العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 43-82

الفصل الثاني: لو باع ذراعاً من أرض أو دار أو ثوب ينظر إن كانا يعلمان جملة ذرعانها، كما إذا باع ذراعاً، والجملة عشرة فالبيع صحيح، وكأنه قال: بعت العشر قال الإمام: إلا إن يقين يعني فيفسد كقوله: شاة من القطيع، ولو اختلفا فقال المُشْتري: أردت الإِشَاعَة فالعقد صحيح، وقال البائع: بل أردت معيناً ففيمن يصدق؟ احتمالات 1 وذكر أيضاً تخريج وجه في فساد العقد، وإن لم نعنِ بالذِّرَاع معيناً، وستعرف كيفيته -إن شاء الله تعالى- وإن كانا لا يعلمان أو أحدهما ذُرعان الدار والثوب لم يصح البيع؛ لأن أجزاء الأرض والثوب تتفاوت غالباً في المنفعة والقيمة والإشاعة متعذرة.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يصح.
البيع سواء كانت الذّرْعَان معلومة أو مجهولة ذهاباً إلى أنَّ الذِّراع اسم بقعة مخصوصة فيكون البيع مبهماً، ولو وقف على طرف الأرض وقال: بعتك كذا أذراعاً من موقفي هذا في جميع العرض إلى حيث ينتهي في الطول صح البيع في أحد الوجهين.
إذا عرفت الفصلين فنقول: إذا قال: بعتك صاعاً من هذه الصُّبْرَة بكذا فله حالتان: إحداهما: أن يعلما مبلغ صِيْعَان الصُّبْرَة فالعقد صحيح، ونقل إمام الحرمين في تنزيله خلافاً للأصحاب، منهم من قال: المبيع صاع من الجملة مشاع، أي صاع كان، لأن المقصود لا يختلف، فعلى هذا يبقي المبيع ما بقي صاع، وإذا تلف بعض الصُّبْرَة لم يتقسط على المبيع وغيره.
ومنهم من نزل الأمر على الإِشَاعَة وقال: إذا كانت الصُّبْرَة مائة صاع فالمبيع عشر العشر، وعلى هذا لو تلف بعض الصُّبْرَة تلف بقدره من المَبِيع، هذا ما أورده الجمهور في هذه الحالة ومنهم صاحب الكتاب.
والثانية: أن لا يعلما أو أحدهما مبلغ صِيْعَانها، ففي صحة البيع وجهان: أحدهما: وهو اختيار القفال: أنه لا يصح؛ لأن المبيع غير معيّن ولا موصوف فأشبه ما لو باع ذِراعاً من أرض أو ثوب وجملة الذّرْعَان مجهولة، أو باع صاعاً من ثمرة النَّخْل.
والثاني: هو للحكاية عن نصه: أنَّهُ صحيح والمبيع صاع منها أي صاع كان حتى لو تلف جميعها سوى صاع واحد تعين العقد فيه، والبائع بالخيار بين أن يسلم من أعلى الصُّبْرَة أو من أسفلها، وإن لم يكن الأسفل مرئياً؛ لأن رؤية ظاهر الصُّبْرَة كرؤية

كلها 1، ويفارق صورة الاستشهاد؛ لأن أجزاء الصبرة الواحدة لا تختلف غالباً بخلاف تلك الصورة.
قال المعتبرون: والوجه الثاني أظهر في المذهب، ولكن القياس الأول؛ لأنه لو فرق صِيْعَان الصُبرة وقال: بعتك واحداً منها لم يصح، فما الفرق بين أن تكون متفرقة أو مجتمعة، وأيضاً لأنه لو قال: بعتك هذه الصبرة إلاَّ صاعاً منها لا يصح العقد، إلاَّ أن تكون الصَّيْعَان معلومة، ولا فرق بين استثناء المعلوم من المجهول واستثناء المجهول من المعلوم في كون الباقي مجهولاً، وفيما جُمِعَ من فتاوى القفال: أنه كان إذا سُئِلَ عن هذه المسألة يفتي بالوجه الثاني مع ذهابه إلى الأول، ويقول المستفتي يستفتي عن مذهب الشافعي -رضي الله عنه- لا عما عندي، ثم ذكر الأئمة للخلاف في المسألة مأخذين.
أحدهما: حكوا خلافاً في أن علّة بطلان البيع فيما إذا قال: بعت عبداً من العبيد ماذا؟ فمن قائل: علَّته الغَرَر مع سهولة الاجتناب عنه، ومن قائل: علته أنه لا بد للعقد من مورد يتأثر به كما في النِّكَاح، قالوا: والخلاف الذي نحن فيه مبني عليه، فعلى الثاني لا يصح وعلى الأول يصح، إذ لا غَرَر لتساوي أجزاء الصُّبْرَة والثاني: قال الإمام: هو مبني على الخلاف في تنزيل العقد عند العلم بالصِّيْعَان، إن قلنا: المبيع ثم مشاع في الجملة فالبيع باطل لتعذُّر الإشاعة.
وإن قلنا: المبيع صَاعٌ غير مشاع فهو صحيح هاهنا أيضاً، وهذا البناء لا يسلم عن النزاع لما ذكرنا أن الجمهور نزلوه في صورة العلم على الإشاعة مع جعلهم الأظهر هاهنا الصحة فكأنهم نزلوه على الإشاعة إن أمكن، وإلاَّ قالوا: المبيع صاع أي صاع كان لاستواء الغرض.
ثم ادَّعى الإمام أن من لا يرعى الجزئية والإشاعة يحكم ببطلان البيع فيما إذا باع ذراعاً من أرض معلومة الذّرْعَان، وهذا هو الوجه الذي سبقت الإشارة إليه، ولم أر له ذكراً إلاَّ في كتابه.
المسألة الثانية: قوله: وإبهام ممرّ الأرض المبيعة كإِبْهَام نفس المبيع، صورتها أن يبيع أرضاً محفوفة بملكه من جميع الجهات، وشرط أن للمشتري حقّ الممر إليها من جانب ولم يعين، فالبيع باطل؛ لأن الأغراض تتفاوت باختلاف الجوانب، ولا يؤمن إفضاء الأمر إلى المنازعة، فجعلت الجهالة في الحقوق كالجهالة في المعقود عليه.
أما إذا عين الممرّ من جانب فيصح البيع، وكذا لو قال: بعتكها بحقوقها، وثبت

للمشتري حق الممر من جميع الجوانب، كما كان ثابتاً للبائع قبل البيع، وإن أطلق البيع ولم يتعرض للممر ففي المسألة وجهان: أظهرهما: أن مطلق البيع يقتضي حق الممر لتوقُّف حق الانْتِفَاع عليه، فعلى هذا البيع صحيح، كما لو قال: بعتكها بحقوقها.
والثاني: أنه لا يقتضيه، لأنه لم يتعرض له، فعلى هذا هو كما لو نفى الممر وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ البيع صحيح لإمكان التَّدرج إلى الانتفاع بتحيصيله ممرّاً.
وأصحهما عند الإمام وغيره: البطلان لتعذر الانتفاع بها في الحال، ولو أن الأرض المبيعة كانت ملاصقة للشَّارع، فليس للمشتري طروق ملك البائع، فإنّ العادة في مثلها الدخول من الشارع فينزل الأمر عليها، ولو كانت ملاصقة لملك المشتري فلا يتمكن من المرور فيما أبقاه البائع لنفسه بل يدخل فيه من ملكه القديم، وأبدى الإمام احتمالاً قال: وهذا إذا أطلق البيع، أما إذا قال: "بحقوقها" فله المرور في ملك البائع، وصاحب الكتاب رجح من وجهي مسألة نفي الممر وجه الصحة، لكن الأكثرين على ترجيح مقابله، وتوسّط في "التهذيب" فقال: إن أمكن اتخاذ ممرٍّ من جانب صح البيع، وإلاّ فلا، ولو بَاعَ داراً، واستثنى لنفسه بيتاً فله الممر، وإن نفى الممر نظر إن أمكن اتخاذ ممر آخر صح، وإن لم يمكن فوجهان، ووجه المنع ما قدمناه عن شارح "المفتاح".
1 قال الغزالي: أَمَّا القَدْرُ فَالْجَهْلُ بهِ فيمَا في الذِّمَّةِ ثَمَناً أَوْ مُثَمَّناً مُبْطِلٌ كَقَوْلِهِ: بِعْتُ بِزِنَةِ هَدِهِ الصَّنْجَةِ، وَلَوْ قَالَ: بعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلُّ صَاعٍ بدِرْهَمٍ صَحَّ (ح)، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّيْعَانِ، لِأَنَّ تَفْصِيلَ الثَّمَنِ مَعْلُومٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ جُمْلَتَهُ وَالغَرَرُ يَنْتَفِي بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيّنًا فَالوَزْنُ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بَلْ يَكْفِي عِيَانُ صُبْرَةِ الحِنْطَةِ وَالدَّرَاهِم، فَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا دِكَّةٌ تَمْنَعُ تَخْمِينَ القَدْرِ فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْ بَيْعِ الغَائِبِ لاسْتِوَاءِ الغَرَرِ، وَقَطَعَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِالبُطْلاَنِ لِعُسْرِ إِثْبَاتِ الخِيَارِ مَعَ جَرَيَانِ الرُّؤْيَةِ.
قال الرافعي: المبيع قد يكون في الذمة وقد يكون معيناً، والأول: هو السَّلم 2، والثاني: وهو المشهور باسم البيع، والثمن فيهما جميعاً قد يكون في الذمة، وإن كان

يشترط في السَّلم التَّسليم في مجلس العقد، وقد يكون معيناً، فما كان في الذمة من العوضين، فلا بد وأن يكون معلوم القدر حتى لو قال: بعتك ملء هذا البيت 1 حِنطة "أو بزِنَةِ هذه الصّنْجَة ذهباً" لم يصح البيع، وكذا لو قال: "بعت هذا بما باع به فلان فرسهَ أو ثوبه" وهما لا يعلمانه أو أحدهما، لأنه غرر يسهل الاجْتناب عنه.
وحكى وجه أنه يصح لإمكان الاسْتكشاف وإزالة الجهالة، فصار كما إذا قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع منها بدرهم يصح البيع، وإن كانت الجملة مجهولة في الحال نقله في "التَّتمة".
وذكر بعضهم: أنه إذا حصل العلم قبل التَّفرق صح البيع، ولو قال: بعتك بمائة دينار إلاَّ عشرة دراهم لم يصح، إلاَّ أن يعلما قيمة الدينار بالدراهم 2. ولو قال: بعتك بألف من الدَّراهم والدنانير لم يصح؛ لأن قدر كل واحد منهما مجهول، وعن أبي حنيفة: أنه يصح.
وإذا باع بدراهم أو دنانير فلا بد من العلم بنوعهما، فإن كان في البلد نقد واحد أو نقود، ولكن الغالب التعامل بواحد منها انصرف العقد إلى المَعْهُود، وإن كان فلوساً 3 إلاَّ أنْ يعين غيره، وإن كان نقد البلد مَغْشُوشاً فقد ذكرنا وجهين في صحة التعامل به في "كتاب الزكاة" إلاَّ أنا خصصنا الوجهين بما إذا كان مقدار النُّقْرة مجهولاً، وربما نقل العراقيون الوجهين على الإطلاق، ووجهوا المنع بأن المقصود غير مميز عما ليس بمقصود، فأشبه ما لو ثيب اللّبن بالماء وبيع فإنه لا يصح، وكيف ما كان فالأصح الصحة، وإذا فرعنا عليه انْصَرَف العقد عند الإطلاق إليه، وحكى صاحب "التَّتمة" وجهاً ثالثاً في التَّعامل بالدَّراهم المغشوشة وهو: أنه إن كان الغش غالباً لم يجز، وإن كان مغلوباً فيجوز، وادعى أن هذا مذهب أبي حنيفة واختيار القاضي الحسين، ولو باع شيئاً بدراهم مغشوشة ثم بَانَ أن نقرتها يسيرة جدّاً فله الرد، وعن أبي الفَيَّاض تخريج وجهين فيه، وإن كان في البلد نَقْدَان أو نُقُود مختلفة، وليس بعضها أغلب من بعض فالبيع

باطل حتى يعين، وتقويم المُتْلفات يكون بغالب نقد البلد، فإن كان في البلد نقدان فصاعداً ولا غالب عين القاضي واحداً للتَّقويم.
ولو غلب من جنس العرض نوع، فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان: المحكي عن أبي إسحاق: أنه ينصرف كما ذكرنا في العَقْد.. قال في "التَّتمة" وهو المذهب: ومن صوره أن يبيع صاعاً من الحِنْطَة بصاع منها، أو بِشَعِيرِ في الذِّمة ثم أحضر قبل التفرق.
وكما ينصرف العقد إلى النَّقد الغالب ينصرف في الصِّفَات إليه أيضاً حتى لو باع بدينار أو بعشرة، والمعهود في البلد الصِّحَاح انصرف العقد إليه، وإن كان المعهود المُكَسرة فكذلك.
قال في "البيان": إلاَّ أن تتفاوت قِيَم المُكَسرة فلا يصح، وعلى هذا القياس لو كان المعهود أن يوجد نصف الثمن من هذا والنّصف من ذاك، أو أن يوجد على نسبة أخرى فالبيع صحيح محمول عليه.
وإن كان يعهد التَّعَامل بهذا مرَّة وبهذا مرة ولم يكن بينهما تفاوت صح البيع، ويسلم ما شاء منهما، وإن كان بينهما تفاوت بطل البيع، كما لو كان في البلد نَقْدَان غالبان وأطلق.
ولو قال: بعت بألف صِحَاح ومكسرة فوجهان: أظهرهما: أنه يبطل، لأنه لم يبّين قدر كلّ واحد منهما.
والثّاني: يصح ويحمل على التَّنصيف، ويشبه أن يكون هذا الوجه جارياً فيما إذا قال بألف ذهباً وفضة 1 ولو قال: بعت بدينار صحيح فجاء بصحيحين وزنهما مثقال فعليه القبول؛ لأن الغرض لا يختلف بذلك، ولو جاء بصحيح وزنه مثقال ونصف قال في "التتمة": عليه قبوله والزيادة أمانة في يده، والحق أنه لا يلزمه القبول لما في الشّركة من الضرر.
وقد ذكر صاحب "البيان" نحواً من هذا، ولكن إن تراضيا عليه جاز، وحينئذ لو أراد أحدهما كسره وامتنع الآخر لم يجبر عليه لما في هذه القسمة من الضرر.
ولو باع نصف دينار صحيح وشرط أن يكون مدوّراً جاز إن كان يعم وجوده، وإن لم يشرط فعليه شقّ وزنُه نصف مثقال، فإن سلم إليه صحيحاً أكثر من نصف مثقال وتراضياً على الشّركة فيه جاز.
ولو باعه شيئاً بنصف دينار صحيح ثم باعه شيئاً آخر بنصف دينار صحيح، فإن

سلّم صحيحاً عنهما فقد زاده خيراً، وإن سلم قطعتين وزن كل واحدة نصف دينار جاز، وإن شرط في العقد الثاني تسليم صحيح عنهما فالعقد الثَّاني فاسد والأَوَّل ماض على الصِّحة، إن جرى الثاني بعد لزومه، وإلاَّ فهو إلحاق شرط فاسد بالعقد في زمان الخِيَار، وسيأتي حكمه.
ولو باع بنقد قد انقطع عن أيدي الناس فهو باطل لعدم القدرة على التَّسليم، وإن كان لا يوجد في تلك البلدة ويوجد في غيرها، فإن كان الثمن حالاً أو مؤجلاً إلى مدة لا يمكن نقله فهو باطل أيضاً، وإن كان مؤجلاً إلى مدة يمكن نقله صح، ثم إن حلّ الأجل وقد أحضره فذاك، وإلاّ فيبنى على أن الاسْتِبْدَال عن الثمن هل يجوز؟ إن قلنا: لا فهو كما لو انقطع المسلم فيه.
وإن قلناة نعم فيستدل ولا يفسخ العقد.
وفيه وجه: أنه يفسخ، وإن كان يوجد في البلد إلا أنه عزيز.
فإن قلنا: يجوز الاسْتِبْدَال عن الثَّمن صحَّ العقد، فإن وجد فذاك وإلاَّ تبادلا وإن قلنا: لا لم يصح.
ولو كان القدر الذي جرى به التَّعامل موجوداً ثم انقطع، إن جوزنا الاستبدال تبادلاً، وإلاَّ فهو كانقطاع المسلم فيه.
ولو باع شيئاً بنَقْد معيّن أو مطلقاً، وحملناه على نقد البلد، فأبطل السلطان ذلك النقد لم يكن للبائع إلاّ ذلك النقد، كما لو أسلم في حنطته فرخصت ليس له غيرها.
وفيه وجه آخر: أنه مخير إنْ شَاء، أجاز العقد بذلك النَّقْد، وإن شاء فسخه، كما لو تعيب المبيع قبل القبض، وعن أحمد: أنه يجب تسليم النقد الجديد بالقيمة.
وإذا وقفت على هذه المسائل فاعلم: أن صاحب الكتاب لما ذكر أن العلم بقدر العوض لا بد منه إذا كان في الذمة احتاج إلى بيان مسألة هي كالمستثناة عن هذه القاعدة، وهي أنه لو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم يصح العقد، وإن كانت الصُّبْرَة مجهولة الصِّيْعَان وقدر الثمن مجهولاً، وبه قال مالك وأحمد، وكذا الحكم لو قال: بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب، كل ذراع بدرهم أو هذه الأغنام، كل واحدة بدينار.
وقال أبو حنيفة: إذا كانت الجملة مجهولة صح البيع في مسألة الصُّبْرَة، وفي قَفِيزٍ واحد دون الباقي.
وفي مسألة الأرض والثوب لا يصح في شيء، وهذا ما حكاه القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الحسين في الصور كلها، وجه الصحة: أنَّ الصُّبْرَةَ مشاهدة، والمشاهدة كافية في الصحة على ما سنذكره، ولا يضر الجهل بمبلغ الثمن؛ لأن تفصيله معلوم، والغَرَرُ

يرتفع به، فإنه يعلم أقصى ما تنتهي إليه الصُّبْرَة، وقد رغب فيها على شرط مقابلة كل صَاعٍ بدرهم كما كانت.
ولو قال: بعتك عشرة من هؤلاء الأغنام بكذا لم يصح، وإن علم عدد الجملة بخلاف مثله في الصُّبْرَة والأرض والثوب؛ لأن قيمة الشاة تختلف، فلا يدرى كَم العَشْرَة من الجملة؟ كذا ذكره في "التهذيب" وقياس ما قدمناه من عدم الصحة، فيما إذَا باع ذراعاً من ثوب أو من أرض مجهولة الذّرْعَان تعليلاً بأن أجزاء الأرض والثوب تختلف، أو يكون قوله: بعتك كذا ذراعاً من الأرض وهي معلومة الذّرْعَان، كقوله: بعتك كذا عدداً من هذه الأغنام وهي معلومة العدد فليسوِّ بينهما في الصحة أو عدمها.
ولو قال: بعتك من هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم لم يصح؛ لأنه لم يبع جميع الصُّبْرَة، ولا بين المبيع منها، وعن ابن سُرَيجٍ: أنه يصح في صاع واحد، كما لو قال: بعتك قَفِيزاً من الصُّبْرَة بدرهم، ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم، أو قال مثله في الثوب والأرض، نظر إن خرج كما ذكر صح البيع، وإن خرج زائداً أو ناقصاً فقولان: قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يصح البيع، لأنه باع جملة الصُّبْرَة بالعشرة بشرط مقابلة كل صاع منها بدرهم، والجمع بين هذين الأمرين عند الزيادة والنقصان محال.
والثاني: أنه يصح لإشارته إلى الصُّبْرَة ويلغى الوصف، وعلى هذا إن خرج ناقصاً فللمشتري الخيار، فإن أجاز فيجيز بجميع الثمن لمقابلة الصبرة به أو بالقسط لمقابلة صبرة كل صاع بدرهم، فيه وجهان، وإن خرج زائداً فلمن تكون الزيادة؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنها للمشتري، لأن جملة الصُّبْرَة مبيعة منه، فعلى هذا لاَ خِيَار له، وفي البائع وجهان: أصحهما: أنه لا خيار له أيضاً؛ لأنه رضي ببيع جميعها.
والثاني: أنَّ الزيادة للبائع، وعلى هذا لا خيار له، وفي المشتري وجهان: أصحهما: ثبوت الخيار إذا لم يسلم له جميع الصبرة.
هذا ما نذكره الآن في أحد القسمين، وهو أن يكون العِوَض في الذمة، فأما إذا كان معيناً فلا يشترط معرفة قدره بالوزن والكَيْل حتى لو قال: بعتك هذه الدَّراهم أو هذه الصُّبْرَة صح، ويكفي عِيَانُ الدَّرَاهم والصبرة ربطاً للعقد بالمشاهدة، نعم حكوا قولين في أنه هل يكره بيع الصبرة جُزافاً 1.

وعن مالك: إن علم البائع قدر كَيلها لم يصح البيع حتى يبينه، وحكى إمام الحرمين عنه أنه لا بد من معرفة المقدار، فلا يصح بيع الصبرة جزافاً ولا بالدراهم جزافاً، ولو كانت الصبرة على موضع من الأرض فيه ارتفاع وانخفاض، أو باع السَّمْن ونحوه في طرف مختلف الأجزاء دقة وغلظاً، فقد حكى المصنف في "الوسيط" ثلاث طرق، وقضية إيراد الإمام الاقتصار على الأول والثالث.
أظهرهما: وبه قال الشيخ أبو محمد: أن في صحة البيع قولي بيع الغائب؛ لأن انخفاض الأرض وارتفاعها وغلظ الطّرف ودقته يمنع تَخْمين القدر، وإذا لم يفد العِبَيان إِحَاطة كان كعدم العِيَان في احتمال الغَرَر.
والثاني: القطع بالبطلان؛ لأنا إذا صححنا بيع الغَائِب أثبتنا فيه الخِيَار عند الرّؤية، والرؤية حاصلة هاهنا فيبعد إثبات الخيار معها، ولا سبيل إلى نفيه لمكان الجَهَالة، وهذان الطريقان هما المذكوران في الكتاب، والطريقة الثانية ضعيفة، وإن نسبت إلى المحققين؛ لأن الصِّفَة والمقدار مجهولان في بَيْع الغائب، ومع ذلك خرجناه على قولين، فكيف نقطع بالبطلان هاهنا مع معرفة بعض الصِّفَات بالرّؤية؟ فإن قلنا بالصحة فوقت إثبات الخيار هاهنا معرفة مقدار الصُّبْرَة أو التَّمكن من تَخْمِينه برؤية ما تحتها.
والطَّريق الثالث: نقله الإمام عن رواية الشيخ أبي علي في "مهذبه الكبير": القطع بالصحة، ذهاباً إلى أن جهالة المقدار غير جائزة بعد المُشَاهدة، فإن فرعنا على البطلان فلو باع الصُّبْرَة والمشتري يظن أنها على اسْتِوَاء الأرض ثم بَانَ تَحْتَها دكة، هل يَتَبَيْن بطلان العقد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم وبه قال الشَّيخ أبو محمد لأنا تبيَّنا بالآخرة أن العِيَان لم يفد علماً.
وأظهرهما: لا، ولكن للمشتري الخيار تنزيلاً لما ظهر منزلة الغيب والتَّدْليس، -هذا ما أورده صاحب "الشَّامل" وغيره- ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة إلاَّ صاعاً، فإن كانت معلومة الصِّيْعَان صح، وإِلاَّ فلا وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يصح، وإن كانت مجهولة الصِّيْعَان، واحتجوا للمذهب بما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَن الثّنيا في الْبَيْعِ" 1. ثم اختلفوا في وجه الاحتجاج، فذكر المَاوْردي في "الحاوي": أن المراد من الخبر: الصورة التي نحن فيها.

وقال قائلون: الخبر ينفي احتمال الاستثناء مطلقاً، فإن ترك العمل به في موضع وجب ألاّ يترك هاهنا -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا الصِّفَةُ فَفِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَتِهَا بِالعِيَانِ قَوْلاَنِ، اخْتَارَ المُزَنِيُّ الاشْتِرَاطَ وَأَبْطَلَ بَيْعَ (ح م) مَا لَمْ يَرَهُ وَشِرَاءَهُ وَلَعَلَّهُ أَصَحُّ القَوْلَيْنِ، وَفي الهِبَةِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَعَلَى القَوْلَيْنِ يُخَرَّجُ شِرَاءُ الأَعْمَى؛ لأنَّهُ يُقَدَّرُ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالرُّؤْيَةِ وَالفسْخِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَيصِحُّ سَلَمُ الأَعْمَى اعْتِمَاداً عَلَى الوَصْفِ، وَكَذَلِكَ الأكْمَةَ إلاَّ عَلَى رَأْي المُزَنِيِّ فَإنَّهُ أَوَّلَ كَلاَمُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى غيْرِ الأكْمَهِ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل: إحداها: في بيع الأعيان الغائبة والحاضرة التي لم تر قولان، قال في القديم وفي "الإملاء" والصَّرْف من الجديد: إنه صحيح، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اشْتَرَى شيئاً لَمْ يَرَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَآهُ" 1 ومعلوم أن الخِيَار إنما يثبت في العقود الصحيحة؛ ولأنه عقد مُعَاوضة فلم يكن من شرطه رؤية المعقود عليه كالنِّكاح.
وقال في "الأم" والبُويطِيّ: لا يصح، وهو اختيار المزني، ووجهه أنه بيع غَرَر، وقد "نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ" 2. ولأنه بَيْعٌ مجهول الصِّفة عند العاقد حال العقد فلم يصح بيعه، كما لو أسلم في شيء ولم يصفه، واشتهر القول الأول بالقديم والثاني بالجديد، واختلفوا في محلّهما على طريقين: أصحهما: عند ابن الصِّبَّاغ وصاحب "التتمة" وغيرهما: أن القولين مُطَّردان في المبيع الذي لم يره المتبايعان كلاهما، وفيما لم يكره أحدهما.
والثاني: أن القولين فيما إذا شاهده البائع دون المشتري، أما إذا لم يشاهده البائع فالبيع باطل قولاً واحداً؛ لأن الاجتناب عن هذا الغَرَر سهل على البائع، فإنه المالك والمتصرّف في المبيع، ومنهم من جعل البيع أوْلى بالصِّحة؛ لأن البائع معرض عن الملك والمشتري محصل له فهو أجدر بالاحْتِياط، وهذا يوجب خروج طريقة ثالثة وهي: القطع بالصحة إذا رآه المشتري، وتخصيص الخلاف فيما إذا لم يكره، وفي

"البيان" إشارة إلى هذه الطريقة الثالثة، والقولان في شراء الغائب وبيعه يجريان في إجارته، وفيما إذا أجّر بعين غائبة أو صالح عليها، أو جعلها رأس مال السَّلم في مجلس العقد، ولو أصدقها عيناً غائبة أو خالعها عليها أو عفا عن القِصَاص على عَيْنٍ غائبة صحَّ النِّكَاح، وحصلت البَيْنُونَة وسقط القصاص، وفي صحة المسمى القولان، فإن لم يصح وجب مهر المِثْل على الرجل في النكاح وعلى المرأة في الخُلْع، ووجبت الدِّيَة على المعفو عنه، ويجريان أيضاً في هبة الغائب ورهنه، وهما أولى بالصّحة؛ لأنهما ليسا من عقود المُغَابَنَات، بل الرَّاهن والواهب مَغْبُونَان لا محالة، والمُرْتَهن والمُتَّهب مرتفقان لا محالة، ولهذا قيل: إنا إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية إذ لا حاجة إليه.
الثانية: إذا لم نجوز شراء الغَائب وبيعه لم يجز بيع الأعمى وشراؤه، وإن جوّزناه فوجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز أيضاً، والفرق أنا إذا جوزنا شراء الغائب ثبت فيه خيار الرّؤية، وهاهنا لا سبيل إلى إثبات خيار الرؤية إذ لا رؤية، فيكون كبيع الغائب على شَرْط أن لا خيار.
والثَّاني: أنه يجوز، ويقام وصف غيره له مقام رؤيته، كما تقام الإِشَارة مقام النُّطْق في حق الأَخْرَس وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وقد يعبر عما ذكرنا بأن يقال في بيعه وشرائه طريقان: أحدهما: أنه على قولي شراء الغائب.
والثاني: القطع بالمنع، وبنى يَانُون هذين الطريقين على أنه هل يجوز للبصير إذا صححنا منه شراء الغائب أن يوكل غيره بالرؤية وبالفسخ، أو الإِجَازة على ما يستصوبه؟ وفيه وجهان.
أظهرهما: أنه يجوز كالتوكيل في خيار العَيْب وخيار الحَلف.
والثَّاني: لا يجوز؛ لأن هذا الخيار مربوط بإرادة من له الخيار، ولا تعلُّق له بعرض ولا وصف ظاهر، فأشبه ما لو أسلم الكافر على عشر نسوة ليس له أن يوكّل بالاختيار، فإن صححنا التّوكيل خرج بيعه وشراؤه على قولي شراء الغائب، وإلاَّ قطعنا بالفساد؛ لأنه لو صح لتمكن منه جَهَالة لا نزول، ولما أفضى الأمر إلى قرار، وإذا قلنا: لا يصح بيع الأعمى وشراؤه، فلا يصح منه الإجَارة والرّهن والهِبَة أيضاً، وهل له أن يكاتب عبده؟ قال في التهذيب: لا.
وقال في التتمة: المذهب أن له ذلك تغليباً للعتق، ويجوز له أن يؤجِّر نفسه وللعبد الأعمى أن يشتري نفسه وأن يقبل الكتابة على نفسه؛ لأنه لا يجهل نفسه ويجوز

له أن ينكح وأن يزوج موليته تفريعاً على أن العَمَى غير قَادِح في الوِلاية، والصداق عين مال لم يثبت المسمّى، وكذلك لو خالع الأعمى على مال، وأما إذا أسلم في شيء أو باع سَلماً إليه فينظر إن عمي بعد ما بلغ سن التَّمييز، فهو صحيح، لأن السلم يعتمد الأوصاف، وهو -والحالة هذه- مميز بين الألوان ويعرف الأوصاف، ثم يوكل من يقبض عنه على الوصف المشروط، وهل يصح قبضه بنفسه؟ فيه وجهان: أصَحُّهما: لا، لأنه لا يميز بين المستحق وغيره، وإن كان أَكْمَه أو عَمِيَ قبل ما بلغ سن التَّمييز فوجهان: أحدهما: أنه لا يصح سلمه، لأنه لا يعرف الألوان ولا يميز بينها، وبهذا قال المُزَنِيّ، ويحكى عن ابن سريج وابن خَيْرَان وابن أبي هريرة أيضاً، واختاره صاحب "التهذيب".
وأصحهما عند العراقيين وغيرهم ويحكى عن أبي إسحاق المروزي، وبه أجاب في الكتاب: أنه يصح؛ لأنه يعرف الصفات والألوان بالسَّماع، ويتخيل فرقاً بينهما، فعلى هذا إنما يصح إذا كان رأس المال موصوفاً غير معين في المجلس.
أما إذا كان معيناً فهو كبيع العَيْن الغائبة.
وكل ما لا نصححه من الأعمى من التصرفات فسبيله أن يوكل عنه، ويحتمل ذلك للضرروة 1 -والله أعلم-.
ولترجع إلى ما يتعلّق بلفظ الكتاب من الفوائد.
قوله: "الصفة... " إلى قوله: "فأبطل بيع ما لم ير وشراءه"، جواب على طريقة طَرْد القولين في البيع والشراء وهو الأشهر.
قوله: "ولعله أصح القولين" إنما فرض القول فيه، لأن طائفة من أصحابنا مالوا إلى قول التصحيح وأفتوا به، وقد تابعهم صاحب "التهذيب" والروياني عليه.
وعن الخُضَرِيّ: أنه كان لا يجزم بالفساد إذا سئل عن بيع الغائب، بل يقول: إن لم يصح الخبر فالقياس فساده.
وقوله: "على القولين": يخرج شراء الأعمى مصيراً إلى طرد القولين في شراء الأعمى، وليكن معلّماً بالواو للطريقة القاطعة بالمنع، وإليها ذهب الأكثرون وقوله: "إنه يقدر على التَّوْكيل" إشارة إلى ما سبق من مضي الطَّرِيقين، وجعله الصِّحَّة أصح الوجهين غير منازع فيه، لكن ذهاب الأكثرين إلى القطع بالمنع يُشَوِّشُ ذلك البناء، لأن قياس ترجيح وجه الصِّحة يرجح طريقة القولين.

وقوله: "فإنه أول كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- على غير الأَكْمَه" أراد به أن الشَّافعي -رضي الله عنه- أطلق القول في جواز سلم الأعمى، فقال المُزنِيُّ في "مختصر سننه": أن يكون أراد الشافعي -رضي الله عنه- لمعرفتي بلفظ الأعمى الذي عرف الألوان قبل أن يعمى، وأَمَّا من خُلِقَ أعمى فإنه لا معرفة له بالأَلْوَان وحكم بفساد سلمه.
قال الغزالي: التَّفْرِيعُ: إِنْ شَرَطْنَا الرُّؤْيةَ فَالرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالمقَارَنَةِ (و) فِيمَا لاَ يَتَغَيَّرُ غَالِباً، وَلَيْسَ اسْتِقْصَاء الوَصْفِ كَالرُّؤْيَةِ عَلَى الأظْهَرِ، وَرُؤْيَة بَعْضِ المَبِيعِ كَافِيَةٌ إِنْ دَلَّ عَلَى البَاقِي لِكَوْنهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ كَانَ صُوَاناً لَهُ خِلْقَةٌ كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالبَيْضِ.
قال الرافعي: لما فرغ من ذكر القولين في شراء الغائِب والصّور المُلْحقة به أراد أن يفرع عليها، فعد في هذا الفصل فروعاً على قولنا باشتراط الرُّؤْية، وفي الفصل الذي يليه فروعاً على القول المقابل له.
فأما فروع هذا الفصل الذي ذكرها فهي ثلاثة: أحدها: لو اشترى غائباً رآه قبل العقد نظر إن كان ممَّا لا يتغير غالباً كالأَرَاضي والأَوَاني والحَدِيد والنَّحَاس، ونحوها، أو كان لا يتغير في المدة المتخلّلة بين الرّؤية والشِّراء صح العقد لحصول العلم الذي هو المقصود 1.

وقال الأَنْمَاطِيُّ: لا يصح، لأن ما كان شرطاً في العقد ينبغي أن يوجد عنده كالقدرة على التسليم في البيع والشهادة في النكاح، والمذهب الأول.
واحتج الإِصْطَخْرِي على الذَّاب عن الأَنْمَاطِي في المسألة، فقال: أرأيت لو كان في يده خاتم فأراه غيره حتى نظر إلى جميعه ثم غطاه بكفه ثم باعه منه هل يصح؟ قال: لا، قال: أرأيت لو دخل داراً، ونظر إلى جميع بيوتها، وعلا إليها ثم خرج منها واشتراها هل يصح؟ قال: لا، قال: أرأيت لو دخل أرضاً ونظر إلى جميعها، ثم وقف في ناحية منها واشتراها، هل يصح؟ فتوقف فيه، ولو ارتكبه لكان مانعاً بيع الأراضي والضِّيَاع التي لا تشاهد دفعة واحدة فإنه خلاف الإجماع.
ثم إذا صَحَّحنا الشراء، فإن وجده كما رآه أوَّلاً فلا خيار له، وإن وجده متغيراً فقد حكى المصنف: فيه وجهين في "الوسيط".
أحدهما: أنه يَتبيَّن بطلان العَقْد لتبين انتفاء المعرفة.
وأصحهما: وهو الذي أورده الجمهور: أنه لا يتبين ذلك لبناء العقد في الأصل على ظَنّ غالب ولكن له الخيار.
قال الإمام: وليس المعنى بتغيره تعيبه، فإن خيار العيب لا يختص بهذه الصورة، ولكن الرؤية بمثابة الشَّرط في الصِّفات الكائنة عند الرؤية، وكل ما فات منها فهو بمثابة ما لو تبيَّن الخلف في الشرط.
وإن كان المبيع ممَّا يتغير في مثل تلك المدّة غالباً، كما إذا رأى ما يتسارع إليه الفساد من الأطعمة، ثم اشتراه بعد مدة صالحة فالبيع باطل، وإن مضت مدة يحتمل أن يتغير فيها ويحتمل ألاّ يتغير أو كان المبيع حيواناً ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يصح البيع لما فيه من الغَرَر، ويحكى هذا عن المزني.
وعن ابن أبي هريرة.
وأصحهما: الصحة، لأن الظَّاهر بقاؤه بحاله، فإن وجده متغيراً فله الخيار، وإذا اختلفا فقال البائع: هو بحاله، وقال المشتري: بل تغير، فوجهان: أحدهما: أن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير واستمرار العَقْد.
وأظهرهما: وهو المحكى عن نصه في "الصرف": أن القول قول المشتري مع يمينه؛ لأن البائع يدعى عليه الاطِّلاع على المبيع على هذه الصفة، والرِّضَا به وهو ينكره، فأشبه ما إذا ادَّعَى عليه الاطِّلاعَ على العَيْب وأنكر المشتري.
والثَّاني: اسْتِقْصَاء الأَوْصاف على الحد المعتبر في السَّلم، هل يقوم مقام الرُّؤْية؟ وكذا سماع وصفه بطريق التَّوَاتر فيه وجهان:

أحدهما: نعم، لأن ثمرة الرُّؤْية المعرفة وهما يفيدانها، فعلى هذا يصح البيع على القولين ولا خيار.
وأصحهما: لا، لأن الرؤية تطلع على أمور تضيق عنها العبارة.
ثم الصائرون إلى هذا الوجه ومنهم أصحابنا العراقيون اختلفوا في أن استقصاء الوصف هل يشترط على قولنا بصحة بيع الغائب على ما ستعرفه -إن شاء الله تعالى-.
الثالث: إذا رأى بعض الشَّيء دون بعض، نظر إن كان ممّا يستدل برؤية بعضه على الباقي صح البيع كما إذا رأى ظاهر الصُّبْرَة من الحِنْطَة والشَّعِير؛ لأن الغالب أن أجزاءها لا تختلف، وتعرف جملتها برؤية ظاهرها، ثم لا خيار له إذا رأى باطنه، إلاَّ إذا خالف باطنه ظاهره.
وفي "التَّتمة": أن أبا سهل الصُّعْلُوكِي حكى قولاً عن الشافعي -رضي الله عنه- لا تكفي رؤية ظاهر الصُّبْرَة بل لا بد من تقليبها ليعرف حال باطنها أيضاً، وهكذا حكاه أبو الحسن العبادي عن الصُّعْلُوكي نفسه.
وقال: إنما ألجأه إليه ضرورة نظر المبيع، والمذهب المشهور هو الأول.
وفي معنى الحِنْطَة والشَّعِير، صُبْرة الجوز واللّوز والدَّقيق؛ لأن الظاهر استواء ظاهرها وباطنها، ولو كان شيء منها في وِعَاء فرأى أعلاه، أو رأى أعلا السَّمْن والخَلِّ وسائر المائعات في ظروفها كفى، ولو كانت الحنْطَة في بيت وهو مَمْلُوء منها، فرأى بعضها من الكُوَّة أو الباب كفى إن عرف سعة البيت وعمقه، وإلاَّ فلا.
وكذا حكم الجمد في المُجَمَّدة، ولا يكفي رؤية صُبْرَة البَطِّيخِ والرُّمَّان والسَّفَرجَل؛ لأنها تباع في العَادَة عَدداً وتختلف اختلافاً بَيّنا فلا بد من رؤية واحد واحد، وكذا لا يكفي في شراء السّلة من العِنَب والخوخِ ونحوهما رؤية الأعلى لكثرة الاختلاف فيها، بخلاف صُبْرَة الحُبُوب والتَّمر إن لم تَلْتَزِق حباته، فَصُبْرَته كصُبْرَة الجُوز واللّوز، وإن التزقت كالقوْصَرَّة 1 فيكفي رؤية أعلاها على الصحيح.
وعن الصَّيْمَرِيّ حكاية خلاف في القُطْن في العِدْل: أنه هل يكفي رؤية أعلاه أم لا بد من رؤية جميعه؟ قال: والأشبه عندي أنه كَقَوْصَرَّةِ التَّمْرِ.

ولو رأى أنموذجاً وبنى أمر البَيْع عليه نظر إن قال: بعتك من هذا النوع كذا فهو باطل؛ لأنه لم يعيّن مالاً ولا راعي شرط السَّلم، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السَّلم على الصَّحيح؛ لأن الوصف اللفظ يمكن الرجوع إليه عند الإِشْكَال.
ولو قال: بعتك الحِنْطَة الَّتي في هذا البيت، وهذا الأنموذج منها، نظر إن لم يدخل الأنمُوذَج في البيع ففيه وجهان: أحدهما: صحة البيع، تنزيلاً له منزلة اسْتِقْصَاء الوصف.
وأصحهما: المنع؛ لأن المبيع غير مرئي، ولا يشبه استقصاء الوصف لما ذكرنا في السَّلم، وإن أدخله في البيع فعن القَفَّال وغيره: القَطْع بالصِّحّة كَمَا لَوْ رأى بعض الصُّبْرَة.
وعن بعض الأئمة القطع بالمنع قال إمام الحرمين: والقياس ما قاله القَفَّال، ولا يخفى أن مسألة الأنموذج إنما تفرض في المُتَمَاثِلاَت 1. وإن كان ذلك الشَّيء مما لا يستدلُّ برؤية بعضه على البَاقي، نظر إن كان المرئي صُوَاناً للباقي كقشر الرُّمَّان والبَيْض كفى رؤيته، وإن كان معظم المقصود مستوراً؛ لأن صلاحه في إبقائه فيه.
وكذا لو اشترى الجُوز واللّوز في القِشْرة السُّفلى، ولا يصح بيع اللّبِّ وحده فيها، لا على القول الذي يفرع عليه ولا على القول الآخر؛ لأن تسليمه لا يمكن إلا بكسر القشر، وفيه تغيير عين المبيع.
ولو رأى المبيع من وراء قَارُورَةٍ هو فيها لم يكف؛ لأن المعرفة التَّامَّة لا تحصل به، ولا يتعلّق صلاح بكونه فيها، بخلاف السَّمك يراه في الماء الصَّافي يجوز بيعه، وكذا الأرض يعلوها ماء صاف، لأن الماء من صلاحها ولا يمنع معرفتها، وإن لم يكن كذلك لم تكف رؤية البعض على هذا القول وأَمَّا على القول الآخر ففيه كلام موضعه الفَصْل الذي يلي هذا الفصل.
واعلم أن الرؤية كل شيء على حسب ما يليق به، ففي شراء الدّار لا بد من رؤية البيوت والسُّقُوف والسُّطُوح والجُدْرَان داخلاً وخارجاً، ومن رؤية المُسْتَحم والبَالُوعة، وفي البُسْتَان من رؤية الأشجار والجُدْرَان ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البُنْيَان وغيره من الأشجار ونحوه.

وفي "الجُرْجَانِيَّات" لأبي العباس الرُّويَانِيّ ذكر وجهين في اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرَّحى وفي شراء العبد لا بد من رؤية الوَجْه والأَطْراف، ولا يجوز رؤية العَوْرَة، وفي باقي البدن وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": أنه لا بد من رؤيته، وفي الجارية وجوه: أحدما: يُعْتبر رؤية ما يُرى من العَبْد.
والثانى: رؤية ما يبدو عند المِهْنة.
والثالث: يكفي رؤية الوَجْه والكَعْبَيْن، وفي رؤية الشعر وَجْهَان في "التهذيب": أصحهما: اشتراطها، ولا يشترط رؤية الأَسْنَان واللِّسَان في أصح الوجهين.
وفي الدَّواب لا بد من رؤية مَقْدمها ومُؤَخّرها وقَوَائِمها، ويجب رفع السَّرْجِ والإكَافِ والجُلِّ وعن بعض الأصحاب: أنه لا بد من أن يجري الفَرَسْ بين يديه ليعرف سَيْرَه.
والثوب المطوي لا بد من نشره.
قال الإمام: ويحتمل عندي أن نصحح بيع الثياب التي لا تُنْشَر بالكليّة إلا عند القطع لما في نشر ها من التَّنْقيص 1، وتلحق بالجُوز واللّوز لا يعتبر كَسْرُها لرؤية اللُّبُوب مع أنها معظم المقصود، ثم إذا نشرت فما كان صفيقاً كالدِّيْبَاج المقش فلا بد من رؤية كلا وجهيه، وفي معناه البُسُطُ والزَّلاَلِيُّ 2، وما كان رقيقاً لا يختلف وجهاه كالكِرْبَاس يكفي رؤية أحد وجهيه في أصح الوجهين.
ولا يصح بيع الثياب التَّوَّزِيَّة 3 في المُسُوح على هذا القول.
قال الإمام: وَعُمُوم عرف الزمان محمول على المُحَافظة على المالية والأعراض عن رعاية حدود الشرع.
وفي شرى المصحف والكتب لا بد من تَقْليب الأوراق ورؤية جميعها، وفي البياض لا بد من رؤية جميع الطَّاقات.
وذكر أبو الحسن العبادي: أن القُفَّاع يفتح رأسه، وينظر فيه بقدر الإمكان حتى يصح بيعه، وصاحب الكتاب أطلق المُسامَحَة في "الإحياء" فيما أظن 4 -والله أعلم-.

قال الغزالي: وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطِ الرُّؤْيَةُ فَبَيْع اللَّبَنِ في الضِّرْعِ بَاطِلٌ (م) لِتَوَقُّعِ اخْتِلاَطِهِ بِغَيْرِ المَبِيعِ وَعُسْرِ التَّسْلِيمِ، وَلَوِ اشْتَرَى ثَوْباً نِصْفُهُ في صُنْدُوقِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ باطلٌ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ سَبَبُ اللُّزُومِ وَعَدَمُهَا سَبَبُ الجَوَازِ فَيَتَنَاقَضَانِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ لاَ يَتَبَعَّضُ، وَلَوْ قالَ: بِعْتُ مَا فِي كُمِّي لَمْ يَصِحَّ (و) مَا لَمْ يَذْكُرِ الجِنْسَ، وَمَهْمَا رَأى المَبِيعَ فَلَهُ الخِيَارُ، وَلَهُ الفَسْخُ قَبْلَ الرُّؤيَةِ دُونَ الإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الرِّضَا قَبْلَ حَقِيقَةِ المَعْرِفَةِ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ.
قال الرافعي: أمهات مسائل الفصل أربع: إحداها: بيع اللَّبَن في الضَّرع باطل، وعن مالك -رضي الله عنه-: أنه إذا عرف قدر حِلاَبها في كل دفعة صح وإن باعه أيَّاماً.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوْفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ" 1. ولأنه مجهول القدر لتفاوت حسن الضُّرُوع، ولأنه يزداد شيئاً فشيئاً لا سيما إذا أخذ في الحلب وما يحدث ليس من المبيع، فلا يتأتى التَّمييز والتَّسْليم، ولو قال: بعتك من اللَّبن الذي في ضَرْع هذه البقرة كذا لم يجز أيضاً على الصحيح؛ لأن وجود القدر المذكور في الضَّرع لا يستيقن.
وفيه وجه: أنه يجوز كما لو باع قدراً من اللَّبن في الظَّرْف فيجي فيه قولاً بيع الغائب.
ولو حَلَبَ شَيْئاً من اللَّبن فأراه ثم باعه رطلاً في الضَّرع، فقد نقلوا فيه وجهين كما في مسألة الأنْمُوذَج.
قال الإمام: وهذا لا يَنْقَدِح إذا كان المبيعِ قدراً لا يتأتى حَلْبه إلاَّ ويتزايد اللبن فإن المانع قائم، والحالة هذه فلا ينفع إِبْدَاء الأُنْمُوذج، نعم لو كان المبيع يَسِيراً وابتدر إلى الحلب فلا يفرض، والحالة هذه ازدياد شيء به مبالاة فيحتمل التَّجْوِيز، لكن إذا صورنا الأمر هكذا، فلا حاجة إلى إبداء الأُنمُوذج في التَّخريج على الخلاف بل صار صائرون إلى إلحاقه ببيع الغائب، وآخرون خَتَمُوا الباب وألحقوا القليل بالكثير، وصاحب الكتاب في "الوسيط" حكى الخلاف في سورة أخرى تناسب هذه، وهي أن يقبض على قدر من الضَّرع ويحكم سنده ويبيع ما فيه.
وقوله في الكتاب: "وإن لم نشترط الرؤية فبيع اللبن في الضرع باطل لا يخفى أن هذا ليس تفريعاً على هذا القول خاصة، بل هو على قول اشْتراط الرّؤية أولى بأن يبطل،

وإنما ذكره عند التفريع على هذا القول ليعرف أنه وإن صحَّ شراء ما لم ير، لم يصح بيع اللَّبن في الضَّرْع لمعنى الاخْتِلاَط.
ونختم المسألة بصور تشبهها: إحداها: لا يجوز بيع الصُّوف على ظهر الغنم لما مر من الخبر، ولأن مطلق اللفظ يتناول جميع ما على ظاهر الجلد، ولا يمكن استيعابه إلا بإيْلاَم الحيوان، وإن شرط الجَزّ فالعادة في المِقْدار المَجْزُوز تختلف، وبيع المجهول لا يجوز.
وعن مالك -رضي الله عنه-: أنه يجوز لشرط الجَزّ.
وحكاه القاضي ابن كَجٍّ وجهاً لبعض الأصحاب، ويجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان بعد الذَّكَاة، إذ ليس في اسْتِيفَاء جميعه إِيْلاَم.
وتجوز الوَصِيَّة باللَّبن في الضرع، وبالصُّوف على ظهر الغنم بخلاف البيع.
الثانية: بيع الشَّاة المَذْبُوحَة قبل السَّلْخ باطل، سواء بِيع اللَّحم وحده أوالجِلْد وحده، أو بِيعا معاً، لأن المقصود اللحم وهو مجهول، ولا يجوز بيع الأَكارع والرّوس قبل الإبَانَة، وفي الأَكَارع وجه مذكور في "التَّتمة"، ويجوز بيعها بعد الإِبَانَة نيئةً وَمَشْوِيَّة، ولا اعتبار بما عليها من الجِلْدِ فإنها مأكولة، وكذا المَسْمُوط يجوز بيعه نَيّاً ومَشْويّاً، وفي النَّيِّ احتمال عند الإمام.
الثالثة: بيع الِمسْكِ في الفَأْرة باطل، سواء بيع معها أو دونها كاللحم في الجلد، ولا فرق بين أن يكون رَأْسُ الفأرة مفتوحاً أو لا يكون للجهل بالمقصود، وفصّل في "التتمة" إذا كانت مفتوحة فقال: إن لم تتفاوت ثَخَانَتُها، وشاهد الِمسْك فيه صح البيع، وإلاّ فلا.
وعن ابن سريج: أنه يجوز بيعه مع الفَأْرَةِ تشبيهاً لها بالجُوز واللّوز.
ولو رأى المِسْك خارج الفأرة ثم اشتراه بعد الرَّد إليها صَحّ، فإن كان رَأْسُهَا مفتوحًا فرأى أعلاه فيجوز، وإِلاَّ فعلى قولي بيع الغائب 1.

المسألة الثَّانية: لو رأى بعض الثّوب المبيع، وبعضه الآخر في صندوق أو جراب لم يكره.
فقد حكى المزني عن نصه أن البيع باطل، ورأى كونه مقطوعاً به واحتج به لاختياره بطلان بيع الغائب، وقال: إذا بطل بيع ما لم ير بعضه، فلأن يبطل بيع ما لم ير كله كان أَوْلَى.
وللأصحاب في المَسْأَلَةِ طريقان: فقال قائلون منهم أبو إسحاق: المسألة على قولين، كَما لو لم يَرَ شَيْئاً منه، وحيث أجاب الشافعي -رضي الله عنه- بالبطلان، أجاب على أحد القولين في بيع الغائب، والاقتضاء على أحد القولين في بعض الصور لا يستبدع، ألا ترى أنه اقتصر على قول التصحيح في كثير من المواضع؟ وسلم آخرون منهم صاحب "الإفصاح" أبو علي ما قرره المُزَنِيُّ من الجَزْمِ بالبطلان، وفرقوا بوجهين: أحدهما: أنَّ ما نظر إلى بعضه بسهل النَّظَر إلى باقيه بخلاف الغَائِب فقد يعسر إحضاره وتدعو الحاجة إلى بيعه.
والثَّاني: أَنَّ الرؤية فيما يراه سبب اللُّزُوم وعدمها فيما لم ير سبب الجواز والعقد واحد، لا يتصور إثبات الجواز واللزوم فيه مَعَاً ولا يمكن تبعيض المعقود عليه في الحكمين.
قال جمهور الأئمة: والصحيح الطريقة الأولى والفرقان فاسدان، أما الأول فلأنا على قول تجويز بيع الغَائِب نجوِّز بيع ما في الكم مع سهولة إخراجه، وأما الثَّاني فلأن وجود سبب الرَّدِّ في البعضَ يكفي في رَدِّ الكل كما إذا وجد ببعض المبيع عيباً.
وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن ما اقتصر على ذكره في الكتاب تفريعاً على هذا القول غير ما هو الصحيح عند الجمهور.
هذا أكله فيما إذا كان المبيع شيئاً واحداً، أما إذا كان المَبِيعُ شيئين، ورأى أحدهما دون الآخر، فإن أبطلنا شراء الغَائب، لم يصحَّ المبيع فيما لم يره، وفيما رآه قولاً تفريق الصَّفقة، فإن صححنا شراء الغائب ففي صحّة العقد فيهما قولان؛ لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفي الحكم، لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححنا فله رد ما لم يكره وإِمْسَاك ما رآه.
المسألة الثالثة: إذا لم نشترط الرُّؤية فلا بد من ذكر جِنْسِ المبيع بأن يقول: بعتك عبدي أو فرسي ولا يكفي قوله: بعتك ما في كُمِّي أو كَفِّي أَو خزَانَتِي أو ما ورثته من أبي إذا لم يعرفه المشتري هذا ظاهر المذهب.
وحكى الإمام وجهاً: أنه يصح وإن لم يذكر الجنس؛ لأن المَرْعى على القول الذي عليه يفرع أن يكون المبيع معيناً، والجَهَالَة لا تزول بذكر الجِنْس فلا معنى لاشتراطه، فعلى هذا لا يشترط ذكر النوع بطريق الأولى.

وعلى قولنا: إنه يشترط ذكر الجنس، فالظاهر أنه لا بد من ذكر النوع أيضاً، بأن يقول: عبدي التُّركي، أو فرسي العَرَبِيّ.
وأوهم الإمام خلافاً فيه، فقال: لم يشترط أصحاب القفال ذلك واشترطه العراقيون، وربما أشعر قوله في الكتاب: "ما لم يذكر الجنس" بالاكْتِفاء بذكر الجنس والاسْتِغْنَاء عن ذكر النوع أيضاً، وإذا جرينا على الظاهر، فلو كان له عبدان من النوع المذكور فلا بد من أن يزيد ما يقع به التمييز من التعرض للسِّن أو غيرها، وإن لم يكن إلا واحد فوجهان: أصحهما وبه قال أبو حنيفة، ويحكى عن نصه في "الإملاء" والقديم: أنه يكفي ذكر الجنس والنوع، ولا يجب التعرض للصفات، لأن الخيار ثابت والاستدراك حاصل به، فلا حاجة إلى الوصف.
والثاني: وبه قال مالك: أنه لا بد من التعرض إلى الصفات، وعلى هذا فوجهان: أحدهما وبه قال أبو علي الطَّبَرِيّ: أنه يشترط ذكر صفات السّلم، لأنه مبيع غير مشاهد فاعتبر فيه التعرض للصفات كالمسلم فيه، وهذا مذهب أحمد.
وأقربهما وبه قال القاضي أبو حامد: أنه يكفي التَّعرض لمعظم الصِّفات، وضبط ذلك بما يوصف المُدّعي به عند القاضي.
المسألة الرابعة إذا قلنا: لا بد من الوصف فوصف، نظر إنْ وجده على ما وصفه ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما: لا يثبت، وبه قال أحمد بسلامة المَعْقُود عليه بصفاته، ويحكى هذا عن القاضي الحُسَيْن.
وأصحهما وبه قطع قاطعون: أنه يثبت لما سبق من الخير.
وإن وجده دونما وصفه فله الخيار لا محالة، وإن قلنا: لا حاجة إلى الوضف فللمشتري الخيار عند الرؤية سواء شرطه أو لم يشرطه وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن أبا الحُسَيْنِ حكى عن بعض أصحابنا: أنه لا بد من اشْتِرَاط خيار الرُّؤْية حتى يثبت، وهل له الخيار قبل الرؤية؟ أما الإِجَازة فظاهر المذهب أنها لا تنفذ؛ لأن الإجازة رضاً بالعقد وإلزام له، وذلك يستدعي العلم بالمعقود عليه وأنه جاهل بحاله، ولو كفى قوله: أجزت مع الجهل لأغنى قوله في الابتداء: اشتريت.
وحكى في "التتمة" وجهاً: أنه ينفذ تخريجاً من تصحيح الشَّرط، إذا اشترى بشرط أن لا خيار وأما الفسخ، فإن نفذنا الإِجازة فالفسخ أولى، وإن لم ننفذ الإجارة، ففي الفسخ وجهان:

أحدهما: أنه لا ينفذ أيضاً؛ لأن الخيار في الخبر منوط بالرؤية.
وأصحهما: أنه ينفذ؛ لأن حتى الفسخ ثابت له عند الرؤية مغْبُوطاً كان أو مَغْبُوناً، فلا معنى لاشتراط الرؤية في نفوذه، وإذا كان البائع قد رأى المَبيع، فهل يثبت له الخِيَار كما يثبت للمشتري؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كخِيَار المَجْلس يشتركان فيه.
وأصحهما: لا، وهو نصه في الصَّرف، ولأنه أحد المُتَبَايعين، فلا يثبت له الخيار مع تقدم الرؤية كالمشتري.
ولو باع ما لم يكره وصححنا العقد، فهل يثبت الخيار له؟ فيه وجهان: أصحهما: عند المَرَاوِزَة وبه قال أبو حنيفة: لا، لأن جانب البائع بعيد عن الخِيَار بخلاف جانب المُشْتَري، ولهذا لو باع شيئاً على أنه معيب، فَبَانَ صحيحاً لا خيار له، ولو اشتراه عَلَى أنه صحيح فَبَانَ معيبًا له الخِيَار.
والثاني: يثبت، لأنه جاهل بالمَعْقُود عليه فأشبه المشتري، وهذا هو الذي أورده الشَّيْخ أَبُو حامد ومن تابعه، قالوا: والخيار كما يثبت للمشتري عند النُّقْصَان يثبت للبائع عند الزيادة، أَلاَ تَرَى أنه لو باع ثَوْباً على أنه عشرة أَذْرع فَبَانَ أَحَد عشر ذراعاً يثبت للبائع الخيار؟ ثم خيار الرؤية على الفور أو يمتد امتداد مجلس الرؤية، فيه وجهان: أحدهما وبه قال ابن أبي هريرة: أنه على الفور، لأنه خيار تعلّق بالاطِّلاع على حال المبيع فأشبه الرد بالعيب.
والثاني: وبه قال أَبُو إِسْحَاق: أنه يمتد امتداد مَجْلِسِ الرُّؤية؛ لأنه خِيَار ثبت قضية للعقد، فتعلّق بالمجلس كخِيَار المجلس.
قال صاحب "التهذيب": وهذا أصح، والوجهان عند الشيخ أبي محمد مبنيان على مسألة أخرى، وهي أنه هل يثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية؟ وفيه وجهان: أحدهما: أنه يثبت كما يثبت في شراء الأعيان الحاضرة.
والثاني: لا يثبت الاستغناء بخيار الرؤية عنه، فعلى الأول خيار الرؤية على الفور، وإلا لأثبتنا خيار مجلسين، وعلى الثاني يمتد امتداد مجلس الرؤية.
وزاد الإمام ترتيباً فقال: إن أثبتنا خيار المجلس، فهذا الخيار على الفور، وإلا فوجهان.
وقوله في الكتاب: "لأفيه وجه آخر" أراد الوجه الصائر إلى نفوذ الإجازة على ما أوضحه في "الوسيط" لا الوجه الصائر إلى نفوذ الفسخ، وإن كان اللفظ يحتملها فرعان: أحدهما: لو تلف المبيع في يد المشتري قبل الرؤية، ففي انفساخ البيع وجهان

كنظيره في خيار الشرط، ولو باعه قبل الرؤية لم يصح، بخلاف ما لو باع في زمن خيار الشرط يجوز على الأصح، لأنه يصير مجيزاً للعقد، وهاهنا لاَ إِجازة قبل الرُّؤية لما سبق.
الثاني: نقل القَاضِي الرُّويَانِي وصاحب "التَّتمة" وجهاً: أنه يعتبر على قول اشْتِرَاط الرُّؤية الذَّوق في الخَلّ ونحوه، والشَّم في المِسْك ونحوه، واللَّمس في الثياب ونحوها، فإن كيفياتها المقصودة بهذه الطرق تعرف، والمشهور أنها لا تعتبر، وإنما هي ضرب انتفاع واستعمال.
فرع ثالث: ذكر بعضهم: أنه لا بد من ذكر موضع المبيع، فلو كان في غير بلد التبايع وجب تسليمه في ذلك البلد، ولا يجوز شرط تسليمه في بلد التبايع، بخلاف السلم فإنه مضمون في الذِّمّة، والعَيْن الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها يكون بَيْعاً وشَرْطاً.
فرع رابع: قال حجة الإسلام في "الوسيط": ووقع في الفتاوى: أنه رأى رجل ثوبين ثم سرق أحدهما فاشترى الرجل الثوب الباقي وهو لا يدري المسروق أيهما، فقلت: إن تساوت صفة الثوبين وقدرهما وقيمتهما كنصفي كِرْبَاس واحد صح العقد، فإنه اشترى مُعَيناً مرئياً مَعْلوماً، وإن اختلفا في شَيْء من ذلك، خرج على قولي بيع الغائب، لأنه ليس يدري أن المشتري منهما الطويل أو القصير مثلاً، فلم تفد الرؤية السَّابقة العلم بحال المَبِيْع عند العَقْد فلا تغنى، وهذا الذي ذكره يتأيد بأحد الرأيين فيما إذا لم يملك إلا عبداً واحداً فحضر في نفر من العبيد، فقال سَيِّده: بعتك عبدي من هؤلاء، والمشتري يراهم وهو لا يعرف عين ذلك العبد.
فرع خامس: إذا لم نَشْتَرط الرُّؤية واختلفا، فقال البائع للمشتري: قد رأيت المبيع، وقال المشتري: ما رأيته، ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قول البائع، لأنه اختلاف في سبب الخيار، فأشبه ما لو اختلفا في قدم العيب.
وأظهرهما: عند أبي الحسن العبادي: أن القول قول المشتري، كما لو اختلفا في اطلاعه على العيب.
هذا إذا لم نشترط الرؤية، فإن شرطناها وفرض هذا الاختلاف، فقد ذكر المصنف في فتاويه: أن القول قول البائع؛ لأن للمشتري أهْلِيّة الشراء وقد أقدم عليه، فكان ذلك اعترافاً منه بصحة العقد، ولا ينفك هذا عن الخلاف -والله أعلم-.
1

الْبَابُ الثَّانِي في الفَسَادِ بِجِهَةِ الرِّبَا

"

القول في باب الربا

" قال الغزالي: قالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقَ بِالوَرِقِ وَالبُرَّ بالبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَالشَّعِيرَ بالشَّعيرِ وَالمِلْحَ بِالمِلْحِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَداً بِيَدٍ 1، فَمَنْ بَاعَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ المَطْعُومَاتِ بِجِنْسِهِ فَلْيَرْعَ المُمَاثَلَةَ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ وَالحُلُولِ أعْنِي ضِدَّ النَّسِيئَةِ وَالتَّقَابُضِ (ح) فِي المَجْلِسِ فَإنْ بَاعَ بِغَيْرِ جنْسِهِ لَمْ يَسْقُطْ إِلاَّ رِعَايَةُ المُمَاثَلَةِ فِي القَدْرِ، وَفِي مَعْنَى المَطْعُومَاتِ كُلُّ مَا يَظْهَرُ فِيهِ قَصْدُ الطَّعْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّراً حَتَّى السَّفَرجَلُ (و) وَالزَّعْفَرَانُ (م) وَالطِّيْنُ الأَزمَنِيٌّ (م)؛ لأَنَّ عِلَّةَ رِبَا الفَضْلِ فِيهِ الطُّعْمُ (م ح) ولكنْ فِي المُتَجَانِسَيْن، وعِلَّةُ تَحْرِيمِ النَّسَإ وَوُجُوبِ التَّقَابُضِ الطَّعْمُ (م ح) فَقَطْ، وَإذَا بِيعَ مَطْعُومٌ بِمَطْعُومِ فهُو في مَحَلِّ الحُكْم بتَحْرِيمِ النسَإِ ووَجُوبِ التَّقَابُضِ، وِعِلَّةُ الرِّبَا في النَّقْدَينِ كَوْنُهُمَا جَوْهَريُّ الأَثْمَانِ (ح) فَتَجْرِي في الحُليِّ وَالَأوَانِي المُتَّخَذَةِ مِنْهُمَا، وَلاَ يَجُوزُ سَلَمُ شَيْءٍ في غَيْرِهِ إِذَا كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ في عِلَّةِ النَّقْدِيَّةِ أَوْ في الطُّعْمِ.
قال الرافعي: لما كان الطَّرف الأول من الكتاب معقوداً في صحَّة البيع وفساده، وقد تكلم في الباب الأول في الأركان وشروطها، وجب النَّظر في أسباب الفَسَاد، وتارة يكون لاختلال في الأركان أو في بعض شروطها، وإذا عرفت اعتبارها عرفت أن فقدها مفسد، وتارة يكون لغيره من الأسباب، فجعل بقية أبواب الطَّرف في بيانها، فمنها الرِّبا 2. = وتعليق الجويني وغيرهم أن القول قول المشتري وأطال في تقرير ذلك.
قال الأذرعي -رحمه الله تعالى-: غالب من ذكره يرى ترجيح قبول قول مدعي الفساد وأما مسألتنا فطريقة أصحاب القفال ما ذكره في الجزم بتصديق المشتري وفي أصح القولين والطريق الثاني أن المسألة على وجهين كما ذكره المصنف يعني به الشيخ النووي ثم أطال في ذلك إلى أن قال: فلم يغلط الغزالي ولا المصنف وأما اختلاف الترجيحين فقضية أخرى.

........................12345 = الدليل عليه: والدليل على ذلك الكتاب.
والسنة.
والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ إليك تفسيرها بإيجاز مع بيان وجه الدلالة.
معنى قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي يتعاملون به فالمراد بالأكل الأخذ وإنما عبر به لأن الأكل أظهر مقاصده فيكون المعنى الدين يُربون "والتخبط" الضرب على غير استواء و"المس" الجنون "والمحق" الاستئصال والهلاك وقيل المراد به ذهاب البركة.
ووجه الدلالة واضح مما يأتي: أولاً: صريح قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فَإنَّهُ إخبار منه تعالى بأن الربا محرم عنده فإذا كان هذا الخبر مراداً به النهي عنه كان أبلغ في الدلالة على التحريم من صريح النهي.
ثانياً: ما اقترن به هذا من الوعيد الشديد فقد ذكرت الآيات عقوبات خمساً لآكل الربا هي:

........................ = وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ النَافِلاَتِ" وما رويا أيضاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، فعده من الموبقات المحبطات للعمل التي أمر باجتنابها يجعله من الكبائر كما أن لعن فاعله والمعاون عليه بكتابة أو شهادة فيه من تفظيع جريمته ما هو كفيل بعدم قربانه.
وأما الإجماع.
فقد أجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على أن الربا محرم ولم يوجد مخالف لهذا الإجماع.
حكمة تحريم الرَبا ويرى بعض الفقهاء أن تحريم الربا من الأمور التعبدية أي تعبدنا الشارع به ولم تظهر لنا حكمته وإن كان في الواقع لا يخلو عن حكمة غير أننا لم نطلع عليها وما علينا إلا أن نمتثل أمر الشارع ونهيه.
ولكن من ينظر في الشريعة الإسلامية نظرة فحص وتأمل يرى من الواضح أنها قد امتازت بمميزات خلقية وعمرانية تجَلت في التشريعات المختلفة.
من ذلك ما هو ملموس في تحريمها الخمر والميسر حفظاً للعقول وصيانة للأموال.
وضنا بالإنسان عن العبث الذي لا يناسب العقلاء وكذلك ما يشاهد في إباحة السلم من حكمة رائعة إذ يعود على المعوزين بتفريج كربتهم مع صون حق رب المال في الاسترباح المشروع وعلى هذا النمط جاء تحريمها الربا على الآخذ والمعطي دفعاً لما يجره التعامل به من الشحناء والبغضاء واستئصال المعروف والتعاون من النفوس وحلول الأنانية والشره مكانهما، إذ من لا يعطي إلا بالزيادة يقتطع نفسه من المجتمع الإنساني اقتطاعاً ويسلب إنسانيته ويلحق بالحيوانات الضارية التي لا تحب أن يشاركها في فريستها حيوان آخر.
هذا فضلاً عما يسببه الربا من العطلة وعدم الميل للعمل والانصراف عن الزراعة والصناعة والركون إلى استقلال إخوانه المسلمين وغبنهم غبناً قهرياً لا مبرر له.
ويحسن هنا أن نسوق عبارة الدهلوي في كتابه: "حجة الله البالغة" حيث يقول: "وسر التحريم أن الله تعالى يكره الرفاهية البالغة كالحرير والارتفاقات المحوجة إلى الإمعان في طلب الدنيا كآنية الذهب والفضة وحلى غير مقطع من الذهب كالسوار والخلخال والطوق والتدقيق في المعيشة والتعمق فيها لأن ذلك مرد لهم في أسفل السافلين وصارف لأفكارهم إلى ألوان مظلمة وحقيقة الرفاهية طلب الجيد من كل ارتفاق والإعراض عن رديئه.
كما نذكر عبارة الفخر الرازي حيث يقول: "قد ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً: الوجه الأول: أن الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة قال -صلى الله عليه وسلم-: "حُرْمَةُ مَالِ المسلمِ كَحُرْمَةِ دَمِّهِ" فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرماً.
فإن قيل لم لا يجوز أن يكون بقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضاً عن الدرهم الزائد: وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحاً فلما تركه في يد المدين وانتفع المدين به لم يبعد أن يدفع إلى رب المال وذلك الدرهم الزائد عوضاً عن انتفاعه بماله.
قلنا إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر.
الوجه الثاني: ما قاله بعضهم من أن الله تعالى حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بوساطة عقد الربا من تحصيل درهم زائد نقداً كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة =

......................... = والصناعات الشاقة وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق.
ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات.
الوجه الثالث: ما قيل إن السبب في تحريم عقد الربا أنه يقضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض لأن الربا إذا حرم طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله.
ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان.
الوجه الرابع: أن الغالب أن يكون المقرض غنياً والمستقرض فقيراً فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغني من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالاً زائداً وذلك غير جائز برحمة الرحيم.
ومما يبين حكمة تحريم الربا المضارّة بالمجتمع الإنساني.
وآثاره السيئة في العمران ما نقله صاحب المنار في تفسيره عن الشيخ محمد عبده حيث قال: قال الأستاذ الإمام في الدرس ما مثاله: يقول كثير من الناس الدين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومنهم أكبر من هؤلاء إن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب ومن كان غنياً منهم لا يعطي بالربا فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو.
ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم قال: وهذه أوهام لم تقل عن اختيار فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم.
فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين؟ ألم تسبقنا جميع الأمم إلى إتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في اتقان كل شيء؟ الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهرياً فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم فمن يدَّعي أن الدين عائق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم شراً منها وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه ولو عرفت الأمة نفسها لطرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم فهي لا تدري من أين أخذت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.
أقول: يعني أنها ارتفعت بالدين وسقطت بتركه مع الجهل بالسبب وأفضى بها الجهل إلى أن صارت تجعله علة الرقي والارتفاع هي عين العلة والسقوط والانحطاط ومن ذلك استدانة أفرادنا وحكوماتنا من الأجانب بالربا فإنها أضاعت قوتنا وملكنا، وكان الدين لو اتبعناه عاصماً منها فنحن ننسى مثل هذه الفائدة الكبرى للدين في الموضوع نفسه ونذكر من سيئات الدين أنه حرم الربا.
ولو لم يحرمه لجاز أن يكسب بعض أغنيائنا أكثر مما يكسبون الآن.
وقد أشار الأستاذ إلى هذا المعنى فقال: إن أثر الربا فينا لا يمكننا أن نزيله بمئات من السنين ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا: فتأمل قوله بقينا لأنفسنا.
وقال في تفسير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ الخ ما مثاله: مسألة الربا مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن =

......................... = اختلفت فيها الأمم.
فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم والنصارى يرابي بعضهم بعضاً ويرابون سائر الناس.
وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمناً طويلاً ثم قلدوا غيرهم ومنذ نصف قرن فشت المرابات بينهم في أكثر الأقطار وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع.
ومنها مسألة السبحة المشهورة.
وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مائة إلى سنة بمائة وعشر مثلاً فيعطيه المائة نقداً ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه.
على أن الذين يأكون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جداً ولكن الذين يوكلونه غيرهم كثيرون جداً حتى لا تكاد تجد متَمَوّلاً في هذه البلاد سالماً من الاستدانة بالربا إلا قليلاً.
والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة بل كثيراً ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزاماً لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقوم ميل جماهير الناس إلى آكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم بعشرين درهماً بسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة دراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهماً لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل.
هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما يحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.
والله تعالى قد أجاب عن دعوة مماثلة البيع بالربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين، وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي أنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن بذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هي أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آَرائهم ومذاهبهم فيه.
والمعنى الصحيح أن زعمهم مساوات الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وأكله ولكن هاهنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يريبهم على التراحم والعطف وأن يكون كل منهم عوناً للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه.
ولذلك جرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد.
فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.
وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل ولم يجعل لأحد منهم حقاً على الآخر بغير عمل لأنه باطل لا مقابل له.
وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضاً يقابل عوضاً وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه.
ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائماً انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعاً حقيقياً لأن من يشتري قمحاً مثلاً فإنما يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعاً حقيقياً "وأقول -والثمن في هذا مقابل للمبيع مقابلة مرضية للبائع =

......................... = والمشتري باختيارهما"- وأما الربا، وهو عبارة عن إعطاه الدراهم، والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر، فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل.
"وأقول - وهي لا تعطي بالرضا والاختيار بل بالكره والاضطرار".
وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع: وهو أن النقدين إنما وضعا؛ ليكونا ميزاناً لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصوداً بالاستغلال، فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس، وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استقلال المال بالمال؛ فينمو المال ويربو عندهم، ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة: "بالبنوك" وينجس العاملون في أعمالهم، لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.
ولو وقفت الناس في استغلال المال عند حد الضرورة، لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها أي فلا بد لها من الوازع الذي يوفقها بالاقناع، أو الإلزام، لذلك حرم الله الربا وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين، ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.
وأما واضعو القوانين، فإنهم يضعون للناس الأحكام، بحسب حالتهم الحاضرة، التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل، والبعد عن الرذائل، وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا فقد عفت فيها رسوم الدين وقلّ فيها التعاطف، والتراحم، وحلت القسوة محل الرحمة، حتى إن الفقير فيها ليموت جوعاً، ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه؛ فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفعلة، والعمال على أصحاب الأموال واغتصابهم المرة بعد المرة، لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره، بل يعطونهم أقل مما يستحقون وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلاباً كبيراً في العالم؛ ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.
وقد ألّف تولستوي الفيلسوف الروسي كتاباً سماه: "ما العمل" وفيه أمور يضطرب لفظاعتها القارئ وقد قال في آخره: "إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار "الجنيه" عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يوماً ما".
قال -رحمه الله تعالى-: "وهذه بلادنا قد ضعف التعاطف والتراحم فيها وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة.
كنت أرى الرجل يطلب من الآخر فرضاً فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه اقترض منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلاً عليه" قال: "رأيت هذا من كثيرين في بلاد متعددة ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بالمحاكمة.
ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضاً طلبه إلا بسند وشهود فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم ألا يذكروا ذلك.
قال: نعم.
قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما علمت عليه من سوء؟ قال لا أعرف سبب ذلك إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي: قلت وأخبرني أن هذا =

قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 1. وِقال عز وجل: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ 2. وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّهُ لَعَنَ آَكِلَ الرِّبَا وَمُوَكِّلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ" 3. والحديث الذي صدر به الباب بعض ما رواه الشافعي -رضي الله عنه- "المختصر".
قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار ورجل آخر، عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلاَ الْوَرِقَ بالوَرِقِ، وَلاَ البُرَّ بِالْبُرِّ وَلاَ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلاَ التَّمْرَ بالتَّمْرِ، وَلاَ الْمِلْحَ بِالْمِلحِ، إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْناً بِعَيْنٍ يَدًا بيَدٍ، وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرَقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، والشعير بالبر وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ، كَيْفَ شِئْتُمْ، يَداً بِيَدٍ" قَال: "وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا التَّمْرُ أَوِ الْمِلْحُ، وَزَادَ الآخَرُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى" 4. ذكر بعض الشارحين: أن الرجل الآخر الذي أبهم ذكره هو: عبد الله بن عبيد الله المعروف بابن هُرْمز.
وقوله: "وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا التَّمْرُ أَوِ الْمِلْحُ "، يعني: أحد الرجلين، ولم يبين الَّذِي نقص منهما كأنه شك فيه، وشك أيضاً في أن ما نقصه التَّمْر أو المِلْح.
وقوله: وزاد الآخر يعني الذي لم ينقص.
واختلفوا في قوله: "فمن زاد أو استزاد" فمنهم من قال: هذا شك آخر من الشَّافعي -رضي الله عنه-، ومنهم من قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد يلفظ بهما جميعاً، وأراد بقوله: "زاد" أعطى الزيادة، وبقوله: "أو استزاد" أخذ الزيادة أو طلبها.
وشبه ذلك بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ" 5. واعلم أن الربا ثلاثة أنواع: ربا الفضل: وهو زيادة أحد العِوَضَيْن على الآخر في القدر.
وربا النَّساء وهو أن يبيع مالاً بمال نَسِيئَة، سمي به لاختصاص أحد العِوَضَيْن بزيادة الحُلُول.
وربا اليَدِ؛ وهو أن يَقْبِض أحد العِوَضين دون الآخر، وفي الخبر ذكر ستة أشياء وهي: النَقْدَان، والمَطْعُومَات الأربعة، والحكم غير مقصور عليها باتفاق = الذي سأله عن ذلك هو والده -رحمهما الله تعالى- اهـ". ينظر زواجر ابن حجر (1/ 179) وما بعده، النيسابوري (3/ 80) وما بعدها، المنار (3/ 106)، المبسوط ج 12، القرطبي ج 3، الفخر الرازي ج 2.

جمهور العلماء، لكن الربا ثبت فيها لمعنى، فيلحق بها ما يُشَارِكُهَا فيه.
فأما الأشياء الأربعة، فللشافعي -رضي الله عنه- قولان في علْة الرِّبا فيها: الجديدة: أن العلَّة هو الطعم 1، لما روى معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلٌ بِمِثْلِ" 2 علّق الحكم باسم الطعام، والحكم المعلّق بالاسم المشتق معلَّل بما منه الاشتقاق، كالقطعِ المعلّق باسم السارق، والجَلْد المعلق باسم الزَّاني.
والقديم: أن العلة فيها الطعم، مع الكيل والوزن.
واحتجوا له بما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوَزْنٍ، وَالبُرُّ بالبُرِّ كَيْلاً بِكَيْلِ" 3. فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مَكِيل أو موزون، دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسَّفَرْجَلِ، والرُّمَّانِ والبَيْضِ والجُوزِ والأتْرُجِّ والنَّارِنْجِ.
وعن الأَوْدَنِيِّ من أصحابنا: أنه تابع ابْنَ سِيْرينَ في أن العلّة الجنسية، حتى لا يجوز بيع مال بجنسه متفاضلاً.
وقال مالك: العلة الاقْتيات، فكل ما هو قُوْت أو يستصلح به القوت يجري فيه الربا، وقصد بالقيد الثاني إدراج الملح.
وقال أبو حنيفة: العلَّة الكَيْلُ حتى يثبت الرِّبَا في الجَصِّ والنُّورَةِ وسائر المكيلات.
وعن أحمد روايتان: إحداهما: كقول أبي حنيفة.
والأخرى: كقول الشافعي -رضي الله عنه- الجديد.
وإذا علّلنا بالطعم، إما مع انضمام التقدير إليه أو دونه تعدي الحكم إلى كل ما يقصد ويعد للطعم غالباً إما تَقَوُّتا أو تأدُّماً، أو تَفَكُّهاَ أو غيرها، فيدخل فيه الحُبُوب والفَوَاكِه، والبقول والتوابل وغيرها، ولا فرق بين ما تؤكل نادراً كالبَلُّوط والطَّرْثُوث 4 أو غالباً، ولا بين أن يؤكل وحده أو مع غيره، وفي الزَّعْفَران وجهان: أصحهما: أنه يجري فيه الربا، لأن المقصود الأظهر منه الأكل تَنَعُّماً أو تَدَاوِيَا إلاَّ أنه يخلط بغيره.

والثَّاني: لا يجري؛ لأنه يقصد منه الصّبْغ واللّون غالباً، وبهذا قال القاضي أبو حامد فيما حكاه ابن كَجٍّ، وأبو حيان التَّوحيدي في بعض "رسائله" ولا فرق بين ما يؤكل لِلتَّدَاوي كالإهليلج 1 والبليلج 2 والسَّقْمُونيا 3 وغيرهما، وبين ما يؤكل لسائر الأغراض على المَذْهَبِ.
وفي "التَّتمة" حكاية وجه: أن ما يهلك كثيره، ويستعمل قليله في الأدوية كالسَّقْمُونيَا، لا يجري فيه الرِّبا.
وأما الطين، فالخَرْسَانِيِّ منه ليس بربوي، لأنه لا يعد مأكولاً ويسفه آكله، وعن الشيخ أبي محمد: الميل إلى أنه رَبَوِيّ.
والأَرْمَنِيّ دواء فهو كالإهليلج، وفيه وجه آخر: أنه لا ربا فيه كسائر أنواع الطين، وإلى هذا ذهب القاضي ابن كج.
وفي دهن البَنَفْسَجِ والورد، واللِّبان، وجهان: أصحهما: أن فيها الربا، فإنها متخذة من السِّمْسِم المكتسب رائحة من غيره، وإنما لا تؤكل في العادة ضَنّة بها، وفي دهن الكِتَّان وجهان: أظهرهما: أنه ليس مال الربا لأنه لا يعد للأكل، ودهن السَّمك كذلك، لأنه يعد للاسْتِصْباح وتدهين السُّفن.
قال الإمام: وهذا يظهر جعله مال الربا، فإنه جزء من السمك.
ونقل صاحب "البيان" وجهين في حب الكِتَّان والزَّنْجَبيل، ووجهين عن الصَّيمَرِي في ماء الوَرْد، وذكر أنه لا ربا في العُود والمَصْطَكِيّ، والأَشبه أن ما سوى العُود كله ربوي 4، وفي كون الماء ربوياً إذا فرعنا على صحة بيعه، وثبوت الملك فيه وجهان:

أصحهما: أنه ربوي.
قال الشيخ أبو حامد: ومن لا يجعله ربوياً يقول: العلّة في الربويات أنها مأكولة، ومن يجعله ربوياً، يقول: العلة إنها مطعومة.
والثاني أعم؛ لأن المأكولية لا تطلق في الماء والمَطْعُومِيّة تطلق.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ 1. ولا ربا في الحَيَوان؛ لأنه لا يؤكل على هَيْئَتِهِ، نعم ما يُبَاح أكله على هيئته كالسَّمَك الصَّغير على وجه يجري فيه الربا، هكذا قاله في "التَّتمة".
وحكى الإمام عن شيخه وعن صاحب "التقريب" تردداً فيه وقطع بالمنع؛ لأنه لا يعد للأكل، وأما النّقْدان فعن بعض الأصحاب: أن الربا فيهما لعينهما لا لعلة، والمشهور أن العلّة فيها صلاح التَّنمية الغالبة، وإن شئت قلت: جوهرية الأَثْمَان غالباً، والعبارتان تشملان التِّبر والمَضْرُوب والحُليّ والأواني المُتَّخذة منهما، وفي تعدّي الحكم إلى الفلوس إذا راجت حكاية وجه لحصول معنى التنمية، والأصح خلافه لانتفاء التنمية الغالبة.
وقال أبو حنيفة وأحمد: العلة فيهما الوزن، فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحَدِيد، والرّصاص والقطن.
لنا أنه لو كانت العلّة الوزن لتعدي الحكم إلى المعمول من الحديد والنّحاس، كما تعدى إلى المعمول من الذهب والفضة وقد سلموا أنه لا يتعدى.
ولو باع التِّبْر أو المَضْرُوب بالحُلِيّ من جِنْسه وجب رعاية التَّماثل.
وعن مالك -رضي الله عنه- أنه يجوز أن يزيد ما يقابل الحُلِيّ بقدر قيمة الصّنْعة.
إذا تقررت هذه الأصول فنقول: إذا بيع مال بمال لم يخل، إما أن لا يكونا ربويين أو يكونا ربويين.
فَأمَّا في الحالة الأولى وهي تتضمَّن ما إذا لم يكن واحد منهما ربوياً، وما إذا كان = الأم يشير إليه، ثم قال وأما ترجيحه في أصل الروضة أنه ربا في حب الكتان وماء الورد فهو جيد لكنه عكس كلام الرافعي من غير بيان.
وأما نقله الوجهين في العود فسهو بلا شك ولم أر فيه خلافاً.
وقال الزركشي: أن محل الخلاف في الزنجبيل في غير المربى فأما الزنجبيل المربى فربوي قطعاً.
قاله الصيمري والماوردي والرويانى.

أحدهما ربوياً فلا تجب رعاية التَّمَاثل ولا الحلُول [ولا التَّقَابض] 1، ولا فرق في ذلك بين أن يتَّفق الجنس أو يختلف، حتى لو أسلم ثوباً في ثوب أو ثوبين، أو باع حيواناً بحيوانين من جنسه جاز.

لما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَشْتَرِيَ بَعِيراً بِبَعِيرَيْنِ إلَى أَجَلِ" 1. وعند أبي حنيفة: لا يجوز إسلام الشيء في جنسه.
وعن مالك: يجوز عند التَّسَاوي، ولا يجوز عند التَّفاضل.
وأما في الحالة الثانية: فينظر هذا ربويٌّ بِعِلّة، وذاك ربوي بعلة، أو هما ربويان بعلة واحدة.
فإن اختلفت العلة لم تجب رعاية التَّمَاثل ولا الحُلُول ولا التَّقابض، ومن صور هذا القسم أن يسلم أحد النَّقْدين في البُرِّ أو يبيع الشَّعِير بالذَّهَب نقداً أو نَسِيئة.
وإن اتَّفقت العلِّة، فينظر إن اتَّحد الجِنْس كما لو باع الذَّهب بالذّهب والبُرَّ بالبُرِّ، ثبت فيه أنواع الربا الثلاثة، فيجب رعاية التّماثل والحلول والتقابض في المجلس، وإن اختلف الجنس لم يثبت النوع الأول، ويثبت النوعان الباقيان.
مثاله: إذا باع ذهباً بفضة أو بُراً بشعير لم تجب رعاية المماثلة، ولكن يجب رعاية الحلول والتقابض قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في آخر خبر عبادة: "فَبيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، يَداً بِيَدٍ" 2. أباح التفاضل بقوله: "كَيْفَ شِئْتُمْ" واعتبر التقابض بقوله: "يَدًا بيَدٍ"، وإذا كان التقابض معتبراً، كان الحلول معتبراً، فإنه لو جاز التأجيل لجاز تأخير التسَليم إلى مضي المدة.
وعند أبي حنيفة: لا يشترط التقابض إلا في الصّرف، وهو بيع النّقد بالنّقد، وبه قال أحمد في رواية.
لنا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر النقدين وغيرهما في حديث "عبادة" في قرن واحد، ثم قال: "إِلاَّ يَداً بِيَدٍ" 3. فسوى في اعتبار التَّقابض بين الذهب بالذهب والبر بالبر -والله أعلم-.
ولنعد إلى لفظ الكتاب.
قوله: "فمن باع شيئاً من هذه المَطْعُومات بجنسه... " إلى آخره شروع منه في

بيان الحكم في أحد صنفي الأموال المذكورة في الخبر وهو المَطْعُومات، ثم ما يجب رعايته في هذه المَطْعُومات يجب رعايته في سائر المطعومات كما بينه بقوله: "وفي معنى هذه المطعومات" وكذلك في النقدين.
وقوله: "بِمِعْيار الشرع"، يعني الكيل والوزن على ما سيأتي ذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
قوله: "والتقابض في المجلس" معلم بالحاء والألف لما سبق أنهما لا يعتبر أنه في المَطْعُومات، ويجوز أَنْ يعلّم بهما أيضاً.
قوله: "لم يسقط إلا رعاية المُمَاثلة في القدر" وقوله: "وإن لم يكن مقدراً" قصد به التَّعرض للقول القديم، وليكن معلّماً بالواو لذلك القول، وكذلك السَّفَرْجَل، وكذا الزَّعفران، والطين الأَرْمَنِي لما حكينا فيهما.
وقوله: "لأن علة ربا الفضل فيه"، أي في المَطْعُومات المذكورة في الخبر وغيرها.
وقوله: "الطّعم" مُعَلّم بالميم والحاء والألف، لما سمعنا من مذاهبهم.
وقوله: "ولكن في المتجانسين"، معناه أن الطّعم لا يوجب تحريم ربا الفضل على الإطلاق، ولكن بشرط تجانس العِوَضَيْن، واختلفوا في أن الجِنْسية هل هي وصف من العلة أم لا؟ فذهب الشيخ أبو حامد وطبقته إلى أنها وصف من العلة، وقالوا: العلة على القديم مركبة من ثلاثة أوصاف.
وعلى الجديد من وصفين، واحترز المَرَاوِزَة من هذا الإِطْلاق.
وقالوا: الجنسية شرط، ومنهم من قال: هي محل عَملِ العِلّة كالإِحْصَان بالإضافة إلى الزنا، وبهذا يشعر قوله في الكتاب: "ولكن في المتجانسين".
واحتج هؤلاء بأنها لو كانت وصفاً لأفادت تحريم النسأ بمجرّدها كما أفاد الوصف الآخر وهو الطّعم تحريم النسأ بمجرده وليس كذلك، فإن الجنس بانفراده لا يحرم النسأ.
وللأولين أن يمنعوا إفادة ما هو وصف، لعلّة ربا الفضل تحريم النسأ، ويقولوا: قد يفيده وقد لا يفيده، وليس تحت هذا الاختلاف كثير طائل.
وقوله: "وعلة تحريم النَّسأ ووجوب التقابض الطعم فقط"، أي من غير اشتراط التَّجانس، ووجوب التقابض يتلازمان، وينحى بكل واحد منهما نحو الآخر، وقد نرى الأئمة لما بينهما من التَّقَارب يستغنون بذكر أحدهما عن الآخر.
وقوله: "فإذا بِيْع مَطْعُوم بمطعوم، فهو في محل الحكم بتحريم النسأ ووجوب

التقابض" أي سواء تجانسا أم لا، وهو مذكور للتَّأْكيد والإيضاح، وإلاَّ ففي قوله: "وعلة تحريم النسأ... " إلى آخره ما يفيده.
وقوله: "وعلة الربا في النّقْدين كونهما جوهري الأثمان" معلّم بالحاء والألف والواو أيضاً للوجه الصائر إلى أن الحكم فيهما غير معلل، ثم لا بُدَّ من إفادتها حرمة التَّفَاضل من الجنسية، إمَّا شرطاً أو وصفاً كما سبق، ومجرد النَّقْدية في إفادة تحريم النَّسأ ووجوب التَّقابض كمجرد الطّعم، فلذلك قال: "ولا يجوز سلم شيء في غيره إذا كانا مشتركين في علة النّقْدية أو الطعم"، فإن في السّلم يفقد التقابض وكذا الحلول غالباً.
وقوله: "أو الطعم" مكرر ذكره مرة في قوله: "وعلة تحريم النَّسأ... " إلى آخره، وأخرى في قوله: "فإذا بِيْعَ مطعوم بمطعوم...، إلى آخره وهذه مرة ثالثة، وقد تورث المبالغة في الإيضاح إشكالاً.
فرع: حيث اعتبر التَّقَابض فلو تفرقا قبل التقابض بطل العقد، ولو تقابضا بعض كل واحد من العِوَضين ثم تفرقا بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض قولاً تفريق الصَّفقة.
والتَّخَاير في المجلس قبل التَّقَابض بمثابة التَّفرق يبطل العقد خلافاً لابن سريج.
ولو وكّل أحدهما وكيلاً بالقبض، وقبض قبل مفارقة الموكّل مجلس العقد جاز وإن قبض بعده فلا.
آخر: بيع مال الرِّبا بجنسه مع زيادة لا يجوز إلا بتوسُّط عقد آخر.
مثاله: إذا أراد بيع دراهم أو دنانير صِحاحاً بمكسرة أكثر من وزنها يبيع الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم أو بعرض، ثم إذا تقابضا وتفرقا أو تخايرا اشترى بالدراهم، أو بذلك العرض المكسرة.
كما أَمَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "عَامِلَ خَيْبَرَ أَنْ يَبِيعَ الجَمْعَ بالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ يَبْتَاعَ بِهَا جَنِيباً" 1. والجنيب هو أجود التمر، والجمع كل لون من التَّمر لا يعرف له اسم، ولا فرق بين أن يتخذ ذلك عادة أو لا يتخذه عادة، خلافاً لمالك حيث قال: يجوز مرة واحدة، ولا يجوز أن يتخذه عادة.
ولو اشترى المكسّرة بعَرْض ماله قبل أن يقبضه لم يجز، وإن اشتراها به بعد قبضه وقبل التفرق والتّخاير.
قال ابن سريج وغيره: يجوز، وهو الأصح بخلاف ما لو باعه من غير بائعه قبل التفرق والتخاير، حيث لا يجوز لما فيه من إسقاط خيار العاقد الآخر، وهاهنا يحصل بما يجري بينهما إجازة العقد الأول.

وعن صاحب "التَّقْرِيب" أنه مبني على الخلاف في المِلْك في زمن الخِيَار.
فإن قلنا: إنه يمنع انتقال الملك لم يجز؛ لأنه باع ما لم يملكه.
فهذا وجه من الحيلة.
ووجه ثان: وهو أن يقرض الصحاح من الآخر ويستقرض منه المكسرة، ثم يبرئ كل واحد منهما صاحبه.
ووجه ثالث: وهو أن يهب كل واحد منهما ماله من الآخر.
ووجه رابع: وهو أن يبيع الصحاح بمثل وزنها من المكسرة، ويهب صاحب المكسرة الزيادة منه، فيجوز جميع ذلك إذا لم نشرط في إقراضه وهبته وبيعه ما يفعل الآخر 1. ولو باع النصف الشائع من دينار قيمته عشرة دراهم بخمسة جاز، ويسلم إليه الكل ليحصل تسليم النصف، ويكون النصف الآخر أمانة في يده بخلاف ما لو كان له عشرة على غيره فأعطاه عشرة عدداً فوزنت فكانت إحدى عشر ديناراً كان الدِّينار الفاضل للمقبوض منه على الإِشَاعة، ويكون مضموناً عليه؛ لأنه قبض لنفسه.
ثم إذا سلم الدَّراهم الخمسة فله أن يستقرضها ويشتري بها النصف الآخر، فيكون جميع الدينار له، وعليه خمسة دراهم.
ولو باع الكل بعشرة وليس مع المشتري إلاَّ خمسة فدفعها إليه، واستقرض منه خمسة أخرى وردها إليه عن الثمن جاز، ولو استقرض الخمسة المدفوعة فوجهان: أصحهما: الجواز 2. قال الغزالي: ثُمَّ النَّظَرُ في ثَلاَثةِ أَطْرَافٍ، أَوَّلُهَا طَرَفُ المُمَاثَلَةِ، فَمَا كانَ مَكِيلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلاَ يَجُوزُ فِيِه إِلاَّ الكَيْلُ، وَمَا كَانَ مَوْزُوناَ فَبِالْوَزْنِ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَقْلٌ فَالَوزْنُ فِيهِ أَحْصَرُ (ح)، وَقِيلَ: الكَيْلُ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ، وَقِيلَ: يُنْظَرُ إِلَى عَادَةِ الوَقْتِ (و)، وَمَا لا يُقَدَّرُ كَالبطِّيخِ (و) فَلاَ خَلاَصَ فِيهِ عَنِ الرِّبَا إلاَّ مَالَهُ حَالَةٌ جَفَافٍ وَهُوَ حَالَةُ كمَالِهِ فَيُوزَنُ، وَالجَهلُ حَالَ العَقدِ بالممَاثلَةِ كَحَقِيقَةِ المُفَاضَلَةِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ صُبْرَةِ بصُبْرَة جُزَافاً وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ.

قال الرافعي: قد مرَّ في الفصل السابق أن المماثلة بمعيار الشرع مرعية، وأن الحكم يختلف بين أن يكون الرَّبويان متجانسين وبين إلاَّ يكونا متجانسين، وذلك يحوج إلى بيان مِعْيار الشّرع، وإلى بيان أنها في أي حالة تعتبر، وإلى معرفة التّجانس في مظانِّ الأشكال فعقد فيها ثلاثة أطراف من الكلام: أحدها: في طريق المماثلة.
اعلم أن معيار الشرع الذي تراعى به المماثلة هو الكَيْل والوزن، فالمكيل لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً، ولا يضر مع الاسْتِوَاء في الكيل التفاوت في الوزن.
والموزون لا يجوز ببيع بعضه ببعض كَيْلاً، ولا يضرُّ مع الاسْتواء في الوزن التَّفاوت في الكيل روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوَزْنٍ، وَالحِنْطَةُ بالْحِنْطَةِ كَيْلاً بِكَيْلٍ" 1. والنقدان من الأشياء السِّتة المذكورة في خَبَرِ "عُبَادة" موزونان، والأربعة المطعومة مكيلة.
نعم لو كان الملح قِطَعاً كِبَاراً ففيه وجهان: أحدهما: أنه يُسْتحق ويباع كَيْلاً فإنه الأصل فيه.
وأظهرهما: أنه يباع وزناً نظراً إلى ما له من الهيئة في الحال، وكذا كل شيء يتجافى في الكَيْل يباع بعضه ببعض وزناً.
وكل ما كان مكيلاً بالحِجَاز على عهد رسول اللهَ -صلى الله عليه وسلم- فالمعتبر فيه الكيل، وكل ما كان موزوناً فالمعتبر فيه الوزن، ولو أحدث النَّاس خلاف ذلك فلا اعتبار به.
وعن أبي حنيفة: أنه يعتبر فيه غالب عادات البلدان، رواه صاحب "التهذيب".
وما لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو كان، لا يعلم أنه كان يكال أو يوزن، أو علم أنه يكال مرة ويوزن أخرى، ولم يكن أحدهما أغلب.
فقد ذكر المُتَوَلِّي أنه إنْ كان أكبر جِزماً من التَّمر فالاعتبار فيه بالوزن، لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر، وإن كان مثله أو أصغر منه ففيه وجوه: أحدها: أن المعتبر فيه الوزن؛ لأنه أخصر وأقلّ تفاوتاً.
والثاني: الكيل؛ لأنه أعم فإن أكثر الأشياء الستة المذكورة في الحديث مكيل، وأيضاً فإن أغلب المطعومات في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت مكيلاً.

والثالث وهو الأشبه: أنه ينظر إلى عادة الوقت؛ لأن الشيء إذا لم يكن محدوداً في الشَّرع كان الرجوع فيه إلى عادة النَّاس كما في القبض والحِرْز، وعلى هذا فالمعتبر آية بلدة؟ عن الشيخ أبي حامد، وغيره؛ أن المعتبر عادة أكثر البلاد فإن اختلفت عاداتها ولا غالب اعتبر ذلك الشيء بأشبه الأشياء به.
وذكر صاحب "المهذب" و"التهذيب" أن النظر إلى عادة بلد البيع هو الأحسن.
والوجه الرابع: أنه يعتبر بأقرب الأشياء شبهاً به، كما إذا شككنا في الحيوان أنه مُسْتَطَاب أو مستخبث نلحقه بأقرب الأشياء شبهاً به.
والخامس: حكاه الإمام عن شيخه: أنه تثبت الخيرة بين الكيل والوزن.
ثم منهم من خَصَّص هذا الخلاف بما إذا لم يكن لِلشيء أصل معلوم المِعْيَار، أما إذا استخرج من أصل هذا حاله فهو معتبر بأصله، ومنهم من أطلق.
ومما أفاده الإمام في هذا الموضع أنه لا فرق بين المِكْيال المعتاد في عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسائر المَكَاييل المحدثة بعده، كما أنا إذا عرفنا التَّسَاوي بالتَّعْديل في كفتي الميزان نكتفي به، وإن لم نعرف قدر ما في كل كَفَّة.
وفي الكيل بالقَصْعة ونحوها مما لا يعتاد الكيل به حكاية تردد عن القَفْال، والظاهر الجواز والوزن بالطّيار والقَرْسَطُون وزن.
وقد يتأتى الوزن بالماء بأن يوضع الشَّيء في ظَرْف ويلقى على الماء، وينظر إلى مقدار غوصه لكنه ليس وزناً شرعياً، ولا عرفياً.
والظاهر: أنه لا يجوز التَّعويل في الربويات عليه 1 -والله أعلم-.
هذا كله في الشَّيء المقدر يباع بجنسه.
فأما ما لا يقدر بكيل ووزن كالبَطِّيخ والقِثَّاء والرُّمان والسَّفَرْجَل.
فإن قلنا مثل هذا لاربا فيه جاز بيع بعضه ببعض، كيف شاء.
حتى قال القَفَّال لو جُفف شيء منها، وكان يوزن في جفافه لم يجر، فيه الربا أيضاً؛ لأن أكمل أحواله حال الرطوبة، وهو ليس مال ربا في تلك الحالة.
قال الإمام: والظاهر خلاف هذا، فإنه في حال الجَفَاف مطعوم مقدر.
وإن قلنا: فيه الربا وهو القول الجديد وكلام الكتاب مفرع عليه فيجوز بيعه بغير

جنسه كيف شاء.
وأما بجنسه، فينظر فإن كان مما يجفف كالبَطِّيخ الذي تفلق وحبّ الرُّمَّان الحامض فلا يجوز بيع بعضه ببعض في حال الرُّطُوبة كبيع الرُّطَب بالرُّطَب، ويجوز في حالة الجَفَافِ بشرط التَّسَاوي، وهذا حكم كل ما يُجَفَّف من الثِّمَار، وإن كان مقدراً كالمشمِش والخَوخ والكُمْشَري الذي يفلق.
وحكى الإمام وجهاً: أنه لا يجوز بيعها في حالة الجَفَاف أيضاً بجنسها إذ ليس يتقرر لها حالة كمال.
وإن كان مما لا يجفف كالقِثَّاء ونحوه، فهل يجوز بيع بعضها ببعض في حال الرطوبة؟ فيه قولان: وكذا في المقدرات التيَ لا تجفف كالرُّطَب الذي لا يتمر، والعنب الذي لا يتزبب.
أصحهما: المنع، كبيع الرطب بالرطب.
والثاني: الجواز، لأن معظم منافع هذه الأشياء في رطوبتها فبيع بعضها ببعض كبيع اللَّبن باللبن، فعلى هذا إن لم يمكن كيله كالبَطِّيخ والقِثَّاء بيع وزناً، وإن أمكن كالتُفَّاح والتِّيْن فيباع وَزْناً أو كَيْلاً وجهان: أصحهما: أولهما، لأن الوزن أخصر، ولا بأس على الوجهين بتفاوت العدد.
إذا عرفت طريق المماثلة في الباب فمن فروعه أن يريد شريكان في شيء من مال الرِّبَا قسمته بينهما، فهو مبني على أن القسمة بيع أو إفراز فإن قلنا بالأول وهو الأصح فلا يجوز قسمة المكيل بالوزن، ولا قسمة الموزون بالكيل.
وما لا يباع بعضه ببعض كالعِنَبِ والرُّطَب فلا يقسم أيضاً.
وإن قلنا بالثاني جاز قسمة المكيل بالوزن وبالعكس، ويجوز قسمة الرطب ونحوه بالوزن.
لا يجوز قسمة الثِّمَار بالخَرْص على رُؤوس الأشجار.
إن قلنا: إنها بيع.
وإن قلنا: إفراز فقد حكى الشيخ أبو حامد عن نصه: الجواز في الرطب والعنب؛ لأن لِلْخَرْص مدخلاً فيهما دون سائر الثمار، ومنهم من أطلق المنع.
ومن فروعه أنه لا يجوز بيع مال الربا بجنسه جُزَافاً، ولا بالتَّخْمين والتَّحري خلافاً لمالك حيث اكتفى في المكيلات بالتَّحري إذا كانا في بادية.
فلو باع صُبْرَة من الحِنْطة بِصُبْرَة أو دراهم بدراهم جُزافاً، أو بالتخمين لم يجز، سواء خرجتا متماثلتين أم لا، أما إذا ظهر التَّفَاضُل فظاهر.
وأما إذا لم يظهر فاحتجوا له بأن التساوي شرط، وشرط العقد يعتبر العلم به عند العقد.
ألا ترى أنه لو نكح امرأة لا يدري أهي معتدة أم لا، أو هي أخته من الرضاع أم لا، لا يصح النكاح؟

جارٍ التحميل