العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 184-223

كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ

صفحات 184-223

فَالَ الرَّافِعِيُّ: إن حَكَمْنَا بانْصِرَافِ الخُصُومَةِ عن المُدَّعَى عليه، إما بإقْرَارِهِ لحَاضِرٍ، أو بإقراره لِغَائِبٍ، أو مَجْهُول على أحد الوجهين، فهل للمدعي تَحْلِيفُهُ؟ وفيه قولان مبنيان (1) على أنه لو أَقَرَّ له بعد ما أَقَرَّ لغيره، هل يُغَرَّمُ القِيمَةَ؟ وفيه خلاف مَشْرُوحٌ في موضعه.
إن قلنا: نعم، يحلفه؛ فلعله يُقِرُّ، فَيُغَرِّمُهُ القِيمَةَ.
وإن قلنا: لا، فإن قلنا: النُّكُول، ورَدُّ اليمين، كالإِقْرَار، فلا يُحَلِّفُهُ؛ لأنه وإن أقر، أو نَكَلَ، وحلف المدعي -لم يَسْتَفِدْ شيئاً.
وإن قلنا: كالبينة، فله التَّحْلِيفُ؛ لأنه قد يَنْكُلُ، فيحلف المدعي، وإذا حلف، أخذ القِيمَةَ، وكأن العَيْنَ تَالِفَةٌ.
وفيما علق عن الإِمام وجه: أنه يسترد العين من (2) المقر له، وَفَاءً بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ البينة.
وإذا قلنا بوجوب القِيمَةِ، وأخذها بِإقْرَارِ المُدَّعَى عَلَيْهِ ثانياً، أو بِيَمِين المُدَّعِي بعد نُكُولِهِ، ثم سُلِّمَتْ له العَيْنُ بالبَيِّنَةِ، أو بيمينه بعد نُكُولِ المُقِرِّ له، فعليه ردُّ القيمة؛ لأنه إنما أخذ القِيمَةَ، لِلْحَيْلُولَةِ وقد زَالَتْ.

فروع

: ادَّعى أن هذه الدَّارَ وَقْفٌ عَلَيَّ، وقال مَنْ في يَدِهِ: هي مِلْكٌ لفلان، وصَدَّقَهُ فلان، وانتقلت الخُصُومَةُ إليه.
قال في "التهذيب" 3: ليس له طَلَبُ القِيمَةِ من المُقِرِّ؛ لأنه يَدَّعِي الوَقْفَ، ولا يُعْتَاضُ عن الوَقْفِ، وكان لا يبعد طَلَبُ القيمة؛ لأن الوَقْفَ مَضْمُونٌ عند الإِتْلاَفِ، والحَيْلُولَةُ في الحال كالإِتْلاَفِ.
ولو رجع الغَائِبُ، وكذب المُدَّعَى عليه في إِقْرَارِهِ، فالحكم كما ذكرنا، فيما إذا أَضَافَ إلى حَاضِرٍ وكذبه.
ولو أقام المُقِرُّ له الحاضر، أو الغائب بعد رجوعه، البَيِّنَةَ على المِلْكِ، لم يكن للمدعي تَحْلِيفُ المقر لِيُغَرِّمَهُ.
فإن المِلْكَ اسْتَقَرَّ بالبينة، وخرج بالإقرار 4 عن أن يكون لِلْحَيْلُولَةِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ إِذَا خَرَجَ المَبِبعُ مُسْتَحَقّاً فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى البَائِعِ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ صَرَّحَ فِي نِزَاعِ المُدَّعِي بِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَ البَائِعِ فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أنَّهُ يَرْجِعُ، وَلَوْ أَخَذَ جَارِيَةً بِحُجَّةٍ فَأَحْبَلَهَا ثُمَّ كَذَّبَ نَفْسَهُ فَالوَلَدُ حُرٌّ والجَارِيَةُ مُسْتَوْلَدَةٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا للمُقِرِّ12

لَهُ مَعَ المَهْرِ، وَقيلَ: إِنَّ الجَارِيَةَ لِلمُقِرِّ لَهُ إنْ أَقَرَّتْ بِصِدْقِهِ فِي الرُّجُوعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اشْتَرَى ثَوْبَاً، أو عَبْداً من إِنْسَانٍ، فجاء آخر، وادَّعَى أنه له، نظر: إن سَاعَدَهُ المُشْتَري، وأَقَرَّ له بما ادَّعَاهُ، لم يكن له أن يَرْجِعَ بالثمن على بَائِعِهِ؛ لأن إِقْرَارَهُ لا يلزم البائع عرفاً, ولا ينهض حُجَّةً عليه.
وإن اسْتُحْلِفَ، فَنَكَلَ، وحلف المُدَّعِي، وأخذ المَالَ، قال الشيخ أبو عَلِيِّ: ليس له الرُّجُوعُ بالثَّمَنِ أيضاً، وَجْهاً واحداً، لِتَقْصِيرِهِ بالنُّكُولِ، وحلف المدعي بعد نُكُولِهِ قائم مَقَامَ إقراره.
ويجوز أن يفرض في هذا الخلاف 1 بِنَاءً على أنه كالبَيِّنَةِ 2. وإن أَثْبَتَ المدعي الاسْتِحْقَاقَ بالبينة، وأخذ المال، فَيُنْظَرُ: إن لم يُصَرّح في مُنَازَعَةِ المدعي، بأنه كان مِلْكاً لبائعي، ولا بأنه مِلْكٌ لي، بأن سَكَتَ، فأقيمت البَيِّنَةُ عليه، فله الرجوع بالثَّمَنِ لا مَحَالَةَ، وإن صَرَّحَ بذلك فوجهان: أحدهما: لا يرجع؛ لأن المُدَّعِي ظَالِمٌ باعترافه، والبائع غير مُقَصِّرٍ، فلا يظلمه المشتري، بأن ظَلَمَهُ.
وأصحهما: الرُّجُوعُ مَهْمَا قال ذلك على رَسْمِ الخُصُومَةِ، واعتمدت 3 ظاهر اليد، ثم تَبَيَّنَ خِلاَفُ ذلك الظاهر بالبَيِّنَةِ، ويجري الوَجْهَانِ فيما إذا قال في الابْتِدَاءِ، يعني هذا العَبْد، فإنه مِلْكُكَ.
ثم قامت البَيِّنَةُ على الاستحقاق ولا يَجْرِيَانِ فيما إذا كان المَوْجُودُ مُجَرَّدَ الشراء [وإن كان الشراء] 4 إقراراً للبائع بالملك.
وفَرَّقُوا بان ذلك إِقْرَارٌ، تضمنه الشِّرَاءُ، فيبطل بِبُطلاَنِ المُبَايَعَةِ، والإِقْرَارُ المستقل بخلافه.
ومن اشْتَرَى عَبْداً في الظَّاهِرِ، فقال: أنا حُرُّ الأصل، فقد [مرَّ أن] 5 القول قوله، وأن على المشتري إِقَامَةَ البَيِّنَةِ على رِقِّهِ، أو على إِقْرَارِهِ بالرق له، أو الذي باعه 6 منه.
فإذا حلف، حُكِمَ في الظاهر بحُرِّيَّتِهِ، ثم أَطْلَقَ ابن الحَدَّادِ، أنه لا يرجع المُشْتَري على البَائِعِ بالثمن.

وفَصَّلَ أكثرهم فقالوا: إن لم يُصرِّحْ في مُنَازَعَتِهِ، بأنه رَقِيقٌ، فيرجع.
كما لو أقام بَيِّنَةً على الحُرِّيَّةِ؛ لأنه لم يوجد (1) منه ما يبطل الرُّجُوع، وإن صَرَّحَ بذاك، فعلى الوَجْهَيْنِ.
وقَطَعَ الشيخ أبو عَلِيٍّ: بأنه لا يرجع، وفَرَّقَ بينها وبين البَيِّنَةِ، لقوة البينة.

فروع

: مَنقُولَةٌ عن كلام القاضي أبي سَعْدٍ الهَرَوِيِّ: إذا أَقَرَّ المُشْتَرِي للمدعي بالمِلْكِ، ثم أراد إِقَامَةَ البَيِّنَةِ على أنه للمدعي، ليرجع بالثَّمَنِ على البائع، لم يُمَكَّنْ؛ لأنه [لم] 2 يثبت المِلْك لغيره، من غير نِيَابَةٍ، ولا وِكَالَةٍ.
كيف والمدعي لو أَرَادَ إِقَامَةَ البَيِّنَةِ -والحالة هذه- لم يُلْتَفَتْ إليه؛ لاسْتِغْنَائِهِ عن البَيِّنَةِ بالإِقْرَارِ.
ويجوز له تَحْليفُ البائع؛ لأنه ربما يُقِرُّ فيرجع, فإن نَكَلَ, فهل يَحْلِفُ المشتري يَمِينَ الرد؟ وإن قلنا: النُّكُولُ واليمين كالإِقْرَارِ، فنعم.
وإن قلنا: كَالبَيِّنَةِ، فلا.
المسترق المشتري، إذا ادَّعَى أنه حُرُّ الأصل، واعْتَرَفَ به المُشْتَرِي، ثم أراد إِقَامَةَ البَيِّنَةِ على أنه حُرُّ الأَصْلِ، مُكِّنَ؛ لأن الحُرِّيَّةِ حَقُّ الله [تعالى] 3، ولكل أحد إِثْبَاتُهَا.
وإذا ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ، ثبت الرُّجُوعُ، ولا يكفي للرجوع إقَامَةُ البَيِّنَةِ على مُطْلَقِ الحُرِّيَّةِ، لاحْتِمَالِ أن المُشْتَرِي هو الذي أَعْتَقَهُ، ولو أقام المُشْتَرِي بعدما أَقَرَّ المدعي البَيِّنَةَ على إقْرَارِ البائع بالمال للمدعي؛ فهي مَقْبُولَةٌ، ويثبت بها حَقُّ الرجوع؛ لأنه لما تَبَيَّنَ إِقْرَارُ الَبَائِعِ من قبل، لُغِيَ إِقْرَارُ المشتري.
هكذا ذكره الشَّيْخُ أبو عَاصِمٍ.
قال أبو سَعْدٍ: وهو الظَّاهِرُ وغيره مُحْتَمَلٌ؛ لأن إِقْرَارَهُ في الابتداء تَقْصِيرٌ، ولو أقام مُدَّعِي الاسْتِحْقَاقِ البَيِّنَةَ، وأخذ المال، ثم قَامَتْ بينة 4 على أن البَائِعَ، كان قد اشْتَرَاهَا من هذا المُدّعِي، سُمِعَتْ، ورد الحُكْمُ الأَوَّلُ، وكانت الجَارِيَةُ للمشتري بالمُبَايَعَةِ السَّابقة.
هذا هو الكلام في إِحْدَى صُورَتَي الفَصْلِ.
والثانية: جَارِيةٌ في يَد رَجُلٍ ادَّعى مُدَّعٍ أنها له، وأنكر صَاحِبُ اليد، فأقام المدعي البَيِّنَةَ، أو حَلَفَ بعد نُكُولِ صَاحِبهِ، فَحُكِمَ له بها، فأخذها وعاد بعدما غَشِيَهَا، فقال: كَذَبْتُ في دَعْوَايَ، ويميني، والَجَارِيةُ للذي كانت في يَدِهِ، فعليه أن يَرُدَّهَا، ويُغَرَّمَ مَهْرَهَا، وأَرْشَ النَّقْصِ إن حَدَثَ فيها نَقْصٌ، ولا يُقْبَل قوله: إنها كانت زَانِيَةً؛ لأنها تنكر ما يقول.1

وإن أَوْلَدَهَا، ثم كَذَّبَ نَفْسَهُ، لم يُقْبَلْ قوله في إِبْطَالِ حرية 1 الولد، وفي الاسْتِيلاَدِ؛ لأن إِقرَارَة لا يلزم غيره، ولكن عليه قيمة 2 الوَلَدِ والأم مع المَهْرِ، وليس له وَطْؤُهَا بعد ذلك، إلا أن يَشْتَرِيَهَا منه، وتُعْتَقُ بموته، وَوَلاَؤُهَا مَوْقُوفٌ.
وإن وَافَقَتْهُ الجَارَيةُ في الرجوع، ففي بطلان الاسْتِيلاَدِ وجهان: أظهرهما: المنع، ولا يَرْتَفِعُ الاسْتِيلاَدُ المَحْكُومُ به برجوع محتمل.
والثاني: يبطل؛ لأنهم تَوَافَقُوا عليه، والحَقُّ لا يَعْدُوهُمْ، ولو أن صاحب اليد أَنْكَرَ، وحلف، وأَوْلَدَ الجَارَيةَ، ثم عاد وقال: كنت مُبْطِلاً في الإِنْكَارِ، والجَارِيَةُ للمدَّعِي، فالكَلاَمُ في المَهْرِ، وقيمة الوَلَدِ، والجارية، والاستِيلاَدِ، على ما ذكر في طَرَفِ المدعي.
وقوله في الكتاب: "فلو صُرِّح في نِزاعِ المُدَّعِي بأنه كان مِلْكاً لِلْبَائِعِ، ففي الرجوع وجهان"؛ الوَجْهَانِ لا يَخْتَصَّانِ بما إذا قال: كان مِلْكاً للبائع، بل يَجْرِيَانِ فيما إذا قال: هو مِلْكِي، ولا فَرْقَ بينهما، على ما بَيَّنَّاهُ.
وقوله: "ولو أخذ جَارِيةً بِحُجَّةٍ"، أطلق لفظ الحُجَّةِ، لِيَنْتَظِمَ ما إذا أخذَ بالبينة.
وفيه صُوَرٌ في "الوسيط"، وما إذا أُخِذَ باليَمِينِ بعد النُّكُولِ، وفيه صُوَر ابن الحَدَّادِ وأكثر من تَكَلَّمَ في المسألة.
واعلم: أن الصُّورَةَ الثانية، لا اخْتِصَاصَ لها بالرُّكْنِ الذي فيه الكَلاَمُ، وهو جَوَابُ المُدَّعَى عليه، وكذا الصورة الأُولَى، إلا من جِهَةِ أنه فرض التصريح، بكونه لِلْبَائِع في جواب المدعي، والنِّزَاعُ معه، لكن عرفت أنه لا فَرْقَ بين أن يكون هذا التَّصْرِيحُ في جواب المُدَّعِي؛ أو في ابْتِدَاءِ الشِّرَاءِ.
والوجهان جَارِيَانِ في الحالتين.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: جَوَابُ دَعْوَى القِصَاصِ عَلَى العَبْدِ يُطْلَبُ مِنَ العَبْدِ، وَدَعْوَى الأَرْشِ يُطْلَبُ جَوَابُهَا مِنَ السَّيِّدِ وَلَكِنْ لَهُ تَحْلِيفُ العَبْدِ لِيَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ إِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَسَمِعْنَا الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ المُؤَجَّل أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما يقبل إقرار العَبْدِ فيه؛ كالقِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، فالدَّعْوَى فيه تكون على العَبْدِ، والجواب يكون منه، وما لا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فيه؛ وهو الأَرْشُ، وضَمَانُ الأَمْوَالِ، فَلِتَوَجُّهِ الدعوى فيها على السَّيِّدِ، فإن الرَّقَبَةَ التي هي مُتَعَلَّقُهَا، حَقُّ السيد، فإن وجهت الدعوى على العَبْدِ، فَمَفْهُومُ ما نقل الأَئِمَّةُ -رحمهم الله- فيه طَرِيقَانِ: أحدهما: وهو الذي يَشْتَمِلُ عليه الكتاب -المَنْعُ؛ لأن إِقْرَارَهُ بها غير مقبول.

نعم، هل للمدعي تَحْلِيفُهُ؟ يُبْنَى ذلك على أن الأُرُوشَ 1 المتعلقة بالرَّقَبَةِ، هل يَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ أيضاً؟ وفيه قولان مَذْكُورَانِ في موضعهما.
فإن قلنا: يَتَعَلَّقُ، فلا طلبة، ولا إِلْزَامَ في الحال، وإنما هو شَيْءٌ يتوقع 2 من بعد فيكون كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، ويجيء الخِلاَفُ الذي مَرَّ في سَمَاعِ الدَّعْوَى، بالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، فإن سَمِعْنَاهَا، فله تَحْلِيفُ العَبْدِ، فإن نَكَلَ وحَلَفَ المدعى اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، لم يكن التعلق 3 بالرَّقَبَةِ؛ لأن اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، وإن جُعِلَتْ كالبَيِّنَةِ، فلا تُؤَثِّرُ إلا في حَقِّ المُتَدَاعيَيْنِ، والرَّقَبَةُ حق السَّيِّدِ، وفيه وجه: أن له التَّعَلُّقَ بالرَّقَبَةِ، إذا جعلناها كالبَيِّنَةِ.
هذا ما حكاه صَاحِبُ الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط".
وذكر الإِمام نَحْواً منه.
والثاني: وهو المذكور في "التهذيب" في باب مُدَايَنَةِ العَبِيدِ، أن الدَّعْوَى مَسْمُوعَةٌ على العَبْدِ 4 إن كان للمدعي بَيِّنَةٌ، وإن لم يكن له بَيِّنَةٌ، فإن جَعَلْنَا النُّكُولَ ورَدّ اليمين كالبينة، سُمِعَتْ أيضاً.
فلعله يَنْكُلُ فيحلف المدعي.
وإن قلنا: إنها كالإِقْرَارِ، فلا تُسْمَعُ.
وفي 5 كل واحد من الطريقين حيلة 6. أما الأول؛ فلان قَضِيَّةَ البناء على الأَصْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أن يسمع الدَّعْوَى عليه لإِقَامَةِ البَيِّنَةِ، والتَّحْلِيفِ جميعاً، ولا يَخْتَصُّ التحليف بالنظر والكلام، وهم إنما تَكَلَّمُوا في التَّحْلِيفِ.
وأما الثاني: فلأن ظَاهرَهُ تَعَلُّقُ الأَرْش بالرَّقَبَةِ بإقامة البَيِّنَةِ في وجه العبد، لكن الرَّقبةَ للسَّيِّدِ، فينبغي أن تُقَامَ البَيِّنَةُ في وجهه، أو وجه نائبه.
والمتوجه أن يُقَالَ: تُسْمَعُ الدَّعْوَى [عليه] 7 لإِثْبَاتِ الأَرْشِ في ذِمَّتِهِ، تَفْرِيعاً على الأَصْلَيْنِ المذكورين؛ ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ عليه، لِتَعَلُّقِهِ بالرَّقَبَةِ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا ادَّعَى وَلَمْ يَحْلِفْ وَقَالَ: لِيَ بَيِّنَةٌ فَاطْلُبُوا مِنْهُ كَفِيلاً لَمْ يَلْزَمْهُ (و) ذَلِكَ وَإِنْ جَرِيَ بِهِ رَسْمُ القُضَاةِ، وَإِذَا أَقَامَ فَلَهُ طَلَبُ الكَفِيلِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من ادَّعَى على إِنْسَانٍ عَيْناً، أو دَيْناً ولم يحلفه 8، وطلب كَفِيلاً منه، ليأتي بالبَيِّنَةِ، لم يَلْزَمْهُ إِعْطَاءُ كَفِيلٍ، وإن اعتاد 9 القضاة خلافه، هذا هو المَشْهُورُ.

ورأيت لبعض المُتَأَخِّرِينَ أن الأَمْرَ فيه إلى رَأْي الحاكم، وإن أقام شَاهِدَيْنِ، وطلب الكَفِيل إلى أن يعدلا طُولِبَ به؛ لأنه أَتَى بما عليه، والنظر في حَالِ الشُّهُودِ من وَظِيفَةِ القاضي، والظاهر العَدَالَةُ، فإن امْتَنَعَ من إِعْطَاءِ الكَفِيلِ، حُبِسَ لهذا الامتناع، لا لثبوت الحق والامْتِنَاعِ منه، هكذا أَطْلَقَ الإِمَامُ وصاحب الكتاب لكن يجيء فيه الخِلاَفُ من وجوه: أحدها: أن في أَصْلِ كَفَالَةِ البَدَنِ قَوْلاً مذكوراً في باب الضَّمَانِ، أنها لا تَصِحُّ.
والثاني: أن في فَتَاوَى القَفَّالِ: أنَّه لا يَلْزَمُهُ أن يعطي كَفِيلاً؛ لأن الحَقَّ لم يَثْبُتْ بعد، لكن للحاكم أن يُطَالِبَهُ به، إذا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إليه، وخاف منه الهرب.
والثالث: أنا ذكرنا في آخر الباب من الشهادات المُدَّعَى إذا كان عَيْناً فَيُنْزَعُ في هذه الحالة، وإن كان دَيْناً فَيحْبَسُ المدعى عليه على أحد الوجهين، وكل واحد من الانتزاع والحبس، فيجوز ألا يُجَابَ أيضاً لما المَكْفُولِ ببدنه من تحمل منه الكفيل، ولا يخفى أن المَسْأَلَةَ لا اخْتِصَاصَ لها بِرُكْنِ الجواب والله أعلم بالصواب.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الحَلِفِ:

وَالنَّظَرُ فِي الحَلِفِ وَالحَالِفِ وَالمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالحُكْمِ أَمَّا الحَلِفُ فَيَجْرِي فِيهِ التَّغْلِيظُ إِلاَّ فِيمَا هُوَ دُونَ نِصَابِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ أَنْكَرَ السَّيِّد عِتْقَ عَبْدٍ خسيسٍ لَمْ تُغَلَّظ يَمِينُهُ، فَإِنْ نكَلَ غُلِّظَ عَلَى العَبْدِ لِأَنَّهُ مُدَّعِي العِتْقِ، وَكُلُّ مَا لاَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ يَجْرِي في التَّغْلِيظِ، وَيَجْرِي أَيْضَاً في عُيُوبِ النِّسَاءِ، وَكَيفِيَّتُهُ وَكَوْنُهُ مُسْتَحَقاً أَوْ مُسْتَحَبَّاً ذَكَرْنَاهُ فِي اللِّعَانِ، وَيُغَلَّظُ عَلَى المُخَدَّرَةِ بِحُضُورِ الجَامِعِ، وَلاَ تَذَرُ بِالتَّخَدُّرِ، وَشَرْطُ اليَمِينِ أَنْ يُطَابِقَ الإِنْكَارَ وإنْ يَقَعَ بَعْدَ عَرْضِ القَاضِي، فَلوْ بَادَرَ قَبْلَ طَلَبِ القَاضِي لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَحَدُ الأَرْكَانِ التي تَدُورُ عليها الخُصُومَاتُ الشرعية، [اليمين] 1 على ما مَرَّ، وقد تَكَلَّمَ في هذا الرُّكْنِ في أربعة أَطْرَافٍ: نفس الحلف، وما يُحْلَف عليه، ومَنْ يحلف، وما يُحْلَف له.
وهو فائدته، وحكمه.
فأما ما يحلف به؛ فَمَوْضِعُ بَيَانِهِ، كِتَابُ الأَيْمَانِ.
وأما من يحلف له، فهو الخَصْمُ، وأمره ظاهر.
أما الطرف الأول، فهو نَفْسُ الحلف فصيغ اليمين مُسْتَوْفَاةٌ في موضعها، والقصد 2 الآن بَيَانُ قاعدتين: إحداهما: للتغليظ 3 مدخل في الأَيْمَانِ المَشْرُوعَةِ في الدَّعَاوَى، مبالغة للزجر، وتأكيد الأمر.
وفيه مسائل:

[إحداها]: التَّغْلِيظُ يَقَعُ بوجوه: أحدها: التَّغْلِيظُ اللفظي، وهو على ضَرْبَيْنِ: أحدهما: التعديد، والتكرير.
وهو مَخْصُوصٌ بالقَسَامَةِ، واللّعَانِ، وواجب فيهما.
والثاني: زَيادَةُ الأسماء، والصِّفَاتِ، بأن يقول: وَاللهِ الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يَعْلَمُ من السِّرِّ ما يعلم من العَلاَنِيَةِ.
ويقول: بالله الطَّالب، الغالب، المدرك، المهلك، الذي يعلم السِّرَّ وأَخْفَى.
وهذا الضَّرْبُ مُسْتَحَبٌّ.
فلو اقْتَصَرَ على قوله: بالله، كفى.
واسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- أن يَقْرَأَ على الحَالِفِ قَوْلَهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] وأن يحضر المُصْحف ويوضع في حِجْرِ الحَالِفِ.
وذكر بعض الأصحاب أنَّه يحلف قائماً زِيادَةً في التَّغْليظ 1. والوجه الثاني: التغليظ بالمَكَانِ.
والثالث: التَّغْلِيظُ بالزَّمَانِ.
وهما بِتَفْصِيلِهِمَا مَذْكُورَانِ في باب اللعان.
والتغليظ بالمكان، مُسْتَحَبٌّ، أو وَاجِبٌ، حتى لا يُعتَدَّ بالحَلِفِ في مكان آخر، فيه قولان: أصحهما: الأول.
وفي التَّغْلِيظِ بالزَّمَانِ، طريقان: منهم من جعله على القولين، ومنهم من قَطَعَ فيه بالاسْتِحْبَابِ.
وعن ابن القَاصِّ: القطع بالاسْتِحبَابِ في التَّغْلِيظِ بالمكان أيضاً.
ورأى الإِمام طَرْدَ الخِلاَفِ في الضَّرْبِ الثاني من التَّغْلِيظِ اللفظي أيضاً 2 ومن وجوه التغليظ المذكور في اللعان، التَّغْلِيظ بحضور جَمْعٍ، ولم يذكروه هاهنا.
ويشبه أن يُقَالَ: الأَيْمَانُ التي تَتَعَلَّقُ بإثبات حد أو 3 دفع حدٍ، يكون التغليظ فيه بالجمع.
كما في اللّعَانِ.
ثم التَّغْلِيظُ، يكون بطلب الخصم.
أم يغلظ القاضي وإن لم يطلب الخَصْم؟ حكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ فيه وجهين، وذكر أن الأَصَحَّ منهما الثَّاني، ويُشْبِهُ أن يكونا جَارَييْنِ، سواء قلنا بالاسْتِحْبَابِ، أو بالإيجَابِ.

المسألة الثانية: يجري التَّغْلِيظُ في دَعْوَى الدَّم، والنِّكَاحِ، والطَّلاَقِ، والرجعة، والإِيلاَءِ، واللّعَانِ، والعِتْقِ، والحَدِّ، والوَلاَءِ، والوِكَالَةِ، والوِصَايَةِ، وكل ما ليس بمال، ولا القصيد 1 منه المال 2؛ حتى يَجْرِيَ في الوِلاَدَةِ، والرِّضَاعِ، وعُيُوبِ النِّسَاءِ.
وليس قَبُولُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فيها، لِقِلَّةِ خَطَرِهَا؛ ولكن لأن الرِّجَالَ لا يَطَّلِعُونَ عليها غَالِباً.
وتَوَقَّفَ الإِمام في الوِكَالَةِ [وقال: الوِكَالةُ] 3 في دَرَاهِمَ خَسِيسَةٍ، أَحْسَنُ من ملكها؛ فإن تَصَرُّفَ المُلاَّكِ، أقوى من تَصَرُّفِ الوُكَلاَءِ.
والتغليظ إنما يَلِيقُ بما يعظم خَطَرُهُ، وليس اشْتِرَاطُ الذُّكُورَةِ في شهود الوِكَالَةِ لِشَرَفِ الوِكَالَةِ؛ لكن للشَّارعِ تَعَبُّدٌ في [نصاب] 4 الشهادات فيتبع.
وأما الأموال، فَيَجْرِي التَّغْلِيظُ في كثيرها دون قَلِيلِهَا على مَا وَرَدَ في الآثارِ.
رُوِيَ أن عَبْد الرَّحمن بْنَ عوف -رضي الله عنه- رأى قَوْماً يَحْلِفُونَ بين المَقَامِ والبيت، فقال: أَعَلَى دَمٍ؟ قالوا: لا.
قال: أفعلى عظيم 5 من المال؟.
قالوا: لا.
قال: خَشِيتُ أن يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بهذا البَيْتِ ويُروى أن يَبْهَأ النَّاس بهذا البَيْت.
يقال: بَهَأْتُ بالشيء، إذا أَنِسْتَ به حتى سَقَطَ هَيْبَتُهُ قليله 6 والكثير من المال ما يَبْلُغُ عَيْناً، أو قيمة نِصَاب الزَّكَاةِ؛ وهو عشرون دِينَاراً، أو مائتا دِرْهَمٍ 7، والقليل ما دُونَ ذلك، فلا تُغَلَّظُ فيه، إلا أن يَرَى القاضي التَّغْلِيظَ [لجرأةٍ: يجدها في الحَالِفِ، فله التغليظ] 8.

وعن مَالِكٍ: أن الضَّبْطَ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، فيجري التَّغلِيظُ فيما بَلَغَ رُبُعَ دينار، ولا يَجْرِي فيما دُونَهُ، وأما أبو حَنِيْفَةَ، وأحمد، فلا تَغْلِيظَ عندهما بالمكان، ولا بالزَّمَانِ أَصْلاً.
الثالثة: ما يجري [فيه] 1 التَّغْلِيظُ يَسْتَوي فيه يَمِينُ المدعى عليه، واليَمِينُ المَرْدُودَةُ، واليمين مع الشَّاهِدِ.
[وقد يقتضي] 2 الحال تَغْلِيظَ اليَمِينِ في أحد الطَّرَفَيْنِ دُونَ الآخر، كما إذا ادَّعَى العَبْدُ على سَيِّدِهِ عِتْقاً، أو كتابة، فأنكر السيد؛ فإن بلغت قِيمَتُهُ نِصَاباً، فيغلظ عليه في اليَمِينِ؛ لأنه ينفي اسْتِدَامَةَ مَالٍ كثير، فإن لم يبلغ قِيمَتُهُ نِصَاباً، فلا يغلظ عليه؛ فإن نَكَلَ السيد، فالعَبْدُ يُغَلَّظْ عليه بكل حَالٍ؛ لأنه يَدَّعِي العِتْقَ.
والوَقْفُ من جانب المدعى عليه لا تَغْلِيظَ فيه، إلا إذا بلغ نِصَاباً، وكذلك مِنْ جَانِبِ المدعي إن أثبتناه بشاهد ويَمِينٍ، وإن لم نُثْبِتْهُ فيغلظ فيه كالعِتْقِ.
وعن حكاية صاحب "التقريب" 3 وجه: أن ما يُغَلَّظُ فيه من أَحَدِ الطرفين يُغَلَّظُ من الآخر، تَسْوِيةً بين الخَصْمَيْنِ.
وإذا ادَّعى الزَّوْجُ الخُلْعَ على مَالٍ، وأنكرت الزَّوْجَةُ فالبينونة حَاصِلَةٌ بقوله، وتُصَدَّقُ الزَّوْجَةُ في إنكار المَالِ بيمينها، ويُنْظَرُ في التَّغْلِيظِ إلى قَدْرِ المال: أهو كَثيرٌ أم قليل؟ فإن ردّت اليمين، وحَلَفَ الزَّوْجُ، فكذلك؛ لأن مَقْصُودَهُ المال.
وإن ادعت هي الخُلْعَ، وأنكر الزَّوْجُ، فتغلظ اليَمِينُ عليه؛ لأن مَقْصُودَهُ اسْتِدَامَةُ النكاح.
وإن نَكَلَ، وحَلَفَتِ الزَّوْجَةُ، فكذلك؛ لأن مَقْصُودَهَا الفِرَاقُ.
الرابعة: من به مَرَضٌ أو زُمَانَةٌ، لا تُغَلَّظُ عليه في المكان لِعُذْرِهِ.
وكذا الحَائِضُ، إذ لا يُمْكِنُهَا اللّبْثُ في المسجد، والمَرْأَةُ المُخَدَّرَةُ فِي إِحْضَارِهَا مَجْلِسَ الحكم، خِلاَفٌ سَبَقَ، فإن أُحْضِرَت، فهي كالرجل في التَّغْلِيظِ.
وإن قلنا: لا تَحْضُرْ؛ بل يَبْعَثُ القاضي إليها من يَحْكُمُ بينها وبين خَصْمِهَا، فهذا أفْضَى الأَمْرُ إلى تَحْلِيفِهَا، فهل تُغَلَّظُ عليها بالمكان، وتُكَلَّفُ حضور الجامع؟ فيه وجهان مَحْكِيَّانِ في "الشامل" وغيره: أحدهما: نعم؛ ويُرَاعَى التَّغْلِيظُ من هذا الوجه، كما يُرَاعَى باللفظ.
والثاني: لا؛ لأنا أَلْحَقنَا التَّحَذُّر بالمَرَضِ في حضور مَجْلِسِ الحكم، فكذلك 4، في حضور الجَامِعِ.

والأول هو المَذْكُورُ في الكتاب، وبه أجاب الشيخ أبو حَامِدٍ، ومن تابعه، ولكن قيل يبتنى (1) هذا الخِلاَفَ على الخِلاَفِ في أن التَّغْلِيظَ مُسْتَحَقٌّ، أو مُسْتَحَبٌّ.
وقَضِيَّةُ هذا البناء تَرْجِيحُ الوجه الثاني.

فرع

: من تَوَجَّهَتْ عليه اليمين، لو كان 2 قد حَلَفَ بالطَّلاَقِ ألا يحلف يَمِيناً مُغَلَّظَةً، فإن جعلنا التَّغْلِيظَ مُستحقّاً، فعليه أن يَحْلفَ اليمين المُغَلَّظَةَ، والحنث، وإذا امتنع، جُعِلَ نَاكِلاً، وإن جعلناه مُسْتَحَبّاً، فلا يحنث.
القاعدة الثانية: يُشْتَرَطُ في اليمين أن تكون مُطَابِقَةً للإنكار، فإذا ادَّعَى عليه إِتْلاَفَ ثَوْبِ قيمته عشرة، فإن قال في الجَوَابِ: ما أَتْلَفْتُ، حلف كذلك.
وإن قال: لا يَلْزَمُنِي شَيْءٌ، حَلَفَ كذلك.
وهذا قد مَرَّ.
والشرط أيضاً وُقُوعُهَا بعد تَحْلِيفِ القاضي، فلو حلف [قبله] 3 لم يُعْتَدَّ به، واحْتُجَّ له، بأن رُكَانَةَ 4 طَلَّقَ امْرَأتَهُ ألْبَتَّةَ.
وقال: وَاللهِ ما أردت إلا وَاحِدَةً.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا أَرَدْتَّ إِلاَّ وَاحِدَةً؟ " فقال: والله، ما أردت إلا وَاحِدَةً 5. فقيل: كانت امرَأَتُهُ تَدَّعِي أنَّه أراد أكثر من طَلْقَةٍ، فكان 6 عليه أن يَحْلِفَ، فلم يُعْتَدَّ بيمينه قبل التَّحْلِيفِ، وأعاد عليه ولو قال الحَاكِمُ في تَحْلِيفِهِ: قل: بالله.
فقال: بالرَّحْمَن، لم يُحْسَبْ، وكان نُكُولاً.
ولو قال: قل: باللهِ، فقال: وَاللهِ، أو تالله، فوجهان 7: أحدهما: أنهُ نُكُولٌ؛ لأنه حَلَفَ، لا على الوَجْهِ الذي حُلِّفَ، فَأَشْبَهَتِ الصورة الأولى.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنه حَلَفَ بالاسْمِ الذي حُلِّفَ به، والتَّفَاوُت في مُجَرَّدِ الصِّلَةِ.
ويجري الوَجْهَانِ فيما إذا غُلِّظَ عليه باللَّفْظِ، فامتنع واقْتَصَرَ على أن قال: بالله.
وفيما إذا أراد التَّأْكِيدَ عليه بالزَّمَانِ، أو المكان، فامْتَنَعَ.
وقد حَكَى الخِلاَفَ في التَّغلِيظِ1

اللَّفظي القاضي الرُّوَيانِيُّ عن القَفَّالِ، وذكر أن الأَصَحَّ: أنَّه يكون نَاكِلاً؛ لأنه ليس له رَدُّ اجتهاد القاضي، وقطع بعضهم في الامْتِنَاعِ من التغليظ اللَّفْظِيِّ، أنَّه لا يكون [ناكلاً] 1. وفي التغليظ الزَّمَانِيِّ والمكاني، أنَّه يكون نَاكِلاً.
والفرق؛ أن التَّغْلِيظَ اللَّفْظِيَّ من جِنْسِ المأتي به، وهو ذِكْرُ الله -تعالى الذي هو 2 مناط الحُرْمَة، والتعظيم، والتَّغْلِيظ الزماني، والمكاني، ليسا من جِنْسِ المأتى به، فلم يكن له الامْتِنَاعُ منهما 3. ولْيُعَلَّمْ قوله في الكتاب: "إلا في مَالٍ دون نِصَاب الزكاة" بالميم، لما عرفت من مَذْهَبِهِ أنَّه يَجْرِي التَّغْلِيظُ فيما دون نِصَاب الزكاة، إذا لمَ يكن دون نصَاب السرقة وبالواو أيضاً؛ لأن القاضي ابْنَ كَجٍّ حَكَى عن أَبي الحُسَيْنِ وَجْهاً: أن المال الوَاجب بالجِنَايَةِ، عَمْداً كان، أو خَطَأً، يجري فيه التَّغْلِيظُ، وإن كان دون نِصَابِ الزكاة.
وقوله: "لم تغلظ يمينه"، وقوله: "وتغلظ على المُخَدَّرَةِ"، مرقومان بالواو لما تَقَدَّمَ، ويمكن إِعْلاَمُ قوله: "وشرط اليمين أن يطابق الإنكار" أيضاً بالواو؛ لأنا أَسْلَفْنَا وَجْهَيْنِ في أن المُدَّعَى عَلَيْهِ، لو أنكر الجِهَةَ التي أَسْنَدَ المدعى إليها دَعْوَاهُ من إِقْرَاضٍ، أو إتْلاَفٍ، ثم أراد أن يَقْتَصِرَ في يَمِينِهِ على نَفْي اللزوم، ولا يَتَعَرَّضُ لتلك الجِهَةِ، هل يُمَكَّن منه؟ فإن مَكَّنَّاهُ، لم يكن من شَرْطِ اليمين أن يطابق الإِنْكَارَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ عَلَى البَتِّ فِي كُلِّ مَا يَنْسِبُهُ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ نَفْي أَوْ إِثبَاتٍ وَيَحْلِفُ عَلَى البَتِّ فِي الإِثْبَاتِ المَنْسُوبِ إِلَى غَيْرِهِ كَبَيْعٍ، وَفي النَّفْي يَكْفِي الحَلِفُ عَلَى نَفْي العِلْمِ فَيَقُولُ: لاَ أَعْلَمُ عَلَى مُوَرِّثي دَيْناً وَلاَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِتْلاَفاً وَبَيْعاً، وَهَلْ يَثْبُتُ فِي نَفْي أَرْشِ الجِنَايَةِ عَنِ العَبْدِ وَجْهَانِ، وَفِي نَفْي الإتْلاَفِ عَنْ بَهِيمَتِهِ الَّتِي قَصَّرَ بِتَسْرِيحِهَا يَجِبُ البَتَّة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالف تَارَةً يَحْلِفُ على البَتِّ، وأخرى على العِلْمِ، ومَقْصُودُ الفَصْلِ، بَيَانُ موضع القَسَمَيْنِ؛ فإن كان يَحْلِفُ على فعل نَفْسِهِ، فيحلفَ على البَتِّ، سواء كان يُثْبِتُهُ، أو يَنْفِيهِ؛ لأنه يَعْرِفُ حَالَ نَفْسِهِ، ويطلع عليها.
وإن كان يَحْلِفُ على فعل الغَيْرِ، فإن كان في إِثْبَاتٍ، فيحلف على البَتِّ؛ لأنه يسهل الوُقُوف عليه، وهذا كما أنَّه يَشْهَدُ به.
وإن كان [يحلف] 4 على النفي، فيحلف على أنَّه لا يَعْلَمُهُ؛ لأن النَّفْيَ المُطْلَقَ

يَعْسُرُ الوُقُوفُ على سَبَبِهِ.
ولهذا لا تجوز الشَّهَادَةُ على النفي، وقد يُعَبَّرُ عن الغَرَضِ بِعِبَارَةٍ أخرى فيقال: إن كان الحَلِفُ على الإِثْبَاتِ، فيجب البَتُّ، سواء كان المثبت فعل نفسه، أو غيره.
وإن كان على النَّفْي، فإن نَفْي فِعْلَ نَفْسِهِ، حلف على البَتِّ أيضاً، وإن حَلَفَ على فِعْلِ غيره، حَلَفَ على العِلْمِ وقد يختصر 1 فيقال: اليَمِينُ على البَتِّ أَبَداً، إلا إذا حَلَفَ على نَفي فِعْلِ الغير 2، إذا تقرر ذلك، فمن ادُّعِيَ عليه مال، فأنْكَرَ، حلف على البَتِّ.
وإن ادَّعى إبراءً، أو قضاءً، وأنكر المُدَّعى، حَلَفَ على البَتِّ.
ولو ادعى وَارِثٌ على إنسان، أن لِمُوَرِّثي عليك كذا، فقال المُدَّعَى عَلَيْهِ: إنه قد أَبْرَأَنِي، أو قَبَضَهُ، حلف المدعي على نَفْي العِلْمِ بإبراء المُوَرّثِ، وقبضه [ولو كان] 3. في يده دارٌ، وجاء مُدَّعٍ، وقال: غَصَبَهَا مِنِّي أبوك، أو بَائِعُكَ، فأنكر، حُلِّفَ على نفي العِلْمِ بأنهما غَصَبَا.
ولو ادعى إنسان على وَارِثِ مَيِّتٍ دَيْناً على المَيِّتِ، لم يكفِ ذِكْرُ الدَّينِ وَوَصْفُهُ، بل يذكر مع ذلك مَوْتَ مَنْ عليه، وأنه حَصَلَ في يَدِهِ من التَّرِكَةِ ما يَفِي بجميعه، أو ببعضه، وأنه يَعْلَمُ دَيْنَهُ على مورثه.
وهكذا كل ما يَحْلِفُ المنكر فيه على العلم، يُشْتَرَطُ

في الدعوى 1 عليه التَّعَرُّضُ، فيقول: إن مُوَرِّثَكَ غَصَبَ كذا، وأنت تَعْلَمُ أنَّه غَصَبَهُ، ثم إذا تَعَرَّضَ لجميع ذلك، فإن أَنْكَرَ الوَارِثُ الدَّيْنَ، حَلَفَ على نَفْي العِلْمِ، فإن نَكَلَ، حَلَفَ المُدَّعي على البَتِّ، وإن أَنْكَرَ مَوْتَ مَنْ عليه، فثلاثة أوجه: أحدها: عن ابن القَاصِّ، والشيخ أبي عَاصِمٍ: أنَّه يَحْلِفُ على البَتِّ؛ لأن الظَّاهِرَ اطِّلاَعُهُ عليه.
وأصحُّهما: أنَّه يَحْلِفُ على العِلْم، كما لو أَنْكَرَ غَصْبَهُ وإِتْلاَفهُ، وقد يكون موته في الغَيْبَةِ، فلا يَطَّلِعُ الوَارِثُ عليه.
وثالثها: عن الشيخ أبي زَيْدٍ الفَرْقُ بين من عُهِدَ حاضرًا، أو غائباً، وإن أنكر حُصُولَ التَّرِكَةِ عنده، حَلَفَ على البَتِّ، وإن أَنْكَرَ الدَّيْنَ وحُصُولَ التَّرِكَةِ معاً، وأراد أن يَحْلِفَ على نَفْي التَّرِكَةِ وَحْدَهُ، وأراد المدعي تَحْلِيفَهُ على نَفْي التركة، وعلى نَفي العِلْمِ بالدَّيْنِ معاً، فعنَ ابن القَاصِّ: أنَّه يَحْلِفُ عليهما؛ لأن للمُدَّعِي غَرَضًا في إثْبَاتِ الدَّيْن، وإن لم يكن عند الوَارِثِ شَيْءٌ، فلعله يَظْفَرُ بوديعة، أو دَيْنٍ له على إنسان، وأخذ منه حَقَّهُ.
ولو ادَّعى على رجل، أن عبدك جنى عَلَيَّ بما يُوجِبُ كذا، وأنكر، فوجهان: أحدهما: وهو المذكور في "الشامل": أنَّه يَحْلِفُ على نَفي العِلْم؛ لأنه حَلِفٌ يَتَعَلَّقُ بفعل الغَيْرِ.
وأصَحُّهُمَا: أنَّه يَحْلِفُ على البَتِّ؛ لأن عَبْدَهُ ماله، وفِعْلَهُ كفعل نَفْسِهِ، ولذلك سمعنا الدَّعْوَى (2) عليه.
وربما بُنِيَ الوَجْهَانِ على أن أَرْشَ الجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْضِ الرقبة؟ أم يَتَعَلَّقُ بالرَّقَبَةِ والذِّمَّةِ معاً، حتى يتبع بما فعل بعد العِتْقِ؟ فإن قلنا بالأَوَّلِ، حلف على البَتِّ؛ لأنه يَحْلِفْ ويُخَاصِمُ لنفسه.
وإن قلنا بالثاني 2 فعلى العِلْمِ؛ لأن لِلْعَبْدِ على هذا ذِمَّةً تَتَعَلَّقُ بها الحُقُوقُ، والرَّقَبَةُ؛ كالمرتهن 3 بما عليه.

وإذا ادَّعَى عليه أن بَهِيمَتَهُ أَتْلَفَتْ زَرْعاً، وغيره، بحيث يَجِبُ الضَّمَانُ بإتْلاَفِ البَهِيمَةِ، فأنكر، يَحْلِفُ على البَتِّ؛ لأنه لا ذِمَّةَ لها والمالك لا يَضْمَنُ بفعل البَهِيمَةِ، وإنما يَضْمَنُ بالتَّقْصِير في حِفْظِهَا.
وهذا أَمْرٌ يتعلق بنفس الحَالِفِ، ولو نَصَبَ البائع وَكِيلاً ليقبض 1 الثمن، ويسلم 2 المبيع، فقال له المشتري: إن مُوَكِّلَكَ أَذِنَ في تَسْلِيمِ المَبِيعِ، وأَبْطَلَ حَقَّ الحَبْسِ، وأنت تعلم، فقولان عن حكاية ابن القَاصِّ: أحدهما: أنَّه يَحْلِفُ على نَفْي العلم، ويُدِيمُ الحَبْسَ إلى اسْتيفَاءِ الثَّمَنِ.
والثاني: وهو اخْتِيَارُ أبي زَيْدٍ: أنَّه يَحْلِفُ على البَتِّ؛ لأنه يثبت لنفسه اسْتِحْقَاقَ اليَدِ على المبيع.
وعن ابْنِ القَاصِّ: أنَّه إذا طُولِبَ البَائِعُ بتسليم المَبِيع، فادعى حُدُوثَ عَجْزٍ عنه، وقال المُشْتَرِي: أنت 3 عالم به، فأنكر، يَحْلِفُ على الَبَتِّ؛ لأنه يستفيد 4 بيمينه وُجُوبَ تَسْلِيم المَبِيع إليه، وأنه لو مات عن ابنٍ في الظَّاهِرِ، فجاء آخر وقال: أنا أَخُوكَ، والمِيرَاثُ بَيْنَنَا، فأنكر، يَحْلِفُ على البَتِّ أيضاً؛ لأن الأخُوَّةَ رَابِطَةٌ جَامِعَةٌ بينهما، فهو حَالِفٌ في نفسه، ونَازَعَهُ منازعون في الصُّورَتَيْنِ، وقالوا: يَحْلِفُ على العلم 5 والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ يَحِلّ لَهُ اليَمِينُ البَتُّ بِظَنٍّ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ خَطٍّ أَوْ قَرِينَةِ حَالٍ مِنْ نُكُولِ خَصْمٍ وَغَيْرِهِ، وَيُنْظَرُ فِي اليَمِينِ إلَى نِيَّةِ القَاضِي وَعَقِيدَتِهِ فَلاَ يَصِحُّ تَوْرِيَةُ الحَالِفِ وَلاَ قَوْلُهُ: إِنْ شَاءَ الله بِحَيْثُ لاَ يَسْمَعُ القَاضِي، وَلاَ يَحِلُّ لِلشَّفْعَويِّ أن يَحْلِفَ عِنْدَ القَاضِي الحَنَفِيِّ عَلَى نَفي اللُّزُومِ في شُفْعَةِ الجَارِ بِتَأْوِيلِ اعْتِقَادِ نَفْسِهِ بَلْ إِذَا أَلْزَمَهُ القَاضِي صارَ لاَزِمَاً ظَاهِرَاً وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْلِف، وَهَلْ يَلزَمُهُ بَاطِناً؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُجْتَهِدَاً لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّداً يَلْزَمُهُ بَاطِناً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْأَلَتَانِ: إحداهما: ما يحلف فيه على البَتِّ، لا يُشْتَرَطُ فيه اليَقِينُ، بل يجوز البَتُّ على ظَنٍّ مؤكد، [منشأ] 6 من خطِّهِ، أو من خطِّ أبيه، أو نُكُولِ خَصْمِهِ على ما سبق.
ولو اسْتَحْلَفَ القَاضِي على البَتِّ، حيث تجب فيه اليَمِينُ على العِلْمِ، وقد عَدَلَ عن نَهْجِ الصَّوَابِ، والعَدْلِ، إلا أن اليَمِينَ يُحْسَبُ، وتُحْمَلُ على نَفْي العلم، كما إذا

شَهِدَ الشُّهُودُ أنَّه لا وَارِثَ له، وإلا فلا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وتُحْمَلُ على أنَّه لا يعْلَمُ وَارِثاً غيره.
الثانية: النَّظَرُ في اليَمِينِ إلى نِيَّةِ القَاضِي المُسْتَحْلِفِ وعَقِيدَتِهِ.
[و] 1 أما النية فالتَّوْرِيَةُ، والتَّأْوِيل على خلاف قَصْدِ القاضي لا يُغْنِي، ولا يَدْفَعُ إِثْمَ اليمين الفَاجِرَة.
ولو اسْتَثْنَى، أو وصل باللَّفْظِ شَرْطاً بِقَلْبِهِ، ونيَّتِهِ، أو فَعَل ذلك بِلِسَانِهِ، ولكن لم يسمعه الحَاكِمُ، فكذلك.
وإن سمعه الحَاكِمُ، عَزَّرَهُ، وأعاد عليه اليَمِينَ 2. وإن وَصَلَهُ بكلام لم يَفْهَمْهُ القاضي، مَنَعَهُ [منه] 3، وأَعَادَ اليمين عليه، كذلك ذكره في "التهذيب".
فإن قال: كُنْتُ أَذْكُرُ الله تعالى، قيل له: ليس هذا وقتاً له.
وأما العَقِيدَةُ؛ فإذا ادَّعى حنفي 4 على شَافِعِيٍّ، شُفْعَةَ الجَوَازِ.
والقاضي يرى إِثْبَاتَهَا، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فليس له أن يَحْلِفَ، بِنَاءً على اعْتِقَادِهِ في شُفْعَةِ الجار، بل

عليه اتِّبَاعُ القَاضي ويلزمه 1 في الظاهر [ما ألزمه القاضي] 2 وهل يَلْزَمُهُ في الباطن؟ حكى المُصَنِّفُ فيه وَجْهَيْنِ.
وهذا الخلاف كالخِلاَفِ المَذْكُورِ في الباب الثَّانِي من "أدب القَضَاءِ"، أن الحَنَفِيَّ إذا حكم للشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الجَارِ، هل يَحِلُّ له، أو هو هو؟ وَمَيْلُ الأكثرين إلى الحِلِّ، كما ذكره في الكتاب هُنَاك، وهو الجَوَابُ في فَتَاوَى القَفَّال ويوافقه 3 ما اتفقوا عليه هاهنا من تَرْجِيحِ اللُّزُومِ بَاطِناً.
وعن صاحب "التقريب": أن القَضَاءَ في المُجْتَهَدَاتِ يَنْفُذُ في حَقِّ المُقَلِّدِ ظاهراً، وباطناً، ولا يَنْفُذُ في حَقِّ المُجْتَهِدِ بَاطِناً، حتى لو كَانَ الحَالِفُ مُجْتَهِداً وحلف على مُوجَب اجْتِهَادِهِ، لم يَأْثَمْ 4. هذا ما يَتَعَلَّقُ بالطرف الثاني 5 وهو المَحْلُوفُ عليه.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الحَالِفُ فَهُوَ كُلُّ مَنْ تُوَجَّهُ عَلَيْهِ دَعْوى صَحِيحَةٌ فَيَحْلِفُ (ح م) فِي إِنْكَارِ النَّسَبِ وَالوَلاَءِ وَالرَّجْعَةِ وَالنِّكَاحِ وَالظِّهَارِ وَالإِيلاَءِ، وَلاَ يَحْلِفُ فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى إِذْ لاَ نِزَاعَ فِيهَا، وَلاَ يَحْلِفُ القَاضِي وَالشَّاهِدُ، وَيَحْلِفُ القَاضِي بَعْدَ العَزْلِ، وَلاَ يَحْلِفُ الصَّبيُّ إِذَا ادَّعَى البُلُوغَ بَلْ يُصَدَّقُ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا صَبيٌّ لَمْ يَحْلِفْ بَلْ يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ، إلاَّ الصَّبيَّ المُشْرِكَ إِذَا ادَّعَى أنَّهُ اسْتَنْبَتَ الشَّعْرَ بِالعِلاجَ فَإنَّهُ إِنْ لَمْ يَحْلِف قُتِلَ، وَقِيلَ: يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ ثُمَّ يَحْلِفَ فَإِنْ نَكَلَ قُتِلَ، وَلاَ يَحْلِفُ الوَصِيُّ وَالقيِّمُ إِذ لاَ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُمَا

أَعْني بالدَّيْنِ عَلَى المَيِّتِ، وَلاَ يَحْلِفُ (ح ز و) مَنْ يُنْكِرُ الوَكَالَةَ بِاسْتِيْفَاءِ الحَقِّ، فَإنَّهُ وَإِنْ عَلِمَ أنَّهُ وَكِيلٌ فَيَجُوزُ جُحُودُ المُوَكِّلِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلوَكِيلِ بِالخُصُومَةِ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلَى وَكَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الخَصْمِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطَرَف الثالث: الحَالِفُ؛ وهو كُلُّ من تَتَوَجَّهُ عليه دَعْوَى صَحِيحَةٌ.
وقيل 1: من تُوجِّهَتْ عليه دَعْوَى [صَحِيحَةٌ] 2 لو أَقَرَّ بمَطْلُوبِهَا، أُلْزِمَ به، فإذا أنكر، يَحْلِفُ عليه، وتُقْبَلُ منه.
وَلاَ بُدَّ من اسْتِثْنَاءِ صُوَرٍ عن هذا الضَّبْطِ، فنوردها 3 مع ما يَخْرُجُ منه، ويدخل فيه مسائل: إحداها: يجزئ التَّحْلِيفُ في النِّكَاح، والطَّلاَقِ، والرَّجْعَةِ، والفيئة في الإِيلاَءِ، وفي العِتْقِ، والاسْتيلاَدِ، والوَلاءِ، والنَّسَبِ.
قال أبو حَنيْفَةَ: لا يحلف المُدَّعَى عليه في هذه الأَبْوَاب، [بناء على أن المَطْلُوبَ من التَّحْلِيفِ الإِقْرَارُ، أو النكول، ليحكم بالنُّكُولِ.
والنَكول نَازِلٌ مَنْزِلَةَ البَذْلِ، والإِبَاحَةِ.
ولا مدخل لِلْبَذْلِ، والإبَاحَةِ في هذه الأبواب] 4. وقال مالك، وأحمد: يَجْرِي التَّحْلِيفُ فيما لا يَثْبُتُ [إلا] 5 بشاهدين ذَكَرَيْنِ إلحاقاً له بالحُدُودِ.
وعن أحمد رواية أخرى: [لا] 6 يجري التَّحْلِيفُ في القِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، والطَّلاَقِ، والعِتَاقِ.
لنا مُطْلَقُ قوله -صلى الله عليه وسلم-[: "وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ".
وحديث رُكَانَةَ حيث حَلَّفَهُ -صلى الله عليه وسلم- 7] 8 في الطَّلاَقِ، وأيضاً فإنه أَنْكَرَ ما تَوَجَّهَتْ به الدعوى، فيحلف كَسَائِرِ ما يَحْلِفُ فيه.
والثانية: حُدُودُ الله تَعَالَى، لا تُسْمَعُ فيها الدَّعْوَى، ولا يُطْلَبُ الجَوَابُ؛ لأنها ليست حَقّاً للمُدَّعِي، ومن له الحَقُّ، لم يَأْذَن في الطَّلَبِ، والإِثْبَاتِ، بل أمر فيه بالإِعْرَاضِ، والدَّفْعِ بما أَمْكَنَ.
نعم لو تَعَلَّقَ به حَقُّ آدَمِيٍّ، كما إذا قَذَفَ غَيْرَهُ، وَطَلَبَ المَقْذُوفُ حَدَّ القَذْفِ، فقال القَاذِفُ: حَلِّفُوهُ على أنَّه لم يَزْنِ، فالظاهر أنَّه يَحْلِفُ، كما ذكرنا في شَرْحِ المَسْأَلَةِ الثالثة من ركن 9 الدعوى، فإن حَلَفَ، أقيم الحَدُّ على القَاذِفِ، وإن نَكَلَ، وَحَلَفَ

القَاذِفُ، سَقَطَ حَدُّ القَذْفِ عنه، ولم يَثْبُت بحلفه حَدُّ الزِّنَا على المَقْذُوفِ، ولو ادَّعَى سَرِقَةَ مال 1، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ للمال، وحَلَفَ المُدَّعَى عليه، فإن نَكَلَ، حَلَفَ المدعى، واسْتَحَقَّ المَالَ، ولم يقطع المُدَّعَى عليه؛ لأن حُدُودَ اللهِ -تعالى- لا تَثْبُتُ باليمين المَرْدُودَةِ، وإذا 2 أقر بما يُوجبُ الحدَّ، وادَّعى شُبْهَةً، كما إذا وَطِئَ جَارِيةَ ابْنِهِ، وقال: ظَنَنْتُهَا تَحِلُّ لي، وهو ممن يَجُوزُ أن يُشْتَبَهَ عليه مثْلُهُ، حَلَفَ، وسقط بِحَلفِهِ الحَدُّ، ولَزِمَ المَهْرُ، وسمع الدعوى.
ويجري التَّحْلِيفُ في القِصَاصِ، وحَدِّ القذف، وكذا في الشَّتْمِ، والضَّرْبِ الموجِبَيْنِ للتعزير.
الثالثة: لو ادَّعى على القاضي: أنَّه ظَلَمَهُ في الحُكْمِ، أو على الشَّاهِدِ أنَّه تَعَمَّدَ الكَذِبَ، أو غَلِطَ، أو ادَّعى عليه ما يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَتِهِ، فهذا شَيْءٌ لو اعترف القَاضِي، أو الشَّاهِدُ، لَأَفَادَ اعترافهما التَّغْرِيمَ، وانتفع به المدعى.
لكن مَنْصِبَهُمَا يَأْبَى التَّحْلِيفَ على ما تَقَدَّمَ في آخر الباب الأَوَّلِ من "أدب القضاء".
ومرة أخرى في كتاب الدَّعَاوَى.
ولو ادعى على المَعْزُولِ أنَّه حكم أَيَّامَ قَضَائِهِ عليه ظُلْماً، وأَنْكَرَ، فقد ذكرنا وَجْهَيْنِ في أنَّه يحلف، أو يُصَدَّقُ بغير يَمِين.
والذي 3 أجاب به في الكتاب هاهنا؛ أنَّه يحلف، فَيُعَلَّمُ بالواو للوجه الآخر.
والكَلاَمُ على ما تَبَيَّنَ هناك مَائِلٌ إلى ترجيحه، وهذا في الدعوى التي تَتَعَلَّقُ بالحكم.
أما ما لا يَتَعَلَّقُ بالحكم كَدَعْوَى الأَمْوَالِ وغيرها، فَسَبيلُهُ سَبِيلُ سَائِرِ الناس في الخُصُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ويُحْكَمُ فيها بينه وبين المُدَّعِي خَلِيفَتُهُ، أَو قَاضٍ آخر.
الرابعة: [الصبي] 4 إذا ادَّعَى البُلُوغَ بالاحْتِلاَم في وَقْتِ الإمْكَانِ، صُدِّقَ، ولا يَحْلِفُ على ما بَيَّنَّاهُ في الإِقْرَارِ.
ومن ادُّعِيَ عليه شَيْءٌ فقال: أَما صَبِيٌّ بَعْدُ، وهو محتمل، لم يَحْلِفْ ووقفتَ الخُصْومَةُ إلى أن يُتَحَقَّقَ بُلُوغُهُ.
وإن وقع في السَّبْي من أَنْبَتَ، وقال: اسْتَنْبَتُّ الشَّعَرَ بالعِلاجَ، وأنا غير بَالِغ، فهذا يُبْنَى على أن إِنْبَاتَ العَانَةِ عين البلوغ، أو عَلاَمَتُهُ، وفيه قولان قد سَبَقَ ذِكْرُهُمَا في الحَجْرِ.
فإن قلنا بالأَوَّلِ، فلا حَاصِلَ لكلامه، وإن قلنا بالثاني -وهو الأَصَحُّ- فالمشهور، والمنقول عن النص: أنَّه يَحْلِفُ، وفيه إِشْكَالٌ من جهَةِ أنَّه يدعي الصبا، وتحليف من يدعي الصبا لا وَجْهَ له على ما تَقَرَّرَ في الإقْرَارِ.
فعَن أبي الحُسَيْنِ [بن القَطَّانِ] 5 أن هذا التَّحْلِيفَ نَوْعُ احْتِيَاطٍ، واسْتِظْهَارِ، وكَذلك، ذكره القَفَّالُ في "شرح التلخيص".

وقَضِيَّةُ كَلاَم الأكثرين أنَّه وَاجِبٌ، وصَرَّحَ به القاضي الروياني، ونَفَى الخِلاَفَ فيه، واعتمد هؤلاَء في تَحْلِيفِهِ على دَلِيلِ الإِنْبَاتِ، وقالوا: كيف يترك 1 الدليل الظَّاهِرِ بزَعْمٍ مُجَرَّدٍ؟ وإذا حَلَفَ، فإن حلف أُلْحِقَ بَالذَّرَارِي وَحُقِنَ دَمُهُ، وإن نَكَلَ، فالذي حَكَاهُ ابن القَاصِّ عن النَّصِّ: أنَّه يُقتَلُ وَعَدَّهُ في جملة صُوَرٍ، ادَّعَى أنَّه يحكم فيها بالنُّكُولِ على خِلاَفِ المشهور من مَذْهَب الشَّافعي -رضي الله عنه- وقال غيره: ليس هذا حُكْماً بالنُّكُولِ، ولكن قام الدليل عَلى البلوغ، ولم يَظْهَرْ دَافِعٌ، فَأُجْرِيَ عليه حُكْمُهُ.
وفي المسألة وراء 2 المنقول عن النص وجوه: أحدها: أنَّه يُخَلَّى 3 ولا يقضى عليه بالقَتْلِ.
والثاني: أنَّه يُحْبَسُ حتى يَحْلِفَ، أو يقر.
والثالث: وهو المذكور في الكتاب: أنَّه يُحْبَسُ إلى تَحَقُّقِ بُلُوغِهِ، ثم يحلف على ما ادَّعَاهُ من الاسْتِعْجَالِ، فإن لم يحلف فيقتل وهذا يحترز 4 من تحليف من يدعي أنَّه صَبِيٌّ.
واعلم أَنَّ صُورَةَ دَعْوَى الاسْتِنْبَاتِ بالعِلاجَ، قد جرى لها ذِكْرٌ في باب السّير، إلا أن المذكور هناك: أنَّه إذا حَلَفَ، يُصَدَّقُ.
والمذَكور هاهنا الطَّرَفُ الآخَرُ، وهو أنَّه إذا نَكَلَ، ماذا يفعل؟ الخامسة: ادَّعَى مُدَّعٍ دَيْناً على مَيِّتٍ، أو ادَّعَى أنَّه أوْصَى له بِشَىْءٍ، وللميت وَصِيٌّ في قَضَاءِ الدُّيُونِ، وتَنْفِيذِ الوَصَايَا، فأنكر، نُظِرَ، إن كان للمدعي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، وإن لم يكن له بَيِّنَةٌ، وأراد تَحْلِيفَ الخَصْمِ على نَفْي العلم بذلك، لم يمكن 5 لأن مَقْصُودَ التَّحْلِيفِ، أن يُصَدَّقَ الخَصْمُ، فيقر إن كان المدعي مُحِقاً.
والوصي لا يُقْبَلُ إقراره بالدَّيْنِ، والوَصِيَّةِ، فلا معنى لِتَحْلِيفِهِ 6. نعم، لو كان وَارِثاً فحلف 7 بحقِّ الوِرَاثَةِ، وقَيِّمُ القاضي في ذلك كالوَصِيِّ، ومن عليه حق إذا طالبه به مُطَالِبٌ، وزَعَمَ أنَّه وَكِيلُ صَاحِبِ الحق، ولم يأت بِبَيِّنَةٍ وأراد

تَحْلِيفَهُ على نَفْي العلم بالوِكَالَةِ، لم يُمَكَّنْ؛ لأنه وإن اعترف بالوكَالَة، لا يَلزَمُهُ التَّسْلِيمُ من حيث إنه لا يَأْمَنُ جحود صاحب الحَقِّ الموكل 1. هذا ما أَطْلَقَهُ في الكتاب، وهو مُسْتَمِرٌّ على ظاهر المذهب، لكن قد مَرَّ في آخر كتاب الوكَالَةِ نقل خلاف في أنَّه هل يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إذا اعترف بالوِكَالَةِ؟ وبَيَّنَا أنَّه إن لَزِمَهُ، كان للمُدَّعي تَحْلِيفُهُ، وأنه وإن لم يَلْزَمْهُ التسليم يُمَكَّنَ من تحليفه أيضاً.
إذا قلنا: إن اليَمِينَ المَرْدُودَةَ كالبَيِّنَةِ.
فيجوز أن يُعَلَّمَ لذلك 2 قوله هاهنا: "ولا يحلف من ينكر الوِكَالَةَ" بالواو وقياس ما نَقَلْنَا هناك إعلامه بالحاء، والزاي، أيضاً.
ثم هذه المَسَائِلُ مَخْتُومَة بِفَرْعٍ، وهو أن الوَكِيلَ بالخُصُومَةِ، هل له إِقَامَةُ البَيِّنَةِ على وِكَالَتِهِ من غير حُضُورِ الخصم؟ فيه وجهان: حكى الإِمَامُ عن القاضي الحُسَيْنِ، أنَّه لاَ بُدَّ منه؛ لأنه حق عليه، وعن غيره، أنَّه لا حَاجَةَ إليه؛ لأنه يثبت وِلاَيَةَ لنفسه.
وذكرنا في الوِكَالَةِ أن الإمَامَ حكى عن القَاضِي، إذا كان الخَصْمُ غَائِباً عن البَلَدِ، ينصب القاضي مسخراً عنه، كان المُرَادُ هاهنا ما إذا كان حَاضِرَاً في البَلَدِ، وهناك ما إذا كان غَائِباً عن البَلَدِ، والأَظْهَرُ سَمَاعُ البَيِّنَةِ، وأنه لا حَاجَةَ إلى حضوره، ولا إلى نَصْبِ مسخّرٍ.
ولو وكل بالخُصُومَةِ في مَجْلِسِ الحكم، استغنى عن حُجَّةٍ يُقِيمُهَا، إن كان الخَصْمُ حَاضِراً هناك، وإن لم يكن، فَلْتُبْنَ 3 على أن القاضي هل يقضي بعلمه؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا حُكْمُ اليَمِينِ فَهُوَ انْقِطَاعُ الخُصُومَةِ فِي الحَالِ لاَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بَلْ لِلمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ وَيَعْتَذِرَ بِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً، فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لاَ بَيِّنَةَ لَهُ حَاضِرَةً وَغَائِبَةً فَفِي القَبُولِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: كَذَبَ شُهُودِي بَطُلَتِ البَيِّنَةُ، وَفِي بُطْلاَنِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلنَا: لاَ تَبْطُلُ فَادَّعَى الخَصْمُ إِقْرَارَهُ بِكَذِبِ الشُّهُودِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيهِ شَاهِدَاً وَيَحْلِفَ مَعَهُ لِيُسْقِطَ البَيِّنَةَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ مَقْصُودَه الطَّعْنُ، وَإِنْ قُلْنَا: تَبْطُلُ دَعْوَاهُ جَازَتِ الحُجَّةُ النَّاقِصَة لإسْقَاطِ الدَّعْوَى بِالمَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطَرف الرابع: فَائِدَةُ اليَمِين وحُكْمُهَا، وهو انْقِطَاعُ الخصومة، والمُطَالَبَة في الحال، ولا سُقُوط الحق، وبَرَاءَة الذِّمَّةِ.

رُوِيَ عن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ رَجُلاً بعدما حَلَفَ بالخروج من حَقِّ صَاحِبِهِ 1، كأنه عَرَفَ أنَّه كاذبٌ، فَدَلَّ أن اليمين، لا تُوجِبُ البَرَاءَةَ.
فلو أقام المُدَّعِي بَيِّنَة بعدما حلف المُدَّعَى عليه، سُمِعَتْ، وقُضِيَ بها.
وكذا لو رُدَّتِ اليمين على المُدَّعِي، ونَكَلَ، ثم أقام بَيِّنَةً.
وهذا إذا لم يتعرض وقت التحليف للبَيِّنَةِ، وإن كان قد قال حينئذ: لا بَيِّنَة لي حَاضِرَةٌ، ولا غائبة، فهذه الصُّورَةُ قد ذكرنا في شرح الفصل الثَّانِي من الباب الثاني من "أدب القضاء"، مَضْمُومَة إلى الصورة التي أَوْرَدَهَا هناك، وهي أن يقول: لا بَيّنَةَ، واقتصر عليه.
وفيهما جَمِيعُ الخلاف.
والأَظْهَرُ السماع أيضاً، وَبَيَّنَّا هناك أنَّه لو قال: لا بَيِّنَةَ لي حَاضِرَةٌ، ثم جاء ببينة سمعت فَلَعَلَّهَا حضرت.
وأنه لو قال: لي بَيِّنَةٌ، ولكن لا أُقِيمُهَا، وأريد يمينه، يُجِيبُهُ القاضي إليه، ويحلفه.
هذا هو المَشْهُورُ.
وفي فتاوى القَفَّالِ: أنَّه لا يَجِبُ على القاضي تَحْلِيفُهُ، بل يقول: أَحْضِرِ البَيِّنةَ.
هذه إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: لو أن مُدَّعِياً أقام على ما يَدَّعِيهِ شُهُوداً، ثم قال: كَذَبَ شُهُودِي، أو شَهِدُوا مبطلين، فلا شَكَّ في سقوط بَيِّنَتِهِ، وامتناع الحكم.
وفي بُطلاَنِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ عن صاحب "التقريب": تبطل، وينزل تَكْذِيبُهُ الشُّهُودَ مَنزِلَةَ تكذيبه نَفْسَهُ، وليس له أن يُقيمَ بعد ذلك بَيِّنَةً أخرى.
وأظهرهما: المَنْعُ، لاحتمال أن يكون هو مُحِقّاً في دَعْوَاهُ، والشهود مبطلين؛ لِشَهَادَتِهِمْ بما لا يحيطون به عِلْماً، وفي مثل ذلك يقول الله تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ

لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].
وبُنِيَ على الوجهين، ما إذا أَقَامَ المُدَّعِي شُهُوداً، فزعم المُدَّعَى عَلَيْهِ أن المدعي أَقَرَّ بأن شُهُودَهُ كَذَبَةٌ، وأقام عليه شاهداً وَاحِداً، وأراد أن يَحْلِفَ معه، هل يُمَكَّنُ؟ وهل يُحْكَمُ بشاهده ويمينه؟ إن قلنا: هذا الإِقْرَارُ لا يُبْطِلُ أَصْلَ الدعوى، فلا؛ لأن المَقْصُودَ حينئذ الطَّعْنُ في الشهود، وإخْرَاجُ شهاداتهم عن أن يُحْكَمَ بها، وجرح الشهود، والطَّعْنُ فيهم، لا يَثْبُتُ بشاهد وَيمِينٍ، وإن كانت الشهادة في مَالٍ.
وإن قلنا: إنه يبطل أصل الدعوى، مُكِّنَ؛ لأن المَقْصُودَ، والحالة هذه، إِسْقَاطُ الدعوى بمالمال، فهو بِمَثَابَةِ، ما لو ادَّعَى الإِبْرَاءَ؛ فإنه يثبت بشاهد ويمين.

فروع

: مما جمع في "فتاوى القَفَّالِ" وغيره: أقام شَاهِدَيْنِ في هذه الحَادِثَةِ؛ أنهما اسْتَبَاعَا الدَّار منه، واندفعت شَهَادتهما 1، ولو أقام شَاهِدَيْن على أن هذه الدَّار مِلْكُهُ، فأقام المَشْهُودُ عليه شَاهِدَيْنِ، على أن شاهدي المدعي 2 قد قالا: لا شَهَادَةَ لنا في ذلك، فسألهما الحاكم: متى قال ذلك شَاهِدَا المُدَّعِي؟ فإن قالا: قالاه أَمْسِ، أو منذ شهر، لم يندفع بشهادتهما بذلك؛ لأنهما قد لا يَكُونَا شَاهِدَيْنِ، ثم يَصِيرا شَاهِدَيْنِ.
وإن قَالاَهُ حين قَصَدْنَا لإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، اندفعت شَهَادَتُهُمَا.
ولو أقام المَشْهُودُ عليه شَاهِدَيْنِ، أن المدعي أَقَرَّ بأن شاهديه شَرِبَا الخَمْرَ وَقْتَ كذا، فإن طَالَتِ المُدَّةُ بينه وبين أَدَاءِ الشهادة، لم يَقْتَضِ ذلك رَدَّ الشَّهَادَةِ.
وإن كانت المُدَّةُ يَسِيرَةً، رُدَّتْ، شهادتهما.
وإن شَهِدَا أنَّه أَقَرَّ بأنهما شَرِبَا الخَمْرَ من غير تَعْيِينِ وَقتِ، سُئِلَ المدعي عن وَقْتِهِ، وحُكِمَ بما يَقْتَضِيهِ تعيينه.
ولو أَقَامَ المدَّعِي بَيِّنَةً، ثم قال للقاضي: لا تَحْكُمْ بشيء حتى تُحَلِّفَهُ، كانت بَيِّنَتُهُ

بَاطِلَةَ، ووجه ذلك بأنه كالمعترف بأن بَيَّنَتَهُ مما لا يَجُوزُ الحكم بها 1 2. وقوله في الكتاب: "ويعذر بأنه لم يَعْلَمْ أن له بَيِّنَةً".
هذا الاعْتِذَارُ ليس بِشَرْطٍ لإقامة البَيِّنَةِ، على ما تَقَرَّرَ من أصلنا.
نعم، حُكِيَ في "التهذيب": أن مالكاً قال: إن كان عالماً عند التَّحْلِيفِ أنَّه له بَيِّنَةً، بَطَلَ حَقُّهُ عن البينة، يجوز أن يُعَلمَ لذلك قوله: "بل للمدعي بعد ذلك أن يُقِيمَ البَيِّنَةَ" بالميم.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: حَلِّفْنِي مَرَّةً فَلْيَحْلِف عَلَى أَنَّهُ ما حَلَّفَنِي سُمِعَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَلَوْ أَجَابَهُ بِأنَّهُ حَلَّفَنِي مَرَّةً عَلَى أَنَّنِي مَا حَلَّفْتهُ فَلْيَحْلِف عَلَى أَنَّهُ مَا حَلَّفَنِي لَمْ يُسْمَعْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَسَلْسَلُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طلب المُدَّعِيَ يَمِينَ المُدَّعَى عليه، بين يَدَي الحَاكِمِ، فقال المُدَّعَى عليه للحاكم: قد حَلَّفَنِي مَرَّةً على هذا بالْتِمَاسِهِ، وليس له تَحْلِيفِي، فإن كان القاضي يَحْفَظُ ما يقوله، لم يحلفه.
ومنع المدعي مما يَبْغِيهِ، وإن لم يحفظه، حَلَّفَهُ، ولا تَنْفَعُ إقَامَةُ البَيِّنَةِ فيه؛ لما مَرَّ أن القاضي متى يذكر حكمه، أَمْضَاهُ، وإلا لم يعتمد على البَيِّنَةِ.
وعن ابن القَاصِّ: يجوز سَمَاعُ البَيِّنَةِ فيه، حكاه القاضي أبو سَعْدٍ الهروي.
وحَقُّهُ الطَّرْدُ في كل باب.
وإن قال حَلَّفني عند قَاضٍ آخر، أو أطلق، وأراد تَحْلِيفَهُ عليه، فوجهان عن أبي سعيدٍ الإصطخري: أحدهما: المنع؛ ويُحْكَى هذا عن ابن القَاصِّ، وذلك لأنه لا يَأْمَنُ أن يَدَّعِيَ المُدَّعِي أنَّه حَلَّفَهُ على أنَّه ما حلفه.
وهكذا يَدُورُ الأَمْرُ، ولا ينفصل.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" وغيره: أنه يُمَكَّنُ منه؛ لأنه محتمل غير مستبعد، ولا يُسْمَعْ مِثْلُ ذلك من المدعي، كيلا يَتَسَلْسَلَ، وعلى هذا، فإن كانت له

بَيِّنَةٌ، أقامها، وتخلص عن الخُصُومَةِ، وإن استمهل ليقيم (1) البَيِّنَةَ، فقياس البَيِّنَاتِ الدَّوَافِع أن يُمْهَلَ ثلاثاً (2). وعن القاضي الحسين: أنَّه قال: أَرَى ألا يُمْهَلَ أَكْثَرَ من يوم؛ لأنه كالمُرَاوغِ المُتَعَنِّتِ.
وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، حلف المدعي: انه ما حَلَّفَهُ، ثم يُطْلَبُ المَالُ (3). وإن نَكَلَ، حَلَفَ المُدَّعَى عليه، وسَقَطَتِ الدعوى، فلو أراد أن يَحْلِفَ يمين (4) الأصل، لا يمين التحليف المَرْدُودَة عليه.
قال في "التهذيب": ليس له ذلك، إلا بعد اسْتِئنَافِ الدَّعْوَى؛ لأنهما الآن في دَعْوَى أخرى.
ولو قال المدعي في جَوَاب المُدَّعَى عليه: قد حَلَّفَنِي مَرَّةً على أني ما حَلَّفْتُهُ مَرَّةً، وأراد تَحْلِيفَهُ، لم يجب؛ لأنه يُفْضِي إلى ما لا يَتنَاهَى.
ولو ادَّعَى مالاً على رَجُلٍ، فأنكر، وحلف، ثم جاء المُدَّعِي بعد أيام، وقال: حَلَفْتُ يومئذ لأنك كنت مُعْسِراً، ولم يلزمك تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيَّ، فقد أَيْسَرْتَ الآن فهل تُسْمَعُ؟ فيه وجهان: في وجه: تُسْمَعُ، ويحلف المدعى عليه لإمْكَانِهِ.
وفي وجه: لا؛ لأنه لا يَتَنَاهَى، ويفضي إلى ألا ينفَصِلَ الأَمْرُ بينهما بحال (5).

فروع

: إنما يحلف المُدَّعَى عليه إذا طلب المُدَّعِي يَمِينَهُ، فإن لم يطلب فلم يقلع عن المُخَاصَمَةِ، لم يحلفه القاضي، ولو حلفه، لم يُعْتَدَّ بتلك اليَمِينِ.
وحكى أبو الفَرَج الزَّازُ وَجْهاً آخر: أنَّه لا يَتَوَقَّفُ التَّحْلِيفُ على طلبه؛ لأن للمدعى عليه عِوَضاً عن 6 اليمين، وهو سُقُوطُ المُطَالَبَةِ والمُلاَزَمَةِ، وادعى أن هذا الوَجْهَ أَصَحُّ، ونقله القاضي أبو سَعْدٍ الهَرَوِيُّ عن القَفَّالِ الشاشي والمشهور الأَوَّلُ، وإن امتنع من تحليفه بالدعوى12345

السَّابِقَةِ، جاز؛ لأنه لم يسقط حَقّه عن اليمين (1). فإن قال: أَبْرَأتُكَ عن اليمين، سقط حَقُّهُ من اليمين في هذه الدَّعْوَى، وله اسْتِئْنَافُ الدعوى، وتحليفه، ذكره في "التهذيب" (2).

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الرُّكْنُ الرَّابعُ: النُّكُولُ

وَلاَ يَثْبُتُ الحَقُّ به وَلَكِنْ تُرَدُّ علَى المُدَّعِي إِذَا تَمَّ نُكُولُهُ، وَيَتِمُّ بِأَنْ يَقُولَ لاَ أَحْلِفُ أَوْ أَنَا نَاكِلٌ أَوْ سَكَتَ وَقَالَ القَاضِي: قَضَيْتُ بالنُّكُولِ أَوْ قَالَ لِلمُدَّعِي: احْلِف، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِضَ القَاضِي اليَمِينَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ وَيَشْرَحَ لَهُ حُكْم النُّكُول، فَإِنْ لَمْ يَشْرَحْ وَقَضَى بِالنُّكُولِ فَرَجَعَ وَقَالَ: لَمْ أَعْرِفْ حُكْم النُّكُولِ فَفِي جَوَازِ الحَلِفِ خِلاَفٌ، وَحَيْثُ مَنَعْنَاهُ فَلَوْ رَضِيَ المُدَّعِي بِيمِينِهِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أنكر المُدَّعَى عليه، واسْتُحْلِفَ، فَنَكَلَ عن اليمين، لم يُقْضَ عليه بالنُّكُولِ، ولكن تُرَدُّ اليَمِينُ على المدعي، فإذا حَلَفَ قُضِيَ له.
وعند أبي حَنِيْفَةَ، وأحمد: يُقْضَى على المدعى عليه بنُكُولِهِ.
واستثنى أبو حنيفة القِصَاصَ في النَّفْسِ، ووافقنا مَالِكٌ على: أنَّه لا يُقْضَى بالنكول، لكن قال: ما يثبت بشَاهِدٍ وَيمِينٍ، يردّ فيه اليمين على المُدَّعِي، وما لا يثبت بشاهد ويمين، لا تُرَدُّ فيه اليَمِيَنُ؛ بل يُحْبَسُ المُدَّعَى عَلَيْهِ حتى يحلف أو يقر.
واحتج الأَصْحَابُ بما رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ اليمين على طَالِبِ الحَقِّ.
[وعن عمر -رضي الله عنه- تحويلُ اليَمِينِ إلى المُدَّعِي،] 3 قالوا: والنكول، كما يُحْتَمَلُ أن يكون تورعاً 4 عن اليمين الكَاذِبَةِ، يُحْتَمَلُ أن يكون تَوَرُّعاً عن اليمين الصَّادِقَةِ؛ فلا يُقْضَى به مع التَّرَدُّدِ، والاحتمال إذا عرف ذلك، فلو لم يعرف المدعي12

تَحْوِيلَ اليمين إليه بنكول 1 المدعى عليه، عَرَّفَهُ القاضي، وبين أنَّه إن حَلَفَ، استحق، وإنما يَحْصُلُ النكول، بأن يعرض القاضي اليَمِينَ عليه، فيمتنع، وفُسِّرَ العَرْضُ؛ بأن يقول: قُلْ: واللهِ، والامْتِنَاعُ، بأن يقول: لا أَحْلِفُ، وأنا نَاكِلٌ.
قال الإِمام: وقوله: قل: والله، ليس أَمْراً جَازِماً، وإنما المُرَادُ بأنه 2 وَقْت اليمين المُعْتَدِّ بها للمدعى عليه.
ولو قال: احلف، فقال: لا، فهذا ليس بنكول.
ولو ابْتَدَرَ حين سَمِعَ هذه الكلمة، وحَلَفَ لم يعتد به؛ لأنه استخبار لا اسْتخلاَفٌ.
ولو قال: احْلِفْ، فقال: لا أحلف، ففي "التهذيب": أنَّه ليس بِنُكُولٍ أيضاً.
وقال الإِمام: هو نكول، وهو وَاضِحٌ، ولا فَرْقَ بين قوله: قل: باللهِ، وبين قوله: احلف بالله 3. ولو اسْتُحْلِفَ فلم يحلف، ولا تَلَفَّظَ بأنه نأكل [أو] 4 ممتنع، فسكوته نكول، كما أن السُّكُوتَ عن الجواب في الابْتِدَاءِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الإنْكَارِ ثم ذكر الإِمام وغيره: أنَّه إن صرح بالنُّكُولِ، فلا حَاجَةَ إلى حكم القاضي بأنه نَاكِلٌ، وإن سكت فَيَحْكُمُ القاضي بأنه نَاكِلٌ، ليثبت 5 عليه [رد] 6 اليمين.
وقول القاضي لِلْمُدَّعِي: احلف، نَازِلٌ مَنْزِلَةَ قوله: حَكَمْتُ بأن المدعى عليه نَاكِلٌ، وهذا ما أَرَادَهُ بقوله، ويتمّ بأن يقول: لا أَحْلِفُ، أو أنا نَاكِلٌ، [أو] 7 سكت، فقال القاضي: قَضَيْتُ بالنُّكُولِ، أو قال للمدعي: احلف، فقوله: "أو سكت" مُتَعَلِّقٌ بقوله، "بأن يقول: لا أَحْلِفُ".
وقوله: "أو قال للمدعي": احلف مُتَعَلِّق بقوله: "أو قال القَاضِي: قَضَيْتُ بالنكول".
وإنما يَحْكُمُ القاضي بأنه نَاكِلٌ، إذا لم يَظْهَرْ كون السُّكُوتِ لِدَهْشَةٍ، أو غَبَاوَةٍ، ونحوهما ويُسْتَحَبُّ للقاضي أن يَعْرِضَ اليَمِينَ على المُدَّعَى عَلَيْهِ ثَلاَثَ مرات؛ والاسْتِحْبَابُ فيما إذا سَكَتَ، أكثر منه فيما إذا صرّح بالنكول.
وعن أبي حَنِيْفَةَ أن العَرْضَ ثَلاَثاً، شرط.
فهذا تفرس فيه سلامة جانب، شرح له جكم النُّكُولِ، فإن لم يَشْرَحْ، وحكم بأنه نَاكِلٌ.
قال المدعى عليه: لم أَعْرِفْ حُكْمَ النكول، ففي نفوذ الحكم احْتِمَالاَنِ: قال الإِمام: أظهرهما: النفوذ، وكان من حَقِّهِ أن يبحث، ويعرف قبل أن يَنْكُلَ، ولو أراد المُدَّعَى عَلَيْهِ بعد الامْتِنَاعِ أن يعود، فيحلف، نظر: إن كان ذلك بعد أن حَكَمَ

القاضي بأنه نَاكِلٌ، أو قال لِلْمُدَّعِي: احلف، لم يكن له الحَلِفُ.
وإن أَقْبَلَ عليه يحلفه، ولم يقل [له] 1 بعد: احلف، فهل هو كما لو قال: احْلِفْ؟ فيه وجهان عن القاضي الحُسَيْنِ.
وإن لم يَجْرِي شيء من ذلك، فله الحَلِفُ حتى لو هَرَبَ المُدَّعَى عَلَيْهِ قبل أن يَحْكُمَ القاضي عليه؛ بأنه نَاكِلٌ وقبل أن تُعْرَضَ اليَمِينُ على المُدَّعِي، لم يكن للمدعي أن يَحْلِفَ اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، وكان للمدعى عليه الحَلِفُ، إذا عاد.
هكذا أَطْلَقَ صاحب "التهذيب"، وغيره.
وقضيته؛ التَّسْوِية بين التَّصْرِيحِ بالنُّكُولِ، وبين السُّكُوتِ، حتى لا يمتنع 2 من العَوْدِ إلى اليمينِ في الحَالَتَيْنِ إلا بعد الحُكْمِ بأنه نَاكِلٌ، أو بعد عَرْضِ اليمين على المُدَّعِي.
وقد يُفْهَمُ مِنْ قول من قال: إنه لا حَاجَةَ عند التَّصْرِيحِ بالنُّكُولِ إلى حكم الحاكم، امْتِنَاعُ العَوْدِ إلى الحَلِفِ عند التَّصْرِيحِ بالنكول، وإن لم يُوجَدْ حكم ولا عَرْضُ يَمِينٍ، وحيث مَنَعْنَاهُ من العَوْدِ إلى الحلف، فذاك 3، وإذا لم يرض المدعي.
فإن رَضِيَ فوجهان: أحدهما: أن حَقَّ حَقِّهِ قد بَطَلَ، فلا يُؤَثِّرُ فيه الرِّضَا.
وأظهرهما: أن له العَوْدَ إليه، فإن الحَقَّ لا يَعْدُوهُمَا.
وقال في "الرقم": وإذا رَضِيَ بأن يَحْلِفَ المُدَّعَى عليه -والحالة هذه- ثم إنه لم يَحْلِفْ، لم يكن للمدعي أن يَعُودَ إلى يَمِينِ الرَّدِّ؛ لأنه أَبْطَلَ حَقَّهُ، حيث رَضِيَ بيمين المدعى عليه.
وليُعَلمْ قوله في الكتاب: "ولا يثبت الحق" -بالحاء والألف والميم- لما مَرَّ من مَذَاهِبِهِمْ.
وقوله: "ويتم النكول... " إلى آخره في لفظه إِشْكَالٌ؛ فإنه جَعَلَ أَحَدَ طرفي تمام النُّكُولِ حُكْمَ القَاضِي بالنُّكُولِ، ومَعْلُومٌ أن القاضي إنما يَحْكُمُ بالنُّكُولِ، إذا تَمَّ النكول، فكيف يكون تَمَامُ النُّكُولِ بالحكم المَوْقُوفِ على تمام النكول؟ وأراد أن حُكْمَ النُّكُولِ يَثْبُتُ بالتَّصْرِيحِ بالنكول، أو بالسُّكُوتِ، وحكم القاضي.
وقوله: "ففي جَوَاز الحَلِفِ خِلاَفٌ".
أي هل يُنَفَّذُ الحكم بأنه نَاكِلٌ من غير عِلْمِهِ بحكم النُّكُولِ، أو لا يُنَفَّذُ حتى يجوز له الحَلِفُ؟ وعبْر بالخلاف 4 عن الاحْتِمَالَيْنِ اللذين نَقْلَنَاهُمَا عن الإِمَامِ.

فرع

: نقل القاضي الرُّوَيانِيُّ في "جَمْع الجَوَامِعِ": أن قَوْلَ القاضي لِلْمُدَّعِي: أتحلف أنت؟ كقوله: احلف حتى لا يَتَمَكَّنَ الَمُدَّعَى عليه من الحَلِفِ بعد ذلك.
قال: وعندي فيه نَظَرٌ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ المُدَّعِي إِنْ نَكَلَ فَنُكُولُهُ كَحَلِف المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَوْ حَلَفَ فَهُوَ كَإقْرَار الخَصْم أَوْ كَبَيِّنَتِهِ فِيْهِ خِلاَفٌ، وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَقَّ بِهِ، وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: أَمْهِلُونِي أَمْهَلْنَاهُ ثَلاَثاً لِأَنَّهُ عَلَى اخْتِيَارِه فِي تَأْخِيرِ الطَّلَبِ، أَمَّا المُدَّعَى عَلَيْهِ فَلاَ يُمْهَلُ، فَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ ثَلاَثٍ بَطُلَ حَقُّهُ مِنَ اليَمِينِ كَانَ كَنُكُولهِ، وَفيهِ وَجهٌ أَنَّهُ عَلَى خِيرَتِهِ أَبَدَاً، وَكَذَا الكَلاَمُ فِيْمَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدَاً وَأَرَادَ أن يَحْلِفَ مَعَهُ ثُمَّ نَكَلَ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلاَّ بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المُدَّعِي إذا رُدَّتِ اليَمِينُ عليه؛ إما أن يَحْلِفَ، أو يَمْتَنِعَ.
الحالة الأولى: أن يَحْلِفَ فَيَسْتَحِقُّ المُدَّعَى، ويَمِينُهُ بعد نُكُولِ المُدَّعَى عليه بمنزلة بَيَّنَةٍ يُقِيمُهَا، أو بمنزلة إِقْرَارِ المُدَّعَى عليه؟ فيه قولان: أحدهما: أنها كالبَيِّنَةِ؛ لأن الحُجَّةَ اليَمِينُ، واليَمِينُ وُجِدَتْ منه.
وأصحهما: وهو المَنْصُوصُ في "المختصر" ثم بَاب النُّكُولِ: أنها بِمَثَابَةِ إِقْرَارِ المدعى عليه؛ لأنه بنكوله تَوَصَّلَ إلى الحَقِّ؛ فَأشْبَهَ إِقْرَارَهُ 1. وللقولين فُرُوعٌ كثيرة مَذْكُورَةٌ في مَوَاضِعِهَا.
ومنها: أن المُدَّعَى عليه لو أقام بَيِّنَةً على أَدَاءِ المَالِ، أو على الإِبْرَاءِ عنه بعدما حَلِفَ المُدَّعِي؛ فإن جعلنا يَمِينَهُ كبينة 2 سمِعَتْ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عليه، وإن جَعَلْنَاهَا كإقْرَار المُدَّعَى عليه، لم تُسْمَعْ، لكونه 3 مُكَذِّباً لِلْبَيِّنَةِ بالإِقرار 4.

وحكى القاضي أبو سَعْدٍ الهَرَوِيِّ اخْتِلاَفاً للأصحاب في: أنَّه يَجِبُ الحَقُّ بفَرَاغِ المُدَّعِي من اليمين المَرْدُودَةِ، أم لا بد من حكم الحاكم؟ ويمكن أن يُبْنَى هذا على القَوْلَيْنِ، إن جَعَلْنَاهَا كالبَيِّنَةِ.
فلا بُدَّ من الحكم، وإن جعلناها كَإِقْرَارِ المُدَّعَى عليه؛ فلا حَاجَةَ إليه.
على أن في الإقرار أيضاً خِلاَفاً قد مَرَّ في "أدب القضاء".
[الحالة] 1 الثانية: أن يمتنع 2 عن الحَلِفِ، فيسأله القَاضِي عن سَبَبِ امْتِنَاعِهِ، فإن لم يَتَعَلَّلْ بشيء، أو قال: لا أريدُ أن أَحْلِفَ، فهذا نُكُولٌ، ليسقط حَقَّهُ من اليَمِينِ، وليس له مُطَالَبَةُ الخَصْم وَمُلاَزَمَتُهُ 3، ثم قَضِيَّةُ قوله في الكتاب: "أن نكوله كَحَلِفَ المدعى عليه"، إلاَّ يَتَمَكَّنَ من اسْتِئْنَافِ الدعوى، وتحليفه في مَجْلِسٍ آخر، كما لو حَلَفَ المُدَّعَى عليه، فلا ينفع بعد ذلك إلا البَيِّنَةُ.
وكذلك ذكره صاحب "التهذيب"، وصَرَّحَ به الإمَامُ، ووجّه بأنا لو لم نَقُلْ بهذا، لرفع 4 خصمه كل يومِ إلى القَاضِي، والخَصْمُ نَاكِلٌ وهو لا يَحْلِفُ اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، فيعظم الخَطْبُ، ولا يَتَفرَّغُ القاضي من 5 خُصُومَتِهِ إلى شُغلٍ آخر.
والذي ذكره العِرَاقيُّونَ، والقاضي الروياني أنَّه لو جَدَّدَ الدعوى في مجلس آخر، ونَكَلَ المُدَّعَى عليه ثانياً يُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، وهذا ما أَوْرَدَهُ القاضي أبو سَعْدٍ الهروي وَلاَ شَكَّ أن الأَوَّلَ أَحْسَنُ، وأَقْوَى، وإن ذَكَرَ المُدَّعِي لامْتِنَاعِهِ سَبَباً، فقال: أريد أن آتِيَ بالبَيِّنَةِ، أو أَسْأَلَ الفُقَهَاءَ، أو أَنْظُرَ في الحِسَابِ، تُرِكَ، ولم يبطل حَقّهُ من

اليمين 1. وهل يُقَدَّرُ لإمْهَالِهِ مُدَّةٌ؟ فيه وجهان: أظهرهما: عند الإِمام وصاحب الكتاب: يُمْهَلُ ثَلاثةَ أيام، ولا يُزَادُ، إلا لم يُؤْمَنُ من الملاحة، والمرافعة مَرَّةً بعد أخرى، وقد يتعب الخَصْم والقاضي.
والثاني: أنَّه لا تَقْدِيرَ؛ لأن اليَمِينَ حَقُّهُ، فله تأخيره إلى أن يَشَاءَ كالبَيِّنَةِ يَتَمَكَّنُ من إِقَامَتهَا متى شاء 2، وهذا ما أَوْرَدَهُ في "التهذيب".
ولمن قال بالأَوَّل: أن يُفَرِّقَ بأن البَيِّنَةَ قد لا تُسَاعِدُهُ، ولا تحضر، واليَمِينُ إليه.
ولم يذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- فيما إذا امْتَنَعَ المُدَّعَى عليه عن اليَمِينِ أنَّه يسأل عن سَبَبِ امْتِنَاعِهِ.
فعن ابْنِ القَاصِّ: أن قياس ذكره 3 امْتِنَاع المدعي، أن يسأل المُدَّعَى عَلَيْهِ عن سبب الامْتِنَاعِ أيضاً.
وامتنع عَامَّةُ الأَصْحَاب من هذا الإِلْحَاقِ فارقين بأن امْتِنَاعَ المُدَّعَى عليه يثبت لِلْمُدَّعِي حَقَّ الحَلِفِ 4، والقضاء بيمينه؛ فلا يُؤَخَّرُ حَقُّهُ بالبحث [وامْتِنَاعُ المُدَّعِي لا يُثْبِتُ حَقّاً لغيره، ولم يَضُرَّ السؤال] 5 عن سبب الامتناع.
وكان يجوز أن يُقَالَ: إن امْتِنَاعَ المدعى عليه، إنما يُثْبِتُ الحَقَّ للمدعي، إذا امتنع بلا سَبَبٍ، فأما إذا تَعَلَّلَ بِعُذْرٍ، كما سَنَذْكُرُهُ على الأَثَرِ، فلا يَنْتَقِلُ حَقُّ اليَمِينِ من جَانِبِهِ إلى جانب المُدَّعِي، وإذا لم يكن الامْتِنَاعُ المُطْلَقُ نَاقِلاً للحق، لم يكن السُّؤَالُ تَأْخِيراً لِلْحَقِّ، ولو أن المُدَّعَى عليه حين اسْتُحْلِفَ قال: أَمْهِلُوني لأَنْظُرَ في الحِسَابِ، أو أَسْأَلَ الفُقَهَاءَ؛ فوجهان: أشهرهما 6: وهو المَذْكُوُر في الكتاب: أنَّه لا يُمْهَلُ، إلا أن يَرْضَى المدعى؛ لأنه مَجْبُورٌ 7 مَحْمُولٌ على الإِقْرَارِ، واليَمِينُ بخلاف المُدَّعي؛ فإنه مُخْتَارٌ في طَلَبِ حَقِّهِ، وفي تأخيره.
والثاني: وبه قال صاحب "الإفصاح": أنَّه يُمْهَلُ؛ للْحَاجَةِ، ولا يُزَادُ على ثلاثة أيام، كيلا يَتَضَرَّرَ المُدَّعِي.
واختار القاضي الرُّوَيانِيُّ وَجْهَ الإِمْهَالِ، وقال فيما إذا اسْتُمْهِلَ لِيَسْأَلَ الفقهاء 8:

إن قُضَاةَ بَلَدِنَا اسْتَحْسَنُوا الإمْهَالَ يوماً، ولو اسْتُمهِلَ المُدَّعَى عليه في ابتداء الجَوَابِ، لينظر في الحساب.
ذكر القَاضي أبو سَعْدٍ: أنَّه يُمْهِلُهُ إلى آخِرِ المَجْلِسِ إن شاء، وإذا عَلَّلَ المدعي امْتِنَاعَهُ بِعْذرٍ، كما بَيَّنَّا، ثم عاد بعد مُدَّةٍ ليَحْلِفَ، مُكِّنَ منه.
قال في "التهذيب": فإن لم يذكر القَاضِي نُكُولَ خَصْمِهِ، أَثْبَتَهُ بالبَيِّنَةِ، وكذا لو أَثْبَتَ عند قَاضٍ آخر نُكُولَ خَصْمِهِ، له أن يحلف، وكذا، لو نَكَلَ المدعى عليه في جواب وَكيلِ المدعي، ثم حَضَرَ الموكّل، له أن يحلف ولا يَحْتَاجُ إلى اسْتِئْنَافِ 1 الدَّعْوَى، ومن أَقَامَ شَاهِداً وَاحِداً ليَحْلِفَ معه، إنه لم يَحْلِفْ، فهو كما لو ردت 2 اليَمِينُ إلى المُدَّعِي، فلم يَحْلِفْ، وإن عَلَّلَ الامْتِنَاعَ بعُذرٍ، عاد الوَجْهَانِ في أنَّه على خِيرَتِهِ أَبَداً، أو لا يُزَادُ إِمْهَالُهُ على ثلاث 3. وإن لم يَتَعَلَّل بشيء، أو صَرَّحَ بالنُّكُولِ، فعلى ما في الكتاب و"التهذيب"، يبطل حَقُّهُ من الحَلِفِ، وليس له العَوْدُ إليه، واستمر العِرَاقِيُّونَ على ما ذَكَرُوهُ هناك 4. قال المُحَامِلِيُّ في "التجريد": ولو امْتَنَعَ من الحَلِفِ مع شَاهِدِهِ، واستحلف الخَصْم، انتقلت اليَمِينُ من جَانِبِهِ إلى جَانب صَاحِبِهِ، فليس له أن يَعُودَ فَيَحْلِفَ، إلا إذا عاد في مَجْلِسٍ آخر، واسْتَأْنَفَ المُدَّعِي الدَّعْوَى، وأقام الشَّاهِد، له أن يَحْلِفَ معه.
فإن قُلْنَا بالأول، لم تَنْفَعْهُ إلا بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "فنكوله كحلف المدعى عليه"؛ يجوز إعْلاَمُهُ بالواو؛ لأن من قال بِرَدِّ اليَمِينِ عند تَجْدِيدِ دَعْوَى ونكول، لا يكون نُكُولُهُ كحلف 5 المدعى عليه.
وقوله: "وإن قال المُدَّعِي: أَمْهِلُوني، أمهلناه ثلاثاً"، مَحْمُولٌ على ما إذا قال: أَمْهِلُونِي لِأُطَالِعَ الحِسَابَ، أو أُرَاجِعَ القَضِيَة، فأما إذا اقْتَصَرَ على قوله: أَمْهِلُونِي، فيشبه أن يقال: هو كما إذا لم يذكر عذراً 6 وقوله: "وأما المُدَّعَى عليه فلا يُمْهَلُ"، مُعَلَّمٌ بالواو.
وقوله: "فلو لم يرجع" أي المدعي فلفظ النكول في قوله: "أقام شاهداً وأراد أن يَحْلِفَ معه، ثم نَكَلَ"، ما ينبغي أن يُحْمَلَ على النُّكُولِ المُطْلَقِ، والامتناع بلا عُذْرٍ، بل يُحْمَلُ على الاسْتِمْهَالِ، والتَّمَسُّكِ بِعُذْرٍ.
فإن ذلك هو صُورَةُ الوجهين في الامْتِنَاعِ عن اليمين المَرْدُودَةِ، لا مُطْلَق الامتناع، وحينئذ فقوله: "لا تُقبَلُ منه بعد ذلك إلا ببينة 7 كاملة" [أي] 8 إلا بعد الثلاث لينظر

[ولي] 1 الحاكم 2 على المذكور في اليمين المَرْدُودَةِ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَتَعَذَّرُ رَدُّ اليَمِينِ حَيْثُ يَكُونُ المُدَّعِي السُّلْطَانَ، فَإِنْ نَكَلَ رَبُّ مَالِ الزَّكَاةِ لَمْ يَحْلِفِ السَّاعِي، بَلْ يَقْضِي بالنُّكُولِ عَلَى وَجْهٍ، وَيُحْبَسُ عَلَى وَجهٍ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَقِرَّ، وَالذِّمِّيُّ إِذَا ادَّعَى أنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ، ثُمَّ نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ، فَيُحْبَسُ عَلَى وَجْهٍ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ، وَلاَ يُطْلَبُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى وَجْهٍ، وَوَلَدُ المُرْتَزِقَةِ إِذَا ادَّعَى البُلُوغَ وَاتُّهِمَ وَنَكَلَ لَمْ يَثْبُتِ اسْمُهُ إِلَى أنْ يُعْلَمَ بُلُوغُهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ فَادَّعَى القَاضِي لَهُ دَيناً عَلَى إِنْسَانٍ فَنَكَلَ حُبِسَ عَلَى وَجْهٍ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ، وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالمَالِ عَلَى وَجْهٍ، وَيُتْرَكُ عَلَى وَجْهٍ، وَهوَ أَبْعَدُ هَهُنَا مِنْهُ فِي الذِّمِّيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكرنا: أنَّه تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، فلا يُقْضَى بالنُّكُولِ، هو الأصل المُقَرَّرُ في المذهب 3، لكنه قد يَتَعَذَّرُ رَدُّ اليمين، وحينئذ فمن الأصحاب من يَذْهَبُ إلى القَضَاءِ بالنكول، وبَيَانُهُ بصِور -منها إذا طُولِبَ رَبُّ المَالِ بالزَّكَاةِ، فقال: بَادلْتُ النِّصَاب في أثناء الحَوْلِ، أو دَفَعْتُ الزَّكَاةَ إلى سَاعٍ آخر، أو غَلِطَ الخَارِصُ في الخَرْصِ، أو أَصَابَتِ الثِّمَارَ جَائِحَةٌ، واتَّهَمَهُ السَّاعِي، فيحلف على ما يدعيه إيجَاباً واسْتِحْبَاباً، على اختِلاَفٍ مذكور في الزَّكَاةِ؛ فإن نَكَلَ، لم يُطَالَبْ بشيء إن قلْنَا بالاسْتِحْبَاب، وإن قلنا بالإيْجَاب، فإن انْحَصَرَ المَوْصُوفُونَ بصفات الاسْتِحْقَاقِ في البلد، وقلناَ: بامتناع النَّقْلِ، فَتُرَدُّ اليَمِينُ عليهم، إلا يَتَعَذَّرُ الرَّدُّ إلى الساعي والسُّلطان.
وما الذي يُفْعَلُ؟ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّه تُؤخَذُ منه الزَّكَاةُ، وكيف سَبِيلُهُ؟ رأى ابن القَاصِّ هذا حُكْماً بالنكول، ورواه عن ابن سُرَيْجٍ، وسَبَب تَجْوِيزِهِ دُعَاءُ الضَّرُورَةِ إليه.
وقال أكثرهم: ليس هذا حكماً بالنكول، ولكن قَضِيَّةَ مِلْكِ النِّصَاب، ومضي الحَوْلِ الوُجُوبُ.
فإذا لم يثبت دافع أَخَذْنَا الزكاة.
والوجه الثاني: أنَّه لا يُطَالَبُ بشيء؛ لأنه لم تَقُمْ عليه حُجَّةٌ.
والثالث: أنَّه يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ، فَتُؤْخَذُ منه الزَّكَاةُ، أو يحلف فَيُعْرضُ عنه.
ومنهم

من فَرَّقَ بين أن يكون رَبّ المال على صُورَةِ المدعى؛ بأن يقول: [أديت في بلدة أخرى أو إلى ساعٍ، فتؤخذ منه الزَّكَاةُ إذا لم يحلف، وبين أن يكون على صُورةِ المدعى عليه بأن يقول:] 1 ما تَمَّ حَوْلي، أو ما في يدي لفلان المُكَاتِبِ، فلا يُؤْخَذُ منه شيء.
وهذا وجه رَابعٌ، وقد نَسَبَهُ صاحب "التهذيب" في باب الزَّكَاةِ إلى ابن سُرَيْجٍ ورَجَّحَهُ.
ومنها: الذِّمِّيُّ إذا مات في أَثْنَاءِ السَّنَةِ، يلزمه في الجِزْيَةِ قِسْطُ ما مضى؟ أو لا يَلْزَمُهُ شيء؟ فيه قولان مَذْكُورَانِ في موضعهما؛ فإن غَابَ ذِمِّيٌّ، ثم عاد وهو مُسْلِمٌ فقال: أَسْلَمْتُ قبل تمام السَّنَةِ، فليس عَلَيَّ تَمَامُ الجِزْيَةِ، أو ليس عَلَيَّ شَيْءٌ منها.
فقال عَامِلُ الجِزْيَةِ: بل أَسْلَمْتَ بعدها، وعليك تَمَامُ الجِزْيَةِ، فيحلف الذِّمِّيُّ اسْتِحْبَاباً على وَجْهٍ، وإيجَاباً على وجه.
فإن قلنا: بالإِيجَاب، فَيُقْضَى عليه بالجزْيَةِ، أو لا يُطَالَبُ بشيءٍ، أو يَجْلِسُ ليقر، فتؤخذ منه الجِزْيَةُ، أو يَحلف ويترك 2؛ فيه الوجوه الثلاثة المذكورة في الصورة السابقة 3. قال الإمَامُ: وَقَيَّدَ صَاحِبُ "التخليص" المسْألَةَ بما إذا غاب، ثم عَادَ وهو مُسْلِمٌ، وظاهر هذا -أنَّه لو كان عندنا، فَصَادَفْنَاهُ مُسْلِماً في آخر السَّنَةِ، فادَّعَى أنه أَسْلَمَ قبل تَمَامِهَا، وكَتَمَ إِسْلاَمَهُ، لا يُقْبَلُ قوله؛ لأن الظَّاهِرَ أن من أَسْلَمَ في دَارِ الإسْلاَمِ، لا يكتم إِسْلامه.
ومنها: ولد المُرْتَزِقَةِ؛ إذا ادَّعَى البُلُوغَ بالاحْتِلاَمِ، وطلب إِثْبَاتَ اسْمِهِ في الدِّيوَانِ، ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه يُصَدَّقُ من غير يَمِينٍ؛ لأنه وإن كان كَاذِباً، فكيف يُحَلِّفُهُ وهو صَبِيٌّ؟ وإن كان صَادِقاً وجب أن يُجَابَ.
وأظهرهما: أنَّه يَحْلِفُ عند التُّهْمَةِ، فإن نَكَلَ، فلا يُجَابُ، ولا يُثْبَتُ اسْمُهُ إلى أن يَظْهَرَ بُلُوغُهُ.
وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب.
ويَقْرُبُ منه أن بَعْضَ من شَهِدَ الوَقْعَةَ من المُرَاهِقِينَ، إذا ادَّعَى الاحْتِلاَمَ، وطلب سهم المقاتلة 4، يُعْطَى إن حَلَفَ، وإن لم يحلف، فَوَجْهَانِ: أحدهما: أنه يُعْطَى ويُوَجَّهُ هذا بطريقين: أحدهما: أنَّه يُصَدَّقُ بغير يَمِينٍ؛ لأن احتلامه 5 إنما يُعْرَفُ من جِهَتِهِ، فأشبه ما إذا

عُلِّقَ العِتْقُ، أو الطَّلاَقُ بالمَشِيئَةِ، فقال: شئت، يُصَدَّقُ بلا يَمِينٍ.
والثاني: أن شُهُودَ الوَقْعَةِ، وحصول الغناء به، يقتضي استحقاق السهم.
وأظهرهما: أنَّه لا يُعْطَى إذا لم يَحْلِفْ، وجعل صاحب "التلخيص" 1 هذا حُكْماً بالنكول.
وقال غيره: إنما لم يُعْطَ؛ لأن حُجَّتَهُ إذا قلنا: إنه يحلفه، إنما هي اليَمِينُ، فإذا [لم يحلف] 2 لم يُقْضَ له بعدم الحجَّةِ، لا أنَّه قضى عليه بالنُّكُولِ.
ومنها: إذا مات ولا وَارِثَ له؛ فَادَّعَى القاضي، أو مَنْصُوبُهُ دَيْناً له على إنسان وَجَدَهُ في تذكرته، فأنكر المُدَّعَى عليه، و: نَكَلَ عن اليَمِينِ، ففيه وجوه: أحدها: أنه يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ، أو يَحْلِفَ.
والثاني: أنَّه يُقْضَى عليه بالنكول، فَيُؤْخَذ منه المالُ؛ لأن وَرَثَتَهُ المسلمون، وَرَدّ اليمين عليهم مُتَعَذِّرٌ.
والوجه الثالث: أنَّه يُعْرَضُ عنه، ولا يُتَعَرَّضُ له.
نعم لو كان [مُعَانداً] 3، فهو عَاصٍ آثمٌ.
وقوله في الكتاب: "وهو أَبْعَدُها هنا منه في الذِّمِّيِّ"، إنما ذكر ذلك؛ لأَنَّ هذا الوَجْهَ مَشْهُورٌ في مسألتي الزَّكَاةِ، وإسْلاَمِ الذِّمِّيِّ، وهو غريب ههنا.
لم يُحْكَ إلا عن الشَّيخِ أبي محمَّدٍ.
وسبب الفَرْقِ أنَّه مَبْنِيٌّ هناك على اسْتِحْبَاب اليمين، و [اليمين] 4 هاهنا مُسْتَحَقَّةٌ على المدعى عليه، فالإِعْرَاضُ عنه بنكوله إِسْقَاطٌ لليَمين، وإبْطَالٌ لفائدته.
ويجري الخِلاَفُ المذكور فيما إذا ادعى وَصِي مَيِّتٍ على وَارِثِهِ: أنَّه أوْصَى بثلثه للفقراء، وأنكر الوَارِثُ، ونَكَلَ.
[ولو ادَّعَى وَليُّ الصبي، والمجنون دَيْناً له على إنسان، فَأنْكَرَ، ونَكَلَ،] 5 ففي الرَّدِّ على الوَلِيِّ وُجُوهٌ: أحدها: أن اليَمِينَ تُرَدُّ عليه؛ لأنه المستوفي، والصَّبِيُّ والمَجْنُونُ ليس لهما أَهْلِيَّةُ اليمين.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن إِثْبَاتَ الحَقِّ للإنسان بيَمِينِ غيره مُسْتَبْعَدٌ.
والثالث: أنَّه إن ادَّعَى ثُبُوتَهُ لسبب بَاشَرَهُ بنفسه رُدَّ عليه، وإلا فلا، وَأُجْرِيَ هذا الخِلاَف فيما إذا أَقَامَ شَاهداً وَاحِداً، هل يَحْلِفُ معه؟ وفيما إذا ادَّعَى على الوَليِّ دَيْناً في ذِمَّةِ الصَّبِيِّ، هل يُحَلَّفُ إذا أنكر؟ والوَصِيّ والقَيِّمُ في ذلك كالوَلِيِّ.

ويجري في قَيِّم المسجد، ومُتَوَلِّي الوَقْفِ إذا ادَّعَى للمسجد، أو الوَقْفِ، وأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، ونَكَلَ.
وتَحْلِيفُ الولي والصبي (1) لَهُ ذِكْرٌ في الكتاب في الباب الأخَيرِ من الصَّدَاقِ فَلْيَتَذَكَّر.
ثم مال المذهبيون إلى تَرْجِيح المَنْعِ من الوُجُوهِ الثلاثة، ولا بَأْسَ بوجه التفصيل (2) ولقد رَجَّحَهُ أَبُو الحَسَنُ العَبَّادِيُّ، وبه أجاب السَّرَخسِيُّ في "الأمالي".
فإن منعنا رَدِّ اليمين إلى الوَليِّ والوصي (3)، فَيُنْتَظَرُ بلوغ الصَّبِيِّ، وإفَاقَةُ المَجْنُونِ.
ويكتب القاضي المحضر بنكول المدعى عليه، وصَيرُورَته اليمين مَوْقُوفة على البُلُوغ، والإفَاقَةِ، ويعود في المدّعى (4) للمسجد والوقف الوجهان في أنَّه يُقْضَى عليه بالنكوَل؛ أوَ يُحْبَسُ ليَحْلِفَ، أو يقر.
والأصح في هذا الخلاف في مَسْأَلَةِ لا وَارِثَ له، أنَّه لا يُقْضَى بالنُّكُولِ، ولكن يُحْبَسُ ليحلف، أو يقر، وإنما حَكَمْنَا فيما قَبْلَ ذلك من الصُّوَرِ بالمال؛ لأنه قد سَبَقَ أَصْلٌ يقتضي الوجوب، ولم يَظْهَر دَافِعٌ فأخذنا بذلك الأصل، وهاهنا لا مُسْتَنَدَ إلا النكول، والنكول المَحْضُ لا اعْتِمَادَ عليه، على أصلنا.
وقَيِّمُ المَحْجُورِ عليه إذا ادَّعَى له، ونَكَلَ المدعى عليه ليحلف (5) المَحْجُورُ أنَّه يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ هذا المَالِ.
ولكن لا يقول: إليّ (6). وقيّمه يقول في الدَّعْوَى: يلزمك تَسْلِيمُهُ إِليَّ.
ومنها للقاذف: أن يُحَلِّفَ المَقْذُوفَ على أنَّه لم يَزْنِ، كما مَرَّ، فإن نَكَلَ، حكى القاضي أبو سَعْدٍ وَجهاً: أنَّه يَسْقُطُ بنكوله حَدُّ القَذْفِ عن القاذف، فلا ترَدُّ اليَمِينُ عليه؛ لأن قَضِيَّةَ يمينه إِثْبَاتُ حَدِّ الزِّنَا على المَقْذُوفِ، ولا يمكن إِثْبَاتُ الحد باليمين.
والمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ: أنَّه تُرَدُّ اليَمِينُ على القَاذِفِ، وَأَثَرُ يمينه انْدِفَاعُ حَدِّ القذف عنه، لا إِثبَاتُ حَدِّ الزِّنَا على القاذف، كما أن اليصين تُرَدُّ على مُدَّعِي السرقة، وتؤثر يمينه في إِثبَاتِ المال دون القَطْعِ.
[والله أعلم] (7).

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الرُّكْنُ الخَامِسُ: البَيِّنَةُ

وَقَدْ ذَكَرْنَا شُرُوطَهَا، فَإِنْ تَعَارَضَتَا وَلاَ تَرْجِيح فَلاَ يَخْلُو إِمَّا أنْ يَكُونَ المُدَّعَى فِي أَيدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ ثَالِثٍ فَالبَيِّنَتَانِ يَتَسَاقَطَانِ (ح) عَلَى قَوْلٍ،.
وَتُوجَبُ القِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قوْلٍ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلٍ فَيُسَلَّمُ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَيَتَوَقَّفُ إِلَى الصُّلْحِ عَلَى قَوْلٍ، وَلاَ يَجْرِي قَوْلُ القِسْمَةِ1234567

وَالصُّلْحِ فِي الزَّوجَةِ المُتَنَازَعَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَفِي جَرَيَانِ قَوْلِ القُرْعَةِ خِلاَفٌ، فَإذَا تَكَاذَبَتِ البَيِّنَتَانِ صَرِيحاً لَمْ يَتَّجِهْ إِلاَّ التَّهَاتُر كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى القَتْلِ فِي وَقْتٍ وَشَهِدَ الآخَرُ عَلَى الحَيَاةِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ نَفْسِهِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ بَقِيَّةِ الأَقْوَالِ أَيْضَاً، وَلَوْ أَقَرَّ الثَّالِثُ لأَحَدِهِمَا فَهَل يَنْزِلُ إِقْرَارُهُ مَنْزِلَةَ اليَدِ حَتَّى تَرْجِيح البَيِّنَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أحد الأركان في الخُصُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ البَيِّنَةُ فيها يظْهرُ الحقّ، وينفصل الأَمْرُ، فالقول في شرط الشهود مَفْرُوغٌ منه في الشَّهَادَاتِ، والقَصْدُ هاهنا بيان الحكم عند تَعَارُضِ البَيِّنَتَينِ، فإذا تَعَارَضَتَا فإما أن تفقد أَسْبَابُ الرُّجْحَانِ، أو يُوجَدَ مرجِّح: القسم الأول: إذا لم يُوجَدْ مُرَجِّحٌ، فأما أن يكون المُدَّعَى في يَدِ ثَالِثٍ، أو في أيديهما 1 جميعاً.
ولا يَدْخُل في هذا القِسم ما إذا كان في يد أحدهما؛ لأن ذلك من أَسْبَابِ الرُّجْحَانِ على ما سيأتي.
وهذا القَسْمُ مَفْقُودٌ فيما إذا فُقِدَتِ الأَسْبَابُ.
الحالة الأولى: إذا ادَّعَى اثْنَانِ عَيْناً في يدِ ثالث فلا يَخْفَى أنَّه يَحْلِفُ المُدَّعَى عليه يَمِيناً لكل وَاحِدٍ منهما، إن ادَّعَاهَا لنفسه، ولا بَيِّنَةَ لواحد منهما، وأنه إن اخْتَصَّ أحدهما بِإِقَامَةِ البَيِّنَةِ على ما يدعيه، يُقْضَى له، وإن أَقَامَ كل واحد بَيِّنَةً، فقولان: أصحهما: ويُنْسَبُ إلى القَدِيم: وبه قال أحمد، وكذلك مَالِكٌ في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ: أنهما يَتَسَاقَطَانِ؛ لأنهما مُتَنَاقِضَتَا الموجب، ولا تَرْجِيحَ، فَأشْبَهَ الدليلين إذا تَعَارَضَا، ولا تَرْجِيحَ، فعلى هذا كأنه لا بَيِّنَةَ، ويُصَارُ إلى التَّحْلِيفِ.
والثاني: أنهما يُسْتَعْمَلانِ، صِيَانَةٌ لهما عن الإِسْقَاطِ، والإبْطَالِ، بِقَدْرِ الإمْكَانِ، وتُنْتَزَعُ العَيْنُ من صاحب اليد؛ لأنه قَضِيَّةُ كل واحدة من البَيِّنَتَيْنِ [ثم] 2 فيما يفعَل ثلاثة أقوال: أحدهما: أن العَيْنَ المُدَّعَاةَ تُقَسَّمُ بينهما، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، وكذلك مالك، ما رُوِيَ عن أبي مُوسَى: أن رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في بَعِيرٍ، فأقام كل واحد [منهما] 3 البَيِّنَةَ أنَّه له، فجعله النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما نِصْفَيْنِ 4.

وأيضاً فالبَيِّنَةُ حُجَّةٌ كاليَدِ.
ولو تَدَاعِيَا، والشَّيْءُ في أيديهما، يُجْعَلُ بينهما نِصْفَيْنِ، فكذلك هاهنا.
وأيضاً: فلو أن رَجُلَينِ أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً على أنَّه أوصى له بهذه الدَّارِ؛ تُجْعَلُ بينهما، فكذلك هاهنا.
والثاني: أنَّه يُقْرَعُ بينهما، ويُرَجَّحُ جانب من خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ 1؛ لما رُوِيَ؛ أن خَصْمَيْنِ أَتَيَا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأتى كُلُّ واحد منهما بِشُهُودٍ، فَأسْهَمَ بينهما، وقَضَى لمن خَرَجَ السَّهْمُ له 2. = فقد رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك، عن أبي هريرة ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان في صحيحه، واختلف فيه على سعيد بن أبي عروبة، فقيل: عنه عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى، وقيل عنه عن سماك بن حرب رواه عن ابن ماجه [2330] عن تميم بن طرفة، قال: أنبئت أن رجلاً، قال البخاري قال سماك بن حرب: أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث، فعلى هذا لم يسمع أبو بردة هذا الحديث من أبيه، ورواه أبو كامل مظفر بن مدرك عن حماد عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبي بردة مرسلاً قال حماد: فحدثت به سماك بن حرب فقال: أنا حدثت به أبا بردة، وقال الدارقطني والبيهقي والخطيب: الصحيح أنَّه عن سماك مرسلاً، ورواه ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن سماك عن تميم بن طرفة: أن رجلين ادعيا بعيراً، فأقام كل واحد منهما البينة أنَّه له، فقضى النبي -صلى الله عليه وسلم- به بينهما، ووصله الطبراني بذكر جابر بن سمرة فيه بإسنادين، في أحدهما حجاج بن أرطاة، والراوي عنه سويد بن عبد العزيز، وفي الآخر ياسين الزيات، والثلاثة ضعفاء.

وأيضاً فالقُرْعَةَ [مرجحة] 1 عند اسْتِوَاءِ الجانبين كما في العِتْقِ، والقِسْمَةِ، والمُسَافَرَةِ بإحدى النساء، وما يُشْبِهُهَا، وهل يَحْتَاجُ على هذا من خرجت قُرْعَتُهُ إلى اليمين؟ فيه قولان في رواية أَكْثَرِهِمْ، ووجهان عن رِوَايَةِ القَفَّالِ، أَوْقَفهُمَا لظاهر لفظ الكتاب: أنَّه لا حَاجَةَ إلى اليمِينِ، والقُرْعَةُ ترجح بينته.
والثاني: أنَّه لاَ بُدَّ من اليمين، والقُرْعَةُ تَجْعَلُ أحدهما أَحَقَّ باليمين.
وعلى هذا حكى القاضي الروياني: أنَّه يَحْلِفُ من خَرَجَت قُرْعَتُهُ؛ إن شهوده شَهِدُوا بالحَقِّ، ثم يُقْضَى له.
والقول الثالث: أنَّه يُوقَفُ إلى أن يُتَبَيَّنَ الأَمْرُ، أو يَصْطَلِحَا؛ لأنه أشْكِلَ الحال فيما يُرْجَى انْكِشَافُهُ، فَيُوقَفُ، كما لو زوجها وليان ونسيا 2 السابق من العَقْدَيْنِ.
وأيضاً فإن أحدهما مُسْتَحِقٌّ، وإلا فالبَيِّنَتَانِ كَاذِبَتَانِ، والمُسْتَحِقُّ منهما غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَيُوقَفُ؛ كما لو طَلَّقَ إحدى امْرَأتَيْهِ، ومات قبل البيان، يُوقف 3 المِيرَاثُ إلى الاصطلاح.
واعْتَذَرَ الناصرون لِلتَّسَاقُطِ عن حَدِيثِ أبي مُوسَى -رضي الله عنه- أنَّه يُحْتَمَلُ أنَّه كان المدعي 4 في أيديهما، فأبطل البَيِّنَتَيْنِ، وقسم 5 بينهما.
وعن الحديث الآخر: أنَّه لما كان التنَازعٌ في قِسْمَةٍ، أو عِتْقٍ.
وعما احْتُجَّ به للتوقف، بأن كونها زَوْجَةً لأحدهما، وكَوْنَ المِيرَاثِ لأحدهما مَعْلُوماً، واستحقاق أحدهما غير مَعْلُومٍ هاهنا، فلا يَلْزَمُ من التَّوَقْفِ هناك التَّوَقُّفُ هاهنا.
واعترف بعد هذا: أنَّه قد يُضَمُّ أَقْوَالُ الاستعمال إلى قول التَّسَاقُطِ، ويُقَالُ في المسألة أَرْبَعَةُ أقوال.
كما نَسَّقَهَا في الكتاب، وأنه إذا كان التَّسَاقُطُ مَنْسُوباً إلى القديم، وكان هو الأَظْهَرَ عند الأصحاب، كانت المَسْأَلَةُ من المَسَائِلِ التي يرجّح فيها القديم.
وإن الإِمام، وصاحب الكتاب، حَكَيَا في مَحَلِّ القولين [في] 6 التَّسَاقُط والاستعمال طَرِيقَيْنِ: أحدهما: أن القولين فيما إذا لم تَتَكَاذَب البَيِّنَتَانِ 7 صَرِيحاً، فإن تَكَاذَبَا 8 صَرِيحاً، تَسَاقَطَ لاَ مَحَالَةَ.

والثاني: طَرْدُ القولين في الحَالَتَيْن، وهذا أَشْهَرُ، والأول أَرْجَحُ عند صاحب الكتاب، والمُرَادُ من صَرِيحِ التَّكَاذُبِ؛ ألاَ يَتَأتَّى الجَمْعُ، ولا يَنْقَدِحَ فيه تَأْوِيلٌ، كما إذا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ على القَتْلِ في وقت [معين] 1 والأخرى على الحَيَاةِ في ذلك الوقت.
فإن تُوُهِّمَ الجَمْعُ بِضَرْبٍ من التأويل، فليس ذلك بصريح التَّكَاذُبِ.
وذلك، كما إذا شَهِدَتْ هذه، على مِلْكِ زيد، وهذه على مِلكِ عَمْرو؛ فإنه يجوز أن يقال: عرفت كل واحدة سبباً كشراء، أو وصية، واستصحب حكم العَقْدِ الذي عرفته.
وكما إذا شَهِدَت هذه، على أنَّه أوْصَى بهذه العَيْنِ لِزَيْدٍ، وهذه على أنَّه أوْصَى بها لِعَمْرو؛ فإنه ربما أوْصَى بها مَرَّتَيْنِ.
وإن القاضي الروياني نَقَلَ في "جمع الجوامع" طريقين من وَجْهٍ آخر: أحدهما: أن القولين فيما إذا لم يمكن الجَمْعُ، فإن أَمْكَنَ، قُسِّمَ بينهما لا مَحَالَةَ.
والثاني: طَرْدُ القولين في الحالتين، فَتَحَصَّلَ من النقلين ثَلاثَةُ طُرُقٍ؛ القَطْعُ بالتَّسَاقُطِ فيما إذا لم يمكن الجَمْعُ، والقَطْعُ بالاستعمال إذا أمكن طَرْدُ القولين في الحَالَتَيْنِ، وأن إِيرَادَ أبِي الحَسَنُ [العبادي] 2 يَنْسَاقُ إلى طريقة أخرى تَنْفِي الخِلاَفَ، ويقطع بالتَّسَاقُطِ عند اسْتِيقَانِ الكَذِبِ في إحداهما، وبالاستعمال عند إِمْكَانِ صِدْقِهِمَا كما في الوَصِيَّةِ.
وإن أبا الفَيَّاضِ حكى؛ أن من الأصحاب من لم يُثْبِتْ قول التوقيف 3، وأن القاضي ابن كَجٍّ رَوَى عن أبي حَامِدٍ القَاضِي، أن الأقْوَالَ الثلاثة لا تجتمع، بل موضع 4 قول القِسْمَةِ، ما إذا أمكن الجَمْعُ، وموضع قول القُرْعَة، ما إذا لم يمكن.
وأُعْلِمَ من لفظ الكتاب ما سوى قول التَّسَاقُطِ بالزاي 5؛ لأن اخْتِيَارَ المُزَنِيِّ هو التَّسَاقُطُ، ولْيُعَلمْ بالألف أيضاً، لما بَيَّنَّاهُ، وما سوى قَوْلِ القِسْمَةِ بالحاء.
ثم في الفصل صورتان: إحداهما إذا كان التَّنَازُعُ في زَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ، وأقام كل واحد بَيِّنَةً، وتَعَارَضَتَا، فقول التَّسَاقُطِ بحاله 6، ولا مَجَالَ لِلْقِسْمَةِ، وذكر صاحب الكتاب في "الوسيط"، أن قَوْلَ الوَقْفِ لا يجري أيضاً تَعْلِيلاً بأن الصُّلْحَ غير مُمْكِنٍ، وهذا ما أراد بقوله هاهنا.
ولا يَجْرِي قَولُ القِسْمَةِ والصلح، فعبر عن الوَقْفِ بالصلح.
والذي رواه صاحب

"التهذيب" وغيره جَرَيَانُ قَوْلِ الوَقْفِ، وهو الوجه كما يُتَوَقَّفُ في التي أَنْكَحَهَا وَلِيَّاهَا، وليس الصُّلْح مقصورًا 1 على أن يأخذ هذا شَيْئًا من المدَّعَى، وهذا شَيْئًا آخر منه، بل من الصُّلْحِ أن يَتُوبَ الكَاذِبُ، ويُصَدَّقَ الصَّادِقُ.
وأما قول القُرْعَةِ، ففي جَرَيَانِهِ وَجْهَانِ منقولان في الكتاب وغيره: أحدهما: تجري كما في بينتي المَالِ.
وأصحهما: وهو الجواب في "التهذيب": المنع، كما لا تَجْرِي القُرْعَةُ في التي أَنْكَحَهَا وَليَّاهَا.
وفيما 2 إذا طَلَّقَ إحدى زَوْجَتَيْهِ، ومات 3. الثانية: أقر صَاحِبُ اليَدِ لأحدهما بعدما أقام 4 البينتين، إن قلنا: بالتَّسَاقُطِ قُبِلَ إقراره وحُكِمَ به، وإن قلنا بالاسْتِعْمَالِ، فوجهان: أحدهما: أن المُقَرَّ له يصير كَصَاحِبِ اليد حتى تُرَجَّحَ بَيِّنَتُهُ.
والثاني: لا؛ لأن يَدَهُ بعد البَيِّنةِ مستحقة الإِزَالَةِ 5، فلا تَأْثيرَ لها، ولا اعْتِبَارَ بإقرار صاحبها، وإن أَقَرَّ تَمَام البينتين، قُبِلَ إِقْرَارُهُ.
وصَار المُقرُّ له صَاحِبَ يَدٍ.
والوجهان في الكتاب وإن كانا مُطْلَقَيْنِ، ولكن قوله: "فهل ينزل 6 إقراره منزلة اليد، يُفْهِمُ أنهما مُفَرَّعَانِ على قَوْلِ الاسْتِعْمَالِ.
فأما على قول التَّسَاقُطِ، فلا نقول: الإِقْرَارُ يرجح البَيِّنَةَ بِحَالٍ، ولكن كأنهما لم يقيما بَيِّنَةً، فَيُقْضَى بموجب الإِقْرَارِ والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِمَا، وَلاَ يَخْفَى إِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ أَنْ تَجْرِيَ الأَقْوَالُ، وَلَكِنْ إِذَا قُلْنَا بِالتَّهَاتُرِ فَهَهُنَا تَبْقَى الدَّارُ فِي أَيْدِيِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مُدَّع فِي النِّصْفِ مُدَّعَىَ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْي مَا يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّعَرُّضُ لِلإِثْبَاتِ بِخِلاَفِ التَّحَالُفِ فِي البَيْعِ إِذِ النِّصْفُ هَهُنَا مُمَيَّزٌ عَنِ النِّصْفِ وَثَمَّةَ لاَ يَتَمَيَّزُ المُدَّعِي عَنِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقِيلَ فِي وُجُوبِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّفْي وَالإِثْبَاتِ فِي المَسْئلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، ثُمَّ إِنْ حَلَفَ الأوَّلُ عَلَى النَّفْي فَنَكَلَ الثَّانِي رُدَّ عَلَيْهِ اليَمِينُ فَيَحْلِفُ عَلَى الإِثْبَاتِ، وَإِنْ نَكَلَ الأَوَّلُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ القَاضِي تَحْكِيمَاً أَوْ

جارٍ التحميل