العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 349-357

والثياب المَلْبُوسَة، والسُّتُورُ المُعَلَّقَةُ، والوَسَائِدُ الكَبيرَةُ المَنْصُوبَةُ، ولا بَأْسَ بها على الأرض، والبُسَاطُ الذي يُدَاسُ، والمخَادّ الذي يُتَّكَأُ عليها، وليكن في معناها الطَّبَقُ والخُوَانُ والقَصْعَةُ روي عن عائشة -رضي الله عنها- "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ من سَفَرٍ وقد سترت على صفة لها سِتْراً في الخَيْلِ ذَوَاتِ الأَجْنِحَةِ، فأمر بنَزْعَهَا" وفي رواية "قَطَعْنَا منها وِسَادَةً أو وِسَادَتَيْنِ، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَرْتَفِقُ بهما" 1. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن جِبْرِيلَ جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَعَرِفَ صَوْتَهُ، وهو خارج، فقال: ادْخُلْ، فقال: إِنَّ فِي البَيْتِ سِتْراً فيه تَمَاثِيلُ، فَاقْطَعُوا رُؤوسَهَا، واجْعَلُوهُ بُسُطاً أو وَسَائِدَ" 2. وفيما علق عن الإِمام الإِشَارَةُ إلى وَجْهِ تَخْصِيصِ المَنْعِ بالسُّقُوفِ والجُدْرَانِ، وترخص فيما على الستور والوَسَائِدِ المنصوبة، والظاهر الأول، والمعنى الفَارِقُ أن ما يُوطَأُ وُيطْرَحُ مُهَانٌ مبتذل، والمَنْصُوبُ منها يُشْبِهُ الأَصْنَامَ، ولا بَأْسَ بِصُوَرِ الأشجار والشمس والقمر.
روي عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- أنه لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ = الحرير، فإن منعناه فلا فرق وإن جوزناه وهو الأصح فلا ينكر وافتراش جلود النمور الباقي وتركها وستر الجدر بالحرير حرام على النوعين فيكون وجود ذلك عذراً.
انتهى.
قال في الخادم: ذكروا في باب اللباس أنه لو بسط على فراش حرير شيئاً وجلس عليه جاز ويصير الحرير كالحشو، وحينئذٍ فإذا أمكن ذلك فقد يقال: لا يكون وجود الفراش عذراً في الامتناع.

صَوَّرَ صُورَة عُذِّبَ وَكُلِّفَ أنْ يَنْفَخَ الرَّوحَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ وأتاه رَجُلٌ مصَوِّرْ، فقال: ما أعرف صَنْعَةً غيرها، قال ابن عباس -رضي الله عنه-: "إن لم يَكُنْ لك بُدٌّ، فَصَوِّرِ الأشجار وما لأنفس له" 1 وفي "شَرْحِ الجُوَيْنِيِّ" وجه أن صُوَرَ الأَشْجَارِ مَكْرُوهَةٌ؛ لأن منهم من كان يَعْبُدُ الأشْجَارَ أيضاً، وإذا كانت صُوَرُ الحيوانات مَقْطُوعَةَ الرؤوس فلا بَأْسَ على الظَّاهِرِ، وسَوَّى في "التتمة" بين أن يكون لها رؤوس، وبين ألاَّ يكون.
ودخول البَيْتِ الذي فيه الصُّوَرُ المَمْنُوعُ منها حَرَامٌ، أو مكروه؟ فيه وجهان: أحدهما: التحريم، وبه كان يجيب الشَّيْخُ أبو محمد، ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ، وَرَجَّحَ الإِمَامُ الكَرَاهِيَةَ، وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط"، ويحكى ذلك عن صاحب "التقريب" والصَّيدَلاَنِيِّ.
ولو كانت الصُّوَرُ في المَمَرِّ، دون موضع الجُلُوسِ، فلا بَأْسَ في الدخول والجُلُوس، ولا يترك إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ بهذا السبب، وكذلك لا بَأْسَ بدُخُولِ الحَمَّامِ الذي على بابه تَصَاوِيرُ.
هكذا ذَكَرُوهُ، ويمكن أن يكون [السبب فيه أَن الصُّوَرَ في الممر مَهَانَةٌ، وفي المجلس مَكْرُمَةٌ، وفَرْقٌ بينهما، كما فرق بين أن تكون] على الأرض، أو على الجِدَارِ وهذا يَجُرّ إلى تَجّوِيزِ التَّصْوِيرِ في المَمَرِّ.
ويحرم على المُصَوِّرِ التَّصْوِيرُ على الحِيطَانِ، والسقوف، ولا يستحق بها أُجْرَةً.
وفي نسج الثِّيَابِ الصورة وجهان: أحدهما: للتَّجْوِيزُ، وإليه ذهب الشَّيْخُ أبو محمد؛ لأنها قد لا تلبس.
والثاني: المَنْعُ، ورَجَّحَهُ الإِمام، وصاحب الكتاب في "الوسيط" تَمَسُّكاً بما ورد في الخَبَرِ من "لعن المُصَوِّرِينَ" 2، وطرد في "التتمة" الوجهين في التَّصْوِيرِ على الأرْضِ، ونحوها وكأن من ذَهَبَ إلى المَنْعِ قال: ليس له أن يُصَوِّرَ، لكن إن اتَّفَقَ يُسَامَحُ، ولا يُبْطَل ما صَوَّرَهُ.
وقوله في الكتاب: "إلا في ثياب الفُرُشِ" يُشْبِهُ أن يريد به الثِّيَابَ الصَّالِحَةَ للفُرُشِ، وأما ما لا يَصْلُحُ إلا للُّبْسِ، فاتِّخَاذُهُ كاتِّخَاذِا آلاَتِ المَلاَهِي.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَتْرُكُ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ بِعُذْرِ الصَّوْمِ بَلْ يَحْضرُ وَيُمْسِكُ في الفَرْضِ وَيُفْطِرُ في النَّفْل إِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى الدَّاعِي إِمْسَاكُهُ، وإذَا دُعِيَ جَمْعٌ سَقَطَ الفَرْضُ بِإِجَابَةِ بَعْضِهِمْ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصَّوْمُ ليس بعُذْرٍ في ترك إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ؛ روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيُطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيَصلْ" (1) أي: فليدع، وإذا كان صَائِماً، فالصَّوْمُ إما فَرْضٌ أو نَفْلٌ، إن كان فَرْضاً، وكان الوقت مُضَيَّقاً، فلا يجوز أن يُفْطِرَ، وإن لم يكن كالنَّذْرِ المطلق، وقضاء رَمَضَانَ، فهو كالمُضَيَق وَقْته، إن لم نجوز الخروج منه، وإن جَوَّزْنَاهُ فقد قيل: هو كَصَوْمِ النَّفْلِ.
وعن القاضي الحسين: أنه يُكْرَهُ الخُرُوجُ منه؛ لأن ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ، وقد يعوق عَائِقٌ عن التدارك، وإن كان صَوْمُهُ نَفْلاً، فإن لم يَشقَّ على صاحب الدَّعْوَةِ وِإِمْسَاكُهُ، فالأوْلَى أن يتم الصَّوْمَ، وإن شَقَّ عليه، فالأوْلَى أن يُفْطِرَ رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- حَضَرَ دَارَ بَعْضِهِمْ، فلما قدم الطعام، أَمْسَكَ بَعْضُ القَوْمِ، وقال: إني صَائِمٌ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يَتَكَلَّفُ لَكَ أَخُوكَ المُسْلِمُ، وَتَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ أَفْطِرُ ثُمّ أَقْضِ يَوْماً مَكَانَهُ" (2). وأما المُفْطِرُ، فينبغي إذا حَضَرَ أن يَأْكُلَ، وفيه وجهان: أحدهما: أنه واجب، وأقله لُقْمَةٌ؛ لأن المَقْصُودَ من الدعوة التَّنَاوُلُ، ولأن تركه الأكل يورث الوَحْشَةَ.
وأصحهما: أنه مُسْتَحَبٌّ لا واجب، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإنْ شَاءَ تَرَكَ" ولفظ صاحب "التتمة" يقتضي تَعْمِيمَ هذين الوجْهَيْنِ في جميع الصيامات، إذا حضر وأما قوله في الكتاب: "وإذا دعي جمع سقط الفَرْض بإجابة بعضهم" إن كان المُرَادُ منه ما إذا بعث لإحْضَارِ جَمْعٍ من غير تَعّيينٍ، فقد ذكرنا أنه لا افْتِرَاضَ هناك، فكيف نقول: يَسْقُطُ الفَرْضُ، وإن كان المراد ما إذا دَعَى جَمَاعَةً بأعيانهم، فالذي ذكره مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بافْتِرَاضِ الإِجَابَةِ، ثم هو جَوَابٌ على أحد الوجهين، وهو أنها فَرْضٌ على الكفَايَةِ، وقد مال إلى ترجيحه الحناطيُّ.

" فَرْعَانِ"

أحدهما: إذا دعاه مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، كَرِهْتُ إِجَايَتَهُ، كما تُكْرَهُ المُعَامَلَةُ معه، وإن علم أن عَيْنَ الطعام حَرَامٌ، لم يَخْفَ الحُكْمُ.12

والثاني: المَرْأَةُ إذا دَعَتِ النِّسَاءَ، فالحكم كما ذكرنا في الرِّجَالِ، وإن دعت رجالاً أو رَجُلاً، فتجاب إذا لم يَلْزَمْ خَلْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُفْتَقَرُ بَعْدَ تَقِدِيمِ الطَّعَامِ إِلَى لَفْظِ الإِبَاحَةِ بَلْ يَكْفِي قَرِينَةُ الحَالِ، ثُمَّ يَأْكُلُ الضَّيْفُ مِلْكَ المُضِيفِ (و) بِالإِبَاحَةِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الأَكْلِ، وَلَهُ أَنْ يَأخُذَ مِنَ المَطْعُومِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ المَالِكَ يَرْضَى بِهِ قَطْعاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: إحداها: للِضَيْفِ أن يَأَكُلَ إذا قُدِّمَ إليه الطَّعَامُ، من غير أن يَأْذَنَ صَاحِبُ الطعام لَفْظاً، إلا إذا كان يَنْتَظِرُ حُضُورَ غيره، فلا يأكل إلى أن يَحْضُرَ، أو يَأْذَنَ المُضِيفُ لَفْظاً.
وفي "الوسيط" وَجْهٌ أنه لاَ بُدَّ من لفظ، والظاهر الاكْتِفَاءُ بقرينة التَّقْدِيمِ، والقرينة أَثَرٌ ظَاهِرٌ في مثل هذا الباب.
وكذلك يجوز الشُّرْبُ من الحَبَابِ التي تُوضَعُ في الطُّرُقِ، وكان السَّلَفُ يَأْكُلُونَ من طعام إِخْوَانِهِمْ عند الانْبِساطِ، وهم غُيِّبٌ.
وفي "التتمة" أن تَقدْيمَ الطعام إنما يكفي إذا كان قد دَعَاهُ إلى بَيْتِهِ أما إذا لم تسبق الدعوة، فلا بدّ من الإِذْنِ لَفْظاً إلا إذا جعلنا المُعَاطَاةَ بَيْعاً، وقَرِينَةُ التَّقْدِيمِ لا تختلف بين أن تَسْبِقَ الدعوة أو لا تسبق 1. الثانية: هل يَمْلِكُ الضَّيْفُ ما يَأْكُلُهُ؟.
قال القَفَّالُ: لا، بل إِتْلافٌ بإِبَاحَةِ المَالِكِ، وللمالك أن يَرْجِعَ ما لم يَأْكُلْ.
وقال أكثرهم: نعم، وبم يَمْلِكُ؟ فيه وجوه.
قيل: بالوَضْعِ بين يديه.
وقيل بالأَخْذِ.
وقيل بِوَضْعِهِ في الفَم وقيل بالازْدِرَادِ نَتَبَيَّنُ حُصُولَ المِلْكِ قبيلة، وزَيَّفَ المُتَوَلِّي ما سِوَى الوجه الأخير، وذلكَ يقتضي تَرْجِيحَهُ، وعلى الوجوه ينبني التمكين من الرجوع.

الثالثة: ليس لِلضَّيْفِ التَّصَرُّفُ في الطَّعَام، بما سوى الأَكْلِ، ولا يجوز أن يَأْخُذَ منه مع نَفْسِهِ شَيْئاً، واستثنى ما إذا نَقَلَ ما يعلَم رِضَا المَالِكِ به، ويختلف ذلك بِقَدْر المَأْخُوذِ وجنسه، وبحال المُضِيفِ، والدعوة، فإن تَرَدَّدَ في أنه هل يَقَعُ في مَحَلِّ المُسَامَحَةِ، فقد أَنْشَأُوا فيه الوجهين، والظاهر التَّحْرِيمُ، وليس للضيف أن يُطْعِمَ السَّائِلَ، ولا أن يُلْقِيَ اللُّقْمَة إلى الهِرَّةِ، ويجوز أن يُلْقِمَ الأضياف بَعْضَهُمْ بَعْضاً، إلا إذا فَاوَتَ بينهم في الطعام، وليس للذين خصّصُوا بنوع أن يُطْعِمُوا منه غيرهم، ويكره للمضيف أن يفعل ذلك 1. ولا يجوز التَّطَفُّلُ، واستثنى المتولي وغيره، وقالوا: إذا كان في الدَّارِ ضِيَافَةٌ، جاز لمن بينه وبين صاحب الدَّارِ انْبِسَاطْ أن يدخل، وَيأْكُلَ إذا علم أنه لا يشقُّ عليه، وهذا قَرِيبٌ مما سَبَقَ في 2 وقد عرفت بهذه المَسَائِلِ أن الخِلاَفَ في أنه بم يَمْلِكُ؟ مخصوص بما يَأْكُلُهُ، ولا نقول بأنه يَمْلِكُ ما يوضع بين يديه، أو ما يَأْخُذُهُ بحال، ولو قيل به لما منع من النَّقْلِ، ومن إِطْعَامِ السَّائِلِ وسائر التَّصَرُّفَاتِ، وهي ممتنعة بالاتِّفَاقِ.
ومن آدَابِ الأَكْلِ أن يقول في الابْتِدَاءِ: بسم الله، فإن نَسِيَ، فإذا تذكَّر قال: بسم الله أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وأن يَغْسِلَ يَدَيْهِ قبل الأَكْلِ وبعده، وأن يأكل بالأَصَابع الثَّلاَثِ، وأن يَدْعُوَ لصاحب البَيْتِ، إذا أَكَلَ في ضِيَافَةٍ، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طَعِمَ عند سَعْد بن عُبَادَةَ، فلما فَرَغَ قال: "أَكَلَ طعَامَكُمْ الأبْرَارُ، وَصَّلَتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ" 3. ويكره أن يَأْكُلَ الإِنْسَانُ مُتَّكِاً، وأن يأكل مما يلي أَكِيلَهُ، وأَن يأكل من وسط القَصْعَةِ، وأعلى الثَّرِيدِ ونحوه، ولا بَأْسَ بذلك في الفواكه وأن يغيب الطعام وأن يَقْرِنَ بين التَّمْرَتَيْنِ، وما في معناهما 4، وأن يأكل بِشِمَالِهِ، وأن يَتَنَفَّسَ في الإِنَاءِ، أو يَنْفُخَ

فيه، ولا يكره الشُّرْبُ قَائِماً، وحمل ما وَرَدَ من النَّصْ على حَالَةِ السَّيْرِ 1. = لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه فإن قرن بغير رضاه فحرام إلى آخر ما ذكره.
قال في الخادم: ويحصل الجواز في ثلاث صور: إحداها: إذا قرن الآكلون.
ثانيها: إذا سامحوه بذلك.
ثالثها: إذا كان القارن هو المالك فله ذلك.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيجُوزُ نَثْرُ السُّكَّرِ وَالْتِقَاطُهُ فُعِلَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ هُوَ كَالصَّيدِ من يُثَبِّتْ عَلَيْهِ يَدَهُ لَمْ يُسْلَبْ مِنْهُ، وَمَنْ وَقَعَ في ذَيْلِهِ وَقَدْ بَسَطَهُ لِذَلِكَ يُؤْخَذِ مِنْهُ، فَإِنْ سَقَطَ كَمَا وَقَعَ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَبْسُطهُ لِذَلِكَ أُخِذَ مِنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجوز نَثْرُ السُّكَّر وِالجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، والتَّمْرِ، ونحوها في الإِمْلاَكَاتِ، وهل يُكْرَهُ؟ فيه وجهان: أحدهما: ويُحْكَى عن مالك نعم؛ لأنه يُؤْخَذُ باخْتِلاَسٍ، وانْتِهَابٍ، وقد يُؤَدِّي إلى الوَحْشَةِ والعَدَاوَةِ، ولأنه قد يَأْخُذُهُ من غَيْرُه أَحَبُّ إلى صاحب النِّشَارِ، وهذا هو المذكور في طَائِفَةِ من كُتُبِ الأصحاب منها "الشامل" و"التتمة".
وأرجحهما: أنه غير مَكْرُوه، لكن الأولى 1 تَرْكُهُ، وقد رُوِيَ عن جَابِر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حَضَرَ في أَمْلاَكٍ، فأتى بأَطْبَاقٍ عليها جَوْزٌ وَلَوْزٌ تَمْرٌ، فنثرت فقبضنا أيدينا، فقال: مالكم لا تأخذون، فقالوا: لأنك نَهَيْتَ عن النُّهْيَ فقال: "إِنَّمَّا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى العَسَاكِرِ، خُذُوا عَلَى اسْمِ اللهِ -تَعَالَى- فَجَاذَبَنَا وَجَاذَبْنَاهُ" 2، ويروى عَدَمُ الكراهية عن أبي حَنِيْفَةَ، وابن المنذر، وعن أحمد روايتان كالوجهين، ووضع الحناطي وأبو الفَرَجِ الزاز الخِلاَفَ في الاسْتِحْبَاب، فيخرج من الطريقين ثَلاثَةُ أوجه مُسْتَحَبٌّ، مَكْرُوهٌ، وهذا ولا ذاك.
والْتِقَاطُ النِّشَارِ جَائِزٌ، لكن تركه أَوْلَى، إلا إذا عرف أن النَّاثِرَ لا يُؤْثِرُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ، ولم يقدح الالْتِقَاطُ في مُرْوءَتِهِ 3.

ومن الْتَقَطَهُ لم يؤخذ منه، وهل يملكه؟ فيه وجهان عن الدَّارِكيِّ.
أحدهما: لا؛ لأنه لم يوجد لَفْظُ مَمْلُوك ولا تَمْلِيك لمعين.
والثاني: نعم، اعْتِبَاراً بالعَادَةِ، ورأى المتولي أن أَصْلَ هذا الخلاف، الخِلاَفُ في المُعَاطَاةِ، لكن الأئِمَّةَ إلى ثبوت المِلْكِ هاهنا أَمْيَلُ، فإن قُلْنَا بالوَجْهِ الأول، فَلِلنَّاثِرِ الاسْتِرْجَاعُ وبه أجاب القاضي ابْنُ كَجٍّ، ولكن قال: له الاسْتِرْجَاعُ ما لم يخرج المُلْتَقِطُ من الدَّارِ، وعليه الغُرْمُ إن كان أَتْلَفَهُ، وإن قلنا بالثاني، فيخرج عن مِلْكِ النَّاثِرِ بالنَّثْرِ، أو يأخذ المُلْتَقط، أو بِإتْلاَفِهِ، فيه ثلاثة 1 أوجه مَذْكُورَةٌ في "شرح الجويني" وكل هذا قَرِيبٌ مما سَبَقَ في الطعام المُقَدَّمِ إلى الضيف، ومن وَقَعَ في حِجْرِهِ شيء من النِّشَارِ، فإن بَسَطَهُ لذلك لم يُؤْخَذْ منه، ونزل مَنْزِلَةَ الأَخْذِ باليد، فإن سَقَطَ، كما وقع، فهل يَبْطُلُ حَقُّهُ؛ لأنه لم يَسْتَقِرَّ أَوْ لا يَبْطُلُ، ويمنع الغير من أَخْذِهِ، حكى في الكتاب وَجْهَيْنِ، وأَجْرَاهُمَا الإِمَامُ فيما إذا وقع الصَّيْدُ في الشَّبَكَةِ، وأَفْلَتَ في الحال، وقال: الظَّاهر أن حَقَّهُ يبقى بحاله، ويمنع الغير من أَخْذِهِ، فإن لم يَبْسُطْ هِجْرَهُ لذلك، فلا يملكه؛ لأنه لم يُوجَدْ منه قَصْدُ تملك، ولا فعل، فلو نَقَضَهُ، فهو كما لو وَقَعَ على الأرض أو لا وإلا فهو أَوْلَى به من غيره، فلا يَنْبَغِي لغيره أن يَأْخُذُهُ، فإن أَخَذَهُ فهل يملك؟.
فيه وجهان جاريان فيما لو عَشَّشَ الطَّائِرُ في مِلْكِهِ، وأَخَذَ الفَرْخَ غَيْرُهُ، وفيما لو دخل السَّمَكُ مع الماء حَوْضَهُ، وفيما إذا وقع الثَّلْجُ في ملكه، فأخذه غَيْرُهُ، وصورة التَّعْشِيشِ قد تَعَرَّضْنَا لها عند ذِكْرِ الخِلاَفِ، فيما إذا أحيا ما يحجره غيره، لكن الأَصَحَّ أن المُحْبِي يَمْلِكُ، وفي هذه الصورة مَيْلُهُمْ إلى المنع أكثر، ويمكن أن يُفَرَّقَ بأن المُتَحَجِّرَ غَيْرُ مَالِكٍ، وليس الإِحْيَاءُ تَصَرُّفاً في مِلْكِ الغَيْرِ، وفي هذه الصورة الأَخْذُ متصرف في مِلْكِ الغير بِدُخُولِ غيره، ولو سَقَطَ من حجره قبل أن يقصد أخذه، أو قام، فَسَقَطَ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ، كما لو مَلَكَ الفَرْخُ جِمَاحَهُ فطار يجوز لغير صَاحِب الدَّارِ أخذه بلا خِلاَفٍ، ثم أَوْلَوِيَّةُ من وقع في حِجْرِهِ مخصوصة بما إذا كان ممن يَأْخُذُهُ.
فأمَّا من يعلم أنه لا يَأْخُذُهُ ولا يَرْغَبُ فيه فلا اخْتِصَاصَ له به وَيجُوزُ لغيره أَخْذُهُ منه بذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره ويُكْرَهُ أخذ النِّثَارِ من الهَوَاءِ بالمُلاَءَةِ، والأُزُرِ = قصده، وإنما قصد به قصد الجماعة فأكرهه لأخذه لأنه لا يعرف حظه من حظ من قصد به بلا إذنه وأنه خسة وسخف.
ونقل هذا النص بحروفه الأذرعي في القوت.
قال: ونقله في الروضة في كتاب الشهادات عن الشامل وتبعه عليه وجزم به الجماهير لا سيما العراقيون وليس في الإِبانة والتتمة سواه إلى آخر ما ذكره.

المَرْبُوطَةِ بِرُؤوسِ الخَشَب وإن أخذه كذلك اسْتَحَقَّ، ونَثْرُ الدَّرَاهِم والدَّنَانِير أَلْحَقَهُ المَسْعُودِيُّ لِنَثْرِ السُّكَّرِ.
وقوله في الكتاب: "فعل بين يَدَيْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" أَرَادَ به ما ذَكَرْنَاهُ من حديث جَابِرٍ -رضي الله عنه-.
وقوله: "هو كالصَّيْدِ.... " إلى آخره تَشْبِيهٌ بالصَّيْدِ يوافق الوَجْهَ الذَّاهِبَ إلى أن النِّثَارَ يُملَكُ فَإِخلاَقُ أَكثر النَّقَلَةِ على هذا منطبق.
وقوله: "وإِنْ لم يَنْسُطهُ لذلك، أُخِذَ منه" هذا الإِذْنُ والتَّرْخِيصُ إنما يظهر فيما إذا كان الشَّخْصُ ممن لا يَرْغَبُ فيه، فأما من يجوز أن تَزِيدَهُ، فقد ذَكَرْنَا أنه أَوْلَى به، وليس لغيره الأَخْذُ منه، والكَلاَمُ في أنه لواحده هل تستحقه؟ والله أعلم.

جارٍ التحميل