفَجْر، وعلم به كما طَلعَ ومكث ولم ينزع فَسَدَ صَوْمُه، وهل عليه؟ الكفارة؟ نَصَّ في "المختصر" على أنَّهَا تَجِب، وأشار فيما إذا قال لامرأته: إن وَطَأْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثلاثاً فَغَيَّبَ الحَشَفَة، وطلقت، ومكث إلى أنه لاَ يَجِب المَهْرُ واختلف الأصحاب على طريقين: أحدهما: أن فيها قولين نقلاً وتخريجاً.
أحدهما: وجوب الكفارة هاهنا، والمهر، ثم كما لو نزع وأولج ثانياً.

والثاني: لا يجب وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لأن ابتداء الفِعْلِ كَانَ مُبَاحاً.
وأصحهما: القطع بوجوب الكفارة، ونفي المهر.
والفرق: أن ابتداء الفعل لم تتعلق به الكفارة، فتتعلق بانتهائه حتى لا يخلو الجماعُ في نَهَارِ رَمَضَانَ عمداً عن الكَفَّارة والوَطْءِ، ثم عير خَالٍ عن المقابلة بالمَهْرِ؛ لأن المَهْرَ في النِّكَاحِ يقابل جميع الوَطْئَات، وعند أبي حنيفة لا تَجِب الكَفَّارة بالمُكْثِ، واختاره المزني وساعدنا مالك وأحمد على الوجوب، والخلاف جَارٍ فيما إذا جَامَعَ نَاسِيًا ثُمَّ تذكر الصَّوْم واستدَام، ثم تكلم الأئمة في هذه المَسَائِلِ، في أن أول الفجر كيف يدرك وَيُحَس، ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي متقدماً عليه فكيف ليستمر فَرْضُ العِلْمِ بِهِ، كما طلع، وللشيخ أبي محمد في الجواب عنه مَسْلَكَانِ حَكَاهُمَا الإمَام عَنْهُ.
أحدهما: أن المسألة موضوعة على التَّقْدِير كدأب الفُقَهَاءِ في أمْثَالِهَا.
والثاني: أنا تَعَبَّدْنَا بِمَا نطلع عليه، ولا معنى للصّبح إلا ظهور الضوء للنَّاظرِ، وما قبله لا حكم له، فإذا كان الشَّخْصُ عَارِفاً بالأوقات ومنازل القمر وكان بحيث لا حائل بينه وبين المطلع وترصد فمتى أدرك فهو أول الصُّبح المعتبر.
قال الغزالي: القَوْلُ في شَرَائِطِ الصَّوْمِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: ثَلاَثةٌ في الصَّائِم وَهِيِ النَّقَاة عَن الحَيْض والإِسْلاَم وَالَعقْلُ في جَمِيعِ النَّهَار، وَزَوَال العَقْلِ بالجُنُونِ مُفسِدٌ وَلَوْ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، وَاسْتِتَارُه بِالنَّوْمِ لَيْسَ بِمُفْسِد وَلَوْ في كُلِّ النَّهَارِ (و)، وَانْغِمَارُهُ بالإِغْمَارِ فِيهِ أَقْوالٌ أنَّهُ كالنَّوْمِ أَوْ كالْجُنُونِ، وَأَصَحَّ الأَقْوَالِ أنَّهُ إنْ أَفَاقَ في أَوَّلِ النَّهَارِ لَمْ يَضُرَّهُ بَعْدَهُ الإِغْمَاءُ.

القول في شروط الصوم

: قال الرافعي: يشترط في الصَّائِمِ ثلاثة أمور.
أحدها: النَّقعاءُ من الحَيْضِ والنّفَاسِ، فلا يصح صوم الحائض والنفساء على ما قدمناه في الحَيْض.
والثاني: الإسْلاَم، فلا يصح صَوْمُ الكَافِرِ أصلياً كان أو مرتداً، كما لا يصح مِنْهُ سائر العِبَادات، وهذان الشَّرْطَان معتبران في جميع النَّهَار، وحتى لو طَرَأَ حيض، أو ردة في آخِرِ النَّهَار بَطَلَ الصَّومُ.
والثالث: العقل، فلا يصح صوم المجنون، ولو جُنَّ في أثناء النَّهَارِ فَظَاهِرُ

المَذهب بُطْلاَنُ صَوْمِهِ، كما لو جُنَّ في خِلاَل صَلاَتِهِ تَبْطُلُ صَلاتُه.
وفيه وجه: أن عُروضَ الجُنُون كَعروضِ الإغْمَاء، وسيأتي حُكْمُه، وعَبَّر الشَّيْخُ أبُو إِسْحَاقَ عَنْ هَذَا الخِلاَفِ في "المهذب" بقولين: الأول: الجديد.
والثاني: القديم.
ولو نوى من الليل، ونام جَمِيعَ النهار صَحَّ 1 صومه وعن أبي الطيب بْنِ سلمة، والإصْطَخْري: أنه لا يصح، كما لو مغمى عليه جميع النَّهار، واحتجا على ذلك بقوله في "المختصر: فإن أفاق في بَعْضِ النَّهَارِ، فَهُوَ صَائِمُ يعني المغمى عليه، ثم قال: وكذلك إِنْ أَصْبَحَ رَاقِداً، ثم استيقظ، فأشعر كلامه باشتراط الاستيقاظ في بَعْضِ النهار، والمَذْهَبُ الأَول.
والفرق بين النَّوْم والإغْمَاء إن سلمنا أن مستغرقه مُبْطِل وأن الإغماء يخرجه عن أهْلِيَّة الخِطَاب، ويلحقه بالمَجْنُون، والنَّائِم إذا نبه تنبه، ولهذا لا يسقُط قَضَاءُ الصَّلوَاتِ بِالنَّوْمِ، ويسقط بالإغْمَاء، ولو نوى من الَليل ثم عرض له الاغْماء، فقد نَصَّ في "المختصر" في "باب الصَّوْم" أنه إذا كان مَفِيقاً في جزء من النَّهَار صَحَّ صومُه، وفي "باب الظّهار" أنه إن كان مفيقاً في أول النَّهار صَحَّ صومُه 2، ويحكى مثله عن البويطي، وفي بعض كتبه أن المرأة إذا كانت صَائِمَةً فحاضت، أو أغمي عليها بَطَل صَوْمُهَا، وذلك يقتضي اشتراط الإفاقة في جميع النَّهَار.
وقال المُزَنِي: إذا نوى من اللَّيْلِ صَحَّ صومُه، وإن استغرق الإغماء جميع النَّهار كالنوم، وخرّج ابْن سُرَيْجٍ من نَصِّه في الظهار أنه يشترط الإفافة في طَرَفَي النَّهار، وقت طلوعِ الفَجرِ، ووقت غُروبِ الشَّمْسِ، وللأصحَاب في المسألة طَرِيقان، إثبات الخِلاَف ونفيه.
أما المُثْبِتُون لِلْخِلاَف فَلهُمْ طرق: أظهرها: أن المسألة على ثلاثة أقوال: أصحها: نصه في "المختصر" في "باب الصوم" وبه قال أحمد، ووجهه الإمام بأن

الدَّليلَ يقتضي اشتراط النِّيَّة، مقرونةً بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ العِبَادَةِ، إلاَّ أن الشَّرْع لَمْ يشترط ذَلِكَ، واكتفى بتقديم العَزْم دَفْعاً لِلْعُسْرِ، فلا بد من أن يقع المعزومُ عليه بحيث يتصور القَصْد إليه، وإمسَاك المَغمى عليه لا يقع مقصوداً، فإذا استغرق الإغماءُ امتنع التَّصحيح، وإذا وجدت الإفاقة في لَحْظة أَتْبَعْنَا زمان الإغماء، زمان الإفاقة.
والثاني: اشراط الإفاقة في أول النَّهار.
وبه قال مالك -رحمه الله- ووجهه: أنه حالة الشُّروع في الصَّوْم، فينبغي أن تجتمع فيه صفات الكمال، ولهذا خُصَّ أول الصَّلاَة باشتراط النِّية فيه.
والثالث: اشتراط الإفاقة في جَمِيع النَّهار كالإفاقة عن الجُنون، والنّقاء عن الحيض.
والطريق الثاني: أنه ليس في المَسْألَةِ إلا قَوْلاَن الأول والثاني.
وأما نصه الثَّالث فهو محمولٌ على ما إذا كان الإغماءُ مستغرقاً، أو على إغماء الجُنون، أو على أن جوابه رَجَع إلى الحَيْض دون الإغْمَاء، وقد يقع مثل ذَلِك في كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- حَكَى هذا الطريق والذي قَبْلَه الشَّيخ وأبو حَامِدٍ وغيره.
والثالث: أن المسألة عَلَى خمسة أقوال، هذه الثَّلاثة المَنْصُوصة، وقولان آخران مُخَرَّجَانِ.
أحدهما: ما ذكره المُزَنِيّ جعله بعض الأصحاب قولاً مخرجاً من النَّوْمِ، وبه قال أبُو حَنِيفة.
والثَّاني: ما ذكره ابْنُ سُرَيْجٍ، ووجهه بأن الصَّلاَة لما اعتبرت النية فِيهَا ولم تعتبر في جَمِيعِهَا اعتبرت في طرفيها، كذلك حُكْمُ الإفاقة في الصَّوْمِ، واستضعفت الأئمة هذا القول حتى غلط صَاحِب "الحاوي" ابْنُ سُرَيجٍ في تخريجه، وقال: لا يعرف للشَّافِعِي -رضي الله عنه- ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأما النَّافون للخلاف فلهم طريقان: أحدهما: أن المَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وهو اشتراط الإفاقة في أول النَّهَار، وما ذكره في الصَّوْمِ مُطْلَقٌ مَحْمُولٌ على مَا بَيَّنَهُ فِي الظّهَارِ.
وأظهرهما: أن المسأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وهو اشتراط الإفاقة في جُزْءِ مِن النَّهَارِ، وَتَعيْين أَوَّل النَّهَارِ فِي نَصِّه في الظِّهار وقع على سبيل الاتفاق.
وأما النَّصُ الثَّالِثُ فقد قدَّمنا تأويله.
ولو نوى باللَّيل، ثُمَّ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عقْلُهُ نَهَاراً فقد قال في "التهذيب" يُرَتَّبُ على ذلك الإغماء.
إن قلنا: لا يَصِح الصَّوم في الإِغْمَاء فهاهنا أولى وإن قلنا: يصح فوجهان: والأصح: أن عليه القَضَاءِ؛ لأنه كان بِصُنْعِهِ، ولو شرب المُسْكِر لَيْلاً، وبقي سُكُرهُ فِي جَمِيع النَّهَار، فعليه القَضَاء، وَإِنْ بَقِيَ النَّهَارِ، ثُمَّ صَحَا فَهُوَ كَالإغْمَاءِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، قاله في "التتمة".
وأما لفظ الكِتَاب فمسألتا الجُنون، والنَّوْمُ معَلَّمَتَانِ بالواو؛ لما حكينا من الوجهين.

وقوله: (في الإغماء أقوال) يجوز إعلامه "بالواو" للطريقة النافية للخِلاَف، وما أَطْلَقه من الأقْوَال محمولٌ على طَريقة إِثْبَات الأَقْوَال الخَمْسَة، لكنه ذكر منها ثلاثة: أحدها: المُخَرَّج الَّذِي اختاره المُزَنِي، وهو قوله: "كالنوم".
والثَّاني: منصوصة في بعض كتبه، وهو قوله: (كالجنون).
والثَّالث: منصوصه في "باب الظِّهَار".
وأما القولان الباقيان فلم يذكرهما، ولو حملنا ما أطلقه على الأقوال الثَّلاثة التي ذكرها وقدرنا حصره خلاف المسألة فيها لكان صَاحب الكتابِ منفرداً بنقل هذه الطريقة.
وقوله: (كالنوم أو كالجنون) التشبيه بهما مَبنِيٌّ عَلى ظَاهِرِ المَذْهَبِ فِيهِمَا، وجعله القول الثالث أصح الأقوال خلاف ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ، وإنما الأَصَح عِنْدَهُمْ ما قدَّمْنَا ذِكْره، وما أطلقه من عبارات الزَّوال والانغمار والاستتار فإنما أخذه من الإمام حيث جعل لاختلال العقل مراتب: أحدها: الجنون، وهو يسلب خواص الإنسان، ويكاد يلحقه بالبَهَائم.
والثانية: الأغماء، وهو يُغْشِي العقل، ويغلُب عليه حتى لا يبقى في دفعه اختيار.
والثالثة: النوم وهو مزيل للتمييز، لكنه سَهْلُ الإزَالَةِ، والعقل معه كالشَّيْءِ المَسْتُور الَّذِي يَسْهُلُ الكَشْفُ عنه، قال: ودونها مرتبة رابعةٌ وهي الغَفْلَة، ولا أثر لَهَا فِي الصَّوْمِ وِفَاقاً.
قال الغزالي: الرَّابعُ الوَقْتُ القَابِلُ لِلصَّومِ وَهُوَ جَمِيعُ الأَيَّامِ إلاَّ يَوْمِ العِيدَيْنِ (ح) وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ (و) وَلاَ يصحُّ صَوْمُ المُتَمَتَّع فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقَ عَلَى الجَدِيدِ، وَصَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ صَحِيحٌ إنْ وَافَقَ نَذْراً أَوْ قَضَاءاً أَوْ وِرْداً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ فَهُوَ مَنهِيٌّ (م ح) وَفِي صحَّتِهِ وَجْهَانِ كَالصَّلاَةِ فِي الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ، وَيوْمُ الشَّكِّ أَنْ يَتَحَدَّث بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ مَن لاَ يَثْبُتُ الهِلاَلُ بِشِهَادَتِهِ كَالعَبِيدِ وَالفُسَّاقِ.
قال الرافعي: أيام السَّنَةِ تنقسم إلى الشَّك وغيره، وغيره ينقسم إلى يَوْمَي العِيد، وأيَّام التَّشْرِيق، وغيرها.
فأما غيرها من الأيام فهو قابلٌ للصوم بلا استثناء.
وأما يومَا العيد فلا يقبلانه خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-؛ لأن عنده لو نَذَرَ صومهما كان له أن صَوْمَ فيهما.
لنا: أنه روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَومِ

الأَضْحَى، وَيوْمِ الْفِطْرِ" 1. وأما أيَّام التَّشْرِيق فهل يجوز للمتمتع العَادِم لِلْهَدْيِ أن يصومها عن الثَّلاثَةِ أيام اللاَّزِمة في الحج؟ فيه قولان: القديم -وبه قال مَالِك-: أنه يجوز؛ لما روى عن عائشة -رضي الله عنها- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أرْخَص للْمُتَمَتِّع إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، وَلَمْ يَصُمِ الثَّلاثَةَ فِي الْعَشْرِ أَنْ صَوْمَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ" 2. وإلى هذا ميل الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
والجديد: أنه لا يجوز، بل هما في عدم قبول الصَّوْمِ كالعبدين؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَصُومُوا فِي هَذِهِ الأيَّام فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ" 3 فإن فرعنا على القديم، فهل يجوز لغير المتمتع صَوْمُهَا؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: نعم؛ لأن تجويز صَوْمِهَا للمتمتع إنما كان لأنه صَوْمٌ لَهُ سَبَبٌ، فيجوز مِثْلُ هذا الصَّوْمِ لكل أَحَدٍ دون التَّطوعات المحضة.
وقال الأكثرون: لا يجوز؛ لأن النَّهْيَ عَامٌّ، والرُّخْصَةُ وَرَدَتْ في حق المتمتع خَاصَّة 4، وذكر الإمام أن القاضي الحُسَيْنَ سلك مسلكاً يفضي إلى تنزيل يوم العيد مُنْزَلة يَوْمِ الشَّكِ، قال: وما تراه قاله عن عقد.
وأما يوم الشَّكِّ 5 فقد روي عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -رضي الله عنه- أنه قال: "مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكَّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ" 6 فلا يصح صَوْمُه عَنْ رَمَضَانَ خلافاً

جارٍ التحميل