(1)، وَفِيه بَابَانِ
الْبَابُ الأَوَّلُ في الالْتِقَاطِ وَحُكْمِهِ
قال الغَزَاليُّ: وَكُلُّ صبِيِّ ضَائِع لاَ كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَفِي وُجُوبِ الإِشْهادِ عَلَيْهِ خِيفَةً مِنَ الاستِرْقَاقِ خِلاَفٌ (و) مُرَتَّبٌ عَلَى اللُّقطَةَ، وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ، وإنْ كَانَ اللَّقِيطُ بَالِغاً فَلاَ يَلْتَقِطُ، وَإِنْ كَانَ مُمَيَّزاً فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصَّبِىُّ الموضوعُ في الطرِيقِ الضَّائِعُ يُسَمَّى منبُوذاً باعتبار أنه يَبْدُو لَقِيطاً وَمَلْقُوطاً باعتبار أنهُ يُلْقَطُ، واستَأْنَسُوا لِأصْل الباب بِقولِهِ تَعَالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] وبِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ﴾ [المائدة: 2]، وَبما رُوِيَ عَنْ سنين أبو جَمِيلَةَ؛ أَنَّهُ وَجدَ مَنْبُوذاً، فجاءَ بهِ إلَى عمر بْنِ الخَطَّاب -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-؛ فَقالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ "، فَقَالَ: وَجَدتُّهَا ضَائِعَةً، فَأَخَذْتُها، فَقَالَ عَريفُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رجل صَالِحٌ، فَقَالَ كَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ، فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلاَؤُءُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ" 2.1
وَلَمَا كَانَ التقاطُ المنبوذِ مُنَاسباً لِلُّقطَةِ، وَمُشَارِكاً لَهَا في كثيرِ مِن الأَحْكَامِ، وصل أَحَدَهُما بالآخَرِ، والكلامُ فيهِ كَمَا في اللقطة الأركانِ، والأحكامِ.
ثُم الأَحكَامُ تنقسمُ إلَى ما يَطَّردُ، وإلَى ما لاَ يَطَّرِدُ، بلْ تَخْتَلِفُ بحَسَبِ حَالِ اللَّقِيطِ، وأَحْكَامِهِ، وفيهِ أكثرُ النَّظَرِ، فأدرجُ صاحبُ الكتابِ -رحمه الله- مقَاصَدَهُ في بابَيْنِ: أحدُهُما في الأَرْكَانِ والأَحْكامَ العامَّةِ، والثاني في أَحْكَامِ اللَّقِيطِ.
أما الأولُ: فالأرْكَانُ ثلاثةٌ:
أَحَدُهَا: في نَفْسِ الإلْقاطِ وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الكِفاياتِ 1؛ صِيانةً للنَّفْسِ المُحْتَرَمَةِ عَن الهَلاَكِ، وفي وُجُوبِ الإشْهَادِ، إذَا أَخَذَ اللَّقِيطُ طريقان:
أحدُهُما: أنَّه عَلى وَجْهَيْنِ أو قَوْلَيْنِ، كَمَّا قدمنَّاهُ في "اللُقَطَةِ"، وَهُمَّا فيمَّا ذَكَرَ القَاضِي ابنُ كج علَى سَبِيلِ النَقلِ والتَخريج؛ لأنَّه نصَ هَاهُنا علَى الوُجُوب، وفي "اللُقَطَةِ" عَلَى الاسْتِحبَاب، وأظهَرهمَا القطعُ بالوُجوب بخلافِ اللُقَطَةِ، فإنَّ الَمَقصُود فيها المالُ والإشهادُ في الَتصرفَاتِ المَاليةِ مستحبٌ، وفي اللَقيط يحتاجُ إلى حِفْظِ الحريةِ والنسبِ، فجازَ أنْ يَجِبُ الإشهَادُ عليهِ كمَّا في النكَاحِ.
وأيضاً، فاللُقَطَةُ يَشيعُ أمرُهَا بالتَعريفِ، ولا تَعريفَ في اللَقِيطِ، وقَد يُعبَر عن الطريقتين بِترتيبِ الخلافِ علَى الخلافِ في اللُقَطَةِ، بَل ذُكِرَ في الكِتَابِ، إنْ أوجَبَنَا = نفقته من بيت المال، وعلقه البخاري بمعناه، وأخرجه البيهقي من طريق ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سنيناً أبا جميلة يحدث سعيد بن المسيب قال: وجدت منبوذاً على عهد عمر، فذكره عريفي لعمر، فأرسل إليّ فدعاني، والعريف عنده، فلما رآني مقبلاً قال: عسى الغوير أبؤسًا، قال التعريف: يا أمير المؤمنين إنه ليس بمتهم، قال: على ما أخذت هذه النسمة؟ قال: وجدتها بمضيعة فأردت أن يأجرني الله فيها، قال: هو حر، وولاؤه لك، وعلينا رضاعه.
الأول: يقع في نسخ سنين بن جميلة، والصواب: سنين أبو جميلة وهو صحابي معروف، لم يصب من قال إنه مجهول.
الثاني: اسم التعريف المذكور سنان، أفاده الشيخ أبو حامد في تعليقه.
الإشهَادَ ثُمَّ فَهَاهُنَا أولَى، وإلاَّ ففِيهِ الخلافُ.
وحَكَى الإمامُ وَجهاً ثالثًا، وهوَ الفرقُ بينَ أنْ يكونَ ظاهرُ العَدالةِ، فلا يكَلِفُ الإشهَّادَ أو مستورُهَا فيكلف؛ ليَصيرَ الإشْهَادُ قَرِينَةً تَغلِبُ على الظنِ الثقة.
وإنْ أوجَبنَا الإشهَادَ، فلو تَرَكَهُ قالَ في "الوَسِيطِ": لا تَثبتُ لهُ ولايةَ الحَضانة، ويجوزُ الانتزاعُ، وهَذا يشعرُ باختصاصِ الإشهَادِ الوَاجب بابتداءِ الالتِقَاطِ 1، وإذَا أشهد فَليشْهَد على اللَقيطِ، ومَا مَعَهُ، نَصَ عَليهِ 2.
الركنُ الثاني: اللَقِيطُ، وقَد ضَبَطَهُ في الكتاب، فَقالَ: كلُ صبى ضائعٍ لا كَافلَ لَهُ، فالتِقَاطُه مِنْ فروضِ الكفايَّاتِ، فيخْرُجْ بقَيدِ الصَّبَيِّ البَالِغ، فإنَّهُ مُستغنٍ عَنَ الحضَّانَةِ والتَعَهُد، فلاَ معنى لالتِقَاطِهِ 3، نَعَم لكن الوقوع في مِعرض هِلاك أعين ليتخَلَص، وفي الصَبيِ الذي بَلَغَ سن التمييزِ تَرَددٌ للإمام أحدُ الاحتمالَين: أنَّهُ لا يُلتَقَط؛ لأنَّه كَضَّالةِ الإبلِ في أنَّهُ مُستقل مُمتنعٌ، فلاَ يتولَى أمرَهُ إلاَ الحاكِمُ.
وأوفقُهُما لكلامِ الأَصحَابِ أنَّهُ يُلتَقَطُ لحاجَتِهِ إلى التعهدِ والتربية.
وأمَّا الضائعُ فيجوزُ أنْ يريد بهِ غيرُ المُميزِ؛ لأنَّ المُمَيزُ يتدارَكْ أمرَهُ بتَمييزِهِ، وأمَّا
امتنَاعهُ، فلاَ يكونُ ضائِعاً، والأحسنُ حَمْلُهُ علَى المنبُوذِ, فإنَّ غَيرَ المنبوذِ، وإنْ لمْ يكُنْ لهُ أبٌ، ولاَ جَد، ولاَ مَضَى من جهتِهمَّا فحفظه مِنْ وظيفة القَاضي، فيسلمه إلى مَن يقومُ بهِ؛ لأنَّهُ كان لَه كافلٌ مَعلومٌ.
فإذا فُقِدَ قامَ القَاضِي مقَامَهُ، كما أنَّه يَقومُ بحفظِ مالِ الغَائِبينَ المَفقُودينَ، والمنبُوذِينَ يُشبهُونَ بِاللقَطَةِ، فلمْ يُخْتَصْ حفظهم بالقَاضِي، ذَكَر ذَلكَ الشيخُ أبُو مُحَمَّد.
وأمَّا قَوْلُهُ: "لا كافِلَ لَهُ"، فَالمرادُ مِن الكَافِلِ الأبُ والجَدُ، ومَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمَّا، والمُلتَقِطَ مِمَن هُوَ في حضَانةِ أحَدِ هَؤلاءِ، ولاَ مَعنىً لالتِقَاطِه إلاَ أنَّهُ لو حَصَلَ بمَضْيعَةٍ أخذ لِيُرَدُّ إلى حاضنه 1.
وقَولُهُ في وجوب الإشْهَادِ عليه "خَشْيةً مِن الاسترقَاق" لو آخر ذكر خشية الاسترقاق عن قوله: "خلاف مرتب" كان أحسن، فإن خشية الاسترقاق عن خلاف جهة الترتيب.
وقَولُهُ: وإنْ كَانَ اللَقيْطُ بَالِغاً، أيْ الذي يَقْصِدُ التِقَاطَهُ، وإلاَّ فَهُوَ غَيرُ مَلقُوطٍ، وَقَد يوجد في النُسَخْ، و"إنْ كانَ الصَبيُ بالِغاً" وَهُوَ مختل.
قال الغَزَالِيُّ: وَوِلاتةُ الالْتِقَاطِ لِكُلِّ حُرٍّ مُسْلِمٍ عَدْلٍ رَشيدٍ، أَمَّا العَبْدُ وَالمُكاتَبُ إِذَا الْتقَطَا بِغَيْرِ إِذنِ السَّيِّدِ انْتُزعَ مِنْ أَيْدِيهِمَا فَإنَّ الحَضَانَةَ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ، وَإنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فَهُوَ المُلْتَقِطُ، وَالكَافِرُ يَلْتَقِطُ الصَّبِيَّ الكَافِرَ دُونَ المُسْلِم لأَنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ، أَمَّا المُسْلِمُ فَيَلْتَقِطُ الكَافِرَ، وَأَمَّا الفَاسِقُ فَيُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ، وَكَذَا المُبَذِّرُ فإنَّ الشَّرْعَ لاَ يَأْتَمِنُهُمَا، وَأَمَّا الفَقِيرُ فَهُوَ أَهْلٌ لَهُ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: الركنُ الثَالِثُ: المُلْتَقِط، وُيعتَبَر فيهِ أمورٌ:
أحدُهَا: التَّكْلِيفِ، فلاَ يَصِح التِقَاطِ الصَبيِ والمجنون وهَذا أهْمَلَهُ في الكِتَابِ لوُضُوحِهِ.
والثاني: الحُرِيَةُ، فالعَبْدُ إذَا التُقِطَ يُنْتَزعُ مِن يَدِهِ إنْ لمْ يأذَنْ السَيدُ, لأنَّ الحَضَانَةَ تبرع وليسَ لهُ أهْلِيَّةُ التبرعِ، وإنْ أذِنَّ السَيدُ أوْ عَلِمَ بِهِ، فأمره في يَدِهِ جَازْ، وكَانَ السيدُ المُلْتَقِطُ، وهو نائبه في الأخذِ والتربية.
وَالمُكَّاتَبْ إذَا التَقَطَ بِغَيرِ إذْنِ السَيِدِ انتُزعَ أَيضاً من يَدهِ، وإنْ التَقَطَ بإذْنِهِ جَاءَ فيهِ الخِلاَّفُ في تَبَرُعَاتِهِ بالإذْنِ، لكنَّ الظاهرِ المَنعِ لأنَّ حَقَ الحَضَانَةِ ولاَيَةٌ، وَلَيسَ المكَاتَبُ من أهْلِ الولاَياتِ.
وقولُهُ في الكِتَابِ: "فإنْ أذُنَ السَيدُ فَهُوَ الملتَقِطُ" ظَاهِرٌ، في العَبْدِ، فإنْ رَجَعَ إلَى المُكاتَب -أيضًا- فَهُوَ مَفروضٌ فِيمَّا لو قَالَ: التَقَطُتُه لي، ويشبِه أن يكون على الوجهين في التوكيل بالاصطياد.
وأمَّا إذا قَالَ التَقطته لِنفْسِكَ، فَفيهِ مَا سَبَقَ.
وذُكِرَ في "المعتمد" وجهَين: فِيمَّن نصفُهُ حر ونصفُهُ عبد إذَا التَقَطَ في يوم نَفسِهِ، هَلْ يستحِقُ الكفَالَةَ 1؟
والثَالِثُ: الإسْلاَمْ، فالكَافِرُ يلتَقِط الصبي الكافرَ دُونَ المُسْلِم؟ لأنَّهُ نوعٌ ولايةٍ وتَسلْطِ، وللمُسلِم التقَاطُ الصبي المحكومِ بكُفْرِهِ، وسَتَعْرِف أنَّ اللَقيطَ مَتى يُحكَمْ له بالإسْلاَم ومتَى لا يُحكَمْ لهُ؟
والرابع: العَدَالَةُ، فليس للفاسِقِ الالتِقَاطُ 2، ولَو التَقَطَ انتُزعَ مِنهُ، فإنَّهُ غَيُر مؤتمن شَرعاً، ويُخَافُ مِنْهُ الاسترقاق وسوءُ التَربيةِ، ويخالِف اللُقَطَةَ حيثُ تقر في يدهِ على رأي؛ لأنَّ فِيهَا معنَى الأكساب، ولا يَحتاجُ إلَى ردِهِ إليهِ بعدَ التَعريفِ للملِكِ، فجازَ أنْ يُتْرَك في يدهِ بشرط الاحتيَاطِ.
ومن ظاهر حاله الأمانة، إلاَّ أنَّه لم يختبر فلا يُنْزَعُ من يده، لكن يوَكَل به الإمامُ يُراقِبهُ من حيث لا يَدْرِي كيلا يتأذى، فإذا وثَقَ به صار كمعلوم العدالة، وقبل ذلك لو أراد المسافرة به مُنِع وانْتُزِعَ منه؛ لأنَّه لا يؤمن أن يسترقه، وأن يكونَ إظهاره العدالةَ لمثل هذا الغرضِ الفاسدِ.
واعلم أنَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال في المختصر: "وإنَّ أراد الذي التقَطه
الظعن به، فإنْ كان يؤمن من أن يسترقَه فذلك له، وإلاَّ منعُه"، يعني الحاكم.
واعْتُرِضَ عليه بأنَّ الفاسِقَ الذي لا يؤمن لا يقر اللقيط في يده سافر به، أم لمْ يسافر؟ فكيف خصّ المسافرَ بالمنعِ؟ وأجاب أكثرُ الأصحابِ بحمله على ظاهرِ العدالةِ المستور الحال كما سبق.
ومنهمِ من سَلَّم أنَّه أراد الموثوق بعدالته ظاهراً وباطناً.
وقال: قد يكونُ مأموناً في بلدة ثم يُخْشَ منه عند السفر، وهذا يسوقنا إلى خلافٍ في جواز مسافرة العدل الموثوق به باللقيط، وسيأتي من بعد، إن شاء الله تعالى.
وقال بعضُهم: المرادُ ما إذا أحدث ما يغير أمانته، أو يوقع ريبة في حاله.
الخامس: الرشد، فالمبذر المحجور عليه لا يُقَرُّ اللقيط في يده؛ لأنَّه ليس مؤتمناً شرعًا، وإنْ كان عدلاً.
ولا يُشْتَرَط في الملتقط الذكورة؛ بل الحَضَانَة بالإناث، ولا كونُه غنياً إذ ليست النفقةُ على الملتقط، والفقير أهلٌ للحضانةِ كالغني.
وفي "المهذَّب" وجهٌ آخر، أنَّه لا يقرُّ في يد الفقير؛ لأنَّه لا يتفرعُ للحضانة لاشتغاله بطلب القوت.
والصحيحُ الأولُ وهو المذكور في الكتاب.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَو ازْدَحَمَ اثْنَانِ قُدِّمَ مَنْ سَبَقَ، فَإِن اسْتَوَيَا قُدِّمَ الغَنِيُّ (و) عَلَى الفَقِيرِ، وَالبَلَدِيُّ عَلَى القَرَويِّ، والقَرَوِيُّ عَلَى البَدَويِّ، وَكُلُّ ذَلِكَ نَظَراً لِلصَّبيِّ، وَظَاهِرُ العَدَالَةُ مقَدَّمٌ عَلَى المَسْتُورِ في أَقْيَس الوَجْهَيْنِ، وَإنْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أُقْرعَ بَيْنَهُما وَسُلَّمَ اِلَى مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ.
قَالَ الرَّفِعِيُّ: إذا ازْدَحَمَ اثنانِ عَلَى لَقِيطٍ، نُظِرَ: إنْ ازْدَحَمَا عَلَيه، قَبْلَ الأخْذِ وَقَالَ كلُّ واحدٍ مِنهما: أنَا آخُذُه وأحْضُنُه، جَعَلَه الحاكمُ في يدِ مَنْ رآه مِنْهُما، أو مِنْ غَيرِهِما؛ لأنَّه لا حقَّ لَهُما قبل الأخذِ 1.
وإنْ ازدَحَمَا بعدَ الأخْذِ، فإنْ لم يكنْ أحدُهمَا أَهْلاً للالتِقَاطِ، مُنِعَ وَسُلَّم اللقيطُ إلى الآخَرِ، وَذَلِك بأنْ يَكُونَ أحدُهُما عدْلاً، والآخرُ فاسِقاً، فإنْ كانَ كلُ واحدٍ منهما أهلاً، نَظِر إن سَبقَ أحدُهما إلى الالتقاطِ، مُنِع الآخرُ من مُزَاحَمَتِه.
وهل يثبُتُ السَّبقُ بالوُقوفِ على رَأْسِهِ من غيرِ أخْذ، فيه وجهانِ عن الشيخ أبي محمدٍ:
أظهرُهُما: المنعُ، وإنْ لم يسبقْ واحدٌ منهما، فقد يختَصُّ أحدُهُما بصفَةِ تقَدِّمُهُ، وَقَدْ يَستَوِيانِ، والصِّفاتُ المُقَدِّمَةُ أربعٌ:
أحدُها: الغِنَى، فإن كانَ أحدُهُما غَنِياً، والآخَرُ فَقيراً: فَوَجْهانِ:
أحدُهَا: أنَّهما يَسْتَويانِ؛ لأنَّ الفقيرَ أهلٌ كالغَنِيِّ، وأظهرُهُما وبِهِ قَالَ أبو إسحاقَ، وَهوَ المذْكُورُ في الكِتَابِ، أنَّ الغَنِيَّ أَوْلَى، لأنّه رُبَّما يُواسِيهِ بماله، ولأنَّ الفَقيرَ قَدْ يَشتَغِلُ بِطلبِ القُوتِ عن الحضَانَةِ، وعلَى هَذَا فَلَوْ تَفَاوَتَا في الغِنَى، حَكَى الإمامُ وَجْهَيْن في أنَّه هَلْ نُقَدِّم أكْثَرُهُما 1 مالاً؟
الثَّانيةُ: أنْ يكونَ أحدُهُما بَلديًّا، والآخرُ قَرَويًّا، أو بَدَوِيًّا، أو أحدُهُما بلديًّا أو قَرَويًّا، والآخرُ بَدَوِيًّا.
والقَوْلُ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْهم، مَبْنيٌّ على انْفِرَادِهِم بالالتِقَاطِ، ويلتحق بهما نَقلُ اللَّقيط من مَوْضِعَ الالتقاط.
والثاني 2: أنْ نَذكرها مجموعةً من الفصل الثالثِ مِن هَذا الفَصْل؛ حيث تَكلم من نَقْلِهِ.
الثَّالِثَةُ: مَنْ ظَهَرتْ عَدَالَتُهُ بالأخبار من تَقَدُّمِهِ على المسْتُورِ، وجهانِ:
أحدُهُما: وبِهِ قَطَعَ الشَّيخُ أبو محمدٍ، أنَّه يتقدمُ احتياطًا للصبي.
والثَّاني: أنَّهما سواءٌ؛ لأنَّ المستورَ لا يُسلَّم مزية للآخَرِ، ويقولُ: لاَ أتْرُكُ حَقِّي؛ إن لمْ تَعْرفُوا حالِي.
الرَّابعَةُ: الحرُّ أَوْلَى من المُكَاتَبِ، وإنْ كانَ التقاطُه بإذنِ السَّيِّدِ؛ لأنه ناقص من نفسه وليسَ يده يد السيد، وأما إذا كان أحدهما عبدًا التقط بإذن السيد فالنَّظرُ إلى السَّيِّد والآخَرُ.
ولا تُقَدَّمُ المرْأةُ على، الرَّجلِ، بخلافِ الأمِّ تتقدم على الأَبِ في الحَضَانَةِ؛ لأنَّ المراعي هُنَاكَ شفقة الأُمُومَةِ في الحضانة.
وكَذا لا يتقدَّمُ المُسْلمُ على الذِمِّيِّ في اللَّقِيطِ المحكوم بكفْرِه، وفي "آمالِي أبي الفَّرَجِ" المَيْلُ إلى تقديمِ المُسْلِم ليُعَلَّمِه دِينَه.
وفي بعْضِ الشُّروحِ، تقديمُ الكَافِر؛ لأنَّه على دِينِهِ.
واعلم، أنَّ صاحبَ الكتاب اعتَبَر في "الوسيطِ" صفاتِ التَّرْجِيحِ، أوَّلاً، ثم قال: فإنْ تَسَاوَيَا في الصِّفاتِ، قُدِّمَ السَّابقُ إلى الآخذ، فَهَاهُنَا اعْتُبرَ السَّبقْ أوَّلاً، ثمَّ إن
تَسَاوَيَا، فحينَئذٍ، نُظِرَ إلى الصِّفَاتِ المُرَجِّحَةِ.
والصوابُ الموافقُ لنَقْلِ الأصحابِ ما ذكرَهُ هَاهُنَا، هَذا إذا اخْتُلِفَ في حالِ المُزْدَحِمينَ.
أمَّا إذا تَسَاوَيا وتشاحا قال الشَّافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يُقْرَعُ بَينَهُمَا ووجهه الأصحاب، بأنه -إما أن يخرجَ من أيديهما، وفيه إبطالُ حقهما الثابت في الالْتِقَاطِ، أو يُتْرَكَ في أيديهما إمَّا جميعًا، والاجْتِمَاعُ على الحضَانَةِ شاقٌ أو متعذر، وأمَّا بالمُهَايَأَةِ، وفِيهِ إضرارٌ باللَّقِيطِ لِمَا في تَبَدُّلِ الأيدي من قطعِ الإلف، واختلافُ الأغذية والأخلاق، أو يخصَ أحدَهُما بلا قُرْعَة، ولا سبيلَ إليه لتساويهما فوجب المصيرُ إلى القُرْعَة كالزوج يسافر بإحدى زوجاته، فإنَّه يُقْرَعُ.
[و] قال أبو علي: هاهنا طريق الترجيح، [و] هو أن يجتهدَ القاضي، فمن رآه خيراً للقيط أمرَهُ في يده، لكن إذا تحير القاضي أو استويا في اجتهاده فلا سبيلَ إلى التوقف، ولا بد من مرجوع إليه نسب صاحبُ الكتاب هذا الوجهَ في "الوسيط" إلى ابن أبي هريرةَ والمذكور في "المهذب" وغيره حكايته عن ابنِ خيران.
قال الأئمة: ولا يخيّر الصبيُ بينهما، وإن كان له سَبعِ سنين فأكثر بخلاف تخيير الصبي بين الأبوين عند بلوغِه سن التمييز، لأنَّه يعوّل هناك: على الميل الناشئ من الولادة، وهذا المعنى معدوم في اللقيط، وأبدى الإمام في "النِهاية" احتمالاً فيه.
وقال: يجوز أن يُقَالَ يخيَّر، ويجعل اختياره أولى من القُرْعَة، ثم إنَّه صوَر ذلك فيما إذا التقطَه اثنان، [و] لم يتفق فصلُ الأمر بين المزدحمين حتى بلغ اللقيطُ سن التمييز، وهذا لائق به، حيث تردد في أنَّ المميزَ هل يَلتقطَ [غير الممَيز] 1 لكنَّ تصويرَ التوقف إلى أنْ تطولَ المدةُ وينتهي غير المميز إلى حد التمييز كالمستبعد، وظاهر ما أجراه الأصحاب الفرص فيمن التقطَ وهو مميز، وإذا خرجت القُرْعَة لأحدهما فترك حقه إلى الآخر لم يجزْ، كما ليس للمنفرد نقلُ حقِه وتسليم اللقيط إلى غيرِهِ 2.
ولو قال قبل القُرْعَة تركتُ حقي ففي انفراد الآخر به وجهان:
أصحهما: الانفراد؛ لأنَّ الحقَ لهما، فإذا أَسقَطَ أحدُهما حقَه ينتقل إلى الآخرِ، كالشفيعين.
والثاني: المنعُ، كما لو تُرِكَ حقَهُ بعد خروج القُرْعَة، بل يرفع الأمرُ إلى الحاكم حتى يقرَه في يد الآخر إنْ رآه، وله أنْ يختارَ أميناً آخر فيقرع بينه وبين الذي لم يترك حقَه 1. وذكر الإمامُ تفريعاً على الوجه الثاني أن التاركَ لا يتركه الحاكمُ، بل يقرع بينه وبين صاحبهِ، فإن خرج عليه ألزمه القيام بحضانته 2 بناءً على أن المنفردَ في الالتقاط لا يجوزُ له التركُ، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-.
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ مَنِ الْتَقَطَهُ يَلْزَمُهُ الحَضَانَةُ وَلاَ يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ عَجَزَ سَلَّمَهُ إلى القَاضِي، فَإِنْ تَبَرَّمَ مَعَ القُدْرَةِ لَمْ يُسَلَّمْ إلَى القَاضِي عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأَنَّهُ شَرَعَ في فَرْضِ كِفَايَةٍ فَيَلْزَمُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلامُ في هذا الموضع إلى آخِرِ البابِ في أَحْكَامِ الالتقاطِ، فَمِنْهَا: أن الَّذِي يَلْزَمُ الملْتَقِطَ حِفْظُ اللَّقِيطِ ورعايتُهُ.
فامَّا النفقةُ، فهي غيرُ واجبةٍ عَليْهِ، وسنتكلَّم في أنَّه من أَيْنَ ينفق عليه، فإنْ عجزَ عن الحِفْظِ، لأَمْرٍ عَرَضَ يسلمه إلى القَاضِي، وإن برم به مع القُدْرَة، فوجهان؛ بناءً عَلَى أنَّ الشُّرُوعَ في فروضِ الكفاياتِ، هل يلزَمُ الإتمام، وهل يصير الشارع متعيَناً، وموضِعُ الكلام فيه كتابُ "السِّيَر" والظاهرُ هاهنا أنَّ له التسليمَ إلى القاضي، ورأى القاضي ابنِ كج القَطع بِهِ بَعْدما حَكَى الوجْهَيْنِ 3.
ولا شكَ في أنَّه يَحْرُمُ علَيه نَبْذُه وردُّهُ إلَى ما كان.
وقوله: "ثُمَّ مَنِ الْتَقَطَ، يلزَمُه الحضانةُ" لفظ "الحضانة" يُستَعْمَلُ كثيراً في الباب، وكأن المرادَ منْه الحفْظُ والتربيةُ لا الأعمالُ المفصَّلةُ في الحضانة والإجَارَة؛ فإنَّ فيها مَشَقَّةَ ومؤنَةً كثيرةً، فكيف نُلْزِمُ من لا تلزمُه النفقة، وقد أوضحه صاحبُ "التهذيب" فقال: ونفقةُ اللقيطِ وحضانتُه في مالِه، إن كان له مالٌ.
ووظِيفة الملتقط حفظه وحفظُ مالِه، هذا معنى كلامِه.
قال الغَزَالِيُّ: وَعَلَيْهِ حِفْظُهُ في مَوْضِعِ الْتِقَاطِهِ، فَإنْ نُقِلَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى قَرْيَةٍ أَوْ بَادِيَةٍ لَمْ يَجُز لِتَفَاوُتِ المَعِيشَةِ، فَإنْ نُقِلَ مِنَ البَادِيَةِ اِلى البَلَدِ جَازَ، وَإنْ نُقِلَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةٍ إِلَى قَبِيلَةٍ فِي البَادِيَةِ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأَنَّ ظُهُورَ نَسَبِهِ فِي مَحَلِّ الْتِقَاطِهِ أَغْلَبُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المُلْتقِط إمَّا حضريٌّ وإما بَدَوِيٌّ، فالبَلَدِيُّ، إذا وَجَدَ اللقيط في بَلْدَتِهِ أُقِرَّ في يده، وليسَ له أنْ ينقلَه إلى البادية، لو أراد الانتقال إليها، بل يُنْتَزَعُ مِنْهُ؛ لمعنيين:
أحدهما: أنَّ عيشَ أهْلِ البوادي أخشن، والغالبُ قصورُهُمْ عن معْرفة عُلُوم الأدْيَان والصِّنَاعات التي تكتسب منها، ففي النقل إضرارٌ باللقِيط، وهذا هو المذكورُ في الكتابِ.
والثاني: أن ظهور نسبه بموضِعِ الْتقاطِهِ أغلب؛ لأنَّ من ضَيَّعه، يَطلُبُهُ حيْثُ ضيَّعَه، ولو كان الموضعُ المنقول إلَيْه من البادية قريباً من البلدة، يَسْهُلُ تَحْصِيلُ ما يراد منها، فإنْ راعَيْنا خشونةَ المَعِيشةِ، لم نَمنعْ، وإنْ راعَيْنا أمر الكَسْب، فإنَّ كان أهلُ البَلْدة يختلطون بأهْل ذلك المَوْضِع، فكذلك 1، وإلاَّ، منع، وكما أنَّه [ليس] له نقلُهُ إلى البادية، لَيْسَ له نقلُهُ إلى القُرَى، ولو أراد نقلُهُ إلَى بلدة أخرَى، أو التقطه غريبٌ في تلك البلدة، وأراد نقلَه إلى بلدتِه، فوجهان، بناءً على المعنَيَيْن، إن نظرنا إلَى تفاوُتِ المعيشِةِ، فالبلاد متقاربة، وإنْ راعَيْنَا أمْرَ النَّسَبِ، منَعْنَاه، وانْتَزَعْنا اللَّقِيطَ من يدِه، والأوَّلُ النصُّ، وبه أخَذَ المُعْظَمُ، قال في "التَّتِمَّة": ولا فَرْق في ذلك بين سَفَرِ النُّقْلةِ
والتجارةِ والزيارةِ 1. والقرويُّ، إذا وَجَد اللَّقيطُ في قريتِهِ أو في قرية أخرَى، أو في بلدةٍ تُقَاسُ بما ذكرنا في البلديِّ، ولَو وَجَدَ حَضريٌّ اللَّقِيطَ في البادية، نُظِرَ؛ إن كان في مهلكةٍ، فلا بدَّ من نَقْلِهِ، وللُمُلتَقِطِ أنْ يتوجَّه إلى مقصدِه، ويَذْهَبَ به إليه.
ومن قال في اللُّقطة: يَعرِّفُها في أقرب البُلْدانِ، يشبه أنْ يقولَ: لا يذهب به إلَى مقصده، رعايةً لأمر النسبِ 2.
وإن كان في حِلَّة أو قبيلةٍ، فله نقلُهُ إلَى البلدة، والقريةِ على المشْهُور، وعن القاضي الحُسَيْن أنَّه عَلَى وَجْهَينِ مبنيين على المعْنَيَيْنِ، ولو أقام هناك، أَقَرَّ في يده لا محالةَ.
[وأمَّا البدويُّ، إن الْتُقِطَ في بْلدَةٍ أو قريةٍ، فأراد المَقَامَ بها، أقر في يدهِ]، وإن أرادَ نَقْلَهُ إلى الباديةِ أو إلى قرية بلدةٍ أخرَى، فعَلَى ما ذَكَرْنَا في الحضريِّ، وإن وَجَدَه في حِلَّةٍ أو قبيلةٍ في البادية، فإنْ كان من أهل حِلَّة مقيمين في موْضِع راتِبٍ، أقر في يده؛ لأنَّه كبَلْدة أو قريةٍ، وإن كان ممَّنْ ينتقلون من بُقعةٍ إلى بقعةٍ مُنْتَجِعينَ، فوجهان:
أحدُهُما: المَنْعُ؛ لِمَا فِيهِ من التَّعَبِ، ولأنَّ في النَّقْل يَضِيعُ نَسَبُهُ.
والثاني: يقر؛ لأنَّ أطرافَ البادية كَمَحَالِّ البلدَةِ، والظاهر أن نسبه من أهل البادية، فيكون احتمال ظهوره إذا كان في البادية أقرب.
هذا حكمُ الحضريِّ والبدوي عنْدَ الانفراد بالالتقاط، وقد تَبيَّن به موْضعُ جواز النقل عن مكان الالتقاط وعَدَمِهِ، وكنَّا وعَدْنا أنْ نَذْكُرَ معها الحُكْم عنْد الازْدِحَام، فنقول: إذا أزْدَحَمَ عَلَى لقيطٍ في البلْدَةِ أو في القريةِ مقيمٌ في ذلك المَوْضِع وظاعنٌ، أَطْلَقَ في "المختصر" أنَّ المقيمَ أَوْلَى، وفصَّلوا الأصحابُ؛ فقالوا: إن كان الظاعنُ يَظْعَنُ إلى الباديةِ، فالمقيمُ أَوْلَى، وإن كان يَظْعَنُ إلى بلدٍ آخر، فإنَّ قلْنا ليس للمنفرد الخروجُ باللقيطِ إلَى بلدٍ آخرَ، فكذلك الجواب، وإنْ جوَّزنا له ذلك، فهما سواءٌ.
ولو اجتَمع على لقيطٍ في القرية قَرَوِيٌّ مُقِيمٌ بها وبلديٌّ، قال القاضي ابنُ كج: القَرَوِيُّ أَوْلَى، وهذا يخرج على منع النَّقْل من بلَدٍ إلَى بَلدٍ، فإنَّ جَوَّزناه، وَجَبَ أن يُقَال: هما سواءٌ 3.
ولو اجتمعَ حَضَرِيٌّ وَبَدَوِيٌّ عَلَى لَقِيْطٍ في الباديةِ، نُظِرَ؛ إن وُجِدَ في حِلَّة أو قبيلةٍ، والبدويُّ في موضعٍ راتبٍ، فهما سواءٌ 1.
وقال القاضي ابنُ كج: البدويُّ أَوْلَى إن كان مقيمًا فيهم؛ رعايةً لنَسَبِه، فإن كان البدويُّ من المنْتَجِعِينَ، فإنْ قلْنا: يُقَرُّ في يَدِهِ، لو كَانَ مُنْفَرِداً، فهما سَوَاءٌ، وإلاَّ فالحَضَرِيُّ أَوْلَى.
وإن وُجِدَ في مَهْلَكَةٍ، ذكر ابنُ كج أنَّ الحضريَّ أَوْلَى، وقياسُ قولِه تقديمُ البدويِّ أو تقديمُ مَنْ كان مكانُهُ أقربُ إلى موضع الالتقاط 2 منهما، وإذا تأمَّلتَ ما ذكرناه، عَرَفْتَ أنَّ قولَه في الكتابِ "وعليه حفظُه في مَوْضِعِ الْتِقَاطِهِ" وقولَهُ في فَصل الازدحام "والبلديُّ على القرويِّ، وَالقرويُّ على البلديِّ" غيْرُ مُجْرَيْنِ عَلَى إطلاقهما، بل الأمر فيهما على التفصيل، وقوله "فإن نُقِلَ من الباديةِ إلَى البَلَدِ، جاز" مرقوم بالواو، وقولُه "أو من قبيلةٍ إلَى قبيلةٍ في الباديةِ" هذه الصورةُ لا ذِكْرَ لها في "الوسيط" ولم يُطْلِقْها في "النِّهاية" ولكن قال: للقبائِلِ في البَوَادِي سُنَّةٌ في التفاوت والاعتناء بالأنْسَاب، فمن راعَى أمر النسب، فلا إضرار، ومَنْ رَاعَى عُسْر المعيشة، فلا تفاوت، هذا إذا تَقَارَبَتْ، فلم ينقطعْ خَبَرُ بَعْضِها عن بَعْضٍ، أمَّا إذا نَأْتِ المسافاتُ، وانقطعتِ الأخبارُ، فحينئذٍ يَظْهَرُ التفاوُتُ في أمر النَّسَب، وحاصِلُة تخصيصُ الخلافِ بما إذا تباعَدَتْ، وأمَّا كُتُبُ سائر الأصحابِ، فلَيْسَ فيها ذكرُ الخلافِ الَّذي أوْرَدُوهُ في النقل من بلْدةٍ إلَى بلْدةٍ عَلَى تشابُهِ الصُّورَتَيْنِ، بل الذي ذَكَروه ما مَرَّ أنَّ البَدَوِيَّ المقيمَ في موْضِعٍ راتبٍ، يقر في يده اللقيطُ الذي التقطه من قبيلة أو حِلَّةٍ، ولم يَفِرقُوا بين أنْ يكونَ مِنْ أهْل القَبيلةِ الَّتِي وُجِدَ اللقيطُ فيها أو مِنْ غيرِها، وإذَا كان مِنْ غيرها وأقْرَرْناه في يدِهِ، فقد جَوَّزنا النَّقْلِ من قَبيلةٍ إلَى قبيلةٍ.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا نَفَقَةُ اللَّقِيطِ فَفِي مَالِهِ وَهُوَ ما وُقِفَ عَلَى اللُّقَطَاءِ، أَو وُهِبَ مِنْهُمْ، أَو أُوْصِيَ لَهُمْ وَيَقْبَلُهُ القَاضِي، أَوْ مَا وُجِدَ تَحْتَ يَدِهِ عِنْدَ الْتِقَاطِهِ يَكُونُ مَلْفُوفاً عَلَيْهِ أَوْ مَشْدُوداً عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ مَوْضُوعاً عَلَيْهِ، وَمَا هُوَ مَدْفُونٌ فِي الأَرْضِ تَحْتَهُ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ إلاَّ أَنْ تُوجَدَ مَعَهُ رُقْعَةٌ مَكْتُوَبةٌ بِأَنَّهُ لَهُ فَهُوَ لَهُ عَلَى أَظْهَرَ الوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بِالقرْبِ مِنْهُ مَالٌ
مَوْضُوعٌ أَو دَابَّةٌ مَشْدُودَةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ وُجِدَ اللَّقِيطُ في دَارٍ، فَالدَّارُ لَهُ، لأنَّهُ تَحْتَ يَدِهِ وَاخْتِصَاصِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ أَنْفَقَ الإمَامُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَزَّعَهُ عَلَى مَنْ رَآهُ مِنْ أَغْنِيَاءِ المُسْلِمينَ، ثُمَّ لاَ رَجُوعَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنَّهُ إِنْ ظَهَرَ رِقُّهُ رَجَعَ بِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ حراً مُوسِراً وَكَسُوباً فَعَلَيْهِ، وإِنْ ظَهَرَ فَقِيراً قُضِيَ ذَلِكَ مِنْ سَهْمِ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ مِنَ الصَّدَقَاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غَرَضُ الفصل بيانُ أنَّ اللَّقِيطَ مِمَّنْ ينفق عَلَيْه، ولا يَخْلُو حَالُهُ، إمَّا أن يُوجَدَ له مالٌ، أو لا يُوجَدَ، فإنَّ وُجِدَ، فَنَفَقَتُهُ في مالِهِ، ومالُهُ يَنْقَسِمُ إلى ما يستَحِقُّهُ لعمومِ كَوْنِهِ لقيطاً وإلَى ما يستحقُّهُ بخصوصِهِ.
أمَّا الأَوَّلُ، فكالحاصِلِ من الأوقاف العامَّة على اللُّقَطَاءِ، قال في الكتاب: "هُو ما وُقِفَ على اللُّقَطَاءِ، أو ما وُهِبَ منهم، أو أوصي لهم"، وأُجْرِيَ الهبةُ والوصيَّةُ مُجْرى الوقف من وُقُوعِهِما لِلُّقَطَاءِ عامَّةً، ولم يذْكُرْ في "الوسيط" بِهَذِهِ اللفظة ولكنْ قال: "ومَالُهُ بالوصيَّة لِلَّقِيطِ والوقْفُ عَليْه والهبةُ منه"، وهذا أوضَحُ؛ لأنَّ الهِبَة لغير معيِّن مما تُسْتَبْعَدُ، فيجُوزُ تنزيل ما في الكتاب على ما ذَكَرَهُ هناك، وَيَجُوزُ أن تنزل الجهةُ العامَّةُ بمنزلة المسْجد، حتى يجوزَ تملكها بالهِبَةِ؛ كما يجوزُ الوقْفُ عليها، وحينئذٍ يقبلُهُ القاضي، فإنَّ كان كذلك، فالاستحقاق في الصور الثلاثة بجهةِ كَوْنِهِ لَقِيطاً، وإنْ فرض الوقْفُ عليه خاصَّةً أو الهبةُ أو الوصيَّةُ له، فهو مما يستحقُّهُ بخصُوصِهِ.
وقوله "ويقبله القاضي" يعني ما لِلُّقَطَاءِ مُطْلقاً، وربَّما يُوجَدُ بَدَلَهُ و"قَبِلَهُ القَاضِي" يعني ما وُهِبَ أو أُوصِيَ، وكلاهُمَا جائِزٌ، ومما يستحقُّهُ بخصوصِهِ ما يُوجَدُ تحت يده واختصاصه، فإنَّ للصغيرِ يَداً واختصاصاً كالبالغ، والأَصلُ الحرية، ما لم يعرف غيرها، وذلك كثيابه الملفوفة عليه الملبوسة والمفروشَة تحته، وما غُطِّيَ به من لِحَافٍ أو غيرِهِ، وما شُدَّ عليه، أو عَلَى ثوبه، أو جُعِلَ في جَيْبِهِ من حُلِيٍّ أو دراهمَ وغيرها، وكذا الدابَّة التي توجد مشدودةً علَيْه، والتي عنَانُها بيده أو هِيَ مشدودتين في وسطه أو ثيابه، والمهد الذي هو فيه، وكذا الدنانيرُ المَنْثُورةُ فَوْقَه، والمصبوبة تحته، وتَحْتَ فِرَاشِهِ.
وحَكَى القاضي ابنُ كج وَجْهَيْنِ في التي هي تحْتَهُ، وكذا لوْ كَان في خيمةٍ أو دارٍ لَيْسَ فيها غَيْرُهُ، فهُمَا له، وعَن "الحاوِي" وَجْهَان في البُسْتَان 1، ولو كان بقربه ثِيابٌ وأمتعةٌ موضوعةٌ أو دابَّةٌ، فوجهان:
أصحُّهُما: أنَّها لا تجعل له؛ كما لو كانَتْ بعيدةً عَنْه.
والثانِي: تُجْعَلُ له؛ لأنَّ مِثْل هَذا يثبت اليد، والاختصاصَ في حقِّ البالغ؛ ألا ترى أنَّ الأمتعة الموضُوعَة في السُّوقِ بقُرْب الشَّخْصِ يُجْعَلُ له والمالُ المدفونُ تحته يُجْعَلُ له 1؛ لأنَّه لا يقصد بالدَّفْنِ الضمَّ إلى الطفل بخلاف ما يُلَفُّ عَلَيْه، ويوضَعُ بالقُرْب منْه، لكنْ، لو وُجِدَتْ معه أو في ثيابهِ رقعةٌ فيها أن تحته دفيناً وأنه له، ففيه وجهان، حكاهما الإمامُ:
أظْهَرُهُمَا عند صاحب الكتاب: أنَّه له بقرينة الرُّقْعةُ، وقد يتفق في العُرْفِ مثلُهُ.
والثاني: أنّا نجري على القياس، ولا نُبَالي بالرُّقْعَة، وهذا ما يوافِقُ كلام أكْثَرِهِمْ 2.
قال الإمامُ: ومَن عَوَّل على الرقعة، فلَيْتَ شِعْرِي؛ ما يقولُ فيما إذا أرشدتِ الرقعةُ إلَى دفينٍ بالبُعْد أو دابَّة مربوطةٍ بالبعْدِ 3.
لو كانَتِ الدَّابَّةُ مشدودةً باللَّقِيط [وعليها راكب].
قال القاضي ابنُ كج: هي بينهما، وما سِوَى الدَّفين من هذه الأموال، إن لم يجعل لِلَّقِيطِ، فهو لُقَطَةٌ، والدفين قد يكونُ رِكَازاً، وقد يكونُ لُقْطَةً، على ما تقدَّم، هذا إذا عُرِفَ له مالٌ، فإنَّ لم يُعْرَف، فقولان:
أصحُّهما، وهو المذْكُور في الكتاب: أنَّه ينفقُ الإمام عليْهِ من بيْتِ المالِ منْ سَهْم المصالح؛ لما رُوِيَ عن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه استَشَار الصَّحابةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- في نَفَقةِ اللَّقيطِ، فَقَالُوا: من بيتِ المالِ 4، ولأَنَّ البالغَ المعتبر يُنْفِقُ علَيْه من بَيْتِ المالِ، فاللَّقيطُ الْعَاجِزُ أَوْلَى.
والثاني: أنَّه لا تكُونُ في بيْتِ المَالِ؛ لأنَّ مالَ بَيْتِ المَالِ يُصْرَفُ إلَى ما لا وَجْهَ له سِوَاهُ، واللَّقِيطُ يجوزُ أنْ يكونَ رقيقاً، فنفقتُهُ على سيِّده، أو حُرًّا له مالٌ، أو قريبٌ، فنفقَتُهُ في ماله، أو عَلَى قريبه، فعلى هذا، يستقرض الإمامُ لنفقَتِهِ مِنْ بَيْتِ المالِ، أو مِنْ واحدٍ من الناسِ، فإن لم يكُنْ في بيت المالِ شَيْءٌ، ولم يُقْرِضْهُ أحَدٌ من الناس، جَمَعَ الإمامُ أهْلَ الثروةِ من البَلَدِ، وقَسَّطَ عليهم نَفَقَتَهُ، ويجْعَلُ نَفْسَهُ منْهم، ثمَّ إنْ بَانَ رقيقاً، رجَعُوا عَلَى سَيِّدِهِ، وإنْ كان حرًّا له مالٌ أو قريبٌ، فالرجوعُ عليه، وإنْ بَانَ حرًّا لا قريبَ له ولا مالَ ولا كسبَ، قَضَى الإمَامُ حَقَّهُمْ منْ سَهْم الفقراء والمساكين أو الغَارِمِينَ، كما يراه 1.
وإنْ قُلْنا بالأوَّل الأصَحّ، فلو لم يَكُنْ في بيتِ المالِ مالٌ، أو كان هناك ما هُوَ أهمُّ؛ كَسَدِّ ثَغْرٍ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ، لو تُرِكَ، قام المُسْلِمُونَ بكفايَتِهِ، ولم يَجُزْ لهم تضييعُهُ، ثم طريقُهُ طريقُ النَّفقة، أو طَرِيقُ القَرْض؟ فيه قولان:
أَحَدُهُمَا: طريقُ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه محتاج عاجِزٌ؛ فأشْبَهَ المجنونَ والفقير والزَّمن، فعلَى هذا؛ إذا قام به بعضُهُمْ، حَصَلَ الغَرَضُ، واندفَعَ الحَرَجُ، عن الباقين، وإن امتنعوا أَثِمَ جميعُهُمْ، وطالَبَهُمُ الإمامُ، فإِن أَصَرُّوا، قاتَلَهُمْ، وعند التعذُّر، يستقرض على بيْتِ المَالِ، وينفق عليه.
والثاني: أنَّ طريقَهُ طَرِيقُ القَرْضِ، حتَّى يثبت الرجوعُ؛ كما يبذل الطعام للمضطر بالعوض؛ وهذا؛ لأنَّه يجوزُ أنْ يَكُونَ رَقِيقاً، أو يَكُونَ له مالٌ أو قريبٌ، كما تقدَّم، فعلَى هذا؛ إنْ تَيَسَّرَ الاستقراضُ، فذاك، وإلا، قَسَّطَ الإمامُ نَفَقَتَهُ علَى المُوسِرِينَ من أهل البَلَدِ، ثم إن ظهرَ عبدًا، فالرُّجُوعُ على سَيِّدِهِ، وإن ظهر له مالٌ أو اكْتَسَبَهُ، فالرجوعُ عليه، فإن لم يكن شيْءٌ، قضى من سَهْمِ المساكين، أو الغارمِينَ، وإنْ حَصَلَ في بيتِ المال مالٌ، قبل بلوغه وَيسَارِهِ، قضى منه؛ لأنّا نفرِّع عَلَى أنَّه، إذا كان في بيت المالِ
مَالٌ فنفقتُه مِنْهُ، وَإِنْ حَصَلَ في بَيْتِ المَالِ أو حصل للقيطِ مالٌ دَفْعَةً واحِدةً، قَضَى من مالِ اللَّقِيط، كما إذا كان لَهُ مالٌ، وفي بيتِ المالِ مالٌ، تكونُ نفقتُه في مَالِهِ، ولم يتعرَّضِ الأَصْحَابُ لطَرْدِ الخِلافِ في أنَّه إنفاقٌ أو إقراضٌ، إذا كان في بَيْتِ المَالِ مالٌ، وقلْنا: إنَّ نفقتهُ منْه، والقياسُ طَرْدُه، وما الأظْهَرُ من هذا الخلاف 1؟
إيراد الكتاب يُشْعِرُ بتَرْجيحِ الأَوَّلِ؛ فإنَّه مالٌ لا رُجُوعَ عَلَيْه، وقد قِيلَ: إنَّه، إنْ ظَهَر رِقُّهُ إلى آخره، ويُحْكَى أنه اختيار القاضى الحُسَيْن، وقضيةُ سياقِ أصْحَابِنا العراقيين وغَيْرَهُمْ إنَّ الثاني أظْهَرُ.
وحيثُ قلْنا: إنَّ الإمامَ يُقسِّطُ النفقةَ على الأغْنياء، فذاك عنْد إمكان الاستيعاب، فأمَّا إذا كَثُرُوا، وتعذَّر التَّوْزِيعُ عليهمِ، قال الإمامُ: يضربُها السُّلْطَانُ عَلَى من يراه منْهم، يجتهدُ فيه، فإن اسْتَوَوْا في نظره، تَخيَّر 2، وإلَى هذا الكلامِ أشارَ صاحبُ الكتابِ بقوله "وزعه على من رآه من أغنياء المسلمين" ثم المرادُ أغنياءُ تلك البلدة أو القَرْيَةِ.
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ مَهْمَا كَانَ لِلَّقيطِ مَالٌ لَمْ يَجُزْ لِلْمُلْتَقِطِ إِنْفَاقُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ القَاضِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاضٍ فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ دُونَ إِشْهَادِهِ ضَمِنَ، وَهَلْ يَسْتَقِلُّ بِحِفْظِ مَالِهِ دُونَ إِذْنِ القَاضِي؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كان لِلَّقيطِ مالٌ، فَهَلْ يستقلُّ الملتَقِطُ بحِفْظه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يحتاج فيه إلَى إذْن القاضي؛ لأنَّ إثباتَ اليَدِ على المالِ يفتقر إلَى ولايةٍ عامَّةٍ أو خاصَّةٍ، ولا ولاية للملتَقِطِ.
وأرجحُهما على ما يقتضيه إيرادُ "التهذيب" الاستقلالُ؛ لأنَّه مستقل بحفْظِ المالك، بلْ هو أَوْلَى به من القاضي 3، فكان أَوْلَى بحفْظ مالِه ولِقُوَّة يَدِهِ.
حكى القَاضِي ابنُ كج وغَيْرُهُ وجْهَيْنِ من مخاصَمَتِهِ، إذا ظهرَ للمال المخصوصِ باللَّقيطِ مُنَازعُ، والأصحُّ أنَّه لا يُخَاصَم.
وسواءٌ قلْنا له: إنه يستقل بالحفْظ أو لا، فليس له إنفاقُه على اللَّقِيطِ إلاَّ بإذْن القاضي، إذا أمكن مراجَعَتُهُ، ولو أنفق، صار ضامناً ولم يكنْ له الرجوعُ عَلَى اللَّقيط، كمن في يده وَدِيعةٌ ليتيمٍ، فأنفقها علَيْه، هذا هو المَشْهُور.
وفي كتاب القاضي ابنِ كج وجْهٌ غريبٌ؛ أنَّه لا يَصِيرُ ضامناً.
وإذا رُفِعَ الأمرُ إلى الحاكم، قُلْنا: خُذِ المالَ منْهُ، وليسلم إلى أمينِ، لينفقَ منْه على اللَّقيطِ بالمَعْرُوف، أو يَصْرِفَهُ إلى المُلْتَقِطِ يوماً بيَوْمٍ، ثم إنْ خالفَ الأَمِينُ، وقتر علَيْهِ، مُنِعَ مِنْهُ، وإنْ أسْرَفَ، ضَمِنَ كُلُّ واحِدٍ من الأمين وَالمُلْتَقِطِ الزِّيَادَةَ، والقَرَارُ عَلى الملتَقِط، إذا كان قد سَلَّمَهُ إلَيْهِ، لِحُصُول الهَلاَك في يده، وهَلْ يَجُوزُ أنْ يَتْركَ المالَ من يده؟ وَيأْذَنُ له في الإنفاق منه؟
تُقدَّم عَليْه مسألةٌ، وهي أنَّه إذا لم يَكُنْ لِلَّقيط مالٌ، واحتيج إلى الاستقراضِ [له]، هل يجوزُ للقاضِي أنْ يأْذَنَ للملْتَقِطِ في الإنفاق علَيْه من مالِ نفسِه ليرجع؟
والنَّصُّ أنَّه يجوزُ، ونصَّ في الضالَّة أنَّه لا يَأْذَنُ لواجِدِهَا من الإنفاق عَلَيْها منْ مال نَفْسِه؛ لِيرجعَ عَلَى صاحِبها، بل يَأْخُذُ المالَ منه ويدْفَعُه إلَى أمِينِ 1، ثم الأمينُ يَدفع إلَيْه كُلَّ يوْمٍ بِقَدْر الحاجة، فَتَحَزَّبَ الأصحابُ فيهما، قَال أكْثَرُهُمُ: المسألةُ على قولَيْن:
أَحَدُهُمَا: المنعُ في الصورَتَيْنِ، وبه قال المُزنيُّ، وإلاَّ كان قابضاً للغَيْر من مال نفسه، ومقبضاً.
وأشبههما عند الشَّيْخ أبي حامد: الجوازُ؛ لما في الأخذ والردِّ شيئاً فشيئاً من العُسْرِ والمشقَّة، ولا يَبْعُدُ أن يَجُوزَ للحَاجَةِ تولِّي الطرفين، وَيلْحَقُ الأمينَ الأبُ في ذلك، ومثلُ هذا الخلافِ قد سَبَقَ فيما إذا أنفق المالِكُ عنْد هَرَب العَامِل من المساقاة والمكري عنْد هَرَب الجِمَالِ، وأجراه أبو الفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ في إنفاق قَيِّم الطِّفْل عليه مِنْ مال نفسِه، وأخذ حزبٌ بظاهِرِ النَّصَّيْنِ، وفَرَقُوا بأنَّ اللقيطَ لا وليُّ له ظاهرًا، فجاز أن يَجْعَلَ القاضِي المُلْتَقِطَ وَليّاً، وصاحبُ اللُّقْطَةِ قد يكونُ رشيداً لا يولّى عليه، جئنا إلى
إذْنِ الملتقِطِ في الإنفاق على اللَّقِيط من ماله، فالأكثرون قد طَرَدُوا الطَّرِيقَيْنِ في جوازِهِ، والأحْسَنُ ما أَشَارَ إلَيْه ابْنُ الصَّبَّاغِ، وهو القَطْعُ بالجواز؛ لأنَّ ما ذكرنا [هـ]، من اتَّحادِ القابض والمُقْبض لا يتحقَّق هاهنا، بل هو كقَيِّم اليتيم، يأَذَنُ له القاضي في الإنفاق عَلَيْه من ماله، وليعد المصير إلى المنعِ؛ لما حكاه الإمامُ وجْهاً عن العراقيين -رحمهم الله- قال: لا آمَنُ أنْ يكونَ غَلْطَة من ناسخٍ؛ لأنَّ الأَمْرَ أَعْظَمُ من أن يُحْتَمَلَ ذلك، فالطُّرُق على اختلافها مشحونةٌ بالطريقين، وينْبَغي أن يجري هَذَا الخلافُ في تسليم ما استقرضه القاضي على الجِمَالِ الهَارِبِ إلى المكتري، ولا ذِكْرَ له هناك..
وإذا جوَّزنا أن يأذنَ لهُ في الإنْفاق، فأَذِنَ له، ثم بلغ اللقيطُ، واختلفا فيما أَنْفَقَ، فالقَوْلُ قَوْلُ الملْتَقِطِ، إذا كان ما يَدَّعيه قصدًا لائقاً بالحال، وقد مَرَّ في هَرَبِ الجمالِ حكايةُ وجْه آخَرَ؛ تفريعاً على هذا الوجه؛ أنَّ القولَ قولُ الجمال، والقياسُ اطراده هاهنا (1). وإن ادعى ما يزيد على المعروف، فهو مُقِرُّ على نفسِه بالتفريط فيضْمَنُ، ولا معنى للتحليف.
قال الإمام: لكنْ لو وقع النِّزاعُ في عَيْنِ مالٍ، فزعم الملْتَقِطُ أنَّه أنفَقَها، فيصدَّق؛ ليقطع المطالبة بالعين، ثم يضمن كالغاصب، إذا ادَّعَى التلف، هَذَا، إذا أمكن مراجعةُ القاضي.
أمَّا إذا لم يَكُنْ في الموضِع قاضٍ، فينفق من مَالِ اللَّقيط عليه بنفسه، أو يدفعُه إلى أمين لينفقَ عليه؟
رَوَى صاحبُ "التهذيب" وغيرْه قولَيْن:
أصحُّهُما الأوَّل، وحينئذ ينظر؛ أن أشهد علَيْه، لم يضمن؛ لأنَّه موضِعُ ضرورةٍ، وفيه وجهٌ، وإنْ لم يُشْهِدْ، ضمن، وفيه وجْهٌ؛ إمَّا مُطلَقاً أو عنْد تعذُّر الإشهاد، وكلُّ ذلك كالخِلاَفِ في الرُّجُوع، إذا هَرَبَ عاملُ المساقاة أو الجَمَّالُ، وقد ترتَّب ما نحن فيه عليهما، وُيقَالُ: هذا أَوْلَى بالجواز؛ لأنَّ للملتقط نَوْعُ ولايةٍ على اللقيط، فجازَ أن يتصرَّفَ في مالِه عند العجز عن القاضي، ولأنَّ غرضهُ هاهنا أنْ يصدقَ؛ فلا يضمن، وهناك يلزمُ غَيْرُهُ بالرجوع.
البَابُ الثَّانِي في أَحْكَامِ اللَّقِيط
قال الغَزَالِيُّ: وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ: إسْلاَمُهُ) وَالإسْلاَمُ يَحْصُلُ اسْتِقْلالاً بِمُبَاشَرَةِ الْبَالِغِ، وَلاَ يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَةِ الصَّبيِّ وإِنْ كَانَ مُمَيِّزاً (ح م) عَلَى المَذْهَبِ الظَاهِرِ، نَعَمْ إذَا1
وَصَفَ الإِسْلامَ حيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبوَيْهِ خِيفَةَ الاسْتدْرَاجِ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ إنْ فَرَّعْنَاهُ عَلَى المَذْهَبِ في بُطْلاَنِ إسْلاَمِهِ، أَمَّا الصَّبيُّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ والمَجْنُونُ فَلاَ يُتَصَوَّرُ إسْلاَمُهُمَا إلاَّ تَابِعاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنْ أحكامِ اللَّقِيطِ إِسْلاَمُهُ وكُفْرُهُ.
واعْلَمْ أنَّ إسلام الشَّخْصِ قد يثبُتُ بنَفْسِهِ اسْتقلالاً، وقد يثبت بغَيْره تَبَعاً.
أما القِسْمُ الأَوَّلُ: فذلك في حقِّ البابغ العَاقِلِ، فيصح منْه مباشرةُ الإِسْلام بالعبارَةِ، إن كان ناطقاً، وبالإشَارَةِ، إن كان أَخْرَسَ.
وأمَّا الصَّبيُّ 1 المميزُ فلا يصحُّ إِسلامُهُ، على ظاهر المَذْهَب؛ لأنَّهُ غيرُ مُكَلَّف فأشْبَهَ غَيْرَ المميَّز.
والمجنون فيه وجهان آخَرَان:
أحدُهما، ويُحْكَى عن ابن أبي هريرة أنا نتوقَّف، فإنَّ بلغ واستَمَرَّ على كلمة الإسْلاَم تَبَّيَّنا كَوْنَهُ مُسْلِماً مِنْ يَوْمئِذٍ، وإنْ وصَف الكُفْرَ، تَبَيَّنَّا أنَّه كان لَغْواً، وقد يعبّر عن هذا بصحَّة إسْلامه ظاهراً لا بَاطناً، ومعناه أنَّا نُخْرِجُه من زمرة الكفَّارِ، ونلْحِقُهُ بزُمْرَة المسلمين في الظاهر، ولا نَدْرِي استمرارُ هذا الإلْحاق وعدمه.
والثاني: أنَّه يصحُّ إسْلامُهُ، حتى يُفَرَّق بيْنَهُ وبيْن زوْجَتِهِ الكافِرَةِ، وَيرِث مِنْ قريبه المُسْلِم، لِمَا رُوِيَ أنَّ عليًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- دَعَاهُ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلَى الإِسْلاَم قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَأَجَابَهُ 2. ويُحْكَى هَذَا الطريق عَن الإصْطَخْرِيّ، وبه قال أبو حنيفة، وأَحْمَدُ.
وعن مالكٍ اختلافُ روايةٍ، وعلَى هذا؛ فلو أرْتَدَّ، صحَّتْ رِدَّتُه أيضاً، ولكنْ لا يُقْتَلُ، حتى يَبْلُغَ، فإن تابَ، وَإلاَّ، قُتِلَ 1.
وإذا قلْنا بظاهر المَذْهَبِ، فقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه يُحَالُ بيْنَهُ وبيْن أَبَوَيْهِ وأهله الكفَّارِ؛ خِيفَةَ أن يستَدْرِجُوه، وطمعاً في أن يثبتَ بعد البُلُوغ على ما وصَفَه، فإنْ 2 وَصَفَ الكُفْرَ بعد البلوغ، هُدِّدَ وطُولِبَ بالإسْلام، فإنْ أَصَرَّ، رُدَّ إليهم، وفي هذه الحَيْلُولَةِ وجهان مَرويَّان في "النهاية":
[و] أحدهما: إيرادُ الكِتاب يقتضي ترجيحَهُ أنَّها محتومة؛ احتياطاً لأمر الإسْلام.
وأشْبَهُهمَا، وهو المذْكُور في "التتمة": أنَّهَا مسْتَحَبَّةٌ، فيستعطف بوالِدَيْهِ لِيُؤْخَذَ منهما، فإنْ أَبَيَا، فلا حيلولةَ، هَذَا في أحكام الدنيا.
وأمَّا فيما يتعلَّق بالآخرَةِ، فَعَنِ الشَّيْخ أبي محمد: أنَّ الأُسْتَاذَ أبَا إسحاقَ قال: إذا أَضْمَرَ الإسْلاَمَ كما أظهره، كَانَ من الفائزين بالجنَّةِ، وإن لم يتعلَّقْ بإِسْلاَمِهِ أحكامُ الدُّنيا، ويعبَّر عنْ هَذَا بأنَّ إِسْلامَهُ صحيحٌ باطِناً لا ظَاهِراً.
قال الإمامُ: وفي هذا إشْكَالٌ؛ لأنَّ من يُحْكَمُ له بالفَوْز؛ لإسلامه، كيف لا يُحْكَمُ بإسلامهِ؟ وقد يُجَابُ عنْهُ بأنه قَدْ يُحْكَمُ بالفَوْزِ في الآخِرَة، وإنْ لم يُحْكَمْ بأحكام الإسْلام في الدُّنيا، كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعوةُ 3. = حين أسلم خمس عشر سنة، فقد ضعفه ابن الجوزي لاتفاقهم على أنه لما مات لم يجاوز ثلاثاً وستين، واختلف فيهما دونها فلو صح قول الحسن لكان عمره ثمانيًا وستين.
قلت: قد قيل: إن عمره كان خمسًا وستين، فإذا قلنا بما رواه ربيعة عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقام بمكة بعد المبعث عشر سنين، فيتخرج قول الحسن على وجه من الصحة، وإن كان الأصح غيره، وقال البيهقي: يحتمل أن يكون قول الصبي المميز في أول البعثة كان محكوماً بصحته، ثم ورد الحكم بغير ذلك، وأما على قول الحسن فلا إشكال، وأغرب من ذلك قول جعفر بن محمد عن أبيه أنه لما مات كان عمره ثمانيًا وخمسين سنة، فإن قلنا بالمشهور كان عمره عند المبعث خمس سنين أو ست، وإن قلنا بقول ربيعة عن أنس كان ابن ثمان أو تسع والله أعلم.
واحتج البيهقي على صحة إسلام الصبي بحديث أنس: كان غلام يهودي يخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث- وفيه: أنه مرض فعرض عليه الإِسلام فأسلم، وأخرجه البخاري، وبحديث ابن عمر أنه عرض الإِسلام على ابن صياد وهو لم يبلغ العلم، متفق عليه، وبحديث: مروهم بالصلاة لسبع، أخرجه أصحاب السنن.
وغيرُ المميِّز والمجْنُون لا يصِحُّ إسلامُهما مباشرةً بالاتِّفاق، ولا يُحكَمُ بإسلامهما إلا على جهة التَّبعيَّة.
قال الغَزَالِيُّ: وَللتَّبَعِيَّة ثَلاَثُ جِهَاتٍ: (الأُولَى) إِسْلاَمُ أَحدِ الأَبوَيْنِ، فَكُلُّ مَن انْفَصَلَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ (م) فَهُوَ مُسْلِمٌ، وإِنْ طَرَأَ إسْلاَمُ أَحَدِ الأَبوَيْنِ حُكِمَ بِالإِسْلاَمِ فِي الحَالِ، وَكَذَا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الأجْدَادِ أَو الْجِدَّاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ الاقْرَبُ حَيَّا، فَإِنْ كَانَ حَيًّا فَفِي تَبَعِيَّتِهِ تَرَدُّدٌ (و)، ثُمَّ إِذَا بَلَغَ وَأَعْرَبَ عَنْ نَفْسِهِ بالكُفْرِ فَهُوَ مُرْتَدٌ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْن، وَمَا سَبَقَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ لاَ يُنْقَضُ، وَلَوْ قُتِلَ قَبْلَ البُلُوغِ لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ لِشُبْهَةِ الكُفْرِ، وَإِنْ قُتِلَ بَعْدَ البُلُوغِ وَقَبْلَ الإِعْرَاب وَجَبَتِ الدِّيَةُ، وَفِي القِصَاصِ خِلاَفٌ لأَجْلِ الشُّبْهَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إحْدَى جهاتِ التَّبَعِيَّة في الإسْلاَم إسلامُ الأَبوَينِ، أَو أحدهما، وذلك يفرض من وجْهَيْنِ:
أحدُهُمَا: أن يَكونَ الأبوانِ أو أحدُهُمَا مُسْلِماً يَوْمَ الْعُلُوق، فَيُحْكَمُ بإسلامِ الوَلَدِ؛ لأنَّه جزء من مُسْلِمٍ، وإن بلغَ وأعْرَبَ عن نفسِه بالكفرِ، فهو مُرتَدُّ.
والثاني: أنْ يكونَا كَافِرَيْنِ يَوْمَ العُلُوق، ثم يُسْلِما أو أحدُهُما، فيُحْكَمُ بإسلام الوَلَدِ في الحالِ، حتَّى يتعلَّق القصاصُ والدِّيَةُ بقَتْلِهِ، وُيورَثُ من قريبه المُسْلِم، ويُحْرَمُ ميراثَ قَريبه الكَافِر، ويجوزُ إعْتاقُه عن الظِّهارِ، لو كان رَقِيقاً، وهذا لا تردُّد فيه، إذا قُلْنا: إنَّ إسلاَم الصَّبيِّ لا يَصِحُّ، أمَّا إذا صحَّحناه.
قال الإمامُ: تردَّد أصْحَاب أبي حنيفةَ في تبعيَّته لمن أسْلَم من أبَوَيِهْ، وهو موضعُ التردُّد؛ لأنَّ الجمْعَ بيْن إمكان الاستقلال وبين إثبات التبعيَّة بعيدٌ.
وقال مالكُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لا يَتْبَعُ الأمَّ إلا إذا أسْلَمَتْ إلاَّ أنَ يكونَ جنيناً في بَطْنِهَا.
= بالإِسلام المتعلق باللفظ.
وهذا منه بناء على تغاير الإيمان والإِسلام، والفقهاء لا يفرقون بينهما على أن هذا الذي قاله ابن الأستاذ ما يجيء على القول بأن أطفال الشرك لا يدخلون الجنة، أما إذا قلنا بدخولها كما هو مذهب المحققين فهم من الفائزين بها، وإن لم يضمروا الإِسلام، فكيف إذا أضمروه وأظهروه.
الثاني: ما حكاه عن الإمام من الاستشكال ليس كذلك، فإن الإمام لما نقله قال: ما عندي أن هذا الخبر مخالف فيما صار إليه -يعني محل اتفاق- قال: يجر إشكالاً ولم يقل فيه إشكال كما نقله الرافعي عنه.
لنا القياسُ على هذه الحالةِ، وعلى ما إذا كانتْ مُسْلمةً بعد العُلُوق، وذكر صاحبُ "النِّهاية" أنَّه مهما تأخَّر إسلامُ أحَدِهمَا عن العُلُوق فلا فرق بين أن يتَّفقَ في حالةِ اجتنانِ الَولَدِ أو بعدْ انفصالِهِ، لكن يجوزُ أن يُجُعَلَ إسلامُ أحدهِما في حَالَة الاجتنان، كما لو كان مُسْلماً يوم العُلُوق؛ جواباً على أنَّ الحَمْلَ لاَ يُعْرَفُ حتَّى يلتحقَ ذلك بالوَجْه الأوَّل، وستعرف ما يفترق به الوجْهَان المفْرُوضان.
[و] من معنى الأبوين الأجْدَادُ والجَدَّاتُ، سواءٌ كانوا وارِثِينَ أو لم يكونوا، فإذا طرأ إسْلامُ الجَدُّ، تَبِعَهُ الطِّفلُ، إن لم يكن الأب حَيًّا 1، فإن كان حيًّا، فوجهان:
أَحَدُهُمَا: أنَّه لايتْبَعُهُ، في الإسْلاَم؛ لأنَّ الجدَّ لا ولايَةَ لَهُ في حياة الأَب، والجَدَّةُ لا حضانةَ لها في حياةِ الأمِّ.
وأمرَ بهما التبعية؛ لأنَّ سَبَبَ التَّبعيَّة القرابةُ، وأنَّها لا تختلفُ بحياةِ الأَبِ، وموته؛ كسُقُوط القِصَاصِ، وحدِّ القذف.
وقولهُ في الكتاب "وكذا إذا أسْلَمَ أَحَدُ الأَجْدَادِ والجدَّاتِ" إلى آخره، يشتمل ما إذا كان الأَقْرَبُ متوسِّطاً بين الَّذي أسْلَم، وبين الطِّفْل، وما إذا لم يكن، وهو مجرى على ظاهره حتَّى لو أسلم الجدُّ للأمِّ، والأبُ حيٌّ، اطَّرد الوجهان، ثم إذا بلغ الصبيُّ فله حالتان:
الحالة الأُولَى: إذا أعرب عن نَفْسِه بالإِسلام، فقد تأكَّد ما حَكَمْنا به، وانقطع الكَلاَمُ.
الحالةُ الثانية: إذا أَعْرَبَ بالكفر، ففيه قولان:
أصحُّهُما: أنَّه مرتدُّ؛ لأ [نَّه]، سَبَقَ الحكمُ بإسْلامه جَزْماً؛ فأشبه مَنْ باشَر الإِسلامَ ثم ارتَّد، وما إذا حَصَلَ العُلُوقُ في حالة الإِسْلاَم.
والثاني: أنَّه كافر أصلي؛ لأنَّه كان مَحْكُوماً عَلَيْه بكُفْره أولاً، وأزيل ذلك بطريق التبعيَّة، فإذا استقلَّ، انقطعت التبعيَّةُ، فوجب أن يُعْتبَرَ بنَفْسِهِ، ويقال: إن هَذا مخرَّجٌ، ومنْهُمْ من لم يَثْبتْهُ، وقطَع بالأوَّل، فيَجُوزُ أنْ يُعْلَمَ؛ لذلك قوله: "على أصحِّ القولَيْن" بالواو.
التفريعُ إن حَكَمْنا بكونه مرتدّاً، لم يَنْقُضْ شيئاً مما [حكمنا به]، وأمْضَيْنَاه من أحكام الإسْلام، وإن حكمنا: إنَّه كافرٌ أصليٌّ، فوجهان:
أحدهُما: أنَّها ممضاةٌ بحالها لجريانها في حالة التبعيَّة.
وأظهرهما: أنَّا نتبيَّن الانتقاضَ، ونستدرك ما يُمْكن استدراكُهُ حتى يرد ما أخَذَه من تَرِكَة قَريبِهِ المُسْلمُ، ويأخُذ من تركَةِ قريبِهِ الكافر ما حَرَمْناه منه، ونُحْكَمُ بأنَّ إعتاقَه عن الكفَّارة لَم يكن مجزئاً، هذا فيما جرَى في الصِّغَر، فأمَّا إذا بَلَغَ، ومات له قريبٌ مُسلمٌ قَبْلَ أن يُعْرِبَ عن نفسِه بشَيْءٍ، أو أعْتَقَ عن الكفَّارة في هذه الحالة، فإنْ قلْنا: لو أعْرَبَ عن نفْسِه بالكُفْر، لكان مرتدًّا، أمْضَينا أحكام الإسْلام ولا ينقض.
وإنْ جعلْنَاه كافراً أصليًّا، فإنْ أَعْرَبَ بالكُفْر تبينا أنَّه لا إرْثَ له، ولا إجزاء عن الكفَّارة، وإنْ فات الإعرابُ بمَوْته أو قُتِل، فوجهان:
أحَدُهُمَا: إمضاء أحكام الإسلام كما لو مات في الصِّغَرِ.
أظْهَرُهُمَا: نتبين الانتقاضُ؛ لأنَّ سَبَبَ التبعيَّة الصِّغَرُ، وقد زال، ولم يَظْهَرْ في الحال حُكْمُهُ من نَفْسِه، فترك الأمر إلى الكُفْر الأصليِّ، وعن القاضي حُسَيْن أنَّه، لو ماتَ قبْل الإعْراب وبَعْد البلوغ، يرثُه قريبُة المُسْلِمُ، ولو ماتَ لَهُ قريبٌ مُسْلِمٌ، فإرْثهُ عنْه موقوفٌ.
قال الإمامُ: أمَّا التوريثُ منْهُ، فيخرج على أنَّه، إذا مات قَبْل الإعْرَاب، هل يُنْقض الحِكْمُ، وأمَّا توريثُهُ، فإنْ عني بالتوقُّف أنَّه يُقَالُ: أَعْرِبْ عن نَفْسِكَ بالإسْلام، فهو قريبٌ، ويُستَفَادُ به الخُرُوج من الخلاف.
[و] أمَّا إذا مات القَرِيبُ، ثم مات هو، وفاتَ الإعْرابَ بمَوْته، فلا سبيل إلى الفرق بَيْن تَوْرِيثِهِ والتَّوْرِيث عَنْه، وَلَوْ قُتِلَ بَعْد البُلُوغ، وقبل الإعْرَابُ، ففي تعلُّق القِصَاصِ بقَتْله قولان:
أحَدُهُمَا: التعلُّق، كما لو قُتِلَ قَبلَ البُلوغ.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّ سكوتَه يحتملُ الكُفْرَ والجُحُودِ.
والقَصاصُ يُدْرَأ بالشُّبْهة، ويخالفُ ما قَبْل البُلُوغ، فإنَّه حينئذٍ مَحكَومٌ بإسْلامه تَبَعاً وقد انقطَعتِ التبعيَّةُ بالبُلُوغ، والقولان مبنيَّان على أنَّه إذا أعربَ بالكُفْر، كان مرتداً أو كافراً أصليًّا، إن قلْنا بالأوَّل، وجب القِصَاصُ، وإن قلْنا بالثاني، فلا؛ لكن الظاهِرَ مَنْعُ القصاصِ، وإن كان الأظهرُ كَوْنَهُ مرتدًّا؛ تعليلاً بالشبهة.
وأمَّا الديةُ؛ فالذي أطلقوه، وحكوه عن نصِّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تعلُّقُ الديةَ الكاملةِ بقَتْلِهِ، وقياسُ قوْلِنا -أنَّه لو أعْرَبَ بالكُفْر، كان كافراً أصليًّا أنه لا توجب الديَةَ الكاملةَ عَلَى رأْيٍ، كما أنَّه إذا فاتَ الإعرابُ بالموت، يُرَدُّ الميراثُ والإجْزاءُ عن الكفَّارة على رأْي 1.
رَوَى الإمامُ عن القاضِي الحُسَيْن إجراءَ القول بمنع القَصَاصِ يمنع الحكم بأنَّه، لو أعْرَبَ بالكُفْر، كان مرتدًّا وعَدَّهُ من هفواته.
وقولُه في الكتابِ: "ولو قُتِلَ قَبْلَ البُلُوغ، لم يَسْقُط القِصَاصُ؛ لشُبْهة الكُفْرُ"، يعني أنَّه لا يمتنعُ القِصَاصُ بسَبَب يوهِمُ الكُفْرَ بعْد الَبُلُوغ، إذ الإسْلاَمُ في الحال مَجْزُومٌ به.
" فَرْعٌ"
الصَّبِىُّ المحكومُ بكُفْرِهِ، إذا بلغَ مجنوناً، حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّغير، حتَّى إذا أسلمَ أحدُ والدَيه، تَبعه، وإن بلغ عَاقِلاً، ثم جُنَّ، فوجهان:
إن قلْنا: إنَّه إذا طرأ جُنُونُهُ، عادتْ ولايةُ المالِ إلى الأَبِ، فإذَا أَسْلَمَ، استتبعه، وهو الأَصَحُّ، وإلاَّ، فلا.
قال الغَزَالِيُّ: (الْجِهَةُ الثَّانِيَة) تَبَعِيَّةُ السَّابِي المُسْلِم، وَمَنِ اسْتَرَقَّ طِفْلاً حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ (و)، وَإِن أسْتَرَقَّهُ ذِمِّيٌّ لَمْ يُحْكَمْ بِإسْلاَمِهِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وإنْ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِم لَمْ يُحْكَمُ أَيْضاً بِإِسْلاَمِهِ لأَنَّ مِلْكَ المُسْلِمِ طَارِئٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَثَرُ الابْتِدَاءِ، وَلَوَ اسْتَرَقَّهُ مُسْلِمٌ وَمَعَهُ أبوَاهُ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسَلامِهِ، ثُمَّ حُكْمُ هَذَا الصَّبِيِّ حُكْمُ من قُضِيَ بِإِسْلاَمِهِ تَابِعاً لأَبوَيْهِ إِذَا بَلَغَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الثانيةُ: تبعيَّةُ السَّابي، فإذا سَبَى المُسْلِم طِفْلاً منفَرِداً عن أَبَوَيْهِ، حُكِمَ بإسلامه؛ لأنَّه صَارَ تَحْتَ ولايَتِهِ، وليْسَ مَعَه مَنْ هو أقرَبُ إلَيْه، فتبعه كما تبعه الأبوَيْنِ 1.
قال الإمامُ: وكأنَّ السَّبْي، لما أبْطَلَ حرِّيَّتَه، قلَبَهُ قَلْباً كُلِّيَّا، فعدم عما كان واستفتح لَهُ وجود تحت يَدِ السَّابي وولايتِهِ؛ فأشْبَهَ تولُّدَهُ من الأبَوَيْنِ.
ولو كان السابِي ذِمِّيًّا، فوجهان:
أَحَدُهُمَا: أنَّه يُحْكَمُ بإسْلامِهِ أَيْضاً؛ لأنَّه، إذا أسبيناه، صار مِنْ أهل دار الإِسْلاَم؛ لأنَّ الذمِّيَّ مِنْ أهلها، فيُجْعَلُ مُسْلِماً تبعاً للدَّار.
وأصَحُّهُمَا: المنعُ؛ لأنَّ كونه من أهْلِ الدارِ، لمٍ يُؤَثِّرْ فِيهِ وفي حقِّ أولاده 1، فكيف يُؤَثِّرُ في حقِّ مَسْبِيَّهِ، وتبعيَّة الدار إنَّما تُؤَثرِّ في حَقِّ من لا يُعْرَفُ حالُهُ ونَسَبُهُ، ثم لو بَاعَهُ الذِّمِّيُّ من مُسْلِمٍ، لم يُحْكَم بإسلامه 2 أَيْضاً؛ لأن ملكُ المُسْلِم طَرَأَ، وهو رَقيقٌ، وإنما التبعيةُ أَثَرُ ابتداءِ المِلْكِ، فإن عنده يتحقَّق تحوُّلُ الحال، وكذلك سبي الزوجَيْنِ يَقْطَعُ النكاحَ، وتَجَدُّد المِلْكِ على الرقيق لا يقْطَعُه، ولو سُبِيَ ومعه أبواه أو أحَدُهُما، لم يُحْكِمْ بإسلامه 3؛ خلافاً لأحمدَ في إحْدَى الروايتَينِ [عنه]؛ لأنَّ والِدَيْهِ أقربُ إليه من سابِيهِ، فكان أَوْلَى بالاستِتْبَاعِ.
وقال الإمامُ: وكان لا يَبْعُدُ أن يبالي بهما حَيْثُ أتبعناه السَّابِيَ مع وجودِ الأبوَيْنِ، إذا لم يكونَا مَعَه، وقلْنَا: كأنَّه ولدٌ جديدٌ، ولكن لم يختلف الأصحابُ في ذلك،
وكأنَّهم يقولون: إذا لم نَرَهُمَا، فلا نبحث عن بقائهما، وإذا كَانَا مَعه، ثم ماتا، لم نحْكُمْ بإسلامه أيضاً لما مَرَّ من أنَّ التبعيَّةَ إنَّما تثبتُ في أبتداء السَّبْيِ (1). وحُكْمُ الصَّبِيِّ المحكوم بإسْلامه تبعاً للسَّابي، إذا بَلَغَ حُكْمُ الذي حُكِمَ بإسْلامه تبعاً لأَبوَيْهِ، إذا بلغ.
" فَرْعٌ"
إذا أعربا بالكُفْر، وجعلْناهما كافرَيْنِ أصليّين، ألْحقْنَاهُما بدَار الحرب، فإن كان كفْرُهُمَا مما يجوزُ التقْريرُ علَيْه بالجزية، قَرَّرناهما، ولو أعرب بنَوْع من الكفر غَيْر ما كانا موصُوفَيْن به، فهما منتقلان من مِلَّةٍ إلى ملَّةٍ، وفيه تفصيلٌ وخلافٌ يُذْكَرُ في "النِّكاح".
آخر: [و] القولُ في تجهيزهِما والصلاةِ عَلَيْهما ودَفْنِهِمَا في مقابرِ المُسْلمِين، إذا ماتا بعْد البلوغ وقبل الإعراب يتفرَّع على القولَيْن في أنهما، لو أعربا بالكفر، كانا مرتدَّيْنِ أو كافرَيْنِ أصلِيَّيْنِ 2.
ورأَى الإمامُ أن يُتَسَاهَلَ في ذلك ويُقَامَ فيهما شعارُ الإسْلام.
قال الغَزَالِيُّ: (الجِهَةُ الثَّالِثَةُ) تَبَعِيَّةُ الدَّارِ وَهُوَ المَقْصُودُ، فَكُلُّ لَقِيط وُجِدَ في دَارِ الإِسْلاَمِ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِإسْلاَمِهِ، وَإِنْ وُجد فِي دَارِ الحَرْبِ فَكَافِرٌ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ سَاكِنٌ مِنْ تَاجِرٍ أَوْ أَسِيرِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَ وَأَعْرَبَ عَنْ نَفْسِهِ بالكُفْر فَقَدْ قِيَل: إنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ وَلَيْسَ بِمُرْتَدِّ لأَنَّ تَبَعِيَّةَ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ وَكَأَنَّهُ تَوَقُّفٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: فِيهِ قَوْلاَنِ كَمَا في تَبَعِيَّةِ السَّابي وَالوَالِدَيْنِ، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ فَفِي التَّوَقُّف في الأَحْكَامِ1
المَوْقُوفَةِ عَلَى الإِسْلاَمِ نَظَرٌ، وَمَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ إلَى التَّوَقُّفِ وَبِهِ عَلَّلَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في سُقُوط القِصَاصِ عَنْ قَاتِلِهِ، وَلاَ خِلاَف في أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ ذِمِّيٌّ بَيِّنَةَ علَى نَسَبِهِ الْتَحَقَ بِهِ وَتَبِعَهُ في الْكُفْر فَيَدُلُّ علَى ضَعْفِ الحُكْمِ بِالإِسْلاَمِ، وَلَوِ اقْتَصَرَ الذِّمِّيُّ عَلَى مُجَرَّد الدَّعْوى، لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَفِي تَغَيُّرِ حُكْمِ الإِسْلاَمِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَابعٌ لِلنَّسَبِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّما قال: "هِيَ المقصودةُ"؛ لأنَّ الغَرَضَ من عَقْدِ البابِ بيانُ أحْكَامِ اللَّقِيطِ في الإِسْلاَم وغيره.
والجِهَتانِ السَّابقتانِ لا تُفْرَضَان في حقِّ اللَّقِيطِ، حتى يعرِف بهما إسلامهُ، وإنَّما يُحْكَمُ بإسْلامه بهذه الجِهَةِ الثَّالثة.
واللَّقِيطُ، إمَّا أن يُوجَدَ في دارِ الإِسْلاَم أو في دَارِ الكُفْرِ.
وأما دارُ الإسْلاَم، فقد جعَلُوها عَلَى ثلاثةِ أضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: دارٌ يَسْكُنُها المُسْلِمون، فاللَّقِيطُ الذي يُوجَدُ فيها مُسْلِمٌ، وإن كان فيها أَهْلُ الذِّمَّةِ؛ لأنَّه إن كان المسلمون أكثرَ، فالظَّاهرُ أنَّه من أولادهم، وإلاَّ، فيحتملُ أن يَكونَ منْهُم، فيُغلَّبُ حكْمُ الإِسلام 1.
والثاني: دارٌ فَتَحَها المُسْلِمُون؛ وأقرُّوها في يَدِ الكُفَّار بجزية بَعْدما مَلَكُوها أو صَالَحُوهُمْ، ولم يَمْلِكُوهَا، فاللَّقِيطُ فيها مُسْلِمٌ 2، إن كان فيها مُسْلِمٌ، وإلا فكافرٌ.
وفي "التتمة" وجْةٌ؛ أنَّه يُحْكَمُ بكونه مُسْلِماً؛ لجواز أنَّ فيهم مَنْ يَكْتُمُ إيمانَهُ، وأنَّ اللقيط وَلَدُهُ.
والثالث: دارٌ كان المُسْلِمُونَ يَسْكنُونَهَا، ثم جُلُوا عَنْها، وغَلَب عليها المشركون 3، فإن لم يكن فيها مَنْ يُعْرَفُ بالإسلام، فهو كافرٌ.
وقال أبو إسحاقَ المروزيُّ: إنَّه مسلمٌ؛ لأنَّ الدارَ دارُ الإسْلامِ، وربَّما بَقِيَ فيها مَنْ يكْتُم إيمانَه، وإن كان فيها مَنْ يعرف بالإسْلاَم، فهو مُسْلِمٌ.
وقال الإمامُ: يَجُوزُ أن تجرى هذه الدارُ مَجْرَى دار الكفْرِ؛ لغلبة الكفَّار عليها.
وأعْلَمْ أن عدَّهم الضَّرْب الثالِثَ من دارِ الإِسلام يُبَيِّنُ أنَّه ليْسَ من شَرْط دارِ الإسْلاَم أن يكون فيها مُسْلِمُون، بَلْ يكْفي كَوْنُها في يَدِ الإمَامِ واستيلائه.
وأمَّا عدُّهُمُ الضَّرْبَ الثَّالِثَ منْهَا، فقد يُوجَدُ في كلامِ الأصْحاب ما يُشْعِرُ بأنَّ الاستيلاءَ القديمَ يكفي؛ لاستمرار الحُكْم، ورأيتُ لبعض المتأخِّرين تَنْزِيلَ ما ذَكَرُوه على ما إذا كانُوا لا يَمْنَعُون المسْلِمينَ منها، فإنْ مَنَعُوهم، فهي دارُ كُفْرٍ.
وأمَّا دارُ الكُفْرِ، إن لم يكن فيها مسلمٌ، فاللَّقِيطُ الذي يوجَدُ فيها محكوم بكفره، وإن كان فيها تُجَّارٌ من المُسْلِمِين ساكنُونَ، فوجهان:
أحدُهُما: أنَّه كافرٌ، تَبَعاً للدار.
وأشبههما، ويحكى عن ابن أبي هريرةَ: أنَّه مسلمٌ؛ لقيام الاحتمال؛ تغليباً للإسْلاَم، ويجري الوجْهان فيما إذا كان فيها أسَارَى، ورأَى الإمامُ ترتيب الخلاف [فيه عَلَى الخلاف] 1 من التُّجَّار؛ لأنَّهم تحْتَ الضَّبْطِ 2، قال، ويُشْبِهُ أنْ يكونَ الخِلاَفُ في قَوْمٍ ينتشرون، إلاَّ أنَّهم ممْنُوعُون من الخروج من البَلْدة، فأمَّا المحبوسون في المطامير، فيتجه ألا يكونَ لَهُمْ أثرٌ، كما لا أثر لطرق العابرين من المُسْلمين، وحيث حكَمْنا لِلَّقيطِ بالكُفر، فَلَو كان أهْلُ البقعة أصحابَ مِلَلٍ مختلفةٍ، فالقياسُ أن يجعل [من] خَيْرِهِمْ دِيناً 3. وقولُه في الكتاب: "فكلُّ لقِيط وُجِدَ في دار الإسْلاَم، فهو محكومُ بإسلامه" مطلق، لكن قد عَرفْتَ بما ذكرنا أنَّ الأمْرَ فيه على التَّفْصيل، إلاَّ أن يريدَ به الضربَ الأَوَّل خاصَّةٌ، فيكون الكلامُ علَى إطلاقه.
وقولُه: "إلاَّ إذا كان فيها مُسْلِمٌ ساكِنٌ" أشار [به،] إلى الطروق، والاختيارُ لا أثر له.
إذا عَرَفْتَ ذلك، فالصَّبيُّ المحكومُ بإسْلامه بتبعيَّة الدار، إذا بلغ وأعْرَبَ عن نَفْسِه
بالكفر، قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "لاَ يَتَبَيَّنُ لي أَنْ أَقْبَلَهُ وَلاَ أُجِيزَهُ عَلَى الإِسْلامِ" وللأصحاب فيه طريقان:
أحَدُهُمَا: أن هذا تَردِيدُ قَوْلٍ منْهُ، وفي كونِه مُرْتدًّا أو كافراً أصلياً قولان، كما في المحكُومِ بإسْلامه تَبَعاً لإبوَيْه أو السَّابي:
أَظهرُهما: القَطْعُ بأنَّه كافرٌ أصليٌّ بخلاف منْ يُحْكَمُ بإسلامه تبعاً لابُوَيْهِ، أو للسَّابي؛ لأنَّ الحُكْمَ هناك جازٍ علَى علْمٍ منا بحقيقة الحالِ، وههنا مبنيٌّ على ظاهرِ الدَّار.
فإذا أعرب عن نَفْسِهِ بالكفر، تبيَّن خلافُ ما ظنننا [هـ]، وهَذا كما أنَّه، لو بَلَغَ، وأمرَ بالرِّقِّ، يُقْبَلُ، وإن كنَّا نقول بحرِّيَّتِهِ؛ بناءً على الظاهر، وإلى هذا أشارَ في الكِتاب بقَوْلِهِ: "لأن تَبَعِيَّةَ الدَّارِ ضَعِيفَةٌ" ثم احتجَّ على صحَّتها بمسأَلَتَيْنِ:
إحداهما: إذا جعلْنَاه كافراً أصليًّا عنْد إعْرَابِهِ بالكُفْر، ففي التوقُّف في الأحكام الموقُوفَة عَلى الإسْلاَم وجْهَان:
أظهرُهُمَا: أنَّا لا نتوقَّف، بل نُمْضِيهَا كما في المحكوم باسْلامه بأبوَيْه أو بالسَّابِي.
والثاني، وإلَيْه مَيْلُ صاحب "التقريب": أنَّا نتوقَّف إلَى أن يَبْلُغَ، فَيُعْرِبَ عن نَفْسِه، فإنْ مات في صِبَاه، لم يحْكَمْ بشَيءٍ من أحكام الإِسْلام، ويجوز أن يُعْلَمَ قولُهُ في الكتابِ: "كَافِرٌ أَصْلِىٌّ" بالحاء والألف؛ لأنَّ أبا حنيفَة وأحمدَ يجْعَلاَنِهِ مرْتَدًّا.
وقولُه: "وكأنَّه توقُّفٌ" أراد به التَّوَقُّفٌ في أحكام الإِسْلام، لكنَّه قد صرَّح بعد هذه اللفظة بتردُّد الأصحاب في المسألة، فلو طَرَحَهَا، لَمَا ضَرَّ.
وقولُه: "وبه علَّل نص الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-" إلى آخره، أراد به أنَّ الخلافَ الَّذي نَذْكُرُه في تعلُّق القِصَاصِ بقَتْل اللَّقِيط، جَعَلَ صاحبُ "التقريب" مأْخَذَ الخِلاَفِ في التوقُّف في أحْكَام الإسْلام، والمَسْألةُ بشَرْحِها وما قيلَ في مأْخَذِ الخلافِ فيها بيْن يَدَيْكَ.
وهناك يتبيَّن أنَّه هل للشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نَصٌّ عَلى سقوطِ الضمان، كما ذكره أم كَيْفَ الحال؟ وليْسَ فيما حَكاهُ منْ تعليل صاحب "التقريب" في هذا الفَصْل كثيرُ غرضٍ، ويُغْنِي عنه ما في الفَصْل بَعْد هذا.
واعْلَمْ أَنَّ قولَهُ في أوَّل الفَصْل "فهو محكومً بإسْلامه" ينبغي أنْ يُحْمَلَ على ما يشترك فيه الحكْمُ بالإِسلام جَزْماً، والتوقُّف في أحكام الإِسلام، وهو الامتناعُ مِنَ الحُكْمِ بكفره وما أشْبَهَهُ، وإلاَّ، فإذا حَكَمْنا بالإِسلام جزماً، كيف ينتظم هنا التردُّد في أحكامه؟! ويجوزُ أن يجعل الأول جواباً على الأظْهَرِ، ثم تبين بالآخرة أنَّ فيه خلافاً.
المسألة الثانية: المحْتَجُّ بها، وهي مقصودُةُ في نَفْسِها، اللقيط الذي وُجِدَ في دار الإسْلاَم، لو ادعى ذمي نسبه، وأقام عليه بينة، لَحِقَهُ وتَبِعَهُ في الكفر، وارْتفع ما كنَّا
نظنُّهُ، وهذا يدل على أنَّ تبعيَّة الدارِ ضعيفةٌ، وإنِ اقتصر علَى مجرَّد الدعوةِ، ففيه خلافٌ، وذلك أنَّ المُزَنيَّ حَكَى في "المختصر" عن نصِّ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه إذا قال: أحْبَبْتُ أنْ أجْعَلَهُ مُسْلِماً في الصلاة عليه، وإن أمره بالإسْلاَم، إذا بلغ من غير إجْبَار، وأنَّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال في "كتاب الدعوى": أجعله مسلماً، فمن الأصحاب من جعلَهما قولَيْن:
أحدُهما: أنَّه يُحْكَم بكُفْرِه؛ لأنَّه يلْحَقُه بالاستلحاق، وإذا ثبت نسبه، تَبِعَهُ في الدِّين، كما لو قامَتِ البينةُ على النَّسَب.
وأظهرُهما: المنعُ؛ لأنَّا قد حَكَمْنا لهُ بالإسْلاَم، فلا نغيِّره بمجرَّد دعْوَى الكافر، وأيْضاً، فيجوز أن يكونَ وَلَدَهُ، ولكن من مسْلِمَةٍ؛ وحينئذٍ لا يَتْبَعُ الدِّينُ النَّسَبَ.
وقال أبو إسْحَاقَ وغيره: "يَقْطَعُ بأنَّه مسْلِمٌ كما ذكره في الدعْوَى، ويُحْمَل عَلَى ما قاله ههنا عَلَى ما إذا قَامَتِ البينةُ على النَّسَب، وهذا أصحُّ الطريقَيْنِ عِند الأكثرين (1).
والأوَّل هو الذي أورده في الكِتَاب، فليُعْلَمْ لفظُ "الخلاف" بالواو، وسواءٌ قلنا: يتبعُه في الكُفْر أو لا يَتْبَعُة في الكفر، فإنَّه يُحَالُ بينهما كما ذَكْرنا، فيما إذا وصَفَ المميِّزُ الإِسلامَ (2)، ثم إذا بلغ ووَصفَ الكُفْرَ، فإن قلْنا: إنهُ يتْبَعُهُ في الكُفِر يقرر، ولكنه يُهَدَّدُ ويُخَوَّف أوَّلاً، فلعلَّه يُسْلِم، فإنْ قلْنا: لا يتْبَعُهُ، ففي تقريره ما سبَقَ من الخلاف.
" فَرْعٌ"
قَد مرَّ أنَّ اللقيطَ المَحْكُومَ بإسْلامه يُنْفَقُ علَيْه منْ بيْت المال، إذا لم يَكُنْ له مالٌ، وأمَّا المحْكُوم بكُفْره، ففيه وجهان: أقْرَبُهُمَا: الإنْفَاقُ أيضاً 3؛ إذْ لا وجْهَ لنضييعه، وفيه نظرٌ للمسلمين؛ فإنَّه إذا بلغ أَعْطَى الجزيةَ.12
قال الغَزَالِيُّ: (الحُكْمُ الثَّانِي) جِنَايَةُ اللَّقِيطِ، فَأَرْشُهُ عَلَى بَيْتِ المَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ فَمَالُهُ لِبَيْتِ المَالِ من غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فَالأَرْشُ لَهُ، وَإِنْ قُتِلَ عَمْداً فَفِي القِصَاصِ قَوْلاَن: (و) (أَحَدُهُمَا): أنَّهُ يَجِب لأَنَّهُ مُسْلِمٌ مَعْصُومٌ (وَالثَّانِي): لاَ يَجِبُ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ، وَفِي المُسْلِمِينَ صِبْيَانٌ وَمَجَانينُ فَكيْفَ يَسْتَوْفِي، وَهَذَا يَجْرِي في قَتْلِ كُلِّ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ، وَزَيَّفَ صَاحِب "التَّقْرِيب" هَذَا لأَنَّ الاسْتِحْقَاقَ لاَ يُنْسَبُ إِلَى آحَادِ المُسْلِمِينَ وَعَلَلَّهُ بِالتَّوَقُّفِ في إسْلاَمِهِ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَوْفِيهِ الإِمَامُ إنْ شَاءَ، أَوْ أَخَذَ المَالَ لِبَيْتِ المَالِ إنْ رَأَى المَصْلَحَةَ فِيهِ، وَإِنْ قُطِع طَرَفهُ فَيَجِبُ القِصَاصُ لأَنَّ مُسْتَحَقَّة مُعَيَّنٌ، وَعَلَى تَعْلِيلِ صَاحِبِ "التَّقْرِيبِ" إنْ كَانَ الجَانِي مُسْلِماً تَوَقَّفْنَا، فإِنْ أَعْرَبَ بِالإِسْلاَم تَبَيَّنَّا وُجُوبَهُ، وَإِنْ أَعْرَبَ بِالكُفْر تَبَيَّنَّا عَدَمَهُ، ثُمَّ إِنْ قَضَيْنَا بوُجُوبِهِ فَلاَ يَسْتَوْفِيهِ الإمَامُ (و) لأَنَّهُ تَفْوِيتٌ، وَهَلْ يَأْخُذُ الأَرْشَ نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَجْنُوناً فَقِيراً أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ صَبِيّاً غَنِيّاً لَمْ يَأْخُذْهُ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ المَعْنَيَيْنِ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَأْخُذُهُ فَبَلَغَ أَوْ أَفَاقَ وَطَلَبَ القِصَاصَ فَوَجْهَانِ، مَنْشَؤُهُمَا أَنَّ أَخْذَ المَالِ لِلْحَيْلُولَةِ أَوْ لإسْقَاطِ القِصَاصِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْل القولُ في جنايةِ اللَّقِيطِ، وفي الجناية علَيْه.
أما جنايَتُهُ، إنْ كَانَتْ خَطَأً، فموجِبُها في بيْت المالِ؛ لأنَّه ليست له عاقلةٌ خاصَّةٌ، ومالُهُ، إذا مات مصروفٌ إلى بيْتِ المالِ إرْثاً.
وقوله: "من غير توقُّف" يعني أنَّا لا نخرِّج الضَّرْبَ على بيْت المالِ على الخلاف في التَّوقُّف، كما لا نتوقَّف في صَرْفِ تَرِكَتِهِ إلَى بيْتِ المالِ 1، ويجعل الغُرْمُ بالغُنْمِ.
وإنْ كانَتْ عَمْداً نُظِرَ، إنْ كان قد بَلَغَ، فعليه القصاصُ عند اجتماع شرائِطِهِ، وإن وَقَعَتْ قبل البلوغ، فإنْ قُلْنا: إنَّ عَمْدَ الصبيِّ عَمْدٌ، فتجبُ الديةُ مغلَّظةً في ماله، فإنْ لم يكنْ له مالٌ، [فهي] ففي ذمَّتهِ إلَى أنْ يجد.
وإنْ قلنا: إنَّه خطأٌ، فتجبُ مخفَّفةٌ في بيْت المالِ، ولا يخْفَى أن ما ذكَرْناه في جناية تحمل بموجبها.
فأمَّا إذا أتلف مالاً، فلا يكونُ الضَّمانُ إلاَّ عَلَيْه، ولو كَانَ اللَّقِيطُ محكوماً بكُفْره،
لم يضربْ بموجب جنايته علَى بيْتِ المالِ، وتركتُه فَيْءٌ.
وأمَّا الجنايةُ عَليْه، فإمَّا أنْ تكونَ خَطَأً أو عَمْداً:
إن كانت خَطَأً، نُظِرَ، إنْ كانتْ علَى نَفْسِهِ، أُخِذَتِ الدِّيةُ، وُوُضِعَتْ في بيْتِ المالِ، وقياسُ مَنْ قال بالتوقُّف في أحكامه ألا يوجب الديةَ الكاملةَ، ولَمْ أَرَ ذكْرهُ 1.
وإنْ كانتْ على طرفه، فواجبها حقُّ اللقيط يستوفيه القَاضِي له، ويعُودُ فيه القِيَاسُ المذكورُ.
وإنْ كانَتْ عَمْداً، فإنْ قُتِلَ، فالنصُّ في "المختصر" وجُوبُ القصاص، وقطَعَ به بعْضُ الأصحابِ 2 فيما رواه أبو الفرج الزاز، ولم يُثْبِتُوا فيه خلافاً.
وأثبت الأكثرون فيه قولاً آخَرَ أنَّه لاَ يَجِبُ القِصَاصُ، ثُمَّ اخْتَلَف فيهِ هؤلاء في شيئين.
أحَدُهُمَا في مأْخَذ القولَيْنِ:
قال قومٌ: وجْهُ الوُجُوب: أنَّه مسْلِمٌ معْصُومٌ، ووَجْهُ المَنْع؛ أنَّه، لو وَجَبَ القِصَاصُ، لَوَجَبَ لعامَّةِ المُسْلِمِينَ، كما يُصْرَف ماله إليهم، وفي المُسْلِمِين صبْيَان ومَجَانِينَ.
ومهما كان في الوَرَثَةِ صبيان ومجانينٌ، لا يمكن أستبقاءُ القِصَاص قَبْلَ البُلُوغ والإفَاقَة، وأيْضاً، فإنَّه لا بُدَّ مِن اجتماعِ الورثةِ على الاستيفاء، واجتماع جميعِ المسلمين متعذِّرٌ.
وعن صاحب "التقريب" بناؤهُمَا على أنَّ المحكوم بإسْلامه تَجْرِي علَيْه أحكامُ الإسْلاَم، أو نتوقَّف فيه إلَى أنْ يُعْرِبَ بالإِسلام؟
فإن قلْنا بالأول، أوجَبْنَا القِصَاصَ، وإنْ قلنا بالثاني، فقد فات الإعرابُ بقَتْله، فلا يجْري علَيْه حكمُ المسلمين، وهذا لو أوصَى من ليس له وارثٌ.
قال: والمأْخَذُ الأوَّل فاسدٌ؛ لأنَّ الاستحقاق يُنْسَبُ إلى جهة الإسْلام، لا إلى آحاد المُسْلمين؛ ولهذا لو أوصَى مَنْ لَيْس له وارثٌ خاصُّ لجماعةٍ من المسلمين، لا يُجْعَلُ ذلك وَصِيَّةً للورثة، فهَذَانِ مأْخَذَانِ للمسألة.
وفرَّع عليهما الشيخُ أبو محمَّد، ما إذا [أ] ثبت لرَجُلٍ حَقَّ قصاص لم يستَوْفِهِ، حتَّى مات، وورثه المسلمون، فعلى المأخَذِ الأوَّلِ في بقاء القِصاصِ القولان، وعلى
الثاني، يبْقَى لا محالَةَ، ولو قُتِلَ اللَّقِيطُ بعْد البلوغ والإعراب بالإسْلام، جرى الخلافُ على المأخذ الأوَّل دون الثاني، ولو قُتِلَ بَعْدَ البلوغ وقبل الإعْرَاب، جَرَى الخلافُ على المأخَذَيْنِ، [و] لكنْ بالترتيب على ما قبل البلوغ، إنْ مَنَعْنَا القِصَاصَ، ثم فههنا أَوْلَى، وإنْ أوجبنا القصاصِ ثم فههنا وجْهان؛ لقدرته على إظهار ما هُوَ عَلَيْه مِن الاختلاف.
الثاني في كيفيَّة قوْل المَنْع.
ففي "النهاية" نقله عن رواية البُوَيْطِيِّ، وفي "التتمة" عن رواية الرَّبِيع، والمفهوم من كلام المُعْظَم، أنهَّ غيرُ منصوصٍ علَيْه في المَسْألة بخُصُوصها، ولكنْ قال قائلون: اللقيطُ لا وَارِثَ له.
وقد رَوَى البُوَيْطِىُّ قولاً: أنَّه لا قِصَاصَ بقَتْلِ مَنْ لاَ وَارِثَ له، فيتناول اللَّقِيطَ تناوُلَ العُمُوم للخُصُوص.
وعن أبي الطيِّب ابن سَلَمَة والقَفَّال تخريجُهُ من أحد القولَيْن في أن مَنْ قَذَفَ اللقيطَ بعْد بُلُوغِهِ لا يُحَدُّ، ويخرَّج من هذا مأخذٌ ثالثٌ، وهو درْءُ القِصاصِ بشبهة الرِّقِّ والكُفْرِ، ثم الأصحُّ من القولَيْن وجوبُ القِصَاصِ بالاتِّفاقِ، وإنْ كانَتِ الجنايةُ على طرف اللَّقِيطِ، فَعَلَى المأْخَذِ الأوَّل يُقْطَعُ بِوُجُوبِ القصاصِ؛ لأنَّ الاستحقاقَ فيه لِلَّقِيطِ، وهو متعيِّن لا للعامَّة.
وعلى المأْخَذ الثَّاني، إذا فَرَّعنا علَى قَوْلِ المنْعِ هناك نتوقَّف في قِصَاصِ الطرف، فلو بلغ وأعْرَب بالإسْلام، تَبَيَّنَّا وجُوبَه، وإلاَّ، تبينا عَدَمَهُ.
وعلى المأخذ الثالث؛ يجري القولان بلاَ فَرْقٍ، وإذا كان الجاني في النَّفْسِ أو في الطُّرقِ كافراً رقيقاً، جَرَى القولان علَى المأخذ الأول دون الثانِي والثالث، هذا ما يتعلَّق بوجوب القِصاص.
أمَّا استيفاؤه، إذا قلْنا بالوجوب، فقِصاصُ النَّفْس يستوفيه الإمامُ، إن رَأَى المصْلحةَ فيه، وإنْ رَأَى غيره، عدل عنْه إلى الدِّيَة، ولو لم نجوِّز ذلك، لالْتَحَقَ هَذا القِصاصُ بالحدود المتَّجِهةِ، وليْسَ له العفْوُ مجاناً؛ لأنَّه على خلافُ المصلحةِ للمسلمين.
وأما قِصَاصُ الطَّرَف، فإنْ كان اللقيطُ بالِغاً عَاقِلاً، فالاستيفاء إلَيْه، وإلاَّ فَلَيْسَ للإمام أستيفاؤُه؛ لأنَّه قَدْ يُرِيدُ التَّشَفِّي، وقد لا يُريدُ العفْوَ فلا يفوت عليه.
وعن القَفَّالِ: أنَّ له الاستيفاءَ في المَجْنُون؛ لأنَّه لا ينتظر لإفاقته وقْتٌ متعيَّنٌ، والتأخير لا إلى غاية قريب من التَّفْوِيت، وهذا بعيدٌ عند الأصحاب.
وَأَبْعَدُ منه أنَّ أبا الفرح السَّرْخَسِيُّ حَكَى وجهاً مُطْلَقاً في جواز الاقتصاص؛ من
حيث يجوزُ له أخْذُ الأَرْشِ علَى ما سنبيِّنه؛ -إن شاء الله تعالى- لأنه أحد البدلَيْنِ، فله استيفاؤه كالثاني، والمذْهَبُ الأوَّل.
وإذا لم يستَوْفِ القِصَاصَ، فهَلْ له أنْ يأْخُذَ أَرْشَ الجناية، نَظَرٌ، إن كان المجنيُّ عليه مجْنُوناً فَقيراً، فله الأخذُ؛ لأنَّه يحتاجُ، ولَيْس لزوال علته غايةٌ تُنْتَظَر، وإن كان صَبِيّاً غنيّاً، لم يَأْخُذْهُ 1 لأنَّه لا حَاجَةَ في الْحَالِ، وِلزَوَالِ الصبي غايةً منتظرةً، وإن كان مجنوناً غنياً أو فقيراً صَبِيّاً، فوجهان:
أحدُهما: جوازُ الأخْذِ لبُعْدِ الإفاقة في الصُّورة الأولَى، وقيامِ الحَاجَةِ في الثانية.
[والثاني: المنْعُ لعدم الحَاجَة في الأُولَى، وفَرْقِ الانتظارِ في الثانية،] والظاهرُ في الصورَتَيْن المَنعُ، والاعتبَارُ بالجنون والفِقر جميعاً لجواز الأخذْ، وحيثُ قلْنا: لا يجوزُ أخْذُ الأرْشِ، أو لم نَرَ المَصْلَحَةَ فيه، فيُحْبَسُ الجَانِي إلى آوانِ البُلُوغِ والإفَاقَةِ.
وإذا جَوَّزنَاه، فأخَذَه، ثم بلغ الصبيُّ، وأفاق المجْنُونُ، وأراد أن يردَّه، ويقتص، ففي تمكينه منْه وجهان شبيهان بالخلافِ فيما لو عفا الوليُّ عن حقِّ شفعة الصبيِّ للمصلحة، ثم بَلَغَ، وأراد أَخْذَهُ، والوجْهان فيما ذَكَرَ صاحبُ "التَّقْريب" مبنيان علَى أنَّ أَخْذَ المالَ عفْوٌ كُلِّيٌّ، وإسْقَاطٌ للقِصَاصِ أمْ سَبَبُهُ الحيلولةُ؛ لتعذُّر استيفاء القِصَاص الواجب وقد يرجَّح التقديرُ الأوَّل بأنَّ التضحيةَ بالحيلولةِ، إنَّما ينْقَدِح، إذَا جاءت الحيلولُة من قِبَل الجاني، كما لو غَيَّب الغاصبُ المَغْصُوبَ، أو أَبقَ العَبْدُ من يده، وههنا، جاء التعذُّر من قِبَلِهِ، وأيضاً، فلو كان الأخذُ للحيلولة، لجاز الأخذُ فيما إذا كان المجنيُّ عَلَيْهِ صَبِيًّا غَنِيًّا، وما ذَكَرْنَاه في أخْذ الأرْشِ لِلَّقِيطِ، جَارٍ في كلِّ طِفْلٍ يليه أبوه أو جدُّهُ بلا فَرْق.
وحَكَى الإمامُ عنْ شيخه أنَّه ليْسَ للوصىِّ أخْذُه، قال: وهذا [أ] حسنُ، إنْ جعلناه إسْقاطاً، فلا يجوزُ الإسْقَاطُ إلاَّ لوالٍ أو وليٍّ.
أمَّا إذا جوَّزناه للحيلولةِ، فينبغي ألاَّ يَجُوزَ للوصيِّ أيضاً.
ولْنَعُدْ إلَى ما يحتاجُ إلَى ذِكْرِه من لفظ الكتاب:
قولة: "ففي القِصاص قولان" يجوز إعلامُه بالواو؛ للطريقة القاطعة بالوجُوب.
قوله: "وهذا يجْرِي في قتلِ كلِّ من لا وَارِثَ له" ربما أشعر بأن أصْل القَولَيْن في اللَّقِيط ثم اطَّرَدَ في كلِّ مَنْ لا وارِثَ له تفريعاً، وقد صرَّحَ صاحبُ "النهاية" به عن الشيخ أبي محمَّدٍ، لكنْ فيما قدَّمناه ما يقتَضِي خلافَهُ.
وقولُهُ: "وزَيَّف صاحبُ "التقريب" هذا" يعني توجيهَ القَوْلِ، ولك أن توجِّه الإشْكَالَ علَى مزَيِّفه منْ وجْهَيْن:
أحدُهُما: أنَّ غايةَ ما يلزمُ من كلامِهِ ضعْفَ المَعْنَى الذي وجَّهوا به قَوْلَ المَنْع، والذي وجهه به ضعيفٌ أَيْضاً؛ لأنَّ قولَ المَنْع مرجُوحٌ بالاتفاق، ولا يكونُ ذلك إلاَّ لضَعْفِ دَلِيلِهِ، ولا ينكر أن الضعيفَيْنِ قد يكون أحدُهما أضْعَفَ مِنَ الآخَر، لكنَّ البحثَ إذا انتهَى إلَى مثْلِ ذلِك فلي تَرْكُهُ.
والثاني: أنَّ القولَيْن يأتيان في غَيْرِ اللَّقِيطِ ممَّا لا وَارِثَ له، ولا مَجَالَ لما ذَكَرَه في غير اللَّقِيطِ، فكما جاز التوجِيهُ بما ذكروه في غير اللقيط، جاز في اللَّقِيطِ.
وقولُه: "فعلى هذا" أي عَلَى قول الوُجُوبِ، وإنْ كانَ هذا اللفظ متَّصِلاً بقَوْل المَنْع.
وقوله: "يَسْتَوْفِيهِ الإمامُ إنْ شَاءَ" ليْسَ على التَّشَهِّي، بل إنما يَستَوْفِيهِ، إذا رَأَى المَصْلَحَةَ فيه كَمَا صرَّحَ بِهِ في طرف أخذ المَالِ.
وقولُه: "من قطع الطرف فيجب القصاص" أي: جَزْماً، بناءً على المأخذ الأوَّل.
وعلى توجيه صاحب "التقريب" يَجْرِي القولان، فعلَى قولِ المنع؛ يتوفَّف.
وقولُه: "إن كان الجَانِي حُرّاً مُسْلِماً" لا اختصاصَ له بهذا الموضِعِ، بل الكفاءة معتبرةٌ في النَّفْسِ والطرف جميعاً، والشَّرْطُ المعتبر في الحكْم لا يتكررَّ في كلِّ صورة.
وقولُه: "فلا يَسْتَوْفيه الإمامُ" مُعْلَمٌ بالواو؛ لما سبق.
وقوله: "فإنْ وُجِدَ أَحَدُ المَعْنَيَيْنِ" يعني المَعْنَيَيْن المؤثِّرين في الأخْذ، وهما الجُنُونُ والفَقْرُ.
قال الغَزَالِيُّ: (الحُكْمُ الثَّالِثُ: نَسَبُ اللَّقْيطِ) فإنِ اسْتَلْحَقَهُ المُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ أُلْحِقَ بِهِ؛ لأَنَّ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ عَلَى النَّسَبِ عَسِيرٌ، وَإِنْ بُلِّغَ فَأَنْكَرَ فَهَلْ يَنْقَطِعُ النَّسَبُ، فِيهِ خِلاَفٌ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَ بَالِغاً فَأَنْكَرَ لَمْ يثْبُتْ، وَلَوَ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدٌ فَالصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ أنَّهُ كَالحُرِّ (و) في النَّسَبِ، وَلَوَ اسْتَلْحَقَهُ ذِمِّيٌّ أُلْحِقَ بِهِ، وَفِي الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ تَابعاً لَهُ مَا سَبَقَ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَتْهُ أمْرَأَةٌ ذَاتُ زَوْج لَحِقَهَا عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: لاَ لأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اسْتِلْحَاقُهَا لُحُوقَ الزَّوْجِ، وَقِيلَ: إِنَّ الخَلِيَّةَ يَلْحَقُهَا دُونَ ذَاتِ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القولُ في نَسَب اللَّقِيطِ كما في سَائِر المَجَاهِيل، فإذا استلْحَقَهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ، أُلْحِق به؛ لأنَّه أقَرَّ له بحقِّ؛ فأشبه ما لو أقرَّ بمال.
وأيضاً، فإنَّ إقامةَ البيِّنةِ على النَّسَب هما يَعْسُر، ولَوْ لَم يُثْبِتْهُ بالاستلحاق، لِضاع كثيرٌ من الإنساب، وقد سَبَق في "باب الإقْرار" بالنَّسَب ما يُشْتَرَط في الاستلحاق، ولا فَرْقَ في ذلك بيْن الملتقط وغيره، لكنْ يُسْتَحبُّ أن يُقَالَ للملتَقِط: مِنْ أين هو لَكَ؟ فربما يُتَوَهَّمُ أن يد الالتقاطِ تُفِيدُ النسب (1).
وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه، إن استلحقَه الملْتَقِطُ، لم يلحق به؛ لأنَّ
الإنسانَ لا ينبذ ولدَه، ثم يَلْتَقِطه، إلاَّ أن يكون ممَّن لا يعيشُ لَهُ وَلَدٌ، فيُلْحَقُ به؛ لأنَّه قد يفعل مثل ذلك تفاؤُلاً ليعيش الْوَلَدُ، وإذَا أُلحِقَ بغَيْر الملتقِطِ، سُلِّم إليه؛ لأنَّ الأبَ أحقُّ بالتربية والحِفْظ من الأجنبىِّ.
واستلحاقُ الكافِرِ كاستلحاق المُسْلِمِ في ثُبُوتِ النَّسَب (2)، لاستوائِهِما في الجهاتِ المثبتة لِلنَسَّب.
وقوله في الكتاب "وفي الحُكْم بكُفْره تابعاً له ما سَبَق" لا حاجةَ إلَى ذِكْرِهِ، فإنَّ الكَلامَ الآن في النَّسَب، وأمَّا حُكْمُ الدّين، فَقَدْ تقدَّم.
وقوله: وإنْ بَلَغَ وأنْكَر، وقوله"وإن استلحق بالغاً" الصورتان مكررتان، قدْ مَرَّتا بشَرْحِهِما في "باب الإقرار" بالنسب والحاجة في الفصلِ إلى شَرْحِ مَسْأَلَتَيْنِ.
" الْمَسْأَلَةُ الأولى"
لو استلحقه عَبْدٌ، لَحِقَه، إنْ صَدَّقه السَّيِّدُ، وَإِنْ كَذَّبه، فكذلك نصَّ عليه هاهنا.
وعن نصِّه في "الدَّعاوَى" أنَّه ليس أهْلاً لِلاسْتِلْحاقِ، فحَصَلَ قولان:
أحدُهُما: المَنْعُ لما فيه من الإضْرَار بالسَّيِّدِ بسبب انقطاعِ الميراثِ عَنْه، لو أعْتَقَهُ.
وأصحُّهُمَا: اللُّحُوقُ؛ لأنَّ العَبْدَ كالحُرِّ في أمْر النَّسَبِ، لإمْكَان العلوقِ منْه بالنِّكَاح، وبوطء الشَبهة، ولا اعتبارَ بما ذَكَره من الإضْرَار؛ ألاَ تَرَى أنَّ مَنِ استلحق أبْناً، وله أخٌ، يُقْبَلُ استلحاقه.12
وَعنْ روايةِ الشَّرِيفِ نَاصِرِ العُمَرِيِّ طريقتان أُخْرَيَان:
إحداهُما: القَطْعُ بالقَوْلِ الأَوَّلِ.
والثانيةُ: القَطْعُ باللُّحُوقِ، إذا كَانَ مَأْذُوناً في النِّكَاح، ومضى من الزَّمانِ ما يحتمل حُصُول الوَلَدِ، وتخْصيص القَوْلَيْنِ بما إذاً لمْ يَكُنْ مَأْذُوناً، وَيَجْري الخلافُ فيما إِذا أَقرَّ العبْدُ بأخٍ أو عَمِّ.
وفي "التَّتِمَةُ"طريقةٌ أُخْرَى قاطعةٌ بالمَنْع هاهنا؛ لأَنَّ لِظُهُورِ نسَبِهِ طَرِيقاً آخَرَ، وهو إقرارُ الأَبِ والجَدِّ، ويجري الخلافُ فيما لو استلْحَقَ حرٌّ عبْدَ غَيْرِهِ، وهُوَ بَالِغٌ، فصدَّقه لما فيه من قطْع الإرْثِ المُتَوَهَّمِ بالوَلاَء.
وفي "النِّهَايَةِ" أَنَّ بعْضَ الأصْحَاب قَطَعَ بِثُبُوتِ النَّسَب هاهنا وقال الحر: مِنْ أَهْلِ الاستلحاقِ على الإطْلاَقِ، ويجْرِي الخلافُ فيما لو اسْتَلحَقَ المعْتقُ غَيْرَهُ.
والقَوْلُ بالمِنْع هاهنا أَبْعَدُ لاِستقلالِهِ بالنكاح والتَّسَرِّي، وَإذَا جَعَلْنَا العَبْدَ منْ أَهْلِ الاستلحاقِ، فلا يُسلمُ اللقيطُ إليه؛ لأنَّه لا يتفرَّغُ لحضانَتِهِ وتَرْبيَتِهِ، ولا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لأنَّه لا مال له، وَيجُوزُ إعْلاَمُ قَوْلِهِ في الكتابِ.
"فالصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ" بالواو لمَا حَكيْنَاه.
المسألة الثانِيَة:
إذا استلحقت المرأةُ موْلُوداً، وَأَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، لَحِقَها وَلَحِقَ زوْجَهَا، إن كانَت ذاتَ زوْج، وكانَ العُلُوقُ منْهُ مُمْكِناً، ولا يَنتفِي عَنْهُ إلا باللِّعَانِ، هذا إذا قيدت البينَّة بأنها وَلَدَتَهُ عَلَى فِرَاشِهِ.
أمّا إذا لم يتعرَّضْ للفراش، ففي ثبوت نسبهِ من الزَّوْج وجهانِ، حكاهما الشَّيْخُ أبو الفرج الزاز، فإن لم تُقِمْ بينةً، واقتصرَتْ علَى مجرَّدِ الدَعوى، ففيهِ ثلاثَةُ أَوْجُهٍ:
أحدها: أنها تقبل، ويلْحَقُها الوَلَدُ؛ لأنَّهَا أَحَدُ الأبَوَيْنِ، فصارَتْ كالرَّجُلِ وبل أوْلَى؛ لأنَّ جِهَةَ اللحوقِ بالرجلِ النكاحُ والوطئُ بالشُبهةِ، والمرأة تشارك الرجلُ فيهما، وتختص بجهة أخرى وهي الزنا.
وأظهرهما: المنعُ، وبهِ قال أَبُو حَنِيْفَةَ، وتفارِق الرَّجُل من وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّه يمكنُها إقامةُ البيِّنةِ؛ على الوِلاَدَةِ من طريقِ المُشَاهَدَةِ، والرَّجُلُ لا يمكنه، فمسَتَّ الحاجةُ إلَى إثباتِ النَّسَبِ من جِهَتِهِ بمجرَّدِ الدعْوَى.
والثاني، عن صاحب "التقريب": أنَّها إذا أَقَرَّتْ بالنَّسَبِ، فكَأَنَّها تقر بحقِّ عليها وعلَى غَيْرِها؛ لأنَّها فِرَاشٌ للزَّوْجِ، وقَد بَطَلَ إِقْرَارُهَا في حقِّ الزَّوْج؛ فبطل الجَمِيعُ: لأنَّ الإقرارَ الواحِدَ، إذا بَطَل بعضُهُ، بَطَل كُلُّهُ [ويقرب من] هذا قولَهُ في الكتابِ "لا لأنه
يتضمَّن استلْحَاقُهَا لُحُوقَ الزَّوْجِ" وفيهِ إشكالٌ؛ لأنَّ من أقَرَّ عَلَى نَفسِهِ وغيرِهِ بمالٍ يلزمُهُ في حقِّ نفسه، وإن لم يُقْبَلْ في حقِّ الغَيْرِ.
والثالث: أنَّها، إن كانت ذاتَ زَوْجٍ، لَمْ يُقْبَل إقرارُهَا؛ لتعذُّر الإلحاق بها دون الزَّوْجِ، وتَعَذُّرِ قُبُولِ قولها على الزَّوْجِ.
وعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ كالوَجْهِ الأوَّلِ والثَالِثِ.
وإذا قبلنا استلْحَاقَها، ولَهَا زوجٌ، فَفِي اللُّحوقُ به وجهان:
أحَدُهُمَا، ويُحْكَى عن أبي الطيب بن سَلَمَة؛ اللحوقُ، كما لو قامَتِ البَيِّنَةُ.
وأصحُّهُما، وهو الذي أَوْرَدَهُ المُعَظَمُ: المَنْع؛ وعلَيْهِ بُنِيَ توجيهُ القولين الأخيرَيْن؛ لأنَّه يحتمل أنَّها ولدَتْهُ مِنْ وطء شبهةٍ أو [من] زَوْجٍ آخَر.
واستلحاق الأمةِ كاستلحاق الحُرَّةِ، إذا جوَّزنا استلحاقَ العبد، فإن قبلناه، فَهَلْ نحكم بِرِقّ الوَلَدِ لموْلاَهَا، أثبت صاحِبُ "التهذيب" فيه وَجْهَيْنِ، والَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وتابَعَهُ المتولِّي: المَنْعُ.
قال الغَزالِيُّ: وَإِنْ تَدَاعَى اثْنَانِ مَوْلُوداً لَمْ يُقَدَّمْ حُرٌّ (ح و) عَلَى عَبْدٍ، وَلاَ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ، بَلْ يُعْرَضُ عَلَى القَائِفِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ يُقَالُ لَهُ بَعْدَ البُلُوغِ (و) وَالِ مِنْ شِئْتَ، وَيُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى مَيْلِ الجِبِلَّةِ، فَلَوْ رَجَعَ عَنِ اخْتِيَارِهِ لَمْ يُمَكَّنْ، وَلَوْ وُجِدَ بَعْدَهُ قَائِفٌ قُدِّمَتِ القِيَافَةُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، فَإنْ قَامَتْ بَيِّنَة قُدِّمَتِ البَيِّنةُ (و) عَلَى حُكْمِ القَائِفِ، وَإِنْ أَقَامَ رَجُلاَنِ بَيِّنَةً عَلَى نَسَبِ مَوْلُودٍ تَهَاتَرَتَا وَأُقْرعَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلٍ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ الدَّعْوَى، وَلاَ يُقَدَّمُ صَاحبُ اليَدِ إنْ كَانَ يَدُهُ عَنِ الْتِقَاطٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُن عَنِ الْتِقَاطِ وَكَانَ قَدْ سَبَقَ اسْتِلْحَاقُهُ قُدِّم عَلَى من يَسْتَلْحِقُهُ مِنْ بَعْدُ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعِ اسْتِلْحَاقُهُ إِلاَّ عِنْدَ دَعْوَى الثَّانِي، وَفِي تَقْدِيمِهِ بِمُجَرَّدِ اليَدِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَكَلَّمنا فيما إذا اسْتَلْحَقَ اللَّقِيطِ شخْصٌ واحدٌ، أمَّا إذا ادَّعَى نسبه اثنانِ، ففيه صُوَرٌ:
إحداها: لو كان أحدُهُما حُرًّا، والآخرُ عَبداً، فإن لم نقبل استلحاقَ العبد، ألحقناه بالحُرِّ، وإلا، فهما سواءٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما أَهْلٌ، لو انفرد فأَشْبَهَا الحُرَّيْنِ.
فيجوز أنْ يُعْلَمَ قولُهُ "حُرُّ على عَبْدٍ" بالواو؛ لأنَّ المذكورَ جوابٌ على قُبُولِ استلحاقِ العبد.
وعِنْدَ أبي حَنِيْفَةَ الحُرُّ أَوْلَى من العَبْد.
الثانيةُ: لَوْ كَان أحدُهُما مُسْلِماً، والآخرُ كَافِراً، فهما سواءٌ؛ لاسْتِوائِهِمَا في
استلحاق النَّسَبُ، وقدَّم أبو حنيفةَ المُسْلِمَ.
وأَعْلِمْ قَوْلَهُ في الكتابِ "لَمْ يُقَدَّم" بالحاء لمذْهَبِهِ في الصورَتَيْنِ.
الثالثة: لو اختصَّ أحدُ المتداعيين باليَدِ، نُظِرَ؛ إنْ كَانَ صَاحِبُ اليَدِ هُوَ المُلْتَقِطَ، لم يُقَدَّم؛ لأنَّ اليَدَ لا تَدُلُّ على النَّسَب 1، ولكن، إن اسْتَلْحَقَا مَعاً، ولا بينة، فيُعْرَضُ الولدُ مَعَهُما على القَافَةِ، كما سَنْذكُر، وإنِ اسْتَلْحَقَهُ الملْتَقِطَ أوَّلاً، وحَكَمْنا بالنَّسَب، ثم ادَّعاهُ آخَرُ.
ذكر الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه يُعْرَضُ مع الثاني علَى القَائِفِ، فإن نفاهُ عَنْهُ، بقي لاحقاً بالملْتَقِطِ باستلحاقِهِ، وإنْ ألحقه بالثاني، عُرِضَ مع المُلْتَقِطِ عَلَيْه 2، فإن نفاه عنه، فهو للثَّاني، وإن ألحقه به أَيْضاً، فقد تعذَّر العَمَلُ بقَوْل القَائِفِ، فيُوقَفُ.
وإنْ كانَ صاحِبُ اليَدِ غَيْرَ الملْتَقِطِ، فقد حَكَى الإمامُ وتَابَعَهُ المُصَنِّفُ؛ أَنَّهُ، إِنْ كَانَ قد اسْتَلْحَقَهُ، وحكمَ بالنَّسَب لَهُ، ثم جَاءَ آخَرُ وَادَّعَى نَسَبَهُ، لم يُلْتَفَتْ إلَيْه، لثبوتِ النَّسبِ من الأوَّلِ، معتضداً باليَدَ، وتَصَرُّفِ الآباءِ في الأولادِ، وإنْ لم يُسْمَعِ استلْحَاقُهُ إلاَّ بَعْدَما جاءَ الثَّاني، واستَلْحَقَهُ، ففيه وجهان:
أحدُهُمَا: تقديمُ صاحِب اليَدِ، كما لَمْ يُقَدَّم استلحَاقُهُ.
وأَشْبَههما: التساوِي؛ لأنَّ الغالبَ مِنْ حال الأَب أن يَذْكُرَ نَسَبَ ولَدِهِ، وَيشْهَرَهُ، فإن لم يَفْعَلْ، صارَتْ يدهُ كيَدِ الملْتَقِطِ في أنَّها لا تدُلُّ على النسب.
الرابعة: إذا تَسَاوَيَا، ولا بَيِّنَة، عرض الولدُ على القائفِ، فبأيهما ألحقه، لَحِقَهُ، والقَوْلُ في مستَنَدِ القِيَافَةِ، وأحْكَامها له باب مفْرَدٌ، فإنْ لم يوجَدِ القائفُ أو تحَيَّرَ فيه، أو ألْحَقَهُ بِهِمَا، أو نفاه عنهما، تُرِكَ اللقيطُ حتَّى يَبْلُغَ، فإذ بَلَغَ، أُمِرَ بالانتساب إلى أَحَدِهِمَا، ولا ينتسبُ بمجَّردِ التَّشَهَّي، بل يعول فيه على ميْل الطَّبْع الذي يَجِدُهُ الوَلَدُ على الوالدِ، والقَرِيبُ إلى القريب، بحكم الجبلة، فيه وجه أَنَّه لا يُشْتَرَطُ البلُوغُ، بل يرجعُ إِلى اخْتيارِهِ، إذا بلَغ سِنَّ التمييز، كما يُخَيَّر حِينَئِذِ بَيْنَ الإَبَوَيْنِ في الحضانة.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ، وَفَرَقُوا بأنَّ اختيارَهُ في الحضَانَةِ لا يلْزَمُ، بَلْ له الرجوعُ عَنِ الاختيارِ الأَوَّلِ، وهَاهُنَا إِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا، لَزِمَهُ، ولم يقْبَلْ رجُوعُهُ.
والصَّبِيُّ ليْسَ من أهْلِ الأمْوَالِ الملْزِمَةِ، وعَلَيْهما النفقةُ في مدَّة الانتظارِ 3، فإذا
انْتَسَبَ إِلَى أَحدِهِمَا، رَجَعَ الآخرُ عليه بما أَنْفَقَ، [ولو لَمْ ينتَسِب إلَى واحدٍ منهما؛ لفَقْد المَيْلِ، بقي الأَمْرُ مَوْقُوفاً] 1.
ولو انتَسَبَ إلَى غَيْرِهِمَا، وأدَّعَاهُ ذَلِكَ الغَيْرُ، ثبت نسبُهُ منه، وفيه وجْهٌ، أنَّه إن كان الرُّجُوعُ إلَى انتسابِهِ بسبب إلْحَاقِ القَائِفِ بهما جميعاً، لم يُقْبَلِ انتسابُهُ إلَى غيرهِما، وإذا انتسبَ إلَى أحَدِهِمَا، لفقد القائف، ثم وُجِدَ، عَرَضْنَاهُ عَلَيْهِ، فإن ألحقَه بالثَّاني، قَدَّمْنَا قوله على الانتسابِ؛ لأَنَّة حُجَّةٌ أَو حُكْمٌ، وعن أبي إسْحَاقَ فيما رواه، أنَّ الانتسابَ مُقَّدمٌ، علَى قول القائف.
قال: وعلَى هذا؛ فمهما أَلْحَقَهُ القائفُ بأَحَدِهِمَا، فللآخَرِ أن ينازعه، ويَقُولَ: يُنْتَظَرُ حتَّى يَبْلُغَ، فينتسب إلَى من يميلُ إلَيْه 2.
ولو أَلْحَقَهُ القائفُ بأَحَدَهِمَا، ثُمَّ أَقَام الآخَرُ بَيِّنَةً، قُدِّمَتِ البِّينَةَ علَى قَوْلِهِ؛ لأنَّ البينَةَ حُجَّةٌ، يعتمد عليها في كلِّ خصومة.
وقولُ القائفِ، وإنْ كان مَقْبُولاً، فمُسْتَنَدُهُ حَدْسٌ وتَخْمِينٌ، وعن أبي الحُسَيْن؛ أنَّ بعض الأصْحابِ قال: لا ينقض ما حكِمَ به، ولا يعمل بالبينة.
ولو تداعَت امرأتانِ نَسَبَ لَقِيطٍ أو مجهولٍ آخَرَ، ولا بَيِّنَةَ، وفَّرَعْنَا علَى أَنَّ استلْحَاقَ المرأةِ مقْبُولٌ، ففي عَرْضِ الولد معهما على القائفِ وجهان:
أحدُهُما: المَنْعُ؛ لأنَّ معرفةَ الأُمُومَةِ يَقِيناً بمشاهدة الولادة ممكنةٌ.
وأصحُّهما، وقدْ نصَّ علَيْهِ: أنَّه يُعْرَضُ؛ لأنَّ القائِفَ حجَّةٌ أو حكمٌ؛ فكان كالبَيِّنَةِ، وعلَى هذا تَنْبَنِي تَجرِبَةُ القائِف وامْتِحَانُهُ عَلَى ما سيَأْتي بيانه في بابه، إن شاءَ اللهُ تَعَالَى.
وإذا أَلْحَقَةُ القائفُ بأحدِهِما، وهي ذاتُ زَوْج، لَحِقَ زَوْجَهَا أَيْضاً، كما لو قامَتِ البينةُ.
وَحَكَى الإِمامُ وجْهاً آخَر؛ أنَّه لا يَلْحقُهُ؛ لأنَّ قَوْلَ القائِفِ لا يصْلُحُ للإلحاق بالمُنْكِرِ؛ ألا ترى أنَّ القائفَ لا يحلق المنبوذ بمَنْ لا يَدَّعِيهِ.
الخامِسَةُ: إِنْ أقَامَ كُلُّ واحدٍ منهما بينةً علَى نسبِهِ، وتَعَارَضَتا، ففي التعارُضِ في الأَمْلاَكِ قَوْلاَن:
أظهرُهُما: التساقُطُ، وعلَى هذا؛ فيتساقَطَانِ هاهُنَا أَيْضَاَ، ويرجعُ إلَى قولِ القائِفِ وقيل: لا يتساقطان.
ويُرَجَّحُ أحدُهُما بقَوْلِ القائف، عن صاحبِ "الحاوي" روايةُ، العبارةِ.