وإن حَبِلَتْ بعد الارْتدَادِ مُرْتَدٍّ، فيبنى على أن المُتَوَلِّدَ من المرتدين 1 مسلم أو كافر؟ إن قلنا: مُسْلِمٌ، وَجَبَتْ فيه الغُرَّةُ.
وإن قلنا: كافر، فهو كجنين الحَرْبِيِّينَ، لا يجب فيه شيء على الجَانِي.
هكذا ذكره الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ وغيره.
وفي "التهذيب" أن من لم يجعل المَوْلُودَ بين المرتدين مسلماً أوجب 2 فيه ما يَجِبُ في جنين المَجُوسِيَّةِ كان من يذهب إليه يثبت له حرمة؛ لبقاء عُلْقَةِ الإِسْلاَمِ، فيوجب فيه أَخَسَّ 3 ما يجب في الأَجِنَّةِ.
ثم في الفصل صورتان:
إحداهما: جَنَى على ذمية حُبْلَى تحت ذِمِّيِّ، فأسلمت، أو أَسْلَمَ الذمي، ثم أجْهَضَتْ وجبت غُرَّةٌ كاملة؛ لأن الاعْتِبَارَ في قَدْرِ الضَّمَانِ بالمال، ولذلك قلنا بوجوب الدِّيَةِ الكاملة إذا جَرَحَ ذمياً، فَأسْلَمَ ثم مات، وكذا الحُكْمُ إذا جَنَى على أَمَةٍ حُبْلَى، فَعُتِقَتْ، ثم ماتت.
وما الذي يَسْتَحِقَّهُ من ذلك؟ فيه وجهان أو قولان:
المشهور منهما: أن المستحق له الأَقَلُّ من عُشْرِ قيمة الأمَةِ، ومن الغُرَّةِ؛ لأنه إن كانت الغرة أقَلَّ، فلا وَاجِبَ غيرها، وإن كان العشر أقل 4، فهو المستحق للسيد، وما زاد زاد بالحُرِّيَّةِ.
والثاني -وبه قال أبو الطيب 5، ويُحْكَى عن القَفَّالِ أيضاً- أنه لا يستحق السيد بحكم المِلْكِ شيئاً؛ لأن الإجْهَاضَ حَصَلَ في حال الحرية، وما يجب إنما يجب بالإجْهَاضِ فَأَشْبَهَ ما إذا حَضَرَ بِئْراً فَتَرَدَّى فيها حُرٌّ كان رقيقاً عند الحَفْرِ، لا يستحق السَيد من الضمان شيئاً.
الثانية 6: إذا جَنَى على حَرْبِيَّةٍ، فأسلمت ثم أَجْهَضَتْ، هل يجب الضَّمَانُ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال ابن الحَدَّادِ-: لا يجب شيء؛ لأنه لم يكن مَعْصُوماً في الابتداء.
والثاني: يجب غُرَّةٌ كاملة؛ اعْتِبَاراً بحالة الإِجْهَاضِ، فإن الجِنَايَةَ حينئذ تَتَحَقَّقُ 7.
وشَبَّهَ في الكتاب الوَجْهَيْنِ بالوجهين فيما إذا رَمَى إلى حَرْبِيِّ، فَأَسْلَمَ قبل الإِصَابَةِ، لكن الأَصَحَّ هناك وُجُوبُ الضَّمَانِ، ويشبه أن يكون الوَجْهَانِ هاهنا كالوجهين فيما لو جَرَحَ حَرْبِيّاً، فَأَسْلَمَ قبل الإِصَابَةِ حتى يكون الأظْهَرُ نَفْىَ الضَّمَانِ؛ لأن الجِنَايَةَ قد تَحَقَّقَتْ هاهنا، وأَثَّرَتْ فيها، وفي الجنين، كما أن الجِرَاحَةَ أَثَّرَتْ هناك، والرَّمْيُ لا يؤثر في البَدَنِ، حتى يصيب السهم، فالتشبيه 1 بصورة الجراحة أَفْصَحُ وأَوْلَى من التشبيه بصورة الرَّمْيِ.
وقوله في الكتاب-: "ثم في الجنين الحُرِّ المسلم غرة".
لو قال: "ثم الغرة في الجنين الحر المسلم" كان أَلْيَقَ بمقصود الفَصْلِ؛ لأنه قد سبق ذِكْرُ الغُرَّةِ، وما يوجبها.
والغَرَضُ الآن بَيَانُ أنها تجب في الحُرِّ المسلم، والتَّدرُّجُ منه إلى بيان ما يجب في الكافر والرَّقِيقِ.
وقوله: "والثاني: ثُلُثُ الغرة".
الذي يَتَبَادَرُ إلى الفِهْمِ منه وجوب جُزْءٍ من الغُرَّةِ، وهذا لم يذكره أَحَدٌ، وإنما هو مَحْمُولٌ على إِيجَابِ غُرَّةٍ، قيمتها ثُلُثُ الغُرَّةِ الكاملة على ما بَيَّنَّاهُ.
وقوله: "ففي ضَمَانِ الجنين وجهان" يعني: أَصْلَ الضمان.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الْجَنِينُ الرَّقِيقُ فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الأُمِّ، وَيعْتَبَرَ القِيمَةُ عَلَى الصَّحِيحِ يَوْمَ الجِنَايَةِ، لاَ يَوْمَ الإِجْهَاضِ أَخْذاً بِالأَغْلَظِ، فَلَوْ كَانَ الجَنِينُ سَلِيماً، وَالأمُّ مَقْطُوعَةَ الأَطْرَافِ قُدِّرَتْ سَلِيمَةَ الأَطْرَافِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، كَمَا يُقَدَّرُ إِسْلاَمُهَا وَحُرِّيَّتُهَا إِذَا كَانَ الجَنِينُ كَذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الجَنِينُ مَقْطُوعِ الأَطْرَافِ، فلاَ تُقَدَّرُ الأُمُّ مَقْطُوعَةً عَلَى الصَّحِيحِ، إِذْ ذَاكَ في الجَنِينِ مِنْ أَثَرِ الجِنَايَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب في الجَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قيمة الأُمِّ، ذَكَراً كان، أو أُنْثَى، أو أَشْكَلَ 2 حَالُهُ في الذكورة والأُنوثَةِ، يستوي في ذلك ما إذا كانت [الأم] 3 قِنَّةً، أَو مُدَبَّرَةً، أو مُكَاتَبَةً، أو مُسْتَوْلَدَةً.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يعتبر ضَمَانُ الجَنِينِ بنفسه، فإن كان ذَكَراً، ففيه نصف عشر قيمته لو كان حَيّاً، وإن كان أُنْثَى، فعشر قِيمَتِهَا لو كانت حَيَّةً.
ومَأْخَذُ الخِلاَفِ الخِلاَفُ في أن الغُرَّةَ الواجبة في الجنين الحُرِّ؛ ثم تعتبر؟ وهي مُقَدَّرَةٌ بخمس من الإِبل عنده؟
وعلى الأصح من أصلنا على ما سيأتي، فعندنا هي مُعْتَبَرَةٌ بِبَدَلِ الأبوين، وهي نِصْفُ عشر دية الأب، وعِشْر دية الأم، فيجب في الرَّقِيقِ عُشْرُ قيمة الأُمِّ.
وعنده هي معتبرة بِبَدَلِ الجنين في نَفْسِهِ بعد انْفِصَالِهِ، وهي نِصْفُ عشر ديته، إن كان ذَكَراً، وعشرها إن كان أُنْثَى، فيجب في الرقيق نِصْفُ العشر، أو العشر من القيمة.
قال الأصحاب -رحمهم الله-: والاعْتِبَارُ بالأبوَيْنِ أَوْلَى الوجهين:
أحدهما: أن الجنين قد يَخْرُجُ مُتَقَطِّعاً، ولا يُعرَفُ حاله في الذكورة والأنوثة، وأيضاً فالتَّقْوِيمُ مَبْنِيٌّ على الهَيْئَاتِ، والصفات الحاصلة في الحَيَاةِ، والكلام في الجنين الذي انْفَصَلَ مَيَّتاً، فكيف يُقَوَّمُ والأم 1 ينظر؟
والثاني: أن ما يعتبر ضَمَانُهُ بنفسه، يعتبر كُلُّهُ لا بَعْضُهُ.
واحتَجُّوا أيضاً بأن الجنين الحُرِّ يَسْتَوِي في ضمانه الذَّكَرُ والأنثى، فكذلك الرقيق.
واعْتَذَرُوا عما يقال: إن ما ذَكَرْتُمُوهُ قد يُؤَدِّي إلى تَفْضِيلِ المَيِّتِ على الحَيِّ، فإنه لو انفصل حَيّاً، وماتت، تجب قِيمَتُهُ في نفسه، بلا خلاف، وقيمته حينئذ قد لا يَزِيدُ على دِينَار، وعشر قيمة الأُمِّ يبلغ مائة، فكيف نوجب ديناراً، لو انفصل حَيّاً ومات، ومائة [دينار] 2 لو انْفَصَلَ ميتًا؟
فإنه إذا انفَصَلَ حياً ثَبَتَ اسْتِقْلاَلُهُ، فَيُعْتَبَرُ بنفسه، وإذا انْفَصَلَ ميتاً، لم يثبت له اسْتِقْلاَلٌ، فيسلك 3 به مَسلَكَ الأعْضَاءِ.
ولو أَلْقَتْ جنيناً ميتاً، فَعُتِقَتْ، ثم ألقت آخر [حَيّاً]، فالوَاجِبُ في الأول عشر قيمة الأم، وفي الثاني الغُرَّةُ، والاعْتِبَارُ بقيمة يوم الجِنَايَةِ، أو الإجهاض؟ فيه وجهان:
أصحهما -وهو المنصوص 4 - أنه يعتبر قيمته يوم الجِنَايَةِ، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وأبُو إِسْحَاقَ؛ لأنه وَقْتُ الوجوب، ولأنه الأَغْلَظُ، فأشبه ما إذا قَطَع يَدَ عَبْدٍ، وتوالت 5 الآلاَمُ إلى أن سَرَى القَطْعُ إلى النَّفْسِ، تعتبر قيمته 6 يوم القَطْع، وإنما يُعْتَبَرُ يوم الجناية؛ لأن القيمة يَوْمَئذٍ أَكْمَلُ غالباً، فإن فرضت زيادة القيمةَ مع تَوَاصُلِ الآلاَمِ،
اعتبرنا تلك الزيادة.
وحَقِيقَةُ هذا الوَجهِ النَّظَرُ إلى أَقْصَى القِيَمِ.
والثاني -وبه قال المُزَنِيُّ والإصْطَخْرِيُّ-: أنه تُعْتَبَرُ قِيمَةُ يوم الإجْهَاض؛ لأنه وقت اسْتِقرَارِ الجِنَايَةِ، وكذلك نقول: لو جَنَى على أمة فأعتقت (1) ثم أجْهَضَتْ تجب الغُرَّةُ، وتصرف إلى الوَرَثَةِ.
وإذا كان الجنين سَلِيماً، والأُمُّ مَقْطُوعَةُ الأطْرَافِ، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يُقَدَّرُ فيها السَّلاَمَةُ، وتُقَوَّمُ كَامِلَةَ الأَطْرَافِ، كما أنه إذا كانت الأم كَافِرَةً، والجنين مُسْلِماً يُقَدَّرُ فيها الإِسْلاَمُ، وتقوم مُسْلِمَةُ، وإذا كان الجَنِينُ رَقِيقاً، وهي حُرَّةٌ مثل إن كانت الأُمُّ لواحد، والَجنين لآخر، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ الأم الأُمِّ، وبَقِيَ الجَنِينُ رَقِيقاً لصاحبه تُقَدَّرُ الأم رقيقة، ويجب في الجنين عُشْرُ قيمتها.
والثاني: أنه لا يقدر فيها السَّلاَمَةُ؛ لأن نُقْصَانَ الأَعْضَاءِ أَمْرٌ خِلْقِيٌ، وفي تقدير خِلاَفِهِ بعد، بخلاف صِفَةِ الإِسْلاَمِ وغيره.
ولو كان الجَنِينُ مَقْطُوعَ الأَطْرَافِ، والأم سَلِيمَةٌ، فهل تُقَدَّرُ هي مَقْطُوعَةَ أيضاً؟
فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كالتقدير في سَائِرِ المسائل المذكورة.
وأصَحُّهُمَا: المَنْعُ؛ لأن نُقْصَانَ الجنين قد يكون من أَثَرِ الجِنَايَةِ، واللائق الاحْتِيَاطُ، والتَّغْلِيظُ على الجاني دون التخفيف.
وقوله في الكتاب: "كما يقدر إِسْلاَمُهَا وحريتها، إذا كان الجنين كذلك تقدير الإِسْلاَمِ إذا كان الجنين مُسْلِماً، وهي كافرة (2) قد ذكرناه فأما إذا كان الجَنِينُ حُرّاً، وهي رَقِيقَةٌ، كما إذا وَطِئَ أَمَةَ الغير بالشُّبْهَةِ، فَأوْلَدَهَا، فالواجب الغُرَّةُ، والغُرَّةُ مُسْتَغْنِيَةْ عن تقدير الحرية فيها، وكان المقصود أن الغُرَّة التي تَجِبُ تَتَقَدَّرُ بخمس من الإبِلِ التي هي عُشْرِ ديتها، لو كانت حُرَّةً، [والله أعلم].
" فُرُوع"
من مولدات ابن الحَدَّادِ وغيرها.
منها: الجارِيةُ المشتركة بين اثنين بالسَّوِيَّةِ، إذا حَبلَتْ من زَوْج، أو زِناً، وجَنَى عليها جَانٍ، فالقت الجَنِينَ مَيّتاً، فعليه عُشْرُ قيمة الأُمِّ للسيدين لأن الولد مشترك بينهما كالأم.12
ولو جَنَى عليها أَحَدُ الشريكين، فألْقَتْ جَنِيناً مَيتاً، فعليه نِصْفُ عشر قيمة الأم للآخر، ويُهْدَرُ نَصِيبُهُ، ولو أنه أَعْتَقَهَا بعد ما جَنَى، ثم ألقت جنيناً، نظر: إن كان مُعْسِراً، ووقف العتق على نصيبه من الأُمِّ والجنين، فعليه نِصْفُ عُشْرِ قيمة الأم لشريكه، وهل يَلْزَمُهُ نِصْفُ الغُرَّةِ للنصف الحر؟
فيه وجهان:
قال ابْنُ الحدَّادِ: لا؛ لأن وَقْتَ الجِنَايَةِ كان مِلْكاً له، وجِنَايَةُ الإنسان على مِلْكِهِ لا تُوجب ضَمَاناً.
وقال آخرون: نعم، وحكوه عن نَصِّهِ في "الأم"؛ لأن الجِنَايَةَ على الجنين إنما تَتَحَقَّقُ عند الإِلْقَاءِ، وهو حُرٌّ حينئذ.
والخِلاَفُ مَبْنِيٌّ على طريقين ذِكْراً في أن المُوجِبَ لِلضَّمَانِ هو الضرب، أو الإِجْهَاضُ:
أحدهما: أن المُوجِبَ الضَّرْبُ؛ لأنه يُؤَثِّرُ في الجَنِينِ، أَلاَ تَرَى أنه يُرَى أَثَرُهُ عليه عند الإِجْهَاضِ، والانْفِصَالُ هو نهاية الجِنَايَةِ؟ فكان الضَّرْبُ كَقَطْعِ اليَدِ نحوه، والإِجْهَاضُ كالسِّرَايَةِ.
والثاني: أن المُوجِبَ الإجْهَاضُ؛ لأن الرَّحَمِ مَحِلُّ نَشْئِ الطِّفْلِ وتَرْبيته، وسبب الهَلاَكِ مُفَارَقَتُهُ دون الضَّرْب، لكن الضرب لما فيه من الإيلاَمِ يفضي إلى المُفَارَقَةِ، فيكون الاعْتِبَارُ بوقت المُفَاَرَقَةِ، وهذا كَحَفْرِ البئر في الطريق مَع التَّرَدِّي، فإن الحَفْرَ سَبَبُ مُفَارَقَةِ موضع السَّلَامَةِ، والتَّرَدِّي هو المُوجِبُ لِلهِلاَكِ، فكان الاعْتِبَارُ بوقت التَّرَدِّي.
فإن قلنا: الموجب الضَّرْبُ، فهو مَمْلِوكٌ له حينئذ.
وإن قلنا: المُوجِبُ الإجْهَاضُ، فيجب.
واعلم أن كَلَامُ أكثر الناقلين للمسألة يَمِيلُ إلى وجوب نِصفِ الغُرَّةِ، كَما حكى عن النص، وهو النص الذي نَقَلْنَاهُ عن "عُيُونِ المسائل" في فصل تَغَيُّرِ الحال بين الجُرْحِ والمَوْتِ.
والأوْلَى بالترجِيح ما رَجَّحَهُ الشيخ أبو عَلِيٍّ وجماعة 1، وهو أنه لا يَجِبُ نِصْفُ الغُرَّةِ، وأن المُوجِبَ الضَّرْبُ، لِتَاْثِيرِهِ في الجَنِينِ، كتأثير القَطْعِ في البَدَنِ، بخلاف الحَفْرِ الذي لا يُؤَثِّرُ في البَدَنِ.
وإذا قيل بِوُجُوبِ نِصفِ الغُرَّةِ، فلمن يكون ذلك؟
يبني على الخِلاَفِ في أن من بعضه حُرٌّ، وبعضه رَقِيقٌ، هل يورث؟ 2
إن قلنا: نعم، فهو لِوَرَثَتِهِ، ولا تَرِث الأمُّ منه شيئاً؛ لأن بَعْضَهَا رَقِيقٌ، ولا السيد؛ لأنه قَاتِلٌ.
وإن قلنا: لا، فهو لمالك النِّصْفِ، أو لبيت المَالِ؟ فيه خلاف.
وإلى الثاني ذهب الإِصْطَخْرِيُّ.
هذا إذا كان المُعْتِقُ مُعْسِراً، فإن كان مُوسِراً، فإن قلنا: السِّرَايَةُ 1 تَحْصُلُ بنفس الإِعْتِاقِ، أو قلنا: تَحْصُلُ بأداء القيمة، وأداؤها 2 قبل الإِجْهَاضِ، فعلى الجاني الغُرَّةُ، وتصرف إلى وَرَثَتِهِ.
وإن قلنا: تَحْصُلُ بأداء القِيمَةِ، ولم يُؤَدِّهَا حتى أَجْهَضَتْ، فالحكم كما ذَكَرْنَا فيما إذا كان مُعْسِراً.
فإن قلنا: إن العِتْقَ موْقُوفٌ، فإن أَدَّى القِيمَةَ تبين حُصُولُ العتق من وقت اللفظ، فيكون الحُكْمُ على ما إذا فَرَّعْنَا على أن السِّرَايَةَ تحصل بنفس اللَّفْظِ، وإن لم يُؤَدِّ، فكما ذَكَرْنَا فيما إذا كان المُعْتِقُ مُعْسِراً ولو كانت الصُّورَةُ بحالها لكن أعتق أحدهما نَصِيبَهُ، ثم جَنَى عليها، فألقت جَنِيناً ميتاً.
فأما إن جَنَى عليها المُعْتِقُ، أو الشَّريكُ الآخَرُ، أو غيرهما، وإن جَنَى عليها المُعْتِقُ، نظر إن كان مُعْسِراً بَقِيَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ مِلْكاً له، فعليه للشَّرِيكِ نِصْفُ عشر قيمة الأُمِّ، وعليه النصف الذي عتق نِصْفُ الغُرَّةِ بلا خلاف، ولمن يكون ذلك؟
ينبني على الخِلاَفِ في أن من بَعْضُهُ حُرٌّ، وبعضه رقيق، هل يورث كما مَرَّ؟ وإن كان مُوسِراً، فإن قلنا: إن السِّرَايَةَ تَحْصُلُ بأدَاءِ القِيمَةِ أو قلنا بالتوقف وأَدَّى القيمة، فَيُغَرَّمُ المُعْتِقُ لشريكه نِصْفَ قيمة الأَمَةِ حَامِلاً، ولا يفرد الجنين بالقيمة، بل يَتبَعُ الأُمَّ في التَّقْوِيم، كما يَتْبَعُهَا في البَيْعِ، ويلزمه بالجناية الغُرَّةُ؛ لأن الجَنِينَ حُرٌّ، وتورَّث الأمُّ منها؛ لَأنها حُرَّةٌ، والباقي بعد نصيبها لِلْعَصَبَةِ، ولا شَيْءَ للمعتق؛ لأنه قَاتِلٌ.
وإن جَنَى الشَّرِيكُ الآخَرُ، فإن كان المُعْتِقُ مُعْسِراً، فَنِصْفُ الجنين مَمْلُوكٌ للجاني، ونصْفُهُ حُرٌّ، وإتْلاَفُهُ مِلْكَهُ مُهْدَرٌ، ويجب نِصْفُ غُرَّةٍ للنصف الحر.
ويعود الخِلاَفُ في أنه لمن يَكُونُ؟
فإن قلنا: مِنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ يُورَثُ، فالغُرَّةُ لِعَصَبَتِهِ، ولا شَيْءَ للأم؛ لأن بعضها رَقِيقٌ، فإن لم يكن له عَصَبَةٌ من الأَقَارَبِ، فهي لِلْمُعْتِقِ.
وإذا قلنا: لا يُورَثُ، فيكون لمالك البَعْضِ الآخَرِ، فلا يَجِبُ هاهنا شَيْءٌ؛ لأنه لو ثَبَتَ لثَبَتَ له، فإنه إنما يَأْخُذُ بحق المِلْكِ بالميراث، فلا يصير القَتْلُ مَانِعاً.
وإن كان المُعْتِقُ مُوسِراً، فإن قلنا: لا تَحْصُلُ السِّرَايَةُ إلا بأَدَاءِ القيمة، أو قلنا: بالتَّوَقَّفِ، ولم تزد القِيمَةُ، فالحكم كما إذا كان مُعْسِراً وإن قلنا: يُعْتَقُ باللفظ، أو قلنا:
بالتَّوَقُّفُ وأداء 1 القيمة، فللجاني على المُعْتِقِ نِصْف قيمتها حَامِلاً، وعلى الجِاني الغُرَّةُ، وتَرِثُهَا الأم والعَصَبَةُ.
وإن كان الجاني أَجْنَبِيّاً، فإن كان المُعْتِقُ مُعْسِراً، فقد أَتْلَفَ الأَجْنَبِيُّ جَنِيناً نِصْفُهُ حُرٌّ، ونصفه رقيق، فعليه نِصْفُ غرة، ونصف عشر قيمة الأم.
وإن كان المعتق مُوسِراً، وعتقَ كُلّه، فقد أَتْلَفَ الأجنبي جنيناً حُرّاً، وحُكْمُهُ بَيِّنٌ.
ولو كانت الجَارِيةُ كما وَصَفْنَا، وجَنَى عليها الشَّرِيكَانِ معاً، فأجْهَضَتْ، فعلى كل وَاحدٍ منهما للآخر رُبُعُ عُشْرِ قيمة الأم.
لأن كل واحد منهما جَنَى على مِلْكِهِ ومِلْكِ صَاحِبهِ، ونَصِيبُ كُلِّ واحد منهما تَلِفَ بفعليهما جميعاً، فَتُهْدَرُ جِنَايَتُهُ على مِلْكِهِ.
والحقَّانِ من جِنْسٍ وَاحِدٍ، فيكون على خِلَافِ التَّقَاصِّ.
وإن أَعْتَقَاهَا معاً بعد مَا جَنَيَا، أو وَكَّلاَ وَكِيلاً، فَأعْتَقَهَا بكلمة واحدة، ثم أَجْهَضَتْ، فقد عتق الجَنِينَ مع الأم قبل الإجْهَاضِ، فيضمن بالغرة، ولا تعتبر قِيمَةُ الأُمِّ، وفيما يجب على كُلِّ واحد منهما؟ وَجْهَانِ:
قال ابْنُ الحَدَّادِ: يجب على كُلِّ وَاحِدٍ منهما ربع الغُرَّةِ، اعْتِبَاراً بحال الجِنَايَةِ، فكل واحد منهما مَالِكٌ للنصف حينئذ.
وقال غيره: يجب على كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهَا؛ اعْتِبَاراً بحال الإِجْهَاضِ، وهو حُرٌّ حينئذ، وللأم ثُلُثُ الوَاجبِ، والباقي لِلْعَصَبَهَ، ولا يَرِثُ السَّيِّدَانِ منها شيئاً؛ لأنهما قَاتِلاَن.
ولو جَنَى عليهاَ أحدهما، ثم أَعْتَقَاهَا، ثم أَجْهَضَتْ، فعلى قول ابن الحَدَّادِ، على الجاني نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنه جَنَى، ونصفه له، وللشريك الأَقَلُّ من نِصْفِ الغُرَّةِ، ونصف عشر قيمة الأُمِّ.
وعلى قول غيره: عليه غُرَّةٌ كاملة؛ اعْتِبَاراً بيوم الإجْهَاضِ.
ومنها: إذا وَطِئَ الشريكان الجَارِيَةَ المشتركة، فَحَبِلَتْ، ثم جَنَى عليها جَانٍ، فَألْقَتِ الجَنِينَ مَيِّتاً، فإن كانا مُوسِرَيْنِ، فالجنين حُرٌّ، وعلى الجاني الغُرَّةُ، وهي لمن يُلْحِقُ القَائِفُ الجَنِينَ به.
فإن كانا مُعْسِرَيْنِ، فكل الولد حُرٌّ أو نِصْفُهُ؟ فيه قولان:
أصحهما: الثاني.
وإذا قيل به، فعلى الجَانِي نِصْفُ الغُرَّةِ، ونِصْفُ عُشْرِ قيمة الأُمِّ، ونِصْفُ الغُرَّةِ لمن يُلْحِقُهُ القَائِفُ به، ونِصْفُ عُشْرِ القيمة للآخر.
ومنها: قال ابْنُ الحَدَّادِ: المُسْتَوْلَدَةُ الحَامِلُ من السَّيِّدِ، إذا جَنَتْ على نفسها، فأَلْقَتِ الجَنِينَ ميتًا، فلا ضَمَانَ، إن لم يكن لِلْجَنِيْنِ وارِثٌ سوى السيد؛ لأن جِنايَةَ المستولدة على سَيِّدِها، كَما سَبَقَ، وبدل الجنين [له] 1، فلو وَجَبَ الضَّمَانُ لوجب عليه لنفسه، فصار كما لو جَنَتْ 2 على مال السَّيِّدِ.
وإن كان له وارِثٌ آخر بأن كان لِلْمُسْتَوْلَدَةِ أم حُرَّةٌ، فعلى السيد أن يُغَرَّمَ لها الأَقَلَّ من قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، أو سُدُسَ الغُرَّةِ.
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: ويحكي قول أنَّ عليه سُدُسَ الغُرَّةِ، إن زاد على قيمتها؛ بناء على أن أَرْشَ جِنايَةِ المُسْتَوْلَدَةِ على السيد بَالِغًا ما بَلَغَ.
ومنها: مات رَجُلٌ عن زَوْجَةٍ حَامِلٍ، وأخ من الأبوين، أو من الأب، وفي التركة عَبْدٌ، فَجَنَى العَبْدُ على الزَّوْجَةِ، فألقت الجَنِينَ مَيّتًا، ففيه الغُرَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَةِ العَبْدِ، ويكون للأم ثُلُثُهَا، وللعم ثُلُثَاهَا، لكن العَبْدَ مَلَكَهُمَا بالأرباع، والجَنِينُ بانْفِصَالِهِ مَيِّتًا خَرَجَ عن أن يكون له إِرْثٌ، والمالك لا 3 يَسْتَحِقُّ على مِلْكِهِ شَيْئًا، فيقابل ما يتعلّق بِمِلْكِ كل وَاحدٍ منهما بما يَسْتَحِقُّهُ بالإِرْثِ، والأخ يَمْلِكُ ثَلاَثَةَ أَرْباَعِ العَبْدِ، فيتعلق به ثلاثة أرباع الغُرَّةِ، وَيستَحِقُّ ثلثي الغُرَّةِ، فيذهب الثُّلُثَانِ بالثلثين، فيبقى نِصْفُ سُدُسِ الغرة متعلِّقًا بما يَمْلِكُهُ من العَبْدِ، والزوجة تَمْتَلِكُ رُبُعَ العبد، وَيتَعَلَّقُ به رُبُعُ الغُرَّةِ، وَيَسْتَحِقُّ ثلث الغُرَّة، فيذهب الرُّبُعُ بالربع، يبقى لها نِصْفُ سُدُسٍ مما يَتعلَّقُ بنصيب الأخ، فيفدي الأخُ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعٍ العَبْدِ بنصف سُدُسِ الغُرَّةِ، ويصرف ذلك إلى الزوجة والفرع لابن الحَدَّادِ 4 أيضًا قد يُورَدُ جَوابُهُ بغير هذا الإِيرَادِ، ولا يَكادُ يختلف المقصود.
وقال الشيخ أبو علي -رحمه الله-: وعلى قِيَاسِهِ لو كانت المَسْأَلَةُ بالأثْلاَثِ أيضًا، والعبد بينهما بالأثْمَانِ، فيملك الابن سَبْعَةَ أَثْمَانِ العَبْدِ، وَيتَعَلَّقُ به سبعة أثمان الغُرَّةِ، فيذهب الثُّلُثَانِ بالثلثين، ويبقى ما بين ثُلُثَيِ الغُرَّةِ، وسبعة أثمانها، والتَّفَاوُتُ بخمسة أَسْهُم من أربعة وعشرين سهمًا، وذلك بأن يُضْرَبَ مَخْرَجُ الثلثين في مَخْرَج الثُّمُنِ، فيحصل أربعة وعشرة وثلثا أربعة وعشرين ستة عشر وسبعة أثمانه أحد وعشرون، فالتَّفَاوُتُ بينهما بخمسة.
والزَّوْجَةُ تَمْلِكُ 1 ثَمَنَ العَبْدِ، وَيتَعَلَّقُ به ثَمَنُ الغُرَّةِ، وهو ثلاثة أَسْهُمٍ، ويستحقُّ ثلثها، وهو ثَمَانِيَةُ أسهم، فيذهب ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ بثلاثة أسهم، يبقى خمسة أسهم، فَيَفْدِي الابن سَبْعَةَ أَثْمَانِ العَبْدِ بخمسة أسهم من أربعة وعشرين سَهْماً من الغُرَّةِ، ويُصْرَفُ ذلك إلى الزوجة.
ومنها: قال ابن الصباغِ: إذا جَنَى حُرٌّ أُمُّهُ عَتِيقَةٌ، وأَبُوهُ رقيق على امْرَأَةٍ حامل، ثم أُعْتِقَ أبوه، فانْجَرَّ وَلاَؤُهُ من مُعْتِقِ الأُمِّ إلى مُعْتِقِ الأب، ثم أَجْهَضَتِ الحَامِلُ، فعلى قياس قول ابن الصَّبَّاغ 2 يتحمل بَدَلَ الجنين مَوْلَى الأم؛ اعتبارًا بحال الجِنَايَةِ، وعلى قياس قَوْلِ غَيْرِهِ: يَتَحَمَّلُ مَوْلَى الأب؛ اعتبارًا بحالة الإجهاض.
ومنها: إذا أَحْبَلَ المُكَاتَبُ أَمَتَهُ، فَجَنَى عليها، فأَجْهَضَتْ، وجب في الجنين عُشْرُ قيمة الأُمِّ؛ لأنها مَمْلُوكَةٌ بَعْدُ.
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ في صِفَةِ الغُرَّةِ وَهُوَ رَقِيقٌ سَلِيمٌ مِنْ عَيْبٍ يَثْبُتُ الرَّدُّ فِي البَيْعِ سِنُّهُ فَوْقَ سَبْعٍ وَدُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ إنْ كَانَ غُلامًا، وَدُونَ العِشْرِينَ إِنْ كانَتْ أُنْثَى، وَقِيلَ: تُؤْخَذُ الكَبِيرَةَ مَا لَمْ تَضْعُفْ بِالهَرَمِ، وَفِي نِفَاسَةِ قِيمَتِهَا وَجْهَانِ: (أحَدُهُمَا): أنَّهُ لاَ تَقْدِيرَ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ السِّنِّ والسَّلاَمَةِ (والثَّانِي): أنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُنْقَصَ عَنْ قِيمَةِ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ لِأَنَّا عِنْدَ العَقْدِ نَرْجِعُ إلَى خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ فِي القَوْلِ الجَدِيدِ، وَفِي القَدِيمِ نَرْجِعُ إلَى قِيمَةِ الغُرَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يَتَعَيَّنُ لِلْغُرَّةِ نَوْعٌ من الرقيق، بل يُجْبَرُ المُسْتَحِقُّ على قَبُولِهِ من أَيِّ = الغرة متعلقًا بحصته من العبد هذا ليس بمستقيم وإنما يبقى سدس الغرة ويتعلق ذلك بحصة الزوج من العبد، وقد قال في الزوجة: يبقى لها نصف سدس الغرة، وقد وقع الخلل في هذا الفرع في مواضع نبهت عليه في مواضعها والصواب أن يقال نصف سدس الغرة أو يبقي حصته من الغرة متعلقا بنصيب الزوجة وكذا قال أبو الطيب: وقد بسطته في الفوائد.
انتهى وأخذ في الخادم كلام شيخه وزاد عليه، واعتذر عن الشيخين بشيء فيه نظر.
نَوْعٍ كان، ويُجْبَرُ على قُبُولِ الذَّكَرِ والأُنْثَى؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم-: "قَضَى في الجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ" 1.
والنظر في ثلاث صِفَاتٍ:
إحداها: تُعْتَبَرُ السَّلاَمَةُ عن العُيُوب التي تُثْبِتُ الرَّدَّ في البَيْع، بخلاف الإعْتَاقِ 2 في الكَفَّارَةِ، حيث يُجْزِئُ إِعْتَاقُ المعيب 3 بِعَيْبٍ لا يَضُرُّ بالعمل؛ لأن الكَفَّارَةَ حَقُّ الله تعالى، والغُرَّةُ حَقُّ الآدَمِيِّ، وحقوق الله تعالى [مبيِنَّةٌ] 4 على المُسَاهَلَةِ:
وأيضًا، فإنه وَرَدَ لفظ "الغرة"، والغُرَّةُ الخِيارُ، والمَعِيبُ ليس من الخِيَارِ.
ولا يُجبَرُ المُسْتَحِقُّ على قَبُولِ الخَصِيِّ والخُنْثَى والكَافِرِ.
ولو أوصى 5 بِقَبُولِ المَعِيبِ، وسامح، جَازَ.
ويجوز أن يُعْلَمَ لفظ "السَّلِيم" فيِ الكتاب بالحَاءِ؛ لأن عند أبي حَنِيْفَةَ يُجْبَرُ على قُبُولِ المَعِيبِ، إذا لم تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عن خَمْسٍ من الإِبِلِ، أو خمسين دينارًا.
الثانية: لا يُجْبَرُ على قَبُولِ من لم تَبلُغ سِنُّهُ سَبْعًا؛ لأن الغُرَّةَ الخِيَارُ، وأنه ليس من الخِيارِ لِحاجَتِهِ إلى من يَتَعَهَّدُهُ، وعدم استقلاله.
ويخالف الكَفَّارة، حيث يُجْزِئُ فيها إِعْتِاقُ الصَّغِيرِ؛ لأن الوارد هناك لفظ "الرقبة"، والرَّقَبَةُ تشمل الصَّغِيرَ والكَبِيرَ.
واعلم أن لفظ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر" ولمن وَجَبَتْ له الغُرَّةُ ألا يَقْبَلَها دون سَبْعِ سنين أو ثمان، فمن الأصحاب من يُتابِعُهُ في اللفظ، ومنهم من اقْتَصَرَ على أنه لا يُجْبَرُ على قَبُول من سَنُّهُ دون سبع سنين، ولا يتعرض للثمان؛ لأن من هو دون سبع، فهو دون ثَمَانٍ وليست كلمة أو للترديد 6 في أن الذي لا يقبل من نقص عن سبع، أو ثمان بالاتِّفَاق ويمكن أن يُقَالَ: المَقْصُودُ أنه لا يقبل من هو دون سن التَّمْيِيزِ، وسن التمييز سبع أو ثمان، ويختلف باخْتِلاَفِ حَالِ الصِّبْيَانِ، ولا يُجْبَرُ على قبول من بَلَغَ سِنَّ التمييز، ولا تَمْيِيزَ له؛ لأنه مَعِيبٌ، وأَمَّا في طَرَفِ الكِبَرِ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يُؤْخَذُ الغُلاَمُ بعد خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً؛ لأنه لا يدخل على النِّسَاءِ بعد ذلك، ولا الجَارِيَةُ بعد عشرين سَنَةً؛ لأنها تَتَغَيَّرُ 7 وتنقصُ قيمتها بذلك.
ويروى هذا عن ابن أبي هُرَيْرَةَ.
وفي "البيان": أن بعض الأَصْحَابِ جعل الحَدَّ، العِشْرِينَ في الغُلاَمِ، والجَارَيَةِ جميعًا.
والثاني: أنهما يُؤْخَذَانِ، وأن جاوز السِّتِّينَ ما لم يَضْعُفَا، ولم يَخْرُجَا عن الاستقلال بالهَرَمِ؛ لأن كَمالَ المَنْفَعَةِ والقوة إنما يكون بعد الستين.
ونَظْمُ الكتاب يُشْعِرُ بترجيح 1 الأَوَّلِ من الوجهين.
وإليه ذهب أبو الفرج الزَّاز، والقاضي الروياني، وجَمَاعَةٌ، والأصح عند صاحب "التهذيب" الثاني، وبه قال الشيخ أبو حَامِدٍ، والقاضي أبو الطيب وغيرهم، وحَكَوْا ذلك عن النَّصِّ.
الثالثة 2: هل يَتَقَدَّرُ لِلْغُرَّةِ قِيمَةٌ؟ فيه وجهان أَوْرَدَهُمَا في الكتاب:
أحدهما: لا، بل إذا وجدت السَّلاَمَةُ والسن، وَجَبَ القَبُولُ، قَلَّتْ قيمتها أو كَثُرَتْ؛ لإطلاق من لفظ العَبْدِ والأمَةِ في الخَبَرِ.
وأصحهما: الذي أَورَدَهُ المُعْظَمُ أنه ينبغي أن تَبْلُغَ قيمتها نِصْفَ عُشْرِ الدية، وهي خَمْسٌ من الإبِلِ.
روي ذلك عن عُمَرَ، وزَيْدِ بن ثابتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وذكروا أنه لا مُخَالِفَ لهما.
ووَجَّهَ أيضًا بأنه لا سَبِيلَ إلى تكميل الدِّيَةِ؛ لأنه لم تَكّمُلْ له الحَيَاةُ، ولا وَجْهَ للإهدار، فَقُدِّرَ واجِبُهُ بِأَقَلِّ ما ورد الشَّرْعُ بإيجابه في الديات والأروش، وهو خمس من الإبل، أوجبها الشرع في المُوضِحَةِ، وفي السن، واعتذروا عن الأنملة حيث يجب فيها ثَلاَثَةُ وثلث بأن الشرع لم يَرِدْ بذلك في الأَنْمَلَةِ برأسها، ولكن بين ما يجب في الأصبع، فوزع الواجب على أجزائها.
ومهما وجدت الغُرَّةُ بالصفات المعتبرة لم يُجْبِرَ المُستَحِقُّ على قَبُولِ غيرها، كما إذا وجدت الإبِلُ في الدية [الاعْتِياضُ عنها بالتَّرَاضِي كالاعتياض عن إبل الدِّيَةِ] 3، وإذا لم توجد الغرة 4، فطريقان:
أظهرهما: أن فيه قولين:
أصحهما: أنه يجب خَمْسٌ من الإِبِلِ؛ لأنها مُقَدَّرَةٌ بخمس من الإِبِلِ، فإذا فقدت أَخَذَتْ ما هي مُقَدَّرَةٌ به.
ويُروَى ذلك عن زَيْدِ بن ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ 5 -.
ولَأَنَّا لو أَوْجَبْنَا قِيمَةَ الغُرَّةِ، لم نَأْمَنْ أَنْ تَبْلُغَ دية كاملة، وتزيد عليها.
والثاني: أن المَعْدُولَ إليه عند الفَقْدِ القِيمَةُ، كما لو غَصَبَ عَبْدًا، فأَبقَ أو تَلِفَ، ويقال: إن هذا مُخَرَّجٌ من تَقْوِيمِ الإِبِلِ في الدية إذا فقدت، وكذلك حُكِيَ عن الشيخ أبي حَامِدٍ وغيره أنه القول الجَدِيدُ، وأن مُقَابِلَهُ، وهو التقدير بخمس من الإِبِلِ القَدِيمُ، وعن الفَوْرَانِيِّ عَكْسُهُ.
والطريق الثاني: القَطْعُ بوجوب خَمْسٍ من الإِبِلِ، وإذا قلنا به، وفقدت الإبل، فكان 1 كما لو فُقِدَتِ الإبِلُ في الدية، فعلى الجَدِيدِ يجب قِيمَتُها، وعلى القديم يجب خَمْسُونَ دينارًا، أو ستمائة درهم 2.
وقوله في الكتاب: "ودون خمس عشرة" يجوز أن يُعلَمَ لفظ "خمس عشرة" بالواو لِلْوَجْهِ الذي ذكرناه 3 في التَّحْدِيدِ بالعِشْرِينَ في حَقِّ الغُلاَمِ أيضًا.
وقوله: "لأنا عند الفَقْدِ نرجع إلى خمس من الإبِلِ في القول الجديد" يشير إلى بِنَاءِ الوَجْهَيْنِ في أنه هل تُعْتَبَرُ نَفاسَتُهُ بالقيمة؟ على القولين في أنه هل يُرْجَعُ عند العَقْدِ 4 إلى بَدَلٍ 5 مُقَدَّرٍ، وهو متوجّه، وجعل الرجوع إلى خَمْسٍ من الإِبِلِ القول الجديد يوافق ما ذكرناه 6 عن الفَوْرَانِيِّ.
[وذكرنا] 7 أن منهم من يَقُولُ: إنه القول القَدِيمُ، كما أن الرُّجُوع إلى المقدر عند فِقْدانِ الإبِلِ هو القول القديم، وفي الجديد يرجع إلى القِيمَةِ من غير تَقْدِيرٍ، وعلى هذا، فالمسألة مما يرجح فيه القديم؛ لأنهم جعلوا الأظْهَرَ الرُّجُوعَ إلى خمس من الإِبِلِ [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ تُصْرَفُ الغُرَّةُ اِلَى الجَنِينِ وَهُوَ الأُمُّ والعَصَبَةُ، وَتَلْزَمُ عاقِلَةُ الجَانِي إِذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَتْلُ الجَنِينِ عَمْدًا إِذْ لا تُتَيَقَّنُ حَيَاتُهُ بِحَالٍ، وَأَرْشُ أَلَمِ الأُمِّ يَنْدَرجُ تَحْتَ الغُرَّةِ إِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْنٌ، فَإنْ بَقِيَ وَجَبَ حُكُومَةُ الشَّينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية مسألتان:
إحداهما: فيمن يصرف إليه الغُرَّة، وفيمن تُؤْخَذُ منه.
أما من تُصْرَفُ إليه فَوَرَثَةُ الجَنِينِ، فتأخذ الأُمُّ نَصِيبَها إن كانت حَيَّةً عند انْفِصَالِ الجَنِينِ وحرة، والباقي للأب، فإن لم يكن، فلسائر العَصَباتِ.
ولو كان قد مات مورثٌ للجنين، وَوَقَفْنَا له شَيْئًا، فلا يجعل المَالُ المَوْقُوفُ لِوَرَثَةِ الجنين، بل يكون لِوَرَثَةِ ذلك المُوَرّثِ بخلاف الغُرَّةِ، تقدر فيها حياته تَغْلِيظًا على الجاني.
ولو جَنَتِ الحَامِلُ على نفسها بشُرْبِ دَواءٍ وغيره، فلا شَيْءَ لها من الغُرَّةِ المَأْخُوذَةِ من عاقلتها؛ لأنها قَاتِلَةٌ، وإنما هي لسائر وَرَثَةِ الجنين.
وأما من تُؤْخَذُ منه، فالجِنايَةُ على الجنين قد تكون خَطَأً مَحْضًا بأن يقصد غير الحامل فيصيبها، وقد يكون عَمْدَ خَطَأٍ، بأن يَقْصِدُ ضَرْبَها، ويضربها بما لا يُؤَدِّي إلى الإِجْهَاضِ غالبًا، فأَدَّى إليه، ولا يكون عَمْدًا مَحْضًا؛ لأنه لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ وحَيَاتُهُ، حتى يقصد، هذا هو الظَّاهِرُ المَشْهُورُ.
وفي "المهذب" أنه قد يكون عَمْدًا مَحْضًا إذا قصد الإِجْهَاضَ، ونحا 1 صاحب "التهذيب" نحوه.
وذكر ابن الصَّبَّاغِ أن أبا إِسْحَاقَ قال: إنه وإن قَصَدَهَا بالضَّرْبِ يكون خَطَأً في حَقِّ الجنين؛ لأنه لا يباشر بالجناية.
وإذا قلنا بالظاهر، فسواء كانت الجِنايَةُ خَطَأً أو عَمْدَ خَطَأٍ، فالغرة على العاقلة، كما وَرَدَ في الخَبَرِ.
قال في "الشامل": والغرة بَدَلُ نَفْسٍ، فلا يَجِيءُ فيها القَوْلُ القديم فيما دون النفس، لكن في "جمع الجَوَامِعِ" للقاضي الروياني أن بَعْضَهُمْ أَثْبَتَ فيها القَوْلَ 2 القديم في أن ما دُونَ ثلث الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ.
والمذهب الأول.
وإذا فُقِدَتْ الغُرَّةُ، وقلنا بالانْتِقَالِ إلى خَمْسٍ من الإبِلِ، فيغلظ إذا كانتِ الجِنايَةُ عَمْدَ خَطَأً بأن تُؤْخَذُ حِقَّةٌ ونصف وجَذَعَةٌ ونصف، وخَلَفَتَانِ، حُكِيَ ذلك عن الأُسْتَاذِ أبي طَاهِرٍ الرّيَادِيِّ، وتابعه الأَئِمَةُ، ولم يَتَكَلَّمُوا في التَّغْلِيظِ عند وجود الغُرَّةِ، إلا أن الرُّويانِيَّ قال: ينبغي أن يُقَالَ: تجب غُرَّةٌ قيمتها نِصْفُ عُشْر الدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ، وهذا حَسَنٌ.
ويجوز أن يُعْلَمَ؛ لما بينا قوله في الكتاب: "ويلزم عاقِلَة الجَاني" بالواو.
وكذا قوله "إذ لا يُمْكِنُ أن يكون قَتْلُ الجنين عَمْدًا".
وذكر صاحب الكتاب في "الوسيط" أنه لو كان عدد العاقلة لا يَفِي إلا بالنِّصْفِ، فعليهم نِصْفُ قِيمَةِ الغُرَّةِ، لا قيمة نصف الغرة، وبينهما فَرْقٌ، إذ الغُزَّةُ ربما تُسَاوِي أَلْفاً، والنصف يُوجَدُ بأربعمائة، فالوَاجِبُ عليهم نِصْفُ قيمة الكل، وهو خمسمائة.
ولك أَن تقول: نعم بينهما فَرْقٌ، لكن هذا كلام قَلِيلُ النَّوْلِ 1؛ لأن الذي يحمله كُلُّ واحد منهم مَعْلُومٌ مَضْبُوطٌ، وجملة ما يحملونه تَخْتَلِفُ باختلاف عَدَدِهِمْ، فإن لم يَفِ عَدَدُهُمْ إلا بقيمة النِّصْفِ، لم يحملوا أكْثَرَ من قيمة النِّصْفِ، وإن وَفَّى بنصف القيمة أو أكثر، حملوا ذلك.
هذا كُلُّه في الغُرَّةِ.
أَما بَدَلُ الجنين الرَّقِيقِ، فَيُصْرَفُ إلى السَّيِّدِ، وهل يتَحملهُ العَاقِلَةُ؟ فيه القولان المذكوران في بَدَلِ العَبْدِ.
المسألة الثانية: إذا جَنَى على الحامل بقطع طَرَفٍ أو جِرَاحَةٍ أخرى، فأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، يجب مع ضَمانِ الجنين ضَمانُ الجِنايَةِ حُكُومَةً كان أَو أَرْشًا مقدرًا، ويكون ضَمانُ الجِنايَةِ لها.
ولو تأَلَّمَتْ [بالضرب] 2 وألقت الجَنينَ، فإن لم يَبْقَ شَيْنٌ لم يجب لِلألَمِ شَيْءٌ، وإن [بقي] 3 شَيْنٌ، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يَجِبُ مع الغُرَّةِ شَيْءٌ، كما لا يجب لِلألَمِ.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه يجب حُكُومَةُ الشَّيْنِ مع الغرة، كما يجب ضَمَانُ الجِرَاحَةِ.
وقوله: "وأَرْشُ أَلَم الأم يَنْدَرجُ تحت الغُرَّةِ"، وهذه اللفظة إنما تَنْطَبِقُ على قولنا بوجوب الحكومة في الجِرَاحَةِ التي تعقب شَيْنًا، أو نُقْصَانًا.
والمَقْصُودُ أنه لا يَجِبُ مع الغُرَّةِ شَيْءٌ على ما بَيَّنَّا.
"خاتِمَةٌ": إذا سقط "الجَنِينُ مَيّتًا" وادْعَى وَارِثُهُ على إِنْسَانٍ أنه سَقَطَ بِجِنايَتهِ، فأنكر أَهْلَ الجناية، فهو المُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وعلى المُدَّعِي البَيَّنَةُ، ولا تُقْبَلُ فيه إلا شَهَادَةُ الرِّجَالِ.
وإن أَقَرَّ بِالجَنَايَةِ، وأنكر إِسْقَاطَهَا الجَنِينِ وَحَمْلَها، وقال: إِنَّ السَّقْطَ مُلْتَقَطٌ، فكذلك وهو المُصَدَّقُ، وعلى المدعي البَيِّنَةُ، وتقبل فيه شَهادَةُ النساء، فإن الإسْقَاطَ كالوِلاَدَةِ لا يَطَّلِعُ عليه غالبًا إلا النِّسَاءُ.
وإن أَقَرَّ بِالجِنَايَةِ والإسقاط، وأنكر كَوْنَ السُّقُوطِ بسبب الجناية، فينظر: إن أسقطت عَقِيبَ الجِنَايَةِ، فهي المُصَدَّقَةُ باليمين، سواء قال: إنها شَرِبَتْ دَوَاءً، أو ضرب بَطْنَها إِنْسَانٌ آخر، أو قال: حَانَ وَقْتُ وِلاَدَتِهَا، ولذلك انْفَصَلَ الوَلَدُ؛ لأن الجِنايَةَ سبب ظَاهِرٌ في الإسْقَاطِ، والأصل أنه لم يوجد سَبَبٌ آخر، والوِلاَدَةُ قد تَتَقَدَّمُ، وقد تَتأَخَّرُ، فلا يصرف السُّقُوط عن الجِنايَةِ الظاهرة بِأَمْرٍ محتمل.
وإن أَسْقَطَتْ بعد مُضِيِّ مدة في وَقْتِ الجِنَايَةِ، فهو المُصَدَّقُ باليمين؛ لأن الظاهر معه، إلا أن تُقِيمَ بَيِّنَةً على أنها لم تَزَلْ ضَمِنَةً مُتَأَلِّمَةٌ حتى أَسْقَطَتْ.
ولا تُقْبَلُ هذه الشَّهَادَةُ إلا من رَجُلَيْنِ.
وضبط صاحب "التتمة" المدة المُتَخَلِّلَة بما يَزُولُ فيه ألَمُ الجِنَايَةِ.
وأَثَرُها غالبًا.
وإن اتَّفَقَا على أن الجَنِينَ سَقَطَ بجنايته، وقال الجاني: إنه سَقَطَ مَيِّتًا، وقال الوارِثُ: بل حَيًّا، ثم مات، فالواجِب الدِّيَةُ، فعلى الوارِثِ البَيِّنَةُ على ما يَدَّعِيهِ من الحَيَاةِ والاسْتِهْلاَلِ وغيره، ويقبل فيه شَهَادَةُ النساء؛ لأن الاسْتِهْلاَلَ حينئذ لا يَطَّلِعُ عليه إلا النِّسَاءُ غالبًا كالوِلاَدَةِ.
وعن حكايته الرّبيع أنه لا يُقْبَلُ إلا من رَجُلَيْنِ، وإن أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً على ما يقوله، فَبَيِّنَةُ الوارِثِ أوْلَى؛ لأنها تَخْتَصُ بزيادة عِلْمٍ، وهي الحياة.
ولو اتَّفَقا على أنه انْفَصَلَ حيًا بِجنايَتِهِ، وقال الوارِثُ: مات بالجناية، وقال الجاني: بل بِسَبَبٍ آخر، فإن لم يَمْتَدَّ الزَّمَانُ، فالمُصَدَّقُ الوارث بيمينه؛ لأن الجِنايَةَ سَبَبٌ صَالِحٌ، ولم يظهر سَبَبٌ آخر، فكان المَوْتُ مُحَالًا عليه.
وإن امْتَدَّ الزَّمَانُ، فالمُصَدَّقُ الجاني بيمينه، إلا أن يقيم الوارِثُ بَيِّنَةً على أنه لم يَزَلْ مُتأَلِّماً إلى أَن مات.
ولو أَلْقَتْ جَنِينَيْن، وادَّعَى الوَارِثُ حَيَاتَهُمَا، وأنكر الجاني حَياتَهُمَا فأقام 1 الوارث بَيِّنَةً 2 على اسْتِهْلالِ أحدهما.
قال في "التتمة": الشهادة مَسْمُوعَةٌ، ثم إن كانا ذَكَرَيْنِ، فتجب ديَةُ رَجُلٍ وغُرَّةٌ، وإن كانا أنثيين فَدِيَةُ امْرَأَةٍ؛ وغرة، وإن كان أحدهما ذَكَرًا والآخر أُنْثَى، فيوجب
المتيقن (1)، وهو دِيَةُ امرأة وغُرَّةٌ.
ولو سلم الوارث اسْتِهْلاَلَ أَحدهما، وكان أَحدهما ذَكَرًا، والآخر أُنْثَى، فقال الوارث: إنما اسْتَهَلَّ الذَّكَرُ، وقال الجاني: بل الأُنْثَى، فالمُصَدَّقُ بيمينه الجانِي (2)، وَيحْلِفُ على نَفْي العلم باسْتِهْلاَلِ الذَّكَرِ، ويحكم بِدِيَةِ امرأة وغرة فإن صدق الجَانِي الوارِثَ على اسْتِهْلاَلِ الذَّكَرِ، وكذبت العَاقِلَة، فعلى العَاقِلَةِ دِيَةُ أُنثى، وحكومة (3)، والباقي في مَالِ الجَانِي.
ولو أَلْقَتْ جنينين حَيَّيْنِ وَمَاتَا، وماتت الأُمُّ بينهما، ورثت الأمُّ من الأول، ووَرِثَ الثاني من الأُمِّ، فقال وارث الجنينين، ماتت الأُمُّ أوَّلاً، فَوَرِثَها الجَنِينُ، ثم مات الجَنِينُ فورثته، وقال وَارِثُ الأُمِّ: مات الجَنِينُ أوّلاً، وورثت الأُمُّ الوَاجِبَ بالجناية، ثم ماتت، فَوَرِثَتْ مِنها، فإن كان لأحدهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها، وإلا فإن حلف (4) أحدهما ونَكَلَ الآخر حُكِمَ بيمين الحالِفِ، وإن حَلَفَ أو نَكَلاَ لم نورث أَحَدَهُمَا من الآخر؛ لأنه عَمِيَ مَوْتُهُمَا، وما تَرَكَهُ كُلُّ واحدٍ منهما لِوَرَثَتِهِ الأَحْيَاء، والله أعلم.
بَابُ كَفَّارَةِ القَتْلِ
قال الغَزَالِيُّ: كُلُّ حَيٍّ مُلْتَزَمٌ إِذَا قَتَلَ قَتْلاً غَيْرَ مُبَاحٍ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلا إِطْعَامَ عَلَى المَذْهَب، نَعَمْ لَوْ مَاتَ فَفِي كُلِّ يَوْمٍ مُدُّ كَما فِي رَمَضَانَ، فَيَجِبُ الكَفَّارَةُ بِالخَطَأِ وَحَفْرِ البِئْرِ، وَعَلَى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وَلا يَجِبُ فِي قَتْلِ الصَّائِلِ وَمَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ والرَّجْمُ وَلاَ عَلَى حَرْبِيٍّ، وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ حَفَر بئْرًا فَتَرَّدَّى فِيهِ غَيْرُهُ بَعْد مَوْتهِ وَجْهَانِ، إِذْ يَبْعُدُ إِنْشَاءُ عِبَادَةٍ عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ المَوْتِ، وَلا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ نِسَاءِ أَهْلِ الحَرْبِ وَذَرَارِيهِمْ، وَيجِبُ فِي المُعَاهَدِ والمَمْلُوكِ إِذَا قَتلَهُ السَّيِّدُ لِوُجُودِ العِصْمَةِ، وَكَذَا فِي المُسْلِم وإِنْ كانَ فِي دَارِ الحَرْبِ، فَإِذَا رَمَى إِلَى صَفِّ الكُفَّارَ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ فِيهِم مُسْلِمًا فأَصَابَ فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ وَلا دِيَةَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَقْصِدْهُ لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَمَا لَوْ قَصَدَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ الرَّمْيِ فَفِي دِيَتِهِ قَوْلاَنِ إِذَا كَانَ فِي صَفِّ الكُفَّارِ، وَالشَّرِيكُ فِي القَتْلِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ إِذِ العِبَادَةُ لا تَتَجَزَأُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سبق في أوَّلِ الجِرَاحِ أن كَبيرَةَ القَتْلِ يَتَعَلَّقُ بها مع القِصَاصِ، أو الدية الكَفَّارَةُ، وقد يَسَّرَ الله -تَعالى- الفَرَاغَ من الكلام في القِصَاصِ والدِّيَةِ.1234
وأما الكَفَّارَةُ 1 فالأَصْلُ فيها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وعن واثِلَةَ بن الأَسْقَعِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: أتينا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- في صَاحِبٍ لنا قد اسْتَوْجَبَ النَّارَ بالقَتْلِ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعْتِقُوا رَقَبَةً يَعْتِقِ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ" 2.
واعلم أن مَسَائِلَ الباب في الكتاب يَرْتَبِطُ بعضها ببعض ارْتباطًا شَدِيدًا، لا يَحْسُنُ حَلُّ رَوابِطِها إلا بعد الوُقُوفِ على فِقْهِهَا.
والباب خَفِيفُ المُؤْنَةِ في نفسه، فَرَأَيْتُ أن آتى بمسائله جَمَّةً 3 في فصل، وأَعُود إلى ما يَتَعَلَّقِ بِنَظْمِ الكتاب، وحلّه في فصل آخر.
أما الفصل الأول، فالكَلاَمُ على ما رتَّبَ في "الوسيط" في الواجب والمُوجِبِ.
أما الواجب فَكَفَّارَةُ القَتْل مرتبة، فعليه إِعْتاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فإن لم يجد فصيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ بالنص، فإن 4 لم يَسْتطِعْ، فهل عليه إِطْعَامُ ستين مسكينًا؟ فيه قولان:
وقال القَفَّالُ في "شرح التلخيص": وجهان، وأنكر على صاحب "التلخيص" رِوايَةَ القولين:
أحدهما: أنه يَجِبُ؛ لأنها كَفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ على الإعْتاقِ، وعلى صيام شهرين مُتَتابِعَيْنِ، فأشبهت كَفَّارَةَ الظِّهَارِ والوِقاعِ في [نهار] 5 رمضان.
وأيضًا فإن الإطْعَامَ مَذْكُورٌ في آية الظِّهَارِ، فتحمل كَفَّارَةُ القَتْلِ عليها، كما أن الرَّقبةَ في آية القَتْلِ لما كانت مُقَيَّدَةً بالإيمان حَمَلْنا الرَّقَبَةَ المطلقة في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عليها.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن الآية لم تَتَعَرَّضْ إلا للإعتاق والصِّيَام، فلا يُلْحَقُ بهما خَصْلَةٌ ثالِثَةٌ، كما أن آيَةَ الظِّهَارِ لما كان فيها ذِكْرُ الخِصَالِ الثلاث لمَ تَرِدْ عليها خَصْلَةُ رابِعَةٌ.
وإنما اعتبرنا الاِيمانَ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ؛ لأن الرَّقَبَةَ المذكورة في الآيَتَيْنِ مُطْلِقَةٌ في إحداهما، ومُقَيَّدَةٌ في الأخرى، فحملنا الإِطْلاَقَ على التَّقْيِيدِ، والإطعام مَسْكُونٌ 1 عن أَصْلِهِ في إحداهما، والمسكوت 2 لا يحمل على المذْكُورِ، كما أن الله -تعالى- نَصَّ في آية التيمُّم على عُضْوَيْنِ، وسكت عن عُضْوَيْنِ، ونصَّ في آية الوُضُوءِ على أربعة أَعْضَاء، فلم تُحْمَلْ آية التيمم على آية الوُضُوءِ وعلى هذا فقد ذكرها هنا، وفي "الوسيط" أنه لو مات قبل أن يَصُومَ يخرج من تَرِكَتِهِ لكل يَوْمٍ مُدلا بطريق البَدَلِيَّةِ، بل كما تخرج الفِدْيَةُ إذا فات صَوْمُ رمضان.
والقول في صِفَةِ الرَّقَبةِ، والصيام، وكيفية الإِطْعَامِ إن أَوْجَبْنَاهُ 3، وما يجوز
......................... = عليه أن يستأنف الشهرين، ويلغي ما صَامَهُ.
ولا خلاف بينهم أيضًا في أنَّ التتابع لا ينقطع بالحيض متى باشرت المرأة الصوم عقب الطهر، ولم يفصل ذلك بفاصل؛ لأن الْحَيْض لا يمكن التحرز منه في أثناء الشهرين.
إلا إذا أخرت الصوم إلى سن اليأس، وفي تأخيره إلى هذا الوقت خطر، وعزر؛ لأنها ربما تموت قبل ذلك.
واختلفوا في أمور منها:
أولًا: إذا تخلل صوم الكفَّارة شهر رمضان، فهل صوم رمضان يقطع التتابع، أو لا يقطعه، فيبنى على ما صامه من الكفَّارة؟
فمذهب الشافعية، والحنفية، والظاهرية أن التتابع ينقطع بذلك، وعليه أن يستأنف؛ لأنه قد ترك التتابع لغير عذر إذ كان في استطاعته أن يصوم شهرين ليس بينهما رمضان خصوصًا وأن الكفَّارة لم تجب على الفور، ولا يصح أن يَنْوِي برمضان الكفَّارة؛ لأن الزمن متعين لغيرها، والمتعين لا يقبل غيره.
ومذهب الحنابلة: أن التتابع لا ينقطع بذلك علم بأن رمضان يتخلل صوم الكفَّارة، أم لم يعلم بذلك لأنه زمن منع الشرع من صومه عن الكفَّارة، فلا يقطع التتابع كزمن الحيض، وبالنفاس.
وهذا ما لم يَنْوِ بِرَمَضَانِ صَوْمَ الكفَّارة، وإلا انقطع التتابع، ولا يجزيه عن رمضان، ولا عن الكفَّارة
أمّا أنه لا يجزه عن الكفَّارة؛ فلأن الزمن متعين لغيرها، ولا يقبل غير ما عين له.
وأما أنه لم يجزه عن رمضان؛ فلأنه لم يَنْوِ، وإنما نوى غيره، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنياتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
ومذهب المالكية إن جهل تخلل رمضان لصوم الكفَّارة لم ينقطع التتابع بذلك؛ لعذره بالجهل، وإن علم بذلك انقطع تتابعه؛ لأنه كان في وسعه أن يؤخر الصوم إلى زمن لا يعترضه رمضان، والكفارة ليست واجبة على الفور، حتى يعذر بذلك، ولا يجزيه صوم رمضان عن الكفَّارة سواء نوى الكفَّارة وحدها، أو أشركها مع رمضان؛ لأن الزمن متعين لغيرها.
هذه أدلة العلماء ومذاهبهم.
ونحن إذا نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ نجد أن الحق مع من قال: "إن رمضان يقطع التتابع ما لم يكن هناك جهل يعذر به" لأن التتابع معناه سرد الأيام بعضها تلو بعض، فلو فصل بينها فاصل انقطع التتابع.
هذا هو الأصل، ولكن خولف هذا الأصل في الأشياء التي يعذر بها شرعًا ولا يمكن التحرز عنها.
ثانيًا: تخلل المرض
إذا عرض للمكفر بالصوم مرض لا يستطيع معه الصوم فأفطر لذلك فهل ينقطع تتابعه ويلغي ما صامه ويستأنف صوم الشهرين من جديد أو لا ينقطع تتابعه ويبني على ما فات بعد مرضه؟
ذهبت الحنفية والظاهرية والشافعية في الجديد من مذهبهم إلى أن التتابع ينقطع بالمرض لأنه غير مناف للصوم.
وقد أفطر باختياره فانقطع تتابعه كما لو أجهده الصوم فأفطر لذلك.
وذهبت الحنابلة إلى أن الفطر للمرض المبيح له سواء كان مخوفًا أم غير مخوف لا يقطع التتابع قولًا واحدًا في المخوف وعلى الراجح في غيره.
لأنه فطر بسبب لا صنع له فيه فلا يقطع التتابع كفطر المرأة بالحيض.
وفصل المالكية فقالوا إن أدخل المرض على نفسه بسبب من الأسباب الاختيارية فأفطر لذلك =
......................... = انقطع تتابعه لأنه يشبه الفطر اختيارًا من غير عذر وإن لم يدخله على نفسه، بل عرض له ذلك بقوة قاهرة لم ينقطع تتابعه بذلك.
لأن فطره بسبب لا صنع له فيه فأشبه الفطر لأجل الحيض.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن القول بالتفصيل هو الراجح لقوة مدركة.
ولأن المرض قهري ولا يمكن التحرز عنه ولا دخل له فيه حتى يؤاخذ به.
بخلاف ما إذا كان بسبب منه فإنه يجب أن يعامل بنقيض قصده.
ثالثًا: تخلل السفر:
إذا تخلل صوم الكفَّارة فطر لأجل السفر المبيح للفطر، فهل ينقطع التتابع بذلك أو لا ينقطع؟
للشافعية طريقتان في ذلك: طريقة تحكي قولين عن الشَّافعي، وطريقة تحكي قولاً واحدًا.
فالطريقة التي تحكي قولين: قول بأن السفر يقطع التتابع والقول الثاني أن السفر لا يقطعه.
والطريقة التي تحكي قولاً واحدًا: فهو القطع، وهو معتمد المذهب لأن الفطر لأجل السفر فطر بسبب اختياري فكان فطرًا لغير عذر.
وأظهر القولين من مذهب الحنابلة أنه لا يقطع التتابع لأنه فطر بسبب مبيح للفطر، فكان كالفطر لأجل الحيض.
ومذهب الحنفية والمالكية أن التتابع ينقطع بذلك لأن فطر بسبب جاء من جهته واختياره، فأشبه الفطر لغير عذر.
هذه هي مذاهب القوم وأدلتهم، وبالنظر في وجهة كل نجد أن الحق مع من يقول بأن السفر يقطع التتابع ولكن ليس على إطلاقه، بل ينبغي أن يفصل في سبب السفر هل هو اضطراري أو اختياري فإن كان اضطراريًا وجب ألا ينقطع التتابع، وأما إذا كان اختياريًا وجب أن التتابع ينقطع؛ لأن ذلك يحقق ما شرعت له الكفَّارة من الزجر والتشديد حتى يحتاط الناس في أمورهم، ولا يندفعوا في أعمالهم من غير تفكير وروية.
هل المعتبر في صيام الشهرين الهلال أو تكملة العدد ستين يومًا؟
لا نعلم خلافًا بين الفقهاء في أن من صيام شهرين متتابعين معتمدًا في ذلك على رؤية الهلال فيهما كفاه ذلك عما وجب عليه من الصوم سواء كان الشهران ستين يومًا أم تسعة وخمسين أم ثمانية وخمسين.
لأن بفعله هذا قد صام شهرين متتابعين والله يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ والشهر كما يكون ثلاثين يومًا يكون تسعة وعشرين لقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة.
صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليهم فاقدروا ثلاثين".
ولكن الذي نعلمه أنهم مختلفون فيما إذا ابتدأ الصيام الواجب عليه بعد أن مضى من الشهر بعضه.
فهل يصوم الشهر الثاني معتمدًا في ذلك على رؤية الهلال ويكمل الشهر الأول ثلاثين يومًا من الشهر الثالث ويجزيه ذلك سواء كان الشهر الذي صامه بالهلال ثلاثين يومًا أم أقل من ذلك أو يكمل الأول من الثاني، والثاني من الثالث حتى يتم العدد ستين يومًا؟
فقالت الشافعية والمالكية والحنابلة يكمل الأول من الثالث، ويصوم الشهر الثاني بالهلال كيفما اتفق لأن الأصل في اعتبار الشهور الشرعية الاهلَّة قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فإذا تعذر ذلك الأصل في الشهر الذي ابتدأ فيه الصوم لصومه في أثنائه ألغي اعتبار الهلال فيه، ورجعنا إلى ما يقوم مقامه وهو تكملة العدد ثلاثين بخلاف الشهر الثاني =
النُّزُولُ به من 1 دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ على ما مَرَّ في الكتاب.
وأما المُوجِبُ فَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ فيه بثلاثة أمور:
أحدها: القَتْلُ، وفيه مسائل:
إحداها: القَتْلُ العَمْدُ، وشِبْهُ العَمْدِ يُوجِبَانِ الكَفَّارَةَ كَالخَطَأِ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك: لا كَفَّارَةَ في العَمْدِ، واختاره ابن المُنْذِرِ.
وعن أحمد روايتان كالمَذْهَبَيْنِ 2. = فإن الأصل متحقق فيه، فلا يعدل عنه إلى غيره.
وقالت الحنفية يكمل الأول من الثاني، والثاني من الثالث حتى يتم العدد سين يومًا ولهم قول كالأول ووجهتهم أنه لما فات اعتبار الشهر الأول بالهلال لوجود الصم في أثنائه فات اعتبار الشهر الثاني كذلك، فيكمل الأول من الثاني فلم يبق إلا أن يرجح إلى التقدير بالعدد وذلك مقولة يومًا.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن الراجح مذهب غير الحنفية؛ لأن الشارع أمرنا بصيام شهرين.
والشهور إذا أطلقت في لسان الشرع تنصرف إلى الهلالية فقط، فالواجب حينئذ في الكفَّارة صيام شهرين هلاليين فإذا تعذر اعتبار الهلال في أحد الشهرين احتجنا لتكميله ثلاثين من الثالث.
ولا يقتضي هذا إلغاء الهلال في الشهر الثاني لأنه خروج عما اعتبره الشارع بدون مقتض.
واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بخبر وَاثِلَةَ، فإن اسْتِيجَابَ النَّارَ إنما يكون عند التَّعَمُّدِ، وبأنه قَتْلُ آدَمِيٍّ يوجب الضَّمَانَ، فيوجب الكَفَّارَةَ كالخَطَأِ، وبأن الكَفَّارَةَ لِلْجَبْرِ وإصْلاَحِ الحال، والعامد أَحْوَجُ إليه، وصار كما في جَزاءِ الصَّيْدِ، يستوي فيه العَامِدُ والمُخْطِئُ.
وخِلاَفُ أبي حنيفة في العَمْدِ الذي يوجب القِصَاصَ، واختلف أصحابه فيما لا يُوجِبُ كَقَتْلِ الوَالِدِ وَلَدَهُ، والسيد عَبْدَهُ، وحَكَى القاضي الروياني فيما إذا اقتصَّ من المُتَعَمَّدِ، هل تَجِبُ الكَفَّارَةُ في مَالِهِ؟ وَجْهَيْنِ عن رِوايَةِ أبي عَلِيٍّ بن أبي هُرَيْرَةَ، والطَّبَرِيِّ.
أصحهما: الوجوب؛ لأن حُقُوقَ الله -تعالى- الواجِبَةَ في المال لا تَسْقُطُ بالموت.
= تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ...﴾ الآية.
ووجه الاستدلال: أن شبه العمد فيه خطأ من وجه، فكان داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ...﴾ الآية.
فيجب فيه ما يجب في الخطأ.
ويرد هذا الاستدلال بأن شبه العمد مغاير للعمد كما هو مغاير للخطأ، والآية لم يذكر فيها إلا الخطأ، كما أن الآية الثانية لم يذكر فيها إلا العمد، فكان مقتضى الاستدلال على عدم وجوب الكفَّارة في القتل عمدًا بالآية السابقة عدم وجوبها أيضًا في شبه العمد، وإلا كان ذلك زيادة على النص، كما يقولون.
وإثباتهم الكفَّارة في شبه العمد ظهر أنه بالقياس على الخطأ لوجود ما يجمعها، فيجب القول بثبوتها كذلك في القتل عمدًا بالقياس على القتل خطأ، لاشتراكهما معًا في جنس القتل، ولا يفيدهم القول بأن الكفارات لا تثبت بالقياس بعد ما ثَبَتَ من قولهم به ثبوت الكفَّارة في شبه العمد، وبعد ما ظهر أن ذلك بالقياس على الخطأ.
واستدل الشَّافِعِيَّةُ على وجوبها في غير الخطأ بما رواه أحمد، وأبو داود، والنِّسَائِي عن وَائِلَةَ بن الأَسْقَع قال: أتينا رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي صَاحِبٍ لَنَا أَوْجَبَ "يَعْنِي النَّارَ بِالْقَتْلِ" فَقَالَ: "أَعْتِقُوا عَنْهُ يَعْتِقُ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنهُ مِنَ النَّارِ".
ووجه الدلالة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ السائلين بأن يعتقوا رَقَبَةً عمن مات، وقد استحق النار بالقتل، ومعلوم أن الذي يستحق النار بالقتل هو من قتل قتلاً عمدًا، أو شبه عمد؛ لأن القاتل خطأ لا يستحق النار بالقتل اتفاقًا لعذره بالخطأ مصداقًا لقوله عليه الصلاة والسلام: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ، والنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" والأمر للوجوب، فكانت الكفَّارة في غير الخطأ واجبة، وبذلك يكون هذا الحديث مبينًا أن المذكور في الآية المتعلقة بالقتل العمد ليس هو كل جزاء القاتل، بل يكون هذا جزاءه إن لم يخرج الكفَّارة، وإذا كانت الكفَّارة ثابتة في الخطأ مع أنه لا إثم فيه، فلا شك أن ثبوتها في القتل العمد من باب أولى، لأن الكفَّارة شأنها أن تكفر، وتستر ما وقع من ذنب أو خطيئة، وذلك في العمد متحقق بأجلى معانيه؛ لأن الإثم فيه عظيم، والجرم فيه كبير.
ومما تقدم يظهر لنا رجحان مذهب الشافعية؛ لان دليلهم لم يرد عليه ما ورد على غيره من مناقشات تجعله غير صالح للاستدلال به، ولكن ينبغي أن يفصل بين من اقتص منه، فلا تجب عليه كفارة؛ لأن القصاص نفسه كفارة، كما تقدم في مبحث "الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ" وبين من لم يقتص منه فتجب عليه، ويؤيد هذا الحديث المذكور عن واثلة بن الأسقع.
والثاني: تَسْقُطُ؛ لأنه سلم نَفْسَهُ قِصاصًا مما اسْتَوْفَاهُ، فيكتفي 1 بها، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "القَتْلُ كَفَّارَةٌ" 2.
فعلى هذا إنما يَجِبُ إِخْراجُ الكَفَّارَةِ إذا لم يُقْتَصَّ منه، بأن مات، أو عُفِيَ عنه.
الثانية 3: القَتْلُ بالمُباشَرَةِ، كالقَتْلِ بالتَّسَبُّب يستويان في تَعلِيقِ الكَفَّارَةِ بهما، كما يستويان في وُجُوب الضَّمَانِ، حتى تجب الكَفَّارَةُ على حَافِرِ البِئْرِ في مكان التَّعَدِّي وعلى من نَصَبَ شَبَكَةً، فَهَلَكَ بها إِنْسَانٌ، وعلى المُكْره وشَاهِدِ الزُّورِ.
وقال أبو حَنيفَةَ: لا تجب الكَفَّارَةُ بالقتل بالتَّسَبُّبِ.
وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخِلاَفُ فيما إذا ضرب بطن 4 حَامِلٍ، فأَلْقَتْ جنينًا مَيّتًا، هل تلزمه الكَفَّارَةُ؟ فعنده لا تَلْزَمُ.
واحتج الأصحاب عليه بما رُوِيَ أن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صَاحَ بامْرَأَةٍ، فأَسْقَطَتِ الجَنِينِ، فأعْتَقَ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- غُرَّةً، وبأنه شخص يضمن بالجنايَةِ للآدمي، فيضمن بالكَفَّارَةِ كالمَوْلُودِ.
الثالثة: القَتْلُ المُبَاحُ لا يوجب الكَفَّارَةَ، وذلك كَقَتْلِ مُسْتَحِقِّ القِصَاصِ الجَانِيَ، وكقتل الصَّائِلِ والبَاغِي.
ويعني بالمُبَاح ما رُخِّصَ فيه، ومُكِّنَ منه.
والخَطَأُ لا يُوصَفُ بكونه مُبَاحًا، كما لا يُوصَفُ بكونه حَرَامًا، بل المُخْطِئُ غير مُكَلَّفٍ فيما هو مخطئ فيه.
والثاني: القَاتِلُ، وفيه مسائل:
إحداها: تجب الكَفَّارَةُ على الذِّمِّيِّ والعَبْدِ، كما يَتَعَلَّقُ بقتلهما القِصَاصُ والضَّمانُ، وفي مال الصبي والمَجْنُونِ إذا قَتَلاَ 5 أيضًا ولا تجب عليهما الكَفَّارَةُ بالوِقاَعِ
في نَهارِ رَمَضانَ؛ لأنه لا تَعَدَّي منهما، والتَّعَدِّي شَرْطٌ في وجوب تلك الكَفَّارَةِ.
وإذا وجبت الكَفَّارَة على الصبي والمَجْنُونِ، أَعْتَقَ الوَلِيُّ من مالهما، كما يُخْرِجُ الزَّكَاةَ والفِطْرَةَ، ولا يصوم منهما بِحَالٍ.
ولو صام الصَّبَيُّ في صِغَرِهِ فهل يُعْتَدُّ به؟ فيه وجهان؛ بناء على ما لو قَضَى في الصِّغَرِ حَجَّتَةهُ التي أفسدها 1، هل يُعتَدُّ به؟ فيه وجهان، أو قولان.
وإذا جعلنا الإِطْعَامَ في هذه الكَفَّارَةِ مَدْخَلًا، فيطعم الوَلِيُّ إن كانا من أهْلِ الإطْعَامِ، وينبغي أن يقال: إذا اعْتَدَدْنَا بِصَوْمِ الصبي في الصِّغَرِ، فلا يجوز العُدُولُ إلى الإِطْعَامِ، وإلا فيجوز كما في المَجْنُونِ.
ولو أَعْتَقَ الوَلِيُّ من مال نَفْسِهِ عنهما، أو أطعم، قال في، "التهذيب": يجوز ذلك إن كان الوَلِيُّ أَبًا أو جَدًّا فكأنه 2 ملكهما، ثم نَابَ عنهما في الإِعْتاقِ والإطعام.
وإن كان وَصِيًّا أو قَيِّمًا لم يَجُزْ حتى يَقْبَلَ القاضي التَّمْلِيكَ، ثم يعتق عنهما القَيِّمُ أو يُطْعِمُ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا تجب الكَفَّارَةُ على الصَّبِيِّ والمجنون، ولا على الذِّمِّيِّ، ولا [على] 3 العَبْدِ، ولا تجب الكَفَّارَةُ على الحَرْبِيِّ؛ لأنه غير مُلْتَزِمٍ.
الثانية: هل تجب الكَفَّارَةُ على من قَتَلَ نَفْسَهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا [تجب] 4، كما لا يجب الضَّمَانُ.
وأصحهما: أنها تَجِبُ، وتخرج من تَرِكَتِهِ؛ لأنه مَعْصُومٌ كغيره، ويحرم عليه قَتْلُ نفسه، كما يَحْرُمُ على 5 غيره قَتْلُهُ.
وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخِلاَفُ فيما إذا حَفَرَ بِئْرًا في مَحَلِّ عدوان، فَتَرَدَّى فيها بعد مَوْتِهِ إنْسَانٌ، هلِ تجب الكَفَّارَةُ؟ ووجه المنع في الصورتين بأن في الكَفَّارَةِ معنى العِبَادَةِ، ويبعد أن يَنْشَأَ إِيجَابُ العِبَادَةِ على المَيِّتِ.
الثالثة: في الشُّرَكاءِ في القَتْلِ وجهان:
أحدهما: أنه يجب على جميعهم كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، كما أن الشُّرَكَاءَ في قَتْلِ الصيد يَلْزَمُهُمْ جَزَاءٌ واحِدٌ، وقد يُعَدُّ هذا قَوْلاً، ويُنسَبُ إلى رواية أبي عَلِيٍّ الطبري.
والأصح: أنه يجب على كُلِّ واحد كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، ووُجِّهَ بأن الكَفَّارَةَ لا تَتَبَعَّضُ،
ألا ترى أنها لا تَنْقَسِمُ على الأَطْرَافِ، وما لا يَتَبَعَّضُ إذا اشترك الجَماعَةُ في سببه، وَجَبَ على كُلِّ واحد بكَمَالِهِ كالقِصَاصِ، وبأن فيها معنى العِبادَةِ، والعِبادَةُ الواحِدَةُ لا تَتَوَزَّعُ على الجَماعَةِ.
وأما المَقْتُولُ، فالشرط فيه أن يكون آدَمِيًّا مَعْصُومًا بأَمَانٍ، أو إِيمَانٍ، وفيه مسألتان:
إحداهما: تجب الكَفَّارَةُ بِقَتلِ العاقل، والمجنون، والصَّبِيِّ، والبالغ، والمسلم، والذِّمِّيِّ، والحُرِّ، والعَبْدِ، حتى يجب على السَّيِّدِ في قَتلِ عَبْدِهِ لِحَقِّ الله -تعالى- بخلاف القِصَاصِ 1، فإنه إذا وَجَبَ وَجَبَ للسَّيِّدِ.
وعن مالك أنها لا تجب بقتل الذمي، ولا بقتل العَبْدِ، ويُرْوَى عنه أنها لا تجب على السيد في قَتْلِ عَبْدِهِ خاصَّةً.
قال الرُّويانِيُّ: ولا يَصِحُّ ذلك عنه، واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 92] وَبِإطْلاَقِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً...﴾ [النساء: 92] الآية.
فإنه يشمل الحِرَّ والعَبْدَ، ولا تجب الكَفَّارَةُ بِقَتْلِ الحَرْبيِّ، فإنا مَأْمُورُونَ بِقَتْلِهِ، ولا يقتل المُرْتَدِّ، فإنه مُهدَرٌ مُرَاقُ الدَّمِ، إلا أنه فُوِّضَ قَتْلُهُ إلى رَأيٍ مُعَيَّنٍ لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهُ.
وبمثله أَجَابُوا في قَاطِع الطريق.
والزاني 2 المُحْصَنُ، ولم يُورِدُوا فيه خِلاَفًا، لكن قد سَبَقَ ذِكْرُ خلاف في القِصَاصِ، ولا يَبْعُدُ مَجِيئُهُ في الكَفَّارَةِ، ولا تجب بِقَتْلِ نساء أهل الحَرْب 3 وذَرارِيهِمْ.
إن كان قَتْلُهُم مُحَرَّمًا؛ لأن المَنْعَ من قتلهم ليس لحُرْمَتِهِم ورِعايَةِ مَصْلَحَتَهِمْ، ولذلك لا يَتَعَلَّقُ به ضَمَانٌ، وإنما هو لِمَصْلَحَةِ المسلمين حتى لا يَفُوتَهُمُ الارْتِفَاقُ بهم.
والثانية: إذا قتل مُسْلِمًا في دار الحرْبِ، وجبت الكَفَّارَةُ بكل حَالٍ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] المعنى على ما نَقَلَ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَّ اللهُ عَنْهُ- وغيره: وإن كان في قَوْم عَدُوٍّ لكم، فأما القصاص والدية، فإن ظَنُّهُ القَاتِلُ كافرًا؛ لكونه على زِيِّ أهل الشِّرْكِ، فلا قِصَاصَ، وفي الدِّيَةِ قولان، قد سبق ذلك في الجِرَاحِ وإلا فأحسن ترتيب فيه ما أَورَدَهُ في "التهذيب"، وهو أنه إن عَرَفَ مَكانَهُ، فهو كما لو قَتَلَهُ في دارِ الإِسلام، حتى إذا قَصَدَ قَتْلَهَ يجب القِصَاصُ أو الدية المُغَلَّظَةُ في مَالِهِ مع الكفَّارة.
وإذا قَصَدَ غَيْرَهُ فأَصَابَة، يجب الدِّيَةُ المُخَفَّفَةُ 1 على العَاقِلَةِ مع الكَفَّارَةِ، وإن لم يَعْرِفْ مكانه، ورَمَى سَهْمًا إلى صَفِّ الكُفَّارِ في دَارِ الحَرْبِ، سواء عرف أن في الدَّارِ مسلمًا، أو لم يعرف، فَيُنْظَرُ إن رَمَى ولم يُعَيِّنْ شخصًا، أو عَيَّنَ كافرًا فَأَخْطأَ، وأصاب المُسْلِمَ، فلا قِصاصَ ولا دِيَةَ.
وكذا لو قَتَلَهُ في بَيانٍ أو غارَةٍ، ولم يعرف وإن عَيَّنَ شخصًا، فأَصَابَهُ، فإذا هو مسلم فلا قِصَاصَ، وفي الدِّيَةِ قولان:
أحدهما: تجب؛ لأنه قَصَدَ قَتْلَهُ.
والثاني: المَنعُ؛ لأنه جاهِلٌ بحاله 2، فأَشْبَهَ ما لو لم يُعَيِّنْ شخصًا، ويشبه أن يكون هَذَانِ القولانِ هما القَوْلاَنِ المذكوران فيما إذا قَتَلَ مَن ظَنَّهُ كَافِرًا؛ لكونه على زِيِّ أَهْلِ الشرك؛ لأن كونه مع الكُفَّارِ في صَفِّ القتال يُغَلِّبُ على الظن كَونُهُ كَافِرًا.
وقد سَبَقَ أن الأَظْهَرَ منهما أنه لا تَجِبُ الدِّيَةُ، قال: ولو دَخَلَ الكُفَّارُ دار الإِسلام، فَرَمَى إلى صَفَّهِمْ، فأَصَابَ مسلمًا، فهو كما لو رَمَى إلى صَفِّهِمْ في دار الحَرْبِ، فهذا ما سَاقَهُ.
وأما صاحب الكتاب، فإنه نَقَل الحُكْمَ في الدِّيَةِ على وَجْهٍ آخر، فقال: إن لم يعلم أن فيهم مسلمًا لم تَجِبِ الدِّيَةُ قَطْعًا.
وإن عَلِمَ أن فيهم مسلمًا ولم يَقْصِدْهُ، ولكن قصد كَافِرًا، فَأَصَابَهُ، ففيه طريقان:
أحدهما: القَطْعُ بوجوب الدِّيَةِ، ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ.
والثاني: عن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ أنه على قولين، كما إذا قَصَدَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ، ظَنَّهُ كافرًا؛ لكونه على زِيِّ الكُفَّارِ، وكان قد أَسْلَمَ من قَبْلُ، وبقي على زِيِّهِمْ.
والطريقة الأُولَى أَقْرَبُ.
وقد يقال: القَطْعُ بوجوب الدِّيَةِ فيما إذا قَصَدَ الشَّخْصَ بِعَيْنِهِ، فَبَانَ مُسْلِمًا، أَوْلَى من القَطْعِ فيما إذا قَصَدَ غيره، فأَصَابَهُ [والله أعلم].
الفصل الثاني: فيما يَتَعَلَّقُ بِنَظمٍ الكتاب وحَلِّهِ.
قوله: "كل حَيّ" قصد به الاحْتِرازِ عما إذا قَتَلَ نَفْسَهُ، وعما 3 إذا حَفَرَ بِئْرًا، فَتَرَدَّى فيها غَيْرُهُ بعد موته [إنسان] 4، وقد ذكرنا الخِلاَفَ فيهما.
واخْتِيارُ الإِمامِ أنه لا تجب الكَفَّارَةُ.
وقوله: "ملتزم" احْتَرَزَ به عن الحَرْبِيِّ.
وقوله: "غير مُبَاح"، يخرج عنه قَتْلُ الصَّائِلِ والبَاغِي، وقَتْلُ مُسْتَحِقِّ القِصاص الجانِيَ.
وقوله: "آدَمِيًّا" يخرج عنه البَهَائِمُ، ويدخل فيه الجَنِينُ.
وقوله: "مَعْصُومًا" يعني بالأَمَانِ، أو الإيمان على ما تبَيَّنَ.
وقوله: "حفر البِئْر" مُعْلَمٌ بالحاء.
وكذا قوله: "على الصَّبِيِّ والمجنون".
وقوله: "ومن عليه القِصَاصُ"، يعني إذا قتله المستحق [فأما إذا قتله غَيره] 1، فتجب الكَفَّارَةُ عليه، ومن عليه الرَّجْمُ، وهو الزَّانِي المُحْصَنُ لا كَفَّارَةَ على من قَتَلَهُ من الناس على ما سَبَقَ، فكان الأَوْلَى أن يُؤَخِّرَ الكَلاَمَ في قَتْلِ الصائل، ومن عليه القِصَاصُ والرَّجْمُ عن قَتْلِ الحربي وقَتْلِ النَّفْسِ.
ومسألة 2 التَّرَدِّي بعد مَوْتِ الحَافِرِ؛ لتكون المسائل المتعلقة بطرف القاتل مَجْمُوعَةً، والمُتَعَلِّقَةُ بطرف المَقْتُولِ مَجْمُوعة.
وقوله: "ويجب في المُعَاهَدِ والمَمْلُوكِ"، يجوز أن يُعْلَمَ بالميم.
وقوله: "إذا قَتَلَهُ السَّيد"، كأنه يقول: وإن قَتَلَهُ السَّيد.
وإذا تَبَيَّنَ وُجُوبُ الكَفَّارَةِ على السيد بِقَتْلِ عَبْدِهِ، فغير السيد أَوْلَى بالوجوب.
وقوله: "وكذا في المُسْلِمِ، وإن كان في دَارِ الحَرْبِ"، يشير به إلى [أن] كونه في دَارِ الحرب، وتركه الهِجْرَةَ لا يمنع وُجُوبَ الكَفَّارَةِ، وإنَ كان مُقَصِّرًا به، ولا فَرْقَ عندنا بين من خَرَجَ من دارِ الإِسلام إلى دَارِ الحرب، وبين من أَسْلَمَ ولم يَخْرُجْ إلى دار الإِسلام.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: إن أَسْلَمَ ولم يخرج إِلَيْنَا، فلا دِيَةَ، وتجب الكَفَّارَةُ، وإن خَرَجَ مُسْلِمٌ إليهم، فإن كان في صَفِّ المشركين، فَقُتِلَ، فلا دِيَةَ ولا كَفَّارَةَ، وإِلاَّ فيجبان.
وإن قُتِلَ أَسِيرٌ، فلا دِيَةَ، وتجب الكَفَّارَةُ.
وعند مالك: تجب الدية والكَفَّارَةُ بكل حَالٍ، ويجوز أن يُعْلَمَ لما ذكرنا.
قوله: "وإن كان في دَارِ الحَرْب" بالحاء؛ لأنه قد لا يوجب [الكفَّارة] 3 إذا كان في دَارِ الحرب.
وقوله: "ولا دِيَة" بالميم.
وقوله: "إذا كان في صَفِّ الكُفَّارِ" صُورَةُ القولين، ما إذا ظَنَّ كَوْنَهُ كَافِرًا على ما مَرَّ، وكَوْنُهُ في صَفِّ الكفار طَرِيقٌ في إِثَارَةِ الظَّنِّ بكونه كَافِرًا، فكأنه 1 وضع ذلك مَوْضِعَ قوله: "إذا ظنَّ كونه كَافِرًا".
ومسألة الشَّرِيكِ في القَتْلِ لو ذكرها مع الصُّورَةِ المتعلقة بطرف 2 القاتل كان أَحْسَنَ [وَأَوْلَى]، والله أعلم [بالصواب] 3.
تم الجزء العاشر، ويليه الجزء الحادي عشر
وأوله: "كتاب دعوى الدم"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ