العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 204-243

قال الغزالي وِفَيه ثَلاَثَةُ أَبْوَابِ

البَابُ الأَوّلُ في أَركْانهَا

قال الرافعي: الحاجة الداعية إلى تجويز الوكالة ظاهرة، وثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه توكل السعاة لأخذ الصَّدَقات 1. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- وَكَّلَ عُرْوَةَ الباَرِقِيَّ -رضي الله عنه- ليشتري له شاة للأضحية 2، وعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمرِيَّ -رضي الله عنه- لقبول نكاح أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْت أبي سُفْيَانَ 3 -رضي الله عنه-، وَأبَا رَافِعٍ لقبول نكاح مَيْمُونَةَ 4. وعن جَابِرٍ -رضي الله عنه- قال: أردت الخروج إلى خيبر، فذكرته لرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال إذاً لَقِيتَ وَكِيْلي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَر وَسْقاً فَإن ابْتَغَى مِنْكَ آية فضع يدك على تُرْقوته 5 وقد أدرج صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى- مسائل الوَكَالة في ثلاثة أبواب: أحدها: في أركانها، وبيّن فيه ما يعتبر في كل واحد منها لصحة العقد، فيعرف بذاك صحيح الوكالة وفاسدها.

والثاني: في أحكام الوكالة الصحيحة فهي فائدة العقد وثمرته.
وثالثها: في الاختلاف؛ لأنهما قد يختلفان في أصل العقد وكيفيته وتعرض لسببه أحكام يحتاج إلى الوقوف عليها.
أما الأركان فلا يخفى أن التوكيل تفويض، ولا شك أن التفوبض يكون في شيء يصدر من شخص إلى شخص، ويتحصل بشيء، وهذه الأريعة التي ذكرناها، بكن جعلها أركاناً للوَكَالة كجعل البائع والمشتري والمبيع أركاناً للبيع، وفيه كلام قدمناه في البيع.
قال الغزالي: وِهَيَ أَرْبَعَةٌ الأَولُ مَا فِيه التَّوْكيِلُ وُشُرُوُطُهُ ثَلاَثَةٌ: (الأَوَّل): أَنْ يَكُونَ مَمْلوكاً لِلمُوَكِّل، فَلَو وُكِّلَ بَطَلاَقِ زَوْجِةٍ سَيَنْكِحُهَا، أَوْ بَيْعِ عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ.
قال الرافعي: الركن الأول ما فيه التوكيل وله شروط.
أحدها: أن يكون ما يوكل فيه مملوكاً له فلو وكل غيره في طلاق امرأة سينكحها أو بيع عبد سيملكه أو إعتاق كل رقيق يملكه فوجهان.
أحدهما: أن هذا التوكيل باطل؛ لأنه لا يتمكن من مباشرة ذلك بنفسه، فلا ينتظم منه إنابة غيره فيه.
والثاني: صحيح، ويمكن بحصول الملك عند التصرف، فإنه المقصود من التوكيل.
ويجري الوجهان فيما إذا وكله بقضاء كل دين سيلزمه، وتزويج ابنته إذا انقضت عدتها أو طلقها زوجها، وما أشبه ذلك 1، وبالوجه الثاني أجاب القَفَّالُ في "الفتاوى"، وهو الذي أورده في "التهذيب"، والأول أصح عند أصحابنا العراقيين، والامام، ولم ينقل صاحب الكتاب غيره، ويجوز أن يقال: الخلاف عائد إلى الاعتبار بحال التوكيل، أو بحال إنشاء التصرف، وله نظائر.
قال الغزالي: (الثَّانِي): أَنْ يَكُونَ قَابلاً لِلنِّيَابَةِ كَأَنْوَاعِ البيْع، وَكَالحِوَالَةِ، والضَّماَنِ، وَالكَفَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالوَكَاَلَةِ، وَالمُضَارَبة، وَالجعَالَةِ، وَالمُسَأَقَاة، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلاَقِ،

وَالخُلْعِ، وَالصُّلْحِ، وَسَائرِ العُقُودِ، وَالفُسُوخِ، وَلاَ يَجوزُ التَّوكيلُ في العِبادَاتِ إِلاَّ في الحَج وأَداءِ الزَّكَوَاتِ، وَلاَ يَجوزُ في المَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَالغَصْبِ وَالقَتْلِ بَلْ أَحكامُهَا تَلْزمُ متعاطيها، وَيلْتحِقُ بِفَنِّ العِبَادَاتِ الأَيْمَانُ وَالشَّهَادَاتُ فإِنّهَا تَتَعلَّقُ بأَلفْاَظٍ وَخَصَائصِ، وَاللِّعَانُ وَالإِيلاَءُ مِنَ الأَيْمَانِ، وَكَذَا الظِّهَار عَلَىَ رَأْيٍ، وَيجوزُ التَّوكْيلُ بقَبْضِ الحُقُوق، وفَي التَّوكْيل بإثْباتِ اليَدِ على المُبَاحَاتِ كَالاصْطيادِ وَالاسْتِقَاءِ خِلاَفٌ، وفي التَّوكْيل بِالإِقْرَارِ خِلاَفٌ لتَردُّدِهِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالالْتِزامَاتِ، ثُمَّ إِنْ لَم يَصحَّ فَفي جَعْلِهِ مقرَّاً بِنَفْسِ التَّوكْيل بالخُصُومَةِ بِرضَا الخَصْمِ وَغَيْرِ رِضَاهُ (ح)، وَباسْتِيفاءِ العُقوباتِ فيِ حُضُورِ المُسْتَحِقِّ، وفيِ غَيْبَتِهِ طَرِيقَانِ، أَحدُهُمَا المَنْعُ، وَالآخَرُ قَوْلاَنِ، وَقِيل بالَجَوازِ أَيضاً.
قال الرافعي: يشترط في الموكل فيه أن يكون قابلاً للنيابة، فإن التوكيل تفويض وإنابة، والذي يفوّض فيه التوكيل أنواع.
منها: العبادات، والأصل فيها إمتناع النيابة؛ لأن الإتيان بها مقصود من الشخص عينه ابتلاءً واختباراً، واستئني الحج للأخبار 1، ومن جنس الصلاة ركعتي الطواف 2، على كلام فيهما ياتى في "الوصايا"، وتفريق الزكاة والكفارات والصدقات؛ إلحاقاً لها بسائر الحقوق المالية، وذبح الضحايا والهدايا، فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أناب فيه 3، وفي صوم الوليّ عن الميت خَلاَفٌ سبق في موضعه، وألحق بالعبادات الأيمان والشهادات.
قال في "الوسيط": لأن الحكم في الأيمان يتعلق بتعظيم اسم الله -تعالى- فامتنعت النيابة فيها كالعبادات، وفي الشهادات علقنا الحكم بخصوص لفظ الشهادة، حتى لم يَقُمْ غيرها مقامها، فكيف يحتمل السكوت عنها بالتوكيل؟ ومن جمله الأيمان الإيلاء، واللعان، والقسَامة، فلا يجوز التوكيل في شيء منها.
وفي الظهار وجهان، بناء على أن المغلب فيه معنى اليمين أو الطلاق، والظاهر عند المعظم منع التوكيل فيه، وذكر في "التتمة" أن الظاهر الجواز، وأن المنع مذهب

المُزَنِيِّ، وفي معنى الأيمان النذور، وتعليق الطلاق، والعتق والتدبير.
وفي "التتمة" أن الحكم في التدبير يبنى على أنه وصية، أو تعليق عتق بصفة.
فإن قلنا بالثاني منعناه.
ومنها: المعاملات، فيجوز التوكيل في طرفي البيع بأنواعه.
قال الغزالي: من السَّلَمِ والصَّرْف والتَّوليَةِ، وغيرهما، وفي الرهْنِ والهبة والصُّلْحِ والإبَّراءِ وَالحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ وَالكَفَالَةِ وَالشَّرِكَةِ والوَكَالَةِ والمُضَارَبِةِ والإِجَارةِ وَالجَعَالَةِ والمُسَاقَاةِ وَالإِيْدَاع والإِعَارةِ والأخذ بالشُّفْعَةِ والوَقْفِ والوصِيَّةِ وقبولها.
وعن القَاضي الحُسَيْنِ حكاية وجهٍ: أنه لا يجوز التوكيل في الوصية؛ لأنها قُرْبة، ويجوز التوكيل في طرفي النكاح والخلع، وفي تنجيز الطَّلاَقِ والعِتَاق والكِتَابة ونحوها 1، وفي الرجعة وجهان.
أصحهما: الجواز كابتداء النكاح، فإن كل واحد منهما استباحة فرج محرم: والثاني: المنع كما لو أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة، ووكل بالاختيار، وكذا لو طلق إحدى امرأتيه، وأعتق أحد عبديه، ووكل بالتعيين 2. وكما يجوز التوكيل في العقود يجوز في الإِقَالَةِ، وسائر الفسوخ، نعم ما هو على الفور، فالتأخير فيه بالتوكيل قد يكون تقصيراً.
وفي التوكيل في خيار الرؤية خلاف سبق في موضعه، ويجوز التوكيل في قبض الأموال مضمونة كانت أو غير مضمونة، وفي قبض الديون وإقباضها 3. ومنها الجزية، فيجوز التوكيل في قبضها وإقباضها، نعم يمتنع توكيل الذمي المسلم فيه على رأي مذكور في "كتاب الجزية" 4. ومنها: المعاصي كَالقَتْلِ والقَذْفِ والسَّرِقَةِ والغَصْبِ، فلا مدخل للتوكيل فيها، بل أحكامها تثبت في حق مرتكبها؛ لأن كل شخص بعينه مقصود بالأمتناع عنها، فإن فعل

أجري حكمها عليه.
ثم في الفصل وراء هذه الصور المبتورة مسائل: إحداها: في التوكيل في تملك المباحات، كإحياء المَوَاتِ والاحتطاب والاصطياد والاستقاء وجهان.
أصحهما: الجواز حتى يحصل الملك للموكل، إذاً قصده الوكيل؛ لأنه أحد أسباب الملك فأشبه الشراء 1. والثاني: المنع كالأغتنام؛ لأن الملك فيها يحصل بالحِيِازَةِ، وقد حدث من التوكيل، فيكون المِلْكُ له، ولو استأجره ليحتطب له، أو يستقي، ففي "التهذيب" أنه على الوجهين، وبالمنع أجاب القاضي ابْنُ كَجٍّ، ورأى الإمام جواز الاستئجار مجزوماً به، فقاس عليه وجه تجوير التوكيل 2. الثانية: في التوكيل بالأقرار وجهان، وصورته أن يقول: وكلتك لُتقَّرعني لفلان 3: أظهرهما: عند الأكثرين، ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ واختيار القَفَّالِ أنه لا يصح؛ لأنه إخبار عن حق، فلا يقبل التوكيل، كالشهادة، وإنما يليق التوكيل بالإنشاءات.
الثاني: يصح؛ لأنه قول يلزم به الحق، فأشبه الشراء، وسائر التصرفات، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- فعلى الأول، هل يجعل بنفس التوكيل مقرّاً؟ فيه وجهان.
أحدهما: نعم، وبه قال ابْنُ القَاص تخريجاً، واختاره الإمام -رحمه الله تعالى- لأن توكيله دليل ثبوت الحق عليه.
وأظهرهما: عند صاحب "التهذيب": أنه لا يجعل مقرّاً، كما أن التوكيل بالإبراء لا يجعل إبراء 4.

وإذا قلنا بالوجه الثاني، فينبغى أن يبين الوكيل جنس المقرّبه وقدره، فلو قال.
أقر عني بشيء لفلان.
فأقر أخذ الموكل بتفسيره، ولو اقتصر على قوله: أقر عني لفلان، فوجهان، حكاهما الشيخ أَبُو حَامِدٍ وغيره: أحدهما: أنه كما لو قال: أقر عني بشئ.
وأصحهما: أنه لا يلزمه شئ بحال؛ لجواز أن يريد الأقرار بعلمه، أو سماعه لا بالمال 1. الثَّالِثَةُ: يجوز لكل واحد من المدعي والمدعى عليه التوكيل بالخصومة رضي صاحبه، أو لم يَرْضَ، وليس لصاحبه الأمتناع من خصومة الوكيل.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: له الأمتناع إلاَّ أن يريد الموكل سَفَراً، أو يكون مريضاً، أو مخدراً.
وقال مالك -رحمه الله تعالى-: له ذلك إلا أن يكون سفيهاً خبيث اللسان، فيعذر الموكل في التوكيل.
لنا: أنه توكيل في خالص حقه، فيمكن منه، كالتوكيل باستيفاء الدَّيْنِ من غير رضي مَنْ عليه، ولا فرق في التوكيل في الخصومة بين أن يكون التوكيل المطلوب مالاً، أو عقوبة لا دمى، كالقصاص وحد القذف.
فاما حدود -الله تعالى- فلا يجوز التوكيل في إِثباتها؛ لأنها مبنية على الدرء 2. الرابعة: يجوز التوكيل في استيفاء حدود -الله تعالى- للأمام وللسيد في حد مملوكه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في قصة ماعز: (اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) 3. وقال: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امرأَةِ هَذَا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا 4 وأما عقوبات

الآدميين، فكذلك يجوز استيفاؤها بالِوَكَاَلَةِ فيِ حضور المستحق 1، وفي عيبته ثلاث طرق: أشهرها: أنه على قولين: أحدهما: المنع، وهو ظاهر نصه هاهنا؛ لأنا لا نتيقن بقاء الاستحقاق عند الغيبة لاحتمال العفو، وأيضاً فإنه ربما يرقُّ قلبه عند الحضور فيعفو، فليشترط الحضور، وأصحهما الجواز لأنه حق يستوفى بالنيابة في الحضور، فكذلك في الغيبة، كسائر الحقوق واحتمال العفو، كاحتمال رجوع الشهود فيما إذا كانت بالبينة، فإنه لا يمتنع الأستيفاء في غيبته.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق: القطع بالجواز، وحمل ما ذكره هاهنا على الأحتياط.
الثالث: القطع بالمنع لعظم خطر الدم، وبالمنع قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-.
وذكر القاضي الروياني أنه الذي يفتي به 2. وإذا عرفت ما ذكرنا لم يَخْفَ عليك أن قوله في الكتاب: "وسائر العقود، والفسوخ"، وإن كان يشعر بالجزم وصحة التوكيل فيها، لكن في العقود ما هو مختلف فيه كالَّرجْعَةِ والوصية، وفي الفسوخ أيضاً طرد الفسخ، وخيار الرؤية، فيجوز إعلامه - بالواو لذلك.
وقوله في آخر الفصل: "وقيل بالجواز أيضاً" طريقة ثالثة أوردها بعد الطريقين، وثالثها محفوظة عن الشيخ أَبي حامد ومن تقدم والله أعلم.
قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ يكَوُنَ مَا به التَّوكْيِلُ مَعْلُوماً نوعَ عِلْمٍ لاَ يُعَظَّمُ فيِه = 6831، 6835، 6836، 6842، 6843، 6859، 6860، 7193، 7194، 7258، 7259، 7260، 7278، 7279) ومسلم (1697، 1698).

الغرَرُ، وَلَوْ قَالَ: وَكّلْتُكَ بِكُلِّ قِلَيلٍ وَكَثِير لِمْ يَجُزْ، وَلَوْ قَالَ: وَكّلْتُكَ بِمَا إلَيّ مِنْ تَطلْيِق زَوْجَاتِي وَعِتْقِ عبِيدي، وَبَيْعِ أَمْلاَكيِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بِمَا إليّ مِنْ كُلِّ قِلَيلٍ وكثير ففِيِه تَرَدُدٌ، وَلَوْ قَاَلَ: اشْتَرِ عَبْداً لَمْ يَجُزْ (و)، وَلَوْ قَالَ عَبْداً تُرِكّيّاً بمِائة كَفَى، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَوْصَافُ السَّلَمِ، وَلَوْ تَرَكَ ذِكْرَ مَبْلَغِ الثَّمَنَ أَوْ ذِكْرَ الثَّمَنَ وَلَمْ يَذْكَرْ نَوعْهُ فَفِيهِ خِلاَفٌ، والتَّوكْيِلُ بِالإِبْرَاءَ يَسْتَدْعي عْلِمَ المُوَكِّلِ بمبْلَغِ الدَّيْنِ المُبْرَإِ عَنْهُ لاَ عِلْمَ الوَكِيلِ، وَلاَ عِلْمَ مَنْ عَلَيْهِ الَحقَّ، وَلَوْ قَالَ: بعْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلاَنٌ فرَسَهُ فُاِلَعلْمُ بَمَبْلَغِ مَا بَاعَ بِهِ فُلاَن فرسه يُشْتَرَطُ فيِ حَقِّ الوِكيِلِ لاَ فْيِ حَقِّ المُوَكِّل، وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بُمخَاصَمَةِ خَصْمَايَ فَالأَظْهَرُ جِوِازُهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ.
قال الرافعي: ولا يشترط في الموكل فيه أن يكن معلوماً من كل وجه، فإن الوكالة إنما جوزناها لعموم الحاجة، وذلك يقتضي المُسَامَحَةَ فيها، ولذلك احتمل تعليقها بالأغرار على رأي، ولم يشترط القبول فيها بالقول، على الفور، ولكن يجب أن يكون معلوماً مبيناً من بعض الوجوه، حتى لا يعظم الغرر، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الوكالة عامة، أو خاصة.
أما الوكالة العامة فبين ما نقله الإمام وصاحب الكتاب فيها تصويراً وحكماً، وبين ما نقله سائر الأصحاب بعض التفاوت، ونذكر الطريقين.
قال الإمام، وصاحب الكتاب: لو قال: وكلتك بكل قليل وكثير، ولم يضف إلى نفسه، فالتوكيل باطل؛ لأنه لفظ مبهم بالغ في الأبهام، ولو ذكر الأمور المتعلقة به الذي تجري فيها النيابة، وفصلها، فقال: وكلتك ببيع أملاكي، وتطليق زوجاتي وإعتاق عبيدي صح التوكيل، فلو قال: وكلتك بكل أمر هو لي مما يناب فيه، ولم يفصل أجناس التصرفات، فوجهان: أحدهما: يبطل، كما لو قال: وكلتك بكل قليل وكثير.
والثاني: يصح؛ لأنه أضاف التصرفات إلى نفسه، فلا فرق بين أن يذكرها بلفظ يعمها، وبين أن يفصلها جنساً جنساً، والأول أظهر.
وإما سائر الأصحاب، فإنهم قالوا: لو قال: وكلتك بكل قليل وكثير، أو في كل أموري أو في جميع حقوقى، أو بكل قليل وكثير من أموري، أو فوضت إليك جميع الأشياء، أو أنت وكيلي، متصرف في مالي كيف شئت، لم تصح الوكالة.
ولو قال: وكلتك ببيع أموالي، واستيفاء ديوني، أو استرداد ودائعى، أو إعتاق عبيدي، صحت الوكالة.

ووجه التفاوت بين الطريقين: أنهما عللا المنع بإرسال لفظ القليل والكثير، وترك إضافتها حتى ذكروا وجهين، فيما إذاً أضافهما إلى نفسه والآخرون سَوَّوا بين ما إذا أرسل، وبين ما إذا أضاف، ولم ينقلوا الخلاف في واحد من القسمين، وعللوا بأن في تجويز هذه الوكالة غرراً وضرراً عظيماً لا حاجة إلى احتماله، وهذه الطريقة أصح نقلاً ومعنى.
وأما النقل، فلأن الشَّافعي -رضي الله عنه- في "اختلاف العراقيين": وإذا شهد الرجل لرجل، وإنه وكله بكل قليل وكثير له، فالوكالة غير جائزة، نص على المنع مع وجود الإضافة.
وإما المعنى، فلأن الإنسان إنما يوكل فيما يتعلق به، سواء نص على الأضافة إلى نفسه، أو لم يَنُصَّ، ولهذا لو قال وكلتك بشراء هذا لم يحتج إلى أن يقول: لي.
وإما الوكالة الخاصة ففيها صور: منها: أن يوكل في بيع جميع أمواله أو قضاء ديونه، أو استيفائها، وقد نقلنا صحته عن الطريقين، وهل يشترط أن تكون أمواله معلومة.
قال في"التهذيب": لو قال: وكلتك ببيع جميع مالي، وكان معلوماً، أو قبض جميع ديوني، وهو معلوم، فهذا التفسير يشعر بالاشتراط الأشبه خلافه، فإن معظم الكتب لا تتعرض لهذا الاشتراط.
وفي "الفتاوى القَفَّال" أنه لو قال: وكلتك باستيفاء ديوني التي على الناس جاز مجملاً، وإن كان لا يعرف مَنْ عليه الدين أنه واحد أو أشخاص كثيرة، وأي جنس ذلك الدين، وإنما لا يجوز إذاً لم يبين ما يوكل فيه بان يقول: وكلتك في كل قليل وكثير، وما أشبهه، هذا لفظه.
في "الرقم" لأبي الحسن العَبَّادِيَّ: أنَّهُ لو قال: بيع جميع أموالي صح؛ لأنه أعلم بالجملة، ولو قال: بيع طائفة من مالي، أو بعضه، أو سهماً منه لم يصح لجهالته بالجملة، فكأن الشرط أن يكون الموكل فيه معلوماً، أو بحيث تسهل معرفته.
ولو قال: بع ما شئت من مالي، أو أقبض ما شئت من ديوني، جاز، ذكره صاحب "المهذب" و"التهذيب" 1.

وفي "الحلية"، ما ينازع فيه، فإنه قال: لو قال: بع من رأيت من عبيدي، لا يجوز حتى يميز.
ومنها: التوكيل بالشراء، فلا يكفي أن يقول اشْتَرِ لي شيئاً أو حيواناً، أو رقيقاً، بل يشترط أن يبين أنه عبد، أو أمة، ويبين النوع من التركي والهندي، وغيرهما 1، والمعنى فيه أن الحاجة لا تكاد تمس إلى عبد مطلق على أي نوع ووصف كان، وفي الابهام غَرُرُ ظاهر، فلا يحتمل.
في "النهاية" أن صاحب "التقريب" التوكيل بشراء عبد مطلق وهذا الوجه بعيد هاهنا، وإذا طرد في قوله: اشتر شيئاً كان أبعد حكى وجهاً: أنه يصح، لأنه أبعد في التوكيل بشراء شيء، وهل يشترط مع التعرض للنوع ذكر الثمن؟.
فيه وجهان: أصحهما: لا، وبه قال أبو حنيفة، وابْنُ سُرَيْجٍ؛ لأن تعلق الغرض بعبد من ذلك النوع نفيساً كان أو خسيساً ليس ببعيد.
والثاني: أنه لا بد من تقدير الثمن، أو بيان غايته بأن يقول: بمائة، أو من مائة إلى ألف لكثرة التفاوت فيه، ولا يشترط استقصاء الأوصاف التي تضبط في السَّلَمِ، ولا ما يقرب منها بالاتفاق، نعم إذا اختلفت الأصناف الداخلة تحت النوع الواحد اختلافاً ظاهراً، فعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: أنه لا بد من التعرض له إذا فرعنا على المذهب في اعتبار التعرض، للتركي والهندي.
وقوله: في الكتاب: أو ذكر الثمن، ولم يذكر نوعه ففيه خلاف أراد به ما هو المفهوم من ظاهره، وهو أن يقول: اشتر لي عبداً بمائة، ولا يتعرض لقوله: تركياً وهندياً وإثبات الخلاف في هذه الصورة بعد الحكم بأنه لا بد من ذكر التركي والهندي مما لا يتعرض له الأئمة، ولا له ذكر في "الوسيط" لصاحب الكتاب، فالوجه تأويله على اصطلاح استعمله الإمام، وذلك أنه سمى 2، التركي والرومي والهندي أجناساً للرقيق في هذا المقام، واتباعاً للعرف، وسمى الأصناف الداخله تحت التركي مثلاً أنواعاً له، فيجوز أن يريد صاحب الكتاب هاهنا بالنوع ذلك، وهو مما شرط التعرض له على ما روينا عن الشيخ أَبي مُحَمَّدٍ، وينتظم إثبات الخلاف فيه، وحينئذ يكون المعنى: أو ذكر الثمن مع كون العبد تركياً أو لم يذكر صفته والله أعلم.
= الجميع؛ لأن "من" للتبعيض.
واعترضه في المهمات: فقال المسألة مذكورة في الحلية قبيل هذا الكلام الذي نقله بنحو خمسة أسطر فقال ما نصه: "ولو قال: بع من عبيدي من رأيت لم يجز حتى يميز إلى آخر ما ذكره، فظهر أن الذي نقله الرافعي عن الحلية صحيح، وإن كان وجهاً ضعيفاً".

ولو قال: اشتر لي عبداً كما تشاء، فظاهر رأي الشيخ أَبي مُحَمَّدٍ تجويزه؛ لأنه صرح بالتفويض التام، بخلاف ما إذا اقتصر على قوله: اششر لي عبداً، فإنه لم يَأْتِ ببيان معتادٍ، ولا تفويض تام، يكتف الأكثرون بذلك، وفرقوا بينه وبين أن يقول في القِرَاضِ: اشتر مَنْ شئت من العبيد؛ لأن المقصود هناك الربح بنظر العامل، وتصرفه، فيليق به التفويض إليه، وفي التوكيل بشراء الدار يجب التعرض للمحلّة والسّكة 1، وفي الحانوت للسوق، وعلى هذا القياس 2. ومنها: لو وكله بالإبراء.
قال القاضي الحُسَيْنُ: إذا عرف الموكل مبلغ الدين كفى ذلك، ولم يجب إعلام الوكيل قدر الدَّين وجنسه، وهذا هو الذي أورده في الكتاب.
وقال في "المهذب" و"التهذيب": لا بد من أن يبين للوكيل قَدْرَ الدَّين، وجنسه، والأشبه الأول، ويخالف ما إذا قال: بع عبدي بما باع به فلان فرسه، يشترط لصحّة البيع علم الوكيل؛ لأن العهدة تتعلّق به، فلا بُدَّ وَأَنْ يكون على بصيرة من الأمر، ولا عهدة في الإبراء، ولو كان الموكل جاهلاً بقدر ما باع به فلان فرسه لم يضر.
وأما قوله في صورة الإبراء: "ولا علم من عليه الحق"، فاعلم أن فيه خلافاً مبنياً على الأَصل الذي مر في "كتاب الضَّمَان" وهو أن الأبراء مَحْضُ إسقاط، أو تمليك، فإن قلنا: إسقاط صح مع جهل مِنْ عليه الحق بمبلغ الحق.
وإن قلنا: تمليك، فلا بد من علمه، كما أنه لا بد من علم المهب بما وهب، فإذاً قوله: "ولا علم من عليه الحق" ينبغى أن يعلم -بالواو- وكذلك قوله: علم الوكيل -بما قدمناه.
وقوله: " يستدعي علم الموكل " يجوز إعلامه -بالواو- أيضاً؛ لأنا إذا صححنا الإبراء عن المجهول لا نعتير علم الموكل أيضاً، ثم ينظر في صيغة الأبراء، فإن قال: أبرئ فلاناً عن دَيني، أو أبرئه عن الكل.
وإن قال: عن شيء منه أو أبرئه عن قليل منه.
وإن قال: عما شئت أبرأ عما شاء، وأبقي شيئا 3.

ومنها: إذا وكله بالخصومة، فيذكر ما يدخل فيه، ومالا يدخل، والغرض الآن أنه لو أطلق، وقال: وكلتك بِمُخِاصَمَةِ خصماي، هل يصح التوكيل؟.
فيه وجهان: أصحهما: نعم، ويصير وكيلاً في جميع الخصومات.
والثاني: لا، بل يجب تعيين مَنْ يخاصم معه لأختلاف الغرض به، وهذا الخلاف قريب من الخلاف الذي مر فيما إذاً وَكَّل ببيع أمواله، وهي غير معلومة.
قال الغزالي: (الرُّكْنُ الثَّانِي المُوكَلُ) وَشَرطُهُ أَنْ يَمْلِكَ مَبَاشَرَةَ ذَلِكَ التَّصَرّفُ بِمِلْكٍ أوْ وِلاَيَةٍ، فَلاَ يَصِحُّ تَوكْيِلُ الصَّبيِّ (ح) وَالمَجْنُونِ، وَلاَ يَصِحُّ (ح) تَوكْيِلُ المَرْأَةٍ فيِ عَقِدْ النِّكّاَحِ، وَيَجَوُزُ تَوْكيِلْ الأَبِ وَالجَدِّ، وَلاَ يَصِحُّ توِكَيِلِ إِلاَّ إِذا عَرَفَ كَوْنَهُ مَأْذُوناً بِلَفظٍ أَوْ قَرِينَةٍ، وَفي تَوْكِيلِ الَولِيِّ الَّذِي لاَ يُجْبُر تَرَدُّدٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الوَلِيِّ وَالوَكِيلِ.
قال الرافعي: يشترط في الموكل أن يتمكن من مُبَاشَرَةِ ما يوكل فيه أما بحق المِلْك لنفسه، أو بحق الولاية على غيره، وفي هذا الضابط قيدان: أحدهما: التمكن من مباشرة ذلك التصرف، فمن لا يتمكن من مباشرة ذلك التصرف، كالصبي، والمجنون، والنائم، والمغمى عليه لا يصح منه التوكيل، والمرأة لا يصح منها التوكيل في النكاح 1، وكذا توكيل الفاسق في تزويج ابنته إذا قلنا: لا يليه، وتوكيل السكَرَانِ حكمه حكم سائر التصرفات.
والثاني: كون التمكن بحق المِلْك أو الولاية، فيدخل فيه توكيل الأب والجد في النكاح، والمال، ويخرج عنه توكيل الوكيل، فإنه ليس بمالك، ولا ولي، نعم لو مكنه الموكل من التوكيل لفظاً، أو دلت عليه قرينة نفذ، وتفصيله سيأتي في الباب الثاني، وفي معناه توكيل العبد المأذون، لأنه إنما يتصرف عن الإذن لا بحق الملك، ولا الولاية، وفي توكيل الأخ والعم، ومن لا يجبر في النكاح وجهان، يعزوان في النكاح، لأنه من حيث أنه لا يعزل كالولي، ومن حيث إنه لا يستقل، كالوكيل، والمحجور عليه بالفلس، والسفه والرق يجوز توكيله فيما يستقل به من التصرفات، وفيما لا يستقل لا يجوز إلاَّ بعد إذن الولي والمولى ومن جوز التوكيل بطلاق امرأة سينكحها، أو بيع عبد سيملكه، فقياسه تجويز توكيل المحجور بما سيأذن فيه الولي، ولم يتعرضوا

له 1، ولنعرف في الضابط المذكور أموراً: أحدها: أنه يستثنى عنه بيع الأعمى، وشراؤه، فإنه يصح التوكيل فيه، وإن لم يملكه الأعمى للضرورة 2. والثاني: أنه إذا أنفذ توكيل الوكيل على ما سيأتى، فمصوبه وكيل الموكل أو وكيل الوكيل؟ فيه خلاف ستقف عليه، وإذا كان وكيل الوكيل لم يكن من شرط التوكيل كون الموكل مالكاً للتصرف بحق الملك والولاية.
وقوله:"ولا يصح توكيل المرأة في عقد النكاح" معلّم -بالحاء- لما اشتهر من مذهبة.
قال الغزالي: (الرّكْنُ الثَّالِثُ: الوَكِيلُ) وَيُشْتَرطُ فيه صِحَّةُ الِعَبارة وَذَلِكَ بالتَّكْليِفِ،

وَلاَ يَصِحُّ (ح) تَوِكْيلُ الصَّبيِّ إِلاَّ في الإِذنِ في الدُّخوُلِ وَإِيصَالِ الهَدِيَّةِ عَلَىِ رَأَي، وَلاَ يَصِحُّ تَوِكْيلُ المَرأةِ (ح) وَالمُحْرِمِ (ح) في عَقدِ النَّكَاحِ، وَالأَظْهَر: جَوَازُ تَوَكْيِلِ العَبْدِ وَالفَاسِقِ في إِيجَابِ النَّكاَحِ، وَكَدَا المَحْجوُرُ بِالسَّفَهِ وَالفَلَسِ إِذْ لاَ خَلَلَ في عِبَارتِهِمْ، وَمَنْعِ اسْتِقْلاَلِهِمْ بسَبَبِ أُمُورٍ عَارِضَةٍ.
قال الرافعي: كما يشترط في الموكّل التمكّن من مباشرة التصرف للموكل فيه بنفسه، يشترط في الوكيل التمكن من مباشرته بنفسه 1، وذلك أن يكون صحيح العبارة فيه، فلا يصحة توكيل المجنون 2، والصبي في التصرفات، واستثنى في الكتاب الإذن في دخول الدار، والملك عند إيصال الهديّة، ففي اعتبار عبارته في الصورتين وجهان، سبق ذكرهما في "أول البيع" فإن جاز ذلك، فهو وكيل من جهة الإذن والمهدي.
واعلم أن تجويزهما إذا كان على سبيل التوكيل، فلو أنه وكل بأن يوكل غيره، فامتياز تخريجه على الخلاف في أن الوكيل، هل يوكل؟ فإِن جاز لزم أن يكون الصبي أهلاً للتوكيل أيضاً.
وعند أبى حَنِيْفَةَ وأَحْمَدَ رحمهما الله -تعالى- يصح توكيل الصبي المميز، والمرأة، والمُحرم مَسْلُوبا العبارة في النكاح، فلا يتوكلان فيه، كما لا يوكلان خلافاً لأبي حنيفة ومن توكيل العبد من الشراء ونحوه وجهان سبق ذكرهما في "باب معاملة العبيد" وفي توكيله في قبول النكاح بغير إذن السيد وجهان: أصحهما: الجواز، وإنما لم يَجُزْ قَبُولُهُ لنفسه لما أن يتعلق به المهر ومؤن النكاح 3، وفي توكيله في طرف الإيجاب وجهان.
أحدهما: المنع؛ لأنه لا يجوز أن يزوج ابنته، فأولى ألاَّ يزوج ابنة غيره.

والثاني: الجواز لصحة عبارته في الجملة، وإنما لم يل أمر ابنته؛ لأنه لا يتفرغ للبحث والنظر وهاهنا ثم البحث والنظر من جهة الموكل، وهذا أظهر عند صاحب الكتاب، والأول أظهر عند المعظم، وربما لم يذكروا غيره، وتوكيل المحجور عليه بالسفه في طرفي النكاح، كتوكيل العبد وتوكيل الفاسق في إيجاب النكاح، كتوكيلهما إذا سلبنا الولاية بالفسق، ولا خلاف في جواز قبوله بالوكالة، والمحجور عليه بالفلس يوكل فيما لا يلزم ذمته عهدة، وكذا فيما يلزم عهدة على الأصح من الوجهين، كما أن شراءه صحيح على الصحيح.
ويجوز توكيل المرأة في طلاق زوجة الغير على أصح الوجهين، كما يجوز أن يفوض الزوج طلاق نفسها إليها.
وذكر في "التتمة" أنه لا يجوز توكيل المطلقة الرجعية في رجعية نفسها، ولا توكيل المرأة امرأة أخرى؛ لأن الفرج لا يستباح بقول النساء، وأنه لا يجوز توكيل المرأة في الاختيار في النكاح، إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة، وفي الاختيار للفراق وجهان.
وقوله في الكتاب: "ومنع استقلالهم بأمور عارضة" أي: هم صحيحو العبارة، كاملو الحال، وإنما منعناه لأمور تعرض، فيمنع استقلالهم بالتصرف، لا مطلق التصرف على ما مَرَّ.

"

فرع

" توكيل المرتد في التصرفات المالية يبنى على انقطاع ملكه وبقائه إن قطعناه لم يصح، وإن أبقيناه صح.
وإن قلنا: إِنه موقوف، فكذلك التوكيل، ولو وكل، ثم ارتد، ففي ارتفاع التوكيل الأقوال.
ولو وكل مرتداً أو ارتد الوكيل لم يقدح في الوكالة لأن التردد في تصرفه لنفسه، لا لغيره، هكذا نقل الأصحاب عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
وفي "التتمة" أنه يبني على أنه هل يصير محجوراً عليه.
إن قلنا: نعم انعزل عن الوكالة، وإلا فلا 1.

قال الغزالي: الرّكْنُ الرَّابعُ: الصِّيغَةُ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِيجَابِ، وَفِي القَبُولِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، الأعْدَلُ هُوَ الثَّالِثُ وهَوَ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِصِيغَةِ عَقْدٍ كَقَولِهِ: وَكَّلْتُكَ أَوْ فَوَضْتُ يُشْتَرَطُ القَبُولُ، وَإِنْ قَالَ: بعْ وَاعْتِقْ فَيَكْفِي القَبُولُ بالامْتِثَالِ كَمَا فِي إِبَاحَةِ الطَّعامِ، وَإِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ فَفِي اشْتِرَاطِ عِلْمِهِ مَقْرُونَاً بِالوِكَالَةِ خِلاَفٌ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عدم الرَّدِّ مِنْهُ، فَإِنْ رَدَّ انْفَسَخَ لأِنَّهُ جَائِزٌ، وَفِي تَعْلِيقِ الوَكَالَةِ بِالإِغْرَارِ خِلافٌ مَشْهُورٌ، فإِنْ مُنِعَ فَوَجَدَ الشَّرْطَ فَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ التَّصَرُّفُ بِحُكْمِ الإِذْنِ، وَفَائِدَةُ فَسَادِهِ سُقُوطُ الجعْلِ المُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إِلَى الأُجْرَةَ، وَلَوْ قَالَ: وَكَلْتُكَ فِي الحَالِ وَلاَ يَتَصَرَّفُ إِلاَّ بَعْدَ شَهْرٍ فَهُوَ جَائِزٌ (و) وَيَلْزَمَهُ الإِمْسَاكُ، وَمَهْمَا صَحَّحْنَا التَّعْليقَ فَقَالَ: مَهْمَا عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي فَطَرِيقُهُ فِي العَزْلِ أنْ يَقُولَ: ومَهْمَا عُدْتَّ وَكِيلِي فَأَنْتَ مَغْزُولٌ حَتَّى يَتَقَاوَمَا فِي الدُّورِ وَيَبْقَى أَصْلُ الحَجْرِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على مسألتين: إحداهما: لا بد من جهة الموكل من لفظ قال على الرضا بتصرف الغير له، وإلاِّ فكل أحد ممنوع عن التصرف في حق غيره، وذلك مثل أن يقول: وكلتك بكذا، وفوضته إليك، وأنبتك فيه، وما أشبههما.
ولو قال بيع وأعتق، ونحوهما حصل الإذن، وهذا لايكاد يسمى إيجاباً، وإنما هو أمر وإذن والإيجاب هو قوله: وكلتك، وما يضاهيه، وعلى هذا فقوله في الكتاب: "ولا بد من الإيجاب" أي: وما يقوم مقامه، وأما القبول، فإِنه مطلق بمعنيين: أحدهما: الرضا والرغبة فيما فوض إليه ونقيضه الرد.
والثاني: اللفظ الدال عليه على النحو المعتبر في البيع، وسائر المعاملات، ويعتبر في الوكالة القبول بالمعنى الأول حتى لو رده، وقال: لا أقبله أو لا أفعل بطلت الوكالة، ولو ندم وأراد أن يفعل لا ينفع، بل لا بد من إذن جديد، وذلك لأن الوكالة جائزة ترتفع في الدوام بالفسخ، فلأن ترتد في الابتداء بالرد كان أوجه.
وأما بالمعنى الثاني، فقد نقل الإمام طريقين: أحدهما: أن في اشتراطه وجهين: أحدهما المنع؛ لأنه إباحة ورفع حجر، فأشبه إباحة الطعام، ولا يفتقر إلى القبول اللفظي.
والثاني: الاشتراط، لأنه إثبات حق التسليط والتصرف للوكيل، فليقبل، كما في سائر التمليكات.

والثانية: عن القاضي الحُسَيْنِ: أن الوجهين فيما إذا أتى بصيغة عقد، بأن قال: وكلتك أو فوضت إليك، فأما في صيغ الأمر، نحو: بعْ واشْتَرِ، فلا يشترط القبول باللفظ جزماً، بل يكفي الامتثال على المعتاد، كما في إباحة الطعام، وإذا اختصرت خرج من الطريقين ثلاثة أوجه، كما ذكر في الكتاب.
والطريقة الثانية: هي التي ذكرها في "التتمة"، وجعل قوله: أذنت لك في كذا بمثابة قوله: بع واعتق، لا بمثابة قوله: وكلتك، وإِن كان إذناً كان إذناً على صيغ العقود.
قال: والمذهب أنه لا يعتبر في الوكالة القبول لفظاً وهذا ما أجاب به صاحب "التهذيب" وأخرون، وإن مال صاحب الكتاب إلى الوجه الفارق، وسماه أعدل الوجوه.
التفريع: إن شرطنا القبول، فهل يجب أن يكون على الفور؟ ظاهر المذهب أنه لا يجب؛ لأنه عقد يحتمل ضرباً من الجهالة، فيحتمل فيه تأخير القبول، كالوصية.
وعن القاضي أبِي حَامِدٍ أنَّهُ يجب أن يكون على الفور، كالبيع.
وعن القاضي الحُسَيْنِ أنه يكتفي وقوعه في المجلس، هذا في القبول اللفظي فأما بالمعنى الأول، فلا يجب التعجيل بحال، ولو خرج على أن الأمر، هل يقتضي الفور لما بعد؟ وإن لم يشترط القبول، فلو وكله، والوكيل لا يشهر به، هل تثبت وكالته؟ قال في "النهاية" وفيه وجهان يقربان من القولين في أن العزل هل ينفذ قبل بلوغ الخبر الوكيل؟ فالوكالة أولى بألا تثبت، لأنه تسلط على التصرفات، فإن لم يثبتها، فهل نحكم بنفوذها حالة بلوغ الخبر كالعزل أم لا؟.
وفيه وجهان عن رواية الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ إن لم نحكم به، فقد شرطنا اقتران علمه بالوكالة.
والأظهر ثبوت الوكالة وإن لم يعلم وعلى هذا فلو تصرف الوكيل، وهو غير عالم بالتوكيل، ثم تبين الحال خرج على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي، وكان ميتاً.
ومن فروع هذا الخلاف أنا حيث لا نشترط القبول نكتفي بالكتابة، والرسالة، ونجعله مأذوناً في التصرف، وحيث اشترطناه، فالحكم كما لو كتب بالبيع الذي أجاب به القاضي الرُّوياني في "الوكالة" بالجواز 1 ومنها: إذا اشترطنا القبول في الوكالة، فلو قال: وكلني بكذا، فقال الموكل:

وكلتك، هل يشترط القبول أم يقام مقامه قوله: وكلني؟.
فيه خلاف، كما في البيع ونحوه، ثم قيل: الوكالة أحوج للاشتراط، لأنها ضعيفة، ولو عكس موجهاً بأن الوكالة يحتمل فيها ما لا يحتمل في البيع، فكانت أولى بعدم الاشتراط، لكان أقرب.
الثانية: إذا علق الوكالة بشرط، فقال: إذا قدم زيد، أو جاء رأس الشهر، فقد وكلتك بكذا، أو أنت وكيلي، ففيه وجهان.
أحدهما: ويحكى عن أبي حنيفة، وأحمد: أنها تصح؛ لأنها استنابة في التصرف، فأشبهت عقد الامارة، فإنها تقبل التعليق على ما قال عليه الصلاة والسلام: "فَإِنْ أُصِيْبَ جَعْفَرُ فَزَيْدُ" 1. وأظهرهما: المنع، كنا أن الشركة والمضاربة، وسائر العقود لا تقبل التعلبق، وخرج بعضهم الخلاف على أن الوكالة، هل تفتقر إلى القبول؟.
إن قلنا: لا تفتقر جاز التعليق، وإلاَّ لم يجز؛ لأن فرض القبول في الحال والوكالة لم تثبت بعد، وتأخرها إلى أن يحصل الشرط مع الفصل الطويل خارج عن قاعدة التخاطب، ولو نجز الوكالة، وضرب للتصرف شرطاً بان قال: وكلتك الآن ببيع عبدي هذا، ولكن لا تبعه حتى يجيء رأس الشهر، صح التوكيل بالإتفاق، ولا يتصرف إلاَّ بعد حصول الشرط، وتصح الوكالة المؤقتة، مثل أن يقول: وكلتك إلى شهر، قاله العَبَّاديُّ في "الرقم 2 "، ويتعلق بالخلاف في تعليق الوكالة قاعدتان: إحداهما: إذا أفسدنا الوكالة بالتعليق، فلو تصرف الوكيل بعد حصول الشرط، ففي صحة التصرف وجهان: أصحهما: الصحة، لأن الإذن حاصل، وإِن فسد العقد، فصار كما لو شرط في الوكالة عوضاً مجهولاً، فقال: بع كذا، على أن لك العشر من ثمنه تفسد الوكالة، لكن لو باع صح.
والثاني: وبه قال الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: أنه لا يصح لفساد العقد ولا اعتبار بالإِذن الذي يتضمّنه العقد الفاسد، ألا ترى أنه لو باع بيعاً فاسداً، وسلم المبيع لا يجوز للمشتري التصرف فيه؟ وإن تضمن البيع، والتسليم الاذن في التصرف، والتسليط عليه.
وقال في "التتمة": وأصل المسألة ما إذا كان عنده رهن لدين مؤجل، فأذن المرتهن

في بيعه على أن يعجل حقه من الثمن، وفيه اختلاف قد تقدم، وهذا البناء يقتضي ترجيح الوجه الثاني؛ لأن النص، وظاهر المذهب هناك فساد الإذن والتصرف.
فإن قلنا بالصحة فأثر فساد الوكالة أنه يسقط الجُعْل المسمى إنْ كان قد سمى له جُعْلاً، ويرجع إلى أجرة لِمِثْل، وهذا كما أن الشرط الفاسد في النكاح الفاسد يفسد الصداق، ويوجب مهر المِثْل، وإن لم يؤثر في النكاح.
الثانية: إذا قال: وكلتك بكذا، ومهما عزلتك، فأنت وكيلي، ففي صحة الوكالة في الحال وجهان: أصحهما: الصحة 1، ووجه المنع اشتمالها على الشرط الفاسد، وهو إلزام العقد الجائر.
فإن قلنا: بالصحة: أو كان قوله: مهما عزلتك مفصولاً عن الوكالة، فإذا عزله نظر، إن لم يشعر به الوكيل، واعتبرنا شعوره في نفوذ العزل، فهو على وكالته، وإن لم نعتبره، أو كان شاعراً به، ففي عوده وكيلاً بعد العزل وجهان مبنيان على أن الوكالة هل تقبل التعليق؛ لأنه علق التوكيل ثانياً بالعزل.
أظهرهما: المنع.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنه يعود وكيلاً، فعلى هذا ينظر في اللفظة الموصولة بالعزل، إن قال: إذا عزلتك أو مهما أو متى لم يقتض ذلك عود الوكالة إلاَّ مرة واحدة.
وإن قال: كلما عزلتك اقتضى العود مرة بعد أُخرى؛ لأن "كلما" تقتضي التكرار، دون غيرها، على ما ستعرفه في "أبواب الطلاق" إن شاء الله -تعالى- فلو أراد ألا يعود وكيلاً، فسبيله أن يوكل غيره بعزله، فينعزل؛ لأن المعلق عليه عزل نفسه، فإن كان قد قال عزلتك أو عزلك أحد من قبلي فالطريق أن يقول كلما عدت وكيلي فأنت معزول فإذا عزله ينعزل لتقادم التوكيل والعزل، واعتماد العزل بالأصل، وهو الحجر في حق

الغير قال الإمام -رحمه الله-: وفيه نظر على بعد ملتقى عن استصحاب الوكالة.
واعلم أن الخلاف في الوكالة، هل تقبل التعليق جار في أن العزل هل يقبله؟ ولكن بالترتيب، والعزل أولى بقبوله؛ لأنه لا يشترط فيه القبول، واشتراطه في الوكالة مختلف فيه، وتصحيح إرادة الوكالة والعزل جميعاً مبني على قبولهما التعليق، ثم قال الإمام -رحمه الله-: إذاً نفذنا الغزل، وقلنا: تعود الوكالة، فلا شك أن العزل ينفذ في وقت، وإن لطف تصرف الوكيل ذلك الوقت اللطيف، هل ينفذ؟ فيه وجهان للأصحاب، وإنما كان يصح هذا الفرض، والتصوير أن لو وقع بينهما ترتب زماني حتى يتصور وقوع التصرف بينهما، لكن الترتيب في مثل هذا لا يكون إلا عقليَّاً والله اعلم.
وقوله في الكتاب: "وفي تعليق الوكالة الإغرار" والإغرار ألاخطار، وإنما يقع هذا اللفظ بالاستحقاق على ما فيه خطر، كقدوم زيد، ومجيء المطر، إن لم يكن في الحكم فرق، فيمن بينه ما يوثق به، كمجيء الشهر.
وقوله: "ويلزمه الإمساك" أي: لا يجوز له التصرف في الشهر، لا أنه يجب عليه خارج الشهر، فإن الأمر إلى اختياره.

البَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الوَكَالَةِ

قال الغزالي: وَلهَا ثَلاَثَةُ أَحْكَامٍ: الأَوَّلُ: صِحَّةُ معا وَافَقَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَبُطَّلاِنُ مَا خَالَفَ، وتُعرَفُ المُوَافَقَةُ بِاللَّفْظِ مَرَّةً، وبالقرِينَةِ أُخْرى، وَبَيَانُهُ بصُوَرٍ سَبْعٍ: الأُولى إِذَا قَالَ: بعْ مُطَلْقَاً فَلاَ يَبيعُ بِالعَرْضِ (ح) وَلاَ بِالنَّسِيئَةِ (ح) وَلاَ بِمَا دُونَ ثَمنِ المِثْلِ (ح) إِلاَّ قَدْراً يتغابن الناس بِمِثْلِهِ كَالوَاحِدِ في عَشَرَةٍ.
قال الرافعي: للوكالة الصحيحة أحكام: منها: صحة تصرف الوكيل إذا وافق إذن الموكل، والموافقة والمخالفة يعرفان بالنظر إلى اللفظ تارة، وبالقرائن التي تنضم إليه أخرى، فإن القرينة قد تقوى، فيكون لها إطلاق اللفظ، ألا ترى أنه إذا أمره في الصيف بشراء الجمد لا يشتريه في الشتاء؟ وقد يتعادل اللفظ والقرينة، وينشأ من تعادلهما خلاف في المسألة، وهذا القول الجملي يوضحه صور ترشد إلى أخواتها: منها: إذا وكله ببيع شيء، وأطلق لم يكن له أن يبيعه بغير نقد البلد من العروض، والنقود، وأن يبيعه بثمن مؤجل، بغبن فاحش 1،

وبه قال مالك -رحمه الله تعالى- وكذا أحمد في أظهر الروايتين.
وقال أبو حنيفة: يجوز له جميع ذلك.
لنا القياس على الوصي؛ لأنه لا يبيع له إلاَّ بثمن المِثْلِ من نقد البلد حالاًّ، وأيضاً فإنه وكيل في عقد البيع، فتصرفه بالغبن لا يلزم الموكل، كالوكيل في الشراء، إذا اشترى بغبن فاحش، وأيضاً فإنه إذاً وأطلق كان الثمن حالاًّ، فإذا وكل بالبيع، وأطلق حمل على الثمن الحال.
ولنا: قول آخر أَن البيع على الوجه المذكور يصح موقوفاً، على إجازة الموكل، وهذا هو القول المنقول في بيع الفُضُوليِّ، والمذهب الأول، ولو كان في البلد نقدان، أحدهما أغلب، فعليه أن يبيع به، وإن استويا في المعاملة باع بما هو أنفع للموكل، فإن استويا تخير على المشهور.
وقال صاحب "التهذيب" بعد نقل التخيير: إذا استويا في المعاملة وجب إلاَّ يصح التوكيل مالم يبين، كما لو باع بدراهم، وفي البلد نقدان متساويان لا يصح حتى يقيد بأحدهما، ووجدت في كلام الشيخ أبِي حَامِدٍ مثل ما ذكره صاحب "التهذيب"، ثم إذا باع الوكيل في أحد الوجوه المذكورة لم يصر ضامناً للمال، مالم يسلمه إلى المشتري، فإن سلم ضمن، ثم القول فيه إذا كان البيع باقياً أو تالفاً في كيفية تغريم الوكيل والمشتري على ما بيناه فيما إذا باع العدل الرَّهْن بالغبن الفاحش، أو بغير نقد البلد أو بالنسيئة.
وأما البيع بالغبن اليسير فإنه جائز، واليسير الذي يتغابن الناس بمثله ويحتملونه غالباً، وبيع ما يساوي عشرة بتسعة يحتمل في الغالب، وبيعه بثمانية غير محتمل (1). قال الروياني: ويختلف القدر المحتمل باختلاف أجناس الأموال من الثياب والعبيد والعقارات، وغيرها، وكما يجوز أن ينقص الوكيل عن ثمن المثل لا يجوز أن يقتصر عليه، وهناك طلب للزيادة، ولو باع بثمن المثل، ثم ظهر في المجلس طالب يزيد، فالحكم ما مر بيع في عدل الرَّهْن والله اعلم.

فرع

إذا قال الموكل عند التوكيل: بعه بكم شئت، جاز له البيع بالغبن، ولا يجوز بالنسيئة، ولا بغير نقد البلد.
ولو قال: بما شئت، فله البيع بغير نقد البلد، ولا يجوز بالغين والنسيئة فلو قال:1

كيف شئت، فله البيع بالنسيئة، ولا يجوز بالغبن، وبغير نقد البلد.
ولكن القاضي الحسين تجويز (1) الكل، ولو قال: بيع بما عزّ وهان.
قال في "التتمة" هو كما لو قال: بعه بكم شئت.
وقال العَبَّادِيُّ: له البيع بالعرض والغبن، ولا يجوز بالنسيئة، وهو الأولى.

فرع

ذكرنا في "الرَّهْن" و"التفليس" أن الحاكم يبيع المرهون، ومال المفلس بنقد البلد، وأنه لو لم يكن دين المستحقين من ذلك الجنس، أو على تلك الصفة صرفه إلى مثل حقوقهم، وقد يحتاج فيه إلى توسط معاملة أخرى، كما إذاً كان نقد البلد المكسور، وحقهم الصحيح، فلا يمكن تحصيل الصحيح بالمكسّر، إلا ببذل زيادة، وإنه ربا، فيشتري بالمكسّر سلعة، وبالسلعة الصحيح، ولو رأى الحاكم المصلحة في البيع بمثل حقوقهم في الأبتداء، جاز، وقد مر ذلك في "الرَّهْن".
قال الَقفَّالُ في "الفتاوي": والمرتهن عند امتناع الراهن عن أداء الحق يبيع الرَّهْن، ويقوم مقام الحاكم في توسط المعاملة الأخرى، وفي بيعه بجنس الدَّين، وعلى صفته.
واعلم أن مجرد امتناع الراهن عن أداء ما عليه لا يسلط المرتهن على بيع المرهون، ولكنه قد يتسلط عليه ما مرّ بيانه في "الرَّهْن" إذا ألحق المرتهن حينئذ بالحاكم فيما ذكر أشبه أن يلحق وكيل الراهن بيبع المرهون، وقضاء الحق منه بالمرتهن، بل أولى؛ لأن نيابة المرتهن حينئذ قهرية، والموكل قد رضي تصرفه، ونصبه لهذا الغرض.
قال الغزالي: وَبَبِيعُ (ح) عَلَى الأَصَحِّ مِنْ أَقَارِبِهِ الَّذيِنَ تُرَدُّ لَهُ شَهَادَتُهُم، وَلاَ يَبِيعُ من نَفْسِهِ.
قال الرافعي: الوكيل بالبيع مطلقاً، هل بيع من ابنه وأبيه، وسائر أصوله وفروعه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه باع بالثمن الذي لو باع به من أجنبي صح، فأشبه مالو باع من صديقه، وأيضاً فإنه يجوز للعم أن يزوج وليته من ابنه البالغ، إذا أطلقت الإذن، وقلنا: لا يشترط تعيين الزوج، فكذلك هاهنا.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأنه متهم بالميل إليهم 2، ومن الجائز أن يكون1

هناك راغب بأكثر من ذلك الثمن، وأجرى الوجهين في البيع من الزوج والزوجة إذا قلنا: لا نقبل شهادة أحدهما بالآخر، وكذا لو باع لمكاتبه والوجهان في الأصول والفروع المستقلين، أما ابنه الصغير، فلا يبيع منه، وكذلك لا يبيع من نفسه؛ لأنه يستقصي لنفسه وطفله في الاسترخاص، وغرض البائع الاستقصاء في البيع للاكثر وهما غرضان متضادان، فلا يتأتى من الواحد القيام بهما، وأيضاً فإن التوكيل بالبيع مطلقاً يشعر بالبيع من الغير، والألفاظ المطلقة تحمل على المفهوم منها في العرف الغالب، وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ شيئان غريبان في المسألة: أحدهما: أن أَبَا حَامِدٍ القاضي حكى عن الإصْطَخْرِيّ وجهاً: أن للوكيل أن من نفسه.
والثاني: أنه حكى وجهين فيما لو وكل أباه بالبيع، هل له أن يبيع من نفسه 1. لأن للأب بيع مال ولده من نفسه بالولاية، فكذلك بالوكالة وإذا قلنا بظاهر المذهب، فلو صرح له بالإذن في بيعه من نفسه فوجهان: قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يجوز، كما لو أذن له في البيع من أبيه، وابنه البالغ يجوز، وكما لو قال لزوجته: طلقّى نفسك على ألف، ففعلت صح، وتكون نائبة من جهته، قابلة من جهة نفسها.
وقال الأكثرون: لا يجوز؛ لما ذكرنا من تضاد الغرضين، ولأن وقوع الإيجاب والقبول من شخص واحد بعيد عن التخاطب ووضع الكلام، وتجويزه في حق الاب كان على خلاف القياس، ولو صرح بالإذن في بيعه من ابنه الصغير، قال في "التتمة": هو على هذا الإختلاف.
وقال صاحب "التهذيب": وجب أن يجوز؛ لأن رضي بالنظر للطفل، وترك الاستقصاء، وتولى الطرفين في حق الولد معهود في الجملة، بخلاف ما لو باع من نفسه، ويجري الوجهان فيما لو وكله بالهبة، وأذن له ليهب من نفسه، أو يتزوج ابنته، وأذن له في تزويجها من نفسه، وفي تولي ابن العم طرفي النكا بأن يتزوج ابنة عمه بإذنها، حيث انتهت الولاية إليه، والنكاح أولى بالمنع؛ لما روي موقوفاً ومرفوعاً أنه عليه السلام، قال: لاَ نِكاحَ إِلاَّ بِأَربَعةٍ خَاطِبٍ وَوَلِيِّ وَشَاهِدَيْنِ 2. وكذا فيما إذا وَكَّلَ مستحق الدَّين المديون باستيفائه من نفسه، أو وكل مستحق القِصَاصِ الجاني باستيفائه من نفسه.

إما في النفس أو في الطرف، أو وكل الإمام السارق ليقطع يده، وحكى الإمام رحمه الله اجراءه؛ فيما لو وكّل الزاني لجلد نفسه، واستبعده من جهة أنه متهم الأمام، بخلاف القطع إذ لا مدخل للتهمة فيه، وظاهر المذهب في الكل المنع، وفي التوكيل بالخصومة من الجانبين وجهان أيضاً.
أحدهما: الجواز لأنه يتمكن من أقامة البنية للمدعي ثم من إقامة البينة الدافعة للمدعى عليه وأصحهما: المنع لما فيه اختلاف غرض كل واحد منهما، فإنه يحتاج إلى التعديل من جانب وإلى الجرح من جانب، وعلى هذا فإليه الخيرة يخاصم أيهما شاء، ولو توكل رجل في طرفي النكاح، أو البيع اطراد الوجهان: ومنهم من قطع بالمنع لو وكل مَنْ عليه الدَّين بإبراء نفسه، ففيه طريقان: أحدهما: التخريج على الوجهين.
والثاني: القطع بالجواز وهما مبنيان على أنه هل يفتقر إلى القبول إن قلنا: نعم جرى الوجهان وإن قلنا: لا قطعنا بجواز كما لو وكل من عليه القصاص بالعفو والعبد بإعتاق نفسه، والوكيل بالشراء، كالوكيل بالبيع في أنه لا يشتري من نفسه، ولا من مال ابنه الصغير، ويخرج شراؤه لابنه البالغ على الوجهين في سائر الصور 1. وقوله في الكتاب: "أجراه ابْنُ سُرَيجٍ في تولى ابن العم طرفى النكاح" اتبع فيه ما رواه الإمام، فإنه نسب طرد الخلاف فيها إلى ابْنِ سُرَيْجٍ، ورأيت للحناطي نحو ذلك، وعامة الكتب ساكتة عنه.
قال الغزالي: فَإِنْ أَذَن لَهُ في البَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ فَفِي تَوَليَّهِ الطَّرَفَيْنِ خِلاَفٌ، أَجْرَاهُ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي تَوَلِّي ابْنِ العَمِّ لِطَرَفَيِ النِّكَاحِ.
وتولّي مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوِ اَلقْصَاصُ أَوِ الْحَدُّ اسْتيِفَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِالوَكَالَةِ، وَيُطْرَدُ فِي الوَكِيِل مِنَ الجَانِبَيْنِ بِالخُصُومَةِ وَمِنَ الجَانِبَيْنِ في عَقْدِ النَّكَاحِ وَالبَيْعِ، كَمَا إِذَا كَانَ وَكيِلاً مِنْ جِهَةِ المُوجب وَالقَابِلِ جَمِيعاً، وإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي البَيْعِ بِالأجَلِ مُقَدَّراً جَازَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالأَصَحُّ أَنَّ العُرفَ يُقَيِّدُهُ بِالمصَلَحَةِ، وِقَيل: إِنَّهُ مَجْهوُلٌ.
قال الرافعي: إذا أذن للوكيل في البيع إلى أجل، نظر إن قدر الأجل صح التوكيل، وإِن أطلق فوجهان:

أحدهما: أنه لا يصح التوكيل لاختلاف الغرض بتفاوت الأجل طولاً، وقصراً هذا ما أورده "التهذيب".
وأصحهما: ما ذكره في الكتاب، واختيار ابْن كَجّ: أنه يصح التوكيل، وعلى ماذا يحمل فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: وهو المذكور في الكتاب أنه ينظر إلى المتعارف في مثله، فإن لم يكن فيه عرف راعى الوكيل الأنفع للموكل.
والثاني: له التأجيل إلى أية مدة شاء لإطلاق اللفظ.
والثالث: يؤجل إلى سنة، ولا يزيد عليها؛ لأن الديون المؤجلة تتقدر بها كالدية والحرية.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ: الوَكِيلُ بِالبَيْعِ لاَ يَمْلِكُ تَسْلِيمَ المَبِيعِ قَبْلَ تَوَفُّرِ الثَّمَنِ، وَبَعْدَ التَّوْفِيرِ لاَ المَنُعُ فَإِنَّهُ حَقُّ الغَيْرِ، وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَمْلِكُ تَسليم الثمن المسلّم إِلَيْهِ وَيَملِكُ قَبْضَ المُشْتَريَ، وَالوكِيلُ بِالبَيْعِ هَلْ يَمْلِكُ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنَ حيث إِنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ وَمَقَاصِدهِ وإنْ لَمْ يُصرِّحْ بِهِ؟ فِيِهِ خِلاَفٌ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الخِلاَفُ في أَنَّ الوَكِيلَ بإثباتِ الحَقِّ هِلْ يَسْتوْفِي؟ وَبِاسْتِيفَاءِ الحَقِّ هَلْ يُخَاصِمُ؟ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجهٍ، الأَعْدَلُ: أَنَّ الوَكِيلَ بِالإِثْبَاتِ لاَ يَسْتَوْفِي، وَبِالاسْتِيفاءِ يثْبُتُ وَيُخَاصِمُ سَعْيَاً في الآسْتِيفَاءِ.
قال الرافعي: أول مذكور في الفصل أن الأصحاب نقلوا وجهين في أن الوكيل بالبيع مطلقاً، هل يملك قبض الثمن؟ وربما نسبوهما إلى ابن سريج: أحدهما: أنه لا يملكه؛ لأنه إنما أذن في البيع، وقبض الثمن أمر وراء البيع، وليس كل من يرضاه للبيع يرضاه لإثبات اليد على الثمن.
وأصحهما: أنه يملكه؛ لأنه من توابع البيع، ومقتضياته، والإذن في البيع إذن فيه، وإن لم يصرح به، وهل يملك تسليم المبيع إذا كان مسلماً إليه؟ أشار الأكثرون إلى الجزم بأنه يملكه تعليلاً بأن البيع يقضي إزالة المِلْكِ، ووجوب التسليم 1. وقال الشيخ أبُو عَلِيٍّ: الوجهان في أنه هل يملك قبض الثمن؟ يجريان في أنه

يملك تسليم المبيع، وكيف لا وتسليم المبيع دون قبض الثمن فيه خطر ظاهر، ولو كان قد صرح له بهما لم يملك التسليم، مالم يقبض الثمن، وعلى هذا جرى صاحب "التهذيب" وغيره 1. ولا خلاف في أن الموكل بعقد الصرف يملك القبض والإقباض؛ لأنه شرط صحة العقد وكذلك في السلم يقبض وكيل المسلم إليه رأس المال ووكيل المسلم يقبضه إياه لا محالة.
إذا تقرر ذلك، ينظر إن باع الوكيل بثمن مؤجل، بحيث يجوز له ذلك سلم المبيع، إذ لا ينسب للبائع حق الحبس عند تاجيل الثمن، ويجيء على ما ذكره الشيخ وجه مانع من التسليم، لا لغرض الحبس، لكن لأنه لم يفرضه إليه، ثم إذا أجل الأجل لم يملك الوكيل قبض الثمن، إلاَّ بإذن مستانف، وإن باعه بثمن حالٍّ، وجوزنا القبض، فلا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، كما لو أذن فيهما صريحاً، فله مطالبة المشتري بتسلم الثمن، فإن لم نجوز له القبض لم يكن له المطالبة، وللموكل المطالبة بالثمن على كل حال، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولو وكله بالبيع، ومنعه من قبض الثمن لم يكن له القبض لا محالة، ولو منعه من تسليم المبيع، فمشكل في جواب الشيخ في شرح الفروع.
وقال قائلون: هذا الشرط فاسد، فإن التسليم مستحق بالعقد، ورووا عن إِبي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وغيره وجهين في أن الوكالة، هل تفسد به حتى يسقط الجُعل المسمى ويقع الرجوع إلى أجرة المثل؟ ووجه الإمام رحمه الله تعالى وجه سقوطه، بأن استحقاقه مربوط بالبيع، والامتناع من التسليم، وكان مقابلاً بشيء صحيح، وشيء فاسد، فليفسد المسمى.
والحق أن يقال: المسألة مبنية على أن في صورة الإطلاق هل للوكيل التسليم أو لا؟ إن قلنا: لا فعند المنع أولى.
وإن قلنا: نعم فكذلك؛ لأنه من توابع العقد وتمامه، كالقبض، لا لأن تسليمه مستحق بالعقد، فإن المستحق هو التسليم [بعينه] والممنوع منه تسليمه، نعم لو قال: أمنع المبيع منه، فهذا الشرط فاسد؛ لأن منع الملك عن المالك، حيث يستحق إثبات اليد عليه غير جائز، وفرق بين أن يقول: لا تسلمه إليه، وبين أن يقول: أمسكه، وامنعه منه.
وأما الوكيل بالشراء، فإن لم يسلم الموكل الثمن إليه، فاشترى في الذمة، فسيأتي الكلام في أن المطالبة بالثمن على من تتوجه؟ في الحكم الثاني من الباب إن شاء الله

تعالى وإنْ سلمه إليه، واشترى بعينه، أو في الذمة، فالقول في أنه هل يسلمه؟ وهل يقبض المبيع بمجرد التوكيل في الشراء؟ كالقول في أن وكيل البائع هل يسلم المبيع، ويقبض الثمن بمجرد التوكيل بالبيع؟ وهكذا هو في "التهذيب" و"التتمة" ولفظ الكتاب يشعر بالجزم بتسليمه الثمن، وقبض المبيع.
ووجَّهه في "الوسيط" بأن العرف يقتضي ذلك 1، ويدل عليه وأيضاً فإن الملك في الثمن لا يتعين إِلاَّ بالقبض، فيستدعي إذناً جديداً.
وأما المبيع فإنه متعين للملك، ولمن طرد الخلاف أن يمنع العرف الفارق بين الطريقين، وأما المعنى الثاني، فلو كان به اعتبار لوجب أن يجزم بقبض وكيل البائع الثمن، إذا كان معيناً، ولم يفرقوا في رواية الوجهين بين أن يبيع بثمن معين، أو في الذمة.
وقوله في الكتاب: "وبعد التوفير لا يجوز له المنع، فإنه حق الغير" أراد به ما ذكره الإمام -رحمه الله تعالى- من أن المشتري إذا وفر الثمن على الموكل، أو على الوكيل إذا جوزنا له القبض، فالوكيل يسلمه المبيع، وإن لم يأذن له الموكل في تسليمه، لأن أداء الثمن إذاً وفر صار قبض المبيع مستحقًّا، وللمشتري الانفراد بأخذه، فإن أخذه المشتري، فذاك، وإن سلّمة الوكيل.
والأمر محمول على أخذ المشتري، ولا حكم للتسليم، ثم قرب من الخلاف في أن الوكيل بالبيع، هل يقبض الثمن الخلاف في مسألة أخرى؟ وهي أن الوكيل باستيفاء الحق هل يثبته أو بإثباته هل يستوفيه أما أن الوكيل بالاستيفاء وهل يثبت ويقيم البينة عند إنكار من عليه؟ فيه وجهان عن ابْنِ سُرَيْجِ: وأصحهما: لا؛ لأنه لم يوكل إلاَّ بالقبض، وقد يرضى للقبض من لا يرضاه للخصوصة.
والثاني: نعم؛ لأنه لا يتمكن من الاستيفاء عند إنكار مِنْ عليه الإثبات، فليمكن مما يتوصل به إلى الاستيفاء، ولا فرق على الوجهين بين أن يكون الموكل باستيفائه عيناً أو ديناً.
وقال أبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله تعالى: إنْ كان ديناً ملك الإثبات، وإن كان عيناً لم يملكه.
وأما إن الوكيل بالإثبات، هل يستوفي بعد الإثبات؟ فيه طريقان: أحدهما: أن فيه وجهين أيضاً، كالوجهين في أن الوكيل بالبيع، هل يملك قبض الثمن، لأنه من توابع الإثبات، ومقاصده، كقبض الثمن بالإضافة إلى البيع؟

وأظهرهما: القطع بالمنع؛ لأن الاستيفاء يقع بعد الإثبات فليس ذلك نفس المؤذون ولا واسطه بخلاف العكس وبخلاف مسألة قبض الثمن؛ لأنه إذا وكله بالبيع أقامه مقام نفسه فيه، وأنه عقد يتضمن عهداً منها تسليم المبيع، وقبض الثمن، فجاز أن يكون من قضاياه.
وأما الإثبات، فليس فيه ما يتضمن التزاماً.
قال في "التتمة": الخلاف الصورة الثانية في الأموال أما القِصَاصُ والحَدُّ فلا يستوفيهما بحال.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ عن ابن خيْرَانَ أنه على الوجيهن وإذا جمعت بين الأمرين: الاستيفاء والإثبات وقلت: الوكيل بأحدهما، هل يملك الثاني؟ حصل في الجواب ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب، لكن تسمية الوجه الفارق أعدل الوجوه، ربما أوهم ترجيحه، والظاهر عند الأصحاب أنه لا يفيد واحد منهما الثاني.

فرع

عرفت أن الوكيل لا يسلم المبيع قبل قبض الثمن، فلو فعل غرم للموكل قيمته، إن كانت القيمة والثمن سواء، أو كان الثمن أكثر وإن كانت القيمة أكثر بأن باعه بغبن محتمل، فيغرمه جميع القيمة، أو يحط عنه قدر الغبن، لصحة البيع بذلك الثمن فيه وجهان.
أصحهما: أولهما, ولو باع بغبن فاحش بإذن الموكل، فقياس الوجه الثاني ألا يغرم إلا بقدر الثمن، لا ثم لو قبض الوكيل الثمن بعد ما غرم دفعه إلى الموكل، واسترد المغروم.
قال الغزالي الثَّالِثَةُ أَنَّ الوِكيلَ بالشِّراءِ إذا اشتَرى مَعِيباً بثَمنِ مِثْلهِ وَجَهِلَ العَيْبَ وَقَعَ عَنِ المُوَكّلِ، وَإِنْ علمَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بغبْنٍ وَعَلَم لَمْ يَقَعْ عَنِ المُوَكَّلِ، وَإِنْ جَهلَ فَوَجَهْاَنِ، ثُمَّ مَهْمِا جَهِلَ الوَكَيِلُ فَلَهُ الرَّدُّ (و) إِلاَّ إِذاَ كَاَنَ العَبْدُ مُعَيْناً مِنْ جِهَةِ المُوكَلَّ فَوَجَهْاِنِ في الرَّدِّ، وَحَيْثُ يكَوُنُ عَاِلماً فَلاَ رَدّ له، وَفي المُوكِّلِ وَجْهَانِ، إِذْ قَدْ يقومُ عِلْمُ الوكَيلِ مَقَامَ عِلْمِ الموكّل كَماَ في رُؤْيَتِه، وَمَهْمَا ثَبَتَ الخيار لَمْ يَسْقُطْ بِرِضَا الوَكيلِ حَقُّ المُوكل، وَيَسْقُطُ بِرضَا المُوكِّلِ رَدُّ الوَكِيلِ.
قال الرافعي: الوكيل بالشراء إما أن يكون وكيلاً، بشراء شيء موصوف، أو بشراء شئ معين الحالة الأولى: أن يكون وكيلاً بشراء موصوف فلا يشتري إلاَّ السليم؛ لأن قضية الإطلاق السلامة، ألا ترى أنه إذا أسلم في شيء موصوف استحق السليم منه، ويخالف عامل القِرَاض، يجوز له شراء المعيب [لأن المقصود هناك الربح، وقد يتوقع الربح في شراح المعيب] وهاهنا المقصود الادخار، إذ يجوز أن يكون الادخار والاقتناء

مقصوداً، وإنما يقتنى السليم دون المعيب.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: يجوز للوكيل شراء المعيب، فلو خالف ما ذكرناه، واشترى المعيب نظر، إنْ كان مع المعيب يساوي ما اشتراه به، فإن جهل العيب وقع عن الموكل، وإن علمه فثلاثة أوجه: أظهرها: أنه لا يقع عنه لتقييد الإذن بالسليم.
الثاني: يقع, لأنه لا نقصان في المالية، والصيغة عامة.
الثالث: يفرق بين ما يمنع من الأجزاء في الكفارة إذا كان المبيع عبداً وبينما لا يمنع حملاً؛ لقوله: اشتر لي رقبة على ما حمل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92].
قال الإمام -رحمه الله تعالى-: وصاحب هذا الوجه، يستثنى الكفر، فإنه يمنع من الأجزاء في الكفارة.
ويجوز للوكيل شراء الكافر، وإنْ لا يساوى ما اشتراه به، فإن علم لم يقع عن الموكل، وإن جهل فوجهان: أصحهما: عند الإمام أنه لا يقع أيضاً عنه؛ لأن الغبن يمنع الوقوع عن الموكل سلامة المبيع، وإن لم يعرف الوكيل، فعند العيب أولى وأوفقهما لكلام الأكثرين أنه يقع عنه، كما لو اشترى لنفسه جاهلاً، ويفارق مجرد الغبن، فإنه لا يثبت الخيار، فلو صح البيع، ووقع عن الموكل للزم، ولحقه الضرر، والعيب يثبت الخيار، والحكم بوقوعه عنه لا يورطه في الضرر، وحيث قلنا بوقوعه عن الموكل، فينظر إن كان الوكيل جاهلاً فللموكل الرد إذا أطلع, لأنه المالك.
وإما الوكيل، فعن صاحب "التقريب" رواية وجه عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه لا ينفرد بالرد؛ لأنه كان مأذوناً في الشراء، دون الفتح الفسخ، وظاهر المذهب أنه ينفرد به لمعنيين: أحدهما: أنه أقامه مقام نفسه في هذا العقد، ولو لحقه.
والثاني: أنه لو لم يكن له الرد إلى استئذان الموكل، فربما لا يرضى الموكل، فيتعذر الرد لكونه على الفور، ويبقى المبيع كلاًّ على الوكيل، وفيه ضرر ظاهر، وهذا هو المعتمد عند الأصحاب، لكن فيه إشكال؛ لأنا لو لم تثبت له الرد لكان كسائر الأجانب عن العقد، فلا أثر لتاخره، وأيضاً فإن مَنْ له الرد قد يعذر في التأخير لأسباب داعية إليه، فهلا كانت مشاورة الموكل عذراً، وأيضاً فإنه وإِنْ تعذر منه الرد، فلا يتعذر بنفس الرد؛ إِذ الموكل يرد إذا كان قد سماه في العقد، أو نواه على أن في كون المبيع للوكيل، وفي الرد منه بتقدير تعذر كونه له خلافاً، وسيأتي جميع ذلك في الفصل، وإن كان الوكيل عالماً، فلا رد له، وفي الموكل وجهان: أحدهما: أنه لا رد له أيضاً؛ لأنه نزّل الوكيل منزلة نفسه في العقد والأخذ،

فيكون اطلاعه على العيب كاطلاع الموكل، كما أن رؤيته كرؤيته وإخراج العقد عن أن يكون على قولي شراء الغائب.
أصحهما: أن له الرد, لأن اطلاعه، ورضاه بعد العقد لا يسقط حتى الرد للموكل، فكذلك اطلاعه في الابتداء، وعلى هذا فينتقل الملك إلى الوكيل، أو ينفسخ العقد من أصله؟ حكى الإمام -رحمه الله- فيه وجهين: قال: من قال بالأول كأنه يقول: انعقاد العقد موقوفاً إلى أن يتبين الحال، وإلاَّ فيستحيل ارتداد الملك عن الموكل إلى الوكيل، وهذه الاختلافات مفرعة على وقوع العقد الموكل مع علم الوكيل بالعيب، والمذهب خلافه.
الحالة الثانية: أن يكون وكيلاً بشراء شيء معين، فإن لم ينفرد الوكيل في الحالة الأولى بالرد، فهو هاهنا أولى وإن انفرد، فهاهنا وجهان: وجه المنع: أنه ربما يتعلق الغرض بعينه، فينتظر مشاورته.
ووجه الجواز، وهو الأصح والمنصوص في "اختلاف العراقيين": أن الظاهر أنه يريده بشرط السلامة، ولم يذكروا في هذه الحالة أنه متى يقع عن الموكل، ومتى لا يقع، والقياس أنه كما سبق الحالة الأولى، نعم لو كان المبيع معيياً يساوي ما اشتراه به، وهو عالم فبإيقاعه عن الموكل هاهنا أولى؛ لجواز تعلق الغرض بعينه، وجميع ما ذكرناه في الحالتين مفروض فيم إذا اشترى بثمن في الذمة، أما إذا كان الشراء بِعَيْن مال الموكل، فحيث قلنا هناك: لا يقع عن الموكل فهاهنا لا يصح أصلاً، وحيث قلنا: يقع فكذلك هاهنا، وهل للوكيل الرد؟ فيه وجهان: وأصحهما: لا ويمكن أن يكون الوجهان مبنيين على المعنيين السابقين إن عللنا انفراده بالرد، فإنه أقامه مقام نفسه في العقد ولو أحقه فكذلك هاهنا، وإن عللنا بإنه لو أخر ربما لزم العقد، فصار المبيع كلاًّ عليه، فلا لأن المشتري بملك الغير لا يقع له بحال.
واعلم أنه إذا ثبت الرد للوكيل في صورة الشراء في الذمة، فلو أطلع الموكل على العيب قبل اطلاع الوكيل، أو بعده.
ورضية سقط خيار الوكيل، بخلاف الرد فإنه رضي المالك بحظه من الربح ولا يسقط خيار الموكل بتأخير الوكيل وتقصيره، وإذا أخر أو صرح بإلزام العقد، فهل له العود إلى الرد؛ لأن أصل الحق باقٍ بحاله، نائب، أم لا وكأنه بالتأخير أو الإلزام عزل نفسه عن الرد؟ وجهان: أظهرهما: الثاني، وإذا قلنا به أو أثبتنا له العود، ولم يعد فإذا أطلع الموكل عليه،

وأراد الرد فله ذلك إن سماه الوكيل في الشراء، أو نواه وصدقه البائع عليه، وإلاّ فوجهان: أحدهما: وهو المذكور في "التهذيب" و"التتمة": أنه يرده على الوكيل، ويلزم المبيع؛ لأنه اشترى في الذمة ما لم يأذن فيه الموكل، فيصرف إليه.
والثاني: وهو الذي نقله الشيخ أبو حامد وأصحابه: أن المبيع يكون للموكل، والرد قد فات لتفريط الوكيل، فيضمن الوكيل، وما الذي يضمن؟ قال أبُو يَحيَى البَلْخِيُّ: قدر نقصان قيمته من الثمن، ولو كانت القيمة تسعين والثمن مائة يرجع بعشرة، ولو تساوياً فلا رجوع.
وقال الأكثرون: يرجع بأرش العيب [من الثمن] لأنه فات الرد بغير تقصيره، فكان له الأرش، كما لو تعذر الرد بعيب حادث، إِلاَّ أن هناك يوجد الأرض من البائع لتلبيسه وهاهنا من الوكيل لتقصيره 1. ولو أراد الوكيل الرد، فقال البائع أجزه حتى يحضر الموكل لم يلزمه اجابته 2، بل له الرد لئلا يصير المبيع كَلاَّ عليه، أو يلزمه الغرم، ولأن الرد حيث ثبت له، فلا يكلف تأخيره، وإذا رد، ثم حضر الموكل، ورضيه احتاج إلى استئناف شراء، ولو آخره كما التمس البائع، فحضر الموكل، ولم يرض به.
قال في "التهذيب": المبيع للوكيل، ولا رد لتأخيره مع الإمكان.
وقيل: له الرد؛ لأنه لم يرض بالعيب قال: وهو ضعيف، ولك أن تقول له: أنت وسائر النقلة متفقون على أنه إذا رضي الوكيل بالعيب، ثم حضر الموكل، وأراد الرد، فله ذلك إذا كان الوكيل قد سماه، أو نواه وهاهنا الوكيل والموكل والبائع يتصادفون على أن الشراء للموكل، فلا بد وأن يكون قد سماه، ونواه، ووجب أن يقال: المبيع للموكل، وله الرد ولو أراد الوكيل الرد، فقال البائع: إنه قد عرفه الموكل، ورضي به، وليس لك الرد، نظر إن لم يحتمل بلوغ الخبر إليه لم يلتفت إلى قوله، وإن احتمل، وأنكر الوكيل حلف على نفي العلم برضا الموكل, لأنه لو أقربه الزمه حكم إقراره.
وعن إبي حامد القاضي وغيره وجه آخر: أنه لا يحلف، والمذهب الأول.
وقوله في "المختصر": "وإنْ وكله بشراء سلعة، فأصاب بها عيباً كان له الرد

بالعيب، وليس عليه أن يحلفه، أنه ما رضي به الأمر مؤول عند الأصحاب محمول على ما إذاً لم يكن ما يدعيه محتملاً، أو على ما إذا احتمل طلب اليمين منه على البت، أو على ما يجزم بالدعوى، بل قال: أجز فلعله بلغه الخبر، ورضي به.
ومنهم من غلط المزُنِيَّ في النقل، وقال: إنه أدخل جواب مسألة في مسألة.
إذا عرفت ذلك، فإِذا عرضنا اليمين على الوكيل لم يخل إما أن يحلف أو ينكل، إن حلف رده، فإن حضر الموكل وصدق البائع، فعن ابنِ سُرَيْجٍ أن له استرداد المبيع من البائع لموافقته إياه على الرضا قبل الرد.
وفي "التتمة" أن القاضي الحسين قال: لا يسترد وينفذ فسخ الوكيل (1). فإن نكل حلف البائع، وسقط رد الوكيل، ثم إذا حضر الموكل، وصدق البائع فذاك، وإن كذبه قال في "التهذيب": لزم العقد للوكيل، ولا رد له لإبطاله الحق بالنكول، وفيه من الإشكال ما قدمناه، هذا كله في طرف الشراء.
أما الوكيل بالبيع إذا باع، فوجد المشتري بالمبيع عيباً رده، عليه إن لم يعلمه وإن علمه وكيلاً رده عليه، إِن شاء ثم هو يرد على الموكل، وعلى الوكيل إن شاء، وهل للوكيل حط بعض الثمن للعيب؟ فيه قولان عن ابْنِ سُرَيْجٍ (2). ولو زعم الموكل حدوث العيب في يد المشتري، وصدق الوكيل المشتري رد المشتري على الوكيل، ولم يرد الوكيل على الموكل.

فرع

سيأتي "كتاب في القِرَاضِ" أن الوكيل بالشراء، هل يشتري من يعتق على الموكل؟ إن قلنا: يشتريه، فلو كان معيباً، فللوكيل رده؛ لأنه لا يعتق على الموكل قبل الرضا بالعيب كذا ذكره في "التهذيب".
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ: الوَكيِلُ بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنِ لاَ يُوَكَّلُ إِذَا أُذِنَ لَهُ وفيه، فلو وُكَّلَ بِتَصَرُّفَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَذِنَ فِي التَّوكْيِلِ وُكِّلَ، وَإِنْ أَطَلْقَ فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يُوَكَّلُ فِي المِقْدَارِ المَعْجُوزِ عَنْهُ وَيُبَاشِرُ البَاقِي، ثُمَّ لاَ يُوَكّلُ إِلاَّ أَمِيناً رِعَايَةً لِلغبِطَةِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام في أن الوكيل، هل يوكل؟ لا يخلو إما أن12

يأذن له الموكل في التوكيل صريحاً، أو يسكت عنه، إن سكت عنه، فينظر إن كان أمراً يتأتى له الإتيان به لم يوكل فيه, لأنه لم يرض بتصرف غيره، وإنْ لم يتأَت ذلك منه، إما لأنه لا يحسن، أو لأن الإتيان به لا يليق بمنصبه، فله التوكيل فيه؛ لأن الشخص لا يقصد منه إلا الاستنابة فيه، وفيه وجه أنه لا يوكل لقصور قضية اللفظ، ولو كثرت التصرفات التي وكله بها, ولم يمكنه الإتيان بالكل لكثرتها، ففيه ثلاثة طرق: أصحهما: أنه يوكل فيما يزيد على قدر الإمكان، وفي قدر الإمكان وجهان: أحدهما: يوكل فيه أيضاً؛ لأنه ملك التوكيل في البعض، فيوكل في الكل، [كما لو أذن صريحاً.
وأصحهما: أنه لا يوكل في القدر المقدور له, لأنه لا ضرورة إليه.
والثانية: أنه لا يوكل] 1 في قدر الإمكان، وفيما يزيد عليه وجهان.
الثالثة: إطلاق الوجهين في الكل.
قال الإمام -رحمه الله تعالى- والخلاف على اختلاف الطرق ناظر إلى اللفظ والقرينة، وفي القرينة تردد في التعميم والتخصيص.
أما إذا أذن له في التوكيل، فله أن يوكل، ثم له ثلاث صور؛ لأنه إما أن يقول: وكل عن نفسك أو وكل عني أو يطلق.
الصورة الأولى: إذا قال: وكل عن نفسك، ففعل انعزل الثاني بعزل الأول إياه، لأنه نائبة.
وفيه وجه أنه لا ينعزل لأن التوكيل فيما لا تعلق بحق الموكل حق الموكل وإن حصله بالإذن فلا يرفعه إلا بالإذن، وأجرى هذا الخلاف في انعزاله بموت الأول وجنونه.
والأصح: الانعزال، ولو عزل الموكل الوكيل الأول انعزل، وفي انعزال الثاني بانعزاله هذا الخلاف، ولو عزل الثاني ففي انعزاله وجهان: أحدهما: لا ينعزل؛ لأنه ليس بوكيل من جهته.
وأصحهما: أنه ينعزل، كما ينعزل بموته وجنونه، والعبارة المعبرة عن هذا الخلاف أن الثاني وكيل الوكيل، كما صرح به في التوكيل، أو وكيل الأول، ومعنى كلامه: أقم غيرك مقام نفسك.
والأصح أنه وكيل الوكيل، لكنه إذا كان وكيل الوكيل كان فرع الفرع، وفرع الفرع فرع الأصل، فينعزل بانعزاله.

الصورة الثانية: إذا قال: وكل عني، ففعل، فالثاني وكيل الموكل، كالأول، وله عزل أيهما شاء، وليس لواحد منهما عزل الآخر، ولا ينعزل بانعزال الآخر.
الثالثة: إذا قال: وكلتك بكذا، وأذنت لك في أن توكل به وكيلاً، ولم يقل: عني، ولا عن نفسك، ففيه وجهان: أحدهما: أن الحكم، كما في الصورة الأولى؛ لأن المقصود في الإذن في التوكيل تسهيل الأمر عليه.
وأصحهما: أنه كالصورة الثانية؛ لأن التوكيل تصرف يتولاه بإذن الموكل، فيقع عنه، وإذا جوزنا للوكيل أن يوكل في صورة سكوت الموكل عنه، فينبغي أن يوكل عن موكله، قلو وكله عن نفسه، ففيه وجهان، وهذا لأن القرينة المجوزة للتوكيل، كالإذن في مطلق التوكيل، ويشترط على الوكيل حيث ملك التوكيل أن يوكل أميناً؛ رعاية لمصلحة الموكل، إلاَّ أنْ يعين له من ليس بأمين، ولو وَكَّلَ أميناً، ففسق، فهل له عزله؟ فيه وجهان.

فرع

إذ وكله بتصرف، وقال له افعل فيه ماشئت، هل يكون ذلك كالإذن في التوكيل؟ فيه وجهان عن ابن سريج: أصحهما: لا، وقوله: افعل ما شئت ينصرف إلى تصرفه بنفسه.
وقوله في الكتاب: "الوكيل بتصرف معين لا يوكل إلاَّ إذا أذن له فيه" -غير معمول بظاهره، بل المعنى إلاَّ إذا كان الموكل فيه ما لا يتأتى للوكيل مباشرته، فإن الظاهر جواز التوكيل، والحالة هذه كما تقرر.
وقوله "فإن أطلق فثلاثة أوجه" هي حاصل ما يخرج من الطرق الثلاثة التي قدمناها.
واعلم أن الصورة المذكورة في أول الباب إلى هذه الغاية موضوعه في التوكيل المطلق، ومن هذا الموضع إلى آخره في التوكيل المقرون بضرب من التقييد.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ: تَتَبُّعُ مُخَصَّصِاتِ المُوَكِّل، فَلَوْ قَالَ: بعْ من زَيْدٍ لم يبع مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ خَصَّصَ زَمَاناً تَعَيَّنَ، وإن خَصَّصَ سُوقاً يَتَفَاوَتُ بِهَا الفَرَضُ تَعيَّنَ وإِلاَّ فَلاَ، وَإِذَاً صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ غَيْرِ المَخْصُوصِ امْتَنَعَ قَطْعاً، ولو قال بعْ بِمائَةِ يَبِيعُ بِمَا فَوْقَهُ إِلاَّ إِذَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَلاَ يَبِيعُ بِمَا دُونَهُ بِحَالٍ، وَلَوْ: اشْتَرِ بِمائَةٍ يَشْتَرِي بِمَا دُوَنَهَا إِلاَّ إِذَا نَهَاهُ، وَلاَ يَشْتَري بِمَا فَوْقَهَا بِحَالٍ، وَلَوْ قَالَ: بعْ بِمائةٍ نَسِبئَةً فباع نقداً أو قال اشتر بمائة نقداً

فاشترى بمائة نسيئة فَوَجَهْانِ لأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يُشْبُه اخْتِلاَفَ الجِنْسِ، وَلاَ خِلاَف أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبَاعَ بِأَلْفِ دينار لَمْ يَجُزْ وِفَيهِ احِتْمَالٌ.
قال الرافعي: الأصل في هذه الصورة، وما بعدها أنه يجب النظر بتقييدات الموكل في الوِكَالَةِ، ويشترط على الوكيل رعاية المفهوم منها، بحسب العرف، وفي الفصل صور: أحدها: إذا عين الموكل شخصاً بأن قال: بيع من زيد، أو وقتاً بأن قال: بع في يوم كذا لم يَجُزْ أن يبيع من غيره، ولا قبل ذلك الزمان ولا بعده 1. أما الأول: فلأن مال 2 الشخص المعين قد يكون أقرب إلى الحل، وأبعد عن الشبهة، وربما يريد تخصيصه بذلك المبيع.
وأما الثاني: فلأنه ربما يحتاج إلى البيع في ذلك الوقت، ولو عين مكاناً من سوق ونحوها نظر إن كان له في المكان المعيّن غرض بإن كان الراغبون فيه أكثر، أو النقد فيه أجود لم يَجُزْ أن يبيع من غيره، وإن لم يكن غرض ظاهر فوجهان: أحدهما: يجوز، والتعين في مثل ذلك يقع اتفاقاً هذا ما أورده في الكتاب، وبه قال القاضي أَبُو حَامِدٍ، وقطع به الغَزَالِيُّ.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ربما يكون له فيه غرض لا يطلع عليه، وهذا أصح عند ابْنِ القَطَّانِ، وصاحب "التهذيب" 3. ولو نهاه صريحاً عن البيع في غير ذلك الموضع امتنع بلا خلاف، وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ أن قوله: بع في بلد كذا، كقوله: بع في سوق كذا، حتى لو باعه في بلد آخر، جاء فيه التفصيل المذكور، وهذا صحيح، ولكنه يصير ضامناً للمال، لنقله من ذلك

البلد، لا وكذا الثمن مضموناً في يده، بل لو اطلق التوكيل بالبيع، وهو في بلد، فليبعه في ذلك البلد، ولو نقله صار ضامناً.
[المسألة] الثانية: لو قال: بيع بمائة درهم لم يبع بما دونها, وله أن يبيع بما فوقها، والمقصود من التقدير ألا ينقص [ثمنها عن المقدر] 1، نعم لو نهاه صريحاً لم يبع بما فوقها 2. وحكى العَبَّادِيُّ أن بعض البصريين من أصحابنا لم يجوز أن يبيع بما فوق المائة، والمشهور الأول، وهل له أن يبيع بمائة، وهناك من يرغب بالزيادة على المائة؟ فيه وجهان 3: أحدهما: نعم لموافقة صريح إذنه.
والثاني: لا، كما لو أطلق الوكالة، فباع بثمن المثل، وهناك من يرغب بالزيادة.
وذكر الأئمة أنه لو كان المشتري معيناً بأن قال: بيع كلا من فلان بمائة، لم يجز أن يبيع بأكثر منها، وكان المعني فيه أنه ربما يقصد إرفاقه.
ولو قال: بع كذا, ولا تبعه بأكثر من مائة وبما لم يبيع بالأكثر، ويبيع بها، وربما دونها ما لم ينقص عن ثمن المثل، ولو قال: بعه بائة، ولا تبعه بمائة وخمسين، فله أن يبيع بما فوق المائة، دون المائة والخمسين، ولا يبيع بالمائة والخمسين، وفيما فوق ذلك وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أصحهما: المنع؛ لأنه لما نهى عن زيادة خمسين، فِعَمَّا فوقها أولى، وكذلك في طرف الشراء لو قال: اشتر بمائة له أن يشتري بما دونها، إلاَّ إذا نهاه، ولا يشتري بما فوقها, ولو قال: اشتر بمائة، ولا تشتري بخمسين يجوز أن يشتري بما بين المائة والخمسين ولا يشتري بخمسين وفيما دونها الوجهان: [المسألة] الثالثة: لو قال: بعه إلى أجل، وبين قدره أو قلنا: لا حاجة إلى البيان، وحملناه على المعتاد، فخالف وباع حالاًّ، نظر إن باعه بما يساويه حالاً لم يصح, لأنه يكون ناقصاً عما أمر به، فإن ما يشتري به الشيء نقداً مما يشتري به نسيئة، ولو باعه بما

يساويه إلى ذلك الأجل حالاً، نظر إن كان في وقت لا يؤمن فيه من نَهْبٍ، أو سرقة، أو كان لحفظه مؤنة في الحال لم يصح أيضاً، وإن لم يكن شيء من ذلك، فوجهان: أحدهما: المنع أيضاً، فإنه ربما كان يحتاج إلى الثمن في ذلك الوقت، ويخاف من التعجيل خروجه في نفقة.
وأصحهما: على ما ذكره في "التهذيب" الجواز؛ لأنه زاد خيراً، ولا فرق فيما ذكره بين ثمن المثل عند الإطلاق، وبين ما يقدره من الثمن، بأن قال: بع بمائة نسيئة، فباع بمائة نقداً، كما صور في الكتاب، ولو قال: بع بكذا إلى شهرين، فباعه إلى شهر، ففيه وجهان، ولو قال: اشترِ حالاً، فاشتراه مؤجلاً، نظر إن اشتراه بما يرغب به فيه حالاً إلى ذلك الأجل لم يصح الشراء للموكل؛ لأنه يكون أكثر، وإن اشتراه بما يرغب به فيه حالاً إلى ذلك الأجل فوجهان، كما في طرف البيع: وجه الجواز ما مر.
ووجه المنع أنه ربما يخاف هلاك المال وبقاء الدين في ذمته.
قال أبُو سعِيد المتولي: هذا إذا قلنا إن مستحق الدَّيْنِ المؤجل إذا عجل حقه يلزمه القبول.
أما إذا قلنا: لا يلزمه القبول لا يصح الشراء هاهنا للموكل بحال، وذكر هو وغيره تخريجاً على المسألة التي نحن فيها أن الوكيل بالشراء مطلقاً لو اشترى نسيئة بثمن مثله جاز؛ لأنه زاد خيراً، والموكل بسبيل من تفريغ ذمته بالتعجيل 1. وقوله في الكتاب.
"لأن التفاوت فيه يشبة اختلاف الجنس" أي: في النقد والنسية، إنما يشبهه باختلاف الجنس؛ لما بين الدَّيْنِ والعَيْنِ، أو بين الحالّ والمؤجل من شدة اختلاف الأغراض، وهذا توجيه وجه المنع في صورتي البيع والشراء، ولذلك عقبه بقوله: "ولا خلاف أنه لو قال: بيع بألف درهم، فباع بألف دينار لم يجز"، وإنما كان كذلك؛ لأن المأتيّ به ليس هو المأمور به، ولا هو مشتمل على تحصيل ما أمر بتحصيله، والوكيل متصرف بالإذن فإذا عدل عن المأذون فيه لغا تصرفه.
وأما قوله: "وفيه احتمال" -فقد أورد القاضي ابْنُ كَجٍّ نحواً منه، وليس له ذكر في "الوسيط"، ولا في كتاب الإمام رحمه الله تعالى، ويمكن توجيهه بأنا عرفنا بالتوكيل رغبته في البيع، ومن رغب في البيع بالدراهم، فهو في البيع بمثل عددها من الدنانير ارغب هذا هو العرف الغالب، وكما أن البيع بالدنانير غير المأذون فيه، وهو البيع بالدراهم، كذلك البيع بالمائتين، غير المأذون فيه، وهو البيع بالدارهم كذلك البيع

بالمائتين غير المأذون فيه وهو البيع بالمائة، ألا ترى أنه لو قال: بعتك بمائة درهم لم يصح القبول بمائتي درهم، كما لا يصح بمائتي دينار، فهذا صححنا البيع بالمائتين اعتماداً على العرف، فكذلك البيع بالدينار، وعلى هذا الاحتمال، فالبيع بعرض يساوي مائتي دينار يشبه أن يكون كالبيع بمائة دينار.
قال الغزالي: وَلَو سَلَّمَ إِلِيْهِ دِينَاراً لِيَشْتَريَ شَاةً فَاشْتَرى شَاتَيْنِ تُسَاوِيْ كلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دِينَاراً وَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينارٍ وَرَدَّ الدِّينَارَ والشَّاةَ فَقَدْ فَعَلَ هَذا عُرْوَةُ البَارِقِيُّ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى أَسَدِّ القَوْلَيْنِ، وَفِي بَيْعِ الشَّاة خِلافٌ ظَاهِرٌ، وَتَأْوِيلُ الحَدِيثِ أَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ وَكِيلاً مُطْلَقَاً.
قال الرافعي: صور المسألة أن يسلم ديناراً إلى وكيله ليشتري له شاة، ووصفها، فاشترى الوكيل شاتين بتلك الصفة بدينار، فينظر إن لم تساو كل واحدة منهما ديناراً لم يصح الشراء للموكل، وإن زادتا معا على الدينار, لأنه ربما يبغي شاة تساوي ديناراً، وإن كان كل واحدة منهما تساوي ديناراً فقولان: أصحهما: صحة الشراء، وحصول الملك فيهما للموكل, لأنه أذن له في شراء شاة بدينار، فإذا اشترى شاتين، كل واحدة منهما تساوي ديناراً بدينار، فقد زاد خيراً مع تحصيل ما طلبه الموكل، فأشبه ما إذا أمره ببيع شاة بدرهم، فباعها بدرهمين، أو يشتري شاة بدرهم، فاشتراه ابن صف درهم.
والثاني: أنه لاتقع الشاتان معاً للموكل؛ لأنه لم يأذن إلاَّ في شراء واحدة، ولكن ينظر إن اشتراها في الذمة، فللموكل واحدة بنصف دينار، والأخرى للوكيل، ويرد على الموكل نصف دينار، وللموكل أن ينزع الثانية منه، ويقرر العقد فيهما, لأنه عقد العقد له، وإن اشتراهما بعين الدينار، فكأنه اشترى واحدة بإذنه، وأخرى بغير اذنه، فينبني على أن العقود، هل تتوقف على الإجازة؟.
إن قلنا: لا تتوقف على الإجازة بطل العقد في واحدة وفي الثانية قَوْلاً تفريق الصفقة.
وإن قلنا: تتوقف، فإن شاء الموكل أخذهما بالدينار، وإن شاء اقتصر على واحدة، وَرَدَّ الأخرى على المالك، والقول في وضعه مشكل, لأن تعيين واحدة للموكل، أو بطلان العقد فيهما ليس بأولى من تعيين الأخرى، والتخيير مشبه بما إذا باع شاة من شاتين، على أن يتخير المشتري، وهو باطل، ونقل الإِمام -رحمه الله تعالى- فيما إذا اشترى في الذمة قولاً ثالثاً، وهو إن الشراء لا يصح للموكل في واحدة منهما، بل يقعان للوكيل.

وإذا قلنا بصحة الشراء فيهما للموكل، فلو باع الوكيل إحداهما عن غير إذن الموكل، ففي صحة البيع قولان عن ابْنِ سُرَيجٍ.
أحدهما: المنع؛ لأنه لم يأذن في البيع فأشبه ما إذا اشترى شاة بدينار، ثم باعها بدينارين.
والثاني أنه يصح؛ لأنه إذا جاء بالشاة، فقد حصل مقصود الموكل، فلا فرق فيها زاد بين أن يكون ذهباً، أو غيره، وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شاة بدينار، وباعها بدينارين، ويقال: هذا الخلاف هو بعينه القولان في بيع الفضولي، فعلى القول الجديد يلغو، وعلى القديم ينعقد موقوفاً على إجازة الموكل 1. واعلم أن صورة المسألة شراءً وبيعاً قد نقل في حديث عُرْوَةَ البَارَقَيِّ -رضي الله عنه- وهو مذكور في أول البيع في مسألة بيع الفضولي، واحتج بهذا الحديث لكل واحد من القولين في أصل المسألة، إما للقول الأصح، فلأن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قرره على شرائهما، وألزم العقد فيهما.
وأما للقول الثاني، فلأن الشاتين لو وقعتا للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما باع إحداهما قبل مراجعته, لأن الإنسان لا يبيع مال الغير كيف وقد سلم وتصرف الفضولي؟ وإن حكم بإنعقاده، فلا كلام في أنه ليس له التسليم قبل مراجعة المالك وإجازته، فلما باع إحداهما دل على أنها دخلت في ملكه، وقد يقال: هب أن واحدة منهما ملكه، لكنها لا تتعين كما لم يختر الموكل واحدة منهما، أو يجري فيهما اصطلاح في ذلك، وإذا لم تكن التي ملكها معينة، فكيف يبيع واحدة منهما على التعيين، ثم القائلون بالقول الأول، والاحتجاج الأول، احتج من ذهب منهم إلى صِحَّة إحدى الشاتين بالحديث، ومن منع حمل القضية على أن عُرْوَةَ كان وكيلاً مطلقاً من جهة النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيع أمواله إذا رأى المصلحة فيه، ولكن في هذا التأويل بحث لأنه إن كان قد وَكَّلَهُ في بيع أمواله لا يدخل فيه ما لم يملكه من بعد، وإن قبل وكله في بيع أمواله وما سيملكه وقع في الخلاف المذكور في التوكيل ببيع ما سيملكه، إلاَّ أن يقال ذلك الخلاف فيما إذا

خصص بيع ما سيملكه بالتوكيل، أما إذا حصل تابعاً لأمواله الموجودة في الحال، فيجوز، وهذا كما أنه لو قال: وقفت على من سيولد من أولادي لا يجوز، ولو قال: على أولادي، ومن سيولد لي جاز.

فرع

لو قال: بع عبدي بمائة درهم، فباعه بمائة 1، وعبد أو ثوب يساوي مائة درهم، فعن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه على قولين بالترتيب على مسألة الشاتين، وأولى بالمنع, لأنه عدل عن الجنس الذي أمره بالبيع به، إن منع فيمتنع في القدر الذي يقابل غير الجنس، وهو النصف أم في الجميع كيلا تتفرق الصفقة؟ فيه قولان: إن قلنا: في ذلك القدر خاصة ففي "التتمة" أنه لا خيار للبائع, لأنه إذا رضي ببيع الجميع بالمائة كان أرضى ببيع النصف بها، وأما المشتري إن لم يعلم كونه وكيلاً بالبيع بالدراهم، فله الخيار فإن علمه، فوجهان لشروعه في العقد مع العلم بأن بعض المعقود عليه لا يسلم له 2. قال الغزالي: السَّادِسَةُ الوَكِيلُ بِالخُصُومَةِ لاَ يقرُّ عَلَى مُوَكِّلِهِ لاَ يُصَالَحُ، وَلاَ يُبْرِيءُ الوَكِيلُ بِالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ عَلَى خَمْرٍ إِذَا فَعَلَ حصل العَفْوُ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ المُوَكِّلُ، وَلَوْ صَالَحَ عَلَى خِنْزِيرِ فَفِيهِ تَرَدُدٌ، وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الفَاسِدِ لاَ يَسْتَفِيدُ بِهِ الصَّحِيحُ فلاَ مَعْنَى لِوِكَالَتِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالخُصُومَةِ أَنْ يَشْهَدَ لِمُوكِلِهِ إِلا إِذا عُزِلَ قَبْلَ الخَوْضِ في الخُصُومَةِ ثُمَ شَهِدَ، وَإِنْ كانَ قَدْ خَاضَ لَمْ يُقْبَلْ لأنهُ مُتَّهَمٌ بِتَصْدِيقِ نَفْسِهِ، وإِذَا وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بالخُصُومَةِ فَهَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ الاسْتِبْدادُ؟ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: في أول هذه الصورة، وآخرها مسائل تتعلق بالتوكيل بالخصومة، وفي خلالها ما لا يتعلق بالخصومة، ونحن نستوفي ما يتعلق بالخصومة، ثم نذكر المدرج في مسائلها أما ما يتعلق بالخصومة، فثلاث مسائل.
إحداها: الوكيل بالخصومة من جهة المدعي يدعي، ويقيم البينة، ويسعى في تعديلها، ويحلف، ويطلب الحكم والقضاء، ويفعل ما يقع وسيلة إلى الإثبات، والوكيل بالخصومة من جهة المدعى عليه ينكر، ويطعن في الشهود، ويسعى في الدفع بما يمكنه، ولو أقر وكيل المدعي بالقبض، أو الإبراء أو قبول الحوالة، أو المصالحة على

جارٍ التحميل