العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 43-82

قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الفَصَلِ بَيَانُ المَرَضِ 1 المَخَوْفِ، والأَحْوَالِ التي هِيَ في معناه، وبيان الطريق إلَى معرفته عنْد الإشكال، وبيان ما يحكم به للمخوف، وغير المخوف، فهذه ثلاثة أمور: أمَّا الأوَّل: فما بالإنسان من مرض وعلَّة.
إمَّا أن ينتهيَ إلَى حالةٍ يُقْطَعُ فِيها بمَوْتِهِ منه عاجلاً؛ وذلك بأن يشْخَصَ بَصَرَهُ عند النَّزْع، وتبلغ الروحُ الحنجرة، أو يُقْطَعَ حلقُومُه، ومريئه، أو يُشَقَّ بطنُهُ وتَخْرُجَ حشوته.
قال الشيخ أبو حامد: أو يغرق في الماء، ويغْمُرَه، وهو لا يحسنُ السباحة، فلا اعتبار بكلامه في الوصيَّة وغيرها، حتى لا يصحَّ إسلام الكافر وتَوْبَة الفاسق، والحالةُ هذه؛ لأنه قد صار في حَيِّز الأموات، وحركَتُهُ كحركة المذبوح 2. وإما ألاَّ ينتهي إليها، فأما أن يُخَاف منه الموتُ عاجلاً، وهو المخُوفُ الذي يقتضي الحَجْر في التبرعات، أو لا يكون كذلك، فحكمه حكم حالة الصحة، وتكلَّم الشَّافعي -رضي الله عنه- والأصحاب -رحمهم الله- في أمراضٍ خاصَّةٍ مخوفةٍ، وغير مُخوفَةٍ.
فمن الأمراض المُخوفَةِ القُولَنْجُ 3 وهو أن تنعقد إخلاط الطعام في بعض الأمعاء؛

فلا ينزل، ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ؛ فيؤدي إلى الهلاك.
ومنْها: ذات الجنب؛ وهي قُروحٌ تحْدُث في داخل الجنب بوجع شديد، ثم ينفتح في الجنب ويسكن الوجع، وذلك وقْت الهلاك، وكذلك وجع الخَاصِرة 1. ومنها الرّعَاف الدائم؛ لأنه نزف الدم، ويسقط القُوَّة، وابتداؤه ليس بمخوف.
ومنها: الإِسهال، إن كان متواتراً، فهو مَخُوفٌ؛ لأنَّه ينشِّفُ رطوباتِ البَدَن، وإن كان يوماً، أو يومَيْنِ، ولم يدم، فليس بمخُوفٍ، إلاَّ إذا انضمَّ إليه أحد أمور: الأوَّل: أن ينخرق البطْنُ؛ فلا يمكنه الإمساك، ويخرج الطَّعَامُ غير مستَحِيلٍ.
والثاني: أنْ يكُونَ معه زحير وهو أن يخرج بشدة ووجع؛ أو تقطيع، وهو أن يخرج كذلك، ويكون مقطعاً، وقد يُتوهَّم انفصالُ شَيْء كثير، فإذا نُظِرَ، كان قليلاً.
والثالث: أن يُعْجِلَهُ، ويمنعه النَّوْم.
والرابع: إذا كان معه دَمٌ، نقل المُزَنِيُّ أنَّه ليس بمَخُوف، وفي "الأمِّ": أنه كان يوماً، أو يومَيْن، ولا يأتي معه الدم، لا يكون مخوفاً، وهذا يُشْعِر بالتقييد بما إِذا لم يكن [معه] 2 دمٌ؛ فمن الأصحاب من قال: سها المزني وخروجُ الدم مَخُوفُ: لأنه يُسْقِط القوة، وإِلى هذا ذهب المسعوديُّ، وأَوَّلَ الأكثرون، فحَمَلُوا ما رواه المُزَنِيُّ عَلَى دم يَحْدُث من المخْرَجِ من البواسير ونحوه، وما رواه الربيع على دم الكَبِد وسائر الأعضاء الشريفة، فإذا مخوفٌ، وذلك غير مخوفٍ.
ومنها: السِّلُّ 3: هو داء يصيبُ الرئة، ويأخذ البدن منه في النقصان والاصفرار،

وقد أَطْلَقَ في "المختصر" أنه ليس بمخوف، وبهذا الإطلاق أخذ آخذون، حتى صرح أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ بأنه ليس بمخوف، لا في أوله، ولا في آخره، ووجَّهوه بأن السُّلَّ، وإن لم يسلم منه صاحبُه غالباً، فإنه لا يخشى منه الموت عاجلاً، فيكون بمثابة الشيخوخة والهرم.
وحكَى الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ [وصاحب الكتاب] 1 أن السُّلَّ في انتهائه مخُوفٌ، وفي ابتدائه ليس بمخوف.
وكان سببه أنه أن تتطاول مدته، فابتداؤه لا يخَافُ الموْتُ منْه عاجلاً، فإذا انتهى، خِيفَ، لكنَّ هذا المعنَى يقتضى أن يكون آخر الفَالِجَ مخوفاً أيضاً، وعكس البغوي في "التهذيب"؛ فقال: ابتداؤُه مخوفٌ، فإذا استمرَّ، فليس بمخوف؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه إذا دام لا يقتل عاجلاً، ويبقى مدة، فهو كالهرم، وهذا كما سنذكره في الفَالَجِ، فحَصَلَتْ، فيه ثلاثة مذاهب كما تَرَى.
وأشبهها بأصل المذهب: الأول.
ومنها: الدِّقُّ مخوف؛ وهو داءٌ يصيبُ القَلْب، ولا تمتد معه الحياةُ غالباً.
ومنها: الفالَجُ 2؛ وسببه غلبةُ الرُّطُوبة، والبلغم، وابتداؤه مَخُوف؛ لأنه إذا هاج رُبَّما أطفا الحرارة الغريزية، وأهلك، فإذا استمر لم يُخَفْ منه الموتُ عاجلاً، فلا يكون مخوفاً، وفيه وجه: أنه إذا استمر مع ارتعاش، لم يكُنْ مخوفاً؛ وإلاَّ فهو مخوف.
ومنها: الحمَّى الشديدةُ؛ وهي ضَرْبَانِ: مطبقة، وغير مطبقة.
فالمُطْبِقَةُ: هي اللازمة التي لا تبرح، فإن كانت حمَّى يوم أو يومَيْن، لم تكن مخوفاً، وإن زادَتْ، صارت مخوفة، وفيه وجه آخر أن الحمَّى من أول حدوثها مخوفة، وهذا الخلاف فيما نقل أبو الحسن العباديُّ، وغيره ناشئ من الاختلاف في قراءة لفظ = الشيرازي وصاحب الكتاب أن السل في انتهائه مخوف، وفي ابتدائه غير مخوف، ثم قال وعكس البغوي -رحمه الله- في التهذيب فقال، ابتداؤه مخوف فإذا استمر فليس بمخوف ثم قال: وأشبههما بأصل المذهب الأول يعني قول الحناطي تبعاً لإطلاق المختصرأنه ليس بمخوف لا في أوله ولا في آخره على ذلك في الروضة، وزاد بياناً، والأشبه بأصل المذهب ما قاله الحناطي وموافقوه فلم يجزم الرافعي بأنه مخوف بل رجح أنه ليس بمخوف مطلقاً.

الشافعيِّ -رضي الله عنه- ومن المَخُوفِ منه -يعْني من المرض- إذا كانت الحمى بدأَتْ بصاحبها ثم إذا تَطَاوَلَ، فهو مخوف، إلاَّ الربع، فقرأ بعضهم: بدأَتْ، وقرأ بعضهم تَدْأَبُ أي: تتعبه، فمن قرأ: بدأت، قال: هي من أول حدوثها مخوفةٌ، والمشهور الأوَّل، وعلى هذا، فلو اتصلَ المَوْتَ بحمَّى يوم أو يومين، نُظرَ في عطيته، إن كان قبل أن يَعْرَقَ فهي من الثلث، وقد بَانَ أنها مخوفة، وإن كانت بعد العرق، فهي من رأس المال؛ لأن أثرها قد زال بالعرق، والموت بسبب آخر، كذلك ذكره صاحب "التهذيب" و"التتمة".
والضرب الثاني: غير المطبقة، وهي أنواع: الورد: وهي التي تأتي كلَّ يوم.
والغِبّ: وهي التي تَأتِي يوْماً، وتُقْلِعُ يوماً.
والثِّلث: وهي التي تأتي يومَيْن، وتُقْلِع يوماً.
حمَّى الأخوَيْن: وهي التي تأتي يومَيْنِ، وتقلع يومين.
والرِّبع: وهي التي تأتي يوماً، وتُقْلِعُ يومين 1. فما سوى الرّبع والغِبِّ من هذه الأنواع مخوفٌ.
والربع على تجرُّدها غير مخُوفَةٍ 2؛ لأن المحموم يأخُذُ القوة في يومَيِ الإقلاع.
وفي الغبِّ وجهان 3، قال قائلون: هي مخوفةٌ، وبهذا أجاب في "التهذيب".
وقال آخرون: لا، وبه أجاب في "الشامل" أما الحمَّى اليسيرةُ، فهي غير مخوفةٍ بحال.
ومنْها: قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: "مَنْ سَاوَرَهُ الدَّمُ حتَّى تغير عقله أو المراد أو البلغم، كان مخوفاً".
وقال أيضاً: "الطاعونُ -نعوذ بالله منه- مخوفٌ حتى يذهب".
قوله: "ساوره" أي: واثبه وهاج به المراد الصفراء، فهيجان الصفراء والبلغم مخوفٌ، وكذلك هيجان الدَّم، بأن يَثُور، وينصب إلَى عُضْوٍ من يد، أو رِجْلٍ، فتحمر وتنتفخ وقد يذْهب العضْو، إن لم يتدارك أمره في الحال، وإن سلم الشخص، وقوله "حتى تغير عقله" ليس مذكوراً على سبيل الاشْتِرَاط، بل هو مخوفٌ، وإن لم يتغيَّرِ العَقْلُ نصَّ عليه في "الأم".

والطَّاعُون فسَّره بعضُهُم بهذا الذي ذكَرْناه من انْصِبَابِ الدَّمِ إِلَى عضو 1. وقال أكثرهم: إنه هيجانُ الدَّم في جميع البدن وانتفاخه.
قال في "التتمة" وهو قويبٌ من الجذام من أصابه، تآكلت أعضاؤه، وتساقط لحْمُه.
ومنها: الجراحة، إن كانت على مقتل، أو نافذةٍ إلى جوف، أو في موضع كثير اللَّحْم، أولها ضَرَبانٌ شَدِيدٌ، أو حصل معها تآكلٌ، أو ورمٌ، فهي مخوفةٌ، وإلاَّ، فلا.
وذكر بعض الشارِحِينَ أن الوَرَمَ وحْدَهُ لا يُوجِبُ كونه مخوفةً وإنَّمَا يوجبه الورم مع التآكُلِ.
واحْتَجَّ عليه بأن الشافعيَّ -رضي الله عنه- قال في "المختصر" ولم يتآكل، وورم فهو غير مخوف، ولم يقل: ولم يرم.
ومنْها: القَيْءُ، إن كان معه دم، أو بلغم، أو غيرهما من الأخلاط، فهو مخوف وإلاَّ، فغير مخوف إلاَّ أن يدوم.
ومنها: البِرْسام 2 وهو مخوفٌ، وأما الجَرَبُ، ووجَعُ الضرس، ووجع العين، والصداع، فهي غير مخوفة 3 هذا هو الكلامُ في الأمراض المخوفة، وقد تَعْرِضُ أحوالٌ تشبه الأمراض في اقتضاء الخوف، وفيها صور: إحداها: إذا الْتَقَى الفريقَانِ، والْتحم القتالُ بينهما، واختلط بعْضُهم ببعض.
والثانية: إذا كان في السَّفينة، واشتدَّت الرياح، وهاجَتِ الأمواج.
والثالثة: إذا وقع في أسر الكفار وعادتهم قتل الأسارَى.
والرابعة: قُدِّمَ؛ ليُقْتَلَ قِصاصاً، ولم يُجرح بعدُ فالحكاية عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في الصور الثلاث: الأُولَى أنها تلتحقُ بالمرض المخوف، وعن نصِّه في

"الإملاء" في الصورة الرابعة: المَنْع، وللأصحاب فيهما طريقان 1: أظهرهما: وبه قال المزني أنَّها جميعاً عَلَى قَولين بالنقل والتخريج: وأحدُهما: أنَّها غير ملتحقةٌ بالمرض المَخُوف؛ لأنه لم يُصبْ بدَنَهُ شيْءٌ.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والمزنيُّ -رحمهم الله- الالتحاقُ بها، لأنها أحوالٌ تستعقب الهلاك غالباً.
والثاني: الجريانُ عَلَى ظاهر النصين، والفرق بين الصُّور الثلاث.
والرابعة: أنَّه إذا التحم القتال لا يَرْحَمُ بعضُهم بعضاً، والبحر لا يحابِي، والكافرُ لا يَرْحَمُ المسلم لكن مستحِقّ القصاص لا تَبْعُدُ منه الرحمة، والعفْوُ بعد القُدْرة إما طمعاً في الثواب، أو في المَالِ.
وعن صاحب "التقريب" أنه إنْ كَان هناك ما يغْلِبُ على الظَّنَّ أنَّه يقبض من شدَّة حقد، أو عداوةٍ شديدة، فهي مخوف، وإلاَّ، فلا، ثم موضع الخلاف فيِ صورة التحامِ القِتَالِ ما إذا كان الفريقانِ متكافِئَيْن، أو قَرِبَيْنِ من التكافؤ، وإلاَّ، فلا خوْفَ في حقِّ الغالب، بلا خلاف، ولا خلافَ أَيضاً فيما إذا لم يلتحمِ الحرب، ولم يختلط الفريقان، وإن كانا يتراميان بالنِّشاب والحراب، ولا فيما إذا كان البحر ساكناً، ولا في الأسير في يد الكفار الدين لا يقتلون الأَسَارَى كالرُّوم 2. الخامسة: إذا قُدِّم؛ ليقتل رجماً في الزنا أو ليُقتل في قطع الطريق فالحكم كما في صورة التحام القتالِ ونَظَائِرِها؛ لأنَّه ليس في موضع العفْوِ والرَّحْمَةِ بخلاف ما إِذا قُدم للقصاص، فعلَى طريقه فيه القولان، وعلى الثاني يقطع بكونه مَخُوفاً، ومنهم من فَرَقَ بين أن يَثْبُت الزنا بالبينة أو بالاقرار؛ لاحتمال الرجوع.

السادسة: إذا وقع الطاعونُ في البلد وفشا الوباء، فهَلْ هو مخوفٌ في حقِّ من لم يُصِبْه؟ فيه وجهان مخرَّجان من الخلاف في الصورة السابقة، والأصحُّ أنَّه مخوفٌ قاله صاحب "التهذيب".
السابعة: الحاملُ قبل أن يضْرِبَها الطَّلْق، ليست في حال خَوْف.
وقال مالكٌ -رحمه الله-: إذا بلغت ستة أشهر؛ دَخَلت في حال الخوف، واحتج الأصحاب بأنَّها ما دامَتْ حاملاً لا تخاف الموت، وإنما تخافُة عند حدوث الطَّلْق، وإذا ضربها الطلق، ففيه قولان: أصحُّهما: أن الحال حالُ خَوْفٍ؛ لصعوبة أمر الولادة.
والثاني: المنعُ، وُينْسَبُ إلَى رواية الشيخ أبي حامد؛ لأن الغالب السلامة، وإذا وضعَتَ، فالخوف باقٍ إلَى أن تنفصل المشيمة، فإذا انفصلتْ، زال الخوف، إلاَّ إذا حصل من الولادة جراحَةٌ، أو ضَرَبَانٌ شديدٌ، أو ورمٌ أو إلقاءُ المضْغَةِ، أو العَلَقَةِ.
قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: لا خوْفَ منهه؛ وفي "التتمة" أن إِلقاء المُضْغة كالولادة، وموت الولد في البَطْن يوجِبُ الخوف 1، هذا، [هو] أحد مقاصِدِ الفَصْل، وهي كثيرة.
والثاني: إذا، أشكل الحال في مرض؛ فلم يدر، أهو مخوفٌ أم لا؟ فالرجوعُ فيه إلَى أهل الخبرة [والعلم بالطِّبّ، ولا بدّ في المرجوع إليه من الإسلام والبلوغ والعدالة والحرية] 2، ولا بد من العدد أيضاً وقد ذكرنا وجهاً في جواز العدول من الوضوء إلى التّيمم بقول الصبيِّ - المراهق والفاسِق، ووجهاً في أنه لا يُشْتَرَطُ فيه العددُ، وعن أبي سليمان الخطابيِّ وجْهٌ لم نَذْكُرُه في ذلك الباب، أنه يجوز العدُولُ من الوضوء إلى التيمم يقول الطبيب الكافر، كما يجوز شُرْب الدواءِ من يده، وهو لا يَدْري أنه دواء، أو داء ولا يبعُدُ أن تطرد هذه الاختلافات هاهنا، وقد قال الإمام: الذي أرى أنه يلحق بالشهادات [من كُلِّ وجه]، بل يلحق بالتَّقْويم وتعديل الأنصباء في القسمة، حتى يختلف الرأْيُ في اعتبار العدد 3.

وإذا اختلف الوارثُ والمتبرِّع عليه في كون المَرَضِ مَخُوفًا بعدْ موْت المتبرِّع، فالقولُ قولُ المتبرع عليه؛ لأنَّ الأصْلَ السلامةُ عن المرض المخوف، وعلى الوارث البيِّنةُ، ولا تثبت دعْوَاه إِلَّا بشهادَةِ رجلَيْن، ولا يقبل قولُ رجلٍ وامرأتين؛ لأنها شهادة على غير المال، وإن كان المقصودُ المال، نعم، لو كانت العلة بامرأة على وجه لا يتطَّلعُ عليه الرجال غالباً، فتقبل شهادةُ رجُلَينِ، ورجل وامرأتَينِ، وأربع نسوة، ويُعْتَبَرُ في الشاهدين العِلْمُ بالطّبّ قاله في "التهذيب".
والثالث: إذا وجدنا المرضَ مَخُوفًا، حجَرْنا عليه في التبرُّع فيما زاد على الثلث ولم ننفذه لكنَّه، لو فعل، ثم سلم وبرأ، تبيَّن [صحة] التبرُّع، وأن ذلك المرض لم يَكُنْ مخوفًا، ومن هذا القبيل [ما] إِذا الْتَحَمَ القتَالُ، وحكَمْنا بأنَّه مخَوَفٌ، ثم انقضى الحَرْب وسلم، وإِذا رأينا المرَضَ غَيْرَ مخوف، فاتصل به الموت، نُظرَ؛ إن كان بحيث لا يُحَال عليه الموتُ بحال؛ كوجع الضِّرْس ونحوه، فالتبرُّع نافذٌ، والموت محمولٌ على الفجأة وإن كان غيره كإسْهال يوم، أو يومَيْن، فتبيَّن باتصال الموت كونُهُ مَخُوفًا وكنَّا نظُنُّ أن القوة تحتمله، فَبَانَ خلافه، وكذلك حمَّى يوم، أو يومين فيما رواه صاحب الكتاب في "الوسيط" وقد حكَيْنا من قبلُ الفَرْقَ بين أن يعرق، أو لا يعرق في هذه الصورة والله أعلم.
ونعود الآن إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب: أما تغيير التَّرْتيب في بعض مسائل الفَصْل، فسببه أنا أَرَدْنا أن نذْكُر الأمراض المُخَوفة، والأحوال الملتحقة بها مجْمُوعَةً، ثم نأخذ في نوع آخَرَ من الكلام، وأمَّا قوله: "كُلُّ ما يستعد الإِنسان بسببه لما بعد الموت" فمعناه أنه يتهيأ للموت، ويعد أسباب التجهيز، وما ينفعه بعد الموت من توبة، ووصية، ورد مظلمة، وفي هذه اللفظة ما يُشْعِرُ بإخراج الفَالَجِ، إذا امتدَّت مدته عن الأمراض المخوفة؛ لأن المفلوج لا يستعدُّ للموت، وما بعده، ويجوز أن يُعْلَم [قوله] 1 بالحاء؛ لأن الأستاذ أبا منصور وغيره حَكَوْا عن أبي حنيفة وأصحابه أن المرض المخوَف ما يمنعه من أن يجيء، ويذْهَب، وما لا يمنعه من التردُّد، فهو غير مخوف، ورُوِيَ عنهم أن المخُوفَ هو الذي يجُوزُ القُعُود له في صلاة الفَرْض.
= الحاكم فكان بمنزلة الأخبار، وأخبار الصبي مقبولة على رأي، فكذا خبر الفاسق يجب العمل به إذا وقع في نفس المخبر صدقة في حق نفسه، وقد تقول بمثل ذلك في خبر الكافر، ولا كذلك فيما نحن فيه؛ لأنه لا يتعلق بسماع الحاكم لا يقبل قول صبي ولا فاسق ولا كافر، كيف وفيه تفرد حكمه على الغير، ومما يوضح ذلك كله أن قول العدد الواحد في باب التيمم كافٍ بل ظن المتيمم يكفي فيه، ولا كذلك فيما نحن فيه:

وقوله "والإسهال المتواتر مع قيام الدم" إن أراد بالمتواتر ظاهِرَ مفهومه، وهو الدائم الممتدُّ، فلا حاجة إلى اعتبار قيام الدم، كما سبق، وإن أراد بالمتواتر [في] (1) اليوم، واليومَيْنِ، فَيُعْتَبَر؛ لكونه مخوفًا قيامُ الدم، أو شيْءٌ مما في معناه، وقوله "والسل في انتهائه" ينبغي أن يُعْلَمَ بالواو؛ لما عرفته فيه، وقوله: "ففي إلحاقها بالمرض المخوف قولان" المشهور من الخلاف، في صورة ظُهُور الطَّاعون وجْهَان، لا قولان، لكنَّ القولَيْن الحاصلَيْنِ من التصرُّف بالنقل والتخريج يَقْرُبَان من الوجْهَين، فجاز التساهل، ويجوز إعلام لفْظِ القولَيْن بالواو؛ للطريقة الجازمة، وقوله: "فالنص أنه قيل الجَرح غير مخوف" مُعْلَمٌ بالحاء والميم والزاي، وقوله في مسألة العمل وقيل: إن السلامة أغلب" قول لا وجه.

فَرْعٌ:

قال الإمام: لا يُشتَرَطُ في المرض المخوف أنْ يكون الموتُ منْه غالباً، بل يكفي أن يكون نادرًا بدليلِ البرسام، ولو قال أهل البَصَر: هذا المرض لا يخَافُ منه الموت، لكنه سببٌ ظاهرٌ في أن يتولَّد منه المرض المخُوفُ، فالأول مخوفٌ أيضاً، وهذا يشكل بالحامل قبل أن يأخذها الطَّلْق، وإن قالوا: يُقْضِي إلى المرض المَخُوفِ نادرًا، فالأولُ ليْسَ بمَخُوفٍ 2. قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَإن قِيل): فَمَا حَدُّ التَّبرُّعِ (قُلْنَا): هُوَ إِزَالَةُ المِلْكِ عَنْ مَالِهِ بِغَيْرِ ثَمَنِ المِثْلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ كَالعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَالهِبَةِ، أَمَّا قَضَاءُ الدُّيُونِ وَالزَّكَوَاتِ (ح) وَالكَفَّارَاتِ (ح و) الوَاجِبَةِ فَمِنْ رَأْسِ المَالِ (ح م) أَوْصَى (و) بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ، وَاِذَا بَاعَ بِثَمَنِ المِثْلِ مِنْ وَارِثٍ (ح) أَوْ مِنْ بَعْضِ الغُرَمَاءِ نَفَذَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، فَلَوْ كانَ بِمُحَابَاة فَقَدْرُ المُحَابَاةِ مِنَ الثُّلثِ، وَإِنْ نَكَحَ بِأَكْثَرَ من مَهْرِ المِثْلِ فَالزِّيادَةُ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ نَكَحَ بِأَقَلَّ من مَهْرِ المِثْلِ فَلاَ حَرَجَ (و) فَإِنَّ ذَلِكَ امْتِنَاعٌ مِنَ الاكْتِسَابِ وَالبُضعُ لاَ يَرِثُهُ الوَارِثُ، فَإن آجِرَ دَوَابَّهُ أَوْ عَبِيدَهُ بِأَقَلَّ من أُجْرَةِ المِثْلِ فَالمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ آجَرَ نَفْسَهُ فَلاَ لِأَنَّهُ لاَ يُعَدُّ مَطمَعًا لِلوَرَثَةِ، وَفِيهِ وَجهٌ أَنَّهُ كَمَنْفَعَةِ العَبْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني في بيان التبرع المحْسُوب من الثلث، وقد ضبَطَهُ في1

الكتاب فقال: "هو إزالةُ المِلْك عن مالي بغير ثمن [المثل] 1 من غير استحقاق [كالعتقُ والهبة والوقف والصدقة وغيرها] " 2. وفيه أربعةُ قُيُود: إزالة الملك، وكونُهَا إِزالةَ عن مالٌ وكونها بغير ثمن المثل، ومجانًا، وبغير استحقاق.
وفيما يدخل فيها، وَيخْرُج منها مسائلُ: إحداها: ما يستحق عليه من ديون الآدَمِيِّينَ، وديون الله تعالَى؛ كالزكاة، وحَجَّة الإِسلام، تُوَفَّى بعد موته، وتكون من رأس المال أوصَى بها، أو لم يُوصِ وقال أبو حنيفة: إنْ أوصَى بالزكوات والكفارات، يُؤَدَّى من الثلث، وإن لم يوص بها، فقد ذكرنا عنه، وعن مالك في "كتاب الحج"؛ أنَّهَا تسقط، فيُعْلَمُ قوله في الكتاب "فمن رأس المال" بالحاء والميم، ويجوز أن يُعْلَمَ قوله "أوصى" بالواو؛ لوجهٍ سيأتِي في الباب الثانِي؛ أنه إذا أوصى بها بحُسْبَ من الثلث.
وقوله في الكتاب "والكفارات الواجبة" ينبغي أن يُعْلَمَ بالواو أيضاً؛ لأن الذي يجعَلُه من رأس المال -بلا خلاف- ما يَجِبُ بأصْل الشرع أيضاً كالحجِّ، والزكاة، فأما ما يتعلَّق بالتزام العَبْد من نذر، ومباشرةٍ بسبب يقتضي الكفارة، ففيه خلافٌ مذكورٌ في الباب الثاني، ولو قضَى في مرضه ديونَ بَعْضِ الغرماء، فلا يزاحمه غيره، إن وَفَّى المالُ بجميع الديون، وإلاَّ، فكذلك على المذهب المشهور.
وفيه وجْهٌ آخرُ: أن للباقين مزاحمته، وهو قول أبي حنيفة -رحمه الله-، كما لو أوصَى بتقديم بعض الغرماء، لا تنْفُذُ وصيته.
الثانية: البيع بثمن المثل أو أكثر نافذٌ من رأس المال؛ سواءٌ باع من الوَارِث، أو من أجنبيٍّ غريم، أو غير غريمٍ، وقد ذكَرْنا خلافٌ أبي حنيفة في البَيْع من الوارثِ منْ قبل، وإن باع محاباة، فإن كانَتْ يسيرةً يتسامح بمثلها، فكما لو باع بثَمَنِ المثل، وإن كانَتْ أكثر من ذلك، فإن كانت مع الوارِثِ، فهي وصيةٌ للوارث، وإلاَّ، فهي معتبرةٌ من الثلث، فهذا لم تخرج من الثلث، فإن أجاز الوارث، نفذ البيعُ في الكلِّ، وإلاَّ، بطل فيما لا يَخْرُج من الثلث، وفيما يخرج طريقان، وإذا لم تبطل، ففي كيفية صحة البيع قولان، وكلُّ ذلك ذكرناه في "باب تفريق الصفقة" 3 من البيع، ثم المحاباة المعتبرةُ من الثلث كلُّ ما يزيدُ عَلَى ثمن المثل أم ما يَزِيدُ عَلَى ما يتغابَنُ الناس بمثله.

الذي ذكره الأستاذ أبو منصور، وأبو عبد الله الحناطيُّ هو الاحتمال الثانِي، وهذا كله إذا باع بثَمَنٍ حالٍّ، فإن باع بثَمَن مؤجَّلٍ، ولم يحل الأجلُ، حتى مات، فيعتبر من الثُّلُث، سواء باع بثمن المثل، أو أقَلَّ، أو أكثر, لما فيه من تفويت اليَدِ علَى الورثة، وتفويتُ اليدِ ملحق بتفويت المالِ؛ ألا تَرَى أن الغاصِبَ يضْمَنُ بالحيلولة، كما يضمن بتفويت المال؟ فليس له تفويت اليد عليهم، كما ليس له تفويت المال، فإن لم يخرج من الثلث، ورد الوارث ما زاد، فالمشتري بالخيار بَيْن فَسْخ البيع، والإجازة في الثلث بثُلُث الثمن، فإن أجاز، فهل يزيد ما يَصحُّ فيه البيع، إذا أدَّى الثلث؟ فيه وجهانِ منقُولاَن في "التَّهذِيب": أصحهما: لا؛ لاَرتفاع العَقْد بالرَّدِّ.
والثاني: نعم؛ لأنَّ ما يحصل للورثة ينبغي أَن نصحح الوصية في نصفه، فعلَى هذا يصحُّ البيع في قدرِ نصف المؤدَّى، وهو السُدُسُ بسُدُسِ الثمن، فإذا أدَّى ذلك السُّدُس، زيد بقَدر نصف النصف، هكذا إلى أن يحصل الاستيعاب.
الثالثةُ: نكاحُ المريض صحيح، وعن مالك -رحمه الله- منعه لنا: أن معاذًا -رَضِيَ الله عَنْهُ- قَالَ في مَرَضِ [مَوْتِهِ] زَوِّجُوني حتَّى، لاَ أَلقَى اللهَ تَعَالَى أعْزَبَاً" 1، وأيضاً، فإنه استباحةُ بُضْعٌ فيستوي فيه حالُ الصحَّة والمَرَض، كشراءِ الجوارِي، وإذا نكح، فَيُنْظَرُ، إن كان بمهر المثل، أو أقلَّ، اعْتُبِرَ من رأس المال، كما لو اشترى شيئاً بثَمَن مثله، وإن كان بأكثر من مهر المثل، فيستحقُّ مهر المثل، فالزيادة تبرُّعٌ على الوارث، وقد سبق حكْمُه؛ فإن لم تكن وارثةً كالذمية، والمكاتَبَةِ، فالزيادةُ محسوبةٌ من الثلث، إن خرَجَتْ منه، نفَذَ التبرع بها, ولو ماتت الزوجةُ قبله، فإن كانت الزيادةُ تخرج من الثلث، فيسلَّم لها؛ لأنه لا يلزم الجمع بين التبرع والميراث، وإن لم يخرج، دارت المسألةُ، ونذْكُرُها في "باب الدَّوْر" إن شاء الله تعالى.
ولو نَكَحَتِ المريضةُ بأقلَّ من مهر المثل، فالنقصان تبرع على الوارث، فللورثة ردُّه وتكميل مهر المثل، فإن لم يكن وارثًا، كما إِذا كان عبداً، أو مُسْلِماً وهي ذمِّيَّةٌ، لم يكمل مهر المثل ولم يُعْتَبَرْ هذا النقْصَان من الثلث، وإنما جُعِلَ ذلك وصيَّةً في حقِّ الوارث، ولم يُجْعَلْ وصيةً في الاعتبار من الثلث؛ لأن المريض، إِنَّمَا يُمْنَعُ من تفويت ما عنْده، وهذا ليس بتفويت، وإنما هو امتناعٌ من الاكتساب.
وأيضاً، فإنَّ المنع فيما يُتوهَّم بقاؤه للوارث، وانتفاعه به، والبُضْع ليس كذلك،

هذا هو المشهور في المسألة، وفي "التتمة" وجهٌ أنه يُعْتَبَرُ من الثلث، وفرق بينه وبين ما إذا آجَرَه نفسه بأقلَّ من أجرة المثل، حيث لا يُعْتَبَرُ من الثلث، مع أن كلَّ واحد منهما لا يبْقَى للورثة بوجْهَيْنِ: أحدهما: أن النكاحَ من غَيْر ذكْر المهر يقتضي مَهْر المثل، فإذا قال الولي زوجتها، وذكر ما دون مهر المثل، فكأنَّه أسْقَطَ العِوَضَ بعْد وجوبه، فكان كالإبْرَاء، وأما الإجارة، فإنها لا تنعقد من غير ذكْر العِوَض.
والثاني: أن المحاباة في المَهْر تُلْحِقُ نَوْع عارٍ بالورثة، فأثبت لهم ولايةَ الدَّفْع، بخلاف المحاباة في الإِجَارَةِ 1. الرابعة: إجارة العبيد والدوابِّ وسائِرِ الأموال بما دون أجرة المِثل معتبرةٌ من الثلث، وكذلك إعارتُهَا حتَّى لو انقضتْ مدة الإجارة، أو الإعارة في مرضه، واستردَّ العين، اعتبر قدر المحاباة في الإجارة، وجميع الأجرة في الإعارة من الثلث، ولو آجر نفسه بمُحَابَاةٍ، أو عَمَلٍ لغيره متبرِّعًا، فوَجْهَان: أحدهما: الاعتبارُ من الثلث أيضاً؛ لأن منافعه مال.
وأصحُّهما: المنع؛ لأن منافعه لا تَبْقَى للورثة، وإن لم يتبرَّع، ولا تمتد إليها أطماعُهم.
وقوله في الكتاب: "وهو إزالةُ الملْك عن مال نفسه" لفظ "الإزالة" ألا تكون الإعارة معتبرةٍ من الثلثِ, لمَا مَرَّ أن الاعارة لَيْسَتْ إزالة ملك وأن المستعيرَ مستبيحٌ، لكنَّا حَكيْنا أن الإعارةَ معتبرةٌ من الثلث، فإذن اللفظ محمولٌ على تفويت المال المملوك أو نحوه وقوله [في الكتاب] 2 بغير ثمن الَمثل أراد عوض المِثْل، لا خُصُوصَ العوض في البيع، ولفظ "الوسيط" "إزالة الملك عن مالٍ مجانًا" وهو أحسنُ.
وقوله "كالعتق، والصدقة، والهبة" لفظ الصدقة ينتظم الوقف، وصدقة التمليك، وكلاهما من هذا القبيل وقوله: "إن نِكِحَتْ بأقلَّ من مهر المثل فلا حرج" مرقوم بالواو؛ لما حكينا [هـ] عن "التتمة" ثم هو غير مُجْرًى على إِطلاقه؛ بل إِذا كان الزوْجُ وارثًا، فلباقي الورثةِ التكميلُ، وهو الغالب، وقد يشكل الضبطُ المذْكُور بما إذا بَاعَ بثَمَنِ المثل نسبة فإنه يُعْتَبَرُ من الثلث مَعَ أنَّه فقد أحد [القيود] 3 الأربَعَةِ.
فُرُوعٌ: باع بالمحاباةِ بشَرْطِ الخيار، ثم مَرِضَ في زمان الخيار، وأجاز العقد، إِنْ

قلنا: إن الملك في زمان الخيار للبائع، فقدْر المحاباة من الثلث، وإلا، فلا 1؛ لأنه ليس بتفويت، وإنَّما هو امتناعٌ من الاكتساب، والاستدراك، فصار كما إذا أفلس المشتري، والمبيع قائمٌ عنده، ومَرِضَ البائع فَلَمْ يفسخ، أو قدر عَلَى فسخ النكاحَ بعَيْبِ فيها، فلم يفعْل حتَّى مات، واستقر المهر، فإنه لا يُعْتَبَرْ من الثُّلُث.
وكذا لو اشترَى بمحاباة، ثم مرض، ووجد بالمبيع عيبًا، ولم يرد مع الإمكان، لا يُعْتَبَرُ قدر المحاباةِ مِنَ الثلث 2، ولو وجد العيب، وتعذَّر الرد بسبب، فأعرض عن الأرش، اعتُبِرَ قَدْرُ الأرش من الثلث، وقدْرُ المحاباة في الإقالة يُعْتَبَر من الثلث، كما في البيع والشراء، وخُلْعُ المريض، لا يُعْتَبَرُ من الثلث؛ لأنَّ له أن يُطَلِّقَ مجانًا، ولأن الوارث لا ينتفع ببقاء النِّكَاح، وأما خلع المريضة، فمذكور في الكتاب في "باب الخلع".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَإِنْ قِيلَ): فَكَيْفَ يُحْسَبُ مِنَ الثُّلْثِ (قُلْنَا): إنْ كَانَتِ التَّبَرُّعَات مُنْجَزَةٌ علَى التَّرْتِيبِ قُدِّمَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ هِبَةٌ وَإِقْبَاضٌ فَهِيَ أَوْلَى مِنَ العِتْقِ بَعْدَهَا، وَإِنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا وَضَاقَ المَالُ أُقْرعَ (ح) بَيْنَهُمْ، وَإِنْ وَهَبَ عَبِيدًا نَفَذَ فِي بَعْضِ كُلِّ عَبْدٍ لَأَنَّ التَّشْقِيصَ في العِتْقِ مَحْذُورٌ لِوُرُودِ الخَبَرِ فِيهِ، وَإِنْ أَضَافَ الْكُلَّ إلي المَوْتِ فَفِي تَقْدِيمِ العِتْقِ عَلَى غَيْرِهِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يُقَدَّمُ (و) الْعِتْقُ عَلَى الوَصِيَّةِ بِالعِتْقِ، وَهَلْ تُقَدَّمُ الكِتَابَة عَلَى الهَبَاتِ؟ خِلاَفٌ (و)، وَالكتَابَةُ مَحْسُوبَةَ (ح) مِنَ الثُّلُثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصلُ الثالثُ في كيفيَّة الاحْتِسَاب من الثُّلُثُ، إذا وُجِدَ تبرُّعان فَصَاعِدًا، وضاق عنهما الثُلُث، فهي إما منجَّزةٌ، أو معلَّقة بالموت، أو هي من النوعَيْنِ جميعاً:

القسم الأول: التبرعات المنجزة، كالإعْتَاق، والإِبْرَاء، والوقْف، والصَّدَقة، والهِبَة مع الإقباض، والمُحَابَاة في العُقُود، وهيَ إِمَّا أن تترتَّب، أو توجَدَ دفعةً واحدةً، وإن ترتبت؛ فيقدم الأولُ فالأول إِلى استغراق الثلث، وإِذا تَمَّ الثلثِ، نِيط أمر الزائِدِ بإجارة الوَرَثَةِ عَلَى ما مرَّ.
وإنما كان كذلك؛ وإن الأولي لازِمٌ لا يفتقر إلى رضا الورثة، فكان أقوى، ولا فرق بين أن يكُونَ المتقدِّمَ والمتأخِّر من جنس واحد، أو من جنسَيْنِ، ولا إذا كان من جِنسَيْن بَيْن أن يَتقدَّم المحاباةُ على العِتْق، أو يتقدَّم العتقُ على المحاباة.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا تقدَّمتِ المحاباةُ على العتق، يُسَوَّى بينهما، ويُقَسَّمُ الثلث عليهما.
لنا: أنها عطيةٌ منجزةٌ لازمةٌ، فلا يساويها ما بعدها، كما لو تقدَّم العتق، أو ترتَّبت محاباةُ، وإن وجدتْ دفعةً واحدةً، فإما أن يتحد الجنس، أو يختلف: إن اتَّحَدَ كما إذا قال لعبيد [له]: أعتَقْتُكُم، أو وهب عبيداً من جماعة، أو أبرأ جماعةً عن ديونه علَيْهِمْ، فلا يتقدَّم البعض على البعض، ولكن في غير العتق يقسَّط الثلث على الكُلِّ؛ باعتبار القيمة على ما يقتضيه الحال من التساوي أو التفاضل.
وفي العتق يُقْرَعُ بين العبيد، ولا تفرق الحريةُ وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يُقْرَعُ بينهم، بل يُعْتَقُ من كلِّ واحد منهم ثلثه ويستسعى في الباقي ومَعْتَمَدُنَا في الفَرْق بَيْن العِتْق وغيره: ما رُوِيَ عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ -رضي الله عنه- أنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَدَعَاهُم رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَزَّاهُم أَثْلاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةَ 1، وَفَرَقُوا من جهة المَعْنَى؛ بأن المقصود من الإعتاق تخليص الشخْص من الرقِّ، وتكميل حاله، وهذا الغرض لا يحْصُل مع التشقيص لبقاء أحكام الرِّقِّ.
والمقصودُ من الهبة، وما في معناها التمليكُ والتشقيص لا ينافيه، فإِن اختلف الجنسُ؛ بأنْ وكل بكل تبرُّع وكيلًا، فتصرَّفوا دفعةٌ واحدةٌ، فإن لم يكُنْ فيها عتقٌ، فيقسَّط الثلثُ على الكلِّ باعتبار القيمة، وإن كان فيقسط أو يقدَّم العتْق؟ فيه قولان، كما سنذكر في التبرعات المعلَّقة بالمَوْتِ.
القسم الثاني: التبرُّعات المعلَّقة بالموت، كالوصايا، وتعليق العتْق؛ فلا يقدَّم عتق

عبْدٍ على عتق غيره، ولا في غير العِتْقِ تبرُّعٌ على غيره، وإن تقدَّم بعض الوصايا، وتأخَّر بعضها، بل في العتق يُقْرَعُ، وفي غيره يقسَّط الثلث على الكلِّ؛ باعتبار القيمة، وفي العِتْق في هذا القِسْم وجه أنه لا يُقْرَعُ، بل يُقسَّط الثلث عليهم، وإنما القرعة من خاصِّيَّة العتْق المنجز؛ لوُرُودِ الخبر، وهذا الوجْهُ مذكورٌ في الكتاب في "باب العتق" والمذهب الأول، ثم ذلك عند إطلاق الوصية، أما إذا قال: أعتقوا سالمًا بعد مَوْتي، ثم غانِمًا، أَوِ ادْفَعُوا إلى زيد مائةً، ثم إلَى عمرو مائةً، فيقدَّم ما قدمه لا محالة، وإذا اجتمع في هذا القسم العتْقُ وغيره، فقولان: أحدهما: يقدَّم العتقُ؛ لِمَا رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنْهُما- أنه قال: يُبْدَأُ في الوَصَايَا بالعْتْقِ 1، وعن ابن المسيِّب -رحمه الله- أنه قال: مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ يُبدَأَ بِالعَتَاقَة في الوَصِيَّةِ، ولأن العتق أقوى؛ لتعَلُّق حق الله تعالى، وحق الآدمي به ولأن له سرايةٌ وقوةٌ ليست لغيره.
وأصحهما: التسويةُ: لما رُوِيَ عن ابن عُمَرَ 2 -رضي الله عنْهما- أنه: "حكم الرجل أن يوصي بالعتق، وغيره بالتحاص 3، ولأن وقْتَ لزومِ الجميع واحدٌ، وهذا في وصايا التمليك مع الوصية بالعتق، أما إذا أوصَى للفقراء بشَيْءٍ، وبعتق عبد، قال في "التهذيب": هما سواءٌ؛ لأنَّ كُلاًّ منهما قربةٌ.
والذي أورد [هـ]، الشيخ أبو عليٍّ طرد القولَيْن؛ اعتماداً على أَن سبب تقديم العتق ما له من القوة والسراية.
وإذا قلْنَا بالتسوية، فما يخص العبيد المعْتَقِينَ، إذا ضاق عنهم يُقْرَعُ بينهم فيه.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إن كان في الوصايا الأمرُ بزكاةٍ واجبةٍ، أو حجٍّ تُقدَّم تلك الوصية عَلَى سائر الوصايا، وإلاَّ، فيقدَّم ما ابتدأ به لفظاً.
القسم الثالث: إذا صدَرَتْ منه تبرعاتٌ منجَّزةٌ وأخرَى معلَّقة بالموت، تقدَّمت المنجَّزةَ؛ لأنَّها تفيدُ المِلْك في الحال، ولأنها لازمةٌ، لا يتمكن المريضُ من الرجُوع عنها.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا أعتق، وأَوصَى بالعتق، فهما سواء.
وقوله في الكتاب: "ولا يقدَّم العتق على الوصية بالعتق" المراد منْه ما إذا علق عتق عبْد عند الموت، وأوصى بإعتاق آخر فلا يتقدم أحدهما على الآخر؛ لأن وقت استحقاقهما واحد، وقد اشتركا في قوة العتق.

وفي "الشامل" وغيره وجه آخر؛ أن المدبر أولى بالعتق؛ لأنه يسبق الآخر من حيث إن الآخر يحتاج إلى إنشاء عتقه بعد الموت.
وقوله قبل ذلك: "وإن تقدمت هبة وإقباض"، بين بذكر "الإقباض" أن تقديم الهبة وحدها، غير كاف؛ لأن تمام الهبة بالقبض.
حتى لو وهب، ثم أعتق أو حابى في بيع، ثم أقبض الموهوب تقدم العتق، أو المحاباة؛ لتأخر القبض عنهما.
ولا تفتقر المحاباة الواقعة في بيعٍ ونحْوِه إلَى قَبْضٍ؛ لأنَّها في ضِمْن مُعَاوَضَةٍ.
وقوله: "لأن التشقيص في العتق محذورٌ أشار به إلى أن التشْقِيص لا يفيد التخلُّص من الرق وأحكامه، والخَبَر المُجْمَلُ ذكْرُهُ هو حَدِيثُ عِمْرَانَ -رَضِيَ الله عنه-.
وفي تقديم الكتابة عَلى الهبات وسَائِرِ الوصايا طريقَانِ: أشبههما: أنه على القولَيْن في تقدم العتقْ عليها.
والثاني: القطْعُ بالتسوية؛ لأنَّها ليس لها من القوة والسراية ما للعِتْق.
وأما قوله: "والكتابةُ محسوبةٌ من الثلث" فهذه المسألة أولاً -ليست من شرط الفصل، بل موضعُها الفَصْل السابق، ثم فقهها أنه إذا كاتب في مرضه عبداً أو أوصَى بكتابته، تعْتَبَرُ قيمته من الثلث، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- إذا كاتبه على قَدْرِ القيمة أو أكثر.
واحتجَّ الأصحاب بأنَّ المكاتبَ تقابل ملكه بملْكِهِ، وهو كسبه فيَكُونُ تفويتًا على الورثة لا معاوضةً، وبتقدير أن يكونَ مُعَاوَضَةً، فالعوضُ مُؤَخَّر، فأشبه البيع نسيئةً، ولو كاتَبَ في الصحَّة، واستوفَى النجوم في المرض، لم تعتبر قيمته من الثُّلُث؛ لأنه بالكتابة كالخَارج عن ملكه، ولو أعتقه في المرض، أو أبرأه عن النُّجُوم، اعتبر منَ الثُّلُثِ أقَلْ الأمْرَيْنِ، قيمته أو النُّجُوم لأنه، إن كانت القيمةُ أقلَّ، فربما كان يُعْجِزُ نفسه، فيسقط النجوم، وإن كانت النجومَ أقلَّ، فربما كان يؤديها، فلا يحْصُلُ للوارث غيرها.
والاستيلادُ في المرض لا يُعْتَبَرْ من الثلث، كما يستهلكه من الأطعمة اللَّذِيذَة، والثياب النفيسة، ويُقْبَلُ إقرارُ المريض بالاستيلاد؛ لقدرته على الإنشاء، ولا يُعْتَبَرُ قيمتها من الثلث، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- تُعتبر قيمتها من الثلث في صورة الإقرار، ولو قال لعَبْده: أنتَ حرٌّ قبل موتي بيومٍ، أو شهرٍ، ثم مرض، ومات؛ لم يعتبرْ من الثلث، وإن قَالَ: قبل مَوْتِي بشَهْرٍ، فإن نقص مرَضَهُ عن شَهْر، فكذلك الجواب، وإلاَّ، فهو كما لو عَلَّق عتق عبْدٍ في الصحة، ووجدت الصفة في المَرَض، وفيه قولان.
فرُوعٌ: قال في مرضه: سالِمٌ حرٌّ، وغانِمٌ حُرٌّ، وفائقٌ حُرٌّ، فهذا من صُوَر ترتيب التبرعات المنَّجزة، ولو قال: سالِمٌ، وغانمٌ، وفائقٌ، أحرارٌ، فهو من صور وقوعها دفعةً

واحداً، ولو علَّق عتقهم بالموت، أُقرعَ بينهم، سواء قال: [إذا مت] 1 فسالم حر وغانمٌ حرٌّ، وفائقٌ حرٌّ، أو قال: فَهُم أحرارٌ ولو قال: إذا مِتُّ، فسالمٌ حُرٌّ، وإن مِتُّ من مرضي هذا، فغانم حرٌّ، فإن مات من ذلك المرض، ولم يف الثُّلُثُ بهما، أُقْرعَ بينهما، وإن برأ ومات بعده، بَطَل التدبيرُ المقيد، وعَتَقَ سالم [والله أعلم].
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَقَالَ لِغانِم: إنْ أَعْتَقْتُكَ فَسَالِمٌ حُرٌّ ثُمَّ أَعْتَقَ غانِمَاً وَالثُّلُثُ لاَ يَفِي إِلاَّ بِأحَدِهِمَا تَعَيَّنَ غانِمٌ لِلْعِتْقِ وَلاَ قُرْعَةَ فإنَّهَا إِنْ خَرَجَتْ عَلَى سَالِمٍ فَكَيْفَ يُعْتَقُ وَلَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّهِ الصِّفَةُ الَّتي عُلِّقَ عَلَيْهَا عِتْقُهُ وَغَانِمٌ كَانَ السَّبَبَ وَسَالِمٌ كَانَ المُسَبِّبَ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ المُسَبَّبُ عَلَى السَّبَبِ، وَإِذَا وَصَّى بِعَبْدٍ هُوَ ثُلُثُ مَالِهِ وَثُلْثَا وماله غائِبٌ لَمْ يتسَلَّطِ المُوصَى لَهُ عَلَيْهِ، وَفِي تَسْلِيطِهِ عَلَى الثُّلُثِ خِلاَفٌ (و)، وَوَجهُ المَنْعِ مَعَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ بكُلِّ حَالٍ أَنَّ حَقَّ الوَارِثِ أَن يَتَسَلَّطَ عَلَى مِثْلَى مَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ المُوصَى لَهُ وَهُوَ غَيرُ مُمْكَّنِ هَاهُنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: إحداهما: له عبدانِ؛ سالم، وغانم، فقال: إنْ أعتقتُ غانمًا، فسالمٌ حرٌّ، ثم أعتق غانمًا، في مرض موته، فإن خرجا من الثلث، عَتَقًا، وإن لم يخرُجْ إلاَّ أحدهما، ففيه وجه ضعيف، أنه يُقْرَعُ بينهما، كما له قال: أعتقْتُكُمَا، والمذْهَبُ أنه لا يُقْرَعُ، بل يتعيَّن للعتق غانم؛ لأنا لو أقرعنا، فربما تخرج القرعة عَلَى سالم، فيلزم إرقاق غانم، وإذا رَقَّ غانم، لم يحصل شرط عتق سالم، وبعضهم يقول في التوجيه: إن عِتْقَ سَالِمٍ مرتَّبٌ على عِتْقِ غانِمٍ، والأسبق أولَى بالنفوذ، لكن سيأتي -إن شاء الله تعالى- في "أبواب الطلاق" أن مثل هذا الترتيب لا يقْتَضِي سبقًا زمانيًّا وإنما تثبت الأولويةُ لما هو أسبق إذا سبق بالزمان، فالتوجيه الأول أوضَحُ.
ولو قال: إن أعتقتُ غانمًا، فسالمٌ حرٌّ في حال إعتاقي غانمًا، ثم أعتق غانمًا في مرَضَهِ، فالجواب كذلك، ولا فرْقَ، وعلى هذا؛ لو قال: إنْ أعتقتُ غانمًا، فسالمٌ وفائقٌ حُرَّانِ، ثم أعتق غانمًا، والثلثُ لا يَفي إلاَّ بأحدهم، تعيَّن للعتق غانم، ولا قرعةَ، وإن فَضَل من الثلث شيءٌ أُقْرعَ بيْن الآخرَيْنِ، فمن خرجَتْ له قرعةُ الحرَّيةِ، عَتَقَ كلُّه، إن خرج كلُّه، وبعضُه، إن لم يخرج إلاَّ بعضُهُ، وإن كان يخرج أحد الآخرَيْن من الثلث بعْض [الثالث] 2 فالذي خرجَتِ القرعةُ له، يُعْتَقُ كلُّه، وُيعْتَقُ من الآخَر بعضه.
ولو قال لعبده: إن تزوَّجْتُ، فأنْتَ حُرٌّ، ثم تزوج في مرض الموت، فقد ذكرنا

أن مَهْر المثل محسوبٌ من رأس المال، وأن الزيادة من الثلث، وإن اقتضى الحالُ تنفيذ الزيادة على مهر المثل، نُظِرَ؛ إِن خرجَتِ الزيادةُ، وقيمة العبد من الثلث، نفذ، وإلاَّ، فيقدَّم المهر، كذا ذكره توجيهًا بأن المَهْر أسبقُ، فإنه يجب بالنكاحِ، ثم يترتَّب عليه العتْقُ، لكن قضية قولنا: إن المرتّب، والمرتَّب عليه يقعان معاً، ولا يتلاحَقَانِ من حيثُ الزَّمانُ إلاَّ يتقدَّم أحدهما على الآخر، بل يُوَزَّع الثلث على الزيادة، وعلى قيمة العبد.
وقد صرَّحوا بأنه لو قال: إن تزوَّجْتُ، فأنتَ حُرٌّ في حال تزويجي، أنه يُوزَّعُ الثلث كذلك؛ لأنه لا يترتب فكذلك عند الإطلاق، إذا لم يكن ترتيب زمانيٌّ، ثم الفرْقُ بين التعليق، بالتزويج، وبيْن مسألة العبْدَيْنِ، حيث لا يوزع هناك، كما لا يُقْرَعُ أنَّ العِتْق هاهنا معلق بالنكاح، والتوزيع لا يَرْفَع النكاح، ولا يقدح فيه، وهناك عِتْقُ سالمٍ معلَّقٌ بعتق غانم كاملاً، وإذا وزَّعنا، لا يُكمَلُ عتق غانم، فلا يمكن إعتاق شيء من سَالِمٍ.
ولو قال لجاريته الحامل: إن أعتقتُ نصْفَ حَملِكِ، فأنتِ حرَّةٌ، ثم أعتق نصْفَ حملها في مرض موته، فقضيَّته عِتْق ذلك النصف سرايته إِلى النصف الآخر، وعتق الأم بسبب التعليق، فإن خرجا من الثلث، عَتَقَا جميعاً، وإن لم يخرُج من الثلث مع النصف المعتق إلا الأم، أو النصف الآخر [كما إذا كان جميع ماله ثلاثمائة، والأم منها خمسون والولد مائة فيقرع بينْ الأم والنصف الآخر] 1 فإن خرجت على [النصف] الآخر عَتَقَ جميع الولد فإن خرَجَت على الأم، لم تُعْتَقْ كلُّها؛ لأن الحمل في حُكم جزء منها يتبع عتقَهُ عُتْقُهَا فتُوزَّع قيمة الثلث، وهي خمسون، على الأم، وعلى النصف الباقي بالسوية؛ فيعتق من الأم نصفها، ومن النصف الباقي نصفُهُ، فيكون ثلاثةُ أرباعه حرًا، ولو كانت الصورةُ كما ذكرنا إلاَّ أن قيمة الأم أيضاً مائةً، وخرجَتِ القرعةُ على الأم، وُزِّعَ الخمسون علَيْها، وعلَى النصف الباقي أثلاثًا؛ فيعتقُ منْها ثلثُهَا، وهو ثلث الخمسين، ومن النصف الباقي ثُلُثه، وهو ثُلُث الخَمْسِينَ، وسدُسُ الجُمْلَةِ، فيكون الحرية من الأم الثُّلثَ، ومن الولد الثُّلُثَينِ.
المسألة الثانية: إذا أوصَى بعبد، أو ثَوْبٍ يخرج من ثلث ماله، وباقي ماله غائب، لم يُدْفَع كلُّه إلى الموصَى له، ولم يسلط على التصرُّف فيه، ما لم يحضر من المال الغائب ما يخرج الموصى به من ثلثه؛ لأن ما يحصل للموصَى له ينبغي أن يحْصُل للوارث مثلاه وربما يتلف المالُ الغائِبُ وهل يتسلط الموصَى له على التصرُّف في ثلثه؟ فيه وجهان: أَحدهما: نعم؛ لأن استحقاقه لهذا القَدْر مستيقنٌ.

وأصحهما: المنع؛ لأن تسليط الموصَى له يتوقَّف على تسليط الورثة على مِثْلَى ما تسلَّط عليه، ولا يمكن تسليطهم على الثُّلُثَيْنِ؛ لأنه ربما يسلم المال الغائب، ويخلص الموصَى به للموصَى له، فكيف يتصرَّفون فيه؟ فلو أنهم تصرَّفوا في ثُلُثَيْ الحاضر، قال أبو الفرج السرخسيُّ في "الأمالي": إن بَانَ هلاكُ المالِ الغائِب، فتبيَّن نفوذ تصرُّفهم؛ ولك أن تقول: وَجَبَ أن يخْرُجَ ذلك على وقْف العقود 1. قال: وإن سلم، وعاد إليهم، فتبين بطلان التصرُّف.
أم لا؟ ويغرَّم للموصى له الثلثين؛ فيه وجهان؛ الثاني منْهما ضعيف.
واعلم أنَّ هَذَا الوَجْهَ الثَّانِيَ قَرِيبٌ من قَوْلِ مَالِكِ -رحمه الله-: إِنَّ الْوَرَثَةَ يتمكَّنُونَ مِنْ خَلْعِ الوَصِيَّةِ في العَينِ المُوصَى بِهَا، وجعلها شائعة في ثلث المال.
ولو أعتق عبداً، هو ثُلُث ماله، أو دَبَّرَهُ، وباقِي مالِهِ غائبٌ، ففي نفوذ العتق والتدبير في ثلثه الخلافُ المذكورُ في الوصيَّة، هكذا ذكره في "الوسيط" وغيره، وسيأتي في التدبير، وقد يستبعد التردُّد في حصُول العِتْق في الثلث، فإنَّ المال الغائب إمَّا باقٍ، فجميعُهُ حُرٌّ أَو هالكٌ، فالثلثُ حُرٌّ، بل الوجه الجزْمُ بالوصيَّة أيضاً بإثبات الملك في الثلث، ورد الخلاف إلى أنه، هل ينفذ تصرُّفه فيه، أو يمْنَعُ من التصرُّف إلى أن يتسلط الوارثُ على مثليه، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الرَّابعُ: الصِّيغَةُ وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِيجَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَوْصَيْتُ أَوْ أَعْطُوهُ أَوْ جَعَلْتُهُ لَهُ، فَإنْ قَالَ: هُوَ لَهُ فَهُوَ إِقْرَارٌ يُؤَاخَذُ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: هُوَ مِنْ مَالي لَهُ، وَلَوْ قَالَ: عَيَّنْتُهُ لَهُ فَهُوَ كِنَايَةٌ فَيَنْفذُ مَعَ النِّيَّةِ، وَالقُبُولُ شَرْطٌ (و)، وَلاَ أَثَرَ لَهُ في حَيَاةِ المُوصِي، وَلاَ يُشْتَرَط الفَوْرُ بَعْدَ المَوْتِ، وَإنْ مَاتَ المُوصَى لَه انْتَقَلَ حَقُّ القَبُولِ وَالمِلْكِ إلى الوَارِثِ، وَإِنْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ وَمَنْ لاَ يَتَعَيَّنُ لاَ يُشْتَرَطُ القُبُولُ، وَالمُعَيَّنُ إِنْ رَدَّ بَعْدَ القُبُولِ وَقَبَلَ القَبْضِ فَفِي نُفُوذِهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلاَمُ في "الصيغة" في طَرَف الإيجاب، ثم في القُبُول: أما الإيجابُ، فلا بد منه، وذلك بأن يقول: أوصيتُ له بكذا، أو أعطُوه، أو ادْفَعُوا إليه بعْد موتي كذا، أو هُوَ له، أو جعلْتُهُ له بعد موتي، أو ملَّكته، أو وهبته منه بعد موتي، أما إذا اقتَصَرَ عَلَى قوله: وهبت منْه، ونوى الوصيَّةَ، فأظهر الوجْهَيْن: أنه لا يكون وصيةً؛ لأنه أمكن تنفيذه في موضوعه الصريح، وهو التمليك النَّاجِزُ.

ولو قال: هُوَ لَهُ؛ فهذا إِقرارٌ يُؤاخَذُ به، ولا يجعل كنايةً عن الوصية، إلاَّ أن يقول: هو له من مالي، أو يقولَ: عبدي هذا لفلانِ، فيصح كنايةً عن الوصية؛ لأنه لا يَصْلُح 1 إقرارًا.
ولو قال: عينته له، فهذا كناية؛ لأنه لا يحتمل التعيين للتمليك بالوصية، والتعيين للإِعارة، والإفهام في الحال، فلا يَنْصَرِفُ إلى الوصية إلاَّ بالتعيين.
وقوله في الكتاب "تنفذ مع النية" فيه وفي كلام الإمام وغيره إشعارٌ بأن الوصيَّة تنْعَقِدُ بالكنايات جزمًا، وأنه لا يجيءُ فيه الخلافُ المذكورُ في البيع ونَحْوه، ووجِّهَ ذلك بأنا ذكَرْنا في أول "البَيْع" أن ما يَقْبَلُ مقصودُهُ التعليقَ بالإغرار كالكتابة، والخُلْع -ينعقد بالكناية مع النية، والوصيَّة في نفسها تَقبَلُ التعليقَ بالإغرار 2 فأولَى أن تنعقد، ولأنها إذا قبلت التعليق بالإغرار، فَلأَن تَقْبَلَ الكنايات أولَى، وبأن الوصية لا تفتقر إلى القبول في الحال، فيشبه ما يستقلُّ به الإِنسان من التصرُّفات.
ولو كتب: إِنِّي أوصيتُ لفلانْ بكذا، قال في "التتمة": لا ينعقد، إذا كان الشخْصُ ناطقًا، كما لو قيل له: أوصيتَ لفلان بكذا، فأشار أن نَعَمُ 3. ولو وُجِدَ له كتابُ وصيةٍ بعد موته، ولم يَقُمْ بينة عَلَى مضمونه، أو كان قد أشهد جماعةً أن الكتاب خَطِّي، وما فيه وصيَّتي، ولم يُطْلِعْهم على ما فيه، فجواب عامة الأصحاب أنه لا تَنْفُذُ الوصيةُ بذلك، ولا يُعْمَلُ بما فيه حتى يشهد به الشهودُ مفصلًا، وذكر أن نَصْرَ بن أحْمَدَ من أُمَرَاء خُرَاسَانَ أراد أن يُوصِيَ، ولا يُطْلِعَ عَلَى وصيته أحداً، فشاور العلماء، فلم يُفتُوا له بذلك، إلاَّ محمَّد بن نَصْرِ المَرْوَزِيَّ، فإنه قال فيما روى الإمامُ، والمتولِّي: يَكفِي الإشهادُ عليه مبهماً، وفيما روى أبو الحسن العَبَّادِيُّ أنه يكفي

الكتاب من غير الإِشهاد، واحتج بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عنْدَهُ" أشعر ذلك باعتبار الكتابة.
واعلم أن انعقاد الوصيَّة بالكتابة ليس ببَعيدٍ، وإن استبعَدَهُ؛ لأن الكتابة [بمثابة] كنايات الألفاظ، وقد سبق في "البيع" ذُكْرُ الخلاف في انعقاد البيع ونَحْوه بالكناية، وذكرنا الآن أن الوصيَّة أشدُّ قبولًا للكنايات، فإذا كتب وقال: نويتُ الوصيَّة لفلانٍ أو اعترف الورثةُ به بعد موته، وَجَبَ أنْ يصحَّ.
ولو اعتقلَ لِسَانُهُ، صحَّت وصيته بالاشارَةِ والكتابةِ، وقد رُوِيَ أن أمامة بِنْتَ أبي العَاص أُصْمِتَتْ، فقيل لها: لفلانٍ كذا, ولفلانٍ كذا، فأشارتْ أنْ نَعَمْ، فجُعِلَ ذلك وصيةً 1. وأما القبول، فإن كانت الوصيةُ لغَيْر مُعَيَّنٍ؛ كالفقراء والمساكين، لزمت بالموت، ولم يُشْتَرطْ فيها القبول، وإن كانت الوصية لمُعَيَّنٍ، فلا بُدَّ من القبول، كما في الهبة، ويجيء فيه خلافٌ من قولٍ، سنذكره في أن الموصَى به يُمْلَكُ بالموت، فإن صحة الوصية على هذا القول مستغنيةٌ عن القُبُول.
ولا يصحُّ قبول الوصية، ولا ردُّها في حياة الموصي وله الردُّ، وإن قَبِلَ في الحياة وبالعكس، وذلك لأنه لا حَقَّ له قبل الموت؛ إذْ هي إيجابُ مِلْكٍ بعد الموت، فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه إذا قبل في الحياة لم يكن له الرد بعد الموت [وإذا رد في الحياة، كان له القُبُول بعد الموت، ولا يشترط القبول في الفور بعد الموت وإنما] 2. يُشتَرَطُ ذلك في العقود الناجزة، التي يُعتَبَرُ فيها ارتباطُ القَبُول بالإيجاب، ثم للردِّ بعد الموت أَحوال.
أحدها: أن يقع قبل القبول، فترتد الوصية، ويستقر الملْكُ للورثة، إن كان الموصى 3 به عَيْنَ مالٍ أو منفعته، فالعين للورثة، ولو أوصَى بالعين لواحدٍ، وبالمنفعة لآخر، فردَّ الموصَى له المنافع، فهي للورثة، أم للموصَى له الآخَرِ؟ فيه وجهان؛ أشبههما: الأول، ولو أوصَى بخدمة عبد لإنسانٍ سنَةً، وقال: هو حرٌّ بعد سنة، فرد الموصَى له، لم يعتق قبل السنة، خلافًا لمالك -رحمه الله-.
الثانية: أن يقع بعد القَبُول وقَبْض الموصَى له، فلا تصحُّ، فان رضي الورثةُ، فهو ابتداءُ تمليكٍ إِيَّاهُم.

والثالثة: أن يقع بعد القَبُول وقبل القبض، ففيه وجهان: أحدهما: صحةُ الرَّدِّ؛ لأنه تمليكٌ من آدميٍّ بغير عوض، فيصح ردَّه قبل القبض، كالوقْف ويُحْكَى هذا عن ظاهر نصه في "الأم".
وأظهرهما: المنع لأن الملك حاصلٌ بعد القبول، فلا يرتفع بالردِّ، كما في البيع، وكما بعد القبض، فهذا قال الموصَى له: رددتُّ الوصية لفلان، يعني أحد الورثة، فعن "الأم" أنه إن قال: أردت لرضاه، كان ردًا على جميع الورثة، وإن قال: أردتُّ تخصيصه بالردِّ عليه، فهو هبة له خاصَّة.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وهذا مفرَّع على تصحيح الردِّ بعد القبول، وإلاَّ فما، لا يملكه لا يمكنه أن يملكه غيره، ثم لم يُعتَبَر لُفظ الهبة والتمليكِ، وقال القاضي أبو الطيب -رحمه الله-: لا بدَّ منه، وهو القياسُ، ولو مات، ولم يبيِّن ما أراده، جُعِلَ ردّاً عَلَى جميع 1 الورثة، وإذا لم يقبل المرضى له، ولم يُرِدْ، فللوارث مطالبته بأحَدِ الأمرين، فإن امتنع، حُكِمَ عليه بالرد.
ولو مات الموصَى له قبل موت الموصِي، بَطَلَتِ الوصية، ولو مات بعد موته، قام وارثه مَقَامَهُ في القَبُول والرد.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: تلزم الوصية بموته، ويجُوزُ أن يُعْلَم؛ لذلك قوله: "انتقل حقُّ القبول" بالحاء؛ واحتج الأصحاب بأن وارث الموصَى له فَرْعٌ له، فإذا لم يَملِكِ الأصل بغَيْر قبول، فالفرع أولَى، ولفظ "الملك" في قوله: "انتقل حق القبول والملك" يريد به حقَّ التمليك، ويجوز أن يُحْمَلَ على نفس الملك، تفريعًا عَلَى أن الموصَى به يملك المَوْتِ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالأَصَحُّ (ح م) مِنَ الأَقْوَالِ أَن المِلْكَ قَبْلَ القُبُولِ مَوْقُوفٌ، فَإنْ قَبِلَ تَبَيَّنَّا المِلْكَ مِنْ وَقْتِ المَوْتِ، وَإِنْ رَدَّ تَبَيَّنَّا الانْتِقَالَ إلَى الوَرَثَةِ بِالمَوْتِ، وَيُمَلَّكُ بالمَوْتِ في قَوْلٍ ثَانٍ (ح)، وَبِالقَبُولِ في قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَنَتَوَقَّفُ فِي أَحْكَامِ المِلْكِ كَمَا تَوَقَّفْنَا فِي المِلْكِ كَالزِّيَاةِ الحَادِثَةِ وَالنَّفَقَةِ وَزَكَاةِ الفِطْرِ وَالمَغَارِمِ وَانْفِسَاخِ النِّكَاحِ إنْ كَانَ المُوصَى بِهِ زَوْجَةَ الوَارِثِ أَوِ المُوصَى لَهُ وَالعِتْقِ إنْ كَانَ قَرِيبَ المُوصَى لَهُ أَوِ الوَارِثِ، وَلَوْ كَانَ المُوصَى بِهِ ابْنَ المُوصَى لَهُ وَمَاتَ قَبْلَ القَبُولِ وَقَبِلَ أَخُوهُ الوَارِثُ عَتَقَ الابْنُ بِطَرِيقِ التَّبْيينِ مِنْ وَقْتِ (و) مَوْتِ المُوصِي، ثُمَّ لاَ يَرِثُ إِذْ فِيَ تَوْرِيثِهِ حِجَبُ الأَخِ وَإبْطَالُ قُبُولهِ فَفِي تَوْرِيِهِ إبْطَالَ تَوْرِيثِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ القَابِلُ ابْنَ المَيِّتِ إِذْ يَرْتَدُّ حَقَّهُ إلَى القُبُولِ في النِّصْفِ وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ لاَ يَرِث أَيضًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَتَى يملك الموصَى له الموصَى به؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: عن رواية ابن عبد الحَكَمِ المِصْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ: أنه يُمْلَكُ بالموت؛ لأنَّ استحقاقه يتعلَّق بالموت، فأشبه المِيرَاثَ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك، وأحمد -رحمهم الله- أنه يُملَكُ بالقبول؛ لأنه تمليكٌ بعقد، فيتوقَّف الملك فيه على القَبُول، كما في البيع ونحوه، وعلى هذا فالملكُ قبل القبول، للوارث أو يبقى للميت؟ فيه وجهان: أصحُّهما: الأول، والثالثُ، وبه قال المزنيُّ، وهو الأصحُّ، أنا نتوقَّف في الحال، فإن قَبِلَ، تبيَّنَّا أنه مِلْكٌ من يوم الموت، وإلاَّ، تبيَّنَّا أنه كان ملكَاً للوارث من يَومَئِذٍ؛ لأنه لو ملك بالمَوْتِ، لما ارْتَدَّ بالرد، كالميراث، وبتقدير أن يرتدَّ، وجب أن يكون انتقالُه إِلَيْهِمْ بحسب الهبة 1 منْهم، لا بحَسَب الإرث من الموصِي، ولو ملك بالقَبُول، فإما أن يكون قبل القُبُول للميت، واستمرار الملك مع المَوْت بعيد أو للوارثِ، وحينئذ، فالموصَى له يتلقَّى الملك عن الوارث، لا عن الموصِي، وهو بعيدٌ أيضاً.
وأيضاً، فالإرث يتأخر عن الوصايا، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] وإذا بطَلَ الجزْمُ بالأقسام، وجب التوقُّف ولو أوصَى بعتق عبْدٍ معيَّنِ بعد موته، فالملك في العبد إلَى أن يُعْتَقَ للوارث، ولا يُجْعَلُ على الخلاف، وفَرَقُوا بأن الوصيَّة تمليك للموصَى له، فيبعُدُ الحكم بالملك لغَيْر مَنْ أوجب له الملك،

والعتق ليس بتمليك.
ثم يتفرَّع على الأصل المذْكُور مسائل: أحدها: كسبُ العبدِ، وثمرةُ الشَّجَرة، وسائرُ زوائدِ الموصَى به، إن حصَلَتْ قبل موت الموصي، فهي له، والوصيَّةِ لا تتناولُهَا، وإن حصَلَتْ بعده، وبعد القبول، فهي للموصَى له، وإن حصَلَت بعد موته، وقَبْلَ القبول، فإن قلنا: إنَّ الملك يحْصُل بالموت، فهي للموصَى له، قَبِلَ الوصيةَ أوردَّها، وفيما إذا ردَّها وجْهٌ: أن الزوائد ترتدُّ أيضاً؛ لأنه تبين أن سبب الملك لم يستقرّ.
وإن قلنا: يحصُلْ بالقبول، فلا تكون الزوائدُ للموصَى له، قَبِلَ الوصيَّةَ أو رَدَّهَا، لأنها حدثَتْ قبل حصول ملكه، وفيما إذا قبلها وجهٌ: أنها تكون للموصَى له؛ لأن حقَّ التمليك من وقْت المَوْت، فهي حادثةٌ على محلِّ حقه، وإن قلْنا: بالتوقُّف، فهي موقوفةٌ أيضاً، إن قَبِلَ الوصية، فهي له، وإلاَّ، فلا.
وحيث قلْنا: إنَّ الزوائدَ ترتدُّ فإلى مَنْ ترتدُّ؟ فيه وجهان: أحدهما: إلى المُوصِي، حتى تكونَ من جملةِ تَرِكَاتِهِ، يقضي منها ديونه، وتنفذ وصاياه، كالأصل.
وأصحُّهما: أنها تكون للوارث؛ لحدوثها بعد زوال ملْك الموصِي؛ وعلى هذا الخلافِ ولَدُ الجارية، ونتاج [البهيمة] 1 الموصَى بهما، ويتعلَّق بها تفاصيلُ وأحمامٌ أخَر نذكرها موضَّحَة على الأثر -إن شاء الله تعالَى-.
ومنها: فطرة العبد الموصَى به، إذا وقع وقْتُ وجوبها بين المَوْت والقُبُول، على من تجب يخرج، على هذا الخلاف.
وقد أوردناه في "زكاة الفطرة".
وقوله في الكتاب "والمغارم" أراد به النفقة والمؤَنَ المُحْتَاج إلَيْها بين الموت والقُبُول، وحكمها حكم الفِطْرة؛ وذَكَرَ في "الوسيط"؛ أنها على الموصَى له، إن قَبِلَ عَلى كلِّ قول، وعلى الوارث، إن ردَّ على كلِّ قول، ولا يعودُ فيها الوجهُ المذكور في الزيادات، وإن كان يُحْتَملُ أن يقال: الغُرْمُ في مقابلةِ الغنم؛ لكن إدخال شيء في الملك قهراً هو أهونُ من التزام مؤنة قهراً، هكذا قاله، لكن فيما قدَّمناه في "زكاة الفطر" طَرْد ذلك الوجه.
والله أعلم.
وإذا توفف المُوصَى له في القَبُول أو الرد، أُلْزِمَ النفقة، فإن أراد الخلاصَ ردَّه.
ومنْها: إذا كان قد زَوَّج أمته من حرٍّ، وأوصَى له بها، فإن ردَّ الوصية، استمرَّ النكاح، إلاَّ إذا قلنا: إن الموصَى له يَمْلِكُ بالموت، فينفسخ النكاح من يوم الموت،

وإن كان المِلْكُ ضعيفاً؛ لأن الملك والنكاح لا يجتمعان، وإن قَبِلَ انفسخ، ويكون الانفساخ من يوم القَبُول، إن قلْنَا: إن الملك يَحْصُلُ بالقبولُ من يوم المَوْت، على سبيل التبيين، إن قلنا بالتوقُّف.
وإن كان قد زوَّجَهَا من وارثه، ثم أوصَى بها لغيره، فإن قَبِلَ الموصَى له الوصيَّةَ، استمر النكاح، إلاَّ إذا قلنا: إن الملك يحصُل بالقبول؛ وإنه قبل القبول للوارث، فيه وجهان: أظهرهما: الانفساخُ، ووجه الثاني أن الملْكَ ضعيفٌ يتعلَّق باختيار الغير، بخلاف جانب الموصَى له، على أن صاحب "التتمة" أشار إلَى وجهٍ هناك أيضاً [وإن در، انفسخ النكاح، وفي استناد الفسخ إلى حالة الموت لضعف الملك] 1، هذا الخلاف، هذا إذا خرجَتِ الأَمَةُ من الثُّلث، فإن لم تخْرُج، ولم يُجِزِ الورثة، انفسخ النكاح؛ لدخول شيء مما يَزيدُ على الثلث في ملْك الزوج، وإن أجازوا، وقلْنا: يحصل الملك بالموت، أو قلْنا بالتوقُّف، فهل ينفسخ؛ إن قلْنا: إن إجازتهم تنفيذٌ لما فعله الوصيُّ، وإن قلنا: ابتداءُ عطيةٍ، فنعم؛ لكونها في مِلْكِهِمْ إلى أن أعطوه.
ومنها: أوصَى بجاريةٍ، فولَدَتْ؛ فإما أن تلد قبل موت المَوصَى له، أو بعده؛ فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: إذا ولدت قبل موت الموصِي، فَيُنْظَرُ؛ إنْ تَقَضَّي أقلُّ مدة الحَمْل من يوم الوصيَّة، وهي ستة أشهر، فالولدُ غَيْرُ متناوَلٍ بالوصية؛ لأن حدوثه بعد الوصيَّة مُحْتَمَلٌ، والأصلُ عدَمُ العمل.
[يومئذ،] فلا يُجْعَلُ الموصَى به بالشَّكِّ، والاحتمال، وإن لم ينقص، عُلِمَ وجوده يوم الوصية، فيبنى على الخلاف في أنَّ الحمل، هل يُعْرَفُ، وُيعْطَى حكمًا قبل الانفصال؟ إن قلنا: لا، فإنما النظَرُ إلَى حالة الانفصال؛ فالولد غير متناوَلٍ أيضاً، بل هو زيادةٌ حدثت في ملك الموصِي، فيكون لورثته، وإن قلنا: نعم، فهو كما لو أوصَى بالجارية، وولدها بعد الانْفِصَالِ، فيُنْظَرُ؛ أيقيلهما الموصَى له، أم يردُّهما، أم يقبل أحدهما دون الآخر؟ وفي هذه الحالة مزيد بحث، موضُعُه أول الباب الثاني عند قوله: "وعند الإطلاق هل يتناول الحَمْل باسم الجارية؟ فيه خلاف".
وإذا كان الموصَى له زوْجَ الجارية، وقَبِلَ الوصية في الوَلَد، عَتِقَ عليه بالملك، وله ولاؤُهُ ولا تصير الجاريةُ أمَّ ولدٍ له؛ لأنها علقت منه برقيق.

القسم الثاني: أن تَلِدَ منه بعد مَوْت الموصِي، وقبل قبول المُوصَى له، فإما أن تلد بعد انقضاء أقل من مدة العمل من يوم موت الموصِي، أو قبله وحينئذ إما أن تلد بعد انقضاء هذه المدة من يوم الوصة، أو قبلها فهذه أحوال ثلاث.
إحداها: إذا ولَدَتْ بعد انقضاء أقلِّ مدة الحمل مِنْ يوم الموت، فالولَدُ غير موصى به؛ لاحتمال حدوثه بعْدَ الموت، إن كان الموصَى له زوْجَ الجارية، بُنَى حكم الولد عَلَى أَن الوصيَّة، بم تُمْلَكُ؟ إن قلْنا بالقبول، وإنَّها قبل القبول لورثة الموصِي، فالولدُ لَهُمْ، لا إرْثًا عن الميت، بل لحدوثه من [مللهم] 1، وان قلْنا تمليك بالموت، أو توقفنا، فَقِبِلَ، فيكون العلوق في ملك الموصَى له، فينعقد الولدُ حرًّا، لا ولاء علَيْه؛ وتكون، الجاريةُ أمَّ ولدٍ له.
الثانية: إذا ولدت قبل أقلَّ مدة الحمل من يوم المَوْت، وبعد انقضاء هذه المدة من يوم الوصية، فهذا لا يجوز أن يكون حدوثُهُ بعد الموت، ويجوز أن يكون بعد الوصيَّة، فيجعل كأنه حَدَثَ بعْدها، فإن قلنا: الحملُ يُعْرَفُ، فالولدُ زيادةٌ حدثَتْ في ملك الموصِي، فهو له ولورثته بعده، وإنْ قلنا: لا يُعْرَفُ، ولا يعطَى حكمًا، فينبني على أن الوصيَّة، بم يُمْلَكُ؟ إن قلنا بالقبول، وإنها للورثة قبل القَبُول، فالولد حادث في ملكهم، وإن قلنا بالموت أو توقَّفْنا، وكان الموصَى له زوج الجارية، فَقَبِلَ، عَتَقَ الولدُ عليه بالمِلْك، وله الولاءُ، ولا تصير الجاريةُ أمَّ ولدٍ له؛ لأن العلُوقُ حَصَلَ وهو مملوك.
الثالثة: إذا ولدَتْ قبل انقضاء مدة الحمل من يومَي الموت والوصيَّة جميعاً، فإن قلْنا: الحمل يُعْرَفُ، فكأنه أوصَى بالجارية والحملِ جميعًا، وإلاَّ، فعلَى الخلاف في أنَّ الوصيَّة، بم تُمْلَكُ؟ على ما ذكرنا في الحالة الثانية.
القسم الثالث: أن تَلِدَ بعد الموت والقبول، فله أحوال: إحداها: أن تَلِدَ بعد انقضاء أقلِّ مدة الحمل من وقت القبول، فالولدُ للموصَى له، وإن كان الموصَى له زوج الجارية، انعَقَدَ الوَلَدُ حُرًّا، وصارت الجاريةُ أمَّ ولدٍ له.
والثانيَةُ: أن تَلِدَ قبل انقضاء هذه المدَّة من وقت القبول، وبعد انقضائها من وقْت المَوْت، فإن قلْنا: إنَّ الوصيَّة تُمْلَكُ بالموت، أو توقَّفنا فقَبِلَ فالحكم كما في الحالة الأولَى.
وإن قلنا: تُملَك بالقبول، وإنها قبل القبول للورثة، فإن قلنا: إنَّ الحمل يُعْرَفُ، فهو زيادةٌ في ملك الوَرَثَةِ، وإلاَّ، فللموصَى له، وإذا كان الموصَى له زوْجَ

الجاريةَ، عَتَقَ الولدُ عليه، ويثبت له الولاءُ، ولا تصير الجاريةُ أمَّ ولد.
والثالثة: أن تَلِدَ قبل انقضاء هذه المدة مِنْ وقْت القبول والمَوْتِ جميعاً، أو بعد انقضائِهَا من يوم الوصية، فإن قلْنا: إن الحَمْل يُعْرَفُ، فالولدُ غير متناوَلٍ بالوصيَّة، فإن قلنا: لا، واعتبرنا حالَةَ الانْفِصَالِ [فالانفصالُ] 1 حصَلَ في ملك الموصَى له، فيكون الوَلَدُ له، ويُعْتَقُ عليه، إن كان الموصَى له زوْجَها, ولا استيلاد.
والرابعةُ: أن تلد قبل انقضائها من يوم الوصية أيضاً، فإن قلنا: إنَّ الحمل يُعْرَفُ، فهو داخلٌ في الوصية، وإلاَّ، فهو حاصلٌ في ملك الموصَى له، فيكون له، فإن كان زوْجَها، عَتَقَ عليه بالملك ولا استيلاد.
وتناج سائر الحيواناتُ يُقَاسُ بما ذكرناه، وُيرْجَعُ في مدَّة حمْلِها إلَى أهل الخبرة، فإنها تختلِفُ.
ثم تذنب المسألة بتذنيبات.
أحدها: قال الشيخ أبو الفرج الزاز: حيث حكَمْنا بِمَصِيرِ الجارية أمَّ ولد، فيعتبر حقيقةُ الإصابة من وقْت الملْك، أم يكْفِي إمكان الإصابة؟ وفيه وجهان.
والثاني هو الملائِمُ لإيرادِ المُعْظَم.
الثاني: قال: حيثُ بَقَّينَا الولَدَ عَلَى ملك الوارث، فالمعتبر من الثلث قيمةُ الجارية وحْدَها، وإذا لم تسبقه، فالمعتبر من الثلث ما كان موجودًا يَوْمَ موت الموصِي، فإن كانت حائلًا، اعتبرنا قيمتها وحْدَها، وإن كانت حاملاً، اعتبر قيمتها مع قيمة الحَمْل؛ وحينئذ فالنَّظَر إلى قيمتها حاملاً يوم موت الموصِي، عند عامة الأصحاب.
قال ابن سُرَيْجٍ: تُعْتَبَرُ قيمتها يَوْمئذ، لو كانت حائلًا، وتُعتَبر قيمة العمل في أول حَالِ الانفصال، وإذا قوَّمناهما، فخرجا من الثلث، فذاك، وإلاَّ، فلا يُقْرَعُ، ولكن ننفذ الوصية في القَدْر الذي يحتمله الثُّلُثُ منهما عَلَى نسبة واحدةٍ.
الثالث: روى المزنيُّ في "المختصر" [أنه] 2 لو أوصَى بأمةِ لزَوْجها، فلم يَعْلَمْ حتى وضَعَتْ له بعْدَ موت سيِّدها أولادًا، فإن قَبِلَ، عُتُقُوا، ولم تكن أمهم أمَّ ولدٍ، حتى تلد منْه بعْد قبوله لستة أشهر، وفيه إشكال من وجهين: أحدُهُما: أنه لم اعتبر عدمَ العلم بالوصيَّة، وهل يَفْتَرِقُ الحالُ بينَ أنْ يعلمَ أو لا يعلمَ؟

والثَّاني: أنه حكمَ بحريَّةِ الأولاَدِ، وبأنَّها لا تصيرُ أمَّ ولدٍ له: فَإِنْ فرع على أنَّ المِلكَ يحصلُ بالموتِ، أو على قول التوقُّفِ، فَلِمَ اعتبرَ مُضِيَّ الأشهرِ في مصير الجاريةِ أمَّ ولدٍ له؟ وإنْ فرَّع على الحصولِ بالقُبولِ، فَلِمَ يحَكَمَ بحريَّةِ الأولادِ في الحالِ؟ أمَّا الأوَّل: فعنِ الخضري ما يقْتضي الفرقَ بينَ العلمِ وعدمِه، واحتجَّ عليه بأنَّ الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- حَكَمَ فيما إذا وَطِئ أَمَةَ الغَيْرِ على ظنَّ أنَّها زوجتُه الحرَّة، بحريَّةِ الولدِ، ولو ظنَّ أنَّها زوجتُه الرقيقةُ، يكونُ الولدُ رَقِيقًا.
فاختلفَ الحُكْمُ باعتقادِهِ.
والظَّاهِرُ: أنَّه لا فرقَ في ثُبوتِ أمِّيَّةِ الولدِ في أميَّةِ، بينَ أن يكونَ عالماً، أو لا يكونَ، حتى لو وَطِئَ أمتَه على ظَنِّ أنَّها لغيره، أو أنَّها حرةٌ وأحبلَها، ثبت أميَّة الولد، [فإِذَنْ] قولُه: "ولم يعلم" كأنَّهُ خَرَجَ مَخرَجَ الغالِب؛ فإنَّ الغالبَ أن الوصيَّة لا تبقى المدةَ الطويلةَ معلَّقةً غيرَ مردودةٍ، ولا مقبولةٍ، إلاَّ إذا لم يعلم المُوصَى له بالوصيَّة؛ لغَيْبَةٍ، أو نَحْوِهَا.
وأمَّا الثَّاني: فقد قيل: إنَّه تخليط من المُزَنِيِّ -رحمه الله- فقوله: "عتقوا" تفريع على أَن المِلْكَ يحصُلُ بالموتِ، وقولُه: "لا تصيرُ أَمّ ولدٍ له" تفريعٌ عَلَى أنَّه يحصُلُ بالقُبُول.
وقال الأكثرون: بل هو تفربعٌ علَى قولِ التوقُّفِ، وَيتَبَيَّنُ حُصولُ المِلكِ بالموتِ، وأرادَ بالقُبولِ في قولِه: "بعد قَبُولِهِ" الموتَ سمَّاهُ قَبُولًا؛ لأنَّه وقتُ القُبُول.
ومنْهُمْ من قال: لفظُ الشَّافعيِّ -رضِيَ اللهُ عنه- "المَوْتُ" لكنَّ المُزَنِيَّ غَلِطَ فيه، وبالجُمْلةِ، فهذا من المواضِعِ الَّتي أضْبَ فيها الشَّارِحُونَ "المُخْتَصَر" وحظُّ الفقه ما سبق.
ولو كانتِ الجاريةُ المُوصَى بِهَا زوجةَ المُوصَى له، كما صوَّرنا، وماتَ المُوصَى له قَبْلَ القُبولِ والرَّدِّ، فقد مرَّ أن ورثَتَه قائِمُون مَقامَهُ في الردِّ والقَبُولِ، فإنْ قَبِلُوا، فعلى الخلافِ في أنَّ المِلْكَ بمَ يحْصُل؟ إنْ قُلْنا بالموتِ، أو قلْنا: هو موقوفٌ، فَقَبُولُهم كقَبُولِ الموصَى له في عتقِ الأولادِ بالمِلْك، وفي انعقادِهِمْ على الحرَّيةِ، وفي مصيرِ الجاريةِ أمَّ ولدٍ، وفي بقائِهِمْ ممالِيكَ لورَثَةِ المُوصِي، على اختلافِ الأحوالِ المذكورةِ في المسألةِ، ولا فرقَ إلاَّ أنَّهم، إذ عُتِقُوا بقبول الموصَى له وَرِثُوه، وإذا عتقوا بقَبُولِ الوَرَثةِ، لم يَرِثُوا؛ عَلَى ما سيأتي، إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وإن قلنا يحصُلُ المِلكُ بالقَبُول، فإنْ كانَ بين الوارِثِ والأولادِ قرابةٌ تقتضي العِتْقَ؛ بأنْ كانَ وارثُ المُوصَى له أباه، فيُعْتَقُونَ عَلَيْهِ؛ لأنَّهم حَفَدَتهُ، وإلاَّ، فوجْهَانِ،

وإذَا لمْ يحصُل العتْقُ، فهل يُقْتَضَى ديونُ الموصَى لَهُ منْها، أم تُسَلَّمُ للورثة؟ فيه وجْهَانِ، سنُبَيِّنُ ماَخَذَهَما.
ومنْها: إذا أوصَى لإنسان [بابنه أو أبيه] 1، لم يجبْ عليه قبولُ الوصيَّةِ، كما لا يجبُ عليه شِراؤه، إِذا قَدَرَ عليه، بل له الردُّ، وعن مالكٍ -رحمه الله- أنَّه يجبُ عليه القبولُ، وفيه وجهٌ أنه ممتنعٌ الرَّدِّ، إذا فَرَّعْنَا عَلَى أنَّ المِلْكَ يحصلُ بالموتِ؛ لأنه يُعْتَقُ عليه، وهذا ما أوردَه صاحبُ "التَّتِمَّةِ" تفريعًا على ذلك القولِ، لكنَّ المذهبَ خلافُه، فإنَّه لا يُعْتَقُ عليه قَبْلَ القَبُولِ.
إذا عرفت ذلك، فإنْ ردَّ، فذاك، فإنْ قَبِلَ، وقلنا: إن المِلْك يحصُلُ بالقَبولِ، عَتَقَ عليه حينئذٍ، وإن قُلْنا بالموتِ، أو قلْنا بالتَّوَقفِ، تبيَّنَ أنَّه عَتَقَ عليه يومَ الموت.
ولو ملَك ابنَ أخيه، فأوصَى به لأجنبيٍّ، ووارثُه أخوه فقَبِلَ الموصَى لَهُ الوصيَّةَ، فَهُوَ للأجنبيِّ، وإن قلنا بالتوقُّفِ، أو بحصول المِلْكِ بالموتِ، وإنْ قُلْنَا: بحصوله بالقَبُولِ، وجَعَلْنَاه قبل القَبُولِ للوارثِ، فقضيَّةُ العِتْق على الوارثِ يومَ الموتِ، لكنَّ الحكايةَ عن الأصحاب أنَّه لا يُعْتَقُ علَيْه؛ كيلا تَبْطُلَ الوصيَّةُ، هذا في ردِّ المُوصَى له وقَبولِهِ بنَفْسِهِ.
أمَّا إذا أَوصَى لإنسان بابنه، وماتَ المُوصَى له بَعْدَ موتِ المُوصِي، وَقَبْل القبول ففيه وجْهَانِ مرجُوحَان، ووجهٌ ثالثٌ وهو المذهبُ: أحدُ الوجْهينِ المرجُوحَيْنِ: ما قدَّمْنَا؛ أنَّ الردَّ يُمْتَنِعُ، لِعتْقِه على الموصَى لَهُ، بِنَاءً على أن المِلْكَ يحصُلُ بالموتِ.
والثَّاني: حكاه الشيخُ أبو عليٍّ؛ أنَّه لَيْسَ للوارِثِ القَبُولُ؛ لما فيه من العتقِ على الميت من غيرِ إذنهِ، وإثباتِ الولاَءِ لهُ، وإنَّما يجِيءُ هذا على قولِنا: إنَّ العِتْقَ، إِذَا حصلَ وقع [على] 2 الميِّتِ وستَعْرف الخلافَ فيه.
والوَجْهُ الثَّالثُ: أنَّ الوارثَ قائم مقامَه في الردِّ والقَبولِ لنَائِبِه عنه في حقوقِه، فإن قَبِلَ: فَهُوَ كَما لَو قَبِلَ الموصَى لَهُ بنَفْسِهِ، إن قُلْنا بالتوقُّفِ، أو بحُصولِ المِلْكِ بالموتِ، وإنْ قُلنا بحْصُولِه بالقَبُولِ، نُظِر؛ إنْ لم يكنْ بينَ الموصَى به، ووارِثِ الموصَى له قرابةٌ تقتضي عِتْقَه علَيْه، بأن كانَ الوارثُ أخًا للمُوصَى له، أو ابْنَ أخِيه، فهل يُحكَمُ بعتقه؟ فيه وجْهَانِ:

أحدُهُمَا: لا؛ لأنَّ القبول، الَّذي يترتبُ عليه العِتقُ وُجِدَ من الوارثِ؛ فيثبتُ المِلْكُ لَهُ ابتداءً، لا تلقِّيَاً من الوارثِ، كما لوْ ورِثَ حقَّ الشفْعةِ، فَأَخَذَ بِهَا، ينتقلُ المِلْكُ إليه من المُشْتَرِي لا مِن مُوَرِّثه، وهذا ما أوردَه صاحبُ "الشَّامِل" وآخَرُون.
وأظهرُهُما: نَعَم، وهو الَّذي ذكره الشَّيْخُ أَبو عليٍّ، وصاحبُ الكِتَاب؛ لأنَّ المُوصِيَ إنَّما أوجَبَ المِلْكَ للمُوصَى له فلا يثبتُ لِغَيْرِه، وإنَّما اعْتُبِرَ القَبولُ للوارثَ عَلَى سبيل النِّيَابَةِ، وهكذا كَما لو [نصب] 1 شبكةً في حياتِه، وتعلق بِهَا صيدٌ بَعدَ موتِه، فإِنا نحكم بثبوتِ المِلْكِ لَهُ.
وإنْ كانَ بين الموصَى بهِ وبَيْنَ وارثِ المُوصَى له قرابةٌ تقْتَضِي العِتْق؛ بأنْ كانَ الوارثُ أباً للمُوصَى له [فنحكم بعتق الموصى به لا محالة، ويعود الوجهان في أنه يعتق على الموصى له] 2، أو على وارثه، وإنَّ الولاء لمن يَثبُتْ، وإذا لم يُحكمْ بالعِتْقِ، فَهَل تُقْضَى منه ديونُ المُوصَى لَهُ، أم يسَلَّمُ للوارِث؟ فيه وجْهَانِ عن روايةِ القاضِي أبي الطَّيِّبِ في "المُجَرَّدِ" وجهٌ.
الثاني: أن الوارِثَ ملك لا من جِهَةِ المُوصَى لَهُ، [والوجه] 3 الأوَّلِ، وهُوَ الأظْهَرُ: أنَّ الوارثَ مَلَكَ بسبب يتعلقُ بالمُوصَى لَهُ، فَهُوَ كالدِّيَةِ الواجبةِ بقَتْلِهِ، تُقْضَى منها ديونُه، وإنْ قُلْنا: إنَّها تثبت للوارثِ ابتدأ، هذا حكمُ العتقِ، وهل يرث الَّذي عَتَقَ مِنَ الموصَى لَه؟ أمَّا إذا قَبِلَ بنفسه، فيُنْظَرُ؛ إن قَبِلَ في حالِ الصِّحَّةِ، فَنَعَمْ، وإنْ قَبِلَ في مرضِ الموتِ، فإرثُه مبنيٌّ عَلَى أنَّ عِتقَهُ، إذاً حَصَلَ المِلْك [فيه] لاَ بِعِوَضٍ.
بَل بِإرْثٍ، أو هِبَةٍ، أو قَبولِ وصيَّةٍ، يُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ، أَوْ من رأسِ المالِ، وفيه وجْهَانِ مذكورانِ في الكتاب في "بابِ العتقِ" إن اعتبرنَاه من الثُّلُثِ، لم يَرِثهُ، وإلاَّ وَرِثَهُ، قالَهُ في التَّهذِيبِ، وهُوَ الَأصحُّ.
أمَّا إذَا ماتَ قَبَلَ القَبولِ، وَقَبلَ وارِثهِ، فإنْ حَكَمْنَا بحصولِ الحريَّةِ عند القَبولِ، لم يرِثْ من المُوصَى لَه؛ لتأخُّرِ عتِقه عنْدَ موتِه، وإِنْ حَكَمْنا بحصولِها عند الموتِ، فإِنْ كانَ القابلُ مِمَّنَ يحجبه المُوصَى بِهِ كالأخِ، لم يرْث؛ لأنَّه لَوْ وَرِثَ، يحجُبُ الأخَ، وأخرجَه عنْ أنْ يكونَ وارِثًا، وإذَا خرَج عنْ أن يكونَ وارِثًا، بَطَلَ قَبولُه؛ فَيَبْقى رَقِيقًا، فَيَمْتَنَعُ تَوْرِيثُه فإذن في توريثِه إبطالُ توريثِه.
وإذا كانَ القابل ممن لا يحجُبُه الموصَى بِه كابن أخ، ففيه ثلاثة أوجهٍ:

أحدُها: أنَّه يرثُ؛ لأنَّ توريثَه لا يؤدِّي إلى حِرمانِ القابِل، فصار كَما لو ماتَ عن ابْن مشهورِ النَّسِب، وأقرَّ بابنٍ آخرَ يرثان معاً.
ولو ماتَ عن أخٍ، فأقرَّ بابن للميِّتِ، ثبتَ نسبُه ولَمْ يَرِثْ.
وأظهرُهُما: وهو المذكورُ في الكتاب: المنعُ؛ لأنا لَوْ ورَّثْنَاه؛ لارتدَّ حقٌّ القابل من القَبولِ في الكلِّ إلى القبولِ في النِّصفِ، ولا يصحُّ من المُوصَى بِهِ أن يقبلَ نصيبَ نَفْسِه؛ لأنَّه إنَّما يقبلُ إذا كانَ وارِثًا، وإنَّما يكونُ وارِثًا إذا عُتِقَ، وإنَّما يُعْتَقُ إذا قَبِلَ، فإذا يَبَقَّى نصفَه رقيقاً، ومَنْ بعضُه رقيقٌ، لا يرثُ، كمن كلُّه رقيقٌ.
قال الشَّيخُ أبو عليٍّ: ويفارقُ هذا إقرارُ الابنِ بابنٍ آخرَ؛ لأنَّهما حينئذٍ مُقِرَّانِ بأنَّهما ابنَا الميِّت، فورثا المال.
وهاهُنَا العتقُ في جميعِه لا يصحُّ إلاَّ بقبولِ من يجوز جميع التَّرِكَةِ، ولا مدخل [للمقبول] 1 في القبولِ، فإنه لم يكنِ الأولُ جَائزاً، بَطُلَ القَبولُ من أصلِهِ.
والوجهُ الثَّالثُ: عن الدَّاركي: أَنَّه إن ثَبَت القبولُ للمَوصَى له، وهو مريضٌ، لم يرِثْه؛ لأنَّ قبولَ ورثته كَقَبُولِه، ولو أنَّه قَبَلَه لكانَ وصيَّةً والإرثُ والوصيَّةُ لا يجْتَمِعَانِ.
وإنْ ثَبَت، وهو صحيحٌ ورِثَهُ ولا يَخْفَى بعد هذا الحاجةِ إلى إعلامِ قولِه: "عتقُ الابنِ" بالواوِ.
وقولُه: "بطريق التبيين هن وقتِ موتِ الموصِي"، جوابٌ على قولِنا: "إن المِلكَ يحصلُ بالموتِ، أو يتبينُ بالقَبُولِ حصولُه من وقتِ الموتِ"، فأمَّا إذا قلنا: "إنَّه يحصلُ بالقَبولِ"، وحكَمنا بوقوعِ العتقِ عن الموصَى لَهُ، فلفظُ الإمامِ أنَّه يسند العتقَ إلى أَلْطَفِ حِينٍ 2 قبل موتِ الموصَى لَه، فيجوز أن يُعلَم لذلِك قوله: "من وقت موت الموصى بالواو".
وفي "مُولِّداتِ" ابنِ الحدَّادِ وشروحِها فروعٌ تتعلقُ بالاختلافِ في وقتِ الملكِ: أحدُها: أوصَى بأمتِه الحاملِ مِن زوجِها لِزوجِها, ولابنِ لها حُرٌّ، وماتَ وخرجَتْ هي كلُّها من الثُّلثِ، فقَبلا الوصيَّةَ، وهما موسران، يُنظَر؛ إن قَبلاَها معاً، عُتِقَت الأمةُ كلُّها؛ على ابنَها النصفُ بالمِلْكِ، والباقي بالسرايةِ وعلى الزوج نصفُ قِيمتِها، وُيعتَقُ الحملُ عليهما بالسَّوِيَّةَ.
أمَّا نصيبُ الزوج؛ فلأنَّه ولدُه، وأمَّا نصيبُ الابنِ؛ فلأنَّ الأمَّ عُتِقتْ علَيه، والعتقُ يَسري في الحامل إلىَ ما يملكُه المُعتِقُ من حملِها, ولا يقومُ نصيبُ واحد منهما على الآخرِ؛ لأنَّ العتقَ حصل عليهما [حصل] دفْعةً واحدةً، فأشْبَه ما إذا اشترى ابنان أباهُما وأمَّهُمَا عُتِق عليهما ولا تَقْويمَ وإن قَبِل أحدُهُمَا، قَبْلَ الآخرِ، فإنْ قلنا: يحصلُ المِلْكُ بالموتِ، أو قُلْنا بالتوقُّفِ، فالجوابُ كذلِك؛ لأنَّ وقتَ المِلْكِ واحدٌ.

وإن اختلفَ وقت القَبولِ، وإنْ قُلنا: يحصلُ المِلْكُ بالقَبولِ، فإن تَقَدَّمَ قَبولُ الابنِ، عَتَقَتْ الأمَة بالمِلْك والحمل بسرايةِ العتقِ من الأمِّ إلى الحملِ، وعَلَيْهِ للزوجِ نصفُ قيمتِها، فإن تقدَّمَ قَبولُ الزَّوجِ، عَتَقَ جميعُ الحملِ، عليه النِّصْفُ بالمِلْكِ، والنصفُ بالسِّرَايةِ، فَيَغْرِم نصفَ قيمتِه يومَ الوِلاَدَةِ.
للابنِ، ولا يعتق عليه من الأمَةِ شيءٌ.
وإذا قبلَ الابن عَتَقَ عليه جميعها بالمِلْكِ والسرايةِ، وغرَّم للزوجِ نصفَ قيمتِها، وإن قَبِلَ للزوج وحدَه عَتَقَ عليه الحمل النصفَ بالملك، والنصفُ بالسراية، فَيَغْرَم نصفَ قيمتِه لورثَةِ الموَصِي ولا يسري العتقُ في الحملِ إلى الأمِّ؛ لأنَّ الحملَ تبعٌ لها وليست هيَ تَبَعًا له، فإن قبل الابن وحدَه عَتَقَا عليه، وغرَّم نصفَ قيمتِها لورثةِ الموصَي.
الثَّاني: أوصى لإنسانٍ بمن يعتق عليه، وماتَ الموصَى لَه عن ابنين فالقولُ في قَولِهما تفريعًا على الأقوالِ في وقت المِلْكِ، كما سبق والظَّاهرُ صحته ووقوعُ العِتقِ عن الميَّتِ، فإنْ قَبِلَ أحدُهُما دونَ الآخر يصحُ القبول في النِّصفِ، ويعتق على الميِّت ثم قال ابنُ الحدَّادِ وآخرونَ: يُنظرَ إن ورثَ القابلُ من الموصِى له ما يفي بباقِي قيمةِ العبْدِ، قُوِّمَ عليه البَاقِي فيما وَرِثَه وإلاَّ لمْ يُقَوَّمْ عليه، ولا اعتبارَ بيسارِ القابلِ في نفسِه، ولا يثبت [التقويم] في نصيب الذي لم يقْبَلْ من التَّرِكَة.
أما أنَّه لا اعتبارَ بيساره في نَفْسِه؛ فلأن العتقَ وقعَ عن الميِّتَ، فلا يكون التقويمُ على غيرِه، وإمَّا أنَّه لا يثبتُ في نصيب الَّذي لم يقبل؛ فلأنَّ سبَب العتقِ القبول؛ فالَّذي لم يقبلْ لم يُنْسَبْ إليه.
ولَكَ أن تقول: هبْ أنَّه لم يُنسبْ لكنَّه غيرُ منْكَرٍ، عِتْقَ نصيبَ القابِل، واقتضائه التَّقويمَ والتقويم كَدَيْنِ يلحقُ التَّركة، وقال الشَّيخُ أبو عليٍّ: يجب ألاَّ يقوَّم على الميِّتِ، ويقتصر العتق على القدْرِ المقْبُلِ لِمَعْنَيَيْنِ.
أحدُهُما: أنَّ المِلْكَ حصل للميِّتِ بغيرِ اختيارِه، بلْ بقَبولِ الوارثِ، فأشبَهَ ما إذا ورثَ شَخْصًا شقصًا مِن عبدٍ، فعتق عليه لا يقوّمُ عليه البَاقِي.
والثَّاني: أن العِتَقَ يحصُلُ بعدَ موتِه، ولا مالَ لَه حينَئذٍ، فأشبَه ما إذا أعتقَ شقصًا من عبدٍ بعدَ الموتِ، لا يقوّمُ عليهِ البَاقِي، قال: وقَدْ رأيتُ هذا لبعضِ الأصْحَابِ، وللأولينَ أن يَقُولُوا: نحنُ إنَّما حكَمنا بالعتقِ على الميِّتِ؛ لِجَعْلِنَا الوارثَ نَائبًا عنْه، وكيفَ ينتظمُ مع القول بالنيابةِ، نفي اختيارِ المَنوب، نَعَم، كلاهما حُكْميانِ، وأمَّا الثَّانِي، فلا يُسَلِّمُ أنَّ العتقَ يَحْصلُ بعدَ الموتِ، بلْ يستندُ إلى مَا قبلَ الموتِ، كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ ولاءِ ما عَتَقَ منه للميِّتِ، ويشتَرِكُ فيه الابنان أم ينفردُ به القابلُ؟ فيه وجهان: وجه الثاني: أنه انفردَ باكتسابِهِ فأَشْبَهَ مَا إذَا شَهِدَ شاهدٌ بدَينٍ للميِّتِ، وحَلَفَ معه أحدُ الابنين فإنَّه ينفردُ الحالفُ بنِصْفِهِ، ولا يشارُكُه الآخز فيه وَلَكَ أنْ تقولَ: المنفردُ بالاكتِسَابِ في هذهِ الصُّورَةِ لم ينْفَرِدْ إلاَّ بنَصِيبِه، فما أثبتَه للميِّتِ، فوجَبَ

أنْ يكونَ هاهُنَا كَذلِك.
ولو أَوْصى لإنْسَانٍ بِبَعْضِ مَنْ يَعْتِقُ علَيْه، ومات الموصَى لَه، وقَبِلَ وارثُه الوصيَّة، فالقولُ في عِتْقِه على الميِّتِ، وتقويم الْبَاقِي عَلَيْهِ عَلَى ما ذكَرْنَاه في هَذِه المَسْألةِ.
الثَّالثُ: أَوْصَى بِأمَةٍ لابْنِهَا من غيره نظر، إن كَانَتْ تَخرُجُ من الثُّلثِ، وقَبلَ المُوصَى لَهُ الوصيَّة، عَتَقَتْ عَلَيْهِ، وإنْ رَدَّ بَقِيَتْ للوارِثِ، وإنْ لَم تخُرُجْ، فالْجَوابُ في قدرِ الثُّلثَ كذلك، وأمَّا الزَّائدُ عليه فلو أَعتقَه الوارثُ، وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ علَيه، ثُمَّ إنْ لم يقبلِ ابنُها الوصيَّةَ، فقدْ بيَّنا أنَّ جميعَهَا للوارِثِ، فيسرِي العتقُ من البعضِ الَّذي أعتقَه إلى الْبَاقِي، وإنْ قَبِلَ عُتَقَ عليه ما قَبِل.
قال ابنُ الحدَّادِ: ولا يُقَوَّمُ نصيبُه على الوارث ولا نصيبُ الوارثِ عَلَيه، أمَّا أنَّه لا يُقوَّمُ نَصيبُ؛ الوارثِ عليه؛ فلأنَّه أعتَقَ نصيبَه قبلَ قَبُولِهِ، وأَمَّا أنَّه لا يقوَّمُ نصيبُه على الوارِثِ؛ فلانَّا نتبينُ بالقَبُولِ حُصُولَ مِلكِه بالموتِ، وتقدَّمَه على إعتاقِ الوارثِ [الزيادةَ].
قال الشيخ أبو علي: والصواب عند الأصحاب أن يُقال: إن قلنا بحصول الملك بالموت ابتداءً، أو تبيناً فيقوم نصيب الوارث عليه؛ لأنا تبينا استناد عتقه إلى وقت الموت وعتق الوارث متأخر عليه؛ لأنه لا بد فيه من مباشرة الإعتاق، وإن قلنا بحصوله بالقبول فيعتق [الكل على الوارث لأنه يرى من نصيبه إلى قدر الثلث والقبول بعده كإعتاق الشريك الثاني بعد إعتاق الأول وهو موسر، هذا إذا حكمنا بحصول السراية بنفس] 1 الإعتاق، وإن قلنا: إنها لا تحصل إلاَّ بعد أداء القيمة، فقبوله كإعتاق الشريك الثاني نصيبه قبل أخذ القيمة، وفيه وجهان: أحدهما: النفوذ؛ لأنه ملكه ما لم يأخذ القيمة.
وأصحهما: المنع؛ لأن الأول بإعتاق نصيبه استحق تقويمه عليه للإعتاق، فصار كما لو استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة، وهو موسر تصير أم ولد له، وليس للآخر إعتاق نصيبه، فعلى هذا له قيمة نصيبه على الوارث، وكأنه فوته بإعتاق نصيبه.
ولو كانت المسألة بحالها، ووارث الموصي ابن له من هذه الأمة، فإن رد الموصى له عُتقِت على الابن الذي هو وارث السيد، وإن قبلها فيُنظرَ: إن خرجت من الثلث عُتِقَت على الموصى له، وإن لم تخرج فالزائد على الثلث منها.
أطلق ابن الحداد أنه يُعتَق في الحال على الوارث، وفصل الشارحون فقالوا: إن لم يجز الوارث الزيادة على الثلث، فالجواب ما ذكروا وإن أجاز فعتقه مبني على أن إجازة الوارث ابتداء عطية

منه، أو تنفيذ إن قلنا بالأول، فقد حكمنا للوارث بالملك قبل أن يُعطَى فيعتق عليه، وإن قلنا تنفيذ لم يُعتَق؛ لأنا على هذا القول لا نجعل الزائد على الثلث للوارث، بل نقفه على الرد والإجازة فإذا أجاز تبين أنه لم يملكه وأما قدر الثلث فإنه يعتق على الموصى له، ولا يقوم نصيب أحدهما على الآخر.
وأما أنه لا يقوم على ابن السيد؛ فلأنه ملك بالإرث، وعتق الشقص المملوك بالإرث لا يقتضي السراية.
وأما أنه لا تقويم على ابنها الموصى له؛ فلأن نصيب شريكه عُتِق قبل عتق نصيبه، وإن قلنا: إنه يُملَك بالقبول، ومع عتق نصيبه إن قلنا: إنه يُملكَ بالموت، ولا تقويم على التقديرين.
الرابع: أوصى بعبد لشخصين؛ أحدهما قريبه الذي يعتق عليه، فإن قبلا الوصية معاً عُتِق جميعه على القريب، إن كان موسراً، النصف بالملك، والباقي بالسراية، ويُغرَمْ للأجنبي نصف قيمته.
وإن قبل القريب أولاً، فكذلك حكم العتق.
ويكون غرم النصف للأجنبي، إن قبل الوصية بعد ذلك، والوارث الموصي إن لم يقبل، وإن قبل الأجنبي أولاً ملك نصيبه ونصيب القريب موقوف إلى أن يقبل أو يرد فإن أعتق الأجنبي نصيبه قبل قبول القريب، ثم قبل فإن قلنا: الملك في الوصية يحصل بالقبول، قوم نصيبه على الأجنبي، فكان كما لو أعتق الشريك نصيبه، وهو موسر، ثم أعتق الثاني نصيبه فإن قلنا: يحصل بالموت، أن عتق الأجنبي غير نافذ، وأنه عتق جميعه على الوارث، وعليه نصف القيمة للأجنبي والله أعْلمُ.

البَابُ الثَّانِي في أَحْكَامِ الوَصِيَّةِ الصَّحِيحَةِ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى لَفْظِيَّةٍ وَإِلَى حُكمِيَّةٍ وَإلَى حِسَابِيَّة أَمَّا اللَّفْظِيَّةُ فَلَهَا طَرَفَانِ: الأَوَّلُ في المُوصَى بِهِ، وَإِذَا أَوْصَى بِجَارِيةٍ دُونَ حَمْلِهَا، وَبِالحَمْل دُونَ الجَارِيةِ صَحَّ، وَعِنْدَ الإِطْلاَقِ هَلْ يتَنَاوَلُ الحَمْلُ بِاسْمِ الجَارِيةِ؟ فيهِ خِلاَفٌ، فَإِنْ تَنَاوَلَهُ فَلاَ يَنْقَطِعُ بِالأنْفِصَالِ بَلْ يَبقَى مُوصًى بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا استجمعتِ الوصيَّةُ مما يفتقر إلَيْه صحَّتها، صحَّت، ووقع النَّظَر بعد ذلك في أحكامها، والنَّظَر فيها تارةً يكون من جهةِ اللَّفْظ؛ كنظرنا في أن الشَّاة، والدَّابَّة، والفرس عَلاَمَ تَحْمُلُ الوصيَّة بها، وتارة من جهة المعنَى؛ كنظرنا في أحكام الوصية بالمنافع، بأيَة لفظة قُدِّرتِ الوصيةُ ثم كمية الموصَى به قد تُعْرَفُ من غير حساب، وقد يحتاج فيها إلى أعمالِ فِكْرٍ، وضَرْب حسابٍ جَلِيٍّ أو خَفِيٍّ، فلذلك جعل أحكامها ثلاثةَ أنْوَاعٍ لفظيَّة، ومعنويَّة، وحسابيَّة:

القسم الأول: اللفظيَّة،

واللفظ المبحوثُ عنْه، قد يُسْتَعمَلُ في الموصَى به، وقد يستعملُ في الموصَى له: الطرف الأول في الموصَى به.
فمن مسائله: أنه لو أوصَى بجاريةٍ حاملٍ، واستثنَى حمْلَهَا لنفسه، جاز بخلاف البيع، وكذلك تجوزُ الوصية بالحمل وحده، على الشَّرط الذي سَبَق، بخلاف بيعه ولو أوصَى بالحمل لرجل، وبالجارية [لآخر] 1 صَحَّت الوصيتان، ولو أطلق الوصيَّة بالجارية، ففي دخول العمل وجهان: أحدهما: الدخولُ، كما لو باع الحامل.
والثاني: المَنْع؛ لأنه ليس جُزْءًا منْها، والأول أظهرُ فيما دلَّ عليه كلام الأئمة، ولكن لا تبعد الفتوَى بالثاني، بخلاف البَيْع؛ لأن الحمل لا يُفْرَدُ بالبيع، فجعل تَبَعًا، وُيفْرَدُ بالوصيَّة، فلا معنَى لجعله تَبَعًا؛ ولأن الأصْلَ التنزيلُ على الأقل المستيقن ولأن الوصيَّة عقْدٌ ضعيفٌ لا يليق بحالِهَا الاستتباع، فإن قلْنا بدخوله، فلا تنقطع الوصيَّة بانفصال الحَمْل، بل يبقى موصى به، والانفصال زيادة حصَلَتْ فيه، وقد ذكرنا من قبلُ فيمن أوصَى بجارية، فولَدَتْ بحيث يعلم وجوده عند الوصية أمَّا إن قلْنا: إن الحَمْل لا يُعْرَفُ، فالولدُ غير متناوَلِ، بل هو لورثة الموصِي، وإن قلنا: إن الحَمْل يُعْرَفُ، فهو كما لو أوصَى بهما، وتلك المسألةُ هي المسألة المذكورةُ هاهنا، بعينها؛ لأنه لو تعرَّض [في الوصية] 2 بالحَمْلِ والجارَيةِ معاً، ارتفع الخلافُ؛ كما لو أوصَى بالجارية لواحدٍ، بالحَمْلِ لآخَرَ، ولا ينقدح تشبيهُ التنصيص عَلَى الحَمْل؛ تفريعًا على أن الحَمْلَ لا يُعْرَفُ بالتنصيص فيما إذا قال: بعْتُ هذه الجاريةَ وحَمْلَها وأنه غيرُ جائز في أصحِّ الوجْهَيْنِ، حتى يجيء الخلافُ هاهنا مع التنصيص، وذلك لأن الحملَ لا يجُوزُ إفراده بالبيع، ولا يجوز جعلُه أحَدَ مقصودَيْهِ، ويجوز إفرادُهُ بالوصيَّة.
وقوله وبالحمل دون الجارية، صحَّ هذه المسألة قد ذكَرَهَا في الباب الأول، والغَرَضُ الآن التنبيهُ عَلَى توجيه المسألة السَّابِقة، أي: كما تجوزُ الوصيَّة بالحَمْل وحْدَهُ، تجوز الوصية بالحَامِلِ وحْدَها بخلافِ البَيْعِ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَلِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ مِنْ طُبُولِهِ وَلَهُ طَبْلُ لَهوٍ وَطَبْلُ حَرْبٍ نُزلَ عَلَى طَبْلِ الحَرْبِ مَيلاً إلى التَّصْحِيحِ، وَلَوْ أَوْصَى بِعُود مِنْ عِيدَانِهِ وَلَهُ عُودٌ لِلَّهوِ وَالْبِنَاءِ وَالقَوْسِ بَطَلَ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ لِلَّهْوٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُنَزلُ عَلَى عُودِ البِنَاءِ أَوِ القَوْسِ، كَمَا إِذَا قَالَ: عُودٌ مِنْ

عِيدَانِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلاَّ عُودُ القَوْسِ وَالبنَاءِ، وَلَوْ أَوْصَى بِقَوْسٍ حُمِلَ عَلَى مَا يُرْمِى بِهِ النِّشَابُ دُونَ قَوْسِ النَّدْفَ وَالجَلاَهِقِ إلاَّ إذَا قَالَ قَوْسِ مَنْ قِسِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ قَوْسُ النَّدْفِ وَالجُلاَهِقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاثُ صُوَرٍ: احداها: الطَّبْل أنواعٌ، أسلفنا ذِكْرَها، وبيَّنَّا أنَّ طَبْلَ اللهو، إن صَلُح لمنفعة مباحةٍ، إما على هيئته، وإما بعْد التغْيير الذي لا يُبْطِلُ اسْمَ الطبل، صحَّتِ الوصية، وإلاَّ فَلا، إذا تذكَّرْتَ ذلك، فلو أطلق، وقال: أعطُوه طبلًا من مالي، ولم يكن له طبلٌ يَحِلُّ الانتفاع به اشتُرِيَ، ودُفِعَ إلَيْه، وإن قال: طبلاً من طبولي، فإن كان له طبْلٌ يحلُّ الانتفاع به؛ كَطَبْل الحرب، وطَبْل اللَّهْو لا تصحُّ الوصية به ونزل على طبل الحرب ونحوه؛ ميلاً إلى التصحيح؛ لأن الموصِىِ يقْصِدُ حيازة الثَّوَاب، فالظاهرُ أنه يقْصِدُ ما تصحُّ الوصية به، وإن لم يكن له إلا طبُولٌ، لا تصحُّ الوصيةُ بها، فالوصيَّة باطلة فهذا صحَّتِ الوصيةُ بالطبل، فالجِلْدُ الذي عليه، يُدْفَعُ إلى المُوصَى له، إن كان لا يقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الطبل دُونَ الجِلْدِ، والدُّفُّ تجوز الوصيَّةُ به، فإن كان علَيْه شيْءٌ من الجَلاَجِل وحرَّمْنَاها نزعت، ولم يُدْفَعْ إلَيْه إلا حَتى أن يَنُصَّ عليها.
الثانِيَةُ: اسم العُودِ يقَعُ عَلَى هذا الَّذِي يُضْرَبُ به، وهُوَ عود اللَّهْو، وعلى الواحدِ مِنَ الأَخْشَاب، منْها التي تستعمل في البناء، والتي تصْلُحِ لِلْقِسِيِّ والعِصِيِّ؛ والوصيةُ بعُودِ اللَّهْوِ، كَهِيَ بطَبل اللَّهْو، فَيُنْظَرُ؛ هل يَصْلُحُ عَلَى هيئته؛ لمنفعةٍ مباحةٍ، أو بعد التَّغْيِيرِ الَّذي لا يَبْطُلُ اسم العُودِ، أو لا يَصْلُحُ؟ وإذا صحَّتِ الوصيةُ به، لم يُدْفَع إلَيْه الوَتَرُ، والمِضْرَابُ؛ لأنه يُسَمَّى عُودًا دونهما.
وإن قال: أعْطُوه عُودًا من عيداني، نُظِرَ؛ إن لم يكُنْ إلاَّ عيدان القسي والبناء، فيُعْطَى واحداً منها، وكذا لو كان مَعَها عيدانُ اللهو, لكنها تصلُحُ لمنفعة مباحةٍ، فيعطيه الوارثُ ما شاء من الكُلِّ، وإن كان له عيدان اللهو، الَّتي لا تصْلُحُ لمنفعة مباحة، وعيدانِ القسيِّ، والبناء، فوجهان: أحدهما: تنزيل الوصيَّة عَلَى عيدان القِسِيِّ، والبناءِ كمثله في الطَّبْل، وكما لو لم يكُنْ إلاَّ عيدان القسيِّ والبناء، فيعطَى واحداً منها.
وأظهرهما: وهو المنصوص: أن الوصية تُنَزَّلُ على عيدان اللهو، فيُبطل؛ لأن اسْمَ العُود عند الإطلاق لهذا الذي يُضْرَبُ به، واستعمالُهُ في غيره مرجُوحٌ، والطَّبْلُ يقع على طَبْل اللَّهو وغيره وقوعًا واحداً، وليس كما لو قال: عوداً من عيداني، ليس له إلاَّ أعوادُ البناء والقسي؛ لأن هناك التقييد منَعَنا من الأخْذ بالإطْلاَق، وهاهنا فوائدُ:

إحداها: لصاحب الوجْه الأول أن يمنع ظُهُور اسْمِ العُود في الذي يُضرَبُ به، ويقُولَ: لفظُ العُودِ مشتركٌ، يستعمل وفي الذي يُتَجَّرُ به، وفي الواحِد من الأخْشَاب بحَسَب الحاجة، ولا ترجيحَ، ثم له أن يقول: إنْ كانَ الاستعمالُ في عُود اللهو أظْهَرَ، فكما ينصرف اللفظ إليه، إذا كان واحداً، يَنْصَرِف إذا كان جميعاً؛ فيلزم أن ينصرف قوله: "عُودٌ من عيداني" إليه، فحينئذ وجَبَ أن تلغو الوصيةُ، إذا لم يكُنْ له عيدان لهو، وإن كان له ما يَصْلُح للأبنية والقسي.
الثانية: إِذا أوصى بعُودٍ، ولا عودَ لَهُ فَقَضِيَّةُ تنزيل مطْلَقِ العودِ عَلَى عود اللهو إبطالُ الوصية، أَو أن يُشتَرَى له عُودُ لَهوٍ يصلُحُ لمنفعة مباحة، وأطلق في "التتمة" أنه يُشْتَرَى مَا لو كان موجودًا في ماله، أمكن تنفيذ الوصية بالعُود به.
الثالثة: وقوعُ الطَّبْل على أنواعه، ليس كوقوع العُود عَلَى معلنيه المذكورةَ، بل الطبلُ موضوعٌ للمشترك بين الأنواع، وليس مشتركًا بينهما، والعُودُ مشتركٌ بين الخشب، والذي يُضْرَبُ به، والذي به، ثم هو بالمعْنَى الأَول غَيْرُ مشترَكٍ بَيْنَ ما يستعمل في الأبنية، ويصْلُح للقِسِيِّ بل للمشترَكِ بينهما.
الرابعةُ: لو أوصَى بعُودٍ من عيدانه، وليس له إلاَّ عودٌ واحدٌ من أعواد اللهو، وواحدٌ مما يصْلُح للبناء، وواحدٌ مما يصلح للقِسِيِّ، فإن جَعَلْنا لفظ العيدان على هذه الآحاد، حملنا اللفظ المشتركَ عَلَى مَعْنَيَيهِ معاً، وفيه نَظَرٌ للأصولِيِّينَ؛ فإن منع، فهذه الصورةُ كما لو أوصَى بعود من عيدانه، وليس له إِلَّا واحدٌ من أعواد اللهو، أو لا عُودَ له، وجب حمْلُ قوله في الكتاب "وله عودُ اللَّهْو، والقَوْسِ، والبِنَاءِ" على الجنس دون الآحاد.
فَرْعٌ: الوصيةُ بالمزْمَار كالوصيَّة بعود اللهو، وإذا صَحَّ، لم يلزم تسليم الجَمِيع، وهو الذي يجعله الزَّامِرُ بين شفتَيْهِ؛ لأن الاسْمَ لا يتوقَّف عليه.
الصورة الثالثة: اسْمُ القَوْسِ يقع على العربيَّة، وهي التي يُرْمَى بها النَّبْل، وهي السِّهَام العربية، وعلى الفارسيَّة، وهي الَّتي يُرْمَى بها النِّشَابُ، وعلى القِسِيِّ التي لها مجْرَى تنفذ فيها السِّهام الصِّغار، وتسمَّى الحسبان، وعلى الجُلاَهِقِ، وهو ما يُرْمَى بها البندق، وعلى قوس النَّدَّافين، والسابق إِلى الفَهْم من لفظ القوس أحدُ الأنواعِ الثلاثةِ الأُولَى، فلو قال أعْطُوه [ما يسمى] قَوْسَاً حمِلَ على أَحدِهَا دون قَوْس النَّدْف، والجُلاَهِق، ولو قال: أعطُوه ما يسمَّى قوساً، ففي "التتمة" أن للوارث أن يُعْطِي ما شاء

من الأَنواع الثلاثة وغَيْرها، ويشبه أن يكون كما لو قال: أعطوه قوساً إِلاَّ أن يقول ما يُسَمَّى قوسًا غالباً، أو نَادِرًا، أو ما أَشبه ذلك، ولو قال: أعطوه قوسًا من قِسِيِّ، وله قِسِيٌّ من كلِّ نوع، أُعْطِيَ ما يرمي به النبل، أو النِّشابِ، أو [الحسبان] 1 دون قَوْس النَّدْف والجُلاَهِقِ، وكذلك لو كان له شَيْء من الأنواع الثَّلاثة، فإن لم يَكُنْ له إلاَّ قوسُ الجُلاَهِقِ، أو قوس الندف [حمل اللفظ عليه؛ للتقييد والإضافة، وإن كان له الجُلاَهِقُ وقوْسُ النَّدْف] 2 جميعاً، أُعْطِيَ الجُلاَهِقَ؛ لأن الاسم أسبقُ إِلَيْه، وكل هذا عند الإِطلاق، فلو قال أعطُوه قوسًا يقاتِلُ بها، أو يَرْمِي الطير، أو يندق، فقد أبان الغَرَضَ، وهل يستتبع الوصيَّة بالقوس الوَتَر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الانتفاعَ يتوقَّف عليه.
وأصحُّهما: لا؛ لخروجه عن مُسمَّى القوس، وصار كما أن الوصيَّة بالدابَّة لا يستتبع السرج، ويشبه أن يجيء الوجهان في بَيْع القَوْس، والنصلُ والرِّيشُ يدْخُلاَن في السَّهْم؛ لثبوتهما، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى بِشَاةٍ دُفِعَ اِلَيْهِ الصَّغِيرُ وَالكبِيرُ وَالمَعِيبُ وَالسَّلِيمُ والذَّكَرُ وَالأُنْثَى وَالضَّأْنُ وَالمَعْزُ، وَلاَ يُعْطَى الكَبْشَ عَلَى النَّصِّ، وَقِيلَ: يُعْطَى إِذْ لَيْسَ التَّاءُ فِيهَا لِلتَّأْنِيثِ، وَاسْمُ البَعِيرِ في تَنَاوِلِهِ النَّاقَةَ كَالشَّاةِ في تَنَاوُلهَا الكَبْشَ فِيهِ خِلاَفٌ وَالجَمَلُ لاَ يَتَنَاوَلُ النَّاقَةُ، وَلاَ النَّاقَةُ الجَمَلَ، وَلاَ الثَّوْرُ البَقَرَةَ، وَلاَ عَكْسُهَا، وَلاَ الكَلْبُ الكَلْبَةَ، وَلاَ الحِمَارَ الحمارة، وَلاَ الدَّابَّةُ الخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ، فَإِنْ خَصَّصَ عُرْفُ بَلْدَةٍ بِالفَرَسِ فَقِيلَ يُحْكَمُ بِالعُرْفِ، وَقِيلَ: يُنَزَّلُ عَلَى الوَضْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إحدَى صُور الفَصْل: اسمُ الشاة يَنْتَظمُ صغيرةَ الجثَّة، وكبيرتَهَا، والسَّليمةَ، والمعيبَة، والصحيحةَ، والمَرِيضةَ، والضأْنِيَّة، والماعزةَ، وأما الكِبَاشُ، والتُّيُوسُ، فنصَّ الشَّافعيّ -رضي الله عنه- في "الأم" أن اسْمَ الشاةِ لا يتناولُهَا، وإنما هو للإناث بالعُرْف، ومن الأصحاب من قال: إنه يتناول الذَّكَر والأنثَى؛ لأنه اسْمُ جنْسٍ كالإنسان، وليست التاء فيه للتأْنيثِ، يدُلُّ عليه قولُهِم: لَفْظُ الشاةِ يذكَّر ويؤنَّث، ولهذا حُمِلَ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةُ" على المذكور والإِناث، وبهذا الوجْهِ أجابَ صاحب "التهذيب" وذكر أبو عبد الله الحناطيُّ مصير الأصحاب [أكثرهم] 3 إليه، ويؤيِّده أنَّا ذكرنا

وجهين في جواز إخْراج الذَّكَر عن خَمْسٍ من الإبل، وبيَّنَّا أن الأصَحَّ الجوازُ؛ لشمُول الاسم، وفي السَّخْلَة والعتاقِ وجهان: أظهرهما: أنَّ اسْمَ الشاة لا يقَعُ عليهما.
والثاني: يقع؛ بناءً على أنه اسم جنس، فمن قال بالأوَّل، حَمَلَ قوْلَ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- صغيرة أو كبيرة على صِغَرِ الجُنَّة، وكِبَرِها، وبه قال الصيدلانيُّ -رحمه الله- ومن قال بالثاني، حمَلَهُ علَى السنِّ.
إذا عُرِفَ ذلك، قلو قال أعطُوه شاةً من شيَاهِي، أو من غنمي؛ نُظِر؛ إن لم يكن له غنم، فالوصيةُ باطلةٌ، وإن كان له غَنَمٌ، أُعْطِيَ واحدة منها سليمةَ، أو معيبةَ، من الضأن، أو المعز، وإذا كانت كلها ذكُورًا، أُعْطِيَ ذَكرًا، وإن كانتْ كلُّها إناثًا، أُعْطِيَ أنثَى، وان كانت ذكورًا وإناثًا، جاز أَنْ يُعْطَى أنثى، وفي الذَّكَر الخلاف المذكورُ في تناوُلِ الشاةِ الذَّكَرَ، وكان يجوز أن يُقَالَ؛ تفريعًا على أن اسم الشاة لا يَقعُ على الذكر: إن الوصيَّة تلْغُو، إِذَا كان جميع غنمه ذُكُورًا، كما إِذا قال: شاةٌ من غنمي، ولا غَنَمَ له.
ولو قال: أعطُوهُ شاةً من مالي، أُعْطِيَ واحدةٌ يتناولها الاسم؛ فإن ملك غنماً، فللوارث أن يعْطَى على غَيْر صفة غَنَمِهِ، وإن لم يمْلِك غنماً، اشترَى له شاة، بخلاف ما لو قال: من غَنَمي، ولا غَنَمَ له، ولو قال: اشْتَرُوا له شاةَ، حكَى صاحب "التهذيب" أنه لا يجوز أن يشتري معيبةً؛ لأن إطلاق الأمر بالشراء يَقْتَضِي السليم، كما في التوكيل بالشراء، وأيْدَى فيما حكاه احْتمالًا.
ولو قال: أعطُوهُ كَبشًا، أو تَيْسًا أو شاة [ليتريها] 1 على غنمه، فالوصيَّةُ بالذكَر، ولو قال: نعجةً، أو شاةً يحلبها، أو ينتفعُ بدرِّها ونَسْلِها، فهي 2 بالأنثَى.
وقد تَجِدُ في لفْظ الكتاب في المسألة "دُفِعَ إلَيْه الصغير والكبير والسَّلِيم، والمُعِيبُ، والذَّكَر، والأنثَى، والضأْنُ، والمَعْزُ"، وقد تطرح بعض النُسخَ لفظ الذكر، والأنثى، وهو الصوابُ؛ لأن الخلافَ في الكَبْش مذكورٌ على الأثر، فكيف يذكُر المسألة مرَّةً بلا خلاف، ومرةً عَقِبَها مع الخلاف؟! فَرْعٌ: الظباء قد يقال لها: شياهُ البَرِّ، والثَّوْرُ الوحشيُّ قد يُسَمَّى شاةً في اللُّغة، لكن مطلَقُ الوصية بالشَّاة لا يحمل عليهما، نعم، لو قال: أعطُوهُ شاةً من شيَاهِي،

وليس له إلاَّ ظباءٌ ففيه وجهان في "المعتمد" 1. الثانية: البعير والجَمَلُ والناقة أسماءٌ تشمل السليم والمعيب والبُخَاتِيَّ، والغِرَابَ، ولا يتناول الجملُ الناقةَ، ولا الناقةُ الجَمَلَ، والبعيرُ، هل يتناول الناقَةَ؟ فيه مثل الخلاف المذكور في أن الشاة، هَلْ تتناول الذكرَ؟ فالحكايةُ عن النصِّ المَنْعُ وتنزيلُ اسم البعير منزلةَ الجَمَل، والأظهرُ عند الأصحاب التناوُلُ؛ لأنه اسم جنسِ في اللغة، وسُمِعَتِ العربُ تقول: صرعتني بَعِيرِي، وحلَبَ فلانٌ بَعِيَرَهُ، وربما أفهمك كلام الأصحاب توسُّطًا بينهما، وهو أن يُنَزَّلَ النصُّ على ما إذا عَمَّ العُرْفُ باستعمال البعير بمعنى الجَمَل، والعمل بقضيَّة اللغة، إذا لم تعم.
واسم الثور للذَّكَر، وفي البقرة وجْهان: أصحهما: أنها لا تتناول الذَّكَر ووجه الثاني: حَمْلُ الهاء على التَّوْحيد، كقولنا ثمرةٌ، وزَبِيبَةٌ، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله- وكذا الخلافُ في اسم البَغْلَة.
ولو قال: أعطُوهُ عَشرًا من الإبل أو البَقَرِ، أو الغنم، جاز الذَّكَر والأنثَى، ولو قال: عشرة أَيْنُقٍ، أو بقراتٍ، لم يُعْطَ إلاَّ الإِناثَ، ولا فرْق بين التصريح بالأَيْنَقِ، والبقراتِ بَيْن أن يقول: عَشْرَاً أو عشرَةً، وهذا في البقراتِ جَوَابٌ على الصحيح، وهو أن البقرة للأنثَى.
ولو قال: أعطُوهُ عَشْراً من الإبل، أو عشَرةً، جاز الذكر والأنثى؛ لتناول الإبل النوعين [وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ وجّهٌ: أنه إن قال: عشرةٌ، فهي للذكور،] 2 وإن قال: عَشْراً، فللإنَاث، وإن قال: أعطوهُ رأْسًا من الإِبِلِ أو البقر أو الغنم، جاز الذكَرُ والأنثى.
ولو أوصَى بكَلْبٍ، أو حمارٍ، حكَى صاحب الكتاب وغيره أنَّهما لا يتناولاَنِ الأنثَى؛ لأنهم ميَّزوا، فَقالوا: كلبٌ، وكلبةٌ، وحمارٌ، وحمارةٌ، ويشبه أن يُقَالَ: إنَّهما للجِنْس، وإن هذا التمييزَ لَيْسَ مستمِرًّا، متقرّرًا في اللُّغة، ولذلك قال صاحب "الصَّحَاح" 3 وربَّما قالوا للأتان حِمَارةٌ، فرواه روايةَ الشَّيْء الغَرِيب، وبتقدير استمرارِهِ، فلا شكَّ أن العرف استمر بخلافه، وقد قال بعض الأصحاب: لهذا يتبع العُرُفَ.
فَرْعٌ: تكميل البقر بالجواميسِ في نُصُب الزكاة، دخول الجواميس في البَقَر وكونُهما نوعَيْ جنْسٍ واحدٍ.

جارٍ التحميل