العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 83-116

الولَدِ على نفقة الأهْلِ، كما قدم نفقة النفس على نفقة الولد.
وروى صاحب "التتمة" وجهاً: أن نفقة الولَدِ الطِّفْلِ تُقدَّم على نفقة الزوجة، وأما الذِّيْن ينفق عليهم بالقرابة، فتعود فيهم الطُّرَق، فيُصْرف الفاضل إلى الأقرب، أو الوارث، أو الوليِّ، وفي الطريق الذي قلْنا: إنها تجب على الذَّكَر، يُصْرَف الفاضل ها هنا إلى الأنثى؛ لِعَجْزِها، وزيادَةِ ضعْفها، ويُسَوَّى في الطريق الآخر بين الذكر والأنثى، وإذا صُرِفَ إلى وارِثينَ، فَيُوزَّع بالسوِيَّة أو بِحَسَبِ الإرث، يَعُود فيه الوجهان، وعن الأكثرين: أنه لا يُنْظَر هاهنا إلى مقادير الإرْثِ، ونُورِدُ للتفصيل والتمثيل صوراً: ابنان أو ابنتان يُصْرَف الموجُودُ إليهما، فإن اختص أحدهما بمزيد عجز؛ بأن كان مريضاً أو رضيعاً، فهو أوْلَى قاله في "البَحْر".
ابن وبنت، فالصحيح أنَّهما كالابنين أو كالبنتين، وفيه وجهٌ أن البنْتَ أوْلَى؛ لِضَعْفها.
ابن بنت وبنت ابن، حكى الرويانيُّ أن بنت الابن أوْلَى؛ لضعفها، وعصوبة أبيها، ويثبه أن يُجْعَلاَ كالبنْتِ والابن.
أبٌ وَجَدٌّ أو ابنٌ وابنُ ابن، في وجْهٍ: هما سواءٌ؛ لتساويهما في القرابة، والأصحُّ: تقديم الأب والابن؛ لزيادة القُرْب، فإن كان الأبْعَدُ زَمِناً، ففي "التهذيب" أنه أوْلَى وذكر أنه لو اجتمع جدَّانِ في درَجَةٍ واحدة، وأحدهما وعصبة، كأبِ الأبِ معَ أبِ الأمِّ, فالعصبة أوْلَى، وأنه لو اختلفت الدرجة، واستويا في العصوبة أو عدمها فالأقرب أوْلَى، وإن كان الأبعد عصبةً، تعَارِضُ القرْبَ والعصوبة، واستويا.
ابنٌ وأبٌ إن كان الابن صغيراً، فهو أوْلَى وإلا، فثلاثة أوجه.
أحدها: أن الابن أوْلَى أيضاً، كما في الصغير.
والثاني: الأبُ أَوْلَى؛ لعظم حرمته.
والثالث: أنهما سواءٌ، ويُحْكَى عن اختيار القفَّال، وتجري الأوجه في الابْنِ والأمِّ، وفي الأب والبنت، ويشبه أن تجيء طريقةٌ قاطعةٌ بتقديم الأب وتجري الأوجه في الجد وابن الابن.
أبٌ وأمٌّ، فيه ثلاثة أوجه: أصحهما: تقديم الأم؛ لزيادة عجزها, ولأنها انفردت بجملة إرضاعه وحضانته، فكان حقُّها آكَدَ، ويُرْوَى أن رجلاً أتَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "مَنْ أَبَرُّ فَقَالَ: أُمَّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمَّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: أُمَّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: أَبَاكَ" 1.

والثاني: يُقدَّم الأب مكافأةً لاتفاقه علَيه في الصغر.
والثالث: التسوية بينهما؛ لاستوائهما في القرب.
جدٌّ وابنٌ، فيه طريقان أحدهما: طرْدُ الوجوه.
والثاني: القطْعُ بتقديم الابن، وعن "الجامع" للقاضي أبي حامد: أنه لو اجتمعت جدتانِ لإحداهما ولادتان، وللأخرى ولادةٌ واحدةٌ، فإن كانتا في دَرَجَةٍ واحدةٍ، [فذات] الوِلاَدتَيْنِ أوْلَى، وإن كانت هي أبْعَدَ، فالأُخْرَى أَوْلَى وأنه لو اجتمعت بنتٌ بنْتُ بنتٍ، أبوها ابْنُ ابنِ بنْتٍ مع بنتِ بنتِ بنتٍ، ليس أبوها من أولاده، فإن كانتا في دَرَجَةٍ واحدةٍ، فصاحبه القرابتين أولَى، وإن كانَتْ هي أبْعَدَ، فالأخْرَى أوْلَى، ومهما استوى اثنان، وُزِّعَ المقدور عليه بينهما، وإن كثروا بحيث لو وزَّعْنا، لا يسد قسْط كل واحد منهما مسداً، فالطريقُ الرجوعُ إلى القُرْعة، وكان يَجُوز أن لا يُصَار إلى التوزيع أصلاً؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم لا يكفيه ما يَخُصُّه؛ ولذلك قلْنا: لو قَدَر الزوجُ على نصْف المُدِّ، كان لها حقُّ الفسخ على الأظهر.
وقوله في الكتاب: "في ازدحام الآخذين" أشار بلفظ "الازدحام" إلى أن الكلام في الكتاب فيما إذا لم يتيسر له الإنفاق على جميعهم، وفَضَلَ عَنْه شيء وازدحموا عليه.
وقوله: "فالزوجة أوْلَى" يجوز أن يُعْلَمَ بالواو.
وقوله: "ترجح للأخذ" يجوز أن يُقْرَأَ الآخِذ على موافقة لفظ الآخذين، ويجوز أن يقرأ "الأخْذ"، وهو أوْلَى؛ لقوله في مقابلته: "الالتزام".
فُرُوعٌ: إذا أوجبنا النفقة على أقرب القرابَتَيْنِ، فمات أو أَعْسَرَ، وجَبَ على الأبْعَدِ، ثم إن أَيْسَرَ الأقرب بعْد ذلك، لم يرجع الأبْعَدُ عليه بما أنفق.
وفي "البحر": أنه لو كان له وَلَدَانِ، ولم يَقْدِر إلا على نفقة أحدهما, وله أب موسِرٌ، وجب على الأب نفقةُ الآخرِ فإنِ اتفقا على الإنفاق بالشَّرِكة، أو على أن يَخْتَصَّ كُلُّ واحدٍ بواحدٍ، فذاك، وإن اختلفا، عُمِلَ بقول مَنْ يدعو إلى الاشتراك.
وذكر أنه لو كان للأبوَيْنِ المحتاجَيْنِ ابنٌ، لا يَقْدِر إلا على نفقة أحَدِهما, وللابْنِ ابنٌ موسرٌ، فعلى ابْنِ الابْنِ باقي نفقتهما، فإن اتفقا على أن ينفق عليهما بالشركةَ أو عَلَى أن يختص كلُّ واحدٍ منهما بواحدٍ، فذاك، وإن اختلفا رجعنا إلى اختيار الأبوين، إن = حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة، ورواه أبو داود من طريق كليب بن منفعة عن جده نحوه، وعن المقدام بن معدي كرب سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم بالأقرب فالأقرب، أخرجه البيهقي بإسناد حسن.

استوت نفقتهما، وإن اختلفت، اختصَّ أكثرهما نفقة، بمن هو أكثر [هما] يساراً وجوابا الصورتين متفاوتان كما ترى والقياس أن يُسَوَّى بينهما بل ينبغي في الصورة الثانية أن يقال: تختص الأم بالابْنِ تفريعاً على الأصَحِّ، وهو تقديم الأمِّ على الأبِ، وإذا اختصَّتْ به، تعين الأبُ لإنفاق ابْنِ الابْنِ.
ولا يجب على العَبْد نفقةُ ولَدِهِ، ولكن، إن كانتِ الأم حرةً، فالولد حرٌّ، وعليها نفقته، وإن كانَتْ رقيقة: فهو رقيق أيضاً، والنفقة على المالك، وإن كان الوَلَدُ حُرّاً، والأبوان رقيقين، فنفقته في بيت المال، إلا أن يكون في فروعه مَنْ تلزمه نفقته، ولا يجب على المكاتَبِ أيضاً نفقةُ ولَدِهِ من زوجته، سواءٌ كانَتْ زوجته أمَةً أو حُرَّةً أو مكاتَبَةً، أمَّا إذا كانتْ حرَّةً، فِلأنَّ ولدها يكون حرّاً، والمكاتَبُ لا يُنْفِق على أقاربه الأحْرَارِ، ولأنه ليس من أهل المواساة، وأما إذا كانت أمةً، فلأَنَّ ولدَها يكون لِمَالِكِها، ونفقته عليه لِحَقِّ المِلْك، وأما إذا كانَتْ مكاتَبَةً، فوَلَدُها ملك للسيد، أو يتكاتب عليها حتَّى يَعْتِقَ بعتقها، وَيرِقَّ بِرِقِّها؟ فيه قولان، فإن قلْنا: إنه مِلْكٌ لسيدها، فنفقته عليه، وإن قلْنا: يتكاتب عليها، فنفقته على المكاتبة، أو على سَيِّدها؟ فيه قولان بِنَاءً على أنه لَوْ قبْل لمن تكون القيمة؟ وفيه قولان: أحدهما: للسَّيِّد، فعَلَى هذا تكون النفقة.
والثاني: أنها للمكاتَبَةِ، تستعين بها على أداء النُّجُوم، فعلَى هذا تنفق هي على الولَدِ مِنْ كسبها.
قال القاضي الرُّويانيُّ: هذا أصح ويتبيَّن بما ذكرنا: أن ولَدَ المكاتَبَةِ لا تجِبُ نفقته على أبيه بحال، حرّاً كان أو عبداً، أو مكاتباً، وكما لا يجب على المكاتَبِ أن يُنْفِق على وَلَدِه من زوجته الأمة أو المكاتَبَةِ، لا يجوز له عَجَزَ أن ينفق عليه؛ صَيانةً لحق السيد، فإن كانت الأمة أو المكاتَبَة لسَيِّده أيضاً، فيجوز أن يُنْفِقَ على الوَلَدِ، وإن لَمْ يجب، أما في ولَدِهِ من الأَمَة، فعلى الإطلاق، فإنه مِلْكٌ للسيِّد فإن عَجَزَ المكاتَبُ، فقد أنفق من مال السيد على ملكه، وإن رَقَّ، فقد أنفق من مال نفسه على مِلْكِ السيد، وأما في وَلَدِه من المكاتَبَة، فكذلك، إن جعلْناه مِلْكاً للسيد، وإن قلنا: يتكاتب علَيْها، فلا يجُوزُ له أن يُنْفِق عليه، لجواز أن تُعْتَق ويُعْتَق الولد، ويعجز المكاتَبُ، فيكون قد فَوَّت مال سيده؛ هكذا أطلقوه، ولا يصح القول بتجويز الإنفاق من ماله على ملكه بغَيْر إذنه، ولو استولد المكاتَبُ جارية نَفْسِهِ، فإنْ قلْنا: لا يجوز له ذلك، فيتكاتب الولد عليه، وينفق المكاتَبُ عليه من اكتسابه؛ لأنه لَوْ أُعْتِقَ، فقد أنفق من ماله على وَلَدِهِ، وإن رَقَّ الولدُ أيضاً، فيكون قد أنفق مال السيد على عبده.
وهل تجب نفقة المكاتَبِ على ولده الحُرِّ؟

عن "الحاوي": أنه يحتمل وجهَيْن: أحدهما: لا، لبقاء حكم الرَّقِّ عليه.
والثاني: نعم؛ لانقطاع نفقته عن السيِّد (1)، ومَن نصْفه حرُّ ونصفُه رقيقٌ، قال في "البسيط": الظاهر أنَّه يلزمه نفقة القريب؛ لأنها كالغرامات، وهل يلزمه نفقة تامَّة أو نصْف النفقة، فقد حكى القاضي ابن كجٍّ فيه وجهَيْنِ (2) وذكر وجهَيْنِ (3) أيضاً فيمن نصفه، حرٌّ ونصْفه رقيقٌ، هل يجب على قريبه الحرِّ نفقته بقدْر ما فيه من الحرية، والله أعلم.

البَابُ الثَّالِثُ فِي الحَضَانَةِ،

وَفِيهِ فَصْلاَنِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: الأَوَّلُ فِي صِفَاتِ الحَاضِنَةِ فَنَقُولُ: الحَضَانَةُ وِلاَيَةٌ وَسَلْطَنَةٌ لَكِنَّهَا بِالإِنَاثِ أَلْيَقُ، وَالأُمُّ أَوْلَى مِنَ الأَبِ وإِنْ كَانَتِ المُؤْنَةُ عَلَى الأَبِ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ الأُمُّ مُسْلِمَةً (ح) إِذَا كَانَ الوَلَدُ مُسْلِماً، وَعَاقِلَةً وَحُرَّةً إِذْ لاَ فَرَاغَ لِلرَّقِيقَةِ وَلاَ وِلاَيَةَ لَهَا وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ، وَأَمِينَةً إِذ لاَ يُوثَقُ بِالفَاسِقَةِ، وَفَارِغَةً فَإِذَا نَكَحَتْ بَطَلَ حَقُّهَا إِلاَّ إِذَا نَكَحَتْ عَمَّ الطِّفْلِ أَوْ مَحَارِمَهُ، وَلاَ يُؤَثِّرُ رِضَا الزَّوْجِ، وَيَرْجِعُ حَقُّهَا إِنْ طُلِّقَتْ (م) وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لِأَنَّهَا فَارِغَةٌ، وَفِيْهِ قَوْلٌ إِنْ كَانَتْ فِي مَسْكَنِ الزَّوْجِ فللزَّوْجِ أن لاَ يَرْضَى بِدُخُولِ الطِّفْلِ دَارَهُ، وَمَهْمَا امْتَنَعَ الأَوَّلُ أَوْ غَابَ انْتَقَلَ حَقُّ الحَضَانَةِ إِلَى البَعِيدِ (و) لاَ إِلَى السُّلْطَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحضانة القِيَامُ بحفظ من لا يميِّز، ولا يَسْتَقِلُّ بأمره، وتربيتُه بما يُصْلِحه، ووقايته عما يهلكه، فهي نوع ولايةٍ وسلطنةٍ، لكنها بالإناث أليقُ؛ لأنهن أشفقُ وأهْدَى إلى التربية، وأصبر على القيام بِهَا، وأشدُّ ملازمةً للأطفال، وقد روِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ امرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءٌ، وَثَدْيِيْ لَهُ سِقَاءً، وَحجْرِي لَهُ حَوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أن يَنْزَعَهُ مِنِّي،123

فَقَال النَبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَنْتِ أَحَقُّ به مَا لَمْ تَنْكِحِي" 1 ومؤنة الحضانة على الأب؛ لأنها من أسباب الكفاية كالنفقة، وفي "أمالي أبي الفرج" -رحمه الله- وجْهٌ: أنه ليسَ للأمِّ طلَبُ الأجرة بعْد الفطام 2، وأمَّا أجْرَةُ مدة الرضاع، فقد سبق الكلامُ فيها، وفي الباب فصلان: أحدهما: في صفات من تَحْضُنُ ويُحْضَن، والحضانة لا تخْتصُّ بالإناث، لكنَّهن الأصْلُ فيه؛ ولذلك أتت في ترجمة الفَصْل، فقال: "في صفات الحاضنة".
والثاني: في بيان المستحقِّين للحضَانَةِ وتربيتهم: أَما الفَصْلُ الأَوَّل: فقوله في الكتاب: "فالأم أَوْلَى من الأَب" معادٌ مِنْ بَعْدُ، وليس الغرض الآن الكلام في الترتيب، لكنِ الأُمُّ أَوْلَى الأقارب بالحضَانة، فَتَكلَّم في الصفات المعتبرة فيها، ويقاس بما يعتبر فيها ما يعتبر في غيرها، واعلم أن أبوَيِ الطفل، إن كانا مجتمعَيْنِ على النكاح، فيكون الطفل معهما، يقومان بكفايته الأبُ بالإنفاق، والأُمُّ بالحَضَانَةِ والتَّرْبية، وإنْ وَقَع بينهما فراقٌ بفسخ أو طلاق، فالحضانةُ للأُمِّ، إن رغبتْ فيها كما نطق به الخَبَر، لكنَّ استحقاقها بشروط: أحدها: أن تكون مُسْلِمَةٌ، إذا كان الولَدُ مُسلِماً، فالكافرةُ لا حَضَانَةَ لها على الولَدِ المُسْلم، بإسلام أبيه؛ لأنه لا حظ له في تربية الكافرة؛ لأنها تفتنه، وهو ينشأ على ما يألفه منها؛ ولأنه لا ولاية للكافر على المسلم، وعن أبي سعِيدِ الإصطخريِّ: أنه يثبت للكافرة حقُّ الحضانة، احتجاجاً بما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "خَيَّرَ غُلاَماً بَيْنَ أَبيهِ المسْلِمِ وَأُمِّهِ المُشْرِكَةِ، فَمَالَ إلى الأُمِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ، اهدِهِ، فمال إلى الأب" 3، وعن

بعض الأصحاب فيما حُكَى عن القاضي الرويانيِّ: أن الأم الذمِّيَّةَ أحقُّ بالحضانة من الأب المسلم، إلى أن يبلغ المولودُ سَبْع سنين، ثم الأبُ بعد ذلك أوْلَى قال الأصحاب: والمذهبُ الأولُ، والخبَرُ منسوخٌ، أو محمُولٌ على أنه -صلى الله عليه وسلم- عَرَفَ أنه يُستجابُ دعاؤهُ، وأنه يختار الأب المسلم، وقصد بالتخيير استمالة قلْبِ الأم، وعلى المذهَبَيْنِ تكون الحضانة لأقاربه المسلمين على ما يقتضيه الترتيب، فإن لم يوجد حد، فحضانته على المسلمين، والمؤنةُ في ماله، فإن لم يكن له مالٌ، فعلَى أمه، إن كانت موسرةً، وإلا، فهو من معاويج المسلمين، ووَلَدُ الذِّمِّيِّينَ في الحضانة كولد المسلمين، فالأم أحق بها, ولو وصف صبيٌّ منهم الإسْلاَمَ، نُزعَ من أهل الذمة، ولم يمكنوا من كفالته 1 صحَّحْنا إسلامه أو لم نُصَحِّحه احتياطاً للإسلام، والطفل الكافر هل يثبت لقريبه المسلم حقُّ حضانته؟ قال في "التتمة": الصحيح 2 مِنَ المذهب ثبوتُهُ، وفيه نَظَرٌ له، فقد تصير تربية المسلِمِ سَبَباً لإسلامه، وفيه وجْهٌ آخَرُ بناءً عَلَى أن القريب الذي لَيسَ بوارث لا حضانة له.
قال: ويجري هذا الخلاف فيما إذا جُنَّ الذميُّ، وله قريبٌ مسلمٌ، هل يثبت له حقُّ الحضانة؟ والثاني: أن تكون عاقلةً، فالمجنونة لا حضانَةَ لها؛ لأن المجنون لا يتأتى منه الحفْظُ والتعهُّدُ، بل هو في نفسه محتاجٌ إلَى مَنْ يحضنه، ولا فَرْقَ بين أن يكون الجنونُ مطبقاً أو منقطعاً، إلا إذا كان لا يقع إلا نادراً، ولا تطول مدته، كيوم في سنين مثلاً، فلا يبطل الحقُّ، بل هو كمرض يطرأ 3 ويزول، والمرضُ الذي لا يرجَى زواله، كالسل والفالج، إن كان بحيث يُؤْلمه ويشغله الألم عن كفالته وقد بين أمْرِهِ، يسقط حقُّ الحضانة، وإن كانَ تأثِيرُه في تعسر الحركة والتصرُّف، فكذلك في حقِّ مَنْ يباشر الكفالة بنفسه دُونَ مَنْ يدبِّر الأمور ويباشرها غيره 4.

والثالث: أن تكون حرَّةً، فلا حضانة للرقيقة؛ لأن منفعتها للسَّيِّد، وهي مشغولة به، غير مُتَفرِّغَة للحَضَانة، ولأنها نوع ولاية واحتكامٍ بالحفظ والتربية، والرقيق لا ولاية له، وإن أذن السَّيِّد.
ثم يُنْظَرُ؛ إن كان الولَدُ حُرّاً فحضانته لِمَنْ له الحضانة بعْد الأم مِنَ الأب وغيره، وإن كان رقيقاً، فحضانته على السيِّد، وهل له نزعه مَن الأب وتسليمه إلى غيره؟ فيه وجهان بنَاءً عَلَى القولَيْنِ في جواز التفريق، ولو كانت الأمُّ حُرَّةً، والولدُ رقيقاً، كما لو سُبِيَ، الولد ثم أسْلَمَتِ الأمِّ أو قبلت: الذمة، فكذلك حضانته للسيد وفي الانتزاع منْها الخلافُ، والمدبرة والمُكَاتَبَةَ والمُعْتَقُ بعْضُها لا حَضَانَةَ لَهُنَّ كالقنة.
نعَمْ، وَلَدُ المكاتَبة، إذا قلنا: هو إنها تستعين به في الكتابة، فَيُسلَّم إليها؛ [لا] لأن لها ولايَةَ الحضانة، [لكن الحقَّ لها] 1 وولَد أُمِّ الوَلَدِ منَ الزَّوْج أو الزنا حُكْمه حكم الأم يُعْتَق بموت السيِّد، وحضانته للسيِّد مدةَ حياته، وهل لها حق الحضانة في وَلَدِها من السَّيِّد؟ فيه وجهان: الصحبح المشهور، وهُوَ الذي أورده الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: المنع؛ لنقصانها بالرِّقِّ، وعن الشيخ أبي حامِد: أن لها الحضانةَ إلى سَبْع سنين، ثم السيد أوْلَى بالولد بعْد السبع، قال القاضي الرويانيُّ: والمصلحة الفَتْوَى بما ذكره، وإن كان الصحيحُ الأوَّلَ، ولا حضانة لِمَنْ بعضها رقيقٌ أيضاً؛ لنقصانها, ولو كان نصْفُ الولد حرّاً، ونصفه رقيقاً، فنصف حضانته للسيد، ونصْفُها لمَنْ يلي حضانته من أقاربه الأحْرَارِ، فإن اتفقا على المهايأة، أو على استئجار من تحضنه، أو رضي أحدهما بالآخر، فذاك، وإن تمانَعَا، لم يضيع واستأجر الحاكم من تحضنه، وأوجب المؤنة على السيد وعلى من تقتضي الحال الإيجاب عليه.
والرابع: أن تكون أمينة، فلا حضانة 2 للفاسقة؛ لأن الفاسق لا يلي، ولأنها لا يُؤْمَنُ أن تخون في حفظه، ولأنه لا حَظَّ له في حضانتها؛ لأنه ينشأ على طريقتها.
= في الكفاية: إن حفظ الأم للولد الذي لا يستقل ليس مما يقبل العثرات، فإن المولود في حركاته وسكناته لو لم يكن ملحوظاً من مراقب لا يسهر ولا يغفل لأوشك أن يهلك، ومقتضى هذا أن العلماء يمنع فإن الملاحظة معه كما وصف لا يتأتى.
وقد يقال في ما قيل في الفالج إذا كان لا يلهي عن الحضانة بل يمنع الحركة.
انتهى.
وهو مصرح بجواز الاستنابة.

والخامس: أن تكون فارغةً خليَّةً، فلو نكحت أجنبيّاً، سقط حقُّها من الحضانة؛ لما سبق من الخبر، ورُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الأم أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ" ولأن النكاح يشْغَلُها، بحَقِّ الزوج، ويمنعها من الكفالة، ولا أثر لرضا الزوج، كما لا أثر لرضا السيد، [بحضانة الأمة] وقد يرجعان، فيشوش أحد المولود، ولو نكَحَتْ عمَّ الطفل، ففيه وجهان: أشهرهما: أنه لا يَبْطُل حقُّها؛ لأنَّ العمَّ أيضاً صاحبُ حقٍّ في الحضانة، وشفقته تحمله على رعاية الطِّفْل، فيتعاونان على كفالته، بخلاَف الأجنبيِّ، وهذا هو المذكور في الكتاب وفي "التتمة" وبه قال القَفَّال، ويقال: إن صاحب "التلخيص" خَرَّجَه من قول الشافعيِّ -رضي الله عنه- فيما إذا نَكَحت الجدَّةُ جدَّ الطفل: أنه لا يَبْطُل حقُّها من الحضانة 1، وكذا لو كانت [في نكاحه، يثبت لها حقُّ الحضانة، بخلاف ما لو كانت] 2 في نكاح أجنبيٍّ.
والثاني: أنه يَبْطُل حقُّهما؛ لإطلاق الخبر، وليس العمُّ كالجَدِّ؛ لأنَّ الجد ولي تام الشفقة، قائمٌ مقامَ الأبُ بخلاف العَمِّ.
وقوله في الكتاب: "عم الطفل أو محارمه" من محارمه عمُّ أبيه، وابْنُ أخيه، وابن أخته لكنْ لفظ "المحارم" إنَّمَا كان يحسن أن لو كان المحارمُ هم الملحقين بالعم، وليس كذلك، بل الخلافُ في الأمُّ والعمِّ مُطَّرِدٌ في نكاح الَّتِي لها الحضانة قريبًا للطِّفْل له حَقُّ في الحضانة، كما أنه إذا نَكَحَتْ أمه ابن عم الطفل، أو خالته، إذا صارت الحضانة لها أو عم الطفل أو عمته إذا صارت الحضانة لها خالة، هكذا ذكره الشيخ أبو علي وغيره، ثم إنَّما يبقى الحقُّ، إذا نكحت الجَدَّةُ جدَّ الطفل أو الأم عمه على أصح الوجهَيْن, إذا رضي الذي نكحته بحضانتها، فإن أبى، فله المنع، وعليها الامتناع ثم إذا اجتمعت هذه الشروطُ، فإنما تَثْبُت لها الحضانَةُ، إذا كان الأبوان مقيمَيْن في بلدٍ واحدٍ، فأما إذا سافر أحدهما، فسيأتي حكمه من بعد، وهل يُشْتَرَط؛ لاستحقاقها الحضانة، أن تُرْضِع الوَلَدَ إنْ كان رضيعاً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، ولها الحضانَةُ، وإن لم يكُنْ لها لَبَنْ أو امتنعت من الإرضاع، وعلى الأب أن يستأجر مرضعةً تُرْضِعه عنْد الأم.
والثاني: نعم؛ لعسر استئجار مرضعة تخلي بيتها وتنتقل إلى مَسْكَن الأمِّ؛ وعلَى

هذا، فلا تُمنَعُ الأم من زيارته 1، والأولُ أصحُّ عند صاحب "التهذيب" وأجاب الأكثرون بالثاني، ونَسَبُوا الأَوَّلَ إلى مذْهَب أبي حنيفة، [ثم] في الفصل مسألتان، نذكرهما مع ما يناسبهما: إحداهما: لو أسلمت الكافرةُ أو أفاقتِ المجنونةُ أو عَتَقَتِ الأمة أو حَسُن حال الفاسِقَةِ، تثبت لها الحضانة؛ لارتفاع المانع، ولو طُلِّقت التي سَقَطَ حقُّها بالنكاح، عاد حقُّها خلافاً لمالك.
لنا القياس على الصورة المذكورة، ولا فرْقَ بين أن يكون الطَّلاق بائناً أو رجعيّاً؛ لحصُول الفراغ في الحالَتَيْنِ، هذا هو الظاهر المنصوص.
وقال أبو حنيفة والمزنيُّ لا يعودُ حقُّها بالطلاق الرجعيِّ، حتى تنقضي العدة، وعن ابن سُرَيْج: تخريج قول مثله لمضاهاة الرجعية المَنْكُوحة في الأحْكَام، واحتج له الشيخ أبو عليٍّ، بأن الرجعيَّة تستحق النفقة علَيْه، ولو كان لها أن تحصن ولدها منْ غَيْرِه وتُرْضِعَه، لسقطت نفقتها، كما قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: في امرأة المفقود، إذا اعتدت بأمْرِ الحاكم، ونكَحَتْ ثم عاد الزوْج الأول، وقد ولدت من الثاني: أنه لا نفقةَ علَيْه في إرْضَاعِها وَلَدَ غيرِهِ، وعلى الأول: فإنما يعود حقُّها في [الحضانة] إذا كانت تعتد في بيْتِ الزوج، إذا رضي أن يَدْخُلَ الولد بيته، فإن لم يَرْضَ، لم يَكُنْ لها أن تُدْخِلَه بيته، وكذا في البائنة، وإذا رَضِيَ، لم يكن رضاه كالرِّضَا في صُلْب النكاح؛ لأن المنع هناك؛ لاستحقاقه الاستمتاع، واستهلاك منافعها فيه، والمنع هاهنا يَرْجع إلى المسْكَن، فإذا أذن كان كالمعير.
والثانية: إذا امتنعت الأمُّ من الحضانة، أو غابت، فهَلْ ينتقل حقُّ الحضانة إلى الجَدَّة؟ فيه وجهان:

أصحُّهما: نعم، كما لو ماتت أو جُنَّت.
والثاني: وبه قال ابن الحدَّاد: لا؛ لأن أصليتها باقية، وإنما تركت حقها، بخلاف ما إذا ماتت أو جُنَّتْ، فصار كولاية التَّزْويج، إذا مات الأقرب أو جُنَّ، يُزَوَّج الأبعد، وإذا غاب أو عضل ينوب عنْه السلطان، [ولا يزوج الأبعد، وذكروا على هذا: أن الحضانة تَكُونُ للأب ونزلوه منزلة السلطان،] 1 وهو بعيد، وحق التشبيه بولاية النكاح أن تكُونَ الحضانة للسُّلْطان؛ ولذلك حكاه في "التتمة" عن ابن الحدَّاد.
والصحيح: [أنه] مهما امتنع الأقرب عن الحضانة، تكون الحضانة لِمَنْ يليه، لا للسلطان؛ لأنَّ الحضانة لحظ الطفل، فتفويضها إلى القريب الذي هو أشفق وأشدُّ اهتماماً به وأكْرَمُ إِعَالَة أَوْلَى، بخلاف ولاية النكاح؛ لأن الغائب يمكنه التَّزْوِيج في الغيبة، فإذا لم يفعل، ناب عنه السُّلْطَان، ولا يمْكنه الحضانة في الغَيْبَة، فصار كما إذا نَكَحَت مستحقة الحضانة لم يمكنها القيامُ بها، سَقَط حقُّها، وانتقل إلى مَنْ بعدها، والله أعلمُ.
وليُعْلَمُ قوله في الكتاب: "أن تَكُونَ الأُمُّ مُسْلِمَةً" بالواو وبالحاء؛ لأن عن أبي هريرة وغيره من الأصحاب أنَّ عند أبي حنيفة [لا] يبْطُل حق الحضانة بالكفر، وأعلم بالواو قوله: "إلا إذا نَكَحَتْ عمَّ الطفل أو مَحَارِمَه" واحتج في "التتمة" لبقاء حق الحضانة، إذا نكحت مستحقة الحضانة مَنْ له حقُّ [في] الحضانة، أو إذا كانت في نكاح مثله؛ لِمَا رُوِيَ أن عليّاً وجعفراً وزيْدَ بْنَ حارِثَة -رضي الله عنهم- تنازعوا في حضانة بنت حمزة -رضي الله عنه- بعْدما استشهد، فقال عليٌّ -كرم الله وجهه-: بِنْتُ عَمِّي وعندي بنت رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وقال زَيْدٌ -رضي الله عنه-: بِنْتُ أَخِي، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَدْ آخى بيْن زَيْدٍ وحمزةَ، وقال جعفرٌ -رضي الله عنه-: الحضانة لي في بِنْتُ عَمِّي وعنْدي خالتها 2، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخَالَةُ أُمٌّ وَسَلَّمَهَا إلى جَعْفَرٍ وجعل لها الحضانة، وهي ذات زوج 3. وقوله: "وإن كانت رجعية" مُعْلَم بالحاء والزاي.

وقوله: "إلى البعيد لا إلى السلطان" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (أَمَّا صِفَةُ المَحْضُونِ) فَهِيَ أَنْ لاَ يَسْتَقِلَّ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالمَعْتُوهِ، وَالبِكْرُ البَالِغَةُ عَلَيْهَا وِلاَيَةُ الإِسْكَانِ لِلأَبِ وَالجَدِّ، وَالثَّيِّبُ فَلاَ، إِلاَّ عِنْدَ تُهْمَةٍ فَيَثْبُتُ حَقُّ الإِسْكَانِ لِأَوْلِيَائِهَا أَعْنِي العَصَبَاتِ، ثُمَّ الأُمُّ أَوْلَى بِالصَّغِيرِ، أمَّا إِذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا (ح م)، فإنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا سُلِّمَ إِلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ اسْتُرِدَّ، وَيَسْتَوِي (ح) فِيهِ الغُلاَمُ وَالجَارِيَةُ، وَهَلْ يَجْرِي التَّخْييرُ بَيْنَ الأُمِّ وَمَنْ عَلَى حَاشِيةِ النَّسَبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَجْرِي هَذَا الخِلاَفُ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الأَبِ وَالأُخْتِ وَالخَالَةِ، وَإذَا اخْتَارَ الأبَ لَمْ يَمْنَعِ الأُمَّ مِنَ الزِّيَارَةِ، وَإذَا اخْتَارَ الأُمَّ فَعَلَى الأَبَ مُرَاعَاتُهُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى المَكْتَبِ وَالحِرْفَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: المحْصُون مَنْ لا يستقلُّ بمراعاة نفسه، ولا يهتدي إلى مصالِحِهِ، إما الصِغَرِ أو جنونٍ أو خَبَلٍ قلَّةِ تمييز أو فَقْده، ومهما بلغ الغلام رشيداً وَليَ أَمْرَ نفسه، واستغنى عمن تحْضُنُه، ولا يُجْبَر على أن يكون عند الأبوين أو أحدهما، إن افترقا، ولكن الأَوْلَى أن لا يفارقهما ليخدمهما، ويصل إليهما بِرُّهُ، وإن بلغ عاقلاً غيْرَ رشيدٍ، فقد أطْلَقَ مُطْلِقُون: أنه كالصبيِّ لا يفارِقُ الأبوين وتُدَام حضانته، وقال القاضي ابن كج: إن لم يكنْ مُصْلِحاً لماله، ولم يُحْسِن تدبير نفسه، فالحكم كذلك، وأما إذا كان اختلال الرشيد لعدم الصلاح في الدين، فالمَذْهَب: أنه يسكن حيث يشاء، ولا يُجْبَر على أن يكون عند الأبوين أو أحدهما، وعن أبي الحُسَيْن: أنَّ بعْض الأصحاب قال: تُدَام حضانته إلى ارتفاع الحَجْر عنه، وهذا التفصيل حَسَنٌ وأما الأنثى إذا بَلَغَتْ، وكانت ذاتَ زَوْجٍ، فَتَكُون عند زوجِها، وإلا فإنْ كانت بِكْراً فتكون عند أبَوَيْهَا أو مع أحدهما، إن افترقا، وتختار مَنْ تشاء منهما، وهل تُجْبَر على ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ، وليس لها الاستقلال؛ لأنها في معرض الآفَاتِ، وإذا كان للأبِ والجدِّ إجبارُهَا على النكاح، وهو أعظم حَبْساً، فَلأَنْ يجوز لهما الحَبْسُ في البيت كان أَوْلَى.
والثاني: لا، ولها أن تَسْكُنَ حيث شاءت، ولكن تُكْرَه لها مفارقتهما؛ لما يخاف من الآفات، وهذا ما يوجد في كتب الأصحاب العراقيين، ورأَى الإمامُ وصاحبُ الكتابِ الأَوَّلَ 1 أظْهَرَ، وكذلك ذكر القاضي ابن كج: أنَّه ظاهر المذهب.

وقوله في الكتاب: "عليها ولاية الإسكان للأب والجد" يعني إسكانها عنْدهما وضمها إليهما، وقد أشار إلى تخصيص هذه الولاية بالأب والجد، كولاية الإجْبَار على النِّكَاح، وصرَّح به في "الوسيط" و"البسيط" لكن في "التهذيب": أن للأب أن يَضُمَّها إلى نَفْسِه إلى أن تُزَوَّج، وتُزَفَّ، وكذا الجَدُّ عند عدمه، وفي الأخ والعم وجْهان 1، وإن كانت ثيِّبَاً، فالأوْلَى أن تكون عند الأبوين أو أحدهما, ولا تجبر عليه باتفاق الأصحاب -رحمهم الله-؛ لأنها صاحبة اختيار، وممارسة وبعيدة عن الخديعة، وهذا إذا لم تكن تهمة، ولم تُزَنَّ بريبةٍ فإن كان هناك شيْءٌ من ذلك، فَلِلأَب والجَدِّ ومَنْ يَلِي مِنَ العَصَبَات تزويجُها منعها من الانفراد، ثم المَحْرَم منهم يضمها إلى نفسه، إن رأَى ذلك، وغير المَحْرَم يُسْكِنُها موضعاً يليق بها، ويلاحظها صيانةً لها، ودفْعاً للعار عن النَّسَب، وهذا كما أنَّهم يعترضون على النكاح، إذا فقدت الكفاءة، وعبر في الكتاب عن هذه الجملة بقوله: "فيثبت حقُّ الاسكان لأوليائها يعني، العصبات" وقَدْ يُفْهَم [من] هذا تخصيصُ هذه الولايةِ بالعَصَبَاتِ الدين [يعترضون] على النكاح؛ لفوات الكفاءة، ولكن ذكر في "التهذيب": أن في مَوْضِع التهمة يَضمُّها إلى نفسه أحدُ الأبوين، وأي الأولياء كانَ مِنْ جَدٍّ أو أخٍ أو عَمٍّ، فأثبت ذلك للأم، كما أثبته للعَصَبَاتِ، ولو فُرِضَتِ التهمة في حقِّ البكر، فهي أوْلَى بالاحتياط، فتمنع مِن الانفراد بلا خلافٍ، وحكي في "العُدَّة" عن الأصحاب: أنهم ذَكَروا في الأمرد إذا خِيفَ من انفراده فتنةٌ، وانقدحت تهمة: أنه يُمْنَعُ من مفارقة الأبوين 2. إذا ادَّعَى الوليُّ ريبةً، وأنكرتْ هي، فقد ذكروا احتمالَيْن: أحدهما: لا يقبل لأنَّ الحكم على العَاقِلَة الحرة؛ لمجرد الدعْوَى بعيدٌ.
والثاني: وهو الأقرب: أنه يُؤْخَذُ بقوله، ويحتاط بلا بينة، فإنَّ إسكانها في موضع البراءة أهون من الافتضاح، ولو أقام بينةً.
الثانية: إنَّما يحكم بأن الأم أَوْلَى بالحضانة من الأب في حَقِّ من لا تمييز له أصلاً، وهو الصغيرُ في مبدأ الأمر، والمَجْنُونُ، فأما إذا حصل للصغير التمييزُ، فيُخَيَّر بَيْن الأبوين عنْد افتراقهما، ويكون عند من اختار منهما؛ لما رُوِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خَيَّرَ غُلاَماً بَيْنَ أَبِيهِ وَأمِّهِ وَعَنْهُ -رضي الله عنه- أَنه اخْتَصَمَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي وَلَدِ [هِ] مِنْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقالت المرأَةُ: يا رسول الله، إِنَّ ابْنِي

هَذَا قَدْ نفعني، وسقاني من بئر أبي عنبة وإِن أباه يُرِيدُ أن يأخُذَه منِّي، فقال الأب: أأحد يُحَاقُّني في ابني؟ فقال رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: يَا غُلاَمُ، هَذِهِ أُمُّكَ، وَهَذَا أَبُوكَ، فَاتَّبعْ أيُّهُمَا شِئْتَ، فَاتَّبَعَ أُمَّهُ 1. وقولها: "نفعني وسقاني" أي بلغ حداً أنتفع به؛ بحَمْل ماءٍ أو متاعٍ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلاً وامراةً أَتَيَا أبا هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- يختصمان في ابْنٍ لهما فقال أبو هريرة: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِمَا شَهِدتُّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقْضِي بِهِ؛ يَا غُلاَمُ، هَذَا أبوك وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَاخْتَرْ أَيُّهُمَا شِئْتَ 2. وعن عمرو -رضي الله عنه- أنه خيَّر غلاماً بيْن أبوَيْهِ 3، ويستوي في التخيير الغلامُ والجاريةُ، كما يستويان في الانتساب، وقال أبو حنيفة ومالكٌ -رضي الله عنهما-: لا يُخيَّر، ثم عند أبي حنيفة: يكون الغلام مع الأمِّ حتى يستقلَّ؛ بأن يأكل ويلبس ويستنجي بنفسه، ثم يُسَلَّم إلى الأب، والجارية تَكُونُ مَعَها حتَّى تُزوَّج، أو تحيض، وعند مالكٍ -رحمه الله-: يكون الغلامُ مع الأم حتَّى يثغر ويُرْوَى حَتَّى يَبْلُغَ، وتكون الجارية مَعَهَا حتى تزوج، ويَدْخُلَ بها الزَّوْجُ.
وقال أحمد: يُخَيَّر الغلام، ولا تُخَيَّر الجارية، بل الأم أحقُّ بها.
وسِنُّ التمييز في الغالب سَبْعٌ أو ثمانٍ على التقريب، قال الأصحاب -رحمهم الله-: وقد يَتقدَّم التمييزُ على سَبْعٍ، وقد يتأخر عن ثمان، والحُكْمُ يُدَار على نَفْس التمييز، لا على سِنِّهِ، وإنَّما يُخيَّر بين الأبوَيْنِ، إذا اجتمع فيهما شرائطُ الحضانة؛ بأن يكونا مسلمَيْنِ حُرَّيْنِ عاقِلَيْنِ عَدْلَيْنِ مقيمَيْنِ في وطَنٍ واحدٍ، على ما سيأتي الكلامُ [فيه] في هذا الشرط -إن شاء الله- وأن تكون الأمُّ خليَّةً عن النِّكَاح، فإن اخْتَلَّ في أحدِهِما بعْضُ الشروط، فلا تخيير، والحضانة للآخر، فإن زال الخَلَل أنشئ التخيير، ولو وجدت الشرائط فيهما، واختصَّ أحدهما بزيادهّ في الدِّينِ أو المالِ أو محبة الوَلَدِ، ففيه وجهان عن "الحاوي":

أحدهما: أنه يرجح من اختص بتلك الزيادة، وأظهرهما التخيير ويجري التخيير بين الأم والجد عند عدم الأب كالتخيير بين الأبويين وهل يجري التخيير بين الأم وبين من على حاشية النسب؛ كالأخ والعم تفريعاً على ثبوت الحضانة لهم، وهو الظاهر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل الأم أحق لقربها وولادتها، كما قبل التمييز.
وأظهرهما: نعم، ويَدل عليه ما رُوِيَ عن عِمَارةَ الجرمي -رضي الله عنه- قال: خَيَّرنِي عَلِيٌّ -كرم الله وجْهَه- بَيْنَ [أمي وعمي وأنا ابن سبع سِنِينَ أو ثمان، وفي ابن العم مثْلُ هذا الخلاف، ولكن في الولد الذكر، أما الأنثى، فلا تخير، بل تكون مع الأمِّ؛ لأنه ليس بمحرم، قاله في "التهذيب" ويجري الخلاف في التخْيير بيْن الأبِ وبين الأخْتِ والخالة، إذا قدَّمْناه عليهما قَبْل التمييز [على] ما سنبينه -إن شاء الله تعالى-.
وإذا اختار أحَدَ الأبوَيْنِ ثم اختار الآخَرَ، حوَّلْناه إليه، فإن عاد، واختار الأوَّل، أعدناه إلى الأَول، وذلك لأنه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه، ولأن المتبع شهوته، وقد اشتهى المقام عنْد أحدهما في وقْت، وعند الآخر في وقت آخر [كما يشتهي طعماً في وقت، ويميل عنه في وقْت آخَر]، ولأنه قد يقصد مراقبةَ الجانبَيْنِ، فإن أكثر التردُّد بحيث غلب على الظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه، فيُجْعَل عند الأم، كما قبل وقت التمييز، وكذا لو بلغ، وهو على نقصانه وخَبَله، ويتعلَّق بالتخيير مسألتان أخريان: إحداهما: إذا اختار الأَبَ، وسُلِّم إليه، فإن كان ذكراً، لم يمنعه الأب من زيارة الأم، ولا يحوجها إلى الخروج لزيارته، وإنْ زارته، لم يمْنَعْها من الدخول 1 علَيْه وله منْع الأنثَى من زيارة الأمِّ, والأم إذا شاءت خَرَجَت إلَيْها للزيارة، فهي أولى بالخروج من البنت؛ لسنها وتجربتها، والزيارةُ تكون في الأيام مرةً على العادة لا في كلِّ يوم، وإذا دخَلَتْ، لم تُطِلِ المكث، وإذا مرض الولدُ ذكراً كان أو أنْثَى، فالأم أولَى بتمريضه؛ لأنها أشفق وأهدى إلَيْه، فأشبه الحضانة في مبدأ الصِّغَر، فإن رَضِيَ بأن تُمَرِّض في بيته، فذاك، وإلا، فينتقل الولَدُ إلى بَيْتِ الأمِّ, ويجب الاحتراز عن الخَلْوة، إذا كانَتْ تُمَرِّض في بيته، وكذا إذا زارَتِ الولَدَ، فإن لم يكُنْ هناك ثالثٌ، فيخرج حتى تدخل، وإذا مات، لم تمنع من الحضور للغسل والتجهيز، إلى أن يدفن وإذا مرضت الأم، لم يَمْنع الأبُ الولدَ مِن عيادتها ذكراً كان أو أُنْثَى، ولا يُمَرِّضُها.

قال الرويانيُّ: إلا إذا أحْسَنَتِ الأنثَى التمريض.
وإذا اختار الأمَّ فإن كان الولد ذكراً، فيأوي إليها ليلاً، ويكون نهاراً عند الأب يؤدبه ويعلِّمه أمور الدين والمعاش، وشملمه إلى المكتب والحرفة 1، والأنثَى تكون عند الأم ليلاً ونهاراً، والأب يَزُورُها على العادَةِ، ولا يطلب إحضارها عنده، وهكذا الحُكْم فيما إذا كان الوَلَدُ عند الأم قبل أن يبلغ سن التمييز.
وقوله في الكتاب: "فعلى الأب مراعاته بالتسليم إلى المكتب والحرفة" إشارة إلى أنه ليس للأب إهمالُهُ باختياره للأم بل عليه القيام بتأديبه وتعليمه، إما بنفسه أو بتحمل مؤناته، وكذا المجنون الذي لا يستقل الأمُّ بضبطه يجب على الأب رعايتُهُ، وإنما تُقدَّم الأم فيما يتأتى منها ويكون من شأنها 2. والثانية: لو خيَّرناه فاختارهما جميعاً، أُقْرعَ بينهما، وإن لم يختر واحداً منْهما، ففيه وجهان، حكاهما القاضي الرُّويانيّ -رحمه الله-.
أحدهما: أنه يُقْرَع بينهما؛ لأنه لا بد من كفالته إلى البلوغ، وهذا ما أورده في "التهذيب".
وأشبههما: أن الأم أحقُّ بحضانته؛ لأنه لم يختر غيرها، وكانت الحضانة لهما، فيستصحب ما كان، وهذا ما أورده في "البسيط"، وذكر الرُّويانيُّ أيضاً أنَّه لو أسْلَمَ أحد الأبوين في وقْت التخيير، كفالته للآخر، كان الآخر أحقَّ به، ولا اعتراضَ للولَدِ، فإن عاد، وطَلَب الكفالة عُدْنا إلى التخْيير، [وأنه] لو تدافَعَ الأبوان كفالته وامْتَنَعَا منْها فإن كان بعْدهما من يستحقُّ الحضانة كالجَدِّ والجَدَّة، فيُخَيَّر بينهما، وإلا، فوجهان: أحدهما: أنه يُخَيَّر الولد، ويُجْبَرُ مَنِ اختاره على كفالته نَظَراً له.
والثاني: يُجْبَر عليها مَنْ تلزمه نفقته 3.

وإن [كان] على الوجْه الأوَّل، لو امتنعا من الحضانة قبل سن التخْيير، أقرع بينهما، ويُجْبَرَ مَنْ خرجت قرعته على حضانته، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإذَا سَافَرَ الأَبُ سَفَرَ نُقْلَةٍ سَقَطَ حَقُّ الأُمِّ فَلَهُ أَخْذُ الصَّغِيرِ مِنْهَا، إلاَّ إِذَا رافَقَتْهُ فِي الطَّرِيقِ، وَلَبْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ، وَلاَ فِي التِّجَارَةِ وإنْ طَالَتِ المُدَّةُ، وَهَلْ لَهُ ذَلِكَ في النُّقْلَةِ إِلَى مَا دُونَ مَرْحَلَتَيْن؟ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكرنا [في] أن الأم أوْلَى من الأب قَبْل أن يميز الولد، وأنه يُخَيَّر بينهما بعْد تمييزه، هو فيما إذا كان الأبوان مقيمَيْن في بلَدٍ واحدٍ، فأما إذا أراد أحدُهُما أن يُسافِر، [أو أرادا سفراً]، وكان يختلف بلَدُهُما، نُظِر؛ إن كان السفر لحاجةٍ؛ كحجٍّ [وغزوٍ] وتجارةٍ، فلا يسافر بالوَلَدِ؛ لِمَا في السفر من الخطر والضرر، بل يكون مع المقيم إلى أن يَعُود المسافر، ولا فَرْق بين أن تَطُول مدَّة السَّفَر أو تقصر، وعن الشيخ أبي محمَّدٍ وجْه: أن للأب أن يسافر به، إذا كان تَطُول مدَّة سَفَره 1، وإن كان السفَرُ سَفَر نُقْلةٍ، فيُنْظَر؛ إن كان ينتقل إلى مسافة القَصْر، فللأب أن ينتزعه من الأم، ويستصحبه مع نفسه، سواءٌ كان المنتقل الأب أو الأم أو ينتقل أحدهما إلى بَلَد، والآخر إلى بلدٍ آخر، والمعنى فيه الاحتياط لنسبه؛ فإن النَّسَبَ يتحفظ بالآباء دون الأمهات وإذا طالتِ المفارقةُ بيْنه وبين الولد، لم يُؤْمَن اندراس نسبه وخفاؤه، فيتضرَّر به الوالد، وأيضاً، فإن مصْلَحَة التأديب والتعليم وسهولة الإنفاق علَيْه والقيام بمؤناته، تقتضي ذلك.
نعْم، لو رافقته الأمُّ في الطريق والمقصد، دام حقُّها, ولو عاد مِنْ سَفَر النُّقلة إلى بلدها، عاد حقها، وإن كان الطريق الذي يَسْلكه مخُوفاً، والبلد الذي يقْصِده غَيْرَ مأمون؛ لغارة ونحوها, لم يكُنْ له انتزاع الوَلَدِ واستصحابُه، وساعَدَنا مالك وأحمد [على] أن للأب أنْ ينتزعَ الوَلَد وينقله، ولا فَرْق بين أن يكون قَدْ نَكَحَها في بلَدِها، أو في بلدِ الغربة، وعن أبي حنيفة: أنه إن [كان] نكَحَها في بَلَدِ الغربة، فكذلك، وإن نكحها في بَلَدِها، فالأُمُّ أحق به، ويُرْوَى عنه أنه إذا كانَتِ الأمُّ تنتقلُ، والأب مقيماً، فهو أحقُّ به، إلا إذا كانَتْ تنتقل من بلدة إلى قرية، وإن كان الانتقال إلى ما دون مسافةِ القَصْر، فوجهان: أحدهما: أنه لا يؤثر، ويكونان كالمقيمَيْنِ في محلتين من بلدة واحدة، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد، والقاضي المَاوَرْدِيُّ، وهو الذي أورده في "التهذيب".

وأشبههما: وهو الأصح عند ابن الصبَّاغ والقاضي الرُّويانيُّ: أنه كالانتقال إلى مسافة القَصْر؛ لانقطاع مصلحة التعليم والتأديب وكأن الخلافَ مبنيٌّ على أن المرعيَّ في الانتقال إلى مسافة القصْر حفْظُ النَّسبَ، [أ] وأن يتأدَّب الولَدُ ويَتعلَّم، فَمَنْ قال بالأول، فارق بين الانتقالين، فإنَّ القوافل والأخبار فيما دُونَ مسافة القَصْر تتواصل، ولا يخشى اندراسُ النَّسَب ومن قال بالثاني مسو بين الانتقالين في فوات التأديب، ولو اختلفا، فقال الأب: أريد النقلة، وقالت الأم: بل تريد التجارة، فهو أعرف بنيته، فيُصدَّق، ولكن بيمين أو بغَيْر يمينٍ؟ فيه وجهان: أحدهما: بغير يمين.
ويحكى عن القفَّال.
وأصحُّهما: بيمين؛ لأنه يُبْطِلُ حقِّها من الحضانة، فإنْ نَكَلَ، حلفَتْ وأمسكت الولد، وسائر العصبات من المحارم، إذا لم يكن أبٌ كالجَدِّ، والأخُ والعمُّ بمثابة الأب في انتزاع الولد ونقْله، إذا أرادوا الانتقال احتياطاً للنسب، وكذا من ليس بمَحْرَمٍ كابن العم، إذا كان الوَلَدُ ذكراً، وأما الأنْثَى فلا تسلم إليه، قال في "التتمة": إذا لم تَبْلُغ حَدّاً يُشْتَهَى مثلُها، وفي "الشامل": أنه إن كانت له بنْتٌ ترافقه، فتُسلَّم إلى بنته، والمَحْرَم الذي لا عُصُوبة له، كالخالِ، والعمِّ لْلأُمً، ليس له نقْلُ الوَلَد، إذا كان ينتقل؛ لأنه لا حقَّ له في النسب.
وإنَّما يثبت حقُّ النقل للأب وغيره، إذا استجمع الصفاتِ المعتبرة في الحضانة، وذكر في "التتمة": أنه لو كان للوَلَدِ جَدٌّ مقيمٌ، فأراد الأب الانتقال، كان له أن ينقل الوَلَد، ولم تُمْنَع إقامةَ الحَدِّ منه، وكذا حكم الجَدِّ عنْد عَدَمِ الأب، ولا تمنعه منْه إقامةُ الأخ والعَمِّ، لكن، لو لم يكن أبٌ ولا جدٌّ، وأراد الأخ الانتقالَ، وهناك ابن أخ أو عم مقيمانِ فليس له انتزاع الوَلَدِ من الأم ونَقْلُه، وفُرَّقَ بأن كلَّ واحدٍ من الأب والجدِّ أصلٌ في النسب، فلا يعتني به كعنايتهما والحواشي يقرب بعضهم من بعض، فالمقيم منْهم يعتني بحِفْظِه والله أعلم.
فَرْعٌ: يشبه أن [يدام] (1) حق الأم إذا كان كل واحد من الأبوين يُسَافِرُ سَفَرَ حاجةٍ، واختلف بهما المَقْصد والطريق، ويجوز أن يقال: يكون مع الذي مقْصِدَه أقْرَبُ أو مُدَّةُ سَفَرِه أَقْصَرُ (2)، والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في اجْتِمَاعِ الحَوَاضِنِ

فَإِنْ تَدَافَعُوا، فَالحَضَانَةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَة، وَإِنْ تَزَاحَمُوا، فَالنَّظَرُ في أَطْرَافٍ الأوَّلُ: فِي الكُسْوَةِ وَالجَدِيدُ أَنَّ الأُمَّ أَوْلَى،12

ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا المُدْلِيَاتُ بِالإِنَاثِ، ثُمَّ أُمُّ الأَبِ وَجَدَّاتُهُ المُدْلِيَاتُ بالإِنَاثِ، ثُمَّ أُمُّ الجَدِّ وَجَدَّاتُهُ كَمَا سَبَقَ، ثمَّ أُمُّ أَبِ الجَدِّ وَجَدَّاتُهُ كَمَا سَبَقَ، ثُمَّ الأَخَوَاتُ ثُمَّ الخَالاَتُ، ثُمَّ بَنَاتُ الإِخْوَةِ، ثُمَّ العَمَّاتُ، وَفِي القَدِيمِ قَدَّمَ الأَخَوَاتِ لِلأُمِّ وَالخَالاَتِ عَلَى أُمَّهَاتِ الأَبِ لإدْلاَئِهِنَّ بِالأُمِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: معظم الغرض الآن بيان ترتيب المستحقِّين للحضانَة، ومَنْ يستحقها من الأَقَارِبِ، ومن لا يستحقُّها، والكلام في الغرض الثاني مخْلوطٌ بالكلام [في] الأول، فنوردها كذلك، ونقول: مهما اجتمع اثنان فصَاعِداً مِنْ مستحقِّي الحضانةِ نُظِرَ؛ إن تراضَوْا بواحِدٍ فذاك، وإن تدافعوا، فقد أطْلَق في الكتاب أنَّها تَجِبُ على مَنْ عليه النفقة؛ لأن الحضانة من الكفاية، ولا شَكَّ أنه الصحيح، لكن يجوز إعْلامه بالواو؛ لما ذكرناه عن حكايته الرويانيِّ في أنه إذا امتنع الأبوان مِنَ الحضانة يُقْرعُ بينهما، ويُجْبَرُ عليها من خرجت قرعته، وإن طلبها كلُّ واحد منهم، وتزاحموا، وهم جميعاً بالصفات المشروطة في الحضانة، فهم إمَّا محضُ الإناثِ أو محْضُ الذكور أو مخْتَلِطون من الصنفين، فهذه ثلاثة أطراف: أحدها: الإنَاثُ المَحْضُ، فأولاهن الأمُّ؛ لقربها ووفور شفقها، ثم أُمَّهاتُها المُدْلِيَاتُ بالإناث؛ لأنهن يشاركِنْها في الإرث والولادة، ويُقدَّم منهن الأقربُ فالأقربُ، ويُقدَّمن عَلَى أمهات الأب والجَدِّ، وإن بَعُدْن، وقَربت أم الأب لاختصاصهن بالولادة المحقَّقة، وولادة [أم] الأَب والجد ظاهرةٌ، ولأنهن أقوى في الإرث لا يَسْقُطْن بالأب، بخلاف أمهات الأب، ثم بَعْد أمهات الأم قولان: الجديد: أنه تُقدَّم أمُّ الأب ثم أمهاتُها المُدْلِيات بالإناث، ثم أم [أب الأب، ثم أمهاتها المدْلِيَات بالإناث، ثم أمُّ أب] أب الجد، ثم أمهاتها كذلك، وتتقدَّم منهن الأقرب فالأقرب، وتتأخَّر عنهن الأخوات والخالات، وبهذا قال أبو حنيفة، ووُجِّه بأنهن جداتٌ وارثاتٌ، فيتقدمن على الأخت والخالة، كأمهات الأم وبأنهن أكثر شفقةً وأقْوَى قرابةً، ولذلك يعتقن على الوَلَدِ.
والقديم: أنه تقدَّم الأخوات والخالات، على هؤلاء الجدات، أما الأخوات؛ فلأنهن رَقَدْنَ مع المولود في رحِمٍ واحد [ة]، وصلب واحدٍ، وأما الخالات؛ فلما رُوِيَ في قصَّة بنْتِ حمزة -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: الخالة بمنزلة الأمِّ، ولأنهن يُدْلِينَ بالأم، وهؤلاء للجدات يُدْلِينَ بالأب، والأم تُقدَّم على الأب في الحضانة، فكذلك مَنْ يدلي بها على مَنْ يدلي به، والقولان متفقان على تقديم جنْس الأخوات على الخالات؛ لِقُرْب الأخوات، وعلى أن الخالاتِ يَتقدَّمْن علي بنات الأخوات وبنات

الأخوة والعمات؛ لأنهن يشاركونهن في المَحْرميَّة والدرجةِ وعدم الإرث، وتختصصن بالإدلاء بقرابة الأم الَّتي هي أقْوَى في الحضانة مِنْ قرابة الأب، ثم الحضانَةُ بَعْدَ الخالاتِ لبنات الأخوات وبنات الإِخوة يَتقدَّمن على العمات، كما يتقدَّم ابن الأخ في الميراث على العمِّ، كذلك رَتَّب الإمام وصاحب الكتاب وصاحب "التهذيب" وحكى الرويانيُّ هذا وجهاً لبعْضِ الأصحاب، وادَّعَى أن الصَّحِيح تقديم العمَّات علي بناتِ الأخَوَاتِ وبنات الإخوة، ثم حَكَى وجهين فيمن يُقدَّم بعد العمات.
أحدهما: أنه تُقدَّم بناتُ الأخواتِ والإخوة، ثم بنات سائر العصبات بعْد الإخوة، ثم بنات الخالات، ثم بنات العمات، ثم خالات الأم، ثم خالات الأب، ثم عماته.
[والثاني: تقدم بعد العمات خالات الأم ثم خالات الأب ثم عماته] ولا حضانةِ لعَمَّات الأم؛ لإدلائهن بِذَكرٍ غير وارث، ثم لخالات الجد، ثم لعماته، وهكذا، فإنْ فُقِدْنَ جميعاً، فالحضانةُ لبنات الأخوات والاخوة، وفي أيَّةِ رُتْبَة وقَعْن، فيتقدَّم بنات الأخوات علي بنات الإخوة، كما تُقدَّم الأخْتُ على الأخ، والَّذِي وَقَعَ في الترتيب من ذكر بنات الخالات والعمات [يتفرَّع على استحقاقهن الحضانة، وفي أصْلِ استحقاقِهِنَّ خلافٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب: "ثم أم الأب وجداته" لا يخفى أن المراد ترتيبُ الجَدَّات على الأم، وأن مَعْنَى "ثم جداتُهُ" على ما ذكر في أمر المحضون، وكذلك الخلاف في قوله: "ثم أم الجد وجداته".
وقوله: "كما سبق" يمكن أن يجعل إشارة إلى اشتراط الإدلاء بالإناث إزالتهما جميعاً.
وقوله: "وفي القديم قَدَّم الأخوات" إلى آخره، فيه بيانٌ أن مخالفةَ القديمِ للجديدِ في تقديم الصِّنْفَينِ على أمهاتِ الأبِ، فلا خلاف في التَّرْتيب، قبلهن ولا بعدهن.
وقوله: "قدم الأخوات للأم" قد يُوهِمُ تخْصِيصَ الأخوات للأمِّ بالتقديم، وليس كذلك، بل في القديم يتقدمن، وإن كُنَّ من جهة الأب وحده، على أمهات الأب، فإذا وقع اللفظ هكذا، فليُحْمَلْ على أنهنَّ والخالات يتقدمن على القديم؛ لمعنى إدلائهن بالأم، وأما الاخواتُ للأب، فإنَّهنَّ، وإن تَقدَّمن على القديم، فليس ذلك لإدلائهن بالأم، ولو حذف لفظ الأمِّ, لم يَضُرَّ، وهو محذوف في "البسيط" وفي "الوسيط".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: لأَوَّلُ الأُخْتُ لِلأَبِ مُقَدَّمَةٌ (ح وز) عَلَى الأخْتِ لِلأُمِّ فِي الجَدِيدِ لِقُوَّتِهَا، وَفِي القَدِيمِ وَجْهٌ أَنَّ الأُخْتَ لأُمِّ أَوْلَى، وَالخَالَةُ لِلأَبِ هَلْ تُقَدَّمُ فِي الجَدِيدِ عَلَى الخَالَةِ لِلاُمِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الثَّانِي: النَّصُّ أَنْ لاَ مَدْخَلَ لِكُلِّ جَدَّةٍ سَاقِطَةٍ فِي المِيرَاثِ وَهِيَ الَّتِي تُدْلِي بِذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ لَهُنَّ الحَضَانَةَ وَلَكِنَّهُنَّ

مُؤَخَّرَات عَنِ الكُلِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُنَّ مُقدَّمَاتٌ عَلَى الأَخَوَاتِ وَالخَالاَتِ.
الثَّالِثُ: الأُنْثَى الَّتِي لاَ مَحْرَميَّةَ لَهَا كَبِنْتِ الخَالَةِ وَبِنْتِ العَمَّةِ لاَ حَضَانَةَ لهُمَا عَلَى أَظْهَر الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا لَهَا فَبَنَاتُ الخَالاَتِ مُقَدَّمَاتٌ عَلَى بَنَاتِ العَمَّاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: آخر الفروع أنَّ الأخت منْ الأبَويْنِ مقدَّمة على الأخت للأب، وعلى الأخت للأم؛ لزيادةِ قرابتهما، وهل تُقدَّم الأختُ للأبِ عَلَى الأختِ للأمِّ؟ الظاهرُ، وهو الحكاية عن نَصَّه -رضي الله عنه- في الجديد والقديم معاً: أنها تَتقدَّم لأنهما يستويان في الشَّفَقَةُ والقُرْب، واختصت هي بقوَّة الإرث، وبانها قَدْ تصير عصبة، فتترجَّح، وأيضاً أختان مِنْ أهل الحضانة فيتقدم أقواهما ميراثاً، على الأخرى، كالأخت مِنَ الأبوين مع الأخت مِنْ الأب، وبهذا قال أحمد، وقال المزنيُّ وابن سُرَيْجٍ يتقدم الأختُ منْ الأم على الأخت من الأب، وهو مذْهَب أبي حنيفة؛ لأن من تدْلِي بالأم تتقدم على منْ تدلي بالأب، كما تتقدَّم الجدة أمُّ الأمَّ على الجَدَّة أمِّ الأب، وحكى القاضي ابن كج: أن أبا إسحاق كان يَقُول به برهةً من الدهر، ثم رَجَع عنه، ورجح ابن سُرَيْج للمعنى الذي ذكره تقديم الخالة على الأخْتِ من الأب أيضاً، وعن أبي حنيفة فيه روايتان، وذكر الأئمة بناءً على ظاهِرِ المذهَب أن الشَّافعيَّ -رضي الله عنه- يُقَدِّم في الجديد بالولادة المحقَّقة ثم بالولادة الظَّاهرة، ثم بقُوَّة الإرث، وأراد بالولادة المحقَّقة بالأم وأمهاتها، وبالولاَدَةِ الظَّاهرةُ [آباء الأمهات] 1، وأشاروا بقوَّةِ الأَب إلى تقْديم الأخت على الخالة والأُخْتِ للأبِ على الأخْت للأُمِّ، وبقوة الإدلاء: إلىَ تقديم الخالة على العَمَّة.
وأما الخالة للأب مَعَ الخالة للأمِّ والعمَّة، فإن قُدِّمَتِ الأختُ للأمِّ على الأختِ للأبِ، فكذلك هاهنا، وإن قدمت الأخْتُ للأبِ، فهاهنا وجهان: أحدهما: أنها تَتقدَّم الخالة للأم والعمَّة للأم أيضاً؛ لأن التقديم هناك كان لِقوَّتها في الإرث، وهاهنا، لا إرث لواحدةٍ منهما، وأظهرهما تقديمُ التي هي للأبِ لقُوَّة الجهة، واستدلَلْنا هناك بالإرْثِ على قوة الحجة ولا يراعى غير الإرث.
وفي الخالة للأب وجْهٌ: أنَّها لاَ تستَحِقُّ الحضانةَ أصْلاً؛ لأنها تدْلِي باب أب الأم، فأشبهت أمُّ الأبِ.
وقوله في الكتاب: "الأخت للأب مقدَّمةٌ على الأخت للأم في الجديد" ويجوز أن يُعْلَم مع الحاء والزاي بالواو؛ لأنهنَّ خصصن في الذكر وجه تقديم الأخت بالقديم،

حيث قال: "وفي القديم وجْهٌ وذلك الوجه مطرد على الجديد والقديم، ويجوز أن يكون تخصيصه بالذِّكْر؛ لأنَّه على القديم أظْهَر وأشار بعْضُهم إلى أنَّه منْصُوصٌ عليه، وبجوز أن يُعْلَم قوله: "أولى" بالألف، وأن يُعْلَم قوله في الفصل السابق: "ثم الأخوات ثم الخالات" بالواو، لتقديم ابن سُرَيْجٍ الخالة على الأخْتِ للأب.
الفَرْعُ الثاني: النَّصُّ أنَّه لا مدْخَل في الحضانة لكل جَدَّة ساقطةٍ في الميراث، وهي التي تُدْلِي بذكَرِ بَيْن أنثيين؛ كأمِّ أب الأمِّ، وهو ظاهر المَذْهَب، ووُجْه بأنَّها تُدْلِي بمَنْ لا حَقَّ له في الحضانة بحالٍ، فأشَبَهَتِ الأجانب، وتخرج علَيْه أم الأم إذا كَانَتِ الأمُّ فاسقةً أو مزوَّجةً؛ لأن لها حقّاً في الحضانة [فى الجملة والتوجيه، مبني على أن أب الأم لا حق له في الحضانة بحال] 1، وفيه خلاف سيأتي -إن شاء الله تعالى- وفي الجدَّات الساقطات وجْهان آخران: أحدهما: أنَّ لهنَّ الحضانة؛ لقرابتهن، وشمول أحكام البعضية لهن؛ مِنْ رد الشهادة والعِتْق ولزوم النفقة، وغيرها؛ لكنهن يتأخَّرْن عن جميع المذكورات مِنْ قَبْلُ لضَعْفِهِنَّ.
والثاني، عن رواية الشيخ أبي عليٍّ: انَّهنَّ "يَسْتَحْقِقنَ" الحضانة، ويتقدمن على الأخوات والخالات؛ لأنهن أصول ويتأخَّرْنَ عن الجَدَّات الوارثات، وفي معنى الجَدَّة الساقِطَةِ كلُّ مَحْرم تُدْلي بذَكَر لا يرث، كبنت ابن البنت وبنت العم [للأم].
الفرع الثالث: الأُنْثَى التي لَيْسَتْ بمَحْرَم؛ كبنت الخالة وبنْتِ العمة وبنْتِ الخال وبنت العم، في استحقاقِهِنَّ الحضانَةَ وجْهان مذكورانِ في الكتاب: أحدهما: أنه لا تستَحِقُّها؛ لأن الحضانة تُحْوِج إلى معرفة بواطن الأمورِ، ويقع فيها الاختلاط التَّامُّ، فالأَوْلَى تخصيصها بالمحارم.
ووجه الثاني: شفقتهن بالقرابة، وهدايتهن بالأنوثة، والأول أظْهَرُ عنْد صاحب الكتاب، والأشْبَهُ بكلام غيره ترجِيحُ الثاني، وعليه ينطبق إيراد الفورانيَّ وصاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيَّ ويُفَرَّق بينهن وبيْن الجَدَّة الساقِطَةِ بأنَّها تُدْلِي بغير وارث بخلاف هؤلاء، وإذا قُلْنا بالوجه الثاني، فإذا كان المولود ذكراً، فإنما يكونُ لَهُنَّ حضانَتُه، إذا لم يبلغ حَدّاً يُشْتَهَى مثله، وتُقدَّم بنات الخالات عَلَى بنات الأخوال، وبنَاتُ الأعمام علي بنات العمات، وبناتُ الخُئُولَة علي بنات العمومة.
فِرْعَانِ: لبنت المجنون حضانَتُهُ، إذا لم يكن له أبوان، ذَكَره القاضِي ابن كج، وذكر الرويانيُّ أنه لو كان للمحضون زوجةٌ كبيرةٌ، وكان له استمتاعٌ بها، أو لَهَا استمتاعٌ

به، فهي أَوْلَى بكفالته منْ جميع الأقارب، وإن لم يُفْرض استمتاعٌ، فالأقارب أولَى، وكذا لو كان للمحضونة زوْجٌ كبيرٌ، وفرض استمتاع، فهُو أَوْلَى، وإلا، فالأقارب، فإن كان لها قرابَةٌ أيضاً، فهل يرجع بالزوجية؟ فيه وجهان 1، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي اجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ مَحْرَمٌ وَارِثٌ فَيَتَرتَّبُونَ تَرْتِيبِ العَصَبَاتِ فِي الوِلاَيَة إِلاَّ الأَخَ لِلْأُمَّ فَإنَّهُ يُؤَخَّرُ عَنِ الأُصُولِ وَعَنْ إِخْوَةِ الأَبِ (و)، وَهَلْ يُؤَخَّرُ عَنِ العَمِّ لِلْوِلاَيَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ الثَّانِي وَارِثٌ لَيْسَ بِمَحْرَم كَابْنِ العَمِّ (و) لَهُ الحَضَانَةُ فِي الصَّغِيرِ وَفِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ تُشْتَهَى دُونَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُشْتَهَى الثَّالِثُ: المَحْرَمُ الَّذِي لَيْسَ بِوارِثٍ كَالخَالِ وَأَبِ الأُمَّ وَالعَمِّ لِلأُمَّ وَابْنِ الأخُتِ فَهُمْ مُؤخَّرُونَ عَنِ الوَرَثَةِ، وَهَلْ لَهُمْ حَقٌّ عِنْدَ فَقْدِهِمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ الرَّابعُ قَرِيبٌ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ وَلاَ وَارِثٍ كَابْنِ الخَالِ وَالخَالَةِ فَالصَّحِيحُ أَنْ لاَ حَقَّ لَهُمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا الطَّرَفُ لبيان مَنْ يستحق الحضانة من المذكور، ومَنْ لا يستحقُّ، وأنه إذا اجتمع منْهُمْ مستحقُّون، كيف يرتبون، والذَّكر، إما أن يكون مَحْرماً، أو وارثاً ليس بمَحْرَمٍ، أو بالعكس، أوْ لاَ محرماً ولا وارثاً، فهذه أربعةُ أَقْسَامٍ: الأول: المَحْرَمُ الوارِثُ كالأَب والجَدِّ والأخِ وابْنِ الأخِ والعمِّ، فهؤلاء يثبت لهم الحضانة لوفور شفقتهم، وقوَّة قرابتهم بالإرْثِ والولايةِ والمَحْرمية، وفي "التهذيب" وغيره: حكايته وجْهٍ: أنه لا حضانة إلا للأب والجَدّ؛ لتكامل شفقتهما واعتنائهما بأمر الوَلَدِ، وإلاَّ، فالذكور بعيدون عن الحضانة وفي الأخ منْ الأم خاصَّةً وجْهٌ أنَّه حضانة له لأنه لا عصوبة له، ولا ولاية، وظاهر المذهب: الأَوَّلُ، ثم يُقَدَّم [منهن] الأب ثم الجَدُّ، وإنْ علا، ويَتقدَّم منْ الأجداد الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم الحق بعْدهم للإخْوة، وَيتقدَّم منهم الأخ للأبوَيْنِ، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم 2. وعلى ما ذكره ابن سرَيْجٍ -رَحِمَهُ الله- يُقَدَّم الأخُ منْ الأمِّ في هذا القِسْم؛ لأنهم لا يرتبون.
ثم الحق بعدهم للعَمِّ منْ الأبوين ثم للعَمِّ مِنَ الأبِ، ثم لعَمِّ الأب، ثم لعمِّ الجَدِّ.
هذا هو الظَّاهِر.

وحكى القاضي الرويانيُّ وجهاً آخَرَ: أن الأعمام يتقدَّمون علي بني الإخْوة 1، وفي الأخ منْ الأمِّ وجْه: أنه يتأخَّر عن الأعمام؛ لاختصاص العَمِّ بالعصوبة والولادة، والظاهر تقديمه عليهم لاختصاصه بمزيد القُرْب والشفقة، وعلى ذلك يُبْنَى أمر الحضانة، بخلاف ولاية النكاح؛ فإنها منوطَةٌ بمن يدفع العار عن النسب، والوجهان فيمَنْ يُقدَّم ويُؤخَّر من الأخ للأم والعمِّ مذكوران في الكتاب، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "فَيَتَرَتَّبُونَ ترتيب العَصَبات" بالواو؛ لأن ترتيبهم مبنيٌّ على ثبوت الحضانة لجَمِيعِهِمْ، وقد ذكَرْنا وجْهاً: أنه لا حضانة إلا للأبِ والجَدِّ، وأيضاً، للوجه المرويُّ بتقديم الأعمام علي بني الإخوة، فإنهم على ذلك الوجْه لا يترتَّبون ترتيب العصبات، وقوله: "إلا الأخ للأم" ليس الغرض استثناء الأخ من العصبات؛ فإنه لا يَدْخُل فيهم، بل المعْنَى إلا أن الأخ من الأم يدْخُل فيهم، ولا مدخل له في ترتيب العصبات، ولفظ "الوسيط" يترتَّبون ترتيب العصبات في الولاية فإنهم باجمعهم أولياءُ يترتَّبون ترتيبهم في الولاية؛ إلا الأخ من الأم ثم ذكر حكمه وقوله "وعن إخوة الأب" مُعْلَم بالواو ولوجه ابن سُرَيْجٍ -رحمه الله-.
القسم الثاني: الوارِثُ الذي ليْسَ بمَحْرَم كابْنِ العَمِّ وابنه وابن عم الأب والجد، والوجه المذكورُ في غَيْر الأبِ والجَدِّ من المحارم الوارثين يجيْء فيهم بطريق الأوْلَى، والظاهر ثبوتُ الحَضَانَةِ، فإن كَان الولد ذكراً أو صغيرةً لا تُشْتَهى مِثْلُها سلمت إليه وأنْ بلَغَتْ حَدّاً يشتهى مثلُها لم تسلَّم إليه، ولكن له أن يطالب بتسليمها إلى امرأة ثِقَةٍ، وتُعْطى أجرتَهَا، فلو كانت له بنْتٌ، سُلِّمت إليه، وإذا أثبتنا الحضانَةَ لهؤلاء، ففي ثبوتها للمُعْتَقِ وجهان: أحدهما: تثبت؛ لأنَّ حقَّ الولاء يَلْحَق بالقرابة في الإرْث، وتحمل العَقْلَ وولاية النِّكَاح، فكذلك في الحضانة.
وأظهرهما: المنْعُ؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة؛ وعلى هذا، فلو كانَتْ له قرابةٌ، وهناك مَنْ هو أقرب منه، فهل يترجَّح لانضمام عصوبة الولاء إلى عصوبة القرابة فيه وجهان نقلهما القاضي الرويانيُّ.
ومثاله: عم أب مُعْتَق 2، وعمُّ [القسم] الثالث المَحْرَم، والذي ليس بوارث

كالخال وأبي الأم والعم [للأم] وابن الأخت وابن الأخ للأم، ففي استحقاقِهِمُ الحضانةَ وجهان: وجه الاستحقاق: أنَّ لهم قرابةً تدْعو إلى الشفقة والتربية، وأيضاً، فالخالة مُلْحَقَةٌ بالأم، فكذلك الخال مُلْحَقٌ بالأب، والأظهر المَنْع؛ لضَعْفِ القرابة؛ ألا ترى أنها تقاعدت عن إفادة الولاية والإرثِ وتحمل العَقْل، فكذلك تتقاعد عن إفادة هذا الحَقَّ، وإنما تثبت الحضانة للخالة؛ لانضمام الأنوثة إلى القرابة، ولها أثر في الحضانة على ما سبق، وإذا أثبتنا لهُمُ الحضانة، فيتأخرون عن المحارم الوارِثينَ، وعن [الوارثين] الذين لا محرميَّة لهم.
القسم الرابع: من ليس بمَحْرَمٍ ولا وارِثٍ من الأقارب؛ كابن الخال والخالة وابن العمة، لا حضانَةَ لهم، وفيه وجْهٌ ضعيف؛ لقيام أصل القرابة، والصحيح الأول، ومنهم مَنْ قَطَع به، وإذا أثبتنا الحَضَانَةَ لجميع المذكورين في الأقسام الأربعة تفريعاً على الأصحِّ في بعضهم، والأضْعَفِ في بعضهم، وتركنا التقْسيم قلنا: الأَوْلَى الأب، ثم أب الأب [وإن علائم] الإخوة، ثم بنوهم، ثم الأعمام، قال في "التتمة": ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم، ثم الجَدُّ أب الأم وكلُّ جَدٍّ يدلي بذكر بين أُنْثَيَيْن يقدم الأقرب منهم فالأقرب، ثم الخال، ثم العم للأم، ثم ابن الخال ثم ابن العم للأم ثم المُعْتَق، ثم عصباته ومنهم مَنْ يقتضِي كلامُه بني العمِّ عن أعمام الأب والجَدِّ؛ لأن لهم محرمية مع الوراثة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَف الثَّالِثُ فِي اجْتِمَاعِ الذُّكورِ وَالإِنَاثِ، وَأَوْلاَهُمُ الأُمُّ وَأمَّهَاتَهُا المُدْلِيَاتُ منْ جِهَةِ الإِنَاثِ، ثُمَّ بعْدَهُنَّ الأَبُ أوْلَى مِنَ الجَدَّاتِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الأَخَوَاتِ لِلأبِ لأَنَّهنَّ فُرْوعُهُ، وَفِي تَقْدِيمِ الأُخْتِ لِلأُمِّ وَالخَالاَتِ عَلَى الأَبِ خِلاَفٌ، وَكُلُّ جَدَّةِ لَيْسَتْ فَاسِدَةً فَهِيَ أَوْلَى مِنْ كُلِّ ذَكَرٍ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ، وَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى الحَوَاشِي إِذَا استَوَوا فِي القُرْبِ وَالإِرْثِ فَالأُنْثَى أَوْلَى مِنَ الذَّكَر، وَالأُخْتُ أَوْلَى مِنَ الأَخِ، وَالخَالَةُ مِنَ الخَالِ، وَالأُنْثَى البَعِيدَةُ هَلْ تُقَدَّمُ عَلَى الذَّكَرِ القَرِيب؟ وَجْهَانِ.
= أحدهما أخ لأم أو ابنا أبناء عم أحدهما ابنها أوابنا عم أحدهما الأبوين والآخر لأب لكنه يدلي بأخوة الأم وإذا كان الراجح بهذا الأكثرين تقديم الأخ للأم في الأولى وتقديم الابن في الثانية وتقديم الذي يدلي بأخوة الأم في الثالثة لزم أن يكون الأصح هنا التقديم وبأن الحضانة ترجح فيه بكثرة الأسباب، ولا يرد شيء منْ المسائل المذكورة على ما رجحه هنا لأن المعتق بعدت رتبته عن القريب الآخر فلم يترجح على الأصح.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع الذكور والإناث من أهْل الحضانة، فإن كان فيهم أمٌّ فهي أوْلَى من الأب وغيره، على ما وَرَدَ في الخَبَر "أنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" 1 والمعنى فيه أنَّها تساوي الأب في القرب والشفقة وتختص بالولادة المحقَّقة ولصلاحية الحضانة بسبب الأنوثة، وأيضاً، فالأب لا يَسْتَغْنِي في الحضانة عن النِّساء، ولا يكاد يباشرها وهي تباشرها، ثم أمُّ الأمِّ، وإن علَتْ كالأم؛ لأنها تشاركها في الشفقة [والأنوثة] والولادة المحقَّقة، ولو نكَحَتِ الأمُّ، ورضِيَ أبُ المولود بأن يكون عنْدها، ورضِيَ زوْجُها أيضاً، فيسقط حقُّ الجدة أو يقال: لها الحضانة، ولا يتأثر حقُّها بتراضيهما؟ ذَكَرَ في "التهذيب" فيه وجهَيْن، وجَعَل أصحَّهما 2 أوَّلَهُما، وأما الجَدَّات من قِبَلِ الأب، إذا اجتمعْنَ مع الأب [قدم عليهن]؛ لأنهن يُدْلِينَ به، فيبعد أن يتقدَّمن عليه، هذا هو الصحيح المشهور، وفيه وجْهٌ، ويقال: قول: مخرج أنهن يتقدَّمْن عليه لولادتهنَّ وزيادة صلاحيتهن 3؛ للحضانة.
قوله في الكتاب: "على أصح القولين" يعني المنصوص، والمُخرَّج على أن أكثرهم سكَنُوا عن الخلاف في المسألة، وأجرى الخلاف مثبتوه في الأخْتِ من الأب، مع الأب وإن كانَتْ فَرْعاً له ومُدْلِيَةً به، [لصلاحيتها] وأما الأخت من الأبوين أو من الأم والخالة، فإن قلنا: بالقديم وقدَّمْناهُنَّ على أمهات الأب فكذلك يتقدَّمن على الأب، لا سيَّما إذا قدَّمْنا أمهات الأب على الأب، وإن قلنا بالجديد، وقدَّمنا أمهاتِ الأبِ على الأخْتِ والخالة، ففي الأخت المدْليَة بالأم والخالة مع الأب وجهان: أحدهما: أنهما يتقدَّمان عليه، وبه قال أبو حنيفة وابن سُرَيْجٍ وأبو إسحاق والإصْطَخْريُّ؛ لأنوثتهما وإدلائهما بالأم، فأشبها أمهاتِ الأُمِّ.
وأظهَرُهُمَا، وبه قال صاحب "الإفصاح": أن الأب يتَقدَّم عليهما؛ لقربه وولادته وعصوبته، وهو ظاهر رواية المزنيِّ، ونص رواية الربيع واختيار الأكثرين، وإذا قدَّمْناهُمَا على الأبِ، فلو اجتمعَتْ مع الأب أو الأخت للأم، والخالة أم الأب فوجهان: قال

الإصطخريُّ: تكون الحضانة للأب؛ لأن الأخْتَ تسقط بأم الأبِ، وهي تَسْقُطُ بالأب ويجوز أن يَسْقُطَ الشخْص، ثم لا يحصل له ما كَانَ يأخُذه المحجوب، كما أن الأخوين مع الأبوين يَرُدَّان الأمَّ من الثلث إلى السُّدُس، ولا يَحْصُل لهما ما حجَبَاها عنه، وقال أكثرهم: تكون الحضانة للأخْتِ من الأم؛ لأنها مقدَّمة على الأب على الوجْه الذي عليه يُفَرَّع وتسقط أم الأب بالأب، وإذا اجتمعَتِ الأختُ من الأب والأختُ من الأمِّ مع الأب وقلْنا بالظاهر، وهو تقديم [الأخت للأم على] الأخت من الأب، تكون الحضانةُ للأب أو الأخت من الأم؟ فيه هذان الوجهان، وإذا فرَّعنا على الصحيح، وهو تقديم الأب على الجدات من قبله، وعلى الظاهر في تقديمه على الأخوات للأم والخالات، فالمُقَدَّم بعد أمهات الأمِّ الأبُ ثم أمهاتُهُ المُدْلِيَاتُ بالإناث، ثم الجَدَّ أبو للأب، وفيه مع أمهاته ما ذكَرْنا في الأب مع أمهاته ثم أبو الجَدِّ وأمهاته كذلك، ويتقدَّمون جميعاً على الأقاربِ الواقِعِينَ على حواشي النَّسَب، وُيؤَدِّي بعضَ هذا المعْنَى قولُه في الكتاب: "وكلُّ جَدَّة ليْسَتْ فاسدةً، فهِيَ أوْلَى مِنْ كُلِّ ذَكَرٍ على حاشية النَّسَب".
وأما الجدات الساقطاتُ، فقد سبق الكلام في استحقاقهن وفي ترتيبهن، إن استحْقَقْنَ، وإذا لم يوجد أحد من مستحقي الحضانة من الأجداد والجدات فثلاثة أوْجُهٍ: أحدها: أن نساء القرابة، وإن بَعُدْنَ أوْلى بالحضانة من الذكور، وإن كانوا عصباتٍ؛ لأنهن أصلح للحضانة على ما تكرَّر، فعلى هذا تقدَّم الأخوات والعمات والخالات وبناتهن على الإخوة والأعمام وبنيهم.
والثاني: العصَبَاتُ أوْلَى منهن؛ لقُوَّةِ نسبهم وقيامهم بالتأديب والتعليم.
والثالث: وهو الأصحُّ؛ على ما ذكر القاضي الرويانيُّ: أنه لا يترجَّح واحد من الفريقين على الآخر، ولكن يُقدَّم منهم الأقْربُ فالأقْربُ كما يُقدَّم في الإرث الأقربُ فالأقرب من العَصَبات، فإن استوى اثنان في القرب، قدَّمنا بالأنوثة، فعَلَى هذا الحَقِ بعْد الآباء والأمهات للإخوةُ والأخواتُ وتُقدَّم الأخوات على الإخوة، [ويقدم بعد الأخوات والإخوة] 1 بناتُ الأخواتِ ثُمَّ بنوا الأخوة، وتُقدَّم بنت الأخ على ابن الأخت؛ اعتباراً بمَنْ يحضن لا بمن يُدْلِي به فإن فقدوا جميعاً، فالحضانة لِمَنْ في درجة الأمِّ وهم الخئولة، ومن في درجة الأب، وهم العمومة، وتُقدَّم الخئولة على العمومة، والخالات على الأخوال، والعمات على الأعمام، فإن فقدوا، فالحضانة لأولادهم، وترتيب الأولاد وتقديم الإناث على المذكور كما في الأصول ثم يرتقي إلى مَنْ في درجة الجَدِّ والجَدَّة، وهم خئولة الأبوبن وعمومتها، فيُرَاعَى فيهم هذا الترتيب، وإذا استوى

اثنانِ مِنْ كل واحد كأخوين أو خالتين، وتنازعا، قَطَعْنا النزاعَ بالقرعة، وكان يجوز أن يُقدَّم بما يقدم به المتزاحمان على اللقيط، فإن لم يوجدُ أحد من نساء القرابة، ولا من العصبات، وهناك رجال من ذوي الأرحام، فحكمهم ما ذكَرْنا في الطرف 1 الثاني.
وقوله في الكتاب: "والأنثى البعيدة هلى تُقدَّم على الذَّكَر القريبِ؟ وجهان" يشير إلى الخلاف الذي نقَلْنا في الأقارب الواقِعِينَ على الحواشِي، فإن قلْنا بالتقديم بالأنوثة، قَدَّمناها على الذَّكَر القريب.
مثاله: ابن الأخ مع بنت بنت الأخ، وإن لم نُقدِّمها بالأنوثة، فيقدِّم الذكر القريب ترجيحاً بالعصوبة أو بالقرب.
فرُوعٌ: الأختُ مع الجدِّ، كهي مع الأب، قال المتولِّي: ويخالف الميراث، فإنه يقبل التبعيض، والحضانة لا تقبله.
ولو كان في أهْلِ الحضانة خَنْثَى [مُشْكِلٌ]، فهل يتقدَّم على الذكر في موضع لو كان أنثى لاحتمال الأنوثة، أو لا يتقدم، لعَدَم الحُكْم بها؟ فيه وجهان 2 وإذا أخبر عن

ذكورته أو أنوثته، عمل بقوله في سقُوط الحضانة، وهل يُعْمَل به في استحقاقها أم لا يعمل للتهمة؟ نقل القاضي الرويانيُّ فيه وجهين (1).

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: السَّبَبُ الثَّالِثُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى مِلْكِ اليَمِينِ

وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِقَدْرِ الكِفَايَةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالعَادَةِ، وَيُقْتَصَرُ فِي الكُسْوَةِ عَلَى الخَشِنِ، وَلاَ يُقْتَصَرُ عَلَى سَتْرِ العَوْرَةِ، وَلاَ يَجِبُ تَفْضِيلُ النَّفِيسِ عَلَى الخَسِيسِ فِي جِنْسِ الكُسْوَةِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَفْضِيلُ السَّريَّةِ عَلَى الخَادِمَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْلِسَ الرَّقِيقَ مَعَهُ فِي الأَكْلِ أَوْ يُوَزِّعَ لَهُ لُقْمَةً، وَيَجِبُ ذَلِكَ فِي وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَغْنَا بمعونة الله -تعالى- مِنَ القول في نفَقَةِ الزَّوجَات والأقارب، والسبَبُ الثالث لوجوب النفقة مِلْكُ اليَمِين، فيجب على السيد نفقة رقيقة قُوتاً وأُدْماً وكُسْوةً وسائر مؤناته، قنّاً كانَ أو مُدَبَّراً أوأمَّ وَلَدٍ، يستوي فيه الصغير والكبير والزَّمِنُ والأعمَى والسليم والمستأجر والمَرْهُون وغيره.
رُوِيَ عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لِلْمَملُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ بِالْمَعرُوفِ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ 2 وَإِذَا كَانَ كَسُوبًا، فَكَسْبُهُ لِلسَّيِّدِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ كَسْبَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ" فإن لم يف والشركاء، فالباقي عليه وإن زاد فالزيادة له في الملك عليهم النفقة بحَسَب الملك، ولا تجب النفقة للمُكَاتَبِ على 3 السيد؛ لاستقلاله، ولذلك توجب نفقة عبده عليه.
ولا تتقدَّر نفقته كنفقة القريب، ولكن تُعتَبَرُ فيه الكفاية، وذكروا فيما تعتبر كفايته وجْهَيْنِ: أحدهما: تعتبر بما يَكْفي مثلَهُ في الغالب، ولا تُعْتبر حالُهُ في نفْسِهِ.
والثاني: تُعْتَبَر حاله في نَفْسه، ويُرَاعَى رغبته وزهادته، فإن لم يكفه ما يَكْفِي مثْلَه غالباً، فعلى السيد الزيادة، وهذا ما اختاره صاحب "الشامل" وهو المفهوم من إطلاق لفْظ الكتاب، وعن صاحب "الحاوي" أنه إن كان يُؤَثِّر فقد الزيادة في قُوَّتِهِ وبَدَنِهِ، لزمت على السيد، إلا فلا، وينبغي أن تجيْء هذه الوجوهُ قويُّها وضعيفُها في نفقة القريب.
وأما الجنْسُ، فيعْتَبَرُ غالبُ القوت الذي يَطْعَم منه المماليك في البلد؛ من الحنطة1

والشعير وغيرهما وكذا الأُدْمُ الغالب والكُسْوة الغالبة؛ من القُطْن والكَتَّان والصوف، ويراعى حال السيد في اليسار والإعسار، فيجب ما يليق بحاله مِنْ رفيع الجنس الغالب وخسيسه ولا يجوز الاقتصار في الكُسْوة على ستر العورة، وإن لا يتأذَّى بحرٍّ ولا بِبردٍ، لأن ذلك يُعَدُّ تحقيراً وإذلالاً، ولو كان السيد يتنعم في الطَّعَام والإدَامِ والكُسْوة، فيستحب أن يدفع إلَيْه مثْلَهُ، ولا يجب بل يجوز الاقتصار على ما دونه، إذا كان هو الغالِبَ، وما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحتَ يَدِهِ فَلْيُطعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ" 1 حمله الشافعيُّ -رضي الله عنه- على الاستحباب، أو على أن الخطاب للعَرَب الذِينَ مطاعمهم وملابسهم متقاربة، أو على أنه جوابُ سائلٍ، علم حاله، فأجاب على ما اقتضاه الحال؛ وإن كان السيد يطعم ويلبس دون المعتاد غالباً، إما بُخْلاً أو رياضةً، فيلزمه رعايةُ الغالب للرفيق، أوْ لَهُ الاقتصار على ما اقْتَصَر عليه لنفسه؟ ذكر في "التهذيب" فيه وجْهَيْن، المشهور منهما الأول، وإذا كان له عبيدٌ، فالأَوْلَى التسوية بينهم في الطعام والكُسْوة 2، وفيه وجْه أنه يفضل ذاتَ الجَمَالِ والفراهة للعادة، وإذا وَلَّى رقيقه معالجة طَعَامِهِ، وجاءه به فينبغي أن يُجْلِسَه معه؛ ليتناول منه، فإن لم يفْعَلْ أو امتنع الرقيقُ منْه توقيراً للسيد، فينبغي أن يروغ له لقمة أو لقمَتيْنِ ويناوله، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ قد ولى حُرَّه ودخانه، فَلْيُقْعِدْهُ يَأْكُلُ مَعَهُ، وَإلاَّ فَلْيُنَاوِلهُ أُكْلَة من طعامه" 3، وَيُرْوَى أنه قال: "إذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طعامه حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ لُقْمَة" 4 والأُكْلة بالضم: اللقمة وروغها: إذا رَوَّاها دسماً، وأشار الشَّافعي -رضي الله عنه- في ذلك إلى احتمالات ثلاثة: أحدها: أنه يجبَ التَّرْوِيغُ والمناوَلَةُ، فإن أجلسه معه، فهو أفضل.
وثانيها: أن الواجب أحدُهُمَا، لا بعينه وأصحُّهما: أنه لا يجب واحدٌ منهما، والأمر بهما على سبيل الاستحباب نَدْباً إلى التواضُع ومكارم الأخلاق، ومنْهم مَنْ نَفَى الخلاف في الوجُوبِ، وذكر قولَيْنَ في أن الإجلاس أفضل أم هما متساويان؟ والظاهر

الأول؛ ليتناول القدْر الذي يشتهيه، وهذا الاستحباب فيمن يعالج الطعامَ آكد، وأصل الاستحباب في مناولة الطعامِ اللذيذِ يَشْمَلُ المعالِجَ وغيره ورعاية هذا الخُلُق في حَقِّ الحاضرين أهم، وليكن ما يناوله من اللقمة كبيرة تَسُدُّ مسداً دون الصغيرة التي تهيج الشهوة، ولا تقضي النهمة، ونفقة الرقيق كنفقة القريب؛ في أنها لا تصير دَيْناً في الذمة وتسقط بِمُضِيِّ 1 الزمان، ولو دفع إليه الطعام، ثم أراد إبدالَهُ، ذكر القاضي الرويانيُّ: أنه ليس له ذلك عند الأكل ويجوز قبله، وعن الماوَرْدِيِّ أنه إن تضمَّن الإبدالُ تأخرَ الأكل، لم يجز.
وقوله في الكتاب: "ولا يجب تفضيل النفيس على الخسيس في جنس الكسوة" لفظ الوجوب لم يستعمله أكثر الأئمة في هذا الموضع في أولوية التَّسْويَة وكراهية التفضيل وعدَمِها ثم التفضيل لا يختص بالكُسْوة [بل] الطعام كالكسوة، وقوله: "على الأصح" يعني من ثلاثة أوجُهٍ تحْصُل إذا أخذ مطلق الرقيق.
وقوله:"وقِيلَ يجب تفضيل السرية على الخادمة" وهو الثالث الفارق بين التفضيل في العبيد والتفضيل في الجواري، وهذا هو الأصحُّ عند عامَّة الأصحاب، وهو المنصوص عليه، ولفظ التسوية يُشْعِر بتخصيص التفضيل بها، لكن لفْظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وعامَّة الأصحاب أن ذاتَ الجَمَال [والفراهة] تُفَضَّل، ولم يُفرِّقوا بين السرية وغيرها، بل صرَّح صاحب "التهذيب" بنَفْيِ الفرق.
وقوله:"ويستحب أن يُجْلِسَ الرقيقَ مَعَهُ" محمول على الرقيق الذي عالج الطعام، وإن أطلق إطلاقاً على ما هو مبيَّن في "الوسيط"، وكان يمكن حمله على الاستحباب الشامل إلا أنه ذَكِّرَ بعده الوجْه الذاهِب إلى الوجُوب والخلافَ، والاحتمالاتُ المذكورةُ في الوجوب مخصوصةٌ بالرقيقِ الذي عَالَجَ الطعام، ولا مجال لها في غيره.
وقوله: "ويجب ذلك" يمكن أن يريد به أحدهما، ويجوز أن يريد شيئاً من ذلك، والله عزَّ وجلَّ أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَجِبُ إرْضَاعُ الوَلَدِ عَلَى المُسْتَوْلَدَةِ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا بِالتَّسْلِيمِ إلَى مُرْضِعَة أُخْرَى، وَلاَ تُكَلَّفُ أَنْ تُرْضِعَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لَهَا فِطَامُ وَلَدِهَا قَبْل الحَوْلَيْنِ، وَلاَ الزِّيَادَةُ عَلَى الحَوْلَيْنِ إلاَّ بِرِضَا السَّيِّدِ، وَأَمَّا الحُرَّةُ فَلَهَا حَقٌّ فِي الفِطَامِ فَلاَ فِطَامَ إلاَّ بِتَوَافُقِهِمَا، فَإنْ أَبَتِ الفِطَامَ قَبْلَ الحَوْلَيْن فَعَلَيْهِ الأُجْرَةُ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ولَدَتْ أمته أو أمُّ ولده منه فله أن يجبرها على إرضاعه؛ لأن لَبَنَهَا ومنافعها له، ولو أراد أن يُسَلِّم الولَدَ إلى غيرها، وأرادَتْ هي أن ترضعه، ففي "التتمة": حكاية وجهَيْن في أنه هل يتمكَّن منه؟ أحدُهما.
نَعَم؛ لأنها ملكه، وقد يريد استخدامها والاستمتاع بها.
وأظْهَرُهما، وهو المذكور في الكتاب: المنع لما فيه من التفريق بين الوالِدَة وولَدِها، نعَمْ له أن يضمه في أوقات الاستمتاع إلى غيرها، ولا يكلفها أن ترضع ولداً آخر مَعَ ولدها بأُجْرةٍ أو بغَيْر أُجرةٍ، إلا أن يفضل لبنها عن ريِّ ولَدِها إما لقِلَّة شُرْبه، أو لكثرة اللَّبَن، أو لاجتزائه بغير اللبن في أكثر الأوْقَات، ولوْ مَاتَ، ماتَ ولَدُها أو استغنى عن اللبن، فله ذلك، وله إجْبارها على الفِطَام قبل الحولَيْن، إذا اجتزأ الولد بغَيْر اللبن، وعلى الإرضاع بعد الحولين، وإن كان يجتزئ بغيْرِ اللبن، إلاَّ إذا تضررت [به]، وليس لها الاستقلال بالفِطَامِ ولا الرضاع، وأما الحُرَّة، فهِيَ صاحبةُ حقٍّ في تربية الولَدِ، فليس لواحدٍ من الأبوين الاستقلالُ بالفِطَامِ قبْل تمام الحولَيْن، وعلى الأب الأجْرَةُ، إذا امتنعت منه الأُمُّ إما لها أو لغيرها، وذكر فيه احتمالٌ: إذا لم يَتضرَّر به الولد، وإن اتفقا عليه جاز إذا لم يَتضرَّر به الولد وبعد الحولين يجوز لكل واحدٍ منهما الفِطَامُ، إذا كان يجتزئ بالطعام، ويجوز أن في اد في الإرضاع بالإنفاق، ولو لم يكن وَلَدُ الأمة مِنَ السيد، بل مملوكًا له، وكان من زوْجٍ أو زناً، فحضانته على السيد، وحُكْمُ الإرضاعِ على ما ذكرنا، وإن كان حرّاً، فله طلب الأجرة على إرضاعه، ولا يلزمه التبرُّع كما لا يجب على الحُرَّة التبرُّع 1 بالإرضاع، ولو رَضِي بأن ترضعه مجاناً، لم يكن لها الامتناع.
وقوله في الكتاب: "فلا فطام إلا بتوافقهما" يعني قبل الحولَيْن كما قال عقيبة "فإن أَبَتِ الفِطَامَ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ" أما بعد تمام الحولين، فلا حاجة إلى التوافُقِ، ولكلِّ واحدٍ منهما ذلك؛ على ما ذكرنا، كذلك أورده صاحب "التهذيب" وغيره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَتَعَيَّنُ مَا يُضْرَبُ عَلَى العَبْدِ مِنْ خَرَاجٍ مُعَيَّنٍ بَلْ عَلَيْهِ بَذْلُ المَجْهُودِ، وَلاَ يُكَلِّفُهُ السَّيِّدُ إلاَّ مَا يُطِيقُ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَى عَبْدِهِ بِيْعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُرْغَبْ فِي شِرَاِئهِ فَهُوَ مِنْ مَحَاوِيجِ المُسْلِمِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:

إحداهما: تجوز المُخَارَجَة وهو ضرب خراجٍ معلوم على الرقيق يؤديه كل يوم أو كل أسبوع ممَّا يكتسبه، وليس للعبد أن يَجْبُر السيِّد عليها، ولا للسيد إجبار العَبْدِ كعَقْدِ الكتابة، وعن القاضي أبي حامِدٍ تخريجُ قولٍ: أن للسيد إجبارَ العَبْدِ عليها، كما ينقل منافعه على كُرهٍ منه إلى غيره، والمذهب الأول، وإذا تراضيا، فليكن له كَسْبٌ دائمٌ [يفي] بذلك الخراج فاضلاً عن نفقته وكسوته إن جعلهما في كسبه، وإذا وَفَّى وزاد ما يكفيه، فالزيادة مبرة من السيد إلى عَبْدِه وتوسيع للنفقة عليه، وإن ضرب عليه خراجاً أكثر مما يليق بحاله، وألزمه أداءه، منعه السلطان منه.
روي أن عثمان -رضي الله عنه- قال: "لاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ؛ فَيَسْرِقَ، وَلاَ الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَتَكْتَسِبَ بفرجها" ويجبر النقصان في بعض الأيام بالزيادة في بعضها، ولا يخفى أن المُخَارَجَةَ لا تلزم وقوله في الكتاب: "ولا يتعين ما يضرب على العبد من خراج معيَّن" أي لا يلزم العَبْد ذلك، ولا يجبر عليه، ويجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للتخريج المذْكُور.
ولا يجوز للسَّيِّد أن يُكلِّف رقيقَهُ من العمل إلا ما يطيقه، ولا يكلِّفه الأعمال الشاقة إلا في بعض الأوقات، ولا ما إذا [ما] قام به يوماً أو يومين، عَجَزَ وضَعُفَ شهراً أو شهرين، وإذا عمل بالنهار، أراحه بالليل، وكذا العكس، ويريحه في أيام الصيف في وقت القيلولة ويستعمله في الشتاء النهارَ مع طرفي الليل، ويتبع في جميع ذلك العادةَ الغالبة، وعلى العبد تَرْكُ الكسل، وبَذْل المجهود.
الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على مملوكه، باعَ الحَاكِمُ مالَه في نفقته، وكيف يبيع؟ أيستدين عَليْه، فإذا اجتمع عليه شيْءٌ صالحٌ باعه فيه أو يبيع شيئاً فشيئاً؟ حكى القاضي الرويانيُّ فيه وجهَيْنِ 1، فإن لم يظْهَر له مالٌ، أمره بأن يبيعه أو يُؤَجِّره أو يعتقه، فإن لم يفعل، باعه الحاكمُ أو أجَّره، فإن لم يرغب فيه، أنفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن فيه مالٌ، فهو من محاويج المسلمين يقومون بكفايته 2، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيجِبُ عَلَفُ الدَّوَابِّ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عِمَارَةُ العَقَارِ وَالدَّارِ، وَيَجُوزُ غَصْبُ العَلَفِ وَالخَيْطِ لِجِرَاحِ الدَّابَّةِ عِنْدَ العَجْزِ، وَلاَ يَجُوزُ نَزْفُ لَبَنَهَا

بِحَيْثُ يَضُرُّ بِنِتَاجِهَا، وَإذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ وَجَبَ عَلَفُ السَّائِمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ بيعَتْ عَلَيْهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من ملك دابَّةَ لزمه علفها وسقْيُها؛ لحرمة الرُّوح، ويقوم مقام السَّقْي والعَلَفِ تخليتها؛ لترعى، وترد الماء، إن كانت مما يَرْعَى ويجتزئ به لخصيب الأرض، ولم يكن مانعُ ثلج وغيره، فإن أجدبت الأرض، وكانت لا تجتزئ بما ترعى، فعليه أن يُضِيفَ إلَيْه من العَلَف ما يكفيها، ويطرد ذلك في كل حيوانٍ محترمٍ، وقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ مَسكَتْهَا حَتَّى مَاتت مِنَ الجُوعِ، فَلَم تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلاَ تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلَ مِنْ خَشَاشِ الأَرضِ" 1 وخِشَاش الأَرْض هوامُّها بفتح الخاء وكسره، فإن امتنع المالك من ذلك أجْبَرَه السلطَانُ في المأكول على بيعها أو صيانتها عن الهلاك بالعلف أو التخلية أو ذبحها، وفي غير المأكول على البَيْع أو الصيانَة، فإن لم يفعل، ناب الحاكِمُ عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحالُ، وعن أبي الحُسَيْن: أنه لا يخليها لخَطَرِ الذئب وغيره، فإن لم يُعْرَفْ له مالٌ، باع الدابَّةَ أو جزءاً منها، أو إكراهًا، فإن لم يرغب فيها لعَمًى أو زمانةٍ، أنفق عليها من بيْت المال، ولا تُضيع كالرقيق، وبهذا كلِّه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجبره السلطان على العَلَف ولا يبيع ماله فيه، ولكن يأمره به عَلَى سبيل الأمر بالمعروف.
ولا يكلف الدابَّة ما لا تطيقه من تثقيل العمل وإدامة السير وغيرهما، ويجوز غصب العَلَف لإبقاء الدابة، إذا لم يوجَدْ غيره، ولم يبعه المالك، وكذا غصب الخيط؛ لجراحتها، وذكر فيها وجه، والظاهر الأول، وهو كالعدول إلى التيمم، وسقْيها الماء ومسألة الخَيْط مذكورةٌ مرةً في "الغصب" ولا يجوز نزف لبن الدابة بحيث يضر بنتاجها، وإنما يحلب ما يفضل عن رِيِّ ولدها.
قال القاضي الرويانيُّ: ويعني بالري ما يقيه حتى لا يموت، وقد يتوقَّف في الاكتفاء بهذا، وذكر في "التتمة" أنه لا يجوز الحَلْب، إذا كان يضر بالبهيمة؛ لقلة العَلَف، وأنه يكره ترك الحلب إذا لم يكنِ في الحَلَب إضرارٌ بها؛ لما فيه من تضييع المال والإضرار بالبهيمة وأنَّ المستَحَبَّ ألاَّ يستقصى في الحَلْبِ، ويُبْقى في الضّرْع شيء، وأن يقُصَّ الحالبُ أظفاره، كيلا يؤذيها بالقرص.
وييقى للنحل شيئاً من العسل في الكوارة، فإن كان الاشتيار في الشتاء، وتعذر

الخروج، فينبغي أن يكون المتبقي لها أكثر، وإن قام شيء مقام العسل لغذائها، لم يتعين إبقاء العسل، وقد قيل: يشوي دجاجة، وتعلق بباب الكوارة،.
فتأكل منها.
وديدان القَزِّ تعيش بورق الفرصاد، فعلى مالِكِهَا تخليتها؛ لتأكل منها، فإن عز الورق، ولم يعتن المالك بها، بيع ماله في الورق؛ كي لا يهلك من غير فائدة.
نعم، إذا جاء الوقْت، جاز تجفيفها بالشمس، وإن كانت تَهْلَكُ لتحصيل 1 فائدتها، وأما ما لا روح فيه كالعقار والقنى والزرع والثمار، فلا يجب القيام بعمارتها، ولا يكره ترك زراعة الأرْضِ، لكن يكره ترك سقي الزَّرْع والأشجار عند الإمكان؛ لما فيه من إضاعة المال، وفي "التتمة": أنه يكره أيضاً ترْك عمارة الدَّارِ إلى أن تخرب 2، ولا يكره عماراتُ الدُّورِ وسائر العقارات؛ للحاجة، والأَوْلَى ترك الزيادة، وربما قيل تَكْرَهُ الزيادة.
وقوله في الكتاب: "وإِنْ لم تجب عمارة العقار والدار" الدار داخلةٌ في العقار، ولو قال "كالدار" أو قدم الدار على العَقَار، لكان أحسن وقوله: "يجوز غَصْبُ العَلَف" أعلم بالواو.
وقوله: "وإذا أجدبت الأرض، وجب علف السائمة" وقد يشير إلى أن المراد مِنْ عَلَف الدواب في قوله أو لا تجب علف الدواب القيام بكفايتها بإسامتها أو تهيئة علفها من البيت، وَبَيَّنَ هاهنا أنَّه إذا تعذَّرت الإسامة، تعين العَلَف من البيت.
وقوله: "فإن لم يعلف بيعت عليه" لا اختصاص له بهذه الصورة؛ على ما بيَّنَّا [وبالله سبحانه التوفيق والإعانة، هذا آخر ربع النِّكَاح].
قَالَ الْغَزَالِيُّ: تَمَّ رُبْعُ النِّكَاحِ يَتْلُوهُ رُبْعُ الجِرَاحِ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلاةُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أجْمَعِينَ.

جارٍ التحميل