العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 485-524

العاشِرَ، فإنه محتوم، وكذا التاسع على الأصحِّ، ووراءها آداب، وأعمالٌ أُخَرُ.
منها: ما أورده في الفَصْل الثالث والرابع من الكتاب.
ومنها: إذا وُلِّيَ القاضي، فالمستحَبُّ أن يدعو الأصدقاء والأمناء، ويلتمس منهم أن يُطْلِعوه على عُيُوبه، ليسعَى في إزالتها، ويُستَحَبُّ أن يكون راكبًا في مسيره إلَى مجْلِس الحكم، وأن يسلم على الناس في طريقه، وعلى القوم إذا دَخَل، وأن يَدْعُو إذا جلس ويسأل الله تعالَى التوفيق والسَّدَاد، وأن يقوم على رأسه أمينٌ يُنَادِي: هل مِنْ خَصْمٍ؟ ويرتِّبَ الناس ويقدِّم الأوَّل فالأولَ، وعن أبي بكر بن المنذر: أن الأوْلَى أَنْ يكُونَ حصينًا لمكان النساءِ، ويجوز أن يعين للقضاء يومًا أو يومَيْنِ عَلَى حسب حاجَةِ النَّاس ودعاويهم.
وأن يعين وقتًا في النهار، ثم إذا حَضَر خصمان في غير الوَقْت المعيَّن، سمع كلامهما، إلا أن يكون في صلاةٍ أو في حَمَّام، أو عَلَى طعام، فيُؤَخَّرُ قَدْرَ ما يفرغ منه، وينبغي أن يكون للقاضِي درة يؤَدِّب بها عند الحاجة، كما كانت لِعُمَرَ -رضي الله عنه- وأن يتخذ سجنًا للحاجة إليه في التعزير، واستيفاء الحقِّ من المماطلين 1. وقد روي أن عمر -رضي الله عنه- اشترى دارًا بمكة بأربعة آلافٍ، وجعلها سجنًا 2. وهذه فروعٌ تتعلَّق بالحبس، قال أبو العباسِ بنُ القاصِّ -رحمه الله- إذا استشعر القاضي من المديُونِ بعد ما حبسه الفرارَ من حبسه، فله نقله إلى حبس الجرائم، ولو دعا المحبوس أَمَته، أو زوجته إلى فراشه، لم يُمْنَع، إن كان في الحبس موضعٌ خالٍ، فإن امتنعت، أُجْبِرَتِ الأمة، ولا تُجْبَرُ الزوجة الحُرَّة؛ لأنه لا يصلح للسكْنَى، وإنما هو حبس، ولا حَبْسَ عليها والزوجَةُ الأمة تُجْبَرُ، إن رضي سيِّدُها، وكان يجوز أن يُقَالَ:

الحَبْسُ زجْر وتأديبٌ فإن اقتضى الحال أن نَمْنَع مِنْه زوجته أو أمته، فعل، ولو أراد مستحِقُّ الدَّيْن أن يلازمه بدلاً عن الحبس، مُكِّنَ، فإن الملازمة أخفّ، إلا أن يقول للقاضي: إنه يشق عليَّ الطهارةُ والصلاةُ بسَبَبِ الملازمة، فامْنَعْه منها، واحبسني، فيردُّه إلى الحَبْس، قاله أبو العباس: وقدم الخلاف في أن الأب، هل يُحْبَسُ بدَيْنِ ولده؟ وقياس حبسه، أن يُحْبَسَ المريض والمخدرة وابن السبيل، منعًا لهم من الظُّلْم؛ والحكاية عن أبي عاصم العباديِّ أن هؤلاء لا يُحْبَسُونَ، ولكن يوكَّلُ بهم ليحيلوا أو يؤدُّوا.
قال: ولا يُحْبَسُ الأبُ في حقِّ الصغير، ولا القَيِّم، ولا الوكيل، في دَيْنٍ لم يجب بمعاملتهم.
ويُحبَس الأمناءُ في دَيْنٍ وجب بمعاملتهم، ولا يحبس الصبيُّ والمجنونُ ولا المكاتَبُ بالنُّجُوم، ولا يُحْبَسُ العَبْدُ الجانِي، ولا سيِّدُه ليؤدي، أو يبيع بل يُبَاع عليه، إذا وجد راغب، وامتنع، ونقل القاضي أبو سعد الهرويُّ وجهين في حبس كل غريمٍ، قَدَرْنا على ماله وتمكَنَّا من بَيْعِهِ، وأجرة السجان على المحْبُوس، وأجرة الموكّل على مَنْ وكل به، إذا لم يكن في بَيْتِ المالِ مالٌ، وانصرف إلى جهةٍ أهمَّ من هذه والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي مُسْتَنَدِ قَضَائِهِ:

وإِنَّمَا يَقْضِي بِالحُجَّةِ، وَلا يَقْضِي بِعَلْمِهِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، لَكِنْ إِنْ عَلِمَ فَسْقَ الشَّاهِدِ أَوْ كَذِبَةٌ تَوَقَّفَ عَنِ القَضَاءِ، وَيُغْنِيهِ عُلمُهُ بَعَدَالَةِ الشُّهُودِ عَنِ المُزَكِّينِ، وَيَقْضِي عَلَى مَنْ أقَرَّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ دُونَ مَنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ سِرًّا، وَلا يَكْفِي شَاهِدٌ واحِدٌ مَعَ عِلْمِهِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود هذا الفصل: الكلام في أن القاضي، بم يقضي؟ وَإلام يستند قضاؤه؟ أما أنه يقضي بالحُجَّة فواضحٌ، ولو لم يقُمْ عنده حجة، إلاَّ أنه عَلِمَ صدق المدعي، فهل يقضي بعلمه؟ فيه قولان: أحدهما: لا، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- لما رُويَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في قضية الملاعنة: "لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجُمْتُهَا" 1 ولأن فيه تهمةً، والتهمة تمنع القضاء، ولذلك لا يقضي لولده ووالده.
والثاني: نعم، وبه قال المزنيُّ -رحمه الله- لأنه يقضي بشهادة الشاهدين، والحاصل مجرَّدُ ظنٍّ، فلأَن يقضي باليقين كان أولى، وبه قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- في "كتاب الرسالة": صح عندي، وثبت لَدَيَّ، وهو أقوى من شاهدين، ورجح في الكتاب القول الأول، واختاره القاضي الروياني: لفساد القضاة، وحكاه عن ابن سريج،

لكن الثاني أصح عند عامة الأصحاب، وأجابوا عن معنى التهمة؛ بأن القاضي لو قال: ثبت عندي، وصح لدي كذا، لزم قبوله، ولم يبحث عما صحَّ، وثبت به، والتهمة قائمة.
ويجوز أن يُعْلَمَ لفظ القولين في الكتاب بالواو؛ لأن من الأصحاب من حَكَى طريقة قاطعة بالقول الثاني؛ بناءً على ما نقل عن الربيع أن الذي كان يذهب إليه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- أن القاضي يقضي بعلمهُ وما كان يبوح به مخافة القضاة السوء، ولا فرق على القولين بين ما علمه في زمان ولايته ومكان ولايته وما علمه في غيرها، وعند أبي حنيفة: يقضي بما علمه في زمان ولايته، ومكان ولايته بشرط بقائه مولى من يوم العلم، إلى يوم القضاء.
ولا يقضي بما علم على غير هذا الوجه، فإن قلنا: لا يقضي بعلمه، فذاك، فيما إذا كان مستند القضاء مجرد علمه بالمحكوم فيه أما إذا شهد عنده شاهدان يعرف عدالتهما، فله أن يقضي، ويغنيه علمه بعدالتهما عن مراجعة المزكين، وفيه وجه آخر؛ لقيام التهمة.
ولو أقر بالمدعي في مجلس قضائه، قضى بعلمه، وذلك قضى بإقراره، لا يعلم القاضي، إن أقر عنده سرًا، فعلى القولَيْن في القضاء بالعلم، ومنهم من خصص القولين بما إذا علم المحكوم بنفسه، وقال: هاهنا نحكم بالإِقرار المعلوم، لا بمجرَّد العلم بالمحكوم فيه.
ولو شهد عنده شاهد واحد، فهل يغنيه علمه عن الشاهد الثاني؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا؛ لأن الحجة لم تتم.
والثاني: ويُحكَى عن مالك: نعم؛ لانكسار سَوْرَة التهمة، وأما إذا قُلْنا: إنه يقضي بعلمه، فذلك في الأموال، وأما في القصاص وحدِّ القذف، فقولان؛ لأن وجه المنع، أن العقوبات يُسعَى في رَفْعَها، ولا يُوسَّعُ بابها، والأظهر الجواز؛ اعتمادًا على حصول العلم، وبهذا أجاب في العدة؟ تفريعًا على هذا القول.
وإذا منعنا القضاء بالْعِلْم في القصاص وحدِّ القَذْف 1، ففي حدود الله تعالَى أولى

أن نمنع وإن جوزناها، ففيها قولان 1: الأصح: المنع، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الحاكم مأمورٌ بالتَّسَتُّر، وقد رُوِيَ عن أبي بكر -رضي الله عنه- أنه قال: لو رأيت رجلاً على حدِّ، لم أحُدَّه، حتى يشهد عندي بذلك شاهدان 2، ويجوز أن يُتْرَكَ الترتيب والتفريع، وَيُقَال في القضاء بالعلم ثلاثة أقوال؛ يجوز مطلقًا، ولا يجوز مطلقًا، ويجوز في الأموال دون العقوبات، أو أربعة أقوال، يجوز، لا يجوز، يجوز في الأموال لا غير، يجوز فيما سوى الحدود لا غير.
ولا خلاف أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه، بل إذا علم أن المُدَّعِي أبرأه عما يدعيه، ويقيم الشهود عليه، أو أن المدعي قبله حي، أو رآه قبله غير المدعَى عليه، أو سمع مدعي الرِّقِّ قد أعتق، ومدعي النكاح قد طلق ثلاثًا، وتحقق كذب الشهود، فإنه يمتنع 3 القضاء، وكذا إذا علم أن الشهود فسقة، وهذا ما أراد في الكتاب بقوله: "لكن إن علم فسق الشاهد أو كذبه توقَّف عن القضاء" ولْيُعْلَمْ قوله: "ويغنيه علمه بعدالة الشهود" وقوله: "دون من أقر عنده سرًّا" بالواو لما تقدَّم، واعلم أن الأئِمَّةَ -رحمهم الله- مثلوا القَضَاء بالعِلْم الذي هو محلّ القولين؛ بما إذا ادعى عليه مالاً، وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدعَى عليه أقر بذلك، ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد اليقين بثبوت المحكوم به وقت القضاء، فيدل على أن ليس المرادُ بالعلم اليَقِينَ، بل الظن المؤكد.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الخَطُّ فَلا يَعْتَمُدُهُ الشَّاهِدُ وَلا القَاضِي إِذَا لَمْ يَتَذَكَّرُ لإِمْكَانِ

التَّزْويرِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الخَطُّ مَحْفُوظًا عِنْدَهُ وَأَمِنَ التَّحْرِيفَ فَهَذَا يُسَلَّطُ عَلَى رِوَايَةِ الحَدِيثِ، وَهَلْ يُسَلِّطُ عَلَى الحُكْم، والشَّهَادَةِ؟ المَشْهُورُ أنَّهُ لا يُسَلَّطُ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَلَيْسَ للِمُحَدِّثِ الرِّوَايَةُ مَعَ احْتِمَالِ التَّحْرِيفِ والغَلَطِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ اعْتِمادًا عَلَى خَطِّ أَبِيهِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا رأى القاضي حجة فيها ذكر حكم لإِنسان، وطلب ذلك الاإنسان منه إمضاءه، والعمل به نُظر؛ إن تَذَكَّر القاضي، أمضاه وعَمِل به كما لو طلب منه العمل في الابتداء، في أمالي أبي الفرج الزاز -رحمه الله- طريقة أخرى: إن أمضاه على القولَيْن في أن القاضي، هَلْ يقضي بعلمه، وإن لم يتذكره، لم يعتمده؛ لإمكان التزوير 1 ومشابهة الخطِّ، وكذا الشاهد، لا يشهد بمضمون الخط، إذا لم يتذكر، هذا، إذا لم يكن الكتاب محفوظًا، عنده، فإن كان، وبَعُدَ احتمال التزوير والتحريف، كالمحاضر والسجلات التي يَحْتَاط فيها القاضي على ما سبق، فالمشهور والمنصوص أنه لا يقضي أيضًا ما يتذكر؛ لإِمكان التحريف، وإن بَعُدَ، وكذا الشاهِدُ في مثل هذه الحالة، لا يشهد، وعن الشيخ أبي محمد وغيره وجه: أنه يجوز الاعتماد عليه، إذا وثق به ولم يتداخلْه ريبةٌ، وهو روايةٌ عن أحمد، وإذا قلْنا بالأول، ففي رواية الحديث؛ اعتمادًا على الخطِّ المحفوظ عنده، وجهان: أحدهما: المنع إلى أن يتذكر كما في الشهادة، ولا يكفيه رؤية السماع، اعتمادًا على خَطِّه، أو خطِّ ثقة.
حكَى هذا الوجْهَ الصيدلانيُّ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ، وأفتى به القاضي الحُسَيْن.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: الجواز، لعمل العلماء به، سلفًا وخلفًا، وقد يتساهل في الرواية بما لا يتساهل به في الشهادة؛ ألا ترى أن الفرع يُرْوَى مع حضور الأصل؟ ولا يشهد أنه لو قال: حدَّثني فلان عن فلان؛ أنه يروى كذا، يُقْبَل:

ولو قال: حَدَّثني فلان عن فلان أنه يشهد بكذا، لا يقبل، وإذا كتب إليه شيخٌ بالإِجازة، وعرف خطه جاز، له؛ تفريعًا على اعتماد الخطِّ أن يُرْوى عنه، فيقول: أخْبَرَني فلان في كتابه، أو كتب إلَيَّ، وهذا على تجويز الرواية بالإجازة، وهو الصحيح، ويُرْوَى عن أبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- وأَفْتَى القاضي الحُسَيْن بمنعها 1، كما لو قال: أذِنْتُ لك في أن تشهد على شهادتي في كل موضع عَرَفْتَ شهادتي، ولو رأى بخط معروف: سَمِعْتُ من فلان كذا، لم تجز الرواية عنه، وإن اعتمدنا الخطَّ؛ لأنه، وإن سمعه يقول: هذا خطِّي، لا يجوز الرواية؛ إذ الإِنسان قد يسمع ويكتب ما لا يرويه.
نعم، يجوز أن يقول: رأيتُ بخطِّ فلان، أني سمعت كذا، هذا حكم القضاء والشهادة والرواية بناءً على الخطِّ.

أما اليمين؛ فقد قال الأصحابُ: يجوز له أن يَحْلِفَ على استحقاق الحقِّ، وأداء الحق؛ اعتمادا على خطِّ أبيه 1، إذا وثق بخطه وأمانته وضبطه قال القفال: وضابط وثوقه بأن يكون بحيث لو وجد في تلْكَ التَّذْكِيرة أن لفلانٍ عليَّ كذا، لا يجد من نفسه أن يحلف على نَفْي العلم به، بل يؤديه من التركة، وفرقوا بينه وبين القضاء والشهادة؛ بأن القضاء والشهادة بناءً على الخطِّ ينجر إلى خطر عظيم.
وفي اليمين: لا يلزم ضرر عام، ولأن القضاء والشهادة تتعلق به، ويمكن فيه التذكير والرجوع إلى اليقين، وخط المورث لا يُتَوَقَّعُ فيه اليقين، فجاز بناء الأمر على غلبة الظن، حتى لو وجد بخط نفسه: أن له على فلان كذا وأنه أدَّى دين لم يجر له الحلف، حتى يتذكر، قاله في الشامل.
فَرْعٌ: قال الصَّيْمَرِيّ: أولى الأمور بالشاهد الاستعانة بالأسباب المغنية عن التذكر عند الأداء، وذلك بأن يثبت حلبة المقر، إذا لم يعرفه بعد ذكر الشهادة، ويقرب من ذلك ذكر التاريخ وموْضِعِ تحمل الشهادة، ومن كان معه حين تَحَمَّل وما أشبه ذلك، وحكى أبو محمد الحدَّاد من الأصحاب -رحمهم الله- أن بعض علمائنا ممن ولى قضاء البصرة كان يكتب: أن الذي شهدت عليه يشبه فلانًا، يعين رجلًا قد قبله علمًا، ويستعين بذلك على التذكُّر.
وهذا أبلغ من إثبات الحلية والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهَدَ عِنْدَ القَاضِي شَاهِدَانِ بِقَضَائِهِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ لَمْ يُقْضِ بِهِ، والمُحَدِّثُ يُحَدِّثُ عَمَّن أَخْبَرَهُ بِحَدِيثِهِ فَيَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ عَنِّي، وَلِقَاضٍ آخَرِ أَنْ يَقْضِيَ بِالشَّاهِدَيْنِ عَلَى قَضَائِهِ إِنْ لَمْ يُكذِّبَهُما، وَمِنْ ادَّعَى عَليْهِ أنَّهُ قَضَى لَهُ فأَنْكَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحْلِيفُ كَمَا لا يُحَلِّفُ الشَّاهِدَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:

إحداهما: لو شهد عنده شاهدان: أنك حَكَّمْتَ لفلانٍ بكذا، وهو لا يتذكر، لم يقبل شهادتهما، ولم يحكم بقولهما، إلا أن يشهدا على الحق بعد إعادة الدعوى، وقال أحمد: يقبل شهادتهما ويمضي حكمه، وعن ابن القاصِّ تخريجُ قول مثله للشافعيِّ -رضي الله عنه- وجه ظاهر المذهب: أن حكمه فعله، والرجوع إلى اليقين هو الأصل في فعل الإِنسان.
وكذلك نأخذ عند الشك في عدد الركعات باليقين، ولو شهد شاهدان: أنك تحمَّلْتَ الشهادة في واقعة كذا، ولم يتذكَّر، لم يجز له أن يشهد، ويخالف ما نحن فيه، رواية الحديث، فإنَّ الراوي إذا نسي، يجوز له أن يقبل ممن سمعه منه؛ كما اشتهر أن سُهَيْلَ بْنَ أبي صالِحٍ -رضي الله عنه- يروي حديث القضاء بالشاهد واليمين عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وسمعه منه ربيعة -رضي الله عنه- ثم إنه اختل حفظه بشَجَّة أصابته، وكان يقول: أخبرني ربيعة: أني أخبرته عن أبي هريرة، والفرق ما سبق أن الرواية مبنية على المسامحة، ولذلك لم يشترط فيها العدد، وقبلت من العبد والمرأة، بخلاف الشهادة على أنَّ القاضِيَ ابن كج حَكَى وجهًا عن بعض الأصحاب: أن الحكم في الرواية كما ذكرنا في القضاء، وإذا لم يتذكر القاضي، فحقه أن يتوقف، ولا يقول: لم أحكم، وهل للمدعي، والحالةُ هذه، تحليف الخصم على أنه لا يعرف حكم القاضي؟ قال صاحب "التهذيب": يَحْتَمِلُ وجهين 1، ولو شهد الشاهدان على حكمه عند قاض آخر؛ فيقبل شهادتهما، ويمضي حكم الأول، إلا إذا قامت البينة على أن الأول أنكر حكمه وكذبهما.
وإن قامت البَيِّنَة على أنه توقَّف، فوجهان، أوفقهما لكلام الأكثرين أنه يقبل شهادتهما وقال الأودنيُّ وصاحب "المهذب": لا تقبل؛ لأن موقفه يورث التهمة، وعلى هذا، فلو شهد شاهدان عَلَى أن شاهدَي الأصل توقَّفَا في الشهادة، لم يجُزِ الحكم بشهادة الفُرُوع.
الثانية: إذا ادَّعَى على القاضي: أنكَ حَكَمْتَ لي بكذا حكى الإِمام في "النهاية" عن الأصحاب: أنه ليس له أن يرفعه إلى قاضٍ آخر، ويحلفه كالشاهد، إذا أنكر الشهادة لا يحلف، وعن القاضي الحُسَيْن: أنا، إن جعلنا اليمين المردودة كالإِقرار، فله أن يحلفه؛ ليحلف إن نكل، فيكون كقول القاضي: نعم حكَمْتُ إذا ادَّعَى عليه، وهو قاضٍ.

وإن ادُّعِيَ عليه بعد عزله، أو في غير محل ولايته، وقد رفعه إلى قاضٍ هناك، فقد حكى الإِمام أنه يجوز سماع البيِّنة، ولا يُقْبَلُ إقراره، ولا يَحْلِف، إن جعلنا اليمين المردودة كالإقرار، وإن جعلناها كالبينة، فيحلف، ولك أن تقول: قبول قول المولى حكمت بكذا، وعدم القبول من المعزول واضحٌ مقررٌ من قبل، لكن سماع الدعوى عليه معزولاً كان أو غير معزول؛ بأنّه حكم ليس على قواعد الدعاوى الملتزمة، وإنما المقصود مِنْهَا التدرج إلى التزام الخصم، فإن كانت له بينة بلغها في وجه الخصم، وما ينبغي أن يسمع على القاضي بيِّنَة، ولا أن يُطالب بيمينٍ، كما إذا ادعى على إنسان أنَّك شاهدي والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي التَّسْوِيَةِ:

وَليُسَوِّ بَيْنَ الخَصْمَينِ فِي القِيَامِ والنَّظَرِ وَجَوَابِ السَّلاَمِ وَأَنْوَاعِ الإِكْرَامِ، وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ المُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي المَجْلِسِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ مَنِ المُدَّعِي مِنْكُما، فَإذَا ادَّعَى طَالَبَ الثَّاني بِالجَوَابِ، فَإِنْ أَقَرَّ ثَبَتَ الحَقُّ مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِ قَضَيْتُ عَلَى الأَصَحِّ، وَإِنْ أَنْكَرَ قَالَ لِلمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإنْ قَالَ: لاَ بَيِّنَةَ لِي ثُمَّ جَاءَ بَيِّنَةٍ سُمِعَتْ عَلَى أَظْهَر الوَجْهَيْنِ فَلَعَلَّهُ تَذَكَّرَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: يسوي القاضي بين الخصْمَيْن في الدُّخُول عليه، وفي القيام لهما، وفي النظر والاستماع وطلاقة الوجه وسائر أنواع الإِكرام، ولا يخصِّص، أحدهما بِشَيْء من ذلك؛ لأنه ينكسر به قلب الآخر، ويمنعه من إقامة حجته، وكذلك يسوي بينهما في وجوب السلام؛ فإن سلما أجابهما معًا، وإن سلم أحدهما دون الآخر، قال الأصحاب: يصبر حتى يسلم الآخر، فيجيبهما، وقد يَتَوقَّف في ذلك عند طول الفَصْل؛ فإنَّه يمنع من استنهاضه جوابًا.
وذكروا: أنه لا بأس أن يقول الآخر: سَلِّمْ، فإذا سَلَّم، أجابهما وفي هذا اشتغال منه بغير الجواب وكأنهم احتملوا جميع ذلك، لئلا يبطل معنى التسوية، وحكى الإِمام: أنهم جوزوا له ترك الجواب مطلقًا، واستبعده 1.

ويسوي بينهما في المجلس، فيجلس أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، إذا كانا شريفَيْن، أو يجلسهما بين يديه، وهو الأولَى على الإطلاق، لما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قضى أن يجلس الخصمان بين يَدَي القاضِي؛ ولأَن النظر إليهما والاستماع لكلامهما حينئذٍ، يكون أسهل نعم، لو كان أحدهما مسلمًا، والآخر كافرًا، فوجهان: أصحُّهما: وهو الذي أورده العِراقِيُّون: أنَّه يَرْفَع المُسْلِم في المجلس؛ لما روي أن عليًّا -رضي الله عنه- جلس بجنب شُرَيْحٍ في خصومة له مع يَهُودِيٍّ، وقال: لو كان خَصْمي مسلمًا، لجَلَسْتُ معه بين يدَيْكَ، ولكني سَمِعْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لاَ تُسَاوُرهُمْ فِي الْمَجْلِسِ" 1. والثاني: أنه يسوي بينهما أيضًا؛ للخبر السابق، ولأنه يسوي بينهما في الإِقبال عليهما، والاستماع منهما، فكذلك في المجلس، ويمكن أن يكون الوجهان في رفْعِ المَجلس جاريين في سائر وجوه الإكرام، ثم التسوية بين الخَصْمَيْن في الأمور المذكورة مستحبةٌ أو واجبةٌ؟ اقتصر صاحب "الشامل" على الاستحباب، ونص الأكثرون على الوجوب.
ولْيُقْبِل القاضِي عَلَى الخصمين بمجامع قلبه، وعليه السكينة، ولا يمازح أحدهما، ولا يضاحكه، ولا يشير إليه ولا يُسَارُّه، ولا ينْهَرُهُما، ولا يصيح عليهما، إذا لم يَفْعَلا ما يقتضي التأديب، ولا يتعنت الشهود، بأن يقول بم تشهدون، وما هذه الشهادة؟! فيشوش عليهم، ولا يلقن المدعي الدعوى؛ بأن يقول: ادَّعِ علَيْهِ كذا، ولا المُدَّعَى عليه الإِقرار والإِنكار، ولا يجري المائل 2 إلى النكول على اليمين، وكذا لا يلقن الشاهد الشهادة ولا يجريه إذا مال إلى التوقف، ولا يشككه، ولا يمنعه إذا أراد الشهادة وهذا في حقوق الآدميين.
وأما في حدود الله تعالى جده فالقاضي يرشد إلى الإنكار على ما هو مبيَّن في موضعه، وإذا كان يدعي دعوى غير محرَّرة، قال الإِصطخريُّ: يجوز أن يبين له كيفية

الدعوى "الصحيحة" وقال غيره: لا يجوز؛ لأنه يكسر قلب الآخر، وتعريف الشاهد كيفية أداء الشهادة على هذين الوجهين، قال في "العدَّة": والأصح: الجواز، ولا بأس بالاستفسار مثل أن يدعي دراهم؛ فيقول: أهي صحاح أم مكسرة؟ وعن أبي حنيفة منعه أيضًا.
ويستحب للحاكم إذا أراد الحكم، أن يجلس المحكوم عليه، ويقول: قامت البينة عليك بكذا، ورأيت الحكم عليك؛ ليكون أطيب لقلبه، وأبعد عن التهمة، وعن نصِّه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه يندبهما إلى الصُّلْح بعد ظهور وجْه الحُكْم، ويؤخّر الحكم اليوم واليومين، إذا سألهما، فجعلاه في حل من التأخير، فإن لم يجتمعا على التحْلِيلِ، لم يُؤخَّر.
المسألة الثانية: إذا جلس الخصمان بين يدَي القاضي، فله أن يسكت حتى يتكلمان وله أن يقول: ليتكلَّمِ المدعي منْكما 1، وأن يقول، للمدعي، إذا عرفه: تكلَّم 2 ولو خاطبهما بذلك الأمينُ الواقفُ إلى رأسه، كان أولَى فإذا ادعَى المدَّعِي، طالب خصمه بالجواب، وقال: ماذا تقول؟ وفيه وجه أنه لا يطالبه حتى يسأله المدعَّي، كما لا يطالب بإفاء المال حَتى يسأل المدعي، ثم ينظر في الجواب؛ إن أقر بالمدعي، فللمدَّعِي أن يطلب من القاضي الحكم عليه، قال الشيخ أبو حامد: وحينئذٍ يُحْكَمُ بأن يقول له: اخْرُجْ من حقه، أو كلفتك الخروج من حقه، أو ألزمتك.
وما أشبههما ويثبت المدعي بمجرَّد الإِقرار أم يفتقر ثبوته إلى قضاء القاضي؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يفتقر إليه، كالثبوت بعد إقامة البينة.
وأصحهما: المنع؛ فإن دلالة الإقرار على الحق بينة، إِذ الإنسان على بصيرة والبينة تحتاج في قبولها إلى النظر والاجتهاد، هكذا ذكرت المسألة، والطَّبْعُ لا يكادُ يقبل الخلاف فيها؛ لأنه إِن كان الكلامُ في ثبوت الحقِّ المدَّعَى في نفسه، فمعلومٌ أنه لا يتوقف على الإِقرار، فكيف على الحكم بعد الإِقرار، وإن كان المرادُ المطالبةَ والإِلزامَ، فلا خلاف في أن للمدعي الطَّلَبَ بعد الإقرار، وللقاضي الإلزام، وإن نظرنا ناظر إلى وجه ذكرناه في الإِقرار أن الإِقرار المُطْلَق لا يكفي للمؤاخذة، بل يسأل المُقِرَّ عَنْ سبب اللزوم، وقال: إِذا كان الإِقرار المطْلَق مختلَفًا فيه، كان في محلِّ النظر والاجتهاد،

فاعتبر قضاء القاضي على رأي، فهذا شيء لا يختص بالإقرار بعْدَ الدَّعْوَى في مجلس القاضي، بل ينبغي أن يطرد في محل الإقرار وإن أنكر المدعَى عليه، فللقاضي أن يسكت، وله أن يقول للمدعي: ألك بينة 1، وقد روي ذلك عن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في تداعي الحضرمِّي والكنديِّ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وفي وجه: لا يقول ذلك؛ لأنه كالتلقين، ثم إن قال المُدَّعِي: لي بينة، وأقامها، فذاك، وإن قال: لا أقيمها، وأريد يمينه، مكن منه؛ لأنه، إن تورع عن اليمين وأقر، سهُل الأمر على المدعي، واستغنى عن إقامة البينة، وإن حلف، أقام البينة، وإن بان كذبه وخيانته، فله إذن في التحليف غرض ظاهر، وإن قال: ليست لي بينة حاضرة، فحلف المدعى عليه، ثم جاء المدعي ببينته، سمعت، وإن قال: لا بينة لي حاضرةً ولا غائبةً، أو قال: كُلُّ بينة أقيمها، فهي باطلة، أو كاذبةُ أو بينته زُورٌ، ثم جاء ببيِّنَةٍ، فوجهان: أظهرهما: على ما ذكر صاحب الكتاب والعراقِيُّون -رحمهم الله- أَنَّها تسمع؛ لأنها ربما لم تعرف أو نسي ثم عَرَفَ وتذَكَّر.
والثاني: المنع، للمناقضة إلا أن يذكر لكلامه هذا التأويل، فيقول: كُنْتُ جاهلاً أو ناسيًا، وإن قال: لا بينة لي، واقتصر عليه، ففي "التهذيب": أنه، كما لو قال: لا بينة لي حاضرةً، ومنهم من قال: هو كما لو قال: لا بينة لي 2 حاضرةً ولا غائبةً، حتى يكون على الوجهَيْنِ، وهذا ما أورده في الكتاب، ولو قال: شهودي عبيدٌ أو فَسَقَةٌ، ثم أتى بشهود تقبل شهادتهم، إنْ مضى زمان قابِلٌ للعتق والاستبراء.
فَرْعٌ: حكى القاضي أبو سعدٍ وجهين في أنَّ الحقَّ يجب بفراغ المُدَّعِي من اليمين المردودة أو لا بدَ من حكم الحاكم وأشار إلى بنائهما على أن اليمين المردودة كالإِقرار أو كالبينة، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ تَزَاحَمَ المُدَّعُونَ قُدَّمَ السَّابِقَ، فَإِنْ تَسَاوَوْا أَقْرَعَ بَيْنَهُمُ، وَلا يُقَدِّمُ لِشَرَفٍ إِلاَّ المُسَافِرُ المُسْتَوْفِزُ والمَرْأَةُ فَيُقَدِّمُهُمَا إنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ المفْتِي والمُدَرِّسُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، ثُمَّ السَّابِقُ بِالقُرْعَةِ يَقْنَعُ بِخُصُومَةٍ وَاحِدَةٍ وَلا يَزِيدُ وَإِنِ اتَّحَدَ

المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا إِلَى الدَّعْوَى فَقَالَ الآخَرُ: كُنْتَ أَنَا المُدَّعِي لَمْ يَنْفَعْهُ بَلْ يُجِيبُ أَوَّلاً ثُمَّ يَدَّعِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل: إحداها: إِذا ازدَحَمَ جماعةٌ من المدَّعِينَ، نُظِرَ، إن جاءوا على التعاقب، وعرف الترتيب قدم منهم الأسبق فالأسبق والاعتبار بسبق المدَّعِي دون المدَّعَى عليه، وإن جاءوا معًا أقرع، وإن لم يعرف الترتيب، وقدم من خرجت قرعته، وإن كثروا وعَسُر الإِقراع كُتِبَ أسماؤهم في رقاع وصبت بين يَدَي القاضي؛ ليأخذها واحدةً بعد واحدةٍ، ويسمع دعوَى مَن خرج اسمُه في كل مرَّةٍ، ويستحب للقاضي أن يرتب ثقة يثبت أسماء الحاضرين يوم قضائه، ليعرف الترتيب معهم، ولو قدم الأسبقُ غيره على نفْسِهِ جاز، والمفتِي والمدرِّسُ عند الازْدِحَام يقدَّمان أيضًا بالسبق أو بالقرعة، نعم، لو كان الْفَنُّ الذي يعْلَمُه خارجًا عن فروض الكفايات، فالاختيار إليه في تقديم من شاء، ولا يقدم بَعْضَ المدَّعين بشرف غيره إلا في موضعين: أحدهما: إذا كان المدعون مسافرين مستوفزين، وهم الذين شَدُّوا الرحال؛ ليخرجوا، ولو أخر أمرهم لتخَلَّفُوا عن رفقائهم، فإن قلُّوا، قدموا؛ لئلا يتضرَّر بالتخلف، وإن كثروا لمساواة المسافرين أهل البلد أو زيادتهم بالحجيج بمكة، لم يقدموا، وكانوا كالمقيمين، فيراعي السبق والقرعة، وفي "المهذَّب" وغيره وجْهٌ آخر أنه لا يقدم بالسفر أصلاً.
والثاني: لو كان في الحاضرين نسوةٌ، ورأى القاضي تقديمهن، لينصرفْنَ قدمهن، وفيه وجه آخر أنهن لا يقدمن، ولكن التقديم فيما إذا لم يكثرن، كما في المسافِرِين، وما ينبغي أن يفرق بين أن يكون المسافر مدعيًا أو مدعى عليه، والظاهر أن تقديم المسافر والمرأة ليس بمستحَقٍّ، وإنما هو نوع رخصة يجوز الأخذ به، وبذلك يشعر لفظ المختصر، ويوافقه قوله في الكتاب "إن رأى فيه مصلحة" ومنهم من يشعر إيراده بالاستحقاق، ثم لا يخفى أن السفر والأنوثة إنما يقتضيان التقديم على المقيمن وعلى الرجال، فأما المسافرون بعْضُهم مع بعض 1 والنسوة بعضهم مع بعض، فالرجوع فيهم إلى السبق والقرعة.

الثانية: المقدَّم بالسبق أو بالقرعة، إنما يقدم في دعوَى واحدةٍ، ولا يمكن أن يزيد، فيضر بالآخرين بل ينصرف إلى أن يحضر في مجلس آخر أو ينتظر فراغ القاضي من سَمَاع دَعْوَى سائر الحاضرين، فحينئذٍ تسمع دعواه الثانية، إن لم يضجر، ولا فرق بين أن تكَون الدعوى الثانية والثالثة على الذي ادَّعَى عليه والدعوى الأولَى، أو على غيره، وفيه وجه أن الزِّيادة عَلَى الدَّعْوَى الأُولَى مسموعة، إذا اتحد المدعَى عليه، ويجعل اتحاد المتداعيين كاتِّحَاد الدَّعْوَى، ثم الناقلون لهذا الوجه منهم من أطلق، وقيد في "الوسيط" فقال: تسمع إلَى ثلاثِ دعاوَى، وتسمع عَلَى من ادَّعَى عليه دعْوَى ثان وثالث؛ لأن الدعوى للمدعي، وقد تعدَّد المدعون، ونقل القاضي ابن كج هاهنا وجهين غريبين: أحدهما: أن المقدَّم بدعوى واحدة لا يسمع منه الدعوى الثانية إلا في مجلس آخر، وإن فرغ القاضي من سماع دعوى الحاضرين، فعليهم بعد ذلك ترفيهه.
والثاني: أنه لا يسمع على الواحد إلا دعوى واحدةٌ، كما لا تسمع من الواحد إلا دعوى واحدة.
فَرْعٌ: المقدَّم بالسفر يجوز ألاَّ يقدم أيضًا إلا بدعوى واحدةٍ، ويجوز أن يقدم بجميع دعاويه؛ لأن الغرض من تقديمه ألا يتخلف عن الرفقاء، ويجوز أن يقال: إذا عرف أن له دعاوى، فسبيله سبيل المقيمين؛ لأن في تقديمه بجميع الدعاوى إِضرارًا بغيره وتقديمه بالدعوى الواحدة لا يَحْصُلُ الغَرَض 1. الثالثة: تنازع الخصمان، وزعم كل واحد منهما أنه هو المُدَّعِي نُظِر، إن سبق أحدهما إِلى الدعوى، لم يلتفت إلى قولِ الآخر، أنِّي كنت المدعي، بل عليه أن يجيب ثم يدعي إن شاء، وإن لم يسبق وتشاجرا، سأل القاضي العون، فمن أحضر العون، فهو المدعَى عليه، فيدعي الآخر عليه، وكذا لو قامت بيِّنة لأحدهما أنه أحضر الآخر؛ ليدعي عليه، وإن استوى الطرفان أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعةُ ادَّعَى وقيل: يُقدِّم القاضي أحدهما باجتهاده والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ وَلاَئِمَ الخَصْمَينِ وَلاَ بَأْسَ بِوَليمَةِ غَيْرِهِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ المَقْصُودَ بِالدَّعْوَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القول في أن الإِجابة إلى الوليمةِ تجب أو تُسْتحبُّ مستوفى 1 في "باب الوليمة والنثر" وذلك في حق غير القاضي، فأما القاضي، فلا يحضر وليمة أحد الخصمين في حال تخاصمهما، ولا وليمتهما؛ لأن أحدهما قد يزيدُ في إكرامه، فيميل قلبه إليه، فأما وليمةُ غيرهما، فعَنْ بعض الأصحاب، فيما رواه صاحب "الإِفصاح" وغيره: أنه يجيء قولُ وجوب الإجابة في حق القاضي أيضًا، وفي "أمالي" أبي الفرج: أن بعضهم قال: لا يجوز الإِجابةَ أصلاً؛ لأنه أجير المسلمين ولا يدري متَى يتحاكم إليه الخصمان، وظاهر المذهب التوسُّط، وهو أنها لا تجب، ولا تحرم، ولكنها مستحبةٌ بشرط التعميم، فإن كثرت وقطعته عن الحكم ترك إجابة الكل، ولم يخصص بعض الناس، نعم، لو كان يخصِّص أناسًا قبل الولاية بإِجابة وليمته، فعن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- فيما حكاه القاضي ابن كج أنه لا بأس بالاستمرار عليه، ويكره الإِجابة إلى دعوى اتخذت للقاضي خاصَّة وللأغنياء، ودعى فيهم، ولا تكره الإجابة إلى ما اتخذ للجيران، وهو منهم أو للعلماء، ودُعِيَ فيهم، واعْلَمْ أن إجابة الوليمةِ مِنَ الدَّعَوات مستحبةٌ، وظاهرة ما أطْلقه الأَئمَّة ثبوت الاستحباب في حقِّ القاضي أيضًا، وإن كان الاستحباب في الوليمة آكد، ومنْهُمْ من خصَّص الاستحباب بالوليمة، ويحكَى هذا عن ابن القاصِّ، ولا يضيف القاضِي أحَدَ الخصمَيْن دون الآخر؛ لأنه ينكسر قلبه، ويجوز أن يضيفهما معًا؛ لما روي عن علي -كرم الله وجهه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: لاَ يُضِيفُ أحَدُكُمْ أحد الخَصْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ خَصْمُهُ مَعَهُ" 2 وَعَن أبي الحُسَيْن أن أبا إسحاق قال: لا تُضِيفُهُمَا مَعًا أَيْضًا؛ لأَنَّه قد يتوهَّم كلُّ واحدٍ منهما أن المقصود بالدعوةِ صاحبُه، وأنه تبعٌ، فينكسر قلبه، ولكن هذا يُشْكِل بسائر وجوه التسوية، وللقاضي أن

يشفع لأحدهما، وأن يؤدي المال عمن عليه؛ فإنه ينفعهما جميعًا.
فرع: القاضي يعود المَرْضَى ويشهد الجنائز، ويزور القادمين؛ لما فيها من البر والثواب، وإذا لم يمكنه الاستيعاب، أتى بما أمْكَنَه مِنْ كل نوع ويخصُّ به من عرفه، وقرب منه، وفرقوا بين هذه الأمور، وبَيْن إِجابة الوليمة حَيْثُ يترك الكُلَّ، إِذا لم يمكنْه الاستيعاب بما لا تسْكُن النفس إِليه، وهو أن أظهر الأغراض في إجابة الوليمة إكرام صاحبها، فالتخصيص إيثارٌ وميل وأظهر الأغراض في العبادة وما في معناها الثواب، فلا يترك المقدور منْها؛ كيلا يفوته الثواب، ولعدم إيضاح هذا الفرق ذهب القاضي أبو حامد فيما حكاه ابن المرزُبَان عنْه، سَمَاعًا أنه كالإِجابة إِلى الوليمة، إِما أن يستوعب أو يترك الكلَّ، ولم يفرق الأكثرون في العيادة وشهود الجنازة بين المتخاصمَيْن وبين سائر الناس، وذلك مناسب لقولهم: إن النظر فيها إِلى الثواب دون الأشخاص، وفي أمالي أبي الفَرَجِ أنه لا يعود الخصم إذا مرض، ولا يزوره إذا قدم لكن يشهد جنازته إذا مات، والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الرَّابِعُ فِي التَّزْكِيَةِ:

وَيَجِبُ علَى القَاضِي الاسْتِزْكَاءَ مَهْمَا شَكَّ وَإِنْ سَكَتَ الخَصْمُ إِلاَّ أَنْ يُقِرَّ الخَصْمُ بَعَدَ التِهِمَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المقصودُ الآن الكلامُ في البَحْث عن حال الشهود وتزكيتهم.
وأول ما نذكره أنه لا يجوز للقاضي أن يتخذ شهودًا معيَّنِين لا يقبل شهادة غَيْرِهِمْ؛ لما فيه من التضييق على الناس، فإنه قد يتحمَّل الشهادة غيرهم، فِإذا لم يقبل ضاع الحق، وقد قال تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فأطلق، وإذا شهد عنده شهودٌ، نَظَر؛ إن عرف فسْقَهم، رد شهادتهم، ولم يحتج إلى بحث، وإن عرف عدالتهم، قبلت شهادتهم ولا حاجة إلى التعديل، وإن طلبه الخصم، وفيه وجه ذكرناه في "فصل القضاء بالعلم" وعن أبي حنيفة فيما رواه صاحب "التهذيب": أنه إذا طلب الخصم، فلا بدّ من التعديل وإن لم يعرف القاضي حالَهُم في الفسق والعدالة، لم يجز له قبول شهادتهم، والحكم بها إلا بعد الاستزكاء والتعديل سواءٌ طعن الخصم أو سكت، وبهذا قال مالك وأحمد -رحمهما الله- وساعَدَنا أبو حنيفة فيما إذا كانت الشهادةُ على القِصاصِ والحدودِ، وقال في المال: إذا عَرَفَ إسلام الشهود، لم يحتج إِلى البَحْث عن عدالتهم، إلا أن يطعن فيهم الخَصْمُ واحتج الخَصْم بأنَّه حكم بشهادة، فيشترط فيه البحث عن شرط الشهادة، كما إذا طعن الخصم، وكما إذا كانتِ الشهادةُ على القصاص، وكما إذا جهل إسلام الشهود، فإنه يجب البحث عنه، عَلَى ما سنَذْكُرَ، ولا يجوز الاكتفاء بأن الظاهر من حال المُسْلِم العدالةُ، كما لا يجوز الاكتفاء بأن الظاهر من حال مَنْ في دار الإِسلام الإِسلامُ، وإن أقر الخصم بعدالة الشاهدين، ولكن قال: أخطأ في هذه الشهادة، ففيه وجهان:

أحدهما: أنا إنما كُنَّا نبحث لحقِّه، فإذا اعترف بعدالتهما أغْنَانَا عن البحث والتعديل.
والثاني: لا بدّ من البحث والتعديل لحق الله تعالى، ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة الفساق، وإن رضي الخصم به، وأيضًا، فالحكم بشهادة الإِنسان، يتضمن الحكم بعدالته، والحكم بالعدالة بتعديلِ واحدٍ لا يجوز، وهذا أقوى في المعنى، وإليه يميل كلام صاحبي "المهذب" و"التهذيب" والمذكور في الكتابِ هو الأولُ، ولو صدقهما فيما شهدا به، فيقضي القاضي عليه بإقراره بالحق، ويستغني عن البحث عن حال الشاهدين، وكذا لو شهد واحدٌ فصدقه 1، ولو شهد شاهدان معلوما العدالةِ، ثم أقرَّ المشْهودُ عليه بما شهد به قبل أن يحكم القاضي، فالحكم يستند إلى الإِقرار دون الشهادة، أو يستند إليهما جميعًا، حكى القاضي أبو سعد الهرويُّ فيه وجهين، قال: والمذهب منهما الأول، والثاني حكاه الفورانيُّ في "المناظرة"، وذكر أنه لو أقر بعد الحكم بشهادة الشاهدَيْن، فقد مضى الحكم مستندًا إلى الشهادة، سواءٌ وقع إقراره بعد تسليم المال إلى المشهود له أو قبله، وفيما إذا أقر قبل التسليم وجهًا آخر، وأنه لو قال الخصم للشاهد: قبل أداء الشهادة ما تشهد به علَيَّ، فأنت عدلٌ صادقٌ، لم يكن ذلك إقرارًا، لكنه تعديل للشاهد، إن كان من أهل التعديل، ولو جهل القاضي إسلام الشاهد، لم يقنع بظاهر الدار، ولكن يبحث عنه، ويكفي فيه الرجوع إلى قول الشاهد، لأن أعرابيًّا شهد عند رسول الله برؤية الهلال فسأله عن إسلامه، وقَبِلَ شهادته 2، ولو جهل حريته يَبْحَثُ أيضًا، وهل يكْفِي فيها قول الشاهد على وجهين: أحدهما: نعم، كما في الإِسلام.
وأظهرهما: على ما قاله في "المهذب": لا، كما في العدالة ويخالف الإِسلام، فإنه يستقل به، فيقبل قوله فيه، وليست الحرية كذلك.
وقوله في الكتاب "ويجب على القاضي الاستزكاء مهما شك" أشار بقوله مهما شكَّ إِلَى أنه إذا علم حال الشهود لا يستزكي على ما سبق.
وقوله "وإن سكت الخصم" مُعْلَم بالحاء، ويجوز أن يعلم بالواو أيضًا؛ لأن

القاضي أبا القاسم ابن كج رَوَى عن بعض الأصحاب أن الاستزكاء إنما يجب، إذَا طلبه الخَصْمُ؛ لأنه حقه.
فَرْعٌ: قال في "العدة": لو استفاض فسق الشاهدَيْن بين الناس، فلا حاجَةَ إِلى البحث والسؤال، وينزل المستفيض منزلة المَعْلُوم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَليَكْتُبْ إِلَى المُزَكِّيْنَ اسْمَ الشَّاهِدَيْنِ والخَصْمَيْنِ فَلَعَلَّهُ يَعْرِفُ بَيْنَهُمْ عَداوَةً، وَقِيلَ: يَكْتُبُ قَدْرَ المَالِ أَيْضًا فَرُبَّمَا يَعْدِلُ فِي اليَسِيرِ دُونَ الكَثِيرِ، وَقِيلَ: العَدَالَةُ لاَ تَتَّجَزَّأُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل بيان كيفية الاستزكاء، واعْرِفْ أولاً شيئين: أحدهما: أن القاضي ينبغي أن يكون لَهُ مزكُّون وأصحاب مسائلَ، والمزكُّون هم المرجوع إليهم؛ ليبينوا حال الشهود، وأصحاب المسائل الذين يبعثهم القاضي إلى المزكِّين؛ ليبحثوا أو يسألوا، وربما فسر أصحاب المسائل في لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه- المزكِّين أنفسهم، إمَّا لأنهم مسؤولون، أو لأنهم، إذا لم يعرفوا سألوا من يعرف من الجيران، وأهل الحرفة ورفقاء السفر والمعاملين.
والثاني: المُخْبِرُونَ عن فِسْقِ الشهودِ وعدالَتِهِمْ ضربان: أحدهما: من نصبه الحاكم للجَرْح والتَّعْدِيل إما مطلقًا أو في واقعةٍ خاصَّةٍ فيسمع الشهادة عليها، وما يثبت عنده أَنْهَاهُ إلى القاضي.
والثاني: من يَشْهَدُ بالعدالة أو الفسق، ثم مِنْ هؤلاء مَنْ يشهد أصالةً، ومنهم من يشهد بناءً على شهادة غيره، والأول قد يعرف الحَالَ، فيشهد، وقد لا يعرف، فيأمره القاضي بالبحث والتفحص؛ ليعرف، فيشهد كما يوكِّلْ القاضي بالغريب الذي يدعي الإفلاس من يبحث عن حاله، ويخالطه؛ ليعرف إفلاسه، فيشهد، وأما الثاني، فهو شاهد فرع، والقياسُ الظاهرُ أنه لا يشهد إلا عند غيبة الأصل أو عذر مانع من الحضور، وكذلك ذكره القاضي أبو سعد الهرويُّ، ويجيء من بعدُ ما ينازع فيه، إذا تقرَّر ذلك، فإذا أراد القاضي البحث عن حال الشهود، كتب اسم الشاهد وكنيته، إن اشتهر بها، وولاءه إن كان عليه ولاءٌ، واسْمَ أبيه وجَدِّه، وحليته وحرفَتَه، وسوقه ومسجده، وكلَّ ذلك؛ لئلا يشتبه بغيره، فإن كان الرجل مشهورًا، وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف، اكتفى به، ويذكر في الكتاب اسم المشهود عليه، فقد يكون بينه وبين الشاهد عداوة، واسم المشهود له فقد يكون بينه وبين الشاهد ولادة أو شركة تمنع قبول الشهادة، وفي قدر المال وجهان: أحدهما: لا يذكره؛ لأن العدالة لا تختلف بقلَّة المال وكثرته، ولا تتجزأ.

وأظهرهما: وهو المنصوص: أنه يذكره، وقول الأول أن العدالة تتجزَّأ، حكى أبو العباس الرُّويانيُّ فيه اختلافًا عن الأصحاب، مِنْهُمْ مَنْ منعه، وقال: قبول الشهادة مبنيٌّ على غلبة الظن بصدق الشاهد، وقد يغلب على الظن الصدق في القليل دون الكثير، ومنهم من سلمه، وقال: إنما يذكره؛ لأن الكثير أجدر بالاحتياط، وذكر المال، قد يكون أطيب لقلب المزكي، وبنى على الخلاف في أن العدالة، هل تتجزأ أنه لو عدل، وقد شهد بمال قليل، ثم شهد في الحال بمالٍ كثيرٍ، هل يحتاج إلى التزكية، ويكتب إلى كلِّ مزكي كتابًا، ويدفعه إلى صاحب مسألة، ويخفى كل كتاب عن غير من يدفعه إِليه وغير من يبعثه إِليه احتياطًا، ثم إذا وقف القاضي على ما عند المزكين، فإن كان جرحًا، لم يظهره، وقال للمدعي: زِدْ في الشهود، وإن كان تعديلاً، عمل بمقتضاه، وحكَوْا وجهين، والحالةُ هذه، أنه بم يحكم، بقول المزكِّين، أم بقول أصحاب المسائل؟ لأن قولهم شهادة على شهادة، فكيف يقبل مع حضور الأصل، وإنما هو رسل، وعلى هذا يجوز أن يكون صاحب المسألة واحدًا فإن عاد بالجرح توقَّف القاضي، وإن عاد بالتعديل، دعا مُزَكِّيْن؛ ليشهدا عنده بعدالة الشاهد، ويشير إليه ويأمن بذلك من الغلط من شخص إلى شَخْصٍ، وعن الإصطخريِّ: أنه إِنما يحكم بقول أصحاب المسائل، وعلى هذا قال الشيخ أبو حامدٍ: إنه يبني عَلَى ما يثبت عنده ثم بقول المزكين، وفي "الشامل": إنه، إن كان شهادةً على شهادةٍ تقبل للحاجة، لأنَّ المزكي لا يكلف الحضور عند الحاكم، وقول الإصطخريِّ أصحُّ عند الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وغيرهما: قَالُوا: وعلَى هذا إنما يعتمد القاضي قول اثنين من أصحاب المسائل، فإن وصفاه بالفسق، فعلى ما سبق، وإن وصفاه بالعدالة، أحضر الشاهدين ليشهدا بعدالته علانيةً، ويشير إليه، وقد يفيدك التأمل في كلام الأصحاب أن تقول: ما ينبغي أن يكون في هذا خلافٌ محقَّقٌ، ولكن إن ولى صاحب المسألة الجَرْحَ والتعديلَ، فحكمِ القاضي مبنيٌّ على قوله، ولا يعتبر العدد؛ لأنه حاكم، وإن أمره بالبحث، فبحث ووَقَفَ عَلَى حال الشاهد، وشهد بما وقف عليه، الحكم أيضًا مبنيٌّ على قوله، ويعتبر العدد؛ لأنه شاهد، وإن أمره بمراجعة مزكيين فصاعدًا، أو بأن يعلمه بما عندهما، فهو رسولٌ محضٌ، والاعتماد على قولهما، فليحضرا، وليشهدا، وكذا لو شهد على شهادتهما؛ لأن شهادة الفرع مع حضور الأَصْل غير مقبولة.
وقوله في الكتاب "فلعله يعرف بينهم عداوة" يعني بين الشاهد والمشهود عليه إما العداوة وبينهما وبين المشهود له، فإنها لا يقدح في الشهادة.
وقوله: "وقيل العدالة لا تتجزأ" أي فلا يكتب قدر المال، وفيه ما بيناه، والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَصِفَةُ المُزَكِّي كَصِفَةِ الشَّاهِدِ لكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَبِيرًا بِبَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ بِصُحْبَةٍ مَعَهُ، وَلا يَعْتَمِدُ فِي الجَرْحِ إِلاَّ العِيَانَ، وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ إِنْ نَصَّبِ حَاكِمًا فِي التَّعْدِيلِ، وَيَجِبُ أَنَّ يُشَافِهَ القَاضِيَ بِهِ وَيَأْتىَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ فَيَقُولَ أَشْهَدُ أنَّه عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فَرُبَّ عَدْلٍ مُغَفَّلٍ لا تَقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلا تَكْفِي الرُّقْعَةُ مَعَ شَهَادَةِ رَسُولَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبِبِ الجَرْحِ دُونَ التَّعْدِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: أحدها: من نصبه حاكمًا في الجَرْح والتعديلِ اعتبر فيه صفاتِ القضاةِ، ومَنْ شهد بالعدالة والفِسْقِ، اعتبر فيه صفاتِ الشُّهُود، ويعتبر مع ذلك العِلْم بالعدالة والفِسقْ، وأسبابهما ويعتبر أيضًا أن يكون العَدْلُ خبيرًا بباطنِ حالِ مَنْ يعدله، إما لصحبةٍ وجوارٍ ومعاملةٍ أو نَحْوِه، رُوِي أن شاهِدَيْن شهدا عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال لهما: إِنِّي لا أَعْرِفُكُمَا وَلا يَضُرُّكُمَا أَنْ لاَ أَعْرِفَكُمَا ائْتِيَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا فأَتَيَا بِرَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: كَيْفَ تَعْرِفُهِمَا؟ قَالَ: بِالصَّلاح والأَمَانَةِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ جَارًا لَهُمَا، تَعْرِفُ صَبَاحَهُما وَمَسَاءَهُمَا وَمَدْخَلَهُمَا وَمَخْرَجَهُمَا؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: هَلْ عَامَلتَهُمَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتي تُعْرَفُ بِهَا أَمَانَاتُ الرِّجَالِ، قَالَ: لاَ قَالَ: فَهَلْ صَاحَبْتَهُمَا فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْفِرُ عَنْ أَخْلاَقِ الرِّجَالِ؛ قَالَ: لاَ فَأَنْتَ لا تَعْرِفُهُمَا، ائْتِيَا بِمْنَ يَعْرِفُكُمَا" 1 والْمَعْنَى فيه أن الإنسان يُخْفِي أسباب الفِسْق غالبًا، فلا بدّ من معرفة بباطن حاله، وهذا كما أن في الشهادة على الإفلاس يعتبر الخبرة الباطنة؛ لأن الإنسان مشغوف بإخفاء المال، وفي الشهادة على أَنْ لا وارث سواء، تعتبر الخبرة الباطنة؛ لأنه قد يتزوَّج في السفر أو في الحَضَر، ويخفيه، فيولد له، قال في "الوسيط": ويجب على القاضي أن يعرف أن المزكِّي، هَلْ خبر بباطن الشاهد في كلِّ تزكية إلا إذا علم من عادته أنه لا يزكِّي إلا بعد الخبرة، وظاهر لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- اعتبارُ التقادمُ في المعرفة الباطنة، ووجَّه ذلك بأنها، إذا لم تتقادَمْ، لم يمكن الاختبار في يَومٍ أو يومين، ويشبه أن يقال: شدة التفحُّص والإمعان فيه يقوم مقام التقادم، ويمكن الاختبار في المدة اليسيرة، وليس ذكره التقادُمَ على سبيل الاشتراط؛ لأنَّ الغالب أنَّ المعرفة الباطنة حينئذٍ تَحْصُل، ويوضِّحه ما ذكرنا أن القاضي قد يأمرُ بالبحث والتفحُّص عن حال الشاهد؛ ليعرف،

فيشهد، ولو اعتبرنا التقادُمَ، لطالت المدة وتضرَّر المتداعيان بالتأْخِيرِ الطويل، هذا في التعديل، وأما في الجرح، فيعتمد المعاينة أو السماع، فالمعاينة بأن رآه يزني أو يشرب الخمر، والسماع كما إذا سمعه يقذف أو يُقِرُّ على نفسه بالزنا وَشُرْب الخمر، وإن سمع من غيره نظر، إن بلغ المخبِرُون حَدَّ التواتر، جاز الجَرْح؛ لحصول العلم، وإن لم يبلغوا حدَّ التواتر، لكنه استفاض وانتشر، فكذلك الجواب فيما حَكى ابن الصَّبَّاغ وصاحبُ "التهذيب" وغيرهما، ولا يجوز الجرح بناءً على خبر الواحد والعَدَدِ اليسيرِ، نعم، له أن يشهد على شهادتهم بشرط الشهادة على الشهادة، وذكره في "المهذب" تفريعًا على قول الإِصطخريِّ؛ لأني لم أجده في "التهذيب" وهو موجود تفريعًا 1 على ما سبقت حكايته عن الإِصطخريِّ؛ أن القاضي إنما يحكم بقول أصحاب المسائل؛ أنه يجوز أن يكون الخبر من الجيران أصحاب المسائل واحدًا إذا وقع في نفوسهم صدَّقه هل يشترط التعرُّض بسبب رؤية الجرح أو سماعه، قال قائلون: نعم، فلا بدّ وأن يقول: رأيته يَزنِي، وسمعته يقذف 2، وعلى هذا القياس استفاض عندي، وفي "الشامل" أنه لا حاجَةَ إلَيْه، وليس للحاكم أن يقول: من أين عرفت حاله، وعلام بنيت شهادتك، كما في سائر الشهادات، وهذا أقيس، ويحكى عن ابن أبي هريرة، والأول أشهر، ولا يجعل الجارح بذكر الزنا قاذفًا للحاجة، كما لا يجعل الشاهد قاذفًا، فإن لم يساعده غيره ليكن كما لو شهد ثلاثةٌ بالزنا، هل يجعلون قذفةً 3، وينبغي أن يكون المزكُّون وافري العُقُول؛ لئلا يخدعوا برآء من الشحناء والعصبية في النسب والمذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جَرْح عَدْلٍ أو تزكية فاسقٍ، ويجتهد القاضي في إخفاء أمرهم، حتى لا يشتهروا في الناس بالتزكية، وهل يشترط لفظ الشهادة من المزكِّي فيه وجهان، كما ذكرنا في المُسْمِعِ: أظهرهما: نعم، فيقول؛ أشهد أنه عدل، وهذا ما أورده في الكتاب، وقال في

"الوسيط": إن اعتبرنا مشافهةَ القاضِي، فلا بدّ من لفظ الشهادة، وإن لم نعتبره، ففي اشتراطه في الكتابة بالرِّسالَة وجهان، ولا يجوز أن يزكي أحد الشاهدين.
الثاني: وفيه وجه آخر: أنه نذكره في "باب الشهادة" وعن كتاب حرملة: أنه لو شهد شاهِدَانِ، وعدَّلَهما آخران لا يعرفهما القاضي وزكَّى الآخرين مزكِّيان للقاضي جاز.
المسألة الثانية: لا يثبت العادلة لمجرَّد رفعه المزكي؛ لأن الخَطَّ لا يعتمد على ما سبق، وإنما يكتب القاضي إلَى المزكِّي؛ لأنه قد يحتاج إلى البحث والتدبر الطويل، وكانت المراجعة بالرقاع أحْسَنَ، ثم الاعتماد على ما يجري أخيرًا، وعن القاضي الحُسين جواز الاعتماد على الرقعة، كما عليه العمل ثم ذكر في "الوسيط" تفريعًا على الأول: أن الإصطخري قال: يكفي رسولان مع الرّقْعة، وإن الأظْهَرَ وجوبُ المشافهة، وهذا ما أوردَه في الكتاب، وهو بَيِّنٌ، إن كان القاضي يحكم بشهادة المزكين، أما إذا ولى بعضهم للحكم بالعدالة والجرح، فليكن كتابه ككتاب القاضي إلى القاضي، وليكن الرسولان كالشاهدين على كتاب القاضي.
الثالثة: لا يقبل الجرح المُطْلَق بل لا بدّ من بيان سببِهِ 1، خلافًا لأبي حنيفة.
لَنَا: أنَّ الجارح قد يُبْنَى 2 على ظَنّ خَطأ، كما قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- رأيْتُ بمصر مزكيًا يجرح رجُلاً، فسُئِلَ عن سببه وأَلَحَّ عليه، فقال: رأيته يَبُول قائمًا، قيل: وما في ذلك؟ قال: يرد الريح من رشاشه عَلَى بدنه وثيابه، فيصلي فيه قيل: قد رأيته قد أصابه الرَّشَاش، وصلى فيه قبل أن يغتسل ما أصابه، قال: لا وأيضًا، فالمذاهب فيما يوجِبُ الفِسْق مختلفةٌ، فلا بدّ من البيان؛ ليعمل القاضي باجتهاده، ويجوز أن يقال: إذا عرف القاضي أنه لا يطلق الفسق، إلا إذا تحقق سببه، يجوز اعتماده، كما ذكرنا في الخبر عن نجاسة المَاءِ في أبواب الطهارات، وأما التَّعْدِيل، فَلا حاجة فيه إلى بيان السَّبَب؛ لأن العدالة بالتحرزُّ عن أسباب الفسق، وهي كثيرةٌ يعسر ضبْطُها وعدها، وفي "العدة" ذِكر وجهٌ ضعيفٌ أنه يجب بيانُ سبب التَّعْديل أيضًا، وهل يكفي أن يقول: هو عدل، قال في "الأُمِّ" و"المختصر": لا يقبل التعديل، حتى يقول: هو عدل عَلَيَّ وَلي فأخذ بظاهره آخذون، وعلَّلوا اشتراطه بمعنيين: أحدهما: عن أبي إِسحاق: أن الإِنسان قَدْ يعدل على الإِطلاق، وقد يَعْدِلُ في شَيْءٍ دون شَيْءٍ، وعلى شخص دون شخص، وقوله: "هو عدل بمجرده" لا يفيد

العدالة المطلقة، كقولنا: "فلان صادق" فإذا ضم إليه قوله: "على ولي" فقد أشار إلى العدالة المطلقة.
والثاني: أن اشتراطه؛ ليبيِّن أنه ليس بوالد ولا ولد، فإن تزكية الوالد لولده غَيْر مقبولةٍ، كالحكم لهما، وقال آخرون، منهم الإصطخريُّ وأبو عليِّ الطبريُّ: يكفي أن يقول: هو عدل والزيادة عليه تأكيد، وهذا أقوى وأصح؛ على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، والمعنيان ضعيفان، أما الأول؛ فلأنَّ العدالة قضيةٌ عامةٌ لا يوصف بها إلا من وَاظَب على المفروضات، واجتنب المحرمات، وبتقدير أن يكون الرجل عدلًا في شيء دون شيء، وقوله: "على ولي" لا يفيد العدالة المطلقة، كقول القائل "فلانٌ صادق على ولي" فإنه لا يقتضي صدقه في كل شيء، وأما الثاني، فمن وجهين: أحدهما: أن قبول تزكية الوالد والولد وجهان، إن قبلناها سقط الكلام، وهو الذي أجاب به أبو الحسن العَبَّادِيُّ، فلا نسلم أنَّ قوله "عدل على ولي" يفهم أنه ليس بوالد ولا ولد، وهذا لأن العَدْلَ عَدْلٌ على أبيه وابنه ولهما إلاَّ أنه لا يقبل شهادته لهما؛ لمعنى البعضية، وبتقدير أن يفهم، نفي البعضية فالمعتبر ألاَّ يكون هناك بعضية فأما أن يتعرض له مطلقًا [.....] 1، وهذا كما أن الشاهد لغيره ينبغي ألاَّ يكون أبًا له ولا ابْنًا، ولا يشترط أن يقول: لست بأَبٍ ولا ابْنٍ.
والثاني: أنه، لو كان الغرضُ بيانَ أنَّه ليس بأبٍ ولا ابْنٍ، فهذا الغرضُ يحْصُل بقوله: هو عدْلٌ على ولي، فإنَّ من تُقْبَل شهادته له، لا يكون أبًا ولا ابنًا، فليخرج قوله عليه مما يؤيد الوجه الثاني: أن القاضِيَ ابن كج نقل عن جماعة من الأصحاب أنهم جعلوا قول المزكِّي هو عدلَّ مرضيٌّ أو رضيٌّ أو مقبول الشهادة وافيًا مغنيًا عن قوله: "على ولي"، وحكَوْه عن نصه في حرملة، ومعلوم أن هذه الزيادات لا تشتمل على معنى "علي ولي" فدل على أن ذكره جرى تأكيدًا، ثم حكَى هذا القاضي؛ تفريعًا على اعتبار كلمتي "على ولي" وجهين؛ أن اعتبارهما مخصوصٌ باختيار المَسْؤولين أصحاب المسائل، أو شامل لأخبارهم إياهم ولأخبار أصحاب المسائل القاضي ولا فقه في الفرق ولا يحصل التعديلُ بقوله: لا أعلم منه إلا خيرًا؛ لأنه قد لا يعرف منه إلا الإِسلام، ويقول: لا أعلم منه ما يوجب رَدَّ الشهادة؛ لأنه قد لا يعرف ما يوجب القَبُولَ أيضًا، والله أعلم، ولا يخفى بعد ما ذكرنا المواضع المستحقة للعلامات من لفظ الكتاب، وأن قوله "ولا يعتمد في الجرح إلا العيان" غَيْر معمول بإطلاقه.
وقوله في الكتاب: "فيقول: أشهد أنه عدل مقبول الشهادة" ينبغي أن يعرف فيه شيئان:

أحدهما: أن الوصف بأنّه مقبول الشهادة يجب أن يغني عن الوصف بالعدالة.
والثاني: أن في هذا الكلام إشعارًا بأن المزكي يتوظَّف عليه بيانُ أن شهادته مقبولةٌ في الحادثة، ويوافقه قولُنا من قبل: إن القاضي يكتب اسم المشهود عليه، فقد يكون بينه وبين الشاهد عداوةٌ واسم المشهود له فقد يكون بينهما ولادةٌ، وعلى هذا، فالمزكي كما يحتاج إلى البحث عن العدالة، إذا لم يعرف بنفسه يحتاج إلى البحث عن المروة، وعن التيقظ ولكن يشبه أن يقال: إن الحال يختلف بحسب سُؤَال القاضي، إن سأل عن قبول شهادته في الحادثة تَعَرَّض المزكي للقَبُول واحتاج إلى الأبحاث المذكورة، إذا لم يعرف، وإنه سأل عن عدالته، كفاه التعرض لها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإنِ ارْتَابَ القَاضِي بَعْدَ التَّزْكِيَةِ لِتَوَهُّمِ غَلَطِ الشَّاهِدِ فَلْيَبْحَثْ وَلْيَسْأَلْ عَنِ التَّفْصِيل فَرُبَّمَا يَخْتَلِفُ كَلاَمُ الشَّاهِدِ، فَإنْ أَصَرَّ عَلَى إِعَادَةِ الكَلاَمِ الأَوَّلِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى القَاضِي الحُكْمُ بَعْدَ البَحْثِ وَإِنْ بَقِيَتِ الرِّيبَةُ، وَبَيِّنَةُ الجَرْحِ تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ، وَقَوْلُ الوَاحِدِ فِي الجَرْحِ لا يُقابِلُ بَيِّنَةَ التَّعْدِيلِ، وَلا يَجُوزُ الجَرْحُ والتَّعْدِيلُ بِالتَّسْامُعِ، وَإِنْ شَهِدَ مَرَّةً أُخْرَى رَجَعَ المُزَكِّي ثَانِيًا إِنْ طَالَ الزَّمَانُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه فروع: أحدها: إذا ارتاب القاضي بالشهود أو توهَّم غلطهم؛ لخفة عقل وجدها فيهم، فينبغي أن يفرقهم، ويسأل كلَّ واحدٍ منهم عَنْ وَقْتِ تحمُّل الشهادة عامًّا وشهرًا ويومًا وغدوةً وعشيةً، وعن مكانًا ومحله، وسكةً ودارًا وصفةً أو صحنًا، ويسأل أنه تحمل وحده أو كان هناك غيره وأنه كتب شهادته أم لا، وكتب قبل ما كتب فلان أو بعده، وكتبوا بحبر أو بمداد وما أشبه ذلك؛ ليستدل على صدقهم، إن اتفقت كلمتهم، ويقف على عوره، وإن لم يتفق، ويقال: إنَّ أوَّل من فرَّق الشهود دانيال النبيُّ -عليه السلام - شهد عنْدَه شهودٌ بالزنا على امرأَةٍ، ففرقهم وسألهم، فقال، أحدهم: زنتْ بشابٍّ تحت شجرة كُمَّثْرَى، وقال آخر: تحت شجرة تُفَّاحٍ، فعرف كذبهم 1، وإِذا أجاب بعْضَهم عما سأل، لم يدعه يرجع إلى الباقين حتى يسألهم أيضًا كيلا يخبرهم الأول بجوابه، ومهما اتفقوا في الجواب، أو لم يتعرَّض للتفصيل، ورأى أن يعظهم ويحذرهم عقوبةَ

شهادةِ الزُّور، فَعَل، فإن أصروا وجب القضاء، إذا تحقق شروطه، ولا عبرة بما يبقى من ريبة، وإن لم يجد فيهم خفَّة عَقْلٍ ومخيلة نَقْصٍ، فالمنصوصُ والمشهورُ أنَّه لا يفرقهم؛ لأن فيه غضًّا منهم، وذكر القاضي الرويانيّ في "جمع الجوامع" أنه يفرقهم أيضًا، ليقف على عورة إن كانت، وقال في "التهذيب": إن فرقهم بمسألة الخصم، فلا بأس، فإن قلت: متى يفرقهم القاضي قبل التزكية أو بعدها؟ وهذا التفريق والاستفصال واجبٌ أو مستحبٌّ؟ قلنا: أما الأوَّلُ فإنَّ صاحبَ الكتاب أمر بالبحث والاستفصال بعد التزكية، والذي ذكره أصحابنا العراقيُّون وغيرهم أنَّه يقدم التفريق والاستفصال على الاستِزْكاء، وهو الوجه، فإِنه إن طلع على عورة استغنى عن الاستزكاء والبَحثْ عن حالهم، وإن لم يطلع، فإن عرفهم بالعدالة، قضى، وإن لم يعرفْهم، فحينئذٍ يستزكي.
وأما الثاني: فإن الإِمام وصاحب الكتاب في "الوسيط" حكما بالوجوب، وقالا: لو ترك الاستفصال، وقضى مع الارتياب، لم ينفذ قضاؤه، وعامة الأصحاب، ومنْهم القاضي ابن كج وصاحبُ "التَّهذيب" -رحمهم الله- اقتصروا على الاسْتِحْباب، وهو الموافِقُ بِـ"المختصر"، وربما أورد بعضهم الفرق بين أن يسأل الخَصْم التفريق، فيجب؛ لأنه قد يعرف منْهم ما لا يعرفه القاضي، أو لا يسأل، فلا يجب.
الثاني: تقدم بينة الجرح على بينة التعديل؛ لأن عند الجارح زيادةً على ما خفي على المُعَدِّل؛ وذلك لأن المُعَدِّل يبنى عَلَى ما هو الأصل الظاهر من حال المسلم، والجارحُ اطَّلَع على ما نسخ ذلك الأصل، فنقل عنه، وشبه ذلك بما لو قامت بينة علَى الحق، وبيِّنةٌ على الإبراء، ولو انعكست القضية بأن قال المعدِّلُ: قد عرفت السبب الذي ذكره الجارح، لكنه قد تاب، وحسنت حالته، فتقدم بينة التعديل؛ لأن مع المعدِّل، والصورة هذه، زيادة عُلِم، كذلك ذكره جماعةٌ منهم صاحب "الشامل" وقول الواحدِ في الجَرح لا يقابل بينة التعديل فضلاً عن التقدُّم؛ لأنَّ نصاب الجرح لم يَتِمَّ.
الثالث: إِذا عدل الشاهد، ثم شهد في واقعة أخْرَى، نُظِرَ، إن لم يطل الزمانُ، يحكم بشهادته، ولا يطلب تعديله ثانيًا، وإن طال فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأن عدالته قد ثبتَتْ من قبل، والأصل استمرارها.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكِتَابِ، وبه قال: أبو إِسحاق: يطلب تعديله ثانيًا، لأن طول الزمان يغيِّرُ الأحوال، ويجتهد الحاكم في طول المدة وقصرها 1.

وأمَّا قوله في الكتاب "ولا يجوز الجرح والتعديل بالتسامُعِ" فيه توقف، أما طرف الجرح، فقد ذكر الإِمام -قدس الله روحه الجواب- كما ذكره، لكنَّا بيَّنَّا من قبلُ أن جماعة من الأصحاب جوَّزوا الجرح بالاستفاضةِ، والتسامُعُ والاستفاضةُ متقاربان إلا أن يقال: المراد من التسامع مُطْلَقُ بلوغِهِ سماعًا، وذلك غيْرُ كافٍ، فإِنه لو سمع شخْصَيْن أو عددًا يسيرًا، لم يجز الجرح بالاتفاق، والاستفاضة تُحْصُل بعدَدٍ وافرٍ، فلا يختلف النقلان، وأما في طرف التعدِيل، فقد مرَّ أنه يعتبر في المعدِّل الخبرة الباطنة، فيوافقه القول بأنّه لا يجوز التعديل بالتسامع، ولكن المخبرين الذين تحصل بهم الاستفاضة، لَوْ كانوا خبيرين بباطنِ حَالِه، وسمع منهم عدالَتَه، فلا يبعد أن يجوز له التعديل، وتقام خبرتهم مقام خبرته، كما أقيم في الجرح رؤيتهم مقام رؤيته، والله أعلم.
شهادةُ المسافِرِينَ والمجتازينِ منَ القوافِلِ كشهادة غَيْرِهِمْ في الحاجة إِلى التعديل، فإِن حصل التعديل مِنْ مزكين في البلد أو عدل مزكيان اثنين من رُفَقَاء القافِلَة، ثم هما عَدَّلاَ الشاهدين، قُبِلَت الشهادة، وإلاَّ، فلا، وعن مالك: أن شهادتهم مقبولة عند توهُّم الخير والصلاح فيهم، وذكر ابن القاصِّ: أن القاضي، لَوْ سأل عن عدالة الشهود بَعْدَ ما خرج عن محلِّ ولايته فعدلوا، يجوز أن يقضي بشهادتهم بَعْد العود إِلى محل ولايته (1)، إِذا جوَّزنا له أنْ يقضي بعلْمِ نفْسِه، ولم يرتضه أبو عاصمٍ العبَّادِيُّ وآخرون، وقالوا: القياسُ منْعُه، كما لو سمع البينة خارجَ ولايته.
ويقبل شهادة الحسبة على العدالة والفسق؛ لأن البحث عن حال الشُّهود في امتناع الحُكْم بشهادة الفاسق لحقِّ الله تعالَى، ذَكَرَهُ القاضي أبو سعدٍ الهرويُّ، ولو عُدِّلَ الشاهد والقاضي مُتَحقِّق فسقه بالتسامع، قال الإِمام: الذي يجب القطعُ به أنه يتوقَّف ولا يقضي، والله أعلم.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي القَضَاءِ عَلَى الغَائِبِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهُوَ نافِذٌ (ح و) وَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِأَرْكانٍ الرُّكْنُ الأوَّلُ: الدَّعْوَى: وَلْيَكُنْ مَعْلومًا أَعْنِي جِنْسَ المَالِ وَقَدْرَهُ، وَصَرِيحًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي مُطالِبٌ؛ به، وَلا يَكْفِي1 = للمشقة، ثم قال أعني صاحب الخادم قضيته أي كلام الرافعي تكرر هذه الأمور في كل واقعة وفيه مشقة وتعذر وقال في البحر إذا أعاد البحث مرارًا واستقرت عدالته فإن تجددت منه استرابة أعاد البحث والكشف، وإن لم يتجدد لم تعد وهذا هو المختار.

قَوْلُهُ: لِيَ عَلَيْهِ كَذَا، وَلْيَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ، وَيدَّعِي جُحُودَ الغَائِبِ، وَإِنْ أقرّ بَأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ لَمْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُ لِجُحُودِهِ فَوَجْهَانِ: قَالَ الرَّافِعِيّ: القضاء على الغائب جائزٌ في الجملة، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- واحْتَجَّ الأصحاب له بما رُوِيَ أنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِهِنْدَ: "خُذِي ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرِوفِ" 1 وكان ذَلِكَ قضاءً منه على زَوْجِهَا أَبِي سفيان، وهو غائب، وبأن عمر بن الخطاب قال في خطبته في قضية الأسيفع: "مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا غَدًا فَإنَّا بائعو مَالِهِ وَقَاسِمُوهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ" 2 وكان ذلك الرجل غائبًا، وبأن البينة مسموعة بالاتفاق على الغائب، فليجر الحكم بها كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت، وبأن الحكم على الميِّت والصغير جائزٌ، والموت والصغر أعظم من العفْوِ عن الدفع من الغيبة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز القضاء على الغائِبِ إِلاَّ إِذَا كان للدَّعْوَى اتصال بحاضر بأن قال: لي على فلانٍ الغائب كذا وفلان كفيله أو شريكه أو أحالني على هذا الحاضر أو باع من هذا الحاضر كذا، وأَنا شفيعٌ مطالِبٌ أو ادعت الزوجة النفقةَ عَلَى زوجها الغائِبِ في أن له على هذا كذا وفي يد هذا كذا أو ادعى إتلاف مال عَلَى جماعةٍ أحدُهم حاضرٌ، والباقون غُيَّبٌ؛، وعن صاحب "التقريب": أن حرملة روى في المسألة قولاً كمذهب أبي حنيفة، والمذهبُ المشهورُ ما سبق، إِذا عرف ذلك، فالكلام في القضاء عَلَى الغائب يتعلَّق بأطراف، كل واحد منْهُما ركن، فمسائِلُ الباب: أحدها: الدعْوَى، ويشترط في الدعْوَى على الغائب ما يشترط في الدعْوَى عَلَى الحاضِرِينَ من بيان جنْس المدعي وقدره وصفته، وقوله: إني مطالِبٌ بالمال، ولا يكفي الاقتِصار عَلَى قوله: "لي عليه كذا" على ما سيأتي ذلك بشرحه في باب الدعْوَى، وينبغي أن يكون على المدعَى عليه بيِّنَة، وإلا فلا فائدة للدعوى عَلَى الغائب، وأن يدعي جُحُود الغائب، فإن قال: هو مقر، لم تسمع بينته ولغت دعواه، وإن لم يتعرَّضْ لجحوده ولا إِقراره، فوجهان: ميل الإِمام منهما إلى أن بينته تسمع؛ لأنه قد لا يعلم جحُودَهُ في غيبته، ويحتاج إِلى إِثبات الحق، فليجعل غيبته كسكوته.
والثاني: لا تسمع إلا عنْدَ التعرّض للجُحُود؛ لأن البينة إِنما يحتاج إِلَيْها عنْد الجحود، فعلى هذا يشترط أن يَقُول: هو جاحد، وعلى الأول الشَّرْط أَلاَّ يقول: هو مقر، ورأيت فيما جمع من فتاوى القَفَّال 3 أن هذا كله فيما إذا أراد إِقامة البينة عَلَى ما

يدعيه؛ ليكتب القاضي به إِلى حاكمِ بلَدٍ الغائب، فأما إِذا كان للغائب مالٌ حاضرٌ، وأراد إِقامة البينة على دينه؛ ليوفيه القاضي، فإِن القاضي يسمع بينته، ويوفيه، سواءٌ قال: هو مقرٌّ أو جاحدٌ أو قال: لا أدري، أهو مقرٌّ أو جاحد؟ وهل على القاضي سماع الدعوى على الغائب أن ينصب مُسَخَّرًا يُنْكر على الغائب؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لتكون البينة على إِنْكَار منكر.
وأصحهما: عَلَى ما ذكره في "التهذيب" لا لأن الغائب قَدْ يكون مقرًّا، فيكون إِنكار المسخر كذبًا، وقضية هذا التوجيه ألا يجوز نصْبُ المسخَّر، لكن الذي ذكره أبو الحسن العبَّاديُّ وغيره أن القاضي مخيَّر إِن شاء نَصَب عنْه، وإن شاء لَمْ ينصب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: المُدَّعِي: وَيُحَلِّفُهُ القَاضِيَ بَعْدَ البَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ الإبْرَاءِ والاسْتِيفاءِ والاعْتِيَاضِ، وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وإِنْ كَانَ الدَّعْوَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَو مَيِّتٍ وَجَبَ وَجْهًا واحِدًا، وَلا يَجِبُ التَّعَرُضُ فِي اليَمِينِ لِصِدْقِ الشُّهُودِ، وَإِن ادَّعَى وَكِيلُهُ عَلَى الغَائِبِ فَلاَ يُمْكِنُ اليَمِينُ وَيُسَلَّمُ الحَقَّ، بَلْ لَوْ قَالَ المُدَّعَى عَلَيْه الحَاضِرُ لِوَكِيلِ المُدَّعِي: أَبْرَأَني مُوَكِّلُكَ الغَائِبُ لَمْ يَنْفَعْهُ بَلْ يُسَلِّمُ المَالَ ثُمَّ يُثْبِتُ الإِبْرَاء.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يعتبر في الدَعْوَى على الغائب ما يعتبر في الدعوى على الحاضر وزيادة، وهي أن يحلف مع البينة، واعلم أنَّه لو ألحق التحليف برُكْنِ الدعوى، وأقام البينة بركْنِ المدَّعي، فقيل: يعتبر التحليفُ في الدعْوَى على الغائب، وللمدعي على الغائب لا بُدَّ له من البينة على عكسِ ما في الكتاب، لجاز، وليس في هذا ترتيبٌ محقَّقٌ، ثم في التحليف ثلاثُ مسائل: إحداها: في وقت التحليف وكيفيته، فحلف القاضي المدَّعي على الغائب بعْد قيام البينة وتعديلها بأنه ما أبراه عن الدين الذي يَدَّعِيه، ولا عن شيء منْه ولا اعتاض وَلاَ استوفَى، ولا أحال عليه، ولا أحد من جهته، بل هو ثابتٌ في ذمَّة المدَّعَى عليه، يلزمه توفيته، ويجوز أن يقتصر، فيحلفه على ثبوت المال في ذمته، ووجوب التسليم وإنما يحلف مع البينة؛ لأن المدَّعَى عليه، لو كان حاضرًا، لكان له أن يدعي شيئًا من الجهات المذكورة، فيحلفه، فينبغي للقاضي أن يحتاط له، وكذلك يحلف مع البينة، إِذا كانت الدعوى عَلَى صَبِيٍّ أو مجنونٍ أَوْ مَيِّتٍ، ليس له وارثٌ خاصٌّ، وإِن كان، فيحْلِف بمثله الوارث.
= جمع له فتاوى أخرى ثم ساق الذي رآه ولم يكن فيه شيء من الذي نقله عن الرافعي ولعل النسخ مختلفة وما نقل عن القفال فقهه ظاهر جلي.
قاله البكري.

ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب "ويحلفه القاضي" بالألف والزَّاي والواو؛ لأن أشْهَر الروايتَيْن عن أحمد أنه لا يحلفه، ويكتفي بالبينة.
وحكى القاضي ابن كج عن المزَنِيِّ مثله، وذكر الشيخ أبو عاصم أن أبا الحُسَيْنِ ابْنَ القطَّان روى عن أبِي الحُسَيْن الطرسوسي من أصحابنا أنَّ للشافعيِّ -رضي الله عنه- قولاً مثله، ولا يشترط التعرض في اليمين لصدق الشهود بخلاف اليمين مع الشاهد؛ لأن البينة هاهنا كاملة، وفيه وجه أنه يشترط.
الثانية: هذا التحليف واجبٌ أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان، ويقال قولان: أظهرهما: الوجوب.
والثاني: أنَّه يستحب لأرباب التدارك، إن كان هناك دافعٌ غير منحسم، والوجوب في الصبيِّ والمجنونِ والميِّتِ أَوْلَى لعَجْزِهم عن التدارك، لكن الخلاف مطَّرد، وكذلك حكاه أبو الحَسَنِ العبّادِيُّ وجماعة، وبنى على هذا الخلافِ ما لو أقام قَيِّمُ الطِّفْل البيِّنَةَ على قيم طفل، فإن قلْنا: يوجب التحليف، فينظر إلى أن يبلغ المدعي له، فيحلف، وإن قلنا: بالاستحباب، فيقضي بها 1 ونقل صاحب الكتاب القَطْع بالوجوب في

الدعْوَى على الصبيِّ والمجْنُون والميِّت، فحصَلَتْ طريقتان.
الثالثة: لو لم يَدَّعِ بنفسه ولكن ادَّعَى وكيله علَى الغائب، فلا يحلف، ويوفر الحق، إن كان المدعَى عليه هناك 1 قال: ولو كان المدعَى عليه حاضرًا، وقال للمدَّعِي بالوكالة بَعْد ما أقام البينة: أَبْرَأَنِي موكِّلُكَ الغائبُ، وأراد التأخير إِلى أن يحضر الموِّكل، فيحلف، لم يمكَّن منه، بل عليه تسليم الحقِّ، ثم يثبت الإِبراء من بعْدِ أن كانت له حجَّةٌ، ويقال: إِن المسألة وقعتْ بمرو، وتوقَّف فيها فقهاءُ الفريقَيْن، ثم أفتى القفَّال بما ذكرناه، ووجدت في تعليق الشيخ أبي حامد مثل هذا الجواب في "كتاب الوكالة" والسبب فيه أنا، لو وقَفْنَا الأمر إِلى أن يحضر الموكل لا تجر الأمر إِلى أن يتعذَّر استيفاء الحقوق بالوكلاء، وكذا لو ادعى قَيِّم الصبيِّ دَيْنًا للصبيِّ، فقال المدعَى عليه: إِنه أتلف علَيَّ مِنْ جنس ما يدَّعِيه ما هو قضاءٌ لدَيْنِه، لم ينفعه بل عليه أداء ما أثبته القيِّم، فإذا بلغ الصبيُّ حلَّفه، ولو أن المدعي عليه قال في مسألة الوكيل: أبرأني موكِّلك الغائبُ، فاحْلِفْ أنت أنك لا تعلم ذلك، قال الشيخ أبو حامد: عليه أن يحلف على نعَي العلْم، ومن الأصحاب من يخالفه فيه، ولا يحلف الوكيل، ولك أن تقُولَ: قضية ما ذكره الشيخ أن يُحْلِف القاضي وكيلَ المدَّعى الغائب على نفْي العلم بالإِبراء وسائر الأسباب المسقطة نيابةً عن المدعى عليه فيما يُنْكر منه، لو حضر كَمَا ناب عنه في تحليف مَنْ يدعي بنفسه.
فَرْعٌ: يجوز القضاء على الغائِبِ بشاهدٍ ويمينٍ، كما يجوز على الحاضِرِ، ويكفي يمين واحدةٌ أم لا بدّ من يمينين؛ أحدهما لتكميل الحجة، والأخرَى لنفي المُسْقِطات؟ فيه وجهان: أشبههما: الثاني.
آخر: تعلَّقَ بإِنسانِ، وقالَ: أنت وكيلُ فلانٍ الغائب، ولي عليه كذا، وادعى عليك وأقيم البينة في وجهك، فإن علم أنه وكيلٌ، وأراد أَلاَّ يخاصم، فليعزل نفسه، وإن لم يعلم، فينبغي أن يقول؛ لا أعلم أنِّي وكيلٌ، ولا يقول لست بوكيل، فيكون مكذبًا لبينة عساها تقوم على الوكالة، وهل للمدَّعِي إِقامةُ البيَّنة على وكالة مَنْ تعلَّق به؟ فيه وجهان، ظاهر كلام أبي عاصم العبَّادِيِّ: نعم؛ لأن له فيها فائدةً، وهي أن يستغني عني ضم اليمين إِلى البينة، وأن يكون القضاء مجْمعًا عليه، والأظهر الجمع؛ لأن الوكالة حقُّه، فكيف تقام البيِّنة عليها قبل دعواه.
= ولم يعترف وقوله قدر دينه أي الذي ثبت بالبينة والشيخ البلقيني مع جلالة قدره جرى على ذلك.
قاله البكري.

قَالَ الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: إِنْهَاءِ الحُكْمِ إِلَى القَاضِي الآخَرِ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْهَدُ شَاهِدَانِ عَلَى تَفْصِيلِ حُكْمِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مَخُتُومٍ، والاعْتِمادُ عَلَى الشَّهادَةِ فَلَوْ شَهَدَ بِخِلاَفِ مَا فِي الكِتَابِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ القَاضي: أَشْهَدتَّكُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الكِتابِ خَطِّي لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ، فَلَوْ قَالَ: مَا فِي الكِتَابِ حُكْمِي فالأَظْهَرُ أنَّهُ لا يَكْفِي مَا لَمْ يُفَصِّلْ لَهُمَا مَا حَكَمَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ المُقِرُّ: أَشْهَدَتُّكَ عَلَى مَا فِي القَبَالَةِ وَأَنَا عَالِمٌ فالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِي حَتَّى إِذَا حَفِظَ الشَّاهِدُ القَبَالَةَ أَوْ مَا فِيهَا وَشَهِدَ عَلَى إِقْرارِهِ جَازَ إِذِ الإِقْرارُ بَالمَجْهُولِ صَحِيحٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القاضي بعْدَ سَماَعِ الدعْوَى والبيِّنة على الغائب تارَةً يقتصر علَيْهِ، وينهي الحال إِلى قاضي بلَدِ الغائب؛ ليحكم ويستوْفِي 1 وتارة يحلف كما مر، ويحكم، وعلى التقدير الثاني، فقد يكون للغائب مالٌ حاضرٌ، يمكن توفير الحق منه، فيوفر، وقد لا يكون كذلك، فيسأل المدعي القاضي إِنهاء الحكم إِلى قاضي بلَدِ الغائب، فيجيبهِ إليه، وللإِنهاء طريقان: أحدهما: أن يشهد على حكمه عدلَيْن يخرجانِ إِلى ذلك البلد، والأولى أن يكتب بذلك كتابًا أولاً ثم يشهد، أما الكتاب، فصورته: حضر عافَانا الله وإِياك فلانٌ، وادَّعَى على فلانٍ الغائب المقيم ببلدِكَ كذا وكذا، وأقام عليه شاهدَيْنِ، وهما فلانٌ وفلانٌ، وقد عُدِّلاَ عندي، وحَلَّفتُ المدَّعِيَ، وحكمت له بالمال، فسألني أن أكتب إِليك في ذلك، فأجبته إِليه، وأشهدتُّ عليه فلانًا وفلانًا ولا يشترط تسمية الشاهدَيْنِ على الحكم، ولا ذكر أصل الإِشهاد ولا النص عَلَى أسامي شهود الحق، بل يكفي أنَ يكتب: شَهِدَ عنْدِي شهودٌ عدولٌ، ويجوز أَلاَّ يصفهم بالعدالة، فيكون الحكم بشهادتهم تعديلاً لهم ذكره في "العدَّة" ويجوز ألا يتعرض لأصل شهادة شهودٍ، فيكتب: حكمت بكذا بحجَّة أوجبت الحكم؛ لأنه قد يحكم بشاهدٍ ويمينٍ، وقد يحكم بعلمه، إِذا جوَّزْنا القضاء بالعِلْم، وهذه حيلةٌ يدفع بها القاضي قَدْحَ أصحاب الرأي، إذا حكم بشاهدٍ ويمينٍ وفي فحوى كلام الأصحاب وجْهٌ مانع من إبهام الحجَّة؛ لما فيه من سدِّ باب الطعن والقدح على

الخَصْم، ويُستحبُّ للقاضي أن يختم الكتاب، ويدفع إلى الشاهدَيْنِ بنسخةٍ غَيْرِ مختومة ليطالعاها، ويتذكرا عند الحاجة، وأن يذكر في الكتاب نَقْش خاتمه الذي يريد الخَتْم به، وأن يثبت اسْمَ نفسه واسْم المكتوب إِليه في باطن الكتاب، وفي العنوان أيضًا، وعن أبي حنيفة أنه يشترط ختم الكتاب، وإِثبات الاسمين في الباطن، وأما الإشهاد، فإن أشهدهما عَلَى أنه حكم بكذا ولا كتاب شهدا به، وقبلت شهادتهما، وإِن أنشأ الحكم بَيْنَ يديهما، فلهما أن يشهدا، وإِن لم يشهدهما، وإِن كتب، ثم أشهد، فينبغي أن يقرأ الكتاب أو يقرأ بيْن يديْه علَيْهِما، ويقول لهما: اشْهدا علَيَّ بما فيه أو علَيَّ بحكمي المبيَّن فيه، وفي "الشامل": أنَّه لو اقتصَرَ عَلَى قوله بعد القراءة "هذا كتابِي إِلَى فلانٍ" أجزأ 1، وحكى القاضي ابن كج وجْهًا: أنه يكفي مجرَّد القراءة عليها، والأحوط أن ينظر الشاهدان في الكتاب وقْتَ القراءة عليهما، ولو لم يقرأ الكتاب عليهما، ولم يعلما ما فيه، وقال القاضي: أشهدتكما عَلَى أن هذا كتابي، وما فيه خطى، لم يكف، ولم يكن لهما أن يشهدا عَلَى حكمه، فإن الشيء، قد يكتب من غير قصد تحقيقه تحقيقه، وعن أبي حنيفة: أنه، إِذا وقع الكتاب إِليهما مختومًا، وقال: هذا كتابي، وكفى، ولو قال: أشهدكما، عَلَى أن ما فيه حُكْمِي أو على إنِّي قضيتُ بمضمونه، ففيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يكفي ما لم يُفَصِّل لهما ما حَكَم به.
والثاني: وبه قال الإصطخريُّ: يكفي لإِمكان معرفة التفصيل بالرجوع إِليه، ويجري الخلاف فيما لو قَالَ المِقرُّ أشهدتك علىَ ما في هذه القبالةِ، وأنا عالم به، لكنَّ الصحيح عند صاحب الكتاب في الإِقرار أنَّه يكْفِي حتَّى لو سَلَّم القبالة إِلى الشاهد، وحفظها الشاهد، وأمن التحريف، جاز له أن يشهد على إِقراره، وفَرَّق بينهما بأنه مقر على نفسه، والإقرار بالمجهول صحيحٌ، وأما القاضي، فإنه مخبر عن نفسه بما يرجع ضرره إلَى الغَيْر، فالاحتياط فيه أَهَمُّ، والذي أجاب به الصَّيْمَرِيُّ في "مختصرٍ" جمعه في أحكام الشهادات: أنه لا يكفي ذلك في الإِقرار أيضًا، حتى يقرأه، ويحيط بما فيه، وذكر أنَّه مذهب الشافعيِّ، وأبي حنيفة -رحمهما الله- ويشبه أن يكُونَ هذا الخلافُ في أنَّ الشاهد، هَلْ يشْهدُ على أنَّه أقر بمضمون القَبَالَةِ، على التفصيل، وأما الشهادة على أنَّه أقرَّ بما في هذا الكتاب مبهمًا، فما ينبغي أن يكون فيه خلافٌ كسائر الأقارير المبهمة، وسواءٌ شهد هكذا أو هكذا، فإِنما يشهد، إِذا كان الكتابُ محفوظًا عنده، وأمن التصرّف فيه، ثم هاهنا مسألتان: أحدهما: أن التعويل على شهادة الشهود، والمقصودُ من الكتاب التذكر، ومن

الختم الاحتياط وإِكرام المكتوب إِليه، فلو ضاع الكتاب أو انمحى أو انكسر الختم، وشهدا بمضمونه المضبوط عنْدهما، قبلت الشهادة، وقضى بها، فلو شهدا بخلاف ما في الكتاب عمل بشهادتهما، وعن أبي حنيفة: أن الشهادة لا تقبل إِلا على الكتاب، ولا يكفي الكتاب المجرد؛ لما سبق أنه لا اعتماد على الخطِّ، وعن مالك: أن المكتوب إِليه، إذا وثق بالخطِّ والختم قبله، وفي "المهذَّب" وجه مثله عن الإِصطخريِّ.
والثانية: لا بدّ من إِشهاد رجلَيْن عدلَيْن، فلا يقبل في الباب شهادةُ رجُلٍ وامرأتين، خلافًا لأبي حنيفة، وحكى القاضي ابن كج وجهًا للأصحاب مثله، إذا تعلَّقت الحكومة بمالٍ، وذكر أنه لو كان كتاب القاضي رؤية هلال رمضان، كفى شهادة واحدٍ على قَوْلنا: إِنه يثبت الهلال بشهادة واحد إجراء للكتاب مُجْرَى المكتوب فيه، وإِنه لو كتب في الزنا، وجوَّزنا كتاب القاضي إِلى القاضي في العقوبات، فيثبت بشهادة رجلَيْن أم لا بدّ من أربعةٍ؟ فيه وجهان كالقولَيْن من الإِقرار بالزِّنَا، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ لِلشَّاهِدِ عَلَى الحَكْمِ أنْ يَشْهَدَ عِنْدَ المَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنَّ لَمْ يَكْتُبِ (ح) القَاضِي فِي كِتَابِهِ أنَّهُ إِلَى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، وَكَذَلِكَ يَشْهَدُ (ح) وإِنْ مَاتَ الكَاتِبُ والمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، وَلْيَكُنْ عَدَالَةُ شُهُودِ الكِتَابِ وَخَتمُهُ ظَاهِرَةً عِنْدَ المَكْتُوب إِلَيْهِ، وَلاَ يَكْفِي تَعْدِيلُهُما فِي ذَلِكَ الكِتَابِ الَّذِي كُتِبَ إِلَيْهِ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِما.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كتابُ القاضِي وحامِلِهِ، إِذا انتهيا إلَى قاضي البلد الآخر، فيحضر الخصم فإن أقر بالمدعي استوفاه، وإلا، شهد الشاهدان أنَّ هذا كتاب القاضي فلان وختمه، حَكَمَ فيه لفلانٍ بكذا عَلَى هذا، وقرأه علينا وأشهدنا به، ولو لم يقولوا: أشهدنا، جاز، وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز، ولا يجوز ألا يتعرضا لحكمه، ويقتصر على ذكر الكتاب والختم، خلافًا لأبي حنيفة، ثم في "التهذيب" و"الرقم": أن القاضي إِنما نقض الختْمَ بعْد شهادة الشُّهود، وتعدليهم وذَكَر القاضي أبو سعد الهرويُّ أنه يفتح القاضي الكتابَ أوَّلاً، ثم يشهد الشُّهود، ويوافق هذا قوْلَ كثير من الأصحاب أن الشهود يقرؤون الكتاب، ثم يَشْهَدُونَ، لِيَقِفُوا عَلَى ما فيه وَيعْرِفوا أنه عَرَفَ ما فيه، وليس هذا خلافًا في الجواز، وكيف، وقد عَرَفْتَ أن الختم من أصْلِهِ لا اعتبار به، وكما يقبل الشهادة على ما لا ختم عليه يقبل على المفضوض الخَتْم، فضه القاضي أو غيره، وإِنَّما الكلام في الأدب والاحتياط.
ويحسن أن يقال: إن كان ما في الكتاب مضبوطًا لهم فالأوْلَى أَلاَّ يفض حتى يتم الشهادة والتعديل، وإلاَّ احتاجوا إلى مطالعة وتذكر، فيشهدون على الكتاب والختم، ثم يفض فيقرأ عليهم، ثم يشهدون عَلَى حكمه بما فيه، وقد ذكر ابن القاصِّ في أدب القاضي قريبًا من هذا، إذا عرف ذلك ففي الفصْل مسألتان:

إِحداهما: يجوز أن يكتب إلى قاضٍ معينٍ، ويجوز أن يطلق، فيكتب إِلى كلِّ من يصل إِليه من قضاة المسلمين، وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز الإِطلاق الكليُّ، وللقاضي أبي سعد الهرويِّ حكايةٌ مبنيةٌ عَلَى ذلك، قال: تحمَّلْتُ شهادةٌ مع الشيْخ أبي سَعْدٍ المتولِّي على كتاب حكمي من قاضي هذا إِلى مجلس القاضي الحُسَيْن، وكانت الشهادة على الخَتْم، والعنوان إِلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين، فرد القاضي الكتاب، وقال الشهادة على الختم دون مضمون الكَتاب غير مقبولة عنْد الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- والعُنْوَان من غير تعيْين المكتوب إلَيْه غيرُ جائزٍ عند أبي حنيفة، فلا أقبل كتابًا اجتمع الإمامان -رضي الله عنهما- عَلَى ردِّه، كما أن من احتجم ومسَّ ذكَرَه، وصلى لا تصح صلاته على المذهبين، وإذا كان الكتابُ إلى معيَّن، فشهد شاهدان بالحكم عنْد حاكم آخر، فإنه يقبل شهادتهما، ويمضيه، وإن لم يكتب إِليه، وإلى كلِّ من يصل إِلَيْه من القضاة؛ اعتمادًا على الشهادة، وعن أبي حنيفة، لا يقبل غير المعيَّن شهادتهما إِذا لم تكتب، وإلى كل من يصل إِليه، ويجري هذا الخلاف فيما إِذا مات الكاتب، وشهد الشاهدان عَلَى حكمه عند المكتوب إِليه أو مات المكتوب إليه، وشهد عند من قام مقامه، فعند أبي حنيفة لا يقبل شهادتهما، ولا يعمل بالكتاب، وعندنا يقبل شهادتهما، ويمضي الحكم، وأما إذا كان الكتابُ بالحكم المُبْرَم، فكما لو قامت البيِّنة على حكم القاضي بعْد موته، وأما إِذا كان مقبول الشهادة، فلأنه مشبه بالشهادة على الشهادة، وشهادة الفرع بعد موت الأصل مقبولةٌ، والعَزْل والجُنُون والعمَى والخَرَسُ كالمَوْت، ولو كتب القاضي إِلى خليفته، ثم مات القاضي أو عزل تعذر علَى الخليفةِ القبولُ والإمضاءُ، إِن قلنا: إِنه ينعزل بانعزال الأصل، ولو ارتد الكاتب أو فسق، ثم وصل الكتابُ إِلى المكتوب إِليه، فجواب ابن القاصِّ، وبه أخذ صاحبا "المهذَّب" و"التهذيب" وآخرون: أن الكتاب، إذا كان بالحكم المبرم أمضى، ولم يَرُدَّ؛ لأن الفِسْقَ الحادث لا يؤثر في الحكم السابق، وإن كان بسماع الشهادة، فلا يَقْبَل، ولا يحكم به، كما لو فسق الشاهد قَبْل أن يحكم بشهادته وأطلق القاضي ابن كج القَوْلَ بأنه لا يقبل كتابه، إِذا حدث الفسْقُ من غير فَرْق بين كتابٍ وكتابٍ، وفرق بينه وبين الموت بأن ظهور الفسق يشعر بالحنث، وقيام الفسق يوم الحكم، وهذا قضية إِيراد الشيخ أبي حامد وابن الصبَّاغ 1، والله أعلم.

الثانية: شهود الكتاب والحكم، لا بُدَّ من ظهور عدالتهم عنْد المكتوب إِليه، وهل يثبت عدالتهم بتعديل الكاتب إيَّاهم؟ فيه وجهان: عن القفَّال الشاشي: نعم، للحاجة.
والأصح: المنع؛ لأنه تعديل قبل أداء الشهادة، ولأنه كتعديل المدَّعِي شهوده، ولأن الكتاب إِنما يثبت بقولهم، ولو ثبتت عدالتهم بالكتاب لثبتت عدالتهم بقولهم، والشاهدُ لا يزكي نفْسَه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلْيُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ اسْمُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ وَاسْمُ أَبِيهَ وَجَدِّهِ وَحِلْيَتِهِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَإنْ ادَّعَى المَأْخُوذُ أَنَّ فِي البَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي تِلْكَ الصِّفَاتِ وَأَظْهَرَهُ انْصَرَفَ القَضَاءُ عَنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ مُسَمَّى بِذَلِكَ الاسْمِ حَلَفَ وانْصَرَفَ عَنْهُ القَضَاءُ، وَإنْ نَكَلَ حَلَفَ المُدَّعِي وَتَوَّجَهَ الحُكْمُ، فَإنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى نَفْيِ الاسْمِ بَلْ عَلَى أنَّهُ لاَ يَلزَمُهُ شَيْءٌ لَمْ يُقْبَل، وَلَوْ قَصَّرَ القاضِي فَلَم يَكتُبْ إِلاَّ أَنِّي حَكَمْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ فالحُكْمُ بَاطِلٌ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ وَأنَّهُ المَعْنِيُّ بِالكِتَابَ وَلَكِنَّهُ أَنْكَرَ الحَقَّ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (و) بِالقَضَاءِ المُبْهَمِ فِي نَفْسِهِ، أَمَّا الكِتَابُ المُجَرَّدُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَلَى الحُكْمِ فَلا أَثَرَ لَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ينبغي أن يثبت القاضي في الكتاب اسم المحكوم له والمحكوم عليه، وكنيتهما واسْم أبيهما وجدهما وحليتهما وصنعتهما وسكنهما وقبيلتهما؛ ليسهل التمييز، نعم، لو كان الرجلُ مشهورًا بعيد الصيت، وحصل الإعلام ببَعْض ما ذكرنا، اكتفى به، وإِذا أثبت الأوصاف، كما ذكرنا فحمل الكتاب إِلى المكتوب إِليه، والمقر الحاصل عنده في زعمه محكومًا عليه، نُظِرَ إِن شهد شهود الكتاب بالحكم على عينه أن القاضي الكاتب حكم عليه، طولب بالحَقِّ، وإِن لم يشهدوا عَلَى عينه، ولكن شهدوا على رجُلٍ موصوف بالصفات المذكورة في الكتاب، فأنكر المحضران ما في الكتاب اسمه ونسبه، فالقول قوله مع يمينه، وعلى المدعي إِقامة البينة عَلَى أنه اسْمُه ونسبه، فإن لم تكن بَيِّنة، ونكل المحضر، حلف المدَّعِي، وتوجَّه عليه الحكم، وإن قال: لا أحلف على أنه ليس اسمي ونسبي، ولكن أحلف عَلَى أنه لا يلزمني تسليم شَيْءٍ، إِليه، فالمذكور في الكتاب، وهو اختيار الإِمام أنه لا يقبل منْه اليمين هكذا، وحكينا عن الصيدلانيِّ القبول، كما لو ادعى عليه فرض، فأنكر، وأراد أن يَحْلِف عَلَى أنَّه لا يلزمه شيْء، فإنه يقبل، ثم فرقا بين المسألتَيْنِ بأنَّ مجرَّد الدعْوَى، ليس بحجة عليه، وهاهنا قامت البينة على المسمى بهذا الاسم، وذلك بوجه الحق عليه إن ثبت كونه مسمَّى بهذا الاسم، ولك أن تقول: حكينا في تنازع المتبايِعَيْنِ في قدم العيب وحدوثه أن البائع إِن

قال: إِنه لا يستحق الردَّ عليَّ فيحلف هكذا، وِإن قال: ما أقبضته إلا سلمًا، وأراد أن يحلف على أنَّه لا يستحق الردَّ عليه، لم يمكن عَلَى أظهر الوجهين، بل يلزمه التعرُّض لما أجاب به، وِإنما يفيد هذا الأصل في الدعاوى والبينات، إذا تذكَّرْت ذلك، فالمسألة هاهنا مصوَّرةٌ فيما إِذا أنكر كونه مسمَّى بذلك الاسم، وحينئذٍ، فالقول بأنَّه لا يكفيه الحلف عَلَى أنه لا يلزمه تسليم شيْء إِليه عَلَى هذا الوجه، كأنه ظاهر، إِنما يكفيه ذلك، إِذا كان جوابه في الابتداء، أنه لا يلزمه تسليم شيْء إِليه ونظيره هاهنا: أن يقول المحضر: لا يلزمني تسليم شيْء إِليه، وأراد الحلف عليه، فيشبه أن يمكن منه، وحينئذٍ، فلا فرق بين المسألتين، وإن قامت البينة عَلَى أنه اسمه ونسبه، فقال: نعم، لكني لست المحكُومَ عَلَيْه، فإن لم يوجدْ هناك من يشاركه في الاسم والصفاتِ المذكورةِ، لزمه الحكْمُ؛ لأن الظاهر أَنه المحكوم عليه، وِإن وجد إِما بأن عرفه القاضي أو قامت عليه بَيِّنة، وأحضر الذي يشاركه، ويُسْأَل، فإن اعترف بالحق، طُولِبَ به، وخلص الأول، وإن أنكر، بعث ذلك الحاكمُ إلى الكاتب بما وقع من الإِشكال، حتى يحضر الشاهدَيْن، ويطلب منهما مزيدَ صفَةٍ يتميَّز بها المشهود عليه من غيره، فإِنْ ذكرا مزيدًا، كتب به ثانيًا، وإلا، وقف الأمر حتى ينكشف، ولو أقام المحضر بيِّنةً عَلَى موصوف بتلك الصفات، كان هناك، وقد مات، فإن مات بعد الحكم، فقد وقع الإِشكال، وإنْ مات قبله، فإِن لم يعاصِرْه المحكُومُ، فلا إِشكال، وِإن عاصره فوجهان: أظهرهما: حصول الإشكال، وبه قال صاحب "التقريب" ووجِّه الثاني بأنه، لو كانت الشهادة على الميت، لتعرَّض الشهود لتعلق الحق بتركته ويذكر ورثته، لكن ربما لم يعرفوا موته، واستصحبوا، فهذا إِذا أثبت القاضي اسم المحكوم عليه ونسبه ووصفه، كما قدَّمْنا أما إِذا اقتصر على قول حكَمْتُ عَلَى محمد أحمد مثَلاً، فالحكم باطلٌ؛ لأن المحكوم عليه مبهم، لم يتعيَّن بإشعار ولا وصف كامل، بخلاف ما إذا استقصى الوصف، ولم يقصر، وظهر اشتراكٌ واشتباهٌ على الندور حتى لو اعترف رجلٌ في بلدِ المكتوب إِلَيْهِ بأنه محمَّد بن أحمد، وأنه المعنيُّ بالكتاب، لم يلزمْهُ ذلك الحُكْمُ لبُطْلانه في نَفْسه، إِلا أن يقر بالحق، فيؤاخذ به، هذا ما نقله الإِمَامُ وصاحب الكتاب وغيرهما، وهو المتوجه إِلا أن في "آداب القاضي" لابْنِ القاصِّ وفي "إِيضاح" أبي عليِّ أنَّه إِذا ورد الكتاب أحضر القاضي المكتوب عليه، وقرأ عليه الكتاب، فإِن أقر أنه المكتوب عليه أخذه به، سواء كان قد رفع في نفسه أو لم يرفع، وذكر صناعته، أو لم يذكر، والله أعلم، ولا شك أنَّه لو شهد الشهود على الحُكْم، كما ينبغي إلا أنه أبهم في الكتاب اسْمَ المكتوب عليه تقبل الشهادةُ، ويعمل بمقتضاها، لِمَا سبق أن الاعتبار بشهادة الشهود لا بالكتابِ.
وقوله في الكتاب "وأما الكتاب المجرَّد من غير شهادةٍ على الحكم فلا أثَرَ لَهُ" هذا قد اندرج في الفصل السابق، ويجوز أن يعلم بالواو والميم؛ لما مَرّ والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شافَهَ القَاضِيَ الآخَرَ لَمْ يَكْفِ لأنَّ السَّامِعَ والمُسْمِعَ لاَ بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وَلاَيَتِهِ فَلا يَصِحُّ سَمَاعُهُ وَلا يَصِحُّ إِسْمَاعُهُ إِلاَّ إِذا جَوَّزْنَا قاضَيْينِ فِي بَلْدَةٍ واحِدَةٍ أَوْ تُنَادَيَا مِنْ طَرَفَيْ وَلاَيَتَهِمَا فَذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ فَيُعْتَمَدُ، أمَّا إِذَا كَانَ المُسْمِعُ فِي مَحَلِّ وِلاَيَتِهِ دُونَ السَّامِع فَرَجَعَ السَّامِعُ إِلَى مَحَلِّ وَلاَيَتِهِ وَحَكَمَ بِهِ صَحَّ إِنْ قُلْنا: إِنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لا فَالظَّاهِرُ أنَّه كَشَهَادَةٍ يَسْمَعُهَا فِي غَيْرِ وِلاَيَتِهِ فَلا يَصِحُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا أن إنهاء الحكم إِلى قاضي البلد الآخر يحصل بطريقتين وقد فَرَغْنَا من بيان أحدهما، وهو الإِشهاد والمكاتبة، والثاني المشافَهَةُ، ويصوَّر من وجوه: أحدها: أن يجتمع القاضي الَّذي حكم، وقاضي بلد الغائب في غَيْر البلدَيْن، فيخبره بحكمه.
والثاني: أن ينتقل الذي حكم إلى بلد الغائب، وأخبره، ففي الحالَتَيْن، لا يقبل قوله، ولا يمضي حكمه؛ لأن إخباره 1 في غير موضع ولايته كإخبار القاضي بعد العزل.
والثالث: لو حضر قاضي بلَدِ الغائب في بَلَدِ الذي حَكَم، فأخبره، فهل يمضيه، إِذا عاد إِلى محل ولايته ينبني عَلَى أن القاضي، هَلْ يقضي بعلْم نفسه، إِن قلنا: يقضي بعلمه فنعم وإلا فلا فعن بعضهم تجويزُه أيضًا، والأصحُّ، وبه قال الإِمام: أنه لا يجوز، كما لا يجوز الحكم بشهادة سمعها في غير مَحَلِّ ولايته، كما لوَ قال ذلك القاضي: سمعتُ البينة عَلَى فلان بكذا، فإِنه لا يرتّب الحكم علَيْه، إِذا عاد إِلى محل ولايته.
والرابع: إذا كانا جميعًا في موضع الولاية بأن وقف الذي حكم في طرف ولايته، ونادى الذي حكم صاحبه أني حكمت بكذا، فعَلَى صاحبه إِمضاؤه؛ لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب، وأولى بأن يعتمد عليه، وكذا لو كان في البلدة قاضيان، وجوَّزنا، فقال أحدهما للآخر: حكمتُ بكذا، فإنه يُمْضِيه، وكذا إِذا قال القاضي لنائبه في البلد وبالعكس، ولو خرج القاضي إِلى قرية لَه نائبٌ فيها، فأخبر أحدهما الآخر عن حكمه، أمضاه الآخر؛ لأن القربة محلُّ ولايتهما جميعًا، ولو دخل النائب البَلَدَ، فقال القاضي: حكمت بكذا، لم يقبله، ولو قال له القاضي: حكمت بكذا 2 ففي إِمضائه إِياه، إذا عاد إِلى قريته الخلافُ في القضاء بالعلم.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "لأنَّ السامع والمُسْمِعَ لا بُدَّ وأن يكون في غير محلِّ ولايته" أي: هكذا يتفق، ويكون حينئذٍ في غالب الأمر، وقد يوجد في النسخ لأن السامِعَ والمُسّمِعَ لا بُدَّ، وأنْ يكون في مَحَلِّ ولايته وله وجْهٌ أيْضًا، والمعنى أنَّ كل

واحدٍ منهما ينبغي أن يكون في محلِّ ولايته؛ ليمكن الاعتمادُ، وأنه غير حاصل عند المشافهة، فلا يصح السماع، والإِسماع.
وقوله "إِلا إِذا جوَّزْنا الاستثناء" يعود إلى قوله أولاً "لم يكف".
وقوله: "أما إِذا كان المُسْمِع في محلِّ ولايته دون السَّامع" إلى آخره، فهو أحد الطريقين الذين ذكرناهما أولاً، فقال: لأن السامع والمسمع إلى أن قال: "فلا يصح سماعُه ولا إِسماعه" والحاصلُ أنه حكم بأن سماع مَنْ ليس في محلِّ ولايته غير صحيحٍ أولاً، ثم أعاد الصورة على الأَثَرِ، وبناهما على الخلاف في أنَّ القاضي، هل يقضي بعلمه، وليس ذلك بمستحْسَنٍ، بل كان ينبغي أن يُفَصِّل فيقول: إسماعُ من ليس في محلِّ ولايته غير صحيح، وسماع من ليس في محلِّ ولايته على الخلاف في القضاء بالعِلْم.
فَرْعٌ: في "الوسيط": أنَّ القاضي، إِذا حكم بالحقِّ، وشافه به واليًا غيْرَ القاضي؛ ليستوفي، فله أن يستوفي في محلِّ ولاية القاضي، وكذا خارجه على الصحيح؛ لأن سماع الوالي مشافهةٌ كشهادةِ الشُّهود عنْدَ القاضي، قال: ولا يكاتب القاضي واليًا غير القاضي؛ لأنَّ الكتاب، إِنما يثبت بشَهَادة الشُّهود ومنصب سماع البيِّنة يختص بالقضاة، وليحملْ هذا على الوالِي الَّذي لا يَصْلُح للقضاء، والذي لم يفوض إلَيْه الإِمام نظر القضاة، وإن كان صالحًا، فأما الصالح الذي مكن من النَّظَر بنفسه ومِنْ تقليد مَنْ يراه، فإنه يجوز للقاضي مكاتبته، كما يجوز مكاتبة الإِمام الأعظم، نَصَّ عليه في "المختصر"، والله أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: هَذا كُلُّهُ إِذَا قَضَى عَلَى الغَائِبِ، أَمَّا لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سَمَاعِ البَيِّنَةِ وَكَتَبَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ حَتَّى يَقْضِيَ جَازَ مَهْمَا ذَكرَ اسْمَ شُهُودِ الوَاقِعَةِ، وَعَلَى المَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ عَدالَةِ الشُّهُودَ وَكأَنَّ الأوَّلَ نَابَ عَنْهُ فِي سَمَاعِ البَيِّنَةَ فَقَطْ فَعَلَيْهِ التَّعْدِيلُ والحُكْمُ، فَإنْ كَتَبَ الأَوَّلُ عَدَالَتَهُما وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ جَازَ أنْ يَعْتَمِدَهُ إِذَا رَأَى ذَلِكَ، ثُمَّ الخَصْمُ إِنِ ادَّعَى جَرْحًا فَلْيُظْهِرْهُ بِشَاهَدْينِ، وَيُمْهَلُ ثَلاثةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ قَالَ: لا أتَمَكَّنُ مِنْ جَرْحِهِمْ إِلاَّ فِي بِلاَدِهِمْ فَلاَ يُمَكَّنُ مِنْهُ بَلْ يُسَلَّمُ المَالَ ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ الجَرْحُ اسْتَرَدَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بأن في أول الركن أن القاضي بعْدَ سماع البينة على الغائب قد يحكم عليه، وينهي الحال إِلى قاضي البلد الآخر، وقد يقتصر على السماع وينهي، أما القسم الأول، فقد تكلمنا فيه، والغَرَضُ الآن الكلامُ في الثَّانِي، ونقدم عليه فصْلاً فيما يمتاز به أحد القسمَيْنِ عن الثاني، وفي فروع تتعلَّق بالحكم، اعْلَم أنَّ صيغ الحكم مثْل أن يقول: حكمتُ عَلَى فلان لفلانٍ بكذا، أو ألزمته عَلَى ما ذكرنا في الأدب الخامس من الباب الثاني، فلو قال: ثبت عندي كذا بالبَيِّنَة العدالة أو صحَّ، فهَلْ هو حكْمٌ؟ فيه وجهان:

أحدهما: نعم؛ لأنه إِخبار عن حصول الشَّيْء وتحقيقه جزمًا.
وأصحهما: لا؛ لأنه قد يراد به قبول الشهادة واقتضاء البينة صحة الدعوى، فأشبه ما إِذا قال: سمعتُ البينة وقبلتُها، واحتج في "العدَّة" لهذا الوجه بأن الحكم هو الإِلزام والثبوت ليس إِلزام، ويقرب من هذا اللَّفْظ ما اعتاد القضاة إِثباته، عَلَى ظهور الكتب الحكمية وهو: صح ورود هذا الكتاب عليَّ، فقبلته قَبول مثله، وألزمت العمل بموجَبِهِ، قال القاضي أبو سعد الهروي: سئِلْتُ عنه في الدار النظامية بأصبهان، هل هو حكم فقلت: يرجع إِلى الحاكم، فإن قال: أردت الحكم، فهو حكم، وإن تعذَّر الرجوع، فالاعتماد على عرف الحكام، إِن اعتقدوه حكمًا، فهو حكم قال: ثم استقراري، لَمَّا وليت قضاءَ هَمْدان عَلَى أنه ليس بحكم؛ لاحتمال أن المراد تصحيحُ الكتاب وإثبات الحجَّة، وهذا هو الصواب، ولا يجوز الحكْمُ على المدعَى عليه إِلاَّ بعد سؤال المدعِي في أصحِّ الوجهين، ذكره في "العدة" وفي "الجُرْجَانِيَّات" لأبي العباس الرويانيِّ حكايةُ وجهين في أنَّه هل يصح أن يلزم القاضي الميِّت بموجب ما أقر به في حياته، ولا بدّ في الحكم من تعيين ما يحكم به، ومن يحكم له، لكن القاضي قد يبتلى بظالم يتوقع منْه ما لا يجوز له، ولا يستغنى عن ملاينته، فرخص له في رفْعِه بما يخيل إِلَيْهِ أَنَّه أسعفه بما توقع.
مثالُه: أقام خارجٌ بينةٌ وداخلٌ بينةٌ، والقاضي يعرف فسق بينة الداخل، ولكنه ممن لا بُدَّ من ملاينته، وهو يطلب الحكم؛ بناءً على ترجيح بينة الداخل، فيكتب: حكمْتُ بما هو قضيةُ الشرْع في معارضة بيِّنة فلانٍ الداخلِ، وبينةِ فلانٍ الخارجِ، وقررت المحكوم به في يد المحكوم له وسلطته عليه، ومكنته من التصرُّف فيه، إِذا تقرَّر ذلك، فإذا لم يحكم القاضي، وأنهى ما جَرَى من الدعوى، وإقامة الحجة بالكتاب، سَمَّى ذلك "كتاب نقل الشهادة" و"كتاب التثبيت" أي تثبيت الحجة، ويجوز أن يراد بِهِ تثبيت المدعي بناءً عَلَى أن قوله "يثبت عندي كذا" ليس بحُكْمٍ، وينص على الحجَّة فيذكر أنه قامت عنده بيِّنة أو شاهد ويمين، أو نكل المدعى عليه، وحلف المدعي، وهذا الثالث إِنما يكون عند حضور المدعى عليه، وإنما ينص على الحجَّة؛ ليعرف المكتوب إِليه أنه بم يحكم، وقد لا يرى بعض ذلك حجة، وهل يجوز أن يكتب بعلم نفسه؛ ليقضي المكتوب إِلَيْه، قال في "العدة": لا يجوز وإن جوَّزنا القضاء بالعلْم؛ لأنه، إِذا لم يحكم به، فهو كالشاهد، والشهادة لا تتأدى بالكتابة، وفي "أمالي" السرخسِّي أنه يجوز، ويقضي المكتوب إِليه، إذا جوَّزنا القضاء بالعلم؛ لأن إِخباره عن علمه إِخبارٌ عن قيام الحجة، فليكن كإِخباره عن قيام البينة، وإذا كتب بسماع البينة، فليسم الشاهدَيْن، والأَوْلَى أن يبحث عن حالهما ويعدلهما؛ فإن أهل بلدهما أعرف بحالهما، فإن لم يفعل، فعلى المكتوب إِليه البحث والتعديل، وإذا عدل، فهل يجوز أن يترك اسم الشاهدَيْن لفظ صاحب الكتاب يُشْعِر بالمنع منه، وقد صرح في "الوسيط" وكذلك ذكره

الإِمام، والقياس التجويزُ، كما أنه إذا حكم، استغنى عن تسمية الشهود، وهذا هو المفهومُ من إِيراد صاحب "التهذيب" وغيره، ويجوز أن يقدر فيه خلافٌ بناءً عَلَى ما سيأتي أن كتاب القاضي إلى القاضي بسماع البَيِّنةِ نقلٌ للشهادة أو حكم بقيام البينة إن قلْنا: حكم، فلا حاجة إلى التسمية، وكفى قوله: قامت عندي بينةٌ عادلةٌ بكذا، وِإن قلنا: نقل، فلا بدّ من التسمية، كما أنه لا بدِ مِنْ أن يسمى شاهد الفرع شاهدَ الأصل، ويأخذ المكتوب إليه بتعديل الكاتب أم له البحث وإعادة "التعديل" لفظ الكتاب يشعر بالثاني؛ لأنه قال "جاز أن يعتمده إذا رأى ذلك والقياسُ أنه أخذ بذلك التعديل" 1، أما إذا جعلناه حكْمًا، فظاهرٌ، وأما إِذا جعلْنَاهُ نقلاً، فلأنَّ شاهد الفَرْع، إذا عدل شاهد الأصل، وهو صفة المزكِّين، يكفي تعديله على ظاهر المذْهَب عَلَى ما سيأتي، ولا حاجة في هذا القسم إلى تحليف المدَّعِي، والقول في إِشهاد القاضي، وفي أداء الشهود الشهادة عند المكتوب إِليه، وفي دعوى الخصم، إِن كان هناك من يشاركه في الاسم عَلَى ما مرَّ في القسم الأول، وِإذا عدل الكاتب وشهود الحق، ولكن جاء ببينة على جَرْحهم فتسمع وتقدم على التعديل، وإنْ استمهل، ليقيم بينة الجرح، أمهل ثلاثة أيَّامٍ، فإنَّها مدة يسيرة، لا يعظم ضَرَر المدَّعِي بتأخير الحكم فيها، وبالمدعى عليه حاجة إلى مثلها، لاستحضار البينة، هكذا ذكره الأصحاب على طبقاتهم، وكذا لو قال: أبرأتني أو قضَيْت الحق، واستمهل؛ ليقيم البينة عليه، وقال: أمهلوني، حتى أذهب إلَى بلدهم وأجرحهم، فإني لا أتمكن من جرحهم إلاَّ هناك، أو قال: لي بينةٌ أخرى دافعةٌ هناك، لم يُجَب إِليه، بل يؤخذ الحقُّ منه، ثم إذا ثبت الجرح أو الدفع من وجْهٍ آخر، يسترد، قال في "الوسيط": ولا يخرج ذلك على ما إِذا كان الخصم حاضرًا، وظهر فسْقُ الشهود بَعْد الحكم، ففي الاسترداد ونقض الحكم، والحالة هذه، قولان، والفرقُ أنَّ هذا معذورٌ، والحاضر عند الشهود مقصِّرٌ، ولا فرق في ذلك بين كتاب الحكم وكتاب نقل الشهادة، وفي "العدة": أنه لو سأل المحكوم عليه إحلاف الخصْم عَلَى أنه لا عداوة بينه وبينهم، وقد حضر الخصم عند المكتوب إِليه إِجابة إِليه، ولو سأل إحلافه عَلَى عدالتهم، لم يجبه، وكفى تعديل الحاكمِ إِياهم، وأنه لو ادَّعَى قضاءَ الدَّيْن، وسأل إِحلافه أنه لم يستوفه، لم يحلف؛ لأنَّ القاضي الكاتب، قد أحلفه، وذكر صاحب "التهذيب" في مثله في دعْوى الإِبراء يحلفه عَلَى أنه لم يبرئه، فحصل في المسألة وجهان، والله أعلم.
وقوله في الكتاب فإن كتب الأول عدالتهما، وأشهد عليه التعرض للإِشهاد غير محتاج إليه في هذا الموضع؛ لأنه قد تبيَّن من قبل أن الاعتماد على الشهود دُون

جارٍ التحميل