الترافُعُ إلينا بِمَثَابَةِ ما إذا أسلموا.
وعن القَفَّالِ: أنَّه بني الخلاف على صحة أنكحة الكفَّار، إن صحَّحْناها، ورث الكل، وإلا، لم يَرِث إلا أربعٌ.
وَلَو نَكَحْ الْمَجْوسِيُّ أُمَّهُ أو ابْنَتَهُ، ومات قال في "التَّهْذِيبِ": منهم من بني التوارُثَ على هذا الخلافِ، والمذهبُ الجَزْمُ بالمنع؛ لأنه ليس بنكاح في شيْءٍ من الأديان، ولا يُتصوَّر التقرير عليه في الإِسلام.
فرع آخر: المتعيِّنات للفراقِ، إذا أسْلَمَ عَلَى أكْثَرَ من أَرْبَع، تحسب عدَّتُهُن من وقْتِ الاختيار، أو مِنْ وقت إسْلام الزوجَيْن، إن أسلما معاً، وإسْلاَم متقدم الإِسلام منهما إنْ أسلما على التعاقب؟ فيه وجهان، قَرَّبَهُمَا في "التَّهْذِيب" مِن الوجْهَيْنِ فيَما إذا طلَّق إِحْدَى امرأَتَيْهِ، لا يُعَيِّنُهَا، ثم عيَّنها، تكونُ عدَّتُها من وقْتَ التَّعْيين، أو من وقْتِ التلَفُّظ بالطلاق.
وذُكِرَ أنَّ الأَصَحَّ الاعتبارُ منْ وقْت الاختيارِ، لكنَّ الرَّاجِحَ عنْدَ عامَّةِ الأَصْحَابِ الاعتبارُ من وقْتِ الإِسلام؛ لأنَّ سَبَبَ الفُرْقَة اختلافُ الدِّينِ، فتعتبر مدة العدَّة منه من وقْت الإِسلام، قالوَا: والاعتبارُ من وقْت الاختيارِ أُخِذَ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- فيمن نَكَحَ نكاحاً فاسداً، ووطئَ أن العدة تُحْسَب من وقْت التفْرِيقِ بيْن الزوجَيْن لا من الوطأة الأخيرة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ في النَّفَقَةِ) وَإذَا تَخَلَّفَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةِ لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ عَلَى الْجَدِيدِ؛ لأَنَّهَا أَسَاءَتْ، وَلَوْ سَبَقَتْ ثُمَّ أسْلَمَ اسْتَحَقَّتْ لِمُدَّةِ التَّقَدَمُ عَلَى المَذْهَبِ؛ لأَنَّهَا أَحْسَنَتْ، وَلَوْ أَصَرَّ الزَّوجُ لَمْ تَسْتَحِقَّ لِمُدَّةِ الْعِدَّةِ لأَنَّهَا بَائِنَةٌ، وَقِيلَ: تَسْتَحِقُّ كالرَّجْعِيَّةِ لأَنَّ لِلزَّوْجِ قدْرَةً عَلَى تَقْرِيرِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عقد الفصل للكلام في النفقة عند تجدد الإِسلام، ثم خَلَطَ به طرفاً مِنَ الْكَلاَمِ في الْمَهْرِ، أما النَّفقةُ، فإن أسلم الزوجانِ مَعاً، استمرَّتِ 1 النفقةُ كما يستمر النكاح، وإن أسْلَمَا على التعاقب بعد الدخولِ، والفَرْضِ فيما إذا كانت الزوجةُ مجوسيةً أو وثنيةً، فأما أن يُسْلِمَ الزَّوجُ أو هي أولاً:
الحالة الأولى: إذا أَسْلَمَ الزَّوجُ أَوَّلاً، وتخلَّفت هي، فإن أَصَرَّتْ إلى انقضاء عدتها، فلا نفقة لها؛ لأنها نَاشِزَةٌ بالتخلف ممتنعةٌ 2 من التمكين، وإن أَسْلَمَتْ في الْعِدَّةِ، اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ من وقت الإِسْلام؛ لاستمرار النِّكَاحِ، وفي نفقة زمانِ التخلّف قولان:
القديم: أنَّهَا تسْتَحِقُّهَا؛ لأنها ما أحدثَتْ شيئاً والزوجُ هو الذي بَدَّلَ الدِّينَ.
وأصحُّهما: وهو الجديد 1: الْمَنْعُ؛ لأنَّها أساءَتْ بالتخلُّف والامتناع عمَّا هو فرضٌ عليها، فأشبه ما إذا سافَرَ الزوْجُ، وأراد مسافَرَتَهَا، فتخلَّفت، وعلَى هذا فلو اختلفا، فقال الزوج: أسلَمْتِ الْيَوْمَ أو منذ عشرة أيام، وقالت: بل أسلَمْتُ منذ شهر [فعلَيْكَ نفقةُ شهرٌ] 2 فالقول قول الزَّوج مع يمينه؛ لأنَّ الأصْلَ استمرارُ كُفْرِها، وبراءةُ ذمَّته عن النفقة، وكذا إذَا فرَّعنا على القدَيم، واختلفا، فقال الزَّوْج: أسَلَمْتِ بعد العدَّة، فلا نَفَقَةِ لَكِ، وقالَتْ: أسلَمْتُ في العدَّة، فالقولُ قولُه مع يمينه.
الحالة الثانية: إذا أسلمتِ الزوجَةُ أولاً، نُظِر، إن أسلم الزوْجُ قبل انقضاء مدة العدَّة، فلها النفقة لمدَّة التخلُّف، ولما بعدها؛ لأنها ادَّتْ فرضاً مضيَّقاً عليها، فلا يَسْقُطُ به النفقة، كما لو صلَّتْ وصامَتْ شهر رمضان، وَحَكَى ابنُ خيران قولاً وصاحب "الإفصاح" وغيره وجهاً أنَّه لا نفقةَ لها مدَّةِ تخلُّفه؛ لأنَّهُ استمرَّ علَى دينه، وهي الَّتي أحْدَثَتِ الْمَانِعَ مِنَ الاسْتِمْتَاع، والمذهب الأول، وإن أَصَرَّ الزوج إلَى انقضاءِ العدَّة، فهلْ تستحقُّ نفقة مدَّة العدة؟.
فيه وجهان:
أحدُهُما: المنع؛ لأنه إذاً أصرَّ الزوْجُ، تبيَّن حصول البينونةِ منْ وقْت إسلامِهَا.
والثانية: لا تستحقُّ النفقة.
والثاني: أنها تستحقُّ؛ لأنها أحْسَنَت بالإِتيانِ بما عَلَيْهَا، والزوْجُ قَادِرٌ عَلَى تَقْدِيرِ النِّكَاحِ بِأَنْ يسلم، ونزلت منزلة الرجعية.
قال في "التَّتِمَّةِ": ويخالفُ ما إذا سبَقَتْ إلى الإِسْلاَم قبل الدخول، حيث يسقُطُ المَهْر، وإن أحسنت؛ لأن الْمَهْرَ عوَضُ العقد، والعِوَضُ يسْقُط بتفويت العَاقِدِ المعقود عليه، إن كان معذوراً، كما لَوْ بَاعَ طَعَاماً، ثُمَّ أَكَلَهُ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ إليه، والنفقةُ في مقابلَةِ التمكين، وإنما تسْقُط عند التعدِّي، ولا تعدِّي ههنا ثم إيرادُ صاحب الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَ وَجْه الْمَنْعِ، وإليه ذَهَبَ الإِمَامُ، لكن الأكثرين رجحوا الاستحقاق، وهو الذي نص عليه في "الْمُخْتَصَرِ".
وإذا اختلفا في سبق الإِسلام، فَقَالَ الزَّوجُ: أسلَمت أَوَّلاً، فلا نَفَقَةَ لَكِ، وقالَتْ هي: بَلْ أَسْلَمت أَوَّلاً، فوجهان:
أحدهما: أنَّ القوْلَ قوْلُ الزَّوْج مع يمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ براءةُ ذمَّته عن النفقة، ويُحْكَى هَذَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
وأصحُّهما: وهو المذكور في "التَّهْذِيبِ" والْمَحْكِيُّ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن القوْلَ قوْلُ الزوجة مع يمينها؛ لأَنَّ النَّفَقَةَ كانت واجبةً، وهو يَدَّعِي المُسْقِطَ، فأشبه ما إذَا ادَّعَى عَلَيْهَا النُّشُوزُ وأنكرت، هذا حكْمُ النفقة عند تجدُّدِ الإِسْلاَمِ.
أما حكْمُها عِنْدَ الرِّدَّةِ، فيُنْظَر؛ إن ارتدَّتِ المرأة بعد الدُّخُول، فلا نَفَقَةَ لهَا في زَمَانِ الرِّدَّةِ؛ لإِساءتها ونشوزها، ولا فرق بين أَنْ تَعُودَ إِلَى الإِسْلاَمِ في العِدَّةِ أو لا تعود ولا يجيء فيه الْقَولُ الْقَدِيمُ الْمَذْكُورُ 1 فيما إذا أسلمت بعد إسْلاَم الزَّوْج؛ لأنَّها أقامَتْ عَلَى دينها هناك، ولم تُحْدث شيئاً، وههنا أحدثت الردة، وإن ارتدَّ الزَّوجُ، فعليه النفقةُ لمدَّة العدة 2، وإن ارتدَّا معاً، قَالَ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" هو كما لو ارتدَّت المرأة، ويشبه أن يجيء فيه الخلاف، كما لو ارتدَّا معاً قبل الدخوَل، فَفِي وَجْهٍ يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ 3 كما لو ارتدَّ لزوج، وفي وجه: لا يجب شيْءٌ كَمَا لَوِ ارْتَدَّت هِيَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ سَبَقْتِ بِالإِسْلاَمِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَأَنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا، لأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ المَهْرِ، وَلَوْ قَالَ: أَسْلَمْنَا مَعَاً وَالنِّكَاحُ بَاقٍ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ: لأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَقِيلَ: بَلِ القَوْلُ قَوْلُهَا؛ لأَنَّ التَّسَاوُقَ في الإِسْلاَمِ نَادرٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حُكْمُ الْمَهْرِ، إِذَا أَسْلَمَ أحدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، قدْ ذَكَرْنَاه عند الكلام في أنَّ أنكحة أَهْلِ الشِّرْكِ، هل يحكم لها بالصحة أم لا؟.
فلو اختلفا، فَقَالَ الزَّوْجُ: سَبَقْتِ إلى الإِسلام قبل الْمَسِيسِ، فَلاَ مَهْرَ لَكِ.
وقالتْ: بل أَسْلَمْتُ أولاً، فعلَيْكَ شَطْرُ المهر، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مع يمينها؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ شَطْرِ الْمَهْرِ، ولو قالت في جَوَابِهِ: لا أدري أيُّنا سبق إلى الإِسلام أَوَّلاً، لا تتمكَّن من طَلَب المَهْر، فإن عادت، وقالت: قد تبيَّنت أنه أسلم أولاً، صُدِّقَتْ بيمينها، وطَلَبت شَطْرَ الْمَهْرِ، ولو اعترف الزوْجَانِ بالجَهْل بمن سَبَقَ إِلَى الإسْلاَمِ، فَلاَ نِكَاحَ
بَيْنَهُمَا؛ لاتفاقهما على تعاقُب الإِسلامِ قبل الدخول، ثم إنْ كَانَ ذلك قبل قبْضِ الصَّدَاقِ، لم تتمكَّنْ من طلبة؛ لاحتمال أنَّهَا السَّابِقَةُ وإن كان بَعْدَ الْقَبْضِ، لم يتمكَّنِ الزوج إلاَّ من اسْتِرْدَادِ الشَّطْرِ؛ لاحْتِمَالِ أَنَّهُ السابقُ، والنِّصْفُ الآخر يُقَرُّ في يدها إلى أن يتبيَّن الحال، ولو اختلفا في بقاء النِّكَاح، فقال الزوج: أسلمْنَا معاً، فالنكاح بَاقٍ وقالت: بل أسْلَمْنا على التعاقُبِ ولا نكاح، فقولان:
أصحهما: على ما ذكره القاضي ابْنُ كَجٍّ، وَصَاحِبُ "التَّهْذِيبِ": أن القول قَولُ الزَّوجِ، لأَنَّ الأصل بَقَاءُ النِّكَاحِ، وهذا ما اختاره المُزَنِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ.
والثاني: أن القوْلَ قولها؛ لأن الظاهر 1 مَعَها، فإنَّ وقوع الإِسلامين معاً بعيدٌ نادرٌ ومِنْ هذه المسْأَلة، استُنْبِطَ حدُّ المدَّعِي والمدَّعَى عليه، والمسألة وكيفية الاستنباط يأتيان بالشرح في كتاب "الدعاوى"، إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وإن قلنا: إنَّ القولَ قولُها فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَج الزاز: أنه يُنْظَر في كيفية دعْوَاها، إن قالَتْ للزوج: أسْلَمْتَ قبْلِي، حَلَفَتْ على الْبَتِّ؛ أنَّهِا ما أسلمت يوم إسلامه ولو قالت: أسلمْتُ قَبْلَكَ، حَلَفَتْ علَى نفي العلم بإسلامه يوم إِسْلاَمِهَا، ولو اختلفا على العكْسِ، فقالت: أسلَمْنَا معاً وقال: بَلْ عَلَى التَّعَاقُب، فلا نِكَاحَ لقوله، وهي تدَّعي نِصْفَ الْمَهْر، وفي المصدَّق منهما القولان، ولو قالا: لا نَدْرِي؛ أوَقَعَ إسلامُنا معاً أمْ على التعاقُبِ أَسْتَمَرَّ النِّكَاحُ بينهما.
ولو أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ، ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوجُ، وأخْتَلَفَا، فادعى الزَّوجُ أَنَّ إسْلامَهُ سبق انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَادَّعَتْ هي أن انقضاءَ العدَّة سبق إسلامه، فهذا يفْرضَ على وُجُوهٍ:
أحدها: أن يتفقا علَى وقْتِ انقضاء العدَّة [كغُرَّة] 2 رَمَضَانَ مَثَلاً.
وَقَالَ الزَّوجُ أسلمْتُ في شَعْبَانَ، وقالتْ: بَلْ في الْخَامِسِ من رَمَضَانَ، فالقولُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يمينها؛ لأنَّهما اتَّفَقَا عَلَى وقْت انقضاء العدَّة، والاختلافُ في تَقَدُّم الإِسْلاَمِ وتَأخُّر، والأصل بَقَاءُ الْكُفْرِ.
والثاني: أن يَتَّفِقا علَى وقْت الإسْلاَم كغرة رمضان.
وَقَالَ الزَّوُج: انقضتْ عِدَّتُكِ في الخامِسِ من رمضان.
وَقَالَتْ: بَلْ في شَعْبَانَ، فالقوْلُ قولُهُ مع يمينه؛ لأَنَّ وقْت الإِسلام مُتَّفَقٌ عليه، والْخِلاَفُ في أَن الْعِدَّةَ، هل انقضت قبله والأصلُ بَقَاؤُهَا.
والثالث: إذا لم يتَّفِقا علَى شَيْءٍ، واتفق الزوْجُ علَى أن إسلامي سبق، والزوجة على أنَّ انْقِضَاءَ عِدَّتِي سَبَقَ، فالنَّصُّ أن الْقَولُ قولُ الزوج، ونص فيما إذا ارتدَّ الزوج، ثم عَادَ إلَى الإسْلاَمِ واختلفا، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ عَادَ في الْعِدَّةِ، وادَّعَتِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ قبل عوْدِهِ إِلىَ الإِسْلام، وفيما إذا اختلف الزَّوْجَانِ في الرجْعَة وانقضاء العدَّة.
فقال: راجَعْتُكِ في عدَّتِكِ.
وقالت: بَلْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِي؛ أن القوْلَ قول الزوجة.
وللأصحابِ طَرِيقَانِ:
أحدهما: التَّصَرُّفُ في الجوابَيْنِ، وجعل المسائل على قولَيْن، وَبِهِ قَال الْقَاضِيَانِ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الطَّيَّبِ:
أحد القولَيْن: تصديق الزوج، وَالأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ.
والثَّاني: تصديق الزوجة؛ لأن الأصْلَ عدم الإِسْلاَم والرَّجْعَة.
وأصحُّهما: تنزيلُ النَّصَّيْن علَى حَالَيْن، واختلف القائِلُونَ به.
قَالَ بَعْضُهُم: حيثُ قال: القول قول الزوج، أراد ما إذا اتفقا على وقت الإِسلام، واختلفا في أنَّ الْعِدَّةِ، هل انقضَتْ قبله؟ وكذلك الْحُكْمُ في المسألتَيْنِ الأخيرَتَيْنِ.
وحيث قال: القولُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ أَرَادَ ما إِذَا اتَّفَقَا علَى وقت [انقضاء العدة] 1، وَاخَتَلَفَا في أَنَّه هَلْ عَادَ إِلَى الإسْلاَم، أو راجَعَ قبله؟ وكذلك الحكم في المسألة التي نحْنُ فيها، وقال آخرون: حيثُ قَالَ: القول قول الزوج؛ أرادَ ما إذا كَانَ هُوَ السَّابِقَ إِلَى الدَّعْوَى وَحَيث قَالَ: الْقَولُ قَوْلُهَا؛ أَرَادَ مَا إِذَا كانت هي السَّابِقَةَ، ويُحْكَى هذا عن ابنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إسْحَاقَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، أنه لا يجيء على الْمَذْهَبِ غيره، ووجَّهوا هذا التفصيل من وَجْهَينِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّها إذا قالَتْ أولاً: انْقَضَت عِدَّتي، فَلاَ بُدَّ من تَصْدِيقها، فَإِنَّهَا مؤتمَنَةٌ في رَحِمِها، فإذا صدَّقْناها، لم يُلْتفتْ إِلَى مجرَّد دعْوَى الإِسْلام، والرجْعة بعد الَحكم بانقضاء العدَّة، وإذا قال الزَّوْجُ أولاً: أسلمْتُ قبل انقضاء العدَة أو راجَعْتُ، فنصدِّقه ونديم النكاح بينهما ظاهراً؛ لأن الأصل بقاءُ العدَّة، فمجرَّد دعواها بعْدَ ذلك لا يُغيِّر الْحُكْمَ.
والثاني: وبه قَالَ أبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي: أن من أَقَرَّ بشيْءٍ، يُجْعَل كأنه أنشأه حينئذٍ، وكذلك يُشْترطُ في قَبُولِ الإِقْرَارِ كونُهُ أهلاً للإنْشَاء، فَقْولُ الزَّوْج أولاً: أسلَمْتُ، كأنه
أَنْشَأَ الإِسلام في الحال، وقولها بعد ذلك انقضتْ عدَّتي من قبلُ، يقتضي الحُكْمَ بانقضاء العدَّة في الحال، فيتأخَّر انقضاءُ العدَّة عن الإسْلاَم، وقول المرأة أولاً: أنْقضتْ عدتي قَبْلَ إسْلاَمِهِ، يقتضي الحكْمَ بانقضاء العدَّة في الحال، وقولُه بَعْدَ ذلك: أَسْلَمْتُ من قبلُ، كأنه أنشأ الإِسلام في الحال، فيقع بعد العدة، وليس هذا بخَلِيٍّ عن الإِشْكال، وهذا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِيَ رَضِيَهُ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وغيره جواباً في المسائل الثلاث، وزاد في "التَّهْذِيبِ" شيئاً آخر، فيما إذا سبق دعْوَى الزوج، فقال: إنْ مَضَى زَمَان من دعْوى الزَّوْج، ثُمَّ ادَّعَت المرأةُ انقضاءَ العدَّة من قَبْل، فالقول قول الزَّوْج، فأمَّا إذا اتَّصَل كلامها بكلامه، فالْقَوْلُ قَوْلُها، أيضاً لأنَّ إنْشَاء الإِسْلام والإِقرار به قولاَنِ، فيمكن أنْ ينزل الإقْرَار منزلةَ الإِنْشَاء، وقولها: انقضت عدَّتِي؛ لا يمكن أنْ يكون إنشاءً؛ لأن انقضاءَ العدَّة ليس بقَوْلٍ، وإذا لم يكُنْ إنشاءً، كان إجباراً، فيتقدَّم الانقضاء عليه، وحينئذٍ، فيكون مقارناً لقوله: أسلمتُ أو متقدماً عليه، ولا يكون الإِسلام وَاقِعاً في العِدَّةِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ طُرُقٌ: وَفَوَائِدُ أُخَرُ نُورِدُها في "كتاب الرّجْعَةِ" إنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
فَرْعَان: فَرْعٌ:
الأوَّل: عَنِ الشَّافِعِيّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أنَّه لو أَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدَيْنِ على أنَّهما جميعاً أسْلَمَا حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ كَذا، أو حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قُبِلَت شهادَتُهما، وحُكِمَ بَقاءِ النِّكَاح، ولو شَهِدَا بأنَّهما أسلما مَعَ طُلُوع الشَّمْس، أو مَعَ غروبها، لَمْ يُحْكَمْ بهذه الشَّهَادَةِ، وَفَرَقُوا بينَهُما بأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْس، أو غربتُ، يتناولُ حالَ تمامِ الطُّلُوع، أو تمامِ الغَروب، وأنَّها حالَةٌ واحدةٌ، وقوله "مع الطُّلُوعِ أو مع الغروب" يصدق من حين تأخذ الشمس في الطُّلُوعِ أو الغُرُوب، فيجوز أنْ يكُونَ إسْلاَمُ أَحدِهِما مقارناً لطُلُوع أوَّلِ القُرْصِ، وإسلام الآخر مقارناً لطلوع آخره 1، واللهُ أَعلَمُ.
الفرع الثاني: نَكَحَتْ في الكُفْرِ زوجَيْن، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فإن ترتَّب النكاحان، فهي زوجةُ الأوَّل، وإن مَاتَ الأَوَّلُ، ثم أسلَمَتْ مع الثاني، وهمْ يعتقِدُون جَوَازَ التَّزْوِيجِ
بزوجَيْن، ففي جواز التقرير وجهان 1، وإن جرى النِّكَاحَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ تقر مع وَاحِدٍ مِنْهُمَا، سواءٌ اعتقدوا جوازَهُ، أو لم يعتَقِدُوا، وفيما إِذا اعتقَدُوا وجه أنه تُخيَّر المرأةُ حَتَّى تَخْتَارَ أَحَدَهُمَا، كما لو أسلم الكافِرُ علَى أُختين، وَهَذَا آخِرُ الْكَلاَمِ في الْبَابِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الْقِسْمُ الرَّابعُ مِنَ الْكِتَابِ في مُوجِبَاتِ الْخِيَارِ) وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْعَيْبُ وَالْغُرُورُ وَالْعِتْقُ وَالْعُنَّةُ (السَّبَبُ الأَوَّلُ: العَيْبُ) وَيَثْبُتُ (ح) لِكُلِّ واحد مِنَ الزَّوْجَينِ الْخِيَارُ بِالْبَرَص وَالجُذَامِ وَالجُنُونِ، وَيثْبُتُ (ح) لَهَا بِجَبِّهِ وَعُنَّتِهِ، وَلَهُ بِرَتْقِهَا وَقَرَنِهَا، وَفِي الرَّدِّ بِالبَخَرِ أَوِ الصُّنَّانِ وَالعَذْيوطِ الَّذِي لاَ يَقْبَلُ العِلاجَ خِلاَفٌ، وَكَذَلِكَ في جُمْلَةٍ مِنْ آحَادِ العُيُوبِ الَّتِي تُنَفِّرُ تَنْفِيرَ الْبَرَصِ وَتَكْسِرُ سَوْرَةَ التَّوَّاقِ، لَكِنَّ المَشْهُورَ أَنَّهُ لاَ يُرَدُّ إلاَّ بِالعُيُوبِ السَّبْعَةِ المَذْكُورَةِ أَوَّلاً، وَفي رَدِّ الْخُنْثَى أَيْضاً خِلاَفٌ.
[القول في موجبات عيوب الخيار]
قال الرَّافِعِيُّ: السببُ الأَوَّلُ: الْعَيبُ، وَيَثْبُتُ لكلِّ واحدٍ من الزوجَيْنِ الخيارُ بالبَرَصِ، والجُذَامِ، والجُنُونِ، ويثبت لها بجبِّهِ، وُعُنَّتِهِ، وله بِرْتْقِهَا، وَقَرَنِهَا، وفي البَخَر والصُّنَانِ، والعَذْيوطة الذي لا يقبل العلاجَ خلافٌ، وكذلك في جُمْلةٍ من آحادِ العْيُوب الَّتِي تُنَفِّرُ تنفير البَرَصِ، وتكسر شهْوة التوَّاقِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لا يُرَدُّ إلاَّ بالعُيُوبِ السبعةِ المذْكُورةِ أولاً، وفي رد الْخُنْثَى أيضاً خلافٌ.
عَرَفْتَ أوَّلِ "كتاب النكاح" وقوعَ مسائِلِهِ في خَمْسَةِ أَقسَام، وقد فَرَغْنَا من ثَلاثة أَقْسَامٍ، مِنْهَا وَهَذَا القِسمُ الرَّابعُ في مُوجِبَاتِ الْخِيَارِ وَعَدَّهَا أَرْبَعَةَ وَهِيَ: الْعَيبُ، والْغرُورُ، والعِتْقُ، والْعُنَّةُ، وَفِيهِ كَلاَمَانِ:
الأَوَّلُ: أن الْعُنَّةَ أَحَدُ الْعُيُوب المثبتة لِلْخِيَار إلاَّ أَنَّهَا تختصُّ بأحكام؛ كضَرْب المدَّة وغيره، فبيّن الأَصْحَابُ في "فَصْلِ الْعُيُوب" أَنَّهَا أَحَدُ أَسْبَابَ الْخِيَارِ، وأفرْدَوُا لها مَوْضِعاً للكلام في أحكامِهَا الخاصَّة.
والثَّاني: يمكن أن يقال: موجباتُ الخيارِ تَريدُ عَلَى هذه الأَرْبَعَةِ؛ أَلاَ تَرَى أنَّ الْلأَبَ والجَدَّ، إذا زَوَّجَا الْبِكْرَ منْ غير كُفْءٍ، وصحَّحنا النكاح ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، وكذا لو نَكَحَ الصَّغِيرُ مَنْ لا تكاَفِئُهُ، ثبت له الخيارِ، إذَا بَلَغَ، حَيْثُ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وكذا لو ظنها مُسْلِمَةً، فإذا هِيَ كِتَابِيَّةٌ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ علَى رَأْي.
السببُ الأَوَّل الأوَّلُ الْعَيْبِ، والعيوبُ المثبتةُ للخِيَارِ: مِنْهَا ما يشترك فيه الرِّجَال
والنِّسَاء، وهي ثلاثة: الْبَرَصُ، ولا يلتحق به الْبَهَقُ، والجُذَامُ، وهو عِلَّةٌ صَعْبَةٌ، يحمُّر منها الْعُضْوُ، ثم يَسوَدُّ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ ويتناثر 1، نسأل الله العَافِيَةَ، وتُتصوَّر ذلك في كلِّ عُضْوٍ، لكنَّه في الوجْهِ أغلبُ.
ثمَّ حَكَى الإِمَامُ عن شيخه -رَحِمَهُ الله- أنَّ أوائل البَرَصِ والجُذَامِ لا يثب الخيار، وإنَّما يثبت الخيار، إذا استحكمها، وأنَّ اسْتِحْكَام الجُذَامُ إِنَّمَا يَحْصُل بالتَّقطُّع، وتردد في هذا وَقَالَ: يجوز أن يكتفي باسْوِدَادِ العُضْو، وحكم أهل الْبَصَائِرِ باستحكام العلة 2.
والجُنُونِ منقطعاً كان أو مطبقاً، ولا يلحق به الإِغماء بزوال العَقْل بالمَرَض إلاَّ أَنْ يزول المرض، وَيَبقَى زَوَالُ الْعَقْلِ.
قال الإِمامُ: ولم يَتعرَّضوا في الجنون؛ لاستحكامِهِ، ولم يُرَاجِعوا أَهْلَ الْبَصِيرَةِ، أهو مرجو الزوالِ أم لا؟.
ولو قيل به، لكان 3 قريبًا، فإذَا وَجَدَ أَحَدُ الزَّوجَيْنِ بالآخر أَحَدَ هذه العُيُوب ثَبَتَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، قَلَّ ذلك العَيْبُ أو كثر، وإذا تَنَازَعَا في قُرْحَة، هَلْ هِيَ جُذَامٌ أوَ في بياض، هَل هو بَرَصٌ، فالقول قول المنكِر، وعلى الْمُدَّعِي الْبيِّنَةُ، ويشترط أن يكون الشَّاهِدَان عالَمَيْنِ بِالطِّبِّ.
ومنها: ما يختص بالرجل وهو الْجَبُّ 4،
والعُنَّة 1، وإنما يُؤَثِّر الجَبُّ إذا لَمْ يَبْقَ ما يَمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ علَى ما سنبينه في فصل العُنَّة إنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
ومنها: ما يختصُّ بالمرأة وهو الرتَّقْ والْقَرَن 2، والرَّتق إرْتَاقُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ بِاللَّحْم، ويخرج بَولُ مِثْلِ هَذهِ من ثقبة ضيقة كَإحْلِيلِ الرَّجُلِ، والقَرَن عَظْمٌ في الْفَرْجِ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ، وَيُقَالُ: هو لَحْمٌ ينبت فيه، والدَّائِرُ على أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ في لَفْظ القَرَنِ، بتحريك الراء، وهو في كُتُب اللُّغَةِ بالتَّسْكين 3، وليس للزوج إجبار الرَّتْقَاءِ على شَقِّ المَوْضِع، ولو فعلت هي، وَأَمَكَنَ الَوطء، فلا خيار، هكذا أطلقوه، ويمكن أن يجيء فيه الخلافُ المذكُورِ، فيما إذا اطَّلعَ على عَيْب المَبِيِعِ 4، بَعْدَ زواله فجملة هذه العيوب سَبْعَةٌ، والممكنُ فرْضُه في كلِّ واحدٍ من الزوجين خَمْسَةٌ.
قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ لا يفسخ النِّكَاحُ بشيء من هذه العيوب، إلاَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذا وَجَدَت زَوْجَهَا مجْبُوباً أو عِنِّيناً تَرْفَعُ الأمْرَ إلى الْحَاكِمِ، حَتَّى، يُفَرَّقَ بَينَهُمَا بطلقةٍ، وساعدنا على قولنا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ -رَضِي اللهُ عَنْهُمَا-.
دليلُنا ما رُويَ عَنِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ تزوَّج بامرأةٍ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ
رأَى، بكَشْحِهَا بياضاً، فَرَدَّهَا إلى أَهْلِهَا، وقال: "دَلَّسْتُمْ عَلَيَّ" 1 وأيضاً فالنكَاحُ معاوضةٌ تَقْبَلُ الانفِساخ، فَجَازَ فَسْخُهَا بالعَيْب، كالعيب بالبَيْعِ إلاَّ أن المقْصُود في البَيْع الماليَّةَ، فيؤثِّر فيه كُلُّ عَيْبٍ يقْدَحُ في المالية، والمقصود ههنا الاستمتاع، فيعتبر ما يحلُّ به إما بأن يمنع منه حقيقةً؛ كالجَبِّ والرَّتْقِ أو يُنفِّر نفرةً قويةً، إمَّا للخَوْفِ على النَّفْس والمال، وَذَلِكَ بسبب الجُنُونِ، أو لعيافةِ الطَّبْع، وخوفِ التعدِّي، كما في الجُذَامِ ثُمَّ في الْفَصْلِ مَسْألَتَانِ:
الأولَى: ظاهر المذهب أن ما سِوَى هَذَهِ الْعُيُوب المذكورة لا يُثْبتُ الخيارُ 2، وعن الشَّيخِ زَاهِرِ السَّرْخَسِيِّ 3: أن البَخَرَ والصُّنَانَ إَذا لم يَقْبَلاَ [العَلاج] 4 يُثْبِتَانِ الخيار؛ لأنهما يُوْرثَانِ النُّفْرَةَ، ويجري الخلافُ، فِيْمَا إِذا وَجَدَهَا عَذْيُوطَة، أو وجدته، عِذْيُوطاً، والعِذْيُوطُ هو الذي يَخْرَى عِنْدَ الْجِمَاعِ وزاد القَاضِي حُسْيْنُ وَغَيْرُهُ، فأثبتوا الخِيَارَ بالاسْتِحَاضَةِ، والعُيُوبُ الَّتِي [تجتمع؛ فتنفِّر تنْفِيرَ] 5 البَرَصِ، وتكسر شهوة التَّائِقِ؛ كالقرُوحِ السَّائِلَةِ، وما في مَعْنَاهَا، ويقال: إنَّ الشَّيخَ أَبَا عَاصِمٍ حَكَاهُ قَوْلاً عَن الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ-.
الثَّانِيَةُ: إذَا وَجَدَ أَحَدُ الزَّوجَينِ الآخَرَ خُنثَى؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:
أحَدُهُمَا: أنَّ لَهُ الخِيَارَ لتعيره بالمقام معه، ولنفرة الطَّبْعِ.
وأصحهما: على ما ذكره المحَامِلِيُّ وغيره: أنه لا خِيَارَ؛ لأنه لا يفوِّت مقصود النكاح، وَذَلِكَ سلْعةٌ أو ثُقْبة زائدةٌ.
وفي مَحَلِّ الْقَولَينِ طُرُقٌ:
أَصَحُّهُمَا: أَنَّ القولَيْن فيما إذا اختار الذكورة، فَنَكَحَ امرأةَ أو الأنوثةَ، فَنَكَحَتْ رَجُلاً، فَإِنَّهُ قد تبيَّن خلافُ الاختيار، أمَّا إِذَا اتَّضَحَ الْحَالُ بِالْعَلاَمَاتِ الدَّالَّةِ على الذكورة أو الأنوثة، فَلاَ خِيَارَ.
والثَّانِي: أنَّ القولَيْن جاريانِ أيضاً، فيما إِذَا اتَّضَحَ الْحَالُ بِعَلاَمَةٍ مَظْنُونَةٍ، فَإِنْ كَانَ مَقْطُوعاً بها كالولادَةِ، فَلاَ خِيَارَ.
والثالث: طرد القَوْلين، وإنْ كَانَتِ الْعَلاَمَةِ مَقْطُوعاً بها لمَعْنَى النُّفْرة، ولا يثبت الخيار بكَوْنِها عَقِيماً، ولا بكَوْنِهَا مُفْضَاةً، والإِفْضَاءُ: رَفْعُ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ ومحل مدخل الذَّكَرِ.
فَرْعَانِ:
الأولُ 1: إِذَا ظَهَرَ بكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوجَينِ عَيْبٌ 2 مِنَ الْعُيُوب المثبِتَة للخيار، فإن كَانَا من جنسَيْن، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ منْهما الخِيَارُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مَجْبُوباً، والْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ، فَهُمَا كالجِنْسِ الواحِدِ، كذلك ذَكَرَهُ الحَنَّاطِيُّ والشَّيخ أبُو حَامِدٍ وَالإِمَامُ.
وَحَكَى فِي "التَّهْذِيبِ" طَرِيقَةً أخرى قَاطِعَةً بأنَّهُ لا خيار؛ لأنه، وإنْ فَسَخَ، لا يصل إلَى مقصود الوطء، وقضيَّةُ إيرادِهِ ترجيحُ هذه الطريقة، وإنْ كَانَا من جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لتساويهما.
وَأَصَحُّهِمَا: ثبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ منْهما؛ لأنَّ الإِنْسَانَ يَعَافُ من غيره ما لاَ يُعَافُ من نَفْسِهِ، وهذا في غير [الجنون] 3 أمَّا إِذَا كَانَا مجنونَيْنِ، فَلاَ يمكن إثباتُ الخيارِ لِوَاحِدٍ منهما، ثم ليكن الوجْهَانِ، فيما إذا تَسَاوَى العَيْبَانِ في القَدْرِ والفُحْش، فإِنْ كَانَ في أَحَدِهِمَا أكْثَرَ أو أفْحَشَ، وجب أن يثبت الخيارُ للآخَرِ مِنْ غير خِلاَفٍ.
الثاني: لو نكَحَها، وهوَ عالِمٌ بعَيبِها، أو نَكَحَتْه، وَهِي عَالِمَةٌ بعَيبِهِ، فَلاَ خِيَارَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى [شيئاً]، وهو عالم بعيب المبيع وَهَذَا في غير العُنَّة، وفي العُنَّة كَلاَمٌ سيأتِي من بَعْد، فَلَوِ ادَّعَى من بِهِ الْعَيْبُ عِلْمَ الآخر به، فأنكر فالمصدَّق المُنْكِر، [بيمينه] وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرْخَسِيِّ وَجْهٌ، أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ هَذَا الاخْتِلاَفُ بعد الدُّخُول، فالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ 4.
فَرْعٌ ثالثٌ: لو جَبَّتِ المَرأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا، هَلْ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ؟.
فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: لا، كما لو عَيَّب المشتري المبيعَ قَبْل القبض.
وَأصَحُّهِمَا: نَعَمْ، كما لو [خرب] 1 المستأجر الدَّارَ المستأجرة، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، وهذا؛ لأن الْمَرْأَةَ بالجَبِّ لا تصير قابِضَةً لحقِّها، كالمستأجِرِ لا يصيرُ قابضاً لحقِّه بالتَّخْرِيبِ، والمشتري بالتعيب قَابضٌ لحَقِّهِ واللهُ أَعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهَذَا فِيمَا يُقَارِنُ العَقْدَ، وَإِنُ طَرَأَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَسِيسِ ثَبَتَ لَهَ الخِيَارُ، وَبَعْدَ المَسِيسِ وَجْهَانِ، إِلاَّ العُنَّةَ فَإنَّهَا لاَ تؤَثِّرُ بَعْدَ المَسِيسِ، وَيَثْبُتُ للِزَّوْجِ أَيْضاً بعَيْبَها الطَّارِئِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ العَيْبُ مقارناً لعقْدِ النِّكَاح، فالحُكْم ما بيَّنَّاه، وإنْ حَدَثَ بعْد العَقْد ما يثبت الخيارُ، لو كان مقارناً، فأما أن يحدُث بالزوج أو بالزوجَة، إن حدث بالزوج، فيُنَّظر، إن كان قبل الدخول، فَلَهَا الْخِيَارُ، لحصول الضرر، كما لو كان مقارناً، وإن كان بعد الدُّخُول، فإن كان الحادِثُ الجُنُونَ أو الجُذَامَ أو البَرَصَ.
فقد حَكَى صَاحِبُ الكتاب فيه وجهَيْن، وَكَأَنَّ الدُّخُولَ في وجه ينزل منزلة قبض المبيع، والعَيْبُ الحادِثُ بعد القرض لا يثبت الخيار، ولم نَرَ لغيره نقل الوجهين في المَسْألة، لكن أَطْلقوا الْجَوَابَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ.
وقالوا: حَقُّ الاستِمتَاع يُشْبِه حَقَّ الانِتِقَاعِ في الإِجارةِ، والعَيْبُ الحادِثُ في العَيْن المستأجَرَةِ يُثْبِت الخيار، فكَذلك، ههنا، وإنْ حَدَثَتِ العُنَّةُ، فَلاَ خِيَارَ لها؛ لأنَّهَا عَرَفَتْ قُدْرَتُهُ، ووصَلَتْ إلى حَظِّهَا، وإن حدث الجَبُّ، فوجهان، ويقال: قولان:
أَحَدُهُمَا: أنه كالعُنَّة.
وَأَصَحُّهُمَا: أنه يثبت الخيار؛ لأن الجَبَّ يُورِثُ الْيَأْسَ عن الْوَطْءِ والعُنَّةُ قد يُرْجَى زوالُهَا، وإن حدث العَيْبُ بالزوجة، إمَّا قبل الدُّخُول أو بَعْده، فقولان:
الجديد: أنه يثبت للزَّوْج الخيار، كما يَثْبُتُ لَهَا إذَا حَدَثَ الْعَيْبُ بِهِ.
والقديمُ: المنْعُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأنه لا تدليس منها، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ من تَخْلِيصِ نَفْسِهِ بالطَّلاَقِ، وغيرُ [مضطرٍّ] 2 إلى الْفَسْخِ، واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الأَوْلِيَاءُ فَلاَ خِيَارَ لَهُمْ بِالْعَيْبِ الطَّارِئِ، وَيَثْبُتُ فِي المُقَارِنِ بِالجُنُونِ، وَلاَ يَثْبُتُ بِالجَبِّ وَالعُنَّةِ، وَفِي البَرَصِ وَالجُذَامِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: في الجَمِيعِ عَارٌ فَيَثْبُتُ لَهُمُ الخِيَارُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أوْليَاءُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ لَهُمْ [خيار الفسخ] 1 بالعيوب الْحَادِثَةِ بالزَّوج، لأنَّ حَقَّهُم في الكفاءة، إنما يُرَاعَى في ابتداء الْعَقْدِ دون الدَّوَامِ؛ أَلاَّ تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَو رَغِبَتُ في نِكَاح عَبْدٍ، كان لأوليائها المَنْعُ، ولو عَتَقَت أَمَةٌ، تَحْتَ عَبْدٍ، ورَضِيَتْ بالمقام مَعَهُ، لم يكن للأولِيَاء الفسْخُ.
وأما والعيوب المقارِنَة للعَقْدِ، ففي الْجُنُونِ، لَهُمْ الْفَسْخُ، وإن رضيتِ المرأة؛ لأنهم يتعيَّرون به، وفي الجَبِّ والعُنَّةِ لا فَسْخَ لَهُمْ؛ لأنه لا عَارَ عَلَيْهِمْ بجبِّه وعُنَّته، وإِنَّما الْفَائِت بِذَلِكَ الاستمتاع، وضَرَرُه يعود إليها، وفي الجُذَامِ والبَرَصِ وجهان:
أحدهما: أنه لاَ خِيَارَ لَهُمْ؛ لأنَّ جهة الضَّرَرِ فِيهِمَا صُحْبَةُ مَنْ تعافُ النفسُ منه، وهذا المعنى يختص بها.
وَأَشْبَههُمَا: ثُبُوتُ الْخِيَارِ كَمَا في الْجُنُونِ؛ لأنَّ فيهما نُقْصَاناً ظَاهِراً، ويتعيَّرون بمواصلة مَنْ به ذلك؛ ولأن العلَّةَ قد تَتعدَّى إلَيْها وإلَى نسلها، وَمِنَ الأَصْحَابِ مَنْ حَكَمَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُمْ في جميع العيوب المقارنة، [وَادَّعَى] 2 أنهم يتعيَّرون بجميع ذَلِكَ.
وحُكِيَ عَنِ الْقَفَّالِ: أَنَّ هَذَا أَظْهَرُ الطَّرِيقَيْنِ، وَعَلَى هَذَا؛ يُخَرَّجُ حُكْمُ ابْتِدَاءِ التَّزْوِيِجِ، فَإِنْ دَعَتْ إلَى تَزْوِيجِهَا من مَجْنُونٍ، فَلَيْسَ عَلَى الأَوِليَاءِ الإِجَابَةُ وإن دَعَتْ إلَى تزويجها من مَجْبُوبٍ أو عِنِّينٍ، فعليهم الإجابة، فإِن امتنعوا، فَهُمْ عَاضِلُونَ، وَإِنْ دَعَتْ إِلَى تَزْوِيجِهَا من مَجْذُومٍ أَوْ أبْرَصٍ فَعَلَى الَوجهَيْنِ.
وعلَى ما حُكِيَ عَنِ الْقَفَّالِ: لَيْسَ عليهمُ الإِجَابَةُ في شَيْءٍ من هَذِهِ الْعُيُوبِ، وإِذَا أطلقت الكلام، ولم تفصل، قلْت: فيه ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ لَهُمْ إلاَّ يُجِيبُوا.
والثاني: لَيْسَ لَهم الْمَنْعُ إلاَّ في الْجُنُونِ.
والثالث: لهم المنعُ في الجُذَامِ والبَرَصِ أيضاً، وَيُحْكَى هَذَا عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
والثاني: عن أَبِي إِسْحَاقَ، ونَقَلَ الحَنَّاطِيُّ في العَيْبِ الحادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَجْهاً غَرِيباً أَنَّ لِلأَوْلِيَاءِ إجبارها على اختيار الفراقِ، حَيْثُ قُلْنَا: الْمَنْعُ في الابْتِدَاءِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلِهَذَا الخِيَارُ عَلَى الفَوْرِ وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلمَهْرِ قَبلَ الْمَسِيسِ وَإِنْ كَانَ الفَسْخُ مِنْهُ، وَفِيمَا بَعْدَ الْمَسِيسِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنَ الرِّدَّةِ أَنَّ المُسَمَّى يَتَقَرَّرُ، وَفِي الرِّدَّةِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنْ هَهُنَا، وَمَهْمَا كَانَ العَيْبُ طَارِئاً كَانَ تَقْرِيرُ المُسَمَّى أَوْلَى، وَلاَ رُجُوعَ (م) بِالمَهْرِ المَغْرُوم عَلَى الْوَلِيِّ عَلَى الجَدِيدِ وَلاَ نَفَقَةَ وَلاَ سُكْنَى لَهَا في الْعِدَّةِ كَمَا لاَ مَهْرَ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَلَهَا النَّفَقَةُ إنْ قُلْنَا: إنَّهَا لِلحَمْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْكَلاَمَ الآنَ في أحْكَامِ هَذَا الخِيَارِ، [والغَرَضُ] 1 يتهذَّب بِرَسْمِ مَسَائِلَ:
الأُولى: هَذَا الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ في البيع ولا ينافي كَوْنُهُ على الْفَورِ ضَرْب الْمُدَّةِ في العُنَّةِ، فإنَّها حينئذٍ تَتحقَّق، وإنَّمَا يُؤْمَرُ بالمُبَادَرَةِ إِلَى الَفَسْخِ بَعْدَ تَحَقُّقِ [العَيبِ] 2، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَن الشَّيخِ أبِي عَلِيٍّ في شَرْح "التَّلْخِيصِ": أن مِنَ الأصْحَابِ مَنْ أجْرَى فِيْهِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ، كَمَا في خِيَارِ العِتْق:
أَحَدُهُمَا: أَنَّه يَمْتَدُّ ثلاثة أَيَّامٍ.
والثاني: أنَّهُ يبقَى إلى أن يوجَدَ صريح الرِّضَا بالمقام معه، أو ما يَدُلَّ عليه، وفرق على الطريقة الأُولَى بِأنَّ الأئمة تَحْتَاجُ إلى النَّظَرِ والتَّرَوِّي، وههنا، يختص النقصان بِالإطَّلاعَ عَلَى الْعَيبِ فلا يحتاج إلى مُهْلَةِ النَّظَرِ، وليس هَذَا الْفَرْقُ بِوَاضِحٍ، وَهَلْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَينِ بالفسخ، أم لاَ بُدَّ من [الرفع] 3 إلى الْحَاكِم.
أما العُنَّةُ، فَلاَ بُدَّ فِيْهَا من الرَفع إلى الْحَاكِمِ، [وَفيمَا] 4 سِوَاهَا من العُيُوبِ فيه وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الانفرادُ بالفَسْخ كفَسْخِ البيعِ بالعَيْبِ، وَهَذَا مَا أَجَابَ بهِ الإِمَامُ، وَرَجَّحَهُ مُرَجِّحُونَ.
والثانى: لاَ بُدَّ من الرفع؛ لأنَّهُ مجتهدٌ فيه فَأَشْبَهُ الْفَسْخَ بالإعسار، وَهُوَ أَقْرَبُ، وَهُوَ الَّذِي أوْرَدَهُ الشَّيخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ "الشَّامِلِ" قَالَ فِيَ "التَّهْذِيبِ" [وعلي الوجهين] 5 لو أخر إلى أن يَأْتِيَ الْحَاكِمُ، ويفسخ بحضرته، يجوز، ولو وطئها الزَّوجُ، وَظَهَر بِهَا الْعَيْبُ، فَقَالَت: وُطِئْتُ مع العلم، وَأَنْكَرَ أَو كان العَيْبُ به، فقال: مكنت مع العِلْمِ، وأنكرت، فالقول قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وعن أبي الْحُسَيْنِ بنِ القَطَّانِ: أنَّ الْقَولَ قَوْلُ
صَاحِبِهِ؛ لأن المُنْكِرَ يبغي الفسخ، والأَصْلُ دَوَامُ النِّكَاحِ.
الثانية: الفسخ بالعيب المقارن للعقد، إِمَّا أنْ يَتَّفِقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، إِنِ اتَّفَقَ قبل الدخول، فليس لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، ولا متعة؛ لأنه، إنْ كان العَيْبُ به، فهي الفاسخةُ للعَقْد، وَإِنْ كَانَ الْعَيبُ بِها فَسَبَبُ الْفَسْخِ معْنًى وُجد فيها، فكأنَّها هي الفاسِخَةُ، وإن اتفق الفسخُ بعْد الدخول، فَالنَّصُّ وَظَاهِرُ الْمَذْهَب أَنَّ لَهَا مَهْرَ المِثْلِ، ويسقط المسمَّى، لمعنيين:
أَحَدُهُمَا: أن الفسخ كمعنًى مقرونٌ بالعقد، فيرفع التسمية من أصْلِها؛ لأنَّ الزوج إنَّما بَذَلَ المُسَمَّى عَلَى ظَنِّ السَّلاَمَةِ، ولم تحصل، فكأن العقْدُ جرى بِلاَ تسمية، فيجب مَهْرُ المثل.
والثاني: أَنَّ قضية الفسْخ أن يرجع كُلُّ واحدٍ من المتعاقِدَيْنِ إلَى عين حَقِّهِ، إِنْ بَقِيَ، وإلى بَدَلِهِ إنْ تَلِف، والعَقْدُ جرى على البُضْعِ بالمسمَّى، فعند الفسخ يرد إلَى الزوج عين حقِّه، ويدفع إليه بَدَل حَقِّهَا، وهو مَهْرُ المثل؛ لفوات الحق بالدخول، وفيه قَولُ، مخرَّجٌ أنه يستقر المسمَّى، ولا رُجُوعَ إلَى مَهْرِ المثل، لأَنَّ الدُّخولَ جَرَى في عقْدٍ صحيحِ مشتملٍ على تسميةٍ صحيحةٍ، فأشبه الردَّةَ بعد الدخول، ومنْها خُرِّجَ هذا القَوْلُ.
قَالَ الأَئِمَّةُ: وَهَذَا قريبٌ من القياس، فإنَّ الفسْخَ عندنا لا يَسْتَنِدُ إلَى أَصْلِ الْعَقْدِ، وفي "التَّتِمَّةِ" وَجْهٌ: أنه إن فَسَخ الزَّوْج بعيبها، فعليه مَهْرُ المثل، وإنْ فسخت هي بعَيْبِهِ، فالواجبُ المسمَّى، والفرْقُ إِذَا كان العَيْب بها، فالزوْج يقول: كنْتُ أبذلُ المسمَّى؛ ليكون لي البُضْعُ سليماً، فهذا لم يسلم، لا أبذله، وأُغْرِمَ ما فَوَّت، وإذا كان العيْبُ به، فقد سلمت ما يقابل العِوَضَ سليماً، فيسلم لها العِوَض، وَأَمَّا الفسْخُ بالعَيْبِ الحادثِ بعْد العقد، فإنْ كان قَبْل الدُّخُول، فلا مَهْرَ، وإن كان بعده.
فإن قُلْنَا: إنَّ الْوَاجِبَ عند الفَسْخ بالعَيْب المقارِنِ المسمَّى، فكذلك ههنا وإنْ قلنا: إنَّ الواجِبَ هناك مَهْرُ المِثْلِ، فههنا ثَلاثة أَوْجْهٍ:
أَحَدُهَا: أنَّ الواجب مَهْرُ المِثْلِ أيضاً؛ لأنه لم يسلم له ما طَمِعَ فيه، فلا يكلَّف ما التزمه.
والثاني: أَنَّ الواجِبَ المسمَّى؛ لأن المثبت للخيار حَدَثَ بعْد العقد، ووجوب المسمَّى [بالعقد] فلا يُؤَثِّرُ فيه.
الثالث: وهو الأصح: أنَّه، إنْ حَدَثَ قبْلَ الدُّخُول، ثُمَّ دَخَلَ بها، وهُو غَيْرُ مطَّلِع على الحال، وجَب مَهْرُ المِثْل، وجعل اقترانه بالوطء المقرَّر للمَهْر، كالاقترانِ بالعَقْد، إن حَدَثَ بعْد الدخول، فالواجِبُ المسمَّى؛ لأنَّ الدخول قد قرَّره قبل أن يُوْجَد سَبَبُ
الْخِيَارِ 1 وَقَولُه في "الكِتَاب وفيما بعد المسيس قول مُخرَّج من الردة: أنَّ المسمَّى يتقرَّر ولا يرجع إلى مهر المثل" اكْتفى بالقَوْل المُخرَّج عن ذِكْرِ المنْصُوص؛ لأنَّ فيه إشْعاراً بأنَّ المنْصُوصِ عكسه.
وقولهُ: في الردة قولٌ مخرَّج من ههنا التخريج من هذا الطرف لم يتعرَّض له أكثرهم، وقالوا: الردَّةُ لا تستند إلَى ما تقدَّم بحالٍ، فلا يُؤثِّر فيما سبَقَ وجُوبُهُ، نعم، قَالَ الإمَامُ: [رَأَيْتُ] 2 في تعليقي عن شَيْخِي، وفي تعليقِهِ عَنْ شَيْخِهِ، ذكر وجه في الردَّة أنَّه يسقط المسمَّى، ويجب مهْرُ المثل، ثم استبعدَهُ، وقال: [أخشى] 3 ألاَّ يصح فيه نقل.
فرع: حَكَى الحَنَّاطِيُّ فِيمَا إذا اطَّلَعَ أَحَدُ الزَّوجَينِ على عَيْبِ الآخَرِ وَمَاتَ الآخَرُ قَبْل الْفَسْخِ وجهَيْن في أنَّه، هَلْ يَفْسَخ بَعْد الموت، والظَّاهِرُ: أنَّه لا يَفْسَخ، ويتقرَّر المسمَّى بالمَوْتِ، ولو طلَّق زوْجته قَبْل الدخول، ثم أطَّلَعَ على عيْبٍ بها، لم يسقط حَقُّهَا من نصْف المَهْر؛ لأَنَّ الفرقة حَصَلَتْ بالطلاق.
الثالثة: إذا فَسَخ النِّكاح بعَيْبُ الزَّوجة، وغرم المهر، فَهَلْ لَهُ أن يَرْجِعَ بِمَا غَرِمَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَدَلَّسَ عَلَيْهِ.
فيه قولان:
الجديد: المنع، وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- لأنَّهُ شَرَع في النِّكَاح عَلَى أنَّ يتقوَّم عليه البُضْع، فَإذا استوفَى منفعته، تَقَرَّرَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ.
والقديم: وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ -رَضِي الله عَنْهُ-: أنّ له الرجُوعَ عليه، لما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنه قَالَ: أيُّمَا رَجُل تَزَوَّجَ أمْرَأَةً، وَبهَا جُنُونٌ، أو جُذَامٌ، أو بَرَصٌ، فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا وذلك لزوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وليِّهَا 4، ومحلُّ القولَيْن ما إذا كان العَيْبُ موجوداً عند العقْد، أمَّا العيب الحادثُ بعْد العقْد إذا فسخ به، فَلاَ رجُوع بالمَهْر بحالٍ؛ لأنه لا تدْلِيسَ منه، وفي "التَّتِمَّة" أنَّ محلَّهما ما إذَا كان المغْرُومُ مهْرَ
المثلِ أما إذا أوجبنا المسمَّى غرمه، فلا رجوع به؛ لأنَّ المسمَّى، بدل ما ملك بالعقد، وسلم له، وهو الوطأة الأولَى، فَإِنَّ الْمُسمَّى تَقَرَّرَ بِهَا.
والأشبه ما في "التهذيب" وهو التسوية بين أنْ يكون المغْرُوم مهْرَ المثل، وبين أنْ يَكُونَ المغروم المسمَّى، ورأى الإمَامُ ترتيبَ القولَيْن ههنا على القولَيْن في الرجوع عنْد التَّغْرِيرِ بالحُرِّيَّة علَى ما سنذْكُرُهما، فإنْ قُلْنا: لا رُجُوع ثَمَّ، فههنا أَوْلَى، وإن قُلْنَا بالرجوع هناك، ههنا قولان: وجه التَّرْتِيب: أن التغرير هناك بالاشتراط، فههنا اشتراط، بَلْ غَايَةُ ما يفرض السكوتُ والكتمانُ على ما ستعرفه، والاشْتِرَاطُ أَبْلَغُ في التغرير، فإنْ قُلْنَا بالرُّجُوعِ، ونُظِرَ؛ إن كان التغرير والتدليسُ منها دون الوَلِيِّ، فالرجوعُ علَيْها دُونَ الْوَلِيِّ.
وصَوَّر في "التَّتِمَّةِ" التغرير منْها بأنْ خطب الزوْجُ إليها، فلم يتعرَّض لما بها من العَيْب، والْتمسَتْ من الوَلِيَّ تزْويجَهَا منْه، وأظْهَرَتْ لَهُ أَنَّهُ عرف الزَّوْج حالها، وَصَوَّرَهُ الشَّيخُ أَبُو الْفَرَجِ الزاز فيما إذا عقَدَتْ بنَفْسِها، وحكمَ حاكِمٌ بصحَّته، ولفظ [الرجوع] 1 الَّذِي استعمله الأَصْحَابُ يُشْعِرُ بالاسترداد منْها بعْد الدَّفْع إليها، لكن ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالإمَامُ: أَنَّهُ لا معْنَى للدَّفْع إلَيْها والاسْتِرْدَادِ مِنها، ويعُودُ مَعْنَى الرُّجُوع إلَى أنَّه لا يغرم لها، وهلْ يجبُ لها أَقَلُّ ما يَصْلُحُ صَدَاقاً؟ فيه وجهان، ويقال: 2 قَوْلانِ؛ كَيْلاَ يخلو الوطء عن المهر، وإن كان التغرير من الولِيِّ بأن خَطَبَ إلَيْه، فأجابه إلى التزويج، وهو مجبر أو غير مجبر، فاسْتأذَنَها، ولم يظهر للخاطب ما بها، فإن كَانَ عَالِماً بالعَيْب، رَجَعَ عَلَيْه بجميع ما غرم، وإن كَانَ جَاهِلاً، فَوَجْهَانِ، يُوجَّه أَحَدَهُمَا؛ بأنَّه غير مقصِّر.
والثاني: بأن ضَمَانَ [المال] 3 لا يختلف بالعلْم والجهل، فإنْ قلْنا: لا رجوع عليه، إِذَا جَهِل، فذلك إذا لم يكن مَحْرَماً: لَهَا؛ كابن الْعَمِّ، والمعْتِقِ، والقاضِي، فحينئذٍ، يكونُ الرجُوعُ على المرأة فأما إِذَا كَانَ مَحْرَماً، فلا يخْفَى الحالُ عبيه غالباً، وإن خَفِيَ، فهو لتقْصِيرِهِ [بترك] 4 البحْثِ، فيرجع عليه، وفيه وَجهٌ، أنَّه لا رجُوعَ على المحْرَم أيضاً عنْد الجَهْل.
وَذَكَرَ الحَنَّاطِيُّ: أنَّهُ لا رُجُوعَ على الحاكم بحالٍ عند الجَهْل، فإنْ قُلْنَا: لاَ رُجُوعَ عَلَيْه، إذا جَهَلَ، فعَلَى الزَّوْج إثباتُ العِلْم بأن يقيم الْبَيِّنَّةَ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْعِلْم، وَإنْ غَرَّهُ جَمَاعَة مِنَ الأَوْليَاء؛ فَالرَّجُوعُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ جهل بعضُهم، وَقُلْنَا: لا رَجُوع علَى
الجاهِل، رجَعَ عَلَى مَنْ عَلِمَ، وإن وُجِدَ التقرير منها، ومن الولِّي، فيكون الرُّجُوعُ عليها؛ لأنَّ جانبها أَقْوَى من حيث إِن [العيب] 1 بها أو يرجع على كُلِّ وَاحِدٍ منهما بالنصف؟ فيه وجهان مذكوران في "التَّتِمَّة" وإن غَرَّتِ الْمَرْأَةُ الوَلِيِّ، والولِيُّ الزوْجَ، رجَعَ الزوْجُ على الوليِّ، والوليُّ عليها، ولم يتعرَّضوا لما إذا كانت الْمَراْةُ جَاهِلَةً بعَيْبِها، ولا يبْعُد مجيء الخِلاَف 2 فيه.
الرَّابعَةُ: المفْسُوخُ نكاحُها بعْدَ الدُّخول لا نَفَقَةَ لَهَا في العِدَّةِ، ولا في السُّكْنَى، إنْ كَانَتْ حَائِلاً؛ لانقطاع أَثَرِ النِّكَاحِ بالفَسْخ، وإن كانَتْ حَامِلاً، فَإِنْ قلْنَا: إن [نفقة المطلقة] 3 الحاملِ للحَمْل، وجبت ههنا أيضاً؛ لحق القرابة، وإن قلنا: إنَّها للحامل، وَهوَ الأصَحُّ، لم تجب، وإيراد الإمَام وَصَاحِب "التَّهْذِيبِ" يقتضي كَوْنَ السُّكْنَى عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ، وَصَرَّحَ بهِ الحَنَّاطِيُّ، ثُمَّ حَكَى طَرِيقَةً أُخْرَى قَاطِعَةً، بأنه لا يجب السُّكْنَى هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ في الْمَسْأَلَةِ، ومنْهم مَنْ جَعَلَ استحقاق الحامل للسكْنَى على قولَيْنِ، وَقَدْ نَقَلَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ صَاحِبُ "الْكِتَاب" في "باب العِدَّةِ" ويمكن أن يُبْنَى الخلافُ على أَنَّ الْوَاجِبَ لها مَهرُ المِثْل، أو المسمَّى إن أوجبنا مَهْرَ المثْل، جَعَلْنَا النِّكَاحَ كالمفسُوخ من أصْلِهِ؛ لاقتران سبَبِ الفَسْخ به، ونزلناه منزلة النكاح الفاسد، وإن أَوْجَبْنَا المسمَّى نزل الفسخ منزلةَ رَفْعِ النكاح بالطَّلاق، فينبغِي أنْ تجب السكْنَىِ، وأن تجب النفقة، إذا كانت حاملاً، وَذَكَرَ الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ؛ أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ بْنَ سَلَمَةَ خرَّجَ فِيْمَا إذَا كان الفسخ بالعَيْب الحادثِ أنَّها تستحقُّ السُّكْنَى، وهذا ذَهَابٌ منه إلى الفَرْق بين الفَسْخ بالعَيْب الموجود عنْدَ العَقْد، والفَسْخ بالعَيْب الحادِثِ، وقد سبق في المَهْر نظيرُهُ، وإذا لم نوجِبْ لها السكْنَى، فلو أراد الَزوْجُ أنْ يُسْكِنَها تحصيناً لِمَائِهِ، قال أبُو الْفَرَج السَّرْخَسِيِّ: لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهَا أنْ تَسْكُنَ.
وَقَوْلُهُ في الكتاب: "كما لا مَهْر" يجوز أن يريد، به المسمَّى، ويجوز أنْ يكونَ المَعْنَى كما لا مَهْرَ قبل الدخول.
"فرع": إذا رَضِيَ أَحَدُ الزوجَيْنِ بِعَيْب الآخر، ثُمَّ حدَثَ بمَنْ به العَيْبُ عيْبٌ آخَرُ، ثبت له الخيار بالعيب الحادث، وإن ازْدَادَ الأَوَّلُ؛ فلا 4 خيار؛ لأنَّ رِضَاهُ بِالأَوَّلِ رِضاً
بِمَا يَحْدُثُ منه ويتولَّد، وفيه وجُه آخَرُ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وجهَيْن: في أنه إِذَا فُسِخَ النِّكاحُ بِالْعَيْب، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَيْبٌ، هَلْ يُحْكَمُ ببُطلاَنِ الْفَسْخِ وَاسْتِمْرَارِ النِّكَاح 1؟ ولَو قال: عَلِمْتُ عَيْبَ صاحبي، ولكني لم أعلم أنَّ الْعَيبَ يُثْبِتُ الْخِيَارِ، ففيه طَريقان:
أشبههما: أَنَّهُ على القولَيْنِ في نظيره من خِيَارِ العِتْق، وسنذكرهما.
والثَّانِي: القطْعُ بأنَّهُ لا يُعْذَرُ، والفَرْقُ أن الخِيَار بالعَيْبِ مشهورٌ في جنْسِ العُقُود، وخيار العتْق بخِلاَفِهِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّانِي: الغُرُورُ) ومَهمَا شُرطَ في العَقْدِ إسْلاَمُهَا أَوْ نَسَبُهَا أَوْ حُرِّيَّتُهَا أَوْ نَسَبُهُ أَوْ حُرِّيَّتُهُ فَاخْتَلَفَ الشَّرْطُ فَفِي صِحَّةِ العَقْدِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ صَحَّحْنَا فَفِي خِيَارِ الخُلْفِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السبب الثاني من أسباب الخيار الغرور بالاشتراط، فإذا شُرِطَ في
العقد إسلامُ المنكوحة، فَبَانَ أنَّهَا ذِمِّيَّةُ، أو شُرِطَ نسبٌ، أو حريَّةٌ في أَحَدِ الزوجَيْن، فَبَانَ خِلاَفُ الْمَشْرُوطِ، فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ قَوْلاَنِ:
أصحهما: وبه قَالَ أبُو حَنِيْفَةَ واخْتَارَهُ المُزَنِيُّ: أنه صَحِيحٌ؛ لأنَّ الْخُلف في الشَّرْطِ لا يُوجِبُ فسادَ البَيْع مع أنَّه عرضة للفَسَادِ بالشُّروط الفاسدة، فأولَى ألا يوجب فَسَاد النكاح؛ وهذا لأنَّ المعقود علَيْه فيهما جميعاً عينٌ معينةٌ، وأنَّها لا تتبدَّل بالخُلِف في الصِّفَة.
والثاني: المنع؛ لأن النِّكَاحَ يعتمد الصفاتِ والأسماءَ دُون التْعِيين والمُشَاهَدَةِ، فيكون اختلاف الصفة فيه كاختلافِ العَيْن، ولو اختلفَ العَيْنُ بِأنَ قَالَت زَوِّجْنِي منْ زَيدٍ، فزوَّجها مِنْ عَمْرو، لم يَصِحَّ النِّكَاحُ، وكذلك ههنا، وقرب بعضهم القَوْلين من الخلاف، فيما إذَا قال: بعتك هذه الرَّمَكَةَ، والإشَارَةُ إلى بَقَرَةٍ، قال الإِمام: وتلك الصورة بعيدةٌ عن المسألة الَّتي نحْنُ فيها؛ لأن الرَّمَكَةَ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لموصوفٍ بصفاتِهِ، ليْسَ تعرّضاً لمجرَّد الصفة، والقولانِ فيمَا إذَا شَرَطَتْ حريته، فَبَانَ عَبْداً، مفروضانِ فيما إذا كان السيِّدُ قد أذِنَ لَهُ في النِّكَاحِ، وإلاَّ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ لِعَدَمِ الإذْنِ، وفِيمَا إذَا شَرَطَ حُرِّيَّتَهَا، فَخَرَجَت أَمَةً، مفروضانِ فِيمَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ قَدْ أذِنَ في نِكَاحِهَا، وكان الزَّوْجُ = كان في أحد اليدين فانتقل إلى الأخرى.
وقال الشيخ البلقيني: جزم في البيان فيما إذا كان في يد فانتقل لاخرى بثبوت الخيار وهو ظاهر.
مِمَّنْ يَحِلُّ له نِكَاحُ الإِماء، فَإِنْ فَقَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ بِلاَ خِلاَف، ويجْرِي القولان في كُلِّ وَصْفٍ شرط، ثم تبيَّن خلافه، سواءٌ كان المشروط صفةَ كمالٍ؛ كَالْجَمَالِ وَالْيَسَارِ وَالشَّبَاب وَالْبَكَارَةِ، أو صفةَ نقصٍ، كأضدادِها، أو كان ممَّا لا يتعلَّق به كمالٌ ونقصانٌ، هذ هوَ الظَّاهِرِ، وفي "شَرْحِ مُختَصَرِ الْجُوَينِيِّ" أنَّهُمَا لا يجريان في جميع الصفات، وإنَّما هو في النسب والحرية، وما يُؤثِّر في الكفاءة.
التَّفْرِيعُ: إذا قُلْنَا ببطلان النكاح، وفرَّقَنا بينهما، فَلاَ شَيْءٍ على الزوْج، إِذَا لَمْ يَجْرِ دخولٌ، وإن جَرَى، فَلاَ حَدَّ؛ لشُبْهَةِ اختلاف العلماء، وعليه مَهْرُ المِثْل، ولا سُكْنَى لها، ولا نفقة في العدَّةِ، إِن كانت حائلاً، وإنْ كانتْ حاملاً، فعلى القولَيْنِ في أن النفقة للحَملِ أو للحَامِل، إن جعلْنَا هَذَا للحَمْلِ وَجَبَتْ، وَإِلاَّ، فَلاَ، وإنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاح، فإن بَانَ الْموصُوف خَيْراً مِمَّا شَرَطَ فِيهِ، فَلاَ خِيَارَ، وَهَذَا كَمَا لو شرط أنها كتابيَّةٌ، فَبَانَتْ مسلمةً، أو أمةٌ، فَبَانَتْ حُرَّةً أو ثَيِّباً، فَبَانَتْ بِكْراً، وإن بَانَ دَوْنَ الْمَشْرُوطِ، فَقَدْ أطْلَقَ صَاحِبُ الْكِتَاب قولَيْن في ثُبُوتِ خِيَارِ الخُلف، ووجَّه في "الْوَسِيطِ" قولَ الثبوتِ بالقياس على البيع.
والقولَ الآخر، بِأَنَّ النِّكَاحَ بعيدٌ عن قبول الخيار، ولذلك لا يثْبُتُ فيه خيار الشرط، و [لا] خيار الرؤية، وسائر الأصحاب لم يطْلِقوا القولَيْن هكذا، وفصَّلوا، فقالوا: إذا شرط في الزوْج نسبٌ شريفٌ، فبان خلافُهُ [نُظِرَ] 1 ولو إِنْ كان نسَبُه دون نَسَبِها، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإن رَضِيَتْ هي، فلأوليائِهَا الخيارُ؛ لفَوَاتِ الكفاءة، وإنْ كان نسَبُهُ مثْلَ نَسَبِهَا، أو فَوْقَه إلاَّ أنَّهُ دونَ المَشْرُوطِ، ففِيه قولان:
أصحُّهما: على ما ذكر في "التَّهْذِيبِ" أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهَا؛ لأنها لا تتعيَّر به.
والثاني: يثبت؛ للتغْرِير، وَطَمَعِهَا في زيادة شرفه، وعن القاضي أبي حَامِدٍ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ: بأنَّه لا خيار لها، ولا خيارَ للأولياءِ؛ لأن الكفاءَةَ حاصلةٌ، والشرْطُ لا يؤثر في حقِّهم، وإن شُرِطَ في الزوجة نَسَبٌ، وبَانَ خلافُه، فطريقان.
أظهرهما: إثبات الخِيَارَ لَهُ، على ما ذكرنا في جانب الزَّوْجة، حَتَّى يكُونَ له الْخِيَارُ، إِذَا كان نَسَبُها دون نَسَبِهِ، ويجيءُ فيه القَوْلاَنِ فِيمَا إِذَا كَانَ نَسَبُهَا مِثْلَ نَسَبِهِ أو فَوْقَهُ.
والثَّاني: وهو اختيار الرُّوَيانِيِّ: أنه لا خِيارَ للزَّوْج، ووجَّهوه بمعنَيَيْنِ:
أحدهما: أنَّ الزوج متمكِّنٌ من تخليصِ نَفْسه بالطَّلاق، وإنَّما يثبُتُ الخيارُ في النِّكَاحِ عنْد الضَّرُورة.
والثَّاني: أنه لا يتضرَّر ولا يتعيَّر بدَناءة نسب الزوجة، بخلاف [العكس] 1 وإذا شرطت حريَّة الزَّوْج، فَخَرَجَ الزوج عبداً، فإنْ كانتِ الزوجةُ حُرَّةٌ، فَلَهَا الخيارُ، وكذلك لوليِّها؛ لعَدَمِ الكفاءة، وإن كانت أمةً، فوجهان:
أحدهما: ثبوتُ الخيارِ للغرور.
والثَّاني: المَنْعُ؛ لأنَّهما متكافِئَان، ولا، عار وحكَى الْقَاضِي ابنُ كَجِّ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ، وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ طَرِيقَةً أُخرَى قَاطِعَةً بثبوتِ الخِيَارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي: أنَّ الخِيَارَ، إن ثَبَتَ، فإنَّما يثبت للسيِّد دون الأمة، فإنَّ له أن يجْبُرَها على أن تَنْكِحَ عبداً؛ بخِلاَف ما إِذَا ظهر بالزَّوج عيب يكون لها الخِيَار؛ لأنه لَيْسَ للسيِّد إجبارُها علَى نكاح من به أحَدُ العيوب المثبِتَةِ للخيار، وإن شَرَطَ حريَّةَ الزَّوجة، فخرجت أَمَةً هَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ للِزَّوج ترتب ذلك على التغرير بالنسب، إن أثبتنا الخيار هناك، فكذلك ههنا، وإلاَّ وجهان، إن عَلَّلْنَا بالتمكين من الطَّلاَقِ، فكذلك ههنا، وإن علَّلنا بأنه لاَ عاَرَ، ولا ضرَرَ، فههنا، يتضرر بِرِّقِ، الأولاد، وبِنُقْصَانِ الاستمتاع؛ لأن السَّيِّد يستخدِمُها، هذا إذا كان الزَّوْج حُرَّاً فإن كان عبداً وقلْنا بثبوت الخيار للحرَّ، فقولان:
قَالَ فِي "التَّهْذِيبِ":
أَصحُّهُمَا: أَنَّه لا خيار له لتكافُئِهما.
وإن كان المشروطُ صفة أخرَى، فَإِنْ شُرِطَتْ في الزوْج، فَبَانَ خِلاَفهُ، والموجودُ دون المَشْرُوط، فلها الخيارُ، وإن شُرِطَتْ في الزَّوجَةِ، فَفِي ثُبُوتِ الخيار للزوج قولان: لتمكُّنه من الطَّلاَقِ 2، ذكره في "التَّتِمَّةِ".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو ظَنَّنْهُ كُفْئاً فَإِذَا هُوَ غَيْرُ كُفْءٍ فلاَ خِيَارَ، وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَإِذَا هِيَ كِتَابِيَّةٌ فَلَهُ الخِيَارُ، فلَوْ ظَنَّهَا حُرَّةٌ فَإذَا هِيَ رَقِيقَةٌ فَلاَ خِيَارَ، وَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ مَأخَذهُمَا أَنَّ الكُفْرَ وَالرِّقَّ هَلْ يَلْتَحِق بِالعُيُوبِ الخَمْسَةِ؟ وَقِيلَ: بَلْ مَأْخَذُهُمَا أَنَّ الْغُرُورَ بِالْفِعْلِ، هَلْ هُوَ كَالغُرُورِ بِالقَوْلِ؟، وَقيلَ: إِنَّ الكِتَابِيّةَ لاَ تَلْتَبِسُ بِالمُسْلِمَةِ إِلاَّ بِقَصْدٍ فَهُوَ تَغْرِيرٌ بِخِلاَفِ الأَمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسأَلْتَانِ:
الأولَى: إذا ظَنَّتْ أن زيداً كُفْء لها، فأذِنَتْ في تزويجها منْه، ثم بَانَ أنَّه ليس
بِكُفْءٍ لها فَلاَ خيار لها؛ لأنه لم يُجْرَ شرط، والتقصير بينهما ومن الوليِّ، حيث لو بحثنا، وليس هذا كظنِّ السَّلاَمَةِ عن العُيُوب؛ لأن الظَّنَّ هناك يَنَّبني علَى أنَّ الغالِبَ السلامةُ، وههنا لا يمكن أن يقالَ: إِنَّ الغالِبَ كفاءةُ الخاطِب هَكَذَا أَطْلَقَ الْمَسْأَلَةَ صَاحِبُ "الكتاب" وينبغي أن يُفَصَّل، فيقال: إن كان فواتُ الكفَاءةِ [الدناءة] 1 نَسبَه أو حِرْفَتِهِ أَوْ لَفْسْقه، فالجواب: ما ذكرنا، وإن كان فَوَتُهَا لعيْبٍ، ثبت الخيار، وإِن كَانَ فواتُهَا لِرِقِّهِ، فليكن الحكمُ كما سنذكر على الأثر فيما إذا نَكَحَ امْرأةً على ظَنِّ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فإذا هي رقيقةٌ، بل كانت المرأة أولَى بإثبات الخيارِ من جانب 2 الرَّجُلِ.
الثانية: نكح امرأةً عَلى ظَنِّ أنَّها حُرَّةٌ، فخرجَتْ أَمَةً، وهو مِمَّنْ يحلُّ له نكاح الإماء، فالنَّصُّ أنه لا خِيَارَ 3، ولو نكح امرأةً علَى ظَنِّ أنَّهَا مُسْلِمَة، فخرجت كتابيةً، فالَنَّصُّ أنَّ لَهُ الخيار، وللأصحاب طريقان، منْهم من نَقَلَ وخَرَّج، وجَعَلَ الصورتَيْن على قَوْليْن:
أحَدُهُمَا: أنه يثبُت الخيارُ؛ لأنَّ الظاهِرَ في دَارِ الإسْلاَمِ الإسْلاَمُ وَالْحُرِّيَّةُ، فصار ذَلِكَ بمثابة المَشْرُوط.
وَالثَّانِي: أنَّهُ لاَ خِيَارَ في وَاحِدَةٍ من الصورتَيْنِ لِبُعْدِ النِّكَاح عَنِ الْخِيَارِ، وضَعْفِ تأثيرِ الظَّنِّ، ولهَذَا لَوِ اشتَرى عبداً عَلَى ظَنِّ أنه كاتبٌ، فلم يكن، فلا خيار له، وذكروا للقولين وراء هذا مأخذَيْن:
أَحَدُهُمَا: أنَّ الكَفْرَ والرِّقَّ هَل يلتحقان بالعُيُوب الخمسة أم لاَ؟.
وَجْهُ الالْتِحَاقِ أنَّ الْكُفْرَ يوجب النُّفْرة عن الاستمتاع، كما أنَّ الْبَرَصَ والجُذَامَ يورِثَانِهمَا، والرق يتعدَّى إلى الولَدِ تخفيفاً كما أن الْبَرَصَ والجُذَامَ يُخَاف منهما التعدِّي.
والثاني: أنَّ هذا الظَّنَّ يَنْشِأُ غَالِباً من فعْل وإبْهَامٍ صَادِرٍ من الوليِّ، أو من الزوْجَة، وإن لم يجر شَرْطٌ، فَهَلْ ينزل [التغرير بالفعل] 4 التغرير بالقول والاشتراط، وَجْهُ تنزيلِهِ منزلِتَه حصولُ التلبيس به ولهذا يثبت الخيارُ بالتصْرِيَةِ، كما يثبت بالخُلْفِ في الشَّرْطِ.
والطَّرِيقُ الثَّاني: تقرير [النصيين] 1 والفرق من وجهين:
أَشْهَرُهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنَّ وليَّ الْكَافِرَةِ يكُونُ كافراً، وللكافرِيْنَ علاماتٌ يتميَّزُونَ بها من الغيار وغيره، فخفاء الحالِ عَلَى الزَّوْج إنَّمَا يكون بتدليس الوليِّ وتغْرِيرِه، ووليُّ الرقيقةِ لا يتَميَّز عن وَلي 2 الحُرَّة، فَلاَ تَغْرِيرَ، بل الزَّوْجُ هو المصر، حيْثُ لم يبْحَثْ عن الحال، وذكر في "الْوَسِيطِ" أنَّ ما جَرَى في صورة خُروجِهَا كتابيةً وإنْ أمْكَنَ أنْ يحْصُلَ بتَغْرِيرٍ، أثبتنا الخيار، فلو نَكَحَها وظَنَّ بكارتها، فإذا هي ثَيِّبٌ، لم يبعد إثباتُ الخيار؛ لأن النفرة ههنا أعظم، هذا لفظه، لكن تغيير الهيئة هناك أورث ظنَّ الإِسلام، ولم [يوجد] 3 ههنا ما يُورِثُ ظنَّ البكارة، نعم، قد يحْصُلُ السكوتُ عن بيان حالِهَا تصويراً، كما سموا السُّكُوتَ عن بيان العَيْبِ تغريراً.
والوجه الثاني: أنَّ الْكُفْرَ مُنَفِّرٌ للمُسْلِم، فألْحق بالعُيُوب، والرِّق لا ينفر، ولا يمنع من الاستمتاع، فذلك افترقا في إثْبَاتِ الخيار، والأشبه طريقةُ القولَيْن، والأصحُّ على ما ذكره صَاحِبُ "التَّهذِيبِ" وغيره؛ أنَّه لا خيار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَكُلُّ تَغْرِيرِ سَابِقٍ عَلَى العَقْدِ فلاَ يُؤَثِّرُ (و) في صِحَّةِ العَقْدِ، لَكِنْ يُؤَثِّرُ فِي الرُّجُوعِ بِالمَهْرِ إِذَا قَضَينَا بِالرُّجُوعِ عَلَى الغَارِّ فِي قَوْلٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخُلْفُ في الشرط، إذا قلْنا: إنَّه لا يُفْسِرُ العقد، وُيثْبِتُ الخِيَارِ، فمَنْ له الخيارُ وإن أجاز العَقْد، كان للزوْجَةِ المهْرُ المسمَّى، وإن فسخ، نُظِر، إن كان قبل الدخول، لم يجِبْ نصف المَهْر، ولا المُتْعة، وإنْ كان بَعْدَ الدُّخول، ففي المهْرِ الواجِب قولان، كما في خيار العيب:
أظهرهما: وهو المنصوص: أنَّ الواجِبَ مهْرُ المثل.
والثاني: وهو مخرَّج: أن الواجِبَ المسمَّى، ونقل أَبُو الْفَرَجِ في "أمَالِيهِ" وَجْهاً: أنَّ الْوَاجِبَ أقَلُّ الأَمرَيْنِ من المسمَّى أو مهْر المثل؛ لأنَّه إن كان المسمَّى أَقَلَّ فَقَدْ رضِيَتْ به في العَقْد، وإنْ كان مَهْرُ المِثْلِ أقلَّ، فلا مَزِيدَ عليه؛ لأن المعوَّض، لم يُسلَّم للزوج، فلا يسلم لها العوض الملتزم، وهل يرجع الزوْجُ، إذا غُرِّمَ المَهْرُ علَى من غرَّهُ؟ فيه التفصيل والخلاف المثبتان في خيار العيب، والحُكْمُ في الكسْوة والنَّفَقة في مدة العدة على ما تقدَّم، إذا تقرَّر ذَلِك قَالَ الأَصْحَابُ: التغريرُ المؤَثِّر هُوَ الَّذِي يكُونُ مقروناً بالعقد على سَبِيلِ الاشتِرَاطُ أما إذا كَانَ سَابِقاً عليه، فَلاَ اعتبارَ به، وفيه وَجْهٌ أَنَّ السَّابِقَ
أيضاً يؤَثِّر علَى ما ذكرنا في نكاح المحلِّل، وَهَذَا الخلافُ في تأثيره في فسادِ العَقْد، وفي إثبات الخِيَار، فأمَّا في الرُّجُوع بالمهر، إذا قضينا بالرجوع على الغَارِّ [فالتغرير] 1 السابق كالمقارن هكذا نقل صَاحِبُ الْكِتَاب وَحَقَّقَهُ الإِمَامُ فَقَال: لاَ يُشْتَرَطُ في تصوير التَّغْرِيرِ دُخُولُ الشَّرْطِ بَيْنَ الإيجَابِ والقَبُول، ولا صُدُورُهُ مِن العَاقِد؛ أَلاَ تَرَى أنَّنا نضمْنَ [الكتابية] 2 والأمة إذا كان التغرير منْهما، وليْسَا بعاقِدين، ولكن يُشْتَرط إتصِاله بالعَقْد، فلو قال: فلانةٌ حُرَّةٌ في معْرِض الترغيب في النِّكَاحِ، ثُمَّ تزوَّجها على الاتصال إما بالوكالة أو بالولاَيَةِ، فهذا تغريرٌ ولم يقصد بما قاله تحريض السامع، واتَّفَقَ بعد أَيَّامٍ أَنَّهُ زوَّجها من سمع كلامه، فلَيْسَ مَا جَرَى بتغرير، وإن ذَكَرَهُ لا في مَعْرِض التحريض، وجرى العَقْدُ على الاتصال، أو ذكره في مَعْرِضِ التَّحْرِيضِ، ولكن جَرَى الْعَقْدُ بَعْدَ زَمَانٍ فَاصِلٍ، ففي كونه تَغْرِيراً تردُّدٌ، ويشبه ألاَّ يعتبر الاتصالُ بالعَقْدِ عَلَى ما يقتضيه إطلاقُ صَاحِب "الكِتَابِ" وكان سببُ الفَرْقِ بين التأثير في الفساد أو في إثبات الخيار، وبين التَّأثِيرِ فِيَ الرُّجوعِ أَنَّ تعلُّق الضَّمَانِ بالتَّغرِيرِ أَوْسَعُ بابًا؛ وَلذَلِكَ ثَبَتَ الرُّجُوعُ علَى قولنا بمجرَّد السكوت عن عيب المنكوحة، إذا قدّم [الطعام إلى المالك، فأكله، وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُقدِّم] 3 في قول واللهُ أَعلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) إِذَا غُرَّ بِحُرِّيةِ أَمَةٍ فَوَلَدَتْ انْعَقَدَ الوَلَدُ حُرّاً وَعَلَى الْمَغْرُورِ قِيمَتُهُ للِسَّيِّدِ إِذْ فَاتَ رِقُّهُ بِظَنِّهِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ حُرّاً أَوْ عَبْداً وَيرْجِعُ به (و) عَلَى الغَارِّ قَوْلاً وَاحِداً، وَإنَّمَا يَرْجِعُ إِذَا غَرِمَ، وَإِنْ كَانَ المَغْرُورُ عَبْداً تَعَلَّقَ القِيمَة بِرَقَبَتِهِ فِي قَوْلٍ، وَبِذِمَّتِهِ في قَوْلٍ، وَبِكَسْبِهِ في قَوْلٍ، وَالمُسَمَّى مِنَ المَهْرِ إِذَا لَزِمَ تَعَلَّقِ بِكَسْبِهِ، وَحَيْثُ لاَ يَلْزَمُ فَمَهْرُ المِثْلِ تَجْرِي الأَقْوَالُ الثَّلاَثةُ فِي مُتَعَلَّقِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الغَارَّةُ هِيَ الأَمَةَ تَعَلَّقُ عُهْدَةُ الزَّوجِ بِذَمَّتِهَا (و)، وَالمُكَاتَبَةُ كَالأَمَةِ إِلاَّ أَنَّ لاَ مَهْرَ لَهَا فَإنَّهَا الغَارَّةُ المُسْتَحِقَّةُ وَالسَّيِّدُ لاَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التَّغْرِيرُ لأَنَّهُ إِنْ قَالَ: إنَّهَا حُرَّةٌ عَتِّقَتْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَرْع الكلامُ في ولَدِ المغْرُورِ بالحُرِّيَّة، فإِذا غَرَّ الرَّجُلُ بِحُرِّيَّةِ امرأة، فَبَانَتْ أَمَةً، وحكمنا بصحة النكاح 4، فأولادُه الحاصِلُون منْها قبْلَ العِلْم بالحالِ، أحرارٌ؛ لظَنِّهِ الحرِّيَّة، كما لو وطئَ أَمَةَ الغَيْرِ علَى ظَنِّ أنها أَمَتُهُ، أو زوجَتُه الحُرَّةُ، ولا فَرْقَ في ذلك بيْن أن يجيز العقْدَ أو يفْسَخَ، إذا أثبتنا له الخيار، وكذلك لا فرق بين أن يكونَ الزَّوْج المغْرُورُ حُرَّاً أو عَبْداً؛ لاستوائهما في الظَّنِّ، وعند أَبِي حَنِيْفَةَ إنْ كان الزوْجُ
عبداً، فالأولادُ أَرِقَّاءُ، واحْتَجُّ الأَصْحَابُ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالُوْا: مَنْ تَلِدُ لَهُ الْحُرَّةُ حُرَّاً تَلِدُ لَهُ الرَّقِيقَةُ عِنْدَ الغرور حُرّاً كالْحُرِّ، ثُمَّ يجبُ على المَغْرُور قيمةُ الأولادِ لسَيِّد الأمة؛ لأن رِقَّ الأم يقتضي رِقَّ الولد، وإنَّما انْعَقَدُوا أحْرَاراً بِظَنِّهِ، فكأنه فوَّت على السيد رِقَّهم.
وَحَكَى الحَنَّاطِيُّ قَوْلاً: أنه لا يجبُ قيمةُ الولدِ، والمغرورُ معذورٌ في ظَنِّ الحرِّيَّة، وعلى الأوَّلِ، وهو المذْهَبُ: إن كان المغرور حُرَّاً، فالقيمةُ في ذمته مستقرةٌ مأخوذةٌ من مَالِهِ، وإِن كَانَ عَبْداً، ففي [متعلَّق] 1 القيمةِ ثلاثةُ أَقْوَالٍ، حَكَاهَا صَاحِبُ "الكِتَابِ" وابْنُ الصَّبَّاغِ وغيرهما:
أحدهما: أنه يتعلَّق برقبته؛ لأن ظَنَّهُ فوَّت الرقَّ، فَصَارَ كَمَا لَو أَتْلَفَ مَالاً.
والثّاني: يتعلَّق بكسبه؛ لأنه غُرْمٌ لَزِمَ في النكاح، فَأشْبَهَ المهْرَ والنفقةَ.
وأصحهما: وهو المذْكُور في "التَّهْذِيبِ" أَنَّها تتعلَّق بذمته؛ لأنه لا جنايةَ منْه، وإنَّمَا أوهم شيئاً، فتوهَّمه، والحرِّيَّة تثبتُ بحُكْم الشرْعِ، والقيمةُ ليْسَتْ من قضايا النِّكَاح ولوازِمِه، حَتَّى يتعلَّقَ بالكَسْب بخلافِ المَهْر والنَّفَقَةِ، وتُعْتبر قيمةُ الأولادِ يَوْمَ الولادة، فإنَّه أول حالاتِ إِمكانِ التقْويم، وعن أَبِي حَنِيْفَةَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ يُعتبر فيه يوم المرافعة إلى الحَاكِم، حَتَّى لوَ ماتُوا قَبْلَه، لم يجبْ شيْءٌ، وأما الأولادُ الحاصِلُون بعْد ظُهُور الحالِ، فهُمْ أرِقَّاءُ نعَمْ، لو كان الرجلُ عربياً، ففِي استرقاقِ العَرَب خلافٌ يذكر في موضعه، والظاهر أَنَّهُ لا فرْقَ بين العربِّي، وغيره، ثم في الفصل مَسَائِلُ:
المسألة الأولى 2: في الرُّجُوعِ بالمَهْر المغروم على الغارِّ قولان، كما ذكرنا في الْفَسْخِ بالعَيْب، وأما قيمة الأَولادِ فيرجع الزَّوْج بها على الغارِّ قولاً واحداً؛ لأنه لم يدخل في العقْدِ على أن يَضْمَنَها؛ ولأنَّ المهر وجَب في مقابَلَةِ ما أتْلَفَ من منْفَعَة البُضْع، وغرامة المُتْلَف تستقرُّ على المُتْلِف.
وعن ابنِ خَيْرَانَ وَابْنِ الْوَكِيلِ: أَنَّ في الْمَسْأَلَةِ قولاً آخَرَ: أنه لا يرجع بقيمة الأولاد، كما لا يرجع المهر في قول، وإذا قُلْنَا بالرجوع، فإنما يرجع، إذا غرم، كالضامن [وقد ذكرنا في الضامن] 3 وجهاً أنَّ له أن يرجع قَبْل أن يغرم فيجيء مثله ههنا، والظاهرُ المنع، وُيبنى عليه أنَّ المغْرُور، إنْ كان عبداً، وعلَّقنا القيمة، بذمته فإنَّما يرْجع على الغارِّ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لأنه حينئذٍ يغرم، أمَّا إذا علَّقناها بِكَسْبه، أو برقبته، وغرم سَيِّدُهُ من كسبه، أو من رقبته، فيرجع في الْحَالِ، وللمَغرُور مطالبةُ الغَارِّ [بتحصيله] 4 علَى ما ذكرنا في الضَّمَانِ.
المسألة الثانية: إذَا كَانَ المغرورُ عَبْداً، وَقَدْ دَخَلَ بالمنكوحة، فحيث يَجِبُ المُسَمَّى يتعلَّق بكسبه؛ لأنه دَيْنٌ ثابتٌ في معاقدةٍ عَلَى ما يوجب إذْن السَّيِّدِ، ولوجوب المسمَّى تقريران:
أحدهما: أن نقول: الخلف في الشرْطِ لا يُفْسِدُ العقد، ولاَ يثبت الخيارَ للعَبْد.
والثاني: أنْ يثبت الخيار، ويجبر العَبْد.
[والثالث] 1 أن يفسخ، ونقول بالقول المخرَّج، وهو وجوب المسمَّى، وحيث يجب مَهْرُ المِثْلِ، فيتعلَّق برقبته بكسبه أو بذمَّته فيه ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ، ولوجُوب المَهْر تقديران:
أَحَدُهُمَا: أن يحكم بفساد العَقْد، والأقوالُ الثلاثةُ، والحالةُ هذه، مبنيةٌ على أنَّ إذْن السَّيِّدِ في النكاح يتناولُ الصَّحيحَ والفاسدَ منْه، أو يختصُ بالصحيح إنْ قلنا بالأول، فالمهر في كسبه، كما في النكاحِ الصحيحِ، وإِنْ قُلْنَا: يختص بالنِّكَاحِ الصَّحِيح، وَهُوَ الأصَحُّ، فَهَذَا نكاح بغير إذنُ السيِّد، جرى فيه دخولٌ، ومهْر المِثْلِ في مثل هذاَ النكاحِ يكونُ في ذمَّة العبد، أو يتعلَّق برقبته؟ فيه قولان:
أظهرهما: أوَّلُهما.
التقدير الثاني: أن يحكم بصحَّةِ العَقْدِ، وثبوتِ الخِيَار، ووجوب مَهْرِ المِثْلِ عنْد الفسخ، فإذا فسخ، ففي متعلَّق مهْرِ المثل الأَقْوال الثلاثَةُ: لأنَّا إذا أوجَبْنا مَهْرَ المِثْل أَلْحَقْنا النِّكَاح [المفسوخ بسبب مقارن للعقد بالنكاح] 2 الفاسد، وكان الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ يُقَوِّي في هذا التصويرِ قَوْلَ التعليق بالكسب؛ لأنه مَهْرٌ واجبٌ في نكاحٍ صحيحٍ مأذونٍ فيه.
المسألة الثالثة: لا يُتصوَّر الغرور بالحرِّيَّة من السَّيِّدِ؛ لأنه إذا قال: هِيَ حُرَّةٌ وزوَّجها، أو قَالَ: زوَّجتها علَى أنها حُرَّةٌ عَتَقَتْ، وخرجَتَ الصورةُ عن أن يكون نكاحَ غُرُورِ، وإنما يُتصوَّر ذلك من وكيل السَّيِّدِ في التزويج، أو مِنَ المنكوحَةِ نَفْسِها، أو منْهما ولا عِبْرَةَ بقول من ليس بعاقد، ولا معقود 3 عليه.
الصورة الأُولَى: إذا كان الغُرُورُ من الوكيلِ، رَجَع المغْرُور عليه بالقيمة إذا غرمها، وبالمهر إذا أثبتنا الرجُوعَ بالمَهْر.
الصورةُ الثانيةُ: إذا كانَ الغُرُور من الأمةِ المَنْكُوحَة، كان الرجُوعُ عَلَيْها، ولكنْ لا يرجِعُ في الحال، بل يتعلَّق الغُرْم بذمَّتها يُطَالِب به بعْدَ العِتْق.
قَالَ الأَصْحَابُ: ولا يتعلَّق بكسبها؛ لأن الحقوق المتعلِّقة بالكَسْب هي الَّتي يأذن السيد فيها، كدَيْن المعاملة والضَّمَان، ولا إذن ههنا، ولا يتعلَّق برقبتها؛ لأن المتعلِّق بالرقبة بَدَلُ المتلفات، ولم يوجَدْ منها إتلافٌ، وإنَّما نُسِبَت إلى إثبات ظَنٍّ في نفس الزَّوْج، واندفع الرِّقُّ بظنه على موجب المعاقَدَة، لا على سبيل الإتْلاَف، هَذَا هو المَشْهُور، وحكى المُوفَّق بنُ طَاهِرٍ وَجْهاً غَرِيباً: أنَّ حَقَّ الرُّجُوع يتعلَّق برقبتها؛ لأنَّا نزلنا اندفاع الرِّقِّ بظنه منزلة تفويته، حَتَّى غرَّمناه، وكانت هي متسبِّبَّةً إلى التفويت، وفي الصورتَيْن يكون الرجُوع بكمال المهر؛ لأن المَهْر للسّيِّد، وقد أَخَذَهُ، وخرَج الوطء عن صورة الإِباحة.
الصورة الثالثة: إذا غُرَّا جَمَيعاً، فالرُّجُوع عليهما، وفي كيفيَّته وجهان:
أقريهما: وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاق أنه يرجع بالنصف على الوكيل في الحال، وبالنِّصف عليها بعد العِتْقِ.
والثاني: له أن يرجع بالكلِّ على من شاء منْهما على الوكيل في الحَالِ، وعليها بعد العِتْق، ثم إذا رَجَعَ هَكَذَا، قَالَ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" يرجع المأخوذُ منْه بالنِّصْف على الآخر، وقَالَ الحَنَّاطِيُّ وغيره؛ لا يرجع وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الآخر؛ لأنَّ التغْرِيرَ كاملٌ من كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا، وَلَو ذكرت للوكيل حرِّيتها، وذكر الوكيلُ للزَّوْج، فيرجع المغُرور عَلَى الْوَكِيلِ في الحَالِ، وَالْوَكِيلُ عليها بعْد العتق، وَإنْ ذكرتْ للوكيل حُرِّيَّتَهَا، ثم ذكَرَتْ للزَّوْج، فَالرُّجُوعُ عليها، وَإِنْ ذَكَرَ الوكيلُ للزْوجِ أيضاً؛ لأنَّها لما شَافَهَتِ الزَّوْجِ، خرَجَ الوكيل من الوَسَط، هكذا ذكره في "التَّهْذِيبِ" [واللهُ أَعْلَمُ] وعلى هذا فصُورةُ تغريرِهِما ما إذا ذَكَرَا معاً، والله أعلم.
المسألة الرابعة: التي غُرَّ، [بحريتها] 1 إنْ خرجت مدَبَّرةً، أو مكاتَبَةً، أو أمَّ ولدٍ، = الثانية: لو كان مفلساً محجوراً وأذن له الغرماء.
الثالثة: لو كان سفيهاً وزوجها بإذن وليه.
الرابعة: إذا قال زوجتك ابنتي ولو ينوِ به العتق وظن الزوج حريتها بناءً على أن أباها حُر.
ذكر هذه ابن أبي الدم.
الخامسة: تزويج المشتري قبل القبض إذا فرعنا على الضعيف أن العتق قبل القبض لا ينفذ.
أو معْتَقَةً أو معتقة بصفة، فالكلامُ في صِحَّةِ النِّكَاحِ، ثم في إثْبَاتِ الخيار كما سبق فيما إذا خرجت قِنَّةً، نَعَمْ، إذا خرجَتْ مكاتَبةً، وفُسِخَ النكاحُ، فلا مَهْرَ لَهَا، إذا كان الغرورُ منْها؛ لأن المهر للمكاتَبَةِ، فلا مَعْنَى [للغرم] 1 لها، والاسترداد منْها، وَهَلْ يَجِبُ لَهَا أقلُّ ما يصلح مَهْراً فيه الخلافُ المذكورُ في العُيُوب، والأولادُ الحاصِلُونَ قبل العلم بالحال أحرارٌ، وعلى المَغْرور قيمتُهُمْ، ولمن تكون القيمةُ؟ يبنى ذلك على أنَّ وَلَدَ المكاتبَة قِنٌّ للسيد، أو مُكَاتَبٌ، تبعاً للأُمِّ، حَتَّى يَعْتِقَ بِعِتْقِها؟ فيه قولان، وإذا قُلْنَا مكاتَبٌ، فلو قتل فللقيمة للسيد، أو للمكاتَبَة تستعين بها في أداء النُّجُوم فيه 2 قولان، مَوْضِعُ بيانهما "كتاب الكتابة" وإنْ قُلْنَا: إنه قِنٌّ للسيد، أو قلْنا: إنَّ القيمةَ له، وإن تَكَاتَبَ، فالمغرور ههنا يغرم قيمة الأولاد للسيد، ويرجع بها على الوكيل، وعليها، وإن غرت، فتأخذ من كسبها، فإن لم يكن لها كَسْبٌ، فهو في ذمَّتها إلَى أن تعتق.
وإنْ قُلْنَا: إنَّ القيمة لَهَا فَإِنَّ صدر الغرور منْها، لم يغرم القيمة لها، كالمَهْر، وإنْ صَدَر مِنَ الوكيل، غرم لها، ورجَع على الوَكيل.
فَرْعٌ: إذا حَكَمْنَا ببُطلانِ النِّكَاح للخُلْف في الشرط، فالرُّجُوع بالمَهْر، إذا غرم الزوج مَهْرَ الْمِثلِ، لجريان الدخول، والرجُوع بالقيمة إذا أولدها، وغرم قيمة الولد؛ على ما ذكرنا تَفْريعاً على تصحيح النِّكَاحِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو انْفَصَلَ الوَلَدُ مَيَّتاً فَلاَ قِيمَةَ لَهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِجِنَايَةِ جَانِ فَيُغَرَّمُ عَاقِلَةُ الجَانِي الغِرَّةِ لِوَرَثَةِ الجَنِينِ، وَيُغَرَّمُ المَغْرُورُ عُشْرَ قِيمَةِ الأَمَّ للسَّيِّدِ فِي وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ يُغَرَّمِ أَقَلِّ الأَمْرَيْنِ من عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ أَوْ مَا سُلِّم لَهُ بِالوِرَاثَةِ مِنْ غِرَّةِ الجَنِينِ، لأَنَّهُ لَوْلاَ الغِرَّةُ لَمَا غُرِّمَ المَيِّتُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكرنا من وجوب قيمةِ الولدِ موْضِعُه ما إذا انفصل الجَنِينُ، حَيّاً، فأَمَّا إذا انْفَصَل مَيِّتاً، فيُنْظر؛ إن انفصلَ من غير جناية؛ لم يلزمه شيء؛ لأن حَيَاتَهُ غير متعينة، وحكَيْنا فيما إذا وطِئَ الغاصب، أو المشتَرِي منه الجاريةَ الْمَغْصُوبَةَ عن جَهْلٍ بالتحريم وأحبلها، وانْفَصَلَ الولَدُ ميتاً وجهاً: أنه تجبُ قيمته، ولو كان حَيّاً؛ لأن الظَّاهِرَ الحياة، فَلْيَجْرِ ههنا، وإِنِ انْفَصَلَ ميتاً بجنايةِ جانٍ؛ بأن ضَرَبَ ضَارِبٌ بَطْنَهَا، فأجهضت، فتُصوِّر ذلك على وجوه:
أحدها: أن تَصْدُر الجنايةُ من أجنبيٍّ، فَيَجِبُ علَى عاقلته غرة الجنينِ؛ لانعقاده
على الحرِّيَّة، وإذا انفصَلَ مضموناً، غرمه المغرور؛ لأنه يغرم له [فيغرمه] 1 عليه، كما أن العبْدَ الجانِيَ، إذا قَتل، تعلَّق حَقِّ المجنيَّ عليه بقيمته، ولو مات، لم يكُنْ على السيد شيْءٌ، وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ أن أبَا إِسْحَاقَ ذَكَر وجهاً آخَر: أنَّه لا يُغَرَّمُهُ؛ لأنه لا قيمة للميِّت.
والظَّاهِرُ: الأول [وضمانه عشر قيمة الأم] 2 فإن الجنينَ الرقيقَ يُضْمَن بهذا القَدْر، فإن كان قيمة الغرة مثْلَ عُشْر قيمة الأم، أو كانَتْ أكْثَرَ منه، فالمستحقُّ للسيد عُشْرُ القيمة، وإن كان العُشْرُ أكْثَرَ، فَوَجْهَانِ:
أظهرهما: عند الإِمام، وهو اختيار القاضي حسين ونسبه صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" إلى الْعِرَاقِيِّينَ: أنه يستحقُّ العُشْر؛ لأنه لو انفصل رقيقاً، والحالةُ هذه، لَوَجَبَ على اَلجانِي عُشْرُ قيمة الأم، فإذَا فوَّت على السيد ذلك، فله غُرْمه، وهذا كما أنه يستحقُّ قيمته عند انقصاله حَيّاً، وإن زادَت عَلَى قَدْرِ الدية.
والثَّانِي: أنَّه ليْسَ له إِلاَّ قدْرُ الغرَّة؛ لأن سبب غرامة الميت تقوُّمه، بالجناية، وَإِنَّمَا تقوم بالغرة، فلا يرتد الواجِبُ عليها، ويُعَبَّرُ عن هذا بأنَّ المستحقَّ أقلُّ الأمرَيْنِ من الغرَّة وعشر قيمة الأم، إلى هذَيّن الوجهَيْن يرجع ما حكاه أبو الفرج الزاز من اختلافِ الأصْحَابِ في محل الغُرْم المستحقُّ.
فمنهم من قال: إنّه على المغرور، والغرَّة تُسلَّم لورثة الجنين، وهذا بناءً على أن السَّيِّدَ يستحقُّ العُشْرَ، بسبب ما فوَّته المغرورُ عليه بظنِّه، وعلى هَذَا لا يُتوقَّف تغريمه على حصول الغرَّة له.
ومنهم من قال: إنما لم يستحقَّه السيد بتعلُّق بالغرة فيأخذ منها حقُّه، فإِن فضل شيء، كان لورثةِ الجَنِين، وهذا بناءً على أَنَّ ما يستحقُّه يستحقُّه بسبب الغرة فيتمسك بها، كما أن العبَد الجانِيَ إذا قَتَلَ، يتعلَّق حقُّ المجنيِّ عليه بقيمته، وعلى هذا، لا يغرم المغرور، حَتَّى يَأْخُذَ الغرَّة، وُينْظَر إِلَى ما يحْصُل له من الغِرَّة [فَإنْ كَانَ يجوز ميراث الجنين، فَذَاكَ، وَإلاَّ فيغرم أقل الأمرين من حصته من الغرة] والعُشْر، ولا يُتصوَّر أَنْ يَرِثَ مَعَ الأَبِ المَغْرُورِ إِلاَّ الجَدَّة أمِّ الأم، ولا تَسْقُط بالأمِّ؛ لأنَّها رَقِيقَةٌ، والظاهرُ الوجْهُ الأول.
وقوله في الكتاب: ["فتغر] 3 عاقلة الجاني الغرَّة لورثة الجنين" يوافقه، وقرَّب بعضهم الوجهين في أَنَّ الواجِبَ عُشْرُ قيمة الأم، أو أقلُّ الأمرَيْنِ من القولَيْنِ في أنَّ
السَّيِّدَ، إذا أراد فداء العبد الجانِي يفديه بالأَرْش بالغاً ما بَلَغ، أو بأقلِّ الأمرين واستبعد الإِمام أخْذَ ما نَحْنُ فيه من فداء العبد الجانِي؛ لأن الأَرْشَ هناك متعلِّق بالعبد، والسيِّدُ يريد استيفاءه، فيتجه ألا يلزم أكثر من قيمته، فَإِنَّه سلَّمَه للبَيْع، لم يَحْصُل إلاَّ قَدْرُ ثمنه ظَاهِراً، وَالَّذِي يضمنه المغرور ههنا سَبَبُهُ التفويتُ، فيغرَّم قيمة المفوّت.
والثاني: أنْ تصدر الجنايةُ من المغْرُور نفسه، فَعَلَى عاقلته الغرَّة، وَيجِبُ عَلَى الْمَغْرُور عشْرُ قيمة الأم، إن اعتمدنا التفْويتَ، وأوجبنا تمام العُشْر، فإن زَادَ على الغرَّة، وتسلم الغرة للورثة، وإن قصَّرنا النَّظَر على الغرة، وأوْجَبنا أقلَّ الأمرين، فيتعلَّق حَقُّ السَّيِّدِ بالغرَّة، فيؤدّي منْها، وما فَضُلَ يكون للورثة، وعلى التقديرَيْن لا يَرِثُ المغرور شيئاً منْها؛ لأنَّه قاتل، ولا يَحْجُبَ مَن بَعدَهِ مِنَ العَصَبات، فإنْ كان المَغْرور عَبْداً، فالغرَّة تتعلَّق برقبته، ثُمَّ إِنْ نَظَرْنَا إِلى الغرة، ولم نوجِبْ زيادةً عليها، فهذا حصلَتِ الغرَّةُ صُرِفَ إلى السَّيِّدِ منْها عُشْرُ قيمة الأم، فإنْ فَضُل شيء، فهُوَ للورثة، وإن اعتمدنا التفويت، سلمت الغرَّةُ للورثة، وَحقُّ السَّيِّدِ يتعلَّق بذمَّة المَغْرُور، [و] الثالث: أن تصدر الجناية من عَبْدِ المَغرُورِ فإنِ اعتمدنا التفْوِيت، فَحَقُّ سيِّدِ الأمة على المَغْرُور، ولا تتعلَّق الغرَّةُ برقبته، إن كان المغَرورُ حائزاً لميراثِ الجَنِين؛ لأنَّه لا يستحِقُّ علَى عبده شيئاً، وَإنِ اجْتَمَعَتْ جدةِ الجَنِينِ معَه تعلق نصيبها برقبته، وإنْ قَصَرْنا النَّظَر علَى الغرَّة، تعلَّقت الغرةُ برقبته، ليؤدّي منْها حقّ السيد، فإنْ فضل شيء، فَعَلَى ما بَيَّنَا.
والرَّابعُ: أن تصْدُر الجنايةُ من سيد الأمة، فَعَلَى عاقلته الغرَّة، ثُمَّ إن اعتمدنا التفويت، سلمت الغرة للورثة، وغرِّم المغرورُ للسيِّدِ عُشْرَ قيمةِ الأم.
قَالَ الإمَامُ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: ويجوز أن يُقَالَ: انفصالُه بجناية السيِّد كانفصاله بلا جنايةٍ، فَلا يغرَّم المغرور له شيئاً، وإن قصَرْنا النَّظَر على الغرة، فإذا حصَلَتْ، يُصْرَفُ منْها العُشْر إلى السيِّد، فإن كان قد فضل شيْءٌ، فهو للورثة.
قال الإِمام وإذا كانَتِ الغرَّةُ قدْر العشر أو أقلَّ وصرَفْنَاهَا إلى السيد، كان الحاصل إيجابَ مالٍ عَلَى عاقلة الجانِي للجانِي، وهو مستبْعَدٌ، والله أَعْلَمُ قال.
فرعان
:
الأول: حَكَى الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ وغيره طَرِيقَيْنِ في خيار الغُرُور، هَلْ هُوَ على الفَوْر؟.
أشبههما: نَعَمْ، كَخِيَارِ العَيْب.
والثَّانِي: أنه على الأقْوَال الَّتِي [سنذكرها] 1 في خيار العِتْق، وفي "التَّهْذِيبِ" إنَّا
إذا أثبتنا الفَسْخ ينفرد مَنْ له الخيارُ بالفَسْخ، ولا يُحْتَاج إلى الحاكِم، كفَسْخ البيع بالعيب ولكنْ هذا الخيارُ مختلفٌ، فيه فإنا نُبْطِلُ العقْدَ علَى رأي، وبتقديَرِ الصحَّة، ففي الخيار اختلافٌ، فليكن كفسخ النِّكَاحِ بالعَيْبِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْعِتْقُ) وَإِذَا عَتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَهَا الخِيَارُ، وَإِنْ عَتِقَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَلاَ خِيَارَ (ح).
وَإِنْ عَتَقَ نِصْفُهَا فَلاَ خِيَارَ (ز)، وَلَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ مَنْ نِصْفُهُ رَقِيقٌ فَلَهَا الخِيَارُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الفَسْخِ طَلاَقاً رَجْعِيّاً فَلَهَا الفَسْخُ لِيَنْقَطِعَ سُلْطَانُ الزَّوْجِ، وَإِنْ أَجَازَتْ لَمْ يَنْفُذْ؛ لأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، وَقِبلَ: يُخَرَّجُ عَلَى وَقْفِ العُقُودِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلاَقُ بَائِناً بَطَلَ خِيَارُهَا، وَلَوْ عَتَقَ الزَّوْجُ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ فَلاَ خِيَارَ لَهُ (و)، وَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ المَسِيسِ، فَلاَ مَهْرَ لَهَا، وإنْ فَسَخَتْ بَعْدَ المَسِيسِ فَلسَّيِّدِ كَمَالُ المُسَمَّى قَوْلاً وَاحِداً، وَهَذَا الخِيَارُ أَيْضاً عَلَى الفَوْرِ (ح)، وَفِي قَوْلٍ يَتَمَادَى إلَى ثَلاثةِ أَيَّامٍ، وَفِي قَوْلٍ لاَ يَسْقُطُ (ح) إلاَّ بِإسْقَاطٍ أَوْ تَمْكِينٍ (ح) مِنَ الوَطْءِ، فَلَوْ مَكَّنَتْ ثُمَّ ادَّعَتِ الجَهْلِ بِالْعِتْقِ لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا إِذَا حَلَفتْ، وَلَوِ ادَّعَتِ الجَهْلِ بِأَنَّ الخِيَارَ عَلَى الفَوْرَ لَمْ تُعْذَرْ، وَلَوِ ادَّعَتِ الجَهْلِ بِثُبُوتِ أَصْلِ الْخِيَارِ فَتُعْذَرُ عَلَى قَوْلٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من أسبابِ الخيار حدوثُ عتْقِ المنكوحة، فهذا عَتَقَتِ الأَمَةُ تحْتَ عبْدٍ، ثَبَتَ لها الخيار، لِمَا رُوِيَ أن بَريرَةَ أُعْتِقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1 - وَكَانَ زَوْجُهَا عَلَى مَا رُويَ عن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- وابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنْهُمْ- عَبْداً 2.
وِإَنْ عَتَقَتْ تحْتَ حُرٍّ، فَلاَ خِيَارَ لَهَا، وبه قَالَ أحْمَدُ ومَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لَهَا الْخِيَارُ، دليلُنا أنَّ الكمالَ الحادِثَ لَهَا حاصلٌ للزَّوْج، فأشبه ما إذا أسلمتُ كتابيةٌ تحْتَ مسْلِمٍ، وليسَ كَمَا إذا أُعْتِقَتْ تحْتَ عبد؛ لأنها تتضرَّر هناك من حَيْثُ إِن سيِّدَهُ يمْنَعُه عنها، ولا نفقَة لولدها عليه، ولا ولايَةَ له علَى ولدها، ولا يَرِثُ منه، وههنا بخلافه، وإنما يثبت الخيار، إذا عُتَق كلُّها، فأَمَّا إِذَا عتق بعضها، فَلاَ خيارَ لبَقَاءِ النّقْصَان، أو أحكامِ الرِّقِّ خِلاَفاً لِلْمُزَنِيِّ فيما رَوَى الْموفق بنُ طَاهِرٍ.
ولو دُبِّرَت أو كُوتَبَتْ، أو عُلِّق عَتْقُها بصفةٍ، فكذلك لا خيار، ولو عَتَقَت تحْت من بعْضُه رقيقٌ، أو تحْتَ مكاتَبِ، أو مدَبَّرِ، ثبت لها الخيارُ؛ لوجود النقصان فيه، ولا فَرْقَ في ثبوت الخيار بَيْن أن تطرأ الحريةُ، قِنَّةٌ وهي، أو تطْرأَ، وهيَ مكاتَبةٌ، أو مدَبَّرةٌ، ولو عَتَق الزوْج، وتحته أمةٌ ففيه وجه أو قول أنَّ لَهُ الْخِيَارِ، كما في الطَّرف الآخر، ولهذا يُسوَّى بينهما في خيارِ العَيْب، والظَّاهِرُ المنْعُ؛ لأن معتمدَ هَذا الخيار الخَبَرُ، وليستِ الصورةُ في معْنَى صورة النصِّ؛ لأنه لا يتعيَّر باستفراش النَّاقِصَة، ويمْكِنَه التخلُّص بالطَّلاق، ولو عَتَقَا معاً، فلا خِيَارَ.
ويثبت خيار العِتْق للصَّبيَّة والمجْنُونة عنْد البُلُوغِ وَالإِفَاقَةِ، ولا يقوم الوليُّ مقامهما في الفسخ والإِجازة؛ لأنه خيارُ شهوةٍ وطبعٍ، ولو عتَقَ اَلزَّوْج قبل أن تفسخ العتيقةُ، فقولان:
أظهرهما 1: وهو المنصوص في "الْمُخْتَصَرِ": أنه يبطل خيارُها؛ لزوال الضَّرَر، والخلافُ في المسألة كالخلافِ في الرَّدِّ بعْد زوال العَيْب، وفي الأخْذِ بالشُّفْعَةِ بعْد بَيْع ما تستحقُّ به الشُّفْعَةُ، ثم فيه مَسَائِلُ.
المسألة الأولى: لو طلَّقها الزوج طلاقاً رجعياً، فعَتَقَت في العدة، فلها الفسْخُ؛ لتقطع سلْطنةَ الرَّجْعة، وتدفع تطويل الانتظار؛ لأنَّها لو أَخَّرَتِ الْفَسْخَ إلَى أن يراجع = عائشة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: إن شئت أن تثوي تحت العبد، قال المنذري: روي عن الأسود أنه قال.
كان عبداً، فاختلف فيه عليه، مع أن بعضهم يقول قوله: كان حراً من قول إبراهيم، وقيل: من قول الحكم وأما رواية ابن عمر: فرواها الدارقطني والبيهقي من حديث نافع، عن ابن عمر قال: كان زوج بريرة عبداً، وفي إسناده ابن أبي ليلى، وقد رواه البيهقي من رواية نافع عن صفية بنت أبي عبيد، وإسناده أصح، وهو في النسائي أيضاً، وأما رواية ابن عباس: فرواها البخاري من رواية القاسم بن محمد عنه: أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث، كأني انظر إليه يطوف خلفها يبكي، الحديث.
ورواه أحمد وأبو داود [2231 - 223] والترمذي والطبراني، وفي رواية الترمذي: أن زوج بريرة كان عبداً أسود لبني المغيرة يوم أعتقت.
كانَتِ العدَّة من يومئذٍ، وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرْخَسِيِّ وجْهٌ عن صاحب "التَّقْرِيبِ" أن الفسْخَ موقوفٌ، إن راجعها، نَفَذَ، وإلاَّ، فَلاَ، وإِذَا فسَخَتْ، فتستأنف عدةً أخَرى، أم يكفي بقيَّةُ تلك العدة؟ فيه قولان، كما لو طلَّق الرجعيَّةَ، طلقةَ أخرَى، وإذا قُلْنَا بالبناء، فتكمل عدَّةَ الحرائرِ، أم تكْفِي عدة الإِمَاءِ؟ فيه خلافٌ وموضع بيان ذلك "كتاب العدة" ولو أخَّرت الفسخ، فلَهَا ذلك، ولا يبطُلُ خيارُها؛ لأنها بصدَدِ البينونة، وقد لا يراجِعُها، فَيَحْصُل الفراقُ من غير أن تُظْهِرَ من نَفْسِها الرغْبةٍ عنه، ولو أجازَتْ، لم تنفذ الإِجازة؛ لأنَّها محرمةٌ منتهيةٌ إلى البينونةِ، والإِجازةُ لا تلائمُ حالها.
قَالَ الإمَامُ: ولم يخرِّجوه على وقْف العقود؛ لأنَّ شرط الوقْفِ أن يَكُونَ موردُ العقْد قابلاً لمقصودِ العَقْدِ؛ ألاَ تَرَى أن بيع الخمر لا يوقَفُ إلى أن يتخلَّل، وهي على حالتها غَيْرُ مستحيلةٍ، وَحُكِيَ عَن الشَّيْخِ أبي مُحَمَّدٍ حكايةُ وجهٍ في نفوذ إجازتها وصاحب "الكتاب" نقله عن بعْضِهِم تخريجاً على وقْفِ العقود، فإنْ راجعها، نفَذَت، وإِلاَّ لَغَتْ.
ولو ثبت لَهَا خِيَارُ العِتْقِ، فطَّلقها قبل أن تفسخ، فإنْ كان الطلاقُ رَجعِياً بقي حقّها في الفسخ، والحكم كَمَا إذا أُعْتِقَتْ في العدة، وإن كَانَ الطَّلاَقُ بَائِناً، فَعَنْ نَصِّهِ في "الأم": أنه موقوف [إن فسخت] 1 بَانَ أنَّ الطَّلاَقَ لم يَقَع، وإن لم تفْسخ، بَانَ أن الطلاقَ وقع؛ لأن تنفيذه في الحالِ يُبْطِل حقاً من الفسخ فليمتنع، وأيضاً، فإِنَّه، إذا طلَّق في الردَّة يكون الطَّلاَقُ مَوْقُوفاً، فكذا ههنا، وَالأَصَحُّ المذكورُ في "الكتاب"، وهو المنقول عن نصِّه في "الإِملاء": أَنَّه يقع الطلاقُ؛ لمصادفته للنكاح، وَيبْطُلُ الخيار، وليس كَالطَّلاقِ في الرِّدَّة؛ لأن الانفساخَ بالرِّدَّة يَسْتَنِدُ إَلَى حالةِ الرِّدَّة، فتبيَّن أَنَّ الطَّلاَقَ لَمْ يصادف النكاح، والفَسْخُ بالعتْق لا يستندُ إلَى ما قبله، ومنهم مَنْ لَمْ يُثْبِتِ الْقَوْلَ الأوَّلَ، ولو طَلَّقَ الزوْج المعِيبُ قبل فسْخِ الزوجة، ففي نفوذ الطَّلاَقِ أو وَقْفِه هذا الخلاف 2، ويجوز إعلامُ قوله في "الكتاب" "وإن أجازت لم ينفذ" بالواو؛ للوجْه الذاهب إلى أن تنفيذها مطْلَقاً.
المسألة الثانية: إنْ فَسَخَتِ العتيقةُ النِّكَاحَ قبل الدخول، سَقَطَ الْمَهرُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا منْعُها من الفسخ؛ فإنه مشروع لدَفْع الضَررِ عن نفسها، وإن فَسَخَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، نُظِرَ؛ إن تقدَّم الدخولُ على العتْق، وجب المسمَّى، وإن تأخَّر عن العتق، وكانتْ هي جَاهِلَة بالحال، فيجب مهْرُ المثل أو المسمَّى جعله صاحب "التَّهْذِيبِ" على الخلاف المذكور فيما إذا حدَث العَيْبُ، ثم جرى الدُّخُول، ثم فُرِضَ الفسخ.
وقال: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ مَهْرِ المثل؛ لأن سبَب الفَسْخ قد يقدَّم على الدخول، فكأنه وُجِدَ يوْمَ العَقْد، وعلى هَذَا، جرى أئمَّتنا العراقيُّون، وربَّما اقتصروا عَلى وجوب مهر المثل، ولم يذْكُروا فيه خلافاً، ورجَّح جماعة قولَ وجُوب المُسمَّى وزاد الإِمام، وَصَاحِبُ "الْكِتَابِ" فقالا: "إذا جرى الفَسْخُ بَعْدَ الدخول يجب المسمَّى، ولا يجري فيه القولُ المنصوصُ في العُيُوب أنه يجِبُ مَهْر المثْل فيه" ووجَّهاه بأنَّ المهْر للسيد لاَ لها، وهو بالإِعتاق محْسِنٌ إليها، فلا ينبغي أنْ يُرَدَّ إلى مهر المثل، وقد يعترض عليه الأولون، بأنَّ مهْرَ المِثْل قد يزيدُ علَى المسمَّى، وبتقدير أن يزيد المسمَّى، فلا يبعدُ أن يجب الردُّ إلى مَهْرِ المثْل قضية للفسخ، وإن لم يكن المهرُ لَهَا، كما يسْقُطُ جميعه، إذا فَسَخت قَبْل الدخول، وسواءٌ وَجَبَ مهْر المثل أو المسمَّى، فإنَّه للسيد، وكذا لو اختارَتِ المُقَامَ معه، وجرَى في العقد تسمية صحيحة أو فاسدة، فَالْمَهْرِ للِسَّيِّدِ، لأنَّه وجَبَ بالعقْد، وإن كان السيد زوَّجَها على صور: التفويض، فإن دخل بها الزوْج، أو فرض لها قبل العِتْق، فهو للسيد أيضاً، وإن عتقت، ثم دخل بها، أو فرض لها فقولان: في أن الْمَهْرَ لها، أو للسيِّد؛ بناءً على أنَّ مَهْرَ المفوِّضة يَجِبُ بالعَقْد، أو بالفَرْض، أو بالدخول.
المسألة الثالثة: خيارُ العِتْقِ على الفَوْر في أظهر القولَيْن، كخيار العَيْبِ في البيع وغيره.
وَالثَّانِي: على التَّرَاخِي؛ لأنه رُوِيَ أن زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ يَطُوفُ خَلْفَهَا، وَيبْكِي؛ خَوْفاً: مِنْ أَنْ تُفَارِقَهُ، وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يَشْفَعَ إِلَيْهَا، فَلَمْ تَقْبَلُ، وَفَارَقَتْهُ 1، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرَ، لَبَطَلَ حَقُّهَا بِالتَّأْخِيرِ، واسْتغنَى عن الشَّفاعة، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلاَنِ:
أحدهما: أنه يمتدُّ ثلاثَةَ، أيام: لأنَّها قد تحتاجُ إلَى نَظر وَتَأمُّلٍ، لتَعْرِفَ المصلحةَ، ومدة الثَّلاَثِ قريبةٌ، وهي مدةُ التروِّي في الشَّرْع.
والثَّاني: تمتدُّ إلى أن تصرِّح [بإسقاطه] 2 أو تُمَكِّنَ من الوطء طائعةً؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِبَرِيرَةَ: "إِنْ كَانَ قَرَبَكِ، فَلاَ خِيَارَ لَكِ" 3 وعن حَفْصَةَ -
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- مِثْلُ ذَلِكَ، وقد يُتركُ التنْزِيل، ويقال: في المسألة ثلاثةُ أقوالٍ، كما في "الكتاب" وفي "الشَّامِلِ"؛ أن بعض الأصحاب ذَهَبَ إلى أنَّ خِيَارَهَا مقدَّرٌ بالمجْلِس.
التفريع: إن قُلْنَا: إنَّه على الفَوْر، فالحُكْمُ على ما ذكَرْنا في الرَّدِّ بالعَيْب، وفي الشُّفْعَة، وذكر الإمام -قَدَّسَ اللهُ رَوحَهُ- تفريعاً على القَوْل الثاني؛ أن ابتداء الأيَّام الثَّلاَثَةِ تُحسبُ من وقْت تخييرها، وَذَلِكَ إذا علمت بالعِتْق، وبتأثيره في الخيار، ولاَ تُحسبُ من وقْت العِتْق، وذكر تفريعاً على القول الثالث: أنَّها لو مَكَّنت، ولكن لم يُصِبْهَا الزوْجُ لا يبطلْ حَقِهَا؛ لأن التمكين من الوطء لا يتحقَّق إلا عند حصول الوطء، وإنَّه لو أَصَابَهَا الزوج قَهْراً، ففي سقوط الخيار تردُّد؛ لأنها كانت متمكِّنة من الفَسْخ عند الوطء فإن كانَ قد قبض علَى فيهَا، فلا تردُّد في بقاء حَقِّهَا وحكى القاضِي ابنُ كَجٍّ تفريعاً علَى [هذا القول] 1 وجهين فيما إذا قال: أصبتها، وأَنْكَرَتْ، في وجْه يُصدَّقُ الزوج؛ لأن الأصْلَ بقاء النِّكَاحِ، وفي وجْهٍ: تُصدَّق الزوجة؛ لأن الأَصْلَ عدَمُ الإِصابَةِ، وبقاءُ الخيار، ولو تمكَّنت من الفسخ، ولم تَفْسَخ وقلْنا بالقول الأوَّل؛ أو مضتْ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، ولم تفْسَخ، وقُلْنَا بالْقَولِ الثَّانِي، أو مكَّنت من الوطء وقلْنا بالقول الثالث، ثم ادَّعت الجَهْلَ بالعِتْق، فالَقولُ قولُها مع يمينها، إن لم يُكَذِّبْها ظاهرُ الحال؛ بأن كان السيِّدُ غائباً وقْتَ العِتْق، وإن كذَّبها ظاهرُ الحال؛ بأن كانت معه في بيته، وبعُدَ خفاءِ العِتْق علَيْها، فالمصدَّق الزوج، ومنهم من أَطْلَقَ في الْمَسْأَلَةِ قولَيْن، ويحْكَى ذلك عن أبي إِسْحَاقَ، والظاهرُ الأول، وإنِ ادَّعَتِ الجَهْلَ؛ بأن العتق يُثْبِتُ الخِيار، فقولان:
أحدهما: أنها لا تصدَّق ويبطل الخيار، كما إذا قَالَ الْمُشْتَرِي لم أعلم أنَّ العَيْبَ يُثْبِت الخيار.
وأصحُّهما: التصْدِيقُ؛ لأن الأصل عدَمُ العِلْم، ويخالف خيار العيب؛ لأنه مشهور يعرفه كلُّ أحد، وهذا خفيٌّ لا يعرفه إلا الخواصُّ.
وحكَى أبو الفرج الزاز طَرِيقةً قَاطِعَةً بالقول الأول، وهي بعيدةٌ وأما قوله في الكتاب: "ولو ادَّعَتِ الجَهْلَ بَأَنِ الخيارَ عَلَى الفَوْرِ لم تْعْذَر" 2 فيجوز أن يُوجَّه بأن الغالِبَ أنَّ مَنْ علم أصْلَ ثبوت الخيار يَعْلَم كونه أيضاً على الفَوْر، وإذا علمتْ أن ههنا خياراً، بسبب النقصان أشبه أن تعرف التحاقه به، ولم أَرَ تعرُّضاً لهذه الصورة في سائِرِ كتب الأصحاب، نعم، صوَّرها العَبَّادِيُّ في "الرقم" وأجاب بأنَّها، إن كانت قديمة العهد
بالإِسْلاَم، وَخَالَطَتْ أَهْلَهُ لَمْ تُعْذَر، وإنْ كانتْ حديثةَ العَهْد، أو لم تخالط أهلَهُ، فقولان، وإذا عَرَفْتَ جميع ما ذكرنا، أَعْلَمْتَ قوله في "الكتاب قولاً واحد" بالواو، وكذا قوله "لم يسقط خيارها"، وقوله: "لم تعذر".
وقوله "آخراً "على قول" ويجوز أن يُعْلَم الحكْمُ في الأقوال، الثلاثة بالحاء؛ لأن عند أَبِي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يجب لها الخيارُ [ما دامت] 1 في المجلس، كالوجه المنقول عن "الشَّامِلِ" وحينئذٍ، فلا يكون على الفَوْر، ولا يتقدَّر بثلاثة أيام، ويسقط من غير إسقاط وتمكين من الوطء.
فَرْعُ: هذا الفسْخُ لا يحتاج إلَى مراجعة الحاكم، والمرافعة إلَيْه؛ لأنه ثابت بالنص والإِجماع، فأشبه الردَّ بالعيب والشُّفْعة 2.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الرَّابعُ: العُنَّةُ) وَمَهْمَا وَقَعَ اليَأْسُ عَنِ الوَطْءِ بجَبِّ أَوْ عُنَّةِ أَوْ مَرَضٍ مُزْمِنٍ ثَبَتَ لَهَا الخِيَارُ، وَفِي إِلْحَاقِ الإِخْصَاءِ بالجَبِّ قَوْلاَنِ، وَالعُنَّةُ الطَّارِئَةُ بَعْدَ الوَطْءِ لاَ تُؤَثِّرُ، ولَوْ عُنَّ عَنِ امْرَأَةٍ دُونَ غَيْرِهَا فَلَهَا الخِيَارُ، وَلَوْ عُنَّ عَنِ المَأْتَى وَقَدَر عَلَى غَيْر المَأْتَى فَلَهَا الخَيارُ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَدْ مَرَّ في فَصْل العيوب أن العُنَّة من أسباب الخيار؛ لأنها تُفوِّت الجماع، وتوجب اليَأْس منْه، والجَبُّ أيضاً يثبت الخيار، إن لم يَبْقَ ما يمكن الجماع به؛ بأن اسْتُؤْصِلَ العُضْو، وكان الباقي دُونَ قَدْر الحَشَفَةِ، فإنْ بقيَ قَدْر الحَشَفة أو أكثر، فلا خِيار بسبب الجب وفي كتاب القاضي ابنِ كَجٍّ أن أبا الطَّيِّب بْنَ سَلَمَةَ خرَّجه على قولين، كَمَا في الخصَاء، والمذهبُ الأولُ، لكن لو عَجَز عن الجِمَاع به، فهُو كالسَّليم، إذ عَجَز، فتضرب له المدة.
وعن الشَّيخِ أبي حَامِدٍ: أنه يثبت الخيارُ في الحالِ؛ لأنَّ العيْبَ متحقِّقٌ، والظَّاهِرُ دوام العَجْز، وفي معناهما المَرَضُ المِزْمنُ الذي لا يتوقَّع زواله، ولا يمكنُ الجماعُ معه ذَكَرَهُ الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ وغيره، وإذا وجدت المرأة زوجَها خصيّاً مَوْجُؤ الخِصْيَتَيْنِ أو مسلولَهِما، فَهَلْ لَهَا الْخِيَارُ فيه قولان:
أحدهما: نَعَمْ؛ لأن في المقام تحته عاراً عليها؛ ولأنه لا يَلِدُ.
وأصحُّهما: المنع، وقد قطَع به بَعْضُهم 1، لبقاء آلة الجماع، وقدْرَته عليه، ويقال: إنَّه أقدر عليه؛ لأنه لا يُنْزل، ولا يعتريه فُتورٌ، ويُنْسَب الأول إلى القديم، والثاني إلى الجْدَيد، والعُنَّة الطارئة بعد الوطء لا تُؤثِّر؛ لأن القدْرةَ قد تحقَّقت بالوطء، فيكون العجْزُ بعده لعارضٍ، والمسألةُ مكررةٌ قد ذكرها مرةً في العيوب، ولو كان تحته امرأتان مَثَلاً، فَعُنَّ عن واحدةٍ دون الأخرَى، ثَبَتَ الخيار للَّتي عُنَّ عنها؛ لفواتِ الاستمتاعِ عليها.
قَالَ الأَصْحَابُ: وقد يتَّفقُ ذلك لانحباس الشَّهْوة عن امرأةٍ معينةٍ بسبب نُفْرة عنها أو حَيَاءٍ منها وَيقْدِرُ علَى غيرها للمَيْل إليها، والأُنْسِ بها، فأما العَجْز المحقَّق لضعْفٍ في الدماغ، أو في القَلْب، أو في الكَبِد، أو لخَلَلٍ في نفس الآلة، فإنه لا يختلفُ بالنِّسْوة، وكذلك قد يُفْرَض العجْز عن المأتى، والقدرة على غير المأتى لاعتيادٍ خَبِيثٍ، فيثبت الخيار.
وَحَكَى الحَنَّاطِيُّ فيه وَجْهاً آخَرَ بعيداً ولو عجَزَ عن افتراع زوجته البكْر، وهو يأتي الثيب، فلها الخيارُ، واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوِ امْتَنَعَ مَعَ القُدْرَةِ فَلاَ خِيَارَ، وَلَكِنْ لَهَا المُطَالَبَةُ بِوَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَقْرِيرِ المَهْرِ وَتَحْصِيلِ التَّحْصِينِ، فَإنْ عَلَّلْنَا بِالمَهْرِ كَانَتِ المُطَالَبَةُ للسَّيِّد في الأَمَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا بَعْدَ الإِبْرَاءِ، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ بِإيَلاجِ الحَشَفَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: [والمرأة إذا اعترفت] 2 بقدرته على الوطء وقالت: إنَّه يمتنعُ منه، فلا خيارَ لها، كما لا خيار للبَائِعِ، إذا امتنع المشتَرِي من تسليم الثَّمَن مع القدرة، وللمرأة إذا امتنع الزوجُ مِنَ الإِنفاقِ مَعَ القُدْرة، وهلِ للمرأة المطالبة بوطأةٍ واحدة، وهل يُجْبَرُ الزوْجُ عليها؟ فيه وَجْهَانِ:
أصحهما: لا؛ لأن الاستمتاعَ حقُّه، فلا يُجْبَر على استيفائه كسائر الوطآت.
والثاني: نعم، ورأيتُ في مجموع أبي الحَسَنُ بن القطَّان أن أَبا سَعِيدٍ ذَهَبَ إليه، وذكروا في توجيهه معنيَيْن:
أحدهما: استقرارُ المَهْر لتأمن من سقوط نصْفِه بالطَّلاق، وكلِّه بالفسخ.
والثاني: حصولُ الاستمتاع؛ لأنَّ النكاحَ شُرع لإعفاف الزوجَيْن، [وتحصينهما] 1 معاً، وإليه إشارة بقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] وفي "سلسلة" الشيخ أبي محمَّد أن الوجهَيْن مبنيان عَلَى قولَيْن ذكرهما بعض الأصحاب، فيما إذا نكح امرأةً بشرط ألا يطأها، هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟.
إِن قلْنا: لا يصحُّ النكاح؛ لأَنه خلافُ قضيَّة العقد، وجبت وطأةٌ واحدة للاستمتاع وإن قلنا: يصحُّ، لم يجب.
وإن قلْنا بالوجه الثاني، فلو كانت المنكوحةُ أمةً، فالطلب للسيد عند من علَّل باستقرار المهْر، ولها عند من علَّل باستحقاق الاستمتاع، ولو أبرأ عن المهر، فلاَ مطالبة لها بالمهر عنْد من علَّل بالاستقرار، ولها المطالَبَةُ على المعنى الثَّاني، ولا يرْهَق إلى الوطء بلْ يمهل حَتَّى يستعد له على العادة.
قال الإِمام: وكان يليقُ بالقياس أن يمهل مدَّة الإِيلاء، إذا قُلنَا: إنَّ الطلب؛ لاستحقاق الَاستمتاع، ولو كان به مرضٌ أو عذرٌ، فلا بدّ من الإِمهال إلَى أنْ يرتفع العُذْرُ، وإن أَصَرَّ علَى الامتناع من غير عذْرٍ، حبس، ولم يستبعد الإمام أن يخرَّج من الإِيلاء أن القاضي يُطَلِّق عليه، ولكن لم يخرِّجوه 2.
وأما قوله في الكتاب "تسقط الطلب بإيلاجٍ الحشَفَة"، فيجوز أن يجعل من تتمَّة المسألة، إلا إذا قلْنا: إنَّه يجبر على وطأةٍ واحدة، فيكفي منه تغييب الحَشَفة، وبه يُشْعر نظم "الوسيط" ويجوز أن يُجْعل كلاماً مبتدأً، ويقال: معناه أنَّه يسقط مطالبة [العنين بالفسخ وغير العنين إذا أوجبنا وطأة] 3 بتغييب الحشفة، فإنَّ أحكام الوطء، كُلَّها منوطةٌ به، كالتحصين، والتحليل، ووجوب الحَدِّ، والكفَّارة، وفسادِ العَبَادَة، وتحْريم المصَاهَرة وغيرها.
قال الإمام -قَدَّس الله روحَهُ-: وسببه بعد الاتباع أن الحشَفَة هي الآلَةُ الحسَّاسةُ
لتِلْك اللَّذِّةِ.
قال: ويعني بغيبوبة الحَشَفة أن يشتمل الشفران، وملتقاهما عليها أمَّا إذا انقلب الشَّفْرَان إلى الباطن، وكانتِ الحَشَفة تُلاقَي ما انْعَكَسَ من البشرة الظاهرة، ففيه ترُّدُ؛ لأنَّها حصَلَتْ في حيِّز الباطن، وذكر في "التهذيب"؛ أن أَقَلَّ ما يزول به حكْمُ العُنَّة، إن كانت بكراً أن يفتضها بآلة الافتضاض، وإن كانت ثيباً أن تَغييبَ الحَشَفة، وهذا يدل على أن الافتضاض لا يحْصُل بتَغيبب الحشفة، ومن جُبَّ بعضُ ذَكَره، فغَيَّب من الباقي قَدْرَ الحشفة، فهو كتَغْييب السليم الحَشَفَة، ومنْهم من اعتبر تغييب الكُلِّ؛ لأنَّه ليس بعد الحشَفَة حدٌّ مرجوعٌ إليه، وهذا ظاهر لفظ "المختصر" ورجَّحه بعْضهم، والظَّاهر الأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإذَا ثَبَتَتِ العُنَّةُ إِمَّا بِإقْرَارِهِ أَوْ بِيَمِينِهَا بَعْدَ نكُولِهِ ضَرَبْنَا المُدَّةَ سَنَةً (و) للامْتِحَانِ إن طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَإِنْ سَكَتَتْ لَمْ تُضْرِبْ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَنَّه غَيْرُ عِنِّينِ لَمْ نُطَالِبهُ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ بِالوَطْءِ، وَمُدَّةُ العَبْدِ كَمُدَّةِ الْحِرِّ (م)، وَمَهْمَا تَمَّتِ الِسَّنَةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِزَالِ مِنْهَا إيَّاهُ قَصْداً رَفَعَتِ الأَمْرِ إِلَى القَاضِي لِيَفْسَخَ القَاضِي النِّكَاحَ عَلَى وَجْهٍ، أَوْ يُسَلِّطَهَا علَى الفَسْخِ علَى الفَوْرِ عَلَى الوَجْهِ الثَّانِي، وَلَوْ سَافَرَ الزَّوجُ فَفِي احْتِسَابِ المُدَّةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
الأولى: إذا وجدتْ زوْجَها عنيناً، فرفعتْه إلى القاضي، وادَّعتْ عُنَّته، نُظِر؛ إن أَقَرَّ بها، أو أقامت بينةً علَى إقراره، ثبتت العُنَّة، وإن أنكر، حلف [فإن حلف لم يطالب] 1 بتحقيق ما يقوله بالوطء، وامتنع الفسخ، ويعود ما مر أنَّه، هلْ يطالَبُ بوطأةٍ واحدة، وإن نكل فوجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسْحَاقَ: لا تردُّ اليمين عليها؛ لأن الامتناع عن الجماع قد يكون لعجز، وقد يكون لغيره، ولا اطِّلاع لها عليه، ولذلك لا تسمع الشهادة عَلَى نفس العُنَّة، وعلى هذا، فعن الإِصطخريِّ فيما حكاه أبو الفرج السرخسيُّ؛ أنه تضرب المدَّة [وتجعل الصورة] 2 من الصُّورة التي يُحْكَم فيها بالنكول.
وأصحُّهما: أنها تُردُّ، ولها أن تَحْلِفَ إذا بانَت لها عُنَّته بقرائِنِ الأحوال وطُول الممارسَة، ويخالف الشَّهادة، فإنَّ الشهود لا يعْرِفون ما تعرفه، وهذا إذا ادَّعَتْ أنه نوى الطَّلاق ببعض الكنايات، وأنكر، ونكَل، تحْلِف المرأة، وعلى هذا الوجْهِ يَسْتمرُّ قوله في الكتاب: "وإذا ثبتت العُنَّة" إلى آخره، وحكى أبو الفرج؛ أن تحليف الزوج لا يُشْرع
أصلاً بناءً على أن اليمين لا تُرَدُّ عليها، ثم ثبوت العُنَّة لا يفيد الخيار في الحال، ولكن القاضي يضرب للزوج مدَّة سنة يمهله فيها، رُوِيَ عن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه أجلُ العِنِّينِ سنَةٌ، وتابعه العلماءُ عليه، وقالوا: تَعَذُّر الجماعِ قد يكون لعارِض حرارةٍ، فتزول في الشتاءِ، أو برودةٍ، فتزولُ في الصيف، أو يبوسةٍ فتزولُ في الربيع، أَو رطوبةٍ، فتزول في الخريفِ، فإذا تمَّت السنة، ولم يصبها، عَلِمْنَا أنه عجزٌ خِلْقيٌّ، وابتدأءُ المدَّة من وقت ضرب القاضي لا من وقْت إقراره: لأنه مجتَهَدٌ فيه، فَإِنَّ من العلماء مَنْ قال: لا تُضْرَب المدة للعِنِّين، ولا يثبت بالعُنَّة خيارٌ، ومنهُم دَاوُدُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويخَالِفُ مدة الإيلاء.
حيث تحسب من وقْت اليمين؛ لأنها منصوصٌ عليها، وشبه ذلك بحَجْر المُفْلِس والسَّفيه يثبت من وقْت قضاء القاضي، وحجْر الصبيِّ، والمجنون، لا يتفقر إلى قضاءِ القاضي، وإنَّما تُضْرَب المدةُ، إذا طلبتِ الزوْجَةُ، أما إذا سكَتَتْ، فلا تضرب، نعم، إذا حمل القاضي سكُوتَها علَى دهْشة، أو جَهْل، فلا بأْسَ بتنبيهها وقولها: إِنِّي طالبةٌ حقي علَى موجِب الشِّرْع [كافٍ] 1 في ضرْب المدَّة، وإن جهِلَتِ الحُكْم على التفصيل، ولا فرق في المدة بين الحرِّ والعبْدِ؛ لأنها مشروعةٌ لأمر يتعلَّق بالطبع والجبلَّة، فأشبه مدَّة الحيض والرِّضاع، وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه تُضْرَبُ للعبد نصفُ سنةٍ.
المسألة الثانية: إذا تمَّتِ السنةُ، ولم يصبْها، لم ينفسخ النكاح، ولم يكن لها أنْ تفْسَخَه بل ترفعه ثانياً إلى القاضي، وفي "أمالي" الشيخ أبي الفرج عن الإصطخريِّ أن لها الفسْخَ بعْد مضيِّ المدة، ويكفي ضرب المدة من جهة القاضي، والمشهور الأول؛ لأن مدار الباب على الدعْوَى والإِقرار والإِنكار واليمين، فيحتاج إلَى نَظَر القاضي واجتهاده وإذا رفعته إليه، فإن ادَّعَى الإِصابة في المدَّة، حلَف، فإن نكَلَ، رُدَّت اليمين على المرأة، وفيه الخلافُ الذي سَبَق، وإذا حلَف أو أقرَّ الزوج بأنَّه لم يُصِبْها في المدَّة، فقد جاءَ وقْت الفسخ، فإن استمهل ثلاثاً، فهل يُمْهَل؟ فيه الخلاف المذكور في الإِيلاء، ثم استقلالها بالفَسْخ وجهان:
أقربهما: وذكر في "التتمة" أنه المذهَبُ: الاستقلال، كما يستقل [المشتري] 2 بالفسخ، إذا وجد بالمبيع تغيُّراً، وأنكر البائع كَوْنَه عَيْباً، وأقام المشتَرِي علَى ذلك بيِّنةً عند القاضي.
والثَّاني: أن الفسخ إلى الحاكم؛ لأنه محلَّ النظر والاجتهاد، فيفسني بنفسه أو يأمرها بالفَسْخ، وهذان الوجْهَان في الاستقلال بعْد المرافعة والوجْهَان المذْكُوران في