كِتَابُ الوَدِيعةِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحَقِيقَتُهَا اسْتِنَابَةٌ في حِفْظِ المَالِ، وَأَرْكَانهَا كَأَرْكَانِ الوِكَالَةِ، وَصِيغَتُهَا كَصِيغَتِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: استأنس العلماء في الباب بقوله تعالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وبقوله تعالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] وبما روِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" 1. والوديعةُ: هي المالُ الموضوعُ عند الغيْر؛ ليحفظه 2، والجَمْعُ "الودائع"، واستودعه الوديعة، أي: استحْفَظَهُ إياها.
وعن الكسائي -رحمه الله تعالى- يقال: "أودعْتُهُ كذا، إذا دفَعْتُ إليه الوديعة، وأودعته كذا، إذا دَفَعَ إليك الوديعةَ، [فقبلتها] فهي من أسماء الأضداد، والمشهورُ في الاستعمال المعنَى الأول، وقد ذكر أنَّ اللَّفْظ مشتقٌّ من الدعة، وهي الحفظ والرَّاحَةُ، ويقال: وَدَعَ الرجلُ، فهو وديعٌ ووادع؛ لأنَّها في دَعَةٍ عند المودَع، لا تبدَّل ولا
الجزء: 7 - الصفحة: 286
تستعمل، أو مِنْ قولهم: يدع كذا أي: يَتْرُكُهُ؛ لأنها متروكَةٌ مستقرة عنْد المودَعِ 3، ومَنْ أَودَعَ وديعةً، وهو عاجزٌ عن حفظها، لم يَجُزْ له قبولُها 4، وإنْ كان قادراً، لكنه لم يَثِقْ بأمانة نفسه، فمنهم: مَنْ يقول: لا يجُوزُ له القَبُول 5، ومنْهم: من يقول: يُكْرَهُ، وإن كان قادِراً عَلَى حفظها واثقاً بأمانةِ نفسه، فيستحَبُّ له القبول، فإِن لم يكن هناك غيره، فقد أطلق مطلِقُون تعْيينَ القبول عليه، وهو محمولٌ عَلَى ما بينه الشيخُ أبو الفرَجِ في "الأمالي" وهو أنَّه يجب أصْلُ القبول، دون أنَّ يتلف منفعة نفسه، وحرزه في الحفظ، من غير عوَضٍ وقوله في الكتاب: "وحقيقتها استنابةٌ في حفظ المالِ" ظاهرُ
الجزء: 7 - الصفحة: 287
النظم يقتضي عَوْدَ الكتابة إلى الوديعة، [لكن الوديعة] 6 في تفسير الفقهاءِ واللُّغَوِيِّينَ هي المالُ نفسه، والذي ذكره حقيقةُ الإِيداع، فليتناول 7 اللفظ وفي لفظ "المال" ونحوه ما يبين أن الخمر ونحوها لا تودع، وإذا كان الايداعُ عبارةٌ عن الاستنابة في الحفْظ، كان توكيلاً خاصَّاً، فلذلك قال: "وأركانُها كأرْكَانِ الوكالة" وأركانُ الوكالة على ما بينت في بابها أربعةٌ: ما فيه التوكيل؛ وهو الحفظُ هاهنا، والوكيل، والموكل، وُيسَمَّيَانِ في هذا التوكيل: المُودِعُ، والمودَعُ، والصيغةُ، ولا بدَّ من جهة المودع من صيغة دالة على الاستحفاظ؛ كقوله: استودعْتُكَ هذا المالَ، أو أودعتُكَ، أو استحفظتك، أو أنبتك في حفظه، أو أحفظه عندك، أو هو وديعةٌ عندك، وما في معناها 8، وهلْ يُعْتَبَر القبول باللفظ من المودَعِ؟ قيل: لا، ويكتفي بالقبض بكيفيته في العقار والمَنْقُول، وقيل: نعم، وقيل: يفَرَّق بين أنَّ يقول: أودَعْتُكَ، وما هو علَى صيغ العُقُود، وبين أن يقول: احفظه أو هو وديعةٌ عندك؛ وهي بعينها كما ذكرنا في الوكالة، والأظْهَرُ الأوَّل، وإِلَى هذه الجملة أشار بقوله "وصيغَتُها كَصِيغَتِها" ولو قال: إِذَا جاءَ رأْسُ الشهر، فقد أَودعتك هذا، فجواب القاضي الرويانيِّ في "الحلية" الجوازُ، والقياسُ تخريجُه على الخلاف في تعليق الوكالَةِ، ولو جاء بماله ووضعه بَيْن يَدَيْ غيره، ولم يتلفَّظْ بشيء، لم يَحْصُلِ الاِيداعُ، فلو قبضه الموضوعُ عنده، ضَمِنَهُ، وكذا لو كان قَد قال مِنْ قَبْلُ: أريد أن أودعك، ثم جاء بالمالِ، وإن قال: هذا وديعَتِي عنْدك، أو احفظه، ووضَعَهُ بين يديه، فإن أخذه الموضوع عنده، تَمَّت الوديعة، إذا لم يعتبر القبولُ اللفظيُّ، وإن لم يأخذه، نُظِر: إن لم يتلفظ بشيء، لم تكن وديعةٌ، حتى لو ذهب وتركه، فلا ضمانَ عليه، نعم: يأْثَمُ، إن كان ذهابُه بَعْد ما غاب المالِكُ، وإن قال: قبلْتُ أوضعه فوضعه، كان إيداعاً، كما لو أخذه بيده، كذا قال في "التهذيب" وقال في "التتمة": أنَّه لا يكونُ وديعةً، ما لم يقبضه، وفي فتاوى صاحب "الكتاب" -رحمه الله- أنه إنْ كان الموضِعُ في يده، فقال: ضعْهُ، دخل المال في يَدِهِ لحصولِهِ في الموضع الَّذِي هو في يَدِهِ، وإنْ لم يكُنْ كما لو قال: انْظُرْ إلَى متاعي في دكاني، فقال: نعم، لم يكنْ 9 وديعةً، وعلى الأول: لو ذهب 10 الموضوع عنده، وتركه، فإن كان المالك حاضرًا بعد، فهو ردُّ للوديعة، وإن
الجزء: 7 - الصفحة: 288
غاب المالك، ضَمِنَهُ، والله أعلم
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالتَّكْلِيفُ شَرْطٌ في العَاقِدَيْنِ، فلَوْ أَخَذَ الوَدِيعَةَ مِنْ صَبِيٍّ ضَمِنَ إِلاَّ إِذَا أَخَذَ تَخْلِيصاً عَلَى وَجهِ الحِسْبَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ صَبيٍّ فَأَتْلَفَهُ الصَّبِيُّ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، لأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ، وَكَذَا الخِلاَفُ في تَعْلِيقِ الضَّمَانِ بِرَقَبَةِ العَبْدِ إِذَا أَوْدَعَ فَأَتْلَفَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يصحُّ الإيداع إِلاَّ من مكلَّف، فلو أودعه صبيٌّ أو مجنونٌ مالاً، لم يقبله، وإن قبله، ضمن، ولا يزولُ الضمانُ إِلاَّ بالردَّ إلى الناظر في أمره، نَعَمْ، لو خاف هلاكه، في يده، فأخذه على وجه الحسبة صوناً له، ففي الضمان وجْهَانِ، كالوجهين فيما إذا أخذ المُحْرِم صَيْداً من جارحةٍ ليتعهده، والظاهر أنَّه لا يَضْمَنُ 11، ولا يصحُّ الإيداع إِلاَّ عند مكلَّف؛ لأنه استحفاظ، والصبيُّ والمجنونُ ليسا من أهْلِ الحفْظِ فلو أودع مالاً عند صبيٍّ، فتلف عنده، لم يضمن؛ إذ ليس عليه حفظه فأشبه ما لو تركه عند بالغٍ من غير استحفاظ، فتلف، وإنْ أتلفه، فقَوْلاَنِ، ويقال: وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنَّه لا يضمن لأنَّ المالك سلَّطه عليه، فصار كما لو أقرضه أو باعه منه، وأقبضه، فأتلفه، فلا ضمانَ علَيْهِ.
والثاني: وبه قال أحمد -رحمه الله-: "أنَّه يضمن، كما لو أتلف مال الغير من غير سَبْقِ استحفاظ" ولا تسليط على الإتلاف 12.
الجزء: 7 - الصفحة: 289
قال ابن الصبَّاغ وغيره: "وهذا أظهر" وليس الإيداعُ كالبيع والإقراض؛ لأنَّ ذلك تمليكٌ وتَسْليطٌ على التصرف، والإيداعُ تسليطٌ على الحفظ دون الإتلاف والتصرف.
ولو أودع ماله عبْداً، فتلف عنده، فلا ضَمَان، وإن أتلفه فهل، يتعلَّق الضمان برقبته، كما لو أتلف ابتداءً أو بذمَّته دون الرقبة، كما لو باعه؟ فيه الخلافُ المذكور في الصبيِّ، وِإيداعُ السفيه، والإيداعُ عنده كإيداعِ الصبيِّ، والأيداعِ عنده، وإذا تأمَّلْتَ هذه الصور، عَرَفْتَ أنَّ التكْلِيفَ في العاقدين غير مكتفي به، بل يُعْتَبَرُ مع ذلك جوازُ التصرُّف، ولو قلْتَ: يشترط فيهما جوازُ التصرف، استغنيْتَ عن التعرُّض للتكليف.
واستنبطُوا من الخلاَفِ المذْكُور في الصبيِّ والعبْد أصلاً في الباب، وهو أنَّ الوديعة عَقْدٌ برأسه أم إِذْنٌ مجرَّد، إن قلْنا: إِنه عَقْدٌ، لم يضمنه الصبيُّ، ولم يتعلَّق برقبة العبد، وإنْ قلنا: إِذْنٌ مجرَّد، ضمنه الصبيُّ، وتعلَّق برقبة العبد، وخَرَّجُوا عَلَى هذا الأصل وَلَدَ الجارية المودعة، ونِتَاج البهيمة، فإِن جعلناها عقداً، فالولد وديعةٌ كالأم، وإلا لم تكن وديعةٌ بل أمانة شرعية في يده يجب ردها في الحال؛ حتَّى لو لم يرد مع التمكُّن، ضمنه على أظهر الوجهين، هكذا أورده صاحب "التهذيب" وقال: أبو سعيد المتولي: إنْ جعلناها عقداً، لم يكن وديعةً، بل أمانةً؛ اعتباراً بعَقْد الرَّهْن، والإجارةِ، وإلا فيتعدَّى حكْمُ الأمِّ إلى الولد، كما في الضحيَّة أو لا يتعدَّى، كما في العارَّية؟ فيه وجهان، وعلى الأصل المذكور خرَّج بعضُهُم اعتبارَ القَبُولِ لفْظاً، إن جعلناها عقداً، اعتبرناها، وإلا اكتفينا بالفِعْلِ.
واعلم أنَّ الموافق لإطْلاَقِ الجمهور كَوْنُ الوديعة عَقْداً 13، وعلَئ ذلك تنطبقُ عبارةُ صاحب الكتاب في مواضع؛ نحو قوله: والتكليفُ شرطٌ في العاقدين، وقوله بعد هذا: "إنها عقد جائز" = الصبي في حال صباه بل ينتظر بلوغه ولو ادعى بعد بلوغه الرد عليه أو التلف عنده على حكم الأمانة فالقول قوله مع يمينه، وكذلك لو ادعى تلفه عنده قبل بلوغه لا يحلف بل ينتظر كما تقدم.
الجزء: 7 - الصفحة: 290
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا حُكْمُ الوَدِيعَةِ فَهُوَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الجَانِبَيْنِ يَنْفَسِخُ بِالجُنُونِ، وَالإِغْمَاءِ، وَالمَوْتِ، وَبِعَزْلِهِ نَفْسَهُ، وَإِذَا اَنْفَسَخَ بَقِيَ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً في يَدِهِ كالثَّوْبِ تُطَيِّرُهُ الرِّيْحُ إِلَى دارِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الوديعةُ تَرْتَفِعُ بجنون المودِع، أو المودَع، وبالموت والإغماء 14؛ لأنَّها إن كانت مجرَّد إذْن في الحفْظ، فالمودِعُ بعروض هَذه الأحوال يبطل إذْنُه، والمودَع يخرج عن أهلية الحفظ، وإن كان عقداً، فقد ذكرنا أنَّه توكيلٌ خاصٌّ والوكالة جائزة، ومتَى أراد المودِع الاسترداد، لم يكن للمودَع رده ومتَى أراد المودَع [الردَّ، لم يكن للمودعِ أنَّ يمتنع من القبول؛ لأنه متبرع بالحفظ، ولو عزل المودَعُ نفسه] 15، ففيه وجهان؛ تخريجاً عَلَى أن الوديعة مجرَّد إِذنٍ أم عقدٌ؟ إن قلنا: بالأول، فالعَزْل لغْوٌ، كما لو أذن في تناول طعامه للضِّيفان، فقال بعضهم: عَزَلْتُ نفْسِي يلغو قوله: "ويكون له الأكلُ بالإذْنِ السابق" فعلَى هذا تبقى الوديعةُ بحالها، وإن قلنا: إنَّها عقدٌ، ارتفعت الوديعة، ويبقَى المَالُ أمانةً شرعيَّةً في يده كالريح تُطَيَّرُ الثَّوب إلَى داره، وكاللُّقَطَةِ في يد الملتِقِط بعد ما عرف المَالِكَ، فعليه الردُّ عند التمكُّن، وإِن يطلب لم على أظهر الوجهين، فإن لم يفعل، ضمن وهذا ما أورده في الكتاب ويجوز إعلام قوله: "عقد جائز" بالواو، وقوله: "ويعزله نفسه" بل قوله: "ينفسخُ" لأن لفظ الانفساخ؛ إنما يستمر على تقدير كونها عقداً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلِلوَدِيعَةِ عَاقِبَتَانِ ضَمَانٌ عِنْدَ التَّلَفِ، وَرَدٌّ عِنْدَ البَقَاءِ أَمَّا الضَّمَانُ فَلاَ يَجِبُ إِلاَّ عِنْدَ التَّقْصِيرِ، وَلِلتَّقْصِيرِ سَبْعَةُ أَسْبَابٍ: الأَوَّل أَنْ يُودِعَ عَنْدَ غيْرِهِ سَوَاءٌ أَوْدَعَ زَوْجَتَهُ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ أَجْنَبِيَّاً، إِلاَّ أنْ يُودِعَ عِنْدَ القَاضِي فَإنَّهُ لاَ يَضْمَنُ، وَلَوْ حَضَرَهُ سَفَرٌ فَسَافَرَ بِهِ ضَمِنَ لِأَنَّ حَرْزَ السَّفَرِ دُونَ حِرْزِ الحَضَرِ، إِلاَّ أنَّ يُودِعَ في حَالَةِ السَّفَرِ، فَطَرِيقُهُ عِنْدَ السَّفَر: أنَّ يُرَدَّ إِلَى المَالِكِ، فَإنْ عَجَزَ فَإِلَى القَاضِي، فَإِنْ عَجَزَ فَعِنْدَ أَمِينٍ، فَإِنْ تَرَكَ هَذَا التَّرْتِيبَ مَعَ القُدْرَةِ ضَمِنَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الكُلِّ فَسَافَرَ بِهِ تَعَرَّضَ لِخَطَرِ الضَّمَانِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَمَهْمَا تَبَرَّمَ بِالوَدِيعَةِ فَسَلَّمَهَا إِلَى القَاضِي عِنْدَ العَجْزِ عَنِ المَالِكِ، فَفِي لُزُومِ قَبُولِهِ وَجْهَانِ، جَارِيَانِ في الغَاصِبِ، وإِذَا حَمَلَ المَغْصُوبَ إلَى القَاضِي، وَفِيمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنِ، وَإذَا حُمِلَ الدَّيْنُ إِلَيْهِ، وَمَنْ حَضَرَتُهُ الوَفَاةُ فَلَمْ يُوصِ بِالوَدِيعَةِ ضَمِنَ إِلاَّ أنْ
الجزء: 7 - الصفحة: 291
يَمُوتَ فَجْأَةً، وَلَوْ أوْصَى إِلَى فَاسِقٍ ضَمِنَ، وَلَوْ أوْصَى فَأجْمَلَ وَلَمْ يُمَيِّزِ الوَدِيعَةِ ضَمِنَ، كَمَا إِذَا قَالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ وَلَمْ يصفْهُ وَلَهُ أثواب ولو قَالَ: عَنْدِي ثَوبٌ فَلَمْ يُصَادِفُ في تَرِكَتِهِ فَلاَ ضَمَانَ تَنْزِيلًا عَلَى التَّلَفِ قَبْلَ المَوْتِ، وَلَوْ وُجِدَ في تَرِكَتِهِ كِيسٌ مَخْتُومٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ إنَّهُ وَدِيعَةُ فُلاَنٍ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ كَتَبَهُ تَلْبِيِساً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأصلُ في الوديعة الأمانة؛ لما رُوِيَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبِ، عن أبِيه، عنْ جَدِّهِ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ غير المغل ضَمَانٌ" 16 وُيرْوَى: "مَنْ أُودِعَ وَدِيعَة فلا ضَمَانَ عَلَيْهِ" 17 وعن أبي بكر، وعَليٍّ، وابنِ مسعود وجابر -رضي الله عنهم- "أنَّها أَمَانَةٌ" 18 ولأن المودَعَ يحفظها للمالك، فيده كيده، ولو ضمن المودِعُ، لَرَغِبَ الناسُ عَنْ قبول الوَدَائِعِ، وإذا تقرَّر ذلك، فنذكر فقْهَ الفَصْل مجرَّداً، ثم نرجع إِلَى ما يتعلَّق بالنظْم والترتيب، أما الفقْه: فمسائل:
إحداها: المودع، إذا أودع غيره بغَيْر إذْنِ المالك، فإِما أنَّ يودع من غَيْر عُذْر، أو بعُذْرٍ:
الحالة الأولى: إذا أَوْدَعَ من غير عُذْرٍ فيضمن لِأَنَّ المالكَ، لم يَرْضَ بيد غيره وأمانته، ولا فَرْقَ بين أنَّ يكون ذلك الغَيْر عبده، أو زوجته، أو ابنه، أو أجنبيّاً وعن مالك -رحمه الله-: أنَّ له أنَّ يُودِعَ زوجته وقال أبو حنيفة -رحمه الله- وأحمد له أو يُودِعَ من عليه نفقته من ولد، ووالد، وزوجة، وعبد.
لنا: القياسُ عَلَى من سلموه، وإذا أودع غيره، فالكلام في تضمين المالك المودع الثاني إِياها قد مَرَّ في الرَّهْن والغَضْب، هذا إذا أودع عند غير القاضي، فأما إن أودع عند القاضي، فوجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد -رحمه الله- فيما إِذا وجد المالك،
الجزء: 7 - الصفحة: 292
وقدر على الردِّ عليه، وفيما إِذا لم يجِدْ أحدهما: أنَّه لا يضمن، أما إذا كان المالِكُ حاضرًا؛ فلأنَّ أمانة القاضي أظْهَرُ منَ أمانة المودَع، فكأنه جعل الوديعةَ في موضِع أحرز، وأما إذا كان غائباً؛ فلأنه لو كان حاضراً، لأَلزمه المودِعُ الرَّدَّ، فإِذا كان غائباً، ناب القاضي عنه.
وأظهرهما عند الأكثرين: أنَّه يضمن، أما إذا كان المالكُ حاضرًا فلأنه [لا ولاية للقاضي على الحاضر الرَّشِيدِ، فأشبه سائر الناس، وأما إذا كان غائباً؛ فإنه] 19 لا ضرورة بالمودع إلى إخراجها من يده، ولم يرض المالك بيد غيره، فليحفظه إلى أن يجد المالك أو يسنح له عذر، وإذا جوزنا الدفْعَ إِلى القاضي، فهل يجبُ على القاضي القبولُ، إذا عرفها عليه أما إذا كان المالكُ حاضَراً، والتسليم إليه متيسِّراً، فلا وجه لوجوبه عليه، وأما إذا لم يكنْ كذلك، ففي إِيجاب القَبُول، وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأنَّه التزمَ حفْظَه، فيؤْمَرُ بالوفاء به.
وأظهرهما: الإيجابُ لأنه نائبُ الغائبين، ولو كان المالك حاضرًا، لألزم القَبُول، والغاصب إذا حمل المغصوبَ إلى القاضِي، ففي وجوب القَبُول الوجهان، لكنَّ هذه الصورةَ أوْلَى بعدم الوجوب؛ ليبقى مضموناً للمالك، ومن علَيْهِ الدَّيْن، إذا حمله إليه نظر إن كان بحيث لا يجبُ على رب الدين القبولُ، لو كان حاضراً، فعلى القاضِي أَوْلَى، وحيثُ يجبُ، يجري فيه الوجهَانِ، وهذه الصورةُ أَوْلَى بعدَمِ الوجوب، وهو الأظهر؛ لأنَّ الدَّيْن في الذمَّة لا يتعرَّض للتَّلَف، وإذا تعين تعرض له، ولأن مَنْ في يدِهِ العَيْنُ قد يثقل عليه حفظُهَا وجميع ما ذكرنا فيما إذا استحْفَظَ الغَيْر وأزال يده ونظره عن الوديعة، أما إذا استعانَ به في حَمْلِهَا إلى الحرز، فلا بأْس، كما لو استعان في سقي البهيمة وعِلَفَها ذكره ابن سُرَيْجٍ، وتابعه الأصحاب عليه.
قال القَفَّال: وكذا لو كانتْ خزانَتُهُ وخزانةُ ابنه واحدةً، فدفعها إِلَى ابنه؛ ليضعها في الخزانة المشتركة.
وفي "النهاية": أن المودَعَ، إِذا أراد الخروجَ لحاجاته فاستحفظ من يشق به مِنْ متصليه، وكان يلاحظ المَخْزَنَ في عوداته، فلا بأس، وإن فوض الحِفْظ إِلى بعضِهِمْ، ولم يلاحظِ الوديعةَ أصلاً، ففيه تردد، وإن كان المَخْزَنُ خارجاً عن دارِهِ التي يأوي إليها، وكان لا يلاحِظُه أصلاً، فالظاهر تضمينه.
الحالةُ الثانيةُ: إذا كان هناك عُذْر، كما إِذا عزم على السَّفَر، فينبغي للمودع، إذا
الجزء: 7 - الصفحة: 293
عرض له هذا العذْر: أن يرد الوديعة إلَى مالكها أو إلَى وكيله، إِن كان له وكيلٌ؛ إِما في استرداده خاصَّةً، أَو في عامَّة أشغاله، فإن لم يظْفَرْ بالمالك؛ لغيبته أو توارِيهِ، أو حَبْسِه وتعذَّر الرسول إلَيْه، ولا ظفر بوكيله، فيدفَعُها إلى القاضي، وعليه قَبُولُها، فإنْ لم يجدِ القاضي، دفعها إلَى أمينٍ، ولا يكلّف تأخير السَفَرِ، وقد رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "كَانَتِ عِنْدَه وَدَائِعِ؛ فَلَمَّا أَرَادَ الهِجْرَةَ، سلَّمها إلَى أمِّ أَيْمَنَ، وَأَمَرَ عَلِيّاً -رضيَ الله عَنْهُ- بِرَدِّهَا" 20 فإن ترك هذا الترتيب، فدفعها إلى الحاكم أو إلى أمينٍ مع إمكان الدفْعِ إلى المَالِك، أو وكيله، ضَمِنَ، ويجيء في الحاكِمِ الخلافُ المذْكُور من قبل، وإن دفع إلَى أمينٍ، وهو يجد الحاكم، فوجهان:
أحدهما: وبه قال أحمُد وابن خَيْرَان والإصطخريُّ: أنَّه يضمن 21، لأَنَّ أمانة الحاكم ظاهرةُ متَّفقٌ عليها، فلا يُعْدَلُ عنها، كَما لا يُعْدلُ عن النصِّ إلى الاجتهاد، وأيضاً: فإن الحاكمَ نائبُ الغائبين، فكان كالوكيل.
والثاني: لا يضمن، وبه قال أبو إسحاق، ويُحْكَى عن مالك؛ لأنه أودَعَ بالعُذْر أَميناً، فأشبَهَ الحاكم، وذكر القاضي الرويانىُّ: أنَّ هذا أظهرُ في المذهب، ولكنَّ الشيخ أبا حامدٍ -رحمه الله- رجَّح الأول، وبه قال صاحبُ "التهذيب" وغيره، وقد يعبر عن الخلافِ بالقولَيْنِ؛ لأنَّ الشافعيَّ -رضي الله عنه- قال في باب "الرَّهْن" فيما إذا أراد العَدْل الرَّهْن، لو دفعه، يعني: إلَى عدل، بغير أمْرِ الحاكم -ضمن وقال هاهنا في "ردِّ الوديعة": ولو لم يكن حاضرًا، يعني رَبَّ الوديعة، فأودعها أميناً، يودِعُه ماله- لم يضمن، فلم يفرق بين أن يجد الحاكمَ أوْ لا يجدَ.
ونقل المتولِّي وغيره طريقةً قاطعةً بأنه يضمن، ويحمل ما ذكره هاهنا عَلَى ما إذا لم يَجِدِ الحاكم وفي بعض الشروح طريقةٌ قاطعةٌ بأنه لا يَضْمَنُ، ويحمل ما ذكره في الرهْن عَلَى ما إذا كَانَ المالِكُ أو وكيله حاضراً في البلد وحكى الشيخ أبو حاتِمٍ القزويني -رحمه الله- وجْهاً أنَّه يُشْتَرَطَ أن
الجزء: 7 - الصفحة: 294
يكون الأمين الذي يودِعُه بحَيْثُ يأتمنه ويودِعُ ماله عنده لظاهر قوله: "يودِعُه مالَهُ" والظاهر خلافه، فإنَّ ذلك مسوق على سبيل التأكيد والإيضاح، ولو أنَّه حِينَ عَزَم على السفَرِ، دَفَنَ الوديعةَ في مَوْضِعٍ، وسافر، ضَمِنَها إن دَفَن في غَيرِ حَرْزٍ أو في حِرْزٍ، ولم يعلم بها أميناً أو أعْلَمَ أميناً، حيث لا يَجُوز الايداعُ عند الأمين، أو حيث يجُوزُ إِلاَّ أنَّ الذي أخبره لا يسكن ذلك الموضِع، وإنْ كَانَ يسكنه، فالجوابُ كذلك في أحد الوجّهَيْن؛ لأنَّه إعلامٌ لا إيداعٌ، ولا يضمن في أظهرهما؛ لأنَّ الموضِعَ وما فيه في يَدِ الأمين، فالإِعلام كالإيداع، هكذا فَصَّل الأكثرون.
وجعل الإمام -رحمه الله- في معنى السُّكْنَى أنْ يراقبها من الجوانب، أو من فَوْقُ مراقبةَ الحارس 22، ومنْهم: من جعل الأعلام كالإيداعِ مِنْ غير فَرْق بَيْن أن يسكن الموضع أو لا يَسْكنه، ثم نقل صاحب "المعتمد" وغيره وجْهَيْنِ في أن سَبِيلَ هذا الإعلامِ الإشهادُ أو الائتمانُ؟
فعلى الأوَّل: لا بدَّ من إعلام رجلَيْنِ أو رجلٍ وامرأتينِ، والظاهرُ الثَّاني، وكما يجوز إيداعُ الغَيْر بعذر السفَرِ على ما تبيَّن، فكذلك سائر الأعذار، كَمَا لو وَقَعَ في البُقْعة حريقٌ أو نهب أو غارَةٌ أو خاف الغرق، وليكُنْ في معناها: إذا أشرف الحِرْز على الخراب، ولم يجدْ حِرْزاً آخر، يَنْقُلُها إِليه.
المسألة الثانية: إذا أَودع مسافراً، فسافر بالوديعة أو منتجعاً، فانتجع بها، فلا ضمان؛ لأنَّ المالكَ رَضِيَ به؛ حيث أودعه، وإِن أودع حاضراً، لم يكُنْ له أن يسافِرَ بها، فإن سافر، ضمن؛ لأن حِرْزَ السَّفَرِ دون حِرْز الحَضَر، وفي الخبر: "إنَّ المُسَافِرَ وَمَتَاعَهُ لعلي قُلْتُ إِلاَّ ما وقى الله، وفيه وجه أنَّه إذا كان الطريق آمِناً، لا يضمن، وكذا لو سافر في البَحْر، إذا كان الغالب منه السلامة، والمذهَبُ الأوَّل، وعند أبي حنيفة
الجزء: 7 - الصفحة: 295
وأحمد -رحمهما الله-: له المسافرةُ بها، إذا كان الطريق آمناً، ولم يصرح المالك بالمنع، وإن سافر بها لعذر، كما لو اتَّفَقَ جَلَاءٌ لأهل البلد، أو وقع حريقٌ، أو غارةٌ، فلا ضمانَ، والشَّرْط أنَّ يعجز عن الرَّدِّ إلى المالك أو وكيله، أو الحاكم أو عن الإيداع عند أمينٍ، ويلزمه المسافرةُ بها، والحالة هذه؛ وإلاَّ فهُوَ مضيَّعٌ، ولو عزم على السفر في وقْتِ السلامة، وعجز عن المالك ووكيله، وعن الحاكم، والأمين، فسافر بها، فوجهان:
أحدهما: أنه يضمنها؛ لأنه التزم الحفْظَ في الحضر، فليؤخر السَفر أو يلتزم خطر الضمان.
والثاني: المنعُ، وإلا فينقطعُ عن السفر، وتتعطَّل مصالحُهُ، وفيه تنفيرٌ عن قَبُولِ الودائِعِ.
والأوَّل أظهُر عند صاحب الكتاب، والثانِي أظْهرُ عند المعْظَم، وشرطوا لجواز المسافرة بها: أنَّ تكُونَ الطريق آمناً، وإلا، فيضمن، وهذا ظاهرٌ في مسألة الوجهَيْنِ، فأما عند وقوع الحَرِيق ونحوه، فكان يجوز أنَّ يُقَالَ: إذا كان احتمالُ الهلاكِ في الحَضَرِ أقربَ منه في السفر، فله أن يسافِرَ بها، قال في "الرَّقْم": وإذا كان الطريق آمناً، فحدث خَوْفٌ، ولو هجم القطَّاع، فألقى المَالَ في مضيعة؛ إخفاءً له فضاع، فعليه 23 الضمان.
الثالثة: من مرض مرضاً مخوفاً، أو حُبِس، ليقتل، وعنده وديعةٌ، فعليه أو يوصِيَ بها، فلو سكت عنها، وتركها بحالها، ضَمِنَ؛ لأنه عَرَّضَها للفوات؛ إذِ الوارثُ يعتمدُ ظاهِرَ اليد، ويدَّعيها لنفسه، فكان ذلك تقصيراً مضمناً، وهاهنا كلمتَانِ:
إحداهما: أنَّ التقصير إنَّما يتحقَّق بترك الوصاية إلى المَوْتِ، فلا يحصُلُ التقصير، إِلاَّ إذا مات، لكن كأنا نتبيَّن عند الموت أنَّه كان مقصِّراً من أول مرضه فضَمَّنَّاه أو يحلف التلَف، إذا حَصَل بعد الموت بالتردِّي بَعْد المَوْت في بئرٍ، حَفَرَها متعدِّياً.
والثانية: ربَّما أفهم كلامُ الأئمةِ أنَّ المراد من الوصيَّة بها تسليمها إلى الوصيِّ ليدفَعَهَا إلى المالك، وهو الإيداعُ بعَيْنه، لكن المُعْتَمَدَ أنَّ المراد الإِعلامُ، والأمر بالردِّ [من غَيْر أنَّ يخرِجَهَا من يده، وأنه، والحالَةُ هذِهِ، مخَير بين أن يودع، وبين أن يقتصر على الإعْلام، والأمر بالرد؛] 24 لأن وقْتَ الموت غير معلوم، ويده مستمرةٌ على
الجزء: 7 - الصفحة: 296
الوديعةِ، ما دام حيّاً، وهذا بيِّنٌ مما ذكره صاحِب الكتاب في "الوسيط" حيثُ قال: "يودع الحاكِمَ أو أميناً، إن عجز عن الحاكم، أو يُوصِيَ إلى وارثه" ويشهد عليه صَوْناً لها عن الإنكار.
ثم يعتبر في الوصية بها أمُورٌ:
أحدها: أن يعجز عن الردِّ إِلى المالك أو وكيله، وحيئذٍ، فيودع عند الحاكم أَو يُوصِي إِليه، فاِن عجز، فيودع عند أمينٍ، أو يوصي إلَيْه، هكذا رتَّب الجمهور، كما إذا عزم على السَّفَر، وفي "التهذيب" أنَّه تكفي الوصية، وإن أمكنه الردُّ إِلى المالك؛ لأنَّه لا يَدْرِي متَى يَمُوتُ.
والثاني: أنَّ يوصي إلَى أمينٍ، فإن أوصى إِلى فاسقٍ، كان كما لو لم يوصِ 25، فيضمن ولا بَأس أنِ يوصي إلَى بعض ورثَتِهِ، وكذا الإِيداعُ حَيْثُ يجوز أن يُودِعَ أميناً.
والثالث: أن يبيِّن الوديعة، ويميِّزها عن غيرها بالإشَارَة إلَى عينها، أو بيان جنْسِها، وصفتها فلو لم يبيِّن الجنْسَ، بل قال: عنْدِي وديعةٌ، فهو كما لو لم يُوصِ، ولو ذكر الجنْسَ، فقال: عنْدي ثَوْبٌ لفلانٍ، ولم يصفه، نُظِرَ؛ إن لم يوجَدْ في تركته جِنْسُ الثوب، فوجَهْان:
أحدُهُما: أنَّه يضمن، فيُضَارب ربَّ الوديعة.
الغُرَمَاءَ بقيمتها؛ لتقصيره بترك البيان.
والثاني: وبه قال أبو إسحاقَ: لا يضمن؛ لأنَّها ربَّما تَلِفَتْ قبل المَوْت، والوديعةُ أمانةٌ، فلا تضمن بالشَّكِّ، وهذا الثانِي هو الذي أوردَهُ صاحبُ الكتاب، والأوَّل ظاهر المذْهَب عند عامة الأصْحاب، وإن وجد في تركته جنْسُ الثوب، فأما أن يوجد أثوابٌ أو ثَوْبٌ واحدٌ، إن وجد أثوابٌ ضمن؛ لأنَّه إذا لم يميِّز، فكأنه خَلَطَ الوديعةَ بغَيْرها، وإن وجِدَ ثَوْبٌ واحد، ففي "التهذيب" "والتتمة": أنه ينزل كلامُهُ عليه، ويدفع إلَى الذي ذكره، ومنْهم من أطلَقَ القول: بأنه إذا وجد جنْس الثوب ضمن ولا يدفع إلَيْه عين الموجود، وأما الضمَانُ، فللتقصير يترك البيان، وأما أنَّه لا يدفع إلَيْه عيْنُ الموجود؛ فلاحتمال أنَّ الوديعةَ قَدْ تَلِفَتْ، والموجود غيرها، وهذا أحسنُ، وفي المسألةِ وجهٌ آخرُ: أنه إنما يضْمَن، إذا قال: عنْدِي ثَوْبٌ لفلان، وذكر معه ما يقتضي الضَّمَانَ، فأما إذا اقتصر عليه، فلا ضمان.
الجزء: 7 - الصفحة: 297
فَرْعٌ: قال الإمام -رحمه الله-: "ولو لم يُوصِ، فادَّعَى ربُّ الوديعة أنه قَصَّر، وقال الورثةُ: لعلَّها تلفت قَبْلَ أنَّ ينسب إلَى التَّقْصِير، فالظاهرُ براءةُ الذِّمة" 26 ثم جميع ما ذكرنا [هـ]، فيما إذا وَجَدَ فرضة الإيداعِ أو الوصيَّة، أما إذا لم يَجِدْ بأن ماتَ فجأةً، أو قتل غيلةً، فلا ضمان.
الرابعة: إذا مات، ولم يذكر أنَّ عنده وديعةً، لكن وجد في تركته كيس مختوم أو غير مختوم مكتوب عليه أنَّه وديعةُ فلان، أو وجد في جريدتِهِ أنَّ لفلانٍ عندي كذَا وكَذَا، وديعة، لم يجبْ على الوارث التسليمُ، بهذا القَدْر؛ لأنه ربما كتبه هو أو غَيْرُه تلبيساً، وربما اشْتَرَى الكيسَ بَعْدَ تلْك الكتابة، ولم يمحهَا، أو ردَّ الوديعة بَعْدَ ما أثبت في الجريدَةَ، ولم يمحهُ، وإنما يكلَّف الوارث التسليم؛ إما بإقراره أو إقرار المورث ووصية أو بقيام البينة والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 298
ونرجع الآنَ إلَى ما يتعلَّق بنظم الكتاب وترتيبه.
وقوله: "وللوديعةِ عاقبتان" تدرُّجٌ لطيفٌ إلى فقْهِ الباب، فإذا حصلَتِ الوديعةُ عند المودع، فإما أنْ تهلك عنده أَو تبقى إن آل أمرها إلى الهلاك، فإنْ لم يكنْ منه تقصيرٌ، فلا ضمان، وقد انقطعَ الكلامُ، أو تبْقَى، وإن كان، فعلَيْه الضمان، ويحتاج فيه إلَى معرفةِ ما يصيرُ به مقصِّراً، وإن بقيت، فيرد.
وقوله: "وللتقصير سبْعَةُ أسبابٍ" عدَّها في "الوسيط" ثمانيةً، فجعل الإيداعَ من الغَيْر [سبباً، والمسافرة بالوديعة سبباً، وهاهنا خلط أحدهما بالآخر وعدهما،] 27 سبباً واحداً، وما في "الوسيط" أحسنُ، ولو جَعَلَ تَرْكَ الإيصاء سبباً آخَرَ، لاسْتَقَامَ.
وقوله: "إِلاَّ أنَّ يودِعَ عند القاضي" مُعْلَمٌ بالواو؛ لما حكينا من الوجّهِ المانِعِ من إيداعِ القاضِي، إذا لم يكُنْ سفرَ عُذْر، سواء وجد المالك أو وكيله، أو لم يجدْ، وَلفظ الكتاب في نَفْي الضَّمَان بإِيداع القاضي، وإن كان مطلقاً إِلاَّ أنَّه أرادَ مَا إِذَا لم يجدِ المالكُ أو وكيلُهُ عَلَى ما هو مبيَّن في "الوسيط" ومع ذلك، فأكثر الأئمة عَلَى خلافِ الجواب المذْكُورة في الكتابِ، كما قدَّمنا، وساعَدَهُ أبو سعيدٍ المتولِّي على اختيار ذَلِكَ الجوابَ، وقوله: "فسافر به ضمن" معلَمٌ بالحاء والألف والواو.
وقوله: "إِلاَّ أنَّ يودع في حالة السفر" أي: يودِعَ، وهو مسافرٌ، فله إدامةُ السَّفَر، والسَّيْرُ به.
وقوله: "أن يرد إلى المالك" يعني أو وكيله، وقوله: "وإن ترك هذا الترتيبَ، ضمن" معلَمٌ بالواو والميمِ؛ لما سبق، وقوله: "وسافَرَ به تعرَّض لخَطَرِ الضمانِ عَلَى أظهر الوجّهَيْن" بيَّنا أنَّ الأظهرْ عند المعظَم خلافُ ما ذكره، وفي قوله: "فسافَرَ به" تعرُّضٌ، كالإشارة إلَى أنَّه لا يكلَّف ترك السفر، والكلام في أنَّ التجويزَ، هل هو مشروطٌ بسلامة العاقبة، وإذا لم يكلَّف ترك السفر، فسَافَر، فلا بد، وأن يسافر به، وإِلاَّ فهو مضيّع، والحالة هذه.
وقوله "ومهما تبرم بالوديعة ... " إلَى آخره مبنىٌّ على تجويز الرفْع إلى القاضِي من غيْر سَفَر وعُذْر منه، وفيه ما قد عرفْتَه وقولُه:
"ومن حضرته الوفاة" ليس بمحمولٍ على المحْتَضر، بل كلُّ مريض بخيفة مرضه، كالمحتضر في ذلك لا يلحق بالمرض الكِبَر والشَّيْخُوخة، وقوله: "فلا ضَمَان" تنزيلاً على التَّلَف قبل الموت خلافُ ما رويناه عن عامة الأصْحَاب: أنهم جعلوه ظاهِرَ
الجزء: 7 - الصفحة: 299
المَذْهب، وقالوا: التلَفَ، وإِن حَصَلَ قبل المَوْت، حصل، وهو مقصر بترك البيان، ولا يمكن فرض التَّلَف قبل الوصيَّة؛ لأنَّ قوله: "عتنْدي ثَوْبٌ" يقتضي حصوله في الحال.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي نَقْلُ الوَدِيعَةِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ ضَمِنَ بِالسَّفَرِ، وَإِنْ لَمْ يكُنْ فَإِنْ نَقَلَ مِنْ قَرْيَةِ أهْلِهِ، ضَمِنَ، لِأَنَّ قَرْيَةِ أَهْلِهِ أَحْرَزَ في حَقِّهِ، وَلَوْ كَانَ بِالعَكْسِ لَمْ يَضْمَنِ إِلاَّ إِذَا ظَهَرَ نُقْصَانُ الحِرْزِ في القَرْيَةِ الآهِلَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أودعه في قرية، فنقل الوديعةَ إلَى قريةٍ أخرَى، نُظِرَ: إنْ كان بينَهُمَا مسافةٌ تُسَمَّى الضرْبُ فيها سفراً، ضمن بالسَّفَر بها، وبعضهم لا يقيد، ويقول: إن كان بينهما مسافةٌ، ضمن كأنه يجعل مطلق المسافة مصححاً اسْمَ السَّفَر، وظاهر الكتَاب يوافِقُ هذا؛ لأنه أراد الأوَّل عَلَى ما قيَّده في "الوسيط" وهو الظاهرُ، وحكى الشيخ أبو حاتم القزوينيُّ وغيره وجهاً: أنَّه إذا كانت المسافةُ دون مسافة القَصْر، وكانت آمنةً، والقريةُ المنقولُ إلَيْها أحرز، لم يضمن، وهذا مصيرٌ إلَى أنَّ المسافَرَةَ بالوديعَةِ، إنما تضمن بشَرْطِ طُول السَّفَرِ، وهو بعيدٌ، فإنَّ خَطَرَ السفَر، لا يتعلَّق بالطُّول والقِصَر، وإنْ كانتِ المسافةُ بحَيْثُ لا تصحِّح اسم السفر، فإِن كان فيها خَوْفٌ، ضمن، وإلاَّ فوجهَانَ:
أحدهما: أنَّ الجوابَ كذلك؛ لأنَّ حدوث الخَوْف في الصَّحراء غير بَعيدٍ.
وأظهرهما: أنَّه كما لو لَمْ يكُنْ بينهما مسافةٌ أصلاً، بل اتصلتِ العماراتُ، وحينئذٍ: فإِن كان المنقولُ عنها أحْرَزَ، ضَمِنَ، فإنَّ المالك، إذا أودعها، فيها يعتمد حفظه فيها، وإنْ كان المنقولُ إليها أحرَزَ، أو تساويا، فلا ضمانَ، واعلم أن كَوْنَ القرية أحرز له أسبابٌ:
منْها حصانَتُهَا في نفسها، أو انضباطُ أهلها، وانقطاع الأيدي الفَاسِدَةِ عنها.
ومنْهَا: أنَّ تكون عامرةً كثيرةَ الأهل.
ومنْهَا: تكونَ مسكَنَهُ ومسْكَنَ أقاربه، وأصدقائه، فلا يتجاسر أُولُو الغرامة على الهجوم عليه، ولا تمتد أطماعهم وأيْدِيهِمْ إليه، وبهذا الاعتبِارِ: يجُوزُ أن يقرأ لفظ الكتاب عَلَى إضافة "القرية" إلى "الأهل"، فيقال: "من قريةِ أَهلِهِ إلَى قرية غير أهله [وبالاعتبار الذي قبله: يجوز أنَّ يقرأ على الصفة، فيقال: "من قرية آهلةٍ، إلى قرية غير آهِلَةٍ"] 28.
الجزء: 7 - الصفحة: 300
والمنزل الآهِلُ: العامِرُ الذي فيه أهله، وهذا الثاني.
يوافِقُ لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- إِلاَّ أنَّ الأشبَهَ بقول صاحب الكتاب الأوَّلُ؛ إِذ الموجودُ في أكثر النُّسَخِ القديمةِ عند تعليلِ الضَّمَان؛ لأنَّ قرية آهِلة أحرزُ في حقه، وقد يوجَدُ في بعْضِها إدخالُ الألف واللام؛ حتَّى يصير: "لأنَّ القريةَ الآهِلَةَ أحرزُ" لكن كلمة "في حقِّه" لا تحسُنُ في هذا الموضع، حينئذ، ولو أراد ذلك لاقتصر علَى قوله: "لأنَّ القرية الآهِلَةَ أحرزُ"إِلاَّ أنَّ يقدِّر عَوْدَ الكناية في لفظة "حقه" إلى المال.
وقوله: "إلا إِذا ظَهَر نقصانُ الحِرْزِ في قرية أهله يستمرُّ فيه القراءتان، فيجوز أنَّ يكون الموضعُ مسكنه ومسكن أقاربه، أو عامِراً فيه أهله إِلاَّ أنَّ غيره أحرزُ منْه؛ لمعارض راجح، وحيثُ منعنا من النَّقْلِ، فذلك إذا لم تكن ضرورةٌ، فإنْ وقعتْ ضرورةٌ، فكما ذكرنا في المسافرة، وإذا أراد الانتقال، ولا ضرورةَ، فالطريقُ ما سبق؛ فيما إذا أرادَ السَّفَر والنَّقْل من محلَّةٍ إلى محلَّةٍ أو من دارٍ لي دارٍ كالنقل من قرية إلى قرية متصلتَي العمارةِ، وأما إذا نَقَل من بيت إلَى بيت في دارٍ واحدةٍ، أو خانٍ واحدٍ، فلا يضمن، وإن كان الأوَّلُ أحرزَ منهما، كان الثانِي حِرْزاً أيضاً، ذكره في "التهذيب" وجميع كلام الفصْل مفروضٌ فيما إذا أطْلَقَ الأيداعَ، أما إذا أمر بالحفْظِ في موضعٍ 29 معينٍ فسيأتي إن شاء الله تعالَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ التَّقصِيرُ في دَفْعِ المُهْلِكَاتِ، فَإِنْ تَرَكَ عَلَفَ الدَّابَّةِ أَوْ سَقْيَهَا ضَمِنَ إِلاَّ إِذَا نَهَاهُ المَالِكُ فَإنَّهُ يَعْصِي وَلاَ يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَرِّضِ الثَّوْبَ الَّذِي يُفْسِدُهُ الدُّودُ لِلرِّيحِ ضَمِنَ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِاللّبْسِ لَزِمَ اللُّبْسُ، إِلاَّ إِذَا نَهَاهُ المَالِكُ، وَمَهْمَا أَمَرَ صَاحِبَةُ بِعَلَفِ الدَّابَّةِ أَوْ سَقْيِهَا لَمْ يَضمَن عَلَى الأَظْهَرِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ مُعْتَادٌ، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَهُ للسَّقْيِ وَالطَّرِيقُ آمِنٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَضْمَنُ لأَنَّهُ إِخرَاجٌ مِنَ الحِرْزِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَجبُ عَلَى المودَع دفْعُ مهلكات الوديعةِ على المُعْتَادِ؛ لأنَّه من أصُولِ الحفْظِ، وفيه مسألتان:
إحداهما: إذا أودعه دابَّةٌ، فله أحوال:
إحداها: أن يأمره بالعَلَفِ والسقْي، فعليه رعايةٌ المأمور، فإنِ امتنعَ؛ حتَّى مضتْ مدةٌ يموتُ مثلها في مثل تلْكَ المدَّة نَظَرَ: إن ماتَتْ، ضمنها، وإن لم تَمُتْ، دخلت في ضمانه، وإن نقصتْ، ضمن النقصان، وتختلف المدةُ باختلاف الحيوانات، وإن ماتتْ قبل مُضِىِّ تلك المدة، لم يضمنْها، إن لم يكُنْ بها جوع، وعطش سابق، وإن كان،
الجزء: 7 - الصفحة: 301
وهو عالم به، ضمن، وإِلاَّ فوجهان، كالوجهين فيما إذا حَبَسَ مَنْ به بعضُ الجوع، وهو لا يعلم به؛ حتَّى مات وهو لا يعلم، قال في "التتمة": "والأظهر أنَّه لا ضمانَ"، وإذا أوجهْنَا الضمان، فضمن الكلّ أو بالقسط حكى أبو الحَسَنِ العبَّادِيُّ فيه وجهين، كما لو استأْجَرَ بهيمةً، ليحملَ عليها مائة مَن فَزَادَ.
والثانيةُ: إن نهاه عن العَلَفِ والسقْي، فيعصى، لو ضيَّعها لحرمة الروح، وفي الضمان وجّهَان، قال الإِصطخريّ: "يجبُ، لحصولِ التعدِّي في الوديعة".
وقال الجمهور: "لا يجبُ، كما لو قال: اقتل دابتي، فقتلها وعن الشيخ أبي زيد -رحمه الله-: تخريجُ الخلاف، فيما إذا قال: اقتلْنِي، فقتله، هل تجبُ الدية؟ ولم يرتَضُوا هذا البناءَ؛ لأنا إذا أوجبنا الديَةَ، أوجبناها للوارث، ولم يوجد منه إذن في الإِتلاف، وهاهنا بخلافه.
الثالثة: أن يطْلق الإيداع فلا يأمر بالعَلَف، والسقْي، ولا ينهي، فعلى المودع القيامُ بهما؛ لأنه التزم حفْظَها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يلزمُ ذلك.
ثم الكلام في مسألتين:
أحدهما: لا شك أن المودع لاَ يَلْزَمه العلَفُ من ماله، ولكنْ إن دفَع إلَيْه المالكُ ما يعلِفُها منه، فَذَاكَ، ولو قال: اعْلِفْهَا من مالِكَ، فهو كما لو قال: اقض ديني.
والظاهر: أنَّه يرجع علَيه، وإن لم يذكر شيئاً، فيراجع المالكُ أو وكيلُهُ، ليستردَّها، أو يعطي علفها، فإن لم يظْفَرْ بهما، رفع الأمر إلى الحاكِمِ، ليستقرضَ على المالك، أو يبيع جزءاً منْها، أو يؤجِّرها، ويصرف الأجرة إِلى مؤنتها، والقول فيه وفي تفاريعه عَلَى ما سبق في هَرَبِ الجمال، وعلف الضالة، والإِنفاقِ على اللَّقِيطِ ونحوها.
والثاني: إنْ عَلَفَهَا وسَقَاها في دارِهِ أَو إِصْطَبْلِه، حيث يسقي ويعلف دوابَّهُ، فقد وَفَّى الحفْظَ حقه، وإن أخرجها من موْضِعِهَا، فإن كان يفعل ذلك في دوَابٌ نفسه؛ لضِيقِ الموضِعِ وغيره، فلا ضمان، وإن كان يسْقِي دوابَّه فيه، فقد قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر": "وإن أخرجها إلَى غير داره [وهو يسقي في داره] 30 ضمن واختلف الأصحابُ فيه، فأخذ الإصطخريُّ بظاهِرِهِ، وأطلق وجوبَ الضَّمَان؛ لأنه أخرج الوديعة عن الحِرْز بغير ضرورة، وحمله طائفةٌ عَلَى ما إذا كان ذلك الموضِعُ أَحرز، فأما إذا كان الموضِعُ المخْرَجُ إليه أحرَزَ أو تساوياً، فلا ضمان، وحمله أبو إسْحَاق، وآخرون عَلَى ما إذا كان في الإخْراج خوفٌ، فإِن لم يكن، لم يَضْمَن، لاطِّراد العادة به هذا هو
الجزء: 7 - الصفحة: 302
الأظهر؛ ثُمَّ إن تولى السقْيَ والعَلَف بنفسه أو أمر به صاحبَه وغلامه، وهو حاضرٌ، لم تزل يده، فذاَك، وإن بعَثَهَا عَلَى يده لسقْيِها، وأمره بعلفها أو أخرجها من يده، نُظِر: إن لم يكن صاحبُه أميناً، ضمن، وإن كان أميناً، فوجهان:
أظهرهما: أنَّه لا يَضْمَن للعادة، والوجهان عَلَى ما ذكر في "الوسيط" مخْصُوصان بمن يتولَّى ذلك بنفسه، فَأَما في حقِّ غيره، فلا ضمان قطعاً، وإذا كان النهْيُ عن العلف لعلَّةٍ تقتضيه، كالقَوْلَنْجِ، فعلَفَهَا قبل زوال العلَّة، فماتت، ضمن، والعبدُ المودَعُ كالبهيمةِ في الأحوالِ المذكورةِ، ولو أودعه نخيلًا؛ حكى الحنَّاطِي فيه وجهين:
أحدهما: أنَّ سقْيَها كسَقْيِ الدابة.
والثاني: أنه لا يضْمَن بتَرْكِ السقْيِ، إذا لم يأمره 31 بالسقْيِ.
المسألة الثانية: ثيابُ الصوفِ التي يفسدها الدُّودُ يجبُ على المودَعِ نشرُها وتعريضُها للريح، بل لُبْسُها، إذا لم يندفِعْ إِلاَّ بأن تلبس وتعبق بها رائحة الأدميِّ.
فإن لم يفْعَل، ففسدت، ضمن، سواءٌ أمره المالكُ أو سكَتَ عنه، نعم لو نَهَاه عنْه، فامتنع، حتَّى فسدَتْ، كره، ولا يضمَنْ، وأشار في "التتمة" إلَى أنَّه يجيءُ فيه وجهُ الإِصطخريِّ 32، ولو كان الثوبُ في صندوق مقْفَلٍ ففتح القفل، ليخرجه وينشره، قال في التهذيب: فيه وجهان:
أصحهما: أنَّه لا يضمن، وهذا كلُّه فيما إذا علم المودَعُ، أما إذا لم يعلَم؛ بأن كان في صندوقٍ أو كيسٍ مشدودٍ، ولم يعلمه المالكُ، فلا ضمان.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ الانْتِفَاعُ فَإِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ ضَمِنَ إِلاَّ أَنْ يَرْكَبَ لِدَفْعِ الجُمُوحِ عِنْدَ السَّقْي، أَوْ يَلْبَسُ لِدَفْعِ الدُّودِ عِنْدَ الحَرِّ، وَكَذَا إِنْ أَخَذَ الدَّرَاهِمَ لِيَصْرِفَهَا إِلَى حَاجَتِهِ (ح) ضَمِنَ، وَإِنْ نَوَى الأَخْذَ وَلَمْ يَأخُذ لَمْ يَضْمَنَ، بِخِلاَفِ المُلْتَقِطِ
الجزء: 7 - الصفحة: 303
فَإنَّهُ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إِذْ سَبَبُ أَمَانَتِهِ مُجَرَّدُ نِيَّتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ المُودِعَ أَيْضاً يَضْمَنُ، ثُمَّ مَهْمَا تَرَكَ الخِيَانَةَ لَمْ يَعُدْ (ح) أَمِيناً، فَلَوْ رَدَّ عَيْنَ الدِّرْهَم ذَلِكَ إِلَى الكِيس، وَاخْتَلَطَ بِالبَاقِي لَمْ يَتَعَدَّ الضَّمَانُ إِلَى البَاقِي عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا رَدَّ بَدَلَهُ إِلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَلْطُ مِلْكِهِ بمْلِكِ الغَيْرِ، وَمَهْمَا أتْلَفَ بَعْضَ الوَدِيعَةِ لَمْ يَضْمَنِ البَاقي إلاَّ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ، كَمَا إِذَا قَطَعَ طَرَفَ العَبْدِ أَوِ الثَّوْبِ فَإنَّهُ يَضْمَنُ الكُلَّ لِخِيَانَتِهِ، فَإِنْ كَانَ مَخِيطاً لَمْ يَضْمَنْ إلاَّ المُفَوَّتَ عَلَى أَسَدِّ الوَجهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التعدِّي باستعمالِ الوديعةِ والإنتفاع بها كلُبْس الثوب، ورُكُوب الدابَّة خيانةً مضمنةً، نعم: لو كان هناك عُذْرٌ بأنْ لبس؛ لِدَفْعِ الدودِ، كما ذكرنا، أو ركِبَ الدابةَ، بحيْثُ يجوز إخراجُها للسَّقْيِ، وكانت لا تنقاد إِلاَّ بالركوب، فلا ضمان، وإن انقادتْ من غَيْرِ ركوبٍ، فركب، ضمن، ولو أخذ الدراهمَ، ليَصْرِفَها إلَى حاجته أو الثَّوْبِ، ليلبسه أو أخرج الدابَّة من مكانِها، ليركبها، ثم لم يستعمل، ضمن؛ لأنَّ الإخرَاجَ عَلَى هذا القصْدِ خيانةٌ.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: "لا يضمنُ؛ حتى يستعمل" ولو نوى الأخْذَ، [لنفسه] 33 ولم يأْخذ، فوجهان: قال ابن سريج -رحمه الله-: يضمن، كما يضْمَنُ الملتقط، إذا أخذ بنية الاختزال، وكما إذا أخذ المودَعُ ابتداءً على قصْدِ الخيانة، وقال الأكثرونَ: لا يضمن؛ لأنه لم يُحْدِثْ فعلاً مع قَصْد الخيانة، وفي اللُّقْطَةِ أحْدَثَ الأخْذَ، مع قصد الخيانة، وأيضاً، فللفرق الذي مرَّ في "باب اللُّقَطَةِ" وقد أعاده هاهنا في الكتاب وأمَّا إذا أخذ الوديعةَ عَلَى قصْدِ الخيانة، فقد حكينا في اللُّقَطَةِ: أنَّه عَلَى وجهين، فإن قلنا: إنه يَضْمَن، وهو الظاهر، فالفرقُ أنَّ الأَخذ فعلٌ أحدثه مع قَصْد الخيانة، والوجهان جارَيانِ فيما إذا نَوى أَلَّا يرد الوديعةَ بعد طَلَب المالك، والحكايةُ عن القاضي أبي حامِد، وعن أقضى القضاة المَاوَرْدِيِّ -رحمهما اللهَ تعالى-: أنَّه يضمن ها هُنَا، ولا يضمن فيما إِذا نَوَى الأَخْذَ، ولم يأخُذْ؛ لأنه إذا نَوَى ألا يردَّ، صار ممسكاً لنفسه، وبنية الأخذ، لا يصير ممسكاً لنفسه.
ويجري الوجهان فيما إذا كان الثوبُ في صندوق غير مقْفَلٍ، فرفع رأسه، ليأخذ الثوب، ويلبسه، ثم بَدَا لَهُ؛ لأنه لم يُحْدِث في الثوب فعلاً، ولو كان الصُّنْدوق مقفلًا، والكيسُ مختوماً، ففتح القفل، وفَضَّ الخَتْمَ، ولم يأخذ ما فيه، فأحْدُ الوجهين، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- أنَّه لا يضمن ما فيه وإنما يضمن الختم الذي تَصَرَّف فيه".
الجزء: 7 - الصفحة: 304
وأصحُّهما: أنَّه يضْمَنُ ما فيه؛ لأنه هتَكَ الحرْزَ، وعلَى هذا؛ فهل يضمن الصندوقَ، والكِيس، فيه وجهان؛ لأنه لم يقصد الخيانةَ في الظَّرْف، ولو خرق الكيس، نظِرَ: إنْ الخَرْق تحت موضع الخَتْم، فهو كفَضِّ الختم، وإن كان فوقه، لم يضْمَن، إِلاَّ نقصان الخَرْق 34، ولو أودعه شيئاً مدْفُوناً، فنبشه، فهو كَفَضِّ الختم، ولا يلتحق بفتح القُفْل، وفض الختم حَلُّ الخيط الَّذي يشدُّ به رأْسُ الكيس، أو رزمة الثياب؛ لأنَّ القصْدَ منه المنعُ من الانْتِشَار لا أن يكون مكتوماً عنه وعن الحاوِي: نقلُ وجهين؛ فيما إذا كانت عنْده دراهمُ، فوزنها، أو عدَّها، أو ثيابٌ، فذرعها ليعرف طُولَها وعرضَهَا، أنَّه، هَلْ يضمن؟ ويشبه أنَّ يجيء هذا الخلافُ في حلِّ الشَّدِّ 35.
وأما قوله: "مهما ترك الخيانة" إلى قوله: "على أحد الوجهين" هذا شرحُه، ثم في الفصل ثلاثُ مسائِلَ:
إحداها: إذا صارت الوديعةُ مضمونةً على المودَعِ، بانتفاعِ، أو إخراجٍ من الحَرْزِ، أو غيرهما من وجوه التقْصيرِ، ثم إِنه ترك الخيانةَ، وردَّ الوديعة إلَى مكانهَا، لم يبرأ، ولم تعُدْ أمانته.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: "يبرأ، ويعود أميناً" إِلاَّ أنَّه سلم أنَّه لو جَحَدَ الوديعةَ، وضَمِنَها بالجُحُود، ثم أقر بها، لا يبرأ فقاس الأَصحاب سائِرَ أسباب الضمانِ عليه، وأيضاً: فلو ردَّ السارقُ المسروقَ إلى موضعه، لا يبرأ، فكذلك هاهنا، ولو ردَّها هنا إلى المالِك، ثم إنه أودعه ثانياً، فلا شك في أنَّه يعود أميناً، ولو لم يردَّها، ولكن أحدث المالِكُ له استئماناً، فقال: أذنْتُ لك في حفْظِها أو أودعتكها أو استأمنتك، أو أَبرأتك عن الضمان، فوجهان:
أحدهما: ويحكى عن ابن سُرَيْج: أنَّه لا يعود أميناً، لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم- "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تؤدِّيه" 36.
وأصحُّهما: وهو ظاهر نصِّه في باب العارية عودُهُ أميناً؛ لأنَّ التضمين لحقِّ المالك، وقد رضي بسقوطه، وروى بعضهم الأولَ عن نصِّه في الأمِّ فعلَى، هذا: يجوزُ التعبيرُ عن الخلاَفِ بالقولَيْنِ، وهو كالخلافِ فيما إذا حَفَرَ بئراً في ملْكِ غيره عُدْواناً، ثم أبرأه المالكُ عن ضمان الحَفْر، ولو قال في الابتداء: أودعتك كذا، فإِن خنت، ثم
الجزء: 7 - الصفحة: 305
تركت الخيانة، عدتَّ أميناً لِي، فخان، ثم تركَ الخيانةَ.
قال في التتمة: "لا يعودُ أميناً، بلا خلاف"؛ لأنه لا ضمانَ حينئذٍ حتَّى يسقطه، وهناك الضمانُ ثابتٌ، فيصحُّ إسقاطه، وفي هذا شيءٌ آخرُ، وهو أن الاستئمان الثانِيَ معلَّق وقد سبق الكلامُ في تعليق الوديعة.
فَرْعٌ: له شبه بما نحن فيه لو قال: "خذْ هذا وديعةً يوماً، وغير وديعة [يوماً فهو وديعة أبداً ولو قال وديعة يوماً وعارية يوماً فهو وديعةٌ] 37 في اليوم الأوَّل، وعاريةً في اليوم الثانِي ثم لا تعود وديعةً أبداً، حكاه القاضي الرويانيُّ عن وفاق الأصحاب 38 -رحمهم الله- في "التجربة".
المسألة الثانية: إذا خلط الوديعةَ بمالِ نفسه، وارتفع التمييزُ، ضمن، [وإن خلَط] بالمثل، أو الأجودِ، [فعن مالك أنَّه] لا يضمن، وإن خلطها بمال آخر للمالك كما لو كانتْ له دراهُم في كيس فخلط ما في أحدهما بالآخر، فيضمن أيضاً عَلَى أظهر الوجهين؛ لأنه ربما ميَّز بينهما لغَرَضٍ دعا إليه فالخلْطُ خيانة، ولو كانتْ عنده دراهمُ، فأخذ منها درهماً، فأنفقه ثم ردَّ مثله إلَى موضعه، لا يبرأ من الضمان، ولا يملكه ربُّ الوديعة إِلاَّ بالدفْعِ إليه، ثم إن كان المردُودُ لا يتميز عن الباقي، صار الكُلُّ مضموناً علَيْهِ، لخلْطِه الودَيعةَ بمالِ نفْسه، وإن كان يتميَّز، فالباقي غيرُ مضمونٍ عليه، وإن لم ينفقِ الدراهمَ المأخوذةَ، ورده بعينه، فلا يبرأ عن ضمان ذلك الدَّرْهم، ولا يصير الباقِي مضموناً عليه، إِن كان يتميَّز ذلك الدرْهَم عن غَيْرِه، وإلا فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لخَلْطِ المضمونِ بغَيْرِ المضمون.
وأصحُّهما: المنْعُ؛ لأنَّ هذا الاختلاطَ كان حاصلًا قبل الأخذِ، فعلَى هذا، لو تلفَتِ العشْرَةُ، لم يلزمْهُ إلا درْهَمٌ، لو تلف منه خمسةٌ، لم يلزمه إلا نصْفُ درهم، وقد يعبَّر عن الخلافِ بالقَوليْن؛ لأنَّ الثاني -ظاهر نصِّه في "المختصر" والأول ينسب إِلَى رواية الربيع -رحمه الله- وهذا كله فيما إذا كانَتِ الدراهمُ غير مختومةً، ولا قُفْلَ عليها، أو قلنا: إِن مجرد الفضِّ والفَتْح لا يقتضي الضمانَ، أما إذا فَرَّعنا عَلَى أنه يقتضيه، وهو الأصحُّ، فبالفَضَّ والفَتْح يضمن الجميعَ.
المسألة الثالثة: إذا أتلف بعْضَ الوديعة، ولم يكُنْ له اتصالٌ بالباقي، كأحد الثوبَيْنِ؛ فلا يضمن إِلاَّ المُتْلَفَ، وإن كان له اتصالٌ؛ كتخريق الثوب، وقَطْع طرف العَبْد، والبهيمة، نُظِرَ: إن كان عامداً، فَوَجْهَان على الكلِّ، فيضمن، وإن كان مخطئاً،
الجزء: 7 - الصفحة: 306
ضمن المُتْلَفَ، وفي الباقي وجْهَان: أحدهما: يضمنه أيضاً، ويسوِّي بين العبد والخطأ فيه، كما سوَّى في القَدْر التَّالف.
وأصحُّهما: المنْعُ؛ لأنه لم يتعدَّ، وإنما ضمن المتْلَفَ لفواته.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسُ: المُخَالَفَةُ فِي كيْفِيَّةِ الحِفْظِ فَإذَا سَلَّمَ إِلَيْهِ صنْدُوقاً فَقَالَ: لاَ تَرْقُد عَلَيْهِ فَرَقَدَ عَلَيْهِ فَقَد زَادَ خَيْراً فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ إِذَا أَخَذَ اللُّصُوصُ مِنْ جَنْبِ الصُّنْدُوقِ فِي الصَّحْرَاءِ فإِنَّهُ يَضْمَنُ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ المُخَالَفَةِ جَائِزَةٌ بِشْرْطِ سَلاَمَةِ العَاقِبَةِ، وَلَو سَلَّمَ إِلَيْهِ دَرَاهِمَ وَقَالَ: ارْبِطْهَا في كُمِّكَ فَأَخَذَهَا في يَدِهِ فَأَخَذَهَا غَاضِبٌ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ اليَدَ هَهُنَا أَحْرَزُ، فَإِنِ اسْتَرْخَى بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ، ضَمِنَ، وَإِنْ رَبَطَ في كُمِّهِ امْتِثالًا لَهُ وَجَعَلَ الخَيْطَ الرَّابِطَ خَارجَ الكُمِّ فَأَخَذَهُ الطَّرَّارُ ضَمِنَ لِأَنَّ ذَلِكَ إِغْرَاءٌ لِلطَّرَّارِ، فَإِنْ ضَاعَ بِالاسْتِرْسَالِ لَمْ يَضْمَنُ وإِنْ جَعَلَ الخَيْطَ دَاخِلَ الكُمِّ فَالحُكْمُ بِالعَكْسِ مِنْ هَذَا، وَإِنْ قَالَ: احْفَظْ فِي هَذَا البَيْتِ وَلَمْ يَنْهَ عَنِ النَّقْلَ فَنَقَلَ إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الحِرْزِ ضَمِنَ، وَإِنْ نَقَلَ إِلَى مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ لَمْ يَضْمِنْ، إِلاَّ إِذَا هَلَكَ بِسَبَبِ النَّقْلِ كَانْهِدَامِ البَيْتِ المَنْقُولِ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مُكْتَرِي الدَّابَّةِ إِذَا رَبَطَهَا في اَلأِصْطَبْلِ فَمَاتَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنِ انهَدَمَ عَلَيْهَا ضَمِنَ، وَإِنْ نَهَاهُ عَنِ النَّقْلِ فَنَقَلَ ضَمِنَ لِصَرِيحِ المُخَالفَةِ، وَإِنْ كَانَ المَنْقُولُ إِلَيْهِ أَحْرَزَ إِلاَّ إِذَا كَانَ النَّقْلُ لِضَرُورَةِ غَارَةٍ أَوْ حَرِيقٍ، وَلَوْ نَقَلَ مِنْ صُنْدوقٍ إِلَى صُنْدوقٍ وَالصَّنَادِيقُ لِلمَالِكِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُودِعِ فَهُوَ كَالبَيْتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أمره بحفْظِ الوديعةِ عَلَى وجْهٍ مخصوصٍ، فعَدَلَ عنه إلَى وجهٍ آخر، وتلفَتِ الوديعةُ، فإن كان التلَفُ بسبب الجهةِ المعْدُولِ إِلَيْها، ضمن، وكانتِ المخالفةُ من أسباب التقصير؛ لأنه لو راعَى الوَجّه المأمورَ به، لم يتحقَّقِ التلَفُ، ولو حصل التلَفُ بسببٍ آخرَ، فلا ضمان، وهذه جملة يفصِّلها صُوَرٌ:
الصورة الأُولَى: أودعه مالاً في صندوقٍ، وقال: لا ترقُدْ عليه، فرقَدَ علَيْه، نُظِرَ: إن كان تلف بالرقود، بأن انكسر رأْسُ الصندوق بثقله أو تلف ما فيه، وَجَبَ الضمان، وإلا، فإن كان في بيت محرز، وأخده اللُّص، أو في صحراء، وأخده اللُّص من رأس الصندوق، فعن مالك -رحمه الله-: أنه يضمن، وبه قال بعض الأصحاب؛ لأَن الرقود عليه يوهِمُ السارقُ نفاسَةَ ما فيه، فيقصدُهُ، والمذْهَب: أنَّه لا يضمن؛ لأنه زاد احتياطاً وحفْظاً، والتلف ما جاء مما أتَى به ويجري هدا الخلاَفُ فيما إذا قَالَ: لا تقفل عليه، فأقفل، أو لا تَقْفِل عليه، إِلاَّ قُفْلاً واحداً، فأقفل قُفْلَيْن، أَو لا تَغْلِق باب البيت، فأغلقه، وإِن كان في الصحراء، وأخَذَ اللُّص من جنب الصندوق، فوجهان منقولان في "التتمة":
الجزء: 7 - الصفحة: 307
أحدهما: أنه لا يضمن؛ لأنه إذا كان فَوْق الصندوق، يطلع على الجَوَانِب كلِّها، فيكون أبلغ في الحفْظِ.
وأظهرهما: وهو المذكورُ في الكتاب: أنه يضمن؛ لأنَّه إذَا رقَدَ علَيْه، فقد أخلى جنْب الصندوق، وربما لم يتمكَّن السارقُ من الأَخذ، لو كان بجَنْبه، وإِنما يظْهَر هذا، إذا فرض الأخْذ من الجانب الَّذي لو لم يرقُدْ عليه، لكان يرقُدُ هناك، وذلك بأنْ كان يرقُدُ قُدَّام الصندوق، فتركه فانْتهَزَ السارق الفرصَة، أو قال المالِكُ: أرقد قُدَّامه، فرقد عليه، فأخد السارقُ المالَ من قُدَّامه، وقد تعرض لهذا القَيْد متعرَّضون.
وقوله في الكتاب "فقد زاد خيراً" في بعض النُّسَخ: "فقد زاد حِرْزاً" وهو لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه-.
وقوله: "فلا يضمن" مُعْلَمٌ بالواو والميم.
وقوله: "يضمن" بالواو، وقوله: "لأن مثل هذه المخالفة جائزةٌ، بشرط سلامة العاقبة" يعني به ما بينا أنه لا بأس بالعُدُول من جِهَةِ حفْظٍ إِلَى مثلها، لكن لو أفضَى المَعْدُول إلَيْه إِلى التلف، وجب الضَّمَان وإذا أمره بدَفْنِ الوديعة في بَيْته.
وقال: لا تَبْنِ عليه، فبنَى، فهو كما لو قال: لا ترقُدْ علَيْه فرقد، ثم هو عند الاسترداد منقوض غير مغروم على المالك، كما لو نقل الوديعة عند الضرورة لا يرجع بالكراءِ على المالك؛ لأنه متطوع، نصَّ عليه في "عيون المسائل".
الثانية: إذا سلم إلَيْه دراهم، أو غيرها، وقال: اربطْهَا في كُمِّكَ، فأمْسَكَها في يده، فالنصُّ في "المختصر": أنه لا ضمان، وعن رواية الربيع -رحمه الله-: أنه يضمن، وحكى العراقيِّون وغيرهم فيها طريقَيْن:
أحدهما: إن المسألة عَلَى قولَيْن: وجْهُ الأول: أن اليد أحرزُ من الكُمِّ لأنَّ الطَّرَّاز يَأخُذ من الكم، ولا يتمكَّن من الأَخد من اليد، ووجه الثاني: أنَّ ما في اليد يضيعُ بالنِّسْيَان، وَبَسْطِ اليدِ، وما في الكم لا يضيع.
وأصحُّهما: تنزيل النَّصيَّن على حالَتَيْن، وفيه طريقان:
أحدهما: أنه، إنْ لم يَرْبِطْها في الكُمِّ، واقتصر على الإِمْسَاك باليد، ضمن، كما نقله الرَّبيع، وروايةُ المزنىِّ محمولةٌ عَلَى ما إذا أمسك باليد بَعْدَ الربط في الكم.
وأصحُّهما: وهو المذكورُ في الكتاب، واختارَهُ الشَّيْخ أبو حامد: أنَّ رواية المُزَنِيِّ محمولةٌ على ما إذا تلفت بأخْذِ غاصبٍ، فلا يضمن؛ لأنَّ اليَدَ أحرزُ بالإضافة إليه، وإن سقطت بنوم، أو نسيان، ضَمِنَ؛ لأنها لو كانَتْ مربوطةً في الكم، ما ضاعت بهَذَا السَّبَب، فالتَّلَف حَصَل بسبب المخالَفَة، ولفظ النَّصِّ في "عيون المسائل" مصرِّح بهذا
الجزء: 7 - الصفحة: 308
التنزيل ولو لم يربطْها في الكُمِّ، وجعلَهَا في جَيْبِهِ، لم يضمن؛ لأنه أحْرَزُ إِلاَّ إذا كان واسعاً غير مزرور.
وفيه وجه ضعيفٌ: أَنَّهُ يضمن، وبالعَكْس يضمن لا محالة لو أَنه امتثلَ أَمْرَهُ، فرَبَطَهَا في كُمِّه، فلا يحتاج في ذلك إِلى الإمساك باليَدِ، ثم ننظر: إنْ جعل الخَيْط الرابط خارجَ الكُمِّ، فأخذها الطَّرارُ، ضمن؛ لأن فيه إظهارَ الوَدِيعة، وذلك يتضمن تنبيه الطرار، وإغراءَهُ، وأيضاً: فإن قطْعه، وحَلَّه يكون أسهل على الطَّرَّار، وإن ضاع بالاسترْسَالِ، وانحلال العقدة، لم يضمن إذا كان قد احتاطَ في الربْط؛ لأنها إِذَا انحلَّت بقيت الدراهمُ في الكمِّ، وإن جعل الخيْط الرابط دَاخِلَ الكم، انعكس الحكم، فإنْ أخذه الطَّرَّار، لم يضمن، وإن ضاع بالاسترْسَالِ، ضمن؛ لأنَّ العقْدَةَ، إِذَا انحلَّت، تناثَرَتِ الدراهمُ، هذا ما قاله الأصحابُ، وهو مشكِلٌ لأنَّ المأمورَ به مطلَقُ الربْطِ، فإذا أَتَى به، وجَبَ ألا ينْظُرَ إلَى جهاتِ التَّلَف بخلاَفِ ما إِذا عَدَل عن المأمور به إلَى غيره، فأفضَى إِلَى التَلفِ، وقضيَّة هذا أن يقال إِذا قال: احفظ الوديعة في هذا البَيْت، فوضَعها في زاويةٍ منه، فانهدمَتْ عليها، يضمن؛ لأنَّها لو كانَتْ في زاوية أخَرى، لسلمت ومعلُومٌ أنَّه بعيدٌ ولو سلم إِليه دراهمُ في السُّوق، أو طريق، لم يقُلِ: اربطْهَا في كمك، ولا امْسِكْها في يدك، فربَطَها في الكُمِّ، وأمسكها باليد، فقد بالَغَ في الحفظ، وكذا لو جعَلَها في جَيْبهِ، وهو ضيِّقٌ أو واسِعٌ مزرور، فإن كان واسعاً غَيْر مزرورٍ، ضمنها؛ لسهولةِ تناوُلهاَ باليد.
ولو أمسكَهَا بيده، ولم يربطْها في الكُمِّ، لم يضْمَنْ، إن تلفت بأخْذِ غاصبٍ، وضمن إنْ تلفت بغفْلِة أو بنَوْمٍ، ولو ربطها، ولم يمسكْها بيده، فقياسُ ما سَبَق النَّظَرُ إِلَى كيفية الربط، وجهة التلف.
ولو وضَعَها في الكُمِّ، ولم يربطْ فسقطت، فإن كانَتْ خفيفةً، لا يَشعُرُ بها، ضَمِن؛ لتفريطِهِ في الإحْرَاز، وإن كانَتْ ثقيلةً، يشْعُر بها، لم يضْمَنْ، ذكره في "المهذب" وقياسُ هذا؛ يلْزَمُ طَردُهُ فيما سبَقَ من صُور الاسْتِرْسال كلِّها، ولو وضعها في كُورِ عمامَتِه، ولم يشدَّ، ضمن، ولو أودَعَه في السوق، وقال: احفَظْ وديعتِي في بيتِكَ، فينبغِي أن يَمْضِيَ إلَى بيته، ويحرزها فيه، فإنْ أخَّر من غير عُذْر، ضمِن 39 وإن أودعه في البَيْت، وقال: احفَظْها في البَيْت، فربَطَها في الكم، وخرج بها، صَارَتْ مضمونةً عليه، وكذا لو لم يخْرُجْ بها، وربَطَها في الكُمِّ مع إِمكان إحْرَازها في الصندوق ونَحْوِهِ وإن كان ذلك لقفل تعذَّر فتْحُه، أو ما أشبه
الجزء: 7 - الصفحة: 309
ذلك، لم يضْمَن، قال في "المعتمد": "وإن شدَّها في عَضُدِهِ، وخَرَج بها، فإنْ كانَ الشَّدُّ مما يلي الأَضْلاَعَ، لم يضْمَنْ؛ لأنه أَحْرَزُ من البَيْت، وإن كان الشدُّ من الجانب الآخَرِ، ضمن؛ لأن البيت أحرز منه، والله أعلم.
وفي تقييدهم الصورةَ بما إذا قَالَ: "احفْظهَا في البيت" ما يُشْعِرُ بأنه لو أودعه في البَيْت، ولم يَقُلْ شيئاً، يجوز أنْ يخرج بها مربوطةً، ويشبه أن يكُونَ الرجُوعُ إلَى العَادَةِ.
الصورة الثانية: إذا عين للوديعةِ مكاناً؛ بأن قال: احْفَظْها في هذا البَيْت، أو في هذه الدار، فإما أن يقتصَر علَيْهِ، أو ينهاه مع ذلك عَنِ النَّقْل، فإن اقتصر علَيْه، فنقلها إلَى ما دُونَه في الحرز، ضَمِن، وإن كان المنقولُ إِليه حِرْزاً لمثْلِها، وإن نقلها إلَى بيتٍ مثْلِ الأوَّل، أو أحرز منه، لم يضمن، ويحمل التعيينُ عَلَى تقدير الحِرْز به، لا دون التخصِيص الَّذي لا غَرَضَ فيه، كما إذا أجَّر أرضاً لزراعةِ الحنْطَةِ، يجوز أن يزرعها، وما ضَرَرهُ مثْلُ ضَرَرْها، نَعَم: لو كان التلف بسبب النقْل، كما إذا انْهَدَم علَيْه البيتُ المنقولُ إلَيْه، فيضمن؛ لأنَّ التلَفَ هاهنا جَاءَ من المخالَفَةِ.
وقوله في الكتاب وكذلك مكتري الدابَّة للرُّكُوب، إذا ربَطَها في الإصْطَبْلِ، فماتَتْ، لم يَضْمَنْ، وإن انهدم عليها، ضمن المسألةُ مذكورةٌ في الإِجارةِ، والغرضُ هاهنا الاستشهادُ، والسرقةُ من البَيْت المنْقُولِ إليه كالانهدام فيما ذكَره صاحب "التهذيب" و"التتمة" فلفظ الكِتَابِ في الإِجَازَةِ يقتضي إلحاقَ السَّرِقَةِ والغَصْب بالمَوْت، وكذا أورده بعْضُهمِ، وإن نهاهَ عن النَّقْل، فقال: احفَظْهَا في هذا البيت، ولا تنْقُلْها، فإن نقل من غير ضَرُورَةٍ، ضمن؛ لصريحِ المخَالَفةِ من غَيْر حاجة، سواء كان المنقولُ إليه أحْرَزَ، أو لم يكنْ وقال أبو سعيد الإِصطخريُّ إن كان مثل الأوَّلُ أحرزَ، لم يضمن، كما لو لم يَنْه، وإن نقل ضرورة غارةٍ أوَ غلبةِ أو حريق اللصوصِ لم يضمن، إذا كان المنقولُ إليهِ حِرْزاً لمثْلِها، ولا بأس بكَوْنه دُونَ الأوَّل، إذا لم يجدْ أحرَزَ منْه، ولو ترك النقْلَ، والحالَةُ هذه، فأصحُّ الوجهين: أنه يضمن؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه قَصَدَ بالنهي عن النَّقْلَ نوعاً من الاحْتِيَاطِ، فإذا عرضَتْ هذه الأحوالُ، فالاحتياطُ النقْلُ، وإن قال: "لا تَنْقُلْها، وإن حدثَتْ ضرورةٌ" فحدثَتْ ضرورةٌ، فإن لم ينقلْ 40، لم يضمَنْ، كما لو قال: "أَتْلِفْ مالِي" فأتلفه، وفيه وجه عن الإِصطخريِّ -رحمه الله- وإن نقل فوجهَان:
أصحهما: أنه لا يضمن أيضاً؛ لأنه قصد الصيانةَ والإصْلاحَ، وحيثُ لا يجوزُ النقْلُ إِلاَّ بضرورةٍ، فلو اختلَفَ في أنَّه، هَلْ كان ضرورةً، فإن عرف هناكَ ما يدَّعيه
الجزء: 7 - الصفحة: 310
المودَعُ صُدِّقَ بيمينه، وإِلاَّ طولب بالبينة، فإن لم يكن بينه صدق المالك بيمينه.
وحكى أبو الفرج الزاز -رحمه الله- وجهاً أنَّ ظاهِرَ الحال يغنيه عن اليَمِين، وحكَى أيضاً وجهاً غريباً فيما إذا لم يَنْهَ عن النَّقْلَ، فَنَقَلَ إلَى ما دونه: أنَّه لا يَضْمَن فيجوز أن يعلم لذَلِكَ قولُهُ في الكَتاب: "فنقل إلَى ما دُونَه في الحِرْزِ، ضمن" بالواو، وقوله: "فإن نهاه عن النقْلِ، فنقل، ضَمِنَ" معلَمٌ بالواو؛ لما سبق، وبالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة أنَّه لا بأس بالنقل من بيت إِلَى بيتٍ آخر من الدار، [وسلم أنه لا يجوزُ النقْلَ من دار] 41 إِلَى دارٍ أخرَى، إذا نهَى عن النقل.
ثم ذكر الأئمة: أنَّ جميعَ هذا فيما إذا كان البَيْتُ المعيَّن والدارُ المعيَّنة للمودَعِ، أمَّا إذا كان للمالك، فليس للمودَعِ إخراجُهَا عن ملكه بحالٍ إِلاَّ أن تعرض ضَرورةٌ.
الصورة الثالثة: إذا نقل الوديعة من ظرف إِلَى ظرف كخريطة إلَى خريطةٍ، وصندوقٍ إِلَى صندوق، فَقَدْ أطلَقَ صاحبُ الكتاب أنَّه إن كانت الظروفُ للمالكِ، لا يضمن، وأطْلَقَ مطْلِقُون، والحالةُ هذه؛ أنَّه يضْمَن، كما لو نقَلَها من بيته.
والَّذي يتلخص فيه من كَلامِ الأصحاب عَلَى اضطرابه [أنَّه] إنْ لَمْ يُجِرْ فَتْحُ قُفْلٍ، ولا فَضَّ خَتْم، ولا خَلْط، ولم يعيَّنِ المالَكُ ظرفاً، فلا يضمن بمجرَّد النقْل، سواءٌ كانت الصناديقُ للمودَعِ أو للمالكِ، وإذا كانَتْ للمالكِ، فحُصُولها في يد المودَعِ قد يكونُ بجهة كونِهَا وديعة، أيضاً إما فارغةٌ أو مشغولةٌ بالوديعةِ، وقد تكون بجهةِ العَارِية، وإنْ جرَى شيء من ذلك، فأما الفضُّ، والفَتْح، والخَلْط، فَقَدْ مَرَّ أنها مضمنةٌ، وأما إن عَيَّن ظرفاً، نُظِر: إن كانَتِ الظروفِ للمَالِك، فوجهان:
أحدُهُمَا: أنه يضْمَن؛ لأن التفتيشَ عن المتاعِ المَوْضُوعِ في الصنْدُوقِ، والتَّصَرُّفَ فيه بالنَّقْل لا يليقُ بحالِ المُودَع.
وأصحُّهما: المَنْعُ؛ لأنَّ الظرف والمظْرُوف وديعتَانِ، وليس فيه إِلاَّ أنَّه حفْظُ أحدِهِما في حرزٍ، والآخر في غيره، فعلَى هذا: إن نقل إلَى المثل، أو الأحرز، فلا بأْسَ، وإن نقل إلَى ما دُونَه، ضمن، وإن كانَتِ الظروفُ للمودَعِ، فهو كالبُيُوتِ بلا خلاَفٍ.
ومما يناسب صور الفصل، لو قال: احفَظْ وديعتِي في هذا البَيْتِ، ولا تدخل عليها أحداً، أو لا تستعن عَلَى حفْظِها بالحارسِينَ فخالف فإن حصل التلف؛ بسبب المخالفة؛ بأن سَرَق الدين أدخَلَهُم أو الحارِسُون، ضمن، وإن سرق غَيْرُهم، أو وقع
الجزء: 7 - الصفحة: 311
حَرِيقٌ، فلا، ولو أودَعَه خاتماً، وقال: اجعلْهُ في خِنْصَرِكَ، فجعله في البِنْصَرِ، فهو أحرزُ لأنَّها أغلط، لكنْ لو انكسر، لِغِلَظِهَا، ضمن، وكذا لو أمسكه في أنحلته العلْيَا، لأنه في أصْلِ الخنْصر أحْرَزُ، ولو قال: اجعله في البنْصِر، فجعله في الخنْصر، إن كان لا ينتهِي إلَى أصلِ البنصرِ، فالذي فعله أحرزُ، فلا يضمن 42، وإن كان ينتهي إِلَيْهِ، ضمن؛ لأن ما يثبت في البنْصِر، إذا جعل في الخنْصر، كان يعرض السقوط، ولو أودعه الخاتَمَ، ولم يذكر شيئاً، فإن جعله في غير الخنْصر، لو يضْمَن إِلاَّ أنَّ المرأة قد تختم في غَيْر الخنْصر، فيكون غير الخنْصر في حقِّها، كالخنصر إن كانت مودعة، وإن جعله في الخنْصر، ففيه احتمالانِ عن القاضِي الحُسَيْنِ وغيره:
أحدهما: ويحْكى عن أبي حنيفة -رحمه الله-: أنَّه يضْمَن؛ لأنه استعمالٌ.
والثاني: أنَّه إنْ قصد الحفْظَ، لم يضمن، وإن قَصَد الاسْتعمال، ضمن وفي "الرَّقم" لأبي الحَسَنِ العبَّادِيِّ: أنَّه إن جعلَ فصَّه إلَى ظهر الكف، ضمن، وإلاَّ 43، فلا؛ كأنه استدلَّ بجعله إلَى ظهرِ الكَفِّ عَلَى قصد الاستعمالِ، لكن من آداب الختم: أن يجعل الفَصُّ إلَى بطْنِ الكَفِّ، وأنه يقدح في هذا الاستدلالِ والجواب المطْلَقِ فيما إذا قَالَ: اجعلْهُ في البنْصِر، فجعله في الخنْصر، يُنْظَر إلَى هذا الخلَاف، ولو أودعه، وقال: لا تخبر بوديعتي أحداً، فخالف فسَرَقَها مَنْ أخبره، أو من أخْبَرَ من أخبره، ضمن المودَعُ؛ لاقضاء الإخْبَار إِلَى السرقة، ولو تلفَتْ بسببٍ آخَرَ، لم يضمن ذكره الشيخ أبو الفَرَج.
وزاد العباديُّ على هذا؛ فقال: لو أنَّ رجلاً من عرضِ الناس سأل المودع، هل عندك لفلانٍ وديعةٌ، فأخبره بها، ضَمِنَها؛ لأنَّ كتمانِهَا من حِفْظِها، فإذا أخبره، فقد ترك الحِفْظَ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّادِسُ: التَّضْيِيغ وَذَلِكَ أَن نُلقِيَهُ في مَضْيَعَةٍ، أَو يَدُلَّ عَلَيْهِ سَارِقَاً، أَوْ يَسْعَى بِهِ إِلى مَنْ يُصَادِرُ المَالِكَ فَيَضْمَنُ، وَلَوْ ضَيَّعَ بِالنِّسْيَانِ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ سَلَّمَ مُكْرَهَاً فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الظَّالِمِ، وَفِي تَوَجُّهِ المُطَالَبَةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَمَهْمَا طَالَبَهُ
الجزء: 7 - الصفحة: 312
الظَّالِمُ فَعَلَيهِ أنْ يُخْفِيَ، وَلاَ بَأْسَ أنْ يَخلُفَ كَاذِبَاً لِلْمَصْلَحَةِ، فَإِنْ خَيَّرَ بَيْنَ الحَلِفِ بالطَّلاَقِ أَوِ التَّسْلِيمِ فَإِنْ سَلَّمَ ضَمِنَ، وَإِنْ حَلَفَ طُلِّقَتْ زَوجَتُهُ لِأَنَّ الخِيَارَ فِي التَّعْيِينِ إِلَيْه.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنْ أسباب التَقْصيرِ التضْيِيعُ، فإنَّ المودَعَ مأمورٌ بحفْظِ الوديعةِ، حيثُ يكونُ حرزاً لمثْلِها وبالتَحرُّز عن أسباب التَّلَفَ، فلو أخر إحرازَهَا مع الإمكان، ضمن، ولو جعَلَها في مضْيَعَةٍ أو في غيرِ حِرْزٍ مثلها، فكلذلك، ولو جعلها في أحْرَزَ من حرزٍ مثلها، ثم نَقَلَها إِلَى حرزِ المثلِ، فلا بأس، إذا عُرِفَ ذلك، ففيه صورٌ:
الأولَى: لو سعَى بالوديعة إلَى من يصادِرُ المالك، ويأخذ أموالَهُ، ضمنها؛ بخَلافِ ما إذا كانَتِ السعايةُ من غير المودَعِ، فإنه لم يلتزم الحفْظَ، ولو أخبر اللصوصَ بالوديعة، فسرقوا؛ إِن عَين الموضِعَ، ضمن، وإلا فلا، وكذلك فَصَّل صاحب "التهذيب" وقد يُشْعِر به لَفْظُ الكتاب؛ حيثُ قال: أو يَدُل عليه سارقاً.
الثانية: لو ضيَّع الوديعةَ بالنِّسيان.
فأحد الوجهين: أنه لا يَضْمَن؛ لأن الناسِيَ غير متعدٍّ، والمودع إنَّما يضمن بالتعدِّي.
والثاني: يضمن؛ لأن التضْييع سَبَبُ التقصير، فيستوي فيه النِّسْيان وغيره، كالإتلاف، وبالأوَّل أجاب بَعْضُ الَمتأخِّرين، ونسب إِلَى الخضريِّ؛ لأنه سُئِلَ عن امرأةٍ، سلمت خلخالَهَا إلَى زوجها، ليدفعه إلَى صائغٍ، فدفعه، ونَسِيَ الصائغ، فقال: إن أشهد لم يضمن، وإلاَّ ضَمِن، لكن الأشبه رجَحانُ الثاني لأنه نصَّ في "عيون المسائل": أنَّه إذا أودعه إناءَ من قوارير، فأخذه المستودعُ بيده، ليُحْرِزُه في منزِلِهِ، فأصابه شيء من غيرِ فعْلِهِ، فانكسر، لم يضمن، ولو أصابَهُ بفعْلِه مُخْطِئاً أو عامِداً قَبْل أن يصيرَ إِلَى البَيْت أو بَعْدَ ما صار إِلَيْه، فهُوَ ضامنٌ، والخطأ والنسيانُ يجريان مجْرَى واحداً وأيضاً: فإن أبا سعد المتولَّي -رحمه الله- ذكر أنَّ الوجّهَيْن في النسيان مبنيَّانِ عَلَى أنَّ المأمور بالفِعْل، إذا تركه ناسياً، هل يعدُّ مفرطاً، كما لو نَسِيَ الماء في رَحْلِهِ وتيَمَّم، هل يقضي الصلاةَ؟ فيه قولان، والظاهرُ في ذلك الأصْل وجوب القضاء، ولأنه ذكروا أنه لو انتفع بالودِيعَةِ، ثم ادَّعى الغلَطَ، وقال: ظننته مِلْكي، لا يُصَدَّق، ومعلومٌ أن هذا احتمالٌ قريبٌ، وكأن الجوابَ مبنىٌّ على أنَّ الغَلَط غيرُ دافِعٍ للضمان.
الثالثة: إذا أخذ الظالِمُ الوديعةَ قَهْراً، فلا ضمانَ عَلَى المُودَع، كما لو سُرِقَتْ منه، وإن أكرهه؛ حتى سلَّمها بنَفْسِه، فللمالِكِ مطالبةُ الظالِمِ بالضَّماَن، ولا رجوعَ له، إذا غرم، وهَلْ يطالب المودَعَ؟ فيه وجهان:
الجزء: 7 - الصفحة: 313
أظهرهما: نعم؛ لتسليمه، ثم يَرْجِع هُوَ على الظالِمِ، وهما كالوجهين في أنَّ المكره عَلَى إتلاف مال الغَيْر، هل يطالب؟ وقوله: "فقرار الضمانِ على الظَّالم وفِي تَوَجُّهِ المطالَبةِ علَيْه وجهان" مَسَاقُهُ يقتضي [الجزم بالقرار علَيْهِ بيع الوجهين وفي مُطَالبة المُودَع] 44 لكنَّ المعنِيَّ بالقرار في هذه المواضِعِ الاَّ يرجع الشخْصُ، إذا غُرم، ويرجع عليه غيره، إذا غرم، وهذه الحقيقةُ تعتمدُ توجيهَ المُطَالبة عَلَى شخْصَيْن، فلا ينتظم الحُكْم بالقرار عليه، إِلاَّ إذا قلنا بوجُّه المطالبة [على المكره، فلا يكون مجزوماً، به مع الخلاف في المُطَالَبَةِ] 45 ومهما طالبه الظالم بالوديعَة فعليه دفعه بالإِنكار والإخفاء والامتناعِ، ما قَدَر عليه، فإن ترك الدَّفْعِ مع القدرة، ضمن، وإن أنْكَر، فَحلفه، جاز له أنَّ يَحْلِفَ لمصلحةِ حفْظِ الوديعةِ، ثم يُكَفِّرَ 46؛ لأنه كاذبٌ.
وفي "التتمة": أن وجُوبَ الكفارة يُبْنَى على أنَّه، إنْ أكره على تطليق إحدى امرأتَيْهِ، فطلَّقها، هل يَقَعُ أم لا فإن قلْنا: لا يقع، فيمينه لا ينْعَقِدُ، هذا لفظه، وإن أُكْرِهَ عَلَى أن يَحْلِفَ بالطلاق، أو العتاق فحاصُلُه التخييرُ بين الحَلِفِ، وبين الاعتراف والتسليم، فإِن اعترف، وسلَّم، ضمن؛ لأنه فَدَى زوجته بالوديعةِ، وإن حَلَفَ بالطلاق، طلقت زوجته؛ لأنه قَدَرَ على الخَلاَصِ بتَسْلِيم الوديعةِ، ففدَى الوديعةَ بالطَّلاق.
وفي "التَّتِمَّة": أنا إن قلنا: إنَّ مَنْ أكره عَلَى طلاقِ إحْدَى امرأتَيْهِ، فطلَّق، لا يَقَعُ، فهاهنا إنْ حَلَفَ بالطلاق، لم يَقَعْ، وإن اعترف بالوديعةِ، وسلَّمها، كان كما لو سلَّمها مكرهاً، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّابِعُ: الجُحُودُ وَهُوَ مَعَ غَيْرِ المَالِكِ غَيْرُ مُضَمَّن، وَمَعَ المَالِكِ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ مُضَمَّنٌ، وَبَعْدَ سُؤَالِهِ دُونَ المُطَالَبَةِ وَجْهَانِ، وَمَهْمَا جَحَدَ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ البيِّنةُ فَادَّعَى الرَّدَّ مِنْ قَبْلُ فَإنْ كَانَ صِيغَةُ جُحُودِهِ انْكَاراً الِأَصْلِ الوَدِيعَةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بغَيْرِ بَيَّنَة، وَفِي قَبُولِهِ مَعَ البَيِّنَةَ وَجْهَانِ لِتَنَاقُضِ كَلاَمَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صِيغَةُ جُحُودِهِ أنَّه لاَ يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ قُبِلَ قَوْلُهُ في الرَّدِّ وَالتَّلَفِ؛ إِذْ لاَ تَنَاقُضَ بَيْنَ كلاَمَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: مَنْ في يدِهِ وديعةٌ، إذا قال: لا وديعةَ لأحدٍ عندِي، إما ابتداءَ أو في
الجزء: 7 - الصفحة: 314
جوابِ سؤالِ غير المالك، سواءٌ جرَى ذلك بحُضُور المَالِكِ أو في غيبته، فلا يضمن؛ لأنَّ الوديعة يسْعَى في إخفائها؛ فإنه أقرب إِلى الحفْظِ، وإن طلبها المالكُ، فجحَدَ، فهو خائنٌ ضامنٌ، وإن لم يطلُبْ، لكن قال: لي عندَكَ وديعةٌ، فإن سكت، لم يضْمَنْ، وإن أنكر، فوجهان:
أحدهما: يضمن؛ كما لو جَحَدَ بعْد الطلَبِ.
وأشبههما: لا؛ لأنه لم يمسكْهَا لنفسه؛ بخلاف ما بعد الطَّلَب لأنه قد يعرض له في الإنْكَار والإِخفاء غرض صحيح، ولو قال بعد الجُحُود: كُنْتُ غلطْتُ أَو نَسِيتُ الوديعةَ، فالمنقولُ أنَّه لا يبرأ عن الضمان إِلاَّ أن يصدقه المالك.
الثانية: من أَنكر وديعة ادُّعِيت عليه، صدَّق بيمينه، فلو أقام المدعي بينةً على الإيداع، أو اعترَفَ به المدعى عليه، طُولِبَ بها، فإن ادعَى ردَّها أَو تلفَهَا بعْدَ الجحودِ أَو قَبْلَه، نِظِرَ في صيغة جحودِهِ: إِن أنكر أصْلَ الإيداع، لم يصدَّق في دعْوَى الردِّ، لتناقض كلاَميْهِ، وظهورِ خيانَتِهِ، وأما في دعوى التَّلفَ، فيصدَّق لكنه كالغاصِبِ، فيلزمه الضمان، وهَلْ يتمكَّن من تحليف المالك؟ وَهَلْ تسمعُ بينته عَلَى ما يدَّعِيه من الردِّ أو التَّلَف؟ فيه وجهان:
أَحدهما: المنع، لأنه بإنكارِ أصْلِ الإيدَاعِ مكِّذبٌ لقوله الثَّاني، وللشُّهُود.
وأظهرهما: ويحْكَى عن اختيار القَفَّال، والشيخ أبي عليٍّ: أنها تسمع؛ لأنه ربما كان ناسياً، ثم تذكر الوديعةَ، والردَّ، وهذا كما لو ادَّعَى، وقال: لا بينةَ لِي، ثم جاء ببينةٍ، تُسْمَعُ، فعلَى هذا؛ إن قامتِ البينةُ علَى الرد أو على الهلاك قبَل الجُحُود، سقطَتِ المطالبة، وإن قامَتْ على الهلاك بعد الجُحُود، ضمن لخيانته.
واعلم أنَّا حكينا في ألفاظ المرابحةِ، إِذا قال: اشتريتُ بمائةٍ، ثم قال: اشتريتُ بمائةٍ وخمسين: أن الأصحابَ فَرَّقوا بين أن يذكر وجهاً محتملًا في الغَلَط أَوْ لاَ يذكره، ولم يتعرَّضوا لمثله هاهنا، والتسويةُ بينهما 47 متَّجِهةٌ، وإِن كانت صيغةُ جُحُودة أن ألا يلزمُنِي تسليمُ شيءٍ إِليك، أو مَا لَكَ عنْدِي وديعةٌ، أو شيء، صُدِّق في دعوى الرَّدِّ والتلف؛ لأنها لا تناقض كلامه الأول، فإِن اعترف أنَّه كَانَ باقياً يوم الجحود، لم يصدَّق في دعوى الردِّ إِلاَّ ببينة، وإِن ادعى الهَلَاك، فهو كالغاصِبِ، إذا ادَّعاه، فالمذهَبُ أنَّه يصدَّق بيمينه، ويؤخَذُ منه الضمان.
الجزء: 7 - الصفحة: 315
قَالَ الْغَزَالِيُّ: العَاقِبَةُ الثَّانِيَةُ رَدُّ العَيْنِ عِنْدَ بَقَائِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ مَهْمَا طَلَبَ المَالِكُ، فَإِنْ أَخَّرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ ضَمِنَ، وَإِنْ أَخَّرَ لاِسْتِتْمَامِ غَرَضِ نَفْسِهِ بِأَنْ كَانَ فِي حَمَّامٍ أَوْ عَلَى طَعَامٍ، جَازَ بِشَرْطِ سَلاَمَةِ العَاقِبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلَّمنا فيما إِذا آل أَمْر الوديعةِ إلَى الهلاك في يَدِ المودَعِ، فأما إذا كانت باقيةً، فعلَى المودَعِ الردُّ، إِذا طَلَبَ المالكُ، وليس المرادُ أَنَّه يجبُ علَيْه مباشرةُ الرَّدِّ، أَو تحمُّل مؤنته، بلَ هِيَ على المالكِ، والذي يجب على المودَعِ رفْعُ اليدِ عنه، والتخليةُ بين المالك ومالِهِ، فإن أَخَّر من غيرُ عُذْر، دخلَتِ الوديعةُ في ضمانه، والتحق ذلك بما مَرَّ من أسباب التقصير، وإِن كان هناك عذر لا يمكن قطْعُه أَو بعَسَّر بأن كان طالبه في جنح الليل، والوَدِيعةُ في خزانةٍ لا يتأتَّى فتح بابها في الوقْتِ أو كان مشغولاً بصلاة، أَو قضاء حاجة، أو طهَارَةٍ، أو في حمامٍ، أو على طعام، فأَخَّرَ؛ حتَّى يفرّغ، أو كان ملازماً لغريمٍ يخافُ هربه أو كان يجيء المَطَر والوديعة فيً البيت، فأخَّر؛ حتَّى يقلع ويرجع إِلى البَيْت، وما أَشبه ذلك، فهو جائزٌ، لا محالة، ثم المذكورُ في "التتمة": أَنه لا يضْمَن، لو تلفت الوديعةُ في تلك الحالة؛ لأَنه لا يعدُّ مقصِّراً بهذا التأخِير، وهذا قضيةُ إِيراد "التهذيب" ولفظ صاحب الكتاب في "الوسيط" يُشْعِر بتفصيلٍ، وهو أنه إِن كان التأخيرُ لتعذُّر الوصولِ إِلى الوديعةِ، فلا ضمانَ، وإِن كان لعُسْرٍ يلحَقُه، وغرضِ يفوته، فيضمن 48.
وقد ذكر القسم الثانِي في الكتاب، فقال: "وإن أخَّر؛ لاستتمام غَرَضِ نفسْهِ؛ بأن كان في حمامٍ أَو على طعامٍ إلى آخره.
وقوله: "جاز، بشرط سلامة العاقبة" لفظٌ يكثر استعمالُهُ في مثل هذا المقام، وليس المراد منه اشتراطَ السلامةِ في نَفْس الجواز؛ حتَّى إِذا لم تَسْلِم الوديعةُ، يتبين عدم الجواز، وكيف والسلامة أو عدُمها تتبين أجزاء، ونحن نجوز له التأخِير في الحال، ولكن المراد أَنَّا نجوِّز له التأخير، ونشترط عليه التزامَ خَطَر الضمان.
ولو قَالَ المودَعُ: لا أردُّ؛ حتَّى يشهد المالك أَنَّه قبضَ، هَلْ له ذلك؟ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، سبق ذكْرها في "الوكالة" ووجه رابعٌ، وهو أنه إن أشهد عليه المالك عنْد الإِيداع، فله أَيضاً طلَبُ الإشهاد عند الرد؛ ليدفع التهمةَ عن نَفْسِهِ، وإلاَّ، فلا، ويشترط أنْ يكوَنَ المردُودُ عليه أَهلَاً للقَبْضِ، فلو حَجَر علَيْه بالسفه، أو كان نائماً، فوضعه في يده، لم يَجُزْ، ولو أَودع جماعةً مَالاً وذكروا، أَنه مشتركٌ بينهم، ثم جاء بعضُهُمْ يطلبه،
الجزء: 7 - الصفحة: 316
لم يكن للمودَع القسمةُ، ولا تسليمُ الكلِّ، بل يرفع الأَمر إِلى الحاكم، ليقسِّمه، ويدفع إليه نصيبَهُ واللهَ أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإنْ قَالَ: رُدَّ عَلَيَّ وَكِيلِي فَطَلَب الوَكِيلَ وَلَمْ يَرُدَّ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ وَلَكِنْ تَمَكَنَّ مِنَ الرَّدِّ وَلَمْ يَرُدَّ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلِّ أَمَانَةٍ شَرْعيِّةٍ، كَالثَّوْبِ إِذَا طَيَّرَهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ، وَمَهْمَا رَدَّ عَلَى الوَكِيلِ وَلَمْ يَشْهَدْ فَأنْكَرَ الوَكِيلُ لَمْ يَضْمَنْ بِهَذَا التَّقْصِيرَ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَينِ، بِخِلاَفِ الوَكِيلِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فإنَّهُ يُضْمَنِ بِتَرْكَ الإِشْهَادِ لأَنَّ حَقَّ الوَدِيعَةِ الإِخْفَاءُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال للمودَعِ: رُدَّ الوديعةَ عَلَى وكيلي فلانٍ، فطلب الوكيلَ، ولم يردَّ، فهو كما لو طَلبَ المالكَ، فَلم يردَّ، لكنْ له التأخيرُ، ليشهد المدفوعُ إلَيْه على القبض؛ لأنه لو أَنكر المدفوع إلَيْه، صُدِّق بيمينه، هاِن لم يطلب الوكيلَ، فإن لم يتمكَّن من الرد، لم تَصِرْ مضمونةٌ علَيْه، وإِن تمكن، فوجهاَن؛ لأنَه لمَا أَمره بالدَّفْعَ إلَى وكيله، فكأنه عزله، فيَصِيرَ ما في يده كالأمانات الشرعية، مثْلُ الثوبِ تطيِّره الريح إلَى داره، وفيها وجهان:
أَحدهما: أَنه يمتد إِلى المطالبة، كالوَدَائِعِ.
وأظهرهما: أنه ينتهي بالتمكُّنِ مِنَ الردِّ، قال القاضي ابن كِج: ويجرِي الوجهانِ فيمَنْ وجَدَ ضالَّةً، وهو يعرِفُ مالكها.
وذكر إمام الحَرمَيْنِ في "الأساليب": أنه لو قال: رُدَّ الوديعةَ عَلَى من قدَرْتَ عليه من وكَلاَئِي، ولا تُؤَخِّر، فقدر على الردِّ عَلَى بعضهم، وأخَّر ليرده على غيره، فهو ضامنٌ عاص بالتأْخير، وأنه لو لم يقل: ولا تُؤَخَّر يضمن بالتأخير، وفي العِصْيان وجّهان، وأنه لو قال: رُدَّها عَلَى من شِئْتَ منْهم، فلم يردَّها على واحد ليرد على آخر لا يقضي وفي الضمان وجهان، وهل يجبُ عليه الإشهادُ عند الإيداع؟ فيه وجهان، وكذا لو دفع إِليه مالاً؛ ابتداءً، وأَمره بإيداعه أحَدِهما، يجبُ كما لوَ أَمره بقَضَاءِ دَيْنهِ، يلزمه الإِشهاد.
والثاني: لا يجبُ؛ لأنَّ الوديعة أَمانةٌ، وقول المودع مقبولٌ في الردَّ والتلف، فلا يغني الإِشهاد 49، ولأن الودائع حقُّها الإخفاءُ؛ بخلافِ قضاء الدين، وهذا أَظهر عند صاحب الكتاب، وفي "التهذيب" أَنَّ الأَول أَصحُّ، ويُحْكَى عن أَبي إِسحاق، فإِذا قلنا به، فالحُكْمُ عَلَى ما بيناه في الوكالة، أنه إن دفع في غيبة المالك من غير إِشْهاد، ضمن، وإِن دُفِع، وهو حاضرٌ، لم يضمن، عَلَى الأَصحِّ، وقوله في الكتاب "بخلاف
الجزء: 7 - الصفحة: 317
الوكيل بقضاء الدَّيْن؛ فإنه يَضْمَنِ بِتَرْكِ الإِشْهَاد" غير مجرى عَلَى إِطلاقه، بلْ هو منزَّلٌ على ما ذكرناه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا لَوْ طَالَبَهُ بالرَّدِّ فَادَّعَى التَّلَفَ، فَالقَوْلُ قَولُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إِلاَّ أَنْ بَدَّعِيَ تَحْرِيقاً أَوْ غَارَةً فَإِنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ أَو اسْتِفَاضَةٍ، وَلَوِ ادَّعَى الرَّدَّ فَالقوْلُ قَوْلُهُ، إلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ الرَّدَّ عَلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ كَدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِ المَالِكِ، أَوْ دَعوَى وَارِثِ المُودع عَلَى المَالِكِ، أَوْ دَعْوَى مَنْ طَيَّرَ الرَّيحُ الثَّوْبَ فِي دَارِهِ، أَوِ المُلْتَقِطِ، أَوْ دَعْوَى المُودَعِ الرَّدَّ عَلَى وَكِيلِ المَالِكِ فَإنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى البَيَّنَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ؛ إِذْ لاَ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ إلاَّ عَلَى مَنِ اعْتُرفَ بِأَمَانَتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفَرْع مسألتان:
إحداهما: إِذا طالبه المالكُ بالردِّ، فادعى التَّلَف، فإِما أَن يذْكُر سبب التلَفِ، أو لاَ يذْكُرَه؛ إِن ذكر سببه، نظر: إن كان سبباً خفيّاً؛ كالسرقة قبل قوله مع يمينه؛ لأَنه قد ائتمنه فليصدقْه، وإِن كان سبباً ظاهراً؛ كالحريق، والغارة، والسيل، [بتلك البقعة لم يقبل قوله، بل يطالب، بالبينة على ما يدَّعيه] 50، فإن لم يعرف ما يدَّعيه ثم يقبل قوله مع يمينه في حصول الهَلاَكِ به، وإِن عرف ما يَدَّعِيه بالمشاهدة، أَو الاستفاضة، فإِن عرف عمومه، صدَّق بلا يمين، وإِن لم يعرف عمومُهُ، واحتمل أَنه لم يصب الوديعةَ، صُدِّق باليمين، وإِن لم يذْكُر سبب التلف، صُدِّق بيمينه، ولا يكلَّف بيان سبب التلف، وإِن نَكَل المودَعُ عن اليمين، حَلَف المالكُ على نَفْي العلْمِ بالتلف، واستحَقَّ، وعَدَّ في "التتمة" موت الحيوانِ من الأسباب الظاهرة، وكذلكَ الغَصْب، وفي "التهذيب" إلحاقُ الغَصْب بالسَّرقة، وهو الأقرب.
الثانية: ادعَى [أَنه] ردَّ الوديعةِ، فإِما أَن يدَّعِيَ ردَّها على [من ائتمنه، أو عَلَى غيره؛ إن ادعَى ردَّها] 51 عَلَى الذي ائتمنه، وهو المالكُ، صدِّق 52 بيمينه، كما ذكرنا في التلف، فلو ماتَ قَبْل أَن يحلفَ نَابَ عنه وارثُهُ، وانقطعت المطالبةُ لِحَلفِهِ، وعن مالك -رحمه الله- أنه: إِنْ لم يشهد عليه بالإيداع، صُدِّق في دَعْوَى الرد، وإِن أشهد
الجزء: 7 - الصفحة: 318
عليه لم يُصَدَّق، وإِن ادَّعى الردَّ عَلَى غير من ائتمنه، فيطالب بالبينةِ؛ قياساً؛ فإنَّ الأَصْلَ عدمُ الرد، [وإنْ أشهد علَيْه، لم يصدَّق، وإِنِ ادَّعى الردَّ عَلَى غيره] 53 وهو لم يأتمنه، فلا يكلَّف تصديقه، وتفصيلُ ذلك بصورٍ:
منْها: إِذا مات المالكُ، فعلى المودَعِ الردُّ عَلَى ورثته؛ حتَّى لو تلف في يده بَعْد التمكن من الردِّ فأصحُّ الوجهين أنه يضمن، فإن لم يجدِ الورثةَ، دفَعَها إِلى الحاكم، وفي "العُدَّة" تقييدُ هذا الجواب بما إِذا لم يَعْلَم الورثةُ بالوديعةُ، أَما إِذا علموا، فَلاَ يجبُ الرد، إِلاَّ بعد طلبهم، والموطألبه الوارث، فقَال: ردَدتُّه على المالِكِ، أَو تلف في يدي في حياته، صُدِّق بيمينه، وإِن قال: رددتُّه عليك، وأنكر، فالمصدَّق عليه الوارثُ، وإِن قال: تلف في يدي قَبل تمكُّني من الردِّ، فالمُصَدَّق الوارث كما في دعوى الردِّ، أم المودَعُ لأن الأصل براءة ذمَّتِهِ، فيه وجهان 54.
ومنْهَا: إِذا مات المودِّع، فعلى وارِثِه ردُّ الوديعة، فلو تلفت في يده بَعْد التمكُّن من الردِّ، ضمن في أَصحِّ الوجهين 55، وإِذا كان المالكُ غائباً، سلَّمها إلى الحاكِم، فإن تنازعا، فقال وارثُ المودَع.
رَدَّ عليكَ مورثي لو تلفت في يده، ففي "التتمة": أَنه يطالب بالبينة؛ لأَنَّ المالكَ لَم يأْتمنه؛ حتَّى يصدقه، وفي "التهذيب": أَنه يصدَّق بيمينه، وهو الوجه؛ لأنَّ الأصَل عدمُ حصولها في يده، ولو قال: أَنا رددتُّها عليك، وأَنكر المالكُ، فالمصدَّق المالكُ، ولو قال: تلف في يدي قَبْل التمكُّن، فعلَى الوجهين.
ومنْها: لو قال مَنْ طَيَّر الريحُ الثَّوْبَ في داره: "رددتُّ على المالك" أَو ادعاه الملتقطُ، لم يُصَدَّقَا إِلا بالبينة.
ومنْهَا: إذا قال المودَعُ للمالك: أَودعتُهَا عنْد وكيلِكَ فلانٍ بأمرك، فللمالك أحوال: إحداها: أن يُنْكَر الإِذن الوكالة 56 فيصدَّقَ بيمينه، فاِذا حَلَف، نُظِر: إِن كان فلانٌ مقرّاً بالقَبْض والوديعةُ باقيةٌ، فتردَ على المالك، فإِن غَابَ المدْفُوعِ إِلَيْه، فللمالك
الجزء: 7 - الصفحة: 319
تغريمُ المودعِ، فإِذا قدم، أَحَدْها وردَّها على المالك، واستردَّ البدل، ذكره الشيخ أَبو حامد وغيره، وإِن كانت تالفةً، فللمالك تغريمُ من شاء منْهُما، وليس لِمَنْ غرم منهما أَن يَرْجِعَ عَلَى صاحبه؛ لزَعْمِهِ أَن المالك ظالمٌ بما أَخذ، وإِن كان فلانٌ منكراً، فهو مصدَّق بيمينه، ويختصُّ الغرم بالمودع.
الثانية: أَن يعترفَ بالإِذْن، وينكر الدَّفْع، ففيه وجه أَنه يصدَّق المودع، ويجعل دعوى الردِّ على وكليل المالِكِ؛ كدعْوَى الردِّ على المالك، ويحكَى هذا عن أبي حنيفة، والأَصحُّ تصديق المالِكِ؛ لِأَنَّ المودَعَ يَدَّعي الردَّ عَلَى من لم يأتمنه، ولو وافق فلانٌ المودَعَ، وقال: إِنها تَلِفَتْ في يدي، لم يُقْبَل قوله على المالِكِ، بل يحلف المالك، وَيضْمَنُ المودع.
الثالثة: أنْ يعترف بالإذْن والدفع معاً، لكنه يقول: إنك لم تَشْهَد عليه، والمدفوع إِليه منكر، فيبني على الخَلافِ الذي مَرَّ في وجوب الإِشْهَاد على الاِيدَاعِ إِن أَوجبنا، فالحكْمُ ما سَبَقَ في الوكالة في نَظِيرِ هذه الصورة، إِذا قال: اقْضِ دَيْنِي، وإِن لم نوصه، لم يكن له تغْريمُه، ولو توافقوا جميعاً على الدَّفْع إِلى الأمين الثاني، وادعى الثاني: أَنه ردَّ على المالك أو تَلِفَ في يده، صدق بيمينه، وهذا إِذا عَيَّنَ المالك الثاني، فأما إِذا أَمره بأنْ يودع أَميناً، ولم يعيِّن، فادعى الثانِي التلَف، صُدِّق، وإِن ادعَى الرَّدَّ على المالك، وأَنكر المالك، فهُوَ المصدَّق؛ لأَنه يدَّعِي الردَّ على غير من ائتمنه، هكذا ذكروه، ولو قيل: أمينُ أمينِهِ أمينُةُ، كما تقول على رأي وَكِيلُ وكيله وكيلُهُ، لم يَبْعُدْ 57.
ومنْها: إِذا أراد المودَعُ سفراً، فاودعها أَميناً، فادعَى ذلك الأمينُ التلَفَ، صُدِّق، وإن ادعى الردِّ على المالك، لم يصدَّق لأَنه لم يأتمنه، وإن ادعى الردَّ على الأول، صدِّق؛ لأنه ائتمنه، كذلك ذكره المتولِّي، وصاحب الكتاب في "الوسيط" وهذا ذهابٌ إِلَى أن الأَول، إِذا عاد من السَّفَر، له أَن يستردَّها، وبه أَجاب العبَّادِيُّ وغيره، لكنْ حكَى عن كلام الاِمامِ أَن الأَليقَ بمَذْهَب الشافعيِّ -رضي الله عنه- منْعُه من الاستردادِ بخلاَفِ المودعَ؛ يستردُّ من الغاصب في وجْه؛ لأَنه من الحفظ المأَمورِ به، ولو كان المالكُ قد عَيَّنَ أميناً، فقال: إذا سافَرْتَ، فاجعلها عنْدَ فلانٍ، فَفَعَلَ، فالجوابُ على العَكْسِ، إِن ادَّعى الردَّ على المالك، صُدِّق، وإن ادعى الردَّ على الأول، لم يصدَّق.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: ادَّعى رَجُلاَنِ وَدِيعَةً عَلَيْهِ فَقَالَ: هُوَ لِأَحَدِهِمَا وَقَدْ نَسِيتُ عَيْنَهُ، فَإِنْ صَدَّقْاهُ في النِّسْيَانِ فُصِلَتِ الخُصُومَة بَيْنَهُمَا بِطَرِيقِهَا وَجَعلَ المَالُ في أَيْدِيهِمَا،
الجزء: 7 - الصفحة: 320
وَإِنِ ادَّعَيا العِلْمِ عَلَى المُودَعِ فَيَحْلِفُ لَهُمَا يَمِيناً وَاحِدَةً عَلَى نَفْيِ العِلْمِ، فَإِنْ نَكَلَ وَحَلَفَا عَلَى عِلْمِهِ ضَمِنَ القِيمَةَ وَجُعِلَتِ القِيمَةُ وَالعَيْنِ فِي أَيْدِيِهِمَا، وَإِنْ سَلَّمَ العَيْنَ بِحُجَّةٍ لِأَحَدِهِمَا رَدَّ نِصْفَ القِيمَةِ إِلَى المُودَعِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الثَّانِي الرَّدُّ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا بِيَمِينِهِ وَلَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ المُبْدَلُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مالٌ في يد رجلٍ، جاء اثنانِ، وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أَنه له، أودَعَه إِياه، فالجواب يفرض عَلَى وجوه:
أحدها: إِن أكذبهما، وقال: المالُ لِي، حَلَف لكلِّ واحدٍ منهما أَنَّه لا يلزمه تسليمُهُ إِلَيْه.
والثاني: إِذا أَقَرَّ بِهِ لأَحدهما بعَيْنه، دفع إِليْه، وهل للآخر تحليفُهُ، يبنَى عَلَى أَنه إِذا أَقرَّ بمالٍ لزيد، ثم أَقرَّ به لعمرٍو، هل يغرَّم لعمرو، إنْ قلنا: لا، فلا، وإِنْ قلنا: نعم، عرضت اليمين علَيْه، فإِن حلف، سقَطَتْ عنه دَعْوى الآخر، وإِن نكل حلف الآخر، ثم يوقف المالُ بينهما إلَى أَن يصطَلِحَا، أَو يقسم بيْنَهُما، كما لو أَقر لَهُمَا أَو يغرم المدَّعى علَيْه القيمة له، فيه ثلاثة أَوجهٍ عن ابنِ سُرَيْجٍ، قال ابن الصبَّاغ: والمذهبُ الثالثُ 58، وهذا الخلافُ ناظرٌ إِلَى أَن اليمينَ بعد نكولِ المدَّعَى عليه كإقرار المدعى عليه أو كالبينة من جهة المدعي، وعبر في "التهذيب" عن الغرض بعبَارَةٍ أُخرى، فقال: إِذا أَقرَّ لأحدهما، هل للآخر دعْوَى القيمة يبنَى على الخلاف في الغرم، لو أَقر للثاني، إِن قلنا يغرَّم، فنعم، وإِن قلْنا لا، فيبنَى على أنَّ اليمين بعد النكُول كالإقرار، أَو كالبينة، إِن قلنا: كالإقرار، لم يَدَّعِ القيمة، وإِن قلنا: كالبينة، فله دعْوَاها، فإن حلَف، بَرِئَ، وإن نكل، حَلَف المدعي، وأَخَذَها، ولا تنتزع العَيْنُ من الأَوَّل؛ لأَنَّها، وإِن كانت كالبَيِّنة، فليست كالبينة في حقِّ غير المتداعييْنِ.
والثالثُ: إِذا قال: هُوَ لَكُمَا، فهو كمالٌ في يد شخصين يتداعَيَانِهِ، فإِن حلف أَحدُهُما، قضَى له، ولا خصومة للآخَرِ مع المودعَ لنكوله، وإِن نَكَلاَ، جعل بينهما، وكذا لو حَلَف، وحكم كلُّ واحدٍ منهما في النصْفِ الآخر كالحُكْم في الكلِّ في حقِّ غير المُقَرِّ له، وقد بيناه.
الجزء: 7 - الصفحة: 321
والرابع: وهو المذكورُ في الكتاب: إِذا قَالَ: هو لأحدكما، وقد نَسِيُتَ عَيْنه، فإِن ضمنا المودَعُ بالنسيان، [فهو ضامنٌ، وقد قصر الكلامَ، وإن لم يضمنه بالنِّسيان، طال التفريح، فيُنْظر: إِن صدَّقاه في النسيان، فلا خصومةَ لهما معه، وإِنما الخصُومَةُ بينهما، فإِن اصطلحا عَلَى شيْءٍ فذاك، وإلاَّ فيُجْعَل المالُ، كأَنه في أَيديهما يتداعَيَانِهِ؛ لأَن صاحب اليَدِ يقُولُ: إِن اليد لأحدِهِمَا، وليس أَحدهما بأوْلى من الآخر، وفي "الوسيط" وجه آخرُ عن المحامِلِيِّ: أَنه كَمَالٍ في يدِ ثالثٍ يتداعَاهُ اثنان؛ لأَنه لم يثبُتْ لأَحدهما يدٌ عليه، فعلَى الأَوَّل، لو أَقام كلُّ واحد منهما بيِّنة، أَو حَلَفَا، أَو نَكَلاَ، فهو بينهما، وإِن أَقام أَحدُهما البينة، أَو حَلَف، ونكَلَ صاحُبُه، قُضِيَ له، وعلى الثاني: لو أَقام كل واحدٍ منهما بينةٌ، فهو على الخلاف في تعارُضِ البينتين، وإِن نكلا أَو حَلَف، وُقِفَ المالُ بينهما، وسواءٌ قلنا بالوجّهِ الأَولِ، أَو الثانِي، فيترك المالُ في يد المدَّعَى عليه إلى أَن تنفصل الخصومة بينهما أو ينتزع منه، فيه قولان:
أحدهما: يترك؛ لأنه لا بد من وَضْعِهِ عند أَمينٍ، وهو أمينٌ، لم يظْهر منه خيانةٌ.
والثاني: وهو الذي أَورده صاحبُ "التهذيب" وغيره: أَنه ينتزعُ، لأَن مطالبتها بالردِّ يتضمَّن عزله، قال في "التتمة": والقولان فيما إِذا طَلَب أَحدُهُما الانتزاعَ، والآخر الترْكَ عنده، أَمَا إِذا اتفقا على أحدِ الأَمرَيْنِ، فيتبع الحاكم رأَيهما، ويمكن أَن يكون هذا مبنيّاٌ على أنَّه يجعل المال، كأنه في يدهما، وإلا فيتبع الحاكم رأْيه، هذا إِذا صدَّقاه في النِّسْيان، وإِن كذَّباه، وادعَى كلُّ واحدٍ علمه بأَنه المالكُ، فالقولُ قول المودَعِ مع يمينه، ويكفيه يمينٌ واحدةٌ عَلَى نفي العلْمٍ؛ لأَن المدَّعَى شيءْ واحدٌ، وهو علمه، عند أَبي حنيفة -رحمه الله-: أنه يحلفُ لكلِّ واحدٍ منهما يميناً، وهلْ للحاكم تحليفُهُ على نفي العلم، إذا لم يدعه الخصمانِ، وذكروا فيه 59 وجهَيْنِ، ثم إِذا حلف المدَّعَى عليه، فالحكمُ كما لو صدَّقاه في النسيان، وذكر بعضهم: أنه ينتزع المالُ من يده هاهنا، وإن لم ينتزَعْ هناك؛ لأَنه خائن عنْدَهما بدعْوَى النسيان، وإِن نَكَلَ، فتردُّ اليمينُ عليهما، فإِن نَكَلاَ، فالمالُ مقسومٌ بينهما، أَو موقوفٌ حتَّى يصَطلحا علَى ما تقدَّم، وإِن حلف أَحدهما، دون الآخر، قُضِيَ للحالف، وإِن حلفا، فقولان، ويقال وجهان:
أَحدهما: أَنه يوقَفُ بينهما؛ حتَّى يصطلحا؛.
لأَنهما يمضيانِ تَعَذَّر الجَمْعُ بينهما.
وأَصحُّهما: أَنه يقسم لأَنَّه في أَيديهما، وعلَى هذا، فيغرَّم القيمة، ويقَسَّم بينهما أَيضاً؛ لأَن كلَّ واحد منهما أَثبت بيمينِ الردِّ جميع العَيْن، ولم يحْصُل له إلاَّ نصفها،
الجزء: 7 - الصفحة: 322
هذا أشْهَرُ ما قيل فيما إِذا نَكَلَ المودَعُ، وأَظْهَر، وفيه وجه أَنَّه لا يغرَّم القيمةَ مع العَيْن، إِذا حلفا، وفي "أَمالي" الشيخ أَبي الفَرَج وجةٌ أَنه إِذا نَكَلَ لا تُرَدُّ اليمينُ عليهما، بل يوقَفُ، بناءَ عَلَى أَنهما لو حَلَفا يوقَفُ المال بَينَهُما، فلا معنَى بعرض اليمينِ، وذكر وجهين؛ تفريعاً على ردِّ اليمين: أَنه يقْرَعُ بينهما أَو يبدأ الحاكم بمن رأى منهما، وقال: الأَصحُّ الثانِي، وإِذا حلفا، وقَسَّمنا بينهما العَيْنَ والقيمةَ، فإِن لم ينازع أحدهما الآخر، فلا كَلاَمَ، وِإن نازعه، وأَقام البينة عَلَى أَنَّ جميع العَيْن له، سلَّمناها إِليه، وردَدْنَا القيمة على المودَعِ، وإِن لم تكن بينة، ونكل صاحبُهُ عن اليمين، فحلف، واستحقَّ العيْنِ، فيردّ نصف القيمة الذي أخذه، لأنَّه عاد إِلَيْهِ المبدل والناكل، لا يردُّ ما أَخذ؛ لأَنه استحقَّه بيمينه على المودَعِ، ولم يعد إِليه المبدل، ونكوله كانَ مع صاحِبهِ لا مَعَ المودع، هكذا فرق صاحب "التتمة" بين أن تسلم العينُ لأَحدهما بالبينة، وبين أَن تُسلَّم باليمين المردودةِ، وكذلك الجواب في بَعْض نسخ "التهذيب" وقضية قوله في الكتاب، "وإن سلمت العين بحُجَّة لأَحدهما ... " إِلَى آخره ألاَّ يرد الثاني ما أَخَذهُ، سواءٌ سلمت العين بالبَيِّنة أَو باليمينِ، وقد صرَّح في "الوسيط" بذلك، فيجوز أن يعلم قولُهُ ولم يجبْ على الثاني الردُّ بالواو؛ للنزاع فيما إِذا سلمت بالبينة، وليعلم قولُه: "وجعل المال كأَنَّه في أيديهما" بالواو، وقوله: "يميناً واحداً" بالحاء، وقوله: "وحلقا عَلَى علمه" بالواو، وكذا قوله:"ضمن القيمة" لما قدَّمنا.
فَرْعٌ: ادَّعى اثنان غصْبَ مالٍ في يده، كُلُّ واحدٍ منهما يقُولُ: غَصَبْتَهُ مني، فقال: غصبته من أحدكما، لا أَعرفه بعينه، فعليه أَن يَحْلِفَ لكلِّ واحدٍ منهما على البَتِّ أنه لم يغْصبْ، فإِذا حَلَفَ لأحدهما تعين المغصوب للثاني، فلا يَحْلِفُ له.
والخامس: إِذا قال في الجواب: هو وديعةٌ عندي، ولا أدْرِي، أهو لكما، أو لأحدكما، أو لغيركما، وادعيا عليه العلْمَ، على نَفْي العلْم يترك في يده إلى أَنْ تقوم بيِّنة، وليس لأحدهما تحليفُ الآخر؛ لأنه لم يثبت لوَاحدٍ مَنهما فيه يدٌ، ولا استحقاقٌ بخلافِ الصورةِ الأولَى، والله أعلم.
ونختم الكتابَ بفروعٍ منثورةٍ:
إذا تعدَّى في الوديعةِ، ثم بقيتْ في يده مدةً، لزمَةُ أَجرةُ مثلها، وفي "فتاوى" القَفَّال: أَنه لو دَخَل خاناً، فترك حماره في صَحْن الخان، فقال للخانِيِّ: احفظه كَيْلا يخرج، فكان الخانِيُّ ينظرِ إليه، فخَرَجَ في بعض غَفَلاَته، فلا ضمان عليه؛ لأَنه لم يقصر في الحفْظِ المعتادِ، وأَنَّ المودَعَ إذا وقع في خزانته حريقٌ، فبادَرَ إلى نقل الأمتعة، وقدم أمتعته على الوديعة، واحترقَتَ الوديعةُ، لم يضمن، كما لو لم يكُنْ فيها إِلا ودائعُ، فأخذ في نقلها، فاحترقَ ما تأخَّر نقله، وأنه لو ادعَى ابنُ المالِكِ موْتَ أبيه، وعلم المودَعُ بذلك، وطلب الوديعةَ، فله تحليفُ المودَعِ عَلَى نفي العلْمِ، فإِن نَكَلَ،
الجزء: 7 - الصفحة: 323
حلفَ المدَّعي، وأَنه إِذا ماتَ المَالِكُ، وطلب الوارثُ الوديعةَ، فامتنع المودَعُ، ليفحص هَلْ في التركة وصيَّة، فهو متعدَّ ضامنٌ، وأنَّ من وجد لُقَطَةً، وعرف مالكها، فلم يخبره؛ حتى تلفت، ضمن، وكذا قيم الصبيَّ والمسجد، وإذا كان في يده مالٌ، فعزل نفسه، ولم يخبر الحاكمَ، حتَّى تلف في يده المال ضمن، وهذا كما قدمنا أَنَّه يجبُ الردُّ عند التمكن، أَو هو هُوَ، وأن من صُوَر تعدَّي الأمناء ألا يبيع قيبم الصبيَّ أَوراقَ فرصادة؛ حتَّى يمضي وقتُهَا، فيلزمه الضمانُ، وليس من التعدِّي أن يؤخِّر البيع؛ لتوقع زيادة، فينفق رخص، وكذا قيم المسجد في أشجاره، وهذا أشبه بتعريض الثوب الذي يُفْسِده الدود للرِّيح.
وفي "الزيادات" للعبَّادِيَّ: لو بعث رسولاً إلى حانوته، ودفع خاتمه إِليه علامةً، وقال: رُدَّهُ عَليَّ، إِذا قبضت المأمور بقبضه، فَقَبَضَهُ، ولم يردَّ الخاتم، ووضعه في حرزه، فلا ضمان، كأن المعنى فيه: أنه ليس عليه الردُّ، ولا مؤنته، وإِنما عليه التخلية.
وعن "فتاوى" القاضي الحسين: أَن الثيابَ في مسلخ الحمام، إِذا سُرِقَتْ، والحمَّامِيُّ جالسٌ في مكانه، مستيقظ، فلا ضَمَان عليه، وإِن نام أَو قام من مكانه، ولا نائب هناك، ضَمِنَ، وفي قوله: "ولا نائب هناك" بحث من جهة أن المُودعَ لا يُودِعُ غيره، ويجبُ على الحمَّاميَّ الحفْظُ، إِذا استحفظ، وإن لم يستحفظ، حكى القاضي عن الأَصحاب -رحمهم الله- أنه [لا يجب عليه لحفْظُ قال: وعنْدِي يجبُ للعَادَةِ، وعنْ بعْضهمْ أَنَّه] 60 لو أَودَعَ إِنساناً قُبَالَةَ 61 وقال: لا تردَّها إِلى زيدٍ؛ حتَّى يدفع ديناراً، فردَّها قبله فعليه قيمة القُبَالة مكتوبة الكاغد وأجره الوراق 62.
الجزء: 7 - الصفحة: 324