العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 46-85

.......................... = هذا الحديث غير محفوظ، والمحفوظ ما رواه شعيب عن الزهري قال: حدثت عن محمَّد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم، الحديث.
قال البخاري: وإن حديث الزهري عن سالم عن أبيه، فإنما هو أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: لترجعن نساءك، أو لأرجمنك، وحكم مسلم في التمييز على معمر بالوهم فيه.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: المرسل أصح، وحكى الحاكم عن مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة، وقد أخذ ابن حبان [1277 موارد] والحاكم [2/ 192] والبيهقي [7/ 182] بظاهر هذا الحكم، فأخرجوه من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خراسان وأهل اليمامة عنه، قال الحافظ: ولا يفيد ذلك شيئاً، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا من غير أهلها، وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذ رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها، اتفق على ذلك أهل العلم به كابن المديني والبخاري وأبي حاتم ويعقوب ابن شيبة وغيرهم، وقد قال الأثرم عن أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه، وأعلمه بتفرد معمر بوصله وتحديثه به في غير بلده هكذا، وقال ابن عبد البرّ: طرقه كلها معلولة، وقد أطال الدارقطني في العلل تخريج طرقه، ورواه ابن عيينة ومالك عن الزهري مرسلاً، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، وقد وافق معمراً على وصله بحر بن كثير السقا عن الزهري، لكن بحر ضعيف، وكذا وصله يحيى بن سلام عن مالك، ويحيى ضعيف قاله الحافظ.
فائدة: قال النسائي أنا أبو بريد عمرو بن يزيد الجرمي أنا سيف بن عبد الله عن سرار بن مجشر، عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشرة نسوة -الحديث- وفيه فأسلم وأسلمن معه، وفيه: فلما كان زمن عمر طلقهن، فقال له عمر: راجعهن، ورجال إسناده ثقات، ومن هذا الوجه أخرجه الدارقطني، واستدل به ابن القطّان على صحة حديث معمر، قال ابن القطّان: وإنما اتجهت تخطئتهم حديث معمر؛ لأن أصحاب الزهري اختلفوا عليه، فقال مالك وجماعة عنه بلغني فذكره وقال يونس عنه عن عثمان بن محمَّد بن أبي سويد، وقيل عن يونس عنه بلغني عن عثمان بن أبي سويد، وقال شعيب عنه عن محمَّد بن أبي سويد، ومنهم من رواه عن الزهري قال: أسلم غيلان فلم يذكر واسطة، قال: فاستبعدوا أن يكون عند الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً، ثم يحدث به على تلك الوجوه الواهية، وهذا عندي غير مستبعد، والله أعلم قلت: ومما يقوي نظر ابن القطّان أن الإِمام أحمد أخرجه في مسنده عن ابن علية ومحمد بن جعفر جميعاً عن معمر بالحديثين معاً، حديثه المرفوع، وحديثه الموقوف على عمر، ولفظه: أن ابن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: اختر منهن أربعاً، فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله.
بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع بموتك، فقذفه في نفسك، وأعلمك أنك لا تمكث إلا قليلاً، وأيم الله لتراجعهن نساءك، ولترجعن مالك، أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم تبر أبي رغال، قلت: والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته، عن الزهري عن سالم عن أبيه، بخلاف أول القصة، والله أعلم وفي الباب عن قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس عند أبي داود وابن ماجة، وعن عروة بن مسعود وصفوان بن أمية، ذكرهما البيهقي قاله الحافظ.

أَرْبَعاً وَفَارِقِ الأُخْرَى" 1. ولو جمع بين خَمْسٍ، فصاعداً، نُظِرَ؛ إِن نكحهن في عَقْدٍ وَاحِدٍ، بَطَل نِكَاحُ الكل، وإن نكحهن على الترتيب، بطَل نكاحُ الزائدات على الأربع الأوليَّات، ولو نكح خمساً في عقد، وفيهن أختان، بَطَل فيهما، وفي البواقي قوْلاً تفريقِ الصَّفقةِ، وقد مَرّ شَرْحُهُمَا في "البيع"، والأظهر الصحَّةُ؛ لأن الأَظْهَرَ في البيع الصحَّةُ فيما يحل، والنكاح أولى بالصِّحَّةِ لِمَا سَبَقَ هُنَاكَ.
ولو نكح سَبْعاً فيهن أُخْتَانِ، بَطَلَ نِكَاحُ الْكُلِّ، وكذا لو نكَحَ أرْبَعاً أختَيَنْ وأختَيْن، وإذا كان في النكاح أَرْبعٌ، فأبانهن، فله أن ينكح أربعاً بَدَلَهُنَّ، وإن كُنَّ في الْعِدَّةِ، ولو أبان واحدةً، فَلَهُ نِكَاحُ أخرَى، وإِنْ كانتِ المبانةُ في عدته، وكذا لو وطئ امرأةً بالشبهة، له أن ينكح في، عدتها أرْبعاً، وخالف أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدُ فيه على ما ذكرنا في نِكَاحِ الأُخْتِ في عدة الأخْتِ، ولا خلاف في المنع إذا كانت الْمُفَارَقَةُ رَجْعِيَّةً.
وَالْعَبْدُ ينكح اثنينِ، ولا يزيد، وعن مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أنه يجوز له أن يَنْكِحَ أَرْبَعاً.
لنا: ما روي عن الحَكَم بن عُيَيْنَةَ، قَالَ: أَجْمَعَ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ألاَّ ينكح الْعَبْدُ أكْثَرَ من اثنتين 2. فرْعُ: لابن الْحَدَّادِ إذا نكح سِتَّ نسْوَةٍ ثلاثاً في عَقْدٍ، واثنتين في عَقْدٍ، وواحدةً في عقد، ولم يُدر أن المتقدِّم من العقود ماذا، فنكاح الواحدة صَحِيْحٌ لاَ مَحَالَةَ، أما إذَا سَبَقَ نِكَاحُهَا، فَظَاهِرُ وأما إذا سبق إحدى العقدين نكاحها، فإنها تكون ثالثة أو رابعةً، فيصح نِكَاحُهَا، وأما إذا سَبَقَ العقدان معاً نكاحهما، فإن العقدة الثانية تَبْطُلُ لزيادة المجموع على الأربع؛ وحينئذٍ يصحُّ نكاحُ الواحدةِ بعدهما؛ لأنها إما ثالثةُ أو رابعةٌ، وأما البواقي، فَقَدْ قَالَ ابنُ الْحَدَّادِ: لا يثبت نكاحهن؛ لأن كل واحدة من عقدتي الاثنتين والثلاثِ يحتمل أن يكون بعد العقدة الأُخُرَى، فيبطل، وإذا وَقَعَ الشَّكُّ، فالأَصْلُ العَدَمُ، وأطنب الشَّيخُ أبو عَلِيٍّ في "الشَّرحِ" فقال: أولاً: ما ذكره ابن الْحَدَّادِ

غَلَطٌ عند عَامَّةِ الأصْحَابِ، بل يصح مع نكاح الواحدة نكاحُ الاثنتين أو الثلاث؛ لأنه إن سَبَقَ نِكَاحُ الاثنتين على الثلاث، يصحُّ سواءٌ كان قبل الواحدة أو بعدها، وإنْ سَبَقَ نِكَاح الثَّلاَثِ على الاثنتين، فكذلك، لكن لا يعرف أَنَّ الصَّحِيحَ هذا أم ذاك فيوقف الأمر، ويسأل الزوج، فإنِ ادّعى سبق نكاح الاثنتين وصدقناه، يثبت نكاحهما مع الواحدة، وَإنِ ادَّعى سبق نكاح الثلاث، وصدقناه، فكذلك، وإن قَالَ الزَّوْجُ: لا أَدْرِي أو لم يبيِّن، فلهن طلب الفسخ، وإنَ رضيْنَ بالضرر ينفسخ، وعلى الزوج نفقةُ جميعهن في مدة التوقُّف، فإنْ مَاتَ قبل البيان، اعتدت من لم يدخل بها عدَّةَ الوفاة، ومن دخل بها أقصَى الأجلَيْن من عِدَّةِ الْوَفَاةِ أو الأقراء، ويدفع إلى المفردة رُبُعَ ميراث النَّسْوَةِ من الربع أو الثمن؛ لأنَّ غاية الممكن صحة نكاح الثلاث معها، ثم يجوز أن يكون الصحيحُ مع نكاحها نكاحَ [فلا يستحق إلاَّ الربع الذي أخذت ويحتمل أن يكون لصحيح نكاح الثلاث] 1 ويحتمل صحة نكاح الاثنين فيستحق الثُّلُث من نصيب النِّسْوَةِ، فيتوقف ما بين الثلث إلى الرُّبعِ، وهو نصف السدس من الواحدة، والثلث لا حق للاثنتين فيه، ويوقف الثلثان مَن نصِيبِ النُّسْوَةِ بين الاثنتين، والثلاثُ لا حق للواحدة فيه، فبان الصلْحَ قبل البيان، فالصلح في نصف السدس بين الواحدة، والثلاثُ لا حَاجَةَ إلى رضا الاثنتين، وفي الثلثين بين الاثنتين والثلاث لا حَاجَةَ إلى رضا الْوَاحِدَةِ فيه.
وأمَّا المهر، فللواحدة المفردة المسمَّى، والبواقي، إِن دخل بهن جميعاً قابلنا المسمَّى لأحد الفرقتين ومهر المثل للأخرَى بالمسمى للفرقة الأخرَى، ومهر المثل للأُولى، وأخذنا أكثر القدرين من التَّرِكَةِ، وَدَفَعْنَا إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الأَقْلَّ مِنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرُ الْمِثْلِ، ووقفنا الباقي.
مثاله سمى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةً، ومهر مثل كلِّ واحدةٍ خمسون، فالمسمى للثلاث، ومَهْرُ المثل للاثنتين أربعمائة، وهي أكثر من المسمى للاثنتين ومهر مثل الثلاث، فتأخذ أرْبَعَمائة، وَنَدْفَعُ إلى كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسِينَ مِنْها، ونوقف الباقي وهو مِائَةٌ وخمسون منْها مِائَةٌ بين الخمس، وخمسين بين الثلاث والورثة، فإن بَانَ صحَّة نكاح الاثنتين، فالمائة لهما والخمسون للورثة، وإن بَانَ صِحَّةُ نكاح الثلاث، فلهن المائة والخمسون، وإن لَمْ يَدْخُلْ بواحدة منهن، فنأخذ من التَّرِكَةِ أكثر المسمَّيَيْن، ولا يدفع في الحال شَيْئاً إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، والأكثر في المثال المذكور ما سُمِّيَ للثلاث، فنأخذ، ونقف منه مائتين بين الثلاث والاثنين، ومائة بين الثلاث وللورثة، وإن دَخَلَ بإحدى الفرقتين، أخذنا الأكْثَر من مسمَّى المدخول بهن وحْدَه، ومن مهر مثْلِهِن مع مسمَّى اللواتي لم يدخل

بهن، ويدفع إلى اللَّوَاتي دَخَلَ بِهِنَّ الأقلَّ من المسمى ومَهْرَ المثل، ففي المثال المذكور، وإن دخل بالاثنتين، فمهر مثلهن مع مسمَّى الثلاث أربعُمائة، وذلك أكثر من مسمَّى الاثنتين، فنأخذ أربعمائة، ويدفع منها إلى كُلِّ واحدةٍ من الاثنتين خمسين، ويقف مائة بينهما وبين الثلاث، ومائتين بين الثلاث وبين الورثة، وَإن بَانَ صَحَّةُ نِكَاحِ الاثنتين، دفعنا إليهما المَائَةَ، والباقي للورثة، وإن بَانَ صَحَّةُ نِكَاحِ الثَّلاَثِ، دفعناها مع المائتين إليهن، وإن دَخَلَ بالثلاث، فمهر مثلهن مع المسمى للاثنتين ثلثمائة وخمسون، وذلك أكثر من المسمى للثلاث، فيأخذ ثلثمائة وخمسين، فيدفع إلى كُلِّ وَاحِدَةٍ من الثَّلاَثِ خمسين، ويقف الباقي، وهو مائتان، منها مِائَةٌ وخمسون بين الاثنتين والثلاث، والباقي بين الاثنتين والورثة، إن بَانَ صحة نكاح الثلاث، دَفَعْنا إليهن مِائَة وخمسين، والباقي للورثة، وإن بَانَ صَحَّةُ نكاح الاثنين، دَفَعْنَا إِلَيْهِنَّ المائتين.
قَالَ الشَّيخُ: فَإنْ كَانَتِ الْمَسْألَةُ بحالها، ونكح أربعاً أُخَرَ في عقد رَابعٍ ولم يعرف الترتيب، فلا يحكم بثبوت نكاح الواحدة، لجواز وُقُوعِهِ بَعْدَ الأَرْبَعِ، وإَن مَاتَ قَبْلَ البيان، وقفنا الربع والثمن، ولم ندفع شيئاً منه إلى واحدة منهن، وأما المهر، فَإنْ دَخَلَ بِهِنَّ جَمِيْعاً، أَخَذنَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ منْهُنَّ الأَكْثَرَ من مُسَمَّاهَا وَمهْرَ مِثْلِهَا، وَدَفَعَنَا إِلَيْهَا الأَقَلَّ مِنْهُمَا، وَوَقَفْنَا الْبَاقِيَ بينهما وبين الورثة، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فيحتمل أن يكون الصحيحُ نكاحَ الأَرْبَعَ، ويحتمل أن يكون الصحيحُ نكاحَ الواحدة مع الثلاث، أو مع الاثنتين، [فَيُنْظَر إلى مهر الأربع وحده وإلى مهر الواحدة مع الثلاث، ثم مع الاثنتين] 1 فيؤخذ أكثر المقادِيرِ الثلاثة، ويوقف، وإن دخل ببعضهن دون بعض، فيؤْخَذُ لمن دَخَل بها أكْثر مهريها، ويدفع إليها أقلّهما، ويوقف الباقي بينهما وبين الورثة، ولمن لَمْ يدخلْ بها مهرها المسمَّى، ويوقَف بينهما وبين الورثة، هذا مُخْتَصَرُ كَلاَمِ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ الله تَعَالَى-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالمُطَلَّقَةُ ثَلاَثاً لاَ تَحِلُّ حَتَّى يَطَأَهَا زوْجٌ آخَرُ في نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلاَ يَكْفِي وَطءُ الشُّبْهَةِ، وَيكْفِي إيلاجُ الحَشَفَةِ أَوْ مِقْدَارُهَا من مَقْطُوعِ الحَشَفَةِ، وَيكْفِي وَطْءُ الصَّبِيِّ وَالعِنَّينِ، وَلاَ يَشْتَرَطُ انْتِشَارُ الآلَةِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الزَّوْجُ مِنْ عَبْدِهِ الصَّغيرِ فَاسْتَدْخَلَتْ آلَتَهُ ثُمَّ بَاعَ مِنْهَا لِيَنْفَسِخَ النِّكَاحُ جَازَ في قَوْلٍ جَوَازُ إِجْبَارِ العَبْدِ عَلَى النِّكَاحِ وَحَصَلَ بِهِ دَفْعُ الْغِيْرَةِ، وَلوْ نُكِحَتْ بِشَرْطِ الطَّلاَقِ فَسَدَ العَقْدُ في وَجهٍ وَلَمْ يَحْصُلِ التَّحْلِيلُ (و)، وَهَلْ يَفْسُدُ النِّكاحُ بِشَرْطِ عَدَمِ الوَطْءِ؟ فِيهِ خِلافٌ، وَيفْسُدُ إِذَا تَزوَّجَ بِشَرْطِ أَلاَّ يَحِلَّ، وَلَيْسَ

الشَّرْطُ السَّابِقُ عَلَى العقْدِ كَالمُقَارِنِ فِي الإِفْسَادِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النوعُ الثالث: استيفاءُ عدد الطلاق، فإذا طَلَّقَ الْحُرُّ زوجته ثلاثاً في نِكَاحٍ وَاحِدٍ، أو أكثر دَفْعَةً وَاحِدَةً، أو أكثر قبل الدخول، أو بعده لم يحل له نكاحها، حتى تَنْكِحَ زوجاً غيره، ويدخل بها، ويفارقها وتنقضي عِدَّتُهَا 1 منه، قَالَ اللهُ تَعَالَى جَدُّهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] والمُرَادُ الطّلقة الثالثة.
وقالت عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- "جَاءَت امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَّظِيَّ إِلَى رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ القُرظِيَّ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاَقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرحْمَنِ بْنَ الزُّبَيرَ -رَضِي الله عنهما- وإنما مَعَهُ مِثْلُ هَدْبَةِ الثَوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: "تُرِيْدِينَ أنْ ترْجِعِي إلى رِفَاَعةَ، لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" 2. والعبدُ، إذا طلَّق زوجته طلقتين، كالحرِّ، إذا طلق ثلاثاً؛ لأنه استوفَى ما يملكه من الطَّلاَقِ، ولو عرضت الحريةُ بعد ذلك، لم تؤثر، هذه قاعدةٌ.
الفصل: وَفِيهِ مَسَائِلُ مذكورةٌ في الكتاب وغير مذكورة.
المسألة الأولى: يشترط أن تكون الإِصابةُ في نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَالوطْءُ بملك اليمين لا يحلل، وفي الوطء بالنكاح الفاسد قولان.
أصحُّهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ وَمَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يحلِّل أيضاً؛ لأن إطلاق اسم النكاح ينصرف إلى الصَّحيحِ.
والثّاني: ويُحْكَى عن القديم: أنه يحلل؛ لأنه حُكْمٌ من أحكام الوطء يتعلَّق بالوطء في النكاح الصحيح، فيتعلَّق الوطء في النِّكاح الفاسد؛ كَالْمَهْرِ والعدة، وقرب

هذا الخلاف من الخلاف في أنَّ السَّيِّدَ إذا أذِنَ لعبده في النكاح، فنكح نكاحاً فاسداً، ووطئ فيه، هل يتعلق المهر بكسبه؟.
وحكَى أبو الْفَرَجِ الزاز طريقةً قاطعةً بالقول الأول، والوطء بالشُّبهَةِ من غير نِكَاح بأن ظنَّها ظانٌّ أنها زوجَتُه، فوطئها لا تحلِّل؛ لأن اللهِ تَعَالَى قَالَ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] ولم يوجدْ نكاحٌ صحيح [ولا فاسد، وطرد لشيخ أبو حاتم القزوينيُّ وآخرون القوْلَ فيه] 1 وربما بني ذلك على أنا، إذا أثتبنا الحلَّ بالوطء في النِّكَاحِ الفاسد، لم نثبْتُه، وفيه معنيان: أحدهما: شمولُ اسْم النكاح.
والثاني: مشاركة الوطء في النكاح الفاسد للوطء في النكاح الصحيح في الأحكام، فعلى الأول الوطءُ بالشبهة لا يحلل، وعلى الثَّانِي يحلل.
المسألة الثانية: الْمُعَتَبرُ في التَّحْلِيلِ تِغْييب الْحَشَفَةِ وبه تناط أحكام الوطء كُلُّها وقال في "المُهَذَّبِ" إن كانت بِكراً، فأقلُّ الإِصابةَ الافتضاض بآلته، ومقدارُ الحشَفَةِ من مقطوع الحشفة بمثابة الحَشَفةِ.
قَال الإمَامُ: وعلى هذا، فالمعتبرُ الحشَفَةُ الَّتي كانتْ لهذا العضْو المخصوص، وحكَى عن رواية العراقيين وجهاً أن جميع الباقي من مقطوع الحشفة بمثابة الحشفة] 2 فلا بدّ من الإيقال، وإذا كان الباقي أقلَّ من قدر الحشفة، لم يحصل به التحليل، كالسليم إذا غيب بعض الحشفة، ولا فرق بين أن يكون الزوجُ قويَّ الانتشار، أو ضعيفه، فاستعان بإصبعه أو بإِصْبَعِها، أمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِشَارُ أَصلاً، إمّا لِعُنَّةٍ أو لشَلَلٍ في الذِّكَر، فَعَنِ الشَّيخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وغيره؛ الاكتفاء به، لحصول صورة الوطء وأحكامه، وهذا ما أورده في الكتاب، والمشهور في كتب الأصْحَاب الْمَنْعُ، لعدم ذوق العسَيْلَة، واسْتِدْخَالُ الذَّكَرِ يفيد الحلَّ سواء كان الرجلُ نائماً أو منتبهاً، واستدخال الماء لا يفيد الحل 3. المسألة الثالثة: لا فرق بين أن يكون الزوجُ الثانِي عاقلاً أو مجنوناً حُرَّاً أو عبداً خصيّاً، أو فَحْلاً مسلماً أو ذِمِّيّاً، إذا كانت المطلَّقة ذمية سواءٌ كان المطلَّق مسلماً أو ذمياً والمعتبر أن يكون وطء الذمي في وقت، لو ترافعوا إلَيْنا لقَرَّرَّناهم على ذلك النكاح 4، والمراهقُ والصبيُّ الذي يَتَأتَّى منه الجماع، كالبالغ خلافاً لمالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وفي

"التتمة" أن للشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قولاً مثلَهُ، وأما الطفل الذي لا يتأتَّى منه الجماع، ففي الاكتفاء بتغييبه وجهان: المذكور في الكتاب الاكتفاء، يحكى عن اختيار 1 القَفَّالِ؛ والأصح المنع، وهما كالوجهين في اشتراط الانتشار، أو هما هما.
وحكى الإمام عن اتفاق الأئمة على الاكتفاء بوطء الصبي، كما إن وطئ الصبية المطلقة في الصَغر يكتفي 2 به، ولكن الشَّيخَ أَبا الْفَرَجِ حَكَى الوجهين في الصَّبيَّة الَّتِي لا تْشُتهَى أيضاً.
ويتعلَّق بهذا الأصل ما قال الأئمة: إنَّ أسْلَمَ طريقٍ في البابِ وأدْفَعَهُ للعارِ والغيرة أن تُزَوّج من عبد مراهق، أو طفلٍ للزوج، أو غيره، وتستدخل حشفته، ثم تتملكه ببيع أو هبة، فينفسخ النِّكَاحُ، ويحصل التحليل، إذا اكتفينا بوطء الصغير، ويتعلَّق بأصل آخر، وهو إجبار العبد على النكاح، فإن لم نجوِّز للسيد أن يزوِّج من العبد الصغير، امتنع ذلك وإنما كان أسلم الطرق؛ لأنه لا يوثَقُ بطلاقِ الزوج؛ ولأن البالغ قد يُحْبِلُها، فيطول الانتظار، وأما أنه أدفعُ للعار والغيرة، فظاهر.
المسألة الرابعة: وطء الزوج الثاني في إحرامه أو إحرامها أو حيضها أو في نهار رمضان، أو على ظن أنه يطأ أجنبيةً يفيد الحلَّ؛ لأنه أصابه زوج في نكاح صحيح، وكذا لو وطئها بَعْدَ مَا حُرِّمَتْ عليه بالظِّهَارِ والعود، وكذا لو وطئها، وهي في العدة عن وطء شبهة، وقع بعد نكاحه إياها في أصحِّ الوجهين، ووطئه بعد ارتدادها أو ارتداده.
نَصَّ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهِ- على أنه لا يفيد الحِلَّ، وإن فُرِضَ الرجوعُ إلى الإِسلام؛ لاضطراب النِّكاح بخلاف سائر أسباب التحريم، فإنَّها لا توجب اختلال النَكاح، واعترض المُزَنِيُّ بأنه، إنْ دخل بها قبل الردة، فقد حصل الحل، وإلا، فتبين بنفس الردة، فلا معنى للرجوع، وأجاب الأصحاب بتصوير العدة من غير فرض الدخول، إما بالخلوة على القديم، أو بأن يطأ فيما دُوَن الْفَرْجِ، فيسبق الماء إلى الفرج؛ بأن تستدخل ماءه أو بأن يأتيها في غير المأْتَي، فتجب العدة بهذه الأسباب، ولا

يحصل 1 الحِلُّ.
المسألة الخامسة: إذا نكحها الزوج الثاني بشرط أنه إذا وطئها بَانَتْ منه، أو نكحها إلى أن يطأها أو على ألاَّ نكاح بينهما إذا وطئها، فهذا النِّكاحُ بَاطِلٌ؛ لأنه ضرب من نكاح المتعة، وقد روي أنه عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ المُحَلَّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ".
فإن نكحها على شرط أنه، إذا وطئها، طلَّقها، ففيه قولان فيما روى الجمهورُ، وقال صَاحِبُ "الكتاب" وَجْهَانِ: أصحهما: أنه باطل؛ لأنه شرط يمنع صحة دوام النكاح، فأشبه التأقيت.
والثّاني: يصح العقد، وبه قَالَ أَبُوحَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويفْسُدُ الشرط، كما لو نكحها بشَرْطِ ألَّا يتزوَّج عليها، أو لا يسافر بها، وعلى هذا يسقط المُسَمَّى، ويجب مَهْرُ الْمِثْلِ، وإن لم يجر شرط، ولكن كان في عزمه أن يطلقها، إذا وطئها كره، وصح العقد خِلاَفاً لمالك وأحمد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- ولو نكحها على ألاّ يطاها إلا مرَّةً، أو على أن لا يطأها نهاراً، فالحكاية عن نَصَّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهِ- في مواضعَ: أنه يصح النكاح، ويلغو الشرط، وفي موضع آخر: أنه لا يصح النكاح، وللأصحاب طريقان، نقلهما الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ في "السِّلْسلَةِ".
أحدهما: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ على قولَيْن، وجْهُ الأولِ القياسُ عَلَى ما إذا شرط إلاَّ يتزوج عليها، ولا يسافر بها، ووجْهُ الثاني إخلاُل هَذَا الشَّرْطِ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ.
وأصحُّهما: وبه قال الرَّبِيعُ أَنهُمَا محمولانِ عَلَى حالتين، فَحَيْثُ قال: يَبْطُلُ النكاح، أراد ما إذا شرطَتِ الزوجةِ ألاَّ يطأها، وحيث قال: يصح، أراد ما إذا شرط الزوج ألا يطأها، والفرق أن الوطء حَقٌّ له، فله تركه، والتمكين حقٌّ عليها، فليس لها تركُهُ.
ولك أن تقول: إذا شرط أحد المتعاقدين شرطاً، فإن لم يساعده صاحبُه، لم يتمَّ العقد، وإن ساعده، فالزوج بالمساعدة تاركٌ لحقه، فهلا كَانتْ مُسَاعَدَتُهُ كاشتراطه، وَهِيَ بالمُسَاعَدَةِ مَانَعِةٌ حَقَّهُ فَهلاَّ كانتْ مساعدتها كاشتراطها لحقها، ولو تزوّج امرأةً عَلَى أَلاّ تحل له، ففي "النهاية" أنه يجب أن يلتحق ذلك بالخلاف في شرط الامتناع عن

الوطء، وقال في "الْوَسِيْطِ" ينبغي أن يفسد؛ لما فيه من التناقض 1، وجميع ما ذكرناه فيما إذا جرتْ هذه الشروطُ في نفس العقد، فأما إِذا تواطأ عَلَى شيءٍ منها قبل العقد، وعقدا على ذلك القصد، فهل هو كالمقرون بالعقد؟.
فيه وجهان؛ أخذاً من مسألة مَهْرِ السِّرِّ والعلانية، والأصحُّ المنعُ، وَعَنْ مالِكٍ -رضي الله عنه- أنه كالمَشْرُوط في العَقْد.
المسألة السادسة: إذا قالَتِ المطلَّقةُ ثلاثاً: نكَحْتُ زوجاً آخر، ووطِئَني وفارقني، وانقضت عِدَّتِي منه، فيقبل قولها عند الاحتمال، وإن أنكر الزوْجُ الثاني 2، وصُدِّق في أنه لا يلزمه إلا نصف المهْرِ، وذلك؛ لأنها مؤتمنة في انقضاء العدة، والوطء مما يُتعذَّر إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عليه، ثُمَّ إن غلب على ظَنَّهِ صدْقُها، فله نكاحها من غير كراهة، وإنْ لم يَغْلِب، فالأَوَلى ألا ينكحها، وإنْ قال: هي كَاذِبَة، لم يكن له نكاحُهَا، فإن قالَ بعد ذلك: تبيَّنْتُ صدْقَها، فله نكاحها 3 لأنه ربما انْكَشَفَ له خلافُ ما ظنه.
المسألة السابعة: طلق زوجته الأمة ثلاثاً ثم ملكها، لم يحل له وطؤها بملك اليمين إلا بعد زوجٍ، وإصابة لظاهر 4 الآية، وفيه وجه؛ أنها تحل؛ لأن الطَّلَقَاتِ الثَّلاَثَ لا تمنع المِلْك، فلا تمنع الوطء بالملك بخلاف النكاح، واللهِ أعْلَمُ.
ثُمَّ لا بَأْسَ بالتَّنْصِيصِ على المواضع المستحقة للعلامات على ما هو رسْمُ الكتاب، فقوله: "ولا يكفي نكاح الشبهة" معلم بالواو، والمرادُ منه النكاح الفاسد.

وقوله: "أو مقدارها" معلم بالواو.
وكذا قوله "ويكفي وطء الصبي والعنين".
وكذا قوله "ولا يشترط انتشار الآلة"، والظاهر خلاف ما في الكتاب على ما مَرَّ، وقوله "ولو زوجها الزوْجُ" أي: تسبب في التزويج، وحمل أولياءها عليه.
وقوله: "فسد العقد" مُعْلَمٌ بالحاء.
وقوله: "في وجه" بالواو؛ لأن أبا الفَرَجِ السَّرْخَسِي حَكَى عَنْ بَعْضِ الأصْحَابِ الْقَطْعَ بِالْفَسَادَ.
وقوله "ولم يحصل التحليل" جواب على الأصح، وهو أن الوطء في النكاح الفاسد لا يفيد الحِلِّ.
وقوله "فيه خلاف" مُعْلَمٌ بالواو إحدى الطريقتين المذكورتين من قبل، وكذا قوله "يفسد إذا تزوج".
وقوله "وليس الشرْطُ السابق علَى العقد كالمقارن في الإِفْسَادِ" معلم بالواو والميم.
قَالَ الغَزَاليُّ: (الْجنْسُ الثَّالثُ) مِنَ المَوَانِعِ المِلْكُ وَالرِّقُّ فَلاَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَنْكحَ أَمَتَهُ وَلَوْ مَلَكَ مَنْكُوحَتَهِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلاَ لِلْحُرَّةِ أَنْ تَنْكِحَ عَبْدَهَا، وَلَوْ تَمَلَّكَتْ زَوْجَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْجِنْسُ الثَّالِثُ من الموانع رقُّ المرأة، وهِيَ إما أن تكون له، وهو الذي أراد بِإِطلاَقِ "المِلْك" أو لغيره، وَهُوَ الَّذِي أرَادَ "بالرِّقِّ".
أمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ: فَلَيْسَ للرَّجُلِ أن ينكح أَمَتَهُ؛ ولا الَّتِي يَمْلِكُ بعضها، ولو ملَكَ زوجته أو بعْضَها، انفسخ النكاح، واحتجوا له بأنَّ مِلْكَ اليمين أَقْوَى النِّكَاحِ؛ لأنه يملك به الرقبة والمنفعة، والنِّكَاحُ لا يملك به إلاَّ ضرباً من المنفعة، فيسقط الأضعفُ بِالأَقْوَى، وَهَذَا القدر من التوجيه يُشْكِل بما إذا بَاعَ المستأجِرُ من المستأجر، فإنه لا تنفسخ الإِجَارَةُ عَلَى الأَصَحِّ مع وجود هذا المعنى، لكن ذَكَرْنَا في الإِجَارَةِ ما فَرَّقوا به بين البابَيْن، ولا يجوز للْمَرْأةِ أنْ تَنْكِحَ عَبْدَهَا، وَلَوْ مَلَكَتْ زَوْجَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ.
والمِلْك تَتَنَاقَضُ؛ لأَنَّهَا تُطَالِبُهُ بِالسَّفَرِ إِلَى الشَّرْقِ؛ لأنه عَبْدُهَا، وَهُوَ يُطَالِبُهَا بالسَّفَرِ مَعَهُ إِلَى الغَرْبِ؛ لأنها زوجته، وَإِذَا دَعَاهَا إِلَى فِراشِهِ بِحَقِّ النِّكَاحِ بعثته في بعض أشْغَالها بحقِّ الملكَ، وإذا تعذر الْجَمْعُ بينهما بَطَلَ الأَضْعَفُ، وَثَبَتَ الأَقْوَى.
قَالَ الغَزَاليُّ: وَلاَ يَنْكِحُ الحُرُّ المُسْلِمُ مَمْلُوكَةَ الغَيْرِ إِلاَّ بِأَرْبَعِ شَرَائِطَ وفَقْدِ الْحُرَّة تَحْتَهُ، وَفَقَدْ طَوْلِ الحُرَّةِ (ح)، وَخَوْفُ العَنَتِ (ح)، وَكَوْنُ الأَمَةِ مُسْلِمَةً (ح)، فَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ رَتْقَاءُ أوْ هَرِمَةٌ أَوْ حُرَّةٌ كِتَابيَّةٌ أَوْ غَائِبَةٌ لَمْ ينْكِحِ الأَمَةَ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى نِكاحِ حُرَّةٍ رَتقَاءَ أوْ غَائِبَةٍ غَيْبَةً بَعِيدَةً نَكحَ الأَمَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ في

وَجْهٍ، فَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً فغَالَتْهُ في المَهْرِ بِمِقْدَار يُعَدُّ قَبُولُهُ إسْرَافاً نكَحَ الأَمَةَ (و)، وَللْمفْلِسِ نِكَاحُ الأَمَةِ، وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً تَرْضَى بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ فَإنْ قَنِعَتْ بِدُونِ مَهْرِ المِثْلِ لَمْ يَنْكِح الأَمَةَ عَلَى الأَصَحِّ إِذ المِنَّةُ فِيهِ هَيَّنَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: مَمْلُوكَةُ الغَيْرِ، إِنَّمَا يَنْكحُهَا الْحُرُّ بِشُرُوطٍ: أَحَدُهَا: إلاَّ تكون تحته حُرَّةٌ فإن كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ نَظِرَ؛ إنْ تَيَسَّرَ الاسْتِمْتَاعِ بِهَا، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الأِمَةِ مُسْلِمَةً كَانَت الحُرَّةُ أو كِتَابيَّةً؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نَهَى أنْ تُنْكَحَ الأَمَة عَلَى الْحُرَّةِ" ويروى ذلك عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ موْقوفاً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- 1. وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ في وُجُودِ الْحُرَّةِ الكتابية، هَل يُمْنَعُ نِكَاحُ الأَمَةِ؟.
وهما كالوجهين الآتيين في أنَّ الْقدْرَةَ عَلَى نِكَاحِ الكِتَابيَّةِ الْحُرَّةِ، هل يمنع نِكَاحَ الأمَةِ؟ وإن لم يتيسَّر الاستمتاع بها، كما إذا كانت صغيرةً أو هرمة أو غائبةً أو مَجنُونَةً أو مجذومة، أو بَرْصَاءَ، أَؤ رَتْقَاءَ، أَو مُضْنَاةً لا تتحمَّلُ الجماع فوجهان: أَحَدُهِمَا: أَنه يصح نِكَاحُ الأَمَةِ؛ لأَنَّهُ لا غناء في الحُرَّةِ الَّتِي تَحْتَهُ، ولا استغناء بها، وَهَذَا أَصَحّ عند صاحب "الْمُهَذَّبِ" وبه أجاب ابنُ الصَّبَّاغِ وطائفة من العراقيين، واختَارُهُ الْقَاضِي حسين.
والثاني: المنع؛ لظاهر النَّهْي؛ ولأن نكاح الصَّغيرة والغائبة كنكاح البالغة والحاضرة في منع نكاح الأخت، فكذلك في مَنْع نِكَاح الأَمَةِ، وهذا هو المذكور في "الْكِتَاب" وفي "النَّهَايَةِ" "والتَّهْذِيبِ" وعلى هذا، فَلاَ يَصِحُّ نِكَاحُ الأَمَةِ، حَتَّى تُطلَّقُ الحُرَّةُ طَلاَقاً بَائِناً أو رَجْعيّاً، وَتَبِيْنَ مِنْهُ.
الثاني: ألاَّ يقدر على نِكَاحِ حُرَّةٍ، إما لأنه لا يوجد صداقها أو أنه لا يجد حُرَّةً ينكحها، فإن قدر لم يحلَّ له نكاح الإِماء، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا

أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] الآية والطَّوْلُ: السَّعَةُ وَالْفَضْلُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضي اللهُ عَنْهُمَا- وَلَمْ يعْتَبرْ هَذَا الشَّرْطْ أبو حَنِيْفَةَ وَفِيهِ مَسَائِلُ.
المسألة الأولى: الْقَادِرُ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ رَتْقَاءَ أَوْ قرْنَاءَ هَلُ لَهُ نِكَاحُ الأمَةِ.
فِيْهِ وَجْهَانِ يوجه إحدهما بِحُصُولِ بَعْضِ الاسْتِمْتَاعَاتِ.
والثَّانِي: بِأَنَّ مَا هُوَ الأصْلُ لاَ يَحْصُلُ، وفي "التَّتِمَّة" أَنَّ هذا الخلاف مبنيٌّ على الخلاف فِيْمَا إِذا كانت رَتْقَاءَ أَوْ قُرْنَاءَ، إن قلنا إن وجودها يمنع نكاح الأمة، فكذا الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ على استعمال الْمَاءِ يمنع التَّيمُّمَ، فإن قُلْنَا: إنَّ وجودَهَا لا يمنع القدرة عليها أولَى ألاَّ يُمْنَعٍ، لكنَّ الجواب في "الْكِتَاب" وَالتَّهْذِيب" أنه يَجُوزُ نِكَاحُ الأمَةِ هاهنا مع الجواب بأنَّ وجودَهَا يمنعه، وَيجْرِي الْخِلاَفُ فيما لو قدر على نكاح مرة وضيعة، وأولَى بَجَوَازِ نِكَاحِ الأَمَةِ لِفَوَاتِ الاسْتِمَتَاعِ بتوابعه، ويجري في المجنونة والمجذومة، وأولى بالمنع لإِمْكان الاستمتاع، ولو كانت الحرةُ الَّتِي يقْدِرُ على نكاحها معتدَّةً عن الغير.
حَكَى الْقَاضِي الرُّوَيانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّ لَهُ نِكَاحَ الأَمَةِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجهَين والله أعْلَمُ.
وفرّع المتولِّي على الوجهَيْن في هذه المسائل أن المستَجْمِعَ لشرائط نكاح الأَمَةِ هَلْ يَنْكِحُ أمَةً صَغِيرَةً؟.
إن قلنا: إن وجود الحرَّةِ الصغيرة في نكاحِهِ لا يمنع نكاح الأَمَةِ، فلا ينكح الأَمَةَ الصَّغِيرَةَ؛ لأنه لا يأْمَنُ بها من العنت، وإن قُلْنَا: إنهُ يَمْنَعُ نِكَاحَ الأَمَة، فله أن ينكحها إلحاقاً للصَّغِيرَةِ بِالكبِيرَةِ في الجواز كما أُلْحِقَتْ بها في المنع.
قَالَ: والأوَّلُ أظهر.
ولو قدر على نكاح حرَّةٍ غائبةٍ عن بلده، فقد أطلق في "الْكِتَاب" أن له نكاحَ الأَمَةِ، وفصل أكثر أصحابنا، فقالوا: إن كان يخاف الْعَنَتَ في مدَّةِ قطع المسافة أو يلحقه مشقة ظاهرةٌ بالخروج إلَيْها، فله نِكَاحُ الأَمَةِ، وإلاَّ، فَلاَ، وضبط الإِمام المشقَّة المعتبرة بأن ينسب متحمِّلَها في طلب زوْجَّةٍ إلى الإِسراف ومجاوزة الحد.
المسألة الثانية: لو قدر على صَدَاقِ حُرَّةٍ كِتَابيَّةٍ، فَوَجْهَانِ عن حِكَايَةِ أَبِي إسْحَاقَ أو وتخريجه: أحدهما: أنه يجوز له نِكَاحُ الأَمَةِ؛ لأن الشَّرْطَ في الآية ألا يستطيع طَوْلَ المؤمنات، وقد يحصل.
وأصحهما: المنع؛ لأنه مستغنٍ بها عن إرقاق وَلَدِه؛ ولهذا لو كان تحته كتابيةٌ،

لم يجز له نِكَاحُ الأَمَةِ، كما لو كان تحته مسلمة، وذكر المؤمنات في الآية الأخرى جرياً على الأغلب، فإنَّ الغالب أنَّ المسلم، إنما يرغب في المؤمنات، وأيْضاً، فالغالب أنَّ من لا يَقْدِرُ عَلَى طَوْلِ المؤمنة لا يَقْدِرُ عَلَى طول الْكِتَابيَّةِ؛ لأن الكتابيَّة لا ترضَى بالمسلم إلاَّ بِمَهْرٍ كَبِيرٍ، وعن أبِي الطَّيِّبِ الساوي أن أَبا إسْحَاقَ قَطع آخراً بالوَجْه الثاني.
المسألة الثالثة: لو لم تَرْضَ الحُرَّةُ التي يَجِدُها إلا بأكثر من مَهْر مثلها، وهو واحدٍ لما يغَالى به، فالمنقول في "التَّهْذِيب" أنه لا ينكح الأمة وفي "التَّتِمَّةِ" أنه ينكحها، كما لو بيع الماء بأكثر من ثمنِ المِثْلِ، لهَ العدول إلى التّيمم.
وَتَوَسَّطَ الإمَامُ وصاحب "الْكِتَاب" فقالوا: إن كانت المغالاةُ بقدر كبيرٍ يُعَد بَذْلُهُ إسْرَافاً، فله نِكَاحُ الأمَةِ، وإلا، فَلاَ، وفَرَقُوا بين مسألة التَّيَمُّمِ، وبين ما نَحْنُ فيه من وجهين: أحدهما: أنّ الحاجة إلى الماء تتكرَّر.
والثاني: أن النكاح تتعلَّق به أعراضٌ كليةٌ لا يعدُّ باذلُ المالِ في مثلها مَغْبُوناً 1، ولو بِيعَتِ الرقبةُ بثمنَ عالٍ، والمكفِّر واجد له، فَهَلْ يعْدِلُ إِلَى الصَّومِ؟.
اختلف فيه كَلاَمُ صَاحِبِ "التَّهْذِيب" قال: هاهنا لا يعدل، وَقَالَ في الكفارات يعدل، وذكر ما أورده هاهنا ذكر من ينقل وجهاً بعيداً، أو تخريجاً غريباً.
المسألة الرابعة: إذا لم يَجِدِ المهر، لكن هناك حرةٌ ترضى بمهر مؤجَّلٍ، وهو يتوقَّع القدرة عليه عند الحُلُول، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له نكاحُ الأَمَةِ، لتمكنه من نكاح حُرَّةٍ.
أظْهَرُهُمَا: الجواز، وهو المذكور في "الْكِتَاب" وفي "الشَّامِلِ"؛ لأن ذمَّته تصيرُ مشغولةً في الحال، وقد لا يصدق رجاؤُهُ عند توجُّه الطلب عليه، ويجري الوجْهَان فيما لو بِيعَ منه نسيئه ما يفي بصداقها، أو وجد من يستأجره بأجْرَةٍ معجَّلةٍ وأجراهما مُجْرُونَ فيما إِذَا أقرض مهر حرة، والأَوْلَى ما نقله صاحب "التَّتِمَّةِ" وهو القَطْع بأنه لا يجب القبول؛ لأن القرض لا يلحقه الأجل، وربما يطالب في الحال، ولو رضيت حُرَّةٌ بأن ينكحها بلا مهر، لم 2 يمتنع به نكاح الأَمَةِ؛ لأنها تطالبه بالفرض.
وفي شرح الشيخ أَبِي عَلِيٍّ وَجْهٌ آخَرُ أنه يمتنع، ولو رَضِيَتْ بدون مهر المثل،

وهو يجده فوجهان: أصحهما: وبه قطع بعْضُهِم: أنه لا يجوز له نكاح الأَمَةِ لقدرته على نكاح الحرة، وهذا كما أنَّه لا يتيَّمم، إذا وَجَدَ الماء بثمن بَخْسٍ.
والثاني: يجوز؛ لِمَا فيه من المنَّةِ، وَمَنْ قَالَ بالأوَّل، قَالَ: الْمهْرُ مما يُتسامَحُ فيه، ولا يتعلَّق به كَبيرُ مِنَّةٍ، ولو وُهِبَ له مالُ أو جاريةٌ.
لم يلزمه القبول 1، وجاز له نكاحْ الأمة، ولْيُعْلَمَ من لفظ "الكتاب" قوله "فَقْدُ طَوْلِ الحُرّةِ" بالحاء، وكذا قوله: "وخوفِ العنت" لما سنذكره، وقوله: "لم ينكح الأمة بالواو، وكذا قوله: نكح الأمة بالواو وقوله: وللمفلس نكلاح الأمة، وقوله: على الأصح لقطع بعضهم بأنه لا ينكحها".
فَرْعٌ: ذَكَرَ القاضي ابنُ كَجٍّ وجهَيْن في أنه، هَلْ يَجُوزَ لَهُ نِكَاحُ الإِماء مع ملْكِ المسكن والخادم أم عليه بَيْعُها وصرْفُها إَلى طَوْلِ الحُرَّةِ 2؟. والمال الغائبُ لا يمنع من نكاح الأَمَةِ، كما لا يمنع ابن السبيل من أخذ الزكاة، والمُعْسِر الذي له ابنٌ مُوسِرٌ يجوز له نِكَاحُ الأَمَةِ، إِن لم نوجتْ على الابنِ الإِعفاف، وإن أوجبناه، فوجهان؛ لأنه مستغن بِمَالِ الابن 3. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأمَّا خَوْفُ الْعَنَتِ فَإنَّمَا يَتِمُّ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ وَضَعْفِ التَّقْوَى، فَإنْ قَوَيَتِ التَّقْوَى وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ ينْكِحْ، وَالقَادِرُ عَلَى سِريَّةٍ لاَ يَخَافُ العَنَتَ فَلاَ يَتَرَخَّصُ عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشرطُ الثالث خوف الْعَنَتِ 4، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ

الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] والعنت؛ المشقَّة الشديدة، ويقال: إنَّه الهلاك، والمراد هاهنا الزنا سمي به؛ لأنه سبب المشقَّة والهلاك بالحد في الدنيا، والهلاك في الآخرة بالعقوبة.
وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لا يشترط خوف الْعَنَتِ، وفي الفصل مسألتان: الأولى: في أنَّ هذا الشرطَ بم يتحقَّق.
قال الإِمام: ليس الذي يَخَاف الزنَا، هو الذي يغلب على ظنه الوقوعُ فيه، بل المرادُ الَّذِي يتوقَّعه لا عَلى سبيل الندور وليس غَيْرُ الخائف هو الذي، يعْلَم الاجتناب عنه، لكن غلبة الظن بالتقْوَى والاجتنابِ ينافي الخوْفَ، فمن غلبت شهوته [ورق تقواه، فهو خائف، ومن ضعفت شهوته، وهو] 1 يستبدع الوقوع في الزنا لدين، أَو مروءةٍ أَو حياء، فهو غير خائف، وإن غلبت شهوته، وقوى تقواه، ففيه احتمالان للإِمام أظهرهما وهو المذكور في "الكتاب" أنه لا يجوز له نكاح الأَمَةِ؛ لأنه لا يخاف الزنَا، فلا يجوز له أن يَرِقَّ ولده لقضاءِ وطَرِ أَو كَسْرِ شهوة.
والثاني: إِنْ كان تَرْكُ الْوُقاع يجرُّ ضَرَراً أَوْ مَرَضاً يَجُوزُ لَهِ نِكَاحُ الأَمة، والْمَجْبُوبُ لا يتصورُّ الوطء منه مُبَاحاً، ولا حراماً، ففي "النِّهَايَة" و"التتمة" أنه لا ينكح الأمة، وذكر صاحب "التَّتِمَّةِ" تفريعاً عليه أنه، لو نكح حُرٌّ أمَةً، فوجدتْهُ مجبوباً، وأرادت الفسخ، فقال الزوج: جُبَّ ذكرى بعد النكاح، فإن لم يكن ما يقولُهُ محتملاً، بأن كان الموضع مُنْدَملاً، وقد عقد النكاح أمس، فالنكاح فاسدٌ، وإن كان محتملاً، فإن صدقته فذاك، وإنْ كذبته، بطل دعواه؛ لأن قضيَّة قولها فسادُ النكاح من أصله، وقال الْقَاضِي الرُّوَيانِيُّ في "البحر" [أن] للخصيَّ والمجبوب نِكَاحَ الأَمَةِ عند خوف الوقوع في الفعل المأثوم به؛ لأن العنت هو المشقَّةُ 2. الثانية: في القادر عَلَى شراء أَمةٍ يتسرّى بها وجهان: أحدهما: أنَّ له نكاحَ الأمَة؛ لأنه لا يستطيعُ طَوْلَ الْحُرَّةِ؛ وهذا هو المذكور في "التَّتمَّةِ" "وَالتَّهْذِيبِ" ويحكى القَطْعُ به عن القاضي الحسين.
ولو كانت في ملكه أمةٌ لَمْ ينكح الأمة، وفي كتاب الحَنَّاطِيَّ الخلافُ فيه، وإذا قلْنا بالصحيح، فلو كانت الأمة التي يملكها غَيْرَ محلَّلة له، نُظِرَ، إن وفت قيمتها بمهر حرة أو ثمن أمة يتسراها، لم ينكح الأمة، وإلاَّ، نكحها، واللهُ أعْلَمُ.

قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإذَا تَرَخَّصَ فَلاَ ينْكحُ إلاَّ مُسْلِمَةً، أمَّا الكِتَابِيَّة فَلاَ تَحِلُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْكحَ أَمَةً مُسْلِمَةً لِكَافِرٍ عَلَى الأَصَحِّ، وَالحُرُّ الكتَابِيُّ ينْكِحُ الأَمَةَ الكتَابِيَّةَ، وَالعَبْدُ المُسْلِمُ لاَ يَنْكِحُهَا، فَقِيلَ في الْمَسْأَلَتَينِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لفظ الترخيص يشير إلى أَن نكاح الأمةِ، إنما يجوز عند الضَّرُورَةِ، أو شدَّةِ الحاجة، علَى ما هو سبيلُ الرُّخَص، وأراد بقوله: فإذا ترخص الحرَّ المسلم، وقد سبق ذكره عند قوله: "ولا ينكح الحرُّ المسلمُ مملوكةَ الغَيْرِ إلا بأَرْبَع شَرَائِطَ"، والشرط الرَّابعُ أن تكون الأَمَةُ المنكوحةُ مسلمةً، أما الكتابيةُ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ نِكَاَحُهَا خِلاَفاً لأَبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
واحتج الأصْحَابُ بأن اللهَ تعالَى شرط في نكاح الأَمَةِ الإِسلامَ، حيثُ قَالَ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] وفي نكاح الكتابية الحُرّيَّةُ حيث قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] فدلَّ على أَنه لا ينكح الأمة الكتابية، وبأنه اجتمع فيه نقصان [لكل واحدة منهما أثر في المنع من النكاح] 1 ولا يجوز للحر المسلمِ نكاحُها كالحرَّة المجوسية والوثنية، والزيادةُ والنقصانُ في الفَرْع الكُفْرُ والرِّقُّ، وفي الأصل الكُفْرُ، وأنه لا كتاب لها، وهل يجوز [له] أن ينكح أَمَةً مُسْلِمَةً لِكَافِرٍ؟.
فيه وجهان منقولان في "النَّهَايَةِ": أصحهما: الجوازُ، لحُصُولُ الإِسَلام في المنكوحة.
والثاني: المنع؛ لما فيه من إرقاقِ الولَدِ المسْلِمِ للكافر، وفي نِكَاحِ الْحُرَّ الْكِتَابِيَّ الأَمَةَ الكِتَابيَّةَ وَجْهَانِ، ويقال: قولان: أحدهما: المنع، كما يمنع الحرُّ المسلمُ من نكاحها.
وأصحهما: الجوازُ، كما أن الحرَّ المسلمَ ينكح الأمة المسلمة، وظاهر المذهب، وهو نصّه في "الْمُخْتَصَرِ" أن العبد المسلم لا ينكحها؛ لأن المنع من نكاحها الكفر، فيستوي فيه الحرُّ والعبدُ، كالمرتدة والمجوسية، وفيه قَولٌ آخَّرُ، أنَّ له نكاحُهَا؛ لأنه لا تفاوُتَ بينهما في الرِّقِّ والحُرِّيَّة، وإنما يتفاوتان في الدِّين، وأنَّه لا يمنع النكاح؛ ألا ترَى أن الحرَّ المسلِمَ ينكح الحرَّةَ الكتابية، وينسب هذا القول إلى رواية صاحب "الإِفْصَاح" عن القول القديم، ورواية ابن أبي هريرة، والأستاذ أبي طَاهِرٍ الروياني، وهو في الجديدِ أشهرُ، ورأَيت الاِمام نقل الخلافَ في الصورتَيْن في حكاية أسندها إلى أبي الحسن

الْمَاسرْجَسِيَّ عن تخريج ابن أبي هُرَيْرَةَ تارةً، وابن خيران أخرى، واللهُ أَعْلَمُ ووجهه بعضهم الجواز في الصورتَيْن بأنه لم يجتمع النقصانُ بالإضافة إلى الناكح؛ لأن الكفر ليس نقصاً في حق الكافر، وكذا الرقُّ في حق العبيد، وَالعبْدُ الكتابيُّ هَلْ يَنْكِحُ الأَمَةَ الْكِتَابيَّةَ، إن قلْنا: للحر الكتابيِّ أن ينكحها، فنعم بطريق الأوْلَى، وإلا، فوجهان، والأصح الجواز 1 أيضاً لتَكَافِئِهِمَا فأَمَّا القول في نكاح العبْدِ المسْلِم الأمةَ المسلمة، فنذكره في "باب نكاح المشركات" حيث قال: "لأن الأمة في حَقّه كالحرَّةِ".
ويجوز للمسلم وطءُ كتابيَّةٍ بمِلْكِ اليمين دُونَ المجوسيَّة والوثنية اعتباراً بالنِّكَاحَ، ولْيُعْلَم قوله في "الكتاب" "فلا ينكح إلا مسلمة" بالحاء؛ لما سبق.
وكذا قوله: "والعبد المسلِمُ لا ينكحها"؛ لأنه إذا جوز للحرِّ نكاحَها، فالعبد أولَى بالتجويز.
وقوله: "والحر الكتابيُّ ينكح الأمة الكتابية، والعبد المسلم لا ينكحها" أراد به أن الشَّافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نَصَّ في المسألتَيْن هكذا، أما أنَّ العبْدَ لا ينكحها، فمصرح به في "المختصر" وأما أنَّ الحرَّ الكتابيَّ ينكحها، فمأخوذٌ من قوله في "باب الولادة" ولا يكون المسلم وَلِيّاً لكافر إلا علَى أمته، فإن تزويجها من المسلِمِ ممتنع، ولا بُدَّ وأن تكون ولايته في التزويج من الكافر، والأولى أن يقرأ قوله بعد ذلك فقيل: في المسألتين "قولان" بالفاء؛ ليكون ذلك إشارةً إِلَى تصرُّف الأصْحَابِ في النصَّيْن، وجعل المسألتين على قولَيْن، ولو"وقيل" قرئ بالواو؛ لاقتضى إثبات طريقين.
أَحدهما: يحرُمُ بالنفْيِ في المسألة الثانية، وبالإِثْباتِ في الأُولَى.
والآخر: يُثبِتُ قولَيْن في المسألتين، وليس في كتب الأَئمَّةِ ذِكْرُ طَرِيْقَةٍ جَازِمَةٍ، نَعَمْ، ربما اقتصروا على النفْيِ في الثانية، والإِثباتِ في الأُولَى؛ لأن السكوتَ عن الخلافِ ليس جزماً بنفيه.
فَرْعٌ: التي تبعض فيها الحريَّة والرق، كالرقيقة الَّتِي لا يَنْكِحُها الحرُّ إلا عند اجتماع الشرائط المذكورة، إذا قَدَرَ عَلَى نكاحها، فهل له نكاحُ التي تمحضَّت رقيقةً؟ تردَّدَ فيه الإمام؛ لأن إرْقَاقَ بَعْضِ الولد أهونُ من إرقاق كُلِّه 2.

وَحُكِيَ عَنْ بعض الأصحاب أنَّ من تُبعَض فيه الحُرِّيَّة والرق كالرقيق، حَتَّى يَنْكِحَ الأَمَةَ مع القُدْرة عَلى نِكَاحِ الْحُرَّةِ؛ لأن ما فيه من الرِّقَّ أخْرَجَه عن الولاية والنَّظر للولد.
آخر ولد الأمة المنكوحةِ رقيقٌ لمالكها سواءٌ كان الْحُرُّ الذي نكَحَها عربياً، أو غيرَ عربيّ، وفي "القديم" قولٌ أن الرِّقَّ لا يجْرِي على العَرَب، فإنْ كان الناكح عَرَبِيَّاً، يكون الولَدُ حُرّاً، وهل على الناكِحِ قيمته، كما في صورة الغُرورِ، أم لا شيء عَلَيْهِ؛ لأنَّ السَّيِّدَ رَضِيَ بِهِ، حيث زوَّجها من العربيِّ؟ فيه قولان، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَكَحَ أَمَةً ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الحُرَّةِ وَنكَحَهَا لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الأَمَةِ بَلْ لاَ يُرْعَى الشَّرْطَ إِلاَّ في الابْتِدَاءِ، وَلَوْ جَمَعَ القَادِرُ حُرَّةً وَأَمَةً في عَقْدٍ، بَطَلَ نِكَاحُ الأَمَةِ، وَفِي الحُرَّةِ قَوْلا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: الأول: إذا نَكَحَ الحُرُّ أمَةً [بشروطه] ثم أَيْسَرَ لا ينفسخ نكاحُ الأمة؛ لأن قضية الآية اشتراطُ الإِعْسَار في الابتداء، ولا يلزمُ من كونه شرطاً في الابتداء، أن يكون شرطاً في الدوام لقوَّة الدوام، وهذا كما أنَّ خوْفَ العنَتِ يُشترطُ في الابتداء دون الدَّوَام، وكما أن العِدَّةَ والرِّدَّةَ والإِحرام يمنع ابتداءَ النِّكَاح دون دوامه، وكما أنَّ الإِسلام يمنع ابتداء السبْي دون دوامه، وكذلك لو نكح حُرَّةً بعْدَ ما نكح الأمة، لا ينفسخ نكاح الأَمَة.
وَقَالَ المُزَنِيُّ: ينفسخُ النكاح في الصورتَيْن، وعن أَحْمَدَ في الصورة الثانية مِثْلُهُ.
الثانية: لو جمع الحرُّ بين حرة وأمة في عقد واحدٍ، نُظِرَ؛ إن كان مِمَّنْ لا يحل له نكاحُ الإِماء، فنكاح الأمة باطلٌ، وفي نكاحِ الحُرَّةِ قولان مذكوران في الجديد: أصحهما: وهو المنصوص في "القديم": أنه يصحُّ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، والْمُزَنِيُّ، واختاره ابنُ الْحَدَّادِ، والقولانِ مرتَّبانِ على القولَيْن، فيما إذا بِاع عبده، وعبْدَ غيره صفقةً واحدةً، ومبنيَّان على أنه، إنْ بَطَلَ في بيع عبده 1 بَطَلَ؛ لأن العقْدَ الواحد لا يتبعض، أو لجهالة العوض، وكل ذلكَ قد بيَّنَّاه في "باب تفريق الصَّفْقَة".
وإن كان ممن يحِلُّ له نكاحُ الإِماء بأن وَجَدَ حُرَّةً [تَسْمَحُ] 2 بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ، أو بما دُونَ مَهْر المثل، أو بدون الْمَهْرِ، أو وَجَدَ طَوْلَ حُرَّةِ كِتَابيَّةٍ، وقلْنا: إنَّ هذه المعانِيَ لا تمنع صحَّةَ نكاح الأَمَة، فمثل هذا الشخْصِ، إذا نكحَ حُرَّةَ وَأَمَةً في عقْدٍ، لم يصحَّ نكاح الأمة أيضاً؛ لأنه لو صحَّ، لصحَّ نكاحُ الحرَّة، والأمةُ لا تُقارَنُ بالحرَّة، كما لا تدخل عليها، وفي نكاحِ الحرَّة طريقان:

أظهرهما: عند الإِمام، وبه قال صَاحِبُ "التَّلْخِيصِ": أنَّه على قَولَيْن، كما في القسم الأول، وَقَالَ ابنَ الْحَدَّادِ، وأبو زيد وآخرون: يَبْطُلُ جزماً؛ لأنه جمع بين امرأتين، لا يجوز له الجمْعُ بينهما، ويجوز له نِكَاحُ كُلِّ وَاحِدَةٍ منهما وحْدَها، فيبطل النكاحان، كما لو جمع بين الأختين.
وقال مَنْ نصر الأول: قال ليس هذا كنكاح الأختَيْن؛ لأنه ليس نكاحُ أخْتٍ بأَقْوَى من نكاح أخت، هاهنا نكاحُ الحُرَّة أقوى؛ ألا تَرَى أن نكاحها إذا سبَقَ مَنَعَ نكاحَ الأمةِ، والعكْسُ بخلافه، ولو جَمَعَ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ، وَوَثَنِيَّةٍ، أوْ أجنبيةٍ ومحرم، أو خَلِيَّة، ومعتَدَّة أو منكوحةٍ، فهو كما لو جَمَع بين حُرَّةٍ وَأَمَةٍ، وإذا صَحَّحْنَا نكاحَ مَنْ تحِلُّ له، فَقَدْ قدَّمنا في "تفريق الصفقة" روايةٍ قَوْلٍ أنها تستحِقُّ جميع المسمَّى، ويعزى هذا إلى أبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وذكرنا هناك أن المذْهَب أنها لا تستحِقُّ جميعه، ولكن تستحِقُّ مهْرَ المثلِ في أحد القولَيْن، وما يخصُّ مهر مثلها من المسمَّى إذا وزع على مهر مثلها ومهْر مثل الأخرَى في القول الثاني، وبَنْوا هذَيْن القولَيْن على القولين في أن مَنْ نَكَحَ امْرَأَتَيْنِ على صَدَاقٍ وَاحِدٍ، يجب لكلِّ واحدةٍ منهما مهْرُ مثلها، أو يوزَّع المسمَّى على مهرَيْهما، وسيأتيان في "كتاب الصداق" إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى فإن قلنا: إنها تستحقُّ جميع المسمَّى، فللزوج الْخِيَارُ في فسخ الصداق، والرجوع إلى مَهْرِ المثل، كما ذكرنا في "باب التفريق"، وإن قلْنا: تستحقُّ مهْرَ الْمِثْلِ، فلا فسخ لَلزوج؛ [إذ لا فائدة فيه] لأنه، وإن فسخ، فالرجوع إلى مَهْرِ المثل، وإنْ قلنا: تستحقُّ حصَّةَ مَهْرِ المثلْ من المسمَّى، فعن الشيخ أبي عليٍّ: أنَّه، إنْ كان المسمَّى مما تمكن قسمتُهُ كالحبوب، فلا خيار، وإن كان ممن لا تمكن قسمته؛ كالعبد والدابة، فله الخيار؛ لتضرُّره بالتشْقيص، وإن فَسَخَ، فَعَلَيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَاعْلَمْ أنَّ الجَمْع بيْنَ من تَحِلّ له، وبين من لا تحِلُّ له، قد يُصوَّر فيما إذا كان الزوْجُ وَلِياً لَهُما، كما إذا زوج أمته وابنته، وفيما إذا كان وَكِيلاً من جهة [الوِليَّيْن، وفيما إذا كان ولياً لإِحداهما وكيلاً من جهة] 1 وليَّ الأخرَى، وموضع الخلاف فيما إذا قال: زوَّجْتُكَ هذه وهذه بكذا، فقال: قبلْتُ نكاحهما بكذا، فأما إذا قال: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي هذه، وزوَّجْتُكَ أَمَتِي هذه، فَقَالَ قَبِلْتُ نِكَاحَ ابْنَتَكَ، وقبلتُ نكاح أَمَتِكَ، أو اقتصر عَلَى قبول نكاحِ البنْتِ، فنكاحُ البنتِ صحيحٌ لا محالة، ولو فصَّل المزوِّج، وقال: الخاطبُ قبلتُ نكاحَهُما، فالحكم كما لو فصَّلا جميعاً أو كما لو جَمَعَا جَميعاً؟ وفيه اختلاف للأصحابُ والأصح عند الإِمام الأول، والخلافُ جارٍ فيما لو جمع المُوجب، وفصَّل

القابل، ولو جمع بين أختَيْن وَأَمَةٍ، وهو مِمَّن يِحْلُّ له نكاح الأَمَةِ، فنكاحُ الأَختَيْنِ بَاطِلٌ، وفي نكاح الأمَةِ الخلافُ، ولو قال: زوجتك بنتي، وبعتك هذا الزق من الخمر بكذا فقبلهما، فمنهم من طَرَدَ القولين في النكاح، والأصح القطع بالصحة؛ لأنهما عقدان مختلفان، وصفتان مختلفان ولو قال: زوجتك ابنتي وابني، أو فرسي، أو زوجتك ابنتي، وهذا الزق من الخمر، فمنهم من طرد القولين في نكاح البنت، والأصح القطع بالصحة؛ لأن المضموم لا يقبل النكاح فلغا ذكره، وإذا قلنا بصحة نكاح البنت فلها مهر المثل إن قلنا فيما إذا جمع بين امرأة محللة وأخرى محرمة أنَّ الواجب للمحللة مهر المثل، وإن قلنا: إن الواجب هناك حصة مهر المثل من المسمى، ففي "التَّهْذِيبِ" أن هاهنا يجب جميع المسمى لتعذر التوزيع 1 والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الجِنْسُ الرَّابعُ) الكُفْرُ وَهُمْ ثَلاَثةُ أَصْنَافٍ (الكِتَابِيُّ)، وَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَبُقرُّونَ بِالجِزْيَةِ وَالوَثَنِيّ وَالمُعَطِّلُ وَالزَّنْدِيقُ لاَ تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلاَ يُقرّونَ بِالجِزْيَةِ، وَالمَجُوسُ لاَ يَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ لَكِنْ يُقرُّونَ بِالجِزْيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجنس الرابع: من موانع النكاح الكفر والكفار ثلاثة أَصْنَافٍ: أحدها: الكتابيون، فيجوز للمسلم مناكحتهم 2 لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الذينَ أُوتُوْا

.......................... = علة النهي المقتضية للتحريم وتحقق فيها الوصف الذي نعتت به المشركات في قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾.
ونوقشت الآية: -نمنع كون الكتابية مشركة من وجوه: أولاها: أن يصرف ما ورد من وصفهم بالشرك إلى غير الحقيقة بأن يقال أطلق لفظ الشرك عليهم باعتبار فعلهم كما صح أن يطلق على المرائي بفعله -أما الوجه الثاني: -أن يوجه الوارد بأن اليهود والنصارى لما ابتدعوا الشرك من عندهم مع أنه ليس في أصل دينهم شرك -إذ الأصل فيه اتباع الكتب المنزلة التي وردت بالتوحيد- صح إطلاق اسم الشرك عليهم.
وكون العلة المذكورة في عجز الآية المحرمة للمشركات متحققة في الكتابية لا تجعلهما متحدثان في الحقيقة فالفرق بينهما فيها مقرر معروف فضلاً عما في المشركة من الاشتهار بالعداوة الدينية والتظاهر بالمخالفة.
وليست الكتابية كذلك لأنها رضيت بالقهر والغلبة على أمرها ودفعت الجزية نظير أمانها.
ولو جرينا على القول القائل يكون قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ علة لقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ تخرج العلة المذكورة عن دلالتها إذ تكون علة للأفضلية والخيرية لا للتحريم وعليه فلا اشتراك بين المشركة والكتابية في العلة فلا تحرم الكتابية.
واستدلوا ثانياً من الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وجه الدلالة أن الله حرم على المؤمنين تمسكهم بالكافرات وجعلهن في عصميتهم وذلك مقتضى النهي الوارد في الآية فكان هذا دليلاً على تحريم ابتداء نكاحهن لأنه مغض إلى المنهي عنه.
ونوقشت بتلك الآية بمناقشتين: أولاهما: أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ اللام في الكوافر لتعريف العهد والمعهودات كن مشركات عبدة أوثان إذ الآية نزلت في مشركات الحديبية.
وعليه فلا تتناول الآية الكتابيات.
وعلى أن الخطاب متوجه لمن كان في عصمة كافرة مشركة تاركاً لها بدار الحرب تخرج الآية عن الدلالة.
وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم منها ذلك فطلق عمر امرأتين كانتا مشركتين بمكة حين نزلت الآية بالحديبية.
وثانيتهما: أن الآية نزلت بالحديبية حين هاجر رسول الله إلى المدينة وأنزل الله سورة الممتحنة وفيها الأمر بامتحان المهاجرات فهي واردة في ذلك.
ثم أنزل الله حل الكتابيات بعد ذلك في آية أخرى في سورة المائدة هي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
دفعهم عنهم بخلاف الذمة.
اعلم أنه لا بدّ من التنبيه على أمرين: أحدهما: لو قهر ذمي حربية أو حربي ذمية ما حكمه.
والجواب أن ذلك خارج من العلة ففي الصورة الأولى يصح إن اعتقدا ذلك نكاحاً وإلا فلا.
وفي الثانية لا يصح لأن على الإِمام أن يدفع أهل الحرب عن أهل الذمة وعلى هذا ترد نِكَاحُهُنَّ، وَلَكِنْ أَنْتَزِعْهُنَّ مِنْكُمْ" دل هذا على عدم جواز نكاح الكتابيات للمسلمين لأنه لو كان نكاحهن حلالاً جائز لما غضب عمر ولأنكر عليه الصحابة.
ولصحح طلاقهن فتفريقه وعدم إجازته الطلاق دليل على الحرمة.
نوقش: أن المروي عن عمر غير جيد قاله ابن عطية بل قيل إنه غريب.
والذي بإسناد جيد عنه أنه قال للدَّين تَزَوّجوا من الكتابيات طَلِّقُوهُنَّ فَطَلَّقُوهُنَّ إلا حذيفة فقال له عمرُ طَلِّقهَا قَالَ تَشْهَد أَنَّها حَرامٌ قَالَ هِيَ خمرة طَلِّقهَا قَالَ: تَشْهَدَ أَنَّها حَرَامٌ قال هي خمرة قال: =

......................... = طلقها فلما كان بعد طلقها فقيل له ألا طَلَّقتَهَا حِيْنَ أَمَرَكَ عُمَرُ قال كرهت أن يَرى النَّاسُ أَنّي رَكَبْتُ أَمراً لاَ يَنْبَغِي لِي" نطق هذا الأثر في نهايته بعدم حرمة الكتابية ودل على عدم التحريم أيضاً طلبُ عمرُ الطلاق من المتزوجين.
ويؤيده ما نقل ابن وهب وابن المنذر نقلاً صحيحاً عن عمر قوله بجواز نكاح الكتابيات.
واستدلوا بالمعقول من وجهين:- أولهما: أن الكتابية امرأة تعارض دليل حلها وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مع دليل تحريمها وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وفي مثل هذا يلزم الرجوع إلى الأصل وهو التحريم لأن الأبضاع مما يلزم الاحتياط فيها فيحرم نكاح الكتابية لذلك.
ونوقش: بتسليم كون الأصل في النكاح الحرمة وأنه لا بدّ من نص دال على الحل لكن قوله تعالى بعد تعداد محرمات النكاح في سورة النساء ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ -لا يخلو من أن تكون نازلة بعد تحريم المشركات أو قبلها.
فإن كانت بعدها صح القول بأنها ناسخة لآية البقرة.
وإن كانت متقدمة عنها وآية البقرة متأخرة تكون المشركة مستثناة من العموم في آية الحل وعلى كل حال فالكتابيات داخلات في عموم آية الحل غير مخرجات منها لما سبق بيانه من أن اسم المشرك لا يتناول الكتابي.
وتكون آية المائدة وهي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ جاءت مؤكدة للحل الوارد في العموم.
دافعة لتوهم حرمتهن كما فهم بعض الصحابة.
وثانيهما: -أن الكتابية متمسكة بكتاب دار أمر القول فيه بين حالين هما التغيير أو النسخ.
والمغير تزول عنه صفة الكتاب والمنسوخ ترتفع أحكامه.
وحينئذٍ يكون لا فرق بينه وبين ما لم يكن.
وعليه تكون الكتابية في حكم من لا كتاب لها.
ومن هذا شأنها لا يحل نكاحها لتحقق النقص الفاحش فيها فساوت عابدة الوثن.
ونوقش:- بأن من لها كتاب مغير أو منسوخ يصح أن تندرج تحت من لها شبهة كتاب نظراً لكتابها المغير وصحة دينها في أصله فلا مساواة بينها وبين من لا كتاب لها أصلاً.
وتفرقة الشارع بينهما في الأحكام دليل على ذلك.
فقد حقن دماء الأولى دون الثانية.
وكذا أحل ذبيحتها دون الأخرى فناسب أن يفترقا في حكم النكاح.
واستدل المجوزون: بالكتاب والسنّة:- أولاً: الكتاب: -وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ عطف الله المحصنات في الآية على الطيبات المصرح بحلها في صدر الآية.
والمحصنات معناها الحرائر أو العفيفات فتكون الآية دليلاً على حل الحرانر أو العفيفات من أهل الكتاب.
لأن قضية العطف التشريك في الحكم.
وهذه الآية محكمة ليس بمنسوخ حكمها على القول بعدم تناول آية البقرة.
وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ -للكابيات.
إذ تكون كل من الآيتين جار على أفراده.
وعليه فلا نسخ ولا تخصيص.
وعلى أن آية البقرة متناولة للكتابيات تكون هذه الآية مخصصة للعموم أو ناسخة له على الخلاف المعروف في علم الأصول.
فإن ورد على هذا -عدم تسليم تفسير المحصنات بالحرائر أو العفيفات.
وتفسيرها بالمسلمات لأن المراد بهن الَّلاتي كن كتابيات فأسلمن.
استناداً إلى قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ =

......................... = يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ -وإلى أن الصحابة قبل نزول آية المَائدة كانوا يتحرجون عن الزواج بالكتابيات اللاتي أسَلمن فأنزل الله هذه الآية بياناً لحلهن أجيب عن ذلك: بأن تفسير المحصنات بالمسلمات غير صحيح من وجوه متعددة الوجه الأول: إن الله تعالى قد ذكر المؤمنات في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قبلها فانتظم هذا سائر المؤمنات ممن كن كتابيات أو مشركات فأسلمن ومن نشأن على دين الإِسلام.
فإذا عطف بعد ذلك المحصنات من الذين أوتوا الكتاب لم يكن من الجائز أن يراد بالجملة المعطوفة ما أفادته الجملة قبلها إذ المؤمنات اللاتي كن كتابيات أن كن قد انقرضن فلا فائدة لأنه لا يتصور الخطاب بحل الأموات.
للمخاطبين الأحياء وإن كن أحياء ودخلن في دين الإِسلام فالحل معلوم من الجملة قبلها ولا حجة إلى التكرار ولا إلى خلو الكلام عن الفائدة لأنه عبث عليه تعالى محال.
الوجه الثاني: أن في القول بهذا التأويل الذي ذهب إليه ابن عمر صرف اللفظ عن ظاهره بلا مقتض وهو غير جائز.
الوجه الثالث: أن تفسير المحصنات بالمسلمات تفسير إرادة الإِلفة أما تفسيرها بالعفيفات فتفسير لغة.
لأن الإحصان في اللغة عبارة عن المنع ومعنى المنع يحصل بالعفة والصلاح كما يحصل بالحرية والإِسلام والنكاح إذ الكل مانع للمرأة عن ارتكاب الفاحشة فيتناولهن عموم المحصنات.
ومما يرجح تفسيرها بالعفيفات وورد الإِحصان بمعنى العفة في كلام الله قال تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
الوجه الرابع: عدم قول أحد من أهل العلم بأن المراد من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ طعام من كانوا أهل كتاب فأسلموا مرجح لعدم تفسير المحصنات من الذين أوتوا الكتاب بمن كن أهل كتاب فأسلمن وكيف يراد ذلك وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تفيد حصول الوصف في حال الإِباحة وهو منفي علي تلك الإرادة.
أما تأييد المدعي دعواه بما ورد في الآيتين ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية، فلا يفيده لأن تقييدهما بالإِيمان دليل على أنه لم يرد بهم أَهل الكتاب عند الإِطلاق بل أراد بهم طائفة معينة منهم ذلك لأن لفظ أهل الكتاب إذا أطلق من غير تقييد انصرف إليهم من غير إرادة من أسلم منهم.
فإن أريد نوع آخر جاء اللفظ مقيداً دون إطلاق كما في الآيتين المذكورتين.
وعليه فذكر آية المائدة مطلقة لا مقيدة يدل على أن المراد بأهل الكتاب فيها حقيقة اللفظ عند الإِطلاق.
وإن ورد على دليل الجمهور ثانياً: إن آية المائدة منسوخة بآية البقرة فقد روى جعفر بن مجاشع قال سمعت إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول في آية البقرة وجه ذهب إليه قوم جعلوا التي في البقرة هي الناسخة والتي في المائدة هي المنسوخة يعني فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية.
أجيب عن ذلك: يمنع نسخ آية المائدة بآية البقرة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل بها.
والمتأخر ينسخ المتقدم.
وعلى تسليم كون آية المائدة منسوخة لا يتم الدليل إلا إذا كانت آية البقرة الناسخة عامة في الوثنيات والكتابيات وليست كذلك لورود العطف المقتضي للمغايرة في غير آية من القرآن مثل ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: {لَمْ يَكُنْ =

الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] ولا فرق في الجواز بين أن تكون الكتابية حربية، أو ذمية، أو مستأمنة، لكن يكره نكاح الحربية 1؛ لأن الإِقامة فيما بين أهل الحرب = الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} -وحتى على القول بالعموم تكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة أو ناسخَة والعكَس ممتنع.
ثم لا يعكر ذلك على الدليل لانه لما لم يكن سبيل إلى التوفيق بين تلك الآيتين إلا بذلك وجب المصير إليه.
واستدل المجوزون ثانياً بالسّنة: وهي ما رواه جابر بن عبد الله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ "تَزوَّجُوا نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ يَتَزوَّجُونَ نِسَاءَنَا" أخرجه أبو داود في سننه وعن عبد الرزاق، وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال: "الْمُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانيَّةً وَلاَ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِي الْمُسْلِمَةُ".
دل ما تقدم على حل الكتابية للمسلم وَأيَّدَهُ فعل بعض الصحابة فقد تزوجوا بكتابيات ولم ينكر بعضهم على بعض -روى الخلال بسنده أن حذيفة بن اليمان وطلحة بن الجارود بن المعلى، وأذينة العبدي تَزَوَّجُوا النِسَاءَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كما روي عن عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة القول، بإباحتهن.
ونوقش: بأن الرواية عن عمر مضطربة ففي بعضها القول بالحل وفي أخرى تفريقه بين من تزوج بكتابيات وبين أزواجهن.
ومع هذا الاضطراب لا يأخذ بقوله.
ويمكن تأويل الحديث الأول: بأن ذلك كان في زمن قلة النساء المؤمنات في ابتداء الإِسلام.
وأجيب.
بأن الرواية الصحيحة عن عمر هي الناطقة بحل تزوج المسلم للنصرانية وهي نص فلا يعارضها غيرها.
والدليل على ذلك أن بعضاً من الصحابة قدموا على التزوج بكتابيات منهم طلحة وكعب ابن مالك وعثمان بن عفان.
وكذا خطب المغيرة بن شعبة هندا بنت النعمان بن المنذر وكانت تنصرت.
وثبت عن الصحابة طلاقهم للكتابيات وهو دليل على حل نكاحهن.
والقول: بأن ما ورد عن الصحابة محمول على زمن قلة النساء المؤمنات لا يستند إلى دليل وإنما يعتمد عليه لو لم يكن كتاب أو سنّة واردين بالحل.
وغاية ما يفيد هذا العمل هو كراهية الكتابيات لا حرمتهن على المسلمين وقد قال بالحل مع الكراهة.
وبأنه خلاف الأولى المالكية والحنفية وعللوا الكراهة بأن الكتابية تشرب الخمر وتكل الخنزير فلا تؤمن على تربية أولادها.
وبالنظر في أدلة الفريقين وما ورد عليها يترجح مذهب الجمهور القائل بحل تزوج الكتابية الحرة للمسلم.
وتكون تسمية اليهود والنصارى مشركين من باب إرادة الشرك الاصطلاحي لا الشرك اللغوي المعروف.
لانه لا يبعد أن لا يكون هذا اسماً إسلامياً أريد به غير حقيقته اللغوية ونظر ذلك لفظ مؤمن في الأصل اللغوي مِنْ آمن إذا صَدَقَ بَأيّ شَيْءٍ.
فصار اسماً إسلامياً لا يطلق إلا على من آمن بمحمد.
وأمثلة لفظ المنافق.
وثسمية ما أسكر كثيره خمراً.
أو يقال إنه سبحانه وتعالى راعى في مقام التوبيخ والتسفيه لأهل الكتاب ناحية الشرك الطارئة فوصفهم بها وأما في مقام الأحكام وما يربط المسلمين بهم فقد راعى فيهم الناحية الاصلية وهي كونهم أهل كتاب.
وما معنا من الثاني فتكون اليهابيات حلال للمسلمين.

.......................... = وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بالحل مع الكراهة.
استدل ابن عباس: أولاً:- يقول تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وجه الدلالة له من الآية أنه سبحانه أحل نكاح الكتابيات والمراد بهن الذميات دون الحربيات لأنهن اللاتي يتمكن المسلمون من الركون إليهن وتطمئن نفوسهم إلى الزواج بهن.
واستدل ثانياً:- بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وجه الدلالة أن من لم يؤد الجزية من الكفار للمسلمين فهو محارب لهم منهي عن محبته ومودته.
ولما كان النكاح نوع مودة ومحبة فيحرم.
ونوقش:- بأن تخصيص الآية الأولى بالذميات تخصيص بلا دليل.
وبأن الآيتين المستدل بهما على تحريم النكاح لم يتعرضا لذلك بل الأولى أفادت حله والثانية دعت إلى قتال من أبي دفع الجزية.
وعدم قتل من دفعها مع صغار وذلة حيث لا علاقة دفع الجزية وحل النكاح لا يبين عدم دفعها وحرمته فلا دلالة في الآية على تحريم الكتابية الحربية أو حلها.
بل لقد أحل الشارع أخذ الجزية من المجوسية مع تحريمه نكاحها قال -صلى الله عليه وسلم-: "سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِيْ نِسَائَهُمْ وَلاَ آكلِي ذَبَائَحَهُمْ".
واستدل ثالثاً:- بقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
وجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى شدد النكير على قوم آمنوا بربهم وباليوم الآخر يتحببون إلى من ناصب المسلمين العداء وعصوا الله واعتصموا بدارهم متربصين بالمسلمين الدوائر.
وإذا كانت هذه الصفات موجودة في الكتابية المحاربة كانت مندرجة تحت ما نهى عن مودتهم ومحبتهم.
فكان ذلك نهياً عن نكاحها لما فيه من المودة قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ونوقش:-.
بأن الآية اقتضت النهي عن مودة أهل الحرب ولم تتعرض لتحريم النكاح وهو لا يثبت بالقياس فلا دلالة فيها.
وكون عقد النكاح طريقاً إلى المودة لا يلزم منه تحريم النكاح بل كراهة وقد قال بها جمهور الفقهاء.
واصتدل الجمهور على الحل:- أولاً:-.
بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلت الآية بعمومها على حل الكتابية مطلقاً ذمية أو حربية.
واستدلوا ثانياً:-.
بأن اختلاف الدار لا تأثير له في تحريم النكاح ولا حله فلا يكون استيطان الكتابية لدار الحرب محرماً لها: بعد الحل وهي بدار الإِسلام كما لم تحرم المسلمة إذا كانت بدار الحرب اتفاتاً.

يكثر سوادهم، وأيضاً فيخاف من الميل إليها الفتنة في دينه وَأيضاً، فقد تُستَرَقُّ وهي حَامِلٌ منه، ولا يقبل قولها في أن حملها من مسلم، وإن كاتب ذمية، فالكراهية أخفُّ، لفقدان بعض هذه المعاني.
وفيه وجهٌ: أنَّه لا كراهية في نكاح الذمِّيَّة، وهذا ما أورده الإِمام وصاحب "التَّتِمَّةِ": أيْضاً، والظاهر الأول، وُيرْوَى عن مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- مثله، والمراد من الكتابيين اليهودُ والنصارى، فأما الذين يتمسَّكون بكتب سائر الأنبياء -عليهم السلام- الأَوَّلِينَ كَصُحُفِ شيث وإدرِيسَ -عليهم السلام- وإبراهِيمَ -عليه السلام- أو بالزَّبُورِ، فلا تحلّ مناكحتهم، واختلفوا في سببه، فمن قائل إنها لم تنزل عليهم بنظم يُدْرَسُ ويُتْلَى، وإنما أوحى إليهم معانِيهَا، ومن قائل: إنَّها كانت حكماً ومواعظَ، ولم تتضمَّنْ أحكاماً وشرائع.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ نذْكُره في "الجزية" إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
= واستدلوا على الكراهة:-.
بأن نكاح الكتابية المقيمة بدار الحرب مفض إلى أمور -منها- تكثير سواء الكفار وفتح الطريق لإِجراء أحكامهم على المسلمين إذ لا يبعد أن يهيم المسلم بزوجته الكتابية الحربية فيستدعيه ذلك إلى المقام معها والبقاء بجانبها.
وفي ذلك ما تقدم آنفاً.
وسببٌ في براءة الرسول عليه السلام منه أن يقول: "أنَا بَرِيْءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ لاَ تُرَاءَى نَارَاهُمَا" ومعناه أنه عليه السلام متبرئ من المسلم المستكين بدار الحرب الذي لا يدافع عن الإِسلام وَيرْضَى بالخضوع لسلطان المشركين -وكان مقتضى هذا الحديث تحريم الكتابية الحربية لكن العمومات التي وردت بالحل أفادت حرف الحديث إلى الكراهة.
ومن الأمور التي تترتب على التزوج بالكتابية الحربية احتمال تعريض ولد المسلم للرق وتنشئته على عادات الكفار وتخلقه بأخلاقهم، وتعليمه طقوس دينهم وعباداتهم بسبب اختلاطه الشديد بهم مع تعذر تحوله بعد ذلك.
وبيان هذا -أنه قد يَفْرِض للزوج المسلم أن يترك زوجته الكتابية بدار الحرب ويهاجر إلى دار الإِسلام المهمة.
وقد يحدث في تلك الآونة أن يتغلب المسلمون على الكفار وتقع الزوجة أسيرة في يد المسلمين وهي حامل.
وقد لا يصدقها المسلمون أن حملها من مسلم.
فمن هنا يولد الولد رقيقاً مملوكاً لمن وقعت أمه في يده.
حتى لو لم تقع المرأة في النبي وترك المسلم زوجة بدار الحرب ترتب ما قدمنا.
وفيه تفكيك الوحدة الإِسلام وتمزيق الجماعة المسلمين.
هذه وجهة الفريقين.
بالنظر فيها نرى أن الراجح مذهب الجمهور القائل بالحل مع الكراهة- وعندي- أن يتقيد هذا الحل برأي إمام المسلمين بمعنى أنه ينظر في سلوك الزوج فإن خيف منه إفشاء أسرار الدولة وتعريضها للخطر لم يُمضِ هذا النكاحَ ومنَعه من مباشرته.
وفي تلك الحالة يكون التزوج بالحربية هان كانت كتابية محرمًا.
أما إذا أَمِنَ الإِمام جانبه وعَرِفَ منه المحافظة على بلاء الإِسلام والمسلمين فلا يحرم عليه التزوج.

والصِّنْفُ الثاني: الذين لا كتابَ لهم، ولا شبهةَ كتاب؛ لَعَبَدَةِ الأوْثَانِ والشمس والنجوم والصور التي يستحسَنونها ومعطلة والزنادقة، والباطنية، لَعَنَهُمُ اللهُ، فلا تحلُّ مناكحتهم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:221] قَالَ صَاحِبُ "الكتاب" في "الإِحْيَاءِ": ومن هذا الصِّنْفِ المعتقدون لمَذْهَبِ الإِباحة، وكلِّ مذهبٍ يَكْفُرُ معتَقِدُه.
والصِّنْفُ الثالث: الَّذينَ لا كتابَ لهم، ولكنْ لهم شبهةُ كتاب، وهم المجوس، وَهَلْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: أحدهما: لا؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّة أَهْلِ الْكِتَابِ" 1 وَهَذَا يشعر بأنَّهم ليسوا بأهل كتاب.
وأشبههما: نَعَمُ، لِمَا رُوِيَ عن عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه كان لهم كتاب، فبدلوه، فأصْبَحوا، وقد أُسْرِيَ به 2، وعلى كلا القولين لا تَحِلُّ مناكحتهم، أما علَى

الأوَّل، فظاهر، وأما على الثَّانِي، فَإنَّهُ لا كِتَابَ بأيديهم اليوم، ولا نتيقَّنه من قبل، فنحتاط، وأيضاً، قد رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بنِ عَوْفٍ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أنه قَالَ: "سُنُّوْا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَاب، غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ، وَلاَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ" (1). وعن أبي إسْحَاقَ وأبي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْه؛ أنه تحلُّ مناكحتهم على قولنا: إنه كان لهم كِتَابٌ، وهذا ضَعيفٌ عند الأصحاب، وإنما ينقدح على ضعفه، إِذا قال: من أثبت لهم كتاباً أنه كان متلواً، أو متضمناً للأحكام، وإن قنع من قال به بأصل الكتاب، لزمه مثله في صُحُف إِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وما في معناها.

فُرْوعٌ:

في نكاح الكتابية هي كالمسلمة في النفقة والقَسْم والطلاق وعلمة أحْكَامِ النِّكَاح، نعم لا توارُثَ بينهما، ولا تُغَسِّل الزوَج، إذَا اعتبرنا النِّيَّة، في غُسْل الميت بناءً على أنه لا يصحُّ منها النية، وإذا طهْرَتْ عن الحيض والنفاس، أَمَرَهَا الزَّوْجُ بالاغتسال، فإن امتنعت، أجبرها عليه 2، واستفاد الحلَّ، وإن لم يوجَدُ منها النية للضرورة، كما تجبر1 = عن عيسى بن عاصم.
قال الشَّافعي: وحديث علي هذا متصل وبه تأخذ، وهذا كالتوثيق منه لسعيد بن المرزبان وهو أبو سعد البقال، وقد ضعفه البخاري وغيره، وقال يحيى القطّان: لا أستحل الرواية عنه، ثم هو بعد ذلك منقطع، لأن الشَّافعي ظن أن الرواية متقنة، وأنها عن نصر ابن عاصم، وقد سمع من علي وليس كذلك، وإنما هي عن عيسى بن عاصم كما بيناه وهو لم يلق علياً ولم يسمع منه، ولا ممن دونه كابن عباس وابن عمر، نعم له شاهد يعتضد به أخرجه عبد بن حميد في تفسيره في الحسن الأشيب عن يعقوب العمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن عبد الرحمن بن أبزى قال: قال علي: كان المجوس أهل كتاب، وكانوا متمسكين به، فذكر القصة وهذا إسناد حسن، وحكى ابن عبد البرّ عن أبي عبيد أنه قال: لا أرى هذا الأثر محفوظاً، قال ابن عبد البرّ: وكثر أهل العلم يأبون ذلك، ولا يصححون هذا الحديث، والحجة لهم قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الآية قاله الحافظ.

المسلمة المجنونة، وعن الحليميَّ تخريجٌ على الإِجبار على الغُسْل؛ أن للسيد إجبار أَمَتِهِ المجوسية، والوثنية على الإِسلام؛ لأنَّ حل الاستمتاع يتوقَّف عليه، والمذهَبُ خلافه؛ لأن الرقَّ أفادها الأمانَ من القَتْل، فلا تُجْبَرُ كالمستأمنة، وليس كالاغتسال، فإنه لا يعظم الأمر فيه، ولا يعتبر فيه تبديلُ الدِّين، وأيضاً، فإن غسلها غسلُ تنظيفٍ لا غسلُ عبادة؛ ألا ترى أنَّها، إذا أسْلَمْتْ، لا تصلِّي بذلك الغسل؛ والتنظيفُ حقُّ الزوج، فَجَازَ أن يجبرها عليه، والإِسلامُ ليس حَقّاً له، حَتَّى يجْبُرَها عليه، وفرَّق الشيخ أبو عَاصِمٍ بأن المجوسيَّة دخَلَتْ في ملكه، ولأجْله فاشبه ما لو اشترَى جاريةً قد أحرمت، أو شرَعَتْ في الصوم بأْذَنُ السَّيِّدُ، ليس له تحليلها، وههنا كانت الزوجة الكتابيةُ حلالاً له، ثُمَّ طَرَأَ الحيضُ المُحَرِّم، فأمرت برفع أَثَرِه، لكن هذا يخدشه ما إذا نكحها، وهي حَائِضٌ، واختلف كَلاَمُ الشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في أنَّه هل يَجْبُر زوجتَهُ الكتابيَّةَ على الغسل من الجنابة، فقال أكثر الأصحاب: هما قولان؛ في قول: يجْبُرها عليه، كما يجبرها على إزالة النجاسات، وفي قَوْلٍ: لا؛ لأنها لا تتعدَّى، ولا يمنع الاستمتاع، ومنْهم من حمل الإِجبار على ما إذا طَالَتِ الْمُدَّةُ، وكانَت النفسُ تعافُهَا، والمنعُ على غير هذه الحالة، وأَما المُسْلِمة فهِيَ مجْبُورةٌ على الغسل من الْجَنَابَةِ، هكذا أطلقه في "التَّهْذِيبِ" 1 وتجبر المسلمة والكتابية على التنظيف بالاستحداد، وقلم الظفر، وإزالة شعر الإِبِطِ والأوْسَاخِ، إذا تفاحش شَيءٌ من ذلك، حَتَّى نفر التواق، وإذا كان بحيث لا يمنع أَصْلَ الاسْتِمْتَاع، ولكن يمنع كمالَهُ، فقولان، كما في غسل الجنابة، ويجرِيَانِ في منْع الكتابيةِ مِنْ أكْلِ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ للاستقذار، وفي كل ما يمنع كَمَالَ الاستمتاع، والأصحُّ أنَّ للزوج المَنْعُ منه، وعلى هذا الخلاف المَنْعُ من أكل كل ما يَتَأَذَّى برائحته، كالثّوم والكرَّات، ومنْهُمْ من قَطَع بجواز المَنْع منه، وله المَنْعُ من شرب ما تَسْكَرُ به؛ لأنها حينئذٍ لا تردُّ يدَ لامِسٍ، وتلتحقُ بالمجنونة، فيختل الاستمتاع، وفي القَدْر الذي لا يُسْكُرِ القولان، ويجريان في منع المسلمة من هذا القَدْر من النبيذ، إذا كانت تعتقد إباحته، ومنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بجواز المنع مُطْلَقاً؛ لأنَّ ذلك القَدْرَ لا ينضبط، فإنَّ مِنَ الناس من يتأثر باليسير منه، ومهما تنجس فمها أو عضو آخر، فلا خلاف أنه يجبرها على غسله، ليمكنه [من] الاستمتاع، ويمنعها من لُبْسِ جلد الميتة قبل الدباغ، ولبس مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيْهَةٌ كَأَكْلِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ ويمنع الكتابيةُ من البِيعَ والكنائِسِ، كما تُمْنَعُ المسلمةُ من الجماعات = يجبرها على ذلك لاعتقاد الحل عند الانقطاع لكن قال القاضي أبو الطيب: لا أعرف أحداً من أصحابنا فرق بين الشافعي والحنفي.
قال البلقيني: ووجه أن هذا لا يتوقف عليه كمال الاستمتاع.

والمساجِدِ، قوله في الكتاب "والمجوس لا تحل مناكحتهم" أُعْلِم بالواو، وقد ذكر هناك من يقر بالجزية من الأصناف الثلاثة، ومن لا يقر، وهذا سيعود في "كتاب الجزية" إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: لَكِنْ إنَّمَا يَجُوزُ نِكَاحُ كِتَابِيَّة هِيَ مِنْ أَوْلاَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَآمَنَ أَوَّلُ آبَائِهَا قَبْلَ التَّحْرِيفِ، فَإنْ فَقِدَ النَّسَبُ فَفِيهَا قَوْلاَنِ، وَلَوْ آمَنَ آبَاؤُهَا بَعْدَ التَّحْرِيفِ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَفِيهَا قَوْلاَنِ، وَإِنْ آمَنَ بَعْدَ المَبْعَثِ أَوْ شُك فِيهِ لَمْ تُنْكَحُ، والتَّهَوُّدُ بَعْدَ بَعْثِ عِيسَى صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَهُوَ بَعْدَ مَبعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهٍ، وَالصَّابِئُونَ وَالسَّامِرَةُ إِنْ كَانُوا مُلْحِدَة عِنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارِى لَمْ يُنَاكَحُوا، وإنْ كَانُوا مُبْتَدِعَةً حَلَّ نِكَاحُهُمْ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ مُطْلَقاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: في صفة الكتابية الَّتي يَنْكِحُها المسلم، الكتابية؛ إما ألاّ تكون من أولاد بني إِسرائيل، أو تكون منهم.
القسم الأول: الكتابيَّةُ التي ليست من أولاد بني إسرائيل ولها أحوال: الحالة الأولى: أن تكون من قَوْمٍ يعلم دخولهم في ذلك الدين قبل تَطَرُّقِ التحريف والنَّسْخ إليه، ففي نكاحها قولان، بَنوْهَما على أن الإِسرائيليَّاتِ يُنْكَحْنَ لفضيلتَي الدِّينِ، والنسب جميعاً، أو لفضيلة الدِّين وحدها، والأصحُّ الجوازُ؛ لتمسُّكهم بذلك الدين حين كان حقًّا، ومنهم من قطع بهذا، ولم يُثُبِت الخلاف، وهؤلاءِ يقرُّون بالجزية لا محالة، وحلُّ الذبيحة يجري مجرى المناكحة.
الحالةُ الثانية: إذا كانتُ من قومٍ يُعْلَمُ دخولَهُم في ذلك الدِّينِ بعد التحريف وقبل النسخ، فإن تمسَّكوا بالحق منه، وتجنّبوا المحرَّف، فكما في الحالة الأُولَى، وإن دخَلُوا في المحرَّف، فمنهم من قال: في نكاحها قولان أو وجهان، وجه الجواز؛ أن الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- تزوَّجوا مِنْهُنَّ، ولم يبْحَثُوا 1، وجه المنع بطلانُ الفضيلةِ

بالتحريف، ومنْهُم: من قطع بالمنع، والظاهرُ المنع، ثبت الخلاف، أو لم يثبت، وهل يُقَرُّ هؤلاء بالجزية قَالَ في "التَّهْذِيبِ" لا، وقال غيره: نعم، كالمجوس، وهو أوْلَى للشبهة.
الحالة الثالثة: إذا كانَتْ من قومٍ يُعْلَمُ دخولُهم في ذلك الدِّين بعد التحريف والنسخ، فلا يُنْكَح؛ لسقوطِ فضيلته وحرمته بالنسخ، فالَّذينَ تهوَّدوا أو تنصَّروا بعد بعثة نَبيِّنا محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- لا يناكَحُون، وفي المتهوِّدين بعد بعثة عيسَى -عليه السلام- وجهان: أصحهما: أن الحكم كذلك، ومن قال بالثاني، فإنه يزعم أنا لا نعْلَمُ كيفية نَسْخ شريعةِ عيسَى -عليه السلام- شريعةَ مُوسَى -عليه السلام- وأنها نُسِخَتْ كلّها أو بعْضُها؟ وهؤلاءِ كما لا يناكحون لا يُقَرُّون بالجزية.
الحالة الرابعة: إذا كانتْ من قوم لا يُعْلَمُ أنهم دخَلُوا في ذلك الدِّينِ بعد التحريف أو قبله، أو قبل النسخ أو بعده، فيُؤْخَذ في نكاحهم بالأغلظ، ويجوز تقريرُهُم بالجزية تغليباً للحُقَن، وبذلك حكمت الصَّحَابَةُ -رضي الله عنهم- في نصارَى العَرَب، وهم بهراء وتنوخ وتغلب هذا شرح ما ذكره في الكتاب، وكذلك أطلقه عامَّةُ الأَصْحَابِ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، وتركوه عَلى إطلاقه وفيه شيْءٌ لا بُدَّ من معْرفته، لكنْ موْضِع بيانه الفصل التالي لِهَذَا الفَصْلِ.
القسم الثاني: الْكِتَابيَّةُ الإسْرَائِليَّةُ، والذي تناقله الأصْحَابُ في طرقهم جواز نكاحها على الإِطلاق من غير نظرَ إلى آبائها أنَّهُم دخَلُوا في ذلك الدِّينِ قبل التحريف، أو بعده، وليس ذلك لأنه ليس كل إسرائيلية يفرض آباؤها 1 داخِلُون في دِينِهَا قبل التحريف، وإن أشعر به كلام جماعةٍ من الأئمة -رَحِمَهمَ اللهُ- وذلك؛ لأن إسرائيلَ هو يعقوبُ -عليه السَّلامُ- وبيْنَه وبيْنَ صاحب التوراة موسَى -عليه السلام- زمانٌ طويلٌ، ولا نحيطُ علماً بأنَّ بني إسرائيل عَلَى كثرتهم دخَلَ كلهم في زمانِ مُوسَى، أو بعده قَبْلَ التحريف، بل في القصص ما يدُلُّ على استمرار بعْضِهِم على عِبَادة الأوثان والأديان الفاسدة، وبتقدير أنْ يستمَّر هذا في اليهوديَّات، فلا يستمرُّ في النَّصْرانيَّات؛ لأنَّ بنِي إِسرائيلَ بعد بعثة عيسَى -عليه السلام- افترقوا، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، ومنْهُم مَنْ صَدَّ عَنْهُ = أيضاً بسند لا بأس به، عن شقيق قال: تزوج حذيفة امرأة يهودية فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه إن كانت حراماً فعلت، فكتب عمر: إني لا أزعم أنها حرام، لكني أخاف أن تكون مومسة، وفي البيهقي عن أبي الحويرث: أن طلح نكح امرأة من كلب نصرانية.
(فاندة) قال أبو عبيد: نكاح الكتابيات جائز بالإِجماع، إلا عن ابن عمر قاله الحافظ.

فأصر على دِينِ موسَى -عليه السلام-، ثم من المصرين من تنصر على تعاقب الزمانِ قبل التحْريف وبعده، ولكن كأْنَّ الأصحابَ اكْتَفْوا بشرف النَّسَب، وجعَلُوه جابراً لنُقْصَانِ دخُول الآباء في الدِّين بعد التحريف، حتى فَارَقَ حُكْمُهُنَّ حكْمَ غير الإِسرائيليات، إذاَ دَخَل آباؤهن في الدِّين بعد التحريف واللهُ أَعْلَمُ.
وأما الدخول فيه بَعْدَ النَّسْخ وبعثة نبيِّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلا يُفْرَّقُ فيه بين الإِسرائيليةً وغيرها، على ما سيَتَّضِح بعد هذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.
وقوله في الكتاب: "إنما يَجُوْزُ نِكَاحُ كتابيَّةٍ هي من أولاد بني إسرائيل" ظاهره يقتضي النظر إلى حال الآباء في الإسرائيليَّات أيضاً، حتى يكونُ نكاحُ الإِسرائيلية التي دَخَلَ أولُ آبائها في ذلك الدِّينِ بعد التحريف علَى قولين، كنكاح غير الإِسرائيلية التي دَخَل آباؤها فيه قبل التحريف ونظم "الوسيط" يقتضي مِثْلَ ذلك أيضاً، لكنُ كلامُ الأصحاب لا يوافِقُه، فاعرفه، وانْظُرْ؛ كيف يمكنك تنزيلُ لفظ الكتاب على منقول الأصحاب، وأرادُوا بقوله "أول أبائها" الآباءَ الداخلين في ذلك الدِّين، ويجوز أن يُعْلَم قوله "فإن فُقِدَ النسب"، ففيها قولان للطَّرِيقَةِ القاطعة بالجواز، وكذا قوله: "في الصورة الأخرَى قولانِ" للطريقة القاطعة بالمنع.
المسألة الثانية: الصابِئُونَ طَائِفَةَ تُعَدُّ من النصارى، والسامرة 1 طائفة تُعَدُّ من اليهود، وقد نقل عن الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- توقف [في جواز مناكحتهم، وليس ذلك عند جماهير الأصحاب باختلاف قول لكن أمرهم على] 2 التفصيل، والمنصوص عليه في "الْمُخْتَصَرِ" أنه إن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصل دينهم، ولا يُبَالُونَ بنصِّ كتابهم، فلا يناكَحُونَ كالمجوسي، وإن كانوا يخالفونهم] 3 في الفروع دُونَ الأُصول، ويُؤَوِّلون نصوصَ كتابهم، فيجوزُ مناكحتهم، وحيث توقف إنما تُوقف، ليعرف مقالتهم، والصابِئُونَ 4 على ما نقل فِرْقَتان؛ فرقةٌ توافقُ النصارَى في أصول

.......................... = غيرهم.
ولبيان ذلك نقول: الصابئ لغة: قيل إن هذا لفظ ليس بعربي وقيل إنه عربي.
وعلى الأخير اختلف فيه.
فقيل إنه من صبا معتلاً بمعنى مال.
وسمي الصابئ به لخروجه عن الدين الحق إلى الدين الباطل وقيل إنه من صبأ المهموز إذا خرج ومن صبأت النجوم من مطالعها إذا خرجت ومن هنا سمت العرب كل من خرج عن دينه إلى غيره صابئاً.
تحديد مذهب الصابئة:- اضطربت أقوال العلماء فيه.
فأقر بها ما حكاه الإِمام "الجصاص" في تفسيره أحكام القرآن قال "الصَّابئون الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم في الأصل واحد أعني الذين بحران والذين بناحية البطائح في سواد واسط وأصل اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة وعيادتها واتخاذها آلهة وهم عبدة أوثان في الأصل إلا أنه منذ ظهر الفرس على إقليم العراق وأزالوا مملكة الصابئين وكانوا نبطاً لم يجروا على عبادة الأوثان ظاهراً لأنهم منعوهم من ذلك.
كذلك الروم وأهل الشام والجزيرة كانوا صابئين فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف على الدخول في النصرانية فبطلت عبادة الأوثان من ذلك الوقت ودخلوا في غمار النصارى بني الظاهر.
وبقي كثير منهم على تلك النحلة مستخفين بعبادة الأوثان.
فلما ظهر الإِسلام دخلوا في جملة النصارى ولم يميز المسلمون بينهم وبين النصارى إذ كانوا كاتمين لاعتقادهم مستخفين بعبادة الاوثان.
ومن الكلام السابق نلمح أن هذه الفرقة: أصلها عبدة أوثان ثم كتمت وثنيتها تقيه وأظهرت التمسك بالنصرانية خوفاً من القتل واضطرت لذلك إبقاء على نفسها.
وقد وردت عن السلف أقوال أخرى في مذهبهم نورد أهمها فروي عن مجاهد وعطاء أنهم قوم لا دين لهم.
وعن قتادة والحسن أنهم قوم يعبدون للملائكة.
وعن جماعة آخرين أنهم قوم يعبدون الكواكب.
وانقسم هؤلاء إلى فريقين فريق يقول إن خالق العالم هو الله سبحانه وتعالى إلا أنه أمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قبلة للدعاء.
وفريق آخر قال بأن الله سبحانه هو الخالق لهذه الكواكب وهي مع ذلك المدبرة لما في العالم من خير وشر وصحة ومرض بل أنها الخالقة لها فوجب على البشر لهذا تعظيمه.
وقال قوم: إن الصابئة جماعة تعصيوا للروحانيات واتخذوها واسطة ولما لم يتيسر لهم التقرب يأعيانها.
والتلقي منها بذواتها فزعوا إلى هياكلها.
وترك جماعة منهم الهياكل وتقربوا إلي الأشخاص.
فمن هنا كانت الفرقة الأولى عبدة كواكب والثانية عبدة أصنام.
وقال السدي وجماعة: الصابئة طائفة من أهل الكتاب تلك أشهر أقوال السلف في الصابئة بتدبرها يمكن القول بأن من ذهب إلى أنهم قوم لا دين لهم قد يكون مستندة في ذلك.
كون الصابئة لم يثبتوا على عقيدة واحدة.
وملة منفردة بل تقلبوا في الدين مع الأهواء، وخضعوا لضغط الظروف فأشبهوا المرتدين والمرتد لا دين له -ومن قال أنهم عبدة كواكب أو ملائكة أو تعصبوا للروحانيات.
إن أراد أنهم عبدوها حقيقة فهم شركون على الأقوال الثلاثة.
وإن أراد أنهم تقربوا بها إلى خالقهم فهم ليسوا بمشركين.
ولقد وجدت بالبحث في فرق الصابئة أن منهم فرقة تقربت وأنجرى عبدت.
ومَنْ حَدَّد مذهبهم بأحد الرأيين لعله عرف أمر فرقة وخفي عليه أمور أخرى.
أما من قال إن الصابئة جماعة تقربت بالاشخاص والأصنام ونعتهم بأنهم عبدة أصنام فقول إنما =

.......................... = يمكن أن صدق على فرقة ثالثة منهم اتخذوا أصنامهم على صور الهياكل السبعة وجعلوها قبلة لعبادتهم.
ويحتمل أن يكون القائل إنهم أهل كتاب يبني رأيه على ما ظهر لهم من دخولهم في النصرانية خيفة البطش بهم مع كتمانهم مذهبهم الأصلي.
ثم إذا ما رجعنا إلى أرباب الملل والنحل نجد أبا الفتح الشهرستاني يقول في كتابه الملل والنحل في بحث الصابئة أن مدار مذهب الصابئة على التعصب للروحانيات كما أن مدار مذهب الحنفاء على التعصب للبشر الجسمانيين" ولعله يعني بذلك أنه أصل مذهبهم الذي امتازوا به أولاً وحفظوه في صدورهم.
هذا ومن العسير جداً تتبع أطوار مذهب هذه الطائفة لفقدان بحضن حلقاتها في بعض الأزمنة والعصور التي مرت عليهم.
الأمر الذي يجعل الباحث يركب متن الظن والاحتمال لعدم تمكنه من القطع -ثم إذا ما تصفحنا كتب المذاهب الفقهية لنتعرف منها أقوال الفقهاء في الصابئة نجد أن الإِمام أبا حنيفة يرى أنهم قوم من النصارى يقرؤون الزبور ويعظمون الكوكب كتعظيم المسلمين للكعبة.
لكنهم يخالفون غيرهم من أهل الكتاب في بعض دياناتهم.
وأما المالكية وأبو يوسف ومحمد ابن الحنفية فذهبوا إلى أنهم عبدة أوثان.
والشافعية فصلوا فيهم تفصيلاً حاصلة -أنهم إن وافقوا النصارى في أصل الاعتقاد وخالفوهم في الفروع فهم منهم.
وإن خالفوهم في الاعتقاد ووافقوهم في الفروع أو شُكَّ في ذلك فليسوا منهم- وفي رواية عن الشَّافعي أنه توقف فيهم.
ولم يقطع برأي لأنه رأى أو مذهبهم مشتبه فعلَّق القرار منهم -والحنابلة لهم فيهم قولان- قول كأبي حنيفة.
وآخر مفصّل كتفصيل الشافعية.
وقد انبنى على الخلاف السابق بين الفقهاء في مذهب الصابئة اختلافهم في مسألتنا.
حكم تزوج المسلم بالصابئة:- فذهب الإِمام أبو حنيفة والحنابلة في أحد قوليهم إلى جواز مناكحتهم متى كانوا يؤمنون بنبي ويقرون بكتاب -وذهب الصاحبان من الحنفية والمالكية إلى عدم جواز ذلك.
أما الشافعية والحنابلة في قولهم الآخر فذهبوا إلى التفصيل فيهم فإن كانوا يوافقون أهل الكتاب في أصل دينهم ويخالفونهم في الفروع فهم منهم تحل مناكحتهم- وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين فلا تحل.
تمسك من قال بالحل: بأن الصابئة كأهل الكتاب إلا أنهم خالفوهم في بعض الفروع فلا يكون ذلك مانعاً لهم من أخذهم حكمهم في حل نسائهم.
ولا تكون مخالفتهم مخرجة لهم من دائرتهم.
فهم أشبه بأهل البدع من المسلمين لم تكن بدعهم مانعة لهم من صدق الإِسلام عليهم واعتبارهم مسلمين.
وتمسك القائل بالتحريم:- بأنهم كالمشركين في عبادتهم الأصنام فتحرم نساؤهم لأن المشركات محرمات بالنص.
واحتج المفصلون: بأن الصابئة إذا خالفوا أهل الكتاب في الاعتقاد كانوا مشركين لتوحيد أهل الكتاب دونهم فتحرم نساؤهم كالمشركين.
وأما إن خالفوهم في الفروع دون الاعتقاد فلا يضر ذلك في أخذهم حكم أهل الكتاب في حل النساء.
إذ مخالفتهم غير معتبرة في حق حكم التزوج فإن شك في أمرهم غلب جانب الحرمة على جانب الحل فتحرم نساؤهم احتياطاً في حق الأبضاع.
وقد أجيب عن دليل القائلين بالتحريم.
=

الدِّين، وأُخْرَى تخالفهم، فتعْبُدُ الكواكب السبعة، وتضيف الآثار إليها، وتنفي الصانِعَ المخْتَارِ، وهم الذين أَفْتَى الإصْطَخْرِيّ بقتلهم؛ لَمَّا استفتى الْقَاهِرُ الْخَلِيْفةُ الْفُقَهَاءَ فيهم.
وعن رواية الشيخ أبي عَلِيٍّ: أن بعض الأصحاب أطْلَقَ قولَيْنِ في مناكحةِ الصابِئِينَ والسَّامِرة، وهذا ما أورده في الكتاب بقوله: "وقيل قولان مطْلقا" قال الإِمامُ -رحمه الله-: ولا مجال للتردُّد في الذين يُكَفِّرُهُمُ اليهود والنصارى، ويخرجُونَهُم من جُمْلَتِهم، نعمْ يمكن التردُّد في الذين ينزلونهم منْزِلَةَ المبتدعة فِينَا، ولا يكفِّرونهم.
قال: ولَيْسَ هذا تَعْرِيضاً بتحريم نكاح المبْتدعَةِ فِينَا لكوْننا لم نكفِّرْهم بالسَّمْع ولم يثبت سمع في المبتدعة الأوَّلِينَ، وإذا شَكَكْنا في جماعةٍ أنهم يخالفونَهُمُ في أصول الدِّينِ، أو فروعه، لم نناكِحْهم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) لَوْ تَنَصَّرَ يَهُوديٌّ يُقَرُّ فِي قَوْلٍ، وَلاَ يُرْضَى مِنْهُ إلاَّ بِالسَّيْفِ (ح) أَو الإِسْلاَمِ في قوْلٍ، وَيُرْضَى بِالإسْلاَمِ أَوِ العَوْدِ إِلَى التَّهَوُّدِ فِي قَوْلٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُقَرُّ فَهَلْ يُلْحَقُ بِمَأْمِنَهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَثَّنَ يَهُودِيُّ تَجْرِي الأَقْوَالُ إِلاَّ أنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى التَوَثَّنِ بِحَالِ وَيُقْنَعُ مِنْهُ بِالتَّنَصُّرِ عَلَى قَوْلٍ، وَلَوْ تَنَصَّر وَثَنِيٌّ فَلاَ يُقْنَعُ مِنُهُ إلاَّ بِالإِسْلاَمِ، وَلَوِ ارّتَدَّ مُسْلِمٌ فَلاَ يُقْنَعُ مِنْهُ إلاَّ بِالإِسْلاَمِ أَو السَّيْفِ، وَتَتَنَجَّزُ الفُرْقَةُ بِهَا قَبْلَ المَسِيسِ (ح)، وَيتَوقَّفُ بَعْدَ المَسِيسِ إِلَى انْقِضَاءِ العِدَّةِ، فَإِنَّ أسْلَمَ قَبْلَهَا دَامَ النِّكَاحَ وَإلاَّ فَتَتَبَيَّنُ الفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ.
1 قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل الكلامُ في الانتقال من دِينٍ إلى دِينٍ، وذلك، وإنْ لم يختصَّ بالنكاح، لكن للنكاح مَنْهُ حَظُّ ظَاهِرٌ، فنَذكره في بيان حظِّ النكاح منه، فنقول: الانتقال؛ إما أن يفرض من دِينٍ باطِلٍ إلى دين بَاطِلٍ، أو من الحَقِّ إلى الباطل، أو بالعكس.
= بأن الصابئة ما عظموا الكواكب واستقبلوها في دعائهم وعبادتهم تعظيم عبادة لها.
ولكن تعظيم احترام وإحلال.
وليس هذا بمدخلهم في الشرك.
ومثلهم في ذلك المسلمون في تعظيم الكعبة والاستقبال إليها عند الدعاء لم يكن ذلك بمخرجهم عن دائرة الإِسلام.
هذا: ويظهر لي أن اختلاف الفقهاء ليس باختلاف حقيقي إذ يمكن أن نقول: إن الإمام أبا خيفة قال بحل تزوج النساء الصابئات بناءً على ما ظهر له من حال فرقة وقف على أمرها كانت تقطن العراق -أما الفقهاء القائلون بالتحريم فيمكن أن يقال إنهم ذهبوا إلى ذلك بناءً على ما اطلعوا عليه من أمر فرقة أخرى توافق عبدة الأوثان.
وقد يجوز أن تكون نقل إليهم شيء عن حالهم حكموا بناءً عليه -ولا يبعد أن تلك الطائفة التي نقلت إليهم أو اطلعوا عليها أن تكون خلاف الطائفة التي عرفها الإِمام أبو حنيفة.
لو أنهم اطلعوا على طائفة واحدة لاتفق حكمهم في الصابئة.

أما القسم الأوَّل: الانتقال من دينٍ باطِلٍ إلى دِينٍ بَاطِلٍ فإمَّا أنْ يَكُوَن الانتقالُ من دينٍ يُقَرُّ أهله عليه إلى دين يُقَرُّ أهله عليه، أو ممَّا يُقَرُّ عليه إلى ما.
لا يقر، أو بالعَكْسِ، فهذه ثَلاثةُ أَضْرُبٍ، ولا غرض لَنَا في الرابع الذي يُؤدِّي إليه التقسيم.
أمَّا الضَّرْب الأوَّلُ: فَإذَا تنصَّر يهوديٌّ، أو تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ، فَهَل يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ، على ما انْتَقَلَ إليه؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: أحَدُهُمَا: لا؛ لأَنَّهُ أَحْدَثَ دِيناً بَاطِلاً بعد اعترافه ببطلانه، فلا يُقَرّ عليه، كما إذا ارتدَّ المسلم.
والثَّانِي: يُقَرُّ، لتساوي الدِّيَنَيْنِ بالتقْرير بالجزية، وفي كونهما على خِلاَفِ الْحَقَّ، وليس كالمسلم يرتد؛ لأنه تَرَكَ الدِّينَ الْحَقَّ، وهذا أَصَحُّ عند القاضي أَبِي حَامِدٍ وَصَاحِبِ "التَّهْذِيبِ" وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وهو نصه في "الْمُخْتَصَرِ" والقولان فيما ذَكَرَتْ طائفةٌ، منهم صَاحِبُ "التَّتِمَّةِ" مبنيان عَلى أن الكفْرَ ملةٌ واحدةٌ، أو مِلَلٌ مختلفةٌ، إنْ قُلنَا: مَلِلٌ، لم يُقَرَّ، وإن قُلْنَا: مِلَّةٌ واحدةٌ، أُقِرَّ كما يقر المسلم، إذا انتقل من مذْهَب إلى مَذْهَبٍ، ولك أن تَقُولَ: لو كان هذا أصْلاً لِمَا بَنَى عليه هذان القولان، لأَثْبَتْنَا مثْلَهُمَا قولَيْن في التوارُثِ بين اليهود والنصارى، وليس كذلك على ما بيَّنَّا في "الفرائضِ"، ثمَّ حكَيْنا هُنَاكَ أنَّ بعْضَهم خَرَّج وَجْهاً في منْع التوارث من قوْلِنا: أنه لا يقر واستدل به على أن الكفر ملل مختلفة، وفرق بين أن يستدل بقولنا لا يُقَرُّ على اختلاف، وبين أن يبني قولنا لاَ يُقَرّ على الاختلاف، ويُجْعَلُ ذلك أصلاً راسخاً.
التفريع: إن قلنا يُقَرّ فذبيحته حَلالٌ، ولو كان هذا الانتقالُ من امرأة، حلَّ للمسلِمِ نكاحُها، ولو انتقلتُ في دوامِ نكاحِ مسلمٍ، فلا يتأثر به، وإن قلنا: لا يُقَرُّ، لم تحلَّ الذبيحة، ولا النكاح، ولو انتقلت في دوام نَكاح فسلم، فهي كالمسلمة ترتد فتتنجز الفرقة، إن كان قبل الدخول وتتوقَّف على انقضاء العدة، إن كان بَعْدَه، وعلى هذا فقولان: أَحَدُهُمَا: أنَّه لا يقبل منه إلا الإسلاَمُ لأنه أقرَّ ببطلان المنتقل عنه، وكان مقرا ببطلانِ المُنْتَقَلِ إِلَيهِ.
والثاني: أنه، لو عاد إلَى ما كان عليه قيل: لتساوي الدينين في الحكم، والأولُ أظهرُ عند الإمام؛ توجيهاً بأن ذلك الدِّينَ قد زال، فعَوْدُه إليه انتقالُ منه إليه، فلو منَعْنا منْه بالانتقالَ إليه، لأَقْرَرْنَاهُ عَلَى ما انتقل إلَيه أولا، فإن أبى الإسلامَ على القول الأول، أو الإِسلام وَالعَوْدَ على ما كان علَيْه جميعاً على القول الثاني، فقولان، ويقال: وجهان: أَحَدُهُمَا: أنَّه يقتل كالمُسْلِم يرتد، ويشهد له ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".

وأشبههما: لا، بل يُلْحَق بِمْأمَنِهِ كَمَنْ نَبَذَ الْعَهْدَ إِلَيْنَا، ثُمَّ هُوَ حَرْبٌ لَنَا، إِن ظَفِرْنَا بِهِ، قَتَلْنَاهُ، وإنْ انْتَقَلَ يَهُودِيٌّ، أو نَصْرَانِيٌّ إلى المجوسية، هَلْ يُقَرُّ بالجزية.
فيه القولان، وَحَكَى أَبُو الفَرَجِ الزاز طَرِيْقَةَ قَاطِعَةً بالمنع لكون المُنْتَقَلِ إلَيْه دون الأَوَّل، فَإِنْ قلْنا: لا يُقَرُّ، ففي القناعة منه بالعود إلى ما كان عليه القولان، وإذا أَبَى، ففي القَتْلِ أو الإِلحاقِ بِالْمَأمَنِ، الِقولان، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فلا تَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ، ولا النِّكَاحُ، إن كان هَذَا الانتقال من امْرَأَةٍ، ولو كانت في نكاح مسلم، تنجزت الفرقة، إن كان قبل الدخول، وَإِلاَّ، فَإِنْ أسلمت قبل انقضاء العدة، أو عادت إلى ما كانت عليه وقنعنا به دام النكاح بينهما، وإلاَّ، بانَ حُصُولِ الفُرْقَة من وقت الانتقال، ولو تمجَّست كتابيةٌ تحت كتابي، فَإِنْ كانوا لا يعتقدون جوازَ نكاحِ المجوس، فكما لو تمجَّسَت تحْت مسْلِم، وإلاَّ، فنقرِّرُهما، إِذَا أسْلَمَا، ولو تهوَّد أو تنصَّر مَجُوسِيٌّ، ففي التقرير القولان، وإذا لم نقرَّر، فالتفريع كما سبق، ولا تحلّ ذبيحته، ومناكحَتُهُ بحال؛ لأن الانْتِقَالِ، من دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ لا يفيد فَضْيِلَةَ لم تكن، وعند أَبِي حَنِيْفَةَ يفيدها.
الضرب الثاني: لو [توثن] 1 يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، لم يُقَرَّ عليه؛ لأن الانتقالَ من دينٍ، بَاطِلٍ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ، يُبْطِلُ الفضيلة التي كانَتْ، وهل يقنع منه بالعَوْد إِلَى ما كان عليه أم لا يُقْبَلُ منه إلا لإِسلام؟ فيه القولان السابقان، وهاهنا قَوْلٌ ثَالِثٌ، وهو أنه يُقْنَعُ منه بالانتقال إلَى دِينٍ آخَرَ يساوِي المنتقل عنه؛ بِأَنْ كان يهودياً، فَتَنَصَّرَ الآن، أو بالعَكْس، وإذا وجد هذا الانْتِقَالَ من كتابيَّة تحت مسْلِم، انفسخ النكاح، إِن كان قبل الدخول، وإن كان بعْده، فإن رجَعَتْ إلى الإِسلام قبل انقضاء العدة، أو إلَى ما انتقلتْ عنه في القوْلِ الثاني، أو إلَى ما يساويه في القول الثالث، [استمر] 2 النكاح، وتبين الفراقُ من وقْت الانتقال، ولو تَوَثَّنَ مَجُوسِيٌّ، لم يُقَرَّ عليه، وفي القناعة منه بالعَوْد إلى ما كان عليه القولان، وقِيَاسُ الْقَولِ الثَّالِثِ في الصورة الَّتي مَضَتْ أنْ يقنع منه بالتَّهَوّدِ، والتَّنَصّرِ؛ لأن كُلاًّ عنهما خَيْرٌ من التمجُّس.
الضرب الثالث: لو تهوَّد أو تنصَّر أو تمجَّس وَثَنِيٌّ، لم يُقَرُّ عليه، يُقْبَلْ مِنْهُ إلا الإِسْلاَمُ؛ كالمرتد 3؛ لأنه كان لا يُقرُّ، فلا يستفيدُ هذه الفضيلةَ من الدِّين الباطلِ الذي انتقل إِليه.

وإِذا تأمَّلْتَ حكم هذه الأَضْرُب عَرَفتَ أنَّ الانْتِقَال من دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ، يُبْطِلُ الفضيلة التي كانت في الأول ولا يفيد فضيلة لم تكن في الأول ولكن تبقى الفضيلة الَّتي يشرّك فيها الدينان على قوْلنا بالتقرير، وعرفت أن كلامَهُم المطْلَقَ في الفصل الذي تقدَّم أنَّ مَنْ دَخَلَ في التهوُّد والتنصُّر بعد النَّسْخ والتَّبْدِيل لا يناكح، ولا يُقَرُّ بالجزية، غَيْرُ مستمِرٍّ على إطلاقه؛ لأن من تهوَّد أو تنصَّر اليوم، فَقَدْ دَخَلَ في ذلك الدِّينِ بعْد الفسخ والتبديل، فقد بَانَ الْخِلاَفُ في أنَّه هل يناكح؟ وهل يُقَرُّ بالجزية مهْما كان الُدُّخُول في دِينِ يُقَرُّ أهلُه عليه؟ فإذن إطلاقهم هناك وجزمهم بالمنع محمولٌ على ما إذا كان الدُّخُولُ منه في دِينٍ لا يُقَرُّ عليه، كالتَّوَثُّنِ، وهذا هو البيانُ الذي سبق الوَعْدُ به.
وقوله: في الكتاب "ولا يرضى منه إلا بالسيف أو الإِسلام"، مُعْلَم بالحاء، لما مَرَّ أَنَّ أبَا حَنِيْفَةَ يقول بالقول الأوَّل.
وقوله: "ونرضى بالإِسلامِ أَو بالعَوْد إلى التهوُّد" معناه أنا نقْنَع، ونكفُّ عنه بالعود إلى التَّهوُّدِ، وإلا، فكيفَ نرضى بالكفر، ولا نقول في شيء من هذه الصور: أسْلَمْ أو عُدْ إلَى ما كنت عليه، بل لا نأمُرُهُ إلاَّ بالإِسلام، لكن نتركه لو عاد إلى غيره.
القسم الثاني: الانتقالُ من الدين الْحَقَّ إلى دين باطل بأَن يرتدُّ المسلم، والعياذ بالله عَزَّ وَجَلَّ، فلا يُقْبَلُ منه إِلاَّ الإِسلامُ، فإن أبَي، قُتِلَ علَى ما سيأْتي في الجنايات، إن قَدَّرَ اللهُ عزّ وجلّ، ولا يحلُّ نكَاج المرتدة لا لِلْمُسْلمين ولا للكفار، أمَّا للمسلمين؛ فلأنها كافرةٌ لا تُقَرُّ، وأَمَّا للكفار؛ فلبقاء عُلْقَة الإِسلام فيها، وإذا ارتَدَّ في دوام النكاح أَحدَّ الزوجَيْنِ نُظِرَ إنْ كان قبل المَسِيسِ تنجَّزت الفُرْقة، وإِن كان بعده يُوقَف النِّكَاح على انقضاء العدة، فإِن جمعهما الإِسلام قبل انقضائها، استمر النِّكاحُ، وإلاَّ، تبين الفرقة من وقت الردة، وبهذا قَالَ أَحْمَدُ وقال أَبو حَنِيْفَةَ -رحمه الله- تنجز الفُرْقة، سواءً كان ذلك قبل المسيس، أو بعده وعن مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ- روايتان كالمذهبين.
لنا: أَنه اختلافُ دِين طرأ بعد المَسِيسِ، فلا يوجب الفسْخَ في الحال؛ كإِسلام أحد الزوجَيْنِ الكافرَيْنِ، ولو ارتدَّا معاً، فالحكم كما لو ارتد أَحدهما، وبه قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.
وَقَالَ أبو حَنِيْفَةَ -رَحِمَه اللهُ- يستمر النِّكَاحُ بينهما، كما لو أَسلم الزوجان الكافران.
واحتجَّ الأَصْحَابُ بأَنها ردَّةٌ طَرَأَتَ على النكاح، فتعلّق بها الفسخُ كارتداد أَحدهما، وبأنَّ ردَّتهما أفحشُ من ردَّة أحدهما، فَأولَى أَن يتأثر بها النكاح.

قالوا: وليْسَتُ رَدَّةُ الزوجين كإسْلاَمهما؛ لأنَّهما إذا أسْلَما، مكنا من الوطء بخلاف ما إِذا أَسلم أَحدهما، وإذا ارتدَّا، لم يمَكَّنا، كما لو ارتدَّ أَحدهما، فخالف حكم إسلامهما حكم إِسلامِ أَحدهما، ولم يخالفْ حكم [ردتها حكم ردة أحدهما] 1. إذا عرف ذلك، فمهما حَكْمنا بالتوقُّف، لم يجز الوطء لكن لو جَرَى، لم يجب الحدُّ، ووجبتِ العِدَّةِ، وهما عدتان من شَخْصٍ وَاحِدٍ، فهو بمثابة ما لو طَلَّقَ امْرَأةٌ، ثم وطئها في العِدَّةِ، وسيأتي حكْمُهُ في "باب العدة" إن شاء الله تعالى، وليكنِ اجتماعُهُمَا في الإِسْلام ههنا بمثابة الرجعة هناك، حَتَّى يَسْتَمِرَّ النكاح إذا جمعهما الإِسلام في الحالات التي يحكم فيها بثبوتِ الرَّجْعة هناك، والقولُ في أنه، هل يجب مَهْرٌ بهذا الوطء في حكم مهْرِ النكاح، إذا انفسخ بالردَّة، قد تعْرِض له في الكتاب في غير هذا الموضع، ولو طلَّقها في مدة التوقّف، أو ظاهر منْها أَو آلي تَوَقَّفْنَا، فإِنْ جمَعَها الإسْلامُ قبل انقضاء مدة العدة، تبيَّنَّا صحَّتَها، وإِلاَّ، فَلاَ، وليس للزَّوْج، إِذا ارتدَّتِ الزوجة أَن ينكح في مدة التوقُّف أختها، ولا أَربعاً سواها ولا أَن ينكح أَمَةً، وإن كان ممَّن يجوز له نكاح الإِماء؛ لاحتمال عودها إلى الإِسْلاَمِ واستمرار النكاح، فإِن طلَّقها ثلاثاً في مدة التوقُّف، أَو خالَعَها، جاز له ذلك لأنها إِن لم تعُدْ إِلى الإِسلام فقد بانت ينقض نكاحها من وقت الرِّدَّةِ، وإنْ عادَتْ، فمن وقت الطلقات الثلاث، أَو الخُلْعِ.
القسم الثالث: الانتقالُ من دِينٍ بَاطِلٍ إِلى دينٍ حق، وفيه يقَعُ "بَابُ نِكَاحِ المشركات" الَّلاتِي عَلَى الأثَر.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ مَجُوسِيِّ وَيَهُودِيِّ وَلَدٌ لَمْ يُنْكَحْ في قَوْلٍ؛ لِغَلبَةِ التَّحْرِيم، وَنُظِرَ إلَى جَانِبِ الأَبِ فِي قَوْلٍ، وَيَتَصِّلُ بِهَذَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: منَ أَحدُ أَبويه كتابِىُّ، والآخرُ وثنيٌّ أو مجوسي يَقَرُّ بالجزية على الصحيح من خلاف سيأْتِي في "كتاب الجزية" إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، أَمَّا مناكحته، أَو مناكحة مَنْ أَحَدُ أَبويه يهوديُّ أَو نصرانيٌّ، والآخر مجوسيٌّ، فيُنْظر؛ إِن كان الأَبُ كتابياً، فقولان: أحدهما: ويُحْكَى عن مَالِكٍ - (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) - أَنَّها تَحِلُّ؛ لأَن الانتساب إلى الأبِ، والأبُ كتابيّ.
وأصحهما: المنع، وبه قال أَحمد؛ تغليباً للتَّحْرِيم، كما أَن المتولِّد بين المأَكول وغير المأكول حرامٌ وإِنْ كانَتِ الأُمُّ كتابيَّةً، لم تحلَّ؛ قولاً واحدًا وبه قال أَحَمْد.
وقال أَبو حنيفة: تحلُّ، سواءٌ كان الأَب كتابياً، والأُمُّ كتابيةً، ويجعل تبعاً لخير

الأَبوين دِيناً، كما لو كان أَحدُ الأَبَوْيِن مُسْلماً يحكم بإسلامِ الوَلَد.
[و] قال الأَصحاب: الِفرْق أَن الإِسلام يعْلو ويغلب سائر الأديان، وسائر الأَديان تتقاوم، ولا تَغْلِبُ بعَضُها بعضاً، ولهذا قُلْنا: إِنَّ الكفر كلَّه ملةٌ واحدةٌ، وعبر الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن هذا المعْنَى بأنَّ الإِسْلامَ لا يَشْرَكُه الشَّرْك، والشَّرْكُ يشركه الشرك، والحُكْمُ في حلِّ الذبيحة كهو في حل المناكحة، ثم ما ذكرنا من المنع جزماً، فيما إذا كانت الأَمُّ كتابيَّة، وعلى أَحد القولين، إِذا كان الأَب كتابياً في صفر المتلوِّد منهما، أمَّا إِذا بلغ وتَديَّن بدِينِ الكتابيِّ من أَبويه، فعن الشَّافِعِيَّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنه يحلُّ مناكحته وذبيحته، واختلف فيه الأَصحاب على ما نقله صاحب "التَّهْذِيبِ" منْهم من أثبته قولاً، ووجَّهه بأَن فيه شعبةً مِنْ كلِّ واحد منهما، لكنَّا عَلْينا التحريمُ ما دام تبعاً لأَحدِ الأبَوَيْنِ، فإذا بلغ واستقل، واختار الكتابية، قَوِيَتْ تلك الشعبة.
ومنهم من قَالَ: لا تحلُّ ذبيحته ومناكحته بعْد البلوغ أيضاً، كالمتولِّد من المجوسيَّيَن وحَملوا مَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ: -رَضِي اللهُ عَنْه- على ما إذا كان أَحد أبَوْيِهِ يهوديّاً، والآخَرُ نصرانياً، فبلغ، واختار دِينَ أَحدهما، والمتولِّدُ من يهوديِّ ومجوسية، إذا بلغ واختار التمجس، فالحكاية عن القَفَّالِ أَنه يُمَكَّنُ منه، ويجري عليه حكْمُ المجوس، بخلاِف من تولَّد من مسلمٍ ويهودية؛ حيث يلزمه التمسُّك بالإِسلام بعد البلوغ.
وقَالَ الإِمام: لا يُمنع أَن يقال: إِذا أثبتنا حكم اليهود في الذبيحة والمناكحة، فنِمنعه من التمجُّس، إذا منعنا الكافر من الانتقال من دين إِلى دِينٍ.
وقولهُ في الكتاب: "ولو تولد من بين مجوسية ويهوديٍّ ولَد من كذا" هو في بعَض النسخ، وفي بعضها من "بين مجوسيٍّ ويهوديٍّ" وهما صحيحان.
أَما الأَول فظاهر وأَما الثاني، فالتقدير من بين شخصٍ مجوسيٍّ، والآخر يُهوديٌّ، وذلك يشمل ما إِذا كان الأَبُ يهودياً وما إِذا كانت الأُمُّ يهوديَّةً، وَنَحْنُ في قَوْلٍ نحكم بالتحريم في الطَّرَفين، وفي قول، ننظر إلى الأَب، ونثبت حكْمَه في الولد، واللهُ أَعلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ويتصلُ بهذا:

بَابُ نِكَاحِ المُشْرِكَاتِ،

وَفِيهِ فُصُولٌ (الأَوَّلُ فِيمَا يُقَرُّ عَلَيْهِ الكَافِرُ مِنَ الأنْكِحَةِ) وَمَهْمَا أسْلَمَ كَافِرٌ عَلَى كِتَابِيَّةٍ قرَّرَ عَلَيْهِ، وَإنْ أَسْلَمَ عَلَى وَثَنيَّةٍ أَوْ مَجُوسيَّةٍ، فَإِنْ أسْلَمَتْ مَعَهُ قَبْلَ المَسِيسِ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وَكذَلِكَ (م ح) إنْ أسْلَمَتْ بَعْدَ المَسِيسِ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ، وَكذَلِكَ الحُكْمُ لَوْ كَانَتْ هِيَ السَّابِقَةَ إِلَى الإِسْلاَمِ.

جارٍ التحميل