العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 526-20

حيث قال: لا يجب، بل يكفي أن يصير إلى الجلوس أقرب، وربما قال أصحاب أبي حنيفة: يكفي أن يصير إلى الجلوس أقرب، وربما قال أصحاب أبي حنيفة 1: يكفي أن يرفع رأسه قدر ما يمر السيف عرضاً، بين جبهته وبين الأرض.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم- في خبر المسيء صلاته.
"ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِسًا، ثمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً" 2. ويجب فيه الطمأنينة؛ لأنه قد روي في بعض الروايات: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً".
وينبغي ألاّ يقصد بالارتفاع شيئاً آخر، وأن لا يطول الجلوس كما ذكرنا في الاعتدال عن الركوع، والسنة أن يرفع رأسه مكبراً؛ لما تقدم من الخبر، وكيف يجلس؟ المشهور، وهو الذي ذكره في الكتاب أنه يجلس مفترشاً؛ لما روي عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- في وصفه صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- "فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأُولَى ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا" 3، وحكى قول آخر أنه يضجع قدميه، ويجلس على صدرهما، ويروى ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- فليعلم قوله: (مفترشًا) بالواو 4 لذلك؛ وبالميم أيضاً؛ لأن أصحابنا حكوا عن مالك: أنه أمر بالتورك في جميع جلسات الصلاة، ويضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه منشورة الأصابع.
قال في "النهاية": ولو انعطف أطرافها على الركبة فلا بأس؛ ولو تركها على الأرض من جانبي فخذيه كان كإرسالها في القيام، ويقول في جلوسه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ، واجْبُرْنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي".
وقال أبو حنيفة: لا يسن فيه ذكر.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول ذلك، ويروي: "وَارْحَمنِي" بدل قوله: "وَاجْبُرْنِي".
قال الغزالي: ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى مِثْلَهَا، ثُمَّ يَجْلِسُ جَلْسَةً خَفِيْفَةً لِلْاسْترَاحَةِ، ثُمَّ يَقُومُ مُكَبِّراً وَاضِعاً يَدَيْه علَى الأَرْضِ كَمَا يَضَعُ العَاجِنُ.
مضمون الفصل مسألتان: إحداهما: أنه يسجد السجدة الثانية بعد الجلسة السجدة الأولى، في واجباتها، ومندوباتها بلا فرق.

الثانية: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في ركعة لا يعقبها تشهد، فما الذي يفعل؟ نص في "المختصر": أنه يستوي قاعداً، ثم ينهض، وفي "الأم": أنه يقوم من السجدة وللأصحاب فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولين: أحدهما: أنه يقوم من السجدة الثانية، ولا يجلس؛ وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد؛ لما روي عن وائل -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ اسْتَوَى قَائِمًا" 1. وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم، وتسمى هذه الجلسة جلسة الاستراحة، ووجهة ما روي عن مالك بن الحويرث "أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ لَمْ يَنْهَضُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً 2، وَوَصَفَ أَبُو حُمَيدٍ السَّاعِدِي فِي عَشْرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- أَجْمَعِينَ صَلاةَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ هذِهِ الْجِلْسَةِ".
والطريق الثاني: قال أبو إسحاق: المسألة على حالتين: إن كان بالمصلي ضعف لكبر، وغيره جلس للاستراحة، إلا فلا.
فإن قلنا: لا يجلس المصلي للاستراحة فيبتدئ التكبير مع ابتداء الرفع، وينهيه مع استوائه قائماً، ويعود قول الحذف 3 كما تقدم.
فإن قلنا: يجلس فمتى يبتدئ التكبير؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يرفع رأسه غير مكبر، ويبتدئ التكبير جالساً، ويمده إلى أن يقوم؛ لأن الجلسة للفصل بين الركنين 4، فإذا قام منها وجب أن يقوم بتكبير، كلما إذا قام إلى الركعة الثالثة 5، ويحكى هذا عن اختيار القفال.
وأصحهما: أنه يرفع رأسه مكبراً؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "كانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ" 6، فعلى هذا، فمتى يقطع؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه إذا جلس يقطعه، ويقوم غير مكبر؛ لأنه لو مد إلى أن يقوم لطال،

ويتغير النظم، وبهذا قال أبو إسحاق والقاضي الطَّبَرِي.
وأصحهما: أنه يمده إلى أن يقوم، ويخفف الجلسة حتى لا يخلو شيء من صلاته عن الذكر؛ وهذان الوجهان الأخيران كأنهما مفرعان على أن التكبير يمد ولا يحذف، وإذا لم يميز الابتداء عن الانتهاء حصل في وقت التكبيل ثلاثة أوجه، وصاحب الكتاب أورد منها في "الوسيط": الأول: الذي اختاره القفال.
والثاني: الذي قال به أبو إسحاق، ولم يورد.
الثالث: الذي هو الأظهر عند جمهور الأصحاب، وكذلك فعل إمام الحرمين والصيدلاني.
وقوله هاهنا: (ثم يقوم مكبراً) بعد، قوله: (ثم يجلس) جوابٌ على اختيار القفال وهو أبعد الوجوه عند الأكثرين، ويجب أن يعلم قوله: (مكبراً) بالواو، إشارة إلى الوجه الثاني، وهو أنه يقوم عن الجلسة غير مكبر، وإلى الوجه الثالث أيضاً، فإنه عند القائلين به لا يقوم مكبرًا، إنما يقوم متمماً للتكبير، ولا خلاف في أنه لا يُكَبِّر تكبيرتين.
والسُّنة في هيئة جلسة الاستراحة الافتراش، كذلك رواه أبو حميد 1، ثم سواء قام من جلسة الاستراحة أو من السجدة، فإنه يقوم معتمداً على الأرض بيديه، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يقوم معتمداً على صدور قدميه، ولا يعتمد بيديه على الأرض.
لنا ما روي عن مالك بني الحويرث -رضي الله عنه- في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأَخِيرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَاسْتَوى قَاعِداً قَامَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ بِيَدَيْه" 2. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يَضَعُ الْعَاجِنُ" 3. قال صاحب "المجمل" (العاجن) 4 هو الذي إذا نهض اعتمد على يديه كأنه يعجن أي الخمير، ويجوز أن يكون معنى الخبر كما يضع عاجن الخمير، وهما متقاربان.
قال الغزالي: الرُّكْنُ السَّادِسُ: التَّشَهُّدُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالقُعُودُ فِيهِ عَلَى هَيْئَةِ الافْتِرَاشِ (م) لأنَّهُ مُسْتَوفِزُ لِلْحَرَكَةِ، وَالمَسْبُوقُ يَفْتَرِشُ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ لاسْتِيفَازِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ هَلْ يَفْتَرِشُ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالافْتِرَاشُ أَنْ يَضَعَ الرَّجْلَ اليُسْرَى وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا وَيَنْصِبَ القَدَمَ الْيُمْنَى؛ وَيَضَعَ أَطْرَافَ الأَصَابِعِ عَلَى الأَرْضِ، وَالتَّوَرُّكُ سُنَّةٌ فِي

التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، (ح) وَهُوَ أَنْ يَضَعَ رِجْلَيْهِ كَذَلِكَ ثُمَّ يُخْرِجَهُمَا مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ، وَيُمَكِّنُ ورْكَهُ مِنَ الأَرْضِ.
قال الرافعي: أدرج في هذا الركن أركانًا ثلاثة: القعود، والتشهد، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو فصل القعود والتشهد، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عنهما لجاز، كما فصل القيام عن القراءة، فإن القيام للقراءة كالقعود لهما، وهكذا فعل في ترجمة الأركان، وعدها ثلاثة: وفقه الفصل: أن التشهد والقعود ينقسمان إلى واقعين في آخر الصلاة، كتشهد الصبح، وتشهد الركعة الرَّابعة من الظهر إلى واقعين لا في آخر الصلاة، كالتشهد بعد الثانية من الظهر.
فالأول: من القسمين مفروض.
والثاني: مسنون، ثم لا يتعين للقعود هيئة متعينة فيما يرجع إلى الأجزاء، بل يجزئه القعود على أي وجه كان، لكن السُّنَّة في القعود في آخر الصلاة التورك، وفي القعود الذي لا يقع في آخرها الافتراش، وقال أحمد: إن كانت الصلاة ذات تشهدين تَوَرَّكَ في الأخير وإن كانت ذات تشهد واحد افترش فيه، والافتراش أن يضجع الرِّجْلَ اليسرى، بحيث يلي ظهرها الأرض، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع أطراف أصابعها على الأرض متوجهة إلى القبلة.
والتورك: أن يخرج رجليه وهما على هيأتهما في الافتراش من جهة يمينه، وبمكن الورك من الأرض.
وقال أبو حنيفة: السُّنة في القعودين الافتراش.
وقال مالك: السنة فيهما التَّورُّكَ.
لنا ما روي عن أبي حميد الساعدي أنه وصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ على رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مِقْعَدَتِهِ 1. والفرق من جهة المعنى أن المصلي في التشهد الأول مستوفز 2 للحركة، يبادر إلى القيام عند تمامه، وذلك عن هيئة الافتراش أهون، وأما الجَلْسَة الأخيرة فليس بعدها عمل فيناسبها التورك الذي هو هيئة السكون والاستقرار، ويترتب على هذه القاعدة مسألتان: إحداهما: المسبوق إذا جلس مع الإمام في التشهد الأخير يفترش ولا يتورك، نص عليه؛ لأنه مستوفز يحتاج إلى القيام عند سلام الإمام، ولأنه ليس آخر صلاته،

والتورك إنما ورد في آخر الصلاة.
وحكى الشيخ أبو محمد وجهاً عن بعض الأصحاب أنه يتورك متابعة للإمام.
وذكر أبو الفرج البزاز: أن أبا طاهر الزيادي، حكى في المسألة هذين الوجهين، ووجهًا ثالثاً أنه إن كان محل تشهد المسبوق كان أدرك ركعتين من صلاة الإمام جلس منتصباً وإلا جلس متوركًا؛ لأن أصل الجلوس لمحض المتابعة، فيتابعه في هيئته أيضاً، والأكثرون على الوجه الأول.
الثانية: إذا قعد في التشهد الأخير وعليه سجود سهو فهل يفترش أم يتورك؟ فيه وجهان: أحدهما: يتورك؛ لأنه قعود آخر الصلاة.
قاله الروياني في "التلخيص" وهو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه يفترش، ذكره القفال، وساعده الأكثرون؛ لأنه يحتاج بعد هذا القعود، إلى عمل وهو السجود، فأشبه التشهد الأول، بل السجود عن هيئة التورك أعسر من القيام عنها، فكان أولى بأن لا يتورك، وأيضاً فلأنه جلوس يعقبه سجود، فأشبه الجلوس بين السجدتين، وينبغي أن يعلم قوله: (والتشهد الأول مسنون) بالألف، لأن أحمد يقول بوجوبه.
لنا أنه -صلى الله عليه وسلم- "قَامَ مِنَ اثْنَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَسَبَّحَ النَّاسُ لَهُ، فَلَمْ يُعِدْ، فَلَمَّا كَانَ آَخِرَ صَلاَتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ". ولو كان واجباً لعاد إليه، ولما جبره السجود، ولا تخفى سائر المواضع المستحقة للعلامات.
وقوله: (ويضع أطراف الأصابع على الأرض) كذلك، أي منتصبة.
وقوله في التورك: (أن يضع رجليه كذلك) أي على هيئتهما في الافتراش، فاليمنى منصوبة مرفوعة العقب، واليسرى مضجعة.
قال الغزالي: ثُمَّ يَضَعُ اليَدَ الْيُسْرَى عَلَى طَرَفِ الرُّكْبَةِ مَنْشُورَةً مَعَ التَّفْرِيجِ الْمُقْتَصِدِ، وَاليَدُ اليُمْنَى يَضَعُهَا كَذلِكَ لَكِنْ يَقْبِضُ الخِنْصَرَ وَالبِنْصَرَ وَالْوُسْطَى وَيُرْسِلُ المُسَبِّحَةَ، وَفِي الإِبْهَامِ أَوْجُهٌ قِيلَ يُرْسِلُهَا وَقِيلَ: يُحَلِّقُ الإِبْهَامَ وَالوُسْطَى، وَقِيلَ يَضُمُّهَا إلَى الوُسْطَى المَقْبُوضَةِ كَالقَابِضِ ثَلاَثاً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ يَرْفعُ مُسَبِّحَتَهُ فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: اِلاَّ الله، وَفِي تَحْرِيكِهَا عِنْدَ الرَّفْعِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: السنة في التشهدين جميعاً، أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ، وَضعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى" 1.

وينبغي أن ينشر أصابعه، ويجعلها قريبة من طرف الركبة، بحيث تسامت رؤوسها الركبة، وهل يفرج بين أصابع اليسرى أو يضمها؟ الذي ذكره في الكتاب أنه يفرج تفريجًا مقتصدًا، وهذا هو الأشهر، ألا تراهم قالوا: لا يؤمر بضم الأصابع مع نشرها إلا في السجود على ما قدمناه، وحكى الكرخي وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يضم بعضها إلى بعض حتى الإبهام؛ ليتوجه جميعها إلى القبلة، وهكذا ذكر القاضي الروياني، فليكن قوله: (مع التفريج) معلماً بالواو، وأما كونه مقتصدًا فليس من خاصية هذا الموضع، بل لا يؤمر بالتفريج المتفاحش في موضع ما.
وأما اليد اليمنى فيضعها على طرف الركبة اليمنى كما ذكرنا في اليسرى، وهو المراد من قوله: (فيضعها كذلك) ولكن لا ينشر جميع أصابعه، بل يقبض الخنصر والبنصر ويرسل المسبحة، وفيما يفعل بالإبهام والوسطى، وثلاثة أقاويل: أحدها: "أَنَّهُ يَقْبِضُ الْوُسْطَى مَعَ الخنْصر والْبنْصَرِ وَيُرْسِلُ الإبْهَامَ مَعَ المُسَبِّحَةِ، لِمَا روي أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِي، وَصَفَ صَلاَة رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هكَذَا" 1. والثاني: "أَنَّهُ يُحَلِّقُ بَيْنَ الإبْهَام وَالْوُسْطَى، لِمَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَعَلَ هكَذَا" 2. وفي كيفية التحليق وجهان: أحدهما: أنه يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإِبهام.
وأصحهما: أنه يحلِّق بينهما برأسيهما.
والقول الثالث، وهو الأصحّ: أنه يقصهما لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِالْأُصْبَعِ الَّتِي تَلِي الإبْهَامَ" 3. وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان: أحدهما: أنه يضعهما على أصبعه الوسطى، كأنه عاقد ثلاثة وعشرين، لما روي عن ابن الزبير -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عِنْدَ الْوُسْطَى" 4. وأظهرهما: أنه يضعها بجنب المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين، لما روي عن

ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ" 1. ثم قال ابن الصباغ وغيره: وكيفما فعل من هذه الهيئات، فقد أتى بالسُّنة؛ لأن الأخبار قد وردت بها جميعاً، وكأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يضع مرة هكذا، ومرة هكذا، وعلى الأقوال كلها فيستحب له أن يرفع مسبحته في كلمة الشهادة إذا بلغ همزة: "إلا الله"، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يرفعها.
لنا ما سبق، أنه كان يشير بالسبابة، وهل يحركها عند الرفع؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لما روي عن وائل -رضي الله عنه - قال: "ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا" 2. وأصحهما: لا؛ لما روي عن ابن الزبير -رضي الله عنه- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَلاَ يُحَرِّكُهَا، وَلاَ يُجَاوِزُ بَصَرَهُ إِشَارَتَهُ" 3. وقوله في الكتاب: (ويقبض الخنصر، والبنصر والوسطى) إن أراد بالقبض هاهنا القدر الذي يشارك فيه الوسطى الخنصر، والبنصر، وهو ترك البسط والإرسال، فهذا لا خلاف فيه؛ وإن أراد أن يصنع بالوسطى ما يصنع بالخنصر، والبنصر فهذا، تنازع فيه قول التحليق فاعرفه.
وأما التعبير عن الخلاف المذكور بالأوجه فإنما اقتدى فيه بإمام الحرمين، وعامة الأصحاب حكوه أقوالاً منصوصة للشافعي -رضي الله عنه-، معزية إلى كتبه.
وقوله: "أيرسلها" هو القول الأول، و"التحليق" الثاني، والذي ذكره آخراً أحد الوجهين على القول الثالث.
وقوله: (ثم يرفع) معلم بالحاء.
وقوله: (عند قوله إلا الله) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن أبا القاسم الكرخي حكى وجهين في كيفية الإشارة بالمسبحة: أصحهما: أنه يشير بها وقت التَّشَهُّد، وهو الذي ذكره الجمهور.
والثاني: أنه يُشِيرُ بها في جميع التَّشَهُّدِ.

قال الغزالي: أَمَّا التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ فَواجِبٌ (ح م) وَالصَّلاةُ عَلَى الرَّسُولِ عليه السلام وَاجِبَةٌ مَعَهُ (ح م) وَعَلَى الآلِ قَوْلاَنِ، وَهَل تُسَنُّ الصَّلاَةُ عَلَى الرَّسُولِ فِي الأَوَّلِ؟ قَوْلاَنِ: قال الرافعي: القعود للتشهد الأخير، والتَّشهد فيه واجبان خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: القعود بقدر التشهد واجب، ولا يجب قراءة التشهد فيه، ولمالك حيث قال: لا يجب لا هذا ولا ذاك.
لنا أن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلاَم عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ" إلى آخره 1، دل على أنه قد فرض، ثم التشهد الأخير، إنما يكون لصلاة لها تشهد أول، وقد تكون الصلاة بحيث لا يشرع فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة، فحكمه حكم التشهد الأخير، في ذات التشهدين، والعبارة الجامعة أن يقال: التشهد الذي يعقبه التحلل عن الصلاة واجب.
وتجب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الواجب، خلافاً لأبي حنيفة ومالك.
لنا ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْبَلُ الله صَلاَةً إِلاَّ بِطُهُورٍ وَالصَّلاَةِ عَلَيَّ" 2. وهل تجب الصلاة على الآل؟ فيه قولان وبعضهم يقول: وجهان: أحدهما: تجب لظاهر ما روي أنه قيل: يا رسول كيف نصلي عليك؟ فقال: "قُولُوا اللَّهُمَّ صَلّي عَلَى محَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ" 3. وأصحهما: لا؛ وإنما هي سنة تابعة للصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهل يسن الصلاة على الرسول في التشهد الأول؟ فيه قولان: أحدهما: -وبه قال أبو حنيفة وأحمد- لا؛ لأنها مبنية على التخفيف؛ روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان في التشهد الأول 4 كمن يجلس على الرضف" 5 وهي الحجارة المحماة، وذلك يشعر بأنه ما كان يطول بالصَّلاَةِ والدعاء.

وأصحهما: ويروى عن مالك: أنها تسن؛ لأنها ذكرت، يجب في الجلسة الأخيرة، فيسن في الأولى كالتشهد، وأما الصلاة فيه على الآل، فتبنى على إيجابها في التشهد الأخير، إن أوجبناها ففي استحبابها في الأول الخلاف المذكور في الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن لم نوجبها -وهو الأصحّ- فلا نستحبها في الأول، وإذا قلنا: لا تسن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأول فصلى عليه كان ناقلاً للركن إلى غير موضعه، وفي بطلان الصلاة به كلام يأتي في "باب سجود السهو" وكذا إذا قلنا: لا يصلي على النّبي -صلى الله عليه وسلم- في القنوت، وهكذا الحكم إذا أوجبنا الصلاة على الآل في الأخير، ولم نستحبها في الأول فأتى بها.
وآل النبي -صلى الله عليه وسلم- بنوا هاشم، وبنوا المطلب، نص عليه الشَّافعي -رضي الله عنه-.
وفيه وجه: أن كل مسلم آله.
قال الغزالي: ثُمَّ أَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ، وَأَقَلُّهُ التَّحِيَّاتِ لِلَّهِ سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ اِلَهَ إِلاَّ الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ الْقَدْرُ المُتَكَرِّرُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَأَوْجَزَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ: التَّحِيَّات لِلَّهِ سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيَنَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ اِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ.
قال الرافعي: الكلام في أكمل التشهد، ثم في أقله: أما أكمله، فاختار الشافعي -رضي الله عنه- ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو: "التَّحِيَاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ، وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" هكذا روى الشافعي -رضي الله عنه- 1. وروى غيره: "السَّلاَمُ عَلَيْكَ"، "السَّلاَمُ عَلَيْنَا"، بإثبات الألف واللام، وهما صحيحان، ولا فرق وحكى في "النهاية" عن بعضهم؛ أن الأصل إثبات الألف واللام.
وقال أبو حنيفة وأحمد: والأفضل ما رواه ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطِّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" 2. وقال مالك: الأفضل أن يتشهد بما علمه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الناس على المنبر وهو: "التَّحِيَّات لله، الزَّاكِيَات لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلاَمُ

عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ" إِلَى آخره 1. كما رواه ابن مسعود -رضي الله عنه-، ووجه اختيار الشافعي -رضي الله عنه-، يستوي في الخلاف على أن الأمر فيه قريب، فإن الفضيلة تتأدى بجميع ذلك، ثم جمهور الأصحاب على أنه لا يقدم التسمية، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان أول ما يتكلم به عند القعدة: "التَّحِيَّاتِ لِلَّهِ" 2 وعن أبي على الطبري، وغيره من أصحابنا، أن الأفضل أن يقول: "بِسْمِ اللهِ، وَبِاللهِ التَّحِيَّاتُ" ويروى: "بِسم اللهِ خَيرِ الأَسمَاءِ" 3، نقل عن جابر -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعن بعَض أصحابنا أن الأفضل: أن يقول: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الزَّاكِيَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ" 4؛ ليكون آتيا بما اشتملت عليه الروايات كلّها.
وأما الأقل: فالمنقول عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أن أقل التشهد: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ" هكذا روى أصحابنا العراقيون، وتابعهم القاضي الروياني، وكذا صاحب "التهذيب" إلا أنه نقل: "وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ"، وأسقط الصيدلاني في نقل نصه كلمة وبركاته، وجعل صيغة الشهادة الثانية: "وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" وهذا هو الذي أورده في الكتاب وحكاية القاضي ابن كج؛ فإذا حصل الخلاف في المنقول عن الشافعي -رضي الله عنه- في ثلاثة مواضع: أحدها: في كلمة "وبركاته".
والثاني: في كلمة "وأشهد" في الكرة الثانية.
والثالث: في لفظ "الله" في الشهادة الثانية، فمنهم من اكتفى بقوله: (رسوله) ثم نقلوا عن ابن سريج في الأقل، طريقة أخرى، وهي: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، سَلاَمٌ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، [أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ".
هذا ما ذكره في الكتاب، ورواه طائفة، وأسقط بعضهم لفظ السلام الثاني واكتفى بأن يقول: "أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين] 5، وأسقط بعضهم لفظ "الصالحين"

ويحكى هذا عن الحليمي، ووجه ذلك بأن لفظ العباد، مع الإضافة ينصرف غالباً إلى "الصالحين"، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ 1 ونظائره، فاستغنى بالإضافة عنه ثم قال الأئمة: كأن الشافعي -رضي الله عنه- اعتبر في حد الأقل ما رأه مكررًا في جميع الروايات، ولم يكن تابعًا لغيره، وما انفردت به الروايات، أو كان تابعًا لغيره جوز حذفه 2، وابن سريج نظر إلى المعنى، وجوز حدف ما [لا] يتغير به المعنى، واكتفى بذكر السَّلام عن الرحمة والبركة، وقال بدخولهما فيه.
وقوله في الكتاب: "وهو القدر المتكرر في جميع الروايات، وأوجز ابن سريج بالمعنى" (إشارة إلى هذا الكلام، لكن لم يتعرض إلا للتكرر في جميع الروايات) 3 ولا بد من التعرض للوصف الأخير، وهو أن يكون تابعاً للغير، إلا فالصلوات والطيبات متكررة في جميع الروايات، وقد جوز حذفها.
واعلم أن ما ذكره الأصحاب من اعتبار التكرر وعدم التبعية أن جعلوه ضابطًا لحد الأقل فذاك، وإن عللوا حد الأقل به ففيه إشكال؛ لأن التكرر في الروايات، يشعر بأنه لا بد من القدر المتكرر، فأما إنه مجزئ فلا، ومن الجائز أن يكون المجزي هذا القدر مع ما تفردت به كل رواية.
ولك أن تعلم قوله في طريقة الشافعي -رضي الله عنه- "وأشهد" في الكرة الثانية] بالواو 4 وكذا كلمة "السلام" الثاني، و"الصالحين"، في طريقة ابن سريج إشارة إلى ما سبق من الخلاف.
قال الغزالي: وَيَقُولُ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ مَا بَعْدَهُ مَسْنُونٌ إِلَى قَوْلهِ: إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، ثُمَّ الدُّعَاءُ بَعْدَهُ مَسْنُونٌ، وَلْيَخْتَرْ كُلٌّ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ.
قال الرافعي: أقل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: اللهم صل على محمد، ولو قال: صلَّى الله على محمد، أو صلى الله على رسوله جاز.
وفي وجه: يجوز أن يقتصر على قوله: "صلى الله عليه وسلم" والكناية ترجع إلى ذكر محمد -صلى الله عليه وسلم- في كلمة الشهادة، وهذا نظر إلى المعنى، وأقل الصلاة على الآل أن يقول: "وآله"، ولفظ الكتاب يشعر بأنه يجب أن يقول: وعلى آل محمد؛ لأنه ذكر ذلك، ثم حكم بأن ما بعده مسنون:

والأول: هو الذي ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره.
والأولى أن يقول: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آَلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْراهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْراهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
روى كعب بن عجرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن كيفية الصلاة عليه، فأمرهم بذلك 1. قال الصيدلاني: ومن الناس من يزيد: "وارحم محمداً وآل محمد، كما رحمت على آل إبراهيم" وربما يقول: كما ترحمت على إبراهيم، قال: وهذا لم يرد في الخبر، وهو غير فصيح، فإنه لا يقال: ترحمت عليه، وإنما يقال: رحمته، وأما الترحم، ففيه معنى التكلف والتصنع، فلا يحسن إطلاقه في حق الله تعالى.
ثم يستحب الدعاء في التشهد الأخير، بعد الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وله أن يدعو بما شاء من أمر الدنيا والآخرة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن، وبالأدعية المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، ومن أصحابه من قال: يجزئ الدعاء بما لا يطلب إلا من الله تعالى، فأما إذا دعا بما يمكن أن يطلب من الآدميين بطلت صلاته.
وقال أحمد: إذا قال: "اللهم ارزقني جاريةً حسناءَ ونحو ذلك " فسدت صلاته؛ لما روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- في آخر حديث التشهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو" 2. وروي أنه قال: "وَلْيَدْعُ بَعْدَ ذلِكَ بِمَا شَاءَ" 3. والأفضل أن يكون دعاؤه لأمور الآخرة، وما ورد في الخبر أحب من غيره.
ومن ذلك: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَّدِمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ.
وأيضاً: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَاب القَبْرِ، وَفِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَالِ" 4. وأيضاً: "اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْتَمِ وَالْمَغْرَمِ" 5، "اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلمًا كَثِيراً، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِيَ مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" 6 وقوله: (ثم الدعاء بعده مسنون) أي في التشهد الأخير، فأما في الأول

فيكره، بل لا يصلي على الآل أيضاً على الصحيح، كما سبق، ويجوز أن يعلم قوله: (مسنون) بالواو لأنه يقتضي الاستحباب مطلقاً، وقد ذكر الصيدلاني في طريقته: أن المستحب للإمام أن يقتصر على التشهد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخفف على من خلفه، فإن دعا جعل دعاؤه دون قدر التشهد، ولا يطول.
وأما المنفرد: فلا بأس له بالتطويل، هذا ما ذكره، والظاهر الذي نقله الجمهور: أنه يستحب للإمام الدعاء، كما يستحب لغيره، ثم الأحب أن يكون الدعاء أقل من التشهد، والصلاة على النبي في لأنه تبع لهما فإن زاد لم يضر، إلا أن يكون إماماً فيكره له التطويل.
وقوله: (وليتخير) مُعَلَّم بالحاء والألف؛ لما روينا، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً، لأن إمام الحرمين حكى في "النهاية" عن شيخه: أنه كان يتردد في مثل قوله: اللهم ارزقني جارية صفتها 1 كذا، ويميل إلى المنع منه وأنه يبطل الصلاة.
قال الغزالي: فَرْعٌ العَاجِزُ عَنِ التَّشَهُّدِ يَأْتِي بِتَرْجَمَتِهِ كَتَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ، وَالعَاجِزُ عَنِ الدُّعَاءِ بِالعَرَبِيَّةِ لاَ يَدْعُو بِالْعَجَمِيَّةِ بِحَالٍ، وَفِي سَائِرِ الأَذْكَارِ هَلْ يَأْتي بِتَرْجَمَتِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: لا يجوز لمن أحسن التشهد بالعربية أن يعدل إلى ترجمته كالتكبير، وقراءة الفاتحة، فإن عجز أتى بترجمته كتكبيرة الإحرام بخلاف القرآن، لا يأتي بترجمته؛ لأن نظمه معجز كما سبق، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى الآل إن أوجبناها كالتشهد، وأما ما عدا الواجبات من الألفاظ المشروعة في الصَّلاَةِ إذا عجز عنها بالعَرَبية، فقد قَسَّمَهَا المُصَنِّفُ قسمين: أحدهما: الدعاء، فمنعه من أن يدعو بالعجمية مطلقاً.
والثاني: سائر الأذكار كثناء الاستفتاح، والقنوت، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع، والسجود، فقد روي منها في "الوسيط" ثلاثة أوجه: أحدها: ليس له أن يأتي بترجمتها، لأنها مسنونة لا ضرورة إلى الإتيان بها.
والثاني: أنه يأتي بمعانيها، ويقيمها مقام العربية، كالتكبير والتشهد.
والثالث: ما يجيز تركه بالسجود يأتي بترجمته، وما لا فلا.
وقضية هذه الطريقة المنع من أن يأتي بالترجمة عند القدرة على العربية بطريق الأولى، ولم يجعل إمام الحرمين الدعاء قسمًا على إطلاقه لكن قال: ليس للمصلي أن يخترع دعوة بالعجمية ويدعو بها في صلاته، وإن كان له أن يدعو بغير الدعوات

المأثورة بالعربية، ثم حكى الوجوه الثلاثة في "الأذكار المسنونة"، وإيراده يشعر بالمنع من الذكر المخترع، كالدعاء المخترع، وتطرد الوجوه في الدعاء المسنون كما في سائر الأذكار المسنونة، ولا فرق، وصرح سائر الأصحاب بهذا الذي أشعر به كلامه، فقالوا: إذا عجز عن الأذكار العربية والأدعية المَسْنُونَةِ، هل يأتي بترجمتها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لا ضرورة إليها بخلاف الواجبات.
وأصحهما: نعم.
ليجوز فضلها، ولو أحسن العربية فهل يجوز له أن يأتي بالترجمة؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز، كما في التكبير، والتشهد، ولو فعل تبطل الصلاة وذكر في "التهذيب" هذين الوجهين فيما إذا دعا بالعَجَمِيَّةِ مع القدرة على العربية، وأْطلقها في بعض التعاليق في جميع الأذكار.
إذا عرفت ذلك فقوله: (والعاجز عن الدعاء لا يدعو بالعجمية بحال) إن أراد به الدعاء المخترع الذي لم يؤثر -كما ذكره إمام الحرمين- فلا يلزم منه المنع من أن يأتي العاجز بترجمة الدعاء المسنون بعد التشهد جزماً؛ بل يجري فيه الخلاف المذكور في سائر الأذكار، وإن أراد به مطلق الدعاء فما الفرق بين الدعاء المسنون، وبين التسبيح المسنون، ولم يمنع من ترجمة أحدهما جزماً، ويجعل ترجمة الآخر على الخلاف، ويلزم على ذلك أن لا يأتي بترجمة: "اللهم اغفر لي وارحمني".
في الجلوس بين السجدتين، وظاهر لفظه الاحتمال الثاني، ولذلك أعلم بالواو؛ إشارة إلى الوجه المجوز للترجمة مع القدرة على العربية، فإنه أولى بتجويزها عند العجز، ويجوز أن يعلم بالحاء أيضاً؛ لأن أبا حنيفة يجوز ترجمة القرآن، وإن كان قادراً على نظمه، فترجمة الدعاء عند العجز أولى، بأن يجوزها، واعلم أنه إذا حمل كلامه على المحمل الثاني أشبه أن يكون هو منفرداً بنقل الفرق بين الدعاء وغيره، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الرُّكْنُ السَّابِعُ السَّلاَمُ وَهُوَ وَاجِبٌ، وَلاَ يَقُومُ (ح) مَقَامَهُ أَضْدَادُ الصَّلاَةِ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَقُولَ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، وَلَو قَالَ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَوَجْهَانِ، وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الخُرُوجِ وَجْهَانِ، وَأكْمَلُهُ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ مَرَّتَيْنِ (ح م) فِي الجَدِيدِ مَعَ الالْتِفَاتِ مِنَ الجَانِبَيْنِ بِحَيْثُ تُرَى خَدَّاهُ وَمَعَ نِيَّةِ السَّلاَمِ عَلَى مَنْ عَلَى جَانِبَيْهِ مِنَ الجِنِّ وَالإنْسِ وَالمَلاَئِكَةِ، وَالمُقْتَدِي يَنْوِي الرَّدَّ عَلَى إِمَامِهِ بِسَلاَمِهِ.
قال الرافعي: لما وصف السلام بكونه ركنًا، فلو لم يقل -وهو واجب- لما ضره؛ لأن ركن الصلاة لا بد وأن يكون واجباً، وإذا ذكرهما، فينبغي أن يعلما بالحاء، وكذلك قوله: (ولا يقوم مقامه أضداد الصلاة).
لأن عند أبي حنيفة لو أتى بما ينافي

الصلاة اختياراً من حدث، أو كلام خرج به عن الصَّلاَةِ، وقام مقام السلام.
قال: ولو كان ناسياً فلا يخرج به من الصلاة، ولا تبطل صلاته، لكي يتوضأ ويبني، ولو وقع ذلك من غير اختياره كانقضاء مدة المسح، ورؤية المتيمم الماء في الصلاة، تبطل صلاته.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَتَحْلِيلُهَا للتَّسْلِيمُ" 1 جعل التحليل بالتسليم 2 فوجب ألا يحصل بغيره، ثم القول في أقل السلام وأكمله.
أما الأقل: فهو أن يقول: "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ"، ولا بد من هذا النّظم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك كان يسلم، وهو كاف؛ لأنه تسليم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ".
ولو قال: سلامٌ عليكم، فوجهان: أحدهما: أنه لا يجزئه؛ لأنه نقص الألف واللام، فأشبه ما لو قال: سلام عليكم من غير تنوين.
وأظهرهما: أنه يجزئه، ويقوم التنوين مقام الألف واللام كما في التشهد يجزئه السلام، وسلام، ولو قال عليكم السلام فقد سبق حكمه في فصل التكبير، ولا يجزئه قوله: السلام عليك، ولا سلامي عليكم، ولا سلام الله عليكم، ولا: السلام عليهم، وما لا يجزئ فيبطل الصلاة إذا قاله عمداً، سوى قوله: السلام عليهم، فإنه دعاء لا على وجه الخطاب، وهل يجب أن ينوي الخروج عن الصلاة بسلامه فيه وجهان: أحدهما: نعم، وبه قال ابن سريج، وابن القاص، ويحكى عن ظاهر نصه في البويطي؛ لأنه ذكر واجب في إحدى طرفي الصلاة، فتجب فيه النية، كالتكبير ولأن نظم السلام يناقض الصلاة في وصفه، من حيث هو خطاب الآدميين، ولهذا لو سلم قصداً في الصلاة بطلت صلاته، فإذا لم يقترن به نية صَارِفَة إلى قصد التحلل كان مناقضاً.
والثاني: لا 3 يجب ذلك وبه قال أبو حفص بن الوكيل، وأبو الحسين بن القطان، ووجهه القياس على سائر العبادات لا يجب فيها نية الخروج؛ لأن النية تليق بالإقدام دون التَّرْكِ، وهذا هو الأصح عند القفال.
واختيار معظم المتأخرين، وحملوا نصه على الاستحباب.

فإن قلنا: تجب نية الخروج فلا تحتاج إلى تعيين الصلاة عند الخروج، بخلاف حالة الشُّرُوع، فإن الخروج لا يكون إلا عن المشروع فيه، ولو عين غير ما هو فيه عمداً لبطلت صلاته على هذا الوجه، ولو سها سجد للسهو وسلم ثانياً مع النية، بخلاف ما إذا قلنا: لا تجب نية الخروج، فإنه لا يضر الخطأ في التعيين، وعلى وجه الوجوب ينبغي أن ينوي الخروج مقترناً بالتسليمة الأولى، فلو سلم ولم ينو بطلت صلاته، ولو نوى الخروج -قبل السلام- بطلت صلاته أيضاً.
ولو نوى قبله الخروج عنده، فقد قال في "النهاية": لا تبطل صلاته بهذا ولكنه لا يكفيه، بل يأتي بالنية مع السلام، ويجب على المصلي أن يوقع السلام في حال القعود إذا قدر عليه.
وأما الأكمل فهو أن يقول: الكلام عليكم ورحمة الله.
وهل يزيد على مرة واحدة؟ الجديد: أنه يستحب أن يقوله المصلي مرتين، لما روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُسَلِّمْ عَنْ يَمِينِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ" 1. ويحكى عن القديم قولان: أحدهما: أن المستحب تسليمة واحدة؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يُسَلِّمُ تسليمة وَاحِدَةً، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ" 2. والثاني: أن غير الإمام يسلم تسليمة واحدة، ويفرق في حق الإمام بين أن يكون في القوم كثرة، أو كان حول المسجد لغط، فيستحب أن يسلم تسليمتين؛ ليحصل الإبلاغ، وإن قلوا: ولا لغط ثم فيقتصر على تسليمة واحدة؛ فإن قلنا: يقتصر على تسليمة واحدة 3 فتجعل تلقاء وجهه، كما روي عن عائشة -رضي الله عنها- وإن قلنا بالصحيح -وهو أنه يسلم تسليمتين، فالمستحب أن يلتفت [في الأولى عن يمينه، وفي الأخرى عن شماله، وينبغي أن يبتدئ بها مستقبل القبلة، ثم يلتفت] 4 بحيث يكون انقضاؤها مع تمام الالتفات، وكيف يلتفت؟ قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" حتى يرى 5 خداه، وحكى الشارحون أن الأصحاب اختلفوا في معناه.

منهم من قال: معناه حتى يرى خداه من كل جانب.
ومنهم من قال: حتى يرى من كل جانب خده، وهو الصحيح؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضَ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ" 1. ثم المصلي إن كان إماماً فيستحب له أن ينوي بالتسليمة الأولى السلام على من على يمينه من الملائكة، وعلى [ومسلمي] الجن والإنس، وبالثانية السلام على من على يساره منهم، والمأموم ينوي مثل ذلك.
ويختص بشيء آخر: وهو أنه إن كان على يمين الإمام ينوي بالتسليمة الثانية الرد على الإمام، وإن كان على يساره ينويه بالتسليمة الأولى، وإن كان في محاذاته ينويه بأيهما شاء، وهو في التسلمية الأولى أحب، ويحسن أن ينوي بعض المأمومين الرد على البعض، وروي عن سمرة قال: "أَمَرَنَا رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نُسَلِّمَ عَلَى أَنْفُسِنَا، وأنْ يَنْوِيَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضَ" 2، وقال علي -رضي الله عنه-: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيم عَلَى الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَربِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" 3. وأما المنفرد فينوي بهما السلام على من على جانبيه من الملائكة، وكل منهم ينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة أيضاً إن لم نوجبها.
فقوله في الكتاب: (مرتين) ينبغي أن يعلم بالميم؛ لأن المنقول عن مالك أن الاختيار للإمام والمنفرد الاقتصار على تسيلمة واحدة، وأما المأموم فيسلم تسليمتين، ويروي عنه استحباب الاَقتصار على التسليمة الواحدة مطلقاً.
وقال أحمد في أصح الروايتين: التسليمتان جميعاً واجبتان مطلقاً، فيجوز أن يعلم قوله: (مرتين) بالألف؛ لأن عنده ليس ذلك من حد الكمال، ويجوز أن يعلم به قوله: (وأقله السلام عليكم) أيضاً.

وقوله: (بحيث يرى خداه) أراد به المعنى الثاني الصحيح على ما صرح به في "الوسيط"، فليكن مرقوماً بالواو للوجه الأول.
قال الغزالي: خَاتمَةٌ: لاَ تَرْتيبَ فِي قَضَاءِ الفَوَائِتِ، لَكِنَّ الأَحَبَّ تَقْدِيمُ الفَائِتَةَ عَلَى المُؤَدَّاة إِلاَّ إِذَا ضَاقَ وَقْتُ الأَدَاءِ، فَإِنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةٌ وَهُوَ فِي المُؤَدَّاةِ أَتَمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالقَضَاءِ.
قال الرافعي: إذا فاتت الفريضة وجب قضاؤها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 1. أمر المعذور بالقضاء، ويلزم مثله في حق غير المعذور بطريق الأولى، وينبغي أن يقضي على الفور؛ محافظةً على الصلاة وتبرئة الذمة، وهل يجب ذلك؟ فيه كلام أخرناه إلى كتاب الحج؛ لأن صاحب الكتاب أورد المسألة ثم.
وإذا قضى فائتة الليل بالليل جهر فيها، وإن قضى فائتة النهار بالنهار لم يجهر فيها، وإن قضى فائتة الليل بالنهار أو بالعكس؟ فالاعتبار بوقت القضاء في أصح الوجهين، وبوقت الأداء في الثاني، وإذا فاتته صلاة فالمستحب في قضائها الترتيب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتته أربع صلوات يوم الخندق، فقضاها على الترتيب 2، ولا يستحق في قضائها الترتيب، وكذا لا يستحق الترتيب بين الفائتة وصلاة الوقت، خلافاً لمالك وأبي حنيفة وأحمد: لنا أنها عبادات مستقلة، والترتيب فيها من توابع الوقت وضروراته، فلا يبقى معتبراً في القضاء، كصيام أيام رمضان، ولنفصل المذاهب فيه: أما عندنا: فيجوز تقديم الفائتة المؤخرة على المقدمة، وتأخير المقدمة، ولو دخل عليه وقت فريضة، وتذكر فائتة نظر، إن كان وقت الحاضرة واسعاً فالمستحب له أن يبدأ بالفائتة، ولو عكس صحتا.
وإن كان الوقت ضيقًا -بحيث لو بدأ بالفائتة لفاتته الحاضرة-، فيجب أن يبدأ بالحاضرة كيلا تفوت، ولو عكس صحتا أيضاً، وإن أساء ولو أنه تذكر الفائتة بعد شروعه في صلاة الوقت - أتمها، سواء كان الوقت واسعاً أو ضيقًا، ثم يقضي الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها، ولا تبطل بتذكر الفائتة الصلاة التي هو فيها، وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاةً فَذَكَرَهَا، وَهُوَ فِي صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، فَلْيَبْدَأْ بِالَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإذَا فَرَغَ مِنْهَا صَلَّى الَّتِي نَسِيَ" 3. وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يدخل في حد التكرار،

[بأن لا يزيد على صلوات يوم وليلة] 1، فإن زادت جاز التنكيث، [وكذا لو كان عليه فائتة ودخل وقت الحاضرة، إن دخلتا مع ما بينهما في حد التكرار] (1) لم يجب إعادة الترتيب، إلا وجب الترتيب ولم يجز تقديم الحاضرة مع تذكر الفائتة، إلا أن يخشى فوات الحاضرة، فله تقديمها، وإن تذكرها في خلال صلاة الوقت بطلت إن وسع الوقت، فيقضي الفائتة ثم يعيد صلاة الوقت، وإن كان الوقت ضيقاً فلا تبطل، وإن تذكرها بعد ما فرغ من صلاة الوقت، فقد مضت على الصحة، ويشتغل بقضاء الفائتة.
ومذهب مالك يقرب من هذا، لكن نقل عنه أنه يستحب إذا تذكر الفائتة في خلال الحاضرة، أن يتمها، ثم يقضي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة؛ ونقل أيضاً أنه إذا تذكرها بعد الفراغ من الحاضرة، فعليه قضاء الفائتة، وإعادة الحاضرة، ولا يجعل النسيان عذراً في سقوط الترتيب.
وقال أحمد: يجب الترتيب في قضاء الفوائت وإن كثرت، حتى لو تذكر فائتة، ولم يعدها حتى طالت المدة، وهو يأتي بصلاة الوقت، فعليه قضاء تلك الفائتة، وإعادة جميع ما صلى بعدها.
قال: ولو تذكر فائتة، وهو في الحاضرة، يجب عليه إتمامها، وقضاء الفائتة، وإعادة الحاضرة.
إذا عرفت ذلك لم يخف عليك إعلام قوله: (لا ترتيب في قضاء الفوائت) بعلامتهم جميعاً، وكذا إعلام قوله: (أتم التي هو فيها) بالحاء؛ لأنها تبطل عنده؛ وبالميم؛ لأنا نعني بقولنا: (أتم)، أنه يجب عليه الإتمام، ومالك لا يوجبه، ولا حاجة إلى إعلامه بالألف.
وقوله: (لكن الأحب تقديم الفائتة على المؤداة، إلا إذا ضاق وقت الأداء) أي فيجب تقديم المؤداة، ولا يجوز تقديم الفائتة، وليس الغرض مجرد سلب الأحبية.
واعلم أن هذه المسائل لا اختصاص لها بباب صفة الصلاة، لكن طرفاً منها مذكور في "المختصر" في أواخر هذا الباب، فتبرك المصنف بترتيب المزني -رحمه الله- أو الشافعي -رضي الله عنه- وجعلها خاتمة الباب.
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني، وأوله: الباب الخامس من كتاب الصلاة: "في شرائط الصلاة"

فهرس محتويات الجزء الأول من العزيز شرح الوجيز

العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسم عبدالكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفي سنة 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ على محمد معوض... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء الثاني يحتوي على الكتب التالية: تتمة الصلاة - صلاة الجماعة - صلاة المسافرين - صلاة الجمعة صلاة الخوف - صلاة العيدين - صلاة الخسوف - صلاة الاستسقاء صلاة الجنائز - الزكاة دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلميه بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً الطبعة الأولى 1417 هـ - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان العنوان: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت تلفون وفاكس: 364398 - 366135 - 602132 (9611). صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت - لبنان

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

البَابُ الخَامِسُ في شَرَائِطِ الصَلاَةِ

قال الغزالي: وَهِيَ سِتَّةٌ: الأوَّلُ الطَّهَارَةُ، عَنِ الحَدَثِ فَلَوْ أَحْدَثَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَلَوْ سَبَقَهُ الحَدَثُ بَطُلَتْ (ح) عَلَى الجَدِيدِ، وَعَلَى القَدِيمِ يتَوَضَّأُ وَيَبْنِي بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَكَّلَمَ وَلاَ يُحْدِثَ عَمْداً.
قال الرافعي: ترجم الباب بشروط الصلاة، ولم يرد جميع شروطها؛ لأن منها 1 الاستقبال، وقد سبق له باب منفرد.
ومنها: إيقاع الصَّلاةِ بعد العِلْم بدخول وقتها، أو بعد غلبة الظن به، وقد صار ذلك مذكوراً في باب المواقيت، ولكن الغرض هاهنا الكلام في ستة شروط سوى ما سبق.
أحدها: طهارة الحدث، وقد تبين في كتاب الطهارة أنها كيف تحصل، فلو لم يكن عند الشروع في الصلاة متطهراً لم تنعقد صلاته بحال، سواء كان عامداً أو ساهياً، ولو شرع فيها وهو متطهر، ثم أحدث، نظر إن أحدث باختياره بطلت صلاته، لأنه قد بطلت طهارته، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" 2 ولا فرق بين أن يكون ذاكرًا للصلاة، أو ناسياً لها، وهو المراد من قوله في الكتاب: (فلو أحدث عمداً أو سهْواً بَطُلَتْ صَلاتُه) وإن أحدث بغير اختياره؛ كما لو سبقه الحدث فلا خلاف في بطلان طهارته، وهل تبطل صلاته؟ فيه قولان: الجديد: أنها تبطل؛ لأنه لا صلاة إلا يطهارةِ، ولما روي عن عليّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَنْصرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأ،

وَلْيُعِد الصَّلاَةَ" 1 وبهذا قال أَحْمَدُ، ويروى عن مالك أيضاً.
والقديم: وبه قال أبو حنيفة، أنها لا تبطل؛ بل يتوضأ، ويبنى على صلاته، وهو أشهر الروايتين عن مالك، لِمَا رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمْذَى فِي صَلاَتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوضَّأ، وَلَيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ" 2، وليس المراد ما إذا فعل ذلك باختياره بالإجماع، فيتعين السبق مرادًا [فإذا] 3 فرعنا على القديم، فلا فرق بين الحدث الأصغر والأكبر، كما إذا غلب عليه النوم في صلاته فاحتلم، فإنه يغتسل ويبني.
وقال أبو جنيفة: تبطل صلاته هاهنا، وكيف يبني؟ أيعود إلى الركن الذي سبقه الحدث فيه أم يشتغل بما بعده؟ قال الصيدلاني: لو سبقه الحدث في الركوع فيعود إلى الركوع لا يجزئه غيره.
قال: ووافقنا أبو حنيفة فيه، وفصل إمام الحرمين فقال: إن سبقه الحدث قبل أن يطمئن في ركوعه فلا بد من العود إليه، وإن كان بعد أن يطمئن فالظاهر أنه لا يعود إليه؛ لأن ركوعه قد تم في الطهارة، وهذا التفصيل هو الذي أورده المصنف في "الوسيط"؛ فيجوز أن يجري كلام الصيدلاني على إطلاقه، ويقال: لا بد من العود إليه، وإن اطمأن قبل الحدث لينتقل منه إلى الركن الذي بعده فإن الانتقال من الركن إلى الركن واجب، وقد قدمنا له نظائر.
ويجب على المصلي إذا سبقه الحدث وأراد أن يتوضأ ويبني أن يسعى في تقريب الزمان، وتقليل الأفعال بحسب الإمكان، فليس له أن يعود إلى الموضع الذي كان يصلي فيه بعد ما تطهر إن كان يقدر على الصلاة في موضع أقرب منه إلا إذا كان إماماً لم يستخلف، أو مأموماً يبغي فضيلة الجماعة، فهما معذوران في العود إليه، ذكره في "التتمة" وما لا يستغنى عنه من السعي إلى الماء والاستسقاء وما أشبه ذلك، فلا بأس به، ولا يؤمر بالعود والبدار الخارج عن الاقتصاد، ويشترط أن لا يتكلم على ما ورد في الخبر إلا إذا احتاج إليه في تَحْصِيل الْمَاء، وهل يشترط أن يمتنع عن أسْبَابِ الحَدَثْ عَمْدًا إلى أن يتوضأ؟ حكى أصحابنا العراقيون وغيرهم عن نص الشافعي -رضي الله عنه

  • تفريعاً على القديم أنه لو سَبَقَهُ البَوْل فخرج واسْتَتَّم الباقي لم يضر ذلك: لأن طهارته [فيها] 1 قد بطلت بما سبق، ولم تتأثر الصَّلاة به، فالبول بعده يَطْرَأ على طهارةٍ باطلةٍ فلا يؤثر.
    وقال إمام الحرمين: تبطل صلاته بما فعله إذا أمكنه التماسك؛ لأن الفعل الكثير يبطل صلاته إذا كان مستغنىً عنه، فكذلك الحدث إذا كان مختاراً فيه، وهذا هو الذي أورده في الكتاب، فقال: ولا يحدث عمداً، والذي أورده الجمهور هو الأول، ونقل صاحب "البيان" هذه الصورة وحكمهما عن النص، قال: واختلفوا في المعنى، فمنهم من علل بحاجته إلى إخراج البقية، ومنهم من علل بأن الطهارة قد بطلت بالقدر الذي سبقه فلا أثر لما بعده، فعلى الأول لا يجوز أن يحدث حدثاً آخر مستأنفاً، وعلى الثاني يجوز، ولا يخفى أن جميع ما ذكرناه في "طهارة الرفاهية" فأما صاحب طهارة الضرورة كالمستحاضة فلا أثر لحدثه المتجدد، لا عند الشروع، ولا في أثناء الصلاة.
    قال الغزالي: وَيَجْرِي هَذَا القَوْلُ في دَفْعِ كُلِّ مُنَاقِضٍ لاَ تَقْصِيرَ مِنْهُ فِيهِ كَمَا إِذَا انْحَلَّ إِزَارُهُ فَرَدَّهُ، وَكَمَا لَوْ وقع عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ فَدَفَعَهَا فِي الحَالِ، وَانْقِضَاءُ مُدَّةِ المَسْحِ مَنْسُوبٌ إلَى تَقْصِيرِهِ، وَفِي تَخَرُّقِ الخُفِّ تَرَدُّدٌ، لِتَقْصِيرِهِ بِالذُّهُولِ عَنْهُ.
    قال الرافعي: ما سوى الحدث من الأسباب المناقضة للصلاة إذا طرأت في الصلاة باختياره بَطلت صلاتُه، كما لو أحدث باختياره، وكل ما يبطل الصَّلاة إذا طَرأ باختياره يبطلها أيضاً إذا طَرأ لا باختياره، لكن إذا كان منتسباً فيه إلى تقصير؛ كما لو كان ماسحاً على الخف، فانقضت مدة مسحه في أثناء الصلاة، واحتاج في ذلك إلى غسل القدمين، أو استئناف الوضوء فتبطل صلاتُه، ولا يخرج على قول سبق الحدثِ، لأنه مُقَصِّرٌ بإيقاع الصَّلاة في الوقت الذي تنقضي مدّة المَسْح في أثنائها، فأشبه المختار في الحدث.
    وقضية هذا أن يقال: لو شرع في الصَّلاَةِ على مُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ وهو يعلم أنه لا تبقى له قوة التماسك في أثنائها، ووقع ما علمه تبطل صَلاتُه لا محالة، ولا يخرج على القولين، ولو تَخَّرَق خُفَّ الماسِحِ في صلاته، وظهر شىِء من محل الفرض، فوجهان: أحدهما: أنه تبطل الصَّلاة بلا خلافٍ، لأنه مقصر من حيث ذَهَل عن الخُفّ، ولم يتعهده ليعرف قوته وضعفه، فأشبه انقضاء المدة.
    وأظهرهما: أنه على قَولَيْ سَبْقِ الحدث؛ لأن الإنسان لا يتعهد الخف كل ساعة،

فلا يعد مقصراً بترك البَحْثِ عنه، وقد يفجأ الخرق لبعض العوارض أيضاً؛ أما إذَا حدث مناقِضٌ في الصلاة لا باختياره ولا تقصير منه فإن أمكن إزالته على الاتصال بحدوثه؛ كما لو انكشفت عورتُه فرد الثوب في الحال، أو وقعت عليه نجاسة يابسة فنفض ثوبه وسقطت في الحال، فلا يقدح في صحة الصلاة، وكذا لو ألقى الثوب الذي وقعت عليه النجاسة في الحال صحت صَلاتُه، ولا يجوز أن ينحيها بيده أو كمه، هكذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره، وإن احتاج في الدفع إلى زمان يتخلل بين عروضه واندفاعه، ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث.
وقوله: (يجري هذا القول في دفع كل مناقض لا تقصير منه فيه) -يعني- به هذه الحالة، وإن كان اللفظ مطلقاً، فأما إذا دفعه في الحال، فالصلاة صحيحة بلا خلاف.
ومثال ما يحتاج في دفعه إلى زمان: ما إذا تنجس ثوبه، أو بدنه واحتاج إلى الغسل، أو طيرت الريح ثوبه وأبعدته.
ولو أصاب المصلي جرح، وخرج منه دم على سبيل الدَّفْقِ، ولم يلوث البَشرة فقد قال في "التتمة": لا تبطل صلاته بحال، لأن المنفصل منه غير مضافٍ إليه، ولعل هذا فيما إذا لم يمكن غسل موضع الانفتاق، أو كان ما أصابه قليلاً، وقلنا: القليل من الدّم معفوٌّ عنه كما سيأتي، وإلا فقد صار ذلك من الطَّاهِرِ فيجب غسله.
قال الغزالي: الشّرْطُ الثَّانِي: طَهَارَةُ الخَبَثِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الثَّوْبَ وَالبدَنِ وَالمَكَانِ (وَأَمَّا الثَّوْبُ) فإِنْ أَصَابَ أَحَدَ كُمَّيهِ نَجَاسَةٌ فَأدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى أَحَدِهِمَا فَغَسَلَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ استَيقَنَ نَجَاسَةَ الثَّوْبِ وَلَمْ يْسَتَيقِنْ طَهَارَتَهُ.
قال الرافعي: النجاسة قسمان: أحدهما: النجاسة التي تقع في مظنة العذر والعفو.
والثاني: التي تقع فيها.
أما الأول: فيجب الاحتراز عنه في ثلاثة أشياء: في الثوب، والبدن، والمكان، ويجوز أن يعلم قوله: (فهي واجبة) بالميم؛ لأن أصحابنا نقلوا عن مالك أن إزالة النجاسة عنده لا تجب للصلاة، وإنما تستحب، ويدل على وجوب طهارة الثَّوْبِ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 1. وقد قال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لأسماء -رضي الله عنها- "حِتِّيهِ، ثُمَّ [اقْرِضِيهِ] 2 ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ" 3 فإن أصابه نجاسة، وعرف موضعها منه،

فطريق إزالتها بالغسل كما سبق، ولو قطع موضع النجاسة حصل الغرض، ويلزمه ذلك إذا تعذر الغسل، وأمكن ستر العورة بالطاهر منه، ولم ينقص من قيمته بالقطع أكثر من أجرة مثل الثوب لو استأجره، وإن لم يعرف موضع النجاسة من الثوب، وكان يجوزه في كل جزء منه، وجب غسل جميعه وكذلك في البدن، ولا يجوز الاقتصار على غسل البعض لا بالتحري، ولا دونه، وإن أفاد ذلك الشك في نجاسة الباقي؛ لأن حصول النجاسة في هذا الثوب متيقن، واليقين لا يدفع بالشَّكِّ.
ولو شَقَّه نِصْفيْن لم يجز التَحَرِّي فيهما؛ لجواز أن يكون الشَّقُّ في موضع النجاسة فيكونا نَجِسَيْنِ، ولو أصاب شيء رطب طرفاً من هذا الثَّوب لا نحكم بنجاسته؛ لأنا لا نتيقن نجاسة موضع الإصابة، ولو غسل أحد نصفيه، ثم غسل النصف الثاني، فهو كما لو تيقن نجاسة الكُلِّ، وغسله هكذا، وفيه وجهان: أحدهما: أنه لا يطهر حتى يغسل الكل دفعة واحدة.
وأظهرهما: أنه إن غسل مع النصف الثاني القدر الذي يجاوره من الأول طهر الكل، وإن لم يغسل إلا النصف في الدفعة الثانية طهر الطرفان، وبقي المنتصف نجساً في صورة اليقين، ونجساً في الصورة الأولى.
ولو نجس واحد من موضعين منحصرين، أو مواضع وأشكل عليه؛ كما لو تنجس أحد الكُمَّيْنِ فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فغسله وصلّى فيه، فهذه مسألة الكتاب، وفي صحة صلاته وجهان: أحدهما: وينسب إلى ابن سريجَ؛ أنها تَصِحّ، لحصول غلبة الظَّنِّ بالطَّهَارة.
وأصحهما عند معظم الأصحاب: أنها لا تصح؛ لأن الثوب واحدٌ، وقد تيقن نجاسَتَه، ولم يتيقن الطَّهارة، فيستصحب اليقين، وصار كما لو خفي موضع النجاسة ولم تنحصر في بعض المواضع، فلو فصل أحد الكُمَّيْنِ عن الثوب واجتهد فيهما فهما كالثَّوْبين إن غسل ما ظنه نجسًا وصلى فيه جاز، وإن صلَّى فيما ظنه طاهراً جاز أيضاً؛ لأنه لم يستيقن نجاسته أصلاً، فاجتهاده متأيد باستصحاب أصل الطهارة، بخلاف ما قبل الفصل.
ويجري الوجهان فيما إذا نجس إحدى يديه، أو إحدى أصابعه، وغسل النجس عنده وصلى؛ وكذلك فيما لو اجتهد في ثوبين، وغسل النجس عنده، وصلى فيهما معاً؛ لأنه استيقن النجاسة في المجموع ولم يستيقن الطهارة، لكن الأظهر هاهنا الجواز، وفرقوا بأن محل الاجتهاد الاشتباه بين الشيئين، فأما إذا اشتبه عليه أجزاء الشيء الواحد، فلا يؤمر فيه بالاجتهادِ، ولهذا لا يجتهد إذا خفي عليه موضع النجاسة، ولم ينحصر في

موضعين، أو مواضع مخصوصة، وفإذا كان كذلك، فتأثير الاجتهاد فيه أضعف.
ولو غسل إحدى الكُمَّين بالاجتهاد وفصله عن الباقي فجواز الصَّلاة فيما لم يغسله وحده على الخلاف [وإذا غسل أحد الثوبين بالاجتهاد تجوز الصلاة في كُلِّ واحدٍ منهما وحده بلا خلاف] 1. ولو اشتبه عليه ثوبان طاهر ونجس، أو أثواب بعضها طاهر وبعضها نَجِس، فيجتهد كما سبق في الأواني، فإن لم يغلب على ظنه شيء، وأمكنه غسل واحد ليستصحبه في صلاته لزمه ذلك، وإلا فهو كما لو لم يجد إلا ثوباً نجساً، وسيأتي حكمه في الشَّرْطِ الثَّالِثِ 2، ولو غلب على ظنه طهارة أحد الثَّوْبَيْن، واستصحبه، ثم تغير اجتهاده عمل بمقتضى الاجتهاد الثاني في أظهر الوجهين، كما في القبلة 3، بخلاف الأواني، حيث لا يعمل فيها بالاجتهاد الثاني على النص لما سبق أنه يلزم منه نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
قال الغزالي: وَلَوْ أَلْقَى طَرَفَ عِمَامَتِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ بَطُلَتْ صَلاتُهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، وَلَو قَبَضَ طَرَفَ حَبْلٍ مُلْقى عَلَى نَجَاسةٍ بَطُلَتْ صَلاتُهُ إِنْ كَانَ المُلاَقِي يَتَحرَّكُ بِحَرَكَتِهِ وإلاَّ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى سَاجُورِ كَلْبٍ أَوْ عُنُقِ حِمَارٍ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالجَوَازِ، وَلَوْ كَانَ رَأسُ الحَبْلِ تَحْتَ رِجْلِهِ فَلاَ بَأْسَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ حَامِلاً.
قال الرافعي: ما لبسه المصلي يجب أن يكون طَاهِراً، سواء كان يتحرك بحركته في قيامه وقعوده، أو كان لا يتحرك بعض أطرافه كذنابة العَمَامَةِ، وكما لا يجوز أن يكون شيء من ملبوسه نجساً لا يجوز أن يكون ملاقياً للنجاسة، فلو ألقى طرف عمامته على أرض نجسة، أو عين نجسة بطلت صَلاتُهُ، وإن لم يتحرك بحركته؛ لأنها ملبوسة له أو معدودة من ثيابه، فصار كما لو لبس قميصاً طويلاً لا يرتفع زيله بارتفاعه، وكان نجساً لا تصح صلاته، وذكر الصيدلاني وآخرون أن عند أبي حنيفة: إن لم يتحرك طرف العمامة الملقى على النجاسة بحركته جازت صلاته، فليكن قوله: (وإن كان لا يتحرك بحركته) معلماً بالحاء لذلك، ولو قبض على طرف حبل، أو ثوب وطرفه الآخر

نجس، أو ملقى على نجاسة، فإن كان يتحرك ذلك الطرف بارتفاعه وانخفاضه بطلت صلاته؛ لأنه حامل للشيء النجس، أو لما هو متصل بالنجاسة [وإن كان لا يتحرك فوجهان: أحدهما: تبطل صلاته كما في العَمَامة، لأنه حامل لشيء متصل بالنجاسة] 1. والثاني: أنها لا تبطل، لأن الطَّرف الملاقي للنجاسة ليس محمولاً له، فإنه لا يرتفع بارتفاعه، بخلاف العمامة فإنها منسوبة إليه لبساً، والمصلي مأخوذ بطهارة ثيابه، وكلام الأكثرين يدل على أن الوجه الأول أرجح عندهم، ولو كان طرف الحبل ملقى على ساجور 2 كلب، أو مشدوداً به، فوجهان مرتبان على الصورة السابقة، وهذه الصورة أولى بصحة الصلاة، لأن بين الكلب وطرف الحبل واسطة، وهي الساجور، فيكون أبعد عن النجاسة.
ولو كان طرف الحبل على الكلب فهو والصورة السابقة سواء.
ولو كان طرف الحبل على موضع طاهر من حمار، وعليه نجاسة في موضع آخر، فالخلاف فيه مرتب، وهذه الصورة أولى بالصحة من سورة السَّاجُور؛ لأن الساجور قد يعد من توابع الحبل وأجزائه، بخلاف الحمار، هكذا رتب السائل إمام الحرمين وصاحب الكتاب في "الوسيط" وأشار هاهنا إلى معظم الغرض وإذا تركت الترتيب، وقلت: أخذ بطرف حبل طرفه الآخر نجس، أو متصل بنجاسة حصل في الجواب ثلاثة أوجه: أحدها: تصح.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان الطرف الآخر نجساً أو متصلاً بعين النجاسة كما لو كان في عنق كلب فلا تصح، وإن كان متصلاً بشيء طاهر، وذلك الطاهر متصل بنجاسة، كما لو كان مشدوداً في ساجور، أو خرقة وهما في عنق كلب أو عنق حمار وعليه حِمْلٌ نَجِسٌ فلا بأس، وهكذا أورد الخلاف الصيدلاني، وتابعه صاحب "التهذيب".
ثم اعرف هاهنا أموراً.
أحدها: أن فرض صاحب الكتاب الصورة فيما إذا قبض بيده على طرف الحبل، ليس لتخصيص الحكم بالقبض، بل لو شده في يده، أو رجله، أو في وسطه كان كما

لو قبض عليه، على أن صاحب "التهذيب" جعل صورة الشد أولى بالمنع، حيث ألحقها بمسألة العمامة، ولم يحك فيها خلافاً، وفي القبض باليد روى الوجوه الثلاثة.
الثاني: الفرق بين أن يكون الطرف الملقى على النجاسة يتحرك بحركته، وبين أن لا يتحرك في الجزم بالمَنْعِ في الحالة الأولى، وتخصيص الخلاف بالحالة الثانية لم أره إلا للمصنف، وإمام الحرمَين، ومن تابعهما، وعامة الأصحاب أرسلوا الكلام إرسالاً، سواء منهم من جزم بالمنع، ومن أثبت الخلاف.
الثالث: أطلق الكلام في الكلب، وهكذا فعل الشيخ أبو محمد، والصيدلاني، وابن الصباغ، وفصل الأكثرون وقالوا: إن كان الكلب صغيراً، أو ميتاً؛ وطرف الحبل مشدود عليه بطلت صلاته بلا خلاف؛ لأنه حامل للنجاسة، ويعنون به أنه لو مشى لجره، وإن كان الكلب كبيراً حياً، فأصح الوجهين: أنها تبطل أيضاً؛ لأنه حامل لشيء متصل بالنجاسة.
والثاني: لا؛ لأنه يمشي باختياره، وله قوة الامتناع، وإذا كان مشدوداً في سفينة وموضع الشد طاهر، وفي السفينة نجاسة فإن كانت صغيرةً تنجر بالجر فهي كالكلب، وإن كانت كبيرةً فلا بأس، كما لو كان مشدوداً في باب دار فيها نجاسة، وحكوا وجهاً بعيداً في السفينة الكبيرة أيضاً، ويعرف من هذا الفصل صحة قولنا من قبل.
إن قضية كلام الأكثرين ترجيح وجه البطلان.
الرابع: قوله: (على ساجور كلب، أو عنق حمار عليه نجاسة) يفهم أن الشد ليس بشرط، بل يجري الخلاف عند حصول الاتصال والالتقاء والعراقيون من أصحابنا أطبقوا على التصوير في الشَّد، ولعل السبب فيه أنهم ينظرون إلى الانجرار عند الجر، ولا يكون ذلك إلا بتقدير الشد، ثم اتفقت الطوائف على أنه لو جعل رأس الحبل تحت رجله صحت صلاته في الصور جميعها؛ لأنه ليس حاملاً لنجاسة، ولا لما هو متصل بنجاسة، وما تحت قدمه طاهر، فأشبه ما لو صلى على بساط طرفه الآخر نجس.
قال الغزالي: وَأَما البَدَنُ: فَيَجِبُ تَطْهِيُرُه كَمَا سَبَقَ في الطَّهَارَةِ، وَفِيهِ مَسْألَتَان: إِحْدَاهُمَا: إِذَا وَصَلَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ وَجَبَ (ح و) نَزْعُهُ وإِنْ كَانَ يَخَافُ الهَلاَكَ عَلَى المَنْصُوصِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّياً فِي الجَبْرِ بأن وَجَدَ عَظْماً طَاهِراً وَإِذَا لَمْ يَكْتِسِ العَظْمُ بِاللَّحْمِ فَإِنِ استَتَرَ سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ النَّزْعِ لَمْ يَنْزَع عَلَى النَّصِّ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ كُلُّهُ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ لاَ يَنْزعُ عِنْدَ خَوْفِ الهَلاَكِ.
قال الرافعي: "فيجب تطهيره كما سبق في الطهارة" لا اختصاص له بالبدن، بل حكم إزالة النجاسة فيه، وفي الثوب والمكان واحد، فلو ذكر هذا الكلام عند قوله:

(وهي واجبة في الثوب والبدن والمكان) لكان أحسن، إلا أن يريد به الإشارة إلى الاستنجاء أيضاً، فإن النجاسة التي تصيب البدن تنقسم إلى: ما يزال بالماء لا غير، وإلى ما يخفف بالحجر ونحوه، وهذا من خاصية البدن، ثم تكلم هاهنا في مسألتين: إحداهما: وَصَل العَظم.
ومن انكسر عظم من عظامه فجبره بعظم طاهر 1 فلا بأس، إن جبره بعظم نجس ينبغي أن يتذكر أولاً: إن هذا يتفرع على ظاهر المذهب في نجاسة العظام، فينظر إن احتاج إلى الجبر ولم يجد عظماً طاهراً يقوم مقامه فهو معذور للضرورة، وليس عليه نزعه، وإن لم يحتج إليه، أو وجد طاهراً يقوم مقامه، فيجب عليه النزع إن كان لا يخاف الهلاك، ولا تلف عضو من أعضائه، ولا شيئاً من المحذورات المذكورة في التيمم، فإن لم يفعل أجبره السلطان عليه، ولم تصح صلاته.
معه؛ لأنه حامل لنجاسة يمكنه إزالتها، وقد تعدى بحملها، ولا عبرة بالألم الذي يلحقه، ولا يخاف منه، ولا فرق بين أن يكتسي باللحم، وبين ألا يكتسي خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: إذا اكتسى باللحم لم يجب النزع، وإن كان لا يخاف الهلاك.
لنا: أنه حامل لنجاسة أصابته من خارج، ولم تحصل في معدن النجاسة، فيلزمه الإزالة عند القدرة، كما لو كانت على ظاهر البدن، ومال إمام الحرمين إلى ما ذكره أبو حنيفة، وذكر القاضي ابن كج: أن أبا الحسين حكاه عن بعض الأصحاب، وإن خاف من النزع الهلاك أو ما في معناه ففي وجوب النزع وجهان: أحدهما: يجب؛ لتفريطه، ولو لم ينزع لكان مصلياً عمره مع النجاسة، ونحن نحتمل سفك الدم في ترك صلاة واحدة.
والثاني: وهو المذهب الذي لا يجب إبقاء للروح، كما لو كان عليه نجاسة يخاف من غسلها التلف لا يجب عليه غسلها، بل يحرم وهذا في حالة الحياة، أما لو مات قبل النزع، فهل ينزع منه العظم الذي يجب نزعه في الحياة؟ فيه وجهان: أظهرهما: وهو الذي نص عليه في "المختصر"، وغيره: أنه لا ينزع؛ لأن فيه مثلة، وهتكًا لحرمة الميت، ولأن النزع في حالة الحياة إنما أمر به، محافظةً على شرائط الصلاة، فإذا مات زال التكليف، وسقط التعبد.
والثاني: أنه ينزع؛ لئلا يلقى الله -تعالى- حاملاً للنجاسة، ومنهم من خصص هذا

الوجه بما إذا لم يستتر باللحم، وقطع بنفي النزع بعد الموت عند استتاره، ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (وجب نزعه، وإن كان يخاف الهلاك على المنصوص)، الخلاف في وجوب النزع يرجع إلى حالة خوف الهلاك، وليس هو مختلفاً فيه على الإطلاق.
وقوله: (ولكن إذا كان متعديًا في الجبر) لا يختص بقولنا: يوجب النزع عند خوف الهلاك، بل حيث وجب النزع، إما وفاقاً وهو [في] 1 حالة عدم الخوف، أو على أحد المذهبين في حالة الخوف، فشرطه أن يكون متعدياً في الجبر.
وقوله في آخر المسألة: (فيه قول مخرج أنه لا ينزع عند خوف الهلاك) هو المقابل لقوله: هاهنا؛ (إن كان يخاف الهلاك على المنصوص) ولا تعلق له بقوله: (لم ينزع على النص)، لأنه ميت كله، وتعبيره عن الخلاف في وجوب النزع بالقولين المنصوص، والمخرج من تفرداته، وسائر الأصحاب لم يطلقوا في المسألة إلا وجهين، كما قدمنا، ورجحوا القول بعدم الوجوب، وايراده يشعر بترجيح الوجوب، ويجوز أن يقال: إنما عبر عن وجوب النزع بالمنصوص؛ لأن الشافعي -رضي الله عنه- قال في "المختصر": "ولا يصل ما انكسر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيًا، وإن رقعه بعظم ميته، أجبره السلطان على قلعه" وهذا مطلق يتناول حالة الخوف وعدمه، ولك أن تعلم قوله: (وإن كان يخاف الهلاك) بالحاء؛ لأن الصيدلاني روى عن أبي حنيفة، أنه لا ينزع عند خوف الهلاك، سواء التحم، أو لم يلتحم، وعند الالتحام لا ينزع خيف الهلاك، أم لم يخف.
وقوله: (بأن وجد عظماً طاهراً) معناه عظماً طاهراً يقوم مقام العظم النجس عند الحاجة إلى الجبر، وإلا فالتعدي لا يحصل بمجرد وجدان العظم الطاهر.
وقوله: "وإذا لم يستتر العظم باللحم، فإن استتر سقط حكم نجاسته" جواب عن الوجه [الأول] 2 الذي ذكرنا، أن إمام الحرمين مال إليه، والظاهر عند الجمهور أنه لا فرق بين أن يستتر، أو لا يستتر، حيث أوجبنا النزع فليكن، قوله: (وإذا لم يستتر) معلماً بالواو؛ لأنه جعله مشروطًا، وكذا قوله: (سقط حكم نجاسته) وقوله: (فإن مات قبل النزع لم ينزع على النص، لعلك تقول: ما معنى قوله: (لم ينزع) معناه أنه لا يجوز النزع، أم أنه لا يجب؟.
والجواب أن قضية التعليل بهتك الحرمة، أنه لا يجوز، وقضية التعليل الثاني، أنه

لا يجب، وقد اختلف كلام الناقلين في الوجه المقابل له، وهو أنه ينزع، منهم من روى الوجوب، ومنهم من قال: الأولى النزع.
وقوله: (لأنه ميت كله)، لفظ الشافعي -رضي الله عنه- قال في "المختصر": "فإن مات صار ميتاً كله، والله حسيبه" أي: محاسبه، فإن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، واختلفوا في معنى قوله: (صار ميتاً) منهم من قال: أراد أنه صار نجساً كله، مثل ذلك العظم، فلا معنى لقلعه، واستخرجوا من هذا اللفظ أن له قولاً في نجاسة الآدمي بالموت [ومنهم من قال: أراد أنه سقط عنه حكم التكليف بالموت] 1 وكنا نأمره بالقلع لحق الصلاة، فلا حاجة إلى النزع الآن، واعلم أن مداواة الجرح بالدواء النجس، والخيط النجس كالوصل بالعظم النجس، فيجب النزع، حيث يجب نزع العظم النجس، وكذا لو شق موضعاً من بدنه، وجعل فيه دماً، وكذا لو وشم يده بالنؤورة، أو العِظْلِم 2 فإنه ينجس عند الغرز، وحكى عن "تعليق" الفراء أنه يزال الوشم بالعلاج، فإن لم يمكن إلا بالجرح لا يجرح، ولا إثم عليه بعد التوبة.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ: قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوصِلَةَ وَالوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ وَالوَاشِرَةَ وَالمُسْتَوشِرَةَ 3، وَعِلَّةُ تَحْرِيمِ الوَصْلِ أَنَّ الشَّعْرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَجِسًا أو شَعْرَ أجْنَبيِّ لاَ يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُبَانًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ كَانَ شَعْرَ بَهِيمَةٍ وَلَمْ تَكُنِ المَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ فَهِيَ مُتَعَرضَةَ لِلتُّهْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَهِيَ مُلَبِّسَةٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ بإذْنِ الزَّوْجِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي تَحْمِيرِ الوَجْنَةِ تَرَدُّدٌ فِي إلْحَاقِهِ بِالوَصْلِ.
قال الرافعي: المسألة الثانية: "وصل الشَّعْرِ" والأصل فيه ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوشِمَةَ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ".
قال علماء العرب: الوَاصِلَة: هي التي تَصْلُ الشَّعْرُ بِشَعْرٍ آخرَ.
والمستوصلة: هي التي تسأل أن يفعل بها ذلك.

والوَشم: غرز ظهر الكف ونحوه بالإبرة، وأشباهه بالعِظْلِم 1 ونحوه حتى يخضر.
والوَاشِمَةُ: هي التي تفعل ذلك.
والمُسْتَوْشِمَة [هي] 2 التي يفعل بها.
والوَاشِرَة التي تشِر الأسنان حتى يكون لها أَشَرٌ، وهو التحدد، والرِّقَةُ في طرف الأسنان، تفعله الكبيرة تشبهاً بالصغائر، ويروى [بدل] (3) "المستوشمة والمستوشرة" "المتوشمة والمتوشرة" والمعنى واحد.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن وصل الشَّعْرِ حَرَامٌ وِفاقاً في بعض الأحوال، وخلافاً في بعضها.
ثم قد يحرم لمعنى واحدٍ، وقد يجتمع له معان، وتفصيله أن الشَّعْرَ إما نجس، وإما طاهر، وهذا التقسيم مفرع على ظاهر المذهب، وهو أن الشعر قد ينجس بالموت، فأما الشعر النجس فيحرم وصله؛ لأنه لا يجوز استصحابه في الصلاة، وفي غير الصلاة يكون مستعملاً للشيء النجس العين في بدنه استعمال اتصال، وذلك حرام في أصح القولين، ومكروه في الثاني إلا عند ضرورة أو حاجة حاقة، ونظيره الادهان بالدهن النجس، ولبس جلد الميتة والكلب والخنزير، والامتشاط بمشط عاج، كل ذلك حرام على الأصح.
وأما غير النجس فينقسم إلى شعر الآدمي وغيره، وهذا التقسيم مفرع على ظاهر المذهب، وهو أن شعر الآدمي لا ينجس بالموت والإبانة، فأما شعر الآدمي فيحرم وَصْلُه؛ لأن من كرامته أن لا ينتفع بشيء منه بعد مَوْتِهِ وانفصاله عنه، بل يدفن؛ وأيضاً فلأنه إن كان شعر رجل فيحرم على المرأة استصحابه والنظر إليه، وإن كان شعر امرأة فيحرم على زوجها، أو سيدها النظر إليه، وهذا بتقدير أن يكون شعر رجل أجنبي عنها، أو شعر امرأة أجنبية عن زوجها أو سيدها، وبتقدير أن يتفرع على أن العضو المبان يحرم النظر إليه، ومسه، وفيه وجهان، فإن كان شعر رجل من محارمها، أو شعر امرأة من محارم زوجها، أو لم يكن لها زوج، أو فرعنا على جواز النظر إلي العضو المبان، فلا تكاد تطرد هذه العلة الأخيرة.
ويثبت التحريم بظاهر الخبر، وبالمعنى الأول، ولا فرق في تحريم الوَصْلِ بالشعر النجس، وشعر الآدمي، بين أن تكون المرأة خَلِيَّة، أو ذات زوج.
وأما شعر غير الآدمي فينظر فيه إلى حال المرأة، إن لم يكن لها زوج ولا سيد فلا يجوز لها وصله للخبر، ولأنها تعرض نفسها للتُّهمَةِ، ولأنها تغر الطَّالِبَ، وذكر الشَّيْخُ أبو حامد، وطائفة: أنه يكره، ولا يحرم.
الأول: أظهر، وبه قال القاضي ابن كج والأكثرون، فإن كان لها زوج، أو سيد

فلا يجوز لها الوصل بغير إذنه، لأنه تغرير له، وتلبيس عليه، وإن وصلت بإذنه فوجهان: أحدهما: المنع أيضاً؛ العموم الخبر.
وأقيسهما وأظهرهما: الجواز كسائر وجوه الزينة المحببة إلى الزوج.
وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ومتبعوه: لا يحرم، ولا يكره إذا كان لها زوج، ولم يفرقوا بين أن يأذن، أو لا يأذن، وسوي ابن كج بين حالتي الإذن وعدمه، وحَكَى في الجواز وجهين فيهما، هذا حاصل المسألة.
وقوله: (وعلة تحريم الوصل) يوهم الجزم بالتحريم على الإطلاق، ورد الكلام إلى العلة؛ لكنه لم يرد ذلك؛ ألا تراه يقول آخراً: (لم يحرم على أقيس الوجهين).
وإنما أراد أن يبين مواضع التحريم؛ خلافاً ووفاقاً مع التعرض للمعاني الموجبة للتحريم، فقوله: (إما أن يكون نجساً)، أي: فيحرم.
وهو إشارة إلى قسم النَّجِسِ من الشُّعْورِ، وغير النجس على ما ذكرناه في شعر الآدمي.
وقوله: (أو شعر أجنبي) إشارة إليه، وأما شعر غيره، وهو قوله: (أو شعر بهيمة) وإنما قال: (أو شعر أجنبي)، لأنه أراد التعليل بالمعنى الثاني على ما سبق، دون المعنى الأول، وهو كرامة الآدمي، والشَّعْرُ الموصول مبان فبين أن في تحريم النظر إلى العضو المبان وجهين؛ ليعرف أن التحريم معللاً بهذا المعنى إنما يستمر على قولنا بتحريم النظر.
واعلم أنه نص في هذا الموضع على وجهين في تحريم النظر، والذي أجاب به في أول كتاب النكاح، إنما هو التحريم، حيث قال: (والعضو المبان كالمتصل)، وسنشرح المسألة ثم -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (فهي متعرضة للتهمة)، أي: فيحرم عليها، وكذا قوله: (فهي ملبسة عليه)، وكأنه حذف ذكر التحريم اكتفاء بقوله أولاً: (وعلة تحريم الوصل) ولا بأس لو أعلمت قوله: (إما أن يكون نجساً) بالحاء، والواو؛ لأن عنده الشَّعْر لا يكون نجساً أصلاً، وهو قول لنا، وأما قوله: (وفي تحمير الوجنة 1 تردد) فاعلم أن الصيدلاني، والقاضي الحسين ذكرا في طريقهما أن تحمير الوجنة كوصل الشَّعْرِ الطاهر، فلا يجوز إن كانت المرأة خلية، ولا إذا كانت ذات زوج ولم يأذن لها، وإن فعلته بإذنه ففيه وجهان، واستبعد إمام الحرمين -قدس الله روحه- الخلاف فيما إذا كان بإذن الزَّوْجِ، وخصه بالوَصْل؛ لأنه ورد فيه النَّهْيُ، وفيه تغيير للخِلْقَة، وليس في التحْمِير نَهْيً، وَلا

تغيير ظاهر، إذا الوجنة قد تحمر لعارض غضب، أو فرح، فعلى هذا لا [يلتحق تحمير] 1 الوجنة بوصل الشَّعْرِ الطاهر على الإطلاق، بل هو جائز عند الإذن بلا خلاف، وعلى الأول يلتحق به مطلقاً، فهذا تنزيل التردد المذكور في الكتاب ومعناه؛ ونسب في "الوسيط" التردد في المسألة إلى الصيدلاني، وليس في كلامه ما يقتضي ذلك، ولا حكاه إمام الحرمين عنه، والخضاب بالسواد، وتطريف الأصابع ألحقوه بالتحمير.
قال في "النهاية": ويقرب منه تجعيد الشَّعْرِ، ولا بأس بتصفيف الطرة 2 وتسوية الأصداغ، وأطلقوا القول باستحباب الخضاب بالحناء لها بكل حال، وقد تنازع معنى التعرض للتهمة في بعض هذه الأحوال 3 إذا كانت خَلِيَّة، فليكن الأمر على تفصيلٍ سنحكيه في فصل سُنَنِ الإِحْرَامِ -إن شاء الله تعالى-.
وأما الوشم المذكور في الخبر فلا يجوز بحال، والوشر كوصل الشعر الظاهر.
قال الغزالي: (وَأَمَّا المَكَانُ) فَلْيَكُن كُلُّ مَا يُمَاسُّ بَدَنَهُ طَاهِراً (ح) وَمَا لاَ يُمَاسُّ فَلاَ بَأْسَ بِنَجَاسَتِهِ إلاَّ مَا يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي السُّجُودِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَنَّهُ كالْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ.
قال الرافعي: يجب أن يكون ما يلاقي بدن المصلي وثيابه من موضع الصلاة طاهراً، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يشترط إلا طهارة موضع القدمين، وفي رواية: طهارة موضع القدمين والجبهة، ولا يضر نجاسة ما عداه إلا أن يتحرك بحركته.
لنا النهي عن الصلاة في المزبَلة والمجزرة، كما سيأتي، ولا سبب له إلا نجاستهما، وكما يعتبر ذلك في جهة السفل، يعتبر في جهة العلُوّ والجوانب المحيطة به، حتى لو وقف بحيث يحتك في صلاته بجدار نَجِسٍ [أو سقف نجس] 4 بطلت صلاته، ولو صلى على بُسَاطٍ تحته نجاسة، أو على طرف آخر منه نجاسة، أو على سرير قوائمه على نجاسة لم يضر، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال [إذا كان] 5 يتحرك ذلك الموضع بحركته لم يجز، وإذا نجس أحد البيتين تحرى كما في الثياب والأواني، وإذا اشتبه مكان من بيت أو بساط فوجهان: أصحهما: أنه لا يجزئ؛ كما لو خفي موضع النجاسة من الثوب الواحد.

والثاني: نعم، كما لو اشتبه ذلك في الصحراء يتحرى ويصلي، ولو كان ما يلاقي بدنه وثيابه من موضع الصلاة طاهراً، لكن كان ما يحاذي صدره، أو بطنه، أو شيئاً من بدنه في السجود نجساً فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن القدر الذي يوازيه منسوب إليه بكونه مكان صلاته، فيعتبر طهارته كقميصه الفوقاني الذي لا يلاقي بدنه، لما كان منسوباً إليه نعتبر طهارته.
وأصحهما: أن صلاته صحيحة؛ لأنه ليس حاملاً للنجاسة، ولا ملاقياً لها، فصار كما لو صَلَّى على بُسَاطٍ أحد طرفيه نجس تصح صلاته، وإن عد ذلك مصلاة ونسب إليه.
وقوله: (فليكن كل ما يماس بدنه طاهراً) ينبغي أن يعلم بالحاء، وكذا قوله: (فلا بأس بنجاسته) لما ذكرناه، والمراد ما يماس بدنه وثيابه.
وقوله: (وما لا يماس) أي: لا يماسهما، وفي لفظ المماسة إشارة إلى أنه لو كان تحت البساط الذي يصلي عليه نجاسة لم يضر، وإن كان يصلي على نجاسة؛ لأنه لا مماسة، ولو بسط على النجاسة ثوباً مهلهل النسيج وصلى عليه فإن كان يحصل المماسة والالتقاء في الفُرَج لم تصح الصلاة، وإن كان لا يحصل الالتقاء لكن النجاسة تحاذي من الفُرَجِ يده الموضوعة عليه في السجود أو سائر بدنه، فهذا على الوجهين السابقين في نجاسة ما يحاذي صدره.
قال الغزالي: وَقَد نَهَىَ عليه السلام عنِ الصَّلاَةِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: المَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَبَطْنِ الوَادِي وَالحَمَّامِ وَظَهْرِ الكَعْبَةِ وَأَعْطَانِ الإبِلِ 1، أَمَّا مَسْلَخُ الحَمَّامِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَأَعْطَانُ الإِبِلِ مُجْتَمَعُهَا عِنْدَ الصَّدْرِ عنِ المَنْهَلِ إِذْ لاَ يُؤْمَنُ نِفَارُهَا، هَذَا حُكْمُ النَّجَاسَاتِ الَّتِى لاَ عُذْرَ فِي اسْتِصْحَابِهَا.
قال الرافعي: مما يتعلق بمكان الصلاة الكلام في الأماكن التي ورد النهي عن الصلاة فيها، وقد روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المَزْبَلَةِ والمجزَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّريق، وبطن الوادي، والحَمَّامِ، ومَعَاطِنِ الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى ويروى بدل بطن الوادي: المَقْبَرَةُ 2. فأما المزبلة والمجزرة، فالنهي فيهما لنجاسة المكان، فلو فرش 3 عليه ثوباً أو

بساطًا طاهراً صحت الصلاة، وتبقى الكراهية لكونه مصلياً على النجاسة، وإن كان بينه وبينها حائل.
وأما قارعة الطَّريق فللنهي فيها معنيان: أحدهما: غلبة النجاسة في الطرق.
والثاني: أن مرور الناس يشغله عن الصلاة.
قال في "التتمة": اختلفوا في أن العلة ماذا؟ وبنى عليه الصلاة في جوار الطرق في البراري، إن قلنا: النهي للمعنى الأول يثبت فيها أيضاً، وإن قلنا: للمعنى الثاني فلا، وفي صحة الصلاة في الشوارع مع غالبة النجاسات فيها القولان اللذان ذكرناهما في باب الاجتهاد؛ لتعارض الأصل والغالب، فإن صححناها فالنهي للتنزيه، وإلا فللتحريم، فلو بسط شيئاً طاهراً صحت لا محالة، وتبقى الكراهة بسبب الشغل.
وأما بطن الوادي فسبب النهي فيه خوف السيل السالب للخشوع، فإن لم يتوقع السيل ثم فيجوز أن يقال: لا كراهة، ويجوز أن يتبع ظاهر النهي 1. وأما الحَمَّام فقد اختلفوا في سبب النهي فيه، منهم من قال سببه أنه يكثر فيه النجاسات والقاذورات، فيخاف إصابة الرشاش إياه، ومنهم من قال: بل سببه أنه مأوى الشيطان، فلا يصلى فيه، وفي المسلخ وجهان مبنيان على هذين المعنيين، إن قلنا: بالأول فلا تكره الصلاة فيه، وإن قلنا: بالثاني فتكره، وأيضاً فإن دخول الناس يشغله، وهذا الوجه أظهر، وتصح الصلاة بكل حال في المسلخ وغيره إذا علم طهارة الموضع؛ خلافاً لأحمد.
وأما ظهر الكعبة، فحكمه ما سبق في باب الاستقبال.
وأما أعطان الإبل ففد فسرها الشافعي -رضي الله عنه- بالمواضع التي تنحى إليها الإبل الشَّاربة، ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت استبقت، وهو المراد من قوله: (مجتمعها عند الصدر من المنهل)، وليس النهي فيها لمكان النجاسة، فإنه لا كراهة في مراح الغنم، وأمر النجاسة لا يختلف، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَدْرَكْتُكُمُ الصَّلاَةُ، وَأَنْتُمْ فِي

مَرَاحِ الْغَنَم، فَصَلُّوا فِيهَا، فَإنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ، وَإِذَا أَدْرَكَتُكُمُ، وَأَنْتُمْ فِي أَعْطَانِ الإبِلِ؛ فَاخْرُجُوا مِنْهَا، وَصَلُّوا، فَإِنَّهَا جِنٌّ خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ، [أَلاَ تَرَى إِذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِأَنْفِهَا" 1. والفرق من وجهين: أحدهما: قال الشافعي -رضي الله عنه- يبين الخبر أنها خلقت من جن] 2، والصلاة تكره في مأوى الجن والشياطين، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "اخْرُجُوا مِنَ هذَا الْوَادِي، فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَاناً" 3. والثاني: أنه يخاف من نفارها، وذلك يبطل الخشوع، وهذا المعنى لا يوجد في الغنم، ومراح الغنم هو مأواها لَيْلاً، وقد يُصَوَّرَ في الغنم مثل ما صُوِّرَ في أعطان الإبل، وحكمهما واحد، ومأوى الإبل ليلًا كالموضع المعبر عنه بالعطن، نظراً إلى أنها مخلوقة من الجن، ويخاف منها أيضاً، نعم النّفار في الموضع الذي تقف فيه صادرة من المنهل أقرب لاجتماعها، وازدحامها جاثية وذاهبة، فتكون الكراهة فيه أشد، وكل واحد من العطن والمراح إذا كان نجساً بالأبوال والأبعار لم تجز الصلاة فيه، وإن كانا طاهرين صحت مع افتراقهما في الكراهة.
وقال أحمد: لا تصح الصلاة في العطن بحال.
وأما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إلاَّ الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ" 4. ثم إن كانت جديدة لم تنبش، أو فرش على نبشها ثوباً طاهراً، وصلى صحت صلاته، خلافاً لأحمد، وإن صلى في مقبرة يعلم أن موضع الصلاة منها منبوش لم تصح الصلاة؛ لاختلاط صديد الموتى به، وإن شك في نبشه فقولان سبقاً في نظائر المسألة.
أظهرهما: الجواز؛ لأن الأصل الطهارة، وبه قال [مالك، وابن أبي هريرة] 5.

والثاني: المنع؛ لأن الغالب في المقابر النبش، وبه قال أبو إسحاق، ويكره استقبال القبور في الصلاة؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى أَنْ تُتَّخَذَ الْقُبُور مَحَارِيبَ" 1. هذا تمام الكلام في النَّجاسات التي ليست هي في مظنة العفو والعذر.
قال الغزالي: أَمَّا مَظَانُّ الأعْذَارِ فَخَمْسَةٌ: (الأوُلِىَ) الأَثَرُ عَلَى مَحَلِّ النَّجْو، وَلَوْ حَمَلَ المُصَلِّي مَنِ اسْتَجْمَرَ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ العَفْوَ فِي مَحَلِّ نَجْوِ المُصَلِّي لِلْحَاجَةِ وَلَوْ حَمَلَ طَيْرًا جَازَ، وَمَا فِي البَطْنِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ قَبْلَ الخُرُوجِ لِأَنَّهَا مُسْتَتِرَةٌ خِلْقَةٌ، وَمَا عَلَى مَنْفَذِهِ لاَ مُبَالاةَ بِهِ عَلَى الأَظْهَرِ، وَفِي إِلْحَاقِ البَيْضَةِ المَذِرَةِ بِالحَيَوانِ تَرَدُّدٌ، لِأَنَّ النَّجَاسة مُسْتَتِرَةٌ خِلْقَةٌ، وَالقَارُورَةُ المُصَمَّمَةُ الرَّأْسِ لَيْسَتْ كَالْبَيْضَةِ (و).
قال الرافعي: القسم الثاني من النجاسات: النجاسات الواقعة مظنة العذر والعفو، وقد جعل مظان العذر خمساً: إحداها: الأثر على محل النجو إذا استنجى بالحجر، فهو معفو عنه، وإن كان ذلك الأكل نجساً، أما كونه معفوًا عنه؛ فلما سبق من جواز الاقتصار على الحجر، وأما كونه نجساً، فلأن المطهر هو الماء، فلو خاض في ماء قليل نجس الماء؛ لأن العفو رخصة، وتخفيف الخوض في الماء مما تندر الحاجة إليه، ولو حمل المصلي من استنجى بالحجر ففي صحة صلاته وجهان: أحدهما: تصح؛ لأن ذلك الأثر واقع في محل العفو، فلا عبرة به، كما لو صلى المحمول معه، وكما يعفى عنه من الحامل.
وأصحهما: أنها لا تصح؛ لأن العفو عنه من المستجمر إنما كان للحاجة، ولا حاجة به إلى حمل الغير، فصار كما لو حمل شيئاً آخر نجساً، وينسب الوجه الأول إلى الشيخ أبي علي، والثاني إلى القفال.
ويجري الوجهان فيما إذا حمل المصلي من على ثوبه نجاسة معفو عنها 2، ويقرب منهما الوجهان فيما لو عرق وتلوث بمحل النجو غيره، لكن الأصح هاهنا العفو لتعذر الاحتراز 3 بخلاف حمل الغير ولو حمل طيراً، أو حيواناً آخر لا نجاسة عليه

جارٍ التحميل