كتَابُ العَارِيةِ
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ في أَرْكَانِهَا وَأَحْكَامِهَا، أَمَّا الأَرْكَانُ فَأَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ: المُعِيرُ) وَلاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ إِلاَّ كَوْنُهُ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ غَيْرَ مَحَجْوُرٍ عَلَيْهِ في التَّبَرُّعِ، فَيَصِحُّ مِنَ المُسْتَأْجِرِ وَلاَ يصحُّ من المُسْتَعِيرِ عَلَى الأَظْهَرِ لإنَّهُ مُسْتَبِيحٌ بِالإِذْنِ كَالضَّيْفِ، نَعَمْ لِهُ أَنْ يَسْتَوفَي المنَفَعَةُ بِالوَكِيلُ يُوكِّلُهُ لِنَفْسِهِ.
(الثَّانِي: المُسْتَعِيرُ) وَلاَ يُعْتَبَر فِيهِ إِلاَّ كَوْنُهُ أَهْلاً للتَبَرُّعِ.
قال الرافعي: قال في "الصِّحَاح": العارية بالتشديد، كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار.
وقال غيره: منسوبة إلى العار، وهي مصدر يقال: أعار يعير إعارة كما يقال: أجاب يجيب إجابة، وجابة وأطاق إطاقة وطاقة.
وقيل: هي من عار يعير، أي جاء وذهب، فسميت عارية لتحويلها من يد إلى يد.
وقال إنه من التعاور الإعتوار، وهو أن يتداول القوم الشيء بينهم، وذكر الخَطَّابِيُّ في "الغريب" أن لغة العارية بالتشديد وقد تخفف 1.
الجزء: 5 - الصفحة: 368
والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] فسره بعضهم بما يستعيره بعض الجِيْرَان من بعض كالدلو والفأس والقدر، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:" العارِيَةُ مضمونة والزَّعيم غَارِمٌ" 2.
وروى أيضاً أنه -صلى الله عليه وسلم- (استعار درعًا مِنْ صَفْوَانَ فقَالَ أغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بَلْ عَارَيةٌ مَضمُونَةٌ) 3.
فقال صاحب الكتاب (ولها أركان وأحكام).
أما الأركان:
فاحدها المُعير والمعتبر فيه المنفعة 4، وألاَّ يكون محجوراً عليه في التبرّعات، = عرفها المالكية بأنها: تمليك منفعة مؤقتة لا بعوض.
عرفها الحنابلة بأنها: العين المعارة من مالكها أو مالك منفعتها أو مأذونها في الأنتفاع بها مطلقًا، أو زمناً معلومًا بلا عوض.
انظر: تبيين الحقائق 5/ 83، المحلى على المنهاج 3/ 17، مواهب الجليل 5/ 568، كشاف القناع 4/ 72. أسهل المدارك 3/ 29، مجمع الأنهر 2/ 345 - 346.
الجزء: 5 - الصفحة: 369
وإنما اعتبرت ملكية المنفعة دون العين؛ لأن الإعارة ترد على المنفعة دون العين، وإنما اعتبر عدم الحَجْر في التبرعات؛ لأن الإعارة تبرع، ويتعلق بقيد المالكية صورتان.
إحداهما: أن المستأجر يجوز له أن يعير؛ لأن مالك المنفعة أَلاَ تَرَى أنه يجوز له أخذ العوض عنها بعقد الإجاره؟ وكذا الموصى له بخدمة العَبْدَ وَسَكْنَى الدار له أن يعيرها 5.
الثانية: أن المستعير هل يعتبر 6؟ فيه وجهان.
أحدهما: نعم، كالمستأجر فإن للمستأجر أن يؤجّر، فكذلك المستعير له أن يعير، ويحكى هذا عن أبي حنيفة.
وأصحهما: المنع؛ لأنه غير مالك للنفعة ألاَ ترى أنه لا يجوز له أن يؤجر، وإِنما أبيح له الانتفاع، والمستبيح لا يملك نقل المِلْكِ بإلاباحه إلى غيره، والضيف الذي أبيح له الطَّعَام ليس له أن يبيح لغيره، للمستعير أن يستوفي المنفعة بنفسه 7، وبوكيله.
= نقله عن الكفاية وأقره عليه فالذي ذكره في الروضة ظاهره ضمان المعير، وعبارته في الأضحية يجوز ركوبها وإركابها بالعارية والحمل عليهما من غير إجحاف، فإن نقصاً بذلك ضمن أي الناذر بالاستعمال والعارية.
الجزء: 5 - الصفحة: 370
الركن الثاني: في المستعير.
قال في الكتاب: "ولا يعتبر فيه إلاَّ كونه أهلا للتبرع" أي يتبرع عليه، وكأنه أراد التبرع بعقد يشتمل على الإيجاب والقبول إما بقول، أو فعل، وإلاَّ فالصبي والبهيمة لهما أهلية التبرع والإحسان إليهما، ولكن لا يوهب منهما ولا يعار.
قال الغزالي: (الثَّالِث: المُسْتَعَارُ) وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفِعًا به مَعَ بَقَائِهِ، وَفي إِعَارَةِ الدنانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِمَنْفَعَةِ التَّزْيِينِ خِلاَفٌ؛ لأَنَّها مَنْفَعَةٌ ضَعِيفَةٌ، فَإذَا جَرَتْ فَهِيَ مَضْمُوَنَةٌ لأنها عَارِيةٌ فَاسِدَةٌ، وَأَنْ يكَوُنَ الانْتِفَاعُ مُبَاحًا فَلا تُسْتَعَارُ الجَوَارِي لِلاسْتِمْتَاعِ، وَيكُرْهُ الأسْتِخْدَامُ إلاَّ لِمَحْرَمِ، وَكَذَا يُكْرَهُ اسْتِعَارَةُ أَحَدِ الأَبوَيْنِ لِلْخِدمَةِ، وَإِعَارَةُ العَبْدِ المُسْلِمِ مِنَ الكَاِفِرِ، وَيَحْرُمُ إِعَارَةُ الصَّيْدِ مِنَ المُحْرِمِ.
قال الرافعي: الركن الثالث: المُسْتَعَار، وله شرطان.
أحدهما: أن يكون منتفعًا به مع بقاء عينه، كالعَبْدِ والدَّواب والدُّور والثياب.
أما الأطعمة فلا يجوز إعارتها؛ لأن منفعتها في استهلاكها، وفي إعارة الدراهم والدنانير وجهان:
أحدهما: الجواز؛ لأنها تصلح للتزُّين بها، وللضَّرْب على طَبْعِهَا.
وأصحهما: المنع لأن هذه منفعة ضعيفة قَلَّمَا تقصد، ومعظم منفعتها في الإنفاق، والإخراج.
قال الإمام: وما ذكرناه في الدراهم يجرى في استعارة الحنطة والشعير، وما في معناها، ولك أن تبحث عن مواضع الخلاف أهو ما إذا صرح بالأعارة للتزُّين أم إذا أطلق؟ فالجواب أن الأسبق إلى الفهم من كلامهم في مسألة الدراهم أن الخلاف في حالة الإطلاق.
فأما إذا صرح التزّين فقد اتَّخَذَ هذه المنفعة مقصداً، وإن ضعفت فينبغي أن يصح، وبصحته أجاب في "التتمة" وعلى هذه قوله في الكتاب: "المنفعة التزين" ليس هو من كلام المعير، وإنما هو إشارة إلى صورة الجواز، لكن هذا يتفرغ على تصحيح الإعارة مطلقًا.
أما إذا شرطنا تعيين جِهَة الانتفاع، فلا بد من التعرُّض للتزين، أو غيره، وسيأتي الخلاف فيه، وحيث قلنا: إنه لا يصح إعارتها، فإن جرت، فهي مضمونة؛ لأن العارية الصحيحة مضمونة، وللفاسدة حكم الصحيحة في الضمان.
= ولده الصغير ليخدم ممن يتعلم منه، وقول الشيخ قد سبق في كتاب الحج نحو هذا ليس في كتاب الحجر شيء مما أثار إليه.
قال الزركشي: وينبغي أن يكون المجنون والبالغ السفيه كذلك ينظر الروضة بتصرف 4/ 72.
الجزء: 5 - الصفحة: 371
وفيه وجه: أنها غير مضمونه؛ لأن العارية صحت، أو فسدت تعتمد منفعة معتبرة؛ فإذا لم توجد، فما جرى بينهما ليس بعارية؛ لا أنه عارية فاسدة، ومن قبض مال الغير بإذنه لا لمنفعته كان أمانه في يده.
الشرط الثاني: أن تكون المنفعه مباحة، فلا يجوز استعمارة الجَوَارِى للاستمتاع، وإما للِخدمة فيجوز إن كانت الإعارة من مَحْرم أو امرأة، وإلاَّ فلا يجوز لخَوْف الفتنة إلاَّ إذا كانت صغيرة لا تُشْتَهَى أو قبيحة، ففيها وجهان 8.
وقوله في الكتاب: "ويكره الاستخدام إلا لمحرم" لفظ الكراهية يستعمل للتحريم تارة، وللتنزيه أخرى، وأراد هاهنا التحريم على ما صَرَّح به في "الوسيط"، وهو جواب على نفي الفرق بين الصغيرة والكبيرة، ثم إنه حكم في "الوسيط" بالصحة، وإن كانت الإعارة محظورة، فيشبه أن يقال بالفساد، فالإجارة للمنفعة المحرمة، ويشعر بما ما أطلقة المُعْظَم من نفي الجواز 9 ويكره استعارة أحد الأبوين للخدمة؛ لأن استخدامهما 10 مكروه، ولفظ الإمام في المسألة نفى الحل، ويكره إعارة العبد المُسْلم من الكافر، وهي كراهة 11 تنزيه والله أعلم.
ولا يجوز للحلال إعارة الصَّيْدِ من المُحرم؛ لأنه يحرم عليه إمساكه، فلو فعل وتلف في يد المُحرم ضمن الجزاء لله تعالى والقيمة للحلال، وإن أعار محرم من
الجزء: 5 - الصفحة: 372
حلال.
فإن قلنا: إن المحرم يزول ملكة عن الصيد، فلا قيمة له على الحلال؛ لأنه أعار ما ليس ملكًا له، وعلى المحرم الجزاء لله تعالى لو تلف في يد الحلال؛ لأنه متعّدٍ بالإعارة، وكان من حقه الإرسال.
وإن قلنا: لا تزول صحت الإعارة، وعلى الحلال القيمة لو تلف الصيد عنده.
فرع: دفع شاة إلى رجل، وقال: ملَّكتك دَرّها ونسلها، فهي هبة فاسدة، وما حصل في يده من الدر والنسل كالمقبوض بالهبة الفاسدة، والشاة مضمونة عليه بالعارية الفاسدة، ولو قال: أبحث لك دَرّهَا ونسلها، فهو كما لو قال: ملكتك على أحد الوجهين.
والثاني: أنها إباحة صحيحة، والشاة عارية صحيحة، وهذا ما أورده صاحب "التتمة" 12.
وعلى هذا فقد تكون العارية لاستيفاء عين، وليس من شرطها أن يكون المقصود مجرد المنفعة، بخلاف الإجارة، ولو قال: ملكت لك دَرَّهَا، أو أبخنكه على أن تعلقها.
قال في "التهذيب": العلف أجرة الشاة وثمن الدر والنسل، والشاة غير مضمونة؛ لأنها مقبوضة بإجاره فاسد، والدر والنسل مضمون عليه بالشراء الفاسد، وكذلك لو دفع قراضه إلى سقَّاءٍ، وأخذ الكوز ليشرب فسقط من يده، وانكسر ضمن الماء؛ لأنه مأخوذ بالشراء الفاسد، ولم يضمن الكوز؛ لأنه في يده بإجارة فاسدة وإن أخذ مجانًا، فالكوز عارية، والماء كالمقبوض بالهبة الفاسدة 13.
الثاني: قال في "التتمة": تعين المستعار ليس بشرط عند الأستعارة حتى لو قال: أعرنى دابتك، فقال المالك: أدخل الإصْطَبل، وخذ ما أردت، صحت العارية، بخلاف الإجارة تُصَان عن مثلها؛ لأن الغرور لا يحتمل في المعارضات والله أعلم.
قال الغزالي: (الرَّابِعُ: صِيغَةُ الإِعَارَةِ) وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلىَ الإِذْنِ الانْتِفَاعِ،
الجزء: 5 - الصفحة: 373
ويَكْفِي القَبُولُ بِالفِعْل، وَلَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَ حِمَارِي لِتُعِيَر لىِ فَرَسَكَ فَهُوَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَلاَ مضَمْوُنَةٍ، وَلَوْ قَالَ: اغْسِلْ هَذَا الثَّوبْ فَهُوَ اسْتِعَارةٌ لِبَدَنِهِ، وَإِنْ كَانَ الغَاسِلُ مِمَّنْ يَعْمَلُ بالأُجْرَةَ اعَتْيِاَدًا اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ.
قال الرافعي: في الباب ما يدلُّ على الإذن في الأنتفاع، لقوله: أعرتك أو خذه لتنتفع به، وما أشبههما ثم ظاهر لفظ الكتاب أنه يعتبر اللفظ من جهة المُعير، وأنه لا يعتبر من جهة المُستعير، وإنما يعتبر منه القبول، إما باللفظ وإما بالفعل، كما في الضيف، وقد صرح بهذا في "الوسيط".
وقال صاحب "التهذيب" وغيره: المعتبر في الإعارة اللفظ من أحد الطرفين، والفعل من الآخر حتى لو قال المستعير: أعرنى فسلمه المالك إليه، صحت الإعارة، وكان كما لو قال: خذه لتنتفع به، فأخذه تشبيهاً للإعارة بإباحة الطعام.
وذكر أَبُو سَعِيْدٍ الُمَتَولِّى أن اللفظ لا يعتبر في واحد من الطرفين، حتى لو رآه عاريًا فأعطاه قميصًا لبسه تمّت العارية، وكذلك لو فرش لضيفة فراشاً أو بساطًا أو مصلّى أو ألقى له وِسَاَدة، فجلس عليها كان ذلك إعارة، بخلاف ما لو دخل مجلسًا فجلس على الفرش المبسوط 14 لأنه لم يقصد بها انتفاع شخص معين، ولا بد في العارية من تعيين الشخص المستعير، وهذا الذي ذكره يشبه تمام الشبه بالضيافة، ويوافقه ما حكى 15 عن الشيخ أبِي عَاصِمٍ أنه إذا انتفع بظَرْفِ الهديّة المبعوثة إليه، حيث جرت العادة باستعماله 16 كأكل الطعام من القصعة المبعوث فيها كان عارية؛ لأنه منتفع يملك الغير، بإذنه 17.
والأشهر الرواية الوسطى، ولو أعلم قوله في الكتاب: "وصيغة الإعارة" -بالواو- كما ذكره في "التتمة" لكان صحيحاً، ثم في الفصل مسألتان:
الأولى: إذا قال: أعرتك حماري لتعيرني فرسك، فهي إجارة فاسدة على كل واحد منهما أجرة مثل دابة الآخر، وكذلك الحكم إذا أعاره شيئاً بعوض مجهول، كما لَوْ أعاره دابته ليعلفها 18، أو داره ليطين سطحها، وكذا 19 لو كان العوض معلوماً ولكن
الجزء: 5 - الصفحة: 374
مدة الإعارة مجهولة، كما لو قال: أعرتك داري بعشرة دراهم، أو لتعيرني ثوبك شهراً.
وفيه وجه أنه عارية فاسدة نظراً إلى اللفظ، فعلى هذا تكون مضمونة عليه، وعلى الأول لا ضمان 20.
ولو بين مدة الإعارة، وذكر عوضاً معلوماً فقال: أعرتك هذه الدار شهرًا واليوم بعشرة دراهم لتعرني ثوبك شهراً من اليوم، فهي إجارة صحيحة مضمونة، أو إعارة فاسدة؟ فيه وجهان مبنيان على أن النظر إلى اللفظ، أو المعنى، ولو دَفَع دراهم إلى رجل، وقال: اجلس في هذا الحَانُوتِ، واتَّجِرْ عليه بنفسك، أو ادفع إليه بذرًا، ازرع به هذه الأرض، فهو مُعِيْرُ الحانوت، والأرض، وأما الدراهم والبذر، فتكون هبة أو قرضًا، فيه وجهان.
الثانية: لو قال لقَصَّارٍ: اغسل هذا الثوب، أو لخَيَّاط خطه مجانًا، ففعل، فلا أجرة له، ولو قال: اغسله أو خيطه، وأنا أعطيك حَقّك، أو أجرتك يستحق أجرة المْثِلِ، وهذا إجارة فاسدة، ولو اقتصر على قوله: اغسله أو خيطه، أوجه، نذكرها في "الإجارة"، فإن ذلك الموضع أحق بذكرها، وصاحب الكتاب قد أعاد المسألة هناك وذكر بعض تلك الأوجه.
واعرف في هذا المقام سببين:
أحدهما: أن قوله: أن قوله "فهو استعارة" أراد به استعاره بَدَنِهِ لذلك العمل، ولا يعد في إطلاق الأستعارة والاعارة في منافع الحُرّ كالإجارة.
والثَّانى: إن حاصل جوابه في المسألة أنه إنْ كان من يعتاد ذلك بالأجرة استحق الأجرة وإلاَّ فلا، وهذا أحد الوجود الوجوه المشار إليها لكن ظاهر المذهب غيره على ما سيأتي.
إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: أَمَّا أَحْكَامُهَا فأَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ: الضَّمَانُ)، وَالعَارِيَةُ مَضْمُونَةُ الرَّدِّ والعَيْنِ يِقَيمَتِهِا (ح) يَوْمَ التَّلَفِ، وَقِيلَ بِأَقْصَى القِيم مِنْ يَوْمِ القبْضِ إِلَى يَوْم التَلَفَ كَالغَصْب، وَمَا يَنْمحِق مِنْ أَجْزَائِهَا بالاسْتِعْمَالِ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَالمُسْتَعَيرُ مِنَ المُسْتَأجِرِ
الجزء: 5 - الصفحة: 375
هِلْ يَضْمَنُ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، والمُسْتَعِيرُ مِنَ الغَاصِبِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إِذَا تَلَفَ تَحْتَ يَدِهِ وَلَوْ طُولِبَ بإجْرَةِ المَنْفَعَةِ فَمَا تَلَفَ تِحْتَ يَدِهِ فَلاَ خِلاَفَ فِي قَرَارِ ضَمَانِهِ عَلَى المُعِيرِ، وَمَا تَلَفَ باِسْتِيفَائِهِ فَقَوْلانِ لأنَّهُ مَغْرُورٌ فِيهِ.
قال الرافعي: من أحكام العارية الضمان، والكلام في الضمان رد العين والإجزاء، أما ضمان الرد فمعناه أن مؤنة الرد على المستعير: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تؤَدِّيَهُ) 21.
وأيضاً فإن الإعارة نوع بر ومعروف فلو لم تجعل مؤنة الرد على المستعير لامتنع الناس من الإعارة.
وأما ضمان العين، فإنها إذا تلفت في يد المستعير ضمنها 22، سواء تلفت بآفة سماوية أو بغفله بتقصير، أو من غير تقصير، وبه قال أَحْمَدُ وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يضمن إلاَّ إذا تَعَدَّى فيها.
وعن رواية الشيخ أَبي عَلِيٍّ أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قولاً مثله في "الأمَالِي".
ووجه ظاهر المذهب الخبر المذكور في صدر هذا الباب، وأيضاً فإنه مال يجب رده إلى مالكه، فتجب قيمته عند التلف، كالمأخوذ على سبيل السَّوْمِ، وأيضاً
الجزء: 5 - الصفحة: 376
فإن المستعير من الغَاصِبِ يستقرُّ عليه الضمان، ولو كانت العارية أمانة لما استقر، كالمودع من الغاصب.
وذهب مَاِلكٌ إلى أن العارية مضمونة إلاَّ أن تكون حيواناً، فهو أمانة، ولو أعار بِشَرْطِ أن تكون أمانة لغَا الشرط، وكانت مضمونة، وإذا وجب الضمان، فأي قيمة تجب؟ فيه ثلاثة أوجه، وسماها الزَّجَّاجيُّ أقوالاً، وكذلك فعل في "الوسيط".
أحدها: أقصى القيم من يوم القَبْضِ إلى التلفِ؛ لأنه لو تلف في حالة زيادة القيمة لوجبت القيمة الزائدة، فأشبه المغصوب.
والثاني: قيمة يوم القبض تشبيهاً بالقرض يومئذ.
والثالث وهو الأصح: قيمة يوم التلف؛ لأن إيجاب أقصى القيم بمثابة ضمان الأجزاء التالفة بالاستعمال، وهي غير مضمونة على الصحبح، كما سيأتي، ومن قال بالأول منح كون تلك الأجزاء غير مضمونة بالاستعمال على الإطلاق.
وقال إنما لا يضمن إذا رد العين، وينبني على هذا الخلاف أن العارية إذا ولدت في يد المستعير، هل يكون الولد مضمونًا في يده 23.
إن قلنا: إنْ العارية مضمونة ضمان الغصب، كان مضمونًا عليه، وإلاَّ فلا، وليس له استعماله بلا خلاف، والخلاف المذكور في العارية أنها كيف تضمن جارٍ في المأخوذ على سبيل السوم إلاَّ أن الأصَحَّ هناك على ما ذكره في "النهاية" أن الاعتبار بقيمة يوم القبض؛ لأن تضمن أجزائه غير ممتنع.
وقال غيره: الأصح فيه كهو في العارية، وهذا كله فيما إذا تلفت العين، لا بالاستعمال، أما إذا تلفت بالاستعمال بأن انْمَحَقَ الثوب باللبس، فوجهان:
أصحهما: أنه لا يجب ضمانها كالأجزاء.
والثاني: يجب؛ لأن حق العارية أن ترد، فهذا تعذر الرد لزم الضمان، وعلى هذا فما الذي يضمن؟ فيه وجهان:
أحدهما، وهو المذكور في "النهاية": أنه يضمن العين بجميع أجزائها.
وأصحهما، وهو المذكور في "التهذيب": أنه يضمن في آخر حالات التقويم، وصححه في "التتمة".
الجزء: 5 - الصفحة: 377
وأما ضمان الأجزاء، فما تلف منها بسبب الاستعمال المأذون فيه كانمحاق الثوب باللبس لا يلزم ضمانها لحدوثه عن سبب، وأذن فيه.
وفيه وجه ضعيف: أنه يلزم؛ لأن العارية مؤداة، فهذا تلف بعضها فات رده، فيضمن بدله، وما تلف منها بغير هذا السبب، ففيه وجهان مذكوران في "التهذيب":
أحدهما: أنه لا يلزم ضمانها أيضاً، كما لو تلف بالاستعمال، ويكتفى برد الباقي.
وأصحهما: اللزوم، كما لو تلفت العين كلها وهلاك الدابة بسبب الركوب، والحمل المعتاد، كانمحاق الثوب وتعييبها به كالانمحاق، كذا ذكره الإمام.
وفيما جمع من "فَتَاوى القَفَّالِ" انه لو قرّح ظهرها بالحمل، وتلفت منه يضمن، سواء كان متعديًا بما حمل، أو لم يكن؛ لأنه إنما أذن في العمل لا في الجراحة، وردُّها إلى المالك لا يخرجه عن الضمان؛ لأن السّرَاية تولدت من مضمون، فصار كما لو جرح دابة الغير في يده، وهذا في الجمل الذي هو غير متعدّ به جواباً على وجوب الضمان في صورة تفسير الانمحاق والله أعلم.
كذا ذكر الإمام وجميع ما ذكرناه فيما إذا استعار من المالك، ووراءه صورتان:
إحداهما: إذا استعار من المستأجر، أو الموصى له بالمنفعة فأحد الوجهين: أنه يضمن، كما لو استعار من المالك.
وأصحهما: أنه لا يضمن 24؛ لأن المستأجر لا يضمن، وهو نائب المستأجر ألاَ تَرى أنه إذا انقضت مدة الإجارة ارتفعت العارية، وأنه استقرت الأجرة على المستأجر بانتفاع المستعير.
ومؤنة الرد في هذه الاستعارة على المستعير 25 أنْ رد على المستأجر، وعلى المالك إن رد عليه كما لو رد عليه المستأجر.
الثانية: إذا استعار المغصوب من الغاصب، وتلف في يده غَّرم المالك قيمته يوم التلف من شاء منهما وقرار الضمان على المستعير.
لأن المال حصل في يده بجهة مضمونة، وإن كانت قيمته يوم التلف أكثر، نظر أن كانت الزيادة في يد المعير الغاصب لم يطالب بها غيره، وإن كانت في يد المستعير.
فإن قلنا: العارية تضمن ضمان المغصوب فهو كقيمته يوم التلف 26.
الجزء: 5 - الصفحة: 378
وإن قلنا: لا تضمن ضمان المغصوب، فغرامة الزيادة كغرامة المنافع، وإذا طالبه المالك فغرامة المنافع، وغرمها بالمنفعة التي تلفت تحت يده قرار ضمانها على المعير، لأن يد المستعير في المنافع ليست يد ضمان، والتي استوفاها بنفسه فيها قولان.
مشروحان في "الغصب" النظر في أحدهما إلى تقرير المعير إياه
وفي الثاني إلى مباشرته الإتلاف، وهو الأظهر، والمستعير من المستأجر من الغاصب حكمه حكم المستعير من الغاصب إن ضمنَّا المستعير من المستأجر، وإلاَّ فيرجع بالقيمة التي غُرمها على المستأجر على الغاصب والله أعلم.
قال الغزالي: والمُسْتَعِيرُ كُلٌّ طَالِبٍ أَخَذَ المَالَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَلَوْ أَرْكَبَ وَكِيلَهُ المُسْتَعْمَلَ فِي شُغْلِهِ دَابَّتَهُ فَتَلَفَتْ فَلاَ ضَمَان عَلَيْهِ، وَلَوُ أَرْكَبَ فِي الطَّرِيقِ فَقِيرًا تَصَدُّقًا عَلَيْهِ، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ.
قال الرافعي: ذكر حد المستعير ليبنى عليه مسائل، فقال: "والمستعير كل طالب أخذ المال لغرض نفسه من غير استحقاق".
وزاد بعضهم وقال: وتملك، وقصد بهذه الزيادة الاحتراز عن المستقرض.
وأما ففي الاستحقاق، والقصد منه الاحتراز عن المستأجر، والحد مع هذه الزيادة ودونها معترض من وجهين:
أحدهما: أنه منقوض بالمُسْتَام من الغاصب.
والثاني: أن التعرض لكونه طالبًا غير محتاج إليه، إذ لا فرق بين أن يلتمس المستعير حتى يعير، وبين أن يبتدئ المعير بالإعارة.
وأما المسائل المشار إليها فمنها: أنه لو أركب وكيله الذي استعمله في إشغاله دابته وسيره إلى موضع، فتلفت الدابة في يده من غير تعدّ، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يأخذها لغرض نفسه، وكذلك لو سلمها إلى رائض ليروضها، أو كان عليها متاع نفيس، فاركب إنساناً فوقه إحرازًا للمال.
ومنها: لو وجد مَنْ أعيا في الطريق، فاركبه، فالمشهور أنه يضمن، سواء التمس = وإن ضمناه بقيمة يوم التلف وهو الأصح، ففي المثلي القيمة أيضاً.
فما في كتب الشيخين ماشٍ على الصحيح، وجزم به في "الأنوار" واقتضاه كلام جمع، وحيئذ يصير مستثنى من قاعدة أن المثلي يضمن بالمثل.
وقال ابن عصرون: يضمن المثل بالمثل وجرى عليه السبكي.
وقال الشيخ زكريا وهو الأوجه.
الجزء: 5 - الصفحة: 379
المدعي 27 أو ابتدأه المركب.
وقال الإمام: إنه لا يضمن؛ لأن القصد من هذه العارية التصدق والقربة، والصدقات في الأعيان تفارق الهبات ألاَ ترى أنه يرجع في الهبة، ولا يرجع في الصدقة، وكذلك يجوز أن تفارق العارية التي هي صدقة سائر العَوَاري في الضمان، وأقام صاحب الكتاب هذا وجهاً وحكم بأنه أظهر.
ولو أركبه مع نفسه، فعلى الرّدِيْفِ نصف الضمان، ورأى الإمام أنه لا يلزمه شيء تشبيهاً بالضيف، وعلى الأول لو وضع متاعه على دابة غيره، وأمره أن يسير الدابة، ففعل كان صاحب المتاع مستعيرًا للدابة بقسط متاعه مما عليها، حتى لو كان عليها مثل متاعه، وتلف ضمن نصف الدابة ولو لم يقل صاحب المتاع: سيرها، ولكن سيرها المالك لم يكن صاحب المتاع مستعيرًا، ودخل المتاع في ضمان صاحب الدابة؛ لأنه كان من حقه أن يطرحها، وإن كان لأحد الرفيقين في السفر متاعٌ للآخر دابة، فقال صاحب المتاع للآخر مَتَاعِي على دابتك، فأجابه، فصاحب المتاع مستعير لها.
ولو قال صاحب الدابة: أعطني متاعك لأضعه على الدابة، فهو مستودع متاعه، ولا تدخل الدابة في ضمان صاحب المتاع، أورده كذا في "التهذيب".
فرع: لو استعار دابة ليركبها إلى موضع، فجاوزه، فهو متعدّ من وقت المجاوزة، وعليه أجرة المثل ذهابًا ورجوعًا إلى ذلك الموضع، وفي لزوم الأجرة من غير ذلك الموضع إلى أن يرجع إلى البلد الذي استعار منه وجهان: وجه المنع: أنه مأذون فيه من جهة المالك.
ووجه اللزوم: أن ذلك قد انقطع بالمجاوزة، وعلى هذا فليس له الركوب من ذلك الموضع، بل يسلمه إلى حاكم الموضع الذي استعار إليه.
فرع: أودعه ثوبًا وقال: إن شئت تلبسه فالبسه، فهو قبل اللبس وديعة وبعده عارية وعن صاحب "التقريب" تخريج وجه آخر من السَّوْم؛ لأنه مقبوض على توقع الانتفاع كما أن المأخوذ على سبيل السوم مقبوض على توقع عقد ضمان قال: ولو قيل: لا ضمان في السوم أيضاً تخريجًا مما نحن فيه لم يبعد.
فرع: استعار صندوقًا فوجد فيه دراهم، فهي أمانة عنده، كما لو طَيَّرَ الريح الثوب في داره.
قال الغزالي: اصطلاحكم الثَّانِي: التَّسَلُّطُ عَلَى الانْتِفَاعِ، وَهُوَ بِقَدْرِالتَّسْلِيطِ، فَإِنْ
الجزء: 5 - الصفحة: 380
أَذِنَ لَهُ فِي زِرَاعَةِ الحِنْطَةِ لَمْ يَزْرَعْ مَا ضَرَرُهُ وَزَرَعَ مَا ضَرَرَه فَوْقَهَا مِثْلُهَا أَوْ دُونَهِا إِلاَّ إِذَا نَهَاهُ، وَلَوْ أَذِنَ في الغِرَسِ فَبَنَى أَوْ في البِنَاءِ فَغَرَسَ فَوَجْهَانِ لاِخْتِلاَفِ جِنْس الضَّرَرِ، وَلَوْ أَعَارَ الأَرْضَ ولَمْ يُعَيِّنْ فَسَدَتِ العَارِيةُ، فَإِنْ عَيَّنَ جِنْسَ الزِّرَاعَةِ كَفَاهُ.
قال الرافعي ومن أحكام العارية تسلّط المستعير على الانتفاع بحسب إذن المعير وتسليطه، وفيه مسائل:
الأولى: إذا أعار أرضًا للزراعة، فأما أن يبين ما يزرعه أو يطلق، كما إذا قال: أعرتكها لزراعة الحنطة نظر إن لم ينه عن زراعة غيرها، فله أن يزرع الحِنْطَة وما ضرره مثل ضرر الحنطة، أو دونه، وليس له أن يزرع ما ضرره فوق ضرره كالذّرَةَ والقطن، فإن نهاه عن زراعة غيرها لم يكن له زراعة غيرها، وحيث زرع ما ليس له أن يزرعه، فلصاحب الأرض قلعة مجاناً، وإن أطلق ذكر الزراعة ولم يبين المزروع فوجهان:
أصحهما، وهو المذكور في الكتاب أن الإعارة صحيحة، وله أن يزرع ما شاء لإطلاق اللفظ.
والثاني: أنها لا تصح للتفاوت الظاهر بين أنواع المزروع، ولو قيل: تصح الإعارة، ولا يزرع إلاَّ أقل الأنواع ضررًا لكان مذهبًا والله أعلم.
والثانية: إذا أعار للزراعة لم يكن له البناء، ولا الغراس؛ لأن ضررهما أكثر، والقصد منهما الدوام، ولو أعار للبناء فله أن يزرع ولو أعار للغراس هل له أن يبني أو للبناء هل له أن يغرس؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم لتقارب ضررهما، فإن كلاً منهما للابد.
وأصحهما: لا لاختلاف جنس الضرر، فإن ضرر الغِرَاس في باطن الأرض أكثر لانتشار عروقه وضرر البناء في ظاهرها أكثر.
الثالثة: إن كان المستعار لا ينتفع به إلاَّ بجهة واحدة كالبساط الذي لا يصلح إلاَّ أن يفرش فلا حاجة في إعارته إلى التعرض للانتفاع، وإن كان ينتفع به بجهتين، فصاعداً كالأرض تصلح للزراعة والبناء والغراس، والدابة تصلح للحمل والركوب، فهل تصح إعارته مطلقاً أم لا بد من التعرض لجهة الانتفاع؟ فيه وجهان:
أحدهما، وهو الذي أورده القاضي الرّويانِيّ وصاحب "التهذيب" أنها تصح، ولا يضر ما فيها من الجهالة بخلاف الإجارة يشترط فيها التعيين؛ لأنه يحتمل في العارية ما لا يحتمل في الإجارة.
وأظهرهما عند الإمام، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا بد من تعيين نوع المنفعة؛
الجزء: 5 - الصفحة: 381
لأن الإعارة معونة شرعية جوزت للحاجة فلتكن على حسب الحاجة، ولا حاجة إلى الإعارة المرسلة، وعلى هذا فلو قال: أعرتك كذا لتفعل به ما بدا لك، أو لتنتفع به كيف شئت؟ فوجهان 28 على الوجه الأول للمستعير أن ينتفع به كيف شاء لإطلاق الإذن وقال القاضي الروياني ينتفع به على العادة فيه، وهذا أحسن، والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: الحُكْمُ الثَّالِثُ: جَوَازُ الرُّجُوعِ عَنِ العَارِيةَ، إِلاَّ إِذَا أَعَارَ لِدَفْنِ مَيِّتْ فَيمَتْنعُ نَبْشُ القَبْر إِلَى أنْ يَنْدَرِسَ أَثَرُ المَدْفُونِ، وإِذَا أَعَارَ جِدَارًا لِوَضْعِ الجُذوع عَلَيْهِ فَلاَ يَستَفِيدُ بِالُّرجُوعِ قَبْلَ الاِنْهِدَامِ شَيْئًا إِذْ لاَ أجرةَ لَهُ حَتَّى يُطَالَبَ بِهِ وَلاَ يُمْكِنَ هَدْمُهُ والطَّرفُ الآخَرُ في خَاصَّ مِلكِ الجَارِ.
قال الرافعي: الأصل في العارية الجواز حتى يجوز للمعير الرجوع متى شاء، وللمستعير الرد متى شاء؟ لأنه مبرة وتبرع، فلا يليق بها الالتزام فيما يتعلّق بالمستقبل، ولا فرق بين العارية المطلقة والمؤقتة.
وعن مالك أنه لا يجوز الرجوع في المؤقتة، واستثنى الأصحاب من الأصل المذكور صورتين:
إحداهما: إذا أعار أرضًا لدفن ميت.
قال في "النهاية" فدفن ولم يكن له الرجوع ونبش القبر إلى أن يندرس أثر المدفون لما من النبش في هتك حرمة الميت.
وقال في "النهاية" وله سقي الأشجار التي فيها إن لم يُفْض إلى ظهور شيء من بدن الميت، وله الرجوع قبل الحفر، وبعده ما لم يوضع فيه الميت.
قال في "التتمة" وكذا بعد الوضع ما لم يواره التراب وذكر أن مؤنة الحفر إذا رجع بعد الحفر، وقبل الدفن على ولى الميت، ولا يلزمه الَّطمِّ 29.
واعلم أن الدفن في الأرض إحدى منافعها كالبناء والغراس 30، وقد ذكرنا خلافاً
الجزء: 5 - الصفحة: 382
في أن التعرض للمنفعة يشترط في الإعارة أم إطلاق الأعارة لا يسلط على ما فيه من المنافع لكن الدفن ليس كسائر المنافع في ذلك، بل الوجه القطع بأن أطلاق الإعارة لا يسلط عليه لما فيه من ضرر اللزوم ولو قدر تسليطه عليه لكان ذلك ذريعة إلى إلزام عارية الأرضين.
الثانية: إذا أعار جدارًا لوضع الجذوع عليه 31، ففي جوز الرجوع وجهان.
أن جوزناه: ففائدته طلب الأجرة للمستقبل، أو التخيير بينه وبين القلع، وضمان أرش النقصان فيه وجهان، وكل ذلك الشرح مذكور في "كتاب الصُّلْح" 32.
والذي أجاب به صاحب الكتاب هناك جواز الرجوع، وأورد تفريعًا عليه الوجهين في فائدة الرجوع.
وقوله هاهنا: "فلا يستفيد بالرجوع قبل الانهدام شيئًا" حاصلة الجواب 33 بمنع الرجوع؛ لأن أثر الرجوع إما طلب الأجرة أو الهدم أو ضمان النقصان، وقد تفاهما
الجزء: 5 - الصفحة: 383
جميعاً في هذا الموضوع، وكان ذلك منعاً من الرجوع؛ ألاَ تَرَى إنه لما امتنع في الصورة السابقة طلب الأجرة والنَّبْش أطلقنا القول بمنع الرجوع.
إذا كان كذلك جاز إعلام قوله: "فلا يستفيد بالرجوع قبل الانهدام شيئاً" بالواو.
وكذلك قوله: "إذ لا أجرة له.
قوله: "إذ لا إجرة له".
وقوله: "ولا يمكن هدمه"، وقد بين في "الصُّلْح" الأصح من الوجهين ماذا.
وحاول بعض من شرح هذا الكتاب الجمع بين كلامه هاهنا وبين قوله في الصُّلْح، فمهما رجع كان له النقض بشرط أن يغرم النقص، فحمل ما ذكره في "الصُّلْح" على ما إذا كان طرف الجُذُوع على المُسْتَعَار، وما ذكره هاهنا على ما إذا كان أحد الطرفين على خَاصّ ملك المستعير، لكن فيه نظر من حيث إن الوجه الثاني هناك، وهو قوله: وقيل: فائدة الرجوع المطالبة بالأجرة للمستقبل موجه في "الوسيط" وغيره بأن الطرف الآخر من خالص ملك المستعير، فلا يمكن تمكينه من نقضه، فلو كان التصوير هناك فيما إذا كان الطرفان على ملك المعير انتظم ذلك، وبالجملة فالأئمة لم يفرقوا في ثبوت الرجوع والوجهين في فائدة الرجوع إذا أثبتناه بين أن يكون على ملك المعير أحد طرفي الجُذُوع أو كلاهما والله أعلم.
قال الغزالي: فَإِنْ أَعَارَ لِلبَنَاء وَالغِرَاسِ مُطْلَقَاً لَمْ يكُنْ لَهُ نَقَضُهُ مجَّاناً لأَنَّهُ محْتَرَمٌ، بَلْ يَتَخَيَّرُ أَنْ يِبقى باجرة أو ينقض بأرش أوْ يَتَمَلّكَ بِبَدَلٍ فَأَيُّهَا أَرَادَ أجُبِرَ المُسْتَعِيْرُ عَلَيْهِ، فَإنْ أبَى كُلِّفَ تَفْريغَ المِلْكِ، فَإِنْ بَادَرَ إلىَ التَّفْرِيْغِ بِالْقَلْعِ فَفِي وُجُوبِ تَسْوِيَةِ الحَفْرِ خِلاَفٌ؛ لأَنَّهُ كَالْمَأذُونِ فِي القَلْعِ بِأَصْلِ العَارِيةِ، وَيَجُوزُ لِلْمُعِيرِ دُخُولُ الأَرْضِ وَبَيْعُهَا قَبْلَ التَّفْرِيغِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ الدُّخُولُ بَعْدَ الرُّجوعِ إلاَّ لِمَرَمَّة البِنَاءِ عَلَى وَجْهٍ، وَفِي جَوَازِ بَيْعَةِ البِنَاءِ خِلاَفٌ؛ لأنَّهُ مُعَرِّضٌ لِلنَّقْصِ، وَلَوْ قَالَ أعَرْتُكَ سَنَةً فَإذَا مَضَتْ قُلِعَتْ مَجَّانَاً فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ القَلْعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلاَّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الخِصَالِ الثَّلاَثةِ كَمَا في العَارِيةِ المُطْلَقَةِ، وَإذَا أعَارَ للزِّرَاعَةِ وَرَجِعَ قَبْلَ الإِدْرَاكِ لَزِمَهُ الإبْقَاءُ إلى الإِدْرَاكِ، وَلَهُ أخْذُ الأُجْرَةَ مِنْ وَقْتِ الرُّجُوعِ، وَإذَا حَمَلَ السَّيْلُ نَوَاةً إلى أرْضٍ فَأَنْبَتَتْ فَالشَّجَرَةُ لِمَالِكِ النَّوَاةِ، وَالظَّاهِرُ أنَّ لِمَالِكِ الأَرْضِ قَلْعَهَا مَجَّاناً إذْ لاَ تَسْلِيطَ مِنْ جِهَتِهِ.
قال الرافعي: إعارة الأرض للبناء والغراس تنقسم إلى مطلقة، وهي التي لم تبين لها مدة وإلى موقتة 34 وهي التي بين لها مدة.
الجزء: 5 - الصفحة: 384
القسم الأول: المطلقة للمستعير فيها أن يبني ويغرس ما لم يرجع المعير، فإذا رجع لم يكن له البناء والغراس، ولو فعل وهو عالم بالرجوع قلع مجانًا، وكلف تسوية الأرض كالغاصب، وإن كان جاهلًا، فوجهان كالوجهين فيما لو حمل السيل نواة إلى أرض، فنبتت وربما شبهها بالخلاف في تصرف الوكيل جاهلاً بالعزل وأما ما بني وغرس قبل الرجوع، فإن أمكن رفعه من غير نقصان يدخله رفع، وإلاَّ فينظر إن كان قد شرط عليه قلعه مجاناً عند رجوعه وتسوية الحفر ألزم ذلك، فإن امتنع قلعه المعير مجاناً 35، وإن كان قد شرط القلع دون التسوية لم يجب على المستعير التسوية؛ لأن شرط القلع رضيَّ بالحفر، وإن لم يشترط القلع أصلاً، نظر إن أراد المستعير القلع مُكِنّ منه؛ لأنه ملكه فله نقله عنه، فإذا قلع فهل عليه التسوية؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا؛ لأن الإعارة مع العلم بأن للمستعير أن يقلع رضا بما يحدث من القلع.
وأظهرهما: 36 نعم؛ لأنه قلع باختياره، ولو امتنع منه لم يجبر عليه، ويلزمه رد الأرض إلى ما كانت عليه، وإن لم يختر المستعير القلع لم يكن للمعير قلعه مجانًا؛ لأنه بناء محترم، ولكنه يخير بين ثلاثة خصال:
إحداهما: أن يبقيه بأجرة يأخذها.
والثانية: أن يقلع ويضمن أرش النقصان وهو قدر التفاوت بين قيمته ثابتاً مقلوعًا.
الثالثة: أن يتملكه عليه بقيمته، فإن اختار القلع، وبذل أرش النقص، فله ذلك والمستعير يجبر عليه وإن إختار أحد الخصلتين الأخريين أجبر المستعير عليه أيضاً فيما رواه جماعة، منهم الإمام، وأبُو الحسن العَبَّادِي، وصاحب الكتاب.
وفي "التهذيب" أنه لا بد فيها من رضا المستعير؛ لأن إحدهما بيع، والأخرى
الجزء: 5 - الصفحة: 385
إجارة، ويمكن أن يقرر وجه ثالث فارق بين التملك بالقيمة فيقال: إذا إختاره المعير أجبر المستعير، وهو كتملك الشفيع الشقص بهذا، وبين الإبقاء بالأجرة، فيقال: إنه لا بد فيه من رضا المستعير، ويستخرج هذا الفرق من قول من يقول من الأصحاب بتخير المُعِيْر بين خصلتين القلع، وضمان الأرش والتمليك بالقيمة، وهذا ما ذكره القَاضِي أَبُو عَلِيَّ الزجاجي وأكثر العراقيين وغيرهم، ويشبه أن يكون هذا أظهر في المذهب 37، والمعنى المرجوع إليه في الباب أن العارية مكرمة ومبرة ولا يليق بها منع المعير من الرجوع، ولا تضييع مال المستعير، فأثبتنا الرجوع على وجه لا يتضرر به المستعير، وربطنا الأمر باختيار المعير لأنه الذي صدرت منه هذه المكرمة، ولأن ملكه الأرض وهي أصل والبناء والغراس فرع تابع لها، وكذلك يتبعها في البيع.
فإذا عرفت ما ذكرناه أعلمت قوله: "فأيها أراد أجبر المستعير عليه" بالواو.
وأما قوله: "فإن أبى كلف تفريغ لملك"، فاعلم أن من فوض الأمر إلى اختيار المعير في الخِصَال الثلاثة، قال منه الاختيار، ومن المستعير الرضا وإسعافه بما طلب، فإن لم يسعفه كلفناه بتفريغ أرضه.
ومن اختار رضا المستعير, والتمليك بالقيمه والإبقاء بالأجرة فلا يكلفه التفريغ بل
الجزء: 5 - الصفحة: 386
يكون الحكم عنده كالحكم فيما إذا لم يختر المستعير شيئاً مما خيرناه فيه، وسيأتي، فليكن قوله: "فإن أبى كلف تفريغ الملك" معلماً -بالواو- أيضاً ثم من قصر خيره المعير على خصلتي القلع، بشرط ضمان الأرش والتمليك قالوا لو امتنع من بذل الأرش أو القيمة بالقيمة وبذل المستعير الأجرة لم يكن للمعير القلع مجانًا وإن لم يبذلها فوجهان:
أظهرهما: أنه ليس له ذلك أيضاً وبه أجاب الذين خيروه بين الخصال الثلاثة إذا امتنع منها جميعاً، وما الذي يفعل؟.
قال بعض الأصحاب منهم أبُو عَلِيَّ الزَّجَّاجَيُّ: يبيع الحاكم الأرض مع البناء والغراس ليفاضل الأمر وقال الأكثرون ويحكى عن المُزِنِيِّ إنه يعرض الحاكم عنهما إلى أن يختار شيئا، ويجوز للمعير دخول الأرض، والانتفاع بها، والاستظلال بالبناء والشجر؛ لأنه جالس على ملكه، وليس للمستعير دخولها للتفرج بغير إذن المعير، ويجوز لسَقْي الأشجار وإصلاح الجدار على أصح الوجهين صيانة لملكه عن الضياع.
ووجه المنع أنه يشغل ملك الغير إلى أن ينتهي إلى ملكه وعلى الأول لو تعطلت المنفعة على صاحب الأرض لدخوله.
قال في "التتمة": لا يمكن إلاَّ بالاجرة، ولكل واحد من المعير والمستعير بيع ملكه من الآخر، وللمعير بيع الأرض من ثالث، ثم يتخير المشتري تخير المعير، وهل للمستعير بيع البناء من ثالث؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه في معرض النقض والهدم.
ولأن ملكه عليه غير مستقر, لأن المعير بسبيل من تملكه.
وأصحهما: نعم؛ لأنه مملوك في الحال، ولا اعتبار يمكنة تمليك الغير كتمكُّن الشفيع من تملك الشَّقْص، وعلى هذا فينزل المشتري منزلة المستعير، وللمعير الخيرة على ما ذكرناه، وللمشتري فسخ البيع إن كان جاهلًا بالحال.
ولو أن المعير والمستعير اتَّفَقَا على بَيْع الأرض بما فيها بثمن واحد، فقد قيل: هو كما لو كان لهذا عبد، ولهذا عبد فباعاهما بثمن واحد.
والأظهر: الجواز للحاجة، ثم كيف يوزع الثمن هاهنا وفيما إذا باعاهما الحاكم على أحد الوجهين في "التتمة" أنه على الوجهين المذكورين فيما إذا غرس الراهن في الأرض المرهونة أشجارًا، والذي أورده في "التهذيب" أنه يوزع على الأرض مشغولة بالغراس والبناء، وعلى ما فيها وحده، فَحِصَّة الأرض للمعير، وحصة ما فيها للمستعير، وحكم الدخول والانتفاع والبيع على ما ذكرناه في ابتداء الرجوع إلى الاختيار، فيما
الجزء: 5 - الصفحة: 387
امتنعنا من الاختيار وأعراض القاضي عنهما على وتيرة واحدة.
القسم الثاني: العارية المقيدة بمدة فللمستعير البناء والغراس في المدة إلاَّ أن يرجع المعير، وله أن يجدد كل يوم غرسًا كذا قاله في "التهذيب"، وبعد مضي المدة ليس له إحداث البناء والغراس، وإذا رجع المعير عن العارية إما قبل مضي المدة، أو بعده، فالحكم كما لو رجع في القسم الأول، ويختص هذا القسم بشيئين:
أحدهما: أن فيما قبل مضي المدة وجهاً أنه لا يتمكن من الرجوع، كما قدمناه عن مالك.
والثاني: أن أَبَا حَنِيْفَةَ والمزني جَوَّزا له القَلْع مجاناً، فهذا رجع بعد المدة ذهاباً إلى أن فائدة ذهاب المدة القلع بعد مضيها مضبوطة.
ونقل أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ قولاً مثله عن رواية السَّاجيِّ، وهو اختيار القَاضِي الرُّوياني.
ووجه ظاهر المذهب أنه مخير ما لم يشترط نقضه، فلا ينقض مجاناً، كما في العارية المطلقة، وبيان المدة كما يجوز أن يكون المنح من إحداث البناء والغراس بعدها، أو طلب الأجرة.
وقوله في الكتاب: "بل يتخير بين أن يبقى بأجرة وينقض بأرش أو يتملك" ببدل المراد من الأرض مَا مَرَّ والتفاوت بين قيمته ثابتًا ومقلوعًا، ومن الأجرة أجرة المِثْلِ، ومن البدل القيمة عند من يقول باختيار المستعير على ما اخْتَارَهُ المعير منها، وما يتفقان عليه، ومن الأجرة والإبدال عند من يعتبر رضا المستعير.
وقوله: "لأنه معرض للنقض" يمكن حمله على نقض الملك بأن يملكه المعير، وعلى نقض البناء بأن يقلعه، وهو الذي أراد صاحب الكتاب.
وقوله: "لم يكن له إلاَّ التخيير بين الخصال الثلاثة معلم -بالحاء والزاي والواو- وسائر ما يحتاج إلى ذكره من ألفاظ الكتاب قد اندرج في أثناء الكلام، والله أعلم.
فرع: قال أَبُو سَعِيدٍ المُتَوَلِّي: أحد الشريكين إذا بني، أو غرس في الأرض المشتركة بإذن صاحبه، ثم رجع صاحبه لم يكن له أن يغرم ويتقضى 38 لأنه للباني 39، ويغرم أرش النقصان؛ لأنه يتضمن نقض بناء المالك في ملكه، ولأن يتملك بالقيمة في الأرض مثل حقه، فلا يمكننا أن نقول: الأصل للمعير والبناء تابع له، نعم له تقرير
الجزء: 5 - الصفحة: 388
بالأجرة فإن لم يبذلها الثاني يباع، أو يعرض عنهما فيه ما سبق 40.
قال الرَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى في الفصل صورتان 41.
إحداهما: إذا أعار للزراعة، فزرعها ثم رجع قبل إدراك الزرع، نظر إن كان مما يعتاد قطعه كلف قطعه، وإلاَّ فقد ذكرناه للمعير خصالًا عند رجوع في البناء والغراس، واختلف الأصحاب هاهنا.
فعن صاحب "التقريب" وجه: أن له أن يقلع، ويغرم أرش النقصان تخريجًا مما إذا رجع في العارية، المؤقتة للبناء قبل مضي المدة.
وعن القاضي الطبري أنه يملكه بالقيمة، وظاهر المذهب أنه ليس كالبناء في هاتين الخصلتين؛ لأن للزرع أمدًا ينتظر والبناء والغراس للتأبيد، فعلى المعير إبقاءه للمستعير إلى أوان الحصاد ثم فيه وجهان:
أحدهما: ويحكى عن المُزَنِيَّ، واختاره القاضي الروياني 42 أنه يبقيه بلا أجرة؛ لأن منفعة الأرض إلى الحصاد بالزرع، وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب- أنه يبقيه بالأجرة لأنه إنما اباح المنفعة إلى وقت الرجوع فصار كما إذا أعاره دابةٍ إلى بلد، ثم رجع في الطريق عليه نقل متاعه إلى مأمن بأجرة المثل، ولو عين المعير للزراعة مدة، فانقضت المدة، والزرع غير مدرك، نظر أن كان ذلك لتقصيره في الزراعة بالتأخير، قلع مجاناً، وإلاَّ فهو كما لو أعاره مطلقاً وإن أعار للغسيل، قال الشيخ أبو محمد: إن كان ذلك مما يعتاد نقله، فهو كالزرع، وإلاَّ فكالبناء.
فرع: قال في "التهذيب" إذا أعار للزراعة مطلقاً لم يزرع إلاَّ زرعًا واحداً، وكذا لو أعار للغراس، فغرس وقلع لا يغرس بعده إلاَّ بإذن من جديد، وهذا بين أن المعنى من قولنا فيما إذا أعار للبناء أو الغراس مطلقاً يبني ويغرس ما لم يرجع المعير؛ لأن البناء المأذون فيه جائز له ما لم يرجع، والمأذون فيه هو البناء مرة واحدة إلاَّ إذا كان قد صَرَّح له بالتجديد مرة بعد أخرى.
الجزء: 5 - الصفحة: 389
الثانية: إذا حمل السيل 43 حبات، أو نويات لغيره إلى أرضه، فعليه ردها إلى مالكها إن عرفه، وإلاَّ دفعها إلى القاضي، فلو نبتت في أرضه فوجهان:
أحدهما: أن مالكها لا يجبر على قلعها؛ لأنه يوجد منه تعدٍّ، وعلى هذا هو كالمستعير، فينظر في الثابت أهو شجر أم زرع؟ ويكون الحكم على ما سبق.
وأصحهما: الإجبار؛ لأن المالك لم يأذن فيه، كما لو انتشرت أغصان شجرة المعير إلى هواء داره له قطعها, ولو حمل ما لا قيمة له من نواة واحدة أو حبة، فتنبت فهي لمالك الأرض في وجه؛ لأن التقويم والمالية حصل في أرضه، ولمالك الأصل في وجه؛ لأنها كانت محرمة الأخذ، فعلى هذا في قلع الثابت الوجهان 44 ولو قلع صاحب الشجرة، فعليه تسوية الأرض؛ لأنه قصد تخليص ملكه.
قال الغزالي: الحُكْمُ الرَّابعُ: فَصْلُ الخُصُومَةِ، فإِذَا قَالَ رَاكِبُ الدَّابَّة لِمَالِكِها أَعَرْتَنِيهَا: وَقَالَ المَالِكُ: أَجَرْتُكَهَا فَالقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ زَارعُ الأَرْضِ لِماَلِكِهَا فَالقُولُ قَوْلُ المَالِكِ لأنَّ عَارِيةَ الأَرْضِ نَادِرَةٌ، وقِيلَ في المَسْئَلَتَيَن قَوْلاَنِ بالنَّقَلِ والتَّخْرِيجِ، وَلَوْ قَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِيهَا فَالقَوْلُ قَوْلُ المَالِكِ إِذِ الأَصْلُ عَدَمُ الإِذْنِ،، وَلَوْ قَالَ الرَّاكِبُ: أَرْكَبْتَنِيهَا وقَالَ المَالِكُ: أَعَرْتَكَهَا فاَلقَوْلُ قَوْلُ المَالِكِ إِذْ الأصْلُ عَدَمُ الإِجَارِةَ فَيحْلِفُ حَتَّى يَسْتَحِقُّ القِيمَةَ عِنْدَ التَّالفَ، وَجَوَازُ الرُّجُوعُ عِنْدَ القِيامِ.
قال الرافعي: في الترجمة تساهل، فإن فصل الخصومة ليس حكماً للعارية، بخلاف الأحكام السابقة، والمقصود بيان مسائل:
إحداها: إذا قال راكب الدابة لمالكها: أعرتني هذه الدابة، وقال المالك: بل أجرتك مدة كذا بكذا، فأما أن يفرض هذا الخلاف والدابة باقية أو هالكة.
الحالة الأولى: أن تكون باقية، فأما أن يقع الاختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجرة، والنص في "المختصر" أن القول قول الراكب مع يمينه، ونص في "باب الزراعة" أنه إذا زرع أرض الغير، ثم اختلفا هكذا أن القول قول المالك مع يمينه، ولإصحاب فيها طريقان.
أحدهما: تقرير النصين؛ لأن الدواب يغلب فيها الإعارة، وفي الأراضي يندر، فصدق في كل صورة من الظاهر معه، وذكر في "الرقم" أن هذا أظهر عند القَفَّال.
الجزء: 5 - الصفحة: 390
وأصحهما: عند الجمهور، وبه قال الرَّبِيعُ والمُزَنِيَّ وابْنُ سُرَيْجٍ بأن الصورتين على القولين، ثم منهم من يقول بحصولهما على سبيل النقل والتخريج.
ومنهم من يقول: هما منصوصان في كل واحد من الصورتين.
أصحهما: تصديق المالك، وبه قال مالك والمزنى، كما لو اختلفا في عين مال، فقال المالك: بعتكها، وقال من في يده؛ وهبتنيها، فإن المصدق هو المالك، وكما لو أكل طعام الغير، وقال: كنت أبحته لي، فأنكر المالك فالقول قوله.
والثاني: تصديق الراكب والزارع، ويحكى هذا عن أبي حنيفة؛ لأنهما أتفقا على أن المنفعة مباحة له، والمالك يدعى عليه الأجرة، والأصل براءة ذمته عنها، وإلى هذا مال الشيخ أبُو حَامِدٍ.
وفرق الأئمة: بين هذه المسألة، وبين ما إذا غسل ثوبه غسال، أو خاطه خياط، ثم قال: فعلته بالأجرة، وقال المالك: بل مجاناً حيث كان القول قول المالك مع يمينه قولًا واحداً، فإن الغَسَّال فوت منفعة نفسه، ثم دعى لها عوضاً على الغير، وهاهنا المتصرف فوت منفعة مال الغير، وأراد إسقاط الضمان عن نفسه، فلم يقبل.
التفريع إن صدقنا المالك فعلى ما يحلفه حكى الإمام عن شيخه في طائفة إنه إنما يحلف على نفي الإعارة التي تدعى عليه، ولا يتعرض لإثبات الإجارة مع نفي الإعارة، وكان السبب فيه أن ينكر أصل الإذن حتى يتوصل إلى إثبات المال بنفي الإذن، ونسبته إلى الغَصْب، وإذا بأصل الإذن، فإنما يثبت المال بطريق الإجارة، فملكناه الحلف على إثباته.
فإن قلنا: لا يتعرض إلاَّ لنفي الإعارة فإذا حلف استحق أقل الأمرين من أجرة المثل أو المسمى؛ لأنه إن كان أجر المثل أقل لم تَقَمْ حجة على الزيادة، وإن كان المسمى أقل فقد أقر أنه لا يستحق الزيادة.
وإن قلنا: يتعرض لهما ففيما يستحقه وجهان:
أحدهما: المسمى إتمامًا لتصديقه.
وأظهرهما: ويحكى نصًّا في "الأم" أجرة المثل؛ لأنهما لو اتفقا على الإجارة واختلفا في الأجرة كان الواجب أجرة المثل، وإذا اختلفا في أصل الإجارة كان أولى، والإمام لم يحك الوجه الثاني هكذا, ولكن حكى بدله أنه يستحق أقل الأمرين كما سبق، والتعرض للإجارة لي هذا ليس لإثبات المال الذي يدعيه، ولكن لينتظم كلامه من حيث إنه اعترف بأصل الإذن، فحصل فيما يستحقه ثلاثة أوجه كما ترى، وإن نكل المالك عن اليمين المعروضة عليه لم ترد اليمين على الراكب، والزارع؛ لأنهما لا يدعيان حقاً عل المالك حتى يثبتا باليمين، وإنما يدعيان الإعارة، وليست هي حقًّا لازماً على المعير.
وعن أبِي الحُسَيْنِ رمز إلى أنها ترد ليخلص من الغرم، ولو صدقنا الراكب
الجزء: 5 - الصفحة: 391
والزارع، فهذا حلف على نفي الإجارة كفاه، وبرئ، وإن نكل رد اليمين على المالك، واستحق بيمينه المسمى؛ لأن اليمين المردودة كالبينْة، أو كالإقرار، وأيهما كان يثبت به المسمى.
فيه وجه ضعيف: أنه يستحق أجرة المثل؛ لأن الناكل ينفي أصل الإجارة فيقع المدعي على إثباته.
القسم الثاني: أن يقع الاختلاف قبل مضي مده لمثلها أجرة، بل عقب العقد، والقول الراكب مع يمينه، فهذا حلف على نفي الإجارة سقط دعوى الإجارة، وردت اليمين إلى المالك، فإن نكل حلف المالك اليمين المردودة، ويستحق الأجرة وإنما لم يجئ القولان في هذه الصورة؛ لأن الراكب لا يدعي لنفسه حقاً، ولم يتلف المنافع على المالك، فالمدعي على الحقيقة هو المالك، وهناك تلفت المنافع تحت يد الراكب بعد القول بإحاطتها، فهو الذي جرَّ الخلاف.
الحالة الثانية: أن تكون الدابة هالكة، فإن تلفت عقب الأخذ قبل أن يثبت لمثلها أجرة فالراكب يقر بالقيمة، والمالك ينكرها، ويدعى الأجرة، فتخرج على خلاف ما تقدم في أن اختلاف الجهة هل يمنع الأخذ؟ وإن قلنا: نعم سقطت القيمة برده، والقول قول من رد الأجرة فيه الطريقان المذكوران في الحالة الأولى.
وإن قلنا: لا، فإن كانت الأجرة مثل القيمة، أو أقل أخذها بلا يمين، وإن كانت أكثر أخذ قدر القيمة، وفي المصدق في الزيادة الخلاف السابق.
وقوله في الكتاب: "فالقول قول الركب" معلم -بالميم والزاي.
وقوله: "والقول قول المالك" معلم -بالحاء- ولا يخفي عليك بعد ما ذكرنا في لفظ الكتاب في المسألة "وإن كان مطلقا" فالمراد القسم الأول من الحاله الأولى.
المسألة الثانية: إذا قال المتصرف: أعرتني هذه الدابة والأرض وقال المالك؛ بل غصبتنيها، فإن لم تمضي مدة لمثلها أجرة، فلا معنى لهذه المنازعة؛ إذ لم تفت العين، ولا المنفعة، ويرد المال إلى المالك، وإن كان النزاع بعد مضي مده لمثلها أجرة.
نقل المزني أن القول قول المستعير، وللأصحاب فيه ثلاثة طرق:
أظهرها: أن الحكم على ما ذكرنا في المسألة الأولى، فيفرق بين الدابة، وبين الأرض على طريق، ويجعلان على قولين في طريق؛ لأن المالك ادعى أجرة المثل هاهنا، كما يدعي المسمى هناك، والأصل براءة الذمة.
والثاني: القطع بأن القول قول المالك، بخلاف تلك المسألة لأنهما متفقان على الإذن هناك، وهاهنا المالك منكر له، والأصل عدمه، ومن قال بهذا خطأ المزني في النقل.
قال الشيخ أَبُو حَامِدٍ: لكنه ضعيف؛ لأن الشَّافعي -رضي الله عنه- نص في "الأم" على ما نقله المُزَنِيُّ.
الجزء: 5 - الصفحة: 392
الثالث: القطع بأن القول قول المتصرف؛ لأن الظاهر من حاله أنه لا يتصرف إلاَّ على وجه جائز، هذا إذا تنازعا والعين باقية.
أما إذا كانت هالكة نظر إن هلكت بعد مضي مدة يثبت لمثلها أجرة، فالمالك يدعي أجرة المثل والقيمة بجهة الغصب، والمتصرف ينكر الأجرة، ويقره بالقيمة بجهة العارية، فالحكم في الأجرة على ما ذكرناه عند بقاء العَيْنِ.
وأما القيمة فقد قال في "التهذيب": إن قلنا: إن اختلاف الجهة يمنع الأخذ، فلا يأخذها إلاَّ باليمين.
وإن قلنا: لا يمنع؛ فإن قلنا العارية تضمن ضمان الغصب، أَو لم نقل به، ولكن كانت قيمته يوم التلف أكثر أخذها باليمين، وإن كانت قيمته يوم التلف أقل، أخذ بلا يمين، وفي الزيادة يحتاج إلى يمين، وإن هلكت عقيب القبض، وقبل مضي مدة يثبت لمثلها أجرة لزمه القيمة، ثم قياس ما نقلناه عن "التهذيب" إلا أن يقال: إن جعلنا اختلاف الجهة مانعاً من الأخذ حلف، وإلاَّ أخذ من غير يمين، وقضية ما ذكره الإمام أنه لا تخريج على ذكر الخلاف لا هذه الصورة، ولا ماذا كان الاختلاف بعد مضي مدة يثبت لمثلها أجرة قال: لأن العين متحدة، ولا وقع الاختلاف في الجهة مع اتِّحَاد العَيْن:
والظاهر الأول.
وقوله في الكتاب: "والقول قول المالك" معلم -بالواو- لما ذكرنا من اضطراب الطرق، وربما أعلم بالزاي -لأنه قال في "الوسيط": قال المزني: "والقول قول الراكب"، وهذا ليس بقويم؛ لأن المزني لم يقل ذلك، ولا صار إليه، وإنما نقله عن الشَّافعي -رضي الله عنه- كلما تقدم، ثم أخذ يعترض عليه، واختياره في المسألة تصديق المالك، كما اختار في المسألة الأولى، ولو قال المالك: غصبتنيها، وقال المتصرف: بل أجرتني.
فالجواب تفريعاً على الأصح أنه إن كانت العين باقيةً ولم تمض مده لمثلها أجرة، فالمصدق المالك فإن حلف استرد المال، وإن مضت مدة لمثلها أجرة، فالمالك يدعي أجرة المثل، والتصرف بالمسمى، فإن استويا، أو كانت أجرة المثل أقل أخذ بلا يمين، وإن كانت أجرة المثل أكثر أخذ قدر المسمى بلا يمين، والزيادة باليمين.
قال صاحب "التهذيب": ولا يجيء هاهنا خلاف اختلاف الجهة؛ كما لو ادعى المالك فساد الإجارة، والمتصرف صحتها يحلف المالك، ويأخذ أجرة المثل، وإن كان الاختلاف بعد بقاء العين مدة في يد المتصرف، وتلفها، فالمالك يدعي أجرة المثل والقيمة، والمتصرف يقر بالمسمى، وينكر القيمة، فللمالك أخذ ما يقر به بلا يمين، وأخذ ما ينكره باليمين، ولو قال المالك: غصبتني، وقال صاحب اليد: بل أودعتني،
الجزء: 5 - الصفحة: 393
فيحلف المالك على الأصح، ويأخذ القيمة إن تلف المالك، وأجرة المثل إن مضت مدة لمثلها أجرة (1).
المسألة الثالثة: قال راكب الدابة، أكريتنيها، وقال المالك: بل أعرتكها، فإن اختلفا والدابة باقية، فالمصدق المالك في نفي الإجارة؛ لأن الراكب يدعي استحقاق المنفعة عليه، والأصل عدمه، فهذا حلف استردها، فإن نكل حلف الراكب، واستحق الإمساك، ثم إن كان قد مضى مدة لمثلها أجرة، فالراكب يقر له بالأجرة، والمالك ينكرها, ولا يخفى حكمه، وإن كان الاختلاف بعد هلاك الدابة، فإن هلكت عقيب القبض، فالمذهب أن المالك يحلف، ويأخذ القيمة؛ لأن الراكب أتلف عليه ماله، ويدعي أنه أباحه له، والأصل عدمه، وخرج قول مما مر في المسألة الأولى أن المصدق الراكب؛ لأن الأصل براءة ذمته، وإن هلكت مدة لمثلها أجرة؛ فالمالك يدعي القيمة، وينكر الأجرة، والراكب يقر بالأجرة، وينكر القيمة.
فإن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأخذ حلف، وأخذ القيمة، ولا عبرة بإقرار الراكب.
وإن قلنا لا يمنع، وهو الأصح، فإن كانت القيمة والأجرة سواء، أو كانت القيمة أقل أخذها بلا يمين، وإن كانت القيمة أكثر أخذ الزيادة باليمن.
فرع
: إذا استعمل المستعير العارية بعد رجوع المعير، وهو جاهل بالرجوع لم تلزمه الأجرة ذكره القَفَّال 46.45
الجزء: 5 - الصفحة: 394
فرع
: إذا مات المستعير وجب على ورثته الرَّد، وإن لم يطلب المعير 47 والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 395